تفسير الطبري سورة الرعد

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الرعد

تفسيرُ سورةِ الرعد كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 228 دقيقة قراءة

تفسير سورة الرعد كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

﷽ أولُ تفسيرِ السورةِ التي يُذكرُ فيها الرعدُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾.

قال أبو جعفرٍ: قد بَيَّنَّا القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الر﴾ [يوسف: ١]، و ﴿المر﴾، ونظائرِها من حروفِ المعجمِ، التي افْتُتِح بها أوائلُ بعضِ سورِ القرآنِ فيما مَضَى، بما فيه الكفايةُ مِن إعادتها، غيرَ أنَّا نذكُرُ من الروايةِ ما جاء خاصًّا به كلَّ سورةٍ افتُتِح أوَّلُها بشيءٍ منها.

فمما جاءِ من الروايةِ في ذلك في هذه السورةِ عن ابن عباسٍ مِن نَقْلِ أبى الضُّحى مسلمِ بن صُبيحٍ، وسعيدِ بن جبيرٍ عنه، التفريقُ بينَ معنى ما ابْتُدِئَ به أَوَّلُها، مع زيادةِ الميمِ التي فيها، على سائرِ السورِ (١) ذواتِ الراءِ، ومعنى ما ابُتدِئ به أخواتُها، مع نُقْصانِ ذلك منها عنها.

ذكرُ الرواية بذلك عنه حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن هشيمٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿المر﴾.

قال: أنا اللهُ أرى (٢).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿المر﴾ قال: أنا اللهُ أرى (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر﴾: فواتحُ يَفْتحُ بها كلامَه (٢).

وقولُه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: تلك التي قَصَصتُ عليك خبرَها، آياتُ الكتابِ الذي أنزلتُه قبلَ هذا الكتابِ الذي أنزلتُه إليك، إلى مَن أنزلتُه إليه مِن رسلي قبلَك.

وقيل: عَنَى بذلك التوراةَ والإنجيلَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾: الكتب التي كانت قبلَ القرآنِ (٣).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾.

قال: التوراةُ والإنجيلُ (٤).

وقولُه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ فاعمَلْ بما فيه، واعتصِمْ به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾.

قال: القرآنُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾.

أي: هذا القرآنُ (١).

وفى قولِه: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.

وَجْهان من الإعرابِ؛ أحدُهما، الرفعُ على أنه كلامٌ مبتدأٌ، فيكونُ مرفوعًا بـ ﴿الْحَقُّ﴾، و ﴿الْحَقُّ﴾ به.

وعلى هذا الوجهِ تأويلُ مجاهدٍ وقتادةَ، الذي ذَكَرنا قبلُ عنهما.

والآخَرُ، الخفضُ على العطفِ به على ﴿الْكِتَابِ﴾، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: تلك آياتُ التوراةِ والإنجيلِ والقرآنِ.

ثم يَبْتَدِئُ ﴿الْحَقُّ﴾.

بمعنى: ذلك الحقُّ.

فيكونُ رفعه بمضمرٍ مِن الكلامِ قد اسْتُغْنِي بدلالةِ الظاهرِ عليه منه.

ولو قيل: معنى ذلك: تلك آياتُ الكتابِ الذي أُنزِل إليك من ربِّك الحقُّ.

وإنما أُدْخِلت الواوُ في ﴿وَالَّذِي﴾، وهو نعتٌ لـ ﴿الْكِتَابِ﴾، كما أَدْخَلها الشاعرُ في قولِه (٢): إلى المَلِكِ القَوْمِ وابنِ الهُمَامِ … ولَيْثِ الكَتِيبة في المُزْدَحَمْ فعَطَف بالواوِ، وذلك كلُّه مِن صفةِ واحدٍ - كان مذهبًا من التأويلِ، ولكن ذلك إذا تُؤُوِّل كذلك، فالصوابُ من القراءةِ في: ﴿الْحَقُّ﴾ الخفضُ (٣)، على أنه نعتٌ لـ ﴿وَالَّذِي﴾.

وقولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ مِن مشركي قومِك [﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾] (١): لا يُصدِّقون بالحقِّ الذي أُنزِل إليك مِن ربَّك، ولا يُقِرُّون بهذا القرآنِ وما فيه مِن مُحْكَمِ آيِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ يا محمدُ هو الذي رَفَع السماواتِ السبعَ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها، فجَعَلها للأرضِ سَقْفًا مَسْموكًا.

والعَمَدُ جمعُ عمودٍ، وهى السَّوارى، وما يُعْمَدُ به البناءُ، كما قال النابغةُ (٢): وَخَيِّسِ (٣) الجِنِّ إلى قد أذِنْتُ لهم … يَبْنُون تَدْمُرَ بِالصُّفَّاحِ (٤) والعَمَدِ وجمعُ العمودِ عَمَدٌ، كما جمعُ الأديم أَدَمٌ.

ولو جُمِع بالضمِّ فقيل: عُمُدٌ.

جاز، كما يُجْمَعُ الرسولُ رُسُلٌ، والشَّكورُ شُكُرٌ.

واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: اللَّهُ الذي رَفَع السماواتِ بِعَمَدٍ (٥) لا تَرَونها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا عمرانُ بنُ حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: إن فلانًا يقولُ: إنها على عَمَدٍ.

يعنى السماء.

قال: فقال: اقرأْها: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، أي: لا تَرَونها.

(١) حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدِ بن الصبَّاحِ، قال: ثنا معاذُ بنُ معاذٍ، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا حميدٌ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال: بِعَمَدٍ لا تَرَونها (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن حميدٍ، عن الحسنِ بن مسلمٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال: هي لا تَرَونها.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةً، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾.

يقولُ: عَمَدٍ لا (٣) تَرَوْنها (٤).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال قتادةُ: قال ابن عباسٍ: بعَمَدٍ ولكن لا تَرَونها (١).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شريكٌ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال: ما يُدْرِيك، لعلها بعَمَدٍ لا تَرَونها (٢)؟

ومَن تأوَّلَ ذلك كذلك، قصدَ مذهبَ تقديمِ العربِ الجحدَ مِن آخرِ الكلامِ إلى أوَّلِه، كقولِ الشاعرِ (٣)؟

ولا أَرَاهَا تَزَالُ ظالمةً … تُحْدِثُ لى نَكْبَةً (٤) وتَنْكَؤُها (٥) يريدُ: وأَرَاها لا تزالُ ظالمةً.

فقَدَّم الجَحْدَ عن موضعِه من "تزالُ"، وكما قال الآخرُ (٦): إذا أَعْجَبَتْكَ الدَّهْرَ حَالٌ مِن امْرِيءٍ … فَدَعْه وَوَاكِلْ حاله واللَّيَاليا يَجِئْنَ على ما كان مِن صالحٍ به … وإنْ كان فيما لا يَرَى الناسُ الِيَا يعني: وإن كان فيما يرى الناسُ لا يَأْلو.

وقال آخرون: بل هي مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ خَلَفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: أخبَرنا آدمُ، قال: ثنا حمادٌ بنُ سَلمةَ، عن إياسِ بن معاويةَ في قولِه: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال: السماءُ مُقَبَّبَةٌ على الأرضِ مثلَ القُبَّةِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

قال: رَفَعها بغيرِ عَمَدٍ (٢).

وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أن يقالَ كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.

فهى مرفوعةٌ بغيرِ عَمَدٍ نَراها، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه، ولا خبرَ بغيرِ ذلك، ولا حجةَ يجبُ التسليمُ لها بقولٍ سِواه.

وأما قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.

فإنه يعنى: عَلَا عليه.

وقد بَيَّنَّا معنى الاستواءِ، واختلافَ المختلفِين فيه، والصحيحَ مِن القولِ فيما قالوا فيه، بشواهده فيما مَضَى، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.

يقولُ: وأجْرَى الشمسَ والقمرَ في السماءِ، فسَخَّرهما فيها (٤) لمصالحِ خلقِه، وذَلَّلَهما لمنافعِهم، ليَعْلموا بجَرْيِهما فيها عَدَدَ السنين والحسابَ، ويَفْصِلوا به بين الليلِ والنهارِ.

وقولُه: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: كلُّ ذلك يَجْرِى في السماءِ لأَجَلٍ مُسَمًّى، أي: لوقتٍ معلومٍ، وذلك إلى فَناءِ الدنيا وقيامِ القيامةِ التي عندَها تُكَوَّرُ الشمسُ، ويُخْسَفُ القمرُ، وتَنْكَدِرُ النجومُ.

وحُذِف "ذلك" مِن الكلامِ لفَهْمِ السامعِين مِن أهلِ لسانِ مَن نَزَل بلسانِه القرآنُ معناه، وأن ﴿كُلٌّ﴾ (١) لابدَّ لها مِن إضافةٍ إلى ما تُحيطُ به.

وبنحوِ الذي قُلنا في [قولِه: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾] (٢).

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

قال: الدنيا (٣).

وقولُه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يَقْضِي اللَّه الذي رَفَع السماواتِ بغيرِ عَمَدٍ تَرَونها أمورَ الدنيا والآخرةِ كلَّها، ويُدبِّرُ ذلك كلَّه وحده بغيرِ شريكٍ ولا ظهيرٍ ولا معينٍ، سُبْحانه.

وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾: يَقْضِيه وحدَه (٣).

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٤).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

وقولُه: ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾.

يقولُ: يُفصِّلُ لكم ربُّكم آياتِ كتابِه فيُبَيِّنُها لكم، احْتجَاجًا بها عليكم أيُّها الناسُ، ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾.

يقولُ: لتُوقِنوا بلقاءِ اللَّهِ والمعادِ إليه، فتُصَدِّقوا بوَعْدِه ووَعِيدِه، وتَنْزَجروا عن عبادةِ الآلهةِ والأوثانِ، وتُخلِصوا له العبادةَ إذا تَيَقَّنتُم (١) ذلك.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: وأن الله ﵎ إنما أنزَل كتابه وأَرسَل رُسُلَه؛ ليُؤْمَنَ بوَعْدِه، وليُسْتَيْقَنَ بلقائِه (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والله الذي مَدَّ الأرضَ، فبَسَطَها طولًا وعرضًا.

وقولُه: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: وجَعَل في الأرضِ جبالًا ثابتةً.

والرَّواسي جمعُ راسيةٍ، وهى الثابتةُ، يقالُ منه: أرسيتُ الوَتِدَ في الأرضِ.

إذا أثبَتَّه، كما قال الشاعرُ (١): بهِ (٢) خاِلداتٌ (٣) ما يَرِمْنَ (٤) وهايدٌ (٥) … وأَشْعَثُ (٦) أَرْسَتْه الوَلِيدَةُ بالفِهْرِ (٧) يعني: أَثْبَتَتْه.

وقولُه: ﴿وَأَنْهَارًا﴾.

يقولُ: وجَعَل في الأرضِ أنهارًا مِن ماءٍ.

وقولُه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

فـ ﴿وَمِنْ﴾ الله في قولِه: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

مِن صلةِ ﴿جَعَلَ﴾ الثاني، لا الأولِ.

ومعنى الكلامِ: وجَعَل فيها زوجَين اثنين من كلِّ الثمراتِ.

وعنى بـ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾: مِن كلِّ ذَكَر اثنان، ومن كلِّ أنثى اثنان، فذلك أربعةٌ؛ من الذكورِ اثنان، ومِن الإناثِ اثنتان (٨)، في قولِ بعضِهم.

وقد بَيَّنَّا فيما مَضَى أن العرب تُسَمِّي الاثنين زوجَين، والواحدَ مِن الذكورِ زوجًا لأُنثاه، وكذلك الأُنثى الواحدةَ زَوْجًا، وزوجةً لذَكَرِها، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

ويزيدُ ذلك إيضاحًا قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥].

فسَمَّى الاثنين الذكر والأنثى زوجَين.

وإنما عَنَى بقولِه (٢): ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾.

نوعَين وضَربَين.

وقولُه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾.

يقولُ: يجلِّلُ الليلَ النهارَ فيُلْبِسُه ظُلْمتَه، والنهارَ الليلَ بضيائِه.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾.

أي: يُلْبِسُ الليل النهارَ (٣).

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن فيما وَصَفتُ وذَكَرتُ من عجائبِ خلقِ اللَّهِ وعظيمِ قدرتِه التي خَلَق بها هذه الأشياءَ - لَدَلالاتٍ وحُجَبًا وعِظاتٍ لقومٍ يتفكَّرون فيها، فيَسْتَدِلُّون ويَعْتَبِرون بها، فيَعْلَمون أن العبادةَ لا تَصْلُحُ ولا تجوزُ إلا لَن خَلَقها ودَبَّرها، دونَ غيرِه مِن الآلهةِ والأصنامِ التي لا تقدِرُ على ضَرٍّ ولا نفعٍ، ولا لشيءٍ غيرها، إلا لمَن أنشأ ذلك فأحْدَثه مِن غيرِ شيءٍ، ﵎، وأن القُدْرةَ التي أبْدَع بها ذلك، هي القدرةُ التي لا يتعذَّرُ عليه إحياءُ مَن هَلَك من خلقِه، وإعادةُ ما فني وابتداعُ ما شاء ابْتِداعَه بها.

والقولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [يعنى تعالى ذكرُه بقوله] (١): ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: وفي الأرضِ قِطَع منها مُتقارباتٌ مُتَدانياتٌ، يَشْرَبُ بعضُها مِن بعضٍ بالجوارِ، وتختلِفُ بالتفاضُلِ مع تَجاورِها وقربِ بعضِها من بعضٍ، فمنها قطعةٌ سَبِخةٌ (٢) لا تُنْبِتُ شيئًا، في جِوارِ قطعةٍ طيبةٍ تُنْبِتُ وتَنفَعُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: السَّبَخةُ والعَذِية (٣)، والمالحُ والطيبُ (٤).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: سِباخٌ وعُذُوبةٌ (٥).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سنانٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: العَذِيَةُ (١) والسَّبَخَةُ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخةَ والأرضَ العَذِيَة (١)، يكونان جميعًا مُتجاوراتٍ، يُفضَّلُ (٢) بعضُها على بعضٍ في الأُكُلِ (٣).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ (٤): العَذِيَةُ والسَّبَخةُ، مُتجاوراتٌ جميعًا، تُنْبِتُ هذه، وهذه إلى جَنْبِها لا تُنْبِتُ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: طَيِّبُها [وعَذْبُها] (٥)، وخبيثُها السِّباخُ (٦).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: قُرًى قَرُبَت، متجاوراتٌ بعضُها مِن بعضٍ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: قُرًى متجاوراتٌ (١).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: الأرضُ السَّبِخَةُ، بينها الأرضُ العَذِيَةُ (٢).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾: يعنى الأرضَ السَّبِخَةَ والأرضَ العَذِيَة (٣)، متجاوراتٌ، بعضُها عند بعضٍ.

حدَّثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: الأرضُ تُنْبِتُ حُلوًا، والأرضُ تُنْبِتُ، حامضًا، وهى متجاورةٌ، تُسقَى بماءٍ واحدٍ (٤).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: يكون هذا حُلوًا وهذا حامضًا، وهو يُسْقَى بماءٍ واحدٍ، وهُنَّ مُتجاوراتٌ (١).

حدَّثني عبدُ الجبارِ بنُ يحيى الرَّمْليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذبٍ في قولِه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾.

قال: عَذِيَةٌ (٢) ومالحةٌ.

وقولُه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى (٣) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وفي الأرضِ مع القطَعِ المختلفاتِ المعانى منها، بالملوحةِ والعذوبةِ، والخبيثِ والطيبِ، مع تجاورِها وتقاربِ بعضِها من بعضٍ، بساتينُ من أعنابٍ، وزرعٌ ونخيلٌ أيضًا، متقاربةٌ في الخِلْقةِ، مختلفةٌ في الطعومِ والألوانِ، مع اجتماعِ جميعِها على شِرْبٍ واحدٍ، فمِن طيِّبٍ طعمُه منها، حَسَنٍ منظرُه، طيبة رائحتُه، ومِن حامضٍ طعمُه، ولا رائحةَ له.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: مجتمِعٌ وغيرُ مجتمِعٍ، ﴿يُسْقَى (٤) بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: الأرضُ الواحدةُ يكُونُ فيها الخَوْجُ والكمَّثْرى والعنبُ الأبيضُ والأسودُ، بعضُها أكثر حملًا من بعض، وبعضُه حلوٌ وبعضُه حامضٌ، وبعضُه أفضلُ من بعضٍ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَجَنَّاتٌ﴾.

قال: وما معها (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ.

قال المثنى: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.

واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أَهلِ المدينةِ والكوفةِ: (وَزَرْعٍ وَنَخِيلٍ).

بالخفضِ (٣)، عطفًا بذلك على "الأعنابِ"، بمعنى: وفي الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ، وجنَّاتٌ من أعنابٍ ومن زرعٍ ونخيلٍ.

وقرَأ ذلك بعضُ (٤) أهل البصرة: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾.

بالرفعِ (٥)، عطفًا بذلك على "الجنَّاتِ"، بمعنى: وفى الأرضِ قطعٌ متجاوراتٌ وجناتٌ من أعنابٍ، وفيها أيضًا زرعٌ ونخيلٌ.

والصوابُ من القول في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما قراءٌ مشهورون، فبأيتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ وذلك أن الزرعَ والنخلَ إذا كانا في البساتينِ، فهما في الأرضِ، وإذا كانا في الأرضِ، فالأرضُ التي هما فيها جنةٌ، فسواءٌ وُصِفا بأنهما في بستانٍ أو في أرضٍ.

وأما قولُه: ﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

فإن الصِّنْوانَ جمعُ صِنْو، وهى النخَلاتُ يَجْمَعُهن أصلٌ واحدٌ، لا يفرَّق فيه بيَن جميعِه واثْنيه إلا بالإعرابِ في النونِ.

وذلك أن تكون نونُه في اثنيه مكسورةً بكلِّ حالٍ، وفي جميعه متصرفةً (١) في وجوهِ الإعرابِ، ونظيرُه القِنْوانُ، واحدُها قِنْوٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى الصِّنوان قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿صِنْوَانٌ﴾.

قال: المُجْتَمِعُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ المُتفرِّقُ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: ﴿صِنْوَانٌ﴾: هي النخلةُ التي إلى جنبِها نخلاتٌ إلى أصلِها، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ وحدَها (٣).

حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصِّنوانُ النَّخْلتان أصلُهما واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ والنخلتان المتفرِّقتان (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقُولُ في هذه الآيةِ، قال: النخلةُ يكونُ لها النخلاتُ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلُ المتفرقُ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عمرُو بن الهيثمِ أبو قَطَنٍ، ويحيى بن عبّادٍ، وعفانُ - واللفظُ لفظُ أبي قَطَنٍ - قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصنوانُ النخلة إلى جنبها النخلات، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصنوانُ النخَلاتُ الثلاثُ والأربعُ والثنتان، أصلُهنَّ واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ (٢): حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ وشريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: النخلتان يكون أصلُهما واحدًا، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرّقُ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه ﴿صِنْوَانٌ﴾.

يقولُ: مجتمعٌ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: يعنى بالصنوانِ النخلةَ يَخْرُجُ من أصلها النخَلاتُ، فيَحمِلُ بعضُه، ولا يَحْمِلُ بعضُه، فيكونُ أصلُه واحدًا، ورءوسُه متفرِّقةً.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخيلُ في أصلٍ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخيلُ المتفرِّقُ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بن جبيرٍ: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: مجتمعٌ، وغيرُ مجتمعٍ (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: الصنوانُ ما كان أصلُه واحدًا وهو متفرِّقٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: الذي نبَت وحدَه.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلتان وأكثرُ في أصلِ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: وحدَها (٢).

حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلتان أو أكثرُ في أصلٍ واحدٍ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: واحدةٌ.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاكِ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصنوانُ المجتمِعُ، أصله واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ أَصله.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصنوانُ المجتمِعُ، الذي أصلُه واحدٌ، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: المتفرِّقُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: أما الصنوانُ فالنخلتان والثلاثُ، أصولُهن واحدةٌ وفروعُهن شتى، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلةُ الواحدةُ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: ﴿صِنْوَانٌ﴾: النخلةُ التي يكونُ في أصلِها نخلتان وثلاثٌ أصلُهنَّ واحدٌ.

حدَّثني يونس (١)، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.

قال: الصنوانُ النخلتان أو الثلاثُ يَكُنَّ في أصلٍ واحدٍ، فذلك يَعُدُّه الناسُ صنوانًا.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: حدثني رجلٌ، أنه كان بين (١) عمرَ بن الخطابِ وبين العباسِ قولٌ، فأسرَع إليه العباسُ، فجاء عمرُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَلم تَرَ عباسًا فعَل بي وفعل، فأردتُ أن أُجيبَه، فذكَرتُ مكانَه منك فكفَفْتُ؟

فقال: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه" (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿صِنْوَانٌ﴾: الصنوانُ (٣) النخلةُ التي يَكُونُ في أصلِها نخلتان وثلاثٌ أصلُهن واحدٌ.

قال: فكان بينَ عمرِ بن الخطابِ وبينَ العباسِ ﵄ قولٌ (٤)، فأسرَع إليه العباسُ، فجاء عمرُ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، ألم تَرَ عباسًا فعَل بي وفعَل، فأردتُ أن أجيبَه، فذكَرتُ مكانَه منك، فكفَفْتُ عندَ ذلك؟

فقال: "يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبيه" (٥).

قال: أخبَرنا عبد الرزاق، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن داودَ بن شابورَ (٦)، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تُؤذُوني في العَبَّاسِ، فَإِنَّه بَقِيَّةُ آبائى، وإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْو أبيه" (٥).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ وابنِ أبى مُليكةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال لعمرَ: "يا عُمَرُ، أما عَلِمْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبيه" (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ (٢)، عن مجاهدٍ: ﴿صِنْوَانٌ﴾.

قال: في أصلٍ واحدٍ ثلاثُ نَخَلاتٍ، كمثلِ ثلاثةِ بنى أمٍّ وأبٍ يَتَفَاضَلُون في العملِ، كما يَتَفَاضَلُ ثمرُ هذه النخلاتِ الثلاثِ في أصلٍ واحدٍ.

قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني إبراهيمُ بنُ أبي بكرٍ (٣)، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن الحسنِ، قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لقلوبِ بني آدمَ، كانت الأرضُ في يدِ الرحمنِ طينةً واحدةً، فسَطَحها وبطَحَها، فصارت الأرضُ قطعًا متجاورةً (٤)، فيَنزِلُ عليها الماءُ من السماءِ، فتُخْرِجُ هذه زهرتَها وثمرَها وشجرَها، وتُخْرِجُ نباتَها، وتُحْيِي مَواتَها، وتُخرِجُ هذه سَبَخَها ومِلْحَها وخَبَثَها، وكلتاهما تُسْقَى بماءٍ واحد، فلو كان الماءُ مالِحًا، قيل: إنما استسبَخت هذه من قِبَلِ الماءِ.

كذلك الناسُ خُلِقُوا من آدمَ، فيَنزِلُ عليهم من السماءِ تذكرةٌ، فترِقُّ قلوبٌ، فتخشَعُ وتخضَعُ، وتقسُو قلوبٌ، فتلهُو وتسهُو وتجفُو.

قال الحسنُ: واللهِ ما جالس القرآنَ أحدٌ إلا قام من عندِه بزيادةٍ أو نقصانٍ، قال اللهُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١) [الإسراء:٨٢].

وقولُه: ﴿يُسْقَى (٢) بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾.

اختلفت القرأَةُ في قولِه: (تُسْقَى)؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ من أهل الكوفةِ والبصرةِ: (تُسْقَى).

بالتاءِ (٣)، بمعنى: تُسقَى الجناتُ والزرعُ والنخيلُ.

وقد كان بعضُهم يقولُ: إنما قيل: (تُسقى).

بالتاءِ لتأنيثِ "الأعناب".

وقرَأ ذلك بعضُ المكيين والكوفيين: ﴿يُسْقَى﴾ بالياءِ (٤).

وقد اختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ تذكيرِه إذا قُرِئ كذلك، وإنما ذلك خبرٌ عن الجناتِ والأعنابِ والنخيلِ والزرعِ أنها تُسْقَى بماءٍ واحدٍ، فقال بعضُ نَحْويِّى البصرةِ: إذا قُرِئ ذلك بالتاءِ، فذلك على "الأعنابِ"، كما ذَكَّرَ (٥) "الأنعامَ" في قولِه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦].

وأَنَّث بعدُ فقال: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٢، غافر: ٨٠].

فمَنْ قال: ﴿يُسْقَى﴾ بالياءِ جعَل.

"الأعنابَ" مما يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، مثلَ "الأنعامِ".

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٦): مَنْ قال: (تُسْقَى).

ذهَب إلى تأنيثِ الزرعِ والجناتِ والنخيلِ، ومَن ذكر ذهَب إلى النَّبتِ (٧): ذلك كلُّه يُسقَى بماءٍ واحدٍ، أُكُلُه (١) مختلِفٌ، حامضٌ وحلوٌ.

ففى هذا آيةٌ.

وأعجبُ القراءتين إليّ أن أقرَأَ بها قراءةُ مَن قرأ ذلك بالتاءِ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

على أن معناه: تُسقَى الجناتُ والنخلُ والزرعُ بماءٍ واحدٍ؛ لمجيء (تُسْقَى) بعدَ ما قد جرَى ذكرُها، وهى جِمَاعٌ مِن غيرِ بنى آدمَ، وليس الوجهُ الآخرُ بممتنِعٍ على معنى: يُسقى ذلك بماءٍ واحدٍ.

أي (٢): جميعُ ذلك يُسقَى بماءٍ واحدٍ عَذبٍ دونَ المالحِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

ماءُ السماءِ، كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ (٣).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

قال: ماءُ السماءِ (٤).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرٌو، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ (١)، عن الضحاكِ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

قال: ماءُ المطرِ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قرَأه ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

قال: ماءُ السماءِ، كمثلِ صالحِ بنى آدمَ وخبيثِهم، أبوهم واحدٌ.

قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

حدَّثنا عبدُ الجبار بنُ يحيى الرمليُّ، قال: ثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن ابن شَوْذَبٍ: (تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ).

قال: بماءِ السماءِ.

وقوله: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

اختلَفت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامةُ قرأَةِ المكيين والمدنيين والبصريين وبعضُ الكوفيين: ﴿وَنُفَضِّلُ﴾.

بالنونِ (٢)، بمعنى: ونُفَضِّلُ نحن بعضَها على بعضٍ في الأُكُلِ.

وقرَأته عامَّةُ قرأَةِ الكوفيين: (ويُفَضِّلُ).

بالياءِ (٣)، ردًّا على قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾.

ويُفَضِّلُ بعضَها على بعضٍ.

وهما قراءتان مستفيضتان بمعنًى واحدٍ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، غير أن الياءَ أعجبُهما إليَّ في القراءةِ؛ لأنه في سياقِ كلامٍ ابتداؤُه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ﴾.

فقراءتُه بالياءِ، إذ كان كذلك، أولى.

ومعنى الكلامِ، أن الجناتِ من الأعنابِ والزرعِ والنخيلِ، الصنوانِ وغيرِ الصنوانِ، تُسقَى بماءٍ واحدٍ عذبٍ لا مِلْح، ويُخَالِفُ اللَّهُ بينَ طُعومِ ذلك، فيُفَضَّلُ بعضُها على بعض في الطعمِ، فهذا حلوٌ وهذا حامضٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: الفارسيُّ والدَّقَلُ (١)، والحلوُ والحامضُ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: الأرضُ الواحدةُ يكونُ فيها الخَوْخُ والكُمَّثْرَى، والعنبُ الأبيضُ والأسودُ، وبعضُها أكثرُ حَمْلًا من بعضٍ، وبعضُه حلوٌ، وبعضُه حامضٌ، وبعضُه أفضلُ من بعضٍ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عارمٌ أبو النعمانِ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: بَرْنِيٌّ وكذا وكذا، وهذا بعضُه أفضلُ من بعضٍ.

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءٍ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: هذا حامضٌ، وهذا حلوٌ، وهذا مُزٌّ (١).

حدَّثني محمودُ بنُ خِدَاشٍ، [قال: ثنا سيفُ بنُ محمدٍ ابن أختِ (٢) سفيانَ الثوريِّ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال] (٣) النبيُّ ﷺ [في قولِه] (٤): ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: "الدَّقَلُ والفارسيُّ، والحلوُ والحامضُ" (٥).

حدَّثنا أحمدُ بنُ الحسنِ الترمذيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ عبيدِ (٦) اللهِ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عمرٍو (٧) الرَّقِّيُّ، عن زيدِ بن أَبِي أُنَيْسةً، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ في قولِه: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾.

قال: "الدَّقَلُ والفارسيُّ، والحلوُ والحامضُ" (٨).

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن في مخالفةِ اللهِ ﷿ بينَ هذه القطعِ الأرضِ المتجاوراتِ وثمارِ جناتِها وزروعِها على ما وصَفنا وبيَّنا، لَدليلًا واضحًا وعبرةً لقوم يعقِلون اختلافَ ذلك، أن الذي خالَف بينَه على هذا النحو الذي خالَف بينَه - هو المخالفُ بين خلقِه فيما قسَم لهم من هدايةٍ وضلالٍ، وتوفيقٍ وخذلانٍ، فوفَّق هذا وخذَل هذا، وهدَى ذا وأضلَّ ذا، ولو شاء لسوَّى بين جميعهم، كما لو شاء سوَّى بينَ جميعِ أُكُل ثمارِ الجنةِ التي تشرَبُ شِرْبًا واحدًا، وتُسقَى سِقيًا واحدًا، وهى متفاضلةٌ في الأُكُل.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن تَعجَبْ يا محمدُ من هؤلاء المشركين المتخذين ما لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ آلهةً يَعْبُدُونها من دونى، فَعَجَبٌ قولُهم: أئذا كنا ترابًا وبَلِينا فعُدِمنا، ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾: إنا لمجدَّدٌ إنشاؤُنا وإعادتُنا خلقًا جديدًا كما كنا قبلَ وفاتِنا؟

تكذيبًا منهم بقدرةِ اللهِ، وجحودًا للثوابِ والعقابِ، والبعثِ بعد المماتِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾: إن عجِبتَ يا محمدُ فعجبٌ قولُهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

عجب الرحمنُ ﵎ من تكذيبِهم بالبعثِ بعدَ الموتِ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا [ابن وهبٍ] (٤)، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾.

قال: إِن تَعْجَبْ من تكذيبِهم، وهم قد رأَوا من قدرةِ اللَّهِ وأمرِه، وما ضرَب لهم من الأمثالِ، فأَراهم من حياةِ الموتى في الأرضِ الميتةِ، إن تَعْجَبْ من هذه، فتَعَجَّبْ من قولِهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

أو لا يَرَوْن أَنَّا خلَقناهم من نطفة، فالخلقُ من نطفةٍ أشدُّ أم الخلقُ من ترابٍ وعظامٍ (١)؟

واختلَف في وجهِ تكريرِ الاستفهامِ في قولِه: ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

بعد الاستفهامِ الأولِ في قولِه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ - أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: الأولُ ظرفٌ، والآخرُ هو الذي وقَع عليه الاستفهامُ، كما تَقُولُ: أيومَ الجمعةِ زيدٌ منطلِقٌ؟

قال: ومَن أوقَع استفهامًا آخرَ على قولِه: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾.

جعله ظرفًا لشيءٍ مذكورٍ قبله، كأنهم قيل لهم: تُبعثون.

فقالوا: ﴿أَإِذَا (٢) كُنَّا تُرَابًا﴾؟

ثم جعَل هذا استفهامًا آخرَ.

قال: وهذا بعيدٌ.

قال: وإن شئتَ لم تجعَلْ في قولِك: ﴿أَإِذَا﴾.

استفهامًا، وجعلت الاستفهامَ في اللفظِ على "أثنا".

كأنك قُلتَ: أيومَ الجمعةِ أعَبدُ اللَّهِ منطلقٌ؟

وأُضْمِرَ نفيُه، فهذا موضعٌ قد ابتدَأت فيه "أَئذَا" (٣)، وليس بكثيرٍ (٤) في الكلام، لو قُلتَ: اليومَ إِنَّ (٥) عبدَ اللَّهِ منطلقٌ.

لم يَحْسُن.

وهو جائزٌ.

وقد قالت العربُ: ما علِمتُ إنه لصالحٌ.

تُرِيدُ: إنه لصالحٌ ما علِمتُ (٦).

وقال غيرُه: ﴿أَإِذَا﴾ جزاءٌ وليست بوقتٍ، وما بعدَها جوابٌ لها إذا لم يَكُنْ في الثاني استفهامٌ، والمعنى له؛ لأنه هو المطلوبُ.

وقال: ألا تَرَى أنك تَقُولُ: أإن (١) تَقُمْ يَقُومُ زيدٌ، ويَقُمْ؟

مَنْ جَزَم فلأنه وقَع موقع جوابِ الجزاءِ، ومن رَفَع فلأن الاستفهامَ.

له.

واستشهَد بقول الشاعرِ (٢): حلَفْتُ له إِن تُدْلِج الليلَ لا يَزَلْ … أمامَك بيتٌ من بُيوتِىَ سائرُ فجزَم جوابَ اليمينِ؛ لأنه وقَع موقعِ جوابِ الجزاءِ، والوجهُ الرفعُ.

قال: فهكذا هذه الآيةُ.

قال: ومَنْ أدخَل الاستفهامَ ثانيةً؛ فلأنه المعتمَدُ عليه، وترَك الجزاءَ الأول.

وقولُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين أنكَروا البعثَ، وجَحَدوا الثوابَ والعقابَ، وقَالُوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾.

هم الذين جَحَدوا قُدْرةَ ربِّهم، وكَذَّبوا رسولَه، وهم الذين في أعْناقِهم الأغلالُ يومَ القيامةِ في نارِ جهنمَ، فـ ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.

يقولُ: هم سكانُ النارِ يومَ القيامة، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

يقولُ: هم فيها ماكثون أبدًا، لا يَمُوتُون فيها، ولا يَخْرُجون منها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَسْتَعْجِلُونك يا محمدُ مشركو قومِك بالبلاءِ والعقوبةِ، قبَل الرخاءِ والعافية، فيَقُولُون: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].

وهم يَعْلَمُون ما حلَّ بَمَنْ خلَا قبلَهم من الأممِ التي عصَت ربَّها، وكذَّبت رسلَها، من عقوباتِ اللهِ وعظيمِ بلائِه، فمن بين أمةٍ مُسِخت قِرَدةً وأخرى خنازيرَ، ومن بين أمةٍ أُهْلِكت بالرجْفَةِ، وأخرى بالخسفِ، وذلك هو المَثُلاثُ التي قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.

والمَثُلاتُ: العقوباتُ المنكِّلاتُ، والواحدةُ منها مَثُلةٌ، بفتحِ الميمِ وضمِّ الثاءِ.

ثم تُجمَعُ: مَثُلاتٍ، كما واحدةُ الصَّدُقاتِ صَدُقَةٌ، ثم تُجمَعُ صَدُقاتٍ.

وذُكر أن تَمِيمًا من بين العربِ تَضُمُّ الميم والثاء جميعًا من المُثُلاتِ، فالواحدةُ على لغتهم منها مُثْلةٌ، ثم تُجمَعُ مُثُلاتٍ، مثلُ غُرْفَةٍ وغُرُفاتٍ.

والفعلُ منه: مَثَلْتُ به أَمْثلُ مَثلًا، بفتحِ الميمِ وتسكينِ الثاءِ، فإذا أردتَ أنك أقصصتَه من غيرِه، قُلْتَ: أمثُلتَه من صاحبِه أُمثلُه إمثالًا.

وذلك إذا أقصَصته منه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾: وقائعُ اللهِ في الأممِ، فيمَن خَلا قبلكم (١).

وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾.

وهم مشركو العرب، اسْتَعْجَلوا بالشرِّ قبلِ الخيرِ، وقالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢].

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾.

قال: بالعقوبةِ قبلَ العافيةِ، ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.

قال: العقوباتُ (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْمَثُلَاتُ﴾: الأمثالُ (٢).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ؛ وحدَّثني المثنى قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.

قال: المَثُلاتُ: الذي مَثَل الله به الأممَ من العذابِ الذي عذَّبهم، تولَّت المَثُلاثُ من العذابِ، قد خَلَت من قبلهم، وعرَفوا ذلك، وانتهَى إليهم ما مَثَل اللَّهُ بهم، حينَ عَصَوه وعصَوا رسلَه (٤).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا سليمٌ، قال: سمعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.

قال: القِردَةُ والخنازيرُ هي المثلاتُ (٥).

وقولُه: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإن ربَّك يا محمدُ لذو سِتْرٍ على ذنوبِ مَنْ تاب من ذنوبِه من الناسِ، فتاركٌ فضيحتَه بها في موقفِ القيامةِ، وصافحٌ له عن عقابِه عليها، عاجلًا وآجلًا، ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.

يقولُ: على فعلِهم ما فعلَوا من ذلك بغيرِ إذنى لهم بفعلِه.

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن هلَك مُصِرًّا على معاصيه في القيامةِ، إن لم يُعَجَّلْ له ذلك في الدنيا، أو يجمَعُهما له في الدنيا والآخرةِ.

وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ، فإنه وعيدٌ من اللهِ، وتهدُّدٌ (١) للمشركين من قومِ رسولِ اللهِ ﷺ، إن هم لم يُنيبوا ويَتُوبُوا من كفرِهم، قبلَ حلولِ نقمةِ اللهِ بهم.

حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ﴾.

يقولُ: ولكنَّ ربَّك (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يا محمدُ، مِن قومِك: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هلّا أُنزِل على محمدٍ آيةٌ من ربِّه.

يعنون: علامةٌ وحُجةٌ له على نبوَّتِه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود:١٢].

يقولُ الله له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ لهم، تُنْذِرُهم بأسَ اللَّهِ أَن يَحِلَّ بهم على شركِهم، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

يقولُ: ولكلِّ قوم إمام يَأْتُّمون به، وهادٍ يَتَقَدَّمُهم، فيَهْدِيهم إما إلى خيرٍ، وإما إلى شرٍّ، وأصلُه من هادِى الفَرَس: وهو عنقُه التي تَهْدِى سائرَ جسدِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ منهم في المعنيِّ بالهادِ في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: هو رسولُ اللهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾: هذا قولُ مشركي العربِ، قال اللهُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: لكلّ قوم داعٍ يَدْعُوهم إلى اللهِ (١).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن عكرمةَ، ومنصورٍ، عن أبي الضُّحى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قالا: محمدٌ هو المنذِرُ، وهو الهادِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ مثلَه.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبيه، عن عكرمةَ مثلَه (١).

وقال آخرون: عُنى بالهادي في هذا الموضعِ: اللهُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

[قال: محمدٌ المنذرُ، واللهُ الهادي] (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: محمدٌ المنذرُ، واللهُ الهادى.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٍ﴾.

قال: أنت يا محمدُ منذرٌ، واللهُ الهادى.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: المنذرُ النبيُّ ﷺ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: اللهُ هادى كلِّ قومٍ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

يقولُ: أنت يا محمدُ منذرٌ، وأنا هادى كلِّ قومٍ (١).

حُدثت عن الحسينِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ، يقولُ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (٢): المنذرُ محمدٌ ﷺ، والهادى اللهُ ﷿ (٣).

وقال آخرون: الهادى في هذا الموضعِ، معناه: نبيٌّ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المنذر محمدٌ ﷺ ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: نبيٌّ (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبد الرحمنِ، القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: نبيٌّ.

قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ.

و (٥) عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٦).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: لكلِّ قومٍ نبيٌّ، والمُنْذِرُ محمدٌ ﷺ.

قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنى عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: نبيٌّ.

قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

يعنى: لكلِّ قومٍ نبيٌّ (١).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: نبيٌّ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: نبيٌّ يَدْعُوهم إلى اللهِ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: لكلِّ قوم نبيٌّ، الهادي النبيُّ ﷺ، والمنذرُ أيضًا النبيُّ ﷺ، وقرَأ: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤].

وقال: ﴿نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦].

قال: نبيٌّ من الأنبياءِ (٣).

وقال آخرون: بل عُنى به: ولكلِّ قومٍ قائدٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: إنما أنت يا محمدُ منذرٌ، ولكلِّ قومِ قادةٌ (١).

قال: ثنا الأشجعيُّ، قال: ثني إسماعيلُ أو سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: لكلِّ قومٍ قادةٌ (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: الهادى القائدُ، والقائدُ الإمامُ، والإمامُ العملُ (٣).

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدٌ - وهو ابن يزيدَ - عن إسماعيلَ، عن يحيى بن رافعٍ في قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

قال: قائدٌ (٤).

وقال آخرون: هو عليٌّ بن أبى طالبٍ، ﵁.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ يحيى الصوفيُّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ الحسينِ الأنصاريُّ، قال: ثنا معاذُ بنُ مسلمٍ بيّاعُ (١) الهرويِّ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نَزَلت: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، وضَع ﷺ يَدَه على صدِره فقال: "أنا المُنْذِرُ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ".

وأومَأ بيدِه إلى مَنْكِب عليٍّ، فقال: "أنت الهادى يا عليُّ، بك يهتدى المهتدون بعدى" (٢).

وقال آخرون: معناه: لكلِّ قوم داعٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.

يقولُ: داعٍ (٣).

وقد بَيَّنتُ معنى الهدايةِ، وأنه الإمامُ المتَّبِعُ الذي يَقْدُمُ القومَ، فإذ كان ذلك كذلك، فجائزٌ أن يكونَ ذلك هو الله، الذي يَهْدِى خلقَه، ويَتْبعُ خلقُه هدَاه، ويَأْتَمُّون بأمرِه ونهيِه، وجائزٌ أن يكون نبيَّ اللهِ الذي تأتمُّ به أمّتُه، وجائزٌ أن يكونَ إمامًا من الأئمةِ يؤتمُّ به، ويَتَّبِعُ مِنهاجَه وطريقتَه أصحابُه، وجائزٌ أن يكون داعيًا من الدُّعاةِ إلى خيرٍ أو شرٍّ.

وإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ أولى في ذلك بالصوابِ، من أن يقالَ كما قال جلَّ ثناؤُه: إن محمدًا هو المنذِرُ مَن أُرْسِل إليه بالإنذارِ، وإن لكلِّ قوم هاديًا يَهْدِيهم، فيَتَّبِعُونه ويَأْتمُّون به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].

منكرين قدرةَ اللهِ على إعادتِهم خلقًا جديدًا بعدَ فنائهم وبلائِهم، ولا يُنكِرون قدرتَه على ابتدائِهم وتصويرِهم في الأرحامِ، وتدبيرِهم وتصريفِهم فيها حالًا بعد حالٍ، فابتدَأ الخبرَ عن ذلك ابتداءً، والمعنى فيه ما وُصِف، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

يقولُ: وما تَنْقُصُ الأرحامُ من حملِها في الأشهرِ التسعةِ، بإرسالِها دمَ المحيض، وما تزدادُ في حملِها على الأشهرِ التسعةِ، لتمامِ ما نقَص من الحملِ في الأشهرِ التسعةِ، بإرسالِها دمَ المحيضِ.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ لا يُجَاوِزُ شيءٌ من قَدَرِه عن تقديرِه، ولا يَقْصُرُ أمرٌ أراده فدبَّره عن تدبيره، كما لا يَزْدَادُ حملُ أنثى على ما قُدِّر له من الحملِ، ولا يَقْصُرُ عما حُدَّ له من القَدْرِ.

والمقدارُ: مِفْعَالٌ من القدرَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بن ماهانَ، قال: ثنا القاسمُ بنُ مالكٍ، عن داودَ بن أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: ما رأَت المرأة من يومٍ دمًا على حملِها، زاد في الحملٍ يومًا (١) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

[يعني: السِّقطَ] (١)، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

يقولُ: ما زادت الرحمُ في الحمل على ما غاضت، حتى ولَدته تمامًا، وذلك أن منِ النساءِ مَنْ تحملُ عشرةَ أشهرٍ، ومنهنَّ من تحمِلُ تسعةَ أشهرٍ، ومنهنَّ مَنْ تَزِيدُ في الحملِ، ومنهنَّ مَنْ تَنْقُصُ، فذلك الغَيْضُ والزيادةُ التي ذكر اللهُ، وكلُّ ذلك بعلمِه (٢).

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن مجاهدٍ أو سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: غيضتُها (٣) دونَ التسعةِ، والزيادةُ فوقَ التسعةِ (٤).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: الغيضُ: ما رأَت الحاملُ من الدمِ في حَمْلِها، فهو نقصانٌ من الولدِ، والزيادةُ: ما زاد على التسعةِ أشهرِ، فهو تمامٌ للنقصانِ، وهو زيادةٌ (٥).

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: ما تَرَى من الدمِ، وما تَزْدَادُ على تسعةِ أشهرٍ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، أنه قال: يَعْلَمُ ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: ما زاد على التسعةِ الأشهرِ، ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: قال: الدمُ تراه المرأةُ في حَملِها.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ والحجاجُ بنُ المنهالِ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: الغيضُ: الحاملُ ترى الدمَ في حملِها، فهو الغيضُ، وهو نقصانٌ من الولدِ، وما زاد على تسعةِ أشهرٍ، فهو تمامٌ لذلك النقصانِ وهى الزيادةُ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبدُ السلامِ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: إذا رأت (١) دونَ التسعةِ (٢)، زاد على التسعةِ مثلَ أيامِ الحيضِ.

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: خروجُ الدمِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: استمساكُ الدمِ (٣).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾: إراقةُ المرأةِ، حتى يَخِسَّ الولدُ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: إذا لم تُهْرِقِ المرأةُ تمَّ الولدُ وعَظُم (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن جعفرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: المرأةُ تَرَى الدمَ، وتحملُ أكثرَ من تسعةِ أشهرٍ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولهِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: هي المرأةُ تَرَى الدمَ في حملِها (١).

قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: إهراقَةُ الدمِ، حتى يَخسَّ الولدُ، ﴿تَزْدَادُ﴾ إِن لم تُهْرِقِ المرأةُ تمَّ الولُد وعظُم.

قال: ثنا الحكمُ بنُ موسى، قال: ثنا هِقْلٌ، عن عثمانَ بن الأسود، قال: قلت لمجاهدٍ: امرأتي رأَت دمًا، وأرْجُو أن تَكُونَ حاملًا - قال أبو جعفرٍ: هكذا هو في الكتابِ - فقال مجاهدٌ: ذاك غَيْضُ الأرحامِ، يَعْلَمُ ما تغيضُ الأرحامُ وما تزدادُ وكلُّ شيءٍ عنده عنده بمقدارِ الولدُ لا يَزَالُ يَقَعُ في النقصانِ ما رأت الدمَ، فإذا انقطَع الدمُ وقَع في الزيادةِ، فلا يَزَالُ حتى يتمَّ، فذلك قولهُ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.

قال: ثنا محمدُ بنُ الصبَّاحِ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: الغَيْضُ: الحاملُ تَرَى الدمَ في حملِها، وهو الغَيضُ، وهو نقصانٌ من الولدِ، فما زادت على التسعةِ الأشهر، فهى الزيادة، وهو تمامٌ (١) للولادة.

حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: كلما غاضت بالدمِ، زاد ذلك في الحملِ.

قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ نحوَه.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوَّامِ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: غيضُ الرحمِ: الدمُ على الحملِ، كلما غاض الرحمُ من الدمِ يومًا، زاد في الحملِ يومًا، حتى تستكملَ وهى طاهرةٌ (١).

قال: ثنا عبّادٌ، عن سعيدٍ، عن يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الوليد بنُ صالحٍ، قال: ثنا أبو يزيدَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ في هذه الآية: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: هو الحيضُ على الحملِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: فلها بكلِّ يوم حاضت على حملِها، يومٌ تَزْدَادُه في طهِرها، حتى تستكملَ تسعةَ أشهرٍ طاهرًا (٣).

قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا عمران بنُ حُدَيرٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: ما رأت الدمَ في حملِها، زاد في حملِها.

حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: ما تغيضُ: أقلَّ من تسعةٍ، وما تَزْدَادُ: أكثرَ من تسعةٍ (١).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن الحسنِ بن يحيى، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ: قد يُولدُ المولودُ لسنتين، قد كان الضحاكُ وُلِد لسنتين، والغَيْضُ: ما دونَ التسعةِ، وما تَزْدَادُ: فوقَ تسعةِ أشهرٍ.

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: دونَ التسعةِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: فوقَ التسعةِ (٢).

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وُلِدتُّ لسنتين.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن الحسنِ بن يحيى، قال: ثنا الضحاكُ أن أمَّه حمَلته سنتين، قال: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: ما تَنْقُصُ من التسعةِ: ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: ما فوقَ التسعةِ (٣).

قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: كلُّ أنثى من خلقِ اللهِ.

قال: ثنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ ومنصورٍ، عن الحسنِ، قالا: الغَيْضُ ما دونَ التسعةِ الأشهرِ (١).

قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن داودَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن ابن جريجٍ، عن جميلةَ بنتِ سعيدٍ، عن عائشةَ، قالت: لا يَكُونُ الحملُ أكثرَ من سنتين، قدْرَ ما يَتَحَوَّلُ ظَلُّ مِغْزَلٍ (٢).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: هو الحملُ لتسعةِ أشهرٍ وما دونَ التسعةِ، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: على التسعةِ (٣).

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرٌو بن ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: حيضُ المرأة على ولدِها.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: قال: الغيضُ: السِّقْطُ، وما تزدادُ: فوقَ التسعةِ الأشهرِ (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: إذا رأَت المرأة الدمَ على الحملِ، فهو الغيضُ للولدِ.

يقولُ: نقصانٌ في غذاءِ الولدِ، وهو زيادةٌ في الحملِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.

قال: كان الحسنُ يقولُ: الغيضوضةُ أن تَضَعَ المرأةُ لستةِ أشهرٍ أو سبعةِ (١) أشهرٍ، أولمِا دونَ الحدِّ.

قال قتادةُ: وأما الزيادةُ: فما زاد على تسعةِ أشهرٍ (٢).

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: غَيْضُ الرحم: أن ترى الدمَ على حملِها، فكلُّ شيءٍ رأت فيه الدمَ على حملِها، ازدادت على حملِها مثلَ ذلك.

قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قيسٍ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ، قال: إذا رأَت الحاملُ الدمَ كان أعظمَ للولدِ (٣).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سِمعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾: الغيضُ: النقصانُ من الأجلِ، والزيادةُ (٤): ما زاد على الأجلِ، وذلك أن النساء لا يَلِدْنَ لِعِدَّةٍ واحدةٍ؛ يُولَدُ المولود لستةِ أشهرٍ فيَعِيشُ، ويُولَدُ لسنتين فيَعِيشُ، وفيما بينَ ذلك.

قال: وسمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ: وُلِدتُ لسنتين، وقد نبَتَت ثناياىَ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾.

قال: غَيضُ الأرحامِ: الإهراقةُ التي تَأْخُذُ النساءِ على الحملِ، وإذا جاءت تلك الإهراقةُ، لم يُعتدَّ بها من الحملِ، ونقَص ذلك حملَها حتى يَرْتَفِعَ ذلك؛ وإذا ارتفعَ استقبلت عِدَّةً مستقبلةً تسعةَ أشهرٍ؛ وأما ما دامت تَرَى الدمَ، فإن الأرحامَ تَغِيضُ (١)، والولدُ يَرِقُّ، فإذا ارتفَع ذلك الدمُ، رَبَا الولدُ، واعتَدَّت حينَ يرتفع عنها ذلك الدمُ، عدَّةَ الحمل تسعةَ أشهرٍ، وما كان قبلَه فلا تَعْتَدُّ به، هو هراقةٌ، يُبْطِلُ ذلك أجمعَ أكتعَ (٢).

وقوله: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: إى واللهِ، لقد حفِظ عليهم رزقَهم وآجالَهم، وجعَل لهم أجلًا معلومًا (٣).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللهُ عالمُ ما غاب عنكم وعن أبصاركِم فلم تَرَوْه، وما شاهدتموه فعاينتم بأبصارِكم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ؛ لأنهم خَلْقُه وتدبيرُه، ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كلُّ شيءٍ دونَه، ﴿الْمُتَعَالِ﴾ المستعلى على كلِّ شيءٍ بقدرته، وهو المتفاعلُ من العلوِّ، مثلُ المتقاربِ من القربِ، والمتدانى من الدنوِّ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: معتدلٌ عندَ اللهِ منكم أيها الناسُ، الذي أسرَّ القولَ والذي جهَر به، والذي ﴿هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ في ظلمتِه بمعصيةِ اللهِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

يقولُ: وظاهرٌ بالنهارِ في ضوئِه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، سواءٌ عنده سِرُّ خلقِه وعلانيتُهم؛ لأنه لا يَسْتَسِرُ عندَه شيءٌ ولا يَخْفَى.

يُقَالُ منه: سَرَب يَسْرُب سُروبًا.

إذا ظهرَ، كما قال قيسُ بنُ الخَطِيمِ (١): أَنَّى سَرَبْتِ (٢) وكنتِ غيرَ سَروبِ … وتُقَرِّبُ الأَحْلامُ غيرَ قَرِيبٍ (٣).

يَقُولُ: كيف سرَبتِ (٤) بالليل بُعد هذا الطريقِ، ولم تَكُونِى تَبْرُزِين وتَظْهَرِين.

وكان بعضُهم يَقُولُ: هو السالكُ في سِرْبِه: أي في مَذهبِه ومكانِه.

واختلَف أهلُ العلم بكلامِ العربِ في السرْبِ؛ فقال بعضُهم: هو آمنٌ في سَربِه، بفتحِ السينِ، فقال (٥) بعضُهم: هو آمنٌ في سِربِه، بكسرِ السين.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

يقولُ: هو صاحبُ رِيبةٍ مستخفٍ بالليلٍ، وإذا خرَج بالنهارِ أرى الناس أنه بريءٌ من الإثمِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

قال: ظاهرٌ (٢).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ في قولِه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

قال: إن الله أعلمُ بهم (٣)، سواءٌ من أسرَّ القولَ، ومن جهَر به، ومن هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ.

حدَّثنا الحسنُ (٤) بنُ محمدٍ، قال: ثنا عليٌّ بنُ عاصمٍ، عن عوفٍ، عن أبي رجاءٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

قال: من هو مستخفٍ في بيتِه، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

ذاهبٌ على وجهه؛ علمُه فيهم واحدٌ (٥).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾.

يَقولُ: السرُّ والجهْرُ عندَه سواءٌ، ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (٦).

أما المستخفى ففى بيتِه، وأما الساربُ: الخارجُ بالنهارِ، حيثما كان المستخفِى غيبُه الذي يَغِيبُ فيه، والخارجُ عندَه سواءٌ.

قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، في قولِه: ﴿مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾.

[قال: راكبٌ رأسَه في المعاصى] (١)، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾.

قال: ظاهرٌ بالنهارِ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾: كلُّ ذلك عندَه ﵎ سواءٌ، السرُّ عندَه علانيةٌ، قولَه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: أي: في ظلمةِ الليلِ، ﴿وَسَارِبٌ﴾: أي ظاهرٌ بالنهارِ (٣).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿وَسَارِبٌ﴾.

قال: ظاهرٌ بالنهارِ.

و "مَن" في قولِه: ﴿مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾.

رفعٌ؛ الأولى منهنّ بقوله سواءٌ، والثانيةُ معطوفةٌ على الأولى، والثالثةُ على الثانيةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: للَّهِ تعالى ذكرُه مُعَقِّباتٌ.

قالوا: و (١) الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ﴾ من ذكرِ اسمِ اللَّهِ، والمعقِّباتُ: التي تَتعَقَّبُ (٢) على العبدِ، وذلك أن ملائكةَ الليلِ إذا صَعِدت بالنهارِ، أعقَبتها ملائكةُ النهارِ، فإذا انقضى النهارُ، صعِدت ملائكةُ النهارِ، ثم أعقَبتها ملائكةُ الليلِ.

وقالوا: و (١) قيل: معقِّباتٌ.

والملائكةُ جمعُ مَلَكٍ، مذكرٌ غيرُ مؤنثٍ، وواحدُ الملائكةِ معقِّبٌ، وجماعتُها مُعقِّبةٌ، ثم جُمِع جمعُه، أعنى جمعَ معقِّبٍ بعدَما جُمِع معقبةً، فقيلَ: معقِّباتٌ.

كما قيل: أبناواتُ سعدٍ، ورجالاتُ بنى فلانٍ، جمعُ رجالٍ.

وقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

[يعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾: من قُدَّامِ هذا المستخفى بالليلِ، والساربِ (٣) بالنهارِ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (٤): من وراءِ ظهرِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ - يعنى ابنَ زاذانَ -، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: الملائكةُ (٥).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ بن صالحٍ القُشَيريُّ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ، عن كنانةَ العدويِّ، قال: دخَل عثمانُ بنُ عفَّانَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، أخبِرْنى عن العبدِ كم معه من مَلَكٍ؟

قال: "مَلَكٌ على يمينِك؛ على حسناتِك، وهو أمينٌ (١) على الذي على الشِّمالِ، فإذا عمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْرًا، وإذا عمِلْتَ سيِّئَةً، قال الذي على الشِّمالِ للذى على اليَمينِ: أكْتُبُ؟

قال: لا، لعَلَّه يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ويَتوبُ.

فإذا قال ثَلاثًا، قال: نعم، اكْتُبْ، أرَاحَنا اللَّهُ منه، فبئْسَ القَرِينُ، ما أقَلَّ مُرَاقَبَتَه للَّهِ، وأقَلَّ اسْتِحْياءَه منَّا.

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].

ومَلَكانِ من بين يَديْك ومن خَلْفِك، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

ومَلَكٌ قابِضٌ على ناصيتِكَ، فإذا تَوَاضَعْتَ للَّهِ رفَعك، وإذَا تَجَبَّرْتَ على اللَّهِ قَصَمك، ومَلَكانِ على شَفَتَيْك ليس يَحْفَظان عليك إلا الصَّلاةَ على مُحَمَّدٍ، ومَلَكٌ قائمٌ على فِيك، لا يَدَعُ الحَيَّةَ تَدْخُلُ فِي (٢) فِيك، ومَلَكانِ على عينيك، فهؤلاء عَشَرَةُ أمْلاكٍ على كُلَّ آدَميٍّ، ينزِلُونَ مَلائِكَةُ [اللَّيْلِ على مَلائِكَةِ] (٣) النَّهارِ؛ [لأن ملائكةَ الليلِ سوى ملائكةِ النهارِ] (٤)، فهؤلاء عِشْرُون مَلَكًا على كُلَّ آدَمِىٍّ، وَإبْليِسُ بالنَّهارِ، وولَدُه باللَّيْلِ" (٥).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ [وَمِنْ خَلْفِهِ﴾] (٦): الملائكةُ ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾.

قال: مع كلِّ إنسانٍ حَفَظةٌ يَحفَظونه من أمرِ اللَّهِ.

قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: فالمعقباتُ هنَّ (٢) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (٣).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: ملائكةٌ يَحْفَظونه من بين يديه ومن خلفِه، فإذا جاء قَدَرُه خَلَّوا عنه (٤).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، فإذا جاء القدَرُ خَلَّوا عنه.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ، قال: الحفَظَةُ.

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: ملائكةٌ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا يَعْلى، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

قال: ملائكةُ الليلِ يَعْقُبون ملائكةَ النهارِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾: هذه ملائكةُ الليلِ يَتَعَاقَبُون فيكم بالليلِ والنهارِ، وذُكِر لنا أنهم يَجْتَمِعُون عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ.

وفى قراءةِ أبيِّ بن كعبٍ: (له معقِّباتٌ من بين يديه، ورقيبٌ من خلفِه، يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ) (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾.

قال: ملائكةٌ يَتَعَاقَبونه (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: الملائكةُ.

قال ابن جريجٍ: معقِّباتٌ، قال: الملائكةُ تَعَاقبُ الليلَ والنهارَ، وبلَغنا أن النبيَّ ﷺ قال: "يَجْتَمِعُون (٣) فيكم عندَ صلاةِ العصرِ وصلاةِ الصبحِ".

وقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال ابن جريجٍ: مثلُ قولِه: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧].

قال: الحسناتُ من بين يدَيْه، والسيئاتُ من خلفِه؛ الذي عن يمينِه يكتُبُ الحسناتِ، والذي عن شمالِه يكتُبُ السيئاتِ.

حدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ ليثًا يحدِّثُ عن مجاهدٍ، أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بِحفظِه في نومِه ويقظتِه، من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منها شيءٌ يأتيه يُريدُه إلا قال: وراءَك.

إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه، فيُصِيبُه (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: يعنى: الملائكةُ.

وقال آخرون: بل عنَى بالمعقِّباتِ في هذا الموضعِ: الحرسَ الذي يتعاقبُ على الأميرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفَاعيُّ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: [ذكَر مَلِكًا] (٣) من ملوكِ الدنيا له حرسٌ، من دونِه حرسٌ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

يعنى: وليُّ السُّلطانِ (١) يَكُونُ عليه الحرسُ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شَرَقيٍّ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: هؤلاء الأمراءُ (٣).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُ (٤) بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: المواكبُ من بين يدَيْه ومن خلفِه (٥).

حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: [ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ] (٦) في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: هو السلطانُ [المحترسُ من أمرِ اللَّهِ] (٧)، وهم أهلُ الشركِ (٨).

وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ قولُ مَنْ قال: الهاءُ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

من ذِكرِ "مَنْ" التي في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾.

وأن المعقِّباتِ من بين يديه ومن خلفِه، هي حَرَسُه وجَلاوِزَتُه (١) كما قال ذلك من ذكَرنا قولَه.

وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأن قولَه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

أقربُ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾.

منه إلى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾؛ فهى لقربِها منه أولى بأن تكُونَ من ذكْرِه، وأن يكُونَ المعنيُّ بذلك هذا، مع دَلالةِ قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾.

على أنهم المعنِيُّون بذلك، وذلك أنه جلَّ ثناؤُه ذكَر قومًا أهلَ معصيةٍ له وأهلَ رِيبةٍ، يَسْتَخْفُون بالليلِ، ويَظْهَرُون بالنهارِ، ويَمْتَنِعُون عندَ أنفسِهم بحرسٍ يَحْرُسُهم، ومَنَعَةٍ تَمْنَعُهم من أهلِ طاعتِه، أن يَحُولوا بينَهم وبينَ ما يَأْتُون من معصيةِ اللَّهِ، ثم أخبَر أن اللَّهَ تعالى ذكرُه إذا أراد بهم سوءًا لم يَنْفَعْهم حرسُهم، ولا يَدْفَعُ عنهم حِفْظُهم.

وقولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذا الحرفِ على نحوِ اختلافِهم في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

فمَنْ قال: المعقباتُ هي الملائكةُ.

قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أيضًا الملائكةُ.

ومَنْ قال: المعقباتُ هي الحرسُ والجلاوزةُ من بنى آدمَ، قال: الذين يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ هم أولئك الحرسُ.

واختلَفوا أيضًا في معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

فقال بعضُهم: حِفْظُهم إياه: من أمرِه.

وقال بعضُهم: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: بأمرِ اللَّهِ.

ذكرُ مَن قال: الذين يَحْفَظُونه هم الملائكةُ.

ووَجَّه قولَه: بأمرِ اللَّهِ.

إلى معنى: أن حفظَها إياه من أمرِ اللَّهِ حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: بإذنِ اللَّهِ، فالمعقِّباتُ: هي (١) من أمرِ اللَّهِ، وهى الملائكةُ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الملائكةُ الحَفَظةُ، وحِفْظُهم إياه من أمرِ اللَّهِ (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: ثنى عبدُ الملكِ، عن ابن عبيدِ اللَّهِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الحَفَظَةُ هم من أمرِ اللَّهِ.

قال: ثنا عليٌّ - يعنى ابنَ عبدِ اللَّهِ بن جعفرٍ - قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ رقباءُ (٤)، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

من أمرِ اللَّهِ ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ (٥).

قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الجارودِ، عن ابن عباسٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾.

رقيبٌ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ (١).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الملائكةُ من أمرِ اللَّهِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الحَفَظةُ.

ذكرُ مَن قال: عُنِى بذلك: يَحْفَظُونه بأمرِ (٢) اللَّهِ حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أي بأمرِ اللَّهِ (٣).

حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: وفى بعضِ القراءةِ (٤): (بأمرِ اللَّهِ) (٥).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾.

قال: مع كلِّ إنسانٍ حفظةٌ يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ.

ذكرُ مَنْ قال: تَحْفَظُه الحرسُ من بنى آدمَ من أمرِ اللَّهِ حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

يعنى: وليُّ السلطانِ (١) يَكُونُ عليه الحرسُ، يحفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: يَحْفَظُونَه من أمرِى، فإنى إذا أردتُ بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له، وما لهم من دونِه من والٍ (٢).

حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، قال: ثنا شعبةُ (٣)، عن شَرَقيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: الجلاوزةُ (٤).

وقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُونه من أمرِ اللَّهِ، وأمرُ اللَّهِ: الجنُّ ومَنْ يَبْغِى أذاه ومكروهَه قبلَ مجئِ قضاءِ اللَّهِ، فإذا جاء قضاؤُه خَلَّوا بينَه وبينَه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبَعيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا ورقاءُ، عن منصورٍ، طلحةَ، عن إبراهيمَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: من الجنِّ (٥).

حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمِرُ، قال: سمِعتُ ليثًا يُحَدِّثُ عن مجاهدٍ أنه قال: ما من عبدٍ إلا له (١) ملَكٌ مُوَكَّلٌ بحفظِه في نومِه ويقظتِه من الجنِّ والإنسِ والهوامِّ، فما منهم شيءٌ يأتيه يُرِيدُه، إلا قال: وراءَك.

إلا شيئًا يَأْذَنُ اللَّهُ فيه (٢) فيُصِيبُه (٣).

حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن محمدِ بن زيادٍ الأَلْهَانيِّ، عن يزيدَ بن شُرَيحٍ، عن كعبِ الأحبارِ، قال: لو تجلَّى لابنِ آدمَ كلُّ سهلٍ وحَزْنٍ، لرأَى على (٤) كلِّ شيءٍ من ذلك شياطينَ (٥)، لولا أن اللَّهَ وكَّلَ بكم ملائكةً يَذُبُّون عنكم في مطعمِكم ومشربِكم وعوراتِكم، إذنْ لتُخُطِّفتم (٦).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا عُمارةُ بنُ أبى حفصةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: جاء رجلٌ مِن مُرادٍ إلى عليٍّ ﵁ وهو يصلِّي، فقال: احترِسْ، فإن ناسًا من مُرادٍ يُرِيدُون قتلَك.

فقال: إن مع كلِّ رجلٍ مَلَكين يَحْفَظَانه مما لم يُقَدَّرْ، فإذا جاء القدَرُ خَلَّيا بينَه وبينَه، وإن الأجلَ جُنَّةٌ حصينةٌ (٦).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن الحسنِ بن ذَكوانَ، عن أبى غالبٍ، عن أبي أُمامةَ، قال: ما من آدميٍّ إلا ومعه مَلَكٌ (٧) يَذُودُ عنه، حتى يُسْلِمَه للذى قُدِّر له (٦).

وقال آخرون: معنى ذلك: يَحْفَظُون (١) عليه من (٢) اللَّهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

قال: يَحْفَظُون عليه من اللَّهِ.

قال أبو جعفرٍ: يعنى ابن جريجٍ بقولِه: يحفَظُون عليه.

الملائكةَ الموكَّلةَ بابنِ آدمَ؛ بحفظِ حسناتِه وسيئاتِه، وهى المعقِّباتُ عندَنا، تَحْفَظُ على ابن آدمَ حسناتِه وسيئاتِه من أمرِ اللَّهِ.

وعلى هذا القولِ يَجِبُ أن يَكُون معنى قولِه: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: أن الحَفَظَةَ من أمرِ اللَّهِ، أو تحفَظُ بأمرِ اللَّهِ، ويجِبُ أن تكونَ الهاءُ التي في قولِه: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾.

وُحِّدت وذُكِّرت.

وهى مرادٌ بها الحسناتُ والسيئاتُ؛ لأنها كنايةٌ عن ذِكْرِ "من" الذي هو مستخفٍ بالليلِ، وساربٌ بالنهارِ، وأن يَكُونَ المستخفى بالليلِ، أُقيم ذكرُه مُقامَ الخبرِ عن سيئاتِه وحسناتِه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].

وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقُولُ في ذلك خلافَ هذه الأقوالِ كلِّها.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَار﴾.

قال: أتى عامرُ بنُ الطفيلِ، وأرْبَدُ بنُ رَبيعةَ (٣) إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال عامرٌ: ما تَجْعَلُ لى إنْ أنا اتبَعتُك؟

قال: "أنتَ فارِسٌ أُعْطِيك أعِنَّةَ الخَيْلِ" قال: فقط (١)!

قال: "فما تَبْغى؟

" قال: لى الشرقُ ولك الغربُ.

قال: "لا".

قال: فلى الوَبَرُ، ولك المدَرُ.

قال: "لا".

قال: لأَمْلأَنَّها عليك إذنْ خَيلًا ورجالًا.

قال: "يَمْنَعُكَ اللَّهُ ذَاكَ، [وابنا قَيْلةَ] (٢).

يريدُ الأوسَ والخزرجَ، قال: فخرَجا، فقال عامرٌ لأرْبَدَ: إن كان الرجلُ لنا لمُمَكَّنًا (٣)، لو قتلناه ما انتطحت فيه عنزان، ولَرضُوا بأن نَعْقِلَه لهم، [وأحبوا السِّلمَ] (٤)، وكَرِهوا الحربَ إذا رأَوا أمرًا قد وقَع.

فقال الآخرُ: إن شئتَ.

فتشاورا، وقال: ارجِعْ وأنا أَشْغَلُه عنك بالمجادلةِ، وكن وراءَه، فاضرِبْه بالسيفِ ضربةً واحدةً.

فكانا كذلك، واحدٌ وراءَ النبيِّ ﷺ، والآخرُ قال: افصُصْ علينا (٥) قَصصَك.

قال: "ما [تَقُولُ؟

" قال: قرآنُك] (٦).

فجعَل يجادِلُه ويَسْتَبْطِئُه، حتى قال له: ما لك حُشِمتَ (٧)؟

قال: وضَعتُ يدى على قائمِ سيفى فيبِست (٨)، فما قَدَرْتُ على أن أُحْلِىَ ولا أُمِرَّ (٩) ولا أحرِّكَها.

قال: فخرَجا؛ فلما كانا بالحرَّةِ سمِع بذلك سعدُ بنُ مُعاذٍ وأُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فخرَجا إليهما (١٠)، على كلِّ واحدٍ منهما لأْمَتُه، ورمُحه بيدِه، وهو متقلِّدٌ سيفَه، فقالا لعامرِ بن الطفيلِ: يا أعورُ جئتنا (١) يا أبلَخُ (٢)، أنت الذي تشرُطُ على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟!

لولا أنك في أمانٍ من رسولِ اللَّهِ ﷺ، ما رِمْتَ (٣) المنزلَ حتى نضرِبَ (٤) عنقَك، ولكن لا تُسْتبقَيَنَّ.

وكان أشدَّ الرجلين عليه أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ، فقال: لو كان أبوه حيًّا لم يَفْعَلْ بى هذا.

ثم قال لأربدَ: اخرُجْ أنت يا أربدُ إلى ناحيةِ عَدَنةَ (٥)، وأَخْرُجُ أنا إلى نجدٍ، فنجمَعُ الرجالَ، فنلتقِى عليه.

فخرَج أربدُ حتى إذا كان بالرَّقَمِ (٦) بعَث اللَّهُ سحابةً من الصيفِ فيها صاعقةٌ فأحرَقته.

قال: وخرَج عامرٌ، حتى إذا كان بوادٍ يقالُ له: الجُرَيرُ (٧).

أرسَل اللَّهُ عليه الطاعونَ، فجعَل يَصِيحُ: يا آلَ عامرٍ، أغُدَّةٌ كغُدَّةِ البَكْرِ (٨) تَقْتُلُنى؟

[يا آلَ] (٩) عامرٍ، أَغُدَّةٌ كغُدةِ البَكْرِ تَقْتُلُنى، وموتٌ أيضًا في بيتِ سَلُوليةٍ، وهى امرأةٌ من قيسٍ.

فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ فقرَأ (١٠) حتى بلَغ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾.

تلك المعقِّباتُ من أمرِ اللَّهِ، هذا مقدَّمٌ ومؤخرٌ؛ لرسولِ اللَّهِ ﷺ لا معقباتٌ يَحْفَظُونه من بين يديه ومن خلفِه، تلك المعقباتُ من أمرِ اللَّهِ، وقال لهذين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.

فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٣، ١٤].

قال: وقال لَبيدٌ في أخيه أربَدَ، وهو يَبْكِيه (١): أخشَى على أربدَ الحُتُوفَ (٢) ولا … أرهبُ نَوْءَ السِّمَاكِ (٣) والأَسَدِ فجَّعنى الرعدُ والصواعقُ (٤) بالـ … ـفارسِ يومَ الكريهةِ النجُدِ (٥) قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله ابن زيدٍ في تأويلِ هذه الآيةِ، قولٌ بعيدٌ من تأويلِ الآيةِ، مع خلافِه أقوالَ من ذكَرنا قولَه من أهلِ التأويلِ، وذلك أنه جعَل الهاءَ في قولِه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

من ذكرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولم يَجرِ له في الآيةِ التي قبلَها، ولا في التي قبلَ الأخرى ذكرٌ، إلا أن يَكُونَ أراد أن يردُّها على قولِه: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾.

فإن كان أراد (٦) ذلك، فذلك بعيدٌ لما بينَهما من الآياتِ، بغيرِ ذكرِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.

وإذا كان كذلك، فكونُها عائدةً على "مَن" التي في (٧) قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾.

أقربُ؛ لأنه قبلَها، والخبرُ بعدَها عنه، فإذا كان ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: سواءٌ منكم أيها الناسُ من أسرَّ القولَ ومن جَهَر به عند ربِّكم، ومن هو مستخفٍ بفسقِه وريبتِه (١) في ظلمةِ الليلِ، وساربٌ يَذْهَبُ ويَجِئُ في ضوءِ النهار، ممتنعًا بجندِه وحَرَسِه الذين يَتَعَقَّبُونه من أهلِ طاعةِ اللَّهِ، أن يَحُولُوا بينَه وبينَ ما يأتى من ذلك، وأن يُقِيموا حدَّ اللَّهِ عليه، وذلك قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بقومٍ من عافيةٍ ونعمةٍ، فيُزِيلُ ذلك عنهم ويُهْلِكُهم، حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم من ذلك، بظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ بعضِهم على بعضٍ، فيُحِلَّ (٢) بهم حينئذٍ عقوبتَه وتغييرَه.

وقولُه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾.

يقولُ: وإذا أراد اللَّهُ بهؤلاء الذين يسْتَخْفُون بالليلِ، ويَسْرُبون (٣) بالنهارِ، لهم [جندٌ و] (٤) مَنَعَةٌ من بين أيديهم ومن خلفِهم، يَحْفَظُونهم من أمرِ اللَّهِ، - هلاكًا وخزيًا (٥) في عاجلِ الدنيا، ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾.

يقولُ: فلا يَقْدِرُ على ردِّ ذلك عنهم أحدٌ غيرُ اللَّهِ.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.

يقولُ: وما لهؤلاء القومِ - والهاءُ والميمُ في "لهم" من ذكرِ (٦) القومِ الذين في قولِه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ - من دونِ اللَّهِ من والٍ (٧) يَليهم، ويَلِى أمرَهم وعقوبتَهم.

وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: السُّوءُ الهَّلكةُ.

ويقولُ: كلُّ جُذامٍ وبرصٍ وعَمًى وبلاءٍ عظيمٍ فهو "سُوءٌ" مضمومُ الأوّلِ، وإذا فُتِح أولُه فهو مصدرُ "سُؤْت"، ومنه قولُهم: رجلُ سَوْءٍ.

واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: معنى قولِه: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾: ومن هو ظاهرٌ بالليلِ، من قولِهم: خَفَيْتُ الشئَ، إذا أظهرتَه، وكما قال امرؤُ القيسِ (١): فإن تَكْتُمُوا الداءَ لا نَخْفِه … وإن تَبْعَثُوا الحربَ لا نَقْعُدِ وقال: وقد قُرِئ: (أكادُ أَخْفِيها) (٢) [طه: ١٥].

بمعنى: أُظْهِرُها.

وقال في قولِه: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾: الساربُ هو المتوارِى.

كأنه وجَّهَه إلى أنه صار في السَّرَبِ بالنهارِ مستخفيًا.

وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ والكوفةِ: إنما معنى ذلك ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾، أي مستَتِرٌ بالليلِ، من الاستخفاءِ، ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾، وذاهبٌ بالنهارِ، من قولِهم: سَرَبَت الإبلُ إلى الرَّعْى.

وذلك ذهابُها إلى المراعى، وخروجُها إليها وقيل: إن السُّروبَ بالعشيِّ، والسُّروحَ بالغداةِ.

واختلَفوا أيضًا في تأنيثِ "معقِّبات"، وهى صفةٌ لغيرِ الإناثِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إنما أُنِّثَتْ لكثرةِ ذلك منها، نحوَ نَسَّابةٍ وعلّامةٍ، ثم ذُكِّر؛ لأن المعنى مذكرٌ، فقال: يَحْفَظُونه.

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما هي ملائكةٌ مُعَقِّبةٌ، ثم جُمِعت معقباتٍ، فهو جمعُ جمعٍ، ثم قيل: يَحْفَظُونه؛ لأنه للملائكةِ.

وقد تقدَّم قولُنا في معنى المستخفى بالليلِ والساربِ بالنهارِ.

وأما الذي ذكرناه عن نحويِّى البصريين في ذلك فقولٌ - وإن كان له في كلامِ العربِ وجهٌ - خلافٌ لقولِ أهلِ التأويلِ، وحَسْبُه (١) من الدلالةِ على فسادِه خروجُه عن قولِ جميعِهم.

وأما المعقباتُ، فإن التعقيبَ في كلامِ العربِ العَودُ بعدَ البدءِ، والرجوعُ إلى الشئِ بعدَ الانصرافِ عنه، من قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ [النمل: ١٠]، أي: لم يَرْجِعْ، وكما قال سَلَامةُ بنُ جَنْدلٍ (٢): وكَرُّنا الخيلَ في آثارِها رُجُعًا … كُسَّ السَّنابِكِ من بدءٍ وتَعقيبِ يعنى: في غزوٍ ثانٍ عَقَّبوا؛ وكما قال طَرَفَةُ (٣): ولقد كنتُ عليكم عاتِبًا … فعَقَبْتُم بِذَنُوبٍ غيرِ مُرّْ يعنى بقولِه: عَقَبتم: رجَعْتم.

وأتاها التأنيثُ عندَنا، وهى من صفةِ الحَرَسِ الذين يحرُسُون المستخفىَ بالليلِ والساربَ بالنهارِ؛ لأنه عُنِى بها حَرَسٌ معقِّبةٌ، ثم جُمِعت المعقبةُ، فقيل: معقباتٌ.

فذلك جمعُ جمعِ المعقِّبِ، والمعقبُ: واحدُ المعقبةِ، كما قال لبيدٌ (٤): حتى تهَجَّرَ في الرَّواحِ وهَاجَهُ … طَلَبَ المُعَقِّبِ حَقَّه المظلومُ والمعقباتُ جمعُها، ثم قال: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾.

فردَّ الخبرَ إلى تذكيرِ الحرسِ والجندِ.

وأما قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾.

فإن أهلَ العربيةِ اختلَفوا في معناه؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: معناه: له معقباتٌ من أمرِ اللَّهِ يَحْفَظُونه، وليس من أمرِه، إنما هو تقديمٌ وتأخيرٌ.

قال: ويَكُونُ يَحْفَظونه ذلك الحفظَ مِن أمرِ اللَّهِ وبإذنِه، كما تقولُ للرجلِ: أجَبتُك مِن دعائِك إياى، وبدعائِك إياى.

وقال بعضُ نحويِّى البصريين: معنى ذلك: يَحْفَظونه عن أمرِ اللَّهِ، كما قالوا: أطعَمنى مِن جوعٍ وعن جوعٍ، وكسانى من عُرْىٍ وعن عُرْىٍ.

وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن أولى القولِ بتأويلِ ذلك: أن يكونَ قولُه: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ مِن صفةِ حَرَسِ هذا المسْتَخفِى بالليلِ، وهى تَحْرُسُه ظنًّا منها أنها تَدْفَعُ عنه أمرَ اللَّهِ، فأخبَر تعالى ذكرُه، أن حَرَسَه تلك لا تُغْنِى عنه شيئًا إذا جاءه أمرُه، فقال: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾: يعنى أن الربَّ هو الذي يُرِى عبادَه البَرقَ.

وقولُه: ﴿هُوَ﴾ كنايةُ اسمِه جلَّ ثناؤُه.

وقد بيَّنا معنى البرقِ فيما مضَى، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وقولُه: ﴿خَوْفًا﴾.

يقولُ: خوفًا للمسافرِ مِن أذاه.

وذلك أن البرقَ الماءُ في هذا الموضعِ، كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا موسى بنُ سالمٍ أبو جهضَمٍ، مولى ابن عباسٍ، قال: كتَب ابن عباسٍ إلى أبى الجَلْدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ الماءُ (٢).

وقولُه: ﴿وَطَمَعًا﴾.

يقولُ: وطمَعًا للمُقيمِ أن يُمْطَرَ فَيَنْتَفِعَ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.

يقولُ: خوفًا للمسافرِ في أسفارِه؛ يَخافُ أذاه ومشقتَه، وطَمَعًا للمقيمِ؛ يَرْجُو بَرَكتَه ومنفعتَه، ويَطْمعُ في رزقِ اللَّهِ (٣).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾: خوفًا للمسافرِ، وطمعًا للمقيمِ (٤).

وقولُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾: ويثيرُ السحابَ الثَّقالَ بالمطرِ، ويُبْدِئُه، يقالُ منه: أنشَأ اللَّهُ السحابَ، إذا أبدَأه، ونشَأ السحابُ: إذا بدَأ.

يَنْشَأُ نَشْئًا، والسحابُ في هذا الموضعِ وإن كان في لفظٍ واحدٍ، فإنها جمعٌ، واحدتُها سحابةٌ، ولذلك (٥) قال: ﴿الثِّقَالَ﴾، فنعَتها بنعتِ الجمعِ، ولو كان جاء: السحابَ الثقيلَ.

كان جائزًا، وكان توحيدًا للَفظِ السحابِ، كما قيل: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: ٨٠].

وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.

قال: الذي فيه الماءُ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (٢) عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾.

قال: الذي فيه الماءُ.

وقولُه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾.

قال أبو جعفرٍ: وقد بيَّنا معنى الرعدِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).

وذُكِرَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا جعفرٌ، قال: بلَغنا أن النبيَّ ﷺ كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ الشديدَ، قال: "اللَّهُمَّ لَا تَقْتلْنا بغضَبِك، ولَا تُهْلِكُنا بعذَابِك، وعافِنا قبلَ ذلك" (١).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن أبي هريرةَ، رفَع الحديثَ: "أنه كان إذا سمِع الرعدَ قال: "سُبحانَ مَن يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه" (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا مَسْعَدةُ بنُ اليَسَعِ الباهليُّ، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ، ﵁، كان إذا سمِع صوتَ الرعدِ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ لهُ (٣).

قال: ثنا إسماعيلُ ابن عُليَّةَ، عن الحكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ الذي سَبَّحْتَ له (٤).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ الحارثِ، قال: سمِعتُ أبا صخرةَ يُحَدِّثُ عن الأسودِ بن يزيدَ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سَبَّحْتَ له.

أو: سبحانَ الذي يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ مِن خِيفتِه (٥).

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، وعبدِ الكريمِ، عن طاوسٍ، أنه كان إذا سمِع الرعدَ، قال: سبحانَ مَن سبحتَ له (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن (٢) ميسرةَ، عن الأوزاعيِّ، قال: كان ابن أبى زكريا يقولُ: مَن قال حينَ يَسْمَعُ الرعدَ: سبحانَ اللَّهِ وبحمدِه، لم تُصِبْه صاعقةٌ (٣).

ومعنى قولِه: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾: ويُعَظِّمُ اللَّهَ الرعدُ ويُمَجِّدُه، فيُثْنِى عليه بصفاتِه، ويُنَزِّهُه مما أضاف إليه أهلُ الشركِ به، ومما وصَفوه به، مِن اتخاذِ الصاحبةِ والولدِ، تعالى ربُّنا وتَقَدَّس.

وقولُه: ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾.

يقولُ: وتُسَبِّحُ الملائكةُ مِن خيفةِ اللَّهِ ورَهْبَتِه.

وأما قولُه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾، فقد بيَّنا معنى الصاعقةِ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادتِه، بما فيه الكفايةُ مِن الشواهدِ، وذكَرْنا ما فيها مِن الروايةِ (٤).

وقد اخْتُلف فيمَن أُنْزِلت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت في كافرٍ مِن الكفارِ، ذكَر اللَّهَ تعالى وتَقَدَّس، بغيرِ ما يَنْبَغى ذكرُه (٥)، فأرسَل عليه صاعقةً أهْلَكَتْه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا أبانُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا أبو عمرانَ الجَوْنيُّ، عن عبدِ الرحمنِ بن صُحارٍ (١) العبديِّ، أنه بلَغه أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ بعَث إلى جبَّارٍ (٢) يَدْعوه، فقال: أرأيتم ربَّكم، أذَهَبٌ هو، أم فِضةٌ [هو، أم لُؤْلُؤٌ] (٣) هو؟

قال: فبينا هو يُجادِلُهم، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً فرعَدت، فأرسَل اللَّهُ (٤) عليه صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ (٥) رأسِه، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٦).

حدَّثني المُثَنَّى، قال (٧): ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي بكرِ بن عياشٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: أخبِرْنى عن ربِّك، مِن أيِّ شيءٍ هو؟

مِن لؤلؤٍ أو من ياقوتٍ؟

فجاءت صاعقةٌ فأخَذته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٨).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، حدَّثْنى، مَن هذا الذي تَدْعو إليه؟

أيَاقوتٌ هو، أذهَبٌ هو، أم ما هو؟

قال: فنزَلت على السائلِ الصاعقةُ فأحْرَقَته، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ الوهابِ، قال: ثنى عليُّ بنُ أبى سارةَ الشَّيْبَانيُّ، قال: ثنا ثابتٌ البُنانيُّ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بعَث النبيُّ ﷺ مرَّةً رجلًا إلى رجلٍ من فراعنةِ العربِ: أنِ: "ادْعُهُ لى".

فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنه أعتَى مِن ذلك.

قال: "اذْهَبْ إليه فادْعُه".

قال: فأتاه، فقال: رسولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعوك.

فقال: مَن رسولُ اللَّهِ؟

وما اللَّهُ؟

أمِن ذَهَبٍ هو، أم مِن فضةٍ، أم مِن نُحاسٍ؟

قال: فأتى الرجلُ النبيَّ ﷺ فأخبرَه، فقال: "ارْجِعْ إَليه فادْعُه".

قال: فأتاه فأعاد عليه، وردَّ عليه مثلَ الجوابِ الأوّلِ، فأتى النبيَّ ﷺ فأخبَره، فقال: "ارْجِعْ إليه فادْعُه".

قال: فرجَع إليه، فبينما هما يتراجَعان الكلامَ بينَهما، إذ بعَث اللَّهُ سحابةً بحيالِ رأسِه، فرعَدت، فوقَعت منها صاعقةً، فذهَبت بقِحْفِ رأسِه، فأنزَل الله: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (٢).

وقال آخرون: نزَلت في رجلٍ مِن الكفارِ أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن رجلًا أنكَر القرآنَ، وكذَّب النبيَّ ﷺ، فأرسَل اللَّهُ عليه صاعقةً فأهلَكته، فأنزل اللَّهُ ﷿ فيه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١).

وقال آخرون: نزَلت في أَرْبَدَ أخى لَبيدِ بن ربيعةَ، وكان هَمَّ بقتلِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هو وعامرُ بنُ الطفيلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: نزَلت، يَعْنى قولَه: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ في أرْبَدَ أخى لبيدِ بن ربيعةَ؛ لأنه قَدِم أرْبَدُ وعامرُ بنُ الطفيلِ بن مالكِ بن جعفرٍ على النبيِّ ﷺ، فقال عامرٌ: يا محمدُ، أَأُسْلِمُ وأكونُ الخليفةَ من بعدِك؟

قال: ["لا".

قال] (٢): فأكونُ على أهلِ الوَبَرِ وأنتَ على أهلِ المَدَرِ؟

قال: "لا".

قال: فما ذاك؟

قال: "أُعْطِيك أعِنَّةَ الخيلِ تُقاتِلُ عليها، فإنك رجلٌ فارسٌ".

قال: أو ليستْ أعنَّةُ الخيلِ بيَدِى، أما واللَّهِ لأَمْلأنَّها عليك خيلًا ورجالًا (٣) مِن بنى عامرٍ.

و (٤) قال لأربَدَ: إما أن تَكْفِيَنيه وأضربَه بالسيفِ، وإما أن أكْفِيكَه وتضربَه بالسيفِ.

قال أربدُ: اكْفِنيهِ (٥) وأضربُه.

فقال الطفيلُ: يا محمدُ، إن لى إليك حاجةً.

قال: "ادْنُ".

فلم يَزَلْ يَدْنُو، ويقولُ النبيُّ ﷺ: "ادْنُ".

حتى وضَع يَدَيه على ركبتيْه، وحنَى عليه، واستلَّ أرْبَدُ السيفَ، فاسْتَلَّ منه قليلًا؛ فلما رأى النبيُّ ﷺ بَرِيقَه، تعوَّذ بآيةٍ كان يَتَعَوَّذُ بها، فيَبِسَت يدُ أربدَ على السيفِ، فبعَث اللَّهُ عليه صاعقةً فأحْرَقَتْه (١)، فذلك قولُ أخيه (٢): أخشى على أرْبَدَ الحتوفَ ولا … أرْهَبُ نَوْءَ السماكِ والأسَدِ فجَّعَنى البرقُ (٣) والصواعقُ بالـ … فارسِ يومَ الكَريهةِ النَّجُدِ (٤) وقد ذكَرتُ قبلُ خبرَ عبدِ الرحمنِ بن زيدٍ بنحوِ هذه القصةِ (٥).

وقولُه: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾.

يقولُ: وهؤلاء الذين أصابهم اللَّهُ بالصواعقِ، أصابهم بها (٦) في حالِ خُصومتِهم في اللَّهِ ﷿ لرسولِه ﷺ.

وقولُه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ شديدةٌ مُماحلتُه في عقوبةِ مَن طغَى عليه وعَتَا، وتمادى في كفرِه.

والمِحالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: ما حَلتُ فلانًا.

فأنا أُماحِلُه مُماحلةً ومِحالًا، وفَعَلْتُ منه: مَحَلتُ أَمْحَلُ محْلًا: إذا عرَّض رجلٌ رجلًا لما يُهْلِكُه؛ ومنه قولُه: (٧): "وماحلٌ مُصَدَّقٌ" (٨)؛ ومنه قولُ أعشى بنى ثعلبةَ (١): فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ في غُصُنِ المجـ … ـدِ غزيرُ النَّدى شديدُ المِحالِ (٢) هكذا كان يُنشِدُه مَعْمرُ بنُ المثنَّى، فيما حُدِّثتُ عن (٣) عليِّ بن المغيرةِ عنه، وأما الرواةُ بعد فإنهم يُنشِدُونه: فرعُ فرعٍ يَهْتَزُّ (٤) في غُصُنِ المجـ … ـدِ كثيرُ (٥) النَّدى عظيمُ المِحَالِ وفسَّر ذلك مَعمرُ بنُ المثنى، وزعَم أنه عَنَى به العقوبةَ والمكرَ والنكالَ؛ ومنه قولُ الآخرِ (٦): ولبَّس بينَ أقوامٍ فكلٌّ … أعدَّ له الشَّعَازِبَ (٧) والمِحالا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾، قال: شديدُ الأخذِ (٨).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي يحيى، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

قال: شديدُ القوَّةِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

أي: القوَّةِ والحيلةِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ يعنى الهلاكَ، قال: إذا محَل فهو شديدٌ.

وقال قتادةُ: شديدُ الحيلةِ (٣).

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا رجلٌ، عن عكرمةَ: ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

قال (٤): جدالُ أربَدَ، ﴿هُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

قال: ما أصاب أربدَ مِن الصاعقةِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

قال: قال ابن عباسٍ: شديدُ الحَوْلِ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾.

قال: شديدُ القُوَّةِ، المِحالُ: القوَّةُ.

والقولُ الذي ذكَرناه عن قتادةَ في تأويلِ المِحالِ أنه الحيلةُ، والقولُ الذي ذكَره ابن جريجٍ عن ابن عباسٍ يَدُلان على أنهما كانا يقرأان: (وهُوَ شَدِيدُ المحَالِ) بفتح الميمِ؛ لأن الحيلةَ لا يأتى مصدرُها مِحالًا بكسرِ الميمِ، ولكن قد يأتى على تقديرِ المَفْعَلةِ منها، فيكونُ مَحالةً، ومن ذلك قولُهم: المرءُ يَعْجِزُ لا مَحالةَ.

والمَحالةُ في هذا الموضعِ المفْعَلةُ من الحيلةِ.

فأما بكسرِ الميمِ، فلا تكونُ إلا مصدرًا من: ماحَلتُ فلانًا أُماحِلُه مِحالًا.

والمماحلةُ بعيدةُ المعنى مِن الحيلةِ، ولا أعلمُ أحدًا قرَأه بفتحِ الميمِ.

فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بتأويلِ ذلك ما قلنا مِن القولِ.

القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ (١) مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: للَّهِ مِن خلقِه الدعوةُ الحقُّ.

والدعوةُ هي الحقُّ، كما أُضِيفت الدارُ إلى الآخرةِ في قولِه: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾.

وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى (٢).

وإنما عنَى بالدعوةِ الحقِّ توحيدَ اللَّهِ، وشهادةَ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ.

وبنحوِ الذي قلنا تأوَّله أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾.

قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٣).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾.

قال: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ (١).

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾.

قال: التوحيدُ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾.

قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾.

قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ليست تَنْبَغى لأحدٍ غيرِه، لا يَنْبَغى أن يقالَ: فلانٌ إلهُ بنى (٣) فلانٍ (٢).

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والآلهةُ التي يَدْعونها المشركون أربابًا وآلهةً.

وقولُه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾.

يقولُ: مِن دونِ اللَّهِ.

وإنما عنَى بقولِه: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الآلهةَ، أنها مقصِّرةٌ عنه، وأنها لا تكونُ إلهًا، ولا يجوزُ أن يكونَ إلهًا إلا اللَّهُ الواحدُ القهارُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): أتُوعدُنى وراءَ بنى رِياحٍ … كذَبتَ لتَقْصُرَنَّ يدَاك دُونى يعنى: لتَقْصُرنَّ يَداك عنِّي.

وقولُه: ﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾.

يقولُ: لا تُجيبُ هذه الآلهةُ التي يَدْعُوها هؤلاء المشركون آلهةً، بشيءٍ يُريدونه، مِن نفعٍ أو دفعِ ضُرٍّ (١)، ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾.

يقولُ: لا يَنْفَعُ داعىَ الآلهةِ دعاؤه إيَّاها، إلا كما يَنْفَعُ باسطَ كفَّيه إلى الماءِ بسطُه إياهما (٢) إليه مِن غيرِ أن يَرْفعَه إليه في إناءٍ (٣)، ولكن ليرتفِعَ إليه (٤) بدعائِه إياه (٥)، وإشارتِه (٦) إليه، وقبضِه (٧) عليه، والعربُ تَضْرِبُ لمن سعَى فيما لا يُدْرِكُه مثلًا بالقابضِ على الماءِ، كما قال بعضُهم (٨): فإنى وإياكم وشَوْقًا إليكُمُ … كقابضِ ماءٍ لم تَسِقُه (٩) أنامِلُه يَعْنى بذلك: أنه ليس في يدِه مِن ذلك، إلا كما في يدِ القابضِ على الماءِ؛ لأن القابضَ على الماءِ لا شيءَ في يدِه.

وقال آخَرُ (١٠): فأصبَحتُ ممَّا كان بينى وبينَها … [مِن الوُدِّ مثلَ القابضِ] (١) الماءَ باليدِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سيفٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.

قال: كالرجلِ العطشانِ يَمُدُّ يدَه إلى البئرِ ليَرتَفِعَ الماءُ إليه، وما هو ببالغِه (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبَابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه.

﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يدعو الماءَ بلسانِه، ويشيرُ إليه بيدِه، ولا يأتيه أبدًا (٣).

قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرَنى الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾: يَدْعوه ليأتيَه، وما هو بآتيه، كذلك لا (٤) يَستجيبُ مَن هو دونَه.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ﴾: يَدْعو الماءَ بلسانِه، ويُشِيرُ إليه بيدِه، فلا يأتيه أبدًا.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ؛ قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، مثلَ حديثِ الحسنِ، عن حجاجٍ.

قال ابن جريجٍ: وقال الأعرجُ، عن مجاهدٍ: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾.

قال: يَدْعوه لأنْ يأتيَه، وما هو بآتيه، فكذلك لا يَسْتَجيبُ مَن (١) دونَه.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.

وليس ببالغِه حتى يَتَمَزَّعَ عنقُه، ويَهْلِكَ عَطَشًا.

قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.

هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ؛ أي هذا الذي يَدْعو مِن دونِ اللَّهِ هذا الوَثَنَ وهذا الحَجَرَ، لا يَستَجيبُ له بشيءٍ أبدًا، ولا يَسُوقُ إليه خيرًا، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يأتيَه الموتُ، كمثَلِ هذا الذي بسَط ذراعَيْه إلى الماءِ ليَبْلُغَ فاه، ولا يَبْلُغُ فاه، ولا يَصِلُ ذلك إليه، حتى يموتَ عَطَشًا (٢).

وقال آخرون: معنى ذلك: والذين يَدْعون مِن دونِه لا يَسْتَجِيبون لهم بشيءٍ، إلا كباسطِ كفَّيْه إلى الماءِ؛ ليتناولَ خيالَه فيه، وما هو ببالغِ ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾.

فقال: هذا مَثَلُ المشركِ مع اللَّهِ غيرَه، فمثَلُه كمثَلِ الرجلِ العطشانِ الذي يَنْظُرُ إلى خيالِه في الماءِ مِن بعيدٍ، فهو يريدُ أن يَتَناولَه ولا يَقْدِرُ عليه (١).

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ إلى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.

يقولُ: مَثَلُ الأوثانِ الذين يُعْبَدُون مِن دونِ اللَّهِ، كمثلِ رجلٍ قد بلَغه العَطَشُ، حتى كرَبه الموتُ، وكفَّاه في الماءِ قد وضَعهما لا يَبْلغان فاه.

يقولُ اللَّهُ: لا تَسْتجيبُ له (٢) الآلهةُ، ولا تَنْفَعُ الذين يَعْبُدونها، حتى يَبْلُغَ كفَّا هذا فاه، وما هما ببالغتَين فاه أبدًا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.

قال: لا يَنْفعونهم بشيءٍ إلا كما يَنْفَعُ هذا بكفَّيه، يعنى بَسْطَهما إلى ما لا يُنالُ أبدًا.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ وليس الماءُ ببالغٍ فاه ما قام (٣) باسطًا كفَّيْه لا يَقْبِضُهما، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.

قال: هذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لمن اتخَذ مِن دونِ اللَّهِ إلهًا أنه غيرُ نافعِه، ولا يَدْفَعُ عنه سوءًا، حتى يموتَ على ذلك (٤).

وقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.

يقولُ: وما دعاءُ مَن كفَر باللَّهِ ما يَدْعو مِن الأوثانِ والآلهةِ، ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾.

يقولُ: إلا في غيرِ استقامةٍ ولا هُدًى؛ لأنه يُشْرِكُ باللَّهِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإن امتنَع هؤلاء الذين يَدْعون مِن دونِ اللَّهِ الأوثانَ والأصنامَ للَّهِ شركاءَ؛ من إفرادِ الطاعةِ وإخلاصِ العبادةِ له، فللهِ يَسْجُدُ مَن في السماواتِ مِن الملائكةِ الكرامِ، ومَن في الأرضِ مِن المؤمنين به طوعًا، فأما الكافرون به، فإنهم يَسْجُدون له كَرْها حينَ يُكْرَهون على السجودِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.

فأما المؤمنُ فيَسْجُدُ طائعًا، وأما الكافرُ فيَسْجُدُ كارِهًا (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: كان ربيعُ بنُ خُثَيمٍ إذا تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.

قال: بلى يا ربّاه (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾.

قال: مَن دخَل طائعًا هذا طوعًا، وكَرْهًا مَن لم يَدخُلْ إلا بالسيفِ (٢).

وقوله: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

يقولُ: ويَسْجُدُ أيضًا ظلالُ كلِّ مَن سجَد للَّهِ طوعًا وكَرْهًا، بالغَدَواتِ والعَشَايا، وذلك أن ظِلَّ كلِّ شخصٍ فإنه يَفئُ بالعشيِّ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

يَعْنى: حينَ يَفِئُ ظلُّ أحدِهم عن يمينِه أو شمالِه (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ، عن سفيانَ، قال في تفسيرِ مجاهدٍ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

قال: ظِلُّ المؤمنِ يَسْجُدُ طوعًا وهو طائعٌ، وظِلُّ الكافرِ يَسْجُدُ طوعًا (٢) وهو كارِهٌ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.

قال: ذُكِر أن ظلالَ الأشياءِ كلِّها تسجدُ له، وقرَأ: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨].

قال: تلك الظلالُ تَسْجُدُ للَّهِ (٤).

والآصالُ جمعُ أُصُلٍ، والأُصُلُ: جمعُ أصيلٍ، والأصيلُ: هو العَشِيُّ، وهو ما بينَ العصرِ إلى مغربِ الشمسِ؛ قال أبو ذؤَيبٍ (١).

لعَمرِى لأنتَ البيتُ أُكرِمُ أهْلَه … وأقْعُدُ (٢) في أفيائِه (٣) بالأصائلِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللَّهِ: مَنْ ربُّ السماواتِ والأرضِ ومدبرُها، فإنهم سيقولون: اللَّهُ.

وأمَر اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يقولَ: اللَّهُ.

فقال له: قلْ يا محمدُ: ربُّها الذي خلَقَها وأنشأَها، هو الذي لا تَصْلُحُ العبادةُ إلا له، وهو اللَّهُ.

ثم قال: فإذا أجابوك بذلك، فقُلْ لهم: أفَاتَّخَذْتم مِن دونِ ربِّ السماواتِ والأرضِ أولياءَ لا تَمْلِكُ لأنفسِها نفعًا تَجْلِبُه إلى نفسِها، ولا ضَرًّا تَدْفَعُه عنها، وهى إذ لم تَمْلِكْ ذلك لأنفسِها، فمِنْ مِلكِهِ لغيرِها أبعدُ (٤)، فعبَدتُموها وترَكتُم عبادةَ مَن بيدِه النفعُ والضَّرُّ، والحياةُ والموتُ، وتدبيرُ (٥) الأشياءِ كلِّها!

ثم ضرَب لهم جلَّ ثناؤُه مثلًا فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين الذين عبَدوا مِن دونِ اللَّهِ الذي بيدِه نفعُهم وضَرُّهم، ما لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ: هل يَسْتَوى الأعمى الذي لا يُبْصِرُ شيئًا، ولا يَهْتدى لمحَجَّةٍ يَسْلُكُها، إلا بأن يُهْدَى، والبصيرُ الذي يَهدى الأعمى لمحجَّةِ الطريقِ الذي لا يُبْصِرُه، إنهما لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، يقولُ: فكذلك لا يَسْتَوى المؤمنُ الذي يُبْصِرُ الحقَّ فيَتْبَعُه، ويَعْرِفُ الهُدَى فيَسْلُكُه؛ وأنتم أيها المشركون، الذين لا تَعْرِفون حقًّا، ولا تُبْصِرون رُشدًا.

وقولُه: ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وهل تَسْتَوى الظُّلُماتُ التي لا تُرَى فيها المَحَجَّةُ فتُسْلَكَ، ولا يُرَى فيها السبيلُ فيُركَبَ، والنورُ الذي تُبصَرُ به الأشياءُ، ويَجلو ضوءُه الظلامَ؟

يقولُ: إنَّ هذين لا شكَّ لَغَيرُ مستوِيَين، فكذلك الكفرُ باللَّهِ إنما صاحبُه منه في حَيْرةٍ، يَضْرِبُ أبدًا في غَمْرةٍ لا يَرْجِعُ منه إلى حقيقةٍ، والإيمانُ باللَّهِ صاحبُه منه في ضياءٍ، يَعمَلُ على علمٍ بربِّه، ومعرفةٍ منه بأنَّ له مُثيبًا يُثيِبُه على إحسانِه، ومعاقِبًا يُعاقبُه على إساءتِه، ورازقًا يَرْزُقُه، ونافعًا يَنْفَعُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾: أما الأعمى والبصيرُ، فالكافرُ والمؤمنُ، وأما الظلماتُ والنورُ، فالهُدى والضلالُة (١).

وقولُه: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: أخلَق أوثانُكم التي اتَّخَذْتُموها أولياءَ مِن دونِ اللَّهِ خلْقًا كخلقِ اللَّهِ، فاشْتَبه عليكم أمرُها فيما خلَقتْ وخلقَ اللَّهُ، فجعَلتُموها له شركاءَ مِن أجلِ ذلك، أم إنما بكم الجهلُ والذَّهابُ عن الصوابِ؟

فإنه لا يُشْكِلُ على ذى عقلٍ أن عبادةَ ما لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن الفعلِ جهلٌ، وأن العبادةَ إنما تَصْلُحُ للذى يُرْجَى نَفْعُه، ويُخْشَى ضَرُّه، كما أن ذلك غيرُ مُشكِلٍ خطؤُه وجهلُ فاعلِه، كذلك لا يُشْكِلُ جهلُ مَن أشرَك في عبادةِ مَن يَرْزُقُه ويَكْفُلُه ويَمُونُه، عبادةَ مَن لا يَقْدِرُ له على ضَرٍّ ولا نفعٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾: حمَلهم ذلك على أن شَكُّوا في الأوثانِ (١).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ خلقوا كخلقِه فحمَلهم ذلك على أن شكُّوا في الأوثانِ.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾: ضُرِبَت مثلًا.

وقولُه: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾.

يَقُولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهؤلاءِ المشركين إذا أقَرُّوا لك أن أوثانَهم التي أشرَكوها في عبادةِ اللَّهِ لا تَخْلُقُ شيئًا: فاللَّهُ خالِقُكم وخالِقُ أوثانِكم، وخلَق كلَّ شيءٍ، فما وجهُ إشراكِكم ما لا تَخْلُقُ ولا تَضُرُّه (١)؟

وقولُه: ﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

يقولُ: وهو الفردُ الذي لا ثانىَ له، القهارُ الذي يَسْتَحقُّ الأُلوهةَ والعبادةَ، لا الأصنامُ والأوثانُ، التي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾.

قال أبو جعفرٍ: وهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، والإيمانِ به والكفرِ.

يقولُ تعالى ذكرُه: مَثَلُ الحقِّ في ثباتِه والباطلِ في اضْمِحْلالِه مَثَلُ ماءٍ أنزَلَه اللَّهُ مِن السماءِ إلى الأرضِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

يَقُولُ: فاحتَمَلتُه الأوديةُ بمِلْئِها؛ الكبيرُ بكبرِه، والصغيرُ بصِغَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.

يقولُ: فاحتمَل السيلُ الذي حدَث عن ذلك الماءِ الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ زَبدًا عاليًا فوقَ السيلِ.

فهذا أحدُ مَثَلَى الحقِّ والباطلِ، فالحقُّ هو الماءُ الباقى الذي أنزَله اللَّهُ مِن السماءِ، والزَّبَدُ الذي لا يُنتفَعُ به هو الباطلُ.

والمَثلُ الآخرُ: (وَمِمَّا تُوقُدونَ (١) عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ).

يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومثلٌ آخرُ للحقِّ والباطلِ، مَثَلُ فضةٍ أو ذهَبٍ يُوقِدُ عليها الناسُ في النارِ؛ طَلَبَ حليةٍ يَتَّخِذُونها، أو متاعٍ، وذلك مِن النُّحاس والرَّصاصِ والحديدِ، يُوقَدُ عليه ليُتَّخَذَ منه متاعٌ يُنْتَفَعُ به، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومما توقِدون عليه مِن هذه الأشياءِ زَبَدٌ مثلُه، بمعنى: مثلُ زَبَدِ السيلِ، لا يُنْتَفَعُ به ويَذْهَبُ باطلًا، كما لا يُنْتَفَعُ بزَبَدِ السيلِ ويَذْهَبُ باطلًا.

ورُفِع الزبدُ بقولِه: (وَمِمَّا تُوقُدونَ (١) عَلَيْهِ فِي النَّارِ).

ومعنى الكلامِ: ومما تُوقِدون عليه في النارِ زبدٌ مثلُ زبَدِ السيلِ في بُطولِ زبَدِه، وبقاءِ خالصِ الذهبِ والفضةِ.

يقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ﴾.

يقولُ: كما مَثّل اللَّهُ (٢) الإيمانَ والكفرَ في بطولِ الكفرِ وخيبةِ صاحبِه عندَ مجازاةِ اللَّهِ، بالباقى النافعِ مِن ماءِ السيلِ وخالصِ الذهبِ والفضةِ، كذلك يُمَثِّلُ اللَّهُ الحقَّ والباطلَ.

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾.

يَقُولُ: فأما الزَّبَدُ الذي علا السيلَ والذهبَ والفضةَ والنُّحاسَ والرَّصاصَ عندَ الوقودِ عليها، فيَذْهَبُ بدفعِ الرياحِ، وقذفِ الماءِ به، وتَعَلُّقِه بالأشجارِ وجوانبِ الوادى، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ مِن الماءِ والذهبِ والفضةِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ، فالماءُ يَمْكُثُ في الأرضِ فتشربُه، والذهبُ والفضةُ تَمْكُثُ للناسِ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، يَقُولُ: كما مثَّل هذا المثلَ للإيمانِ والكفرِ، كذلك يُمَثِّلُ الأمثالَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: فهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ، احتَملت منه القلوبُ على قَدْرِ يقينِها وشكِّها، فأما الشكُّ فلا يَنْفَعُ معه العملُ، وأما اليقينُ فينْفَعُ اللَّهُ به أهلَه؛ وهو قولُه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، وهو الشكُّ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهو اليقينُ، كما يُجْعَلُ الحُلِيُّ في النارِ، فيؤخذُ خالصُه ويُتْرَكُ خَبَثُه في النارِ، فكذلك يَقْبلُ اللَّهُ اليقينَ ويَتْرُكُ الشكَّ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.

يقولُ: احتمَل السيلُ ما في الوادى مِن عُودٍ ودِمْنةٍ، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾، فهو الذهبُ والفضةُ والحِليةُ، "والمتاعُ" النُّحاسُ (٢) والحديدُ، وللنُّحاسِ والحديدِ خَبَثٌ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ خبَثهِ كزبدِ الماءِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾، فالذهبُ والفضةُ، وأما ما يَنْفَعُ الأرضَ فما شرِبتْ مِن الماءِ فأنْبَتَت، فجعَل ذلك مَثَل العملِ الصالحِ يَبْقَى لأهلِه، والعملِ السيئَ يَضْمَحِلُّ عن أهلِه، كما يَذْهَبُ هذا الزَّبَدُ، فكذلك الهُدَى والحقُّ جاء مِن عندِ اللَّهِ، فمن عمِل بالحقِّ كان له، وبقِى كما يَبْقَى ما يَنْفَعُ الناسَ في الأرضِ، وكذلك الحديدُ لا يُسْتَطاعُ أن يُجْعَلَ منه سِكِّينٌ ولا سيفٌ حتى يُدخَلَ في النارِ، فتأكُلَ خَبَثَه، فيَخْرُجَ جَيِّدُه، فيُنْتَفَعَ به، فكذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ إذا كان يومُ القيامةِ، وأُقيم الناسُ، وعُرِضَت الأعمالُ، فيَزيغُ (١) الباطلُ ويَهْلِكُ، ويَنْتَفِعُ أهلُ الحقِّ بالحقِّ، ثم قال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ (٢).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ﴾ إلى ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ فقال: ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾: الذهبِ [والفضةِ] (٣)، ﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾: الصُّفْرِ (٤) والحديدِ.

قال: كما أُوقِدَ على الذهبِ والفضةِ والصُّفْرِ والحديدِ، فخلَص خالِصُه، قال: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، كذلك بقاءُ الحقِّ لأهلِه فانْتَفَعوا به (٥).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبرَنى عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

قال: ما أطاقت مِلْأَها، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.

قال: انْقَضَى الكلامُ، ثم اسْتَقْبَل فقال: (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ).

قال: المتاعُ الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه.

﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.

قال: خَبَثُ ذلك مثلُ زبدِ السيلِ.

قال: وأمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ، وأمَّا الزَّبَدُ فيذهبُ جُفاءً.

قال: فذلك مَثَلُ الحقِّ والباطلِ (١).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن كثيرِ، عن مجاهدٍ أنه سمِعه يقولُ.

فذكَر نحوَه، وزاد فيه: قال: قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: قولَه: هو ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾.

قال: جُمودًا في الأرضِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾: يَعْنى الماءَ وهما مَثَلان؛ مَثَلُ الحقِّ والباطلِ.

حدَّثنا الحسنُ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾: السيلُ (٢) مِثْلُه (٣) خَبَثُ الحديدِ والحلِيةِ، ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: جمودًا في الأرضِ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ).

الحديدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ وأشباهُه، وقولُه: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، إنما هما مَثَلان للحقِّ والباطلِ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.

قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ - يزيدُ أحدُهما على صاحبِه - في قولِه: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

قال: بملئِها.

﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.

قال: الزَّبَدُ السيلُ.

﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.

قال: خَبَثُ الحديدِ والحليةِ.

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾.

قال: جمودًا في الأرضِ.

﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

قال: الماءُ، وهما مثَلان للحقِّ والباطلِ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾: أي عاليًا، ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾، والجُفاء ما يَتَعَلَّقُ بالشجرِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.

هذه ثلاثةُ أمثالٍ، ضرَبها اللَّهُ في مَثَلٍ واحدٍ.

يقولُ: كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، فصار جُفاءً لا يُنْتَفَعُ به ولا تُرْجَى (١) بَرَكتُه، كذلك يَضْمَحِلُّ الباطلُ عن أهلِه كما اضْمَحَلَّ هذا الزبدُ، وكما مكَث هذا الماءُ في الأرضِ، فأمْرَعت هذه الأرضُ وأخرَجت نباتَها، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه كما بَقِى هذا الماءُ في الأرضِ، فأخرَج اللَّهُ به ما أخرَج مِن النباتِ.

قولُه: (وَمِمَّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ) الآيةُ، كما يَبْقَى خالصُ الذهبِ والفضةِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خَبَثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه.

قولُه: ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، يقولُ: هذا الحديدُ والصُّفْرُ الذي يُنْتَفَعُ به فيه منافعُ، يقولُ: كما يَبقى خالصُ هذا الحديدِ وهذا الصُّفْرِ حينَ أُدْخِل النارَ وذهَب خبثُه، كذلك يَبْقَى الحقُّ لأهلِه، كما بَقِى خالصُهما (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال ثنا: محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الكبيرُ بقدْرِه، والصغيرُ بقدْرِه، ﴿زَبَدًا رَابِيًا﴾.

قال: رَبَا فوقَ الماءِ الزَّبَدُ، (وَمِمَّا تُوقُدونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ).

قال: هو الذهبُ إذا أُدْخِل النارَ بَقِى صَفْوُه، ونُفِى ما كان مِن كَدَرِه، وهذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ يتعلق بالشجرِ فلا يكونُ شيئًا، هذا (١) مَثَلُ الباطلِ، ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾، وهذا يُخرِجُ النباتَ، وهو مثلُ الحقَّ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.

قال: المتاعُ الصُّفْرُ والحديدُ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْدَةُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، قال: بلَغنى في قولِه: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

قال: إنما هو مَثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ، ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾: الصغيرُ على قَدْرِه، والكبيرُ على قَدْرِه، وما بينَهما على قَدْرِه، ﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾.

يقولُ: عظيمًا، وحيثُ استقرَّ الماءُ يَذْهَبُ الزَّبَدُ جُفاءً، فتَطِيرُ به الريحُ، فلا يَكُونُ شَيئًا، ويَبقَى صريحُ الماءِ الذي يَنْفَعُ الناسَ؛ منه شرابُهم ونباتُهم ومَنْفَعتُهم، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، ومِثْلُ الزَّبَدِ كلُّ شيءٍ يُوقَدُ عليه في النارِ؛ الذهبُ والفضةُ والنُّحاسُ والحديدُ، فيَذْهَبُ خَبَثُه، ويَبْقَى ما يَنْفَعُ في أيديهم، والخَبَثُ والزَّبَدُ مَثَلُ الباطلِ، والذي يَنْفَعُ الناسَ مما تحصَّل في أيديهم مما يَنْفَعُهم المالُ الذي في أيديهم.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾.

قال: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ.

فقرَأ: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا﴾، هذا الزَّبَدُ لا يَنْفَعُ، ﴿أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ هذا (١) لا يَنْفَعُ أيضًا، قال: وبَقِى الماءُ في الأرضِ فنفَع الناسَ، وبَقى الحُلِيُّ الذي صلَح مِن هذا، فانْتَفَع الناسُ به، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾.

وقال: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ للحقِّ والباطلِ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.

قال: الصغيرُ بصِغَرِه، والكبيرُ بكِبَرِه (٢).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ عمرٍو، عن عطاءٍ: ضرَب اللَّهُ مثلًا للحقِّ والباطلِ، فضرَب مَثَلَ الحقَّ كمَثَلِ السيلِ الذي يَمْكُثُ في الأرضِ، وضرَب مَثَلَ الباطلِ كمَثَلِ الزَّبَدِ الذي لا يَنْفَعُ الناسَ (٣).

وعنَى بقولِه: ﴿رَابِيًا﴾: عاليًا مُنْتَفِخًا، مِن قولِهم: ربَا الشئُ يَرْبُو رُبُوًّا فهو رابٍ.

ومنه قيل للنَّشَزِ مِن الأرضِ كهيئةِ الأكَمَةِ: رابيةٌ.

ومنه قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، [فصلت: ٣٩].

وقيل للنُّحاسِ والرَّصاصِ والحديدِ في هذا الموضعِ: المتاعُ.

لأنه يُسْتَمْتَعُ به، وكلُّ ما يَتمتَّعُ به الناسُ فهو متاعٌ؛ كما قال الشاعرُ (٤): تَمَتَّعْ يا مُشَعَّثُ إنَّ شيئًا … سَبَقْتَ به المماتَ هو المتاعُ وأما الجُفاءُ، فإنى حُدِّثت عن أبي عُبيدةَ مَعْمَرِ بن المثنى قال: قال أبو عمرِو بنُ العلاءِ، يقالُ: قد أجْفَأَتِ القِدرُ؛ وذلك إذا غَلَتْ فانْصَبَّ زَبَدُها، أو سكَنت فلا يَبْقَى منه شيءٌ (١).

وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾: تَنْشَفُه الأرضُ.

وقال: يُقالُ: جَفا الوادى وأجْفَى في معنى نَشِف، وانْجَفَى الوادى: إذا جاء بذلك الغُثاءِ، وغَثى الوادى، فهو يَغْنِى غَثْيًا وغَثَيانا.

وذَكَر عن العربِ أنها تَقُولُ: جَفَأْتُ القِدْرَ أجْفَؤُها: إذا أخرَجتَ جُفاءَها، وهو الزَّبَدُ الذي يَعْلُوها، وأجْفَأْتُها إِجْفَاءً، لغةٌ.

قال: وقالوا: جَفَأتُ الرجلَ جَفْئًا: صرَعتُه.

وقيل: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ بمعنى جَفْئًا؛ لأنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: جَفَأً الوادى غُثَاءَه جُفاءً (٢).

فخَرَج مخرَجَ الاسمِ وهو مصدرٌ.

كذلك تفعَلُ العربُ في مصدرِ كلَّ ما كان مِن فعلِ شيءٍ اجْتَمع بعضُه إلى بعضٍ كالقُماشِ (٣) والدُّقاقِ والحُطامِ والغُثاءِ.

تُخْرِجُه على مذهبِ الاسمِ، كما فعَلت ذلك في قولِهم: أعْطَيتُه عطاءً، بمعنى الإعْطاءِ.

ولو أُريد مِن القُماشِ المصدرُ على الصحةِ لقيل: قد قَمَشْتُه قَمْشًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أما الذين استجابوا للَّهِ فآمَنوا به حينَ دعاهم إلى الإيمانِ به وأطاعوه، فاتَّبعوا رسولَه وصدَّقوه فيما جاءهم به مِن عندِ اللَّهِ، فإن لهم الحسنَى؛ وهى الجنةُ.

كذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى﴾: وهى الجنةُ.

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأما الذين لم يَسْتَجِيبوا له حينَ دعاهم إلى توحيدِه والإقرارِ برُبوبيتِه، ولم يُطِيعوه فيما أمَرهم به، ولم يَتَّبِعوا رسولَه فيُصَدِّقوه فيما جاءهم به من عندِ ربِّهم، فلو أنَّ لهم ما في الأرضِ جميعًا من شيءٍ ومثلَه معه مِلْكًا لهم ثم قُبِلَ (١) مِثْلُ ذلك، وقُبِل ذلك منهم بدلًا مِن العذابِ الذي أعدَّه اللَّهُ لهم (٢) في نارِ جهنمَ وعِوضًا، لافْتَدَوْا به أنفسَهم منه.

يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾.

يقولُ: هؤلاء الذين لم يَسْتَجِيبوا للَّهِ ﴿لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾.

يقولُ: لهم عندَ اللَّهِ أن يَأْخُذَهم بذُنوبِهم كلِّها، فلا يَغْفِرَ لهم منها شيئًا، ولكن يُعَذِّبُهم على جميعِها.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا يونسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عونٌ، عن فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، قال: قال لنا شهرُ بنُ حَوْشَبٍ: ﴿سُوءُ الْحِسَابِ﴾ أن لا يَتَجاوزَ له (٣) عن شيءٍ (٤).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنى الحجاجُ بنُ أبى عثمانَ، قال: ثنى فَرْقَدٌ السَّبَخِيُّ، قال: قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: يا فرقدُ، أتدرى ما سوءُ الحسابِ؟

قلتُ: لا.

قال: هو أن يُحاسَبَ الرجلُ بذنبِه كلِّه، لا يُغفَرُ له منه شيءٌ (١).

وقولُه: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.

يقولُ: ومَسْكنُهم الذي يَسْكُنُونه يومَ القيامةِ جهنمُ.

﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

يقولُ: وبئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنمُ التي هي مأواهم يومَ القيامةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أهذا الذي يَعْلمُ أن الذي أنزَله اللَّهُ عليك يا محمدُ حقٌّ، فيؤمنُ به ويصدِّقُ ويعملُ بما فيه، كالذى هو أعْمَى، فلا يَعْرِفُ مَوْقِعَ حُجَةِ اللَّهِ عليه به، ولا يَعْلَمُ ما ألزَمه (٢) اللَّهُ مِن فرائضِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾.

قال: هؤلاء قومٌ انْتَفَعوا بما سمِعوا مِن كتابِ اللَّهِ، وعقَلوه ووَعَوْه.

قال اللَّهُ: ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾.

قال: عن الخيرِ فلا يُبْصِرُه (٣).

وقولُه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

يقولُ: إنما يَتَّعِظُ بآياتِ اللَّهِ ويَعْتَبِرُ بها ذوو العقولِ؛ وهى الألبابُ، واحدُها: لُبٌّ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَتَّعِظُ ويَعْتَبِرُ بآياتِ اللَّهِ أولو الألبابِ، الذين يُوفون بوصيةِ اللَّهِ التي أوصاهم بها (١)، ﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾: ولا يُخالفِون العهدَ الذي عاهَدوا اللَّهَ عليه إلى خِلافِه، فيَعْمَلوا بغيرِ ما أمَرهم به، ويخالِفوا إلى ما نهَى عنه.

وقد بيَّنا معنى العهْدِ والميثاقِ فيما مضَى بشواهدِه، فأغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا هشامٌ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فبيَّن مَن هم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾، فعليكم بوفاءِ العهدِ، ولا تَنْقُضُوا هذا الميثاقَ، فإن اللَّهَ تعالى قد نهَى وقدَّم فيه أشدَّ التقدِمةِ، فذكَره في بضعٍ وعشرين موضعًا، نصيحةً لكم، وتَقْدِمةً إليكم، وحُجَّةً عليكم، وإنما [تَعْظُمُ الأمورُ] (٣) بما عظَّمه اللَّهُ به عندَ أهلِ الفَهْمِ والعقلِ، فعظِّموا ما عظَّم اللَّهُ.

قال قتادةُ: وذُكِر لنا أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ في خُطبتِه: "لا إيمانَ لمن لا أمانةَ (١) له، ولا دِينَ لمن لا عهدَ له" (٢).

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَصِلُون الرَّحِمَ التي أمَرهم اللَّهُ بوصلِها، فلا يَقْطَعُونها.

﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾.

يقولُ: ويخافون اللَّهَ في قطعِها أن يَقْطَعوها، فيعاقِبَهم على قطعِها، وعلى خلافِهم أمرَه فيها.

وقولُه: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.

يقولُ: ويحذَرون مناقشةَ اللَّهِ إياهم في الحسابِ، ثم لا يَصْفَحُ لهم عن ذنبٍ، فهم لرهبتِهم ذلك جادُّون في طاعتِه، محافظون على حدودِه.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عفَّانُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ (٣) في قولِه: ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.

قال: المناقشةُ (٤) بالأعمالِ (٥).

قال: ثنا عفانُ، قال: ثنا حمادٌ، عن فَرْقَدٍ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿سُوءَ الْحِسَابِ﴾ أن يُحاسَبَ مَن لا يُغفَرُ له.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾.

قال: فقال: وما سوءُ الحسابِ؟

قال: الذي لا جوازَ فيه.

حدَّثني ابن سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن الحجاجِ، عن فَرْقَدٍ، قال: قال لى إبراهيمُ: تَدرِى ما سوءُ الحسابِ؟

قلتُ: لا أدرِى.

قال: يُحاسَبُ العبدُ بذنبِه كلِّه لا يُغْفَرُ له منه شيءٌ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاءِ بعهدِ اللَّهِ، وترْكِ نَقْضِ الميثاقِ، وصلةِ الرحمِ؛ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم﴾.

ويعنى بقولِه: ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِم﴾: طَلَبَ تعظيمِ اللَّهِ، وتنزيهًا له أن يُخالَفَ في أمرِه، أو يأتىَ أمرًا كَرِه إتيانَه فيَعْصِيَه به، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.

يقولُ: وأدَّوا الصلاةَ المفروضةَ بحدودِها في أوقاتِها، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.

يقولُ: وأدَّوا مِن أموالِهم زكاتَها المفروضةَ، وأنْفَقوا منها في السُّبلِ التي أمَرهم اللَّهُ بالنفقةِ فيها، سِرًّا في خفاءٍ، وعلانيةً في الظاهرِ.

كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.

يعنى: الصلواتِ الخمسَ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.

يقولُ: الزكاةُ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الصبرُ الإقامةُ.

قال: وقال: الصبرُ في هاتين؛ فصبرٌ للَّهِ على ما أحبَّ وإن ثَقُل على الأنفسِ والأبدانِ، وصبرٌ عما يَكْرَهُ وإن نازَعت إليه الأهواءُ، فمَن كان هكذا فهو مِن الصابرين.

وقرَأ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.

وقولُه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.

يقولُ: ويَدْفَعون إساءةَ مَن أساء إليهم مِن الناسِ بالإحسانِ إليهم.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾.

قال: يَدْفَعون الشرَّ بالخيرِ، لا يُكافِئون الشرَّ بالشرِّ، ولكن يَدْفَعونه بالخيرِ (١).

وقولُه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

يَقُولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين وصَفنا صِفتَهم هم الذين لهم عُقبى الدارِ، يَقُولُ: هم الذين أعْقَبهم اللَّهُ دارَ الجنانِ مِن دارِهم التي لو لم يَكُونوا مؤمنين كانت لهم في النارِ، فأعقَبهم اللَّهُ مِن تلك هذه.

وقد قيل: معنى ذلك: أولئك الذين لهم عَقِيبَ طاعتِهم ربَّهم في الدنيا دارُ الجنانِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾؛ ترجمةٌ عن ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٢].

كما يقالُ: نِعْمَ الرجلُ عبدُ اللَّهِ.

فعبدُ اللَّهِ هو الرجلُ المقولُ له: نِعْمَ الرجلُ.

وتأويلُ الكلامِ: أولئك لهم عَقِيبَ طاعتِهم ربَّهم الدارُ التي هي جناتُ عدْنٍ.

وقد بيَّنا معنى قولِه: ﴿عَدْنٍ﴾، وأنه بمعنى الإقامةِ التي لا ظَعْنَ معها (١).

وقولُه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِم﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: جناتُ عدنٍ يَدْخُلُها هؤلاء الذين وَصَفْتُ صفتَّهم، وهم الذين يُوفُون بعهدِ اللَّهِ، والذين يَصِلون ما أمَر اللَّهُ به أن يُوصَلَ، ويَخْشَون ربَّهم، والذين صبَروا ابتغاءَ وجهِ ربِّهم، وأقاموا الصلاةَ، وفعَلوا الأفعالَ التي ذكَرها جلَّ ثناؤُه في هذه الآياتِ الثلاثِ، ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ﴾، وهى نساؤُهم وأهلوهم وذرِّياتُهم.

وصلاحُهم إيمانُهم باللَّهِ، واتباعُهم أمرَه وأمرَ رسولِه ﵊.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شَبابةُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾.

قال: مَنْ آمَن في الدنيا (٢).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، وثنا إسحاق قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ﴾.

قال: مَن آمَن مِن آبائِهم وأزواجِهم وذرِّياتِهم.

وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتَدْخُلُ الملائكةُ على هؤلاء الذين وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَهم في هذه الآياتِ الثلاثِ، في جناتِ عَدْنٍ، مِن كلِّ بابٍ منها، يقولون لهم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ على طاعةِ ربِّكم في الدنيا، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

وذُكر أن لجناتِ عَدْنٍ خمسةَ آلافِ بابٍ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن يعلى بن عطاءٍ، عن نافعِ بن عاصمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قال: إن في الجنةِ قصرًا يقالُ له: عَدْنٌ، حولَه البُروجُ والمُروجُ، فيه خمسةُ آلافِ بابٍ، على كلِّ بابٍ خمسةُ آلافِ حِبَرةٍ، لا يَدْخُلُه إلا نبيٌّ أو صدِّيقٌ أو شهيدٌ (١).

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.

قال: مدينةُ الجنةِ، فيها الرسلُ والأنبياءُ والشهداءُ وأئمةُ الهدى، والناسُ حولَهم [بعدُ، والجناتُ] (٢) حولَها (٣).

وحُذِف من قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ "يقولون" اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما حُذِف ذلك مِن قولِه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾ [السجدة: ١٢].

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن بقيةَ بن الوليدِ، قال: ثنى أرطاةُ بنُ المنذرِ، قال: سمِعتُ رجلًا مِن مشيخةِ الجندِ يقال له: أبو الحجاجِ.

يقولُ: جلَستُ إلى أبى أُمامةَ، فقال: إن المؤمنَ ليكونُ متكئًا على أَرِيكتِه إذا دخَل الجنةَ، وعندَه سِماطان (٤) مِن خدَمٍ، وعندَ طَرَفِ السِّماطَين [بابٌ مبوبٌ] (٥)، فيُقبِلُ المَلَكُ يَسْتَأذِنُ، فيقولُ [أقصى الخدمِ] (١) للذى (٢) يليه: ملَكٌ يَسْتَأذِنُ (٣).

ويقولُ الذي يليه للذى يَليه: مَلَكٌ يَسْتَأْذِنُ.

حتى يَبْلُغَ المؤمنَ، فيقولُ: ائذَنوا.

فيقولُ أقربُهم إلى المؤمنِ: ائذَنوا.

ويقولُ الذي يلِيه للذى يلِيه: ائذَنُوا.

فكذلك حتى يَبْلُغَ أقصاهم الذي عندَ البابِ، فيَفتحَ له، فيدخلَ فيُسَلِّمَ ثم يَنْصَرِفَ (٤).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن إبراهيمَ بن محمدٍ، عن سهيلِ (٥) بن أبى صالحٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ، قال: كان النبيُّ ﷺ يأتى قبورَ الشهداءِ على رأسِ كلِّ حولٍ فيقولُ: "السلامُ عليكم بما صَبَرْتم، فنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ".

وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ (٦).

وأما قولُه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.

فإن أهلَ التأويلِ قالوا في ذلك نحوَ قولِنا فيه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عمرانَ الجَوْنيِّ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.

قال: على دينِكم (٧).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.

قال: حينَ صبَرو للَّهِ بما [يحبُّه اللَّهُ] (١) فقدَّموه.

وقرَأ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ حتى بلَغ: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ١٢ - ٢٢].

وصبَروا عما كرِه اللَّهُ وحرَّم عليهم، وصبَروا على ما ثَقُل عليهم وأحَبَّه اللَّهُ، فسلَّم عليهم بذلك.

وقرَأ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

وأما قولُه: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾.

فإن معناه إن شاء اللَّهُ كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرٍ، عن أبي عِمْرانَ الجَوْنيِّ في قولِه: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾.

قال: الجنةُ مِن (٢) النارِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأمَّا: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾.

ونَقْضُهم ذلك خِلافُهم أمرَ اللَّهِ، وعَمَلُهم بَمَعْصِيتِه، ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.

يقولُ: مِن بعدِ ما وَثَّقوا على أنفسِهم للَّهِ أن يَعْمَلوا بما عهِد إليهم، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.

يقولُ: ويَقْطَعون الرحمَ التي أمَرَهم اللَّهُ بَوصْلِها، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.

وإفسادُهم فيها عملُهم فيها (٣) بمعاصى اللَّهِ، ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾.

يقولُ: فهؤلاء لهم اللعنةُ، وهى البُعدُ مِن رحمتِه، والإقصاءُ مِن جَنابِه (٤)، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

يقولُ: ولهم ما يسوءُهم في (١) الدارِ الآخرةِ.

حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: ٣١]، ونقضُ العهدِ، وقطيعةُ الرحمِ؛ لأن اللَّهَ يقولُ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

يعنى: سوءُ العاقبةِ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.

قال: بلَغنا أن النبيَّ ﷺ قال: "إذا لم تَمْشِ إلى ذى رَحمِك برِجْلِكَ، ولم تُعْطِه مِن مالِكَ، فقد قَطَعْتَه" (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ (٤)، عن مُصْعبِ بن سعدٍ، قال: سأَلتُ أبى عن هذه الآيةِ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣، ١٠٤].

أَهُمْ الحَرُوريَّةُ؟

قال: لا.

ولكنَّ الحَرُوريَّةَ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.

فكان سعدٌ يُسَمِّيهم الفاسقين (٥).

حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: سمِعتُ مُصْعبَ بنَ سعدٍ، قال: كنتُ أمْسِكُ على سعدٍ المصحفَ، فأتى على هذه الآيةِ.

ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بن جعفرٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: اللَّهُ يُوَسِّعُ على مَن يشاءُ مِن خلقِه في رزقِه، فيَنْسُطُ له منه؛ لأن منهم مَن لا يُصْلِحُه إلا ذلك، ﴿وَيَقْدِرُ﴾.

يقولُ: ويُقَتِّرُ على مَن يشاءُ منهم في رزقِه وعَيْشِه، فيُضَيِّقُه عليه؛ لأنه لا يُصْلِحُه إلا الإقتارُ.

﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وفرِح هؤلاء الذين بُسِط لهم في الدنيا مِن الرزقِ على كفرِهم باللَّهِ ومَعْصِيتهم إياه، بما بُسِط لهم فيها، وجهِلوا ما عندَ اللَّهِ لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به في الآخرةِ من الكرامةِ والنعيمِ.

ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه عن قَدْرِ ذلك في الدنيا، فيما لأهلِ الإيمانِ به عندَه في الآخرةِ، وأعلَم عبادَه قِلَّتَه فقال: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.

يقولُ: وما جميعُ ما أُعْطِى هؤلاء في الدنيا مِن السعةِ، وبُسِط لهم فيها مِن الرزقِ وَرَغَدِ العيشِ، فيما (١) عندَ اللَّهِ لأهلِ طاعتِه في الآخرةِ، إلا متاعٌ قليلٌ، وشيءٌ حقيرٌ ذاهبٌ.

كما حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِلَّا مَتَاعٌ﴾.

قال: قليلٌ ذاهبٌ (٢).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: وثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.

قال: قليلٌ ذاهبٌ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن عبدِ الرحمنِ بن سابطٍ في قولِه: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾.

قال: كزادِ الراعى، يُزَوِّدُه أهلُه الكفَّ مِن التمرِ، أو الشيءَ مِن الدقيقِ، أو الشيءَ يُشْرَبُ عليه اللبنُ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويقولُ لك يا محمدُ مشركو قومِك: هلَّا أُنْزِل عليك آيةٌ مِن ربِّك؛ إما مَلَكٌ يكونُ معك نذيرًا، أو يُلْقى إليك كَنْرٌ.

فقلْ (٢): إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مِنكم مَن يشاءُ أَيُّها القومُ، فيَخْذُلُه عن تصديقي والإيمانِ بما جئتُه به مِن عندِ ربي، ويَهْدِى إليه من أناب فرجَع إلى التوبةِ مِن كفرِه، والإيمانِ به، فيوفِّقُه لاتِّباعي وتصديقي (٣) على ما جئتُه به مِن عندِ ربِّه، وليس ضلالُ مَن يَضِلُّ منكم بأن لم يُنزَلْ عليَّ آيةٌ مِن ربي، ولا هدايةُ مَن يهتدى مِنكم بأنها أُنْزِلت عليَّ - بيدى (٤)، وإنما ذلك بيدِ اللَّهِ، يُوفِّق من يشاءُ منكم للإيمانِ، ويَخْذُلُ مَن يشاءُ منكم فلا يؤمنُ.

وقد بيَّنتُ معنى الإنابةِ في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا بشواهدِه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.

أي: مَن تاب وأقبَل (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويَهْدِى إليه مَن أناب بالتوبةِ الذين آمنوا.

﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في موضعِ نصبٍ، ردٌّ (٣) على ﴿مَنْ﴾؛ لأن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هم ﴿مَنْ أَنَابَ﴾، تُرجِم بها عنها.

وقولُه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: وتَسْكُنُ قلوبُهم وتَسْتَأْنِسُ بذكرِ اللَّهِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: سكَنت (٤) إلى ذكرِ اللَّهِ واسْتَأْنَستْ به (٢).

وقولُه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

يقولُ: ألا بذكرِ اللَّهِ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ قلوبُ المؤمنين.

وقيل: إنه عنَى بذلك قلوبَ المؤمنين مِن أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾: لمحمدٍ وأصحابِه (١).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

قال: لمحمدٍ وأصحابِه.

قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونسَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ في قولِه: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾.

قال: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ (٢).

وقولُه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: الصالحات مِن الأعمالِ، وذلك العملُ بما أمَرهم ربُّهم، ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

و ﴿طُوبَى﴾ في موضعِ رَفْعٍ بـ ﴿لَهُمْ﴾.

وكان بعضُ أهلِ البصرةِ والكوفةِ يقولُ: ذلك رفعٌ، كما يقالُ في الكلامِ: ويلٌ لعمرٍو.

وإنما أُوثِر الرفعُ في ﴿طُوبَى﴾ لحُسْنِ (٣) الإضافةِ فيه بغيرِ لامٍ، وذلك أنه يقالُ فيه: طوباك.

كما يقالُ: ويلَك ووَيْبَك.

ولولا حسنُ الإضافةِ فيه بغيرِ لامٍ، لكان النصبُ فيه أحسنَ وأفصحَ، كما النصبُ في قولِهم: تَعْسًا لزيدٍ، وبُعْدًا له، وسُحْقًا.

أحسنُ، إذ كانت الإضافةُ فيها بغيرِ لامٍ لا تَحْسُنُ.

وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

فقال بعضُهم: معناه: نِعمَ ما لهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُورِيُّ مِن أهلِ الكوفةِ، قال: ثنا أبو زكريا الكلبيُّ، عن عمرِو بن نافعٍ، قال: سُئل عكرمةُ عن: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: نعمَ ما لهم (١).

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نافعٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: نِعْمَ ما لهم.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثني عمرُو بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: نِعْمَ ما لهم.

وقال آخرون: معناه: غِبْطةٌ لهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: غِبْطَةٌ لهم (٢).

حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.

وقال آخرون: معناه: فَرَحٌ وقُرَّةُ عينٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ بنُ داودَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

يقولُ: فَرَحٌ وقرَّةُ عينٍ (١).

وقال آخرون: معناه: حُسْنَى لهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

يقولُ: حُسْنَى لهم، وهى كَلِمَةٌ مِن كلامِ العربِ (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: هذه كلِمةٌ عربيةٌ، يقولُ الرجلُ: طُوبَى لك؛ أي: أصبتَ خيرًا (٣).

وقال آخرون: معناه: خيرٌ لهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: خيرٌ لهم (٤).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: الخيرُ والكرامةُ التي أعطاهم اللَّهُ (١).

وقال آخرون: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: اسمٌ مِن أسماءِ الجنةِ.

ومعنى الكلامِ: الجنةُ لهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: اسمُ (٢) الجنةِ بالحَبَشيَّةِ.

[حدَّثنا أبو هشام، قال: حدَّثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: اسمُ أرضِ الجنةِ بالحبشيةِ] (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن مَسْجوحٍ (٤) في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: طوبى اسمُ الجنةِ بالهنديَّةِ (٥).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا داودُ بنُ مهرانَ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بن مَسْجوحٍ، قال: اسمُ الجنةِ بالهنديةِ طوبى.

حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: الجنةُ (١).

قال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: الجنةُ (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

قال: لما خلَق اللَّهُ الجنةَ وفرَغ منها، قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

وذلك حينَ أعْجَبتْه (٣).

حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: الجنةُ.

وقال آخرون: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن موسى بن سالمٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ (١).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾: شجرةٌ في الجنةِ يقولُ لها: تَفَتَّقى لعبدى عمَّا شاء.

فتَتَفَتَّقُ (٢) له عن الخيلِ بسرُوجِها ولُجُمِها، وعن الإبلِ بأزِمَّتِها، وعمَّا شاء مِن الكِسوةِ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، قال طوبى شجرةٌ في الجنةِ، كلُّ شجرِ الجنةِ منها، أغْصَانُها مِن وراِء سورِ الجنةِ (٤).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن الأشعثِ بن عبدِ اللَّهِ، عن شهرِ بن حَوْشبٍ، عن أبي هريرةَ، قال: في الجنةِ شجرةٌ يقالُ لها: طوبى.

يقولُ اللَّهُ لها: تَفَتَّقى.

فذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن (٥) ثورٍ (٦).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ، قال: ثنا مرْوانُ، قال: أخبَرنا العلاءُ، عن شِمْرِ بن عطيةَ في قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

قال: هي شجرةٌ في الجنةِ يقالُ لها: طوبى.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن حسانَ بن (١) أبى الأشْرِسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، ليس في الجنةِ دارٌ إلا فيها غُصْنٌ، منها، فيجيءُ الطائرُ فيقعُ، فيدْعوه فيأكلُ مِن أحدِ جنْبَيْه قَدِيدًا (٢)، ومِن الآخرِ شِواءً، ثم يقولُ: طِرْ.

فيطيرُ (٣).

قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن بعضِ أهلِ الشامِ، قال: إن ربَّك أخَذ لُؤلُوةً فوضَعها على راحتَيْه، ثم دَمْلَجها بينَ كفَّيْه، ثم غرَسها وَسْطَ أهلِ الجنةِ، ثم قال لها: امتدِّي حتَّى تَبْلغى مرضاتى.

ففعَلتْ، فلما اسْتوتْ تَفَجَّرت مِن أصولِها أنهارُ الجنةِ، وهى طوبى (٤).

حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ الصنعانيُّ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وهبًا يقولُ: إن في الجنةِ شجرةً يقالُ لها: طوبى.

يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ زَهْرُها رِياطٌ (٥)، ووَرَقُها بُرُودٌ، وقُضبانُها عَنْبرٌ، وبَطْحاؤُها ياقوتٌ، وتُرابُها كافورٌ، ووَحْلُها مِسْكٌ، يَخْرُجُ مِن أصلِها أنهارُ الخمرِ واللبنِ والعسلِ، وهى مجلِسٌ لأهلِ الجنةِ، فبيْنا هم في مجلِسِهم إذ أتَتْهم ملائكةٌ مِن ربِّهم، يَقُودون نُجُبًا مَزمومةً بسلاسلَ مِن ذهَبٍ، وُجوهُها كالمصابيحِ مِن حُسْنِها، ووَبَرُها كَخَزِّ المِرْعِزَّى (٦) مِن لينِه، عليها رِحالٌ ألواحُها مِن ياقوتٍ، ودُفوفُها من ذهبٍ، وثيابُها مِن سندسٍ وإِسْتَبْرَقٍ، فيُنيخُونَها ويَقولون: إِنَّ رَبَّنا أرسلَنا إليكم لتَزورُوه وتسلِّموا عليه.

قال: فيرْكَبونها - قال: فهى أسرعُ مِن الطائرِ، وأوطأُ مِن الفِراشِ - نُجُبًا من غيرِ مَهَنةٍ (١)، يَسيرُ الرجلُ إلى جنبِ أخيه وهو يُكَلِّمُه ويُناجيه، لا تصيبُ أُذُنُ راحلةٍ منها أُذُنَ صاحبتِها، ولا بَرْكُ راحلةٍ بَرْكَ صاحبتِها، حتى إن الشجرةَ لتَتَنحَّى عن طُرُقِهم لئلا تفرِّقَ بينَ الرجلِ وأخيه، قال: فيأتون إلى الرحمنِ الرحيمِ، فيُسْفِرُ لهم عن وجهِه الكريمِ حتى يَنْظُروا إليه، فإذا رأَوْه قالوا: اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، وحُقَّ لك الجلالُ والإكرامُ.

قال: فيقولُ ﵎ عندَ ذلك: أنا السلامُ ومنى السلامُ، وعليكم حَقَّتْ رحمتى ومَحَبَّتي، مرحبًا بعبادى الذين خَشَوْني بغيبٍ وأطاعوا أمرى.

قال: فيقولون: ربَّنا إنا لَم نَعْبُدُك حقَّ عبادتِك، ولم نُقَدِّرْكَ حَقَّ قَدْرِكَ، فأْذَنْ لنا بالسجودِ قُدَّامَك.

قال: فيقولُ اللَّهُ: إنها ليستْ بدارِ نَصَبٍ ولا عِبادةٍ، ولكنها دارُ مُلْكٍ ونعيمٍ، وإنى قد رفَعتُ عنكم نَصَبَ العبادةِ، فَسَلُونى ما شئتُم، فإِنَّ لِكُلِّ رجلٍ مِنكم أَمنيَّتَه، فيَسْأَلونه، حتى إنَّ أقصرَهم أمنيةً لَيقولُ: ربِّ تنافَس أهلُ الدنيا في دنياهم، فتضايَقوا فيها، ربِّ فآتِنى كلَّ شيءٍ كانوا فيه مِن يومِ خَلَقْتَها إلى أن انْتهت الدنيا.

فيقولُ اللَّهُ: لقد قَصَّرَتْ بك اليومَ أمنيتُك، ولقد سأَلْتَ دونَ منزلتِك، هذا لك منى، وسأُتْحِفُك بمنزِلتي؛ لأنه ليس في عطائى نَكَدٌ ولا تَصْرِيدٌ (٢).

قال: ثم يقولُ: اعرِضوا على عبادى ما لم تَبْلُغْ أمانيُّهم، ولم يَخْطُرْ لهم على بالٍ.

قال: فيَعْرِضون عليهم حتى يَقْضُوهم أمانيَّهم التي في أنفسِهم، فيكونُ فيما يَعْرِضون عليهم بَرَاذِينُ مُقَرَّنَةٌ؛ على كلِّ أربعةٍ منها سريرٌ مِن ياقوتةٍ واحدةٍ، على كلِّ سريرٍ منها قبَّةٌ مِن ذَهَبٍ مُفْرَغةٌ، في كلِّ قبةٍ منها فُرُشٌ مِن فُرُشِ الجنةِ مُظَاهِرَةٌ، في كلِّ قبةٍ منها جاريتان من الحُورِ العِينِ، على كلِّ جاريةٍ مِنهن ثوبان مِن ثيابِ الجنةِ، ليس في الجنةِ لونٌ إلا وهو فيهما، ولا رِيحٌ طَيِّبةٌ إلا قد عَبِقتَا (١) به، يَنْفُذُ ضَوْءُ وجوهِهما غِلَظَ القبةِ، حتى يَظُنُّ مَن يَراهما أنهما مِن دونِ القبةِ، يرَى مُخَّهما مِن فوقِ سُوقِهما كالسلكِ الأبيضِ مِن ياقوتةٍ حمراءَ، يَرَيان له مِن الفضلِ على صَحابتِه كفضلِ الشمسِ على الحجارةِ أو أفضلَ، ويَرى هو لهما مثلَ ذلك، ثم يَدْخُلُ إليهما فيُحيِّيانه ويُقَبِّلانه ويُعانِقانِه، ويَقولانِ له: واللَّهِ ما ظننَّا أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ مثلَك.

ثم يَأْمرُ اللَّهُ الملائكةَ فيَسيرون بهم صفًّا في الجنةِ، حتى يَنْتَهىَ كلُّ رجلٍ منهم إلى منزلتِه التي أُعِدَّتْ له (٢).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادٍ، قال: شجرةٌ في الجنةِ، في (٣) دارِ كلِّ مؤمنٍ غُصْنٌ منها.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حسانِ بن أبى الأشرسِ، عن مُغيثِ بن سُمَىٍّ، قال: طوبى شجرةٌ في الجنةِ، لو أن رجلًا ركِب قلُوصًا؛ جَذَعًا أو جَذَعةً ثم دار بها، لم يَبْلُغِ المكانَ الذي ارتَحَل منه، حتى يَمُوتَ هَرَمًا، وما مِن أهلِ الجنةِ مَنْزلٌ إلا فيه (٤) غصنٌ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ، متدلٍّ عليهم، فإذا أرادوا أن يأكُلوا مِن الثمرةِ تَدَلَّى إليهم، فيأكُلون منه ما شاءوا، ويجِيءُ الطيرُ فيأكُلون منه قدِيدًا وشِواءً ما شاءوا، ثم يَطيرُ (٤).

وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ بنحوِ ما قال مَن قال: هي شجرةٌ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني سليمانُ بنُ داودَ القُومَسيُّ، قال: ثنا أبو توبةَ الربيعُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ سلَّامٍ، عن زيدٍ، أنه سمِع أبا سلَّامٍ، قال: ثنا عامرُ بنُ زيدٍ البِكَاليُّ، أنه سمِع عُتْبةَ بنَ عبدٍ السلميَّ (١) يقولُ: جاء أعرابيٌّ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إن في الجنةِ فاكهةً؟

قال: "نعم، فيها شجرةٌ تُدْعى طوبى، هي تطابقُ الفِردوسَ".

قال: أيَّ شجرِ أرضِنا تُشْبِهُ؟

قال: "ليستْ تُشْبِهُ شيئًا مِن شجرِ أرضِك، ولكن أتَيْتَ الشامَ؟

".

فقال: لا يا رسولَ اللَّهِ.

فقال: "فإنها تُشْبِهُ شجرةً تُدْعَى الجَوْزةَ، تَنْبُتُ على ساقٍ واحدةٍ، ثم يَنْتَشِرُ أعلاها".

قال: ما عِظَمُ أصلِها؟

قال: "لو ارْتَحَلَتْ جَذَعةٌ مِن إبلِ أهلِك ما أحاطتْ بأصلِها حتى تَنْكَسِرَ تُرْقُوَتاها هَرَمًا" (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ شبيبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ زيادٍ الجَريرِيُّ، عن فُراتِ بن أبى الفُراتِ، عن معاويةَ بن قُرَّةَ، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾: شجرةٌ غرَسَها اللَّهُ بيدِه، ونفَخ فيها مِن رُوحِه، تَنْبُتُ (٣) بالحُلِيِّ والحُلَلِ، وإن أغصانَها لتُرى مِن وراءِ سُورِ الجنةِ" (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، أن درَّاجًا حدَّثه، أن أبا الهيثمِ حدَّثه، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، أن رجلًا قال له: يا رسولَ اللَّهِ، ما طوبى؟

قال: "شجرةٌ في الجنةِ مسيرةُ مائةِ سنةٍ، ثيابُ أهلِ الجنةِ تَخْرُجُ مِن أكمامِها" (١).

فعلى هذا التأويلِ الذي ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الروايةَ به، يَجِبُ أن يَكونَ القولُ في رفعِ قولِه: ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾.

خلافَ القولُ الذي حكيْناه عن أهلِ العربيةِ فيه، وذلك أن الخبرَ عن رسولِ ﷺ من أن طُوبى اسمُ شجرةٍ في الجنةِ، فإذ كان (٢) كذلك فهو اسمٌ لمعرفةٍ، كزيدٍ وعمرٍو، وإذ كان (٣) كذلك، لم يكنْ في قولِه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

إلا الرفعُ عطفًا به على ﴿طُوبَى﴾.

وأما قولُه: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

فإنه يقولُ: وحُسْنُ منقلَبٍ.

كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.

قال: حُسْنُ مُنْقَلَبٍ (٤).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هكذا (١) أرسَلْناك يا محمدُ في جماعةٍ مِن الناسِ، يَعْنى: إلى جماعةٍ قد خلَتْ مِن قبلِها جماعاتٌ على مثلِ الذي هم عليه، فمضَت - ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.

يقولُ: لتبلِّغَهم ما أرسلتُكَ به إليهم مِن وَحْيِى الذي أوحيتُه إليك، ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.

يقولُ: وهم يَجْحَدُون وحدانيةَ اللَّهِ ويكذِّبون بها، ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي﴾.

يقولُ: إِن كَفَر هؤلاء الذين أرسلتُكَ إليهم يا محمدُ بالرحمنِ، فقُلْ أنت: اللَّهُ ربي لا إلهَ إلا هو عليه توكَّلْتُ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.

يقولُ: وإليه مرجعى وأَوْبَتَى.

وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: تُبتُ مَتَابًا وتَوبةً.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ زمنَ الحديبيةِ حين صالَح قريشًا كتَب: هذا ما صالَح عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ ﷺ.

فقال مشركو قريشٍ: لئن كُنتَ رسولَ اللَّهِ ثم قاتَلْناك لقد ظلَمْناك، ولكنِ اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ.

فقال أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ: دَعْنا يا رسولَ اللَّهِ نُقاتِلُهم.

فقال: "لا، ولكنِ اكْتُبوا [كما يُريدون] (٢)؛ إنى محمدُ (٣) بنُ عبدِ اللَّهِ"، فلما كتب الكاتبُ (٤): بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ.

قالت قريشٌ: أما الرحمنُ فلا نَعْرِفُه.

وكان أهلُ الجاهليةِ يَكْتُبون: باسمِك اللهمَّ.

فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، دَعْنا نُقاتِلْهم.

قال: "لا، ولكن اكتُبوا [كما يُريدون] (١) " (٢).

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قولُه: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية.

قال: هذا لما كاتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ قريشًا في الحديبيةِ، كتَب: بسمِ اللَّهِ الرحمنِ الرحيمِ.

قالوا: لا تَكْتُبِ الرحمنَ، وما ندرى ما الرحمنُ؟

ولا نَكْتُبُ (٣) إلا: باسمِك اللهمَّ.

قال اللَّهُ: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.

الآية.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وهم يَكْفُرون بالرحمنِ ولو أنّ قرآنًا سُيِّرت به الجبالُ.

أي: يَكْفُرون باللَّهِ ولو سَيَّر لهم الجبالَ بهذا القرآنِ.

وقالوا: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وجعَلوا جوابَ "لو" مقدَّمًا قبلَها.

وذلك أن الكلامَ على معنى قبلِهم: ولو أنَّ هذا القرآنَ [سُيِّرت به] (٤) الجبالُ أو قُطِّعت به الأرضُ لكفَروا بالرحمنِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي،، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾.

قال: هم المشركون مِن قريشٍ، قالوا لرسولِ اللَّهِ ﷺ: لو وسَّعتَ لنا أوديةَ مكةَ، وسيَّرتَ جبالَها، فاحترَثْناها، وأحيَيْتَ مَن مات منا، أو (١) قَطِّعْ به الأرضَ، أو (١) كَلِّمْ به الموتى.

فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: قولُ كفارِ قريشٍ لمحمدٍ: سَيِّرْ جبالَنا تَتَّسِعْ لنا أرضُنا، فإنها ضيقةٌ، أو قرِّبْ لنا الشامَ، فإنا نَتَّجِرَ إليها، أو (١) أخْرِجْ لنا آباءَنا مِن القبورِ نُكلِّمْهم.

فقال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ (٣).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] (٤) بنحوِه.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.

قال ابن جريجٍ: وقال عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ (٥): قالوا: لو فَسَحْتَ عنا الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى.

فنزَل ذلك.

قال ابن جريجٍ: وقال ابن عباسٍ: قالوا: سَيِّرْ بالقرآنِ الجبالَ، قَطِّعْ بالقرآنِ الأرضَ، أخرِجْ به موتانا (١).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن كثيرٍ: قالوا: لو فَسَحْتَ عنا الجبالَ، أو أجْرَيتَ لنا الأنهارَ، أو كلَّمتَ به الموتى.

فنزَل: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

وقال آخرون: بل قولُه (٢): ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾.

كلامٌ مبتدأٌ، مُنْقَطِعٌ عن قولِه: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾.

قال: وجوابُ "لو" محذوفٌ، استُغْنِى بمعرفةِ السامعين المرادَ مِن الكلامِ عن (٣) ذكرِ جوابِها.

قالوا: والعربُ تَفْعلُ ذلك كثيرًا، ومنه قولُ امرئ القيسِ (٤): فلو أنها نَفْسٌ تموتُ سريحةً (٥) … ولكنها نَفْسٌ تَقَطَّعُ (٦) أَنْفُسًا وهو آخرُ بيتٍ في القصيدةِ (٧)، فتُرِك الجوابُ اكتفاءً بمعرفةِ سامعِه مرادَه.

وكما قال الآخرُ (٨): فأُقسمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه … سواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا ذكرُ مَن قال نحوَ معنى ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾: ذُكِر لنا أن قريشًا قالوا: إنْ سَرَّكَ يا محمدُ اتباعُك، أو أن (١) نَتَّبِعَك، فسَيِّرْ لنا جبالَ تِهامةَ، أو زِدْ لنا في حَرَمِنا، حتى نَتَّخِذَ قطائعَ نَخْتَرِفُ (٢) فيها، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا - ناسًا ماتوا في الجاهليةِ - فأنزَل اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾.

يقولُ: لو فُعِل هذا بقرآنٍ قبلَ قرآنِكم، لفُعِل بقرآنِكم.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ أن كفارَ قريشِ قالوا للنبيِّ ﷺ: أذهِبْ عنا جبالَ تِهامةَ حتى نَتَّخِذَها زرعًا فتكونَ لنا أرَضين، أو أحْيِ لنا فلانًا وفلانًا يُخْبِروننا: حقٌّ ما تقولُ؟

فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.

يقولُ: لو كان فُعِل [ذلك بشيءٍ مِن الكتبِ] (٣) فيما مضَى كان ذلك (٤).

حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتْ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية.

قال: قال كفارُ قريشٍ لمحمدٍ ﷺ: سَيِّرْ لنا الجبالَ كما سُخِّرت لداودَ، أو قَطِّعْ لنا الأرضَ كما قُطِّعت لسليمانَ، فاغْتَدَى (٥) بها شهرًا وراح بها شهرًا، أو كَلِّمْ لنا الموتى كما كان عيسى يُكَلِّمُهم.

يقولُ: لم أُنزِلْ بهذا كتابًا، ولكن كان شيئًا أعطيتُه أنبيائي ورسلي (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآية.

قال: قالوا للنبيِّ ﷺ: إن كنت صادقًا فسيَّرْ عنا هذه الجبالَ واجعلْها حُروثًا كهيئةِ أرضِ الشامِ ومصرَ والبلدانِ، أو ابْعَثْ موتانا فأخبِرْهم، فإنهم قد ماتوا على الذي نحن عليه.

فقال اللَّهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾.

لم يُصْنَعْ ذلك بقرآنٍ قَطُّ ولا كتابٍ فيُصْنَعَ ذلك بهذا القرآنِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾.

اختلَف أهلُ المعرفةِ بكلامِ العربِ في معنى قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾؛ فكان بعضُ أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أَن معناه: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ؟

ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك ببيتِ سُحَيمِ بن وَثِيلٍ الرياحيِّ (٢): أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَأْسِيرونَنى … أَلم تَيْأْسُوا أَنِي ابْنُ فَارِسِ زَهْدمِ (٣) ويُروى: يَيْسِرونني.

فمَن رواه: يَيْسُرِوننى.

فإنه أراد: يَقْتسِمونني (٤).

مِن الميسرِ، كما يُقْسَمُ الجَزورُ.

ومَن رواه: يَأْسرونني، فإنه أراد الأسْرَ.

وقال: عنَى بقولِه: ألم تَيْأَسُوا: ألم تَعْلَموا.

وأنشَدوا أيضًا في ذلك (١): ألم يَيْأسِ الأقوامُ أني أنا ابنُه … وإن كنت عن أرضِ العشيرةِ نائيا وفسَّروا معنى (٢) قولِه: ألم يَيْأَسُ: ألم يَعْلَمُ ويَتَبَيَّنْ.

وذُكِر عن ابن الكلبيِّ أن ذلك لغةٌ لحيٍّ من النجَعِ يقالُ لهم: وَهْبيلٌ، تقولُ: ألم تَيْأسْ كذا.

بمعنى: ألم تَعْلَمُه.

وذُكر عن القاسمِ بن معنٍ أنها لغةُ هوازنَ، وأنهم يقولون: يَئِستُ كذا: علمتُ.

وأما بعضُ الكوفيين فكان يُنْكِرُ ذلك، ويَزْعُمُ أنه لم يَسْمَعْ أحدًا مِن العربِ يقولُ: يَئِسْت.

بمعنى: علِمتُ.

ويقولُ: هو في المعنى وإن لم يَكُنْ مسموعًا "يَئِستُ" بمعنى "علِمتُ".

يَتَوجَّهُ إلى ذلك أن اللَّهَ قد أوقع إلى المؤمنين أنه لو شاء لهدَى الناسَ جميعًا، فقال: ألم (٣) يَيْأَسوا علمًا.

يقولُ: يُؤيسُهم العلمُ.

فكان فيه العلمُ مضمرًا، كما يقالُ: قد (٤) يَئِستُ منك ألا تُفْلِحَ علمًا.

كأنه قيل: علِمتُه علمًا.

قال: وقولُ الشاعرِ (٥): حتى إذا يَئِسَ الرماةُ وأرْسَلُوا … غُضْفًا دَواجِنَ قافِلًا أَعْصامُها (٦) معناه: حتى إذا يئِسوا من كلِّ شيءٍ مما يمكنُ إلا (٧) الذي ظهَر لهم، أرسَلوا.

فهو في معنى: حتى إذا علِموا أَنْ ليس وجهٌ إلا الذي رأَوْا، وانتهى عِلْمُهم، فكان ما سواه يأسًا.

وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم تأوّلوا ذلك بمعنى: أفلم يعلَمْ ويتبيَّنْ.

ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي (١) إسحاقُ الكوفيِّ، عن مولًى يُخبرُ (٢) أن عليًّا ﵁ كان يَقْرَأُ (٣): (أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا) (٤).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ، عن حنظلةَ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾.

يقولُ: أفلم يَتَبَيَّنْ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا يزيدُ، عن جريرِ بن حازمٍ، عن الزبيرِ بن الخِرِّيتِ (٥)، أو يَعْلى بن حكيمٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يَقْرَؤُها: (أَفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا).

قال: كتَب الكاتبُ الأخرى وهو ناعسٌ (٦).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: في القراءةِ الأولى - زعَم ابن كثيرٍ وغيرُه: (أفلم يَتَبَيَّنْ).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

يقولُ: ألم يَتَبَيَّنْ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

يقولُ: يَعْلَمُ (١).

حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

قال: أفلم يَتَبَيَّنُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

قال: ألم يَتَبَيَّنِ الذين آمَنوا.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

قال: ألم يَعْلَمِ الذين آمَنوا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

قال: ألم يَعْلمِ الذين آمَنوا.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قالَه أهلُ التأويلِ: إن تأويلَ ذلك: أفلم يَتَبَيَّنْ ويَعْلَمْ؟

لإجماعِ أهلِ التأويلِ على ذلك، والأبياتِ التي أنشَدناها فيه.

فتأويلُ الكلامِ إذَنْ: ولو أنّ قرآنًا سوى هذا القرآنِ كان سُيِّرت به الجبالُ، لسُيِّر بهذا القرآنِ، أو قُطِّعت به الأرضُ، لقُطِّعت بهذا، أو كُلِّم به الموتى، لَكُلِّم بهذا، ولم (١) يُفعلْ ذلك (٢) بقرآنٍ قبلَ هذا القرآنِ فيُفعلَ (٣) بهذا.

﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾.

يقولُ: ذلك كلُّه إليه وبيدِه، يَهْدِى مَن يشاءُ إلى الإيمانِ فيُوَفِّقُه له، ويُضِلُّ مَن يشاءُ فيَخْذُلُه، أفلم يَتَبَيَّنِ الذين آمنوا باللَّهِ ورسولِه إذ طمِعوا في إجابتي مَن سأَل نبيَّهم مِن تسييرِ الجبالِ عنهم، وتقريبِ أرضِ الشامِ عليهم، وإحياءِ موتاهم، أن لو يشاءُ اللَّهُ لهدَى الناسَ جميعًا إلى الإيمانِ به، من غيرِ إيجادِ آيةٍ، ولا إحداثِ شيءٍ مما (٤) سأَلوا إحداثَه؟

يقولُ تعالى ذكرُه: فما معنى محبتِهم ذلك، مع علمِهم بأن الهدايةَ والإهلاكَ إليَّ ويبدِى، أنْزَلتُ آيةً أو لم أُنْزِلْهَا، أَهْدِى مَن أشاءُ بغيرِ إِنزالِ آيةٍ، وأُضِلُّ مَن أرَدتُ مع إنزالِها؟

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا يَزَالُ﴾ يا محمدُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِن قومِك ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ مِن كفرِهم باللَّهِ، وتكذيبِهم إياك، وإخراجِهم لك مِن بين أظْهُرِهم، ﴿قَارِعَةٌ﴾.

وهى ما يَقْرَعُهم مِن البلاءِ والعذابِ والنِّقَم، بالقتلِ أحيانًا، وبالجدوبِ (٥) والقَحْطِ أحيانًا، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ.

يقولُ: أو تَنْزِلُ أنت ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ بجيشِك وأصحابِك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ الذي وعدَك فيهم.

وذلك ظهورُك عليهم، وفتحُك أرضَهم، وقهرُك إياهم بالسيفِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.

يقولُ: إن اللَّهَ منجزُك يا محمدُ ما وعَدك مِن الظهورِ عليهم؛ لأنه لا يُخْلِفُ وعدَه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو داودَ (١)، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: سَرِيَّةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: محمدٌ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.

قال: فتحُ مكةَ (٢).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المسعوديِّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه، غيرَ أنه لم يَذْكُرْ سَرِيةً.

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا المسعوديُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه (٣) تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: القارعةُ السَّرِيةُ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: هو محمدٌ ﷺ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتحُ مكةَ.

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنا زهيرٌ، أن خُصَيفًا حدَّثهم، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: نزَلت بالمدينةِ في سرايا النبيِّ ﷺ، ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أنت يا محمدُ ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ (١).

حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النضرِ بن عربيٍّ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: سَرِيةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: أنت يا محمدُ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

يقولُ: عذابٌ مِن السماءِ يَنْزِلُ عليهم، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى نزولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ بهم وقتالَه إياهم (٢).

حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾: تُصابُ منهم سَرِيةٌ، أو تُصابُ منهم مصيبةٌ، أو يحُلُّ محمدٌ قريبًا من دارِهم.

وقولَه ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.

قال: الفتحُ (٣).

حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبى نَجيحٍ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: يعنى النبىَّ ﷺ.

حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ الحسنِ، عن شبابةَ.

حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا قيسٌ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿قَارِعَةٌ﴾.

قال: السرايا (١).

قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الغفارِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾.

قال: مصيبةٌ مِن محمدٍ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.

قال: الفتحُ (٢).

قال: ثنا إسرائيلُ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَارِعَةٌ﴾.

قال: كتيبةٌ.

قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: سريةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: أنت يا محمدُ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ أي: بأعمالِهم أعمالِ السوءِ.

و (٣) قولَه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: ووعدُ اللَّهِ فتحُ مكةَ.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَارِعَةٌ﴾.

قال: وقيعةٌ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: يعنى النبيَّ ﷺ، يقولُ: أو تَحُلُّ أنت قريبًا من دارِهم.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن طلحةَ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: سريةٌ.

حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: السرايا، كان يَبْعثُهم النبيُّ ﷺ، ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ أنت يا محمدُ، ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.

قال: فتحُ مكةَ (١).

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: كتيبةٌ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾.

قال: قارعةٌ مِن العذابِ.

وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾: تحُلُّ (٢) القارعةُ قريبًا مِن دارِهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: أو تَحُلُّ القارعةُ قريبًا مِن دارِهم (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.

قال: أو تَحُلُّ القارعةُ.

وقال آخرون في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾: هو يومُ القيامةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ حكيمٍ، عن رجلٍ قد سمّاه، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾.

قال: يومُ القيامةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، إن يَسْتَهزِئُ هؤلاء المشركون مِن قومِك، ويَطْلُبوا منك الآياتِ، تكذيبًا منهم ما جئتَهم به، فاصبِرْ على أذاهم لك، وامضِ لأمرِ ربِّك في إنذارِهم (١) والإعذارِ إليهم، فلقد استهزَأت أممٌ مِن قبلِك قد خلَت فمضَت - برسلٍ، فأطَلْتُ لهم في المَهَلِ، ومدَدتُ لهم في الأجلِ، ثم أحلَلتُ بهم عذابي ونِقْمتى حين تمادَوا في غيِّهم وضلالِهم، فانْظُرْ كيف كان عقابي إياهم حين عاقبتُهم، ألم أُذِقْهم أليمَ العذابِ، وأجعلْهم عبرةً لأولى الألبابِ؟

والإملاءُ في كلامِ العربِ الإطالةُ، يقالُ منه: أَمْلَيْتُ لفلانٍ.

إذا أطَلتَ له في المَهَلَ.

ومنه المُلاوةُ مِن الدهرِ، ومنه قولُهم: تملَّيْتَ حبيبًا (٢)، ولذلك قيل لليلِ والنهارِ: الملَوان.

لطولِهما، كما قال ابن مُقْبِلٍ (٣): ألا يا ديارَ الحيِّ بالسَّبُعانِ … ألحَّ عليها بالبِلَى الملَوانِ وقيل للخَرْقِ الواسِعِ مِن الأرضِ: مَلًا.

كما قال الشاعرُ (٤): فأَخْضَلَ (١) منها كلُّ بالٍ وعيِّنِ (٢) … وَجيفُ (٣) الرَّوايا بالمَلا المتباطنِ لطولِ ما بين طرَفيه وامتدادِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أفالربُّ الذي هو دائمٌ لا يَبِيدُ ولا يَهْلِكُ، قائمٌ بحفظِ (٤) أرزاقِ جميعِ الخلقِ، مُتَضَمِّنٌ لها، عالمٌ بهم وبما يَكْسِبونه مِن الأعمالِ، رقيبٌ عليهم، لا يَعْزُبُ عنه منه (٥) شيءٌ أينما كانوا، كمن هو هالكٌ بائدٌ، لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يَفْهَمُ شيئًا، ولا يَدْفَعُ عن نفسِه ولا عمن يَعْبُدُه ضَرًّا، ولا يَجْلِبُ إليهما نفعًا، كلاهما سواءٌ؟!

وحذَف الجوابَ في ذلك، فلم يَقُلْ - وقد قيل: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ -: ككذا وكذا.

اكتفاءً بعلمِ السامعِ بما ذكَر (٦) عما ترَك ذكرَه، وذلك أنه لما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ عُلِم أن معني الكلامِ: كشركائِهم التي اتخَذوها آلهةً.

كما قال الشاعرُ (٧): تَخَيَّري خُيِّرتِ [أمَّ عالِ] (٨) بينَ قصيرٍ شَبرُه (١) تِنبالِ (٢) أذاك أم مُنْخرِقُ السربالِ (٣) ولا يزالُ آخرَ الليالي متلفَ مالٍ ومُفِيدَ مالِ ولم يَقُلْ - وقد قال: شَبْرُه تنبالِ -: وبين كذا وكذا.

اكتفاء منه بقوله: أذاك أم مُنْخَرِقُ السِّربال.

ودلالة الخبر عن المنخرق السربال على (٤) مرادِه في ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: ذلكم ربُّكم ﵎، قائمٌ على بنى آدمَ بأرزاقهم وآجالهم، وحفِظ عليهم - والله - أعمالهم.

حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾.

[قال: الله قائمٌ على كلِّ نفس] (٥).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: يعني بذلك نفسَه.

يقول: هو معكم أينما كنتم، فلا يَعْمَلُ عاملٌ إلا والله (١) حاضره (٢).

ويقال: هم الملائكةُ الذين وُكِّلوا ببنى آدمَ (٣).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: و (٤) على رزقهم، وعلى طعامهم، فأنا على ذلك قائم (٥)، وهم عبيدى، ثم جعلوا لي شركاءَ (٦).

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾: فهو الله، قائمٌ على كل نفس؛ بَرٍّ وفاجرٍ، يرزقهم ويَكْلؤُهم، ثم يُشرك به منهم من أشرك (٧).

وقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾.

يقول تعالى ذكره: أنا القائمُ بأرزاقِ هؤلاء المشركين، والمدبِّرُ أمورهم، والحافظ عليهم أعمالَهم، وجعلوا لي شركاءَ من خلقى يَعْبُدونها دونى، قل يا محمد لهم: سَمُّوا هؤلاء الذين أشرَكْتموهم في عبادة الله.

فإنهم إن قالوا: آلهةٌ.

فقد كذَبوا؛ لأنَّه لا إله إلا الواحد القهَّارُ، لا شريك له.

﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ يقولُ: أَتُخْبِرونه بأنَّ في الأرضِ إلهًا، ولا إله غيرُه في الأرضِ ولا في السماءِ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثت عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾: ولو سمَّوْهم آلهةً لكذَبوا، وقالوا في ذلك غيرَ الحقِّ؛ لأنَّ اللَّهَ واحدٌ ليس له شريكٌ، قال الله: ﴿[أَمْ تُنَبَّئُونَهُ] (١) بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمَ بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يَعْلَمُ اللَّهُ في الأرضِ إلها غيرَه (٢).

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾: واللَّهُ خلَقهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُوهُمْ﴾: ولو سَمَّوهم كذَبوا، وقالوا في ذلك ما لا يَعْلَمُ الله، ما (٣) من إلهٍ غيرُ اللَّهِ، فذلك (٤) قوله: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ] (٢).

[وقولُه]: ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَولِ﴾.

[يقولُ تعالى ذكره: أم تُنَبِّئُونه بظاهرٍ من القولِ] (١) مسموعٍ، وهو في الحقيقة باطلٌ لا صحة له.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم قالوا: ﴿أَم بِظَاهِرٍ﴾.

معناه: أم بباطلٍ.

فأتَوا بالمعنى الذي تدلُّ عليه الكلمة دون البيان عن حقيقة تأويلها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: بظَنٍّ (٢).

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن قتادةَ قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مِّنَ الْقَوْلِ﴾: والظاهرُ من القول هو الباطلُ (٣).

حدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿أَم بِظَاهِرِ مَّنَ الْقَوْلِ﴾: يقولُ: أم بباطلٍ من القولِ وكذبٍ، ولو قالوا (٤)، قالوا الباطل والكذبَ (٥).

وقوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: ما للَّهِ مِن شريكٍ في السماواتِ ولا في الأرضِ، ولكن زُيِّن للمشركين الذين يدعون من دونه إلهًا، مكرهم، وذلك افتراؤُهم وكذبُهم على الله.

وكان مجاهدٌ يقولُ: معنى المكرِ هاهنا: القولُ.

كأنه قال (١): يعنى: قولهم بالشرك بالله.

حدثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿بَلْ زُيَّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾.

قال: قولُهم (٢).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

وأما قوله: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيل﴾.

فإن القرَأةَ اختلفت في قراءته؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الكوفيين: ﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بضم الصادِ (٣)، بمعنى: وصدَّهم الله عن سبيلِه لكفرهم به.

ثم جُعِلتِ الصادُ مضمومةً إذ لم يُسَمَّ فاعله.

وأما عامة قرأة الحجاز والبصرة، فقرَءوه بفتح الصادِ (٤)، على معنى أن المشركين هم الذين صَدُّوا الناسَ عن سبيل الله.

والصوابُ مِن القول في ذلك عندى أن يقال: إنهما قراءتان مشهورتان، قد قرَأ بكلِّ واحدة منهما أئمة من القرأة، متقاربتا المعنى، وذلك أن المشركين بالله كانوا مصدودين عن الإيمان به، وهم مع ذلك كانوا يَصُدُّون غيرهم، كما وصَفهم الله به بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦].

وقوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: ومَن أضَلَّهُ اللَّهُ عن إصابة الحقِّ والهدى، بخذلانه إياه، فما له أحدٌ يهديه لإصابتهما (١)؛ لأن ذلك لا يُنالُ إلا بتوفيقِ الله ومعونيه، وذلك بيد الله وإليه، دونَ كلِّ أحدٍ سواه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾.

يقول تعالى ذكره: لهؤلاء الكفار الذين وصف صفتهم في هذه السورة، عذابٌ في الحياة الدنيا؛ بالقتل والإسار والآفاتِ التي يُصيبهم الله بها، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾.

يقولُ: ولتعذيبُ اللهِ إياهم في الدار الآخرة أشدُّ من تعذيبه إياهم في الدنيا.

و ﴿أَشَقُّ﴾.

إنما هو "أفعلُ" مِن المشقة.

وقوله: ﴿وَمَا لَهُم مِنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾.

يقول تعالى ذكره: وما لهؤلاء الكفَّارِ من أحدٍ يقيهم من عذابِ اللَّهِ إذا عذَّبهم؛ لا حميم [ولا صديقٌ] (٢) ولا وليٌّ ولا نصيرٌ؛ لأنَّه ﷻ لا يُعادُّه (٣) أحدٌ فيقهره فيَتَخَلَّصه (٤) من عذابه بالقهرِ، ولا يَشْفَعُ عنده أحدٌ إلا بإذنِه (٥)، وليس يَأذَنُ لأحدٍ (٦) في الشفاعة لمن كفر به فمات على كفره قبل التوبة منه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.

اختلف أهل العلم بكلام العرب في مُرافِعِ (١) "المثَلِ"؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفيين (٢): الرافع للمثلِ قولُه: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتَهَا الأَنْهَارُ﴾ في المعنى، وقال: هو كما تقولُ: حِلْيةُ فلانٍ أسمرُ و (٣) كذا وكذا.

فليس الأسمرُ بمرفوعٍ بالحلية، إنما هو ابتداءٌ، أي: هو أسمرُ، هو كذا.

قال: ولو دخَل "أنَّ" في مثل هذا كان صوابًا.

قال: ومثله في الكلام: مثلُك أنك كذا، وأنك كذا.

وقوله: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا﴾ (٤).

[عبس: ٢٤، ٢٥] من وجهِ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا﴾ [محمد: ١٥].

ومن قال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ﴾.

أظهَر الاسمَ؛ لأنَّه مردود على الطعام بالخفضِ، ومستأنف، أي: طعامه أنا صبَننا، ثم فعلنا.

وقال: معنى قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾: صفاتُ الجنةِ.

وقال بعضُ نحويى البصريين: معنى ذلك: صفة الجنة.

قال: ومنه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧].

معناه: ولله الصفةُ العُليا.

قال: فمعنى الكلام في قوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْتهَا الْأَنْهَارُ﴾.

أو: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ﴾.

كأنه قال: وَصْفُ الجنةِ صفةٌ تجرى من تحتها الأنهار، أو صفةٌ فيها أنهارٌ.

والله أعلم.

قال: ووجه آخرُ، كأنه إذا قيل: مثلُ الجنة.

قيل: الجنةُ التي وُعِد المتقون.

قال: وكذلك قوله: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]، كأنه قال: بالله الرحمن الرحيم.

والله أعلم.

قال: وقوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]: في ذاتِ اللَّهِ، كأنه عندنا قيل (١): في اللهِ.

قال: وكذلك قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].

إنما المعنى: ليس كشيءٍ، وليس مثله شيءٌ؛ لأنَّه لا مثل له.

قال: وليس هذا كقولك للرجل: ليس كمثلك أحدٌ.

لأنَّه يجوز أن يكون له مثل، والله لا يجوز ذلك عليه.

قال: ومثلُه قول لبيدٍ (٢): * إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما * قال: وفُسِّر لنا أنه أراد: السلام عليكما.

قال (٣): [وقال] (٤) أوسُ بنُ حَجَرٍ (٥): وقتلَى كرامٍ كمِثْلِ الجُذُوعِ … تَغَشَّاهُمُ سَبَلٌ (٦) مُنْهمرْ قال: والمعنى عندنا: كالجذوعِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ أَن يَجْعَلَ للجذوعِ مِثْلا ثم يُشبِّهَ القتلى به.

قال: ومثله قولُ أُمَيَّةَ (٧): رجُلٌ (٨) وثَوْرٌ تحت رِجْلِ يمينه … والنَّسرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ قال: فقال: تحتَ رجلِ يمينِه.

كأنه قال: تحت رجله.

أو: تحتَ رجلِه اليمنى.

قال: وقولُ لبيدٍ (١): أضلَّ صوارَه (٢) وتَضَيَّفَتْه … نَطوفٌ (٣) أمرها بيدِ الشَّمالِ كأنه قال: أمرُها بالشَّمالِ، وإلى الشَّمالِ.

وقولُ لبيد أيضًا (٤): * حتى إذا ألْقَت يدًا في كافرٍ (٥) * فكأنه قال: حتى وقَعت في كافرٍ.

وقال آخر منهم (٦): هو من المكفوفِ عن خبرِه.

قال: والعربُ تَفْعَلُ ذلك.

قال: وله معنًى آخرُ: للذين استجابوا لربِّهم الحسنى مَثَلُ الجنةِ، موصولٌ، صفةٌ لها على الكلام الأوّل.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: ذكر المثلَ فقال: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ﴾.

والمراد الجنةُ، ثم وُصفت الجنةُ بصفتها، وذلك أن مَثَلَها إنما هو صفتها، وليست صفتها شيئًا غيرَها.

وإذ كان ذلك كذلك، ثم ذكر المثل، فقيل: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾، ومَثَلُها صفتها وصفة الجنة، فكان وصفها كوصف المثلِ، وكان كأن الكلام جرى بذكر الجنة، فقيل: الجنةُ تجرى من تحتها الأنهارُ.

كما قال الشاعرُ (٧): أرى مرَّ السنينَ أخَذن منى … كما أخَذ السِّرارُ مِن الهلالِ فذكَر "المرَّ"، ورجع في الخبر إلى "السنينَ".

وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾.

يعنى: ما يُؤكَلُ (١) فيها.

يقولُ: هو دائمٌ لأهلها، لا يَنْقَطِعُ عنهم، ولا يزول، ولا يَبيدُ، ولكنه ثابتٌ إلى غير نهايةٍ.

﴿وَظِلُّهَا﴾.

يقولُ: وظلُّها أيضًا دائمٌ؛ لأنَّه لا شمسَ فيها.

﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا﴾.

يقولُ: هذه الجنةُ التي وصف جلَّ ثناؤُه عاقبةُ الذين اتَّقَوْا اللَّهَ، فاجتنبوا معاصيَه وأدَّوا فرائضَه.

وقوله: ﴿وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ﴾.

يقولُ: وعاقبة الكافرين باللَّهِ النارُ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾.

يقول تعالى ذكره: والذين أنزَلنا إليهم الكتابَ ممن آمن بك واتَّبعك يا محمدُ، يَفْرَحون بما أُنزِل إليك منه، ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾.

يَقولُ: ومِن أهلِ الملل المتحزِّبين عليك، وهم أهلُ أديانٍ شتَّى، مَن يُنْكِرُ بعضَ ما أُنزِل إليك، فقل لهم: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أيها القومُ، ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ وحدَه دونَ ما سواه، ﴿وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾: [وأجعلَ] (٢) له شريكًا في عبادتي، فأعبد معه الآلهة والأصنامَ، بل أُخْلِصُ له الدين حنيفًا مسلمًا، ﴿إلَيْهِ أَدْعُوا﴾.

يقول: إلى طاعته وإخلاص العبادة له أدعو الناسَ، ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابٍ﴾.

يقولُ: وإليه مَصِيرى.

وهو "مَفْعَلٌ"، من قولِ القائلِ: آب يَئُوبُ أَوْبًا وَمآبًا.

وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَهُمُ الكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾: أولئك أصحاب محمد ﷺ، فرحوا بكتابِ الله وبرسوله وصدَّقوا به.

قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾: يعني اليهود والنصارى (١).

حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾.

قال: مِن أهل الكتابِ.

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾: من أهل الكتاب، والأحزاب أهلُ الكُتُبِ، [تَفَرُّقُهم تحزُّبُهم] (٢).

قوله: ﴿وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ [الأحزاب: ٢٠].

قال: لتحزُّبِهم على النبي ﷺ.

قال ابن جريجٍ: وقال غيرُ (٣) مجاهد: ﴿يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾.

قال: بعض القرآنِ.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿وَإِلَيْهِ مَئَابِ﴾.

قال (١): إليه مصيرُ كلِّ عبدٍ (٢).

حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.

قال: هذا مَنْ آمَن برسولِ اللهِ ﷺ من أهل الكتاب، فيَفْرَحون بذلك.

وقرَأ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ [يونس: ٤٠].

وفى قوله: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾.

قال: الأحزاب الأمم؛ اليهود والنصارى والمجوسُ، منهم من آمن به، ومنهم من أنكره (٣).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.

يقول تعالى ذكره: وكما أنزلنا عليك الكتابَ يا محمد فأنكره بعضُ الأحزابِ، كذلك أيضًا أنزَلنا الحكم والدين حكمًا عربيًّا.

وجعَل ذلك عربيًّا ووصَفه به؛ لأنَّه أُنزل على محمد ﷺ وهو عربيٌّ، فنُسب الدين إليه، إذ كان عليه أُنْزِل، فكذَّب به الأحزابُ.

ثم نهاه جلَّ ثناؤه عن تَرْكِ ما أنزل إليه، واتباعِ الأحزاب، وتَهَدَّده على ذلك إن فعله فقال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ﴾ يا محمدُ ﴿أَهْوَاءَهُم﴾: أهواء هؤلاء الأحزابِ ورضاهم ومحبتهم، وانتقلت من دينك إلى دينهم، ما لك مَن يَقِيك عذابَ اللَّهِ إِن عذَّبَك على اتباعك أهواءهم، وما لك ناصر يَنْصُرُك، فيَسْتَنْقِذَك من الله إن هو عاقبك.

يقولُ: فاحْذَرْ أَن تَتَّبِعَ أهواءَهم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا يا محمد رُسُلًا مِن قَبْلِكَ إِلى أَم قد خَلَتْ مِن قبل أُمَّتِك، فجعلناهم بشرًا مثلك؛ لهم أزواجٌ يَنْكِحُون، وذرِّيَّةٌ (١) أَنْسَلوهم، ولم نَجْعَلْهم ملائكةً لا يَأْكُلون ولا يَشْرَبون ولا ينكحون، فنَجْعَلَ الرسول إلى قومك من الملائكة مثلهم (٢)، ولكن أرسَلْنا إليهم بشرًا مِثلَهم، كما أرسَلْنا إلى من قبلهم من سائر الأمم بشرًا مثلَهم، ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

يَقولُ تعالى ذكرُه: وما يَقْدِرُ رسولٌ أَرسَلَه الله إلى خلقِه أن يَأْتي أمته بآية وعلامةٍ؛ من تسييرِ الجبال، ونقل بلدة من مكانٍ إلى مكان آخر، وإحياءِ الموتى، ونحوها من الآياتِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

يقول: إلا بأمرِ اللهِ الجبال بالسير، والأرضَ بالانتقال، والميِّت بأن يَحْيَا، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

يقولُ: لكلِّ أَجَلِ أَمْرٍ قضاه اللَّهُ كتاب قد كتبه فهو عنده.

وقد قيل معناه: لكل كتاب أنزله اللهُ مِن السماء أجلٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

يقولُ: لكلِّ كتابٍ يَنْزِلُ مِن السماءِ أَجلٌ، فيَمْحو الله ذلك ما يشاءُ ويُنْبِتُ، وعنده أم الكتاب (١).

قال أبو جعفرٍ: وهذا، على هذا القول، نظيرُ قول الله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩].

وكان أبو بكر ﵁ يقرؤُه (٢): (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بالمَوْتِ) (٣)؛ وذلك أن سكرةَ الموتِ تأتى بالحقِّ، والحق يأتى بها، فكذلك الأجَلُ له كتاب، وللكتاب أجل.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: يَمْحو الله ما يشاءُ مِن أمورِ عبادِه فيُغَيِّرُه، إلا الشقاء والسعادةَ، فإنهما لا يُغَيَّران.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى (٤) بن عيسى، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: يُدبِّرُ اللَّهُ أمر العبادِ، فيَمْحُو ما يشاء، إلا الشقاء والسعادة والموت [والحياة] (٥) (٦).

حدثنا [ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي ليلى] (١)، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: كلَّ شيءٍ غير السعادة والشقاءِ، فإنهما قد فرغ منهما.

حدثني عليُّ بن سهلٍ، قال: ثنا يزيد، وحدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، عن سفيانَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، يقولُ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: إلا الشقاءَ والسعادةَ، والحياة والموت (٢).

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم الفضل بن دكينٍ وقَبِيصة، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ مثلَه.

حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: قال ابن عباسٍ: إلا الحياةَ والموتَ، والشقاء والسعادةَ (٣).

حدثني المثنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: يُقَدِّرُ اللَّهُ أَمَرَ السَّنةِ في ليلةِ القَدْرِ إِلا الشقاء والسعادة، والموت والحياة.

حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.

قال: إلا الحياة والموت، والسعادة والشقاوة، فإنهما لا يَتَغَيَّران (١).

حدثنا عمرٌو، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا معاذ (٢) بن عقبةَ، عن منصور، عن مجاهد مثله.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد مثله.

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، قال: قلتُ لمجاهد: إن كنتَ كتَبْتَنى سعيدًا فأنبتنى، وإن كنتَ كتَبْتَنى شَقِيًّا فَامْحُنى.

قال: الشقاء والسعادةُ قد فُرِغ منهما.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ ح قال: ثنا سعيد بن سليمان، قال: ثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.

قال: اللَّهُ يُنْزِلُ كُلَّ شيءٍ في السنة في ليلة القدرِ، فيَمْحُو ما يشاءُ مِن الآجال والأرزاقِ والمقاديرِ، إلا الشقاء والسعادة، فإنهما ثابتان (٣).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، قال: سألتُ مجاهدا فقلت: أرأيتَ دعاءَ أحدِنا يقولُ: اللهم إن كان اسمى في السعداء فأثبته فيهم، وإن كان في الأشقياءِ فامْحُه منهم واجْعَلْه في السعداءِ.

فقال: حَسَنٌ.

ثم أتيتُه بعد ذلك بحَوْلٍ أو أكثر من ذلك، فسألته عن ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (٢) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [سورة الدخان: ٣، ٤].

قال: يُقضى في ليلة القدر ما يكونُ في السنةِ مِن رزقٍ أو مصيبةٍ، ثم يُقَدِّمُ ما يشاءُ، ويُؤخِّرُ ما يشاءُ، فأما كتاب الشقاء والسعادة فهو ثابت لا يُغَيَّرُ (١).

وقال آخرون: معنى ذلك: أن الله يمحو ما يشاءُ ويُثبتُ مِن كتاب سوى أمِّ الكتاب الذي لا يُغَيَّرُ منه شيء.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثَنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، عن سليمان التيمي، عن عكرمةَ، عن ابن عباس: أنه قال في هذه الآية: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: كتابان؛ كتابٌ يَمْحو منه ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أمُّ الكتابِ (٢).

حدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، قال: ثنا سليمان التيميُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.

قال: الكتاب كتابان؛ كتابٌ (٣) يَمْحو الله منه ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن سليمان التيميِّ، عن عكرمة، عن ابن عباس بمثله.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن عكرمة، قال: الكتاب كتابان ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء، ويُثْبت كل ما أراد.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عَثَّام، عن الأعمش، عن شقيق أنه كان يَقُولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتبنا سعداءَ، وإن كنتَ كتبتنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تُمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندَك أم الكتابِ (٢).

حدثنا عمرو، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمش، عن أبي وائلٍ، قال: كان مما يكثرُ أن يَدْعُوَ بهؤلاء الكلمات: اللهمَّ إن كنتَ كتَبْتَنا أشقياء فامْحُنا واكتُبْنا سعداءَ، وإن كنتَ كتَبْتَنا سعداء فأثْبِتْنا، فإنك تَمْحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أمُّ الكتاب.

قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي حكيمة، عن أبي عثمان النهديِّ، أن عمر بن الخطاب قال وهو يَطوفُ بالبيت ويبْكى: اللهم إن كنتَ كَتَبْتَ عليَّ شِقْوَةً أو ذنبًا فامْحُه، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبِتُ، وعندك أم الكتاب، فاجْعَلْه سعادةً ومغفرةً.

قال: ثنا معتمرٌ، عن أبيه، عن أبي حَكيمةَ، عن أبي عثمانَ، قال: وأحسَبُني قد سمعتُه مِن أبي عثمان مثله.

قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قُرَّةُ بن خالد، عن عِصْمة [أبي حكيمةَ] (١)، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر ﵁ مثله مثلَه (٢).

حدثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا أبو حكيمةَ، قال: سمِعت أبا عثمان النهديَّ، قال: سمعت عمرَ بن الخطاب ﵁ يقولُ وهو يَطوفُ بالكعبة: اللهم إن كنتَ كتَبْتَنى في أهل السعادة فأثْبِتنى فيها، وإن كنت كتَبْتَ عليَّ الذنب والشِّقرة فامْحُنى وأثْبِتنى في أهل السعادة، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثْبتُ، وعندك أم الكتابِ.

قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن خالد الحذّاءِ، عن أبي قلابةَ، عن ابن مسعود، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنتَ كتَبْتَني في أهلِ (٣) الشقاءِ فامْحُنى، وأثْبِتنى في أهل السعادة (٤).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

يقولُ: هو الرجلُ يعملُ الزمانَ بطاعةِ اللهِ، ثم يَعُودُ لمعصية الله، فيَموتُ (٥) على ضلالِه، فهو الذي يَمْحُو.

والذي يُثْبِتُ؛ الرجلُ يَعْمَلُ بطاعة (١) الله، وقد (٢) سبَق له خيرٌ حتى يموت وهو في طاعةِ اللهِ، فهو الذي يُثْبِتُ (٣).

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن هلالِ بن حُمَيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عُكَيمٍ (٤)، عن عبد الله، أنه كان يقولُ: اللهم إن كنت كتَبْتَني في السعداءِ فأثْبِتنى في السعداء، فإنك تَمحو ما تشاءُ وتُثبتُ، وعندك أم الكتابِ (٥).

حدثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا حماد، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، أن كعبًا قال لعمر ﵁: يا أمير المؤمنين، لولا آيةٌ في كتابِ اللَّهِ لأنْبَأْتُك ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة.

قال: وما هي؟

قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ﴾ (٦).

حدثت عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] الآية.

يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

يقولُ: أَنْسَخُ ما شِئْتُ، وأَصْنعُ مِن الأفعالِ ما شِئْتُ، إن شِئْتُ زِدْتُ فيها، وإن شِئْتُ نَقَصْتُ (٧).

حدَّثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا عفّانُ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا الكلبيُّ قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.

قال: يَمْحَى مِن الرزق ويزيدُ فيه، ويَمْحَى من الأجل ويزيدُ فيه.

قلت: من حدَّثك؟

قال: أبو صالح، عن جابر بن عبدِ اللهِ بن رئابٍ الأنصاريِّ، عن النبي ﷺ.

فقدم الكلبي بعد، فسئل عن هذه الآية: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.

قال: يَكْتُبُ القول كلَّه، حتى إذا كان يومُ الخميسِ، طرح منه كلَّ شيءٍ ليس فيه ثوابٌ ولا عليه عقابٌ، مثل قولك: أكلتُ، شَرِبتُ، دخَلتُ، خرجتُ، ونحو ذلك من الكلام وهو صادق، ويُثْبِتُ ما كان فيه الثواب وعليه العقاب (١).

حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهابِ، قال: سمعتُ الكلبيَّ، عن أبي صالحٍ نحوه، ولم يجاوز أبا صالح (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ يَنْسَخُ ما يشاءُ مِن أحكام كتابه، ويُثْبِتُ ما يشَاءُ منها فلا يَنْسَخُه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ﴾، قال: من القرآنِ.

يقولُ: يُبَدِّلُ الله ما يشاءُ فيَنْسَحُه، ويُنْبِتُ ما يشاءُ فلا يُبَدِّلُه، ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

يقول: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب: الناسخ والمنسوخُ، وما يُبَدِّلُ وما يُثْبِتُ، كلُّ ذلك في كتاب (١).

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: هي مثل قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [سورة البقرة: ١٠٦].

وقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

أي جملة الكتاب وأصله (٢).

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ (٣) ويُثْبِتُ ما يشاءُ، وهو الحكيمُ، وَعِنْدَهُ أُمُّ الكتاب وأصله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾: بما ينزِّل على الأنبياءِ، وَيُثْبِتُ ما يشاء مما يُنَزِّلُ على الأنبياء.

قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: لا يُغَيَّرُ ولا يُبَدَّلُ (٤).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

قال: يَنْسَخُ.

قال: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: الذِّكْرُ (٥).

وقال آخرون: معنى ذلك أنه يَمْحُو من قد حان أجلُه، ويُثبِتُ مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجلِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسن في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: يَمْحُو مَن جاء أجلُه فذهَب، والمثبتُ الذي هو حيٌّ يجرى إلى أجلِه (١).

حدثنا عمرو بن علي، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا عوف، قال: سمعتُ الحسن يقولُ: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾.

قال: مَن جاء أجلُه، ﴿وَيُثْبِتُ﴾.

قال: مَن لم يَجِئْ أجلُه إلى أجله.

حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن نحوَ حديث ابن بشار.

قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

قال: آجالُ بني آدم في كتابٍ، ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مِن أجله ﴿وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قولَ اللهِ: ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾: قالت قريشٌ حين أُنْزِل: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]: ما نراك يا محمد تَمْلِكُ مِن شيءٍ، ولقد فرغ من الأمر.

فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدًا لهم، إنّا إن شِئْنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونُحْدِثُ في كلِّ رمضانَ، فنَمْحو ونُثْبِتُ ما نشاءُ من أرزاق الناسِ ومصائبهم، وما نُعطيهم، وما نَقْسِمُ لهم (٢).

حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد نحوه.

وقال آخرون: معنى ذلك: ويَغْفِرُ ما يشاءُ من ذنوب عباده، ويترك ما يشاءُ فلا يَغْفِرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرو، عن عطاءٍ، عن سعيد في قوله: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾.

قال: يُثبِتُ في البطن الشقاء والسعادة وكلَّ شيء [هو كائن] (١)، فيَغْفِرُ منه ما يشاءُ، ويُؤَخِّرُ ما يشاءُ (٢).

وأولى الأقوال التي ذَكَرتُ في ذلك بتأويلِ الآية وأشبهها بالصواب، القولُ الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد، وذلك أن الله تعالى ذكرُه توعد المشركين الذين سأَلوا رسول الله ﷺ الآيات بالعقوبةِ، وتهددّهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾.

يُعْلِمُهم بذلك أن لقضائه فيهم أجلًا مُثبَتًا في كتابٍ، هم مؤخَّرون إلى وقتِ مجئِ ذلك الأجل، ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجلُ، [مَحى الله ما شاء] (٣)، ممن قد دنا أجله، وانقَطع رزقه، أو حان (٤) هلاكه، أو اتضاعُه من رفعةٍ، أو هلاك مالٍ، فيَقْضِى ذلك في خلقِه، فذلك مَحْوُه، ويُثبت ما شاء ممن بقى أجله، وأُكُلُه ورزقه، فيَتْرُكُه على ما هو عليه، فلا يَمْحُوه.

وبهذا المعنى جاء الأثرُ عن رسول الله ﷺ، وذلك ما حدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن زيادةَ بن محمد، عن محمد بن كعبٍ القرظيِّ، عن فَضالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يَفْتَحُ الذِّكر في ثلاثِ ساعاتٍ يَبْقَيْنَ مِن الليل؛ في الساعة الأولى منهن يَنْظُرُ في الكتاب الذي لا يَنْظُرُ فيه أحدٌ غيرُه، فيَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ".

ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (١).

حدثنا موسى بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا الليث، قال: ثنا زيادة بن محمد، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "إن الله يَنزِلُ في ثلاث ساعاتٍ يَبْقَين من الليل؛ يَفْتَحُ الذِّكرَ في الساعةِ الأولى الذي لم يَرَهُ أحدٌ غيرُه، يَمحو ما يشاء ويُثبِتُ ما يشاء" (٢).

حدثني محمد بن سهل بن عسكرٍ، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: إن للَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا، مسيرة خمسمائة عامٍ، من دُرّةٍ بيضاءَ، لها دفَّتان من ياقوت، والدفتان لوحان الله، كل يوم ثلاثمائة وستون لحظةً، يَمْحُو ما يشاءُ ويُثْبِتُ، وعنده أم الكتاب.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: ثنى رجلٌ، عن أبيه، عن قيس بن عبّادٍ، أنه قال: العاشر من رجبٍ هو يومُ يمحو الله فيه ما يشاءُ (١).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه وعنده الحلال والحرام.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيمَ، قال: ثنا محمد بن عقبة، قال: ثنا مالك بن دينارٍ، قال: سألت الحسن، قلت: ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾؟

قال: الحلال والحرام.

قال: قلت له: فما ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؟

قال: هذه أمُّ القرآنِ.

وقال آخرون: معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: جملة الكتاب وأصلُه.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثله (٢).

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعت الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: كتاب عند ربِّ العالمين (١).

حدثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن جويبرٍ، عن الضحاك: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: جملة الكتاب وعلمُه، يعنى بذلك ما يَنْسَخُ منه وما يُثْبِتَ (٢).

حدثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

يقولُ: وجملة ذلك عنده في أم الكتاب؛ الناسخ والمنسوخُ، وما يبدِّلُ وما يُثْبِتُ، كل ذلك في كتاب.

وقال آخرون في ذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمان، عن أبيه، عن سيارٍ (٣)، عن ابن عباس، أنه سأل كعبًا عن أمِّ الكتابِ فقال: عِلم الله ما هو خالق وما خلقُه عاملون، فقال لعِلْمِه: كن كتابًا.

فكان كتابا (٤).

وقال آخرون: هو الذكرُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ - قال أبو جعفرٍ: لا أدرى فيه ابن جريجٍ أم لا - قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

قال: الذكر (١).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يَمْحُو ما يشاءُ ويُثبتُ ما يشاء، ثم عقَّب ذلك بقوله: ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾.

فكان بيِّنًا أن معناه: وعنده أصلُ المثبت منه والمَمْحُو، وجملته في كتاب لديه.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَيُثْبِتُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ (٢) المدينة والكوفةِ: (ويُثَبِّتُ) بتشديد الباءِ (٣)، بمعنى: ويَتْرُكُه ويُقرُّه على حالِه، فلا يَمْحُوه.

وقرَأه بعضُ المكيين وبعضُ البصريين وبعض الكوفيين: ﴿وَيُثْبِتُ﴾ بالتخفيف (٤)، بمعنى: يَكْتُبُ.

وقد بيَّنَّا قبل أن معنى ذلك عندنَا: إقراره مكتوبًا وترْكُ مَحْوِه، على ما قد بَيَّنَّا، فإذا كان ذلك كذلك، فالتثبيتُ به أولى، والتشديد أصوبُ من التخفيف، وإن كان التخفيفُ قد يَحْتَمِلُ توجيهَه في المعنى إلى التشديد، والتشديد إلى التخفيف، لتقارب معنيَيْهِما.

وأما المحْوُ، فإن للعرب فيه لُغتيْن؛ فأما مُضَرُ فإنها تقولُ: مَحَوتُ الكتاب أمْحُوه مَحْوًا، وبه التنزيل، ومَحَوتُه (٥) أمحاه محوًا.

وذُكِر عن بعض قبائلِ ربيعة أنها تقولُ: مَحَيْتُ أمْحِي.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: وإما نُرِيَنَّك يا محمد في حياتك بعضَ الذي نَعِدُ هؤلاء المشركين بالله من العقاب على كفرهم، أو نَتوفَّينَّك قبل أن نُرِيَك ذلك، فإنما عليك أن تَنتهى إلى طاعة ربِّك فيما أمرك به من تبليغهم رسالته، لا طلبُ صلاحِهم ولا فسادِهم، وعلينا محاسبتهم، فمجازاتهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.

اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معناه أو لم يرَ هؤلاء المشركون من أهل مكةَ، الذين يَسْأَلُون محمدًا الآياتِ، أَنا نَأْتِي الأَرضَ، فنَفْتَحُها له أرضًا بعد أرضٍ، حوالَيّ أرضِهم؟

أفلا يخافون أن نَفْتَح له أرضهم، كما فتحنا له غيرها؟

[ذكر من قال ذلك] حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا محمد بن الصبّاح، قال: ثنا هشيم، عن حصينٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: أو لم يَرَوا أنا نَفْتَحُ لمحمد الأرض بعد الأرض (١)؟

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

يَعْنى بذلك ما فتَح الله على محمدٍ.

يقولُ: فذلك نُقصانُها (١).

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن سلمة بن نُبَيطٍ، عن الضحاك، قال: ما تَغَلَّبَ (٢) عليه من أرض العدوِّ (٣).

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، قال: كان الحسنُ يقولُ في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾: هو (٤) ظهور المسلمين على المشركين (٥).

حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيد بن سليمانَ، قال: سمعت الضحاك [يقولُ في] (٦) قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِن أَطْرَافِهَا﴾: يعنى أن نبيَّ الله ﷺ كان يُنْتَقَصُ له ما حولَه مِن الأَرْضِين، يَنْظُرون إلى ذلك فلا يَعْتَبِرون، قال الله في سورةِ "الأنبياءِ": ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ تَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]: بل نبيُّ الله ﷺ وأصحابه هم الغالبون (٧).

وقال آخرون: بل معناه: أولم يَروا أنا نأتى الأرضَ فنُخرِبُها؟

أوَلا يخافون أن نَفْعَلَ بهم وبأرضهم مثل ذلك، فنُهْلِكهم ونُخْرِبَ أَرضَهم؟

[ذكر من قال ذلك] حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عليُّ بن عاصم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عكرمةَ، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: أو (١) لم يَرَوْا إلى القريةِ تَخْرَبُ حتى يكونَ العُمْرانُ في ناحية (٢)؟

قال: ثنا حجاج بن (٣) محمدٍ، عن ابن جريجٍ، عن الأعرج، أنه سمع مجاهدًا يقولُ: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

.

قال: خرابُها (٤).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد مثله.

قال: وقال ابن جريجٍ: خرائها وهلاك الناس.

حدثنا أحمد، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي جعفر الفراء، عن عكرمة قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: نُخْرِبُ (٥) مِن أطرافها.

وقال آخرون: بل معناه: نَنْقُصُ مِن بَرَكَتِها وثمرتِها وأهلها بالموت.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

يقولُ: نقصانُ أهلها وبَرَكتِها (١).

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن ليث، عن مجاهد في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: في الأنفسِ وفى الثمرات وفى خراب الأرضِ.

حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طلحةَ القَنادِ، عمن سمع الشعبيَّ، قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لضاق عليك حُشُّك (٢)، ولكن تَنْقُصُ الأنفسُ (٣) والثمرات (٤).

وقال آخرون: معناه: أنا نأتى الأرضَ نَنْقُصُها من أهلها، فنَتَطرَّفُهم بأخذِهم بالموت.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: موتُ أهلها (٥).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: الموتُ (٦).

حدثني المثنَّى، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هارون النحويُّ، قال: ثنا الزبير بن الحارث، عن عكرمة في قوله: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: هو الموتُ.

ثم قال: لو كانت الأرضُ تَنْقُصُ، لم نجد مكانًا نَجلس فيه (١).

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: كان عكرمة يقولُ: هو قَبْضُ الناسِ (٢).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: سُئِل عكرمةُ عن نقص الأرضِ، قال: قَبْضُ الناسِ.

حدَّثني الحارث، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا جرير بن حازمٍ، عن يَعْلَى بَنِ حكيم، عن عكرمة في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: لو كان كما يقولون لما وجد أحدكم جُبًّا يَخْرَأُ فيه.

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: [ثنا إسماعيل ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاء، قال] (٣): سُئل عكرمة وأنا أسمع عن هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.

قال: الموتُ.

وقال آخرون: نَنْقُصُها من أطرافها بذَهَابِ فقهائها وخيارِها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ذهابُ علمائها وفقهائها وخيار أهلها (١).

قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا عبد الوهاب، عن مجاهد، قال: موتُ العلماء (٢).

وأوْلَى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قولُ مَن قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بظهور المسلمين من أصحاب محمد ﷺ عليها، وقهرهم أهلها، أفلا يَعْتَبرون بذلك، فيخافون ظهورهم على أرضهم، وقهرهم إياهم؟

وذلك أن الله توعد الذين سأَلوا رسولَه الآيات من مشركي قومه بقوله: ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.

ثم وبَّخَهُم تعالى ذكره بسوء اعتبارهم بما يُعاينون مِن فعلِ اللَّهِ بضُرَبائِهم من الكفار، وهم مع ذلك يسألون الآياتِ، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بقهر أهلها والغَلَبة عليها من أطرافها وجوانبها، وهم لا يعتبرون بما يرون مِن ذلك!

وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾.

يقولُ: والله هو الذي يَحْكُمُ فيَنْفُذُ حكمه، ويَقْضِى فيَمْضِى قضاؤُه، وإذا جاء هؤلاء المشركين باللَّهِ مِن أهل مكةَ حكم الله وقضاؤُه، لم يستطيعوا ردَّه.

ويعنى بقولِه: ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾: [لا رادَّ لحكمهِ] (٣).

والمعقِّب في كلام العرب هو الذي يَكُرُّ على الشيء.

وقوله: ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.

يقولُ: والله سريعُ الحسابِ، يُحْصى أعمال هؤلاء المشركين، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها (١)، وهو من وراء جزائهم عليها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: قد مكَر الذين من قبل هؤلاء المشركين من قريش من الأممِ التي سلَفت، بأنبياء الله ورسله، ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾.

يقولُ: فلله أسباب المكرِ جميعًا، وبيده وإليه، لا يَضُرُّ مكرُ مَن مَكَر منهم أحدًا، إلا مَن أراد اللَّهُ ضُرَّه به.

يقولُ: فلم يَضُرَّ الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يَضُرَّه ذلك، وإنما ضَرُّوا به أنفسهم؛ لأنهم أسْخَطوا ربَّهم بذلك على أنفسهم، حتى أهلَكهم ونجَّى رسله.

يقولُ: فكذلك هؤلاء المشركون من قريش يَمكرون بك يا محمد، والله مُنجِّيك من مكرهم، ومُلْحِقٌ ضُرَّ مكرهم بهم دونَك.

وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾.

يقولُ: يَعْلَمُ ربُّك يا محمد ما يعمَلُ هؤلاء المشركون من قومك، وما يَسْعَون (٢) فيه من المكرِ بك، ويَعْلَمُ (٣) جميعَ أعمال الخلق كلهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها، ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾.

يقول: وسيَعْلَمون إذا قدموا على ربِّهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة، حينَ يَدْخُلون النار ويَدْخُلُ المؤمنون بالله ورسوله الجنة.

واختَلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته قرأةُ المدينة وبعضُ أهل البصرةِ: (وَسَيَعْلَمُ الكافرُ).

على التوحيد (١).

وأما قرأة الكوفة فإنهم قرءوه: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾.

على الجمع (٢).

والصواب من القراءة في ذلك (٣) القراءةُ على الجمع: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾؛ لأن الخبر جرى قبل ذلك عن جماعتهم، وأُتْبِع بعده الخبر عنهم، وذلك قوله: ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾.

وبعده قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.

وقد ذُكر أنها في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وَسَيَعْلَم الكافِرُون) (٤)، وفي قراءةِ أُبيٍّ: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (٥).

وذلك كلُّه دليلٌ على صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.

يقول تعالى ذكره: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِاللَّهِ مِن قومك يا محمد: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾؛ تكذيبًا منهم لك، وجحودا لنبوّتك، فقلْ لهم إذا قالوا ذلك: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾.

يقولُ: قُلْ حسبيَ اللَّهُ، ﴿شَهِيدًا﴾.

يعني شاهدًا، ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾: عليَّ وعليكم، بصدقى وكذبِكم، ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ فـ ﴿مَنْ﴾ إذا قُرئ كذلك في موضعِ خفضٍ، عطفًا به على اسم الله، وكذلك قرأ به قرأة الأمصار، بمعنى: والذين عندهم علمُ الكُتُبِ (١) التي نزلت قبلَ القرآنِ كالتوراة والإنجيل، وعلى هذه القراءة فسَّر ذلك المفسرون.

ذكرُ الرواية بذلك حدثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ، قال: ثنا أبو مُحَيَّاةَ؛ يحيى بن يعلى، عن عبد الملكِ بن عميرٍ، عن ابن أخى عبدِ اللهِ بن سلام، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ: نزلت فيَّ: ﴿كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٢).

حدثنا الحسين بن عليٍّ الصُّدَائيُّ، قال: ثنا أبو داود الطيالسي، قال: ثنا شعيبُ بن صفوان، قال: ثنا عبد الملكِ بن عميرٍ، أن محمد بن يوسفَ بن عبدِ اللَّهِ بن سلامٍ، قال: قال عبد الله بن سلَامٍ: أُنزِل فيَّ: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ (٣).

حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: فالذين عندهم علم الكتاب هم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى (٤).

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعي، عن سفيان، عن ليث، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

قال: هو عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ (١).

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن أبي صالح في قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكِتَابِ﴾.

قال: رجلٌ مِن الإنسِ.

ولم يُسمِّه.

حدثنا الحسن بن محمدٍ، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ (٢).

قال: ثنا يحيى بن عبّادٍ، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

حدثنا بشر، [قال: ثنا يزيد] (٣)، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.

قال: قول مشركي قريشٍ، ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أناسٌ مِن أهل الكتاب كانوا يَشْهَدون بالحقِّ ويُقِرُّون به، ويَعْلَمون أن محمدا رسولُ اللهِ، كنَّا (٤) نُحَدَّثُ أن منهم عبدَ اللَّهِ بنَ سَلَامٍ (٥).

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، [عن معمر] (٦)، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

قال كان منهم عبد الله بن سلام وسلمان الفارسيُّ وتميمٌ الداريُّ (١).

حدثنا الحسن، قال: ثنا عبد الوهاب، عن سعيدٍ، عن قتادة: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

قال: هو عبد الله بن سلامٍ.

وقد ذكر عن جماعةٍ من المتقدِّمين أنهم كانوا يَقْرَءونه: (وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ) (٢).

بمعنى: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب.

ذكرُ مَن ذُكِر ذلك عنه حدثنا الحسن بن محمد، قال: ثنا عبد الوهابِ بن عطاء، عن هارونَ، عن جعفر بن (٣) أبي وَحْشِيَّةَ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (ومن عندِه عِلْمُ الكِتَابِ).

يقولُ: مِن عندِ اللهِ عِلْمُ الكتابِ (٤).

حدثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِه عِلْمُ الكِتَابِ).

قال: مِن عندِ اللهِ (٥).

قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شعبة، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِندِه عِلْمُ الكِتَابِ).

قال: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكتاب (٤).

وقد حدَّثنا هذا الحديث الحسن بن محمد، قال: ثنا شبابةُ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهد: (وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ).

قال: هو الله، هكذا قرَأ الحسنُ (١): (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكِتَابُ).

قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زَادَانَ، عن الحسنِ مثلَه (٢).

قال: ثنا عليٌّ، يعنى ابنَ الجَعْدِ، قال: ثنا شعبة، عن منصور بن زاذان، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِنْدِه عُلِمَ الكِتَابُ).

قال: اللَّهُ.

قال شعبةُ: فذكرت ذلك للحَكَم، فقال: قال مجاهدٌ مثلَه.

حدثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمعتُ منصورَ بنَ زَاذَانَ يُحَدِّثُ عن الحسنِ أنه قال في هذه الآية: (ومِن عنده عُلِمَ الكتابُ).

قال: مِن عندِ اللهِ.

قال: ثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِه عُلِمَ الكتابُ).

قال: مِن عندِ اللهِ عُلم الكتابُ.

حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن الحسنِ: (وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الكِتَابُ).

قال: من عندِ اللهِ عُلِمَ الكتابُ، هكذا قال ابن عبد الأعلى.

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة، قال: كان الحسن يَقْرَؤُها: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بيْنِي وَبَيْنَكُمْ، وَمِنْ عِندِهِ عُلِمَ الْكِتَابُ).

يَقُولُ: مِن عندِ اللَّهِ عُلِمَ الكتاب وجملتُه.

هكذا حدَّثنا به بشرٌ: (عُلِمَ الكتابُ).

وأنا أحْسَبُه وَهِم فيه، وأنَّه (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ)؛ لأن قوله: وجملتُه.

اسمٌ، لا يُعْطَفُ باسم على فعلٍ ماضٍ.

حدَّثنا الحسن، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن هارونَ: (ومن عندِه عِلْمُ الكتابِ).

يقُولُ: مِن عندِ اللَّهِ عِلْمُ الكِتابِ.

حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاج بن المنهالِ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: قلتُ لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾: أهو عبدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟

قال: هذه السورة مكيةٌ، فكيف يكونُ عبد الله بنَ سلَام؟!

قال: وكان يَقْرَؤُها (ومن عنده عِلْمُ الكتاب).

يقول: مِن عندِ اللَّهِ (١).

حدثنا الحسن، قال: ثنا سعيد بن منصورٍ، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشرٍ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبير عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

أهو عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ؟

قال: فكيف وهذه السورة مكيةٌ؟!

وكان سعيدٌ يَقْرَؤُها (ومِن عندِه عِلْمُ الكتاب)] (١).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى عبّادٌ، عن عوفٍ، عن الحسن، وجويبرٍ عن الضحاكِ بن مزاحِمٍ قالا: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب).

قال: مِن عندِ الله.

وقد روى عن رسول الله ﷺ خبرٌ بتصحيحِ هذه القراءة وهذا التأويل، غيرَ أن في إسنادِه نظرًا، وذلك ما حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى عبّادُ بنُ العوّامِ، عن هارونَ الأعور، عن الزهري، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قرأ: (ومن عنده عِلْمُ الكتاب): عندَ اللهِ عِلْمُ الكتاب (١).

وهذا خبر ليس له أصل عندَ الثقاتِ مِن أصحاب الزهري، فإذا كان ذلك كذلك، وكانت قرأةُ الأمصارِ مِن أهل الحجاز والشام والعراق على القراءة الأخرى، وهى: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ كان التأويل الذي على المعنى الذي عليه قرأة الأمصار أولى بالصواب مما (٢) خالفه، إذ كانت القراءة بما هم عليه مجمعون أحق بالصواب.

آخر تفسير سورة الرعد، والحمد لله صادق الوعدِ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده