الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > سورة 3 آل عمران > الآيات ٩٨-١٠١
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةيَخَافُ عُقُوبَتَهُ، ومَنْ حَجَّهُ لاَ يَرْجُو ثَوَابَهُ، فَهُوَ ذَلِكَ» «١» ، وقال بمعنى هذا الحديثِ ابْنُ عبَّاس وغيره، وقال السُّدِّيُّ وجماعة مِنْ أهْل العلْم.
معْنَى الآيةِ: مَنْ كَفَر بأنْ وَجَد ما يَحُجُّ به، ثم لَمْ يَحُجَّ، قال السُّدِّيُّ: مَنْ كان بهذه الحالِ، فهو كافرٌ «٢» ، يعني: كُفْرَ مَعْصية، ولا شكَّ أنَّ مَنْ أنعم اللَّه علَيْه بمالٍ وصحَّة، ولم يَحُجَّ، فقد كَفَر النِّعْمَةَ، وقال ابنُ عُمَر وجماعةٌ: معنى الآيةِ: ومن كَفَر باللَّه واليومِ الآخِرِ، قال الفَخْر «٣» : والأكثرون هم الذين حَمَلُوا الوعيدَ على مَنْ ترك اعتقادَ وُجُوبَ الحجِّ، وقال الضَّحَّاك: لما نَزلَتْ آية الحَجِّ، فأعْلَمِ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَلِكَ أَهْلَ المِلَلِ، وقَالَ: «إنَّ اللَّه تعالى كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجُّ، فحُجُّوا» ، فَآمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ وَكَفَرَ غَيْرُهُم «٤» فَنَزَلَتِ الآيةُ، قَالَ الفَخْرُ «٥» : وهذا هو الأقوى، واللَّه أعلم.
اهـ.
ومعنى قوله تعالى: غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ: الوعيدُ لِمَنْ كفر، والقَصْدُ بالكلامِ: فَإنَّ اللَّه غنيٌّ عنهم، ولكن عمَّم اللفظ ليَبْرَعَ المعنى، وتنتبه الفِكَرُ لقدرته سبحانه، وعظيم سلطانه، واستغنائه عن جميعِ خَلْقِهِ لا ربّ سواه.
وقوله عزّ وجلّ: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ.
هذه الآياتُ: توبيخٌ لليهود المعاصرين للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والكتابُ: التوراةُ، وآياتُ اللَّه يحتملُ أنْ يريدَ بها القُرآن، ويحتملُ العلاماتِ الظاهرةَ على يَدَيِ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله
سبحانه: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى مَا تَعْمَلُونَ وعيدٌ محض، قال الطبريّ «١» : هاتان الآيتان:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ، وما بعدهما إلى قوله: وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [آل عمران: ١٠٥] ، نزلَتْ بسبب رَجْلٍ من اليهودِ، حاول الإغراء بَيْن الأوس والخَزْرَج، قال ابنُ إسْحَاق: حدَّثني الثِّقَةُ عَنْ زَيْدِ بنِ أسْلَم، قال: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وكان شَيْخاً قَدْ عَسَا فِي الجَاهِلِيَّةِ عَظِيمَ الكُفْر، شَدِيدَ الضِّغْن على المُسْلمين/، والحَسَدِ لهم على نَفَرٍ من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ، وَهُمْ في مَجْلِسٍ يتحدَّثُونَ، فغَاظَهُ مَا رآه مِنْ جماعَتِهِمْ وصَلاَحِ بَيْنِهِمْ بَعْدَ مَا كَانَ بينَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ، فَقَالَ:
قَدِ اجتمع مَلأ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلاَدِ، واللَّهِ، مَا لَنَا مَعَهُمْ، إذَا اجتمع مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ، فَأَمَر فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: اعمد إلَيْهِمْ، واجلس مَعَهُمْ، وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثَ، وَمَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَيَّامِ حَرْبِهِمْ، وَأَنْشِدْهُمْ مَا قَالُوهُ مِنَ الشِّعْرِ فِي ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَفَاخَرُوا، وَتَنَازَعُوا حتى تَوَاثَبَ رَجُلاَنِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ مِنَ الأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْر مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلاَ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ، وَاللَّهِ، رَدَدْنَاهَا الآنَ جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلاَحَ السِّلاَح!
مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ، يُرِيدُونَ: الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إليها وتحاوز النَّاسُ على دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الجاهليّة، وبلغ ذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ المُهَاجرِينَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللَّه اللَّه، أَبِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ «٢» ، وَوَعَظَهُمْ، فَعَرَفَ القَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَأَلْقُوا السِّلاَحَ، وَبَكَوْا، وَعَانَقَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مِنَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ، وانصرفوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قيسٍ، وما صَنَعَ هذه الآيات.
وقال الحَسَنُ وغيره: نزلَتْ في أحْبَار اليَهُود الَّذِينَ يَصُدُّون المُسْلِمِينَ عَنِ الإسلام، ويَقُولُون: إن محمَّداً ليس بالموصُوفِ في كتابنا «٣» .
قال ع «٤» : ولا شَكَّ في وقوعِ هَذيْن الشيئَيْن، وما شاكَلَهما مِنْ أفعال اليهودِ وأقوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جميعِ ذلك، ومعنى «تَبْغُونَ» أي: تطلبون لها الاعوجاجَ