تفسير الطبري سورة الكافرون

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الكافرون

تفسيرُ سورةِ الكافرون كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

تفسير سورة الكافرون كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسير سورةِ "الكافرون" ﷽ القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ وكان المشركون من قومه فيما ذُكر عَرَضوا عليه أن يعبُدوا اللَّهَ سَنةً، على أَنْ يَعْبُدَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ آلهتهم سنةً، فأَنزَلَ اللَّهُ مُعَرِّفه جوابهم في ذلك -: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين الذين سألوك عبادةَ آلهتِهم سنةً، على أن يَعْبُدوا إلهَك سنةً: ﴿يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ باللَّهِ، ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ مِن الآلهةِ والأوثانِ الآنَ، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ الآنَ، ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ﴾ فيما أستقبِلُ، ﴿مَا عَبَدْتُمْ﴾ فيما مضى، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ﴾ فيما تَستَقْبلون أبدًا، ﴿مَا أَعْبُدُ﴾ أنا الآنَ وفيما أستقبلُ.

وإنما قيل ذلك كذلك؛ لأنَّ الخطاب من اللَّهِ كان لرسوله ﷺ في أشخاصٍ بأعيانهم من المشركين، قد عُلم أنهم لا يؤْمِنون أبدًا، وسبَق لهم ذلك في السابقِ مِن علمِه، فأمَر نبيَّه ﷺ اللَّهِ أن يُؤْيِسَهم مِن الذي طَمِعوا فيه وحدَّثوا به أنفسهم، وأنَّ ذلك غيرُ كائنٍ منه ولا منهم في وقتٍ من الأوقاتِ، وآيَس نبيَّ اللَّهِ ﷺ مِن الطمعِ في إيمانِهم، ومن أنْ يُفلِحوا أبدًا، فكانوا كذلك لم يُفْلِحوا ولم يُنْجِحوا، إلى أنْ قُتِل بعضُهم يومَ بدرٍ بالسيفِ، وهلَك بعضٌ قبَل ذلك كافرًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت به الآثارُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ موسى الحَرَشِيُّ، قال: ثنا أبو خلفٍ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس: إِنَّ قريشًا وَعَدُوا رسول اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعطوه مالًا فيكونَ أَغْنى رجلٍ بمكةَ، ويُزوِّجوه ما أراد مِن النساءِ، ويَطَئوا عَقِبَه، فقالوا له: هذا لك عندَنا يا محمدُ، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، فلا تَذْكُرْها بسوءٍ، فإن لم تَفْعَلْ، فإِنا نَعْرِضُ عليك خَصْلَةً واحدةً، فهى لك ولنا فيها صلاحٌ.

قال: "ما هي؟

".

قالوا: تعبُدُ آلهتنا سنةً؛ اللات والعُزَّى، ونعبُدُ إلهَك سنةً.

قال: "حتى أَنْظُرَ ما يأتي مِن عندِ ربِّي".

فجاء الوَحْى من اللَّوح المحفوظ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ السورة، وأنزل اللَّهِ: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) [الزمر: ٦٤ - ٦٦].

حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثني سعيدُ بنُ مِينا مولى البخْتَرِيِّ (٢)، قال: لقى الوليدُ بنُ المغيرةُ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ المطلبِ، وأميَّةُ بنُ خلف، رسول اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هلُمَّ فلنعبُدْ ما تعبُدُ، وتعبُدْ ما نعبُدُ، ونَشْرَكُك في أمرِنا كلِّه، فإن كان الذي جئتَ به خيرًا مما بأيدِينا، كنا قد شَرَكناك فيه، وأخَذْنا بحظِّنا منه، وإنْ كان الذي بأيدِينا خيرًا مما في يدَيك، كنتَ قد شَركْتَنا في أمرنا، وأخَذْتَ منه بحظِّك.

فأنزَل اللَّهِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.

حتى انقضَتِ السورة (١).

وقوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لكم دينُكم فلا تَتْرُكونه أبدًا؛ لأنه قد خُتِم عليكم، وقضى ألا تَنْفَكُّوا عنه، وأنكم تموتون عليه، ولىَ ديني الذي أنا عليه، لا أَتْرُكُه أبدًا؛ لأنه قد مضَى في سابقِ علمِ اللَّهِ أنى لا أنتقِلُ عنه إلى غيرِه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾.

قال: للمشركين.

قال: واليهودُ لا يعبُدون إلا اللَّهِ ولا يشركون، إلا أنهم يكفُرون ببعضِ الأنبياءِ وبما جاءوا به من عندِ اللَّهِ، ويكفرون برسولِ اللَّهِ وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وقتلوا طوائف الأنبياءِ ظلمًا وعُدْوانًا.

قال: إلا العِصابَة التي بَقُوا حتى خرج بُخْتُنَصَّرَ، فقالوا: عُزيرٌ ابنُ اللَّهِ، دَعِيُّ (٢) اللَّهِ.

ولم يعْبُدوه (٣) ولم يَفْعلوا كما فعَلتِ النصارى، قالوا: المسيحُ ابنُ اللَّهِ وعبَدوه.

وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٤) يقولُ: كرَّر قوله: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وما بعدَه على وجْهِ التوكيدِ، كما قيل: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥، ٦].

وكقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦، ٧].

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الكافرون"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 32%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد