تفسير الثعالبي سورة الزخرف

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > تفسير سورة الزخرف

تفسيرُ سورةِ الزخرف كاملةً من تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) (عبد الرحمن الثعالبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 46 دقيقة قراءة

تفسير سورة الزخرف كاملةً (عبد الرحمن الثعالبي)

تفسير سورة الزّخرف

وهي مكّيّة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)

حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ وَالْكِتابِ: خُفِضَ بواو القَسَمِ، والضمير في جَعَلْناهُ عائد على الكتاب، وَإِنَّهُ عطف على جَعَلْناهُ، وهذا الإخبارُ الثَّانِي وَاقِعٌ أيضا تحت القسم، وأُمِّ الْكِتابِ: اللوح المحفوظ، وهذا فيه تشريفٌ للقرآن، وترفيع، واخْتَلَفَ المُتَأَوِّلُون: كيف هو في أُمِّ الكتاب؟ فقال قتادة وغيره: القرآن بأجمعه فيه منسوخ، ومنه كان جبريل ينزل، وهنالك هو عَلِيٌّ حكيم «١» ، وقال جمهور الناس: إنَّما في اللوح المحفوظ ذِكْرُهُ ودرجته ومكانته من العُلُوِّ والحكمة.

أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)

وقوله سبحانه: أَفَنَضْرِبُ بمعنى: أفنترك تقول العرب: أَضْرَبْتُ عن كذا وضَرَبْتُ: إذا أَعْرَضْتَ عنه وتركته، والذِّكْرَ هو: الدعاء إلى اللَّه، والتذكير بعذابِه، والتخويف من عقابه، وقال أبو صالح: الذِّكْرُ هنا أراد به العذاب نفسه «٢» ، وقال الضَّحَّاكُ ومجاهد: الذكر القرآن «٣» .

وقوله: صَفْحاً: يحتمل أَنْ يكون بمعنى العفو والغفر للذنوب، فكأَنَّهُ يقول:

أفنترك تذكيركم وتخويفكم عفواً عنكم، وغفراً لإجرامكم من أجل أنْ كنتم قوماً مسرفين، أي: هذا لا يصلح وهذا قول ابن عباس ومجاهد «٤» ويحتمل قوله: صَفْحاً أن يكون

حمٓ ١ وَٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ ٢ إِنَّا جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَٰنًا عَرَبِيًّۭا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٣ وَإِنَّهُۥ فِىٓ أُمِّ ٱلْكِتَـٰبِ لَدَيْنَا لَعَلِىٌّ حَكِيمٌ ٤ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًۭا مُّسْرِفِينَ ٥ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّۢ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ٦ وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٧ فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًۭا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ٨ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ ٩ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠ وَٱلَّذِى نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍۢ فَأَنشَرْنَا بِهِۦ بَلْدَةًۭ مَّيْتًۭا ۚ كَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ١١ وَٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْفُلْكِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ مَا تَرْكَبُونَ ١٢ لِتَسْتَوُۥا۟ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا۟ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقْرِنِينَ ١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ ١٤

بمعنى مغفولاً عنه، أي: نتركه يَمُرُّ لا تؤخذون/ بقبوله ولا بتدبُّره، فكأَنَّ المعنى: أفنترككم سُدًى، وهذا هو منحى قتادةَ وغيره، وقرأ نافع وحمزة والكسائي: «إنْ كُنْتُمْ» بكسر الهمزة «١» ، وهو جزاءً دَلَّ ما تقدَّمه على جوابه، وقرأ الباقون بفتحها بمعنى: من أجل أَنْ، والإسراف في الآية هو كُفْرُهُمْ.

«وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ» أي: في الأُمَمِ الماضية، كقوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ وغيرهم.

«وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» أي: كما يستهزىء قومك بك، وهذه الآية تسلية للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وتهديد بأَنْ يصيبَ قريشاً ما أصاب مَنْ هو أَشَدُّ بَطْشاً منهم.

وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ أي: سلف أمرهم وسُنَّتُهُم، وصاروا عبرةً غَابِرَ الدَّهْرِ، أنشد صاحبُ «عنوان الدِّرَايَةِ» لشيخه أبي عبد اللَّه التَّمِيميِّ: [البسيط]

يَا وَيْحَ مَنْ غَرَّهُ دَهْرٌ فَسُرَّ بِهِ ... لَمْ يَخْلُصِ الصَّفْوُ إلاَّ شِيبَ بِالْكَدَرِ

هُوَ الْحِمَامُ فَلاَ تُبْعِد زِيَارَتَه ... وَلاَ تَقُلْ لَيْتَنِي مِنْهُ على حَذَرِ

انْظُرْ لِمَنْ بَادَ تَنْظُرْ آيَةً عَجَباً ... وَعِبْرَةً لأولي الأَلْبَابِ وَالْعِبَرِ

أَيْنَ الألى جَنَبُوا خَيْلاً مُسَوَّمَةً ... وَشَيَّدُوا إرَماً خَوْفاً مِنَ الْقَدَرِ

لَمْ تُغْنِهِمْ خَيْلُهُمْ يَوْماً وَإنْ كَثُرَتْ ... وَلَمْ تُفِدْ إِرَمٌ لِلْحَادِثِ النُّكُرِ

بَادُوا فَعَادُوا حَدِيثاً إنَّ ذَا عَجَبٌ ... مَا أَوْضَحَ الرَّشْدَ لَوْلاَ سَيِّىءُ النَّظَرِ

تَنَافَسَ النَّاسُ في الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمُوا ... أنّ المقام بها كاللّمح بالبصر

انتهى.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)

وقوله سبحانه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ: الآيةُ ابتداءُ احتجاجٍ على قُرَيْشٍ/ يوجبُ عليهم التناقُضَ من حيث أَقرّوا بالخَالِقِ، وعَبَدُوا غيره، وجاءتِ العبارةُ عنِ اللَّه ب الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ليكونَ ذلك تَوْطِئَةً لما عَدَّدَ سبحانه من أوصافه التي ابتدأَ الإخبار بها، وقَطَعَهَا من الكلام الذي حكى معناه عن قُرَيْشٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الآية، هذه أوصافُ فِعْلٍ، وهي نِعَمٌ من اللَّه سبحانه على البَشَرِ، تقوم بها الحُجَّةُ على كُلِّ مُشْرِكٍ.

وقوله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ليس هو مِنْ قَوْلِ المسئولين، بل هو ابتداء إخبارٍ من اللَّه تعالى.

وقوله سبحانه: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ مَاءَ بِقَدَرٍ قيل: معناه: بقدر في الكفاية للصلاح لا إكثار فَيَفْسُدَ، ولا قِلَّة فيقصر بل غيثاً مُغِيثاً، وقيل: بِقَدَرٍ أي: بقضاء وحَتْمٍ، وقالت فرقة: معناه: بتقديرٍ وتحريرٍ، أي: قدر ماء معلوماً، ثم اختلف قائلُو هذه المقالة فقال بعضهم: ينزل في كلِّ عامٍ ماءً قَدْراً واحداً، لا يَفْضُلُ عامٌ عاماً، لكن يكثر مرّة هاهنا ومرة هاهنا، وقال بعضهم: بل ينزل تقديراً مَّا في عَامٍ، وينزل في آخرَ تقديراً مَّا، وينزل في آخر تقديراً آخرَ بِحَسَبِ ما سَبَقَ به قضاؤه لا إله إلا هو.

قُلْتُ: وبعض هذه الأقوالِ لا تُقَالُ من جهة الرأْيِ، بل لا بُدَّ لها من سَنَدٍ، وفَأَنْشَرْنا معناه: أَحْيَيْنَا يقال: نُشِرَ المَيِّتُ وأَنْشَرَهُ اللَّهُ، والأزواج هنا الأنواع من كلّ شيء، ومِنَ في قوله: مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ للتبعيض، والضمير في ظُهُورِهِ عائدٌ على/ النوع المركوبِ الذي وقَعَتْ عليه «ما» ، وقد، بَيَّنَتْ آية أخرى ما يقال عند ركوب الفُلْكِ، وهو: «بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ» [هود: ٤١] وإنما هذه خاصَّةٌ فيما يُرْكَبُ من الحيوان، وإنْ قَدَّرنا أَنَّ ذِكْر النعمة هو بالقَلْبِ، والتذكُّر بدء الراكِبُ ب سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا، وهو يرى نعمة اللَّه في ذلك وفي سواه ومُقْرِنِينَ أي:

مطيقين، وقال أبو حيَّان مُقْرِنِينَ: خبر كان، ومعناه غالبين ضابطين، انتهى، وهو بمعنى الأَوَّل، وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ أَمْرٌ بالإقرار بالبعث.

ت: وعن حمزة بن عمرو الأسلميِّ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «على ظَهْرِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ، فَإذَا رَكِبْتُمُوهَا فَسَمُّوا اللَّهَ» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه» «١» ، انتهى من «السلاح» ، وينبغي لمن مَلَّكَهُ اللَّه شيئاً من هذا الحيوانِ أنْ يَرْفُقَ به ويُحْسِنَ إليه لينالَ بذلك رضا اللَّه تعالى، قال القُشَيْرِيُّ في «التحبير» : وينبغي لِلْعَبْدِ أنْ يكُونَ مُعَظِّماً لِرَبِّه، نَفَّاعاً لخلقه، خيراً في قومه، مُشْفِقاً على عباده فَإنَّ رأس المعرفة تعظيمُ أمر اللَّه سبحانه، والشفقَةُ على خَلْقِ اللَّه، انتهى، وروى مالكٌ في «المُوَطَّإ» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّه قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ إذِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، فَخَرَجَ فَإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثرى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإنَّ لَنَا في الْبَهَائِمِ أَجْرَاً؟! / فَقَالَ: في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» «٢» .

قال أبو عُمَرَ في «التهميد» : وكذا في الإساءة إلى الحيوان إثْمٌ، وقد روى مالكٌ، عن نافع، عن ابنِ عمر أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ في هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا، ولاَ هِيَ أَطْلَقَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ» «٣» ، ثم أسند أبو عُمَرَ «أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم دخل حائطا من

وَجَعَلُوا۟ لَهُۥ مِنْ عِبَادِهِۦ جُزْءًا ۚ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌۭ مُّبِينٌ ١٥ أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍۢ وَأَصْفَىٰكُم بِٱلْبَنِينَ ١٦ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَـٰنِ مَثَلًۭا ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّۭا وَهُوَ كَظِيمٌ ١٧ أَوَمَن يُنَشَّؤُا۟ فِى ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِى ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍۢ ١٨ وَجَعَلُوا۟ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَـٰدُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثًا ۚ أَشَهِدُوا۟ خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَـٰدَتُهُمْ وَيُسْـَٔلُونَ ١٩

حِيطَانِ الأَنْصَارِ، فَإذَا جَمَلٌ قَدْ أُتِيَ فَجُرْجِرَ، وذرفت عيناه، فمسح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم سَرَاتَهُ وَذِفْرَاهُ، فَسَكَنَ، فَقَالَ: مَنْ صَاحِبُ الجَمَلِ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأنْصَارِ، فَقَالَ: هُوَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ في هذه البهيمة الّتي ملّكت اللَّهُ إنَّهُ شَكَا إلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وتُدْئِبُهُ» «١» ومعنى ذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، أي: قَطَرَتْ دموعُهما قطراً ضعيفاً، والسَّرَاةُ الظَّهْرُ، «والذفرى» : ما وراءَ الأذنَيْن عن يمين النقرة وشمالها، انتهى.

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩)

وقوله سبحانه: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً أيْ: جَعَلَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ والعربِ للَّه جزءاً، أي: نصيباً وحَظًّا، وهو قولُ العَرَبِ: «الملائكة بنات اللَّه» هذا قول كثير من المتأولين، وقال قتادة: المراد بالجُزْء: الأَصنَامُ وغيرها «٢» ف جُزْءاً معناه: نِدًّا.

ت: وباقي الآية يُرَجِّحُ تأويلَ الأكثرِ.

وقوله: أَمِ اتَّخَذَ: إضرابٌ وتقريرٌ وتوبيخٌ إذِ المحمود المحبوبُ من الأولاد قد خَوَّلَهُ اللَّه بني آدم، فكيفَ يتَّخِذُ هو لنفسه النصيب الأدنى، وباقي الآية بَيِّنٌ مِمَّا ذُكِرَ في «سورة النحل» وغيرها.

ثم زاد سبحانه في توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ التقدير: أو مَنْ يُنَشَّأُ في الحلية هو الذي خصصتم به الله عز وجل، والحلية: الحلي من الذهب/ والفضة والأحجار، ويُنَشَّؤُا معناه: ينبت ويكبر، والْخِصامِ: المحاجَّةُ ومجاذبة المحاورة، وقَلَّ ما تجد امرأة إلاَّ تُفْسِدُ الكلام وتخلط المعاني، وفي مصحف ابن مسعود «٣» : «وَهُوَ في الكَلاَمِ غَيْرُ مُبِينٍ» والتقدير: غير مُبِينٍ غَرَضاً أو منزعاً ونحو هذا،

وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ٢٠ أَمْ ءَاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰبًۭا مِّن قَبْلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسْتَمْسِكُونَ ٢١ بَلْ قَالُوٓا۟ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ٢٢ وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّقْتَدُونَ ٢٣ ۞ قَـٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ٢٤ فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٢٥

وقال ابن زيد: المراد ب مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ: الأصنامُ والأوثان، لأنَّهم كانوا يجعلون الحلي على كثير منها، ويتخذون كثيراً منها من الذهب والفضة «١» ، وقرأ أكثر السبعة:

وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً وقرأ الحَرَمِيَّانِ وابنُ عَامِرٍ: «عِنْدَ الرحمن إناثاً» وهذه القراءة أَدَلُّ على رفع المنزلة «٢» .

وقوله تعالى: «أأشهدوا خَلْقَهُمْ» معناه أَأُحْضِرُوا خَلْقَهُمْ، وفي قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وعيدٌ مُفْصِحٌ، وأسند ابن المبارك عن سليمان بن راشِدٍ أنه بلغه أَنَّ امرأ لا يشهدُ شهادةً في الدنيا إلاَّ شَهِدَ بها يومَ القيامة على رؤوس الأشهاد، ولا يمتدح عبداً في الدنيا إلاَّ امتدحه يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وهذا صحيح يَدُلُّ على صِحَّتِهِ قوله تعالى: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ وقوله: مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨] انتهى.

وقوله سبحانه: وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ ... الآية، أي: ما عبدنا الأصنام.

ت: وقال قتادة وغيره: يعني: ما عبدنا الملائكة «٣» ، وجعل الكفارُ إمهالَ اللَّه لهم دليلاً على رضاه عنهم، وأنَّ ذلك كالأمرِ به، ثم نفى سبحانه علمهم بهذا، وليس عندهم كتاب مُنَزَّلٌ يقتضي ذلك وإنَّما هم يَظُنُّونَ ويحدسون/ ويُخَمِّنُون، وهذا هو الخَرْصُ والتخرُّص، والأُمَّة هنا بمعنى الملَّة والديانة، والآية على هذا تُعِيبُ عليهم التقليد،

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌۭ مِّمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ٢٧ وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةًۭ فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٢٨

وذكر الطبريُّ «١» عن قوم أَنَّ الأمَّة الطريقة، ثم ضرب الله المثل لنبيّه محمّد ع وجعل له الأُسْوَةَ فيمن مضى من النذر والرسل وذلك أَنَّ المُتْرَفِينَ من قومهم، وهم أهل التنعُّم والمال، قد قابلوهم بِمِثْلِ هذه المقالة، وفي قوله عز وجل: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ ...

الآية: وعيدٌ لقريشٍ، وضَرْبُ مَثَلٍ لهم بِمَنْ سَلَفَ من الأمم المُعَذَّبَةِ المُكَذِّبَةِ لأنبيائها.

وقوله سبحانه: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه:

إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ أي: فافعل أنْتَ فِعْلَهُ، وتَجَلَّدْ جلده، وبَراءٌ: صفة تجري على الوَاحِدِ والاثْنَيْنِ والجَمْعِ كَعَدْلٍ وَزَوْرٍ، وقرأ ابن مسعود: «بَرِيءٌ» «٢» .

وقوله: «إلا الذي فطرني» قالت فرقة: الاستثناء مُتَّصِلٌ، وكانوا يعرفون اللَّه ويُعَظِّمُونه، إلاَّ أَنَّهم كانوا يشركون معه أصنامهم، فكأَنَّ إبراهيم قَالَ لهم: أنا لا أوافقكم إلاَّ على عبادة اللَّه الذي فطرني، وقالت فرقة: الاستثناء مُنْقَطِعٌ، والمعنى: لكنَّ الذي فطرني هو معبودي الهادي المُنْجي من العذاب، وفي هذا استدعاءٌ لهم، وترغيبٌ في طاعةِ اللَّه، وتطميع في رحمته.

والضمير في قوله: وَجَعَلَها كَلِمَةً ... الآية، قالت: فرقة: هو عائد على كلمته بالتوحيد في قوله: إِنَّنِي بَراءٌ وقال مجاهد وغيره: المراد بالكلمة: لا إله إلا اللَّه «٣» ، وعاد عليها الضمير، وإنْ كان لم يجر لها ذكر لأَنَّ اللفظ يتضمَّنها، والعَقِبُ: الذُّرِّيَّةُ، ووَلَدُ الوَلَدِ ما امتدَّ فرعهم.

بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠) وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣)

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)

وقوله: بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ يعني قريشاً حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ، وذلك هو شرع الإسلام، والرسول [هو] محمّد صلّى الله عليه وسلّم ومُبِينٌ أي: يبين لهم الأحكام، والمعنى في الآية: بل أمهلتُ هؤلاءِ وَمَتَّعْتُهُمْ بالنعمة وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ يعني القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ.

وَقالُوا يعني قريشا: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعني:

من إحدى القريتين، وهما مَكَّةُ والطَّائِفُ، ورجل مَكَّةَ هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ في قول ابن عباس وغيره «١» ، وقال مجاهد: هو عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ «٢» ، وقيل غير هذا، ورجل الطائف: قال قتادة: هو عُرْوَةُ بْنُ مسعود «٣» ، وقيل غير هذا، قال ع «٤» : وإنَّما قصدوا إلى من عظم ذكره بالسّنّ، وإلّا فرسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان أعظمَ من هؤلاء إذ كان المسمى عندهم «الأمين» ، ثم وَبَّخَهُم سبحانه بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ و «الرحمة» اسم عامٌّ يشمل النُّبُوَّةَ وغيرها، وفي قوله تعالى: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ تزهيدٌ في السعايات، وعون على التّوكّل على الله عز وجل وللَّه دَرُّ القائل: [الرجز]

[كَمْ جَاهِلٍ يَمْلِكُ دورا وقرى ... [وعالم يسكن بيتا بالكرى] «٥»

لَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَه ... نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ زَالَ المِرَا «٦»

وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَنَّهُ قال: «إذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً أَرْضَاهُ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَإذَا لَمْ يُرِدْ بِهِ خَيْراً، لَمْ يُرْضِهِ بِمَا قَسَمَ لَهُ، وَلَمْ يُبَارِكْ لَهُ فِيهِ» «٧» انتهى، وسُخْرِيًّا بمعنى التسخير، ولا مدخل لمعنى الهزء في هذه الآية.

وقوله تعالى: وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ قال قتادة والسُّدِّيُّ: يعني الجنة «١» ، قال ع «٢» : ولا شَكَّ أَنَّ الجنة هي الغاية، ورحمة اللَّه في الدنيا بالهداية والإيمان خير من/ كُلِّ مال، وفي هذا اللفظ تحقير للدنيا، وتزهيد فيها، ثم استمرَّ القولُ في تحقيرها بقوله سبحانه: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ... الآية وذلك أَنَّ معنى الآية أَنَّ اللَّه سبحانه أبقى على عباده، وأنعم عليهم بمراعاة بقاء الخير والإيمان، وشاء حفظه على طائفة منهم بَقِيَّةَ الدهر، ولولا كراهيةُ أنْ يكونَ الناسُ كُفَّاراً كُلُّهم، وأَهْلَ حُبٍّ في الدنيا وتجرُّدٍ لها- لوسَّعَ اللَّه على الكفار غايةَ التوسعة، ومَكَّنَهم من الدنيا وذلك لحقارتها عنده سبحانه، وأنها لا قَدْرَ لها ولا وزنَ لفنائها وذَهَابِ رسومها، فقوله: أُمَّةً واحِدَةً معناه في الكُفْرِ قاله ابن عباس وغيره «٣» ، ومن هذا المعنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، مَا سقى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» «٤» وروى ابن المبارك في «رقائقه» بسنده عن عَلْقَمَةَ عن عبد اللَّه قال: «اضطجع رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم عَلَى حَصِيرٍ فَأَثَّرَ الحَصِيرُ في جَنْبِهِ، فَلَمَّا استيقظ، جَعَلْتُ أَمْسَحُ عَنْهُ، وَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلاَ آذَنْتَنِي قَبْلَ أَنْ تَنَامَ على هَذَا الحَصِيرِ، فَأَبْسُطَ لَكَ عَلَيْهِ شَيْئاً يَقِيكَ منه؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: مَا لِيَ ولِلدُّنْيَا، وَمَا لِلدُّنْيَا وَمَا لِي مَا أَنَا وَالدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل في فَيْءِ أَوْ ظِلِّ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا» «٥» انتهى، وقد خَرَّجه التِّرمذيُّ، وقال: حديثٌ حَسَنٌ صحيح، وسُقُفاً جمع

سَقْف، والمعارج: الأدراج التي يُطْلَعُ عليها قاله ابن عبّاس وغيره «١» ، ويَظْهَرُونَ معناه: يعلون ومنه حديث عائشةَ- رضي اللَّه عنها- والشمس في حجرتها لم تظهر/ بعد، والسُّرُرُ: جمع سرير، والزُّخْرُفُ: قال ابن عَبَّاس، والحسن، وقتادة والسُّدِّيُّ: هو الذهب «٢» ، وقالت فرقة: الزُّخْرُفُ: التزاويق والنَّقْش ونحوه وشاهده: حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها [يونس: ٢٤] وقرأ الجمهور: وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا- بتخفيف الميم- من «لما» ف «إنْ» مُخَفَّفَةٌ من الثقيلة، واللام في «لما» داخلةٌ لتَفْصِلَ بين النفي والإيجاب، وقرأ عاصم، وحمزة، وهشام بخلافٍ عنه- بتشديد الميم- من «لمَّا» «٣» ف «إنْ» نافيةٌ بمعنى [ «مَا» ، و «لَمَّا» بمعنى] «٤» «إلاَّ» ، أي: وما كُلُّ ذلك إلاَّ متاعُ الحياة الدنيا، وفي قوله سبحانه: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ وعْدٌ كريمٌ، وتحريض على لزوم التقوى، إذ في

بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌۭ مُّبِينٌۭ ٢٩ وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ وَإِنَّا بِهِۦ كَـٰفِرُونَ ٣٠ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ٣١ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍۢ دَرَجَـٰتٍۢ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًۭا سُخْرِيًّۭا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ٣٢ وَلَوْلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًۭا مِّن فِضَّةٍۢ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ٣٣ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَٰبًۭا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِـُٔونَ ٣٤ وَزُخْرُفًۭا ۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَٱلْـَٔاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ٣٥ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُۥ شَيْطَـٰنًۭا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٌۭ ٣٦ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ٣٧ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَـٰلَيْتَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ بُعْدَ ٱلْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ ٱلْقَرِينُ ٣٨ وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِى ٱلْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ٣٩ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ أَوْ تَهْدِى ٱلْعُمْىَ وَمَن كَانَ فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٤٠ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١ أَوْ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِى وَعَدْنَـٰهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ٤٢

الآخرة هو التباينُ الحقيقيُّ في المنازل قال الفخر «١» : بَيَّنَ تعالى أَنَّ كُلَّ ذلك متاع الحياة الدنيا، وأَمَّا الآخرة فهي باقيةٌ دائمةٌ، وهي عند اللَّه وفي حُكْمِهِ للمتَّقِينَ المُعْرِضِينَ عَنْ حُبِّ الدنيا، المقبلين على حُبِّ المَوْلَى، انتهى.

وقوله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ الآية، وعَشَا يَعْشُو معناه: قَلَّ الإبصارُ منه، ويقال أيضاً: عَشِيَ الرجلُ يعشى: إذا فَسَدَ بَصَرُه، فلم يَرَ، أَو لَمْ يَرَ إلاَّ قليلاً، فالمعنى في الآية: ومَنْ يَقِلُّ بَصَرُهُ في شرع اللَّه، ويغمضُ جفونه عن النَّظَرِ في ذِكْرِ الرحمن، أي: فيما ذكَّر به عباده، أي: فيما أنزله من كتابه، وأوحاه إلى نَبِيِّه.

وقوله: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً أي: نُيَسِّرْ له، ونُعِدَّ، وهذا هو العقاب على الكفر بالحتم وعدمِ الفلاحِ، وهذا كما يقال: إنَّ اللَّه تعالى يُعَاقِبُ على المعصية بالتزيُّد في المعاصي، ويجازي على الحسنة بالتزيُّد من الحَسَنَاتِ، وقد روي هذا المعنى مرفوعاً. قال- ص-: وَمَنْ يَعْشُ الجمهور بضم الشين «٢» ، أي: يتعام ويتجاهل، ف مَنْ شرطية، ويَعْشُ مجزوم بها، ونُقَيِّضْ جوابُ مَنْ، انتهى، والضمير في قوله:

وَإِنَّهُمْ عائد على الشياطين، وفيما بعده عائد على الكُفَّارِ، وقرأ نافع وغيره «٣» : «حَتَّى إذَا جَاءَانَا» على التثنية، يريد: العاشي والقرين قاله قتادة وغيره «٤» ، وقرأ أبو عمرو وغيره:

«جَاءَنا» يريد العاشي وحدَه «٥» ، وفاعل قالَ هو العَاشِي، قال الفخر «٦» : وروي أنّ الكافر

فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤٣ وَإِنَّهُۥ لَذِكْرٌۭ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ۖ وَسَوْفَ تُسْـَٔلُونَ ٤٤ وَسْـَٔلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ءَالِهَةًۭ يُعْبَدُونَ ٤٥

إذا بُعِثَ يوم القيامة من قبره أَخَذَ شَيْطَانٌ بيده، فلم يُفَارِقْهُ حتى يصيِّرهما اللَّه إلى النار، فذلك حيث يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ انتهى.

وقوله: بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ يحتمل مَعَانِيَ:

أحدها: أن يريد بُعْدَ المشرق من المغرب، فَسَمَّاهما مَشْرِقَيْنِ كما يقال القَمَرَانِ، والعُمَرَانِ.

والثاني: أنْ يريد مشرق الشمس في أطول يوم، ومشرقها في أقصر يوم.

والثالث: أنْ يريد بعد المشرقَيْنِ من المغربين، فاكتفى بذكر المشرقين.

قلت: واستبعد الفَخْرُ التأويل الثاني قال: لأنّ المقصود من قوله: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ المبالغةُ في حصول البُعْدِ، وهذه المبالغة إنَّما تحصل عند ذكر بُعْدٍ لا يمكن وُجُودُ بُعْدٍ أزيدَ منه، والبُعْدُ بين مشرق الشتاء ومشرق الصيف ليس كذلك، فَيَبْعُدُ حَمْلُ اللَّفْظِ عليه قال: والأكْثَرُونَ عَلَى التأويل الأَوَّلِ، انتهى.

وقوله تعالى: وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ ... الآية، حكايةٌ عن مقالة تُقَالُ لهم يوم القيامة، وهي مقالة مُوحِشَةٌ فيها زيادةُ تعذيبٍ لهم ويأْسٍ من كل خير، وفاعل يَنْفَعَكُمُ الاشتراك، ويجوز أنْ يكون فاعل يَنْفَعَكُمُ التّبرّي الذي يدل عليه قوله: يا لَيْتَ.

وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ... الآية، خطاب للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وباقي الآية/ تكرَّر معناه غيرَ ما مَرَّةٍ.

وقوله تعالى: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ أي: بما جاءك من عند اللَّه من الوحي الْمتلوِّ وغيره.

وقوله: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ يحتمل أَنْ يريد: وإنَّهُ لشرف في الدنيا لكَ ولِقَوْمِكَ يعني:

قُرَيْشاً قاله ابن عباس وغيره «١» ، ويحتمل أنْ يريد: وإنَّه لتذكرة وموعظة، ف «القومُ» على هذا أُمَّتُهُ بأجمعها، وهذا قول الحسن بن أبي الحسن «٢» .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَقَالَ إِنِّى رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٦ فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَـٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ ٤٧ وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ٤٨ وَقَالُوا۟ يَـٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ ٤٩ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ ٥٠ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِۦ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ٥١

وقوله: وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ قال ابن عباس وغيره: معناه: عن أوامر القرآن ونواهيه «١» ، وقال الحسن: معناه: عن شكر النعمة فيه «٢» ، واللفظ يحتمل هذا كلَّه ويعمُّه.

وقوله تعالى: وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا ... الآية، قال ابن زيد، والزّهريّ: أما إنّ النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يَسْأَلِ الرُّسُلَ ليلةَ الإسْراءِ عن هذا لأَنَّهُ كان أَثْبَتَ يقيناً مِنْ ذلك، ولم يكُنْ في شَكٍّ، وقال ابنُ عَبَّاسٍ وغيره: أراد: واسأل أَتْبَاعَ مَنْ أرسلنا وحَمَلَةَ شرائعهم «٣» ، وفي قراءة ابن مسعود وأبيّ: «وسئل الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إلَيْهِمْ» «٤» .

ت: قال عِيَاضٌ: قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... » الآية:

الخطاب مواجهة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد المشركون قاله القُتَبِيُّ، ثم قال عِيَاضٌ: والمراد بهذا، الإعلامُ بأَنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يأذنْ في عبادة غيره لأحد رَدًّا على مُشْرِكي العرب وغيرهم في قولهم: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [الزمر: ٣] انتهى.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا ... الآية، ضرب مثل وأسوة للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم بموسى ع ولِكُفَّارِ قريشٍ بقوم فرعونَ.

وقوله: وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ أي: كالطوفان والجراد والقُمَّلِ والضفادع، / وغير ذلك لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ أي: يتوبون ويرجعون عن كفرهم، وقالوا لما عاينوا العذاب لموسى: يا أَيُّهَا السَّاحِرُ [أي] : العَالِمُ، وإنَّما قالوا هذا على جهة التعظيم والتوقير لأَنَّ عِلْمَ السحر عندهم كان علماً عظيماً، وقيل: إنَّما قالوا ذلك على جهة الاستهزاء، والأَوَّلُ أرجَحُ، وقولهم: ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ أي: إن نفعتنا دعوتك.

أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌۭ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌۭ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢ فَلَوْلَآ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌۭ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَآءَ مَعَهُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ٥٣ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًۭا فَـٰسِقِينَ ٥٤ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ أَجْمَعِينَ ٥٥ فَجَعَلْنَـٰهُمْ سَلَفًۭا وَمَثَلًۭا لِّلْـَٔاخِرِينَ ٥٦

وقوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ... الآية: مِصْرُ من بحر الإسكندريَّة إلى أُسْوَان بطول النيل، والأنهار التي أشار إليها هي الخُلْجَانُ الكِبَارُ الخارجة من النيل.

وقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ قال سِيبَوَيْهِ: «أَمْ» هذه المعادلةُ، والمعنى: أفأنتم لا تبصرون؟

أم تبصرون، وقالت فرقة: «أم» بمعنى «بل» ، وقرأ بعض الناس «١» : «أَمَا أَنَا خَيْرٌ» حكاه الفَرَّاءُ، وفي مصحف أُبَيِّ بن كعب «٢» : «أَمْ أَنا خير أم هذا» ومَهِينٌ معناه: ضعيف، وَلا يَكادُ يُبِينُ إشارةٌ إلى ما بقي في لسان موسى من أَثَرِ الجَمْرَة، وكانت أحدثَتْ في لسانه عُقْدَةً، فَلَمَّا دعا في أَنْ تُحَلَّ لِيُفْقَهَ قولُهُ، أُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ، لكِنَّهُ بقي أثرٌ كان البيانُ يقع معه، فَعَيَّرَهُ فرعونُ به.

وقوله: وَلا يَكادُ يُبِينُ يقتضى أَنَّه كان يُبِين.

وقوله: فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ: يريد من السماء، على معنى التكرمة، وقرأ الجمهور:

«أَسَاوِرَةٌ» وقرأ حفص عن عاصم: «أَسْوِرَةٌ» «٣» وهو ما يجعل في الذِّرَاعِ من الحلي، وكانت عادة الرجال يومئذ لُبْسَ ذلك والتَّزَيُّنَ به.

ت: وذكر بعض المفسرين عن مجاهد أَنَّهم كانوا إذا سَوَّدُوا رجلاً سَوَّرُوهُ بِسِوَارٍ، وَطَوَّقُوهُ بِطَوْقٍ من ذهب علامةً لسيادته، فقال فرعون: هلا/ ألقى رَبُّ موسى على موسى أساورةً من ذهب، أو جاء معه الملائكةُ مقترنين مُتَتَابعين، يُقَارِنُ بعضُهُمْ بَعْضاً، يمشون معه شاهدين له، انتهى، وقال ع «٤» : قوله: مُقْتَرِنِينَ: أي: يحمونه، ويشهدون له، ويقيمون حُجَّتَهُ.

ت: وما تقدَّم لغيره أحسنُ، ولا يُشَكُّ أنْ فرعونَ شَاهَدَ مِنْ حماية اللَّه لموسى

۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ٥٧ وَقَالُوٓا۟ ءَأَـٰلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًۢا ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ٥٨ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَـٰهُ مَثَلًۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٥٩

أموراً لم يَبْقَ معه شَكٌّ في أنَّ الله قد منعه منه.

وقوله سبحانه: آسَفُونا معناه: أغضبونا بلاَ خِلاَفٍ.

وقوله: فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً «السلف» : الفارط المُتَقَدِّمُ، أي: جعلناهم متقدِّمين في الهلاك لِيَتَّعِظَ بهم مَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، وقال البخاريّ: قال قتادة: مَثَلًا لِلْآخِرِينَ عظة «١» ، انتهى.

وقوله سبحانه: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ... الآية، روي عن ابن عباس وغيره في تفسيرها أَنَّهُ لما نَزَلَتْ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] الآية، وكَوْنُ عيسى من غير فَحْلٍ- قالت قريشٌ: ما يريد محمدٌ من ذكر عيسى إلاَّ أَنْ نعبده نَحْنُ كما عَبَدَتِ النصارى عيسى، فهذا كان صدودُهُمْ «٢» .

وقوله تعالى: وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ ... هذا ابتداء معنى ثان، وذلك أَنَّهُ لما نزل:

إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [الأنبياء: ٩٨] الآية، قال [ابن] الزِّبَعْرَى ونظراؤه: يا محمد، أآلهتنا خير أم عيسى؟ فنحن نرضى أنْ تكُونَ آلهتنا مع عيسى إذْ هُوَ خَيْرٌ منها، وإذْ قد عُبِدَ، فهو من الحَصَبِ إذَنْ، فقال اللَّه تعالى: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ومغالطةً، ونَسُوا أَنَّ عيسى لم يُعْبَدْ برضاً منه، وقالتْ فرقةٌ: المراد ب هُوَ محمَّد صلّى الله عليه وسلّم وهو قولُ قتادة «٣» ، وفي مصحف [أُبَيٍّ] : «خَيْرٌ أم هذا» «٤» فالإشارة إلى/ نبيّنا محمّد ع، وقال ابن زيد وغيره: المراد ب هُوَ عيسى «٥» ، وهذا هو الراجح، ثم أخبر تعالى عنهم أَنَّهم أهلُ خصامٍ ولَدَدٍ، وأخبر عن عيسى بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ أي: بالنبوّة والمنزلة العالية.

وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَـٰٓئِكَةًۭ فِى ٱلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ٦٠ وَإِنَّهُۥ لَعِلْمٌۭ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٦١ وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌۭ ٦٢

ت: ورُوِّينَا في «جامع الترمذيِّ» عن أبي أُمَامة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ، ثم تلا هذه الآية: مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

» «١» قال أبو عيسى: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ، انتهى.

وقوله: وَجَعَلْناهُ مَثَلًا أي: عبرةً وآية لِبَنِي إِسْرائِيلَ والمعنى: لا تستغربوا أَنْ يُخْلَقَ عيسى مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ فَإنَّ القدرة تقتضي ذلك، وأكثر منه.

وقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ معناه: لجعلنا بدلاً منكم، أي: لو شاء اللَّهُ لَجَعَلَ بَدَلاً من بني آدم ملائكةً يسكُنُونَ الأَرْضَ، ويخلفون بني آدم فيها، وقال ابن عباس ومجاهد: يخلف بعضهم بعضاً «٢» ، والضمير في قوله: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ قال ابن عَبَّاس وغيره:

الإشارة به إلى عيسى «٣» ، وقالت فرقة: إلى محمد، وقال قتادة وغيره: إلى القرآن «٤» .

ت: وَكَذَا نقل أبو حيَّان «٥» هذه الأقوالَ الثلاثة، ولو قيل: إنَّه ضميرُ الأمر والشَّأن استعظاماً واستهوالاً لأَمْرِ الآخِرَةِ ما بَعُدَ، بل هو المتبادَرُ إلى الذِّهْنِ، يَدُلُّ عليه:

فَلا تَمْتَرُنَّ بِها، واللَّه أعلم، وقرأ ابن عباس «٦» ، وجماعة: «لَعَلَمٌ» - بفتح العين

وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِٱلْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌۭ مُّسْتَقِيمٌۭ ٦٤ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ٦٥

واللام- أي: أمارة، وقرأ عِكْرِمَةُ «١» : «لَلْعِلْمُ» بلامين الأولى مفتوحة، وقرأ أُبيٌّ: «لَذِكْرٌ لِلسَّاعَةِ» «٢» فمن قال: إنَّ الإشارة إلى عيسى حَسَنٌ مع تأويله «عِلْم» و «عَلَم» ، أي: هو إشعارٌ بالساعة، وشَرْطٌ/ من أَشراطها، يعني: خروجه في آخر الزمان، وكذلك مَنْ قال:

الإشارة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، أي: هو آخر الأنبياء، وقد قال: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ كَهَاتَيْنِ» يعني السبابة والوسطى، ومَنْ قال: الإشارة إلى القرآن حَسُنَ قوله مع قراءة الجمهور، أي:

يعلمكم بها وبأهوالها.

وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ: إشارة [إلى] الشرع.

وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ يعني: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وغير ذلك، وباقي الآية تكرَّر معناه.

وقوله: هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ حكاية عن عيسى ع، إذ أشار إلى شرعه.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)

وقوله سبحانه: هَلْ يَنْظُرُونَ يعني: قريشاً، والمعنى: ينتظرون وبَغْتَةً معناه:

فجأة، ثم وَصَفَ سُبْحَانَه بَعْضَ حالِ القيامة، فقال: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، وذلك لهولِ مطلعها والخوف المُطِيفِ بالناس فيها يتعادى ويتباغضُ كُلُّ خليل كان في الدنيا على غير تُقًى لأَنَّه يرى أَنَّ الضَّرَرَ دخل عليه من قِبَلِ خليله، وأَمَّا المُتَّقُونَ فَيَرَوْنَ أَنَّ النفْعَ دخَلَ من بعضهم على بعض، هذا معنى كلام عليٍّ- رضي اللَّه عنه- وخَرَّجَ البَزَّارُ عن ابن عَبَّاس قال: «قيل: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ جُلَسَائِنَا خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ ذَكَّرَكُمْ باللَّهِ رُؤْيَتُهُ، وَزَادَكُمْ في عِلْمِكُمْ مَنْطِقُهُ، وَذَكَّرَكُمْ بِاللَّهِ عَمَلُهُ» «٣» اهـ، فمِنْ مثل هؤلاء تصلح الأخوّة

الحقيقية، واللَّه المستعانُ، ومن كلام الشيخ أبي مَدْيَنَ- رضي اللَّه عنه-: دليلُ تخليطِكَ صُحْبَتُكَ للمخلِّطين، ودليلُ انقطاعك صُحْبَتُكَ لِلمُنْقَطِعِين، وقال ابن عطاء اللَّه في «التنوير» : قَلَّ ما تَصْفُو لَكَ الطَّاعَات، أو تَسْلَمُ/ من المخالَفَات، مع الدخول في الأسباب، لاِستلزامها لمعاشرة الأضداد ومخالطة أَهْلِ الغَفْلة والبِعَاد، وأَكْثَرُ ما يعينك على الطاعات رؤيةُ المُطِيعين، وأَكْثَرُ ما يُدْخِلُكَ في الذّنب رؤية المذنبين، كما قال ع:

«المَرْءُ على دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» «١» والنفس من شأنها التَّشَبُّهُ والمحاكَاةُ بصفَاتِ مَنْ قارَنَهَا، فصحبةُ الغافلين مُعِينَةٌ لها على وجود الغَفْلَةِ، انتهى، وفي «الحِكَمِ الفارقيَّة» : مَنْ ناسب شَيْئاً انجذب إليه وظَهَرَ وَصْفُهُ عليه، وفي «سماع العُتْبِيَّةِ» قال مالك:

لا تصحبْ فاجراً لئلاَّ تتعلمَ من فجوره، قال ابن رُشْدٍ: لا ينبغي أنْ يصحب إلاَّ مَنْ يُقْتَدَى به في دينه وخيره لأَنَّ قرينَ السوء يُرْدِي قال الحكيم: [الطويل]

[إذَا كُنْتَ في قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُم ... وَلاَ تَصْحبِ الأردى فتردى مَعَ الرَّدِي]

عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي

انتهى.

ت: وحديث: «المَرْءُ على دِينِ خَلِيلهِ» أخرجه أبو داود، وأبو بكر بن الخطيب وغيرهما، وفي «المُوَطَّإ» من حديث معاذ بن جبل، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:

قال اللَّه تبارك وتعالى: «وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ والمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ» «٢» قال أبو عمر: إسناده صحيحٌ عن أبي إدريس الخولانيِّ عن معاذ، وقد رواه جماعة عن معاذٍ، ثم أسند أبو عُمَر من طريقِ أبي مسلم الخولاني، عن معاذ قال:

سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «المُتَحَابُّونَ في اللَّه على مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «٣» ، قال أبو مسلم: فخرجت فلقيتُ عبادة بن الصامت، فذكرت له حديث

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةًۭ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ٦٦ ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ ٦٧ يَـٰعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ٦٨ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ مُسْلِمِينَ ٦٩ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَٰجُكُمْ تُحْبَرُونَ ٧٠ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٧١ وَتِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِىٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ٧٢ لَكُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ كَثِيرَةٌۭ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ ٧٣ إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ ٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ٧٥ وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوا۟ هُمُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٧٦ وَنَادَوْا۟ يَـٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّـٰكِثُونَ ٧٧

معاذ، فقال: وأنا سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ: قَالَ: «حَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَحَابِّينَ فِيَّ، وحَقَّتْ مَحَبَّتِي عَلَى المُتَزَاوِرِينَ فيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتي عَلَى المُتَبَاذِلِينَ فيَّ،، والمُتَحَابُّونَ في الله على منابر من نور في ظل الْعَرْشِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إلاَّ ظِلُّهُ» «١» انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: يا عِبادِ المعنى: يقال لهم، أي: للمتقين، وذكر الطبريُّ «٢» عن المعتمر عن أبيه أنه قال: سمعت أَنَّ الناس حين يُبْعَثُونَ ليس منهم أَحَدٌ إلاَّ فَزِعَ، فينادي منادٍ: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم، ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناس كلّهم، فيتبعها:

الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ قال: فَيَيْئَسُ منها جميعُ الكُفَّار.

وقوله: الَّذِينَ آمَنُوا نعت للعباد، وتُحْبَرُونَ معناه: تنعمون وتُسَرُّونَ، و «الحبرة» : السرور، و «الأكواب» : ضَرْبٌ من الأَواني كالأباريق، إلاَّ أنها لا آذان لها ولا مقابض.

وقوله تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ يعني: الكُفَّارَ، و «المُبْلِسُ» : المُبْعَدُ اليائسُ من الخير قاله قتادة وغيره «٣» ، وقولهم: لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ أي: لِيُمِتْنَا رَبُّك فنستريحَ، فالقضاء في هذه الآية: الموتُ كما في قوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [القصص: ١٥] ، وروي في تفسيره هذه الآية عن ابن عباس أَنَّ مالكاً يقيم بعد سؤالهم ألف سنة، ثم حينئذ

لَقَدْ جِئْنَـٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ ٧٨ أَمْ أَبْرَمُوٓا۟ أَمْرًۭا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ٧٩ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَىٰهُم ۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ٨٠ قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌۭ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْعَـٰبِدِينَ ٨١ سُبْحَـٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا۟ وَيَلْعَبُوا۟ حَتَّىٰ يُلَـٰقُوا۟ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى يُوعَدُونَ ٨٣

يقول لهم: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ «١» .

لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠) قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)

وقوله سبحانه: لَقَدْ جِئْناكُمْ يحتملُ أنْ يكونَ مِنْ تَمَامِ قول مالِكٍ لهم، ويحتمل أنْ يكون من قول اللَّه تعالى لقريشٍ، فيكونُ فيه تخويفٌ فصيحٌ بمعنى: انظروا كيف يكون حالكم؟!.

وقوله تعالى: أَمْ/ أَبْرَمُوا أَمْراً أي: أحكموا أمرا في المكر بالنبيّ صلّى الله عليه وسلّم فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أي: مُحْكِمُون أمراً في نَصْرِهِ ومجازاتهم، والمراد ب «الرسل» هنا: الحَفَظَةُ من الملائكة يكتبون أعمال العباد، وتَعُدُّ للجزاء يوم القيامة.

«واخْتُلِفَ في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ فقال مجاهد:

المعنى إنْ كان للَّه ولد في قولكم، فأنا أَوَّل مَنْ عَبَدَ اللَّه وَوَحَّدَهُ وكَذَّبكم «٢» ، وقال ابن زيد وغيره: «إن» : نافية بمعنى «ما» فكأَنَّه قال: قل ما كان للرحمن ولد «٣» ، وهنا هو الوقف على هذا التأويل، ثم يبتدىء قوله: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ قَال أبو حاتم قالت فرقةٌ:

العابِدُونَ في الآية: مِنْ عَبِدَ الرجلُ: إذا أَنِفَ وأنكر، والمعنى: إنْ كان للرحمن ولد في قولكم، فأنا أَوَّلُ الآنفين المُنْكِرِينَ لذلك، وقرأ أبو عبد الرحمن: «فَأَنَا أَوَّلُ الْعَبِدِينَ» قال أبو حاتم: العَبِدُ- بكسر الباء-: الشَّدِيدُ الغضب، وقال أبو عُبَيْدَةَ: معناه: أول الجاحدين «٤» ، والعَرَبُ تقولُ: عَبَدَني حَقِّي، أي: جَحَدَنِي، وباقي الآية تنزيه لله سبحانه، ووعيد للكافرين، ويَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ هو يوم القيامة، هذا قول الجمهور، وقال عِكْرَمَةُ وغيره: هو يوم بَدْرٍ «٥» .

وَهُوَ ٱلَّذِى فِى ٱلسَّمَآءِ إِلَـٰهٌۭ وَفِى ٱلْأَرْضِ إِلَـٰهٌۭ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْعَلِيمُ ٨٤ وَتَبَارَكَ ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٥ وَلَا يَمْلِكُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ٨٦ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٨٧ وَقِيلِهِۦ يَـٰرَبِّ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَـٰمٌۭ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٨٩

وقوله جَلَّتْ عظمته: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ ... الآية، آيةُ تعظيمٍ وإخبارٍ بأُلُوهِيَّتِهِ سبحانه، أي: هو النافذ أَمْرُهُ في كُلِّ شيء، وقرأ عمر بن الخَطَّاب، وأُبَيٌّ، وابنِ مسعود، وغيرهم «١» : «وَهُوَ الَّذِي في السَّمَاءِ اللَّهُ وَفي الأَرْضِ اللَّهُ» وباقي الآية بَيِّنٌ، ثم [أَعْلَمَ سبحانه] أَنَّ مَنْ عُبِدَ من دون اللَّه لا يملك شفاعةً يَوْمَ القيامة، إلاَّ مَنْ شَهِدَ بالحق، وهم الملائكة، وعيسى/ وعُزَيْرٌ فإنَّهُمْ يملكون الشفاعة بأنْ يُمَلِّكُها اللَّه إيَّاهم إذ هم مِمَّنْ شَهِدَ بالحقِّ، وهم يعلمونه، فالاستثناء على هذا التأويل مُتَّصِلٌ، وهو تأويل قتادة «٢» ، وقال مجاهد وغيره: الاستثناء في المشفوع فيهم «٣» ، فكأَنَّه قال: لا يشفع هؤلاءِ الملائكةُ، وعيسى، وعُزَيْرٌ إلاَّ فيمن شَهِدَ بالحق، أي: بالتوحيد فآمن على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، فالاستثناء على هذا التأويل مُنْفَصِلٌ، كأَنَّه قال: لكن مَنْ شَهِدَ بالحَقِّ فيشفع فيهم هؤلاءِ، والتأويل الأَوَّلُ أصوب، وقرأ الجمهور: «وَقِيلَهُ» بالنصب «٤» ، وهو مصدر كالقَوْلِ، والضّمير فيه لنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم، واخْتُلِفَ في الناصب له، فقالت فرقة: هو معطوف على قوله: سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ولفظ البخاريِّ وَقِيلِهِ يا رَبِّ: تفسيرُهُ: أيحسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْوَاهُمْ [و] لا نَسْمَعُ قِيلَهُ يا رَبِّ، انتهى، وقيل: العامل فيه يَكْتُبُونَ ونزل قوله تعالى: وَقِيلِهِ يا رَبِّ بمنزلة شكوى محمّد ع واستغاثَتِهِ مِنْ كُفْرِهِمْ وعُتُوِّهم، وقرأ حمزةُ وعاصمٌ: «وقيله» بالخفض «٥» عطفا على الساعة.

وقوله سبحانه: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ: مُوَادَعَةٌ منسوخةٌ وَقُلْ سَلامٌ تقديره: أَمْرِي سلامٌ، أيْ: مسالمة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر