تفسير الطبري سورة قريش

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة قريش

تفسيرُ سورةِ قريش كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 12 دقيقة قراءة

تفسير سورة قريش كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

[تفسير سورة "قريش"] ﷽ القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدست أسماؤه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.

اختلفت القرأةُ في قراءة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إيلَافِهِمْ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصار بياء بعد همزةٍ: ﴿لإِيلَافِ﴾، و ﴿إلَافِهِمْ﴾، سوى أبى جعفرٍ، فإنه وافق في قوله: ﴿لإيلَافِ﴾.

فقرأه بياءٍ بعد همزةٍ، واختلف عنه في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾؛ فرُوى عنه أنه كان يقرؤُه (إِلْفِهِمْ) على أنه مصدرٌ من: ألِف يألفُ ألفًا، بغير ياء (١).

وحكَى بعضُهم عنه أنه كان يقرؤه: (إِلَافِهِمْ) بغيرِ ياءٍ، مقصورةَ الألفِ.

والصواب من القراءة في ذلك عندى من قرَأه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾ بإثباتِ الياء فيهما بعد الهمزة، من: آلفَتُ الشيءَ أُولِفه إيلافًا؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه (٢).

وللعرب في ذلك لغتان؛ آلفتُ، وألفتُ.

فمن قال: آلفَتُ بمدِّ الألفِ، قال: فأنا أُولِفُ إيلافًا، ومَن قال: ألِفت.

بقصرِ الألف، قال: فأنا آلَفُ إلْفًا، وهو رجلٌ آلَفٌ إِلْفًا (٣).

وحُكِى عن عكرمة أنه كان يقرأُ ذلك: (لِيَأْلَفْ (١) قريش إِلْفَهم رحلةَ الشتاءِ والصيفِ).

حدَّثني بذلك أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي مكينٍ، عن عكرمة (٢).

وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ في ذلك ما حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن شهر بن حوشبٍ، عن أسماء بنت يزيد، قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقرأ: (إلْفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ) (٣).

واختلف أهلُ العربية في المعنى الجالبِ هذه اللام في قوله: ﴿لإيلافِ (٤) قُرَيْشٍ﴾؛ فكان بعضُ نحويِّي البصرة يقولُ: الجالبُ لها قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفِ مَّأْكُول﴾ [القيل: ٥].

فهي في قول هذا القائل صلةٌ لقوله (٥): "جعلهم".

فالواجب على هذا القولِ أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيلِ هذا الفعل نعمةً منا على أهل هذا البيتِ، وإحسانًا منا إليهم، إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف.

فتكون اللام في قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾ بمعنى "إلى"، كأنه قيل: نعمةً لنعمةٍ، وإلى نعمةٍ.

لأن "إلى" موضع اللامِ، واللام موضعَ "إلى".

وقد قال معنى هذا القول بعضُ أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك * حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشَّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

قال: إيلافهم ذلك، فلا يشُقُّ عليهم رحلة شتاءٍ ولا صيفٍ (١).

حدثني إسماعيل بن موسى السديُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجرِ، عن مجاهد: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

قال: نعمتى على قريشٍ.

حدّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الهلاليُّ، قال: ثنا فَرْوةُ بنُ أَبي المَغْراءِ الكِنْديُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن إبراهيم بن المهاجر، عن مجاهد مثله.

حدثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

قال: نعمتى على قريشٍ (٢).

وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (٣) يقولُ: قد قيل هذا القولُ، ويقال: إنه ﵎ عجَّب نبيَّه ﷺ فقال: اعجَبْ يا محمد لنِعَمِ اللهِ على قريشٍ في إيلافِهم رحلةَ الشتاء والصيفِ.

ثم قال: فلا يتشاغَلوا بذلك عن الإيمان بالله واتِّباعك.

يستدلُّ بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

وكان بعضُ أهل التأويل [يوجّه تأويل ذلك إلى نحوِ القولِ الذي ذكرنا عن بعض البصريين، غير أنه كان] (١) يوجه تأويل قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

إلى أُلفةِ بعضهم بعضًا.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

فقرأ: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] إلى آخرِ السورة.

قال: هذا الإيلافِ قريش؛ صنعتُ هذا بهم لألفة قريشٍ؛ لئلا أفرِّقَ أُلفَتَهم وجماعتَهم.

إنما جاء صاحبُ الفيلِ ليستبيدَ حريمَهم، فصنَع الله به به (٢) ذلك (٣).

وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصوابِ أن يقال: إن هذه اللامَ بمعنى التعجبِ، وإن معنى الكلام: اعجَبوا لإيلافِ قريشٍ رحلة الشتاءِ والصيفِ، وتركِهم عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، الذي أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف (٤).

والعرب إذا جاءت بهذه اللام، فأدخلوها في الكلام للتعجبِ، اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها، كما قال الشاعرُ: أغَرَّكَ أن قالوا لقُرَّةَ شاعرًا … فيا لِأباهُ من عَرِيفٍ وشاعِرِ فاكتُفِى باللام دليلًا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلامُ: أَغرَّكَ أن قالوا: اعجَبوا لقرَّةَ شاعرًا.

فكذلك قوله: ﴿لإِيلَافِ﴾.

وأما القولُ الذي قاله من حكَينا قولَه: إنها من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾.

فإن ذلك لو كان كذلك، لوجَب أن يكون ﴿لإيلَافِ﴾ بعضَ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، وأن لا تكونَ سورةً منفصلةً من ﴿أَلَمْ تَرَ﴾.

وفى إجماع جميعِ المسلمين على أنهما سورتان تامَّتان، كلُّ واحدة منهما منفصلةٌ عن (١) الأخرى - ما يبينُ عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ من صلة قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥].

لم تكن ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ * تامةً حتى توصل بقوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾؛ لأن الكلام لا يتمُّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: (إلْفِهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ).

يقولُ: لزومهم (٢).

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

قال: نهاهم عن الرحلة، وأمَرهم أن يعبُدوا ربَّ هذا البيت، وكفاهم المؤنةَ، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم بعد ذلك من جوع، وآمنهم من خوفٍ، وألِفوا الرحلةَ، فكانوا إذا شاءوا ارتحَلوا، وإذا شاءوا أقاموا، فكان ذلك من نعمة الله عليهم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنى عبد الأعلى، قال: ثنا داود، عن عكرمة قال: كانت قريشٌ قد ألفوا بُصْرَى واليمنَ؛ يختلفون إلى هذه في الشتاء، وإلى هذه في الصيف، ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

فأمرهم أن يقيموا بمكة (١).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن إسماعيل، عن أبى صالح: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشِ (١) إيلَافِهِمْ﴾.

قال: كانوا تُجَّارًا، فعلم الله حبَّهم للشامِ (٢).

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.

قال: عادة قريشٍ؛ عادتُهم رحلةُ الشتاء والصيف (٣).

حدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ﴾: كانوا ألفوا الارتحالَ في القيظِ والشتاءِ.

وقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾.

مخفوضةٌ على الإبدال، كأنه قال: لإيلافِ قريش، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.

وأما "الرحلةُ" فنُصبت بقوله: ﴿إِيلَافِهِمْ﴾.

ووقوعه عليها.

وقوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

يقولُ: رحلة قريشٍ الرحلتين؛ إحداهما إلى الشام في الصيفِ، والأخرى إلى اليمن في الشتاء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

قال: كانت لهم رحلتان؛ الصيف إلى الشام، والشتاءَ إلى اليمن في التجارة، إذا كان الشتاءُ امتنع الشامُ منهم لمكان البرد، وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن (١).

حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهران، عن سفيانَ: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

قال: كانوا تُجَّارًا (٢).

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن الكلبيِّ: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

قال: كانت لهم رحلتان؛ رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلةٌ في الصيف إلى الشام (٣).

حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيم الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ ابنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾.

قال: كانوا يَشْتُون بمكةَ، ويَصِيفون بالطائف (٤).

وقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

يقولُ: فليقيموا بموضعهم ووطنهم من مكةَ، وليعبُدوا ربَّ هذا البيت.

يعنى بالبيت الكعبةَ.

كما حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ بن الخطابِ ﵁ صلَّى المغرب بمكة، فقرأ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾، فلما انتهى إلى قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ أشار بيده إلى البيت (١).

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عامرُ بنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ جعفر بن أبى المغيرةِ، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾.

قال: الكعبة (٢).

وقال بعضُهم: أُمِروا أن يألَفوا عبادةَ ربَّ مكة كإلفهم الرحلتين.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرو بن عبد الحميد الآمليُّ، قال: ثنا مروان، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾.

قال: أُمروا أن يألفوا عبادةَ ربِّ هذا البيتِ، كإلفهم رحلةَ الشتاء والصيف (٣).

وقوله: ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾.

يقول: الذي أطعَم قريشًا من جوعٍ.

كما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿الَّذِى أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾: يعنى قريشًا أهلَ مكةَ؛ بدعوةِ إبراهيمَ ﷺ حيث قال: ﴿وَارْزُقَهُم مَّنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (٤) [إبراهيم: ٣٧].

﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

اختلَف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك أنه آمنهم مما يخافُ منه مَنْ لم يكن من أهلِ الحرمِ؛ من الغاراتِ والحروبِ والقتالِ، والأمورِ التي كانت العرب يخافُ بعضُها من بعضٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾: حيث قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ (١) [البقرة: ١٢٦].

حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

قال: آمنهم من كلَّ عدوٍّ في حرمِهم (٢).

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿لإيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ﴾.

قال: كان أهلُ مكة تجارًا، يتعاورون (٣) ذلك شتاءً وصيفًا، آمِنين في العربِ، وكانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض لا يقدرون على ذلك، ولا يستطيعونه من الخوف، حتى إن كان الرجل منهم ليُصابُ في حيٍّ من أحياءِ العربِ، وإذا قيل: حِرْمِيٌّ.

خُلِّيَ عنه وعن مالِه؛ تعظيمًا لذلك فيما أعطاهم الله من الأمنِ (٤).

حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿وَءَامَنَهُم مِنْ خَوْفٍ﴾.

قال: كانوا يقولون: نحنُ من حَرَمِ اللهِ.

فلا يَعرِضُ لهم أحدٌ في الجاهلية؛ يأمَنون بذلك، وكان غيرُهم من قبائل العربِ إذا خرج أغِيرَ عليه (١).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

قال: كانت العربُ يُغيرُ بعضُها على بعض، ويَسْبِى بعضُها بعضًا، فأمنوا من ذلك لمكانِ الحرمِ.

وقرأ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجبَى إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٢) [القصص: ٥٧].

وقال آخرون: عُنِي بذلك: وآمنهم من الجُذَامِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، قال: قال الضحاك: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

قال: من خوفهم من الجُذام (٣).

حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهران (٤)، عن سفيانَ: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

قال: من الجُذامِ وغيره (٥).

حدثنا أبو كريب، قال: قال وكيعٌ: سمعتُ: ﴿أَطْعَمَهُم مَّن جُوعٍ﴾ له.

قال: الجوع، ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾: الخوفُ الجُذَامُ.

حدَّثنا عمرو بن عليٍّ، قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، قال: ثنا خطاب بنُ جعفر بن أبى المغيرة، قال: ثني أبي، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس: ﴿وَءَامَنَهُم مَّنْ خَوْفٍ﴾.

قال: الخوفُ الجُذَامُ (١).

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه آمَنَهم من خوف، والعدوُّ مَخُوفٌ منه، والجُذَامُ مَخُوفٌ منه، ولم يخصُصِ الله الخبر عن أنه آمنهم من العدوِّ دونَ الجُذام، ولا من الجُذام دونَ العدوِّ، بل عمَّ الخبر بذلك، فالصواب أن يُعَمَّ كما عمَّ جَلَّ ثناؤُه، فيقال: آمنهم من المعنيين كليهما.

آخرُ تفسير سورة "قريشٍ"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر