تفسير الثعالبي سورة الضحى

الإسلام > القرآن > تفسير > الثعالبي > تفسير سورة الضحى

تفسيرُ سورةِ الضحى كاملةً من تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) (عبد الرحمن الثعالبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

تفسير سورة الضحى كاملةً (عبد الرحمن الثعالبي)

تفسير سورة «الضّحى»

[وهي] مكّيّة بلا خلاف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى (٦)

تقدّم تفسير الضُّحى بأنه: سُطُوع الضوءِ وعِظَمُه، وقال قتادة: الضُّحى هنا النهار كلّه «١» وسَجى معناه سَكَنَ واستقَرَّ لَيْلاً تامًّا، وقيل: معناه أقْبَلَ، وقِيلَ: معناه أدْبَرَ، والأولُ أصحُّ، وعليه شواهِدُ، وقال البخاريُّ: قال مجاهد: إِذا سَجى اسْتَوَى «٢» ، وقال غيره: أظلمَ وسكنَ، انتهى،، وقرأ الجمهور: مَا وَدَّعَكَ- بشدِ الدالِ- من التَّوْدِيع وقُرِىءَ «٣» بالتخفيفِ بمعنى: ما تَرَكَكَ، وقال البخاريُّ: مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ بالتشديدِ والتخفيفِ: ما تَرَكَكَ، انتهى.

وقَلى أبْغَضَ، نزلتْ بسببِ إبطَاءِ الوَحْي مدَّة وَلَلْآخِرَةُ يعني: الدارَ الآخِرَةَ خيرُ لَكَ من الدنيا، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قيل: هي أرْجَى آية في القرآن لأنّه صلّى الله عليه وسلّم لا يرضى، وواحدٌ من أمتهِ في النارِ، ورُوِي أنه- عليه الصلاةُ والسلام- قال لما نَزَلَتْ: «إِذنْ لاَ أرضى، وأَحدٌ مِنْ أُمَّتِي في النَّارِ» قال عِيَاضٌ: وهذه آيةٌ جامعةٌ لوجوه الكرامة وأنواع

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ٨ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١

السعادةِ في الدارين، انتهى، [ت: وفي «صحيح مسلم» من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العَاصِي: أنَّ النبي صلّى الله عليه وسلّم تلا قول الله- عز وجل- في إبراهيمَ عليه السلام: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم:

٣٦] وقولُ عيسى عليه السلام: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، وبكى، فَقَالَ اللَّهُ- جَلَّ ثناؤُهُ- يَا جِبْرِيلُ اذهب إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إنَّا سَنُرْضِيكَ في أمّتك ولا نسؤوك، انتهى مختصراً] «١» ، ثُمَّ وَقَفَ تَعَالَى نبيَّه على المراتبِ التي دَرَجَه عَنْها بإنعَامِهِ فقال: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى.

وقوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى اخْتَلَفَ الناسُ في تأويلِهِ، والضلالُ يَخْتَلِفُ، فمنه البعيدُ ومنه القريبُ فالبعيدُ ضلالُ الكفَّارِ، وهذا قَدْ عَصَمَ الله منه نبيّه فلم يعبد/ صلّى الله عليه وسلّم صَنَماً قط، ولا تَابعَ الكفارَ على شيءٍ مما هم عليه من الباطلِ، وإنما ضلالُه صلّى الله عليه وسلّم هو كَوْنُهُ واقفاً لا يَميزُ المَهْيَعَ، بل يُدْبِرُ وَيَنْظُر، وقال الترمذي وعبد العزيز بن يحيى: ضَالًّا معناه: خاملُ الذِّكْرِ لا يعرفُك الناسُ فهداهُم إليكَ ربُّك، والصوابُ أنه ضلالُ من توقّف لا يدري، كما قال عز وجل: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [الشورى: ٥٢] وقال الثعلبي: قال بعض المتكلمين: إذا وجَدَتِ العربُ شَجَرَةً مفردة في فلاةٍ سَمَوْها ضالةً فَيُهْتَدَى بها إلى الطريقِ، أي: فَوَجَدْتُكَ وَحيداً ليس معَك نبيٌّ غيرَك فهديتُ بك الخلقَ إليَّ، انتهى، قال عياض: وقال الجنيد: المَعْنَى: وَوَجَدَكَ متحيِّراً في بيانِ ما أُنْزِلَ إليكَ فهَدَاكَ لبيانِه، لقوله: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ ... [النحل: ٤٤] الآية، قال عياض: ولا أعلمُ أحداً من المفسرينَ قَال فيها ضالاًّ عَنْ الإيمانِ، وكذلك في قصةِ موسى- عليه السلام- قوله: فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٢٠] أي المخطئينَ، وقال ابن عطاء: وَوَجَدَكَ ضَالًّا أي: مُحِبًّا لمعرفتِي، والضَّالُّ: المحِبُّ، كما قال تعالى: إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ [يوسف: ٩٥] أي: محبَّتِكَ القديمةِ، انتهى، والعَائِلُ: الفقيرُ فَأَغْنى أي: بالقناعَةِ والصَّبْرِ، ثم وصَّاه تَعالى بثلاثِ وصَايَا بإزاءِ هذه النعم الثلاث، والسَّائِلَ هنا قَال أبو الدرداء: هو السائلُ عن العلم «٢» ، وقيل: هو سائل المال، وقال

إبراهيم بن أدهم: نعم القومُ السؤال يحملنا زادنا إلى الآخرة.

وقوله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ قال مجاهد وغيره: معناه بُثَّ القرآن وبلِّغْ ما أُرسلْتَ بهِ «١» ، قال عياض: / وهذا الأمرُ يَعُمَّ الأمة، انتهى، وقال آخرونَ: بل هُوَ عُمُوم في جميعِ النِّعم، وفي «سنن أبي داود» عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أَعْطُوا الأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ «٢» ، وَأَعْطُوا السَّائِلَ، وَإنْ جَاءَ على فَرَسٍ» «٣» قال البغويُّ في «المصابيحِ» : هذا حديثٌ مُرْسَلٌ انتهى.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده