الإسلام > القرآن > تفسير > السمرقندي > تفسير سورة المطففين
تفسيرُ سورةِ المطففين كاملةً من تفسير السمرقندي (بحر العلوم) (أبو الليث السمرقندي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 10 دقيقة قراءةمختلف فيها وهي ست وثلاثون آية مكية قوله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ يعني: الشدة من العذاب للذين ينقصون المكيال والميزان وإنما سمي الذي يخون في المكيال والميزان مطففاً لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الخفيف الطفيف ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ يعني: استوفوا من الناس لأنفسهم وعلى بمعنى عن بمعنى إذا اكتالوا عن الناس يستوفون يتمون الكيل والوزن وَإِذا كالُوهُمْ يعني: إذا باعوا من غيرهم ينقصون الكيل أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ يعني: ينقصون الكيل وقال بعضهم كالوهم حرفان يعني: كالوا ثم قال: هم وكذلك وزنوا ثم قال: هم يخسرون وذكر عن حمزة الزيات أنه قال هكذا ومعناه هم إذا كالوا أو وزنوا ينقصون وكان الكسائي يجعلها حرفاً واحداً كالوهم أي: كالوا لهم وكذلك وزنوا لهم وقال أبو عبيدة وهذه هي القراءة لأنهم كتبوها في المصاحف بغير ألف ولو كان مقطوعاً لكتبوا كالواهم بالألف ثم قال عز وجل: أَلا يَظُنُّ يعني: ألا يعلم المطفف وألا يستيقن بالبعث قوله تعالى: أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يعني: يبعثون بعد الموت لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يعني: يوم القيامة هولها شديد يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ يعني: في يوم يقوم الخلائق بين يدي الله تعالى وروى أبو هريرة- - إن النبيّ قال: «يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِقْدَارَ نِصْفَ يَوْمٍ يَعْنِي: خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَذَلِكَ الْمَقَامُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كَتَوَلِّي الشَّمْسَ» وروى نافع عن ابن عمر عن النبي قال: «يَقُومُ أَحَدُكُمْ ورشحه إلى أتصاف أُذُنَيْهِ» وقال ابن مسعود: إن الكافر ليلجم بعرقه حتى يقول أرحني ولو إلى النار ثم قال: كَلَّا يعني: لا يستيقنون البعث ثم استأنف، فقال: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ ويقال: هذا موصول بكلا إن كتاب يعني حقاً إن كتاب الفجار لَفِي سِجِّينٍ يعني: أعمال الكفار لفي سجين قال مقاتل وقتادة: السجين الأرض السفلى، وقال الزجاج: السجين فعيل من السجن والمعنى: كتابهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وقال مجاهد: سجين صخرة تحت الأرض السفلى فيجعل كتاب الفجار تحتها، وقال عكرمة: لَفِي سِجِّينٍ أي: لفي خسارة وقال الكلبي: السجين الصخرة التي عليها الأرضون وهي مسجونة فيها أعمال الكفار وأزواجهم فلا تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء ثم قال: وَما أَدْراكَ مَا سِجِّينٌ ثم أخبر فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً ويقال: مكتوب مختوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يعني: شدة العذاب لِلْمُكَذِّبِينَ يعني: شدة العذاب للمكذبين.
<div class="verse-tafsir"
ثم بيّن فقال عز وجل: الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ يعني: يجحدون بالبعث وَما يُكَذِّبُ بِهِ يعني: بيوم القيامة إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يعني: كل معتد بالظلم آثم عاص لربه ويقال: كل مقيد للخلق أثيم يعني فاجر وهو الوليد بن المغيرة وأصحابه ومن كان في مثل حالهم ثم قال: إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني: أحاديث الأولين وكذبهم.
ثم قال: كَلَّا يعني: لا يؤمن بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: ختم، ويقال: غطى على قلوبهم مَّا كانُوا يَكْسِبُونَ يعني: ما عملوا من أعمالهم الخبيثة، وروى أبو هريرة- - عن النبيّ أنه قال: «إذَا أَذْنَبَ العَبْدُ ذَنْباً كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاء فِي قَلْبِهِ فَإِذَا تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ وَإنْ زَادَ زَادَتْ وَذَلِكَ قَوْلِهِ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ» ، وقال قتادة: الذنب على الذنب حتى مات القلب (أسود) ويقال: غلف على قلوبهم ويقال: غطا على قلوبهم وقال أهل اللغة الرين: هو الصدأ والصدأ هو اسم البعد كما قال: ويصدهم عن سبيل الله يغشى على القلب ثم قال: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ يعني: لا يرونه يوم القيامة ويقال عن رحمته لممنوعون ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ يعني: دخلوا النار ثُمَّ يُقالُ يعني: يقول لهم الخزنة هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ يعني: تجحدون، وقلتم إنه غير كائن ثم قال عز وجل: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ يعني: حقاً إن كتاب المصدقين لفي عليين وهو فوق السماء السابعة، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم ثم قال عز وجل: وَما أَدْراكَ مَا عِلِّيُّونَ ثم وصفه فقال: كِتابٌ مَرْقُومٌ يعني: مكتوباً مختوماً في عليين يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ يعني: يشهد على ذلك الكتاب سبعة أملاك من مقربي أهل كل سماء وقال بعضهم: الكتاب أراد به الروح والأعمال يعني: يرفع روحه وأعماله إلى عليين.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ يعني: المؤمنين الصالحين لفي نعيم في الجنة على الارائك ينظرون يعني على سرر في الحجال ينظرون إلى أهل النار، ويقال: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ يعني: أثر النعمة وسرورهم في وجوههم ظاهر يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ يعني: يسقون خمراً بيضاء، وقال الزجاج: الرحيق الشراب الذي لا غش فيه، قال القتبي: الرحيق الخمر العتيقة، ثم قال: مَخْتُومٍ خِتامُهُ مِسْكٌ يعني: إذا شرب منه رجل وجد عند فراغه من الشراب ريح المسك قرأ الكسائي مسك، وروي عن الضحاك أنه قرأ مثله والباقون ختامه مسك ومعناهما واحد، والخاتم اسم والختام مصدر يعني: يجد شاربه ريح المسك حين ينزع الإناء من فيه ثم قال عز وجل: وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ يعني: بمثل هذا الثواب فليتبادر المتبادرون، ويقال: فليتحاسد المتحاسدون ويقال: فليواظب المواظبون وليجتهد المجتهدون وهذا كما قال لمثل هذا فليعمل العاملون ثم قال: وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ يعني: مزاج الخمر من ماء اسمه تسنيم وهو من أشرف الشراب في الجنة وإنما سمي تسنيماً لأنه يتسنم عليهم فينصب عليهم انصباباً، وقال عكرمة: ألم تسمع إلى قول الرجل يقول إني لفي السنام من قومه فهو في السنام من الشراب، وقال القتبي أصله من سنام البعير يعني: المرتفع ثم وصفه فقال عز وجل: عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ يعني: التسنيم عيناً يشرب بها المقربون صرفاً ويمزج لأصحاب اليمين ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا يعني: أشركوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ يعني: من ضعفاء المؤمنين يضحكون ويسخرون ويستهزءون بهم وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ يعني: يطعنون ويغتابون وذلك أن علي بن أبي طالب- - مر بنفر من المنافقين ومعه نفر من المسلمين فسخر منهم المنافقون، ويقال حكاية عن كفار مكة أنهم كانوا يضحكون من ضعفاء المسلمين وإذا مروا بهم وهم جلوس يتغامزون يعني: يتطاعنون بينهم ويقولون هؤلاء الكسالى: وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ يعني: رجعوا معجبين بما هم فيه وَإِذا رَأَوْهُمْ يعني: رأوا المؤمنين قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ يعني: تركوا طريقهم وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ يعني: ما أرسل هؤلاء حافظين على أصحاب النبيّ ليحفظوا عليهم أعمالهم، قال مقاتل: هذا كله في المنافقين يعني: ما وكل المنافقون بالمؤمنين يحفظون عليهم أعمالهم، قرأ عاصم في رواية حفص انقلبوا فكهين بغير ألف وفي رواية حفص والباقون بالألف ومعناهما واحد وقال بعضهم: فاكهين ناعمين فكهين فرحين.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ يعني: في الجنة يضحكون على أهل النار وهم على سرر في الحجال وأعدائهم في النار عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ إلى أعدائهم يعذبون في النار هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ يعني: جوزوا، ويقال: هل جوزي الكفار وعوقبوا إلا مَا كانُوا يَفْعَلُونَ يعني: إلا بما عملوا في الدنيا من الاستهزاء، وقال مقاتل: يعني: قد جوزي الكفار بأعمالهم الخبيثة جزاءً شراً والله الموفق.