الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة هود
تفسيرُ سورةِ هود كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 413 دقيقة قراءةتفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها هودُ ﵇ ﷽ ربُ يَسِّر القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد ذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الر﴾، والصوابَ مِن القولِ فى ذلك عندَنا بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وقولُه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾: يعنى: هذا الكتابُ الذي أنزَله اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، وهو القرآنُ.
ورُفِع قولُه: ﴿كِتَابٌ﴾ بنيَّةِ: هذا كتابٌ.
فأما على قولِ مَن زَعَم أن قولَه: ﴿الر﴾ مرادٌ به سائرُ حروفِ المعجمِ التي نَزَل بها القرآنُ، وجُعِلت هذه الحروفُ دلالةً على جميعِها، وأن معنى الكلامِ هذه الحروفُ كتابٌ أُحكِمت آياتُه.
فإن الكتابَ على قولِه، ينبغي أن يكون مرفوعًا بقوله: ﴿الر﴾.
وأما قولُه: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: أُحكِمت آياتُه بالأمرِ والنهيِ، ثم فُصِّلت بالثواب والعقابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرني أبو محمدٍ الثقفىُّ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
قال: أُحكِمتْ بالأمرِ (١) والنهي، وفُصِّلَت [بالثوابِ والعقابِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا عبدُ الكريمِ بنُ محمدٍ الجُرْجانيُّ، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، عن الحسنِ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾.
قال: أُحكِمتْ في الأمرِ والنهيِ، وفُصِّلت] (٢) بالوعيدِ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه بن الزبير، عن ابنِ عُيينةَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾.
قال: بالأمرِ والنهيِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
قال: بالثوابِ والعقابِ (٤).
ورُوِىَ عن الحسنِ قولٌ خلافُ هذا؛ وذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن أبى بكرٍ، عن الحسنِ، قال: وحدَّثنا عبَّادُ بنُ العوَّامِ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿أُحْكِمَتْ﴾: بالثوابِ والعقابِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾: بالأمرِ والنهيِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ مِن الباطلِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، فبُيِّنَ منها الحلالُ والحرامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾: أَحْكَمها اللهُ مِن الباطلِ، ثم فَصَّلها بعلمه، فبيَّن حلالَه وحرامَه، وطاعتَه ومعصيتَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
قال: أحكَمها اللهُ مِن الباطلِ، ثم فَصَّلها: بَيَّنها (٢).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معناه: أحكَم اللهُ آياتِه مِن الدَّخَلِ والخَللِ والباطلِ، ثم فَصَّلها بالأمرِ والنهيِ؛ وذلك أن إحكامَ الشيءِ إصلاحُه وإتقانُه، وإحكامَ آياتِ القرآنِ إحكامُها مِن خَلَلٍ يكونُ فيها، أو باطلٍ يقدِرُ ذو زَيْغٍ أن يَطْعُنَ فيها مِن قِبَلِه (٣).
وأما تفصيلُ آياته، فإنه تمييزُ بعضها مِن بعضٍ بالبيانِ عما فيها مِن حلالٍ وحرامٍ وأمرٍ ونهيٍ.
و كان بعضُ المفسرين يفسِّرُ قولَه: ﴿فُصِّلَتْ﴾.
بمعنى: فُسِّرت، وذلك نحوُ الذي قُلنا فيه مِن القولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: ثنا ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
قال: فُسِّرت.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فُصِّلَتْ﴾.
قال: فُسِّرت (١).
قال: ثنا محمدٍ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: بَلَغنى عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾.
قال: فُسِّرت.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال قتادةُ: معناه: بُيِّنَتْ.
وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك قبلُ، وهو شبيهُ المعنى بقولِ مجاهد.
وأما قولُه: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، فإن معناه: حكيمٌ بتدبيرِ الأشياءِ وتقديرها، خبيرٌ بما يئولُ إليه عواقبُها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾.
يقولُ: مِن عندِ حكيمٍ خبيرٍ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم فُصِّلت بأن لا تَعْبدوا إلا اللهَ وحدَه لا شريكَ له، وتَخْلعوا (١) الآلهةَ والأندادَ.
ثم قال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ للناسِ (٢): إننى لكم مِن عندِ اللهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ يُنْذِرُكم عقابَه على معاصيه وعبادةِ الأصنامِ، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ يُبَشِّرُكم بالجزيلِ مِن الثوابِ على طاعتِه، وإخلاصِ العبادةِ والألوهةِ له.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم فُصِّلت آياتُه بأن لا تَعْبدوا إلا الله، وبأن استغْفِروا ربَّكم.
ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾: وأن اعْمَلوا أيُّها الناسُ مِن الأعمالِ ما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فيَسْتُرَ عليكم عظيمَ ذنوبِكم التي رَكِبتُموها بعبادتِكم الأوثانَ والأصنامَ، وإشراكِكم الآلهةَ والأندادَ في عبادتِه.
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: ثم ارجِعوا إلى ربِّكم بإخلاصِ العبادةِ له دونَ ما سِواه مِن سائرِ ما تعبدون مِن دونِه، بعدَ خَلْعِكم الأندادَ، وبراءتِكم مِن عبادتِها؛ ولذلك قيل: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، ولم يقُلْ: وتُوبوا إليه (٣).
لأن التوبةَ معناها الرجوعُ إلى العملِ بطاعةِ اللهِ، والاستغفارُ استغفارٌ مِن الشركِ الذى كانوا عليه مُقِيمين، والعملُ للهِ لا يكوُ عملًا له إلا بعدَ تركِ الشركِ به، فأما الشركُ فإن عملَه لا يكونُ إلا للشيطانِ، فلذلك (١) أمَرهم تعالى ذكرُه بالتوبة إليه بعدَ الاستغفارِ مِن الشركِ؛ لأن أهلَ الشركِ كانوا يَرَون أنهم يُطِيعون اللَّهَ بكثيرٍ مِن أفعالِهم، وهم على شركِهم مُقِيمون.
وقولُه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه للمشركين الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ: استغْفرِوا ربَّكم ثم تُوبوا إليه، فإنكم إذا فعَلتم ذلك بَسَطَ عليكم مِن الدنيا، ورَزَقَكم مِن زينتِها، وأنْسَأَلكم في آجالِكم إلى الوقتِ الذى قضَى فيه عليكم الموتَ.
وبنحوِ الذي قُلنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، فأنتم (٢) في ذلك المتاعِ (٣)، فخُذُوه بطاعةِ اللهِ ومعرفةِ حقِّه، فإن اللهَ مُنعِمٌ يحِبُّ الشاكرين، وأهلُ الشكرِ فى مزيدٍ مِن اللهِ، وذلك قضاؤُه الذى قَضَى (٤).
وقولُه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: يعنى الموتَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
قال: الموتُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾: وهو الموتُ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
قال: الموتُ (٢).
وأما قولُه: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، فإنه يعنى: يُثِيبُ كلُّ مَن تَفَضَّلَ بفضلِ مالِه أو قوتِه أو معروفِه على غيرِه، مُحْتسِبًا بذلك، مُريدًا به وجهَ اللَّهِ، أَجزَلَ ثوابِه وفضْلِه في الآخرةِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
قال: ما احتَسَب به مِن مالِه، أو عملٍ بيدِه أو رجلِه، أو كلمةٍ، أو ما تطوَّعَ به مِن أمرِه كلِّه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: أو عَمَلٍ بيديه أو رِجْلَيه وكلامِه، وما تطوَّلَ (٣) به مِن أمره كلِّه (٤).
حدَّثنا القاسمُ:، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: وما نَطَق به مِن أمرِه كلِّه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
أي: في الآخرةِ (١).
وقد رُوِيَ عن ابن مسعودٍ أنه كان يقولُ في تأويلِ ذلك ما حُدِّثْتُ به عن المسيَّبِ بنِ شريكٍ، عن أبى بكرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾.
قال: مَن عَمِلَ سيئةً كُتبت عليه سيئةٌ، ومَن عَمِلَ حسنةٌ كُتبت له عشرُ حسناتٍ، فإن عُوقِب بالسيئةِ التي كان عَمِلها في الدنيا، بَقِيت له عشرُ حسناتٍ، وإن لم يُعاقَبْ بها في الدنيا، أُخِذَ مِن الحسناتِ العشرِ واحدةٌ وبَقِيت له تسعُ (٢) حسناتٍ.
ثم يقولُ: هَلَكَ مَن غَلَبَ آحادُه أَعْشارَه (٣).
وقولُه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ يقولُ تعالى ذكرُه: وإن أعْرَضوا عما دعَوتَهم إليه مِن إخلاصِ العبادةِ للهِ، وتركِ عبادةِ الآلهةِ، وامتَنَعوا مِن الاستغفارِ للَّهِ والتوبةِ إليه، فأدْبَروا مُوَلِّين عن ذلك، فإني أَيُّها القومُ أَخافُ عليكم عذابَ يومٍ كبيرِ شأنُه، عظيمٍ هَوْلُه، وذلك يومَ تُجْزَى كلُّ نفس بما كَسَبَت وهم لا يُظْلَمون.
وقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾.
ولكنه مما قد تقدَّمَه قولٌ، والعربُ إذا قَدَّمَت قبل الكلامِ قولًا خاطَبَت، ثم عادَت إلى الخبرِ عن الغائبِ، ثم رَجَعَت بعدُ إلى الخطابِ.
وقد بَيَّنَّا ذلك في غيرِ موضعِ، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إلى اللهِ أَيُّها القومُ مآبُكم ومصيرُكم، فاحْذَروا عقابَه إن تولَّيتم عما أدْعَوكم إليه مِن التوبةِ إليه مِن عبادتِكم الآلهةَ والأصنامَ، فإنه مُخَلَّدُكم نارَ جهنمَ إن هَلَكتم على شركِكم قبلَ التوبةِ إليه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: وهو على إحيائكم بعدَ مماتِكم، وعقابِكم على إشْراكِكم به الأوثانَ، وغيرِ ذلك مما أرادَ بكم وبغيرِكم - قادرٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.
اخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ فقَرَأته عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾؛ على تقدير "يَفْعَلُون" مِن ثَنَيْتُ، والصدورُ منصوبةٌ (١) واخْتَلف قارِئو ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: ذلك كان مِن فعلِ بعضٍ المنافقين، كان إذا مَرَّ برسولِ اللهِ ﷺ غَطَّى وجهَه، وثَنَى ظهرَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٍ بن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عدىٍّ، عن شعبةَ، عن حُصَينٍ، عن عبدِ (٢) اللهِ بنِ شدَّادٍ فى قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ برسول الله ﷺ قال بثوبِه على وجهِه، وثَنَى ظهرَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ قوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾.
قال: مِن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: كان المنافقون إذا مَرُّوا به، ثَنَى أحدُهم صدرَه، ويُطأطِئُ رأسَه، فقال اللهُ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ شدَّادٍ يقولُ فى قولِه: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
قال: كان أحدُهم إذا مَرَّ بالنبى الله ثَنَى، صدرَه، وتَغَشَّى بثوبِه، كي لا يَراه النبي ﷺ (١).
وقال آخرون: بل كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللهِ، وظَنَّا أن اللهَ يَخْفى عليه ما تُضْمِرُه صدورُهم إذا فَعلَوا ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
قال: شَكَّا وامتراءً في الحقِّ، ليَسْتَخْفوا مِن اللهِ إن استطاعوا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾: شَكًّا وامْتراءً فى الحقِّ، ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾.
قال: مِن اللهِ إن اسِتطاعوا.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللِه، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
قال: تَضِيقُ؛ شَكًّا وامْتراءً في الحقِّ.: قال: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾.
قال: مِن اللهِ إن استطاعوا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
قال: مِن جهالتِهم به، قال اللهُ: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ فى ظلمةِ الليلِ في أجوافِ بيوتِهم ﴿يَعْلَمُ﴾ تلك الساعةَ ﴿مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
قال: كان أحدُهم يَحْنى ظهره، ويَسْتَغْشِى بثوبه (٣).
وقال آخرون: إنما كانوا يَفْعلون ذلك لئلا يَسْمعوا كتابَ (٤) اللهِ تعالى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ الآية.
قال: كانوا يَحْنون صدورهم لكيلا يَسْمعوا كتابَ اللهِ، قال تعالى: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وذلك أخفَى ما يكونُ ابنُ آدمَ، إذا حَنَى صدرَه، واسْتَغْشَى بثوبِه، وأَضْمَرَ هَمَّه في نفسِه، فإن اللَّهَ لا يَخْفى ذلك عليه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
قال: أخفَى ما يكونُ الإنسانُ إذا أسرَّ في نفسِه شيئًا، وتَغَطَّى بثوبِه، فذلك أخفَى ما يكونُ، واللَّهُ يَطَّلِعُ على ما في نفوسِهم، واللهُ يعلمُ ما يُسِرِّون وما يُعْلِنون (٢).
وقال آخرون: إنما هذا إخبارٌ مِن اللهِ نبيِّه ﷺ عن المنافقين الذين كانوا يُضْمِرون له العداوةَ والبغضاءَ، ويُبْدُون له المحبةَ والمودةَ، أنهم (٣) معه وعلى دينِه.
يقولُ جلّ ثناؤُه: لا إنهم يَطْوون صدورَهم على الكفرِ ليَسْتَخْفُوا مِن اللهِ.
ثم أخبرَ جلّ ثناؤُه أنه لا يخفى عليه سرائرُهم وعلانيتُهم.
وقال آخرون: كانوا يَفْعَلون ذلك إذا ناجى بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾.
قال: هذا حينَ يُناجِي بعضُهم بعضًا.
وقرأ: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ الآية.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرأُ ذلك: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ)، على مثالِ: "تَحْلَوْلِي الثمرةُ"، "تَفْعَوعِلُ" (١).
حدَّثنا [ابنُ وكيعٍ] (٢)، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ).
قال: كانوا لا يأتون النساءَ ولا الغائطَ إلا وقد تَغَشَّوا بثيابِهم؛ كراهةَ أن يُفْضُوا بفروجِهم إلى السماءِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ عبادِ بنِ جعفرٍ يقولُ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرؤُها: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي (٤) صُدُورُهُمْ).
قال: سألتُه عنها، فقال: كان ناسٌ يَسْتَحْيُون أن يتخلَّوا فيُفْضُوا إلى السماءِ، وأن يُصِيبوا فيُفْضُوا إلى السماءِ (٥).
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: أُخْبِرتُ عن عكرمةَ أن ابنَ عباسٍ قرأ: (ألا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ).
وقال ابنُ عباسٍ: (تَثْنَوْنِي صدورُهم): الشكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾: يستكبرُ، أو يَسْتَكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ يَراه؛ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرأ: (ألا إنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ).
قال عكرمةُ: (تَثْنَوْنِي صُدُورُهم).
قال: الشَّكُّ في اللَّهِ، وعملُ السيئاتِ، فَيَسْتَغْشِي ثيابَه، ويَسْتكِنُّ مِن اللَّهِ، واللَّهُ [يراه، و] (٢) يعلمُ ما يُسِرُّون وما يُعْلنون.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، وهو: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
على مثالِ "يَفْعَلون"، و"الصدورُ" نَصْبٌ بمعنى: يَحْنون صدورَهم ويَكُنُّونها (٣).
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
يقولُ: يَكُنُّون (٤) (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
يقولُ: يَكْتُمون ما في قلوبِهم، ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يعلمُ ما عمِلوا بالليلِ والنهارِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾.
يقولُ: تَثْنَوْنِي صُدُورُهُم (٢).
وهذا التأويلُ الذي تأوَّله الضحاكُ على مذهبِ قراءةِ ابنِ عباسٍ، إلا أن الذي حدَّثنا، هكذا ذَكَر القراءةَ في الروايةِ.
فإذا كانت القراءةُ التي ذكرنا أَولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، فأَوْلى التأويلاتِ بتأويلِ ذلك، تأويلُ مَن قال: إنهم كانوا يَفْعَلون ذلك جهلًا منهم باللَّهِ أنه يَخْفَى عليه ما تُضْمِرُه نفوسُهم، أو تَناجَوه بينَهم.
وإنما قلنا: ذلك أَولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ بمعنى: ليَسْتَخْفوا مِن اللَّهِ، وأن الهاءَ في قولِه: ﴿مِنْهُ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللَّهِ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ ذكرٌ قبلُ فيُجعَلَ مِن ذكرِه ﷺ، وهي في سياقِ الخبرِ عن اللَّهِ.
فإذ كان ذلك كذلك كانت بأن تكونَ مِن ذكرِ اللَّهِ أَوْلى، وإذا صَحَّ أن ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم لم يحدِّثوا أنفسَهم أنهم (٣) يَسْتَخْفُون مِن اللَّهِ إلا بجهلِهم به، فلمّا أخبَرَهم جلّ ثناؤُه أنه لا يَخْفَى عليه سرُّ أمورِهم وعلانيتُها (٤)، على أيِّ حالٍ كانوا، تَغَشَّوا بالثيابِ، أو ظَهَروا بالبَرَازِ (١)، فقال: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
يعني: يَتَغَشَّون ثيابَهم، يَتَغَطَّونها ويَلْبَسون.
يقالُ منه: اسْتَغْشَى ثوبَه وتَغشَّاه.
قال اللَّهُ: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧].
وقالت الخنساءُ (٢): أَرْعَى النجومَ وما كُلِّفْتُ رِعْيَتَها … وتارةً أَتَغَشَّى فَضْلَ أَطْمَارِي (٣) ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: يعلمُ ما يُسِرُّ هؤلاء الجهلةُ بربِّهم، الظانُّون أن اللَّهَ يَخْفى عليه ما أضْمَرَته صدورُهم إذا حَنَوها على ما فيها وثَنَوها (٤)، وما تَناجَوه بينَهم فأخْفَوه، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: سواءٌ عندَه سرائرُ عبادِه وعلانيتُهم، ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: إن اللَّهَ ذو علمٍ بكلِّ ما أَخْفَته صدورُ خلْقِه؛ مِن إيمانٍ وكفرٍ، وحقٍّ وباطلٍ، وخيرٍ وشرٍّ، وما تَسْتجِنُّه مما لم تُجِنَّه (٥) بعدُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾.
يقولُ: يُغَطُّون رءوسَهم (٦).
قال أبو جعفرٍ: فاحْذَروا أن يَطَّلِعَ عليكم ربُّكم وأنتم مُضْمِرون في صدورِكم الشكَّ في شيءٍ مِن توحيدِه أو أمرِه أو نَهْيِه، أو فيما ألزَمكم الإيمانَ به والتصديقَ، فتَهْلِكوا باعْتقادِكم ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: وما تَدِبُّ دابَّةٌ في الأرضِ.
والدابَّةُ، الفاعلةُ مِن: دَبَّ، فهو يَدِبُّ، وهو دابٌّ، وهي دابَّةٌ - ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
يقولُ: إلا ومِن اللَّهِ رزقُها الذي يَصِلُ إليها، هو به متكفِّلٌ، وذلك قُوتُها وغذاؤُها، وما به عَيْشُها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
قال: ما جاءها مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ، وربما لم يرزقْها حتى تموتَ جوعًا، ولكن ما كان مِن رزقٍ فمِن اللَّهِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
قال: كلُّ دابةٍ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾: يعني كلَّ دابةٍ، والناسُ منهم (٢).
وكان بعضُ أهلِ العلم بكلامِ العربِ مِن أهلِ البصرةِ يزعُمُ أن كلَّ آكلٍ (٣) فهو دابةٌ، وأن معنى الكلامِ: وما دابةٌ في الأرضِ، وأن "مِن" زائدةٌ (٤).
وقولُه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾: حيثُ تستقِرُّ فيه، وذلك مأواها الذي تَأْوِي إليه ليلًا أو نهارًا، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: الموضِعَ الذي يُودِعُها، إما بموتِها فيه، أو دفنِها وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التيميِّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾: حيثُ تَأْوِي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: حيثُ تموتُ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾.
يقولُ: حيثُ تَأْوِي، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
يقولُ: إذا ماتَت (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
قال: المستقرُّ حيثُ تَأْوِي، والمستودَعُ حيثُ تموتُ.
وقال آخرون: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ في الصلبِ.
مثلُ التي في "الأنعامِ" (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: فالمستقرُّ ما كان في الرحمِ، والمستودعُ ما كان في الصلبِ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾.
يقولُ: في الرحمِ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: في الصلبِ (٤).
وقال آخرون: المستقَرُّ في الرحمِ، والمستودعُ حيث تموتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويَعْلى وابنُ فُضَيلٍ، عن إسماعيلَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ الأرحامَ، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ الأرضَ التي تموتُ فيها (١).
قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾: المستقرُّ الرحمُ، والمستودَعُ المكانُ الذي تموتُ فيه (٢).
وقال آخرون: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ أيامَ حياتِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموتُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾.
قال: ﴿مُسْتَقَرَّهَا﴾ أيامَ حياتِها، ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيث تموتُ، ومِن حيث تُبْعَثُ (٣).
وإنما اختَرنا القولَ الذي اختَرناه فيه؛ لأن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أخبَر أن ما رُزِقَت الدوابُّ مِن رزقٍ فمنه، فأولى أن يَتْبَعَ ذلك أن يَعْلَمَ (٤) مَثْواها ومستقرَّها دونَ الخبرِ عن علمِه بما تَضمَّنته الأصلابُ والأرحامُ.
ويعني بقولِه: ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾: عددُ كلِّ دابةٍ، ومبلغُ أرزاقِها، وقدرُ قرارِها في مستقرِّها، ومدةُ لُبْثِها في مستودعِها، كلُّ ذلك في كتابٍ عندَ اللَّهِ مُثْبَتٌ مكتوبٌ، ﴿مُبِينٍ﴾: يُبِينُ لمَن قرأه أن ذلك مثبتٌ مكتوبٌ قبلَ أن يخلقَها ويُوجِدَها.
وهذا إخبارٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه الذين كانوا يَثْنون صدورَهم ليَسْتَخْفوا منه، أنه قد عَلِمَ الأشياءَ كلَّها، وأثبَتَها في كتابٍ عندَه قبلَ أن يَخلقَها ويُوجِدَها.
يقولُ لهم تعالى ذكره: فمَن كان قد عَلِمَ ذلك منهم قبلَ أن يُوجِدَهم، فكيف يَخْفَى عليه ما تَنْطَوي عليه نفوسُهم إذا ثَنَوا به صدورَهم، واسْتَغْشَوا عليه ثيابَهم؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ الذي إليه مرجعُكم أيُّها الناسُ جميعًا، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
يقولُ: أَفيَعجِزُ مَن خَلَقَ ذلك مِن غيرِ شيءٍ أن يُعِيدَكم أحياءً بعدَ أن يُمِيتَكم؟
وقيل: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه خلَق السماواتِ والأرضَ وما فيهنَّ في الأيامِ الستةِ، فاجتُرِئَ في هذا الموضعِ بذكْرِ خلْقِ السماواتِ والأرضِ مِن ذكرِ خلْقِ ما فيهنَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن أيوبَ بنِ خالدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ رافعٍ، مولى أمِّ سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: أَخَذ رسولُ اللَّهِ ﷺ بيدي، فقال: "خَلَقَ اللَّهُ التُّربةَ يومَ السبتِ، وخَلَقَ الجبالَ فيها يومَ الأحدِ، وخَلَقَ الشجرَ فيها يومَ الاثنينِ، وخَلَقَ المكروهَ يومَ الثلاثاءِ، وخَلَقَ النورَ يومَ الأربعاءِ، وبَثَّ فيها من كلِّ دابةٍ يومَ الخميسِ، وخَلَقَ آدمَ بعدَ العصرِ مِن يومِ الجمعةِ في آخرِ الخلقِ، في آخرِ ساعاتِ الجمعةِ، فيما بَيْن العصرِ إلى الليلِ" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
قال: بدأ خلقَ الأرضِ في يومين، وقَدَّرَ فيها أقواتَها في يومين.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن كعبٍ، قال: بدأ اللَّهُ خلقَ السماواتِ والأرضِ يومَ الأحدِ والاثنينِ والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وفَرَغَ منها يومَ الجمعةِ، فَخَلَقَ آدمَ في آخرِ ساعةٍ مِن يومِ الجمعةِ، قال: فجَعَلَ مكانَ كلِّ يومٍ ألفَ سنةٍ (١).
وحُدِّثْتُ عن المسيبِ بنِ شريكٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.
قال: مِن أيام الآخرةِ، كلُّ يومٍ مقدارُه ألفُ سنةٍ، ابتدأ في الخلقِ يومَ الأحدِ، واجْتَمع (٢) الخلقُ يومَ الجمعةِ، فسُمِّيَت الجمعةَ، وسَبَت يومَ السبتِ، فلم يخلُقْ شيئًا (٣).
وقولُه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
يقولُ: وكان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهن.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
قال: كان عرشُه على الماءِ قبلَ أن يخلُقَ شيئًا (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: نا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: يُنَبِّئُكم ربُّكم ﵎ كيف كان بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
قال: هذا بدءُ خلقِه قبلَ أن يخلُقَ السماءَ والأرضَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ العُقيليِّ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ؟
قال: "في عَمَاءٍ (٣)، فوقَه هواءٌ، وتحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ" (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ ومحمدُ بنُ هارونَ القطانُ الرازقيُّ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن يَعْلى بنِ عطاءٍ، عن وكيعِ بنِ حُدُسٍ، عن عمِّه أبي رزينٍ، قال: قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، أين كان ربُّنا قبل أن يخلُقَ خلقَه؟
قال: "كان في عَمَاءٍ، ما فوقَه هواءٌ، وما تحتَه هواءٌ، ثم خَلَقَ عرشَه على الماءِ" (١).
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: أخبَرنا النضرُ بنُ شُمَيلٍ، قال: أخبَرنا المسعوديُّ، قال: أخبَرنا جامعُ بنُ شدّادٍ، عن صفوانَ بنِ مُحْرزٍ، عن ابنِ حُصَيبٍ (٢) - وكان مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: أتَى قومٌ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلُوا عليه، فجَعَل يُبَشِّرُهم ويقولون: أعْطِنا، حتى ساءَ ذلك رسولَ اللَّهِ ﷺ، ثم خَرَجوا مِن عندِه، وجاء قومٌ آخرون فدَخَلوا عليه، فقالوا: جِئْنا نُسَلِّمُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، ونتفقَّه في الدينِ، ونسألُه عن بَدْءِ هذا الأمرِ، قال: "فاقْبَلوا البُشْرَى إذ لم يَقْبَلُها أولئك الذين خَرَجوا".
قالوا: قَبِلْنا.
فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "كان اللَّهُ لا (٣) شيءَ غيرُه، وكان عرشُه على الماءِ، وكَتَبَ في الذكرِ قبلُ كلَّ شيءٍ، ثم خَلَقَ سبعَ سماواتٍ".
ثم أتاني آتٍ، فقال: تلك ناقتُك قد ذَهَبَت.
فَخَرَجْتُ يَنْقَطِعُ دونَها السَّرابُ، ولوَدِدْتُ أني تركتُها (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي قيسٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
قال: كان عرشُ اللَّهِ على الماءِ، ثم اتَّخَذَ لنفسِه جنةً، ثم اتَّخَذَ دونَها أخرى، ثم أطبَقَهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ، قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٢].
قال: وهي التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ - أو قال: وهما التي: ﴿لَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].
قال: وهي التي لا تعلَمُ الخلائقُ ما فيها - أو ما فيهما - يأتيهم كلَّ يومٍ منها - أو منهما - تحفَةٌ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
قال: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟
قال: على متنِ الريحِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾: على أيِّ شيءٍ كان الماءُ؟
قال: على متنِ الريحِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا مُبَشِّرٌ (٣) الحلبيُّ، عن أرطاةَ بنِ المنذرِ، قال: سمِعتُ ضَمْرةَ يقولُ: إن اللَّهَ كان عرشُه على الماءِ، وخلقَ السماواتِ والأرضَ بالحقِّ، وخلَق القلمَ، فكتَب به ما هو خالقٌ، وما هو كائنٌ مِن خلقِه، ثم إن ذلك الكتابَ سبَّح اللَّهَ ومجَّدَه ألفَ عامٍ، قبلَ أن يخلُقَ شيئًا من الخلْقِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبد الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: إن العرشَ كان قبلَ أن يخلُقَ اللَّهُ السماواتِ والأرضَ، ثم قَبَضَ قبضةً من صَفاةِ (٥) الماءِ، ثم فَتَحَ القبضةَ، فارتَفَع (٦) دُخَانًا، ثم قَضَاهُنَّ سبعَ سماواتٍ في يومين، ثم أَخَذَ طينةً مِن الماءِ، فَوَضَعَها مكانَ البيتِ، ثم دَحا الأرضَ منها، ثم خَلَقَ الأقواتَ في يومين، والسماواتِ في يومين، وخلَقَ الأرضَ في يومين، ثم فَرَغَ مِن آخرِ الخلقِ يومَ السابعِ (٧).
وقولُه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي خلَق السماواتِ والأرضَ أيُّها الناسُ، وخَلَقَكم في ستةِ أيامٍ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾.
يقولُ: ليختبرَكم، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
يقولُ: أيُّكم أحسنُ له طاعةً.
كما حُدِّثنا عن داودَ بنِ المُحَبَّرِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ (١)، عن كُليبِ بنِ وائلٍ، عن عبدِ بنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
قال: "أيُّكم أحسنُ عقلًا، وأَوْرَعُ عن محارمِ اللَّهِ، وأسرَعُ في طاعةِ اللَّهِ" (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.
يعني الثقلَين (٣).
وقولُه: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن قلتَ لهؤلاء المشركين مِن قومِك: إنكم مبعوثون أحياءً مِن بعدِ مماتِكم.
فتلوتَ عليهم بذلك تنزيلي ووحيي، ليقولُنَّ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
أي: ما هذا الذي تَتْلوه علينا مما تقولُ إلا سحرٌ مبينٌ (١) لسامعِه عن (٢) حقيقتِه أنه سحرٌ.
وهذا على تأويلِ مَن قرأ ذلك: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
وأما مَن قرأه: (إِنْ هَذَا إِلَّا ساحِرٌ مُبِينٌ) (٣)، فإنه يُوَجِّهُ الخبرَ بذلك عنهم إلى أنهم وصَفَوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بأنه فيما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبينٌ.
وقد بَيَّنَّا الصوابَ مِن القراءةِ في ذلك في نظائرِه فيما مَضَى قبلُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أخَّرْنا عن هؤلاء المشركين من قومِك يا محمدُ العذابَ، فلم نُعَجِّلْه لهم، وأَنْسَأْنا في آجالِهم إلى أمةٍ معدودةٍ، ووقتٍ محدودٍ، وسنينَ معلومةٍ.
وأصلُ الأُمَّةِ، ما قد بَيَّنَّا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، أنها الجماعةُ مِن الناسِ، تجتَمِعُ على مذهبٍ ودينٍ، ثم تُستعمَلُ في معانٍ كثيرةٍ، ترجِعُ إلى معنى الأصلِ الذي ذكرتُ (٥).
وإنما قيل للسنين المعدودةِ والحينِ في هذا الموضعِ ونحوِه: أُمَّةٌ؛ لأن فيها تكونُ الأمةُ.
وإنما معنى الكلامِ: ولئن أخَّرْنا عنهم العذابَ إلى مجيءِ أمةٍ وانقراضِ أخرى قبلَها.
وبنحوِ الذي قلنا مِن أن معنى الأمةِ في هذا الموضعِ الأجلُ والحينُ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.
قال: إلى أجلٍ محدودٍ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.
قال: أجلٌ معدودٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: إلى أجلٍ معدودٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.
قال: إلى حينٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.
يقولُ: أمْسَكنا عنهم العذابَ إلى أمةٍ معدودةٍ.
قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: إلى حينٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾.
يقولُ: إلى أجلٍ معلومٍ.
وقولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾.
يقولُ: ليقولَنَّ هؤلاء المشركون ما يحبِسُه؟
أَيُّ شيءٍ يمنَعُهُ مِن تعجيلِ العذابِ الذي يَتَوَعَّدُنا به، تكذيبًا منهم به، وظَنًّا منهم أن ذلك إنما أُخِّرَ عنهم لكذبِ المُتوعِّدِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾.
قال: للتكذيبِ به، أو أنه ليس بشيءٍ (٢).
وقولُه: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، تحقيقًا لوعيدِه، وتصحيحًا لخبرِه: ألا يومَ يأتِيهِم العذابُ الذي يُكَذِّبون به ﴿لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾.
يقولُ: ليس يصرِفُه عنهم صارفٌ، ولا يدفَعُه عنهم دافِعٌ، ولكنه يَحِلُّ بهم فيُهْلِكُهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
يقولُ: ونَزَلَ بهم وأصابهم الذي كانوا به يَسْخَرون مِن عذابِ اللَّهِ، وكان استهزاؤُهم به الذي ذَكَره اللَّهُ قيلَهم قبلَ نزولِه: "ما يحبِسُه" [و"هلّا تأتينا به"] (١)؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
قال: ما جاءت به أنبياؤُهم مِن الحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن أَذَقْنا الإنسانَ مِنَّا رخاءً وسعةً في الرزقِ والعيشِ، فبسَطْنا عليه مِن الدنيا، وهي الرحمةُ التي ذَكَرها تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ، ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾.
يقولُ: ثم سَلَبْناه ذلك، فأصابَته مصائبُ أَجاحَتْه، فذَهَبَت به، ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾.
يقولُ: يظَلُّ قَنِطًا مِن رحمةِ اللَّهِ، آيسًا مِن الخيرِ.
وقولُه: ﴿لَيَئُوسٌ﴾.
فعولٌ، مِن قولِ القائلِ: يَئِسَ فلانٌ مِن كذا، فهو يئوسٌ.
إذا كان ذلك صفةً له.
وقولُه: ﴿كَفُورٌ﴾.
يقولُ: هو كفورٌ لمَن أنعَمَ عليه، قليلُ الشكرِ لربِّه المُتَفَضِّلِ عليه بما كان وَهَبَ له مِن نعمتِه وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾.
قال: يا بنَ آدمَ، إذا كانت بك نعمةٌ مِن اللَّهِ من السعةِ والأمنِ والعافيةِ، فكفورٌ لِما بك منها، وإذا نُزِعَت منك [نبْتَغِي قَدْعَكَ وعقلَك] (١)، فيئوسٌ مِن رَوحِ اللَّهِ، قَنوطٌ مِن رحمتِه.
كذلك المرءُ المنافقُ والكافرُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولئن نحن بَسَطْنا للإنسانِ في دُنياه، ورَزَقْناه رخاءً في عَيْشِه، ووَسَّعْنا عليه في رِزقِه، وذلك هي النِّعَمُ التي قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾.
وقولُه: ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾.
يقولُ: بعدَ ضيقٍ مِن العيشِ كان فيه، وعُسْرةٍ كان يعالجُها، ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ليقَولَنَّ عندَ ذلك: ذَهَبَ الضيقُ والعُسْرةُ عني، وزالت الشدائدُ والمكارِهُ.
﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنسانَ لفرِحٌ بالنِّعَمِ التي يُعْطاها، مسرورٌ بها ﴿فَخُورٌ﴾، يقولُ: ذو فخرٍ بما نالَ مِن السعةِ في الدنيا، وبُسِطَ له فيها مِن العيشِ، ويَنْسَى صُرُوفَها، ونَكَدَ العوائصِ (١) فيها، ويَدَعُ طلبَ النعيمِ الذي يَبْقى، والسرورَ الذي يدومُ، فلا يزولُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي﴾ غِرَّةً باللَّهِ وجراءةً عليه، ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ واللَّهُ لا يحبَّ الفرحينَ، ﴿فَخُورٌ﴾ بعدَ ما أُعْطِي، وهو لا يشكُرُ اللَّهَ (٢).
ثم اسْتَثْنى جلَّ ثناؤُه مِن الإنسانِ الذي وَصَفَه بهاتين الصفتَين الذين صَبَروا وعَمِلوا الصالحاتِ، وإنما جازَ استثناؤُهم منه؛ لأن الإنسانَ بمعنى الجنسِ ومعنى الجمعِ، وهو كقولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ١ - ٣].
فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فإنهم إن تأتِهم شدّةٌ من الدنيا وعسرةٌ فيها، لم يُثْنِهم ذلك عن طاعةِ اللَّهِ، ولكنهم صَبَروا لأمرِه وقضائِه، فإن نالوا فيها رخاءً وسعةً شَكروه، وأدَّوا حقوقَه بما آتاهم منها، يقولُ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يغفرُها لهم، ولا يفضَحُهم بها في معادِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
يقولُ: ولهم مِن اللَّهِ مع مغفرةِ ذنوبِهم ثوابٌ - على أعمالِهم الصالحةِ التي عَمِلوها في دارِ الدنيا - جزيلٌ، وجزاءٌ عظيمٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ عندَ البلاءِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ عندَ النعمة، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبِهم، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
قال: الجنةُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلعلك يا محمدُ تاركٌ بعضَ ما يُوحِي إليك ربُّك أن تُبلِّغَه مِن أمرِك بتبليغِه ذلك، وضائقٌ بما يُوْحَى إليك صدرُك، فلا تُبَلِّغُه إياهم، مخافةَ أن يقولوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ له مُصدِّقٌ بأنه للَّهِ رسولٌ.
يقولُ تعالى ذكرُه: فبَلِّغْهم ما أوحيتُه إليك، فإنك ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ تُنْذِرُهم عقابي، وتُحَذِّرُهم بأسي على كفرِهم بي، وإنما الآياتُ التي يسألونكها عندي، وفي سلطاني، أُنزِلُها إذا شئتُ، وليس عليك إلا البلاغُ والإنذارُ، ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.
يقولُ: واللَّهُ القَيِّمُ بكلِّ شيءٍ، وبيدِه تدبيرُه، فانفُذْ لما أمرتُك به، ولا يمنعْك مسألتُهم إياك الآياتِ مِن تبليغِهم وَحْيِي، والنفوذِ لأمري.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال اللَّهُ لنبيِّه: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أن تفعلَ فيه ما أُمِرتَ، وتدعوَ إليه كما أُرسِلتَ.
قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾، لا نرى معه مالًا، أين المالُ؟
﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يُنذِرُ معه ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَبَلِّغْ ما أُمِرتَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كَفاك حجةً على حقيقةِ ما أتيتَهم به، ودلالةً على صحةِ نبوَّتِك، هذا القرآنُ مِن سائرِ الآياتِ غيرِه، إذ كانت الآياتُ إنما تكونُ لمن أُعْطِيها دلالةً على صدقِه، لعجزِ جميعِ الخلقِ عن أن يأتوا بمثلِها.
وهذا القرآنُ جميعُ الخلقِ عَجَزَةٌ (٢) عن أن يأتوا بمثلِه، فإن هم قالوا: افتريتَه.
أي: اختلَقْتَه وتكذَّبتَه، ودلَّ على أن معنى الكلامِ ما ذكرنا قولُه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ إلى آخر الآيةِ.
ويعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، أي: أيقولون افتراه؟
وقد دلَّلنا على سببِ إدخالِ العربِ "أم" في مثلِ هذا الموضعِ (٣).
فقلْ لهم يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ.
﴿مُفْتَرَيَاتٍ﴾، يعني: مُفْتَعَلاتٍ مختلَقاتٍ (٤)، إن كان ما أتيتُكم به مِن هذا القرآنِ مُفْتَرًى، وليس بآيةٍ مُعْجِزَةٍ كسائرِ ما سُئِلْتُه من الآياتِ، كالكَنزِ الذي قُلتم: هَلَّا أُنزِل عليه؟
أو المَلكِ الذي قُلتم: هَلَّا جاء معه نذيرًا له مُصدِّقًا؟
فإنكم قومي، وأنتم مِن أهلِ لساني، وأنا رجلٌ منكم، ومحالٌ أن أقدِرَ أخلُقَ وحدي مائةَ سورةٍ وأربعَ عَشْرَةَ سورةً، ولا تَقْدِروا بأجمعِكم أن تَفْتروا وتَخْتلقوا (١) عشرَ سورٍ مثلِها، ولا سيما إذا استعنتم في ذلك بمَن شئتم مِن الخلقِ.
يقولُ جلّ ثناؤُه: قلْ لهم: وادعوا مَن استطعتم أن تَدْعوهم مِن دونِ اللَّهِ - يعني سوى اللَّهِ - لافتراءِ ذلك واختلافِه مِن الآلهةِ.
فإن أنتم لم تَقْدِروا على أن تَفْتَروا عشرَ سورٍ مثلِه، فقد تبيَّن لكم أنكم كَذَبَةٌ في قولِكم: ﴿افْتَرَاهُ﴾.
وصحَّت عندَكم حقيقةُ ما أتيتُكم به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، ولم يكُنْ لكم أن تتخيَّروا الآياتِ على ربِّكم، وقد جاءكم مِن الحجةِ على حقيقةِ ما تكذِّبون به، أنه مِن عندِ اللَّهِ، مثلَ الذي تسألون مِن الحجةِ، وترغبون أنكم تصدِّقون بمجيئِها.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لقولِه: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، وإنما هو: قلْ: فأتوا بعشرِ سورٍ مثلِه مفترياتٍ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآنَ افْتَراه محمدٌ، وادعوا مَن استطعتم مِن دونِ اللَّهِ على ذلك، مِن الآلهةِ والأندادِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: قد قالوه.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وادعوا شهداءَكم.
قال: يشهَدون أنها مثلُه.
هكذا قال القاسمُ في حديثِه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين: فإن لم يستَجِبْ لكم من تَدْعون من دونِ اللَّهِ، إلى أن يأتوا بعشرِ سورٍ مثلِ هذا القرآنِ مفترياتٍ، ولم تُطِيقوا أنتم وهم أن تأتوا بذلك، فاعلَموا وأيْقِنوا أنه إنما أُنزِلَ مِن السماءِ على محمدٍ ﷺ، بعلمِ اللَّهِ وإذنِه، وأن محمدًا لم يَفْتَرِه، ولا يقدِرُ أن يفتريَه، ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
يقولُ: وأيقِنوا أيضًا أن لا معبودَ يستحقُّ الأُلوهةَ على الخلْقِ إلا اللَّهُ الذي له الخلْقُ والأمرُ، فاخْلَعوا الأندادَ والآلهةَ، وأفْرِدوا له العبادةَ.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ خطابٌ مِن اللَّهِ لنبيِّه، كأنه قال: فإن لم يستَجِبْ لك هؤلاء الكفارُ يا محمدُ، فاعلَموا أيُّها المشركون أنما أُنزِل بعلمِ اللَّهِ.
وذلك تأويلٌ بعيدٌ مِن المفهومِ.
وقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
يقولُ: فهل أنتم مُذْعِنون للَّهِ بالطاعةِ، ومخلِصون له العبادةَ بعدَ ثبوتِ الحجةِ عليكم؟
وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنى بهذا القولِ أصحابَ محمدٍ ﷺ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
قال: لأصحابِ محمدٍ ﷺ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقيل: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾.
والخطابُ في أوّلِ الكلامِ قد جَرَى لواحدٍ، وذلك قولُه: ﴿قُلْ فَأْتُوا﴾.
ولم يقُلْ: فإن لم يستجيبوا لك.
على نحوِ ما قد بَيَّنا قبلُ من خطابِ رئيسِ القومِ وصاحبِ أمرِهم، أن العربَ تُخْرِجُ خطابَه أحيانًا مخرَجَ خطابِ الجميعِ، إذا كان خطابُه [خطابًا لأتْباعِه] (٢) وجندِه، وأحيانًا مخرجَ خطابِ الواحدِ، إذا كان في نفسِه واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: من كان يُريدُ بعملِه الحياةَ الدنيا، وإيَّاها (٣) وزينتها يطلبُ به، نُوَفِّ إليهم أجورَ أعمالِهم فيها وثوابَها، ﴿وَهُمْ فِيهَا﴾.
يقولُ: وهم في الدنيا، ﴿لَا يُبْخَسُونَ﴾.
يقولُ: لا يُنْقَصون أجرَها، ولكنهم يُوَفَّونه فيها.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية: وهي ما يُعْطِيهم اللَّهُ مِن الدنيا بحسَناتِهم، وذلك أنهم لا يُظْلمون نقيرًا.
يقولُ: مَن عَمِلَ صالحًا التماسَ الدنيا؛ صومًا أو صلاةً أو تهجُّدًا بالليلِ، لا يعمَلُه إلا لالتماسِ الدنيا، يقولُ اللَّهُ: أُوَفِّيه الذي التمسَ في الدنيا مِن المثابةِ، وحَبِطَ عملُه الذي كان يعمَلُ التماسَ الدنيا، وهو (١) في الآخرةِ من الخاسرين (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
قال: ثوابُ ما عمِلوا في الدنيا مِن خيرٍ أُعْطُوه في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
قال: [وَزْنَ ما] (٣) عَمِلوا مِن خيرٍ أُعْطُوا في الدنيا، وليس لهم في الآخرةِ إلا النارُ، وحَبِطَ ما صَنَعوا فيها.
قال: هي مثلُ الآيةِ التي في "الرومِ": ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (٤) [الروم: ٣٩].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾.
قال: مَن عَمِلَ للدنيا وُفِّيَه في الدنيا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾.
قال: مَن عَمِلَ عملًا مما أَمَر اللَّهُ به؛ مِن صلاةٍ أو صدقةٍ، لا يريدُ بها وجهَ اللَّهِ، أعْطاه اللَّهُ في الدنيا ثوابَ ذلك مثلَ ما أنفقَ، فذلك قولُه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾: في الدنيا، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ أجرَ ما عمِلوا فيها، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ الآية (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عيسى - يعني ابنَ ميمونٍ - عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾.
قال: ممن لا يُقبَلُ منه، جُوزِي به، يُعْطَى ثوابَه (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عيسى الجُرَشِيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
قال: ممن لا يُقبَلُ منه، يُعَجَّلُ له في الدنيا (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
أي: لا يُظْلَمون.
يقولُ: مَن كانت الدنيا هَمَّه وسَدَمَه (٥)، وطَلِبَته ونيتَه، جازاه اللَّهُ بحسناتِه في الدنيا، ثم يُفْضِي إلى الآخرةِ وليس له حسنةٌ يُعْطَى بها جزاءً، وأما المؤمنُ، فيُجازى بحسناتِه في الدنيا، ويُثابُ عليها في الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
أي: في الآخرةِ لا يُظلمون (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية.
قال: مَن كان إنما هِمَّتُه الدنيا، إياها يطلُبُ، أعطاه اللَّهُ مالًا، وأعْطاه فيها ما يعيشُ، وكان ذلك قِصاصًا له بعملِه، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
قال: لا يُظْلَمون (٢).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ (٣)، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، أن النبيَّ ﷺ قال: "من أحسنَ مِن محسنٍ، فقد وَقَعَ أجرُه على اللَّهِ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ" (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ الآية.
يقولُ: مَن عَمِلَ عملًا صالحًا [يريدُ به وجهَ اللَّهِ] (٥) في غيرِ تقوَى - يعني (٦) أهلَ الشركِ - أُعْطِي على ذلك أجرًا في الدنيا؛ يَصِلُ رحِمًا، يُعْطِي سائلًا، يرحَمُ مُضطرًّا، في نحوِ هذا مِن أعمالِ البرِّ، يعجِّلُ اللَّهُ له ثوابَ عملِه في الدنيا؛ يوسِّعُ عليه في المعيشةِ والرزقِ، ويقِرُّ عينَه فيما خَوَّله، ويدفَعُ عنه مِن مكارهِ الدنيا، في نحوِ هذا، وليس له في الآخرةِ مِن (١) نصيبٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا حفصٌ بنُ عمرَ أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ في قولِه: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.
قال: هي في اليهودِ والنصارى (٣).
قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، عن أبي رجاءٍ الأزديِّ، عن الحسنِ: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
قال: طيباتِهم.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن وهيبٍ، أنه بَلَغه أن مجاهدًا كان يقولُ في هذه الآيةِ: هم أهلُ الرياءِ، هم أهلُ الرياءِ (٥).
قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حيوةَ بنِ شريحٍ، قال: ثنى الوليدُ بنُ أبي الوليدِ أبو عثمانَ، أن عقبةَ بنَ مسلمٍ حدَّثه، أن شُفَيَّ بنَ ماتعٍ الأصبحيَّ حدَّثه، أنه دخَل المدينةَ، فإذا هو برجلٍ قد اجتَمع عليه الناسُ، فقال: مَن هذا؟
فقالوا: أبو هريرةَ.
فدَنَوتُ منه حتى قعَدتُ بين يديه وهو يحدِّثُ الناسَ، فلما سَكَتَ وخَلَا (١)، قلتُ: أنشُدُك بحقِّ وبحقِّ لمَا حدَّثْتَني حديثًا سمِعتَه مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَقَلْتَه وعَلِمْتَه.
قال: فقال أبو هريرةَ: أفعَلُ، لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ.
[ثم نَشَغَ نَشْغَةً (٢)، ثم أفاقَ، فقال: لأُحدثنَّك حديثًا حدَّثنيه رسولُ اللَّهِ ﷺ] (٣) في هذا البيتِ، ما فيه أحدٌ غيرى وغيرُه.
ثم نَشَغَ أبو هريرةَ نشْغةً شديدةً، ثم مالَ (٤) خارًّا على وجهِه، واشتدَّ به طويلًا، ثم أفاقَ، فقال: حدَّثني رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إن اللَّهَ ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ نزَل إلى أهلِ (٥) القيامةِ ليقضِيَ بينَهم، وكلُّ أُمةٍ جاثيةٌ، فأَوَّلُ مَن يُدْعَى به رجلٌ جمَع القرآنَ، ورجلٌ قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، ورجلٌ كثيرُ المالِ، فيقولُ اللَّهُ للقارِئِ: ألم أُعَلِّمْك ما أنزَلتُ على رَسولي؟
قال: بلى يا ربِّ.
قال: فماذا عمِلتَ فيما عُلِّمتَ؟
قال: كنتُ أقومُ آناء الليلِ وآناءَ النهارِ.
فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ.
وتقولُ له الملائكةُ: كَذَبْتَ.
ويقولُ اللَّهُ له (٦): بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ قارئٌ.
فقد قيلَ ذلك.
ويُؤْتَى بصاحبِ المالِ، فيقولُ اللَّهُ له: ألم أوسِّعْ عليك حتى لم أدعْك تحتاج إلى أحدٍ؟
قال: بلى يا ربِّ.
قال: فماذا عَمِلتَ فيما آتيتُك؟
قال: كنتُ أَصِلُ الرحِمَ وأتصدَّقُ.
فيقولُ اللَّهُ له: كذَبْتَ.
وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ.
ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جَوَادٌ.
فقد قيلَ ذلك.
ويؤتى بالذي قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، فيقالُ له: فيماذا قُتِلتَ؟
فيقولُ: أُمِرْتُ بالجهادِ في سبيلِك، فقاتَلتُ حتى قُتِلتُ.
فيقولُ اللَّهُ له: كَذَبْتَ.
وتقولُ له الملائكةُ: كذبتَ.
ويقولُ اللَّهُ له: بل أردتَ أن يقالَ: فلانٌ جريءٌ.
وقد قيلَ ذلك".
ثم ضرَب رسولُ اللَّهِ ﷺ على رُكْبَتي، فقال: "يا أبا هريرةَ، أولئك الثلاثةُ أوّلُ خَلْقِ اللَّهِ تُسَعَّرُ لهم النارُ يومَ القيامةِ".
قال الوليدُ أبو عثمانَ: فأخبرَني عقبةُ أن شُفَيًّا هو الذي دَخَلَ على معاويةَ فأخبرَه بهذا.
قال أبو عثمانَ: وحدَّثني العلاءُ بنُ أبي حكيمٍ، أنه كان سيَّافًا لمعاويةَ، قال: فدَخَل عليه رجلٌ، فحدَّثه بهذا عن أبي هريرةَ، فقال أبو هريرةَ: وقد فُعِلَ بهؤلاء هذا، فكيف بمَن بَقِيَ مِن الناسِ؟
ثم بَكَى معاويةُ بكاءً شديدًا حتى ظننا أنه هَلَكَ، وقلنا: هذا الرجلُ شرٌّ (١).
ثم أفاقَ معاويةُ ومَسَحَ عن وجهِه، فقال: صَدَقَ اللَّهُ ورسولُه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾.
وقرَأ إلى (٢): ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية.
قال: ممن لا يُتقبَّلُ منه؛ يصومُ ويصلي يريدُ به الدنيا، ويدفَعُ عنه وَهْمَ الآخرةِ، ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾: لا يُنْقَصون (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين ذكرتُ أنَّا نوفِّيهم أجورَ أعمالِهم في الدنيا، ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾: يَصْلَونها، ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾.
يقولُ: وذَهَبَ ما عَمِلُوا في الدنيا، ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ لأنهم كانوا يعمَلون لغيرِ اللَّهِ، فأبطَلَه اللَّهُ وأحبَط عاملَه أجرَه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: قد بَيَّن له دينَه فَتَبَيَّنه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ محمدًا ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شيبانُ، عن قتادةَ، عن عروةَ، عن محمدِ ابنِ الحنفيةِ، قال: قلتُ لأبي: يا أبتِ، أنت التالي في: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: لا واللَّهِ يا بنيَّ، وَدِدْتُ أني كنتُ أنا هو، ولكنه لسانُه (١).
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: لسانُه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: لسانُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا الحكمُ بنُ عبدِ اللَّهِ أبو النعمانِ العجليُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزديُّ، قال: ثنا المُعافَى بنُ عمرانَ، عن قرةَ بنِ خالدٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: وهو محمدٌ ﷺ، كان على بينةٍ مِن ربِّه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: لسانُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: لسانُه هو الشاهدُ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه.
وقال آخرون: يعني بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: محمدٌ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، عن الحسينِ بنِ عليٍّ في قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا غندرٌ، عن عوفٍ، قال: ثنى سليمانُ العلافُ، قال: بلغني أن الحسينَ (٢) بنَ عليٍّ قال: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: محمدٌ ﷺ.
قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن سليمانَ العلافِ، سمع الحسينَ بنَ عليٍّ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
يقولُ: محمدٌ هو الشاهدُ مِن اللَّهِ (٣).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: رسولُ اللَّهِ ﷺ كان على بينةٍ مِن ربِّه، والقرآنُ يتلُوه شاهدٌ (١) أيضًا مِن اللَّهِ؛ لأنه (٢) رسولُ اللَّهِ ﷺ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال: النبيُّ ﷺ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه.
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (٥).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا أبو خالدٍ، سمِعتُ سفيانَ يقولُ: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال: محمدٌ ﷺ.
وقال آخرون: هو عليُّ بنُ أبي طالبٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا رزيقُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا صباحٌ الفراءُ (٦)، عن جابرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ نُجيٍّ (٧)، قال: قال عليٌّ ﵁: ما مِن رجلٍ مِن قريشٍ إلا وقد نَزَلَت فيه الآيةُ والآيتان.
فقال له رجلٌ: فأنتَ فأيُّ (١) شيءٍ نَزَلَ (٢) فيك؟
فقال عليٌّ: أما تقرأُ الآيةَ التي نَزَلَت في "هودَ": ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ (٣).
وقال آخرون: هو جبريلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ أنه كان يقولُ: جبريلُ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: جبريلُ.
وحدَّثنا به أبو كريبٍ مرّةً أُخرى بإسنادِه عن إبراهيمَ، فقال: قال: يقولون: عليٌّ.
إنما هو جبريلُ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو جبريلُ، تَلا التوراةَ والإنجيلَ والقرآنَ، وهو الشاهدُ مِن اللَّهِ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: جبريلُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جبريلُ.
قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: جبريلُ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا، هو على بينةٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: جبريلُ شاهدٌ مِن اللَّهِ، يتلو على محمدٍ ما بُعِثَ به (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: هو جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبي، عن نضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: هو جبريلُ (٢).
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: جبريلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني محمدًا ﷺ على بينةٍ مِن ربِّه، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: فهو جبريلُ، شاهدٌ مِن اللَّهِ بالذي يتلو مِن كتابِ اللَّهِ الذي أُنزِل على محمدٍ.
قال: ويقالُ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
يقولُ: يحفَظُه المَلَكُ الذي معه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال: يعني محمدًا ﷺ، ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: جبريلُ (٤).
وقال آخرون: هو مَلَكٌ يحفَظُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: معه حافظٌ من اللَّهِ، مَلَكٌ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ وسُوَيدُ بنُ عمرٍو، عن حمادِ بنِ سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: مَلَكٌ يحفَظُه.
قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، عن ابنِ جريجٍ، عمن سمِع مجاهدًا: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: الملَكُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾: يتبَعُه حافِظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: المَلَكُ يحفظُه، ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١].
قال: يَتَّبِعونه حقَّ اتباعِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قال: حافظٌ مِن اللَّهِ، مَلَكٌ.
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكرناها بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾.
قولُ مَن قال: هو جبريلُ؛ لدلالةِ قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾.
على صحةِ ذلك.
وذلك أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لم يتلُ قبلَ القرآنِ كتابَ موسى، فيكونَ ذلك دليلًا على صحةِ قولِ مَن قال: عُنِي به لسانُ محمدٍ ﷺ، أو (١) محمدٌ نفسُه، أو عليٌّ.
على قولِ مَن قال: عُنِي به عليٌّ.
ولا يُعْلَمُ أن أحدًا كان تلا ذلك قبلَ القرآنِ أو جاء به ممن ذَكَرَ أهلُ التأويلِ أنه عُنِي بقولِه: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ غيرُ جبريلَ ﵇.
فإن قال قائلٌ: فإن كان ذلك دليلَك على أن المَعْنيَّ به جبريلُ، فقد يجِبُ أن تكونَ القراءةُ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾.
بالنصبِ؛ لأن معنى الكلامِ على ما تأوَّلتَ يجِبُ أن يكونَ: ويتلو القرآنَ شاهدٌ مِن اللَّهِ، ومِن قبلِ القرآنِ كتابَ موسى؟
قيل: إن القرأةَ في الأمصارِ قد أجمَعت على قراءةِ ذلك بالرفعِ، فلم يكُنْ لأحدٍ خلافُها، ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالنصبِ، كانت قراءةً صحيحةً ومعنًى صحيحًا.
فإن قال: فما وجهُ رفعِهم إذن "الكتابَ"، على ما ادَّعيتَ مِن التأويلِ؟
قيل: وجهُ رفعِهم هذا أنهم ابتدءوا الخبرَ عن مجيءِ كتابِ موسى قبلَ كتابِنا المنزَّلِ على محمدٍ ﷺ، فرفَعوه بـ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ (٢)، والقراءةُ كذلك، والمعنى الذي ذكرتُ مِن معنى تلاوةِ جبريلَ ذلك قبلَ القرآنِ، وأن المرادَ من معناه ذلك، وإن كان الخبرُ مستأنفًا على ما وصَفتُ، اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ على معناه.
وأما قولُه: ﴿إِمَامًا﴾.
فإنه نَصْبٌ على القطْعِ مِن ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾.
وقولُه: ﴿وَرَحْمَةً﴾.
عَطْفٌ على الإمامِ، كأنه قيلَ: ومِن قبلِه كتابُ موسى إمامًا لبني إسرائيلَ يأتمُّون به، ورحمةً لهم (٣) مِن اللَّهِ تَلاه على موسى.
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾.
قال: مِن قبلِه جاء بالكتابِ إلى موسى (١).
وفي الكلام محذُوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِرَ عليه منه، وهو: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، كمَن هو في الضلالةِ مُتَرَدِّدٌ، لا يهتَدِي لرُشْدٍ، ولا يعرِفُ حقًّا مِن باطلٍ، ولا يطلُبُ بعمَلِه إلا الحياةَ الدنيا وزينتَها.
وذلك نظيرُ قولِه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩].
والدليلُ على حقيقةِ ما قلنا في ذلك أن ذلك عَقِيبَ قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ الآية.
ثم قيلَ: أهذا خيرٌ أمَّن كان على بينةٍ مِن ربِّه؟
والعرَبُ تفعَلُ ذلك كثيرًا، إذا كان فيما ذَكَرَت دلالةٌ على مرادِها على ما حَذَفَت، وذلك كقولِ الشاعرِ (٢): فأُقْسِمُ (٣) لو شيءٌ أَتَانا رسولُهُ … سِوَاكَ ولكنْ لم نَجِدْ لكَ مَدْفَعَا وقولُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
يقولُ: هؤلاء الذين ذكرتُ يُصَدِّقون ويُقِرُّون به، إن كَفَرَ به هؤلاء المشركون الذين يقولون: إن محمدًا افْتَراه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ﴾ بهذا القرآنِ، فيجحَدْ أنه مِن عندِ اللَّهِ، ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾، وهم المُتَحَزِّبةُ على مِلَلِهم، ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾: أنه يصيرُ إليها في الآخرةِ بتكذيبِه.
يقولُ اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾.
يقولُ: فلا تَكُ في شكٍّ منه، مِن أن موعِدَ مَن كَفَرَ بالقرآنِ مِن الأحزابِ النارُ (١)، وأن هذا القرآنَ الذي أنزَلناه إليك مِن عندِ اللَّهِ.
ثم ابتَدَأ جلّ ثناؤُه الخبرَ عن القرآنِ، فقال: إن هذا القرآنَ الذي أنزلناه إليك يا محمدُ الحقُّ مِن ربِّك لا شكَّ فيه، ولكن أكثرَ الناسِ لا يُصدِّقون بأن ذلك كذلك.
فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبيُّ ﷺ في شَكٍّ مِن أن القرآنَ مِن عندِ اللَّهِ، وأنه حَقٌّ، حتى قيل له: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾؟
قيلَ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٩٤].
وقد بَيَّنَّا ذلك هنالك (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: نُبِّئتُ أن سعيدَ بنَ جبيرٍ قال: ما بَلَغَني حديثٌ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجَدتُ مِصْداقَه في كتابِ اللَّهِ تعالى، حتى قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمِنُ بما أُرسِلتُ به، إلا دَخَل النارَ".
قال سعيدٌ: فقلتُ: أين هذا في كتابِ اللَّهِ؟
حتى أتيتُ على هذه الآيةِ: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
قال: مِن أهلِ المللِ كلِّها (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخرِّميُّ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾.
قال: مِن المِلَلِ كلِّها.
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كنتُ لا أسمَعُ بحديثٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِه إلا وجدتُ مِصْداقَه - أو قال: تَصْديقَه - في القرآنِ، فبَلَغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمنُ بما أُرْسِلْتُ به، إلا دَخَلَ النارَ".
فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها؟
حتى أتيْتُ على هذه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.
قال: فالأحزابُ المِلَلُ كلُّها.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: ثنى أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما مِن أحدٍ يسمَعُ بي مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، فلا يؤمنُ بي، إلا دَخَلَ النارَ".
فجعَلتُ أقولُ: أين مِصْداقُها في كتابِ اللَّهِ؟
قال: وقَلَّما سمِعتُ حديثًا عن النبيِّ ﷺ إلا وجَدتُ له تصديقًا في القرآنِ، حتى وجَدتُ هذه الآياتِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: المِللِ كلِّها (١).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾.
قال: الكفارُ أحزابٌ، كلُّهم على الكفرِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: ٣٦].
أي: يكفُرُ ببعضِه، وهم اليهودُ والنصارى.
قال: بَلَغنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "لا يسمَعُ بي أحدٌ مِن هذه الأمةِ، ولا يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم يموتُ قبلَ أن يؤمِنَ بي، إلا دَخَلَ النارَ" (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عديٍّ النضْريُّ (٤): قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن أبي موسى الأشعريِّ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "مَن سَمِعَ بي مِن أمتي، أو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، فلم يؤمنْ بي، لم يدخلِ الجنةَ" (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ الناسِ أشدُّ تعدِّيًا (١) ممن اخْتَلق على اللَّهِ كذبًا، فكَذَب عليه، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
يقولُ (٢): هؤلاء الذين يكذِبون على ربِّهم يُعْرَضون يومَ القيامةِ على ربِّهم، فيسألُهم عما كانوا في دارِ الدنيا يعمَلون.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾.
قال: الكافرُ والمنافقُ، ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فيسألُهم عن أعمالِهم (٣).
وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الملائكةَ والأنبياءَ الذين شَهِدوهم، وحَفِظوا عليهم ما كانوا يعمَلون.
وهم جمعُ شاهدٍ، مثلُ الأصحابِ الذي هو جمعُ صاحبٍ، ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾.
يقولُ: شَهِدَ هؤلاء الأشهادُ في الآخرةِ على هؤلاء المُفْتَرِين على اللَّهِ في الدنيا، فيقولون (٤): هؤلاء الذين كَذَبوا في الدنيا على ربِّهم.
يقولُ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ: ألَا غضَبُ اللَّهِ على المعتدين الذين كفَروا بربِّهم.
وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [ابنُ نميرٍ] (١)، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾.
قال: الملائكةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الملائكةُ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: والأشهادُ الملائكةُ، يَشْهدون علي بني آدمَ بأعمالِهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْأَشْهَادُ﴾، قال: الخلائقُ.
أو قال: الملائكةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ بنحوِه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: الذين كانوا يَحْفَظون أعمالَهم عليهم في الدنيا، ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: حَفِظوه وشَهِدوا به عليهم يومَ القيامةِ.
قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: الأشْهادُ الملائكةُ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾.
قال: الملائكةُ (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾: يعني الأنبياءَ والرسلَ، وهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: ٨٩].
قال: وقولُه: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾: يقولون: يا ربَّنا، أتيناهم بالحقِّ فَكَذَّبوا، فنحن [نشهَدُ عليهم] (٢) أنهم كَذَبوا عليك يا ربَّنا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ وهشامٍ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ المازنيِّ (٤)، قال: بَيْنا نحن بالبيتِ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وهو يطوفُ، إذ عَرَضَ له رجلٌ، فقال: يا بنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ في النَّجْوى؟
فقال: سمِعتُ نبيَّ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "يَدْنو المؤمنُ (٥) مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذنوبِه، فيقولُ: هل تعرِفُ كذا؟
فيقولُ: ربِّ أعرِفُ.
مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أن يَبْلُغَ، قال: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أَغْفِرُها لك اليومَ.
قال: فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه - أو كتابَه - بيمينِه، وأما [الكفارُ والمنافقون] (١)، فيُنادَى بهم على رءوسِ الأشهادِ: أَلَا هؤلاء الذين كَذَبوا على ربِّهم، ألا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين" (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن صفوانَ بنِ مُحرِزٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: كنَّا نُحدِّثُ أنه لا يُخْزَى يومَئذٍ أحدٌ فيَخْفَى خِزْيُه على أحدٍ ممن خَلَقَ اللَّهُ أو الخلائقِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألَا لعنةُ اللَّهِ على الظالمين الذين يصدُّون الناسَ عن الإيمانِ به، والإقرارِ له بالعبودةِ، وإخلاصِ العبادةِ له دونَ الآلهةِ والأندادِ مِن مشركي قريشٍ، وهم الذين كانوا يَفْتِنون عن الإسلامِ مَن دَخَلَ فيه.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾.
يقولُ: ويلتمسون سبيلَ اللَّهِ - وهو الإسلامُ الذي دَعا الناسَ إليه محمدٌ ﷺ يقولُ: زيغًا وميلًا عن الاستقامةِ.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾.
يقولُ: وهم بالبعثِ بعدَ المماتِ، مع صدِّهم عن سبيلِ اللَّهِ، وبغيِهم إياها عوجًا ﴿كَافِرُونَ﴾ يقولُ: هم جاحدون ذلك منكِرون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾.
يعني (١) جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ هؤلاء الذين وَصَفَ، جلَّ ثناؤُه، أنهم يَصُدُّون عن سبيلِ اللَّهِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: إنهم لم يكونوا بالذين يُعْجِزون ربَّهم، بهربِهم منه في الأرضِ إذا أراد عقابَهم والانتقامَ منهم، ولكنهم في قَبْضتِه ومِلْكِه، لا يَمْتَنِعون منه إذا أرادهم، ولا يَفُوتُونه هَرَبًا إِذا طَلَبَهم، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.
يقولُ: ولم يكنْ لهؤلاء المشركين إذا أراد عقابَهم مِن دونِ اللَّهِ، أنصارٌ يَنْصرونهم مِن اللَّه، ويَحُولون بينَهم وبينَه إذا هو عذَّبهم، وقد كانت لهم في الدنيا [مَنَعَةٌ يمتنعون] (٢) بها ممن أرادهم من الناس بسوءٍ.
وقولُه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يُزادُ في عذابِهم، فيُجْعلُ لهم مكانَ الواحدِ اثنان.
وقولُه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ فإنه اخْتُلِف في تأويلِه.
فقال بعضُهم: ذلك وَصْفٌ (٣)، وَصَفَ اللَّهُ به هؤلاء المشركين، أنه قد ختَم على سمعِهم وأبصارِهم، وأنهم لا يسمعون الحقَّ، ولا يُبْصِرون حُجَجَ اللَّهِ، سَماعَ مُنْتَفِعٍ، ولا إبصارَ مهتدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فما يَسْمعونه، بُكْمٌ فما يَنْطِقون به، عُمْيٌ فلا يُبْصِرُونه ولا يَنْتَفِعون به (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
قال: ما كانوا يستطيعون أن يَسْمعوا خيرًا (٢) فيَنْتفِعوا به، ولا يُبْصِروا خيرًا (٣) فيأخذوا به (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أخبرَ اللَّهُ سبحانه أنه حالَ بينَ أهلِ الشركِ وبين طاعتِه في الدنيا والآخرةِ؛ أما في الدنيا، فإنه قال: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾، وهي طاعتُه، ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾.
وأما في الآخرة، فإنه قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً﴾ (٥) [القلم: ٤٢، ٤٣].
وقال آخرون: إنما عَنَى بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ آلهةَ الذين يصدُّون عن سبيلِ اللَّهِ.
وقالوا: معنى الكلامِ: أولئك وآلهتُهم لم يكونوا مُعْجِزين في الأرضِ، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾، يعني الآلهةَ، أنها لم يكنْ لها سمعٌ ولا بصرٌ.
وهذا قولٌ رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ كَرِهْتُ ذكرَه لضعفِ سَنَدِه.
وقال آخرون: معنى ذلك: يُضاعَفُ لهم العذابُ بما كانوا يستطيعون السمعَ ولا يَسْمَعونه، وبما كانوا يُبْصِرون ولا يَتأمَّلون (١) حججَ اللَّهِ بأعينِهم فيَعْتَبِروا بها.
قالوا: والباءُ كان ينبغي لها أن تدخلَ؛ لأنه قد قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].
بكذبِهم، في غيرِ موضعٍ مِن التنزيلِ، أُدخِلت فيه الباءُ، وسقوطُها جائزٌ في الكلامِ، كقولِك في الكلامِ: [لأجزينَّك بما عمِلتَ، وما عمِلتَ] (٢).
وهذا قولٌ قاله بعضُ أهلِ العربيةِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّ اللَّهَ وَصَفَهم، تعالى ذكرُه، بأنهم لا يستطيعون أن يَسْمَعوا الحقَّ سماعَ مُنْتفِعٍ، ولا يُبْصِرونه إبصارَ مهتدٍ؛ لاشتغالِهم بالكفرِ الذي كانوا عليه مُقِيمين، عن استعمالِ جوارحِهم في طاعةِ اللَّهِ، وقد كانت لهم أسماعٌ وأبصارٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ﷿: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم الذين غَبَنُوا أنفسهم حظوظَها مِن رحمةِ اللَّهِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ وبَطَلَ كذبُهم وإفكُهم وفِرْيتُهم على اللَّهِ، بادِّعائِهم له شركاءَ، فَسَلَكَ ما كانوا يَدْعونه إلهًا مِن دونِ اللَّهِ غيرَ مسلكِهم، وأخَذ طريقًا غيرَ طريقِهم، فَضَلَّ عنهم؛ لأنه سَلَكَ بهم إلى جهنمَ، وصارت آلهتُهم عدمًا لا شيءَ؛ لأنها كانت في الدنيا حجارةً أو خشَبًا أو نُحاسًا، أو كان للَّهِ وليًّا، فسَلَكَ به إلى الجنةِ، وذلك أيضًا غيرُ مسلكِهم، وذلك أيضًا ضلالٌ عنهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا إن هؤلاء القومَ الذين هذه صفتُهم في الدنيا، في الآخرةِ هم الأخسرون، الذين قد باعوا منازلَهم مِن الجنانِ بمنازلِ أهلِ الجنةِ مِن النارِ، وذلك هو الخسرانُ المبينُ.
وقد بَيَّنا فيما مَضَى أن معنى قولِهم: جَرمْتُ.
كسبتُ الذنبَ وجرَّمْتُه (١)، وإن العربَ كثر استعمالُها إياه في مواضعِ الأيمانِ، وفي مواضعِ "لا بدَّ"، كقولِهم: لا جَرَمَ أنك ذاهبٌ.
بمعنى: "لا بدَّ"، حتى استعملوا ذلك في مواضعِ التحقيقِ، فقالوا: لا جرمَ ليقومنَّ.
بمعنى: حقًّا ليقومنَّ، فمعنى الكلامِ: لا مَنْعَ عن أنهم، ولا صَدَّ عن أنهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين صَدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، وعَمِلوا في الدنيا بطاعةِ اللَّهِ، وأَخْبَتوا إلى ربِّهم.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإخباتِ.
فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأنابوا إلى ربِّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
قال: الإخباتُ الإنابةُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
يقولُ: وأنابوا إلى ربِّهم (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: وخافوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
يقول: خافوا (٣).
وقال آخرون: معناه: اطمأنوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
قال: اطمأنوا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معنى ذلك: خَشَعوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾: الإخباتُ: التخشُّعُ والتواضعُ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ متقاربةُ المعاني، وإن اختلفت ألفاظُها؛ لأن الإنابةَ إلى اللَّهِ مِن خوفِ اللَّهِ، ومِن الخشوعِ والتواضعِ للَّهِ بالطاعةِ، والطمأنينةُ إليه مِن الخشوعِ له.
غيرَ أن نفسَ الإخْباتِ عندَ العربِ الخشوعُ والتواضعُ.
وقال: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾.
ومعناه: وأَخْبَتوا لربِّهم، وذلك أن العربَ تضعُ اللامَ موضعَ "إلى" و"إلى" موضعَ اللامِ كثيرًا، كما قال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].
بمعنى: أوحى إليها.
وقد يجوزُ أن يكونَ قيل ذلك كذلك؛ لأنهم وُصِفوا بأنهم عَمَدوا بإِخْباتِهم إلى اللَّهِ.
وقولُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يقولُ: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، هم سكانُ الجنةِ الذين لا يخرجُون عنها، ولا يموتون فيها، ولكنهم فيها لابِثُون إلى غيرِ نهايةٍ.
القولُ في تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ فريقي الكفرِ والإيمانِ كمثل الأعمى الذي لا يَرَى بعَيْنَيه (١) شيئًا (٢)، والأصمِّ الذي لا يسمعُ شيئًا، فكذلك فريقُ الكفرِ لا يُبْصِرُ الحقَّ فيتَّبِعَه ويعملَ به؛ لشغلِه بكفرِه باللَّهِ، وغَلَبَةِ خِذْلانِ اللَّهِ عليه، لا يسمعُ داعيَ اللَّهِ إلى الرشادِ، فيُجيبَه إلى الهدى فيهتديَ به، فهو مُقيمٌ في ضلالتِه، يتردَّدُ في حَيْرتِه.
﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، فكذلك (٣) فريقُ الإيمانِ، أبصَرَ حُجَجَ اللَّهِ، وأقرَّ بما دَلَّت عليه مِن توحيد اللَّهِ، والبراءةِ مِن الآلهةِ والأندادِ، ونبوَّةِ الأنبياءِ، ﵈، وسمِعَ داعيَ اللَّهِ فأجابَه، وعَمِلَ بطاعةِ اللَّهِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾.
قال: الأعمى والأصمُّ: الكافرُ.
والبصيرُ والسميعُ: المؤمنُ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾: الفريقان، الكافران و (١) المؤمنان.
فأما الأعمى والأصمُّ فالكافران، وأما البصيرُ والسميعُ فهما المؤمنان.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية، هذا مَثَلٌ ضَرَبَه اللَّهُ للكافرِ والمؤمنِ، فأما الكافرُ فصَمَّ عن الحقِّ فلا يسمعُه، وعَمِيَ عنه فلا يُبْصِرُه.
وأما المؤمنُ فسَمِعَ الحقَّ فانتَفَع به، وأبصَرَه فوَعاه وحَفِظَه وعَمِل به.
يقولُ تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، يقولُ: هل يستوي هذان الفريقان، على اختلافِ حالتَيهما في أنفسِهما عندَكم أيُّها الناسُ؟
فإنهما لا يستويان عندَكم فكذلك حالُ الكافرِ والمؤمنِ لا يستويان عندَ اللَّهِ.
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ يقولُ، جلَّ ثناؤُه: أفلا تَعْتَبِرون أيُّها الناسُ وتتفكرون، فتَعْلَموا حقيقةَ اختلافِ أمرَيهما، فتَنْزجِروا عما أنتم عليه مِن الضلالِ إلى الهدى، ومِن الكفرِ إلى الإيمانِ؟
فالأعمى والأصمُّ والبصيرُ والسميعُ في اللفظِ أربعةٌ، وفي المعنى اثنان، ولذلك قيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾، وقيل: ﴿كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ﴾، والمعنى: كالأعمى الأصمِّ.
وكذلك قيل: ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾، والمعنى: البصيرِ السميعِ.
كقولِ القائلِ: قام الظريفُ والعاقلُ.
وهو يَنْعَتُ بذلك شخصًا واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [إِنِّي لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ] (١) ﴿نَذِيرٌ﴾ مِن اللَّهِ، أُنذرُكم بأسَه على كفرِكم به، فآمِنوا به وأطِيعوا أمرَه.
ويعني بقولِه: ﴿مُبِينٌ﴾: يُبِينُ لكم عما أُرسِل به إليكم، مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي﴾؛ فقرَأ ذلك عامة قرأةِ الكوفةِ وبعضُ المدنيين بكسرِ "إن" على وجهِ الابتداءِ (٢)؛ إذ كان في الإرسالِ معنى القولِ.
وقرَأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ والبصرةِ بفتحِ "إن" (٣) على إعمالِ الإرسالِ فيها، كأن معنى الكلامِ عندَهم: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إنهما قراءتان متَّفِقَتا المعنى، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما جماعةٌ من القرأةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ كان مصيبًا للصوابِ في ذلك.
وقولُه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
فمَن كَسَر الألفَ في قوله: ﴿إِنِّي﴾.
جعَل قولَه: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ عاملًا في "أنْ" التي في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.
ويصيرُ المعنى حينَئذٍ: ولقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه، أن لا تعبدوا إلا اللَّهَ، وقلْ لهم: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.
ومَن فَتَحها رَدَّ "أنْ" في قولِه: ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا﴾ عليها، فيكونُ المعنى حينَئذٍ: لقد أرسلنا نوحًا إلى قومِه بأني لكم نذيرٌ مبينٌ، بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ.
ويعني بقولِه: بأن لا تعبدوا إلا اللَّهَ: أيُّها الناسُ، اتركوا (٤) عبادةَ الآلهةِ والأوثانِ، وإشراكَها في عبادتِه، وأفْرِدوا اللَّهَ بالتوحيدِ، وأخْلِصوا له العبادةَ، فإنه لا شريكَ له في خَلْقِه.
وقولُه: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
يقولُ: إني، أيُّها القومُ، إن لم تَخُصُّوا (١) اللَّهَ بالعبادةِ، وتُفْرِدوه بالتوحيدِ، وتَخْلعوا (٢) ما دونَه مِن الأندادِ والأوثانِ - أخافُ عليكم مِن اللَّهِ عذابَ يومٍ مؤلمٍ عقابُه وعذابُه لمَن عُذِّبَ فيه.
وجَعَل الأليمَ مِن صفةِ اليومِ، وهو مِن صفةِ العذابِ؛ إذ كان العذابُ فيه، كما قيل: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦].
وإنما السَّكَنُ مِن صفةِ ما سَكَنَ فيه، دونَ الليلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فقال الكبراءُ مِن قومِ نوحٍ وأشرافُهم، وهم الملأُ الذين كفروا باللَّهِ، وجَحَدوا نبوَّةَ نبيِّهم نوحٍ، ﵇: ﴿مَا نَرَاكَ﴾ يا نوحُ ﴿إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾: يعنُون بذلك أنه آدميٌّ مثلُهم في الخلقِ والصورةِ والجنسِ، كأنهم كانوا منكِرِين (٣) أن يكونَ اللَّهُ يرسلُ مِن البشرِ رسولًا إلى خلقِه.
وقولُه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
يقولُ: وما نَراك اتَّبَعك إلا الذين هم سَفِلَتُنا مِن الناسِ، دونَ الكُبَراءِ والأشرافِ، فيما نرَى (٤) ويظهرُ لنا.
وقولُه: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ اختلفت القرأةُ في قراءتِه؛ فقَرأتْه عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ بغيرِ همزِ "البادِي"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾، بمعنى: ظاهرِ الرأيِ.
مِن قولِهم: بَدَا الشيءُ يبدو.
إذا ظَهَر (١)، كما قال الراجزُ: أضْحَى لِخالي شَبَهِي بَادِي بَدِي وصارَ للفَحْلِ لِساني وَيَدِي (٢) بادي بَدِي، بغيرِ همزٍ.
وقال آخرُ: وقد عَلَتْنِي (٣) ذُرْأَةٌ (٤) بادِي بَدِي (٥) (٦) وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ: (بادِئَ الرأيِ)، مهموزًا أيضًا، بمعنى: مبتدأَ الرأيِ.
مِن قولِهم: بدأتُ بهذا الأمرِ.
إذا ابتدأتَ به قبلَ غيرِه (٧).
وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك (٨) عندَنا، قراءةُ مَن قرأَ: ﴿بَادِيَ﴾، بغيرِ همزِ "البادِي"، وبهمزِ ﴿الرَّأْيِ﴾؛ لأن معنى ذلك الكلامِ: إلا الذين هم أراذِلُنا، في ظاهرِ الرأيِ، وفيما يظهرُ لنا.
وقولُه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾.
يقولُ: وما نَتَبَيَّنُ لكم علينا مِن فضلٍ نِلْتُموه بمُخالفتِكم إيانا في عبادةِ الأوثانِ إلى عبادةِ اللَّهِ، وإخلاصِ العُبُودةِ له، فنتبعَكم طلبَ ذلك الفضلِ، وابتغاءَ ما أصبتُموه بخلافِكم إيانا ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾، وهذا خطابٌ منهم لنوحٍ، ﵇، وذلك أنهم إنما كذَّبوا نوحًا دونَ أتباعِه؛ لأن أتباعَه لم يكونوا رسلًا، وأخرَج الخطابَ، وهو واحدٌ، مُخرجَ خطابِ الجميعِ، كما قيل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١].
وتأويلُ الكلامِ: بل نظنُّك، يا نوحُ، في دَعْواك أن اللَّهَ ابْتَعَثَك إلينا رسولًا - كاذبًا.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قوله: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾.
قال: فيما ظَهَرَ لنا (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، مخبِرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه، إذ (٢) كذَّبوه وردُّوا عليه ما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ من النصيحةِ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾: على علمٍ ومعرفةٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ لي ما يَلْزَمُني له، ويجبُ عليَّ مِن إخلاصِ العبادةِ له، وتركِ إشراكِ الأوثانِ معه فيها، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾.
يقولُ: ورَزَقَني منه التوفيقَ والنبوةَ والحكمةَ، فآمنتُ به، وأطعتُه فيما أمَرني ونَهاني: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ (فَعَمِيَتْ)، بفتحِ العينِ وتخفيفِ الميمِ بمعنى: فعَمِيت الرحمةُ عليكم فلم تهتدوا لها، فتُقِرُّوا بها، وتُصَدِّقوا رسولَكم عليها (١).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ بضمِّ العينِ وتشديدِ "الميمِ" (٢)، اعتبارًا منهم ذلك بقراءةِ عبدِ اللَّهِ، وذلك أنها (٣) فيما ذُكِر في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فعمَّاها عليكم) (٤).
وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرأَه: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ (٥) بضمِّ العينِ وتشديدِ الميمِ؛ للذي ذَكَروا مِن العلةِ لمَن قرَأ به، ولقربِهِ مِن قولِهِ: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾.
فأضافَ الرحمةَ إلى اللَّهِ، فكذلك تعميتُه على الآخرين بالإضافةِ إليه أولى.
وهذه الكلمةُ مما حَوَّلت العربُ الفعلَ عن موضعِه؛ وذلك أن الإنسانَ هو الذي يَعْمَى عن إبصارِ الحقِّ، إذ يَعْمَى عن إبصارِه، والحقُّ لا يوصفُ بالعَمَى، إلا على الاستعمالِ الذي قد جَرَى به الكلامُ، وهو في جوازِه لاستعمالِ العربِ إياه، نظيرُ قولِهم: دَخَل الخاتمُ في يَدِي، والخُفُّ في رِجْلي.
ومعلومٌ أن الرِّجْلَ هي التي تدخلُ في الخُفِّ، والأُصْبُعَ في الخاتمِ، ولكنهم استعملوا ذلك كذلك، لمَّا كان معلومًا المرادُ فيه (٦).
وقولُه: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
يقولُ: أنأْخُذُكم بالدخولِ في الإسلامِ، وقد عمَّاه اللَّهُ عليكم؟
﴿وَأَنْتُمْ (١) لَهَا كَارِهُونَ﴾.
يقولُ: وأنتم لإلْزامِناكُموها ﴿كَارِهُونَ﴾.
يقولُ: لا نفعلُ ذلك، ولكن نَكِلُ أمرَكم إلى اللَّهِ، حتى يكونَ هو الذي يَقْضِي في أمرِكم ما يرى ويشاءُ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: قال نوحٌ: يا قَوْمِ ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾.
قال: قد عَرَفتُها، وعَرَفتُ بها أمرَه، وأنه لا إلهَ إلا هو، ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾: الإسلامَ والهُدى والإيمانَ والحُكْمَ (٢) والنبوةَ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ الآية، أمَا واللَّهِ لو استطاعَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ الألزمَها قومَه، ولكن لم يستطعْ (٤) ذلك، ولم يَمْلِكْه (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أبيٍّ: (أنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا وأَنْتم لها كارِهُونَ) (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزُّبيرِ، عن ابنِ عيينةَ، قال: أخبرَنا عمرُو بنُ دينارٍ، قال: قرَأ ابنُ عباسٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنا).
قال عبدُ اللَّهِ: (مِنْ شَطْرِ أَنْفُسِنَا): مِن تلقاءِ أنفسِنا (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ: (أَنُلْزِمُكُمُوها مِن شَطْرِ قُلُوبِنا وأَنتم لها كارِهُونَ) (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾.
وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللَّهِ عن قِيلِ نوحٍ لقومِه، أنه قال لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ﴾ على نصيحتي لكم، ودِعايتِكم إلى توحيدِ اللَّهِ، وإخلاصِ العبادةِ له ﴿مَالًا﴾: أجرًا على ذلك، فتَتَّهِموني في نصيحتى، وتظنون أن فِعْلي ذلك طلبُ عَرَضٍ مِن أعراضِ الدنيا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.
يقولُ: ما ثوابُ نصيحتي لكم ودِعايتِكم إلى ما أدْعوكم إليه، إلا على اللَّهِ، فإنه هو الذي يُجازيني ويُثِيبُني عليه، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وما أنا بمُقْصٍ مَن آمَن باللَّهِ، وأقرَّ بوحدانيتِه، وخَلَعَ الأوثانَ، وتَبَرَّأَ منها، بأن لم يكونوا مِن عِلْيَتِكم وأشرافِكم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
يقولُ: إن هؤلاء الذين تسألوني طَرْدَهم، صائِرون إلى اللَّهِ، واللَّهُ سائلُهم عما كانوا في الدنيا يعملون، لا عن [شَرَفِهم وحَسَبِهم] (١).
وكان قيلُ نوحٍ ذلك لقومِه؛ لأن قومَه قالوا له، كما: حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال: قالوا له: يا نوحُ، إن أحببتَ أن نَتَّبِعَك فاطرُدْهم، وإلا فلن نَرْضَى أن نكونَ نحن وهم في الأمرِ سواءً، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾، فيسألُهم عن أعمالِهم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ (٣)، جميعًا عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.
قال: جزائي (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ.
عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
وقولُه: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾.
يقولُ: ولكني، أيُّها القومُ، أراكم قومًا تَجْهَلون الواجبَ عليكم مِن حقِّ اللَّهِ، واللازمَ لكم مِن فرائضِه، ولذلك مِن جَهْلِكم سألتُموني أن أطرد الذين آمنوا باللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.
يقولُ: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي﴾ فيمنَعُني ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، إن هو عاقَبَني على طَرْدي المؤمنين الموحِّدين اللَّهَ، ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: أفلا تَتفَكَّرون فيما تقولون، فتَعْلَمون خطأه، فتَنْتَهوا عنه؟
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾.
وقولُه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ (١).
ومعنى الكلامِ: ويا قومِ لا أسألُكم عليه أجرًا، ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأَدْعُوكم إلى اتِّباعي عليها، ﴿وَلَا أَعْلَمُ﴾ أيضًا ﴿الْغَيْبَ﴾ يعني: ما خَفِيَ مِن سرائرِ العبادِ؛ فإن ذلك لا يعلمُه إلا اللَّهُ، فأدَّعِيَ الربوبيةَ، وأدعوَكم إلى عبادتي.
﴿وَلَا أَقُولُ﴾ أيضًا: ﴿إِنِّي مَلَكٌ﴾ مِن الملائكةِ أُرسلتُ إليكم، فأكونَ كاذبًا في دَعْوايَ ذلك، بل أنا بشرٌ مثلُكم كما تقولون، أُمرتُ بدُعائِكم إلى اللَّهِ، وقد أَبْلَغْتُكم ما أُرسِلتُ به إليكم، ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾.
يقولُ: ولا أقولُ للذين اتَّبعوني وآمنوا باللَّهِ ووَحَّدوه، الذين تستحقرُهم أعينُكم، وقلتُم: إنها أَرَاذِلُكم: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ (١) اللَّهُ خَيْرًا﴾، وذلك الإيمانُ باللَّهِ، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
يقولُ: اللَّهُ أعلمُ بضمائرِ صدورِهم، واعتقادِ قلوبِهم، وهو وليُّ أمرِهم في ذلك، وإنما لي منهم ما ظهرَ وبدا، وقد أظهَروا الإيمانَ باللَّهِ واتَّبَعوني، فلا أطرُدُهم، ولا أستَحِلُّ ذلك، ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ: إني إن قلتُ لهؤلاءِ الذين أظْهَروا الإيمانَ باللَّهِ وتَصْديقي: ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، وقضيتُ على سرائرِهم، بخلافِ ما أَبْدَتْه (٢) ألْسِنَتُهم لي، على غيرِ علمٍ مني بما في نفوسِهم، وطردتُهم (٣) بفعلي ذلك، لَمِنَ الفاعلين ما ليس لهم فعلُه، المعتدين ما أمَرَهم اللَّهُ به، وذلك هو الظلمُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ التي لا يُفْنِيها شيءٌ، فأكونَ إنما أدعوكم لتَتَّبِعوني عليها، لأُعْطِيَكم منها، ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ نزلتُ مِن السماءِ برسالةٍ، ما أنا إلا بشرٌ مثلُكم، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾: ولا أقولُ اتَّبِعوني على علمِ الغيبِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ نوحٍ لنوحٍ، ﵇: قد خاصَمْتَنا، فأكثرتَ خُصُومتَنا، فأْتِنا بما تَعِدُنا مِن العذابِ إن كنتَ مِن الصادقين في عِداتِك ودَعْواك أنك للَّهِ رسولٌ، يعني: بذلك أنه لن يقدرَ على شيءٍ مِن ذلك.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ [أبي نجيحٍ] (١)، عن مجاهدٍ: ﴿جَادَلْتَنَا﴾.
قال: مارَيْتَنا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾.
قال: مارَيْتَنَا (٢).
﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾.
قال ابنُ جريجٍ: تكذيبًا بالعذابِ، وأنه باطلٌ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال نوحٌ لقومِه حينَ اسْتَعْجَلوه العذابَ: يا قومِ، ليس الذي تستعجلون مِن العذابِ إليَّ، إنما ذلك إلى اللَّهِ لا إلى غيرِه، هو الذي يأتيكم به إن شاء، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.
يقولُ: ولستُم إذا أرادَ تعذيبَكم - بمُعْجِزِيه؛ أي: بفائتِيه هربًا منه؛ لأنكم حيثُ كنتم في مُلْكِه وسلطانِه وقدرتِه، حكمُه عليكم جارٍ.
﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾.
يقولُ: ولا ينفعُكم تَحْذِيري عقوبتَه، ونزولَ سَطْوتِه بكم على كفرِكم به، ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ في تَحْذيري إياكم ذلك؛ لأن نُصْحي لا ينفعُكم؛ لأنكم لا تَقْبَلونه، ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾.
يقولُ: إن كان اللَّهُ يريدُ أن يُهْلِكَكم بعذابِه، ﴿هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يقولُ: وإليه تُرَدُّون بعدَ الهلاكِ.
حُكِي عن طَيِّئٍ أنها تقولُ: أصبح فلانٌ غاويًا.
أي: مريضا.
وحُكِي عن غيرِهم سماعًا منهم: أغويتُ فلانًا.
بمعنى: أهلكتَه.
وغَوِيَ الفصيلُ.
إذا فَقَدَ اللبنَ فماتَ.
وذُكِر أن قولَ اللَّهِ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] أي: هَلاكًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه، أيقولُ - يا محمدُ - هؤلاء المشركون من قومِك: افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، وهذا الخبرَ عن نوحٍ؟
قلْ لهم: إن افتريتُه فتخرَّصتُه واختلقتُه ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾.
يقولُ: فعليَّ إثمي في افْترائي ما افتريتُ على ربِّي دونَكم، لا تؤاخَذُون بذَنْبي ولا إثْمي، ولا أُوَاخَذُ بذنبِكم، ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾.
يقولُ: وأنا بريءٌ مما تُذنِبون وتَأْثَمُون بربِّكم مِن افْترائِكم عليه.
يقالُ منه: أَجْرَمتُ إجرامًا وجَرَمْتُ أُجْرِمُ جَرْمًا.
كما قال الشاعرُ (١): طريدُ عشيرةٍ ورهينُ ذنبٍ … بما جَرَمَتْ يَدِي وَجَنَى لِساني القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ، لمَّا حقَّ على قومِه القولُ، وأظلَّهم (٢) أمرُ اللَّهِ: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ يا نوحُ، باللَّهِ، فيوحِّدَه ويَتَّبِعَك على ما تَدْعوه إليه ﴿مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ فصَدَّق بذلك واتَّبَعك، ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾.
يقولُ: فلا تَسْتَكِنْ ولا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، فإني مُهلِكُهم، ومُنْقِذُك منهم ومَن اتَّبَعَك.
وأَوْحَى اللَّهُ ذلك إليه بعدَما دعا عليهم نوحٌ بالهلاكِ، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
وهو تَفْتَعِلُ مِن البؤسِ، يقالُ: ابتأسَ فلانٌ بالأمرِ يَبْتَئِسُ ابْتئاسًا.
كما قال لَبيدُ بنُ ربيعةَ (٣): في مَأْتَمٍ كنِعاجِ صا … رَةَ (٤) يَبْتَئِسْنَ بما لَقِينا وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾.
قال: لا تحزنْ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
يقولُ: فلا تحزنْ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: لا تَأْسَ ولا تحزنْ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وذلك حينَ دعا عليهم قالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، قولَه: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾.
يقولُ: فلا تأسَ ولا تحزنْ (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، فحينَئذٍ دعا على قومِه، لمَّا بَيَّن اللَّهُ له أنه لن يؤمنَ مِن قومِه إلا مَن قد آمن.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأُوحِي إليه أنه لن يؤمنَ مِن قومِك إلا مَن قد آمَن، وأَنِ اصْنَعِ الفلكَ، وهو السفينةُ؛ كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: الفلكُ، السفينةُ (١).
وقولُه: ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾.
يقولُ: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه، كما يأمُرُك.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، وذلك أنه لم يَعْلَمْ كيف صَنْعَةُ الفُلكِ، فَأَوحَى اللَّهُ إليه أن يَصْنَعَها على مِثْلِ جُؤْجُؤ الطائرِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾.
قال: كما نَأْمُرُك (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾: كما نأمُرُك (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.
قال: بعينِ اللَّهِ.
قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَوَحْيِنَا﴾.
قال: كما نأمُرُك (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾.
قال: بعينِ اللَّهِ ووَحْيِه (٢).
وقولُه: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تسألْني في العفوِ عن هؤلاء الذين ظَلَموا أنفسَهم مِن قومِك، فأكسَبوها - تَعدِّيًا منهم عليها بكفرِهم باللَّهِ - الهلاكَ بالغَرَقِ؛ إنهم مُغْرَقون بالطوفانِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾.
قال: يقولُ: ولا تُراجِعْني.
قال: تقدَّمَ ألَّا يشفعَ لهم عندَه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويصنعُ نوحٌ السفينةَ، وكلما مَرَّ عليه جماعةٌ مِن كُبَراءِ قومِه ﴿سَخِرُوا مِنْهُ﴾.
يقولُ: هَزِئوا مِن نوحٍ، ويقولون له: أتحوَّلْتَ نجارًا بعد النبوّةِ، وتعملُ السفينةَ في البرِّ؟
فيقولُ لهم نوحٌ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا﴾: إن تَهْزَءوا مِنَّا اليومَ، فإنَّا نهزأُ منكم في الآخرةِ، كما تَهْزَءون مِنَّا في الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا عاينتُم عذابَ اللَّهِ مَن الذي كان إلى نفسِه مُسِيئًا مِنَّا.
وكانت صنعةُ نوحٍ السفينةَ كما حدَّثني المُثَنَّى، وصالحُ بنُ مِسْمارٍ، قالا (٤): ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبرنا موسى بنُ يعقوبَ، قال: ثنى فائدٌ (١) مولى عبيدِ اللَّهِ بنِ عليِّ بنِ أبي رافعٍ، أن إبراهيمَ بنَ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ربيعةَ، أخبرَه أن عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ أخبرَتْه، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "لو رَحِمَ اللَّهُ أحدًا مِن قومِ نوحٍ لرَحِمَ أمَّ الصَّبِيِّ".
قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "كان نوحٌ مَكَثَ في قومِه ألفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا يَدْعوهم إلى اللَّهِ، حتى كان آخِرُ زمانِه غَرَسَ شجرةً، فعَظُمَت وذَهَبَت كلَّ مذهبٍ، ثم قَطَعَها، ثم جَعَلَ يعملُ سفينةً، ويَمُرُّون فيَسْألونه، فيقولُ: أعملُها سفينةً.
فيَسْخَرون منه ويقولون: تعملُ (٢) سفينةً في البرِّ، فكيف تَجْرِي؟
فيقولُ: سوف تَعْلَمون.
فَلَما فَرَغَ منها، وفارَ التَّنُّورُ، وكَثُرَ الماءُ في السِّكَكِ، خَشِيَتْ أمُّ الصَّبِيِّ (٣) عليه، وكانت تُحِبُّه حبًّا شديدًا، فخَرَجَت إلى الجبلِ، حتى بَلَغَت ثُلُثَه، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى بَلَغَت ثُلُثَي الجبلِ، فلما بَلَغَها الماءُ خَرَجَت حتى اسْتَوَت على الجبلِ، فلما بَلَغَ الماءُ رقبتَها، رَفَعَتْه بيَدَيها (٤) حتى ذَهَبَ بها الماءُ.
فلو رَحِمَ اللَّهُ منهم أحدًا لَرَحِمَ أَمَّ الصبيِّ" (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن طولَ السفينةِ ثلاثُمائةِ ذراعٍ، وعرضَها خمسون ذراعًا، وطولَها في السماءِ ثلاثون ذراعًا، وبابَها في عرضِها (٦).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: كان طولُ سفينةِ نوحٍ ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ (٢)، عن مُفَضَّل بنِ فَضالةَ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال الحواريُّون لعيسى ابنِ مريمَ: لو بعثتَ لنا رجلًا شَهِدَ السفينةَ، فحدَّثَنا عنها.
قال: فانطَلَق بهم حتى انتهى بهم إلى كَثيبٍ مِن ترابٍ، فأخَذَ كفًّا مِن ذلك الترابِ بكَفِّه، قال: أتدرون ما هذا؟
قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ.
قال: هذا كعبُ (٣) حامِ بنِ نوحٍ.
قال: فضَرَبَ الكثيبَ بعصاه، قال: قمْ بإذنِ اللَّهِ.
فإذا هو قائمٌ يَنْفُضُ الترابَ عن رأسِه قد شابَ، قال له عيسى: هكذا هلكتَ؟
قال: لا، ولكن مِتُّ وأنا شابٌّ، ولكنِّي ظننتُ أنها الساعةُ، فمِن ثَمَّ شِبْتُ.
قال: حَدِّثْنا عن سفينةِ نوحٍ.
قال: كان طولُها ألفَ ذراعٍ ومائتي ذراعٍ، وعرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ، و (٤) كانت ثلاثَ طبقاتٍ؛ فطبقةٌ فيها الدوابُّ والوحشُ، وطبقةٌ فيها الإنسُ، وطبقةٌ فيها الطيرُ، فلما كَثُرَ أرواثُ الدوابِّ، أوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ: أن اغمِزْ ذَنَبَ الفيلِ.
فَغَمَزَ (٥)، فَوَقَعَ منه خِنْزِيرٌ وخنزيرةٌ، فأقبَلا على الرَّوْثِ، فلما وَقَعَ الفأرُ بجَرَزِ (٦) السفينةِ يَقْرِضُه، أوحَى اللَّهُ إلى نوحٍ: أن اضربْ بين عَيْنَيِ الأسدِ.
فخَرَج مِن مَنْخَرِه سِنَّورٌ وسِنَّورةٌ، فأقبَلا على الفأرِ.
فقال له عيسى: كيف عَلِمَ نوحٌ أن البلادَ قد غَرِقَت؟
قال: بَعَثَ الغرابَ يأتيه بالخبرِ، فوجَدَ جيفةً، فوَقَعَ عليها، فدَعا عليه بالخوفِ؛ فلذلك لا يَأْلَفُ البيوتَ.
قال: ثم بَعَثَ الحمامةَ، فجاءت بوَرَقِ زيتونٍ بمِنْقارِها، وطينٍ برِجْلَيها (١)، فعَلِمَ أن البلادَ قد غَرِقَت.
قال: فطَوَّقَها الخُضرةَ التي في عُنُقِها، ودعا لها أن تكونَ في أُنسٍ وأمانٍ، فمِن ثَمَّ تألفُ البيوتَ.
قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، ألا ننطلقُ به إلى أهلينا، فيجلسُ معنا، ويحدِّثُنا؟
قال: كيف يَتْبَعُكم مَن لا رزقَ له؟
قال: فقال له: عُدْ بإذنِ اللَّهِ.
قال: فعادَ ترابًا (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عمن لا يتَّهِمُ، عن عُبيدِ بنِ عميرٍ الليثيِّ، أنه كان يحدِّثُ، أنه بَلَغَه أنهم كانوا يَبْطِشون به - يعني قومَ نوحٍ (٣) - فيَخْنُقونه حتى يُغْشَى عليه، فإذا أفاقَ قال: اللهمَّ اغفِرْ لقومي فإنهم لا يَعْلمون.
حتى إذا تمادَوا في المعصيةِ، وعَظُمت في الأرضِ منهم الخطيئةُ، وتطاولَ عليه وعليهم الشأنُ، واشتدَّ عليه منهم البلاءُ، وانتظر النَّجْلَ بعدَ النَّجْلِ، فلا يأتي قرنٌ إلا كان أخبثَ مِن القرنِ الذي قبلَه، حتى إن كان الآخِرُ منهم لَيقولُ: قد كان هذا مع آبائِنا ومع أجدادِنا هكذا مجنونًا.
لا يَقْبَلون منه شيئًا، حتى شكا ذلك مِن أمرِهم نوحٌ إلى اللَّهِ تعالى، كما قصَّ اللَّهُ علينا في كتابِه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] إلى آخرِ القصةِ، حتى قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧].
إلى آخرِ القصةِ، فلما شكا ذلك منهم نوحٌ إلى اللَّهِ، واسْتَنْصَره عليهم، أوحَى اللَّهُ إليه أن: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
أي: بعدَ اليوم؛ ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾.
فأقبَل نوحٌ على عملِ الفلكِ، ولَهِيَ (١) عن قومِه، وجَعَل يقطَعُ الخشبَ، ويضرِبُ الحديدَ، ويُهَيِّئُ عُدَّةَ الفلكِ مِن القارِ وغيرِه مما لا يُصلِحُه إلا هو، وجعَل قومُه يمرُّون به، وهو في ذلك مِن عملِه، فيَسْخَرون منه، ويَسْتَهزئون به، فيقولُ: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾.
قال: ويقولون له فيما بلغني: يا نوحُ، قد صِرْتَ نَجَّارًا بعدَ النبوةِ؟!
قال: وأعقمَ اللَّهُ أرحامَ النساءِ، فلا يولدُ لهم ولدٌ.
قال: ويزعمُ أهلُ التوراةِ أن اللَّهَ أمره أن يصنعَ الفلكَ مِن خشبِ السَّاجِ، وأن يصنعَه أَزْوَرَ (٢)، وأن يَطْلِيَه بالقارِ مِن داخلِه وخارجِه، وأن يجعلَ طولَه ثمانين ذراعًا، وأن يجعلَه ثلاثةَ أطباقٍ؛ سُفْلًا، ووَسَطًا، وعُلْوًا، وأن يجعلَ فيه كِوًى، ففعَل نوحٌ كما أمره اللَّهُ، حتى إذا فرَغ منه، وقد عَهِد اللَّهُ إليه: إذا جاء أمرُنا وفار التَّنُّورُ، فـ ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، وقد جعَل التَّنُّورَ آيةً فيما بينَه وبينَه، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧].
واركبْ.
فلما فارَ التنُّورُ، حَمَل نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ - وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ - وحَمَل (٣) فيها مِن كلٍّ زوجين اثنين، مما فيه الروحُ والشجرُ، ذكرٍ (٤) وأنثى، فحَمَل فيه بَنِيه الثلاثةَ - سامٌ وحامٌ ويافثُ - ونساءَهم (٢)، وستةَ أناسٍ ممن كان آمَن به، فكانوا عشرةَ نفرٍ؛ نوحٌ وبَنوه وأزواجُهم، ثم أدخَل ما أمَره (٣) به مِن الدوابِّ، وتَخلَّفَ عنه ابنُه يامٌ، وكان كافرًا (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ (٥)، عن يوسفَ بنِ مِهْرَانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سمعتُه يقولُ: كان أوَّلُ ما حَمَل نوحٌ في الفلكِ مِن الدوابِّ الدُّرَّةَ (٦)، وآخرُ ما حَمَل الحمارَ، فلما أدْخَل (٧) الحمارَ وأدخَل صدرَه، تعلَّق (٨) إبليسُ بذنبِه، فلم تستقلَّ رجلاه، فجَعل نوحٌ يقولُ: ويحك!
ادخُلْ.
فينهَضُ فلا يستطيعُ، حتى قال نوحٌ: ويحك!
ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك.
قال: كلمةٌ زَلَّتْ عن لسانِه، فلما قالها نوحٌ خَلَّى الشيطانُ سبيلَه، فدَخَل ودخَل الشيطانُ معه، فقال له نوحٌ: ما أدْخَلَك عليَّ (٩) يا عدوَّ اللَّهِ؟
فقال: ألم تقُلْ: ادخُلْ وإن كان الشيطانُ معك؟
قال: اخرُجْ عني يا عدوَّ اللَّهِ.
فقال: ما لك بدٌّ مِن أن تَحْمِلَني.
فكان - فيما يَزْعمون - في ظهرِ الفلكِ، فلما اطمأنَّ نوحٌ في الفلكِ، وأدخَل فيه مَن آمَن به، وكان ذلك في الشهرِ (١٠) مِن السنةِ التي دَخَل فيها نوحٌ بعدَ ستِّمائةِ سنةٍ مِن عمرِه، لسبعَ عشْرةَ ليلةً مَضَت مِن الشهرِ.
فلما دَخَل وحَمَل معه مَن حَمَل، تَحرَّك ينابيعُ الغَوْطِ (١) الأكبرِ، وفُتِحَ أبوابُ السماءِ، كما قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١١، ١٢].
فدَخَل نوحٌ ومَن معه الفلكَ، وغَطَّاه عليه وعلى مَن معه بطبقِه (٢)، فكان بينَ أن أَرسلَ اللَّهُ الماءَ، وبينَ أن احْتمل الماءُ الفلكَ، أربعون يومًا وأربعون ليلةً، ثم احْتمل الماءُ، كما يزعُمُ أهلُ التوراةِ، وكَثُر الماءُ واشتدَّ وارتفعَ، يقولُ اللَّهُ جلّ ذكرُه لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣].
والدُّسُرُ المساميرُ؛ مساميرُ الحديدِ، فجعلت الفلكُ تَجْري به وبمَن معه في موجٍ (٣) كالجبالِ، ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ الذي هَلَكَ فيمَن هلكَ، ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ حينَ رأى نوحٌ مِن صِدْقِ موعد ربِّه ما رأى، فقال: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
وكان شقيًّا قد أضمَر كفرًا، ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، وكان عَهِدَ الجبالَ، وهي حِرْزُ مِن الأمطارِ إذا كانت، فظنَّ أن ذلك كما كان يعهَدُ، قال نوحٌ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾، وكَثُرَ الماءُ حتى طَغَى وارتفعَ فوقَ الجبالِ، كما يزعمُ أهلُ التوراةِ، بخمسةَ عشرَ ذراعًا، فبادَ ما على وجهِ الأرضِ مِن الخلقِ، مِن كلِّ شيءٍ فيه الروحُ أو شجرٍ، فلم يَبْقَ شيءٌ من الخلائقِ إلا نوحٌ ومَن معه في الفلكِ، وإلا عُوجُ بنُ عُنُقَ، فيما يزعمُ أهلُ الكتابِ، فكان بينَ أن أرسلَ اللَّهُ الطوفانَ، وبين أن غاضَ الماءُ، ستةَ أشهرٍ وعشرَ ليالٍ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الحسنِ بنِ دينارٍ، عن عليِّ بنِ زيدِ بنِ جُدْعانَ، قال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: وحدَّثني حسنُ بنُ عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، قال: سمعتُه يقولُ: لما آذَى نوحًا في الفلكِ عَذِرةُ الناسِ، أُمِر أن يمسَحَ ذَنَبَ الفيلِ، فمسَحَه، فخَرَج منه خِنْزيران، وكَفَى عنه ذلك، وإن الفأرَ توالَدَت في الفلكِ، فلما آذَتْه، أُمِر أن يأمرَ الأَسدَ يَعْطِسُ، فَعَطَسَ، فَخَرَج من مَنْخَريه هِرَّان يأكُلان عنه الفأرَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا كان نوحٌ في السفينةِ، قَرَضَ الفأرُ حبالَ السفينةِ، فَشَكا نوحٌ، فأوحَى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الأسدِ، فخرَج سِنَّوْران، وكان في السفينةِ عَذِرةٌ، فشكا ذلك إلى ربِّه، فأوحى اللَّهُ إليه، فمسَح ذَنَبَ الفيلِ، فخرَج خِنْزيران.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ الجُوزَجانيُّ، قال: ثنا الأسودُ بنُ عامرٍ، قال: أخبرَنا سفيانُ بنُ (٢) سعيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مِهْرانَ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه.
حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن (٣) أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، قال: قال [سلمان الفارسي] (٤): عَمِل نوحٌ السفينةَ في أربعمائةِ سنةٍ، وأنبت السَّاجَ أربعين سنةً، حتى كان طولُه أربعَمائةِ (١) ذراعٍ، والذراعُ إلى المَنْكِبِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ نوحٍ لقومِه: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أيُّها القومُ، إذا جاء أمرُ اللَّهِ، مَن الهالكُ؟
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾.
يقولُ: الذي يأتيه عذابُ اللَّهِ مِنَّا ومنكم يُهِينُه ويُذِلُّه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.
يقولُ: وينزِلُ به في الآخرةِ مع ذلك، عذاب دائمٌ لا انقطاعَ له، مقيمٌ عليه أبدًا.
وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾.
يقولُ: ويصنَعُ نوحٌ الفلكَ حتى إذا جاء أمرُنا الذي وعدناه أن يجيءَ قومَه، مِن الطوفانِ الذي يُغْرِقُهم.
وقولُه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: انْبجَسَ الماءُ مِن وجهِ الأرضِ، وفارَ التنورُ، وهو وجهُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا العوامُ بنُ حوشبٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: التنورُ وجهُ الأرضِ.
قال: قيل له: إذا رأيتَ الماءَ على وجهِ الأرضِ فاركَبْ أنت ومَن اتَّبَعَك (١).
قال: والعربُ تُسمِّي وجهَ الأرضِ تَنُّورَ الأرضِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن العوامِ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا الشيبانيُّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: وجهُ الأرضِ (٣).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال (٤): وجهُ الأرضِ.
وقال آخرون: هو تنويرُ الصبحِ.
من قولِهم: نَوَّرَ الصبحُ تَنْويرَا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن زيادٍ (٦) مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ - رضي الله عنه - قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: هو تنويرُ الصبحِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ وإسحاقُ بنُ إسرائيل، قالا: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن زيادٍ مولى أبي جُحَيفةَ، عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: تنويرُ (٢) الصبحِ.
حدَّثنا حمادُ بنُ يعقوبَ، قال: أخبرَنا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن مولى أبي جُحَيفةَ - أُراه قد سَمَّاه - عن أبي جُحَيفةَ، عن عليٍّ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: تنويرُ (٣) الصبحِ.
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن قريشٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: طلعَ الفجرُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٤)، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، عن رجلٍ قد سمَّاه، عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: إذا طلعَ الفجرُ.
وقال آخرون: [معنى ذلك] (٥): وفارَ أعْلَى الأرضِ وأشرفُ مكانٍ فيها بالماءِ.
وقال: التنورُ أشرفُ الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنه أعلى (١) الأرضِ وأشرفُها، وكان عَلَمًا بينَ نوحٍ وبينَ ربِّه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: سمعتُ قتادةَ في (٣) قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: أشرفُ الأرضِ وأرفعُها، فارَ الماءُ منه.
وقال آخرون: هو التنورُ الذي يُخْتَبَرُ (٤) فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: إذا رأيتَ تَنُّورَ أهلِك يخرُجُ منه الماءُ، فإنه هلاكُ قومِك (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي محمدٍ، عن الحسنِ، قال: كان تنورًا من حجارةٍ كان لحواءَ، حتى صار إلى نوحٍ.
قال: فقيل له: إذا رأيتَ الماءَ يفورُ مِن التنورِ فاركَبْ أنت وأصحابُك (٦).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: حينَ انْبَجَسَ الماءُ، وأُمِر نوحٌ أن يركَبَ هو ومَن معه في الفلكِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: انبجسَ الماءُ منه؛ آيةً (١) أن يركَبَ بأهلِه ومَن معه في السفينةِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلا أنه قال: آيةً (٣) أن يركَبَ أهلُه ومَن معه (٤) في السفينةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن (٥) ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: آيةً (٦) بأن يركبَ بأهلِه ومَن معهم في السفينةِ (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبَعَ الماءُ في التنورِ، فعَلِمَتْ به امرأتُه فأخبرَته.
قال: وكان ذلك في ناحيةِ الكوفةِ (٧).
قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا عليُّ بنُ ثابتٍ، عن السَّرِيِّ بنِ إسماعيلَ، عن الشعبيِّ أنه كان يحلِفُ باللَّهِ (١): ما فارَ التنورُ إلا مِن ناحيةِ الكوفةِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن النضرِ أبي عمرَ الخَزَّازِ (٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (٤): ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: فارَ التنورُ بالهندِ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾: كان آيةً لنوحٍ إذا خَرَجَ منه الماءُ، فقد أتَى الناسَ الهلاكُ والغَرَقُ.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ في معنى "فارَ": نَبَعَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾.
قال: نَبَعَ (٦).
قال أبو جعفرٍ ﵀: وفورانُ الماءِ سَوْرَةُ دَفْعَتِه، يقالُ منه: فارَ الماءُ يَفُورُ [فَوْرًا وفُؤورًا وفَوَرانًا] (٧).
وذاك إذا سارت دَفْعَتُه.
وأَوْلى هذه الأقوالِ عندَنا بتأويلِ قولِه: ﴿التَّنُّورُ﴾.
قولُ مَن قال: هو التنورُ الذي يُخْبَزُ فيه؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن كلامِ العربِ، وكلامُ اللَّهِ لا يُوَجَّهُ إلا إلى الأغلبِ الأشهرِ مِن معانيه عندَ العربِ، إلا أن تقومَ حجةٌ (١) على شيءٍ منه بخلافِ ذلك، فيُسَلَّمَ لها.
وذلك أنه جل ثناؤُه إنما خاطَبَهم بما خاطَبَهم به، لإفهامِهم معنى ما خاطَبَهم به.
قلنا لنوحٍ، حينَ جاء عذابُنا قومَه الذي وَعَدْنا نوحًا أن نعذِّبَهم به، وفارَ التنورُ الذي جَعَلْنا فَوَرَانَه بالماءِ آيةَ مجيءِ عذابِنا، بينَنا وبينَه، لهلاكِ قومِه: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾.
يعني في الفلكِ، ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
يقولُ: مِن كُلٍّ ذكرٍ وأنثى اثنين (٢).
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صِنفٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: فالواحدُ زوجٌ، والزوجين ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
قال: ذكرٌ وأنثى مِن كلِّ صنفٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
يقولُ: مِن كلِّ صنفٍ اثنين.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: يعني بالزوجين اثنين؛ ذكرًا وأنثى.
وقال بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ مِن الكوفيين: الزوجان في كلامِ العربِ: الاثنان.
قال: ويقالُ: عليه زَوْجَا نعالٍ (١).
إذا كانت عليه نعلان، ولا يقالُ: عليه (٢) زوجُ نعالٍ.
وكذلك: عندَه زوجَا حَمامٍ، وعليه زوجَا قيودٍ.
وقال: ألا تسمعُ إلى قولِه: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥].
فإنما هما اثنان.
وقال بعضُ البصريِّين مِن أهلِ العربيةِ في قولِه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.
قال: فجَعَل الزوجين، الضَّرْبَين؛ الذكورَ والإناثَ.
قال: وزعم يونسُ أن قولَ الشاعرِ (٣): وأنتَ امْرُؤٌ تَغْدُو على كلِّ غِرَّةٍ … فَتُخْطِئُ فيها مَرَّةً وتُصِيبُ يعني به الذئبَ.
قال: فهذا أشذُّ مِن ذلك (٤).
وقال آخرُ منهم: الزوجُ اللونُ.
قال: وكلُّ ضربٍ يُدْعَى لونًا.
واسْتَشْهد ببيتِ الأعشى في ذلك (١): وكلُّ زَوْجٍ مِن الدِّيباجِ يَلْبَسُهُ … أبو قُدامةَ مَحْبُوًّا (٢) بِذاك مَعَا وبقول لَبيدٍ (٣): بذي (٤) بَهْجَةٍ كَنَّ المَقَانِبُ (٥) صَوْبهُ (٦) … وَزَيَّنَهُ أَزْوَاجُ نَوْرٍ مُشَرَّبِ وذُكِر أن الحسنَ قال في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]: السماءُ زوجٌ والأرضُ زوجٌ، والشتاءُ زوجٌ والصيفُ زوجٌ، والليلُ زوجٌ، والنهارُ زوجٌ، حتى يصيرَ الأمرُ إلى اللَّهِ الفردِ، الذي لا يُشْبِهُه شيءٌ.
وقولُه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
يقولُ: واحمِلْ أهلَك أيضًا في الفلكِ.
يعني بالأهلِ: ولدَه ونساءَه وأزواجَه.
﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
يقولُ: إلا مَن قلتُ فيهم (٧): إني مُهْلِكُه مع مَن أُهْلِكُ مِن قومِك.
ثم اختَلفوا في الذي اسْتَثْناه اللَّهُ مِن أَهلِه؛ فقال بعضُهم: هو بعضُ نساءِ نوحٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
قال: العذابُ، هي امرأتُه كانت من (١) الغابِرين في العذابِ (٢).
وقال آخرون: بل هو ابنُه الذي غَرِقَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن المسيَّبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾.
قال: ابنُه (٣) غَرِقَ في مَن غَرِقَ.
وقولُه: ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾.
يقولُ: واحملْ معهم مَن صَدَّقَك واتَّبَعَك مِن قومِك.
يقولُ اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
يقولُ: وما أقرَّ بوحدانيةِ اللَّهِ مع نوحٍ مِن قومِه إلا قليلٌ.
واختلفوا في عددِ الذين كانوا آمَنوا معه، فَحَمَلَهم معه في الفلكِ؛ فقال بعضُهم في ذلك: كانوا ثمانيةَ أنفسٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
قال: ذُكِرَ لنا أنه لم يتمَّ في السفينةِ إلا نوحٌ وامرأتُه وثلاثةُ بَنيه، ونساؤُهم، فجميعُهم ثمانيةٌ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا يحيى بنُ عبد الملكِ بنِ أبي غَنِيَّةَ (١)، عن أبيه، عن الحكمِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
قال: نوحٌ، وثلاثةُ بَنيه، وأربعُ كَنائنِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: حُدِّثتُ أن نوحًا حَمَلَ معه (٣) بَنيه الثلاثةَ، وثلاثَ نسوةٍ لبَنيه، وامرأةَ نوحٍ، فهم ثمانيةٌ بأزواجِهم، وأسماءُ بنيه: يافثُ، وسامٌ، وحامٌ.
وأصابَ حامٌ زوجتَه في السفينةِ، فدَعا نوحٌ أن تُغَيَّرَ نُطْفتُه، فجاء بالسودانِ (٤).
وقال آخرون: بل كانوا سبعةَ أنفسٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
قال: كانوا سبعةً؛ نوحٌ، وثلاثُ كنائنَ له، وثلاثةُ بنينَ (٥).
وقال آخرون: كانوا عشرةً سوى نسائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا فارَ التنورُ، حمل نوحٌ في الفلكِ مَن أمَره اللَّهُ به، وكانوا قليلًا كما قال اللَّهُ، فحَمَل (١) بنيه الثلاثةَ؛ سامٌ وحامٌ ويافتُ، ونساءَهم، وستةَ أَناسيَّ ممن كان آمن (٢)، فكانوا عشرةَ نفرٍ بنوحٍ وبَنيه وأزواجِهم (٣).
وقال آخرون: بل كانوا ثمانين نفسًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ، قال ابنُ عباسٍ: حمَل نوحٌ معه في السفينةِ ثمانين إنسانًا (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: كان (٥) بعضُهم يقولُ: كانوا ثمانين.
يعني القليلَ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٤).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنى حسينُ بنُ واقدٍ الخُراسانيُّ، قال: ثنى أبو نَهِيكٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: كان في سفينةِ نوحٍ ثمانون رجلًا، أحدُهم جُرْهُمٌ (٦).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك، أن يقالَ كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، يَصِفُهم بأنهم كانوا قليلًا، ولم يُحَدَّ (١) عددُهم بمقدارٍ ولا خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ صحيحٍ.
فلا ينبغي أن يُتَجاوزَ في ذلك حدُّ اللَّهِ، إذ لم يكنْ لمَبْلَغِ عددِ ذلك حدٌّ مِن كتاب اللَّهِ، أو أثرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال نوحٌ: اركَبوا في الفُلكِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
وفي الكلامِ محذوفٌ قد استُغْنِي بدَلالةِ ما ذُكر مِن الخبرِ عليه عنه، وهو قولُه: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾.
فحَمَلهم نوحٌ فيها، وقال لهم: اركَبوا فيها.
فاستُغنى بدَلالةِ قولِه: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ عن (٢) حملِه إياهم فيها، فتُرِك ذكرُه.
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾.
فقرأته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيِّين: (بسمِ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرساها) بضمِّ الميمِ في الحرفين كليهما (٣).
وإذا قُرِئ كذلك، كان مِن أَجْرَى وأَرْسَى، وكان فيه وجهان من الإعرابِ؛ أحدُهما الرفعُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ إجراؤُها وإرساؤُها.
فيكونُ المُجْرَى والمُرْسَى مرفوعَين حينَئذٍ بالباءِ التي في قولِه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
والآخرُ النصبُ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ عندَ إجْرائِها وإرْسائِها [أو وقتَ (٤) إجرائِها وإرسائِها] (٥).
فيكونُ قولُه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾.
كلامًا مُكْتَفِيًا بنفسِه، كقولِ القائلِ عندَ ابتدائِه في عملٍ يعملُه: باسمِ اللَّهِ.
ثم يكونُ المُجْرَى والمُرْسَى منصوبَين على ما نصَبت العربُ قولَهم: الحمدُ للَّهِ سِرارَك وإهلالَك.
يعنون الهلالَ أولَه وآخرَه.
كأنهم قالوا: الحمدُ للَّهِ أولَ الهلالِ وآخرَه.
ومسموعٌ منهم أيضًا: الحمدُ للَّهِ ما إهلالَك إلى سِرارِك.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾، بفتحِ الميمِ مِن ﴿مَجْرَاهَا﴾، وضَمِّها مِن ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ (١)، فجعلوا ﴿مَجْرَاهَا﴾ مصدرًا مِن جَرَى يَجْرِي مَجْرًى.
و ﴿وَمُرْسَاهَا﴾، مِن أرسَى يُرْسِي إِرساءً.
وإذا قُرِئ ذلك كذلك كان في إعرابِهما مِن الوجهين نحوُ الذي فيهما إذا قُرِئا: (مُجرَاها ومُرساها)، بضمِّ الميمِ فيهما على ما بيَّنتُ.
ورُوِي عن أبي رجاءٍ العُطارديِّ، أنه كان يقرأُ ذلك: (بسمِ اللَّهِ مُجْرِيها وَمُرْسِيها) بضمِّ الميمِ فيهما، ويُصَيِّرُهما نعتًا للَّهِ (٢).
وإذا قُرِئا كذلك، كان فيهما أيضًا وجهان مِن الإعرابِ، غيرَ أن أحدَهما الخفضُ، وهو الأغلبُ عليهما مِن وَجْهيِ الإعرابِ؛ لأن معنى الكلامِ على هذه القراءةِ: بسمِ اللَّهِ مُجْرِي الفلكِ ومُرسِيها.
فالمُجْرِي نعتٌ لاسمِ اللَّهِ.
وقد يَحْتَملُ أن يكونَ نصبًا، وهو الوجهُ الثاني؛ لأنه يَحسُنُ دخولُ الألفِ واللامِ في المُجْرِي والمُرْسِي، كقولِك: بسم اللَّهِ المُجْرِيها والمُرْسِيها.
وإذا حُذِفتا نُصِبتا على الحالِ، إذ (٣) كان فيهما معنى النَّكرةِ وإن كانا مضافَين إلى المعرفةِ.
وقد ذُكِر عن بعضِ الكوفيِّين أنه قرَأ ذلك: (مَجْراها ومَرْساها)، بفتحِ الميمِ فيهما جميعًا (١) مِن جرَى ورَسا، كأنه وجَّهه إلى أنه: في حالِ جَرْيِها، وحالِ رُسُوِّها.
وجعل كلتا الصفتَين للفُلْكِ، كما قال عنترةُ (٢): فصَبَرتُ [نفسًا عندَ ذلك] (٣) حُرَّةً … تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ والقراءةُ التي نختارُها في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ بفتح الميمِ ﴿وَمُرْسَاهَا﴾ بضمِّ الميمِ، بمعنى: بسمِ اللَّهِ حِينَ تَجْري وحينَ تُرْسِي.
وإنما اخترتُ الفتحَ في ميمِ ﴿مَجْرَاهَا﴾ لقربِ ذلك مِن قولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾.
ولم يقلْ: تُجْرَى بهم.
ومَن قرَأ: (بِسْمِ اللَّهِ مُجْراها).
كان الصوابُ على قراءتِه أن يقرأَ: (وهي تُجْرَى بهم).
وفي إجماعِهم على قراءةِ: (تَجْرِي).
بفتحِ التاءِ دليلٌ واضحٌ على أن الوجهَ في ﴿مَجْرَاهَا﴾ فتحُ الميمِ.
وإنما اخْترنا الضمَّ في ﴿مُرْسَاهَا﴾ لإجماعِ الحجةِ مِن القَرَأةِ على ضمِّها، ومعنى قولِه: ﴿مَجْرَاهَا﴾، مسيرُها.
﴿وَمُرْسَاهَا﴾: وَقْفُها، من: وقَفها اللَّهُ وأَرْساها.
وكان مجاهدٌ يقرأُ ذلك بضمِّ الميمِ في الحرفين جميعًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: حينَ يَركَبون ويُجْرُون ويُرْسُون (٤).
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: بِسمِ اللَّهِ حينَ يَرْكَبون ويُجْرون ويُرْسُون] (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: (بسم اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها) قال: بسمِ اللَّهِ حِينَ يُجْرُون وحينَ يُرْسُون.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: (ارْكَبُوا فيها بسمِ اللَّهِ مُجْراها ومُرْساها).
قال: إذا أراد أن تُرْسِيَ قال: باسمِ اللَّهِ.
فأرسَت.
وإذا أرادَ أن تَجريَ قال: باسمِ اللَّهِ.
فجَرت (٢).
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: إن ربي لساتِرٌ ذنوبَ مَن تَابَ وأَنابَ إليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم أن يعذِّبَهم بعدَ التوبةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: والفلكُ تَجْري بنوحٍ ومَن معه فيها، ﴿فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ يامٌ ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ عنه، لم يَرْكبْ معه الفلكَ: ﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ الفلكَ، ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال ابنُ نوحٍ لما دَعاه نوحٌ إلى أن يَركبَ معه السفينةَ، خوفًا عليه مِن الغَرَقِ: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾.
يقولُ: سأصيرُ إلى جبلٍ أتحصَّنُ به مِن الماءِ، فيَمْنَعُني منه أن يُغْرِقَني.
ويعني بقولِه: ﴿يَعْصِمُنِي﴾: يمنعُني، مثلَ عِصامِ القربةِ الذي يُشَدُّ به رأسُها، فيمنعُ الماءَ أن يسيلَ منها.
وقولُه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾.
يقولُ: لا مانعَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ الذي قد نزَل بالخلقِ مِن الغرقِ والهلاكِ إِلا مَن رَحِمَنا، فأنْقَذَنا منه، فإنه الذي يمنعُ مَن شاء مِن خلقِه ويعصِمُ.
فـ "مَنْ" في موضعِ رفعٍ؛ لأن معنى الكلامِ: لا عاصم يَعصِمُ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا اللَّهُ.
وقد اختلف أهلُ العربيةِ في موضعِ "مَن" في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ (١): هو في موضعِ نصبٍ؛ لأن المعصومَ بخلافِ العاصمِ، والمرحومَ معصومٌ.
قال: كأن (٢) نصْبَه بمنزلةِ قولِه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧].
قال: ومَن استجازَ "اتِّباعُ الظَّنِّ"، والرفعَ في قولِه (٣): وبَلْدةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلا اليَعافِيرُ وإلا العِيسُ لم يجزْ له الرفعُ في "مَنْ"؛ لأن الذي قال: إلا اليعافيرُ.
جعلَ أنيسَ البرِّ اليعافيرَ وما أشْبَهَها.
وكذلك قولُه: "إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ" يقولُ: علمُهم ظَنٌّ.
قال: وأنت لا يجوزُ لك في وجهٍ أن تقولَ: المعصومُ هو عاصمٌ في حالٍ.
ولكن لو جعَلْتَ العاصمَ في تأويلِ معصومٍ؛ [كأنَّك قلتَ] (١): لا معصومَ اليومَ مِن أَمرِ اللَّهِ.
لجازَ رفعُ "مَنْ".
قال: ولا يُنْكَرُ أن يَخْرُجَ المفعولُ على فاعلٍ، ألا تَرى قولَه: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦].
معناه - واللَّهُ أعلمُ - مدفوقٌ.
وقولُه: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، معناها: مَرْضيَّةٌ.
قال الشاعرُ (٢): دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها … واقْعُدْ فإنك أنتَ الطَّاعِمُ الكاسِي ومعناه: المكسوُّ.
وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، على: لكنْ مَن رَحِم.
ويجوزُ أن يكونَ على: لا ذا عِصْمةٍ.
أي: معصومٌ.
ويكونُ ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ رفعًا، بدلًا من العاصمِ.
ولا وجهَ لهذه الأقوالِ التي حَكَيناها عن هؤلاء؛ لأن كلامَ اللَّهِ تعالى ذكرُه إنما يُوَجَّهُ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامٍ مَن نزَل بلسانِه، ما وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ.
ولم يضطرَّنا شيءٌ إلى أن نجعلَ عاصمًا في معنى معصومٍ، ولا أن نجعلَ "إلا" بمعنى "لكن"، إذ كنا نجدُ لذلك في معناه - الذي هو معناه في المشهورِ مِن كلامِ العربِ - مَخْرجًا صحيحًا، وهو (٣) ما قلنا مِن أن معنى ذلك: قال نوحٌ: لا عاصمَ اليومَ مِن أمرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَنا، فأنْجانا مِن عذابِه.
كما يقالُ: لا مُنْجِيَ اليومَ مِن عذابِ اللَّهِ إلا اللَّهُ، ولا مُطْعِمَ اليومَ مِن طعامِ زيدٍ إلا زيدٌ.
فهذا هو الكلامُ المعروفُ، والمعنى المفهومُ.
وقولُه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾.
يقولُ: وحالَ بينَ نوحٍ وابنِه موجُ الماءِ، فغَرِقَ، فكان ممن أهْلَكَه اللَّهُ بالغرقِ مِن قومِ نوحٍ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وقال اللَّهُ للأرضِ [بعدَ ما] (١) تَناهى أمرُه في هلاكِ قومِ نوحٍ، بما أهْلَكَهم به مِن الغرقِ: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾، أي: تَشَرَّبي.
مِن قولِ القائلِ: بَلِع فلانٌ كذا يَبْلَعُه، و (٢) بَلَعَه يَبْلَعُه.
إذا ازْدَرَدَه (٣).
﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، يقولُ: أقْلِعي عن (٤) المطرِ، أمْسِكي، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾، ذهَبت به الأرضُ ونَشِفَته، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْر﴾.
يقولُ: قُضِي أمرُ اللَّهِ، فَمَضَى بهلاكِ قومِ نوحٍ، ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، يعني الفُلْكَ اسْتَوت، أرْسَت (٥) على الجودِيِّ، وهو جبلٌ، فيما ذُكِرَ، بناحيةِ المَوصِلِ أو الجزيرةِ، ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ: قال اللَّهُ: أبْعَدَ اللَّهُ القومَ الظالمين، الذين كفَروا باللَّهِ مِن قومِ نوحٍ.
حدَّثنا عبادُ بنُ يعقوبَ الأسديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن عثمانَ بنِ مَطرٍ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الغفورِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "في أولِ يومٍ مِن رجبٍ رَكِبَ نوحٌ السفينةَ، فصامَ هو وجميعُ مَن معه، وجَرَتْ السفينةُ ستةَ أشهرٍ، فانْتَهَى ذلك إلى المُحَرَّمِ، فأرْسَتِ السفينةُ على الجُودِيِّ يومَ عاشوراءَ، فصامَ نوحٌ، وأمَرَ جميعَ مَن معه مِن الوحشِ والدوابِّ، فَصَامُوا شكرًا للَّهِ" (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: كانت السفينةُ أعْلاها للطيرِ، ووَسَطُها للناسِ، وفي أسفلِها السباعُ، وكان طولُها في السماءِ ثلاثين ذراعًا، ودُفِعَت مِن عينِ وَرْدةَ (٢) يومَ الجُمعةِ لعشرِ ليالٍ مَضَين مِن رجبٍ، وأَرْسَت على الجوديِّ يومَ عاشوراءَ، ومَرَّت بالبيتِ، فَطافَت به سبعًا، وقد رفَعه اللَّهُ مِن الغرقِ، ثم جاءت اليمنَ، ثم رجَعت (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن قتادةَ، قال: هبَط نوحٌ مِن السفينةِ يومَ العاشرِ مِن المحرَّمِ، فقال لمَن معه: مَن كان منكم اليومَ صائمًا فليُتِمَّ صومَه، ومَن كان مفطرًا فليَصُمْ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي مَعْشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ قال: ما (٤) كان (٥) زمنَ نوحٍ شبرٌ مِن الأرضِ، إلا (٦) إنسانٌ يَدَّعِيه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أنها - يعني الفُلكَ - استقلَّت بهم في عشرٍ خَلَون من رجبٍ، وكانت في الماءِ خمسين ومائةَ يومٍ، واسْتقرَّت على الجوديِّ شهرًا، وأُهبِطَ بهم في عشرٍ مِن المحرمِ يومَ عاشوراءَ (١).
وبنحوِ ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ قال: نَقَصَ.
﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ قال: هلاكُ قومِ نوحٍ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نَشِفَتْه الأرضُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ يقولُ: أمْسِكي.
﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ يقولُ: ذَهَب الماءُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ الغُيوضُ ذهابُ الماءِ.
﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
قال: جبلٌ بالجزيرةِ، تشامَخت الجبالُ مِن الغرقِ، وتواضَعَ هو للهِ؛ فلم يغرَقْ، [وأُرسِيت] (٣) عليه (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
قال: الجوديُّ جبلٌ بالجزيرةِ (٥)، تَشامَخَت الجبالُ يومئذٍ من الغرقِ وتطاوَلت، وتَواضَعَ هو للهِ؛ فلم يَغرَقْ، [وأَرسَت] (٦) سفينةُ نوحٍ عليه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
يقولُ: على الجبلِ، واسمُه الجُوديُّ (١).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾.
قال: جبلٌ بالجزيرةِ، شَمَخت الجبالُ، وتواضَع حينَ أرادتْ أن ترفأَ عليه سفينةُ نوحٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: أبقاها اللهُ لنا بوادي أرضِ الجزيرةِ عِبرةً وآيةً (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾: هو جبلٌ بالمَوصلِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكرَ لنا أن نوحًا بعثَ الغرابَ لينظرَ إلى الماءِ، فوجدَ جِيفةً فوقعَ عليها، فبعَث الحمامةَ فأتَته بورقِ الزيتونِ، فأُعطِيَتِ الطوقَ الذي في عنُقِها، وخضابَ رِجليها (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما أرادَ اللهُ أن يَكُفَّ ذلك - يعني الطوفانَ - أرسلَ ريحًا على وجهِ الأرضِ، فسكَن الماءُ، واستدَّت (٥) ينابيعُ الأرضِ الغمرَ الأكبرَ، وأبوابُ السماءِ.
يقولُ اللَّهُ تعالى (٦): ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾، إلى ﴿بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فَجَعَل الماءُ (١) ينقُصُ ويغيضُ ويُدبِرُ.
وكان استواءُ الفلكِ على الجوديِّ - فيما يزعُمُ أهلُ التوراةِ - في الشهرِ السابعِ لسبعَ عشْرَةَ ليلةً مضَت منه، في أوّلِ يومٍ من الشهرِ العاشرِ رُئِي رءوسُ الجبالِ، فلما مَضَى بعد ذلك أربعون يومًا (٢)، فتَح نوحٌ كُوَّةَ الفلكِ التي صنَع فيها، ثم أرسلَ الغرابَ لينظرَ له ما فعلَ الماءُ، فلم يرجِعْ إليه، فأرسلَ الحمامةَ فرجَعت إليه، ولم يَجدْ لرجلَيها موضعًا، فبسط يدَه للحمامةِ فأخَذها، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها لتنظُرَ له، فرجَعت حينَ أمست وفي فِيها ورقُ زيتونةٍ، فعَلِم نوحٌ أن الماءَ قد قلَّ عن (٣) وجهِ الأرضِ، ثم مكَث سبعةَ أيامٍ، ثم أرسَلها فلم ترجِعْ، فعَلِمَ نوحٌ أن الأرضَ قد برَزتْ، فلما كمَلت السنةُ فيما بينَ أن أرسَل اللهُ الطوفانَ إلى أن أرسلَ نوحٌ الحمامةَ، ودخَل يومٌ واحدٌ من الشهرِ الأوَّلِ مِن سنةِ اثنتين - برَز وَجهُ الأرضِ، وظهَر اليَبَسُ، وكشَف نوحٌ غِطاءَ الفلكِ، ورأى وجهَ الأرضِ، وفي الشهرِ الثاني مِن سنةِ اثنتَين في سبعٍ وعشرين ليلةً منه، قيل لنوحٍ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ: يزعُمُ ناسٌ أن مَن غَرِقَ مِن الولدان مع آبائهم، وليس كذلك، إنما الولدان بمنزلة الطير وسائر من أغرَقَ الله بغير ذنب، ولكن حضَرتْ آجالُهم فماتوا لآجالِهم، والمُدرِكون (١) مِن الرجالِ والنساءِ كان الغَرَقُ عقوبةً مِن اللهِ لهم في الدنيا، ثم مصيرُهم إلى النارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ونادى نوحٌ ربَّه، فقال: ربِّ إنك وَعَدتَّني أن تُنَجِّيَني مِن الغرقِ والهلاكِ وأهلي، وقد هلَك ابنِي، وابنِي من أهلي، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خُلفَ له، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ بالحقِّ، فاحكم لي بأن تَفيَ لي (٢) بما وعدتَّني، من أن تُنَجِّي لي أهلي، وتُرجِعَ إليَّ ابني.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾.
قال: أحكمُ الحاكمين بالحقِّ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللهُ: يا نوحُ، إن الذي غرَّقتُه فأهلكتُه، الذي تذكُرُ أنه مِن أهلِك، ليس مِن أهلِك.
واختلف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: ليس مِن ولدِك، هو مِن غيرِك.
وقالوا: كان ذلك مِن حِنثٍ (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: لم يكن ابنَه (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
قال: ابنَ امرأتِه (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أصحابِه (٣)، ابنُ أبي عَروبةَ فيهم، [عن] (٤) الحسنِ، قال (٥): واللهِ ما هو بابنِه (٦).
قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
قال: هذه بلغةِ طَيِّئٍ (٧)، لم يكنِ ابنَه، كان ابنَ امرأتِه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عَوفٍ ومنصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: لم يكن ابنَه.
وكان يقرؤُها: (إنه عمِل غيرَ صالحٍ) (٨).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ قال: كنتُ عندَ الحسنِ، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: لعَمرُ اللهِ ما هو ابنَه.
قال: قلتُ: يا أبا سعيدٍ، يقولُ اللَّهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس بابنِه؟!
قال: أفرأيت قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؟
قال: قلتُ: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنَجِّيَهم معك، ولا يختلِفُ أهلُ الكتابِ أنه ابنُه.
قال: إن أهلَ الكتابِ يَكذِبون (١).
حدَّثنا بشرٌ: قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ يقرأُ هذه الآيةَ: (إنه ليس من أهْلِكَ إنه عَمِلَ غيرَ صالحٍ).
فقال عندَ ذلك: واللهِ ما كان ابنَه (٢).
ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠].
قال سعيدٌ: فذكرتُ ذلك لقتادةَ، قال: ما كان يَنبغي له أن يَحلِفَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
قال: تَبَيَّنَ لنوحٍ أنه ليس بابنِه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
قال: بيَّن اللهُ لنوحٍ أنه ليس بابنِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
قال: ناداه وهو يحسَبُه أنه ابنُه، وكان وُلِدَ على فراشِه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ (١)، عن أبي جعفرٍ: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: لو كان مِن أهلِه لنَجا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سَمِعَ (٢) عُبيدَ بنَ عميرٍ يقولُ: نَرى أن ما قَضى رسولُ اللهِ ﷺ: "الولدُ للفِراشِ".
[مِن أجلِ ابنِ نوحٍ] (٣) (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ابنِ عَونٍ، عن الحسنِ، قال: لا واللهِ ما هو بابنِه.
وقال آخرون: معنى ذلك: ليس من أهلك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
قال: هو ابنُه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الضحاكِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: هو ابنُه، ما بَغتِ (١) امرأةُ نبيٍّ قطُّ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي عامرٍ الهمدانيِّ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، قال: وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: الذين وعدتُك (٢) أن أُنجِّيَهم معك (٣).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ وغيرِه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو ابنُه، غيرَ أنه خالَفه في العملِ والنيةِ.
قال عكرمةُ في بعضِ الحروفِ: (إنه عَمِلَ عملًا غيرَ صالحٍ)، والخيانةُ تكونُ على غيرِ بابٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان عكرمةُ يقولُ: كان ابنَه، ولكن كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ، فمِن ثُمَّ قيل له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ وابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يُسألُ - وهو إلى جنبِ الكعبةِ - عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠].
قال: أمَا إنه لم يكنْ بالزِّنى، ولكن كانت هذه تخبرُ الناسَ أنه مجنونٌ، وكانت هذه تَدُلُّ على الأضيافِ، ثم قرَأ: (إِنَّه عَمِل غيرَ صالحٍ) (١).
قال ابنُ عُيينةَ: وأخبَرني عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ أنه سأَل سعيدَ بنَ جبيرٍ عن ذلك، فقال: كان ابنَ نوحٍ، إن اللهَ لا يَكذِبُ، قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (٢).
قال: وقال بعضُ العلماءِ: ما فجَرتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ.
قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عَمَّارٍ الدُّهْنيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال اللهُ وهو الصادقُ - وهو ابنُه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سعيدٍ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدادٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بَغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: سألتُ أبا بشرٍ عن قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: ليس مِن أهلِ دينِك، وليس ممن وعدتُك أن أُنجِّيَهم (٣).
قال يعقوبُ: قال: هشيمٌ: كان عامةُ ما كان يحدِّثُنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ.
[حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، عن يعقوبَ بنِ قيسٍ، قال: أتَى سعيدَ بنَ جبيرٍ] (١) رجلٌ فقال: يا أبا عبدِ اللهِ، الذي ذكَر اللهُ في كتابِه، ابنُ نوحٍ، ابنُه هو؟
قال: نعم واللهِ، إن نبيَّ اللَّهِ أمَره أن يَركبَ معه في السفينة فعصَى، فقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾.
قال: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لمعصيةِ (٢) نبيِّ اللهِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه جاء إليه رجلٌ فسأَله، فقال: أرأيتَك ابنَ نوحٍ، ابنُه؟
فسبَّحَ طويلًا، ثم قال: لا إله إلا اللهُ، [يحدِّثُ اللهُ محمدًا] (٤): ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وتقولُ: ليس منه!
ولكن خالَفه في العملِ، فليس منه مَن لم يؤمِنْ.
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
قال: أشهدُ أنه ابنُه، قال اللهُ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ، قالا: هو ابنُه.
حدَّثني فضَالةُ بنُ الفضلِ (١) الكوفيُّ، قال: قال بَزِيعٌ: سأل رجلٌ الضحاكَ عن ابنِ نوحٍ، فقال: ألَا تَعجَبون إلى هذا الأحمقِ، يسألُني عن ابنِ نوحٍ، وهو ابنُ نوحٍ، كما قال اللهُ: قال نوحٌ لابنِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ أنه قرأ: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾، وقولَه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: يقولُ (٢): ليس هو مِن أهل ولايتِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَ مِن أهلِك، ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
قال: يقولُ: كان عملُه في شركٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: هو والله ابنُه لصُلبِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
قال: ليس مِن أهلِ دينِك، ولا ممن وعدتُك أن أنجِّيَه.
وكان ابنَه لصُلبِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
يقولُ: ليس ممن وَعَدناه النجاةَ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾.
يقولُ: ليس مِن أهلِ ولايتِك، ولا ممن وَعَدتُك أن أُنجِّيَ مِن أهلِك، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (١): كان عملُه في شركٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ حيَّانَ، عن جعفرِ بنِ بُرقانَ، عن ميمونٍ وثابتِ بنِ الحجاجِ، قالا: هو ابنُه، وُلِدَ على فراشِه.
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: إنه ليس مِن أهلِك الذين وعدتُك أن أُنجِّيَهم، لأنه كان لدينِك مُخالفًا وبي كافرًا، وكان ابنَه لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه ابنُه، فقال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾.
وغيرُ جائزٍ أن يخبرَ أنه ابنُه، فيكونَ بخلافِ ما أخبَر.
وليس في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ دَلالةٌ على أنه ليس بابنِه، إذ كان قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ محتملًا مِن المعنى ما ذكَرنا، ومحتملًا أنه ليس من أهل دينِك، ثم يحذفُ الدينُ، فيقالُ: إنه ليس مِن أهلِك، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
فإن القرأةَ اختلفت في قراءتِه؛ فقرأته عامةُ قرَأةِ الأمصارِ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ بتنوينِ ﴿عَمَلٌ﴾، ورفعِ ﴿غَيْرُ﴾ (٣)؛ واختلَف الذين قَرءوا ذلك كذلك في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: إن مسألتَك إياي هذه عملٌ غيرُ صالحٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
قال: إن مسألتَك إياي هذه، عملٌ غيرُ صالحٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ أي: سوءٌ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
يقولُ: سؤالُك عما ليس لك به علمٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن حمزةَ الزياتِ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
قال: سؤالُك إياي عملٌ غيرُ صالحٍ، ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
وقال آخرون: بل معناه: إن الذي ذكرتَ أنه ابنُك، فسألتَني أن أُنَجِّيَه، عملٌ غيرُ صالحٍ؛ أي: إنه لغيرِ رِشدةٍ.
وقالوا: الهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الابنِ (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه قرأ: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾.
قال: ما هو واللهِ بابنِه (٤).
ورُوِي عن (٥) جماعةٍ مِن السلفِ أنهم قَرَءوا ذلك: (إنَّهُ عَمِلَ غيرَ صالحٍ)، على وجهِ الخبرِ عن الفعلِ الماضي، و (غيرَ) منصوبةٌ (٦).
وممن رُوِي عنه أنه قرَأَ ذلك كذلك ابنُ عباسٍ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتَّةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قرَأ: (عمِلَ غيرَ صالحٍ).
ووجَّهوا تأويلَ ذلك إلى ما حدَّثنا به ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُندَرٌ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّه عَمِلَ غيرَ صالحٍ).
قال: كان مخالفًا له في النيةِ والعملِ (٢).
ولا نعلمُ هذه القراءةَ قرَأ بها أحدٌ مِن قرَأةِ الأمصارِ إلا بعضَ المتأخرين، واعتَلَّ في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قرَأ ذلك كذلك - غيرِ صحيحِ السندِ، وذلك حديثٌ رُوِيَ عن شهرِ بنِ حوشَبٍ؛ فمرةً يقولُ: عن أمِّ سلمةَ.
ومرةً يقولُ: عن أسماءَ بنتِ يزيدَ.
ولا نعلمُ [أيَّةَ يُريدُ] (٣)، ولا نعلمُ لشَهرٍ سماعًا يَصحُّ عن أمِّ سلَمَةَ (٤).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا (١) ما عليه قرَأةُ الأمصارِ؛ وذلك رفعُ ﴿عَمَلٌ﴾ بالتنوينِ، ورفعُ ﴿غَيْرُ﴾، بمعنى: إن سؤالَك إيَّاي ما تَسألنيه في ابنِك - المُخالفِ دينَك، المُوالي أهلَ الشركِ بي؛ مِن النجاةِ مِن الهلاكِ، وقد مَضَتْ إجابتي إياك في دعائِك: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، ما قد مضَى، مِن غيرِ استثناءِ أحدٍ منهم - عملٌ غيرُ صالحٍ؛ لأنه مسألةٌ منك إليَّ أن لا أفعلَ ما قد تقدَّمَ مني القولُ بأني أفعله في إجابتي مسألتَك إياي فِعْلَه.
فذلك هو العملُ غيرُ الصالحِ.
وقولُه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
نهيٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه نوحًا أن يسألَه عن أسبابِ أفعالِه التي قد طَوَى علمَها عنه وعن غيرِه مِن البشرِ.
يقولُ له تعالى ذكرُه: إني يا نوحُ قد أخبرتُك عن سؤالِك سببَ إهلاكي ابنَك الذي أهلكتُه، فلا تَسألنِ بعدَها عما (٢) قد طوَيتُ علمَه عنك مِن أسبابِ أفعالي، وليس لك به علمٌ: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [في مسألتِك إياي عن ذلك.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾] (٣) ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾: أن تبلُغَ الجهالةُ بك أن لا أَفِيَ لك بوعدٍ وعدتُك، حتى تسألَني ما ليس لك به علمٌ، ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤).
واختلفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
فقرأ ذلك عامةُ قرَأَةِ الأمصارِ: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بكسرِ النونِ وتخفيفِها (١)، ونَحَوْا بكسرِها إلى الدَّلالةِ على الياءِ التي هي كنايةُ اسمِ اللهِ: فلا تسألْني (٢).
وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين، وبعضُ أهلِ الشامِ: (فلا تسألَنَّ) بتشديدِ النونِ وفتحِها (٣)، بمعنى: فلا تَسألنَّ يا نوحُ ما ليس لك به علمٌ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا، تخفيفُ النونِ وكسرُها؛ لأن ذلك هو الفصيحُ مِن كلامِ العربِ، المستعملُ بينَهم (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا نبيَّه محمدًا ﷺ عن إنابةِ نوحٍ، ﵇، [إليه بالتوبةِ] (٥) مِن زَلَّتِه، في مسألتِه التي سألها ربَّه في ابنِه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ﴾.
أي أستجيرُ بك أن أتكلَّفَ مسألتَك ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾، مما قد استأثرتَ بعلمِه، وطويتَ علمَه عن خلقِك، فاغفِرْ لي زلَّتي في مسألتي إياك ما سألتُك في ابني، وإن أنت لم تغفِرْها لي وتَرحمْني فتُنقِذْني مِن غضبِك ﴿أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
يقولُ: مِن الذين غَبَنوا أنفسَهم حظوظَها وهَلَكوا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ مِن الفلكِ إلى الأرضِ، ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾.
يقولُ: بأمنٍ مِنَّا أنت ومَن معك مِن إهْلاكِنا، ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾.
يقولُ: [وبركاتٍ] (١) عليك، ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾.
يقولُ: وعلى قرونٍ تجيءُ مِن ذريةِ مَن معك مِن ولدِك.
فهؤلاء المؤمنون مِن ذريَّةِ نوحٍ الذين سَبَقَت لهم مِن اللَّهِ السعادةُ، وبارَكَ عليهم قبلَ أن يَخلُقَهم في بطونِ أمهاتِهم وأصْلابِ آبائِهم.
ثم أخبَر تعالى ذكرُه نوحًا عما هو فاعلٌ بأهلِ الشَّقاءِ مِن ذُرِّيتِه، فقال له: ﴿وَأُمَمٌ﴾.
يقولُ: وقرونٌ وجماعةٌ، ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الحياةِ الدنيا، يقولُ: نرزقُهم فيها ما يَتَمتَّعون به، إلى أن يَبْلُغوا آجالَهم، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: ثم نُذِيقُهم إذا وَرَدوا علينا عذابًا مؤلمًا مُوجِعًا.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: دخَل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يومِ القيامةِ، ودخَل في ذلك العذابِ والمتاعِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ إلى يومِ القيامةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾.
قال: دخَل في السلامِ (٣) كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، وفي الشركِ كلُّ كافرٍ وكافرةٍ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾.
يعني: ممن لم يُولَدْ: قد قَضَى (٢) البركاتِ لمَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه [السعادةُ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: مَن سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه] (٣) الشقاوةُ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ بنحوِه، إلا أنه قال: ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾: متاعَ الحياةِ الدنيا، ممن قد سبَق له في علمِ اللَّهِ وقضائِه الشقاوةُ (٤).
قال: ولم يَهْلِكِ الولدانُ (٥) يومَ غَرِقَ قومُ نوحٍ بذنبِ آبائِهم، كالطيرِ والسباعِ، ولكن جاء أجلُهم مع الغَرَقِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾.
قال: هَبَطوا واللَّهُ عنهم راضٍ، هَبَطوا بسلامٍ مِن اللَّهِ، كانوا أهلَ رحمةٍ (٦) مِن أهلِ ذلك الدهرِ، ثم أخرَجَ منهم نَسْلًا بعد ذلك أُممًا، منهم من رحِمَ، ومنهم من من عَذَّبَ.
وقرَأ: ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾.
وقال (٧): إنما افْتَرَقَت الأممُ مِن تلك (٨) العصابةِ التي خَرَجَت مِن ذلك الماءِ وسَلِمَت (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ الآية.
يقولُ: بركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممّن معك لم يُولَدوا، أوجب اللَّهُ لهم البركاتِ؛ لما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن السعادةِ، ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾.
يعنِي: متاعَ الحياةِ الدنيا، ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾؛ لِما سبَق لهم في علمِ اللَّهِ مِن الشقاوةِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ، أنه كان إذا قرأ سورةَ "هودٍ" فأتَى على: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾، حتى (٣) خَتَمَ الآيةَ، قال الحسنُ: فأنْجَى اللَّهُ نوحًا والذين آمَنوا (٤)، وهَلَكَ المُتَمتِّعون.
حتى ذَكَرَ الأنبياءَ، كلُّ ذلك يقولُ: أنْجاه اللَّهُ، وهَلَكَ المُتَمتِّعون.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: بعدَ الرحمةِ (٥).
حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: أخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ شَوْذَبٍ، قال: سمِعتُ داودَ بنَ أبي هندٍ يُحدِّثُ عن الحسنِ، أنه أتَى على هذه الآيةِ: ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: فكان ذلك حينَ بعَث اللَّهُ عادًا، فأرسَل إليهم هودًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مُكَذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نجَّى اللَّهُ هودًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتَمَتِّعين، ثم بعَث اللَّهُ ثَمودًا (١)، فبعَث إليهم صالحًا، فصَدَّقَه مُصَدِّقون، وكَذَّبَه مكذِّبون، حتى جاء أمرُ اللَّهِ، فلما جاء أمرُ اللَّهِ نَجَّى اللَّهُ صالحًا والذين آمنوا معه، وأهْلَك اللَّهُ المُتمتِّعين، ثم اسْتقرَأ الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا على نحوٍ مِن هذا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذه القصَّةُ التي أنبأْتُك بها مِن قصةِ نوحٍ وخبرِه وخبرِ قومِه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾.
يقولُ: هي مِن أخبارِ الغيبِ التي لم تَشْهَدْها فتعلَمَها، ﴿نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: نُوحِيها إليك نحن فنُعَرِّفُكَها، ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الوحيِ الذي نُوحِيه إليك، ﴿فَاصْبِرْ﴾ على القيامِ بأمرِ اللَّهِ وتبليغِ رسالتِه، وما تَلْقَى مِن مُشركي قومِك، كما صبَر نوحٌ، ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقولُ: إن الخيرَ مِن عواقبِ الأمورِ لمَن اتَّقَى اللَّهَ، فأدَّى فرائضَه، واجْتَنَب معاصيَه، فهم الفائزون بما يُؤمِّلون (٣) مِن النعيمِ في الآخرةِ، والظَّفَرِ في الدنيا بالطَّلِبةِ، كما كانت عاقبةُ نوحٍ إذ صَبَرَ لأمرِ اللَّهِ، أن نَجَّاه (٤) مِن الهَلَكةِ مع مَن آمَن به، وأعْطاه في الآخرةِ ما أعْطاه مِن الكرامةِ، وغَرَّقَ (١) المكذِّبين به فأهْلَكَهم جميعَهم (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾: القرآنِ، وما كان عَلِمَ محمدٌ ﷺ وقومُه ما صَنَعَ نوحٌ وقومُه، لولا ما بَيَّنَ اللَّهُ له (٣) في كتابِه (٤) (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأرسَلْنا إلى قومِ عادٍ أخاهم هودًا، فقال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدَه لا شريكَ له، دونَ ما تعبدون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأوثانِ، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
يقولُ: ليس لكم معبودٌ يستحقُّ [عليكم العبادةَ] (٦) غيرُه، فأخْلِصوا له العبادةَ، وأفْرِدوه بالألوهةِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾.
يقولُ: ما أنتم في إشْراكِكم معه الآلهةَ والأوثانَ إلا أهلُ فِرْيةٍ مُكذِّبون (١) تَخْتلقون الباطلَ؛ لأنه لا إلهَ سِواه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: يا قومِ لا أسألُكم على ما أدْعوكم إليه مِن إخلاصِ العبادةِ للَّهِ وخلعِ الأوثانِ والبراءةِ منها - جزاءً وثوابًا، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾.
يقولُ: إِن ثوابي وجزائي على نصيحتي لكم ودعائِكم إلى اللَّهِ إلَّا على الذي خلَقَني، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
يقولُ: أفلا تَعْقِلون أنِّي لو كنتُ أبْتَغي بدعايتِكم إلى اللَّهِ غيرَ النصيحةِ لكم، وطلبِ الحظِّ لكم في الدنيا والآخرةِ - لالتمستُ منكم على ذلك بعضَ أعراضِ الدنيا، وطلبتُ منكم الأجرَ والثوابَ؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾: أي خَلَقَني (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾.
يقولُ: آمِنوا به حتى يغفِرَ لكم ذنوبَكم.
[والاستغفارُ هو الإيمانُ باللَّهِ] (١) في هذا الموضعِ؛ لأن هودًا ﷺ إنما دَعا قومَه إلى توحيدِ اللَّهِ ليغفرَ لهم ذنوبَهم، كما قال نوحٌ لقومِه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٢) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٣، ٤].
وقولُه: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: ثم تُوبوا إلى اللَّهِ مِن سالفِ ذنوبِكم وعبادتِكم غيرَه بعدَ الإيمانِ به، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾.
يقولُ: فإنكم إن آمنتم باللَّهِ وتُبْتُم مِن كفرِكم به، أرسلَ قَطْرَ (٢) السماءِ عليكم يُدِرُّ لكم الغيثَ في وقتِ حاجتِكم إليه، وتحيا بلادُكم مِن (٣) الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه ﴿مِدْرَارًا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مِدْرَارًا﴾.
يقولُ: يتبعُ بعضُها (٤) بعضًا (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾.
قال: يُدِرُّ ذلك عليهم (٦) [مطرًا مطرًا] (٧).
وأما قولُه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، فإن مجاهدًا كان يقولُ في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.
قال: شِدَّةً إلى شدَّتِكم.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وإسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ، فذكَر مثلَه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾.
قال: جَعَلَ لهم قوةً، فلو أنهم أطاعوه زادَهم قوةً إلى قوتِهم.
وذُكِر لنا أنه إنما قيل لهم: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ (٢)﴾؛ أنه [كان قد] (٣) انقطعَ النسْلُ عنهم سنينَ، فقال هودٌ لهم: إن آمنتم باللَّهِ أحْيَا اللَّهُ بلادَكم، ورَزَقَكم المالَ والولدَ؛ لأن ذلك مِن القوةِ (٤).
وقولُه: ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾.
يقولُ: ولا تُدْبِروا عما أدْعوكم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، والبراءةِ مِن الأوثانِ والأصنامِ، ﴿مُجْرِمِينَ﴾.
يعني: كافرين باللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ هودٍ لهودٍ: يا هودُ، ما أَتَيتَنا ببيانٍ ولا برهانٍ على ما تقولُ فنُسَلِّمَ لك، ونُقِرَّ بأنك صادقٌ فيما تَدْعونا إليه، مِن توحيدِ اللَّهِ، والإقرارِ بنبوتِك، ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾.
يقولُ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا﴾ يعني لقولِك، أو مِن أجلِ قولِك، ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، يقولُ: قالوا: وما نحن لك بما تَدَّعي مِن النبوةِ والرسالةِ مِن اللَّهِ إلينا بمُصدِّقين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن قولِ قومِ هودٍ، أنهم قالوا له، إذ نَصَح لهم، ودَعاهم إلى توحيدِ اللَّهِ وتصديقِه، وخَلْعِ الأوثانِ والبراءةِ منها: لا نتركُ عبادةَ آلهتِنا، وما نقولُ إلا أن الذي حَمَلَكَ على ذَمِّها والنَّهْيِ عن عبادتِها، أنه أصابَك منها خَبَلٌ مِن جنونٍ.
فقال هودٌ لهم: إني أُشْهِدُ اللَّهَ على نَفْسي، وأشهدُكم أيضًا أيُّها القومُ، أني بريءٌ مما تُشْرِكون في عبادةِ اللَّهِ مِن آلهتِكم وأوثانِكم [مِن دونِه] (١).
﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾.
يقولُ (*): فاحْتالوا أنتم جميعًا وآلهتُكم في ضُرِّي ومَكْرُوهي، ﴿ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾.
يقولُ: ثم لا تُؤَخِّرون ذلك، فانْظُروا: هل تَنالوني أنتم [وهي] (٢) بما زَعَمتم أن آلهتَكم نالَتْني به مِن السوءِ؟
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: أصابَتْك الأوثانُ بجنونٍ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: أصابَك بعضُ (٢) الأوثانِ بجنونٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عيسى، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قالوا (٣): سَبَبْتَ آلهتَنا وعِبْتَها فَأَجَنَّتْك.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: أصابَك بعضُ آلهتِنا بسوءٍ، يَعْنون الأوثانَ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
يقول (٤): تُصِيبُك آلهتُنا بالجنونِ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: ما يحملُك على ذمِّ الهتِنا إلا أنه أصابَك منها سوءٌ (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: أصابَك بعضُ (٢) الأوثانِ بجنونٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: إنما تصنعُ هذا بآلهتِنا؛ أنها أصابَتك بسوءٍ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ: أصابَتك آلهتُنا بشرٍّ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال (٦): ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
يقولون: نخشى أن يصيبَك من آلهتِنا سوءٌ، ولا نحبُّ أن تعتريَك، يقولون: يُصِيبُك منها سوءٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾.
قال: يقولون: اختلَط عقلُك (٧) فأصابَك هذا، مما صَنَعَتْ بك آلهتُنا.
وقولُه (١): ﴿اعْتَرَاكَ﴾.
افتَعَلك (٢)، مِن عَرَاني الشيءُ يَعْروني، إذا أصابَك، كما قال الشاعرُ (٣): * مِن القومِ يَعْرُوه اجْتِراءٌ ومَأْثَمُ * القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.
يقولُ: إني على اللَّهِ الذي هو مالِكي ومالِكُكم والقَيِّمُ على جميعِ خلقِه، توكَّلتُ من أن تُصِيبوني أنتم وغيرُكم مِن الخلقِ بسوءٍ، فإنه ليس مِن شيءٍ يَدِبُّ على الأرضِ إلا واللَّهُ مالكُه، وهو في قبضتِه (٤) وسلطانِه، ذليلٌ له خاضعٌ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾، فخَصَّ بالأخذِ (٥) الناصيةَ دونَ سائرِ أماكنِ الجسدِ؟
قيل: لأن العربَ كانت تستعملُ ذلك في وصفِها مَن وَصَفَته بالذلةِ والخضوعِ، فتقولُ: ما ناصيةُ فلانٍ إلا بيدِ فلانٍ.
أي: إنه له مطيعٌ يُصرِّفُه كيف شاء.
وكانوا إذا أسَروا الأسيرَ فأرادوا إطلاقَه والمَنَّ عليه جَزُّوا ناصيتَه؛ ليعتدُّوا بذلك عليه فخرًا عندَ المفاخرةِ، فخاطَبَهم (٦) اللَّهُ بما يَعْرِفون في كلامِهم، والمعنى ما ذكرتُ.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
يقولُ: إن ربِّي على طريقِ الحقِّ، يُجازي المحسنَ مِن خلقِه بإحسانِه والمسيءَ بإساءتِه، لا يظلمُ أحدًا منهم شيئًا، ولا يقبلُ منهم إلا الإسلامَ والإيمانَ به.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: الحقِّ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾.
يقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومِه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾.
يقولُ: فإن أدبَرتم (٢) مُعرِضِين عما أدْعوكم (٣) إليه مِن توحيدِ اللَّهِ وتركِ عبادةِ الأوثانِ، ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾ أيُّها القومُ ﴿مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾، وما على الرسولِ إلا البلاغُ، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾.
يقولُ: يُهْلِكُكم ربِّي، ثم يَسْتَبْدِلُ ربِّي منكم قومًا غيرَكم، يُوحِّدونه ويُخْلِصون له العبادةَ، ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾.
يقولُ: ولا تَقْدِرون له على ضُرٍّ إذا أرادَ هلاكَكم (١) أو أهْلَكَكم.
وقد قيل: لا يَضُرُّه هَلاكُكم إذا أهْلَكَكم، لا تُنْقِصونه شيئًا؛ لأنه سواءٌ عندَه كنتم أو لم تكونوا.
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
يقولُ: إن ربِّي على جميعِ خلقِه ذو حفظٍ وعلمٍ، يقولُ: هو الذي يَحْفَظُني مِن أن تَنالوني بسُوءٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾.
يقولُ ﷿: ولمَّا جاء قومَ هودٍ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا﴾ منه ﴿هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِاللَّهِ ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾.
يعني: بفضلٍ منه عليهم ونعمةٍ، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
يقولُ: و (٢) نجَّيناهم أيضًا مِن عذابٍ غليظٍ يومَ القيامةِ، كما نَجَّيناهم في الدنيا مِن السَّخْطةِ التي أنزلناها (٣) بعادٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾.
يقولُ ﷿: [وهؤلاء] (٤) الذين أَحْلَلنا بهم نِقْمَتَنا وعذابَنا عادٌ، جَحَدوا [بحُجَجِ اللَّهِ وأدلتِه] (٥)، وعَصَوا رُسُلَه الذين أرسَلهم إليهم، للدعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
يعني: كلِّ مُسْتكبرٍ على اللَّهِ، جائرٍ (١) عن الحقِّ، لا يُذْعِنُ له ولا يَقْبَلُه.
يقالُ منه: عَنَدَ عن الحقِّ، فهو يَعْنِدُ عُنُودًا، والرجلُ عانِدٌ وعَنُودٌ.
ومِن ذلك قيل للعِرْقِ الذي ينفجِرُ فلا يَرْقأُ: عِرْقٌ عانِدٌ.
أي ضارٍ، ومنه قولُ الراجزِ (٢): * إنِّي كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا * حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: المُشْرِكِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾.
يقولُ ﷿: وأُتبعَ عادٌ قومُ هودٍ في هذه الدنيا غَضَبًا مِن اللَّهِ وسَخْطةً يومَ القيامةِ مثلَها؛ لعنةً إلى اللعنةِ التي سَلَفَت لهم مِن اللَّهِ في الدنيا، ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾.
يقولُ: أبعَدَهم اللَّهُ مِن الخيرِ.
يقالُ: كفَر فلانٌ ربَّه وكفَر بربِّه، وشَكَرتُ لك وشَكَرتُك.
وقيل: إن معنى ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾: كَفَرُوا نعمةَ ربِّهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾.
يقولُ ﷿: وأرسَلنا إلى ثمودَ أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قومِ، اعْبدُوا اللَّهَ وحدَه لا شريكَ له، وأَخْلِصوا له العبادةَ دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ، فما لكم مِن إلهٍ غيرُه، يَسْتوجِبُ عليكم العبادةَ، ولا تجوزُ الألوهةُ إلا له (١)، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: هو ابْتَدَأَ خَلْقَكم مِن الأرضِ، وإنما قال ذلك؛ لأنه خلَق آدمَ مِن الأرضِ، فخرَج الخطابُ لهم؛ إذ كان ذلك فعْلَه بمَن (٢) هم منه، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
يقولُ: وجَعَلكم عُمَّارًا (٣) فيها.
فكان المعنى فيه: أسْكَنَكم فيها أيامَ حياتِكم، مِن قولِهم: أعْمَرَ فلانٌ فلانًا دارَه، وهي له عُمْرَى (٤).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
قال: أعْمَرَكم فيها (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٦): ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾.
يقولُ: أعمَرَكم.
وقولُه: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾.
يقولُ: اعْمَلوا عملًا يكونُ سببًا لسَتْرِ اللَّهِ عليكم ذنوبَكم، وذلك الإيمانُ به، وإخلاصُ العبادةِ له دونَ ما سِواه، واتِّباعُ رسولِه صالحٍ.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: ثم اتْرُكُوا مِن الأعمالِ ما يكرَهُه ربُّكم، إلى ما يَرْضاه ويُحِبُّه؛ ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
يقولُ: إن ربِّي قريبٌ ممن أخْلَصَ له العبادةَ، ورَغِبَ إليه في التوبةِ، مجيبٌ له إذا دَعاه.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾.
يقولُ ﷿: قالت ثمودُ لصالحٍ نبيِّهم: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾.
أي: كُنَّا نَرْجو أن تكونَ فينا سيدًا قَبْلَ هذا القولِ الذي قلتَه لنا؛ مِن أنه مالَنا (١) إلهٌ غيرُ اللَّهِ.
﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾؟
يقولُ: أتَنْهانا أن نعبدَ الآلهةَ التي كانت آباؤُنا تَعْبُدُها (٢)؟
﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٣)﴾: يَعْنون أنهم لا يَعْلَمون صحةَ ما يَدْعوهم إليه مِن توحيدِ اللَّهِ، وأن الألوهةَ لا تكونُ إلا له خالصًا.
وقولُه: ﴿مُرِيبٍ﴾.
أي: يُوجِبُ التُّهْمةَ، مِن: أَرَبتُه، فأنا أُرِيبُه إرابةً.
إذا فعلتَ به فعلًا يوجِبُ له الرِّيبةَ، ومنه قولُ الهُذَليِّ (٤): * كُنْتُ إِذا أَتَوْتُه مِن غَيْبِ * * يَشَمُّ عِطْفِي وَيَبُرُّ (٥) ثَوْبي * * [كأنَّما أَرَبْتُه] (١) بِرَيْبِ * القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾.
يقولُ ﷿: قال صالحٌ لقومِه مِن ثمودَ: ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى [بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾.
يقولُ: إن كنت على] (٢) برهانٍ وبيانٍ مِن اللَّهِ قد عَلِمتُه وأيقَنتُه.
﴿وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾.
يقولُ: وآتَاني منه النبوَّةَ والحكمةَ والإسلامَ، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾.
يقولُ: فمَن الذي يدفَعُ عنى عقابَه إذا عاقَبَني إن أنا عَصَيتُه، فيُخَلِّصَني منه، ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بِعُذْرِكم الذي تَعْتَذِرون به؛ مِن أنكم تَعْبدون ما كان يعبدُ آباؤُكم - ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ لكم يُخْسِرُكم حُظُوظَكم مِن رحمةِ اللَّهِ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾، يقولُ: ما تَزْدادون أنتم إلا خَسارًا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾.
يقولُ ﷿ مخبرًا عن قيلِ صالحٍ لقومِه مِن ثمودَ، إذ قالوا له: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وسألوه الآيةَ على ما دَعاهم إليه: ﴿يَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾.
يقولُ: حُجَّةً وعلامةً، ودلالةً (١) على حقيقةِ ما أَدْعوكم إليه، ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، فليس عليكم رزقُها ولا مُؤْنتُها، ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾.
يقولُ: لا تقْتُلوها ولا تَنالوها بعَقْرٍ؛ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾.
يقولُ: فإنكم إن تَمَسُّوها بسُوءٍ يأخُذْكم عذابٌ مِن اللَّهِ غيرُ بعيدٍ فيُهْلِكْكم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾.
يقولُ ﷿: فعَقَرَت ثمودُ ناقةَ اللَّهِ.
وفي الكلامِ محذوفٌ قد تُرِكَ ذكرُه؛ استغناءً بدلالةِ الظاهرِ عليه، وهو: فكَذَّبوه فعَقَروها، فقال صالحٌ لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.
يقولُ: اسْتَمْتِعوا في دارِ الدنيا بحياتِكم ثلاثةَ أيامٍ، ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
يقولُ: هذا الأَجَلُ الذي أجَّلْتُكم وَعْدٌ مِن اللَّهِ، وَعَدَكم بانقضائِه الهلاكَ ونزولَ العذابِ بكم، ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾.
يقولُ: لم يَكْذِبْكم فيه مَن أعْلَمَكم ذلك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾: وذُكِر لنا أن صالحًا حينَ أخْبَرَهم أن العذابَ أَتاهم، لَبِسوا الأنْطاعَ (٢) والأَكْسيةَ، وقيل لهم: إن آيةَ ذلك أن تَصْفَرَّ ألوانُكم أولَ يومٍ، ثم تَحْمَرَّ في اليومِ الثاني، ثم تَسْودَّ في اليومِ الثالثِ.
وذُكِر لنا أنهم لمَّا عَقَروا الناقةَ نَدِموا وقالوا: عليكم الفصيلَ (٣).
فصَعِدَ الفَصِيلُ القارَّةَ - والقارةُ الجبلُ - حتى إذا كان اليومُ الثالثُ، استقبلَ القبلةَ وقال: يا ربِّ أمي، [يا ربِّ أمي، يا ربِّ أمي] (١)، قال: فأُرْسِلَت الصيحةُ عندَ ذلك (٢).
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو صَعِدتُم القارةَ، لرأيتُم عظامَ الفصيلِ.
وكانت منازلُ ثمودَ بحِجْرٍ، بينَ الشامِ والمدينةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾.
قال: بقيةَ آجالِهم (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، أن ابنَ عباسٍ قال: لو صَعِدتُم على القارةِ لرأيتُم عظامَ الفَصيلِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾.
يقولُ ﷿: فلما جاء ثمودَ عذابُنا ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾ منه، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ به (٥) ﴿مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾.
يقولُ: بنعمةٍ وفضلٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾.
يقولُ: ونَجَّيناهم مِن هَوانِ ذلك اليومِ وذُلِّه بذلك العذابِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ في بَطْشِه، إذا بَطَشَ بشيءٍ أهْلَكَه، كما أهلكَ ثمودَ حينَ بطَش بها ﴿الْعَزِيزُ﴾ فلا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَقْهَرُه قاهِرٌ، بل يغلِبُ كُلَّ شيءٍ ويَقْهَرُه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾.
قال: نَجَّاه اللَّهُ برحمةٍ منه (١)، ونَجَّاه مِن خِزْيِ (٢) يومِئذٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن عمرِو بنِ خارجةَ، قال: قلنا له: حدِّثْنا حديثَ ثمودَ.
قال: أُحدِّثُكم عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عن ثمودَ: "كانت ثمودُ قومُ صالحٍ أَعْمَرَهم اللَّهُ في الدنيا فأطالَ أعْمارَهم، حتى جعَل أحدُهم يَبْني المسكنَ مِن المَدَرِ، فيَنْهدِمُ والرجلُ منهم حيٌّ، فلما رَأَوا ذلك اتَّخَذوا مِن الجبالِ بيوتًا فَرِهِين، فنَحَتُوها (٤) وجَوَّفوها، وكانوا في سَعَةٍ مِن معايشِهم، فقالوا: يا صالحُ، ادعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا آيةً، نعلمُ أنك رسولُ اللَّهِ.
فَدَعا صالحٌ ربَّه، فأخرَج لهم الناقةَ، فكان شِرْبُها يومًا وشِرْبُهم يومًا معلومًا، فإذا كان يومُ شِرْبِها (٥) خَلَّوا عنها وعن الماءِ وحَلَبوها لبنًا، مَلَئُوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ (٦) حتى إذا كان يومُ شِرْبِهم صَرَفوها عن الماءِ، فلم تشربْ منه شيئًا، فمَلَئوا كلَّ إناءٍ ووعاءٍ وسقاءٍ، فأوحَى اللَّهُ إلى صالحٍ، أن قومَك سيَعْقِرون ناقتَك، فقال لهم، فقالوا: ما كُنَّا لنفعلَ.
فقال: إلا تَعْقِروها أنتم أوشَك أن يولدَ فيكم مولودٌ يعقرُها (١).
قالوا: ما علامةُ ذلك المولودِ، فواللَّهِ لا نجدُه إلا قَتَلناه.
قال: فإنه غلامٌ أشقرُ أزرقُ أصهَبُ أحمرُ.
قال: وكان في المدينةِ شيخان عزيزان مَنِيعان، لأحدِهما ابنٌ [يُرْغَبُ به] (٢) عن المناكحِ، وللآخرِ ابنةٌ لا يجدُ لها كُفُؤًا، فَجَمَعَ بينَهما مجلسٌ، فقال أحدُهما لصاحبِه: ما يمنَعُك أن تُزَوِّجَ ابنَك؟
قال: لا أجِدُ له كُفُؤًا.
قال: فإن ابنتي كفؤٌ له، وأنا أزوِّجُك.
فَزَوَّجَه، فوُلِدَ بينَهما ذلك المولودُ، وكان في المدينةِ ثمانيةُ رهطٍ يُفْسِدون في الأرضِ، ولا يُصلِحون، فلما قال لهم صالحٌ: إنما يَعقِرُها مولودٌ فيكم.
اخْتاروا ثمانيَ نسوةٍ قوابلَ مِن القريةِ، وجَعَلوا معهنَّ شُرَطًا كانوا يَطُوفون في القريةِ، فإذا وَجَدوا المرأةَ (٣) تُمخَضُ، نَظَروا (٤) ما ولدُها؛ فإن كان غلامًا قَلَّبْنَه، فَنَظَرْنَ ما هو، وإن كانت جاريةً أَعرَضْنَ عنها، فلما وَجَدوا ذلك المولودَ صرَخ النسوةُ، وقُلنَ: هذا الذي يريدُ رسولُ اللَّهِ صالحٌ.
فأرادَ الشُّرَطُ أن يأخُذوه، فحالَ جَدَّاه بينَهم وبينَه، وقالا: لو أن صالحًا أرادَ هذا قَتَلناه.
فكان شَرَّ مولودٍ، وكان يَشِبُّ في اليومِ شبابَ غيرِه في الجمعةِ، ويَشِبُّ في الجمعةِ شبابَ غيرِه في الشهرِ، ويَشِبُّ في الشهرِ شبابَ غيرِه في السنةِ، فاجتمَع الثمانيةُ الذين يُفسِدون في الأرضِ ولا يُصلِحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استُعمِلَ (٥) علينا هذا الغلامُ؛ لمنزلتِه وشَرَفِ جَدَّيه.
فكانوا (٦) تسعةً، وكان صالحٌ لا ينامُ معهم في القريةِ، كان في مسجدٍ يقالُ له: مسجدُ صالحٍ، فيه يبيتُ بالليلِ، فإذا أصبَح أتاهم، فوعَظَهم وذَكَّرهم، وإذا أمسى خَرَجَ إلى مسجدِه فباتَ فيه".
قال حجاجٌ: وقال ابنُ جريجٍ: لمَّا قال لهم صالحٌ: إنه سيولَدُ غلامٌ يكونُ هلاكُكم على يدَيه.
قالوا: فكيف تأمُرُنا؟
قال: آمُرُكم بقتلِهم.
فقتَلُوهم إلا واحدًا.
قال: فلما بَلَغ ذلك المولودُ قالوا: لو كنَّا لم نقتُلْ أولادَنا، لكان لكلِّ رجلٍ منَّا مثلُ هذا، هذا عَمَلُ صالحٍ.
فائْتَمَرُوا بينَهم بقَتلِه، وقالوا: نخرُجُ مسافرين، والناسُ يَرَوننا علانيةً، ثم نرجِعُ مِن ليلةِ كذا، من شهرِ كذا وكذا، فنرصُدُه عندَ مُصلَّاه، فنقتُلُه، فلا يحسَبُ الناسُ إلا أنَّا مسافرون كما نحن.
فأقبَلوا حتى دَخَلوا تحتَ صخرةٍ يرصُدُونه، فأرسَل اللَّهُ عليهم الصخرةَ فرَضَختهم (١)، فأصبَحوا رَضحًا.
فانطَلَقَ رجالٌ ممن قد اطَّلَع على ذلك منهم، فإذا هم رَضخٌ، فرَجَعوا يصيحون في القريةِ: أي عبادَ اللَّهِ، أما رَضِيَ صالحٌ أن أَمَرَهم أن يَقتُلوا أولادَهم، حتى قَتَلهم؟!
فاجتمَع أهلُ القريةِ على عقرِ (٢) الناقةِ أجمعون، وأحجَموا عنها إلَّا ذلك الابنَ (٣) العاشرَ.
ثم رَجَعَ الحديثُ إلى حديثِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، قال: "فأرادوا أن يمكُروا بصالحٍ، فمشَوا حتى أَتَوا على سَرَبٍ (٤) على طريقِ صالحٍ، فاختبَأ فيه ثمانيةٌ (٥)، وقالوا: إذا خرَج علينا قَتَلناه، وأتينا أهلَه فبيَّتناهم.
فأمَر اللَّهُ ﷿ الأرضَ، فاستَوت عليهم، قال: فاجتمَعوا ومَشَوا إلى الناقةِ، وهي على حَوضِها قائمةٌ، فقال الشقيُّ لأحدِهم: ائتِها فاعقِرْها.
فأتاها، فَتعاظَمَه ذلك، فأضرَبَ عن ذلك، فبَعَث آخرَ، فأعظَمَ ذلك، فجَعَل لا يبعَثُ رجلًا إلا تَعاظَمه أمرُها، حتى مَشَى (١) إليها وتَطاوَلَ فضرَبَ عُرقوبيها، فوَقَعت تَركُضُ، وأتى رجلٌ منهم صالحًا، فقال: أدرِكِ الناقةَ فقد عُقِرت.
فأقبَل، وخَرَجوا (٢) يَتَلقَّونه، ويعتَذِرون إليه: يا نبيَّ اللَّهِ، إنما عَقَرها فلانٌ، إنه لا ذنبَ لنا.
قال: فانظُروا هل تُدرِكون فصيلَها؟
فإن أدركتُموه، فعسى اللَّهُ أن يرفَعَ عنكم العذابَ.
فخَرَجوا يَطلُبونه، ولمَّا رأى الفصيلُ أمَّه تضطرِبُ، أتَى جبلًا - يقالُ له: القَارةُ - قصيرًا، فصَعِدوا (٣) وذهَبوا ليأخُذوه، فأوحَى اللَّهُ ﷿ إلى الجبلِ، فطالَ في السماءِ، حتى ما تنالُه الطيرُ.
قال: ودخَل صالحٌ القريةَ، فلما رآه الفصيلُ بكَى، حتى سالت دموعُه، ثم استقبَل صالحًا، فَرَغا رَغوةً، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى، فقال صالحٌ لقومِه: لكلِّ رغوةٍ أجلُ يومٍ (٤)، ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، ألا إن آيةَ العذابِ أن اليومَ الأولَ تصبِحُ وجوهُكم مصفرَّةً، واليومَ الثانيَ محمرَّةً، واليومَ الثالثَ مسودةً.
فلما أصبَحوا إذا وجوهُهم كأنها قد طُليت بالخلوقِ (٥)، صغيرُهم وكبيرُهم، ذَكَرُهم وأُنثاهم، فلما أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا إنه (٦) قد مَضَى يومٌ من الأجلِ، وحَضَرَكم العذابُ، فلما أصبَحوا اليوم الثانيَ إذا وجوهُهم محمرَّةٌ، كأنها خُضِبت بالدماءِ، فصاحوا وضَجُّوا وبَكَوا وعَرَفوا أنه (٧) العذابُ، فلما أمسَوا صاحُوا بأجمعِهم: ألا قد مضَى يومان مِن الأجلِ وحَضَركم العذابُ.
فلما أصبَحوا اليومَ الثالثَ فإذا وجوهُهم مسودَّةٌ (١)، كأنها طُلِيَت بالقارِ، فَصاحوا جميعًا: ألا قد حَضَرَكم العذابُ.
فتَكفَّنوا وتحَنَّطوا، وكان حَنوطُهم الصبرَ والمَغَرَ (٢)، وكانت أكفاتُهم الأنطاعَ، ثم ألقَوا أنفسَهم بالأرضِ، فجعَلوا يُقلِّبون أبصارَهم، فينظُرون إلى السماءِ مرةً، وإلى الأرضِ مرةً، ولا يَدرون مِن حيثُ يأتيهم العذابُ؛ مِن فوقِهم مِن السماءِ أو مِن تحتِ أرجلِهم من الأرضِ، جَشَعًا (٣) وفرقًا (٤)، فلما أصبَحوا اليومَ الرابعَ، أتتهم صيحةٌ مِن السماءِ، فىها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، وصوتُ كلِّ شيءٍ له صوتٌ في الأرضِ، فتقَطَّعت قلوبُهم في صدورِهم، فأصبَحوا في ديارِهم (٥) جاثِمين" (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما أَخَذتهم الصَّيحةُ، أهلَكَ اللَّهُ مَن بينَ المشارقِ والمغاربِ منهم، إلا رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعه (٧) حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ.
قيل: ومَن هو يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "أبو رِغالٍ" (٨).
وقال رسولُ اللَّهِ ﷺ، حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ لأصحابِه: "لا يَدخُلَنَّ أحدٌ منكم القريةَ، ولا تَشرَبوا مِن مائِهم".
وأَراهم مُرتَقى الفصيلِ حينَ ارتَقى في القارةِ.
قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني موسى بنُ عقبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ حينَ أتَى على قريةِ ثمودَ، قال: "لا تَدخُلوا على هؤلاء المُعذَّبين إلا أن تكونوا باكِين، فإن لم تكونوا باكِينَ فلا تَدخُلوا عليهم؛ أن يُصيبَكم ما أصابَهم".
قال ابنُ جريجٍ: قال جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ: إن النبيَّ ﷺ لمَّا أتَى على الحِجْرِ، حَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قال: "أما بعدُ، فلا تسألوا رسولَكم الآياتِ؛ هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا رسولَهم الآيةَ، فبعَث اللَّهُ لهم الناقةَ، فكانت تَرِدُ من هذا الفجِّ، وتَصدُرُ (١) من هذا الفجِّ، فتشرَبُ ماءَهم يومَ وُرُودِها" (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لمَّا مرّ بوادي ثمودَ، وهو عامِدٌ إلى تبوكَ، قال: فأمَر أصحابَه أن يُسرِعوا السيرَ، وألا يَنزِلوا به، ولا يَشرَبوا مِن مائِه، وأخبَرهم أنه وادٍ ملعونٌ.
قال: ولقد ذكِرَ لنا أن الرجلَ الموسرَ من قومِ صالحٍ كان يُعطِي المُعسِرَ منهم ما يَتَكفَّنون به، وكان الرجلُ منهم يلحَدُ لنفسِه ولأهلِ بيتِه؛ لميعادِ نبيِّ اللَّهِ صالحٍ الذي وَعَدهم، وحدَّث من رآهم بالطرقِ والأفنيةِ والبيوتِ؛ فيهم شبانٌ وشيوخٌ، أبقاهم اللَّهُ عبرةً وآيةً.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ المتوكلِ الأشجعيُّ مِن أهلِ حمصَ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ واقدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثيمٍ، قال: ثنا أبو الطفيلِ، قال: لمَّا غزَا رسولُ اللَّهِ ﷺ غزاةَ تبُوكَ، نَزَل الحِجرَ، فقال (٣): "أيُّها الناسُ، لا تسألوا نبيَّكم الآياتِ، هؤلاء قومُ صالحٍ سألوا نبيَّهم أن يَبعَثَ لهم آيةً (١).
فبَعَث اللَّهُ لهم الناقةَ (٢) آيةً، فكانت تَلِجُ عليهم يومَ وُرُودِهم [من هذا الفجِّ فتشرَبُ ماءَهم يومَ ورودِهم] (٣) الذي كانوا يتروَّون منه، ثم يَحلِبونها مثلَ ما كانوا يَتروَّون مِن مائِهم قبلَ ذلك لبنًا، ثم تخرُجُ من ذلك الفجِّ، فعتَوا عن أمرِ ربِّهم وعَقَروها، فوعَدَهم اللَّهُ العذابَ بعدَ ثلاثةِ أيامٍ".
قال (٤): "وكان وعدًا مِن اللَّهِ غيرَ مكذوبٍ، فأهلَك اللَّهُ مَن كان منهم في مشارقِ الأرض ومغاربِها، إلا (٥) رجلًا واحدًا كان في حَرَمِ اللَّهِ، فمنَعَه حَرَمُ اللَّهِ مِن عذابِ اللَّهِ".
قالوا: ومَن ذلك الرجلُ يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "أبو رِغالٍ" (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ (٧) كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأصابَ الذين فَعَلوا ما لم يكنْ لهم فعلُه، مِن عَقرِ ناقةِ اللَّهِ وكفرِهم به - الصيحةُ، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾: قد جَثَمتهم المَنايا، وتَرَكَتهم خمودًا بأفْنيتِهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
يقولُ: أصبَحوا قد هَلَكوا (١).
﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾.
يقولُ: كأن لم يَعِيشوا فيها، ولم يُعمَّروا بها (٢).
كما حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: كأن لم يَعِيشوا فيها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).
وقد بَيَّنا ذلك فيما مَضَى بشواهدِه، فأغنَى ذلك عن إعادتِه (٤).
وقولُه: ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾.
يقولُ: ألا إن ثمودَ (٥) كَفَروا بآياتِ ربِّهم فجَحَدوها، ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾.
يقولُ: ألا أبعَد اللَّهُ ثمودَ (٦)؛ لنُزُولِ العذابِ بهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد جاءت رسلُنا مِن الملائكةِ.
وهم فيما ذُكرَ، كانوا جبريلَ ومَلَكين آخرَين، وقيل: إن المَلَكين الآخرَين كانا ميكائيلَ وإسرافيلَ معه.
﴿إِبْرَاهِيمَ﴾.
يعني إبراهيم خليلَ اللَّهِ، ﴿بِالْبُشْرَى﴾.
يعني: البشارةِ.
واختلَفوا في تلك البشارةِ التي أَتَوه بها؛ فقال بعضُهم: هي البِشارةُ بإسحاقَ.
وقال آخرون: هي البِشارةُ بهلاكِ قومِ لوطٍ.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾.
يقولُ: فسلَّموا عليه سلامًا.
ونَصَبَ ﴿سَلَامًا﴾ بإعمالِ ﴿قَالُوا﴾ فيه، كأنه قيل: قالوا قولًا، وسَلَّموا تَسليمًا.
﴿قَالَ سَلَامٌ (١)﴾.
يقولُ: قال إبراهيم لهم: سلامٌ.
فرفَعَ ﴿سَلَامًا﴾؛ بمعنى: عليكم السلامُ، أو بمعنى: [نحنُ سِلمٌ] (٢) منكم.
وقد ذُكرَ عن العربِ أنها تقولُ: سِلمٌ.
بمعنى السلامِ، كما تقولُ (٣): حِلٌّ وحلالٌ، وحِرمٌ وحرامٌ.
وذَكَرَ الفرَّاءُ أن بعضَ العربِ أنشَده (٤): مَرَرنا فقلنا إيهِ سلمٌ فسلَّمت … كما اكتلَّ (٥) بالبَرقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ بمعنى: سلامٌ.
وقد رُوِيَ: كما انكلَّ.
وقد زَعَم بعضُهم أن معناه إذا قُرِئَ كذلك: نحنُ سِلمٌ لكم.
من المُسالمةِ التي هي خلافُ المحاربةِ.
وهذه قراءةُ عامةِ قرأَةِ الكوفيِّين (٦).
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (١).
على أن الجوابَ مِن إبراهيمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، لهم كان (٢) بنحوِ تَسليمِهم: عليكم السلامُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنهما قراءتان مُتقارِبتا المعنى؛ لأن السِّلمَ قد يكونُ بمعنى السلامِ على ما وصَفتُ، والسلامُ بمعنى السِّلْمِ؛ لأن التسليمَ لا يكادُ يكونُ إلا بينَ أهلِ السِّلمِ دونَ الأعداءِ، فإذا ذُكِرَ تسليمٌ مِن قومٍ على قومٍ، ورَدُّ الآخرين عليهم، دلَّ ذلك على مُسالمةِ بعضِهم بعضًا.
وهما مع ذلك قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ (٣) أهلُ قُدوةٍ في القراءةِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ (٤) الصوابَ.
وقولُه: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
[يقولُ: فما بطَّأَ إبراهيمُ إذ تَضَيَّفته رسلُ اللَّهِ أن جاءهم بعجلٍ حنيذٍ] (٥).
وأصلُه مَحنوذٌ، صُرِفَ مِن مفعولٍ إلى فَعيلٍ.
وقد اختلَف أهلُ [العلمِ بالعربيةِ] (٦) في معناه؛ فقال بعضُ أهلِ البصرةِ منهم (٧): معنى المحنوذِ: المشويُّ.
وقال: يقالُ منه: حنَذتُ فرسي.
بمعنى: سَخَّنتُه وعَرَّقتُه.
واستشهَد لقولِه ذلك ببيتِ الراجزِ (٨): * ورَهِبَا مِن حَنذِه أَن يَهرَجَا (٩) * وقال آخرُ منهم: حَنَذَ فرسَه.
أي: أضمَرَه.
وقال: قالوا: حنَذَه يَحنِذُه حنذًا.
أي: عرَّقَه.
وقال بعضُ أهلِ الكوفةِ (١): كلُّ [شيءٍ شُوى] (٢) في الأرضِ، إذا خَدَدتَ له فيها (٣) فدَفَنتَه وغَمَمتَه فهو الحَنيذُ والمحنوذُ.
قال: والخيلُ تُحنَذُ إِذا أُلقيت عليها الجِلالُ (٤) بعضُها على بعضٍ لتَعرَقَ.
قال: ويقالُ: إذا سَقَيتَه فأحنِذْ.
يعني: أخفِسْ، يريدُ: أقِلَّ الماءَ وأكثرِ النبيذَ.
قال (٥): وأما أهلُ التأويلِ فإنهم قالوا في معناه ما أنا ذاكِرُه.
وذلك ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
يقولُ: نضيجٍ (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: العجلُ حَسيلُ البقرةِ (٧)، والحنيذُ الشَّويُّ (٨) النضيجُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾.
إلى: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: نَضِيجٍ سخنٍ، أُنضِجَ بالحجارةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: والحنيذُ النضيجُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: نَضِيجٍ.
قال: وقال الكلبيُّ: الحنيذُ، الذي يُحنَذُ في الأرضِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرٍ في قولِه: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: الحنيذُ الذي يقطُرُ ماءً وقد شُوِيَ.
وقال حفصٌ: الحنيذُ مثلُ حِنَاذِ الخيلِ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: ذبَحه ثم شَواه في الرضْفِ، فهو الحنيذُ حين شواه (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو يزيدَ، عن يعقوبَ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عطيةَ: ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: المشويُّ الذي يقطُرُ.
حدَّثنا المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: الحَنيذُ الذي يَقطُرُ ماؤُه وقد شُوِيَ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال: نَضيجٍ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: الذي قد (١) أُنضِجَ بالحجارةِ (٢).
وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: مشويٍّ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ أنه سَمِعَ وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: ﴿حَنِيذٍ﴾.
يعني: شَوِيٍّ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: الحِناذُ الإنضاجُ.
وهذه الأقوالُ التي ذكَرناها عن أهلِ العربيةِ وأهلِ التفسيرِ مُتقاربةُ (٣) المعاني بعضُها مِن بعضٍ.
وموضعُ ﴿أَنْ﴾ من (٤) قولِه: ﴿أَنْ جَاءَ﴾.
نصبٌ بقولِه: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾؛ [لأن معناه: فما لبِث بأن] (٥) (٦) جاء.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما رأى إبراهيمُ أيديَهم لا تَصِلُ إلى العجلِ الذي أتاهم به، والطعامِ الذي قَدَّمَ إليهم، نَكِرَهم، وذلك أنه لمَّا قَدَّمَ طعامَه ﵇ إليهم، فيما ذُكِر، كَفُّوا عن أكلِه؛ لأنهم لم يكونوا ممن يأكُلُه، وكان إمساكُهم عن أَكلِه عندَ إبراهيمَ، وهم ضِيفانُه، مُستنكَرًا، ولم تكن تُثْبِتُهم (١) معرفةٌ، ورَاعَه أمرُهم، وأوجَسَ في نفسِه منهم خِيفةً.
وكان قتادةُ يقولُ: كان [إنكارُ إبراهيمَ] (٢) ذلك مِن أمرِهم، لما (٣) حدَّثنا به (٤) بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قَولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾: وكانت العربُ إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يَطعَمْ من طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يجئْ بخيرٍ، وأنه يُحدِّثُ نفسَه بشرٍّ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾.
قال: كانوا إذا نَزَل بهم ضيفٌ فلم يأكُلْ مِن طعامِهم، ظنُّوا أنه لم يأتِ بخيرٍ، وأنه يحدِّثُ نفسَه بشرٍّ، ثم حَدَّثوه عندَ (٥) ذلك بما (٦) جاءوا (٧).
وقال غيرُه في ذلك ما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جُندبِ بنِ سفيانَ، قال: لمَّا دَخَل ضيفُ إبراهيمَ ﵇، قرَّب إليهم العجلَ، فجعَلوا ينكُتون بقِداحٍ في أيديهم مِن نَبلٍ، ولا تَصلُ أيديهم إليه، نَكِرَهم عندَ ذلك (١).
يقالُ منه: نكِرتُ الشيءَ أَنكِرُه، وأَنكرتُه أُنكِرُه، بمعنًى واحدٍ، ومِن "نَكِرتُ وأَنكرتُ" قولُ الأعشى (٢): وأَنكرَتني وما كان الذي نَكرت … من الحوادثِ إلا الشَّيبَ والصَّلعا فجمَع اللغتين جميعًا في البيتِ.
وقال أبو ذُؤيبٍ (٣): فنَكِرنَه فنفَرنَ وامترَسَت به … هَوجاءُ هادِيةٌ وهادٍ جُرْشُعُ (٤).
وقولُه ﷿: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.
يقولُ: أحسَّ في نفسِه منهم خِيفةً وأضمَرَها.
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾.
يقولُ: قالت الملائكةُ لمَّا رَأت ما بإبراهيمَ من الخوفِ منهم: لا تخَفْ منَّا وكُنْ آمِنًا، فإِنَّا ملائكةُ ربِّك أُرسلنا إلى قومِ لوطٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه] (٥): ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾: سارةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحورَ بنِ ساروغَ (٦) بنِ أرغوا (١) بنِ فالغَ (٢)، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ، ﴿قَائِمَةٌ﴾.
قيل: كانت قائمةً من وراءِ السِّترِ، تستمعُ كلامَ الرسلِ وكلامَ إبراهيمَ.
وقيل: كانت قائمةً تخدُمُ الرسلَ، وإبراهيمُ جالسٌ مع الرسلِ.
وقولُه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
وفي السببِ الذي مِن أجلِه ضَحِكت؛ فقال بعضُهم: ضَحِكت الضَّحكَ المعروفَ؛ تعَجُّبًا مِن أنها وزوجَها إبراهيمَ يَخدُمان ضِيفانَهم بأنفسِهما، تَكرِمةً لهم، وهم عن طعامِهم مُمسِكون لا يأكُلون (٣).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: بَعَثَ اللَّهُ الملائكةَ لتُهْلِكَ قومَ لوطٍ، أقبَلَت تَمشي في صورةِ رجالٍ شبابٍ حتى نَزَلوا على إبراهيمَ، فتضيَّفُوه، فلما رَآهم إبراهيمُ أَجلَّهم، فراغَ إلى أهلِه فجاء بعجلٍ سمينٍ، فذَبَحه ثم شَواه في الرَّضْفِ، فهو (٤) الحَنيذُ حينَ شَواه، وأَتاهم فقعَد معهم، وقامَت سارَةُ تَخدُمُهم، فذلك حينَ يقولُ: (وامرأتُه قائمةٌ وهو جالسٌ).
في قراءةِ ابنِ مسعودٍ، فلما قَرَّبه إليهم قال: ألا تأكُلون؟
قالوا: يا إبراهيمُ، إنا لا نأكُلُ طعامًا إلا بثمنٍ.
قال: فإن لهذا ثَمَنًا، قالوا: وما ثَمنُه؟
قال: تَذكُرون اسمَ اللَّهِ على أوَّلِه، وتحمَدونه على آخرِه.
فنظَر جبريلُ إلى ميكائيلَ فقال: حُقَّ لهذا أن يتَّخِذَه ربُّه خليلًا.
﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: لا يأكُلون، فَزِع منهم، وأوجَسَ منهم خِيفةً، فلما نَظَرت إليهم (١) سارَةُ أنه قد أكرَمهم، وقامَت هي تخدُمُهم، ضَحِكت، وقالت: يا (٢) عجَبًا لأضيافِنا هؤلاء، إنا نخدُمهم بأنفسِنا تَكرِمةً لهم، وهم لا يأكُلون طعامَنا (٣)!
وقال آخرون: بل ضَحِكت مِن أن قومَ لوطٍ في غفلةٍ وقد جاءتْ رسلُ اللَّهِ بإهلاكِهم (٤).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: لما أوجَسَ إبراهيمُ خِيفةً في نفسِه، حدَّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه، فضَحِكت امرأتُه، وعَجِبت من أن قومًا أتاهم العذابُ وهم في غفلةٍ، فضَحِكت من ذلك وعَجِبت، فبشَّرْناها بإسحاقَ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أنه قال: ضحِكت (٦) تعجُّبًا مما فيه قومُ لوطٍ من الغفلةِ، ومما أتاهم من العذابِ (٧).
وقال آخرون: بل ضَحِكَت ظنًّا منها بهم أنهم يُريدون عَملَ قومِ لوطٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني الحارثُ، ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ في قولِه: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾.
قال: لمَّا جاءت الملائكةُ ظنَّت أنهم يُريدون أن يَعمَلوا كما يعملُ قومُ لوطٍ (١).
وقال آخرون: بل ضَحِكَت لِما رَأت بزوجِها إبراهيمَ من الرَّوعِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الكلبيِّ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
قال: ضَحِكَت حينَ راعُوا إبراهيمَ، مما رَأت من الرَّوعِ بإبراهيمَ (٢).
وقال آخرون: بل ضَحِكَت حينَ بُشِّرت بإسحاقَ؛ تعَجُّبًا من أن يكونَ لها ولدٌ على كِبرِ سنِّها وسنِّ زوجها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سَمِع وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: لمَّا أتى الملائكةُ إبراهيمَ فَرَآهم، راعَه هيئتُهم وجَمالُهم، فسلَّموا عليه، وجَلَسوا إليه، فقامَ فأمَرَ بعجلٍ سمينٍ، فحُنِذَ له، فقرَّب إليهم الطعامَ، فلما رأى أيديَهم لا تَصِلُ إليه نَكِرهم وأوجَس منهم خيفةً، وسارَةُ وراءَ البيتِ تسمَعُ، قالوا: لا تخَفْ إنا نُبَشِّرُك بغلامٍ حليمٍ مباركٍ.
فبشَّر به امرأتَه سارةَ، فضَحِكت وعَجِبت: كيف يكونُ لسنِّي (١) ولدٌ، وأنا عجوزٌ وهو شيخٌ كبيرٌ؟!
فقالوا: [لا تعجَبي] (٢) من أمرِ اللَّهِ، فإنه قادرٌ على ما يشاءُ، فقد وَهَبه اللَّهُ لكم، فأبشِروا به (٣).
وقد قال بعضُ مَن كان يتأوَّلُ هذا التأويلَ: إن هذا من المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ.
كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: وامرأتُه قائمةٌ، فبشَّرناها بإسحاقَ.
ومِن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ، فضَحِكت وقالت: يا ويلتا، ألِدُ (٤) وأنا عجوزٌ؟!
وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
في هذا الموضِع: حاضَت (٥).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بقيةُ بنُ الوليدِ، عن عليِّ بنِ هارونَ، عن عمرِو بنِ الأزهرِ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
قال: حاضَت، وكانت ابنةَ بضعٍ وتسعين سنةً.
قال: وكان إبراهيمُ ابنَ مائةِ سنةٍ (٦).
وقال آخرون: بل ضَحِكت سرورًا بالأمنِ منهم، لمَّا قالوا لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
وذلك أنه قد كان خافَهم، وخافَتهم هي (١) أيضًا، كما خافَهم إبراهيمُ، فلما أَمِنت ضَحِكت، فأتبَعوها البشارةَ بإسحاقَ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيِّين (٢) يزعُمُ أنه لم يسمَعْ "ضَحِكت" بمعنى "حاضَت" من ثقةٍ.
وذكَر بعضُ أهلِ العربية من البصريِّين أن بعضَ أهلِ الحجازِ أخبَره عن بعضِهم أن العربَ تقولُ: ضَحِكَت المرأةُ: حاضَت.
قال: وقد قالوا (٣): الضحكُ الحيضُ.
و (٤) قال بعضُهم: الضحكُ العَجَبُ.
وذَكَر بيتَ أبي ذؤيبٍ (٥): فجاءَ بِمزجٍ (٦) لم يَرَ الناسُ مثلَه … هو الضَّحكُ إِلا أنَّه عمَلُ النَّحلِ وذَكر أن بعضَ أصحابِه أنشَده في الضحكِ بمعنى الحيضِ (٧): وضِحكُ الأرانبِ فوقَ الصَّفا … كمثلِ دَمِ الجَوفِ يومَ اللِّقا قال: وذَكَر له بعضُ أصحابِه أنه سَمِعَ للكُميتِ (٨): فأضحَكتِ الضِّباعَ سُيُوفُ سعدٍ … بقَتلى ما دُفِنَّ ولا وُدِينَا (١) وقال: يريدُ الحيضَ.
قال: وبَلحارثُ بنُ كعبٍ يقولون: ضَحِكت النخلةُ، إذا أخرَجت الطَّلعَ أو البُسرَ.
وقالوا: الضَّحْكُ: الطلعُ.
قال: وسَمِعنا من يحكِي: أضحَكتُ حوضًا.
أي ملَأتُه حتى فاضَ.
قال: وكأنَّ المعنى قريبٌ بعضُه من بعضٍ كلُّه؛ لأنه كأنه شيءٌ يمتلئُ فيَفيضُ.
وأولى الأقوالِ التي ذُكِرت في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: معنى قولِه: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: فعجِبت من غفلةِ قومِ لوطٍ عما أظلَّهم (٢) مِن عذابِ اللَّهِ، وغفلتِهم (٣) عنه.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ؛ لأنه ذُكِر عقيبَ قولِهم لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا وجهَ للضحكِ والتعجبِ من قولِهم لإبراهيمَ: ﴿لَا تَخَفْ﴾.
كان الضَّحِكُ والتعجُّبُ، إنما هو من أمرِ قومِ لوطٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
يقولُ ﷿: فبشَّرنا سارةَ امرأةَ إبراهيمَ، ثوابًا منَّا لها على نَكيرِها وتعجُّبِها من فعلِ قومِ لوطٍ - بإسحاقَ ولدًا لها، ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
يقولُ: ومن خلفِ إسحاقَ بيعقوبَ (١) من ابنِها إسحاقَ.
والوراءُ في كلام العربِ: ولدُ الولدِ، وكذلك تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
قال: الوراءُ، ولدُ الولدِ (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قال كلُّ واحدٍ منهما: حدَّثني أبو الْيسَعَ إسماعيلُ بنُ حمادِ بنِ أبي المغيرةِ، مولى [أبي موسى] (٣) الأشعريِّ، قال: كنتُ إلى جنب جدِّي أبي المغيرةِ بنِ مِهرانَ في مسجدِ عليِّ بنِ زيدٍ، فمرَّ بنا الحسنُ بنُ أبي الحسنِ، فقال: يا أبا المغيرةِ، مَن هذا الفتى؟
قال: ابني مِن وراءٍ (٤).
فقال الحسنُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بن أبي عديٍّ، قال (٥): ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
قال: [الوراءُ هو ولدُ الولدِ] (٦).
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ، قال: ثنا خالدٌ، عن داودَ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
قال: الوَراءُ: ولدُ الولدِ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو (٢) عمرٍو الأزديُّ، قال: سمِعتُ الشعبيَّ يقولُ: ولدُ الولدِ هم الولدُ من الوَراءِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ ومعه ابنُ ابنِه، فقال: من هذا معك؟
قال: هذا ابنُ ابني.
قال: هذا ابنُك (٣) من الوَراءِ.
قال: فكأنه شقَّ [ذلك على] (٤) الرجلِ، فقال ابنُ عباسٍ: إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
فولدُ الولدِ هم الولدُ (٥) من الوَراءِ (٦).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا ضَحِكت سارَةُ وقالت: عجبًا لأضيافِنا هؤلاء، إنا نخدُمُهم بأنفسِنا تكرِمةً لهم، وهم لا يأكُلون طعامَنا!
قال لها جبريلُ: أبشرِي بولدٍ اسمُه إسحاقُ، ومن وراءِ إسحاقَ يعقوبَ.
فضَرَبت جبهتَها (٧) عَجَبًا.
فذلك قولُه: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ [الذاريات: ٢٩].
وقالت: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾.
قالت سارةُ لجبريلَ (١): ما آيةُ ذلك؟
قال: فأخَذَ بيدِه عودًا يابِسًا فلَواه بينَ أصابعِه، فاهتَزَّ أخضرَ.
فقال إبراهيمُ: هو للَّهِ إذن ذبيحًا (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿فَضَحِكَتْ﴾.
يعني: سارةُ لمَّا عَرَفت من أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه، ولِما تعلمُ من قومِ لوطٍ، فبشَّروها بإسحاقَ، ومن وَراءِ إسحاقَ يعقوبَ؛ بابنٍ وبابنِ ابنٍ، فقالت وصَكَّت وجهَها.
يُقالُ: ضَرَبتْ على جَبينها: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ (٣) وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، إلى قولِه: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٤).
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: (ومن ورَاءِ إسحاقَ يعقوبُ) برفعِ يعقوبَ (٥)، بنيَّةِ (٦) ابتداءِ الكلامِ بقولِه: (ومن ورَاءِ إسحاقَ يعقوبُ)، وذلك وإن كان خبرًا مبتدأً، ففيه دلالةٌ على معنى التبشيرِ (٧).
وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ والشامِ: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ نصبًا (٨).
فأما الشاميُّ منهما، فذُكِر أنه كان يَنحو بـ "يعقوبَ" نحوَ النصبِ، بإضمارِ فعلٍ آخرَ مُشاكِلٍ للبشارةِ، كأنه قال: ووهَبنا لها (٩) من وَراءِ إسحاقَ يعقوبَ، فلما لم يظهَرْ "وَهَبنا"، عَمِل فيه التبشيرُ (١٠)، وعُطِف به (١١) على موضعِ إسحاقَ، إذ كان إسحاقُ وإن كان مخفوضًا (١)، فإنه بمعنى المنصوبِ، بعملِ "بشَّرنا" فيه، كما قال الشاعرُ جريرٌ (٢): جِئْني بمِثلِ بني بَدرٍ لقومِهم … أو مِثلِ أُسرةِ منظورِ بنِ سيَّارِ أو عامرِ بنِ طُفيلٍ في مُركَّبِه … أو حارِثًا يومَ نادى القومُ يا حَارِ (٣) وأما الكوفيُّ منهما، فإنه قرَأه بتأويلِ الخفضِ، فيما ذُكر عنه، غيرَ أنه نَصَبه لأنه لا يُجرَى.
وقد أنكَر ذلك أهلُ العلمِ بالعربيةِ، من أجلِ دخولِ الصفةِ (٤) بينَ حرفِ العطفِ والاسمِ، وقالوا: خطأٌ أن يقالَ: مررتُ بعمرٍو في الدارِ، وفي البيتِ زيدٍ.
وأنت عاطفٌ بزيدٍ على عمرٍو، إلا بتكريرِ (٥) الباءِ وإعادتِها، فإن لم تُعَدْ كان وجهُ الكلامِ عندَهم الرفعَ، وجازَ النصبُ، فإن قُدِّم الاسمُ على الصفةِ جازَ حينَئذٍ الخفضُ، وذلك إذا قيل (٦): مَررْتُ بعمرٍو في الدارِ، وزيدٍ في البيتِ.
وقد أجازَ الخفضَ، والصفةُ معترضةٌ بينَ حرفِ العطفِ والاسمِ، بعضُ نحويِّي أهلِ (٧) البصرةِ.
وأولى القراءتَين في ذلك بالصوابِ عندي قراءةُ مَن قرَأه رفعًا (١)؛ لأن ذلك هو الكلامُ المعروفُ من كلامِ العربِ، والذي لا يَتَناكرُه أهلُ العلمِ بالعربيةِ، وما عليه قرأةُ الأمصارِ.
فأما النصبُ فيه، فإن له وجهًا (٢)، غيرَ أني لا أحبُّ القراءةَ به؛ لأن كتابَ اللَّهِ نَزَل بأفصحِ ألسُنِ العربِ، والذي هو أولى [بأهلِ العلمِ] (٣) [أن يتلوه] (٤) بالذي نزَل به من (٥) الفصاحةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالت سارةُ لما بُشِّرَت بإسحاقَ أنها تَلِدُ، تَعَجُّبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بَلَغت السنَّ التي لا يَلِدُ من كان قد بلَغَها من الرجالِ والنساءِ، وقيل: إنها كانت يومَئذٍ ابنةَ تسعٍ وتسعين سنةً، وإبراهيمُ ابنَ مائةِ سنةٍ.
وقد ذكرتُ الروايةَ بما (٦) رُوى في ذلك عن مجاهدٍ قبلُ (٧).
وأما ابنُ إسحاقَ، فإنه قال [في ذلك ما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال] (٨): كانت سارَةُ [يومَ بُشِّرت بإسحاقَ] (٩)، فيما ذكَر لي بعضُ أهلِ العلمِ، ابنةَ تسعين سنةً، وإبراهيمُ ابنَ عشرين ومائةِ سنةٍ (١) -: ﴿يَاوَيْلَتَى﴾، وهي كلمةٌ تقولُها العربُ عندَ التعجبِ مِن الشيءِ، أو الاستنكارِ للشيءِ، فيقولون عندَ التعجبِ: ويلُ امِّه رجلًا ما أرجَلَه!
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في هذه الألفِ التي في ﴿يَاوَيْلَتَى﴾.
فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: هذه ألفٌ خفيفةٌ (٢)، إذا وقفتَ قلتَ: يا ويلتاه.
وهى مثلُ ألفِ النُّدبةِ، فلُطِّفت من أن تكونَ في السَّكتِ، وجُعِلت بعدَها الهاءُ لتكونَ أبينَ لها وأبعدَ في الصوتِ؛ وذلك أن الألفَ إذا كانت بينَ حرفَين، كان لها صدًى، كنحوِ الصوتِ يكونُ في جوفِ الشيءِ فيتردَّدُ فيه، فيكونُ أكثرَ وأبينَ.
وقال غيرُه: هذه ألفُ النُّدبةِ، فإذا وقفتَ عليها فجائزٌ.
وإن وقفتَ على الهاءِ فجائزٌ.
وقال: ألا تَرَى أنهم قد وَقَفوا على قولِه: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١]، فحَذَفوا الواو وأثبَتوها (٣)، وكذلك: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤] بالياءِ، وغيرِ الياءِ (٤).
قال: وهذا أقوى من ألفِ النُّدبةِ وهائِها.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا، أن هذه الألفَ ألفُ النُّدبةِ، والوقفُ عليها بالهاءِ وغيرِ الهاءِ جائزٌ في الكلامِ؛ لاستعمالِ العربِ ذلك في كلامِها.
وقولُها (١): ﴿أَأَلِدُ (٢) وَأَنَا عَجُوزٌ﴾.
تقولُ: أنَّى يكونُ لي ولدٌ ﴿وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾.
والبعلُ في هذا الموضعِ الزوجُ، وسُمِّيَ بذلك لأنه قَيِّمُ أمرِها، كما سَمَّوا مالكَ الشيء بعلَه، وكما قالوا للنخلِ الذي (٣) يستَغنِي (٤) بماءِ السماءِ عن سَقيِ ماءِ الأنهارِ والعيونِ: البعلُ؛ لأن مالكَ الشيءِ القيِّمُ به، والنخلُ البعلُ، بماءِ السماءِ حياتُه.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾.
يقولُ جلَّ ذِكره: إن كونَ الولدِ من مِثلي ومثلِ بَعْلي، على السنِّ التي نحن بها، لشيءٌ عجيبٌ.
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.
يقولُ ﷿: قالت الرسلُ لها: أتعجَبين مِن أمرٍ (٥) أمَر اللَّهُ به أن يكونَ، وقضاءٍ قَضاه اللَّهُ فيكِ وفي بعلِك؟!
وقولُه: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾.
يقولُ: رحمةُ اللَّهِ وسعادتُه لكم أهلَ بيتِ إبراهيمَ.
وجُعِلت الألفُ واللامُ خَلَفًا من الإضافةِ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾.
يقولُ: إن اللَّهَ ﷿ محمودٌ في تَفَضُّلِه عليكم بما تفضَّلَ به من النِّعَمِ عليكم (٦) وعلى سائرِ خلقِه، ﴿مَجِيدٌ﴾.
يقولُ: ذو مجدٍ ومَدحٍ وثناءٍ كريمٍ.
يقالُ في "فَعُلَ" منه: مَجُدَ الرجلُ يَمجُدُ مَجادةً.
إذا صارَ كذلك.
وإذا أردتَ أنك مَدَحتَه قلتَ: مجَّدتُه تمجيدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾.
يقولُ ﷿: فلما ذَهَب عن إبراهيمَ الخوفُ الذي أوجَسَه في نفسِه مِن رُسُلِنا، حينَ رأى أيديَهم لا تَصِلُ إلى طعامِه، وأَمِنَ أن يكونَ قُصِد في نفسِه وأهلِه بسوءٍ، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ - ظلَّ ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال بعضُ (١) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾.
يقولُ: ذَهَب عنه الخوفُ، ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ، ويعقوبَ - ولدٌ من صُلبِ إسحاقَ - وأمِن مما كان يخافُ، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ (٣) [إبراهيم: ٣٩].
وقد قيل: معنى ذلك: وجاءته البُشرى؛ أنهم ليسوا إياه يريدون.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾.
قال: حينَ أخبَروه أنهم أُرسلوا إلى قومِ لوطٍ، وأنهم ليسوا إياه يريدون (١).
قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، قال: قال (٢) معمرٌ.
وقال آخرون: بشِّر بإسحاقَ (٣).
وأما ﴿الرَّوْعُ﴾ فهو الخوفُ، يقالُ منه: راعَني كذا يَرُوعُني رَوعًا.
إذا خافَه.
ومنه قولُ النبيِّ ﷺ لرجلٍ (٤): "كيف لك برَوْعةِ المؤمنِ؟
" (٥): ومنه قولُ عنترةَ (٦): ما رَاعَني إِلَّا حَمولَةُ أهلِها … وَسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حبَّ الخِمخِمِ (٧) بمعنى: ما أفزغَني.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الرَّوْعُ﴾: الفَرَقُ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾.
قال: الفَرَقُ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال (٢): أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾.
[قال: الفَرَقُ] (٣) (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ] (٣)﴾.
يقولُ (٥): ذَهب عنه الخوفُ (٦).
وقولُه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يُخاصِمُنا.
كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٧): ﴿يُجَادِلُنَا﴾.
قال (٨): يُخاصِمُنا.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٩).
وزَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾: يُكلِّمُنا، وقال: لأن إبراهيمَ لا يُجادلُ اللَّهَ، إنما يسألُه ويطلبُ إليه (١).
وهذا من الكلامِ جهلٌ؛ لأن اللَّهَ ﷿ أخبرَنا في كتابهِ أنه يُجادِلُ في قومِ لوطٍ، فقولُ القائلِ: إبراهيمُ لا يُجادِلُ اللَّهَ (٢) - مُوهِمًا بذلك أن قولَ من قال في تأويلِ قولِه: ﴿يُجَادِلُنَا﴾.
يُخاصمُنا، أن إبراهيم كان يُخاصِمُ ربَّه - جهلٌ من الكلامِ، وإنما كان جِدالُه الرسلَ على وجهِ المُحاجَّةِ لهم.
ومعنى ذلك: وجاءته البُشرى يُجادِلُ رُسُلَنا، ولكنه لمّا عُرِف المرادُ من الكلامِ حَذَف الرُّسُلَ.
وكان جدالُه إياهم كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، قال: ثنا جعفرٌ، عن سعيدٍ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
قال: لما جاءه (٣) جبريلُ ومن معه قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١].
قال لهم إبراهيمُ: أتُهلِكون قريةً فيها أربعُمائةِ (٤) مؤمنٍ؟
قالوا: لا.
قال: أفتُهلكون قريةً فيها ثلاثُمائةِ مؤمنٍ؟
قالوا: لا.
قال أفتُهلكون قريةً فيها مائتا مؤمنٍ؟
قالوا: لا.
قال: أفتُهلكون قريةً فيها أربعون مؤمنًا؟
قالوا: لا.
قال: أفتُهلكون قريةً فيها أربعةَ عشرَ مؤمنًا؟
قالوا: لا.
قال (٥): وكان إبراهيمُ يَعُدُّهم أربعةَ عشرَ بامرأةِ لوطٍ، فسكَتَ عنهم واطمأنَّت نفسُه (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال المَلَكُ لإبراهيمَ: إن كان فيها خمسةٌ يُصلُّون، رُفِع عنهم العذابُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾: ذُكر لنا أن مُجادلتَه إيَّاهم أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيها خمسون من المؤمنين، أمُعذِّبُوها أنتم؟
قالوا: لا.
حتى صار ذلك إلى عشرةٍ.
قال: أرأيتُم إن كان فيها عشرةٌ، أمُعذِّبوهم أنتم؟
قالوا: لا وهي ثلاثُ قرًى، فيها ما شاء اللَّهُ من الكثرةِ والعددِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
قال: بَلَغنا أنه قال لهم يومَئذٍ: أرأيتُم إن كان فيهم خمسون من المسلمين؟
قالوا: وإن كان فيهم (٢) خمسون [من المسلمين] (٣) لم نعذِّبْهم.
قال: و (٤) وأربعون؟
قالوا: وأربعون.
قال: ثلاثون؟
قالوا: و (٥) ثلاثون.
حتى بَلَغ عشرةً.
قالوا: وإن كان فىهم عشرةٌ.
قال: ما قومٌ لا يكونُ فيهم عشرةٌ فيهم خيرٌ (٦).
قال ابنُ عبدِ الأعلى: قال محمدُ بنُ ثورٍ: قال معمرٌ: وبَلَغنا أنه كان في قريةِ لوطٍ أربعةُ آلافِ ألفِ إنسانٍ، أو ما شاء اللَّهُ من ذلك (١).
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ - ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [الحجر: ٥٧]؟
قالوا: إنا أُرسِلنا إلى قومِ لوطٍ.
فجادَلهم في قومِ لوطٍ.
فقال: أرأيتُم إن كان فيها مائةٌ من المسلمين أتُهلِكونهم؟
قالوا: [لا.
قال] (٢): فلم يَزَلْ يحُطُّ، حتى بلَغ عشرةً من المسلمين.
فقالوا: لا تُعذِّبُهم إن كان فيهم عشرةٌ من المسلمين.
ثم قالوا: يا إبراهيمُ أعرِض عن هذا، إنه ليس فيها إلا أهلُ بيتٍ مِن المؤمنين، هو لوطٌ وأهلُ بيتِه، وهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾.
فقالت الملائكةُ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾.
يعني: إبراهيمَ، جادلَ عن قومِ لوطٍ، [ليَرُدَّ عنهم] (٣) العذابَ.
قال: فيزعُمُ أهلُ التوراةِ أن مُجادلةَ إبراهيمَ إيَّاهم، حينَ جادلَهم في قومِ لوطٍ، ليَرُدَّ عنهم العذابَ، إنما قال للرسُلِ فيما يُكلِّمهم به: أرأيتُم إن كان فيهم مائةُ مؤمنٍ أتُهلِكونهم؟
قالوا: لا.
قال: أفرأيتُم إن كانوا تسعين؟
قالوا: لا.
قال: أفرأيتُم إن كانوا ثمانين؟
قالوا: لا.
قال: أفرأيتُم إن كانوا سبعين؟
قالوا: لا.
قال أفرأيتُم إن كانوا ستين؟
قالوا: لا.
قال: أفرأيتُم إن كانوا خمسين؟
قالوا: لا.
قال : أفرأيتُم إن كان رجلًا واحدًا مسلمًا؟
قالوا: لا.
قال: فلما لم يذكروا لإبراهيمَ أن فيها مؤمنًا واحدًا قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾.
يدفَعُ به عنهم العذابَ.
﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٢].
قالوا: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال إبراهيمُ: أتُهلِكونهم إن وجدتُم فيها (١) مائةَ مؤمنٍ؟
ثم تسعين (٢)، حتى هبَط إلى خمسةٍ.
قال: وكان في قريةِ لوطٍ أربعةُ آلافِ ألفٍ.
حدَّثني محمدُ بن عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوانُ، قال: ثنا أبو المُثنَّى ومسلمٌ أبو حِسْبةَ (٣) الأشجعيُّ، قالا: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال إبراهيمُ: أتعذِّبُ عالَمًا من عالمِك كثيرًا وفيهم مائةُ رجلٍ يعبدُك (٤)؟
قال: لا وعزَّتي، ولا خمسين.
قال: فأربعين؟
فثلاثين؟
حتى انتهى إلى خمسةٍ.
قال: لا وعزَّتي، لا أُعذِّبُهم، ولو كان فيهم خمسةٌ يَعبُدُونني.
قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٥) [الذاريات: ٣٦] لوطًا وابنتَيه.
قال: فحلَّ بهم (١) العذابُ.
قال اللَّهُ ﷿: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧].
وقال: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا﴾ (٢).
والعربُ لا تكادُ تتَلقَّى "لمَّا"، إذا وَلِيها فعلٌ ماضٍ، إلا بماضٍ، يقولون: لمَّا قامَ قُمتُ.
ولا يكادون يقولون: لمَّا قامَ أقومُ.
وقد يجوزُ فيما كان من الفعلِ له تَطاوُلٌ، مثلَ الجدالِ والخصومةِ والقتالِ، فيقولون في ذلك: لمَّا لَقِيتُه أقاتِلُه.
بمعنى: قاتلتُه (٣).
وقولُه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن إبراهيمَ لبَطِيءُ الغضبِ، متذلِّلٌ لربِّه، خاشعٌ له، مُنقادٌ لأمرِه، ﴿مُنِيبٌ﴾ رَجَّاعٌ إلى طاعتِه.
كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾.
قال: القانِتُ الرجَّاعُ.
وقد بيَّنَّا معنى الأوَّاهِ فيما مضَى، باختلافِ المختلفِين، والشواهدَ على الصحيحِ منه عندَنا من القولِ بما أغنَى عن إعادتِه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قولِ رُسُلِه لإبراهيمَ: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾.
وذلك قيلُهم له حينَ جادلَهم في قومِ لوطٍ، فقالوا له: دع عنك الجِدالَ في أمرِهم، والخُصومةَ فيه، فإنه قد جاء أمرُ ربِّك بعذابِهم، وحقَّ عليهم كلمةُ العذابِ، ومضَى فيهم بهلاكِهم القضاءُ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
يقولُ: وإن قومَ لوطٍ نازلٌ بهم عذابٌ من اللَّهِ غيرُ مدفوعٍ عنهم (١)، وقد ذكَرنا (٢) الروايةَ بما ذَكرنا فيه عمن ذُكِر ذلك عنه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾.
يقولُ ﷿: ولمَّا جاءت ملائكتُنا لوطًا، ساءَه مَجِيئُهم، وهو "فُعِل"، مِن السُّوءِ، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ﴾.
بمجيئِهم (٤)، ﴿ذَرْعًا﴾.
يقولُ: وضاقَت نفسُه غَمًّا بمَجيئِهم.
وذلك أنه لم يكُنْ يعلمُ أنهم رُسُلُ اللَّهِ في حالِ ما ساءَه مجيئُهم، وعلِم مِن قومِه ما هم عليه مِن إتْيانِهم الفاحشةَ، وخافَهم (٥) عليهم، فضاقَ مِن أجلِ ذلك لمَجيئِهم (٦) ذَرْعًا، وعلِم أنه سيحتاجُ إلى المُدافعةِ عن أضْيافِه؛ ولذلك قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾.
يقولُ: ساءَ ظَنًّا بقومِه، وضاقَ ذرعًا بأضْيافِه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ، أنه قال: لما جاءتِ الرسلُ لوطًا أتَوه وهو في أرضٍ له يعملُ فيها، وقد قيل لهم، واللَّهُ أعلمُ: لا تُهْلِكوهم حتى يَشْهَدَ عليهم (٢) لوطٌ.
قال: فأتَوه فقالوا: إنا مُتَضَيِّفوك (٣) الليلةَ.
فانطَلَق بهم، فلما مشَى (٤) ساعةً التفَتَ، فقال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ؟
واللَّهِ ما أعلمُ على ظهرِ الأرضِ أُناسًا أخبثَ منهم.
قال: فمضَى معهم.
ثم قال الثانيةَ مثلَ ما قال، فانطَلَق بهم، فلمَّا بَصُرَت بهم (٥) عجوزُ السَّوْءِ امرأتُه، انطَلَقَت فأنْذَرَتهم (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال حذيفةُ، فذكَر نحوَه (٧).
حدَّثنا ابنُ (١) حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ (٢)، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال: أَتَتِ الملائكةُ لوطًا وهو في مَزْرعةٍ له، وقال اللَّهُ لملائكتِه (٣): إن شهِد لوطٌ عليهم أربعَ شهاداتٍ، فقد أَذِنْتُ لكم في هَلَكتِهم.
فقالوا: يا لوطُ، إنا نريدُ أن نَضِيفَك الليلةَ.
فقال: وما بلَغكم (٤) أمرُهم؟
قالوا: وما أمْرُهم؟
فقال: أشهدُ باللَّهِ إنها لشَرُّ قريةٍ في الأرضِ عملًا.
يقول ذلك أربعَ مراتٍ، فشَهِد عليهم لوطٌ أربعَ شهاداتٍ، فدخَلوا معه منزلَه (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: خرَجت الملائكةُ مِن عندِ إبراهيمَ نحوَ قريةِ لوطٍ، فأَتَوها نصفَ النهارِ، فلمَّا بلَغوا نهرَ سَدُومَ لَقُوا ابنةَ لوطٍ تَسْتَقِي مِن الماءِ لأهلِها، وكانت له ابنتان، اسمُ الكُبرى ريثا، والصُّغْرى زُغرتا (٦)، فقالوا لها: يا جاريةُ، هل مِن منزلٍ؟
قالت: نعم، فَمكانَكم لا تدخُلوا حتى آتِيَكم.
فَرِقَتْ عليهم مِن قومِها فأتَتْ أباها، فقالت: يا أبتاه، أرادَك فِتْيانٌ على بابِ المدينةِ، ما رأيتُ وجوهَ قومٍ أحسنَ منهم، لا يأخُذْهم قومُك فيَفْضَحوهم - وقد كان قومُه نَهَوه أن يُضِيفَ رجلًا، فقالوا: خَلِّ عَنَّا فلنُضِفِ الرجالَ - فجاء بهم، فلم يعلَمْ أحدٌ إلا أهلُ بيتِ لوطٍ، فخرَجت امرأتُه، فأخْبَرَت قومَها، قالت: إن في بيتِ لوطٍ رجالًا ما رأيتُ (١)؛ مثلَ وجوهِهم قَطُّ.
فجاءه قومُه يُهْرَعون إليه (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: خرَجت الرسلُ - فيما يزعمُ أهلُ التوراةِ - مِن عند إبراهيمَ إلى لوطٍ بالمؤتفِكةِ، فلما جاءتِ الرسلُ لوطًا سِيءَ بهم، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، وذلك مِن خوفِ (٣) قومِه عليهم، أن يَفْضَحُوه في ضيفِه، فقال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
وأما قولُه: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
فإنه يقولُ: وقال لوطٌ: هذا اليومُ يومٌ شديدٌ شَرُّه، عظيمٌ بَلاؤُه.
يقالُ منه: عصِب يومُنا هذا يَعْصَبُ عَصَبًا، ومنه قولُ عديِّ بنِ زيدٍ (٤): وكنتُ لِزَازَ (٥) خَصْمِكَ لم أُعَرِّدْ (٦) … وقد سَلَكُوكَ في يومٍ عَصِيبِ وقولُ الراجزِ (٧): يومٌ عصيبٌ يَعْصِبُ الأبْطالَا عَصْبَ القَوِيِّ السَّلَمَ الطِّوَالَا وقولُ الآخرِ (١): وإنَّك إلا تُرْضِ بكرَ بنَ وائلٍ … يكُنْ لك يومٌ بالعراقِ عَصِيبُ وقال كعبُ بن جُعيلٍ (٢): ويُلِبُّون (٣) بالحَضِيضِ (٤) قِيامٌ (٥) … عارِفاتٌ منه بيَوْمٍ عَصِيبِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
يقولُ: شديدٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
أي: يومُ بلاءٍ وشدةٍ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: شديدٌ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾.
أي: يومٌ شديدٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾.
يقولُ ﷿: وجاء لوطًا قومُه يُسْتَحَثُّون إليه، يُرْعَدون مع سرعةِ (٣) المَشْيِ، مما بهم مِن طلبِ الفاحشةِ.
يقالُ: أُهْرِعَ الرجلُ مِن بردٍ أو غضبٍ أو حُمَّى: إذا أُرْعِد، وهو مُهْرعٌ.
إذا كان مُعْجَلًا حريصًا، كما قال الراجزُ (٤): * بمُعْجَلاتٍ نحوَه مَهارِعُ * ومنه قولُ مُهَلهَلٍ (٥): فجاءوا يُهْرَعون وهم أُسارَى … تَقودُهُمُ على رَغْمِ الأُنُوفِ وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قال: يُهَرْوِلون إليه (١)، وهو الإسراعُ في المشيِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ والمحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قال: يَسْعَون إليه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: فأَتَوه يُهْرَعون إليه، يقولُ: سِراعًا إليه (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قال: يُسْرِعون إليه (٥).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: يُسْرِعون إليه المشيَ (١).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قال: يُهَرْوِلون في المَشْيِ.
قال سفيانُ: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: يُسْرِعون إليه.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال سفيانُ بنُ عُيينةَ في قولِه: ﴿يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾.
قال: كأنهم يُدْفَعون (٢) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، قال: ثنا حفصُ بنُ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: أقبَلوا يُهرَعون (٣) مشيًا بينَ الهَرْولةِ (٤) والجَمْزِ (٥) (٦).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ﴾.
يقولُ: مُسْرِعين (٧).
وقولُه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
[يقولُ: و (١) مِن قبلِ مجيئِهم إلى لوطٍ، كانوا] (٢) يَأْتون الرجالَ [في أدْبارِهم] (٣).
كما حدَّثنا القاسمٌ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: يَأْتون الرجالَ.
وقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾.
يقولُ ﷿: قال لوطٌ لقومِه لمَّا جاءوه يُراوِدونه عن ضيفِه: هؤلاء يا قومِ بناتي - يعني: نساءَ أُمَّتِه - انكِحوهن (٤)، ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال: أمَرهم لوطٌ بتزويجِ النساءِ، وقال: هنَّ أطهرُ لكم (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: وبَلَغني هذا أيضًا عن مجاهدٍ (٦).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، [قال: ثنا أبي، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ] (٧)، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال: لم يَكُنَّ بناتِه، ولكنْ كُنَّ مِن أُمتِه، وكلُّ نبيٍّ أبو أمَّتِه (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي [نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٢) في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال: أمَرهم أن يتزوَّجوا النساءَ، لم يَعْرِضْ عليهم سِفاحًا (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ: سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال (٤): ما عَرَض عليهم نِكاحًا ولا سِفاحًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
قال: أمَرهم أن يَتزوَّجوا النساءَ، وأراد نبيُّ اللَّهِ أن يَقِيَ أضيافَه ببناتِه (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبرَنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني التزويجَ (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ شَبيبٍ الزَّهْرانيُّ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِ (٧) لوطٍ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾: يعني نساءَهم (١)، هنَّ بَناتُه، هو نبيُّهم، وقال: في بعضِ القراءةِ: (النَّبِيُّ أوْلى بالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ) (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: قالوا: أوَ لم نَنْهَك أن تُضَيِّفَ العالمين؟
قال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ إِنْ كنتُم فاعِلين، ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٣)؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا جاءت الرسلُ لوطًا أقبَل قومُه إليهم حينَ أُخْبِروا بهم، يُهْرَعون إليه، فيَزْعُمون، واللَّهُ أعلمُ، أن امرأةَ لوطٍ هي التي أخبرَتْهم بمكانِهم، وقالت: إن عندَ (٤) لوطٍ لَضَيْفًا (٥) ما رأيتُ أحسنَ ولا أجملَ منهم قَطُّ.
وكانوا يَأْتون الرجالَ شهوةً مِن دونِ النساءِ، فاحشةٌ لم يَسْبِقُهم بها أحدٌ من العالمين.
فلما جاءوه قالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠] أي: ألم (٦) نَقُلْ لك: لا يَقْرَبَنَّك أحدٌ؟
فإنا لن نَجِدَ عندَك أحدًا إلا فَعَلْنا به الفاحشةَ.
قال: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾، فأنا أَفْدِي ضَيْفي منكم بهنَّ، ولم يَدْعُهم إلا إلى الحلالِ مِن النكاحِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾.
قال: النساءُ.
واختَلفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ فقرَأته عامةُ القرأةِ برفعِ: ﴿أَطْهَرُ﴾، على أن جَعَلوا "هنَّ" اسمًا، و ﴿أَطْهَرُ﴾ خبرَه، كأنه قال (١): بناتي أطهرُ لكم مما تُريدون مِن الفاحشةِ مِن الرجالِ.
وذُكِر عن [عيسى بنِ عمرَ] (٢) البصريِّ أنه كان يقرأُ ذلك: (هُنَّ أَطْهَرَ لكم) بنصبِ "أطهرَ" (٣).
وكان بعضُ نحويِّي أهلِ (٤) البصرةِ يقولُ: هذا لا يكونُ، إنما يُنْصَبُ خبرُ الفعلِ الذي لا يَسْتَغْني عن خبرٍ (٥)، إذا كان بينَ الاسمِ والخبرِ هذه الأسماءُ المضمرةُ.
وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: مَن نَصَبه جَعَله نكرةً خارجةً مِن المعرفةِ، فيكونُ (٦) قولُه: ﴿هُنَّ﴾ (٧).
عمادًا للفعلِ، فلا يُعْمِلُه.
وقال آخرُ منهم: مسموعٌ مِن العربِ: هذا زيدٌ إياه بعينِه.
قال (٧): فقد جَعَله خبرًا (١) لهذا، مثلَ قولِك: كان عبدُ اللَّهِ إياه بعينِه (٢).
وإنما لم يَجُزْ أن يقَعَ الفعلُ ههنا؛ لأن التقريبَ (٣) ردُّ كلامٍ، فلم يَجْتَمِعا؛ لأنه يَتناقَضُ؛ لأن ذلك إخبارٌ عن معهودٍ، [وهذا إخبارٌ عن] (٤) ابتداءِ ما هو فيه: هأنذا حاضرٌ، أو (٥) زيدٌ هو العالمُ.
فيناقِضُ (٦) أن يُدخِلَ المعهودَ على الحاضرِ؛ فلذلك لم يَجُزْ.
والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها في ذلك الرفعُ: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾؛ لإجماعِ الحجةِ مِن قرأةِ الأمصارِ عليه، مع صحتِه في العربيةِ، وبُعْدِ النصبِ فيه مِن الصحةِ.
وقولُه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾.
يقولُ: فاخشَوُا اللَّهَ، أيُّها الناسُ، واحْذَروا عقابَه في إتْيانِكم الفاحشةَ التي تَأْتونها وتَطْلُبونها، ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾.
يقولُ: ولا تُذِلُّوني بأن تَرْكَبوا مني في ضَيْفي ما يَكْرَهون أن تَرْكَبوه منهم.
والضيفُ في لفظِ واحدٍ في هذا الموضعِ، بمعنى جميعٍ (٧)، والعربُ تُسَمِّي الواحدَ والجمعَ ضيفًا، بلفظِ واحدٍ، كما قالوا: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ.
وقولُه ﷿: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾؟
يقولُ: أليس منكم رجلٌ ذو رُشْدٍ، يَنْهَى مَن أراد ركوبَ الفاحشةِ مِن ضَيْفي، فيحولَ بينَهم وبينَ ذلك؟
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾.
أي: رجلٌ يعرِفُ الحقَّ، [يأمرُ بالمعروفِ] (٢)، ويَنْهَى عن المنكرِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.
يقولُ ﷿: قال قومُ لوطٍ للوطٍ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا لوطُ ﴿مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾؛ لأنهن لسنَ لنا أزواجًا.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾.
أي: مِن أزواجٍ (٤).
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
يقولُ: قالوا: وإنك لتعلمُ يا لوطُ أنّ حاجتَنا في غيرِ بناتِك، وأنّ الذي نريد هو ما تَنْهانا عنه.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
إنا نريدُ الرجالَ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾.
أي: إن بُغْيتَنا لغيرُ ذلك (٢).
فلمَّا لم يَتَناهَوا، ولم يَرُدَّهم قولُه، ولم يَقْبَلوا منه شيئًا مما عرَض عليهم مِن أمرِ (٣) بناتِه قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾.
يقولُ ﷿: قال لوطٌ لقومِه حينَ أَبَوا إلا المُضِيَّ لِما قد جاءوا له مِن طلبِ الفاحشةِ، ويئِس (٤) مِن أن يَسْتَجِيبوا له إلى شيءٍ مما عرَض عليهم: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ بأنصارٍ تَنْصُرُني عليكم، وأعوانٍ تُعِينُني، ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
يقولُ: أو أنضَمُّ إلى عشيرةٍ مانعةٍ تَمْنَعُني منكم، لحُلْتُ بينَكم وبينَ ما جئتُم تُرِيدونه مِنِّي في أضْيافي.
وحُذِف جوابُ لو لدَلالةِ الكلامِ عليه، وأن معناه مفهومٌ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
يقولُ: إلى جُنْدٍ (١) شديدٍ، لَقاتَلْتُكم (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: العشيرةُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: العشيرةُ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: إلى ركنٍ مِن الناسِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قولُه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: بَلَغَنا أنه لم يُبْعَثُ نبيٌّ بعدَ لوطٍ إلا في ثَرْوَةٍ (٥) مِن قومِه (٦)، حتى النبيُّ ﷺ (٧).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
أي: عشيرةٍ تَمْنَعُني أو شيعةٍ تَنْصُرُني، لحَلْتُ بينَكم وبينَ هذا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: يعني به العشيرةَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، أن هذه الآيةَ لمَّا نَزَلت: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
[قال: فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ"] (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "رَحِمَ اللَّهُ أخي لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ، فلأيِّ شيءٍ اسْتَكانَ" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عبدةُ وعبدُ الرحيمِ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "رحمةُ اللَّهِ على لوطٍ إن كان لَيَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ، إذ قال لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
ما بَعَث اللَّهُ بعدَه (٣) مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ من قومِه".
قال محمدٌ: والثَّرْوةُ الكثرةُ والمَنَعَةُ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٢).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني سليمانُ بنُ بلالٍ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٣).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن يونسَ، ابنِ يزيدَ، عن ابنِ شهابٍ الزهريِّ، قال: أخبرَني أبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال: "رحِم اللَّهُ لوطًا، لقد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ" (٤).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ وسعيدِ بنِ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ، قال (٥).
فذَكَر مثلَه (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ، عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال في قولِه: ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (١)﴾ "قد كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ (١) ".
يعني اللَّهَ ﷿، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فما بعَث اللَّهُ بعدَه مِن نبيٍّ إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه" (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن أبي يونسَ، سَمِع أبا هريرةَ يحدِّثُ (٣) عن النبيِّ ﷺ قال: "رَحِمَ اللَّهُ لوطًا، فإنه كان يَأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ" (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ؛ [سعيدُ بنُ الحكمِ] (٥)، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزنادِ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ الأعرجِ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان إذا قرَأ هذه الآيةَ، أو أتَى على هذه الآيةِ قال: "يرحَمُ (٧) اللَّهُ لوطًا، إن كان ليَأْوِي إلى ركنٍ شديدٍ".
وذُكِر لنا أن اللَّهَ ﷿ لم يَبْعَثْ نبيًّا بعدَ لوطٍ، ﵇، إلا في ثَرْوةٍ مِن قومِه، حتى بَعَث اللَّهُ نبيَّكم في ثروةٍ مِن (١) قومِه (٢).
يقالُ: من (١) ﴿آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أويتُ إليك، فأنا آوِي إليك أَوْيًا.
بمعنى صِرْتُ إليك وانضَمَمْتُ، كما قال الراجزُ (٣): يَأْوِي إِلى رُكْنٍ مِن الأَرْكَانِ في عَدَدٍ طَيْسٍ (٤) ومَجْدٍ بَانِ وقيل: إن لوطًا لمَّا قال [هذا القولَ] (٥)، وَجَدَت الرسلُ عليه لذلك.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: قال لوطٌ لهم (٦): ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
فَوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا (٧): إن رُكْنَك لشديدٌ (٨).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾.
يقولُ ﷿: قالت الملائكةُ للوطٍ لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
ورَأَوا ما لَقِيَ مِن الكَرْبِ بسببِهم منهم: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أُرْسِلنا لإهْلاكِهم، وإنهم لن يَصِلوا إليك، وإلى ضَيْفِك بمَكْروهٍ، فهَوِّنُ عليك الأمرَ، ﴿فَأَسْرِ (١) بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
يقولُ: فاخرُجْ مِن بينِ أظْهُرِهم أنت وأهلُك ببقيةٍ مِن الليلِ.
يقالُ منه: أَسْرى وسَرَى، وذلك إذا سارَ بليلٍ، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَسْرِ﴾؛ فقرأ ذلك عامةُ قرأةِ المكيِّين والمدنيِّين: (فاسْرِ)، وصلٌ؛ بغيرِ همزِ الألفِ، مِن "سَرَى".
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ: ﴿فَأَسْرِ﴾ (٢) بهمزِ الألفِ، مِن "أَسْرى" (٣).
والقولُ في ذلك عندي أنهما قراءتان قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما أهلُ قُدْوةٍ في القراءةِ، وهما لغتان مشهورتان في العربِ، معناهما واحدٌ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ في ذلك.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
فإن عامةَ القرأةِ مِن الحجازِ والكوفةِ، وبعضَ أهلِ البصرةِ، قَرءوا بالنصبِ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٤)، بتأويلِ: فأسْرِ بأهلِك إلا امرأتَك، وعلى أن لوطًا أُمِر أن يسْرِيَ بأهْلِه سِوى زوجتِه؛ فإنه نُهِي أن يسْرِيَ بها، وأُمِر بتَخْليفِها مع قومِها.
وقرَأ ذلك بعضُ البصريِّين (١): (إلَّا امْرَأَتُكَ) رفعًا، بمعنى: ولا يَلْتفِتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك، [وإن] (٢) لوطًا قد أخرجَها معه، وأنه نُهِي لوطٌ ومَن معه ممن أَسْرى معه، أن يَلْتفِتَ سِوى زوجتِه، وإنها التفتَتْ، فهَلَكت لذلك.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾.
يقولُ: إنه مصيبٌ امرأتَك ما أصابَ قومَك مِن العذابِ ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾.
يقولُ: إن موعدَ قومِك للهلاكِ (٣) الصبحُ.
فاسْتَبْطَأ ذلك منهم لوطٌ، وقال لهم: بل عَجِّلوا لهم الهلاكَ.
فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
أي: عندَ الصبحِ نزولُ العذابِ بهم.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
أي: إنما ينزلُ بهم مِن صُبْحِ ليلتِك هذه، فامضِ لِما تؤمَرُ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: فمَضَتِ الرُّسُلُ مِن عندِ إبراهيمَ إلى لوطٍ، فلما أَتَوا لوطًا، وكان مِن أمرِهم ما ذَكَر اللَّهُ ﷿، قال جبريلُ للوطٍ: يا لُوطُ، ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [العنكبوت: ٣١].
فقال لهم لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ.
فقال له جبريلُ ﵇: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟
فأُنزِلت على لوطٍ: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟
قال: فأَمَره أن يسْرِيَ بأهلِه بِقِطْعٍ مِن الليلِ، ولا يَلْتَفِتَ منهم أحدٌ إلا امرأتَه.
قال: فسارَ، فلما كانت الساعةُ التي أُهْلِكوا فيها أَدْخَل جبريلُ جناحَه فرفَعَها (١) حتى سَمِع أهلُ السماءِ صِياحَ الدِّيَكةِ ونُباحَ الكلابِ، فجَعَل عالِيَها سافلَها، وأمطَرَ عليها حجارةً مِن سِجِّيلٍ.
قال: وسَمِعَت امرأةُ لوطٍ الهَدَّةَ (٢)، فقالت: واقَوماه!
فأَدْرَكَها حجرٌ فقَتَلها (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن شِمْرِ بنِ عطيةَ، قال: كان لوطٌ أَخَذ على امرأتِه أن لا تُذِيعَ (٤) شيئًا مِن سِرِّ أضْيافِه.
قال: فلما دخَل عليه جبريلُ، ﵇، ومَن معَه، رَأَتهم (٥) في صورةٍ لم تَرَ مثلَها [قَطُّ، فانطَلَقت] (٦) تَسْعى إلى قومِها، فأتَتِ النادِيَ، فقالت بيدِها هكذا، وأقْبَلوا يُهْرَعون مَشْيًا بينَ الهرولةِ والجَمْزِ (٧)، فلما انتَهَوا إلى لوطٍ، و (٨) قال لهم لوطٌ ما قال اللَّهُ ﷿ في كتابِه، قال جبريلُ: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾.
قال: فقال بيدِه، فطَمَس أعيُنَهم، قال (٨): فجَعَلُوا يَطْلُبونهم، يَلْمَسُون الحيطانَ وهم لا يُبْصِرون (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ، قال: لمَّا بَصُرتْ بهم - يعني بالرُّسُلِ - عجوزُ السَّوْءِ امرأتُه انطَلَقَت فأَنْذرَتهم، فقالت: قد تَضَيَّفَ لوطًا قومٌ، ما رأيتُ قومًا أحسنَ منهم (٢) وجوهًا.
قال: ولا أعْلَمُه إلا قالت: ولا (٣) أشدَّ بياضًا، وأطيبَ ريحًا.
قال: فأَتَوه يُهْرَعون إليه، كما قال اللَّهُ ﷿، فأَصْفَقَ (٤) لوطٌ البابَ.
قال: فجَعَلوا يُعالجونه.
قال: فاسْتأْذَنَ جبريلُ ربَّه في عقوبتِهم، فأَذِن له، فصَفَقَهم (٥) بجَناحِه، فتَرَكَهم عُمْيانًا يَتَرَدَّدون في أخبثِ ليلةٍ (٦) أَتَت عليهم قطُّ، فأخبَروه: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ … ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: ولقد ذُكِر لنا أنه كانت مع لوطٍ حينَ خَرَجَ مِن القريةِ امرأتُه، ثم سَمِعَت الصوتَ، فالتفَتَت، وأرسَل اللَّهُ ﷿ عليها حجرًا فأهْلَكَها (٧).
وقولُه: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾: فأرادَ نبيُّ اللَّهِ ما هو أعجلُ مِن ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن سعيدِ بنِ بشيرٍ، عن قتادةَ، قال: انطَلَقت امرأتُه - يعني امرأةَ لوطٍ - حينَ رَأَتهم - يعني حينَ رأتِ الرسلَ - إلى قومِها، فقالت: إنه قد ضافَه الليلةَ قومٌ ما رأيتُ مثلَهم قطُّ أحسنَ وجوهًا، ولا أطيبَ ريحًا، فجاءوا يُهْرَعون إليه، فبادَرَهم لوطٌ إلى أن يَرْحَمَهم (١) على البابِ، فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١].
فقالوا: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر: ٧٠].
فدَخَلوا على الملائكةِ، فتَناوَلَتهم الملائكةُ، فطَمَسَت أعينَهم.
فقالوا: يا لوطُ، جِئْتَنا بقومٍ سَحَرةٍ سَحَرونا، كما أنت حتى نصبحَ (٢).
قال: فاحتَمَل جبريلُ قُرَيَّاتِ لوطٍ الأربعَ، في كلِّ قريةٍ مائةُ ألفٍ، فرَفَعَهم على جَناحِه بينَ السماءِ والأرضِ، حتى سَمِع أهلُ السماءِ الدنيا أصواتَ دِيَكتِهم، ثم قَلَبهم، فجَعَل اللَّهُ عاليَها سافلَها (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال حذيفةُ: لمَّا دَخَلوا عليه، ذَهَبَت (٤) عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فأَتَتْ قومَها، فقالت: لقد تَضيَّفَ لوطًا الليلةَ قومٌ ما رأيتُ قومًا (٥) قطُّ أحسنَ وجوهًا منهم.
قال: فجاءوا يُسْرِعون، فعاجَلَهم لوطٌ (٦)، فقامَ مَلَكٌ فَلَزَّ (٧) البابَ، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأُذِنَ له، فضَرَبهم جبريلُ بجَناحِه، فتَرَكَهم عُميًا فباتُوا بشَرِّ ليلةٍ.
ثم قالُوا: (إِنَّا رُسُل رَبِّك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتُك (٨)).
قال: فبَلَغَنا أنها سَمِعَت صوتًا، فالتفَتَت فأصابَها حجرٌ، وهي شاذَّةٌ من القومِ، معلومٌ مكانُها (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن حذيفةَ بنحوِه، إلا أنه قال: فعالجهم (٢) لوطٌ (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا قال لوطٌ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
بسَط حينَئذٍ جبريلُ جَناحَه (٤)، ففَقَأَ أعينَهم، وخَرَجوا يدوسُ بعضُهم في آثارِ (٥) بعضٍ عُميانًا، يقولون: النَّجَاءَ النَّجَاءَ؛ فإنّ في بيتِ لوطٍ أَسْحَرَ قومٍ في الأرضِ.
فذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧].
وقالوا للوطٍ: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٦)، واتَّبِعْ أدبارَ أهلِك.
يقولُ: سِرْ بهم، ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥].
فأَخْرَجَهم اللَّهُ إلى الشامِ.
وقال لوطٌ: أهْلِكوهم الساعةَ.
فقالوا: إنا لم نؤمَرْ إلا بالصبحِ، أليس الصبحُ بقريبٍ؟!
فلما أن كان السَّحَرُ خَرَج لوطٌ وأهلُه معه (٧) امرأتُه.
فذلك قولُه: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ (٨) [القمر: ٣٤].
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، أنه سَمِع وهبَ بنَ منبهٍ يقولُ: كان أهلُ سَدُومَ الذين فيهم لوطٌ [قومَ سَوْءٍ] (١) قد اسْتَغْنَوا عن النساءِ بالرجالِ، فلما رأى اللهُ ذلك، بَعَث الملائكة ليُعَذِّبوهم، فأَتَوا إبراهيمَ، فكان مِن أمرِه وأمْرِهم ما ذَكَره اللهُ ﷿ فى كتابِه، فلما بَشَّروا سارَةَ بالولدِ، قاموا وقامَ معهم إبراهيمُ يَمْشى، قال: أخْبِروني، لِمَ بُعِثْتم وما خَطْبُكم؟
قالوا: إنا أُرْسِلنا إلى أهلِ سَدومَ لنُدمِّرَها؛ فإنهم (٢) قومُ سَوْءٍ، قد اسْتَغْنَوا بالرجالِ عن النساءِ.
قال إبراهيمُ: أرأيتم (٣) إنْ كان فيهم خمسون رجلًا صالحًا؟
قالوا: إذن لا نُعذِّبُهم.
[فلم يَزَلْ] (٤) يَنْقُصُ حتى قال: أهلُ البيتِ؟
قالوا: فإن كان فيها بيتٌ صالحٌ.
قال: فلوطٌ وأهلُ بيتِه؟
قالوا: إن امرأتَه هَوَاها معهم، فلما يَئِس إبراهيمُ انصَرَف، ومَضَوا إلى أهلِ سَدُومَ، فَدَخَلوا على لوطٍ، فلما رأَتْهم (٥) امرأتُه أَعْجَبَها حُسْنُهم وجمالُهم، فأرسَلَت إلى أهلِ القريةِ: إنه قد نَزَل بِنا قومٌ لم نَرَ (٦) قطُّ أحسنَ منهم ولا أجملَ.
فَتَسامعوا بذلك، فغَشَوا دارَ لوطٍ مِن كلِّ ناحيةٍ، وتَسَوَّروا عليهم الجدرانَ، فلَقِيَهم لوطٌ، فقال: يا قومِ، لا تَفْضَحونِ في ضَيْفى، وأنا أزوِّجُكم بناتى، فهنَّ أطهرُ لكم.
فقالوا: لو كُنَّا نريدُ بناتِك لقد عَرَفْنا مكانَهنَّ.
فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
فوَجَد عليه الرُّسُلُ، وقالوا: إن رُكْنَك لشديدٌ، ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾.
فمَسَح أحدُهم أعينَهم بجَناحِه (١)، فطَمَس أبصارَهم، فقالوا: سُحِرْنا، انْصَرِفوا بنا حتى نرجِعَ إليه.
فكان مِن أمرِهم ما قد قَصَّ اللهُ تعالى في القرآنِ (٢) فأدْخَل ميكائيلُ، وهو صاحبُ العذابِ، جَناحَه، حتى بَلَغ أسفلَ الأرضِ، فقَلَبَها، ونَزَلت حجارةٌ من السماءِ، فتَتَبَّعَت مَن لم يكنْ منهم في القريةِ حيثُ كانوا، فأهْلَكَهم اللهُ (٣)، ونَجَّى لوطًا وأهلَه، إلا امرأتَه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ و (٥) عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، عن حُذيفةَ، دَخَل حديثُ بعضِهم في بعضٍ، قال: كان إبراهيمُ، ﵇، يأتِيهم فيقولُ: وَيْحَكم!
أَنْهاكم عن اللهِ أنْ تَعَرَّضوا لعقوبتِه.
[فلم يطيعوا] (٦)، حتى إذا بَلَغ الكتابُ أجلَه لمحِلِّ عذابِهم، وسطواتِ الربِّ بهم، قال: فانتَهَت الملائكةُ إلى لوطٍ وهو يعملُ فى أرضٍ له، فدَعاهم إلى الضيافةِ، فقالوا: إنا مُضَيِّفوك الليلةَ.
وكان اللهُ تعالى ذكرُه عهِد إلى جبريلَ ﵇، أن لا يُعَذِّبَهم حتى يَشْهَدَ عليهم لوطٌ ثلاثَ شهاداتٍ، فلما تَوَجَّه بهم لوطٌ إلى الضيافةِ، ذكَر ما يعملُ قومُه مِن الشرِّ والدَّوَاهى العظامِ، فمشَى معهم ساعةً ثم التَفتَ إليهم، فقال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ!
ما أعلمُ على وجه الأرضِ شَرًّا منهم، أين أذهبُ بكم!
إلى قومى وهم شَرُّ خلقِ اللهِ!
فالتفت جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هذه واحدةٌ.
ثم مَشَى ساعةً، فلما تَوسَّطَ القريةَ وأشْفَقَ عليهم، واسْتَحْيى منهم، قال: أمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ!
ما (١) أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ شَرًّا منهم، إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ.
فالتفتَ جبريلُ إلى الملائكةِ، فقال: احْفَظوا، هاتان ثِنْتان.
فلما انتَهَى إلى بابِ الدارِ بَكَى حياءً منهم، وشَفَقَةً عليهم، وقال: إن قومى شَرُّ خلقِ اللهِ، أَمَا تَعْلَمون ما يعملُ أهلُ هذه القريةِ!
ما أعلمُ على وَجْهِ الأَرضِ أهلَ قريةٍ شرًّا منهم.
فقال جبريلُ للملائكةِ: احْفَظوا، هذه ثلاثٌ، قد حَقَّ العذابُ.
فلما دَخَلُوا ذَهَبَت عجوزُه، عجوزُ السَّوْءِ، فصعدت، فَلَوَّحت بِثَوْبِها، فأتاها الفُسَّاقُ يُهْرَعون سِراعًا.
قالوا: ما عندَكِ؟
قالت: ضَيَّفَ لوطٌ الليلةَ قومًا (٢) ما رأيتُ قطُّ (٣) أحسنَ وجوهًا منهم، ولا أطيبَ ريحًا منهم.
فهُرِعوا يُسارِعون (٤) إلى البابِ، فعالجهم (٥) لوطٌ على البابِ، فدافَعوه طويلًا، هو داخلٌ وهم خارجٌ، يُناشِدُهم اللهَ ويقولُ: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾.
فقامَ المَلكُ فَلَزَّ بالبابِ (٦)، يقولُ: فَسَدَّه، واسْتأْذَنَ جبريلُ في عقوبتِهم، فأَذِنَ اللهُ له، فقامَ في الصورةِ (٧) التي يكونُ فيها في السماءِ، فنَشَرَ جَناحَه، ولجبريلَ جَناحان، وعليه وِشاحٌ (٨) مِن دُرٍّ منظومٍ، وهو بَرَّاقُ الثنايا، أَجْلى الجَبينِ، ورأسُه حُبُكٌ حُبُكٌ (٩) مثلُ المرجانِ، وهو اللؤلؤُ، كأنه الثلجُ، وقَدَماه إلى الحضرةِ، فقال: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾، امْضِ (١) يا لوطُ مِن البابِ، ودَعْنى وإياهم.
فتنَحَّى لوطٌ عن البابِ، فخَرَج عليهم، فنَشَر جَناحَه، فضَرَب به وجوهَهم ضربةً شَدَخ أعينَهم، فصاروا عُمْيًا، لا يعْرِفون الطريقَ، ولا يهْتَدون إلى بيوتِهم، ثم أَمَر لوطًا، فاحْتَمَل بأهلِه مِن ليلتِه، قال: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لمَّا قال لوطٌ لقومِه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
والرُّسُلُ تسمعُ ما يقولُ وما يقالُ له، ويَرَون ما هو فيه مِن كَرْبِ ذلك، فلما رَأَوا ما بَلَغَه قالُوا: ﴿يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾.
أى: بشيءٍ تكرهُه، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾.
أى: إنما ينزلُ بهم العذابُ مِن صبحِ ليلتِك هذه، فامْضِ لِما تؤمَرُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظِيِّ، أنه حَدَّث، أن الرسلَ عند ذلك سَفَعُوا (٤) في وجوهِ القومِ (٥) الذين جاءوا لوطًا من قومِه يُراودونه عن ضَيْفه، فرَجَعوا عُميانًا.
قال: يقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ (١) [القمر: ٣٧].
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: بطائفةٍ من الليلِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: بطائفةٍ مِن الليلِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: جوفِ الليلِ (٤).
وقولُه: ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ [الحجر: ٦٥].
يقولُ: واتَّبِعْ أدبارَ أَهْلِك، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾.
كان (٥) مجاهدٌ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾.
قال: لا ينظُرْ وراءَه أحدٌ، ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ (٦).
ورُوِيَ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أنه كان يقرأُ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرأتَكَ).
حدَّثني بذلك أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن هارونَ، قال: في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا امْرَأَتَكَ) (١).
وهذا يدلُّ على صحةِ القراءةِ [في المرأةِ] (٢) بالنصبِ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما جاءَ أَمْرُنَا بالعذابِ، وقضاؤُنا فيهم بالهلاكِ، ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا﴾.
[يعنى: عالىَ] (٣) القريةِ (٤) سَافِلَهَا، ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾.
يقولُ: وأرسَلنا عليها ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾.
واختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ﴿سِجِّيلٍ﴾؛ فقال بعضُهم: هو بالفارسيةِ: سنكَ وكِلْ (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قال: بالفارسيةِ، أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها طينٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قال: فارسيةٌ أُعْرِبت سنكَ وكلْ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: السِّجِّيلُ الطينُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قالا: من طينٍ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، عن وهبٍ، قال: سِجِّيلٌ بالفارسيةِ: سنك وكل.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾: أما السِّجِّيلُ فقال ابنُ عباسٍ: هو بالفارسيةِ: سنْك وجِلْ، سَنْك هو الحجرُ، والجِلْ (١) هو الطينُ.
يقولُ: أَرْسَلْنا عليهم حجارةً من طينٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قال: طينٌ فى حجارةٍ (٢).
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قال: السماءُ الدنيا، قال: والسماءُ الدنيا اسمُها سجِّيلٌ (٣)، وهى التى أنزلَ اللهُ على قومِ لوطٍ (٤).
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ من البصريِّين يقولُ: السِّجِّيلُ، هو مِن الحجارةِ، الصلبُ الشديدُ، ومِن الضربِ، ويستشهدُ على ذلك بقولِ الشاعرِ: ضَرْبًا تَوَاصَى به الأَبْطالُ سِجِّيلَا (٥) وقال: بعضُهم يُحوِّلُ اللامَ نونًا.
وقال آخرُ منهم: هو "فِعِّيل"، من قولِ القائلِ: أسْجَلْتُه: أرسلتُه، فكأنه مِن ذلك.
أي: مُرْسَلةٌ عليهم.
وقال آخرُ منهم: هو مِن سَجَلْتُ له سَجْلًا.
مِن العطاءِ، فكأنه قيل: مُنِحوا ذلك البلاء فأُعْطُوه.
وقالوا: أَسْجَلَه: أَهْمَلَه (١).
وقال بعضُهم: بل هو من السِّجِلِّ؛ لأنه كان فيها عَلَمٌ كالكتابِ.
وقال آخرُ منهم: بل هو طينٌ يُطْبَحُ كما يُطْبَخُ الآجُرُّ، ويُنشِدُ بيتَ الفضلِ بنِ عباسٍ (٢): مَنْ يُسَاجِلْنى يُسَاجِلْ ماجِدًا … يملأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ (٣) فهذا مِن: سَجَلْتُ له سَجْلًا: أعطيتُه.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندَنا ما قاله المفسرون، وهو أنها مِن طينٍ، وبذلك وَصَفها اللهُ ﷿ في كتابِه في موضعٍ آخَرَ، وذلك قولُه: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣، ٣٤].
وقد رُوِيَ عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: هي فارسيةٌ ونَبَطِيَّةٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: "سجيلٌ (٤) " فارسيةٌ ونَبَطيةٌ: سج إيل.
فذهَب سعيدُ بنُ جبيرٍ في ذلك إلى أن اسمَ الطينِ بالفارسيةِ جل لا إيل، وأن ذلك لو كان بالفارسيةِ لكان سِجْل لا سِجِّيل؛ لأن الحجرَ بالفارسيةِ يُدْعَى: سنج، والطينَ: جل، فلا وجه لكون الياءِ فيها وهي فارسيةٌ.
وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ عندَنا في ذلك في أولِ الكتابِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وقد ذُكر عن الحسنِ البصريِّ أنه قال: كان أصلُ الحجارةِ طينًا، فشُدِّدَت.
وأما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾.
فإن قتادةَ وعكرمةَ يقولان فيه ما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مَنْضُودٍ﴾.
يقولُ: مصفوفة (٢).
وقال الربيعُ بنُ أنسٍ فيه ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ فى قوله: ﴿مَنْضُودٍ﴾.
قال: قد نُضِد بعضُه على بعضٍ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبى بكرِ بنِ عبدِ اللهِ الهُذَليِّ: أما قولُه: ﴿مَنْضُودٍ﴾.
فإنها في السماءِ مَنضودةٌ مُعَدَّةٌ، وهى مِن عُدَّةِ اللهِ التي أعَدَّ للظلَمةِ (٤).
وقال بعضُهم: منضودٌ: يَتْبَعُ (٥) بعضُه بعضًا عليهم.
قال: فذلك نَضْدُه.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، وذلك أن قولَه: ﴿مَنْضُودٍ﴾.
من نعتِ: ﴿سِجِّيلٍ﴾.
لا مِن نعتِ الحجارةِ، وإنما أُمْطِر القومُ حجارةً مِن طينٍ، صفةُ ذلك الطينِ، أنه نُضِد بعضُه إلى بعضٍ، فصُيِّر حجارةً، ولم يُمْطَروا الطينَ، فيكونَ موصوفًا بأنه تَتابَع على القومِ بمَجيئِه.
وإنما كان جائزًا أن يكونَ على ما تأوَّله هذا المتأوِّلُ، لو كان التنزيلُ بالنصبِ "منضودةً" (١)، فيَكونَ من نعتِ الحجارةِ حينَئذٍ.
وأما قولُه: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾.
فإنه يقولُ: مُعَلَّمةً عندَ اللهِ، أَعْلَمَها اللهُ، والمسوَّمةُ من نعتِ الحجارةِ، ولذلك نُصِبَت وأُنِّثَتْ (٢).
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾.
قال: مُعَلَّمةً.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال ابنُ جريجٍ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: لا تُشاكِلُ حجارةَ الأرضِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾.
قالا: مُطَوَّقةً، بها نَضْحٌ (٢) مِن حُمْرةٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: عليها سِيما معلومةٌ، حدَّث بعضُ مَن رآها أنها حجارةٌ مُطَوَّقَةٌ عليها، أو بها نَضْحٌ مِن حُمرةٍ، ليست كحجارتِكم (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿مُسَوَّمَةً﴾.
قال: عليها سِيما خُطوطٍ (٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾.
قال: المسوَّمةُ المختَّمةُ.
وأما قولُه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، فإنه يقولُ تعالى ذكرُه مُتهَدِّدًا مُشْركي قريشٍ: وما هذه الحجارةُ التى أمْطَرْتُها على قومِ لوطٍ مِن مشركي قومِك يا محمدُ ببعيدٍ أن يُمْطَروها، إن لم يَتُوبوا مِن شركِهم.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو عَتَّابٍ (١) الدَّلَّالُ سهلُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبانُ بنُ تَغْلِبَ (٢)، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
قال: أن يُصِيبَهم ما أصاب القومَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
قال: يُرْهِبُ بها قريشًا (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
يقولُ: ما أجار اللهُ منها ظالمًا بعدَ قومِ لوطٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعكرمةَ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
يقولُ: لم [يَبْرأْ منها ظالمٌ] (١) بعدَهم (٢).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ (٣)، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابنِ شَوْذَبٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، قال: يعنى ظالمي هذه الأمةِ، ثم قال: واللهِ ما أجار منها ظالمًا بعدُ (٤).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو (٥)، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾.
يقولُ: مِن ظَلَمةِ العربِ، إن لم يؤمنوا (٦) فيُعَذَّبوا بها (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ بنِ عبدِ اللهِ، قال: يقولُ: وما هى مِن ظَلَمةِ أمتِك ببعيدٍ، فلا يَأْمَنُها منهم ظالمٌ.
وكان قلْبُ الملائكةِ عالىَ أرضِ (٨) سَدُومَ سافلَها كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن مجاهدٍ، قال: أخذَ جبريلُ قومَ لوطٍ من سَرْحِهم ودورِهم، و (١) حمَلهم بمواشيهم وأمتعتِهم، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم أكْفَأَها (٢).
وحدَّثنا به أبو كريبٍ، مرةً أخرى، عن مجاهدٍ، قال: أدخَل جبريلُ جناحَه تحتَ الأرضِ السُّفلَى من قومِ لوطٍ، ثم أخذَهم بالجناحِ الأيمنِ، فأخذَهم من سَرْحِهم ومواشيهم، ثم رفعها (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ كان يقولُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.
قال: لما أصبحوا غدا جبريلُ على قريتِهم، ففتَقها من أركانِها، ثم أدخل جناحَه، ثم حمَلَها على خوافى (٤) جناحيه (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، قال: حدَّثني هذا ابنُ أبي نجيحٍ عن إبراهيمَ بنِ أبى بكرٍ، قال: ولم يسمعْه ابنُ أبي نجيحٍ من (٦) مجاهدٍ، قال: فحملها على خوافى جناحيه بما فيها، ثم صعِد بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم، ثم قَلَبها، فكان أوَّلَ ما سقَط منها شِرافُها (٧)، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
قال مجاهدٌ: فلم يُصِبْ قومًا ما أصابَهم؛ إن اللهَ طمَس على أعْينهم، ثم قلب قريتَهم، وأمطر عليهم حجارةً مِن سجيلٍ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغنا أن جبريلَ ﵇ أخَذ بعُرْوةِ القريةِ الوُسْطَى، ثم ألوى بها إلى السماءِ، حتى سمِع أهلُ السماءِ ضواغِيَ (٢) كلابهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، فجعل عاليَها سافلَها، ثم أتْبعهم (٣) الحجارةَ.
قال قتادةُ: وبلَغنا أنهم كانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنَّ جبريلَ ﵇ أخذ بعرْوَتِها الوُسْطَى، ثم أَلْوَى بها إلى جَوِّ السماءِ، حتى سمِعَت الملائكةُ ضَواغيَ كلابِهم، ثم دمَّر بعضَها على بعضٍ، ثم أتبع شُذَّانَ (٥) القومِ صخرًا.
قال: وهى ثلاثُ قرًى يقالُ لها: سَدُومُ.
وهى بينَ المدينةِ والشامِ.
قال: وذُكِر لنا أنه كان فيها أربعةُ آلافِ ألفٍ.
وذُكِر لنا أن إبراهيمَ ﵇ كان يُشرِفُ (٦)، يقولُ: سَدُومُ، يومٌ [مَا لكِ] (٧)!
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، قال: لما أصبحوا، يعني قومَ لوطٍ، نزَل جبريلُ فاقتلَع الأرضَ من سبعِ أَرَضِينَ، فحملَها حتى بلغ بها السماءَ الدنيا، [حتى سَمِع أهلُ السماءِ نُباحَ كلابِهم وأصواتَ ديوكِهم، ثم قلبها فقتلهم] (١)، فذلك حين يقولُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣].
المنقلبةَ حينَ أهوى بها جبريلُ الأرضَ، فاقتلَعها بجناحَيه (٢)، فمَن لم يمتْ حين أسقَط (٣) الأرضَ، أمطَر اللهُ عليه وهو تحت الأرضِ الحجارةَ، ومن كان منهم شاذًّا فى الأرضِ، وهو قولُ اللهِ ﷿: فـ ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
ثم تَتَبَّعهم في القرى، فكان الرجلُ [يتحدَّثُ فيأتيه] (٤) الحجرُ فيقتلُه، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قالا (٦): بلَغنا أن جبريلَ ﵇ لما أصبح نشَر جناحَه، فانتسَف به أرضَهم بما فيها من قصورِها ودوابِّها وحجارتِها وشجرِها وجميعِ ما فيها، فضمَّها فى جناحِه، فحواها وطواها في جوفِ جناحِه، ثم صعِد بها إلى السماءِ الدنيا، حتى سَمِع سكانُ السماءِ أصواتَ الناسِ والكلابِ، وكانوا أربعةَ آلافِ ألفٍ، ثم قلَبها فأرسَلها إلى الأرضِ منكوسةً، دَمْدَم بعضَها على بعضٍ، فجعَل عاليَها سافلَها، ثم أتبَعها حجارةً من سِجِّيلٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ ابنُ كعبٍ القُرَظيُّ، قال: حُدِّثْتُ أن [الله ﷿ بعَث] (١) جبريلَ ﵇ إلى المؤتفكةِ؛ قريةِ لوطٍ ﵇، التي كان لوطٌ فيها، فاحتَملها بجناحَيه، ثم أَصعَدَ (٢) بها، حتى إنَّ أهلَ السماءِ الدنيا لَيسمعون نابحةَ (٣) كلابِها وأصواتَ دَجاجِها، ثم كفَأها على وجهِها، ثم أتبَعَها اللهُ بالحجارةِ، يقولُ اللهُ: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾.
فأهْلكها اللهُ وما حولَها من المؤتفكاتِ، وكنّ خمسَ قُرَيَّاتٍ (٤): [صبعةُ، وصعرةُ، وعمرةُ (٥)] (٦)، ودوما، وسدُومُ.
وسدومُ هي القريةُ العظمى، ونجَّى اللهُ لوطًا ومن معه مِن أهلِه، إلا امرأتَه كانت فيمن هلَك (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإلى ولدِ (١) مدين أخاهم شعيبًا، فلما أتاهم ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.
يقولُ: أطيعوه، وتذلَّلُوا له بالطاعةِ لما أمرَكم به ونهاكم عنه، ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.
يقولُ: ما لكم مِن معبودٍ (٢) يستحقُّ عليكم العبادةَ غيرَه، ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾.
يقولُ: ولا تنقُصوا الناسَ حقوقَهم في مِكيالكم وميزانِكم؛ ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
واختلف أهلُ التأويلِ فى الخيرِ الذى أخبَر اللهُ ﷿ عن شعيبٍ أنه قال لمدينَ إنه يَراهم به؛ فقال بعضُهم: كان ذلك رُخْصَ السعرِ، وحذَّرهم غَلَاءَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ الواسطيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ موسى، عن زياد (٣) بنِ عمرٍو، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
قال: رُخْصُ السعرِ، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
قال: غلاءُ سعرٍ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ عمرٍو (٥) البصريُّ (٦)، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا صالحُ بنُ رستمَ، عن الحسنِ، وذكَر قومَ شعيبٍ، قال: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
قال: رُخْصُ السعرِ.
[حدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (١) بن عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، عن أبي عامرٍ الخزازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
قال: الغنى ورُخْصُ السعرِ] (٢).
وقال آخرون: عنَى بذلك: إني أرى لكم مالًا وزينةً مِن زِيَنِ الدُّنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
قال: يعنى خيرَ الدنيا وزينتَها (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أبصَر عليهم قِشْرًا (٤) من قِشْرِ الدنيا وزينتِها (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيد في قولِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
قال: في دُنياكم، كما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
سمَّاه اللهُ خيرًا؛ لأنَّ الناسَ يُسمون المالَ خيرًا (٦).
وأَوْلى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ: ما أخبَر اللهُ عن شعيبٍ أنَّه قال لقومِه، وذلك قولُه لهم: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾.
يعنى: بخيرِ الدنيا، وقد يدخلُ في خيرِ الدنيا المالُ وزينةُ الحياةِ الدنيا، ورُخْصُ السعرِ، ولا دَلالةَ على أنَّه عَنى بقيلِه ذلك بعضَ خيراتِ الدنيا دونَ بعضٍ، فذلك على كلِّ معانى خيراتِ الدنيا التي ذكَر أهلُ العلمِ أنهم كانوا أُوتوها، وإنما قالَ ذلك شعيبٌ؛ لأنَّ قومَه كانوا في سَعَةٍ من عيشِهم، ورخصٍ من أسعارِهم، كثيرةً أموالُهم، فقال لهم: لا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم فى مكاييلِكم وموازينِكم، فقد وسَّع اللهُ عليكم ورزَقَكم، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ بمخالفتِكم أمرَ اللهِ وبخسِكم الناسَ أموالَهم في مكاييلِكم وموازينِكم، ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾.
يقولُ: أَن يَنزِلَ بكم عذابُ يومٍ محيطٍ بكم عذابُه، فجعَل "المحيطَ" نعتًا لليوم، وهو [من نعتِ العذابِ] (١)؛ إذ كان مفهومًا معناه، وكان العذابُ في اليومِ، فصار كقولِهم: بعضُ (٢) جُبَّتِك متخرِّقةٌ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾.
يقولُ: بالعدلِ، وذلك بأن تُوفُّوا أهلَ الحقوقِ التى هى مما يُكالُ أو يُوزنُ حقوقَهم، على ما وجَب لهم مِن التمامِ بغيرِ بخسٍ، ولا نقصٍ.
وقولُه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
يقولُ: ولا تَنقُصوا الناسَ حقوقَهم التي يجبُ عليكم أن تُوَفوهم، كيلًا أو وزنًا أو غيرَ ذلك.
كما حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عليُّ بنُ صالحِ بنِ حيٍّ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
قال: لا تَنقُصوهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾.
يقولُ: لا تَظلِموا الناسَ أشياءَهم (١).
وقولُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ: ولا تَسيروا في الأرضِ تَعملون فيها بمعاصى اللهِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
قال: لا تَسيروا في الأرضِ (٢).
وحُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ: لا تَسْعَوا في الأرضِ مُفْسدين.
يعني: نقصانَ الكيلِ والميزانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ما أبْقاه اللهُ لكم بعدَ أن توفُّوا الناسَ حقوقَهم، بالمكيالِ والميزانِ بالقسطِ، فأحلَّه لكم، خيرٌ لكم من الذى يبقى لكم، ببخسِكم الناسَ من حقوقِهم بالمكيالِ والميزانِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
يقول: إن كنتم مصدّقين بوعدِ اللهِ ووعيدهِ، وحلالهِ وحرامهِ.
وهذا قولٌ رُوى عن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ غير مرتضًى عند أهلِ النقلِ.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ؛ وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ (٢) خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
[قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم] (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾.
قال: طاعةُ اللهِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: طاعةُ اللهِ خيرٌ لكم (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: طاعةُ اللهِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، نحوَه.
وقال آخرون: معنى ذلك: حَظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: حظُّكم من ربِّكم خيرٌ لكم (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: حَظُّكم مِن اللهِ خيرٌ لكم (٣).
وقال آخرون: معناه: رزقُ اللهِ خيرٌ لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عمن ذَكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾.
قال: رزقُ اللهِ (٤).
وقال ابنُ زيدٍ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال: الهلاكُ في العذابِ، والبقيةُ في الرحمةِ.
وإنما اخترتُ في تأويلِ ذلك القولَ الذى اخترتُه؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه إنما تقدَّمَ إليهم بالنهيِ عن بخسِ [الناسِ أشياءَهم في] (١) المكيالِ والميزانِ، وإلى تركِ التطفيفِ في الكيلِ، والبخسِ فى الميزانِ، دعاهم شعيبٌ، فتعقيبُ ذلك بالخبرِ عما لهم من الحظِّ في الوفاءِ في الدنيا والآخرةِ أَولَى، مع أن قولَه: ﴿بَقِيَّتُ﴾.
إنما هي مصدرٌ من قولِ القائلِ: بَقَّيْتُ بَقِيَّةً من كذا.
فلا وجهَ لتوجيه معنى ذلك إلا إلى: بقيةُ اللهِ التي أبقاها لكم، مما لكم بعدَ وفائِكم الناسَ حقوقَهم، خيرٌ لكم من بقيتِكم من الحرامِ الذى يبقى لكم من ظلمِكم الناسَ، ببخسِكم إياهم في الكيلِ والوزنِ.
وقولُه: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾.
يقولُ: وما أنا عليكم أيُّها الناسُ برقيبٍ، أرقُبُكم عندَ كيلِكم ووزنِكم: هل توفون الناسَ حقوقَهم أم تظلِمونهم؟
وإنما عليّ أن أبلِّغَكم رسالةَ ربى، فقد أبلَغتكموها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال قومُ شعيبٍ له (٣): ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ عبادةَ ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثانِ والأصنامِ ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ مِن كسرِ الدراهمِ وقَطْعِها، وبَخْسِ الناسِ في الكيلِ والوزنِ، ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾: وهو الذى لا يحمِلُه الغضبُ أن يفعَلَ ما لم يكنْ ليفعَلَه في حالِ الرضا، ﴿الرَّشِيدُ﴾.
يعني: رشيدُ الأمرِ في أمرِه إياهم أن يتركوا عبادةَ الأوثانِ.
كما حدَّثنا محمودُ بنُ خِدَاشٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ (١)، قال: ثنا داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ فى قولِ اللهِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (٢) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾.
قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ.
أو قال: قطعُ الدراهمِ.
الشكُّ مِن حمادٍ (٣).
حدَّثنا [سهلُ بنُ موسى] (٤) الرازيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيكٍ، عن أبي مودودٍ، قال: سمعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيِّ يقولُ: بلغنى أَنَّ قومَ شعيبٍ عُذِّبوا في قطعِ الدراهمِ، ثم (٥) وجَدتُ ذلك فى القرآنِ: ﴿أَصَلَاتُكَ (٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (٧).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، عن موسى بنِ عبيدةَ، عن محمدِ ابنِ كعبٍ القُرَظيِّ، قال: عُذِّبَ قومُ شعيبٍ في قطعِهم الدراهمَ، فقالوا: ﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ (٦) تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ (١)؟
ثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ خالدٍ الخياطُ، عن داودَ بنِ قيسٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾.
قال: كان مما نهاهم عنه حذفُ الدراهمِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟
قال: نهاهم عن قطعِ الدنانيرِ والدراهمِ، فقالوا: إنما هي أموالُنا نفعلُ فيها ما نشاءُ؛ إن شِئْنا قطَّعْناها، وإن شِئْنا حرَّقناها، وإن شئنا طرَحْناها (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخبَرنى داودُ بنُ قيسٍ المرِّيُّ أنه سمِع زيد بنَ أسلمَ يقولُ فى قولِ اللهِ: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾؟
قال زيدٌ: كان مِن ذلك قطعُ الدراهمِ.
وقولُه: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾.
كان الأعمشُ يقولُ في تأويلِها ما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ عن الأعمشِ في قولِه: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾.
قال: قراءتُك (١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ أن نترُكَ ما يعبدُ آباؤنا، أو أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ.
وإنما كان شعيبٌ نهاهم أن يفعَلوا فى أموالِهم ما قد ذكَرتُ أنه نهاهم عنه فيها؟
قيلَ: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما توهَّمتَ.
وقد اختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ذلك: أصلواتُك تأمرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا، أو أن نترُكَ أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ، وليس معناه: تأمُرُك أن نَفعلَ فى أموالِنا ما نشاءُ، لأنه ليس بذا أمرهم.
وقال بعضُ الكوفيين نحوَ هذا القولِ، قال (٢): وفيها وجهٌ آخرُ يجعَلُ الأمرَ كالنهيِ، كأنه (٣) قال: أصلاتُك تأمُرُك بذا، وتنهانا عن ذا؟
فهي حينئذٍ مردودةٌ، على أن الأُولى [لا إضمارَ فيها] (٤)، [كأنك قلتَ: تأمُرُك (٥) أن نفعلَ في أموالِنا ما نشاءُ.
كما تقولُ: أضرِبُك أن تسئَ.
كأنَّه قال: أنهاكَ أن تسئَ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن "أن" الأُولى] (٦) منصوبةٌ بقولِه "تأمرُك"، وأنَّ الثانيةَ منصوبةٌ عطفًا بها على "ما" التي في قولِه: ﴿مَا يَعْبُدُ﴾.
وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: أصلاتُك (٧) تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤنا، أو أن نترُكَ أن نفعَلَ فى أموالِنا ما نشاءُ.
وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأَةِ أنه قرَأه (ما تشاءُ (١))، فمَن قرَأ ذلك كذلك فلا مُؤْنةَ (٢) فيه، وكانت "أن" الثانيةُ حينَئذٍ معطوفةً على "أن" الأُولى.
وأما قولُهم لشعيبٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
فإنهم أعداءُ اللهِ، قالوا له ذلك استهزاءً به، وإنما سفَّهوه وجهَّلوه بهذا الكلامِ.
وبما قلنا مِن ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾.
قال: يستهزِئون (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: المستهزِئون يستهزِئون به (٤): ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ، أرأيتُم إن كنتُ على بيانٍ وبرهانٍ من ربِّى فيما أدعوكم إليه من عبادةِ اللهِ، والبراءةِ مِن عبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، وفيما أنهاكم عنه مِن إفسادِ المالِ، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾.
يعنى: حلالًا طيبًا، ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
يقولُ: وما أريدُ أن أنهاكم عن أمرٍ، ثم أفعلَ خلافَه، بل لا أفعلُ إلا ما آمُرُكم به، ولا أنتهي إلا عما أنهاكم عنه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾.
يقولُ: لم أكنْ لأنهاكم عن أمرٍ ثم أركبَه وآتِيَه، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾.
يقول: ما أريدُ فيما أمرُكم به وأنهاكم عنه، إلا إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم، ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾.
يقولُ: ما قدرْتُ على إصلاحِه، لئلا ينالَكم مِن اللهِ عقوبةٌ مُنكِّلةٌ بخلافِكم أمرَه، ومعصيتِكم رسولَه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾.
يقولُ: وما إصابتى الحقَّ في (١) محاولتي (٢) إصلاحَكم وإصلاحَ أمرِكم إلا باللهِ، فإنه هو المعينُ على ذلك، إن لا يُعِنِّى عليه لم أُصِبِ الحقَّ فيه (٣).
وقولُه: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾.
يقولُ: إِلى اللهِ أفوِّضُ أمرِى، فإنه ثقتى، وعليه اعتمادى في أمورِى.
وقولُه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: وإليه أُقبِلُ بالطاعةِ، وأرجِعُ بالتوبةِ.
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال: أرجعُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
[وحدَّثني المُثَنَّى قال: ثنا] (١) إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ قال: وإليه (٢) أرجعُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال: أرجعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قِيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾.
يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم عداوتى وبغضى وفراقُ الدينِ الذي أنا عليه، على الإصرارِ على ما أنتم عليه من الكفر باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ، وبَخسِ الناسِ في المكيالِ والميزانِ، وتركِ الإنابةِ والتوبةِ، فيصيبَكم ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغَرَقِ، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من العذابِ، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفةِ، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ﴾، الذين ائتفكتْ بهم الأرضُ ﴿مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ هلاكُهم، [فلا تتعظوا به وتعتبروا] (٤).
يقولُ: فاعتبروا بهؤلاء، واحذروا أن يُصيبَكم بشقاقي مثلُ الذي أصابَهم.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾.
يقولُ: لا يحملنَّكم فراقى ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ الآيةَ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾.
يقولُ: لا يحملَنَّكم شقاقى (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾.
قال: عداوتي وبَغْضائى وفراقي.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
قال: إنما كانوا حديثًا منهم قريبًا بعدَ (٣) قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾.
قال: إنما كانوا حديثي عهدٍ قريبٍ بعدَ قومِ نوحٍ وعادٍ (٥) وثمودَ (٦).
قال أبو جعفرٍ: وقد يَحتمِلُ أن يقالَ: معناه: وما دارُ قومِ لوطٍ منكم ببعيدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾.
يقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا﴾ أيها القومُ ﴿رَبَّكُمْ﴾ من ذنوبِكم بينَكم وبينَ ربِّكم، التى أنتم عليها مقيمون، من عبادةِ الآلهةِ والأصنامِ، وبَخْسِ الناسِ حقوقَهم في المكاييل والموازينِ.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.
يقولُ: ثم ارجعوا إلى طاعتِه والانتهاء إلى أمرِه ونهيِه.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾.
يقولُ: هو رحيمٌ بمن تاب وأنابَ إليه، أن يعذِّبَه بعد التوبةِ.
﴿وَدُودٌ﴾.
يقولُ: ذو محبةٍ لمن أناب وتاب إليه، يَوَدُّه ويحبُّه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال قومُ شعيبٍ لشعيبٍ: ﴿يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾.
أى ما نعلمُ حقيقةَ كثيرٍ مما تقولُ وتخبرُنا به، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
ذُكِر لنا (١) أنَّه كان ضريرًا، فلذلك قالوا له: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ الأسديُّ، قال: ثنا أَسِيدُ (٢) بنُ زيدٍ (٣)، قال: أخبرَنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
قال: كان أعمى (١).
حدَّثنا عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنى إبراهيمُ بنُ مهديٍّ المِصِّيصيُّ، قال: ثنا خلفُ بنُ خليفةَ، عن سفيانَ، [عن سالمٍ] (٢)، عن سعيدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني أحمد بن الوليد الرمليُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ زيادٍ وإسحاقُ بنُ المنذرِ، وعبدُ الملكِ بنُ يزيدَ (٤)، قالوا: ثنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، مثلَه (٥).
حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ ومحمدُ بنُ الصباحِ، قالا: سمعنا شريكًا، يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
قال: أعمى (٥).
حدَّثنى أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثنا سَعْدُويَهْ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ قولَه: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
قال: كان ضعيفَ البصرِ.
قال سفيانُ: وكان يقالُ له: خطيبُ الأنبياءِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا عبادٌ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾.
قال: كان ضريرَ البصرِ (٢).
وقولُه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾.
يقولُ: يقولون: ولولا [أنَّا نَتَّقي] (٣) عشيرَتَك وقومَك لرجَمْناك، يعنون: لسبَبْناك.
وقال بعضُهم: معناه لقتلناك (٤).
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾.
قال: قالوا: لولا أنا (٥) نَتَّقِى قومَك ورهطَك لرجمناك (٦).
وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾.
يعنون: ما أنت ممن يَكْرُمُ علينا، فيَعْظُمَ علينا إذلالُه وهَوَانُه، بل ذلك علينا هَينٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: قال شعيبٌ لقومِه: يا قومِ أَعْزَزْتُم قومَكم، فكانوا أعزَّ عليكم مِنَ اللهِ، واستخفَفْتُم بربِّكم، فجعَلتموه خَلْف ظهورِكم، لا تأتمرون لأمرِه، ولا تخافون عقابَه، ولا تعظِّمونه حقَّ عظمتِه.
يقالُ للرجلِ إذا لم يقضِ حاجةَ الرجلِ: نبذَ حاجتَه وراءَ ظهرِه.
أى: ترَكَها لا يلتفتُ إليها، وإذا قضاها قيل: جعَلها أمامَه ونُصْبَ عينيه.
ويقال: ظَهَرتَ بحاجتي، وجَعَلتَها ظِهْرِيَّةً أى: خلفَ ظهرِك، كما قال الشاعرُ (١): وَجَدْنا بنى البَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظُّهْرِ بمعنى أنهم يَظْهَرون بحوائجِ الناسِ، فلا يلتفتون إليها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
وذلك أن قومَ شعيبٍ ورهطَه كانوا أعزَّ عليهم مِنَ اللهِ، وصغُر شأنُ اللهِ عندهم عزَّ ربُّنا وجلَّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: قَصًى (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
يقول: عزَّزْتم (١) قومَكم، وأظهَرْتُم بربِّكم (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: قال: لم تراقبوه في شيءٍ، إنما تراقبون قومى ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: لا تخافونه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال: أعزَزْتُم قومَكم، واغترَرْتُم بربِّكم (٤).
قال أبو جعفرٍ: سمعتُ إسحاقَ بن أبى إسرائيلَ، قال: قال سفيانُ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾: كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: خلَّفتَ حاجتي خلفَ ظهرِك، فـ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ استخفَفْتُم بأمرِه، فإذا أراد الرجلُ قضاءَ حاجةِ صاحبِه جعَلها أمامَه بين يديه، ولم يستخِفَّ بها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: الظِّهرِيُّ: الفضلُ.
مثلُ الحمَّالِ (١) يخرجُ معه بإبلٍ ظَهَاريَّةٍ فضلٍ، لا يَحْمِلُ عليها شيئًا، إلا أن يُحتاج إليها.
قال: فيقولُ: إنما ربُّكم عندَكم مثلُ هذا إن احتجْتُم إليه، وإن لم تحتاجوا إليه فليس بشيءٍ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: واتخذتُم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَكم ظِهريًّا، فالهاءُ التى فى قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾.
على هذا القولِ (٣)، مِن ذِكرِ ما جاء به شعيبٌ ﵇.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: تركتُم ما جاء به شعيبٌ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نَبذوا أمرَه (٥).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: نبَذتُم أمرَه (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: هم رهطُ شعيبٍ، تَرْكُهم ما جاء به وراءَ ظهورِهم ظِهريًّا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
قال: وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ.
عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾.
قال: استثناؤُهم رهطَ شعيبٍ و (١) تَرْكُهم ما جاءَ به شعيبٌ وراءَ ظهورِهم ظهريًّا (٢).
وإنما اختَرْنا القولَ الذى اختَرْناه في تأويلِ ذلك لقربِ قولِه: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ مِن قولِه: ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.
فكانت الهاءُ التي في قولِه ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ بأن تكونَ مِن ذِكرِ اللهِ؛ لقربِ جوارِها منه، أشبهُ وأَوْلَى.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
يقولُ: إِنَّ رَبِّي محيطٌ علمُه بعمَلِكم، فلا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، وهو مجازيكم على جميعِه عاجلًا وآجلًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ شعيبٍ لقومِه: ﴿يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾.
يقولُ: على تمكُّنِكم، يقالُ منه: الرجلُ يعملُ على مَكينَتِه ومَكِنتِه (٣).
أى على اتئاده، ومَكُن الرجلُ يمكُن مَكْنًا ومَكانةً ومكانًا.
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ في معنى قولِه: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾: على منازِلكم.
فمعنى الكلامِ إذن: ويا قومِ اعملوا على تمَكُّنِكم من العملِ الذى تعملونَه، ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على تُؤَدةٍ مِن العملِ الذى أعملُه، ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّنا الجانى على نفسِه المخطئُ عليها، والمصيبُ فى فعله المحسنُ (١) إلى نفسِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
يقولُ تعالَى ذِكرُه مخبرًا عن قيلِ نبيِّه شعيبٍ لقومِه: الذي يأتيه منا ومنكم أيُّها القومُ ﴿عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾.
يقولُ: يُذِلُّه ويهينُه.
﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾.
يقولُ: ويُخزِى أيضًا الذى هو كاذبٌ في قيلِه وخبرِه منا ومنكم.
﴿وَارْتَقِبُوا﴾، أى انتَظِرُوا وتَفَقَّدُوا، من "الرِّقْبةِ"، يقالُ منه: رَقَبْتُ فلانًا أرقُبُه رِقبةً.
وقولُه: ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾.
يقولُ: إنى أيضًا ذو رِقبةٍ لذلك العذابِ معكم، وناظرٌ إليه بمَن هو نازلٌ منا ومنكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: ولما جاءَ قضاؤُنا فى قومِ شعيبٍ بعذابِنا، نجَّيْنا شعيبًا رسولَنا، والذين آمنُوا به، فصدَّقوه على ما جاءَهم به مِن عندِ ربِّهم، مع شعيبٍ، من عذابِنا الذي بَعَثْنا على قومِه، برحمةٍ مِنا له، ولمن آمَن به، واتَّبَعه على ما جاءَهم به من عندِ ربِّهم، وأخَذتِ الذين ظَلموا الصيحةُ مِن السماءِ أخمَدتْهم فأهلَكتْهم، بكفرِهم بربِّهم، وقيلَ: إنَّ جبريلَ ﵇، صاحَ بهم صيحةً أخْرَجَتْ أرْواحَهم مِن أجسامِهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ على ركبِهم، وصَرْعَى بأفنيتِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾.
يقولُ ﷿: كأن لم يَعِشْ (١) قومُ شُعَيبٍ الذين أَهْلَكَهم اللهُ بعذابِه، حينَ أصبَحوا في ديارِهم جاثِمِين، قبلَ ذلك، ولم يَعْمُروها (٢)، من قولِهم: غَنِيتُ بمكانِ (٣) كذا.
إذا أقمتَ به، ومنه قولُ النابغةِ: غَنِيَتْ بذلكَ إِذْ هُمُ لَكَ (٤) جِيرَةٌ … منْها بعَطْفِ رِسالَةٍ وتَوَدُّدِ (٥) وكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عَليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾.
قال: يقولُ: كأن لم يعيشُوا فيها (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه (٧).
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٦).
وقولُه: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: أَلَا أَبْعَد اللهُ مَدْيَنَ مِن رحمتِه بإحلالِ نِقْمَتِه بهم (١)، ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾.
يقولُ: كما بَعِدَت من قبلِهم ثمودُ من رحمتِه، بإنزالِ سُخْطِه بهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾.
يقولُ ﷿: ولقد أرسَلنا موسى بأدلتِنا على توحيدِنا، وحُجَّةٍ تُبِين لمَن عايَنَها وتأمَّلَها بفِكْرٍ (٢) صحيحٍ، أنها تدلُّ على توحيدِ اللهِ، وكَذِبِ كُلِّ مَن ادَّعَى الربوبيةَ دونَه، وبُطُولِ قولِ مَن أشرَك معه في الأُلوهَةِ غيرَه ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾.
يعنى: وإلى أشرافِ جُندِه وأتْباعِه (٣)، ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾.
يقول: فكذَّبَ فرعونُ وملؤُه موسى، وجحَدُوا وحدانيةَ اللهِ، وأبَوا قبولَ ما أَتاهم به موسى من عندِ اللهِ، واتَّبَع مَلَأُ فرعونَ [أمرَ فرعونَ] (٤) دونَ أمرِ اللهِ، وأطاعُوه في تكذيبِ موسى، وردّ ما جاءهم به مِن عندِ اللهِ عليه.
يقول ﷿: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾.
يعنى: أنه لا يُرْشِدُ أمرُ فرعونَ مَن [قبِلَه منه] (٥) في تكذيبِ موسى، إلى خيرٍ، ولا يهدِيه إلى صلاحٍ، بل يُورِدُه نارَ جهنمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾.
يقولُ ﷿: يَقْدُمُ فرعونُ قومَه يومَ القيامةِ يقُودُهم، فيمضِى بهم إلى النارِ، حتى يُورِدَهموها، ويُصلِيَهم سَعِيرَها، ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾.
يقولُ: وبِئْسَ الوِرْدُ الذى يَرِدُونه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
[قال: فرعونُ يقدُمُ قومَه يومَ القيامةِ] (١)، يمضِى بين أيديهم، حتى [يهجُمَ بهم على] (٢) النار (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يقولُ: يقودُ قومَه يومَ القيامةِ، فأورَدَهم النارَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يقولُ: أَضلَّهم، فأورَدَهم النارَ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عمَّن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾.
قال: الورودُ (١) الدخولُ (٢).
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾.
كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الورودُ (٣) فى القرآنِ أربعةُ أورادٍ: في "هود" قولُه: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾، [ووِرْدٌ فى] (٤) "مريم" ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، ووِرْدٌ فى "الأنبياء" ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، ووِرْدٌ أيضًا فى "مريم" ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].
كان ابنُ عباسٍ يقولُ: كلُّ هذا (٥) الدُّخُولُ، واللهِ ليَرِدنَّ جهنمَ كلُّ بَرٍّ وفاجرٍ ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ (٦) [مريم: ٧٢].
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.
يقولُ ﷿: وأتبَعَهم اللهُ ﴿فِي هَذِهِ﴾، يعني في هذه الدنيا، مع العذابِ الذي عجَّلَه لهم فيها، من الغَرَقِ فى البحرِ، لعنةً (٧) ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يقولُ: وفى يومِ القيامةِ أيضًا يُلْعَنُون لَعنةً أُخرَى.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: لعنةً أخرى.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: زِيدُوا بلعنتِه (١) لعنةً أُخرَى، فتلك لعنتان.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
قال: لعنةً (٢) في إثْرِ اللعنةِ.
قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
قال: زِيدوا لعنةً أخرى، فتلك لعنتان (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾.
قال: في الدنيا ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَرْدِفوا بلعنةٍ أخرى زِيدُوها، فتانِك (٤) لعنتان.
وقولُه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
يقولُ: بئس العَوْنُ المُعانُ اللعنةُ المَزيدةُ فيها أخرى منها (١).
وأصلُ "الرِّفْدِ" العَوْنُ، يقالُ منه: رفَد فلانٌ فلانًا عندَ الأميرِ يَرْفِدُه رِفْدًا، بكسرِ الراءِ، وإذا فُتِحَت فهو السَّقْيُ فى القَدَحِ العظيمِ، والرَّفْدُ: القَدَحُ الضخمُ، ومنه قولُ الأعشى (٢): رُبَّ رَفْدِ هرَقْتَه ذلك اليو … مَ وأَسْرَى مِن مَعْشَرٍ أَقْتَالِ (٣) ويقالُ: رفَد فلانٌ حائطَه.
وذلك إذا أسْنَده بخشبةٍ؛ لئلا يَسْقُطَ.
و "الرَّفْدُ" بفتحِ الراءِ المصدرُ، يقالُ منه: رفَدَه يَرْفِدُه رَفْدًا.
و "الرِّفْد": اسمُ الشيءِ الذى يُعْطاه الإنسانُ، وهو "المَرْفَدُ".
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
قال: لعنةُ (٤) الدنيا والآخرةِ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
قال: لعَنَهم اللهُ في الدنيا، وزِيد لهم فيها لعنةً (١) في الآخرةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
قال: لعنةٌ فى الدنيا، وزِيدوا فيها لعنةً في الآخرةِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾.
يقولُ: ترادَفَت (٣) عليهم اللعنتان مِن اللهِ؛ لعنةٌ فى الدنيا، ولعنةٌ في الآخرةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ، قال: أصابَتْهم لعنتان فى الدنيا، رَدِفَتْ (٥) إحداهما الأخرى، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾.
يقولُ ﷿ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: هذا القَصَصُ الذي ذكَرْناه لك في هذه السورةِ، والنبأُ الذى أنْبَأْناكَه فيها مِن أخبارِ القرى التى أهْلَكْنا أهلَها بكفرِهم باللهِ، وتكذيبِهم رسلَه ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ فنُخْبِرُك به.
﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾.
يقولُ: [من هذه القرى التي قصَصنا نبأَها عليك ما هو ﴿قَائِمٌ﴾.
يقولُ: منها قائمٌ بنيانُه غيرُ منهَدِمٍ، بائدٌ أهلُه] (١) هالكٌ، ومنها قائمٌ بنيانُه عامرٌ، ومنها حَصِيدٌ بنيانُه، خَرابٌ مُتَداعٍ، قد تَعَفَّى أثرُه، دارسٌ.
من قولِهم: زَرْعٌ حَصِيدٌ.
إذا كان قد اسْتُؤْصِل قَطْعُه، وإنما هو محصودٌ، ولكنه صُرِف إلى فَعيلٍ، كما قد بيَّنا في نظائرِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
يعنى بالقائمِ قُرًى عامرةً، والحصيدِ قُرًى خامدةً (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
قال: قائمةٌ (٣) على عروشِها، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُسْتَأْصَلةٌ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ يُرَى مكانُه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ لا يُرَى له أثرٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾.
قال: خاوٍ على عروشِه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: مُلْتَزِقٌ بالأرضِ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ: ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
قال: خرَّ بنيانُه (٢).
وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
قال: الحصيدُ الذى قد خَرَّ (٣) بنيانُه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾.
منها قائمٌ يُرَى أثرُه، وحَصِيدٌ قد بادَ لا يُرَى أَثَرُه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾.
يقولُ ﷿: وما عاقَبْنا أهلَ هذه القُرَى التي اقتصَصْنا نبأَها عليك يا محمدُ، بغيرِ استحقاقٍ منهم عقوبتَنا، فنكونَ بذلك (٥) قد وضَعْنا عقوبتَناهم في غيرِ موضعِها، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
يقولُ: ولكنهم أوْجبوا لأنفسِهم بمعصيتِهم اللهَ وكفرِهم به عقوبتَه وعذابَه، فأحَلُّوا بها ما لم يَكُنْ لهم أن يُحِلُّوه بها، وأوْجَبوا لها ما لم يَكُنْ لهم أن يوجِبوه لها (١)، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: فما دفَعت عنهم آلهتُهم التي يعبُدُونها (٢) مِن دونِ اللهِ، ويَدْعُونها (٣) أربابًا، من عقابِ اللهِ وعذابِه، إذ (٤) أحَلَّه بهم ربُّهم، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾، ولا ردَّت عنهم شيئًا منه، ﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ يا محمدُ.
يقولُ: لمَّا جاء قضاءُ ربِّك بعذابِهم، فحقَّ عليهم عقابُه، ونزَل بهم سَخَطُه، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
يقولُ: وما زادَتْهم آلهتُهم عندَ مَجِيءِ أمرِ ربِّك هؤلاء المشركين بعقابِ اللهِ غيرَ تخسيرٍ وإهلاكٍ وتدميرٍ.
يقالُ منه: تبَّبْتُه أُتَبِّبُه تَتْبِيبًا، ومنه قولُهم للرجلِ: تَبًّا لك.
كما قال جريرٌ (٥): عَرَادَةُ (٦) من بَقِيَّة قومِ لوطٍ … ألا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا (٧) تَبَابا وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ سَلَّامٍ أبو الحسنِ البصريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن [نُسَيْرِ بنِ ذُعْلُوقٍ] (١)، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
قال: غيرَ تَخْسِيرٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٣): ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
قال: تَخْسِيرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: غيرَ تخسيرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) مثلَه (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ يقولُ: غيرَ تخسيرٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
قال: غيرَ تخسيرٍ (٦).
وهذا الخبرُ مِن اللهِ ﷿، وإن كان خبرًا منه عمَّن مضَى مِن الأممِ قبلنَا، فإنه وعيدٌ من اللهِ ﷿ لنا أيتُها الأُمَّةُ، أنا إن سلَكْنا سبيلَ الأممِ قبلَنا في الخلافِ عليه وعلى رسولِه، سلَك بنا سبيلَهم في العقوبةِ، وإعلامٌ منه لنا أنه لا يَظْلِمُ أحدًا مِن خلقِه، وأن العبادَ هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم.
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، قال: اعْتَذَر -يعنى ربُّنا جلَّ ثناؤُه- إلى خلقِه، فقال: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾.
مما ذكَرْنا لك من عذابِ مَن عذَّبْنا من الأممِ، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾.
قال: ما زادهم (١) الذين كانوا يَعْبُدونهم غيرَ تَتْبيبٍ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.
يقولُ ﷿: وكما أخَذْتُ، أَيُّها الناسُ، أهلَ هذه القرى التي اقْتَصَصْتُ عليك نبأَ أهلِها، بما أخَذْتُهم به من العذابِ، على خلافِهم أمرِى، وتكذيبِهم رسلي، وجُحودِهم آياتِى، فكذلك أخْذى القرى وأهلَها، إِذا أَخَذْتُهم بعقابي، وهم ظَلمةٌ لأنفسِهم بكفرِهم باللهِ، وإشراكِهم به غيرَه، وتكذيبِهم رسلَه، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: إِن أَخْذَ ربِّكم بالعقابِ مَن أَخَذه، ﴿أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: مُوجِعٌ، شديدُ الإيجاعِ.
وهذا أمرٌ مِن اللهِ ﷿، تحذيرٌ لهذه الأمَّةِ أن تسلكَ في معصيتِه طريقَ مَن قبلَهم مِن الأممِ الفاجرةِ، فيَحِلَّ بها (٣) ما حلَّ بهم مِن المَثُلاتِ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن بُرَيْدِ (١) بنِ أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن اللهَ يُمْلى -وربما (٢) قال: يُمْهِلُ- للظالمِ (٣)، حتى إذا أخَذه لم يُفْلِتْه" (٤)، ثم قرَأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (٥).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إن اللهَ حذَّر هذه الأمةَ سَطْوتَه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٦).
وكان عاصمٌ الجَحْدريُّ يَقْرَأُ ذلك: (وكذلك أَخَذَ رَبُّكَ إِذْ (٧) أَخَذ القُرَى) (٨).
وذلك قراءةٌ لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بها؛ لخلافِها مَصاحفَ المسلمين وما عليه قرأةُ الأمصارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾.
يقولُ ﷿: إن فى أخْذِنا مَن أخَذْنا مِن أهلِ القرى التي قصَصْنا خبرَها عليكم أيُّها الناسُ ﴿لَآيَةً﴾، يقول: لعِبرةً وعِظَةً لمن خاف عقابَ اللهِ وعذابَه في الآخرةِ من عبادِه، وحجةً عليه لربِّه، وزاجِرًا يَزْجُرُه عن أن يَعْصِيَ اللهَ ويُخالِفَه فيما أمَره ونهاه.
وقيل: بل معنى ذلك: إن فيه عبرةً لمن خاف عذابَ الآخرةِ؛ إنّ اللهَ سيَفِى له بوَعْدِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾: إنا سوف نَفِي لهم بما وعَدْناهم في الآخرةِ، كما وفَّيْنا للأنبياءِ أنا نَنْصُرُهم (١).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾.
يقولُ ﷿: هذا اليومُ، يعنى يومَ القيامةِ، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، يقولُ: يَحْشُرُ اللهُ له الناسَ مِن قبورِهم، فيَجْمَعُهم فيه للجزاءِ والثوابِ والعقابِ، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
يقولُ: وهو يومٌ تَشْهَدُه الخلائقُ، لا يَتَخَلَّفُ عنه منهم أحدٌ، فيُنْتَقَمُ حينَئذٍ ممن عصَى اللهَ، وخالَف أمرَه، وكذَّب رسلَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
قال: يومُ القيامةِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ، مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسُفَ المَكِّيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ ﷺ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
ثم قرَأ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (٢) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن عليِّ بنِ زيدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ القيامةِ.
ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
حُدِّثْتُ عن المسيبِ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾.
قال: ذاك يومُ القيامةِ، يَجْتَمِعُ فيه الخلقُ كلُّهم، ويَشْهَدُه أهلُ السماءِ وأهلُ الأَرضِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾.
يقولُ ﷿: وما نُؤَخِّرُ يومَ القيامةِ عنكم؛ أن نَجيئَكم به إلّا [لأنّ اللهَ قضَى] (٤) له أجلًا، فعدَّه وأحصاه، فلا يَأْتى به إلا لأجلِه ذلك، لا يَتَقَدَّمُ مجيئُه قبلَ ذلك، ولا يَتَأَخَّرُ عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ (١) لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾.
يقولُ ﷿: يومَ يأتى يومُ القيامةِ أيُّها الناسُ، وتقومُ الساعةُ، لا تتكَلَّمُ (٢) نفسٌ إلا بإذنِ ربِّها.
واخْتَلَفَت القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ، بإثباتِ الياءِ فيها (يومَ يَأْتى لا تَكَلَّمُ نفسٌ) (٣).
وقرأ ذلك بعضُ أهلِ البصرةِ وبعضُ الكوفيين، بإثباتِ الياءِ فيها في الوَصْلِ، وحذفِها في الوقفِ (٤).
وقرَأ ذلك جماعةٌ من أهل الكوفةِ بحذف الياءِ فى الوصلِ والوقفِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٥).
والصوابُ مِن القراءةِ عندى فى ذلك: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بحذفِ الياءِ في الوصلِ والوقفِ؛ اتِّباعًا لخطِّ المصحفِ (٦)، وأنها لغةٌ معروفةٌ لهذيلٍ، تقولُ: ما أَدْرِ ما تقولُ.
ومنه قولُ الشاعرِ (١): كَفَّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ درهمَا … جُودًا وأخرى (٢) تُعْطِ بالسيفِ الدَّمَا وقيل: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾.
وإنما هو: لا تَتَكَلَّمُ.
فحُذِفت إحدى التاءين؛ اجْتِزاءً بدلالةِ الباقيةِ (٢) منهما عليها.
وقولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
[يقولُ: فمِن هذه النفوسِ التي لا تتكَلَّمُ يومَ القيامة إلا بإذن ربِّها، شقيٌّ وسعيدٌ] (٣)، وعاد (٤) على النفسِ، وهى فى ذِكْرِ (٥) واحدةٍ، بذكرِ الجميعِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ﴾؛ [لأن النفسَ وإن كانت في لفظِ واحدةٍ، فإنها بمعنى الجميعِ، فلذلك قيل: ﴿فَمِنْهُمْ] (٦) شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ [من هذه النفوسِ] (٦)، ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ (٧) وهو أولُ نُهاقِ الحمارِ وشِبْهِه، ﴿وَشَهِيقٌ﴾.
وهو آخرُ نَهِيقِه إذا ردَّده فى الجوفِ عندَ فراغِه مِن نُهاقِه، كما قال رُؤْبةُ بنُ العَجَّاجِ (٨): حشْرَج (٩) في الجوفِ سحِيلًا أو شَهَقْ حتى يُقالَ ناهِقٌ وما نهَقْ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
يقولُ: صوتٌ (١) شديدٌ، وصوتٌ ضعيفٌ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٣)، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
قال: الزفيرُ في الحَلْقِ، والشهيقُ في الصدرِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن أبى العاليةِ بنحوِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: صوتُ الكافرِ فى النارِ صوتُ الحمارِ، أولُه زَفيرٌ، وآخرُه شَهِيقٌ (٤).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ ومحمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانيُّ ومحمدُ بن المُثَنَّى ومحمدُ ابنُ بَشَّارٍ، قالوا: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ سفيانَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، [عن عمرَ] (١)، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
سأَلْتُ النبيَّ ﷺ، فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، فعلامَ عَمَلُنا؟
على شيءٍ قد فُرِغ منه أم على شيءٍ لم يُفْرَغْ منه؟
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "على شيءٍ قد فُرِغ منه يا عمرُ، وجرَت به الأقلامُ، ولكنْ كلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق له" (٢).
اللفظُ لحديثِ ابنِ مَعْمَرٍ.
وقولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾: لابِثين فيها.
ويعنِى بقولِه: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: أبدًا.
وذلك أن العربَ إذا أرادت أن تَصِفَ الشيءَ بالدوامِ أبدًا، قالت: هذا دائمٌ دَوامَ السماواتِ والأرضِ.
بمعنى أنه دائمٌ أبدًا، وكذلك يقولون: هو باقٍ ما اخْتَلَف الليلُ والنهارُ، وما سَمَر ابْنَا (٣) سَمِيرٍ، وما لأْلأَتِ [العُفْرُ بأذنابِها] (٤).
يعنُون بذلك كلِّه: أبدًا.
فخاطَبَهم جلَّ ثناؤُه بما يتعارفونه (٥) بينَهم، فقال: خالِدِينَ [في النارِ] (٦) ما دامَتِ السَّمَاوَاتُ والأرْضُ.
والمعنى في ذلك: خالدين فيها أبدًا.
وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك بنحوٍ مما قلنا فيه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
قال: ما دامَت الأرضُ أرضًا، والسماءُ سماءً (١).
ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
واختَلَف أهلُ العلمِ والتأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هذا استثناءٌ استثْناه اللهُ في أهلِ التوحيدِ [أنه يُخْرِجُهم] (٢) من النار إذا شاء بعدَ أن أدْخَلَهم النارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
قال: اللهُ أعلمُ بثُنْياه (٣).
وقد ذُكِر لنا أن ناسًا يُصِيبُهم سَفْعٌ (٤) من النارِ بذنوبٍ أصابوها، ثم يُدْخِلُهم الجنةَ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ﴾: واللهُ أعلمُ بثَنِيَّتِه (١).
ذُكِر لنا أن ناسًا يُصِيبُهم سَفْعٌ مِن النارِ بذنوبٍ أصابوها (٢)، ثم يُدْخِلُهم اللهُ الجنةَ بفضلِ رحمتِه، يقالُ لهم: الجَهَنَّمِيُّون (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا شيبانُ بنُ فَرُّوحَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
إلى قولِه: ﴿لِمَا يُرِيدُ﴾.
فقال عندَ ذلك: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يَخْرُجُ قومٌ مِن النارِ".
قال قتادةُ: ولا نقولُ ما يقولُ أهلُ حَرُوراءَ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي مالكٍ -يعنى ثعلبةَ- عن أبي سِنانٍ فى قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ قال: [استثنى به] (٥) أهلَ التوحيدِ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾.
إلى قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
قال: يخرجُ قومٌ مِن النارِ، فيدخلون الجنةَ، فهم الذين استُثْنِى لهم (٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عامرِ بنِ جَشِيبٍ (١)، عن خالدِ بن مَعْدانَ في قولِه: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾.
[النبأ: ٢٣] وقولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: إنهما فى أهلِ التوحيدِ (٢).
وقال آخرون: الاستثناءُ فى هذه الآيةِ فى أهلِ التوحيدِ.
إلا أنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
إلا أن يَشَاءَ رَبُّك أن يَتَجاوَزَ عنهم فلا يُدْخِلَهم النارَ.
ووجَّهوا الاستثناءَ إلى أنه من قولِه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لا مِن الخلودِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا ابنُ التَّيْميِّ، عن أبيه، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، أو عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أو عن رجلٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ فى قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
قال: هذه الآيةُ تَأْتِى على القرآنِ كلِّه، يقولُ: حيث كان في القرآنِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
تَأْتِى عليه.
قال: وسمِعْتُ أبا مِجْلَزٍ يقولُ: هو جزاؤُه، فإن شاء اللهُ تجاوَز عن عذابِه (٣).
وقال آخرون: عُنِى بذلك أهلُ النارِ، وكلُّ مَن دخَلَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن المسيبِ، عمَّن ذكَره، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: لا يَموتون، ولا هم منها يُخْرَجون، ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
قال: استثنَى (١) اللهُ، قال: يَأْمُرُ النارَ أَن تَأْكُلَهم.
قال: وقال ابنُ مسعودٍ: لَيَأْتِيَنَّ على جهنم زمانٌ تَخْفِقُ أبوابُها ليس فيها أحدٌ، وذلك بعد ما يَلْبَثون فيها أحقابًا (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بَيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: جهنمُ أسرعُ الدارين عُمْرانًا، وأسرعُهما خَرابًا (٣).
وقال آخرون: أَخْبَرنا اللهُ بمشيئتِه لأهلِ الجنةِ، فعرَّفَنا معنى ثُنْياه بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
أنها فى الزيادةِ على مقدارِ مدةِ السماواتِ والأرضِ.
قالوا: ولم يُخْبِرْنا بمشيئتِه فى أهلِ النارِ، وجائزٌ أن تكونَ مشيئتُه فى الزيادةِ، وجائزٌ أن تكونَ في النقصانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
قال: فأخبَرنا الذي يَشاءُ لأهلِ الجنةِ، فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
ولم يُخْبِرْنا بالذى يَشاءُ لأهلِ النارِ (١).
وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ هذه الآية بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْناه عن قتادةَ والضحاكِ، من أن ذلك استثناءٌ فى أهلِ التوحيدِ من أهلِ الكبائرِ أنه مُدْخِلُهم النارَ، فتاركُهم (٢) فيها أبدًا، إلا ما شاء من تركِهم فيها أقلَّ من ذلك، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ.
كما (٣) قد بيَّنَّا في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ فى ذلك بالصحةِ؛ لأنَّ اللهَ، ﷿، قد أَوْعَد أهلَ الشركِ به الخلودَ في النارِ، وتَظاهَرَت بذلك الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ استثناءً فى أهلِ الشركِ، وأن الأخبارَ قد تَواتَرَت عن رسولِ اللهِ ﷺ أن اللهَ يُدْخِلُ قومًا مِن أهلِ الإيمانِ به بذنوبٍ أصابوها النارَ، ثم يُخْرِجُهم منها فيُدْخِلُهم الجنةَ، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك استثناءً فى أهلِ التوحيدِ قبلَ دخولِها، مع صحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا، وأنّا إن جعَلْناه استثناءً في ذلك، كنا قد دخَلْنا في قولِ مَن يقولُ: لا يَدْخُلُ الجنةَ فاسقٌ، ولا النارَ مؤمنٌ.
وذلك خلافُ مذاهبِ (٥) أهلِ العلمِ، وما جاءت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، فإذا فسَد هذانِ القولانِ (٦)، فلا قولَ قال به القُدْوةُ من أهلِ العلمِ إلا الثالثُ.
ولأهلِ العربيةِ في ذلك مذهبٌ غيرُ ذلك سنَذْكُرُه بعدُ، ونبَيِّنُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
وقولُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
يقولُ ﷿: إِنَّ رَبَّك يا محمدُ لا يَمْنَعُه مانعٌ عن فعلِ ما أرادَ (١) فعلَه بمَن عصاه وخالَف أمرَه، مِن الانتقامِ منه، ولكنه يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فيَمْضِى فعلُه فيهم وفيمَن شَاءَ مِن خلقِه؛ فعلُه وقضاؤُه.
[القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾] (٢).
اختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأتَه عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ وبعضُ الكوفيين: (وأما الذين سَعِدوا) بفتحِ السينِ (٣).
وقرَأ ذلك جماعةٌ من قرأةِ الكوفيين ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ بضمِّ السينِ (٤)، بمعنى: رُزِقوا السعادةَ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿سُعِدُوا﴾.
فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُقَلْ: "أُسْعِدوا"، وأنت لا تقولُ في الخبرِ فيما سُمِّى (٥) فاعلُه: سعَده اللهُ.
بل إنما تقولُ: أسْعَده اللهُ؟
قيل: ذلك نظيرُ قولِهم: هو مجنونٌ، محبوبٌ فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإذا سَمَّوْا فاعلَه، قالوا: أجَنَّه اللهُ وأحَبَّه.
والعربُ تفعلُ ذلك كثيرًا.
وقد بيَّنا بعضَ ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا.
وتأويلُ ذلك: وأما الذين سُعِدوا برحمةِ اللهِ، فهم (١) في الجنةِ، خالدين فيها ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
يقولُ: أبدًا ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، من قدرِ ما مكَثُوا في النارِ، قبلَ دخولِهم الجنةَ، قالوا: وذلك فيمَن أُخْرِج مِن النارِ مِن المؤمنين فأُدْخِل الجنةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ (٢)، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
قال: هو أيضًا في الذين يَخْرُجون من النارِ، فيَدْخُلون الجنةَ، يقولُ: خالدين فى الجنةِ ما دامت السماواتُ والأرضُ، ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
يقولُ: إلا ما مكَثُوا فى النارِ حتى أُدْخِلُوا الجنةَ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن الزيادةِ على قدرِ مدةِ دَوامِ (١) السماواتِ والأرضِ، قالوا (١): وذلك هو الخلودُ فيها (١) أبدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن أبي مالكٍ -يعنى ثعلبةَ- عن أبي سنانٍ: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
قال: ومشيئتُه خلودُهم فيها، ثم أَتْبَعها فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (٢).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ الاستثناءِ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم (٣): في ذلك معنيان؛ أحدُهما: أن تَجْعَلَه استثناءً يَسْتَثْنِيه ولا (٤) يَفْعَلُه، كقولِك: واللهِ لأَضْرِبَنَّك، إلا أن أرَى غيرَ ذلك.
وعزمُك (٥) على ضربِه، قال: فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾.
ولا يَشاؤُه.
قال: والقولُ الآخرُ: أن العرب إذا اسْتَثْنَت شيئًا كثيرًا مع مثلِه، ومع ما هو أكثرُ منه، كان معنى إلا، ومعنى الواو سَوَاءٌ (٦).
فمن ذلك قولُه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، سوى ما شاء اللهُ مِن زيادةِ الخلودِ.
فَيَجْعَلُ "إلا" مكانَ "سوى" (٧) فيَصْلُحُ، وكأنه قال: خالدين فيها ما دامت السماواتُ والأرضُ سوى ما زادهم من الخلودِ والأبَدِ.
ومثلُه فى الكلامِ أن تقول: لى عليك ألفٌ إلا الألفين اللذين قبلَها (١).
قال: وهذا أحبُّ الوجهين إليَّ؛ لأن اللهَ لا خُلْفَ لوعدِه.
وقد وصَل الاستثناءَ بقولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
فدلَّ على أن الاستثناءَ لهم (٢) في الخلودِ غيرُ مُنْقَطِعٍ عنهم.
وقال آخرون (٣) منهم بنحوِ هذا القولِ، وقالوا: جائزٌ فيه وجهٌ ثالثٌ، وهو أن يكونَ اسْتَثْنَى مِن خلودِهم فى الجنةِ احْتِباسَهم عنها ما بينَ الموتِ والبعثِ؛ وهو البرزخُ، إلى أن يَصِيروا إلى الجنةِ، ثم هو خلودُ الأبدِ (٤)، يقولُ: فلم يَغِيبوا عن الجنةِ إلا بقدرِ إقامتِهم في البرْزَخِ.
وقال آخرون (٥) منهم: جائزٌ أن يكون دَوامُ السماواتِ والأرضِ بمعنى الأبدِ (٦) على ما تَعْرِفُ العربُ، وتَسْتَعْمِلُ وتَسْتَثْنى المَشيئةَ مِن دَوامِها؛ لأن أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ قد كانوا فى وقتٍ من أوقاتِ دَوامِ السماءِ (٧) والأرضِ في الدنيا، لا فى الجنةِ، فكأنه قال: خالدين فى الجنةِ وخالدين في النارِ دوامَ السماءِ والأرضِ، إلا ما شاء ربُّك مِن تعميرِهم في الدنيا قبلَ ذلك.
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ القولُ الذي ذكَرْتُه عن الضحاكِ؛ وهو: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ (١) إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن قدرِ مُكْثِهم فى النارِ، مِن لَدُنْ دخَلوها (٢)، إلى أن أُدْخِلوا (٣) الجنةَ، وتكونُ الآيةُ معناها الخصوصُ؛ لأن الأشهرَ من كلامِ العربِ في "إلا" توجيهُها إلى معنى الاستثناءِ، وإخراجُ معنى ما بعدَها مما قبلَها، إلا أن يكونَ معها دَلالةٌ تدُلُّ على خلافِ ذلك، ولا دلالةَ في الكلامِ -أعنى في قولِه: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ - تَدُلُّ على أن معناها غيرُ معنى المفهومِ في (٤) الكلامِ، فيُوَجَّهَ (٥) إليه.
وأما قولُه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
فإنه يعنى عطاءً مِن اللهِ غيرَ مقطوعٍ عنهم، من قولِهم: جذَذْتُ الشيءَ أَجُذُّه جَذًّا: إذا قطَعْتَه.
كما قال النابغةُ (٦): تَجُذُّ السَّلُوقيَّ (٧) المُضَاعَف نَسْجُه … ويُوقِدْنَ بالصُّفَّاحِ (٨) نارَ الحُبَاحِبِ (٩) يعنى بقولِه: تَجُذُّ: تَقْطَعُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيْبَرٍ، عن الضحاكِ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
يقولُ: غيرَ مقطوعٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
يعنى (٢): غيرَ مُنْقَطِعٍ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
يقولُ: عطاءً غيرَ مُنْقطعٍ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَجْذُوذٍ﴾.
قال: مقطوعٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
قال: غيرَ مقطوعٍ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ مثلَه (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، [عن مجاهدٍ] (١) مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
قال: أما هذه فقد أمْضاها، يقولُ: عطاءً غيرَ مُنْقَطِعٍ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾.
يقولُ: غيرَ منزوعٍ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فلا تَكُ في شَكٍّ يا محمدُ مما يَعْبُدُ هؤلاء المشركون من قومك من الآلهةِ والأصنامِ -أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه باللهِ شركٌ، [﴿مَا يَعْبُدُونَ﴾.
يقولُ] (٢).
ما يَعْبُدُ هؤلاء [المشركون ذلك] (٢)، ﴿إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: إلا كعبادةِ آبائِهم إيَّاها (٣) مِن قبلِ عبادتِهم لها.
يُخْبِرُ تعالى ذكرُه أنهم لم يَعْبُدوا ما عبَدوا مِن الأوثانِ إلا اتِّباعًا منهم مِنْهَاجَ آبائِهم، واقتفاءً منهم آثارَهم في عبادتِهموها، لا عن أمرِ الله إياهم بذلك، ولا لحجةٍ (٤) تَبَيَّنوها (٥) تُوجِبُ عليهم عبادتَها.
ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه نبيَّه ما هو فاعلٌ بهم؛ لعبادتِهم ذلك، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
يعنى: حظَّهم مما وعَدْتُهم أن أُوَفِّيَهموه، مِن خيرٍ أو شرٍّ، ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
يقولُ: لا أَنْقُصُهم مما وعَدْتُهم، بل أُتَمِّمُ ذلك لهم على التَّمامِ والكَمالِ.
كما حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
قال: ما وُعِدوا فيه مِن خيرٍ أو شرٍّ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ؛ الفضلُ بنُ دكين، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
قال: ما قدِّر لهم من خيرٍ أو شرٍّ.
حدَّثنا أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه، إلا أن أبا كُرَيْبٍ قال في حديثِه: مِن خيرٍ وشرٍّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخبَرنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
قال: ما قُدِّر لهم مِن الخيرِ والشرِّ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
قال: ما يُصِيبُهم مِن خيرٍ أو شرٍّ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾.
قال: نُوَفِّيهم (٢) نصيبَهم مِن العذابِ [غيرَ منقوصٍ] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُسَلِّيًا نبيَّه، ﵇، فى تكذيبِ مشرِكي قريشٍ؛ قومِه إيَّاه فيما أتاهم به من عندِ اللهِ بفعْلِ بنى إسرائيلَ بموسَى فيما أتاهم به من عندِ اللهِ، يقولُ له تعالى ذكرُه: ولا يحزُنْك يا محمدُ تكذيبُ هؤلاء المشركين لك، وامضِ لما أمَرك به ربُّك، مِن تبليغِ رسالتِه، فإنَّ الذى يفعَلُ بك هؤلاء؛ من ردِّ ما جئتَهم به عليك من النصيحةِ، من فعلِ ضُرَبائِهم من الأممِ قبلَهم، وسنةٌ من سُننِهم.
ثم أخبَره جلّ ثناؤُه بما فعَل قومُ موسَى به، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾.
يعنى: التوراةَ.
كما آتيناك الفرقانَ، فاختلَف في ذلك الكتابِ قومُ موسَى، فكذَّب به بعضُهم وصدَّق به بعضُهم، كما قد فعَل قومُك بالفُرْقانِ؛ من تصديقِ بعضٍ به، وتكذيبِ بعضٍ، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا كلمةٌ سبقَتْ يا محمدُ من ربِّك، بأنه لا يُعجِّلُ على خلْقِه بالعذابِ، ولكن يتأنَّى حتى يبلُغَ الكتابُ أجلَه، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: لقضَى بينَ المكذِّبِ منهم به والمصدِّقِ، بإهلاكِ اللهِ المكذِّبَ به منهم، وإنجائِه المصدِّقَ به، ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾.
يقولُ: وإن المكذِّبين به منهم لفي شَكٍّ من حقيقَتِه، أنه من عندِ اللهِ، ﴿مُرِيبٍ﴾.
يقولُ: يُريبُهم فلا يدْرُونَ أحقٌّ هو أمْ باطلٌ؟
ولكنَّهم فيه مُمتَرونَ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾.
اختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿وَإِنَّ﴾ مُشدَّدةً، ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ مُشدَّدةً (١).
واختلَف أهلُ العربيةِ فى معنى ذلك [إذا قُرِئَ كذلك] (٢)؛ فقال بعضُ نحويِّى الكُوفيين: معناه -إذا قُرِئَ كذلك-: وإِنَّ كلًّا لَمِمَّا ليوفِيَنَّهم رَبُّك أعمالَهم، ولكن لما اجتَمَعت الميماتُ حُذِفت واحدةٌ، فبَقِيت ثِنتانِ، فأُدْغِمَت واحدةٌ فى الأخرَى، كما قال الشاعرُ (٣): وإني لَمِمَّا (٤) أُصْدِرُ الأَمْرَ وَجْهَهُ … إذَا هُوَ أعيا بالسَّبيلِ (٥) مَصَادِرُه ثم تُخفَّفُ.
كما قرَأ بعضُ القرأةِ: ﴿وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ﴾ [النحل: ٩٠].
بحذفِ (٦) الياءِ مع الياءِ (٧)، وذكَر أن الكسائيَّ أنشَده (٣): وأشْمَتَّ العُدَاةَ (١) بِنا فَأَضْحَوْا (٢) … لَدَيَّ تَبَاشَرُونَ (٣) بِمَا لَقِينا وقال: يريدُ: لَدَيَّ يتَباشرون بما لَقِينا، فحذَف ياءً؛ لحركَتهِن واجتماعِهن.
قال: ومثلُه (٤): كأنَّ مِنْ آخِرِها إلْقادِمِ … مَخْرِمَ (٥) نَجْدٍ فارغَ (٦) المَخارِمِ وقال: أراد إلى القادمِ، فحذَف اللامَ عندَ اللامِ.
وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾: شديدًا وحقًّا، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾.
قالوا (٧): وإنما يُرادُ إذا قُرِئَ ذلك كذلك: (وَإِنَّ كُلًّا لمًّا) بالتَّشديدِ والتنوينِ (٨)، ولكن قارِئُ ذلك كذلك حذَف منه التنوينَ، فأخرَجه على لفظِ "فَعْلَى": "لَمَّا"، كما فعَل ذلك في قولِه: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤] فقرَأ بعضُهم: (تترًى) بالتنوينِ -كما قرَأ من قرَأ: (لَمًّا) بالتنوينِ (٩) - وقرأها آخرون بغيرِ تنوينٍ، كما قرَأ: (لَمَّا) مَن قرأه بغيرِ تنوينٍ (١٠).
وقالوا: أصلُه مِن اللَّمَمِ مِن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩].
يعنى: أكلًا شديدًا.
وقال آخرون: معنَى ذلك، إذا قُرِئَ كذلك: وإنَّ كُلَّا "إِلَّا" لَيُوفيَنَّهم؛ كما يقولُ القائلُ: [باللَّهِ لَمّا] (١) قُمْتَ عنَّا، وباللهِ إِلَّا قُمْتَ عنَّا.
ووجَدْتُ عامةَ أهلِ العلمِ بالعربيةِ يُنْكِرون هذا القولَ، ويأبَون أن يكونَ جائزًا توجِيهُ "لَمَّا" إلى معنى "إلَّا" إلا (٢) في اليمينِ خاصةً؛ وقالوا: لو جاز أن يكونَ ذلك بمعنى "إلا"، لجاز أن يُقالَ: قامَ القومُ لمَّا (٣) أخاكَ.
بمعنى: إلَّا أخاك، ودُخولُها في كلِّ مَوضِعٍ صلُح دخولُ "إِلَّا" فيه.
وأنا أرَى (٤) أن ذلك فاسدٌ من وجهٍ هو أبْيَنُ مما قالَه الذين حكَيْنا قولَهم مِن أهلِ العربيةِ [في فساده] (٥)، وهو أنّ "إنَّ" (٦) إثباتٌ للشيءِ وتحقيقٌ له، وإلَّا أيضًا تحقيقٌ وإيجابٌ (٧)، وإنما تدخُلُ نقضًا لجحدٍ قد تقدَّمها، فإذا كان ذلك معناها، فواجِبٌ أن تكونَ عندَ متأوِّلِها التأويلَ الذي ذكَرنا عنه، أن تكون "إنَّ" (٨) بمعنى الجحْدِ عندَه، حتى تكونَ "إلَّا" نقضًا لها، وذلك، إن قاله قائلٌ، قولٌ لا يخفَى جَهْلُ قائلِه، اللهمَّ إلا أن يُخفِّفَ قارئُ "إنَّ" فيجعَلها بمعنى: "إنْ" التي تكونُ بمعنى الجحْدِ، وإن فعَل ذلك فسَدت قراءتُه ذلك كذلك أيضًا من وجهٍ آخرَ، وهو أنه يصيرُ حينئذٍ ناصبًا الكُلَّ (٩) بقولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
وليس فى العربيةِ أن يَنْصِبَ ما بعدَ "إِلَّا" من الفعلِ الاسمَ الذى قبلَها؛ لا تقولُ العربُ: ما زيدًا (١٠) إِلَّا ضرَبْتُ، فيَفْسُدُ ذلك إذا قُرِئَ كذلك مِن هذا الوجهِ، إلا أن يَرْفَعَ رافعٌ الكلَّ، فيُخالِفَ بقراءتِه ذلك كذلك قراءةَ القرأةِ وخطَّ مصاحفِ المسلمين، ولا يَخْرُجَ بذلك مِن العيبِ لخروجِه (١) مِن معروفِ كلامِ العربِ.
وقد قرَأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفيين: (وإنْ كلًّا) بتخفيفِ "إِنَّ"، ونصبِ: ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ مشددةً (٢).
وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن قارئَ ذلك كذلك أراد "إنَّ" الثقيلةَ فخفَّفها.
وزُعِم (٣) عن أبي زيدٍ البصريِّ أنه سمِع: كأَنْ ثَدْيَيْه حُقَّانِ، فنصَب بكأنْ، والنونُ مخففةٌ من كأنَّ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): ووجهٍ مشرقِ النَّحْرِ … كأَنْ تَدْيَيْه حُقَّانِ وقرَأ ذلك بعضُ المدنيين: بتخفيفِ "إنَّ" ونصبِ "كُلًّا" وتخفيفِ "لَمّا" (٥).
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُ ذلك كذلك قصَد المعنى الذى حكَيْناه عن قارئ الكوفةِ، مِن تخفيفِه نونِ "إنَّ"، وهو يُريدُ تشديدَها، ويُرِيدُ بـ "ما" التي في "لَمَا" "ما " (٦) التي تَدْخُلُ في الكلامِ صلةً، وأن يَكونَ قصَد إلى تحميلِ الكلامِ معنَى: وإنْ كلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم.
وقد يجوزُ أن يكونَ معناه، كان في قراءتِه ذلك كذلك: وإِن كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم؛ أى: ليُوَفِّيَنَّ كُلًّا، فتكونَ نيَّتُه فى نصبِ كلٍّ كانت بقولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾.
فإن كان ذلك أراد، ففيه مِن القُبحِ ما ذكَرْتُ مِن خلافِه كلامَ العربِ، وذلك أنها لا تَنْصِبُ بفعلٍ بعدَ لامِ اليمينِ اسمًا قبلَها.
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: (وإنَّ) مشددةً، (كُلًّا لَمَا) مخففةً، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ (١).
ولهذه القراءةِ وجهان من المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ قارِئُها أراد: وإنَّ كلًّا لَمَن ليُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم، فيُوجِّهَ "ما" التي في "لَمَا" إلى معنى "مَن"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
وإن كان أكثرُ استعمالِ العربِ لها فى غيرِ بنى آدمَ، ويَنْوِى باللامِ التي في "لَمَا" اللامَ التى تُتَلَقَّى بها "إنْ" جوابًا لها، وباللامِ التى فى قولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامَ اليمينِ، دَخَلَت فيما بينَ "ما" وصلتِها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢].
وكما يقالُ: هذا ما لَغَيرُه أَفْضَلُ منه.
والوجهُ الآخرُ: أن يَجْعَلَ "ما" التى فى "لَمَا" بمعنى "ما" التي تَدْخُلُ صلةً في الكلامِ، واللامُ التي فيها هى اللامُ التي يُجابُ بها، واللامُ التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ هي أيضًا اللامُ التى يُجابُ بها "إنَّ"، كُرِّرَت وأُعِيدَت، إذ كان ذلك موضعَها، وكانت الأُولى مما تُدْخِلُها العربُ في غيرِ موضعِها، ثم تُعِيدُها بعدُ في موضعِها، كما قال الشاعرُ (٢): فلو أنَّ قَوْمِي لم يَكُونوا أَعِزَّةً … لَبَعْدُ لَقَدْ لاقَيْتُ لا بُدَّ مَصْرَعِى (٣) وقرَأ ذلك الزهريُّ فيما ذُكِر عنه: (وإنَّ كُلًّا لَمًّا).
بتشديدِ: إِنَّ" و "لَمًّا" وتنوينِها، بمعنى: شديدًا وحقًّا وجميعًا (١).
وأصحُّ هذه القراءاتِ مَخْرَجًا على كلامِ العربِ المُسْتَفِيض فيهم، قراءةُ مَن قرأه: ﴿وَإِنَّ﴾ بتشديدِ نونِها، (كُلًّا لَمَا) بتخفيفِ ما، ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾.
بمعنى: وإِنَّ كلَّ هؤلاء الذين قصَصْنا عليك يا محمدُ قَصَصَهم في هذه السورةِ، لَمَن لَيُوَفِّيَنَّهم ربُّك أعمالَهم؛ بالصالحِ منها الجزيلَ (٢) مِن الثوابِ، وبالطالحِ منها الشديدَ (٣) مِن العقابِ، فتكونُ "ما" بمعنى "مَن"، واللامُ التي فيها جوابًا لـ "إِنَّ"، واللامُ التي (٤) في قولِه: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامُ قسمٍ.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ ربَّك بما يَعْمَلُ هؤلاء المشركون باللهِ، مِن قومِك يا محمدُ، ﴿خَبِيرٌ﴾ لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن عملِهم، بل يَخْبُرُ ذلك كلَّه، ويَعْلَمُه ويُحِيطُ به، حتى يُجازِيَهم على جميعِ ذلك جزاءَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فاسْتَقِمْ أنت يا محمدُ على أمرِ ربِّك، والدينِ الذي ابْتَعَثك به، والدعاءِ إليه، كما أمَرَك ربُّك، ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.
يقولُ: ومَن رجَع معك إلى طاعةِ اللهِ، والعملِ بما أمَرَه به ربُّه مِن بعدِ كفرِه به، ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾.
يقولُ: ولا تَعْدُوا أمرَه إلى ما نهاكم عنه، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
يقولُ: إن ربَّكم أيُّها الناسُ بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ كلِّها؛ طاعتِها ومعصيتِها ﴿بَصِيرٌ﴾: ذو علمٍ بها، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ، وهو لجميعِها مُبصِرٌ.
يقولُ تعالى ذكرُه: فاتَّقُوا اللهَ أَيُّها الناسُ، أن يَطَّلِعَ عليكم ربُّكم، وأنتم عامِلون بخلافِ أمرِه، فإنه ذو علمٍ بما تَعْمَلون، وهو لكم بالمِرْصادِ.
وكان ابنُ عُيَيْنَةَ يقولُ في معنى قولِه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
ما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
قال: اسْتَقِمْ على القرآنِ (١).
حدَّثني يونُسُ (٢)، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾.
قال: الطغيانُ خِلافُ اللهِ، وركوبُ معصيتِه، ذلك الطغيانُ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولا تَمِيلوا أيُّها الناسُ إلى قولِ هؤلاء الذين كفَروا باللهِ، فتَقْبَلوا منهم وتَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ بفعلِكم ذلك، ومالكم مِن دونِ اللهِ مِن ناصرٍ يَنْصُرُكم، وولىٍّ يَلِيكم، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.
يقولُ: فإنكم إن فعَلْتُم ذلك لم يَنْصُرْكم اللهُ، بل يُخَلِّيكم مِن نُصْرتِه، ويُسَلِّطُ عليكم عدوَّكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: [﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
يقولُ: ولا تذهبوا (١).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه] (٢): ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (٣).
يعنى: الركون إلى الشركِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
يقولُ: لا تَرْضَوْا أعمالَهم (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم.
يقولُ: الركونُ الرضا (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ فى قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
قال: لا تَرْضَوْا أعمالَهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
قال: قال ابنُ عباسٍ: ولا تَمِيلوا إلى الذين ظلَموا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
يقولُ: لا تَلْحَقوا بالشركِ، وهو الذى خرَجْتُم منه (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
قال: الركونُ الإِدْهانُ.
وقرَأ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾.
قال: تَرْكَنُ إليهم، ولا تُنْكِرُ (٣) عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيمَ مِن كفرِهم باللهِ وكتابِه ورسلِه.
قال: وإنما هذا لأهلِ الكفرِ وأهلِ الشركِ، وليس لأهلِ الإسلامِ، أما أهلُ الذنوبِ مِن أهلِ الإسلامِ، فاللهُ أعلمُ بذنوبِهم وأعمالِهم، ما يَنْبَغى لأحدٍ أن يُصالَحَ على شيءٍ مِن معاصى اللهِ، ولا يُرْكَنَ إليه فيها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ يا محمدُ، يعني: صَلِّ، ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
يعني: الغداةَ والعشيَّ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى التى عُنِيَت بهذه (٥) الآيةِ مِن صَلواتِ العَشِيِّ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن التي عُنِيَت بها (١) مِن صلاةِ الغداةِ (٢) الفجرُ؛ فقال بعضُهم: عُنِيَت بذلك صلاةُ الظهرِ والعصرِ.
قالوا: وهما مِن صلاةِ العشىِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ.
وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: الفجرَ وصلاتَيِ العَشِيِّ.
يعنى: الظهرَ والعصرَ (٣).
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: صلاةَ الفجرِ وصلاةَ العشيِّ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعت محمدَ بنَ كعبٍ القُرْظِيَّ يقولُ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: فطَرَفا النهارِ: الفجرُ والظهرُ والعصرُ (٦).
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظَيِّ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: [طرفي النهارِ] (١): الفجرُ والظهرُ والعصرُ.
[حدَّثني: المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ (٢)، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: الفجرُ والظهرُ والعصرُ] (٣).
وقال آخرون: بل عُنِى بها صلاةُ المغربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
يقولُ: صلاةُ الغداةِ وصلاةُ المغربِ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: صلاةُ الفجرُ (٥) والمغربِ (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الصبحُ والمغربُ (١).
وقال آخرون: عُنِى بها صلاةُ العصرِ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: صلاةُ الفجرِ والعصرِ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ القُبائِيِّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الفجرُ والعصرُ] (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
[قال: صلاةُ] (٥) الصبحِ وصلاةُ العصرِ (٦).
حدَّثني الحسينُ (٧) بنُ علىٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﷿ لنبيِّه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
[قال: طرَفى النهارِ] (٨): الغَداةُ والعَصرُ (٩).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
يعنى: صلاةَ العصرِ والصبحِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مُباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصرُ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
قال: الغداةُ والعصرُ (٣).
وقال بعضُهم: بل عُنِى بطرَفى النهارِ: الظهرُ والعصرُ، وبقولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ والصبحُ.
وأولى هذه الأقوالِ فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: هي صلاةُ المغربِ.
[كما ذكَرنا عن ابنِ عباسٍ] (٤).
وإنما قلنا: هو أولى بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميع على أن صلاةَ أحدِ الطرَفين من ذلك صلاةُ الفجرِ، وهى تُصَلَّى قبلَ طلوعِ (٥) الشمسِ، فالواجبُ -إذ كان ذلك من جميعِهم إجماعًا- أن تكونَ صلاةُ الطرَفِ الآخرِ المغربَ؛ لأنها تُصَلَّى بعدَ غروبِ الشمسِ، ولو كان واجبًا أن يكونَ مرادًا بصلاةِ أحدِ الطرَفين قبلَ غروبِ الشمسِ، وجَب أن يكونَ مرادًا بصلاةِ الطرَفِ الآخرِ بعدَ طلوعِها، وذلك ما لا نعلَمُ قائلًا قاله، إلا مَن قال: عُنِى بذلك صلاةُ الظهرِ والعصرِ.
وذلك قولٌ لا يُخِيلُ (١) فسادُه؛ لأنهما إلى أن يكونا جميعًا من صلاةِ أحدِ الطرَفين، أقربُ منهما إلى أن يكونا من صلاةِ طرَفي النهارِ، وذلك أن الظهرَ لا شكَّ أنها تُصَلَّى بعد مضىِّ نصفِ النهارِ فى النصفِ الثانى منه، فمحالٌ أن تكونَ من طرَفِ النهارِ الأوّلِ، وهى تُصَلَّى (٢) في طرَفِه الآخرِ، فإذ (٣) كان لا قائلَ من أهلِ العلمِ يقولُ: عُنِى بصلاةِ طرف النهارِ الأوّلِ صلاةٌ بعدَ طلوعِ الشمسِ.
وجَب أن يكونَ غيرَ جائزٍ أن يقالَ: عُنِى بصلاةِ طرَفِ النهارِ الآخرِ صلاةٌ قبلَ غروبِها.
وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا في ذلك مِن القولِ، وفسَد ما خالَفه.
وأما قولُه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
فإنه يعنى: ساعاتٍ من الليلِ، وهى جمعُ زُلْفةٍ، والزلفةُ: الساعةُ والمنزِلةُ والقُربْةُ.
وقيل: إنما سُمِّيت المزدلفةُ وجَمْعٌ من ذلك؛ لأنها منزلٌ بعدَ عرفةَ.
وقيل: سُمِّيت بذلك لازدلافِ آدمَ من عَرَفةَ إلى حوّاءَ وهى بها، ومنه قولُ العجّاجِ في صفةِ بعيرٍ (٤): ناجٍ طَوَاهُ الأَيْنُ (٥) ممَّا وَجَفا (٦) طَىَّ اللَّيالي زُلَفًا فَزُلَفَا [سماوةَ الهلالِ حتى احْقَوقَفا] (٧) واختلَفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَزُلَفًا﴾ بضمِّ الزاى وفتحِ اللامِ، وقرَأه بعضُ أهلِ المدينةِ بضمِّ الزايِ واللامِ (١)، كأنه وجَّهه إلى أنه واحدٌ، وأنه بمنزلةِ "الحُلُمِ"، وقرَأه بعضُ المكيِّين: (وزُلْفًا) بضمِّ الزايِ، وتسكينِ اللامِ (٢).
وأعجَبُ القراءةِ فى ذلك إلىّ أن [يُقرأَ بها] (٣): ﴿وَزُلَفًا﴾.
بضمِّ الزايِ وفتحِ اللامِ، على معنى جمعِ زُلْفةٍ، كما تُجمَعُ غرفةٌ غُرَفٌ، وحجرةٌ حُجَرٌ.
وإنما اخترتُ قراءةَ ذلك كذلك؛ لأن صلاةَ العشاءِ الآخِرةِ إنما تُصَلَّى بعدَ مضىِّ زُلَفٍ مِن الليلِ، وهي التي عُنِيت عندى بقولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال جماعةٌ مِن أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: ساعاتٍ من الليلِ: صلاةَ العَتمةِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
يقولُ: صلاةُ العَتَمةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: العشاءُ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن سفيانَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ أبى يزيدَ، قال: سَمِعتُ (٣) ابنَ عباسٍ يعجِبُه التأخيرُ بالعشاءِ، ويقرَأُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: ساعةً من الليلِ؛ صلاةَ العَتَمةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: العَتَمَةُ، وما سمِعنا أحدًا من فقهائِنا ومشيختِنا (٥) يقولون (٦): العشاءُ.
ما يقولون إلا: العتمةُ.
وقال قومٌ: الصلاةُ التى أمَر اللهُ (١) النبيَّ ﷺ بإقامتِها زُلَفًا من الليلِ (٢)، صلاةُ المغربِ والعشاءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ -واللفظُ ليعقوبَ- قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: هما زُلْفتان من الليلِ؛ صلاةُ المغربِ وصلاةُ العشاءِ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن أشعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: المغربُ والعشاءُ.
حدَّثني الحسينُ (٤) بنُ علىٍّ - [يعنى الصُّدائيَّ] (٥) - قال: ثنا أبي، قال: ثنا مباركٌ، عن الحسنِ، قال: قال اللهُ ﵎ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: زُلَفًا من الليلِ؛ أى المغربُ والعشاءُ، وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "هُما زُلْفَتَا اللَّيْلِ؛ المَغْرِبُ والعِشاءُ" (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: المغربُ والعشاءُ (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: قد ييَّن اللهُ مواقيتَ الصلاةِ في القرآنِ، قال: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
قال: دُلوكُها: إذا زالَت عن بطنِ السماءِ، وكان لها في الأرضِ فئٌ.
وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾: الغداةُ والعصرُ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "هُمَا زُلْفَتَا اللَّيْلِ؛ المَغْرِبُ والعِشاءُ".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: يعني صلاةَ المغربِ وصلاةُ العشاءِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظيَّ يقولُ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، عن أفلحَ بنِ سعيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ مثلَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمِ بنِ سليمانَ، عن الحسنِ، قال: زُلْفتا الليلِ المغربُ والعشاءُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: المغربُ والعشاءُ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ (٢)، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: المغربُ والعشاءُ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾: المغربُ والعشاءُ (٤).
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: المغربُ والعشاءُ] (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قال: صلاةُ المغربِ والعشاءِ.
وقولُه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الإنابةَ إلى طاعةِ اللهِ، والعملَ بما يرضيه، تُذهِبُ آثامَ معصيةِ اللهِ، وتُكفِّرُ الذنوبَ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الحسناتِ التي عناها (١) اللهُ جلّ ثناؤُه في هذا الموضعِ، اللاتى يُذهِبْن السيئاتِ؛ فقال بعضُهم: هنّ الصلواتُ الخَمْسُ المكتوباتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن الجُرَيرِيِّ، عن أبي الوردِ بنِ ثُمامةَ، عن أبى محمدٍ الحضرميِّ (٢)، قال: ثنا كعبٌ في هذا المسجدِ، قال: والذي نفسُ كعبٍ بيدِه، إن الصلواتِ الخمسَ لهنّ الحسناتُ التي يُذهِبْن السيئاتِ، كما يغسِلُ الماءُ الدَّرَنَ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن أفلحَ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ كعبٍ القُرَظِىَّ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: هنّ الصلواتُ الخمسُ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: هن الصلواتُ الخمسُ (٥).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾: إنّ الصلواتِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ جميعًا، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثني زُريقُ بنُ السَّخْتِ (٢)، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ، قال: الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سعيدٍ الجُرَيريِّ، قال: ثنى أبو عثمانَ، عن سلمانَ، قال: والذي نفسي بيدِه، إن الحسناتِ التي يمحو اللهُ بهنّ السيئاتِ كما يغسِلُ الماءُ الدَّرَنَ، الصلواتُ الخمسُ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن [عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ] (٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (٤)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن مزْيَدَةَ (٥) بنِ زيدٍ، عن مسروقٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: الصلواتُ الخمسُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ عياشٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا ضمضمُ بنُ زُرْعَةَ، عن شريحِ بنِ عبيدٍ، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "جُعِلَتِ الصَّلَواتُ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ " (٦).
حدَّثنا ابنُ سنانٍ (٧) القزازُ، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن علىِّ بنِ زيدٍ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، قال: كنت مع سلمانَ الفارسيِّ تحتَ شجرةٍ، فأخَذ غُصْنًا من أغصانِها يابسًا، فهزَّه حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: [ألا تسأَلُنى: لِم أفعَلُ هذا؟
فقلتُ: ولِمَ تَفْعَلُه؟
فقال] (١): هكذا فعَل رسولُ اللهِ ﷺ؛ كنت معه تحتَ شجرةٍ، فأخَذ غصنًا من أغصانِها يابسًا فهزَّه، حتى تحاتَّ ورقُه، ثم قال: "ألا تَسْأَلُنِي لِمَ أَفْعَلُ هَذَا يا سَلْمانُ؟
".
فقلت: ولم تفعَلُه؟
فقال: "إِنَّ المُسْلِمَ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، تَحاتَّتْ خَطاياهُ كما تَحاتَّ هَذَا الوَرَقُ".
ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيةَ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطْوانيُّ، قالا: ثنا عبدُ اللهِ بنُ يزيدَ، قال: أخبَرنا حَيْوةُ، قال: أخبَرنا أبو عَقيلٍ زُهْرَةُ بن مَعْبَدٍ القُرَشِيُّ من بنى تَيْمٍ من رهطِ أبى بكرٍ الصديقِ ﵁، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ ابنِ عفانَ ﵀ يقولُ: جلَس عثمانُ يومًا وجلَسنا معه، فجاءه المؤذِّنُ، فدعا عثمانُ بماءٍ فى إناءٍ أظُنُّه سيكونُ فيه قدرَ مُدٍّ، فتوضَّأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يتوضَّأُ وضوئى هذا، ثم قال: "مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئى هَذَا، ثُمَّ قامَ فَصَلَّى صَلاةَ الظُّهْرِ، غُفِرَ لَهُ مَا كانَ بَيْنَهُ وَبينَ صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبينَ صَلاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها (٣) وبينَ صَلاةِ العَصْرِ، ثُمَّ صَلَّى العِشاءَ غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها (٣) وبينَ صَلاةِ المَغْرِبِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يَبِيتُ [يَتَمَرَّغُ لَيْلَتَه] (٤)، ثُمَّ إِنْ قامَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى الصُّبْحَ، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَها وبيَن صَلاةِ العِشَاءِ، وَهُنَّ الحَسَناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ" (٥).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ، قال: ثنا حَيْوةُ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ زُهرةُ بنُ مَعبدٍ، أنه سمِع الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ، قال: جلَس عثمانُ بنُ عفانَ يومًا على المقاعدِ.
فذكَر نحوَه عن رسولِ اللهِ ﷺ، إلا أنه قال: "وَهُنَّ الحَسَناتُ، [إِنَّ الحَسَنَاتِ] (١) يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ".
حدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ ورِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قالا: ثنا زُهرةُ بنُ مَعبدٍ، قال: سمِعتُ الحارثَ مولى عثمانَ بنِ عفانَ يقولُ: جلَس عثمانُ بنُ عفانَ يومًا على المقاعدِ ثم ذكَر نحوَه عن رسولِ اللهِ ﷺ (٢).
وقال آخرون: هى (٣) قولُ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
قال: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
وأولى التأويلين بالصوابِ فى ذلك قولُ مَن قال في ذلك: هنّ (١) الصلواتُ الخمسُ؛ لصحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وتواتُرِها عنه، أنه قال: "مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ مَثَلُ نَهْرٍ جارٍ على بابِ أحَدِكم، يَغْتَمِسُ (٢) فيه كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَماذا يُبْقِينَ مِنْ دَرَنهِ؟!
(٣).
وأن ذلك فى سياقِ أمرِ اللهِ بإقامةِ الصلواتِ، فالوعدُ على إقامتِها الجزيلَ من الثوابِ عَقيبَها، أولى من الوعدِ على ما لم يجرِ له ذكرٌ من سائرِ صالحاتِ الأعمالِ، إذا خُصَّ بالقصدِ بذلك بعضٌ دونَ بعضٍ.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
يقولُ ﷿: هذا الذى أوَعدتُ عليه، من الركونِ إلى الظلمِ، وتهدَّدتُ فيه، والذي وعَدتُ فيه إقامةِ الصلواتِ اللواتى يُذهِبْن السيئاتِ، تذكرةٌ ذكَّرتُ بها قومًا يذكُرون وعدَ اللهِ فيرجون ثوابَه، ووعيدَه فيخافون عقابَه، لا مَن قد طُبع على قلبِه، فلا يجيبُ داعيًا، ولا يسمَعُ زاجرًا.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت بسببِ رجلٍ نال من غيرِ زوجتِه ولا مِلكِ يمينِه بعضَ ما يحرُمُ عليه، فتاب من ذنبِه ذلك.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، قالا: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: إنى عالَجتُ (١) امرأةً فى بعضِ أقطارِ المدينةِ، فأصَبتُ منها ما دونَ أن أمَسَّها، فأنا هذا، فاقضِ فيّ ما شئتَ.
فقال عمرُ: لقد ستَرك اللهُ، لو ستَرتَ على نفسِك!
قال: ولم يرُدَّ النبيُّ ﷺ شيئًا.
قال: فقام الرجلُ، فانطلَق، فأتبَعه النبيُّ ﷺ رجلًا، فدعاه، فلما أتاه قرَأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فقال رجلٌ من القومِ: هذا له يا رسولَ اللهِ خاصةً؟
قال: "بَلْ للنَّاسِ كافَّةً" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني لقِيت امرأةً في البستانِ، فضمَمتُها إِليَّ، وباشَرْتُها وقَبَّلتُها، وفعَلتُ بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أجامِعْها.
فسكَت عنه النبيُّ ﷺ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فدعاه النبيُّ ﷺ، فقرَأها عليه، فقال عمرُ: يا رسولَ اللهِ، ألَه خاصةً، أم للناسِ كافةً؟
قال: لا، بَلْ للنَّاسِ كافَّةً".
ولفظُ الحديثِ لابنِ وكيعٍ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، أنه سمِع إبراهيمَ بنَ يزيدَ (٤) يُحدِّثُ عن علقمةَ والأسودِ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنى أخَذتُ (١) امرأةً في بستانٍ، ففعَلتُ بها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أجامِعْها؛ قَبَّلتُها ولزِمتُها، ولم أفعَلْ (٢) غيرَ ذلك، فافعَلْ بي ما شِئْتَ.
فلم يقُلْ له رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا، فذهَب الرجلُ، فقال عمرُ: لقد ستَر اللهُ عليه (٣)، لو ستَر على نفسِه!
فأتبَعه رسولُ اللهِ ﷺ بصرَه، فقال: "رُدُّوهُ عَليَّ".
فرَدّوه، فقرَأ عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قال: فقال معاذُ بنُ جبلٍ: ألَه وحدَه يا نبيَّ اللهِ، أم للناسِ كافةً؟
فقال: "بَلْ للنَّاسِ كافَّةً" (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمّانِيُّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ والأسودِ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أخَذتُ امرأةً فى البستانِ، فأصَبتُ منها كلَّ شيءٍ، غيرَ أني لم أنكِحْها، فاصنَعْ بي ما شئتَ.
فسكَت النبيُّ ﷺ، فلما ذهَب دعاه، فقرَأ عليه هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ العِجْلىُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعت إبراهيمَ يحدِّثُ عن خالِه (٦) الأسودِ، عن عبدِ اللهِ، أن رجلًا لقِيَ امرأةً في بعضِ طرقِ المدينةِ، فأصاب منها ما دونَ الجماعِ، فأتى النبيَّ ﷺ، فذكَر ذلك له، فنزَلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فقال معاذُ بنُ جبلٍ: يا رسولَ اللهِ، لهذا خاصةً، أو لنا عامَّةً؟
قال: "بل لكم عامَّةً" (١) حدَّثنا [ابنُ المُثَنَّى] (٢)، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أنبَأني سماكٌ، قال: سمِعتُ إبراهيمَ يحدِّثُ عن خالِه (٣)، عن ابنِ مسعودٍ، أن رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: لقِيتُ امرأةً في حُشٍّ (٤) بالمدينةِ، فأصَبتُ منها ما دونَ الجماعِ.
فذكر (٥) نحوَه.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ عمرُو بنُ الهيثمِ البغداديُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكٍ، عن إبراهيمَ، عن خالِه (٦)، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه (٧).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: جاء فلانُ بنُ مُعَتِّبٍ؛ رجلٌ مِن الأنصارِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، دخَلَت علىَّ امرأةٌ، فنلتُ منها ما ينالُ الرجلُ من أهلِه، إلا أنى لم أواقِعْها.
فلم يدرِ رسولُ اللهِ ﷺ بما يجيبُه، حتى نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فدعاه فقرَأها عليه (١).
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، وحدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، جميعًا عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعودٍ: أن رجلًا أصاب مِن امرأةٍ شيئًا لا أدرى ما بلَغ، غيرَ أنه (٢) دونَ الزنا، فأتى النبيَّ ﷺ، فذكَر ذلك له، فنزَلَت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾.
فقال الرجلُ: ألى (٣) هذه يا رسولَ اللهِ؟
قال: "لِمَنْ أَخَذَ بِها مِنْ أُمَّتِي، و (٤) لمن عَمِلَ بِها" (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، [عن أبي عثمانَ] (٦)، قال: كنت مع سلمانَ، فأخَذ غصنَ شجرةٍ يابسةٍ، فحَتَّه ثم (٧) قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ تَحاتَّتْ خَطاياهُ كما يَتَحاتُّ هَذَا الوَرَقُ".
ثم قرَأ (٨): " ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (٩).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ وحسينٌ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن معاذٍ، قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ترَى في رجلٍ لقِيَ امرأةً لا يعرِفُها، فليس يأتِى الرجلُ مِن امرأتِه شيئًا إلا قد أتاه منها، غيرَ أنه لم يجامِعْها؟
فأنزَل اللهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "تَوَضَّأْ ثُمَّ صَلِّ".
فقال معاذٌ: قلت: يا رسولَ اللهِ، أله خاصةً، أم للمؤمنين عامةً؟
فقال: "بل للمؤمِنينَ عامَّةً" (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، أن رجلًا أصاب مِن امرأةٍ ما دونَ الجماعِ، فأتى النبيَّ ﷺ فسألَه (٢) عن ذلك، فقرَأ رسولُ اللهِ ﷺ أو أُنزِلت -: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فقال معاذٌ: يا رسولَ اللهِ، ألَه خاصةً، أم للناسِ عامةً؟
فقال: "هيَ للنَّاس عامَّةً".
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عميرٍ، قال: سمِعتُ عبدَ الرحمنِ بنَ أبي ليلى، قال: أتى رجلٌ النبيَّ ﷺ، فذكَر نحوَه.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى عمروُ بنُ الحارثِ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ سالمٍ، عن الزُّبيديِّ، قال: ثنا سليمُ بنُ عامرٍ، أنه سمِع أبا أُمامةَ يقولُ: إن رجلًا أتى رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ: أقِمْ فىَّ حدَّ اللهِ.
مرَّةً أو (١) اثنتين، فأعرَض عنه رسولُ اللهِ ﷺ، ثم أقيمت الصلاةُ، فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من الصلاةِ، قال: "أين هذا القائِلُ: أقِمْ فِيَّ حَدَّ اللهِ؟
".
قال: أنا ذا.
قال: "هَلْ أَتْمَمْتَ الوُضُوءَ، وَصَلَّيْتَ مَعَنا آنِفًا؟
"، قالَ: نعم، قالَ: "فإِنَّكَ مِنْ خَطيئَتِكَ كَمَا وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، فلا تَعُدْ".
وأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه حينَئذٍ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى قولِه: ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثني جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن معاذِ بنِ جبلٍ، أنه كان جالسًا عندَ النبيِّ ﷺ، فجاء رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، رجلٌ أصاب من امرأةٍ ما لا يحِلُّ له، لم يدَعْ شيئًا يصيبه الرجلُ من امرأتِه إلا أتاه، إلا أنه لم يجامِعْها.
قال: "يَتَوَضَّأُ وُضُوءًا حَسَنًا، ثُمَّ يُصَلِّى".
فأنزَل اللهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ، فقال: معاذٌ: هي له يا رسولَ اللهِ خاصةً، أم للمسلمين عامَّةً؟
قال: "بَلْ للمُسْلِمينَ عامَّةً" (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ مسلمٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن يحيى بنِ جعدةَ، أن رجلًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ، ذكَر امرأةً، وهو جالسٌ مع النبيِّ ﷺ، فاستأذَنه لحاجةٍ، فأذِن له، فذهَب فطلَبها (١) فلم يجِدْها، فأقبَل الرجلُ يريدُ أن يبشِّرَ النبيَّ ﷺ بالمطرِ، فوجَد المرأةَ جالسةً على غديرٍ، فدفَع في صدرِها، وجلَس بينَ رِجلَيها، فصار ذكَرُه مثلَ الهُدْبَةِ، فقام نادمًا، حتى أتى النبيَّ ﷺ، فأخبَره بما صنَع، فقال له النبيُّ ﷺ: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ، وَصَلِّ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ".
قال: وتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بنِ طلحةَ، عن أبى اليَسَرِ بنِ عمرٍو الأنصاريِّ، قال: أتَتْنى امرأةٌ تبتاعُ منى بدرهمٍ تمرًا، فقلتُ: إن فى البيتِ تمرًا أجودَ من هذا، فدخَلَت فأهْوَيتُ إليها، فقبَّلتُها، فأتيتُ أبا بكرٍ: فسألتُه، فقال: استُرْ على نفسِك وتُبْ، واستغفِرِ اللهَ.
فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتُه (٣)، فقال: "أخَلَفْتَ رَجُلًا عَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فِي "أهْلِهِ بِمِثْل هَذَا؟!
".
حتى ظنَنتُ أنى من أهلِ النارِ، حتى تمنَّيتُ أني أسلَمتُ ساعتَئذٍ.
قال: فأطرَق رسولُ اللهِ ﷺ ساعةً، فنزَل جبريلُ، فقال: "أين أبو اليَسَرِ؟
".
فجِئتُ، فقرَأ عَلَىَّ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ ".
قال إنسانٌ: يا رسولَ اللهِ، له خاصةً أم للناسِ عامَّةً؟
قال: "للنَّاسِ عامَّةً" (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمّانيُّ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عثمانَ بنِ مَوْهَبٍ، عن موسى بنِ طلحةَ، عن أبى اليَسَرِ، قال: لقِيتُ امرأةً فالتزَمتُها، غيرَ أني لم أنكِحْها، فأتَيتُ عمرَ بنَ الخطابِ فسألتُه، فقال: اتقِ اللهَ واستُرْ على نفسِك، ولا تخبِرَنَّ أحدًا، فلم أصبِرْ حتى أتَيتُ أبا بكرٍ، فسألتُه (١)، فقال: اتقِ اللهَ واستُرْ على نفسِك، ولا تخبِرَنَّ أحدًا.
قال: فلم أصبِرْ حتى أتَيتُ النبيَّ ﷺ فأخبَرتُه، فقال (٢): "هل جهَّزتَ غازيًا؟
".
قلتُ: لا.
قال: "فهل خَلَفْتَ غازِيًا في أهلِه؟
".
قلتُ: لا.
فقال لى، حتى تمنَّيتُ أنى كنتُ دخَلتُ في الإسلامِ تلك الساعةَ.
قال: فلما ولَّيتُ دعانى، فقرَأ علىَّ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ".
فقال له أصحابُه: ألهذا خاصةً، أم للناسِ عامَّةً؟
فقال: "بل للنَّاسِ عامَّةً".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ، أن رجلًا أصاب من امرأةٍ قُبلةً، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، هلَكتُ.
فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن سليمانَ التَّيمىِّ، قال: ضرَب رجلٌ على كَفَلِ (٣) امرأةٍ، ثم أتى أبا بكرٍ وعمرَ ﵄، فكلما سأل رجلًا منهما عن كفارةِ ذلك، قال: أمُغْزِيَةٌ (٤) هي؟
فإذا (٥) قال: نعم.
قال: لا أدرى.
ثم أتى النبيَّ ﷺ، فسأله عن ذلك، فقال: "أمُغْزِيَةٌ هي؟
".
قال: نعم.
قال: "لا أدْرِى".
حتى أنزَل اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ (٢)، عن قيسِ بنِ سعيدٍ، عن عطاءٍ فى قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾.
أن امرأةً دخَلَت على رجلٍ يبيعُ الدقيقَ، فقبَّلها، فأُسْقِط في يدِه، فأتى عمرَ، فذكَر له ذلك، فقال: اتقِ اللهَ، ولا تكُنِ امرأةَ غازٍ.
فقال الرجلُ: هي امرأةُ غازٍ.
فذهَب إلى أبى بكرٍ، فقال مثلَ ما قال عمرُ، فذهَبوا إلى النبيِّ ﷺ جميعًا، فقال له كذلك، ثم سكَت النبيُّ ﷺ فلم يُجِبْهم، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ -الصلواتُ المفروضاتُ- إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حدَّثني عطاءُ بنُ أبي رباحٍ، قال: أقبَلت امرأةٌ حتى جاءت إنسانًا يبيعُ الدقيقَ، لتبتاعَ منه، فدخَل بها البيتَ، فلما خلا بها (٣) قبَّلها.
قال: فسُقِط في يديه، فانطلَق إلى أبى بكرٍ، فذكَر ذلك له، فقال: أبصِرْ، لا تكونَنَّ امرأةَ رجلٍ غازٍ.
[فانطلَق إلى عمرَ، فذكَر ذلك له، فقال له مثلَ ذلك، وانطلَق أبو بكرٍ وعمرُ والرجلُ إلى النبيِّ ﷺ فذكَروا ذلك له، فقال: "أبْصِرْ، لا تكونَنَّ امرأةَ رجلٍ غازٍ] (٤) ".
فبينما هم على ذلك، نزَل فى ذلك: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾.
قيل لعطاءٍ: المكتوبةُ هى؟
قال: نعم (٥).
قال ابنُ جريجٍ: وقال عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: هي المكتوباتُ.
قال ابنُ جريجٍ، عن يزيدَ بنِ رُومانَ: إن رجلًا من بني غَنْمٍ، دخَلَت عليه امرأةٌ فقبَّلها، ووضَع يدَه على دُبُرِها، فجاء إلى أبي بكرٍ ﵁، ثم إلى عمرَ ﵁، ثم أتى (١) إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلت هذه الآيةُ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾.
فلم يزَلِ الرجلُ الذى قبَّل المرأةَ يذكُرُ، فذلك قولُه: ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واصبِرْ يا محمدُ على ما تلقى من مشركي قومِك، من الأذى فى اللهِ والمكروهِ، رجاءَ جزيلِ ثوابِ اللهِ على ذلك، فإن اللهَ لا يضيعُ ثوابَ عملِ مَن أحسَن (٣) فأطاعَ اللهَ واتَّبَع أمرَه، فيذهَبَ به، بل يوفِّرُه عليه (٤)، أحوجَ ما يكونُ إليه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فهلَّا كان من القرونِ الذين قصَصتُ عليكم (٥) نبأَهم في هذه السورةِ، الذين أهلَكتُهم بمعصيتِهم إياى، وكفرِهم برسلى من قبلِكم، ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾.
يقولُ: ذَوُو (١) بقيةٍ من الفهمِ والعقلِ، يعتبِرون مواعظَ اللهِ، ويتدبَّرون حججَه، فيعرِفون ما لهم في الإيمانِ باللهِ، وعليهم في الكفرِ به، ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ينهَون أهلَ المعاصى عن معاصيهم، وأهلَ الكفرِ باللهِ عن كفرِهم به في أرضِه، ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: لم يكُنْ من القرونِ من قبلِكم أولو بقيةٍ ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ إلا يسيرًا، فإنهم كانوا ينهَون عن الفسادِ في الأرضِ، فنجّاهم اللهُ من عذابِه حينَ أخَذ مَن كان مقيمًا على الكفرِ باللهِ - عذابُه، وهم تُبَّاعُ الأنبياءِ والرسلِ.
ونصَب "قليلًا" لأن قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
استثناءٌ منقطِعٌ مما قبلَه، كما قال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونسُ: ٩٨].
وقد بيَّنا ذلك في غيرِ موضعٍ، بما أغنَى عن إعادتِه (٢).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اعتذَر فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾.
فإذا هم الذين نَجَوا حينَ نزَل عذابُ اللهِ.
وقرَأ: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾.
قال: يستقِلُّهم اللهُ من كلِّ قومٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عَدىٍّ، عن داودَ، قال: سألني بلالٌ، عن قولِ الحسنِ في القَدرِ (١).
قال: فقلتُ (٢): سمِعتُ الحسنَ يقولُ: ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨].
قال: بعَث اللهُ هودًا إلى عادٍ، فنجَّي اللهُ هودًا والذين آمَنوا معه، وهلك المتمتِّعون، وبعَث اللهُ صالحًا إلى ثمودَ، فنجَّي اللهُ صالحًا، وهلَك المتمتِّعون.
فجعَلتُ أستقريه الأممَ، فقال: ما أراه إلا كان حسنَ القولِ في القَدرِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾.
أى: لم يكُنْ من قبلِكم من ينهَى عَنِ الفسادِ فِي الأرضِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ (٤).
وقولُه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبَع الذين ظلَموا أنفسَهم وكفروا (٥) باللهِ ﴿مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾.
[فاختلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه أنهم اتَّبَعوا ما أُبطِروا (٦) فيه] (٧).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ قال: ما أُنظِروا فيه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾: من دنياهم (٢).
وكأنَّ هؤلاء وجَّهوا تأويلَ الكلامِ: واتَّبع الذين ظلَموا الشيءَ الذي أنظَرهم فيه ربُّهم، من نعيمِ الدنيا ولذَّاتِها، إيثارًا له على عملِ الآخرةِ، وما ينجِّيهم من عذابِ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: واتَّبَع الذين ظلَموا ما تجبَّروا فيه من الملكِ، وعَتَوْا عن أمرِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾.
قال: في ملكِهم وتجبُّرِهم، وترَكوا الحقَّ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، [قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٣) نحوَه، إلا أنه قال: وتركِهم الحقَّ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو سواءً.
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخْبَر أن الذين ظلَموا أنفسَهم مِن كلِّ أُمَّةٍ سَلَفَت، فكفَروا باللهِ، اتَّبَعوا ما أُنْظِروا فيه مِن لذاتِ الدنيا (١)، فاسْتَكْبروا عن أمرِ اللهِ وتجَبَّروا، وصدُّوا عن سبيلِه.
وذلك أن المُتْرَفَ فى كلامِ العربِ هو المُنَعَّمُ الذي قد غُذِّى باللذاتِ، ومنه قولُ الراجزِ (٢): نُهدِى (٣) رُءُوسَ المُتْرَفِين الصُّدَّادْ إلى أميرِ المؤمنين المُمْتادْ وقولُه: ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
يقولُ: وكانوا مُكْتَسبى الكفرِ باللهِ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما كان ربُّك يا محمدُ لِيُهْلِكَ القرى التي أهْلَكها -التي قَصَّ عليك نبأَها- ظُلمًا وأهلُها مُصْلِحون فى أعمالِهم، غيرُ مُسِيئِين، فيكونَ إهلاكُه إياهم مع إصلاحِهم في أعمالِهم وطاعتِهم ربَّهم ظلمًا، ولكنه أهْلَكها لكُفْرِ (٤) أهلِها باللهِ، وتَمادِيهم في غَيِّهم، وتكذيبِهم رسلَهم، وركوبِهم السيئاتِ.
وقد قيل: معنى ذلك: لم يَكُنْ لِيُهْلِكَهم بِشركِهم (١) باللهِ، وذلك قولُه: ﴿بِظُلْمٍ﴾.
يعني: بشركٍ، ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾: فيما بينَهم لا يَتَظَالَمون، ولكنهم يَتَعاطَوْن الحقَّ بينَهم، وإن كانوا مشركين، وإنما يُهْلِكُهم إذا تَظالَموا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولو شاء ربُّك يا محمدُ لجعَل الناسَ كلَّهم جماعةً واحدةً، على ملةٍ واحدةٍ، ودينٍ واحدٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ: لجعَلهم مسلمين كلَّهم.
وقولُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
يقولُ: ولا يزالُ النَّاسُ مختلفين، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فى الاختلافِ الذى وصَف اللهُ الناسَ أنهم لا يزالون به؛ فقال بعضُهم: هو الاختلافُ فى الأديانِ، فتأويلُ ذلك على مذهبِ هؤلاء: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين على أديانٍ شتَّى؛ من بينِ يهوديٍّ ونصرانيٍّ ومجوسيٍّ، ونحوِ ذلك.
وقال قائلو هذه المقالةِ: استثنَى اللهُ من ذلك مَن رحِمهم، وهم (٢) أهلُ الإيمانِ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: اليهودُ والنصارى والمجوسُ، والحنيفيةُ هم الذين رحِم ربُّك (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا قبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: اليهودُ والنصارى والمجوسُ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: يعنى (٢) الحنيفيةَ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا منصورُ ابنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلت للحسنِ: قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾؟
قال: الناسُ مختلفون على أديانٍ شتَّى، إلا من رحِم ربُّك، فمن رحِم غيرُ مختلِفين (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بنِ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: سُئِل الحسنُ عن هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: الناسُ كلُّهم مختلِفون على أديانٍ شتَّى.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾: فمن رحِم غيرُ مختلِفٍ.
فقلت له: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾؟
فقال: خلَق هؤلاء لجنتِه، وهؤلاء لنارِه، وخلَق هؤلاء لرحمتِه، وخلَق هؤلاء لعذابِه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ (٢)، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ، وأهلُ الباطلِ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ.
حدَّثني المُثّنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، [عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ] (٣).
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ ليس فيهم اختلافٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: اليهودُ والنصارى.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ القبلةِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، [عن ابنِ عباسٍ] (٢): ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ (٣).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: لا يزالون مختلِفين في الهوى (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ (٥)، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
فأهلُ رحمةِ اللهِ أهلُ جماعةٍ، وإن تفرَّقت دورُهم وأبدانُهم، وأهلُ معصيةِ اللهِ أهلُ فرقةٍ، وإن اجتمَعت دورُهم وأبدانُهم (٦).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: مَن جعَله على الإسلامِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا الحسنُ عن (١) واصلٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
حدَّثنا (٢) ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: أهلُ الباطلِ: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يزالون مختلِفين في الرزقِ؛ فهذا فقيرٌ، وهذا غنيٌّ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمِرُ، عن أبيه، أن الحسنَ قال: مختلِفين فى الرزقِ، سخَّر بعضَهم لبعضٍ (٤).
وقال آخرون (٥): مختلِفين فى المغفرةِ والرحمةِ.
أو كما قال.
وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين في أديانِهم وأهوائِهم على أديانٍ ومِلَلٍ وأهواءٍ شتَّى، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾، فآمَن باللهِ، وصدَّق رسلَه، فإنهم لا يختلِفون في توحيدِ اللهِ، وتصديقِ رسلِه، وما جاءهم من عندِ اللهِ.
وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ في تأويلِ ذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أتْبَعَ ذلك قولَه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
ففى ذلك دليلٌ واضحٌ، أن الذى قبلَه من ذكرِ خبرِه عن اختلافِ الناسِ، إنما هو خبرٌ عن اختلافٍ مذمومٍ يوجِبُ لهم النارَ، ولو كان خبرًا عن اختلافِهم في الرزقِ لم يعقِّبْ ذلك بالخبرِ عن عقابِهم وعذابِهم (١).
وأما قولُه ﷿: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وللاختلافِ خلَقهم.
[ذكرُ مَن قال ذلك] حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مباركِ بنِ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للاختلافِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا منصورُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: قلت للحسنِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
فقال: خلَق هؤلاء لجنتِه، وخلَق هؤلاء لنارِه، وخلَق هؤلاء لرحمتِه، وخلَق هؤلاء لعذابِه (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن منصورٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيز، عن منصورِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بنحوِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن خالدٍ الحذّاءِ، أن الحسنَ قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: خلَق هؤلاء لهذه، وخلَق هؤلاء لهذه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: أما أهلُ رحمةِ اللهِ فإنهم لا يختلِفون اختلافًا يضُرُّهم.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: خلَقهم فريقين: فريقًا يُرحَمُ فلا يختلِفُ، وفريقًا لا يُرْحَمُ يختلِفُ، وذلك قولُه: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (٢).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾.
قال: يهودُ، ونصارى، ومجوسٌ.
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾.
قال: من جعَله على الإسلامِ، ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: مؤمنٌ وكافرٌ (٣).
[حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: "مؤمنٌ وكافرٌ"] (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ (١)، قال: سُئِل مالكٌ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: خلَقهم ليكونوا فريقين: فريقٌ فى الجنةِ، وفريقٌ فى السعيرِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وللرحمةِ (٣) خلَقهم.
[ذكرُ مَن قال ذلك] حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حسنِ بنِ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للرحمةِ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ وابنُ وكيعٍ قالا: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للرحمةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن ليثٍ (٥)، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن شريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا أبو حفصٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: للرحمةِ خلَقهم.
[حدَّثني المُثَنَّى، حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للرحمةِ] (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للرحمةِ خلَقهم (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عمَّن ذكَره، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: للرحمةِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، قال: أخبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
قال: أهلُ الحقِّ ومَن اتبَعه لرحمتِه.
حدَّثني [سعدُ بنُ عبدِ اللهِ] (٤)، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ﴾.
قال: للرحمةِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾، ولم يخلُقْهم للعذابِ (٥).
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وللاختلافِ بالشقاءِ والسعادةِ.
خلَقهم.
لأن اللهَ جلّ ثناؤُه، ذكَر صِنفين من خلقِه؛ أحدُهما: أهلُ اختلافٍ وباطلٍ.
والآخرُ: أهلُ حقٍّ.
ثم عقَّب ذلك بقولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
فعمَّ بقولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
صفةَ الصِّنفين، فأخبَر عن كلِّ فريقٍ منهما أنه ميسرٌ لما خُلِق له.
فإن قال قائلٌ: فإن كان تأويلُ ذلك كما ذكَرتَ، فقد ينبَغِي أن يكونَ المختلفون غيرَ ملومين على اختلافِهم، إذ كان لذلك خلَقهم ربُّهم، وأن يكونَ المتمتِّعون هم الملومين؟
قيل: إن معنى ذلك بخلافِ ما إليه ذهَبتَ، وإنما معنى الكلامِ: ولا يزالُ الناسُ مختلِفين بالباطلِ من أديانِهم ومللِهم، ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فهداه للحقِّ ولعلمِه، وعلى علمِه النافذِ فيهم قبلَ أن يَخلُقَهم -أنه يكونُ فيهم المؤمنُ والكافرُ، والشقىُّ والسعيدُ- خلَقهم، فمعنى "اللامِ" في قولِه: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾.
بمعنى: "على".
[كقولِك للرجلِ] (١): أكرَمتُك على برِّك بي (٢).
وأكرَمتُك لبرِّك بي.
وأما قولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.
[يقولُ ﷿: وسبَقت كلمةُ ربِّك يا محمدُ، فوجَبَت: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾] (٣).
لعلمِه السابقِ فيهم أنهم يستوجِبون صِلِيَّها؛ بكفرِهم باللهِ، وخلافِهم إياه (٤).
وقولُه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾.
قَسَمٌ، كقولِ القائلِ: حَلِفى لأزورَنَّك، وبدا لي لآتيَنَّك.
ولذلك تُلُقِّيَت بلامِ اليمينِ.
وقولُه: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ﴾: وهى ما اجتنَّ عن أبصارِ بنى آدمَ، ﴿وَالنَّاسِ﴾.
يعني: بني آدمَ.
وقيل: إنهم سُمُّوا جِنةً؛ لأنهم كانوا على الجنَانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ: إنما (٢) سُمُّوا الجِنةَ؛ أنهم كانوا على الجنَانِ، والملائكةُ كلُّهم جِنةٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا [عبيدُ اللهِ] (١)، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عن أبى مالكٍ، قال: الجِنَّةُ الملائكةُ.
وأما معنى قولِ أبي مالكٍ هذا: أن إبليسَ كان من الملائكةِ، والجنَّ ذريَّتُه، وأن الملائكةَ تسمَّى عندَه (٣) الجنَّ؛ لما قد بيَّنت فيما مضَى قبلُ من كتابِنا هذا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾.
يقولُ ﷿: [وكُلُّ ذلك] (٥) ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ الذين كانوا قبلَك، ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فلا تجزَعْ من تكذيبِ مَن كذَّبك من قومِك، ورَدَّ عليك ما جئتَهم به، ولا يَضِقْ صدرُك، فتترُكَ بعضَ ما أنزَلتُ إليك من أجلِ أن قالوا: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢].
إذا علِمتَ ما لَقِيَ مَن قبلَك من رسلى من أُمَمِها.
كما حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾.
قال: لتعلمَ ما لقِيَتْ الرسلُ قبلَك من أُمَمِهم (١).
واختلَف أهلُ العربيةِ فى وجهِ نصبِ ﴿كُلًّا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: نُصِب على معنى: ونقصُّ عليك من أنباءِ الرسلِ ما نثبِّتُ به فؤادَكَ كُلًّا.
كأَنَّ الكلَّ منصوبٌ عندَه على المصدرِ من ﴿نَقُصُّ﴾، بتأويلِ: ونقصُّ عليك ذلك كُلَّ القَصَصِ.
وقد أنكَر ذلك من قولِه بعضُ أهلِ العربيةِ، وقال: ذلك غيرُ جائزٍ.
وقال: إنما نصَب ﴿كُلًّا﴾ بـ ﴿نَقُصُّ﴾؛ لأن ﴿كُلًّا﴾ بُنِيت على الإضافةِ، كان معها إضافةٌ أو لم يكُنْ.
وقال: أراد: كلَّه نقصُّ عليك.
وجعَل ﴿مَا نُثَبِّتُ﴾ ردًّا على ﴿كُلًّا﴾.
وقد بيَّنتُ الصوابَ من القولِ في ذلك (٢).
وأما قولُه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معناه: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خُليدِ بنِ جعفرٍ، عن أبي إياسٍ، عن أبي موسى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ: وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن خُليدِ بن جعفرٍ، عن أبى إياسٍ معاويةَ بنِ قُرَّةَ، عن أبي موسى مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن أبى رجاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبي عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، عن عمرٍو العنبريِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، عَن أَبي عَوَانَةَ، عن أبي بشرٍ، عن رجلٍ مِن بنى العنبرِ، قال: خَطَبَنا ابنُ عباسٍ فقال: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قرَأ هذه السورةَ على الناسِ حتى بلَغ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عوفٍ، عن مروانَ الأصفرِ، عن ابنِ عباسٍ، أنه قرَأ على المنبرِ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
فقال: في هذه السورةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى (٢)، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
[حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شريكٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: هذه السورةُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعد (٥)، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، عن شعبةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ بمثلِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٍ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن شعبةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن [شعبةَ، عن] (٢) أبانِ بنِ تغلِبَ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه السورةِ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى رجاءٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ البصريَّ يقولُ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: يعنى: فى هذه السورةِ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: وجاءك في هذه الدنيا الحقُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: في هذه الدنيا (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ (٢)، عن قتادةَ [مثلَه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ] (٣): ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾.
قال: كان الحسنُ يقولُ: في الدنيا (٤).
وأولى القولين بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ؛ لإجماعِ الحجةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يجِئْ النبىَّ ﷺ الحقُّ من سُوَرِ القرآنِ إلا في هذه السورةِ، فيقالَ: وجاءك فى هذه السورةِ الحقُّ؟
قيل له: بلى، قد جاءه فيها كلِّها.
فإن قال: فما وجهُ خصوصِه إذنْ فى هذه السورةِ بقولِه: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾؟
قيل: إن معنى الكلامِ: وجاءك في هذه السورةِ الحقُّ، مع ما جاءك في سائرِ سُورِ القرآنِ، أو إلى ما جاءك من الحقِّ فى سائرِ سُوَرِ القرآنِ، لا أن معناه: وجاءَك فى هذه السورةِ الحقُّ، دونَ سائرِ سُوَرِ القرآنِ.
وقولُه: ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾.
يقولُ: وجاءك موعظةٌ تعِظُ الجاهلين باللهِ، وتُبَيِّنُ لهم عِبَرَه ممن كفَر به، وكذَّب رسلَه.
﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وتذكِرةٌ تذكَّرُ المؤمنين باللهِ ورسلِه؛ كى لا يغفُلوا عن الواجبِ للهِ عليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَقُلْ﴾ يا محمدُ للذين لا يُصَدِّقونك، ولا يُقِرُّونَ بوحدانيةِ اللهِ: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾.
يقولُ: على هِينتِكم وتمكُّنِكم ما أنتم عامِلوه، فإنا عامِلون ما نحن عاملوه من الأعمالِ التى أمَرنا اللهُ ﷿ بها، وانتظِروا ما وعَدكم الشيطانُ، فإنا منتظِرون ما وعَدنا اللهُ من خِزْيِكم (١) ونصرتِنا عليكم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾.
قال: يقولُ: انتظِروا مواعيدَ الشيطانِ إياكم، على ما يُزيِّنُ لكم؛ إنا منتظِرون (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وللهِ يا محمدُ مُلْكُ كلِّ ما غاب عنك في السماواتِ والأرضِ، فلم تطَّلِعْ عليه، ولم تعلَمْه، كلُّ ذلك بعلمِه وبيدِه، لا يخفَى عليه منه شيءٌ، وهو عالمٌ بما يعمَلُه مشركو قومِك، وما إليه مصيرُ أمرِهم؛ من إقامةٍ على الشركِ، أو إقلاعٍ عنه وتوبةٍ، ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
يقولُ: وإلى اللهِ مَعادُ كلِّ عاملٍ وعملِه، وهو مُجازٍ جميعَهم بأعمالِهم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾.
قال: فيقضِى بينَهم بحكمِه بالعدلِ.
يقولُ (١): ﴿فَاعْبُدْهُ﴾: فاعبُدْ ربَّك يا محمدُ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: وفوِّضْ أمرَك إليه، وثِقْ به وبكفايتِه، فإنه كافٍ مَن توكَّلَ عليه (٢).
وقولُه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ: وما ربُّك يا محمدُ بساهٍ عما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومِك، بل هو محيطٌ به، لا يعزُبُ عنه شيءٌ منه، وهو لهم بالمرصادِ، فلا يَحزُنْك إعراضُهم عنك، ولا تكذيبُهم بما جئتَهم به من الحقِّ، وامضِ لأمرِ ربِّك، فإنك بأَعْينِنا.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ، عن كعبٍ، قال: خاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ (٣) (*).
آخرُ تفسيرِ سورةِ هودٍ، والحمدُ للهِ وحدَه.
يتلوه تفسيرُ السورةِ التي يُذكَرُ فيها يوسفُ.
وهو آخرُ المجلدِ الثاني عشرَ.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على محمدٍ وآلِه وصحبِه وسلَّم.