الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة البقرة
تفسيرُ سورةِ البقرة كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 3462 دقيقة قراءةالقولُ في تفسيرِ السورةِ التي يُذْكَرُ فيها البقرَةُ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الم (١)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفَت تَراجِمةُ القرآنِ في تأويلِ قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الم﴾؛ فقال بعضُهم: هي اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الم﴾.
قال: اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (١).
حدَّثني المثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُلِيُّ، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ.
وقال بعضُهم: هي فَواتحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بها القرآنَ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ فَواتِحُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن يحيى بنِ آدمَ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿الم﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿المص﴾ و ﴿ص﴾ فواتحُ افْتَتَح اللَّهُ بها (٣).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ (٤)، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ هارونَ بنِ إدريسَ (٥).
وقال بعضُهم: هي اسمٌ للسورةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أنْبَأنا عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدِ بنِ أسْلَمَ عن قولِ اللَّهِ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿المر تِلْكَ﴾.
فقال: قال أبي: إنما هي أسماءُ السُّوَرِ (١).
وقال بعضُهم: هو اسمُ اللَّهِ الأعظمُ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ السُّدِّيَّ عن ﴿حمَ﴾ و ﴿طسَم﴾ و ﴿الم﴾.
فقال: قال ابنُ عباسٍ: هي اسمُ اللَّهِ الأعظمُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو النُّعْمانِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، قال: قال عبدُ اللَّهِ.
فذكَر نحوَه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عُبَيدِ (٤) اللَّهِ بنِ موسى، عن إسماعيلَ، عن الشعبيِّ، قال: فَواتحُ السُّوَرِ مِن أسماءِ اللَّهِ (٥).
وقال بعضُهم: هو قَسَمٌ أقْسَم اللَّهُ به، وهو مِن أسمائِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هو قَسَمٌ [أقْسَمه اللَّهُ] (١)، وهو مِن أسماءِ اللَّهِ (٢).
وحدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الم﴾ قسَمٌ (٣).
وقال بعضُهم: هو حروفٌ مُقَطَّعةٌ مِن أسماءٍ وأفعالٍ، كلُّ حرفٍ مِن ذلك لمعنًى غيرِ معنى الحرفِ الآخرِ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [أبي، عن شَريكٍ] (٤)، عن عطاءِ بنِ السائبٍ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الم﴾.
قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (١).
وحُدِّثْتُ عن أبي عُبيدٍ، قال: حدَّثنا أبو اليَقْظانِ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قوله: ﴿الم﴾.
قال: أنا اللَّهُ أعلمُ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ القَنَّادُ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الم﴾ قال: أما ﴿الم﴾ فهو حروفٌ (٣) اشْتُقَّ مِن حُروفِ هِجاءِ أسماءِ اللَّهِ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: حدَّثنا عَيَّاشُ (٥) بنُ زيادٍ الباهليُّ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الم﴾، و ﴿حمَ]، و ﴿ن﴾ قال: اسمٌ مُقَطَّعٌ (٦).
وقال بعضُهم: هي حروفُ هِجاءٍ موضوعٍ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن منصورِ بنِ أبي نُوَيْرةَ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: فَواتحُ السورِ كلُّها: ﴿ق﴾ و ﴿ص﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿طسم﴾ و ﴿الر﴾ وغيرُ ذلك هِجاءٌ موضوعٌ (١).
وقال بعضُهم: هي حروفٌ يَشْتَمِلُ كلُّ حرفٍ منها على معانٍ شتَّى مختلفةٍ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ الرازيِّ، قال: حدَّثني أبي، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿الم﴾.
قال: هذه الأحرفُ مِن التسعةِ والعشرين حرفًا، دارَت فيها الألسُنُ كلُّها، ليس منها حرفٌ إلا وهو مِفتاحُ اسمٍ مِن أسمائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في آلائِه وبلائِه، وليس منها حرفٌ إلا وهو في (٢) مدةِ قومٍ وآجالِهم.
وقال عيسى ابنُ مريمَ، وعجِب (٣): يَنْطِقون في أسمائِه، ويَعِيشون في رزقِه، فكيف يَكْفُرون به (٤)؟
قال: الألفُ مِفتاحُ اسمِه اللَّهِ، واللامُ مِفتاحُ اسمِه لطيفٍ، والميمُ مِفْتاحُ اسمِه مَجيدٍ؛ الألفُ آلاءُ اللَّهِ، واللامُ لُطْفُه، والميمُ مَجْدُه؛ الألِفُ سَنةٌ، واللامُ ثلاثون سنةً، والميمُ أربعون سنةً (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بنحوِه.
وقال بعضُهم: هي حروفٌ مِن حسابِ الجُمَّلِ (١).
كرِهْنا ذكرَ الذي حُكِي ذلك عنه، إذ كان الذي رواه ممَّن لا يُعْتَمَدُ على روايتِه ونقلِه، وقد مَضَتِ الروايةُ بنظيرِ ذلك مِن القولِ عن الربيعِ بنِ أنسٍ.
وقال بعضُهم: لكلِّ كتابٍ سرٌّ، وسرُّ القرآنِ فَواتحُه (٢).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اختَلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: هي حُروفٌ مِن حروفِ المُعْجَمِ، اسْتُغْنِي بذكْرِ ما ذُكِر منها في أوائلِ السورِ عن ذكرِ بَواقِيها (٣) التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين حرفًا، كما اسْتَغْنَى المُخبِرُ عمَّن أخْبَرَ عنه أنه في حروفِ المعجمِ الثمانيةِ والعشرين بذكرِ "أ ب ت ث" عن ذكرِ بَواقي حروفِها التي هي تَتِمَّةُ الثمانيةِ والعشرين، قال: ولذلك رُفِع ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لأن معنى الكلامِ: الألفُ واللامُ والميمُ مِن الحروفِ المُقَطَّعةِ، ذلك الكتابُ الذي أنْزَلْتُه إليك مجموعًا لا ريبَ فيه.
فإن قال قائلٌ: فإن "أ ب ت ث" قد صارت كالاسمِ في حروفِ الهِجاءِ، كما صارتِ "الحمدُ" اسمًا لفاتحةِ الكتابِ؟
قيل له: لمَّا كان جائزًا أن يقولَ القائلُ: ابني في "ط ظ".
وكان معلومًا بقِيلِه ذلك لو قاله أنه يُرِيدُ الخبرَ عن ابنه أنه في الحروفِ المُقَطَّعةِ، عُلم بذلك أن "أ ب ت ث" ليس لها باسمٍ، وإن كان ذلك آثرَ (١) في الذكرِ مِن سائرِها.
قال: وإنما خُولِف بينَ ذكْرِ حروفِ المُعْجَمِ في فَواتِحِ السورِ، فذُكِرَت في أوائلِها مختلفةً، وذِكْرِها إذا ذُكِرَت بأوائلِها التي هي "أ ب ت ث" مُؤْتَلِفةً، ليَفْصِلَ بينَ الخبرِ عنها إذا أُرِيد، بذكرِ ما ذُكِر منها مُخْتلِفًا، الدلالةُ على الكلامِ المتصلِ، وإذا أُرِيد بذكرِ ما ذُكِر منها مُؤْتَلِفًا الدلالةُ على الحروفِ المُقَطَّعةِ بأعيانِها.
واسْتَشْهَد لإجازةِ قولِ القائلِ: ابني في "ط ظ".
وما أشبهَ ذلك مِن الخبرِ عنه أنه في حروفِ المعجمِ، وأن ذلك مِن قيلِه في البيانِ يقومُ مَقامَ قولِه: ابني في "أ ب ت ث" برَجَزِ بعضِ الرُّجَّازِ مِن بني أسدٍ (٢): لمَّا رأيْتُ [أمرَها في حُطِّي] (٣) وفَنَكَتْ (١) في كَذِبي (٢) ولَطِّي (٣) أخذْتُ منها بقُرونٍ (٤) شُمْطِ (٥) فلم يَزَلْ ضَرْبي (٦) بها ومَعْطِي (٧) حتى علَا الرأسَ دمٌ يُغَطِّي فزعَم أنه أراد بذلك الخبرَ عن المرأةِ أنها في "أبي جاد"، فأقام قولَه: لما رأيتُ أمرَها في حُطِّي مُقامَ خبرِه عنها أنها في "أبي جاد"، إذ كان ذلك مِن قولِه يَدُلُّ سامعَه على ما يَدُلُّه عليه قولُه: لما رأيْتُ أمرَها في "أبي جاد".
وقال آخرون: بل ابْتُدئَت بذلك أوائلُ السورِ ليَفْتَحَ لاستماعِه أسماعَ المشركين، إذ تواصَوْا بالإعراضِ عن القرآنِ، حتى إذا اسْتَمَعوا له تُلِي عليهم المؤلَّفُ منه.
وقال بعضُهم: الحروفُ التي هي فَواتحُ السورِ حروفٌ يَسْتَفْتِحُ اللَّهُ بها كلامَه.
[وقال] (٨): فإن قيل: هل يكونُ مِن القرآنِ ما ليس له معنًى؟
فإن (٩) معنى هذا أنه ابتدَأ (١) بها ليُعْلَمَ أن السورةَ التي قبلَها قد انْقَضَت، وأنه قد أخَذ في أخرى، فجعَل هذا علامةَ انقطاعِ ما بينَهما، وذلك في (٢) كلامِ العربِ، يُنْشِدُ الرجلُ منهم الشعرَ، فيقولُ (٣): بل * وبَلدةٍ ما الإنسُ مِن آهالِها ويقولُ (٤): لا بَل * ما هاج أحزانًا وشَجْوًا قد شَجَا و"بل" ليست مِن البيتِ ولا تُعَدُّ في وزنِه، ولكن يَقْطَعُ بها كلامًا ويَسْتَأْنِفُ الآخرَ.
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ مِن الأقوالِ التي قالها الذين وصَفْنا قولَهم في ذلك وجهٌ معروفٌ.
فأما الذين قالوا: ﴿الم﴾ اسمٌ مِن أسماءِ القرآنِ، فلقولِهم ذلك وجهان: أحدُهما: أن يَكونوا أرادوا أن ﴿الم﴾ اسمٌ للقرآنِ، كما الفُرقانُ اسمٌ له.
وإذا كان معنى قائل ذلك كذلك، كان تأويلُ قولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ على معنى القَسَمِ، كأنه قال: والقرآنِ، هذا الكتابُ لا ريبَ فيه.
والآخرُ منهما: أن يَكُونوا أرادوا أنه اسمٌ مِن أسماءِ السورةِ (٥) تُعْرَفُ به، كما تُعْرَفُ سائرُ الأشياءِ بأسمائِها التي هي لها أماراتٌ [تُعْرَفُ بها] (١)، فيَفْهَمُ السامعُ مِن القائلِ يقولُ: قرأْتُ اليومَ ﴿المص﴾ و ﴿ن﴾.
أي السورةَ التي قرَأَها مِن سُورِ القرآنِ، كما يَفْهَمُ عنه إذا قال: لقيتُ اليومَ عَمْرًا وزيدًا.
وهما بزيدٍ وعمرٍو عارفان - مَن الذي لقِي مِن الناسِ.
وإن أشْكَل معنى ذلك على امرئٍ، فقال: وكيف (٢) يَجوزُ أن يكونَ ذلك كذلك، ونَظائز ﴿الم﴾ ﴿الر﴾ في القرآنِ جماعةٌ مِن السورِ، وإنما تكونُ الأسماءُ أماراتٍ إذا كانت مُميِّزةً بينَ الأشخاصِ، فأما إذا كانت غيرَ مُميِّزةٍ فليست أماراتٍ؟
قيل: إن الأسماءَ وإن كانت قد صارت لاشتراكِ كثيرٍ مِن الناسِ في الواحدِ منها، غيرَ مميِّزَةٍ إلَّا بمَعانٍ أُخَرَ معها؛ مِن ضَمِّ نسبةِ المُسَمَّى بها إليها، أو نعتِه أو وصفِه بما يُفَرِّقُ بينَه وبينَ غيرِه مِن أشكالِها، فإنها وُضِعَت (٣) ابْتِداءً للتمييزِ لا شكَّ، ثم احْتِيج عندَ الاشتراكِ إلى المَعاني المُفَرِّقةِ بينَ المُسَمَّى بها، فكذلك ذلك في أسماءِ السورِ، جُعِل كلُّ اسمٍ - في قولِ قائلِ هذه المَقالةِ - أمارةً للمُسَمَّى به مِن السورِ، فلما شارَك المُسَمَّى به فيه غيرَه مِن سُورِ القرآنِ، احتاج المُخْبِرُ عن سورةٍ منها أن يَضُمَّ إلى اسمِها المُسَمَّى به مِن ذلك إلى (٤) ما يُفَرِّقُ به السامعُ (٥) بينَ الخبرِ عنها وعن غيرِها مِن نعتٍ وصفةٍ أو غيرِ ذلك، فيَقُولُ المُخْبِرُ عن نفسِه أنه تلا سورةَ البقرةِ، إذا سماها باسمِها الذي هو ﴿الم﴾: قرأتُ ﴿الم﴾ البقرة.
وفي آلِ عِمْرانَ: قرأتُ ﴿الم﴾ آل عمران.
أو (١) ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
و ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
كما لو أراد الخبرَ عن رجلين، اسمُ كلِّ واحدٍ منهما عمرٌو، غيرَ أن أحدَهما تَميميٌّ والآخرَ أزْديٌّ، لَلزِمه أن يقولَ لمن أراد إخبارَه عنهما: لقِيتُ عمرًا التميميَّ وعمرًا الأزديَّ.
إذا (٢) كان لا يفرِّق (٣) بينَهما وبينَ غيرِهما ممَّن يُشارِكُهما في أسمائِهما إلا نسبتُهما (٤) كذلك، فكذلك ذلك في قولِ مَن تأوَّل في الحروفِ المُقَطَّعةِ أنها أسماءٌ للسورِ.
أما الذين قالوا: ذلك فَواتِحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ ﷿ بها كلامَه.
فإنهم وجَّهوا ذلك إلى نحوِ المعنى الذي حكَيْنا عمَّن حكَيْنا ذلك عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه قال: ذلك أدِلَّةٌ على انْقِضاءِ سورةٍ وابتداءٍ في أخرى، وعلامةٌ لانقطاعِ ما بينَهما.
كما جُعِلَت "بل" في ابتداءِ قصيدةٍ دلالةً على ابتداءٍ فيها وانقضاءِ أخرى قبلَها، كما ذكَرْنا عن العربِ إذا أرادوا الابتداءَ في إنشادِ قصيدةٍ قالوا: بل * ما هاج أحْزانًا وشجْوًا قد شَجَا و"بل" ليست مِن البيتِ ولا داخلةً في وزنِه، ولكن ليَدُلَّ به على قطعِ كلامٍ وابتداءِ آخرَ.
وأما الذين قالوا: ذلك حروفٌ مُقَطَّعةٌ، بعضُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿، وبعضُها مِن صفاتِه، ولكلِّ حرفٍ مِن ذلك معنًى غيرُ معنى الحرفِ الآخرِ.
فإنهم نحَوْا بتأويلِهم ذلك نحوَ قولِ الشاعرِ (١): قلْنا لها قِفِي لنا (٢) قالت قافْ لا تَحْسَبي أنَّا نَسِينا الإيجافْ (٣) يعني بقولِه: قالت قاف.
قالت (٤): وقَفْتُ.
فدَّلت بإظهارِ "القافِ" مِن "وقَفْتُ" على مُرادِها مِن تَمامِ الكلمةِ التي هي: "وقَفْتُ".
فصرَفوا قولَه: ﴿الم﴾.
وما أشبهَ ذلك إلى نحوِ هذا المعنى، فقال بعضُهم: الألفُ ألفُ أنا، واللامُ لامُ اللَّهِ، والميمُ ميمُ أعْلَمُ، وكلُّ حرفٍ منهن دالٌّ على كلمةٍ تامةٍ.
قالوا: فجملةُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ إذا ظهَر مع كلِّ حرفٍ منهن تَمامُ حروفِ الكلمةِ: أنا اللَّهُ أعلمُ.
قالوا: وكذلك سائرُ جميعِ ما في أوائلِ سُورِ القرآنِ مِن ذلك، فعلى هذا المعنى وبهذا التأويلِ.
قالوا: ومستفيضٌ ظاهرٌ في كلامِ العربِ أن يَنْقُصَ المتكلمُ منهم مِن الكلمةِ الأحرفَ إذا كان فيما بقِي دلالةٌ على ما حذَف منها، ويَزيدَ فيها ما ليس منها إذا لَمْ تكُنِ الزيادةُ مُلبِسةً معناها على سامعِها، كحذفِهم في النقصِ في الترخيمِ مِن حارثٍ الثاءَ، فيقولون: يا حارِ.
ومِن مالكٍ الكافَ، فيقولون: يا مالِ.
وما أشْبَهَ ذلك.
وكقولِ راجزِهم (٥): ما لِلظَّليمِ (٦) عالَ (٧) كيف لا يا يَنْقَدُّ عنه جِلْدُه إذا يا كأنه أراد أن يقولَ: إذا يَفعلُ كذا وكذا.
فاكْتَفَى بالياءِ مِن "يَفْعَلُ".
وكما قال آخرُ منهم (١): بالخيرِ خيراتٍ وإن شرًّا فَا يريدُ: فشرًّا.
ولا أُرِيدُ الشرَّ إلا أن تا يُريدُ: إلا أن تَشاءَ.
فاكْتَفَى بالتاءِ والفاءِ في الكلمتَيْن جميعًا مِن سائرِ حروفِهما، وما أشبهَ ذلك مِن الشواهدِ التي يَطولُ الكتابُ باستيعابِه.
وكما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: لما مات يزيدُ بنُ معاويةَ قال لي عَبِيدَةُ (٢): إني لا أُراها إلا كائنةً فتنةً فافْزَعْ مِن ضَيْعَتِك، والْحَقْ بأهلِك.
قلتُ: فما تَأْمُرُني؟
قال: أحَبُّ إليَّ (٣) لك أنْ تا - قال أيوبُ وابنُ عونٍ بيدِهِ تحت خدِّه الأيمنِ يَصِفُ الاضطجاعَ - حتى تَرَى أمرًا تَعْرِفُه.
قال أبو جعفرٍ: يعني بـ "تا" تَضْطَجِع، فاجْتَزَأ بالتاءِ مِن "تَضْطَجِع".
وكما قال الآخرُ في الزيادةِ في الكلامِ على النحوِ الذي وصَفْتُ (٤): أقولُ إذْ خَرَّتْ على الكَلْكالِ (١) … يا ناقتي ما جُلْتِ من مَجالِ يريدُ: الكَلْكلَ.
وكما قال الآخرُ (٢): إنَّ شَكْلِي وإن شَكْلَك شَتَّى … فالْزَمي الخُصَّ واخْفِضِي (٣) تَبْيَضِضِّي (٤) فزاد ضادًا وليست في الكلمة.
قالوا: فكذلك ما نقَص مِن تمامِ حروفِ كلِّ كلمةٍ مِن هذه الكلماتِ التي ذكَرْنا أنَّها تَتِمَّةُ حروفِ ﴿الم﴾ ونظائرِها، نظيرُ ما نقَص مِن الكلامِ الذي حكَيْناه عن العربِ في أشعارِها وكلامِها.
وأما الذين قالوا: كلُّ حرفٍ مِن ﴿الم﴾ ونظائرِها دالٌّ على مَعانٍ شَتَّى - نحوَ الذي ذكرنا عن الربيع بنِ أنسٍ - فإنهم وجَّهوا ذلك إلى مثلِ الذي وجَّهه إليه مَن قال: هو بتأويل: أنا اللَّهُ أعلمُ.
في أن كلَّ حرفٍ منه بعضُ حروفِ كلمةٍ تامةٍ اسْتُغْنِي بدَلالتِه على تَمامِه عن ذكرِ تمامِه - وإن كانوا له مخالفين في كلِّ حرفٍ مِن ذلك، أهو من الكلمةِ التي ادَّعَى أنه منها قائلو القولِ الأولِ أم مِن غيرِها؟
فقالوا: بل الألفُ مِن ﴿الم﴾ مِن كلماتٍ شَتَّى، هي دالةٌ على معاني جميعِ ذلك وعلى تمامِه.
قالوا: وإنما أفْرد كلَّ حرفٍ مِن ذلك، وقصَّر به عن تمامِ حروفِ الكلمةِ، أن جميعَ حروفِ الكلمةِ لو أُظْهِرَت لم تَدُلَّ الكلمةُ التي تُظْهَرُ - التي (٥) بعضُ هذه الحروفِ المُقَطَّعةِ بعضٌ لها - إلا على معنًى واحدٍ لا على معنيَيْن وأكثرَ منهما.
قالوا: وإذ كان لا دلالةَ في ذلك، لو أظْهَر جميعَها (١)، إلا على معناها الذي هو معنًى واحدٌ، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه قد أراد الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منها على مَعانٍ كثيرةٍ لشيءٍ واحدٍ - لَمْ يَجُزْ إلا أن يُفْرَدَ الحرفُ الدالُّ على تلك المعاني، ليَعْلَمَ المخاطَبون به أنه جلَّ ثناؤه لم يَقْصِدْ قصدَ معنًى واحدٍ ودلالةٍ على شيءٍ واحدٍ بما خاطَبَهم به، وأنه إنما قصَد الدلالةَ به (٢) على أشياءَ كثيرةٍ.
قالوا: فالألفُ مِن ﴿الم﴾ مُقْتَضِيةٌ معانيَ كثيرةً؛ منها تمامُ اسمِ الربِّ الذي هو اللَّهُ، وتمامُ اسمِ نعماءِ اللَّهِ التي هي آلاءُ اللَّهِ، والدلالةُ على أجَلِ قومٍ أنه سَنَةٌ، إذ كانت الألفُ في حسابِ الجُمَّلِ واحدًا.
واللامُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو لَطيفٌ، وتمامَ اسمِ فَضْلِه الذي هو لُطْفٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه ثلاثون سنةً.
والميمُ مُقْتَضِيةٌ تمامَ اسمِ اللَّهِ الذي هو مَجيدٌ، وتمامَ اسمِ عظمتِه التي هي مَجْدٌ، والدلالةَ على أجَلِ قومٍ أنه أربعون سنةً.
فكان معنى الكلامِ في تأويلِ قائلِ القولِ الأولِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه افْتَتَح كلامَه بوَصْفِ نفسِه بأنه العالِمُ الذي لا يَخْفَى عليه شيءٌ، وجعَل ذلك لعبادِه مَنْهَجًا يَسْلُكونه في مُفْتَتحِ خُطَبِهم ورسائلِهم ومُهِمِّ أمورِهم، وابتلاءً منه لهم به (٢) ليَسْتَوْجِبوا به عظيمَ الثوابِ في دارِ الجزاءِ، كما افْتَتَح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١].
وما أشْبَهَ ذلك مِن السورِ التي جعَل مَفاتحَها الحمدَ لنفسِه، وكما جعَل مَفاتحَ بعضِها تعظيمَ نفسِه وإجلالَها بالتسبيحِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١].
وما أشبهَ ذلك مِن سائرِ سُورِ القرآنِ التي جعَل مَفاتحَ بعضِها تحميدَ نفسِه، ومفاتحَ بعضِها تمجيدَها، ومفاتحَ بعضِها تعظيمَها وتَنْزيهَها، فكذلك جعَل مفاتحَ السورِ الأُخَرِ التي أوائلُها بعضُ حروفِ المُعْجَمِ مدائحَ نفسِه أحيانًا بالعلمِ، وأحيانًا بالعدلِ والإنصافِ، وأحيانًا بالإفضالِ والإحسانِ، بإيجازٍ واختصارٍ، ثم اقتصاصَ الأمورِ بعدَ ذلك.
وعلى هذا التأويلِ يَجِبُ أن تكونَ الألفُ واللامُ والميمُ في أماكنِ الرفعِ مرفوعًا بعضُها ببعضٍ، دون قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، خبرًا (١) مبتدأً مُنْقطِعًا عن مَعنى ﴿الم﴾ وكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في تأويلِ قولِ قائلِ هذا القولِ الثاني مرفوعٌ بعضُه ببعضٍ، وإن كان مخالفًا معناه معنى قولِ قائلِ القولِ الأولِ.
وأما الذين قالوا: هنَّ حروفٌ مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ دون ما خالَف ذلك مِن المعاني.
فإنهم قالوا: لا نعرِفُ للحروفِ المُقَطَّعةِ معنًى يُفْهَمُ سوى حسابِ الجُمَّلِ، وسوى تَهَجِّي قولِ القائلِ: ﴿الم﴾.
قالوا: وغيرُ جائزٍ أن يُخاطِبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه إلا بما يَفْهَمون ويَعقِلون عنه، فلما كان ذلك كذلك - وكان قولُه: ﴿الم﴾.
لا يُعْقَلُ لها وجهٌ تُوَجَّهُ إليه إلا أحدُ الوجهين اللذيْن ذكَرْنا، فبَطَل أحدُ وجهيْه، وهو أن يكونَ مُرادًا به تهجِّي: ﴿الم﴾ - صحَّ وثبَت أنه مرادٌ به الوجهُ الثاني، وهو حسابُ الجُمَّلِ؛ لأن قولَ القائلِ: ﴿الم﴾.
لا يَجوزُ أن يَلِيَه مِن الكلامِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ لاستحالةِ معنى الكلامِ وخروجِه عن المعقولِ إذا أُولِي ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
واحْتَجُّوا لقولِهم ذلك أيضًا بما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بن الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني الكَلْبيُّ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ رِئابٍ، قال: مرَّ أبو ياسرِ بنُ أخْطَبَ برسولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَتْلُو فاتحةَ (١) سورةِ البقرة ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فأتَى أخاه حُيَيَّ بنَ أخْطَبَ في رجالٍ مِن يهودَ، فقال: تَعْلَمُون (٢) واللَّهِ، لقد سمِعْتُ محمدًا يَتْلُو فيما أنْزَل اللَّهُ عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقالوا: أنت سمِعْتَه؟
قال: نعم.
فمشَى حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ في أولئك النفرِ مِن يهودَ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، ألم يُذْكَرْ لنا أنك تَتْلُو فيما أُنْزِل عليك ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟
فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلَى" قالوا.
أجاءك بها (٣) جبريلُ مِن عندِ اللَّهِ؟
فقال: "نَعَمْ".
قالوا: لقد بعَث اللَّهُ قبلَك أنبياءَ ما نَعْلَمُه بيَّن لنبيٍّ منهم ما مُدَّةُ مُلْكِه، وما أُكْلُ (٤) أمَّتِه غيرَك.
فقال حُيَيُّ بنُ أخْطَبَ وأقبلَ على مَن كان معه، فقال لهم: الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثونَ، والميمُ أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنةً، أفتَدْخُلُونَ (٥) في دينِ نبيٍّ إنما مدةُ مُلْكِه وأُكلُ (٦) أُمَّتِه إحدى وسبعونَ سنةً؟
قال: ثم أقبلَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: يا محمدُ، هل مع هذا غيرُه؟
قال: "نَعَمْ".
قال: ماذا؟
قال: " ﴿المص﴾ ".
قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميم أربعون، والصادُ تسعون (٧)، فهذه إحدى وستون (١) ومائةُ سنةٍ.
هل مع هذا يا محمدُ غيرُه؟
قال: "نَعَمْ".
قال: ماذا؟
قال: " ﴿الر﴾ ".
قال: هذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنةٍ.
فهل (٢) مع هذا غيرُه يا محمدُ؟
قال: "نَعَمْ، ﴿المر﴾ ".
قال: فهذه أثقلُ وأطولُ؛ الألفُ واحدةٌ، واللامُ ثلاثون، والميمُ أربعون، والراءُ مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتا سنةٍ.
ثم قال: لقد لُبِّس علينا أمْرُك يا محمدُ حتى ما نَدْرِي أقليلًا أُعْطِيتَ أم كثيرًا.
ثم قاموا عنه، فقال أبو ياسرٍ لأخيه حُيَيِّ بنِ أخْطَبَ ولمن معه مِن الأحبارِ: ما يُدْرِيكم لعلَّه قد جُمِع هذا كلُّه لمحمدٍ؛ إحدى وسبعون، وإحدى وستون (٣) ومائةٌ، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعُمائةٍ وأربعٌ [وثلاثون] (٤).
فقالوا: لقد تَشابَه علينا أمرُه.
فيَزْعُمون أن هؤلاء الآياتِ نزَلَت فيهم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٥) [آل عمران: ٧].
قالوا: قد صرَّح (٦) هذا الخبرُ بصحةِ ما قلنا في ذلك مِن التأويلِ وفسادِ ما قاله مُخالِفونا فيه.
والصوابُ عندي مِن القولِ في تأويلِ مَفاتحِ السورِ التي هي حروفُ المُعْجَمِ، أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه جعَلها حروفًا مُقَطَّعةً، ولم يَصِلْ بعضَها ببعضٍ فيَجْعَلَها كسائرِ الكلامِ المتَّصِلِ الحروفِ؛ لأنه عزَّ ذكرُه أراد بلطفِه (١) الدلالةَ بكلِّ حرفٍ منه على مَعانٍ كثيرةٍ لا على معنًى واحدٍ، كما قال الربيعُ بنُ أنسٍ، وإن كان الربيعُ قد اقتصَر به على معانٍ ثلاثةٍ دون ما زاد عليها.
والصوابُ في تأويلِ ذلك عندي أن كلَّ حرفٍ منه يَحْوِي ما قاله الربيعُ وما قاله سائرُ المُفَسِّرِين غيرُه فيه، سوى ما ذكَرْتُ مِن القولِ عمَّن ذكَرْتُ عنه مِن أهلِ العربيةِ أنه كان يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى أنه حروفُ هِجاءٍ استُغْنِي بذكرِ ما ذُكِر منه في مَفاتحِ السورِ عن ذكْرِ تَتِمَّةِ الثمانيةِ والعشرين الحرفِ (٢) مِن حروفِ المُعْجَمِ، بتأويلِ: أن هذه الحروفَ ذلك الكتابُ، مجموعةً، لا ريبَ فيه.
فإنه قولٌ خطأٌ فاسدٌ، لخروجِه عن أقوالِ جميعِ الصحابةِ والتابعين فمن بعدَهم مِن الخالِفين (٣) مِن أهلِ التفسيرِ والتأويلِ، فكفَى دلالةً على خطئِه شهادةُ الحُجَّةِ عليه بالخطإِ، مع إبطالِ قائلِ ذلك قولَه الذي حكَيْناه عنه - إذ صار إلى البيانِ عن رفعِ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ - بقولِه مرةً: إنه مرفوعٌ كلُّ واحدٍ منهما بصاحبِه.
ومرةً أخرى: إنه مرفوعٌ بالراجعِ مِن ذكرِه في قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
ومرةً بقولِه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
وذلك تركٌ منه لقولِه: إن ﴿الم﴾ مرافعةٌ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
وخروجٌ من القولِ الذي ادَّعاه في تأويلِ ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
وأن تأويلَ ذلك: هذه الحروفُ ذلك الكتابُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ حرفٌ واحدٌ شاملًا الدلالةَ على معانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ؟
قيل: كما جاز أن تكونَ كلمةٌ واحدةٌ تَشْتَمِلُ على مَعانٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، نحوَ قولِهم للجماعةِ مِن الناسِ: أُمَّةٌ.
وللحينِ مِن الزمانِ: أُمَّةٌ.
وللرجلِ المُتَعَبِّدِ المُطيعِ للَّهِ: أُمَّةٌ.
وللدِّينِ والمِلَّةِ: أُمَّةٌ.
وكقولِهم للجَزاءِ والقِصاصِ: دِينٌ.
وللسلطانِ والطاعةِ: دِينٌ.
وللتَّذَلُّلِ: دينٌ.
وللحسابِ: دِينٌ.
في أشباهٍ لذلك كثيرةٍ يَطولُ الكتابُ بإحصائِها، مما يَكونُ مِن الكلامِ بلفظٍ واحدٍ، وهو مُشْتَمِلٌ على مَعانٍ كثيرةٍ، فكذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿المص﴾ وما أشْبَه ذلك مِن حروفِ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ أوائلِ السورِ، كلُّ حرفٍ منها دالٌّ على معانٍ شَتَّى، شاملٌ جميعُها مِن أسماءِ اللَّهِ ﷿ وصفاتِه ما قاله المفسِّرُون مِن الأقوالِ التي ذكَرْناها عنهم، وهنَّ مع ذلك فَواتِحُ السورِ، كما قاله مَن قال ذلك، وليس كونُ ذلك مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ جل ثناؤُه وصفاتِه، بمانعِها أن تكونَ للسورِ فَواتحَ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد افْتَتَح كثيرًا مِن سورِ القرآنِ بالحمدِ لنفسِه والثناءِ عليها، وكثيرًا منها بتَمْجيدِها وتعظيمِها، فغيرُ مستحيلٍ أن يَبْتَدِئَ بعضَ ذلك بالقَسَمِ بها.
فالتي ابتُدِئ أوائلُها بحروفِ المعجمِ، أحدُ معاني أوائلِها أنهنَّ فَواتحُ ما افتَتح بهن مِن سُوَرِ القرآنِ، وهن مما أَقْسَمَ بهن؛ لأن أحدَ معانيهنَّ أنهنَّ مِن حروفِ أسماءِ اللَّهِ تعالى ذكْرُه وصفاتِه، على ما قدَّمْنا البيانَ عنها، ولا شكَّ في صحةِ معنى القسَمِ باللَّهِ وأسمائِه وصفاتِه.
وهن مِن حروفِ حسابِ الجُمَّلِ، وهن للسورِ التي افْتُتِحَت بهن شِعارٌ وأسماءٌ، فذلك يَحْوِي مَعانيَ جميعِ ما [وصَفْنا مما] (١) بيَّنَّا مِن وُجوهِه؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه لو أراد بذلك أو بشيءٍ منه الدلالةَ على معنًى واحدٍ مما يَحْتَمِلُه (١) ذلك، دون سائرِ المعاني غيرِه، لأبان ذلك لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ إبانةً غيرَ مُشْكِلةٍ، إذ كان جلَّ ثناؤُه إنما أنْزَل كتابَه على رسولِه ﷺ ليُبَيِّنَ لهم ما اخْتَلَفوا فيه، وفي تركِه ﷺ إبانةَ ذلك أنه مرادٌ به مِن وُجوهِ تأويلِه البعضُ دون البعضِ - أوضحُ الدليلِ على أنه مرادٌ به جميعُ وجوهِه التي هو لها مُحْتَمِلٌ، إذ (٢) لم يكنْ مُسْتَحِيلًا في العقلِ وجهٌ منها أن يَكونَ مِن تأويلِه ومعناه، كما كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ المعاني الكثيرةِ للكلمةِ الواحدةِ باللفظِ الواحدِ في كلامٍ واحدٍ.
ومَن أبَى ما قلْناه في ذلك، سُئِل الفرْقَ بينَ ذلك وبينَ سائرِ الحروفِ التي تَأْتِي بلفظٍ واحدٍ، مع اشتمالِها على المعاني الكثيرةِ المختلفةِ، كالأُمَّةِ والدِّينِ وما أشْبَه ذلك مِن الأسماءِ والأفعالِ، فلن يقولَ في أحدِ (٣) ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وكذلك يُسْألُ كلُّ مَن تأوَّل شيئًا مِن ذلك على وجهٍ دن الأوجهِ الأُخَرِ التي وصَفْنا، عن البرهانِ على دَعْواه، من الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له، ثم يُعارَضُ بقولِ مُخالِفِه في ذلك، ويُسْألُ الفرقَ بينَه وبينَه، مِن أصلٍ، أو مما يَدُلُّ عليه أصلٌ.
فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وأما الذي زعَم مِن النحويِّين أن ذلك نظيرُ "بل" في قولِ المُنْشِدِ شِعرًا (٤): بل * ما هاج أحْزانًا وشجوًا قد شَجَا وأنه لا معنًى له، وإنما هو زيادةٌ في الكلامِ معناه الطَّرْحُ.
فإنه أخْطَأ مِن وُجوهٍ شَتَّى: أحدُها: أنه وصَف اللَّهَ تعالى ذكرُه بأنه خاطَب العربَ بغيرِ ما هو مِن لغتِها، وغيرِ ما هو في لغةِ أحدٍ مِن الآدميِّين، إذ كانت العربُ وإن كانت قد كانت تَفْتَتِحُ أوائلَ إنشادِها ما أنْشَدَت مِن الشعرِ بـ "بل"، فإنه معلومٌ منها أنها لم تكنْ تَبْتَدِئُ شيئًا مِن كلامِها بـ ﴿الم﴾ و ﴿الر﴾ و ﴿المص﴾ [بمثلِ معنَى] (١) ابتدائِها ذلك بـ "بل".
وإذ كان ذلك ليس مِن ابتدائِها، وكان اللَّهُ جلَّ ثناؤُه إنما خاطَبهم بما خاطَبهم به (٢) مِن القرآنِ بما يَعْرِفون مِن لغاتِهم، ويَسْتَعْمِلون بينَهم مِن مَنْطِقِهم في جميعِ آيِه - فلا شكَّ أن سبيلَ ما وصَفْنا مِن حروفِ المُعْجَمِ التي افتُتِحت بها أوائلُ السورِ التي هن لها فَواتحُ، سبيلُ سائرِ القرآنِ في أنه لم يَعْدِلْ بها عن لغاتِهم التي كانوا بها عارِفِين، ولها بينَهم في مَنْطِقِهم مُسْتَعْمِلين؛ لأن ذلك لو كان مَعْدولًا به عن سبيلِ لغاتِهم ومَنْطِقِهم، كان خارجًا عن معنى الإبانةِ التي وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤه بها القرآنَ، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وأنَّى يكونُ مُبِينًا ما لا يَعْقِلُه ولا يفهمُه (٣) أحدٌ مِن العالمِين، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، ولا يُعْرَفُ في مَنْطِقِ أحدٍ مِن المخلوقين في قولِه؟
وفي إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عنه أنه عربيٌّ مُبينٌ، ما يُكْذِبُ قائلَ (٤) هذه المقالةِ، ويُنْبِئُ عنه أن العربَ كانوا به عالِمين، وهو لها مُسْتَبِينٌ، فذلك أحدُ أوجهِ خطئِه.
والوجهُ الثاني مِن خطئِه في ذلك: إضافتُه إلى اللَّهِ جلَّ ثناؤُه أنه خاطَب عبادَه بما لا فائدةَ لهم فيه، ولا معنَى له مِن الكلامِ، الذي سواءٌ الخطابُ (١) به وتركُ الخطابِ به؛ وذلك إضافةُ العَبَثِ الذي هو مَنْفيٌّ في قولِ جميعِ المُوَحِّدين عن اللَّهِ، إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه.
والوجهُ الثالثُ مِن خطئِه: أن "بل" في كلامِ العربِ مفهومٌ تأويلُها ومعناها، وأنها تُدْخِلُها في كلامِها رجوعًا عن كلامٍ لها قد تقَضَّى، كقولِهم: ما جاءني أخوك، بل أبوك، وما رأيتُ عمرًا، بل عبدَ اللَّهِ.
وما أشْبَه ذلك مِن الكلامِ، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ (٢): ولَأَشْرَبَنَّ ثَمانِيًا وثَمانِيًا … وثلاثَ عشْرةَ واثنتَيْن وأربعَا ومضَى في كلمتِه حتى بلَغ قولَه: بالجُلَّسَانِ (٣) وطَيِّبٍ أرْدانُه (٤) … بِالوَنِّ (٥) يَضْرِبُ لي يَكُرُّ (٦) الإصْبَعَا ثم قال: بل عَدِّ هذا في قَريضٍ غيرِه … واذكُرْ فتًى سَمْحَ الخَليقةِ أرْوَعا فكأنه قال: دَعْ هذا، وخُذْ في قَريضٍ غيرِه.
فـ "بل" (٧) إنما يَأْتي في كلامِ العربِ على هذا النحوِ مِن الكلامِ.
فأما افتتاحًا لكلامِها مُبْتَدَأً بمعنى التطويلِ (١) والحذفِ، مِن غير أن يَدُلَّ على معنًى، فذلك ما (٢) لا نَعْلَمُ أحدًا ادَّعاه مِن أهلِ المعرفةِ بلسانِ العربِ ومَنْطِقِها، سوى الذي ذكَرْتُ قولَه، فيكونَ ذلك أصلًا يُشَبَّهُ به حُروفُ المُعْجَمِ التي هي فَواتحُ سورِ القرآنِ التي افْتُتِحَت بها، لو كانت له مُشْبِهةً، فكيف وهي مِن الشبهِ به بعيدةٌ؟
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
قال عامَّةُ المفسرين: تأويلُ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ.
ذكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
قال: هو هذا الكتابُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ، قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيرٍ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
قال: هذا الكتابُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
قال: هذا الكتابُ.
قال: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾: هذا الكتابُ (١).
فإن قال قائلٌ: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى "هذا"؟
و"هذا" لا شكَّ إشارةٌ إلى حاضرٍ مُعايَنٍ، و ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى غائبٍ غيرِ حاضرٍ ولا مُعايَنٍ؟
قيل: جاز ذلك؛ لأن كلَّ ما تقَضَّى [وقَرُب] (٢) تَقَضِّيه من الإخبارِ، فهو وإن صار بمعنى غيرِ الحاضرِ، فكالحاضرِ عندَ المخاطَبِ، وذلك كالرجلِ يُحَدِّثُ الرجلَ الحديثَ، فيقولُ السامعُ: إن ذلك واللَّهِ لكما قلتَ.
و: هذا واللَّهِ كما قلتَ.
و: هو واللَّهِ كما ذكَرْتَ.
فيُخْبِرُ عنه مرةً بمعنى الغائبِ، إذ كان قد تقَضَّى ومضَى، ومرةً بمعنى الحاضرِ، لقُرْبِ جوابِه مِن كلامِ مُخْبِرِه، كأنه غيرُ مُنْقَضٍ، فكذلك ﴿ذَلِكَ﴾ في قولِه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
لأنه جلَّ ذكرُه لما قدَّم قبلَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ﴿الم﴾ التي ذكَرْنا تصَرُّفَها في وجوهِها مِن المعاني على ما وصَفْنا، قال لنبيِّه ﷺ: يا محمدُ، هذا الذي ذكَرْتُه وبيَّنْتُه لك، الكتابُ.
ولذلك حسُن وضعُ ﴿ذَلِكَ﴾ في مكانِ "هذا"؛ لأنه أُشِير به إلى الخبرِ عما تضَمَّنه قولُه ﴿الم﴾ مِن المعاني، بعدَ تقَضِّي الخبرِ عنه بـ ﴿الم﴾ فصار لقربِ الخبرِ عنه مِن تقَضِّيه، كالحاضرِ المشارِ إليه، فأخْبَر عنه بـ ﴿ذَلِكَ﴾ لانْقِضائِه، ومصيرِ الخبرِ عنه كالخبرِ عن الغائبِ.
وترْجَمه المفسِّرون أنه بمعنى "هذا"؛ لقربِ الخبرِ عنه مِن انقضائِه، فكان كالمُشاهَدِ (١) المشارِ إليه بـ "هذا"، نحوَ الذي وصَفْنا مِن الكلامِ الجاري بينَ الناسِ في مُحاوراتِهم، وكما قال جلَّ ذكرُه: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨) هَذَا ذِكْرٌ﴾ [ص: ٤٨، ٤٩].
فهذا ما في ﴿ذَلِكَ﴾ إذا عنى بها (٢) "هذا".
وقد يَحْتَمِلُ قولُه جلَّ ذكرُه: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾.
أن يكونَ مَعنِيًّا به السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ بمكةَ والمدينةِ، فكأنه قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، اعْلَمْ أن ما تضَمَّنَتْه سورُ الكتابِ التي قد أنْزَلْتُها إليك هو الكتابُ الذي لا ريبَ فيه، ثم ترْجَمه المُفَسِّرون بأن معنى ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الكتابُ، إذ كانت تلك السورُ التي نزَلَت قبلَ سورةِ البقرةِ مِن جملةِ جميعِ كتابِنا هذا الذي أنْزَلَه اللَّهُ ﷿ على نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
وكان التأويلُ الأولُ أولى بما قال المُفَسِّرون؛ لأن ذلك أظهرُ معاني قولِهم الذي قالوه في: ﴿ذَلِكَ﴾.
وقد وجَّه معنى ﴿ذَلِكَ﴾ بعضُهم إلى نظيرِ معنى بيتِ خُفَافِ بنِ نُدْبَةَ السُّلَميِّ (٣): فإن تَكُ خَيْلى قد أُصِيب صَمِيمُها … فعَمْدًا على عَيْنٍ تيَمَّمْتُ مالِكَا (٤) أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ (١) مَتْنَه … تأمَّلْ خُفافًا إنني أنا ذلِكا كأنه أراد: تأمَّلْني أنا ذلك.
فزَعَمَ (٢) أن ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى "هذا" [نظيرَ ما] (٣) أظْهَر خُفافٌ مِن اسمِه على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، وهو مُخْبِرٌ عن نفسِه، فكذلك (٤) أظْهَر ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى الخبرِ عن الغائبِ، والمعنى فيه الإشارةُ إلى الحاضرِ المُشاهَدِ.
والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الكتابِ؛ لما ذكَرْنا مِن العِلَلِ.
وقد قال بعضُهم: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ يعني به التوراةَ والإنجيلَ (٥).
وإذا وُجِّه تأويلُ ﴿ذَلِكَ﴾ إلى هذا الوجهِ، فلا مئونةَ فيه على مُتأوِّلِه كذلك؛ لأن ﴿ذَلِكَ﴾ يكونُ حينئذٍ إخبارًا عن غائبٍ على صحةٍ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه.
كما حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ المُحارِبيُّ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال: لا شكَّ فيه (٦).
حدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بنُ ياسِينَ الكوفيُّ، عن عبدِ العزيزِ بنِ أبي رَوَّادٍ (١)، عن عصاءٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال: لا شكَّ فيه (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا الحَكَمُ بنُ ظُهَيْرٍ، عن السديِّ، قال: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدِ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: لا شكَّ فيه (٥).
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
يقولُ: لا شكَّ فيه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
يقولُ: لا شكَّ فيه (١).
وحُدِّثت عن عَمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يقولُ: لا شكَّ فيه (٢).
وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: رابَني الشيءُ يَرِيبُني رَيْبًا.
ومِن ذلك قولُ ساعدةَ بنِ جُؤَيَّةَ الهُذَليِّ (٣): فقالوا ترَكْنا الحَيَّ قد حصِروا به … فلا ريبَ أن قد كان ثَمَّ لَحيمُ ويُرْوَى: حصَروا، وحصِروا.
والفتحُ أكثرُ، والكسرُ جائزٌ.
يعني بقولِه: حصروا به: أطافوا به.
ويعني بقولِه: لا رَيْبَ: لا شكَّ.
وبقولِه: أن قد كان ثَمَّ لَحيم.
يعني قَتيلًا.
يقالُ: قد لُحِم.
إذا قُتل.
والهاءُ التي في ﴿فِيهِ﴾ عائدةٌ على الكتابِ، كأنه قال: لا شكَّ في ذلك الكتابِ أنه مِن عندِ اللَّهِ هُدًى للمُتَّقِين.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿هُدًى﴾.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن بَيَانٍ، عن الشعبيِّ: ﴿هُدًى﴾ قال: هُدًى مِن الضلالةِ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يقولُ: نورٌ للمتقين (٢).
والهُدى في هذا الموضعِ مصدرٌ مِن قولِك: هدَيْتُ فلانًا الطريقَ - إذا أرْشَدْتَه إليه، ودلَلْتَه عليه، وبَيَّنْتَه له - أَهْدِيه هُدًى وهِدايةً.
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما كتابُ اللَّهِ نورًا إلا للمُتَّقِين، ولا رَشادًا إلا للمؤمنين؟
قيل: ذلك كما وصَفه ربُّنا ﷿، ولو كان نورًا لغيرِ المتقين، ورَشادًا لغيرِ المؤمنين، لم يَخْصُصِ اللَّهُ ﷿ المتقين بأنه لهم هدًى، بل كان يَعُمُّ به جميعَ المُنْذَرِين، ولكنه هُدًى للمتقين، وشفاءٌ لما في صدورِ المؤمنين، ووَقْرٌ في آذانِ المكذِّبين، وعمًى لأبصارِ الجاحدين، وحجةٌ للَّه بالغةٌ على الكافرين، فالمؤمنُ به مُهْتدٍ، والكافرُ به محجوجٌ.
وقولُه: ﴿هُدًى﴾ يَحْتَمِلُ أوجهًا مِن المعاني: أحدُها: أن يكونَ نصبًا، لمعنى القطعِ (١) مِن ﴿الْكِتَابُ﴾؛ لأنه نكرةٌ و ﴿الْكِتَابُ﴾ معرفةٌ، فيكونُ التأويلُ حينئذٍ: الم ذلك الكتابُ هاديًا للمتقِين.
و ﴿ذَلِكَ﴾ مرفوعٌ بـ ﴿الم﴾، و ﴿الم﴾ به، و ﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ لـ ﴿ذَلِكَ﴾.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على القطعِ مِن راجِعِ ذكرِ ﴿الْكِتَابُ﴾ الذي في ﴿فِيهِ﴾ فيكونُ معنى ذلك حينَئذٍ: الم الذي لا ريبَ فيه هاديًا.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ أيضًا نصبًا على هذيْن الوجهَيْن، أعْنِي على وجهِ القطعِ مِن الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾، ومِن ﴿الْكِتَابُ﴾ على أن ﴿الم﴾ كلامٌ تامٌّ، كما قال ابنُ عباسٍ: إن معناه: أنا اللَّهُ أعلمُ.
ثم يكونُ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ خبرًا مُسْتَأْنَفًا، فيُرْفَعُ حينَئذٍ ﴿الْكِتَابُ﴾ بـ ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿ذَلِكَ﴾ بـ ﴿الْكِتَابُ﴾، ويكونُ ﴿هُدًى﴾ قطعًا مِن ﴿الْكِتَابُ﴾، وعلى أن يُرْفَعَ ﴿ذَلِكَ﴾ بالهاءِ العائدةِ عليه التي في ﴿فِيهِ﴾، و ﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ له، والهدى قطعٌ مِن الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾.
وإن جُعِل الهدى في موضعِ رفعٍ، لم يَجُزْ أن يكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ إلا خبرًا مُسْتَأْنَفًا، و ﴿الم﴾ كلامًا تامًّا مكتفيًا بنفسِه، إلا مِن وجهٍ واحدٍ، وهو أن يُرْفَعَ حينئذٍ ﴿هُدًى﴾ بمعنى المدحِ، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: (الم * تِلْكَ آياتُ الكتابِ الحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةٌ للمُحْسِنِينَ) [لقمان: ١ - ٣].
في قراءةِ مَن قرَأ (رَحْمَةٌ) بالرفعِ على المدحِ للآياتِ (٢).
والرفعُ في ﴿هُدًى﴾ حينَئذٍ يَجوزُ مِن ثلاثةِ أوجهٍ؛ أحدُها: ما ذكَرْنا من أنه مدحٌ مُسْتَأْنَفٌ.
والآخرُ: على أن يُجْعَلَ مُرافعَ (١) ﴿ذَلِكَ﴾، و ﴿الْكِتَابُ﴾ نعتٌ لـ ﴿ذَلِكَ﴾.
والثالثُ: أن يُجْعَلَ تابعًا لموضعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ويكونَ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ مرفوعًا بالعائدِ في ﴿فِيهِ﴾، فيكونَ كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢، ١٥٥].
وقد زعَم بعضُ المُتَقَدِّمِين في العلمِ بالعربيةِ مِن الكوفِيِّين (٢) أن ﴿الم﴾ مرافعُ (٣) ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى: هذه الحروفُ مِن حروفِ المُعْجَمِ، ذلك الكتابُ الذي وعَدْتُك أن أُوحِيَه إليك.
ثم نقَض ذلك مِن قولِه فأسْرع نَقْضَه، وهدَم ما بنَى فأسْرَع هَدْمَه، فزعَم أن الرفعَ في ﴿هُدًى﴾ مِن وجهَيْن، والنصبَ من وجهَيْن، وأن أحدَ وجهَيِ الرفعِ أن يكونَ ﴿الْكِتَابُ﴾ نعتًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾، والهُدى في موضعِ رفعٍ خبرٌ (٤) لـ ﴿ذَلِكَ﴾، كأنك قلتَ: ذلك هدًى (٥) لا شكَّ فيه.
قال: وإن جعَلْتَ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ خبرَه، رفَعْتَ أيضًا ﴿هُدًى﴾ بجعلِه تابعًا لموضع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاه مُبَارَكٌ﴾ كأنه قال: وهذا كتابٌ هُدًى، مِن صفتِه كذا وكذا.
قال: وأما أحدُ وجهَيِ النصبِ، فأن تَجْعَلَ الكتابَ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ وتَنْصِبَ ﴿هُدًى﴾ على القطعِ؛ لأن ﴿هُدًى﴾ نكرةٌ اتَّصَلَت بمعرفةٍ، وقد تمَّ خبرُها فنصَبْتَها (٦)؛ لأن النكرةَ لا تكونُ دليلًا على معرفةٍ، وإن شئتَ نصَبْتَ ﴿هُدًى﴾ على القطعِ مِن الهاءِ التي في ﴿فِيهِ﴾، كأنك قلتَ: لا شكَّ فيه هاديًا.
قال أبو جعفرٍ: فترَك الأصلَ الذي أصَّله في ﴿الم﴾ وأنها مرفوعةٌ بـ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ ونبَذه وراءَ ظهرِه، واللازمُ كان له على الأصلِ الذي أصَّله ألا يُجِيزَ الرفعَ في ﴿هُدًى﴾ بحالٍ إلا مِن وجهٍ واحدٍ، وذلك مِن قِبَلِ الاستئنافِ إذ كان مدْحًا.
فأما على وجهِ الخبرِ لـ ﴿ذَلِكَ﴾، أو على وجهِ الاتباعِ لموضعِ ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فكان اللازمُ له على قولِه أن يكونَ خطأً، وذلك أن ﴿الم﴾ إذا رفَعَتْ ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فلا شكَّ أن ﴿هُدًى﴾ غيرُ جائزٍ حينئذٍ أن يكونَ خبرًا لـ ﴿ذَلِكَ﴾ بمعنى المرافعِ له، أو (١) تابعًا لموضع ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ لأن موضعَه حينَئذٍ نصبٌ، لتمامِ الخبرِ قبلَه وانقطاعِه - بمُخالفتِه إياه - عنه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ قولَه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال: اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهم، وأدَّوْا ما افتُرِض عليهم (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: الذين يَحْذَرُون مِن اللَّهِ ﷿ عقوبتَه في ترْكِ ما يَعْرِفون مِن الهُدَى، ويَرْجُون رحمتَه بالتصديقِ بما جاء منه (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: هم المؤمنون (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: سأَلني الأعمشُ عن "المتقين"، قال: فأجَبْتُه، فقال لي: سَلْ عنها الكَلْبيَّ.
فسألْتُه فقال: الذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثمِ.
قال: فرجَعْتُ إلى الأعمشِ، فقال: نُرَى (٢) أنه كذلك.
ولم يُنْكِرْه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الطبريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الله، قال: حدَّثنا عمرُ أبو حفصٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾: مَن هم؟
نعَتَهم ووصَفَهم فأثْبَت صفتَهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ [بنُ عُمارةَ] (٥)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال: للمؤمنين الذين يتَّقُون الشركَ (١) ويَعْمَلون بطاعتي (٢).
وأوْلَى التأويلاتِ بقولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
تأويلُ مَن وصَف القومَ بأنهم الذين اتَّقَوُا اللَّهَ ﵎ في ركوبِ ما نهاهم عن ركوبِه، فتجَنَّبوا معاصِيَه، واتَّقوْه فيما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فأطاعوه بأدائِها، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أبْهَم (٣) وصفَهم بالتقْوَى، فلم يَحْصُرْ تَقْواهم إياه على [بعضِ ما هو جلَّ ثناؤه أهلٌ] (٤) له (٥) منهم دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ مِن الناسِ أن يَحْصُرَ معنى ذلك على وصْفِهم بشيءٍ مِن تقوى اللَّهِ ﷿ دون شيءٍ، إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لأن ذلك مِن صفةِ القومِ لو كان مَحْصورًا على خاصٍّ مِن معاني التقوى دونَ العامِّ (٦)، لم يَدَعِ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بيانَ ذلك لعبادِه، إما في كتابِه، وإما على لسانِ رسولِه ﷺ، إذ لم يَكُنْ في العقلِ دليلٌ على استحالةِ وصفِهم بعمومِ التقوى.
فقد تبَيَّن إذن بذلك فسادُ قولِ مَن زعَم أن تأويلَ ذلك إنما هو الذين اتَّقَوُا الشركَ وبرِئوا مِن النِّفاقِ؛ لأنه قد يكونُ كذلك وهو فاسقٌ غيرُ مُسْتَحِقٍّ أن يكونَ مِن المتَّقِين، إلا أن يكونَ عندَ قائلِ هذا القولِ معنى النفاقِ ركوبَ الفَواحِشِ التي حرَّمها اللَّهُ جل ثناؤُه، وتَضْييعَ فرائضِه التي فرَضها عليه، فإن جماعةً مِن أهلِ العلمِ قد كانت تُسَمِّي مَن كان كذلك (٧) مُنافِقًا، فيكونَ، وإن كان مُخالِفًا في تسميتِه مَن كان كذلك بهذا الاسمِ - مُصِيبًا تأويلَ قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: يُصَدِّقون (١).
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ بنِ صالحٍ السَّهْميُّ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يُصَدِّقون (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يَخْشَوْن (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال الزُّهريُّ: الإيمانُ العملُ (٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن العَلاءِ بنِ المُسَيَّبِ بنِ رافعٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الإيمانُ التصديقُ (١).
ومعنى الإيمانِ عندَ العربِ التصديقُ، فيُدْعَى المُصَدِّقُ بالشيءِ قولًا مؤمنًا به، ويُدْعَى المُصَدِّقُ قولَه بفعلِه مؤمنًا، ومِن ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧].
يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا في قولِنا.
وقد تَدْخُلُ الخشيةُ للَّهِ في معنى الإيمانِ الذي هو تَصديقُ القولِ بالعملِ.
والإيمانُ كلمةٌ جامعةٌ للإقرارِ باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، وتصديقِ الإقرارِ بالفعلِ.
فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ وأشبهُ بصفةِ القومِ أن يَكُونوا موصُوفِين بالتصديقِ بالغيبِ قولًا واعتقادًا وعملًا؛ إذ كان جلَّ ثناؤُه لم يَحْصُرْهم مِن معنى الإيمانِ على معنًى دونَ معنًى، بل أجْمَل وصفَهم به، مِن غيرِ خُصوصِ شيءٍ مِن مَعانِيه أخْرَجَه من صفتِهم بخبرٍ ولا عقلٍ.
القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِالْغَيْبِ﴾.
قال: بما جاء منه.
يعني مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ ﴿بِالْغَيْبِ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنَّةِ وأمرِ النارِ، وما ذكرَ اللَّهُ ﵎ في القرآنِ، لم يكنْ تصديقُهم بذلك - يعني المؤمنين من العربِ - مِن قِبَلِ [أصلِ كتابٍ] (١) أو عِلْمٍ كان عندَهم (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، قال: الغيبُ القرآنُ (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
قال: آمَنوا بالجنةِ والنارِ والبَعْثِ بعدَ الموتِ وبيومِ القيامةِ، وكلُّ هذا غيبٌ (٤).
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بِنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾: آمَنوا باللَّهِ وملائكتِه ورسلِه واليومِ الآخرِ وجنتِه ونارِه ولقائِه، وآمَنوا بالحياةِ بعدَ الموتِ، فهذا غيبٌ كلُّه (٥).
وأصلُ الغيبِ كلُّ ما غاب عنك مِن شيءٍ، وهو مِن قولِك: غاب فلانٌ يَغِيبُ غَيْبًا.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعيانِ القومِ الذين أنْزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه هاتين الآيتَيْن مِن أولِ هذه السورةِ فيهم، وفي نعتِهم وصفتِهم التي وصَفهم بها مِن إيمانِهم بالغيبِ وسائرِ المعاني التي حوَتْها الآيتان مِن صفاتِهم غيرَه؛ فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصةً، دونَ غيرِهم مِن مؤمني أهلِ الكتابينِ (١).
واستَدَلُّوا على صحةِ (٢) قولِهم ذلك وحقيقةِ تأويلِهم بالآيةِ التي تَتْلُو هاتين الآيتين، وهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قالوا: فلم يَكُنْ للعربِ كتابٌ قبلَ الكتابِ الذي أنْزَله اللَّهُ ﷿ على محمدٍ ﷺ، تَدِينُ بتصديقِه والإقرارِ والعملِ به، وإنما كان الكتابُ لأهلِ الكتابَيْن غيرِها.
قالوا: فلما قصَّ اللَّهُ جلَّ ثناؤه نبأَ الذين يُؤْمِنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ وما أُنْزِل مِن قبلِه، بعدَ اقْتِصاصِه نبأَ المؤمنين بالغيبِ - علِمْنا أن كلَّ صِنْفٍ منهم غيرُ الصنفِ الآخَرِ، وأن المؤْمنين بالغيبِ نوعٌ غيرُ النوعِ المُصَدِّقِ بالكتابَيْن اللذَّيْن أحدُهما مُنَزَّلٌ على محمدٍ ﷺ، والآخرُ منهما على مَن قَبلَه [مِن رسلِ] (٣) اللَّهِ ﷿.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، صحّ ما قلْنا مِن أن تأويلَ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
إنما هو (٤): الذين يُؤْمِنون بما غاب عنهم من الجنةِ والنارِ، والثوابِ والعقابِ، والبعثِ، والتصديقِ باللَّهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، وجميعِ ما كانت العربُ لا تَدِينُ به في جاهليَّتِها، مما (٥) أوْجَب اللَّهُ جلَّ ثناؤُه على عبادِه الدَّيْنُونةَ به، دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: أما "الغيبُ"، فما غاب عن العبادِ مِن أمرِ الجنةِ والنارِ، وما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ، لم يكُنْ تصديقُهم بذلك مِن قِبَلِ أصلِ كتابٍ أو علمٍ كان عندَهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ (١).
وقال بعضُهم: بل نزَلَتْ هذه الآياتُ الأربعُ في مؤمني أهلِ الكتابِ خاصةً؛ لإيمانِهم بالقرآنِ عندَ إخبارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إياهم فيه عن الغُيوبِ التي كانوا يُخْفُونها بينَهم ويُسِرُّونها، فعلِموا عندَ إظهارِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ على ذلك منهم في تنزيلِه أنه مِن عندِ اللَّهِ - جلَّ وعز -، فآمَنوا بالنبيِّ ﷺ، وصدَّقوا بالقرآنِ وما فيه مِن الإخبارِ عن الغيوبِ التي لا عِلْمَ لهم بها؛ لِما استقرَّ عندَهم بالحُجَّةِ التي احْتَجَّ اللَّهُ ﵎ بها عليهم في كتابِه، مِن الإخبارِ فيه عمَّا كانوا يَكْتُمونه مِن ضَمائرِهم - أن جميعَ ذلك مِن عندِ اللَّهِ.
وقال بعضُهم: بل الآياتُ الأربعُ مِن أولِ هذه السورةِ أُنْزِلَت على محمدٍ ﷺ بوصفِ جميعِ المؤمنين الذين ذلك صفتُهم، مِن العربِ، والعجمِ، وأهلِ الكتابَيْن سِواهم، وإنما هذه صفةُ صِنْفٍ مِن الناسِ، والمؤمنُ بما أنْزَل اللَّهُ على محمدٍ ﷺ وما أُنْزِل مِن قبلِه هو المؤمنُ بالغيبِ.
قالوا: وإنما وصَفهم اللَّهُ بالإيمانِ بما أُنْزِل إلى محمدٍ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، بعدَ تقَضِّي وصفِه إياهم بالإيمانِ بالغيبِ؛ لأن وصفَه إياهم بما وصَفهم به مِن الإيمانِ بالغيبِ كان مَعْنِيًّا به أنهم يُؤْمنون بالجنةِ والنارِ والبعثِ وسائرِ الأمورِ التي كلَّفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه الإيمانَ بها (١)، مما لم يَرَوْه ولم يَأْتِ بعدُ مما هو آتٍ، دونَ الإخبارِ عنهم أنهم يُؤْمنون بما جاء به محمدٌ ﷺ ومَن قبلَه مِن الرسلِ ومن (٢) الكتبِ.
قالوا: فلما كان معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
غيرَ موجودٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾.
كانت الحاجةُ مِن العبادِ إلى معرفتِهم صفتَهم بذلك ليَعْرفوهم، نظيرَ حاجتِهم إلى معرفتِهم بالصفةِ التي وُصِفوا بها مِن إيمانِهم بالغيبِ؛ ليَعْلَموا ما يَرْضَى اللَّهُ مِن أفعالِ عبادِه، ويُحِبُّه مِن صفاتِهم، فيَكُونوا به (٣)، إن وفَّقهم له ربُّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرِو بنِ العباسِ (٤) الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ مَيْمونٍ المَكِّيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن سورةِ البقرة في نعتِ المؤمنين، وآيتان (٥) في نعتِ الكافرين، وثلاثَ عشْرةَ في المنافقين (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه (٢).
وحدَّثني [المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ] (٣)، قال: حدَّثنا موسى بنُ مسعودٍ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: أربعُ آياتٍ مِن فاتحةِ هذه السورةِ - يعني سورةَ البقرةِ - في الذين آمنوا، وآيتان (٥) في قادةِ الأحْزابِ (٦).
وأولى القولين عندي بالصوابِ، وأشبهُهما بتأويلِ الكتابِ، القولُ الأولُ، وهو أن الذين وصَفَهم اللَّهُ تعالى ذِكرُه بالإيمانِ بالغيبِ، وما وصَفَهم به جلَّ ثناؤُه في الآيتين الأوَّلَتَيْن (٧)، غيرُ الذين وصَفهم بالإيمانِ بالذي أُنْزِل على محمدٍ والذي أُنْزِل على (٨) مَن قبلَه مِن الرسلِ؛ لما ذكَرْتُ مِن العللِ قبلُ لمن قال ذلك.
ومما يَدُلُّ أيضًا مع ذلك على صحةِ هذا القولِ، أنه جَنَّس - بعدَ وصفِ المؤمنين بالصفتَيْن اللتين وصَف، وبعدَ تَصْنيفِه كلَّ صنفٍ منهما على ما صنَّف الكفارَ - جنسين، فجعَل أحدَهما مطبوعًا على قلبِه، مختومًا عليه، مأْيوسًا مِن إيمانِه، والآخرَ منافقًا يُرائي بإظهارِ الإيمانِ في الظاهرِ، ويَسْتَسِرُّ النفاقَ في الباطنِ، فصيَّر الكفارَ جنسين، كما صيَّر المؤمنين في أولِ السورةِ جنسين، ثم عرَّف عبادَه نعتَ كلِّ صنفٍ منهم وصفتَهم، وما أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم مِن ثوابٍ أو عقابٍ، وذمَّ أهلَ الذمِّ منهم، وشكَر سعْيَ أهلِ الطاعةِ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
وإقامتُها أداؤُها بحدودِها وفروضِها والواجبِ فيها، على مَن فُرِضَت عليه، كما يقالُ: أقام القومُ سُوقَهم.
إذا لم يُعَطِّلوها مِن البيعِ والشراءِ فيها.
وكما قال الشاعرُ (١): أقَمْنا لأهلِ العراقَيْن (٢) سُوقَ الضِّـ … ــرابِ فخاموا (٣) وولَّوْا جميعَا وكما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾.
قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفَرضِها (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قال: إقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ، والتِّلاوةُ، والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (١).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا جُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾: يعني الصلاةَ المفروضةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الصَّلَاةَ﴾.
وأما الصلاةُ في كلامِ العربِ فإنها الدعاءُ، كما قال الأعْشَى (٢): لها حارسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها … وإن ذُبِحَت (٣) صلَّى عليها وزَمْزَما (٤) يعني بذلك: دعا لها.
وكقولِه (٥) الآخرِ أيضًا: وقابَلَها الرِّيحَ في دَنِّها (٦) … وصلَّى على دَنِّها وارْتَسَمْ (٧) وأرَى أن الصلاةَ المفروضةَ سُمِّيَت صلاةً؛ لأن المُصَلِّيَ مُتَعَرِّضٌ لاستنجاحِ (٨) طَلِبتِه مِن ثوابِ اللَّهِ بعملِه، مع ما يَسْألُ ربَّه فيها مِن حاجاتِه، تَعَرُّضَ الداعي بدعائِه ربَّه استنجاحَ حاجاتِه وسُؤْلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.
اخْتَلَف المُفَسِّرون في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زِيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
قال: يُؤْتُون الزكاةَ احتسابًا لها (١).
حدَّثني المُثَنَّى (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
قال: زكاةَ أموالِهم (٣).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
قال: كانت النفقاتُ قُرْبانًا (٤) يَتَقَرَّبون بها إلى اللَّهِ على قدرِ مَيْسورِهم وجُهْدِهم، حتى نزَلَت فرائضُ الصدقاتِ؛ سبعُ آياتٍ في سورةِ "براءة"، مما يُذْكَرُ فيهن الصدقاتُ، هن المُثْبَتاتُ الناسخاتُ (٥).
وقال بعضُهم بما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعنِ مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾: هي نفقةُ الرجلِ على أهلِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الزكاةُ (١).
وأولى التأويلاتِ بالآيةِ وأحقُّها بصفةِ القومِ، أن يَكونوا كانوا لجميعِ اللازمِ لهم في أموالِهم مُؤَدِّين؛ زكاةً كان ذلك أو نفقةَ مَن لزِمته نفقتُه مِن أهلٍ وعِيالٍ وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ عليهم نفقتُه بالقَرابةِ والمِلْكِ وغيرِ ذلك؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناوُه عمَّ وصْفَهم، إذ وصَفهم بالإنفاقِ مما رزَقهم، فمدَحهم بذلك مِن صفتِهم، فكان معلومًا أنهم (٢) إذ لم يَخْصُصْ مدْحَهم ووصْفَهم بنوعٍ مِن النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها دونَ نوعٍ، بخبرٍ ولا غيرِه - أنهم مَوْصوفون بجميعِ معاني النفقاتِ المحمودِ عليها صاحبُها، مِن طيبِ ما رزَقهم ربُّهم مِن أموالِهم وأمْلاكِهم، وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناوُه: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قد مضَى البيانُ عن المَنْعوتِين بهذا النعتِ، وأيُّ أجناسِ الناسِ هم، غيرَ أنَّا نَذْكُرُ ما رُوِي في ذلك عمن رُوِي عنه في تأويلِه قولٌ، فحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
أي: يُصَدِّقونك بما جئتَ به مِن (١) اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -، وبما جاء به مَن قبلَك مِن المُرْسَلِين، لا يُفَرِّقون بينَهم، ولا يَجْحَدون ما جاءوهم به مِن (٢) ربِّهم (٣).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾: هؤلاء المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما الآخرةُ، فإنها صفةٌ للدارِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وإنما وُصِفَت بذلك لمصيرِها آخِرةً لأُولَى كان قبلَها، كما تقولُ للرجلِ: أنْعَمْتُ عليك مرةً بعدَ أخرى، فلم تَشْكُرْ لي الأُولَى ولا الآخرةَ.
وإنما صارت الآخرةُ آخرةً للأولى؛ لتقدُّمِ الأولى أمامَها، فكذلك الدارُ الآخرةُ، سُمِّيَت آخِرةً لتقدُّمِ الدارِ الأولى أمامَها، فصارت التاليةُ (٥) لها آخِرةً.
وقد يَجوزُ أن تكونَ [وُصِفت بأنها] (٦) آخرةً؛ لتأخُّرِها عن الخلقِ، كما سُمِّيَت الدنيا دنيا (١)؛ لدُنُوِّها مِن الخلقِ.
وأما الذي وصَف اللَّهُ جلَّ ثناؤُه به المؤمنين بما أنْزَل إلى (٢) نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما أنْزَل إلى مَن قبلَه مِن المُرْسَلِين - مِن إيقانِهم به مِن أمرِ الآخِرةِ - فهو إيقانُهم بما كان المُشْرِكون به جاحِدِين، مِن البَعْثِ والنشرِ، والثوابِ والعقابِ، والحسابِ والميزانِ، وغيرِ ذلك مما أعَدَّ اللَّهُ لخلقِه يومَ القيامةِ.
كما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
أي: بالبَعْثِ والقِيامةِ، والجنةِ والنارِ، والحسابِ والميزانِ، أي لا هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما كان قبلَك، ويَكْفُرون بما جاءك مِن ربِّك (٣).
وهذا التأويلُ مِن ابنِ عباسٍ قد صرَّح عن أن السورةَ مِن أولِها - وإن كانت الآياتُ التي في أولِها مِن نعتِ المؤمنين - تَعْريضٌ مِن اللَّهِ ﷿ بذمِّ الكفارِ أهلِ الكتابِ، الذين زعَموا أنهم بما جاءَت به رسلُ اللَّهِ ﷿ الذين كانوا قبلَ محمدٍ ﷺ مُصَدِّقون، وهم بمحمدٍ ﷺ مُكَذِّبون، ولِمَا جاء به مِن التنزيلِ جاحدون، ويدَّعون، مع جُحودِهم ذلك، أنهم مُهْتَدون، وأنه لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا مَن كان هُودًا أو نَصارَي، فأكْذَبَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه ذلك مِن قِيلِهم بقولِه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.
وأخْبَر جلَّ ثناؤُه عبادَه أن هذا الكتابَ هُدًى لأهلِ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، المُصَدِّقين بما أُنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن رسلِه مِن البيناتِ والهدى، خاصَّةً دون مَن كذَّب بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، وادَّعى أنه مُصَدِّقٌ بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الرسلِ، وبما جاء به مِن الكتبِ، ثم أكَّد جلَّ ثناؤُه أمرَ المؤمنين مِن العربِ ومِن أهلِ الكتابِ المُصَدِّقين بمحمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إليه وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
فأخْبَر أنهم هم أهلُ الهدى والفلاحِ خاصَّةً دون غيرِهم، وأن غيرَهم هم أهلُ الضلالِ والخَسَارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك أهلَ الصِّفتَيْن المتقدمتَيْن، أعْنِي المؤمنين بالغيبِ مِن العربِ، والمؤمنين بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وإلى مَن قبلَه مِن الرسلِ، وإياهم جميعًا وصَف بأنهم على هُدًى منه، وأنهم هم المُفْلِحون.
ذكْرُ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: أما ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ فهم المؤمنون مِن العربِ، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ المؤمنون مِن أهلِ الكتابِ، ثم جمَع الفريقَيْن، فقال: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١).
وقال بعضُهم: بل عنَى بذلك المتقين الذين يُؤْمِنون بالغيبِ، وهم الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه مِن الرسلِ.
وقال آخرون: بل عنَى بذلك الذين يؤمنون بما أُنْزِل إلى محمدٍ ﷺ وبما أُنْزِل إلى مَن قبلَه، وهم مُؤمنو أهلِ الكتابِ الذين صدَّقوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، وكانوا مؤمنين مِن قبلُ بسائرِ الأنبياء والكتبِ.
وعلى هذا التأويلِ (٢) الآخرِ يَحْتَمِلُ أن يكونَ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في مَحَلِّ خفضٍ، ومَحَلِّ رفعٍ؛ فأما الرفعُ فيه فإنه يَأْتِيها مِن وجهَيْن؛ أحدُهما، مِن قِبَلِ العطفِ على ما في ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ مِن ذِكْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ والثاني، أن يكونَ خبرًا (٣) مبتدأً، ويكونَ ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
مرافعَها.
وأما الخفضُ، فعلى العطفِ على "المُتَّقِينَ" وإذا كانت معطوفةً على ﴿الَّذِينَ﴾ اتَّجَه لها وجهان مِن المعنى؛ أحدُهما، أن تَكونَ هي و ﴿الَّذِينَ﴾ الأولى مِن صفةِ المتقين.
وذلك على تأويلِ مَن رأَى أن الآياتِ الأربعَ بعدَ ﴿الم﴾ نزَلَت في صِنفٍ واحدٍ مِن أصنافِ المؤمنين.
والوجهُ الثاني، أن تكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ معطوفةً في الإعرابِ على "المتَّقين" بمعنى الخفضِ، وهم في المعنى صنفٌ غيرُ الصنفِ الأولِ.
وذلك على مذهبِ مَن رأَى أن الذين نزَلَت فيهم الآيتان الأوَّلتان مِن المؤمنين بعدَ قولِه: ﴿الم﴾.
غيرُ الذين نزَلَت فيهم الآيتان الآخِرتان اللتان تَلِيانِ الأوَّلَتَيْن (١).
وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ ﴿الَّذِينَ﴾ الثانيةُ مرفوعةً في هذا الوجهِ بمعنى الائتنافِ (٢)، إذ كانت مُبْتَدَأً بها بعدَ تَمامِ آيةٍ وانْقِضاءِ قِصَّةٍ.
وقد يَجوزُ الرفعُ فيها أيضًا بنيةِ الائتنافِ (٢)، إذ كانت في مبتدإِ آيةٍ، وإن كانت مِن صفةِ المتقين.
فالرفعُ إذن يَصِحُّ فيها مِن أربعةِ أوجهٍ، والخفضُ مِن وجهين.
وأولَى التأويلاتِ عندي بقولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
ما ذكَرْتُ مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وأن تَكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارةً إلى الفريقَيْن، أعْني المتّقين، و ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وتكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ مرفوعةً بالعائدِ مِن ذكرِهم في قولِه: ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
وأن تكونَ ﴿أُولَئِكَ﴾ الثانيةُ معطوفةً على ما قبلُ مِن الكلامِ، على ما قد بيَّنَّاه.
وإنما رأيْنا أن ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه نعَت الفريقَيْن بنعتِهم المحمودِ، ثم أثْنَى عليهم، فلم يكنْ ﷿ لِيَخُصَّ أحدَ الفريقَيْن بالثناءِ مع تَساوِيهما فيما اسْتَحَقَّا به الثناءَ مِن الصفاتِ، كما غيرُ جائزٍ في عدلِه أن يَتَساوَيا فيما يَسْتَحِقَّان به الجزاءَ مِن الأعمالِ، فيَخُصَّ أحدَهما بالجزاءِ دونَ الآخرِ، ويَحْرِمَ الآخرَ جزاءَ عملِه، فكذلك سبيلُ الثناءِ بالأعمالِ؛ لأن الثناءَ أحدُ أقسامِ الجزاءِ.
وأما معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
فإن معنى ذلك أنهم على نورٍ مِن ربِّهم، وبرهانٍ واستقامةٍ وسَدادٍ، بتسديدِ اللَّهِ إياهم، وتوفيقِه لهم.
كما حدَّثني ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
أي: على نورٍ مِن ربِّهم، واستقامةٍ على ما جاءهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، أيْ: أولئك هم المُنْجِحون المُدْرِكون ما طلَبوا عندَ اللَّهِ تعالى ذكرُه، بأعمالِهم وإيمانِهم باللَّهِ وكتبِه ورسلِه، مِن الفَوْزِ بالثوابِ، والخلودِ في الجنَانِ، والنَّجاةِ مما أعَدَّ اللَّهُ ﵎ لأعدائِه مِن العِقابِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الذين أدْرَكوا ما طلَبوا، ونجَوْا مِن شرِّ ما منه هرَبوا (٢).
ومِن الدلالةِ على أن أحدَ معاني الفلاحِ إدراكُ الطَّلِبةِ والظَّفَرِ بالحاجةِ، قولُ لَبيدِ ابنِ رَبيعةَ (١): اعْقِلِي إن كُنْتِ لمَّا تَعْقِلي … ولقد أفْلَح مَن كان عَقَلْ يعني: ظفِر بحاجتِه وأصاب خيرًا.
ومنه قولُ الراجزِ (٢): عَدِمْتُ أُمًّا ولَدَتْ رياحَا (٣) جاءَتْ به مُفَرْكَحًا فِرْكاحَا (٤) تَحْسبُ أن قد ولَدَت نَجاحَا أَشْهَدُ لا يَزِيدُها فَلَاحَا يعني: خيرًا وقربًا مِن حاجتِها.
والفَلَاحُ مصدرٌ مِن قولِك: أفْلَح فلانٌ يُفْلِحُ إفلاحًا، وفَلاحًا، وفَلَحًا.
والفلاحُ أيضًا البقاءُ.
ومنه قولُ لبيدٍ (٥): نَحُلُّ بلادًا كلُّها حُلَّ قبلَنا … ونَرْجُو الفلاحَ بعدَ عادٍ وحِمْيَرِ يريدُ: البقاءَ.
ومنه أيضًا قولُ عَبيدٍ (٦): أفْلِحْ بما شئتَ فقد يُدْرَكُ (٧) بالضَّعْـ … ــفِ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ يريدُ: عِشْ وابْقَ بما شئتَ.
وكذلك قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٨): وكلٌّ فتًى ستَشْعَبُه شَعُوبٌ (١) … وإن أَثْرَى وإن لاقَى فَلاحَا أي: نجاحًا بحاجتهِ وبقاءً.
القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفي مَن نزَلت؛ فكان ابنُ عباسٍ يقولُ كما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
أَىْ: بما أُنْزِل إليك مِن ربِّك، وإنْ قالوا: إنَّا قد آمنَّا بما (٢) جاءَنا مِن قَبْلِك (٣).
فكان ابنُ عباسٍ يَرى أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في اليهودِ الذين كانوا بنواحِي المدينةِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ؛ توبيخًا لهم في جُحودِهم نبوَّةَ محمدٍ ﷺ، وتكذيبِهم به، مع علمِهم به ومعرفتِهم بأنه رسولُ اللَّهِ إليهم وإلى الناسِ كافَّةً.
وقد حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ صدرَ سورةِ البقرةِ إلى المائةِ منها نزَل في رجالٍ سمَّاهم بأعيانِهم وأنسابِهم مِن أحبارِ يهودَ، ومِن المنافقين مِن الأوسِ والخَزْرَجِ (٤) كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخَرُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، [قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ] (١)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَحْرِصُ على أنْ يؤمنَ جميعُ الناسِ ويتابعوه على الهُدَى، فأخْبَره اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنَّه لا يؤمنُ إلَّا مَن سبَق له مِن اللَّهِ السعادةُ في الذِّكْرِ الأولِ، ولا يَضِلُّ إلَّا مَن سَبق له مِن اللَّهِ الشقاءُ في الذِّكْرِ الأولِ (٢).
وقال آخرون بما حُدِّثتُ به عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: آيتان في قادةِ الأحزابِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال: وهم الذين ذكَرهم اللَّهُ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ [إبراهيم: ٢٨، ٢٩].
قال: فهم الذين قُتِلُوا يومَ بدرٍ (٣).
وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بالآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَره محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عنه، وإن كان لكلِّ قولٍ مما قاله الذين ذكَرنا قولَهم في ذلك مَذْهبٌ.
فأمَّا مَذْهبُ مَن تَأوَّل في ذلك ما قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ، فهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذِكْرُه لما أخْبَر عن قومٍ من أهلِ الكفرِ بأنهم لا يؤمنون، وأنَّ الإنذارَ غيرُ نافعِهم، ثم كان مِن الكفارِ مَن قد نفَعه اللَّهُ بإنذارِ النبيِّ ﷺ إيَّاه؛ لإيمانِه باللَّهِ وبالنبيِّ ﷺ وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ بعدَ نزولِ هذه السورةِ، لم يَجُزْ أن تكونَ الآيةُ نزَلَت إلَّا في خاصٍّ مِن الكفارِ، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت قادةُ الأحزابِ لا شكَّ أنهم ممن لم يَنْفَعْه اللَّهُ ﷿ بإنذارِ النبيِّ ﷺ إيَّاه، حتى قتَلهم اللَّهُ ﵎ بأيدي المؤمنين يومَ بدرٍ، عُلِم أنهم ممن عَنى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ.
وأمَّا عِلَّتُنا في اختيارِنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ في ذلك، فهي أن قولَ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
عَقِيبَ خبرِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن مؤمني أهلِ الكتابِ، وعَقِيبَ نعتِهم وصفتِهم، وثنائِه عليهم بإيمانِهم به، وبكتبِه ورسلِه، فأَوْلَى الأمورِ بحكمةِ اللَّهِ أن يُتْلِيَ ذلك الخبرَ عن كُفَّارِهم ونعوتِهم، وذمَّ أسبابِهم وأحوالِهم، وإظهارَ شتمِهم، والبراءةَ منهم؛ لأنَّ مؤمنيهم ومشركيهم وإن اخْتَلَفت أحوالُهم باختلافِ أديانِهم، فإنَّ الجنسَ يَجْمَعُ جميعَهم بأنهم بنو إسرائيلَ.
وإنما احتجَّ اللَّه جَلَّ ثناؤُه بأولِ هذه السورةِ لنبيِّه ﷺ على مشركي اليهودِ مِن أحبارِ بني إسرائيلَ الذين كانوا مع علمِهم بنبوَّتِه مُنْكِرين نبوَّتَه، بإظهارِ نبيِّه ﷺ على ما كانت تُسِرُّه الأحبارُ (١) منهم وتَكْتُمُه، فيَجْهَلُه عُظْمُ اليهودِ وتَعْلَمُه الأحبارُ منهم؛ ليَعْلَموا أن الذي أطْلَعه على علمِ ذلك هو الذي أَنْزَل الكتابَ على موسى عليه السلامُ؛ إذ كان ذلك مِن الأمورِ التي لم يكنْ محمدٌ ﷺ ولا قومُه ولا عشيرتُه يَعْلَمونه، ولا يَعْرِفونه مِن قبلِ نزولِ الفرقانِ على محمدٍ ﷺ، فيُمْكِنَهم ادعاءُ اللَّبْسِ في أمرِه ﷺ أنَّه نبيٌّ، وأن ما جاء به فمِن عندِ اللَّهِ.
وأَنَّى يُمْكِنُهم ادعاءُ اللَّبْسِ في صدقِ أُمِّيٍّ نشَأ بيْن أُمِّيِّين، لا يَكْتُبُ، ولا يَقْرأُ، ولا يَحْسُبُ، فيقال: قرَأ الكتبَ فعلِم.
أو: حسَب فنَجَّم؟
[انْبَعث على أحبارٍ قَرَأَةٍ كَتَبَةٍ] (١)، قد درَسوا الكتبَ، ورأَسوا الأممَ، يُخْبِرُهم عن مستورِ عيوبِهم، ومَصونِ علومِهم، ومكتومِ أخبارِهم، وخَفِيّات أمورِهم التي جهِلها مَن هو دونَهم مِن أحبارِهم.
إن أمْرَ مَن كان كذلك لغيرُ مُشْكِلٍ، وإنَّ صِدقَه، والحمدُ للَّهِ، لَبيِّنٌ.
ومما يُنْبئُ عن صحَّةِ ما قلنا - من أنَّ الذين عَنى اللَّهُ تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
هم أحبارُ اليهودِ الذين قُتِلوا على الكفرِ وماتوا عليه - اقتصاصُ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه نبأَهم، وتذكيرُه (٢) إيَّاهم ما أخَذ عليهم مِن العهودِ والمواثيقِ في أمرِ محمدٍ ﷺ بعدَ اقتصاصِه تعالى ذِكْرُه ما اقْتَصَّ مِن أمرِ المنافقين، واعتراضِه بينَ (٣) ذلك بما (٤) اعْتَرض به مِن الخبرِ عن إبليسَ وآدمَ في قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] الآيات.
واحتجاجُه لنبيِّه عليهم [بما احْتَجَّ به عليهم] (٥) فيها عندَ (٦) جُحودِهم نبوَّتَه.
فإذ كان الخبرُ أولًا عن مؤمني أهلِ الكتابِ، وآخرًا عن مشركيهم، فأَوْلَى أن يكونَ وَسَطًا عنهم، [إذ كان الكلامُ بعضُه لبعضٍ تَبَعٌ، إلا أنْ تأْتيَ (١)] (٢) دَلالةٌ واضحةٌ بعدولِ بعضِ ذلك عما ابْتَدَأ به مِن معانيه، فيكونَ معروفًا حينَئذٍ انصرافُه عنه.
وأما معنى الكفرِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فإنه الجُحودُ، وذلك أن الأحبارَ مِن يهودِ المدينةِ جحَدوا نبوَّةَ محمدٍ ﷺ، وستَروه عن الناسِ، وكتَموا أمرَه، وهم يَعْرِفونه كما يَعْرِفون أبناءَهم.
وأصلُ الكفرِ عندَ العربِ تغطيةُ الشيءِ، ولذلك سَمَّوُا الليلَ كافرًا؛ لتغطيةِ ظُلْمتِه ما لبِسَته، كما قال الشاعر (٣): فتَذَكَّرَا ثَقَلًا (٤) رَثيدًا (٥) بَعْدَما … ألْقَتْ ذُكاءُ (٦) يَمينَها في كافِرِ وكما قال لَبِيدُ بنُ ربيعةَ (٧): * في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها * يعني: غَطَّاها.
فكذلك الأحبارُ مِن اليهودِ، غطَّوا أمرَ محمدٍ ﷺ وكتَموه الناسَ، مع علمِهم بنبوَّتِه ووجودِهم صفتَه في كتبِهم، فقال اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وهم الذين أَنْزَل اللَّه ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.
وتأويلُ ﴿سَوَاءٌ﴾: معتدلٌ.
مأخوذٌ مِن التَّساوي، كقولِك: مُتساوٍ هذان الأمران عندِي، وهما عندي سواءٌ.
أي: هما متعادلان عندي.
ومنه قولُ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨].
يعني بذلك (١): أعْلِمْهم وآذِنْهم بالحربِ، حتى يَسْتويَ [علمُك وعلمُهم] (٢) بما عليه كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ.
فكذلك قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾: معتدلٌ عندهم أيُّ الأمرين كان منك إليهم، الإنذارُ أم تركُ الإنذارِ؛ لأنهم لا يؤْمِنون، وقد خَتَمْتُ على قلوبِهم وسمعِهم.
ومِن ذلك قولُ عبدِ اللَّهِ (٣) بنِ قيسِ الرُّقَيَّاتِ (٤): تقَدَّت (٥) بِيَ الشَّهْباءُ (٦) نَحْوَ ابْنِ جَعْفَرٍ … سَوَاءٌ عَلَيْها لَيْلُها ونَهَارُها يعني بذلك: معتدلٌ عندَها في السيرِ الليلُ والنهارُ؛ لأنه لا فُتورَ فيه.
ومنه قولُ الآخرِ (٧): وَلَيْلٍ يقولُ المَرْءُ مِن ظُلُماتِه … سَواءٌ صَحِيحاتُ (١) العُيُونِ وعُورُها لأن الصحيحَ لا يُبْصِرُ فيه إلا بَصَرًا ضعيفًا مِن ظُلْمتِه.
وأمَّا قولُه: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
فإنه ظهَر به الكلامُ ظهورَ الاستفهامِ وهو خبرٌ؛ لأنه وقَع مَوْقِعَ "أيّ"، كما تقولُ: ما نُبالي أقُمْتَ أم قَعَدْتَ.
وأنت مخبرٌ لا مستفهمٌ؛ لوقوعِ ذلك موقعَ "أَيّ"، وذلك أن معناه إذا قلتَ ذلك: ما نبالي أيُّ هذين كان منك.
فكذلك ذلك في قولِه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾.
لما كان معنى الكلامِ: سواءٌ عليهم أيُّ هذين كان منك إليهم.
حسُن في موضعِه مع ﴿سَوَاءٌ﴾: أفعَلْتَ أَم لم تَفْعَلْ.
وقد كان بعضُ نحوِيِّي أهلِ البصرةِ يَزْعُمُ أن حرفَ الاستفهامِ إنما دخَل مع ﴿سَوَاءٌ﴾ وليس باستفهامٍ؛ لأن المُسْتَفهِمَ إذا اسْتَفْهَم غيرَه فقال: أزيدٌ عندَك أَمْ (٢) عمرٌو؟
مستثبِتٌ صاحبَه أيُّهما عندَه، فليس أحدُهما أحقَّ بالاستفهامِ مِن الآخرِ.
فلما كان قولُه: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾.
بمعنى التسويةِ، أشْبهَ ذلك الاستفهامَ، إذ أشْبَهه في التسويةِ.
وقد بيَّنَّا الصوابَ في ذلك.
فتأويلُ الكلامِ إذن: معتدلٌ يا محمدُ على هؤلاء الذين جحَدوا نبوَّتَك مِن أحبارِ يهودِ المدينةِ بعدَ علمِهم بها، وكتَموا بيانَ أمرِك للناسِ بأنك رسولي إلى خلقي، وقد أخذتُ عليهم العهدَ والميثاقَ ألا يَكْتُموا ذلك، وأن يبيِّنوه للناسِ، ويُخْبِروهم أنهم يجِدون صفتَك في كتبِهم - أأَنْذَرتَهم أم لم تُنْذِرْهم فإنهم لا يؤمنون، ولا يَرْجِعون إلى الحقِّ، ولا يُصَدِّقون بك وبما جئتَهم به.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مَوْلَى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ أنهم قد كفَروا بما عندَهم (١) مِن ذِكْرٍ، وجحَدوا ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ لك، فقد كفَروا بما جاءك، وبما عندَهم مما جاءهم به غيرُك، فكيف يَسْمَعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفَروا بما عندَهم مِن علمِك (٢)؟
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الخَتْمِ الطَّبْعُ.
والخاتَمُ هو الطَّابَعُ.
يقالُ منه: خَتَمْتُ الكتابَ.
إذا طَبَعْتَه.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَخْتِمُ على القلوبِ، وإنما الختمُ طبعٌ على الأوعيةِ والظروفِ والغُلُفِ (٣)؟
قيل: فإن قلوبَ العبادِ أوعيةٌ لما أُودِعت مِن العلومِ، وظروفٌ لما جُعِل فيها مِن المعارفِ بالأمورِ (٤).
فمعنى الختمِ عليها وعلى الأسماعِ التي بها تُدْرَكُ المسموعاتُ، ومِن قِبَلِها يُوصَلُ إلى معرفةِ حقائقِ الأنباءِ عن المغيَّباتِ - نظيرُ معنى الختمِ على سائرِ الأوعيةِ والظروفِ.
فإن قال: فهل لذلك مِن صفةٍ تصِفُها لنا فنفْهَمَها أهي مثلُ الختمِ الذي يُعْرَفُ (٥) لما ظهَر للأبصارِ، أم هي بخلافِ ذلك؟
قيل: قد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ ذلك، وسنُخْبِرُ بصفتِه بعدَ ذكرِنا قولَهم؛ فحدَّثني عيسى بنُ عثمانَ بنِ عيسى الرَّمْليُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عيسى، عن الأعمشِ، قال: أرانا مجاهدٌ بيدِه، فقال: كانوا يُرَوْن أن القلبَ في مثلِ هذا - يعني الكفَّ - فإذا أذْنَب العبدُ ذنبًا ضُمَّ منه - وقال بإصْبَعِه الخِنْصَرِ هكذا - فإذا أذْنَب ضُمَّ - وقال بإصْبَعٍ أخرى - فإذا أذنَب ضُمَّ - وقال بإصبَعٍ أخرى هكذا - حتى ضَمَّ أصابعَه كلَّها.
قال: ثم يُطْبَعُ عليه بطابَعٍ.
قال مجاهدٌ: وكانوا يُرَوْن أن ذلك الرَّيْنُ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ، قال: القلبُ مثلُ الكفِّ، فإذا أذْنَب ذنبًا قبَض إصْبَعًا حتى يَقْبِضَ أصابعَه كلَّها، وكان أصحابُنا يُرَوْن أنه الرانُ.
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: نُبِّئت أن الذنوبَ على القلبِ تَحُفُّ به مِن نواحيه حتى تلتقيَ عليه، فالتقاؤُها عليه الطبعُ، والطبعُ الختمُ.
قال ابنُ جُريجٍ: الختمُ، الختمُ على القلبِ والسمعِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: الرانُ أيسرُ مِن الطبعِ، والطبعُ أيسرُ مِن الأقفالِ، والأقفالُ أشدُّ ذلك كلِّه (٢).
وقال بعضُهم: إنما معنى قولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
إخبارٌ مِن اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عن تكبرِهم وإعراضِهم عن الاستماعِ لِما دُعوا إليه مِن الحقِّ، كما يقالُ: إن فلانًا لأصمُّ عن هذا الكلامِ.
إذا امْتَنَع مِن سماعِه، ورفَع نفسَه عن تفهُّمِه تكبرًا.
والحقُّ في ذلك عندي ما صحَّ بنظيرِه الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشارٍ، قال: حدثَّنا صفوانُ بنُ عيسى، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن القَعْقاعِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إنَّ المؤْمنَ إذا أذْنَب ذَنْبًا كانت نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ في قلبِه، فإنْ تاب ونزَع واسْتَغفر صُقِل (١) قلبُه، فإنْ زاد زادت حتى تُغْلِقَ (٢) قلبَه، فذلك الرَّانُ الذي قال اللَّهُ جَلَّ ثَناؤُه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
فأخْبَر ﷺ أن الذنوبَ إذا تَتابعت على القلوبِ أغْلَقَتْها (٣)، وإذا أغْلَقَتْها (٣) أتاها حينَئذٍ الختمُ مِن قِبَلِ اللَّهِ ﷿ والطبعُ، فلا يكونُ للإيمانِ إليها مسلكٌ، ولا للكفرِ منها مَخْلَصٌ، فذلك هو الطبعُ.
والختمُ الذي ذكَره اللَّهُ ﵎ في قولِه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
نظيرُ الطبعِ والختمِ على ما تُدْرِكُه الأبصارُ مِن الأوعيةِ والظروفِ التي لا يُوصلُ إلى ما فيها إلا بفضِّ ذلك عنها ثم حَلِّها، فكذلك لا يصلُ الإيمانُ إلى قلوبِ مَن وصَف اللَّهُ أنه ختَم على قلوبِهم إلا بعدَ فضِّه خاتَمَه، وحَلِّه رِباطَه عنها.
ويقالُ لقائلي القولِ الثاني، الزاعمِين أن معنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
هو وصفُهم بالاستكبارِ والإعراضِ عن الذي دُعوا إليه مِن الإقرارِ بالحقِّ تكبُّرًا: أخْبِرونا عن استكبارِ الذين وصَفهم اللَّهُ جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ، وإعراضِهم عن الإقرارِ بما دُعوا إليه مِن الإيمانِ وسائرِ المعاني اللواحقِ به، أفعلٌ منهم أم فعلٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بهم (١)؟
فإن زعَموا أن ذلك فعلٌ منهم - وذلك قولُهم - قيل لهم: فإن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قد أخْبَر أنه هو الذي ختَم على قلوبِهم وسمعِهم، وكيف يجوزُ أن يكونَ إعراضُ الكافرِ عن الإيمانِ، وتكبُّرُه عن الإقرارِ به، وهو فعلُه عندَكم، ختمًا مِن اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، وختمُه على قلبِه وسمعِه فعلُ اللَّهِ (٢) جَل ذكرُه دونَ فعلِ الكافرِ.
فإن زعَموا أن ذلك جاز (٣) أن يكونَ كذلك لأن تكبُّرَه وإعراضَه كانا عن ختمِ اللَّهِ على قلبِه وسمعِه، فلما كان الختمُ سببًا لذلك جاز أن يُسَمَّى مسبِّبُه به - ترَكوا قولَهم، وأوْجَبوا أن الختمَ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه على قلوبِ الكفارِ وأسماعِهم معنًى غيرُ كفرِ الكافرِ، وغيرُ تكبُّرِه وإعراضِه عن قَبولِ الإيمانِ والإقرارِ به، وذلك الدخولُ (٤) فيما أنْكَروه.
وهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ (٥) على فسادِ قولِ المنكرين تكليفَ ما لا يُطاقُ إلا بمعونةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه؛ لأَنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعز - أخْبَر أنه ختَم على قلوبِ صِنْفٍ مِن كفارِ عبادِه وأسماعِهم، ثم لم يُسْقِطِ التكليفَ عنهم، ولم يَضَعْ عن أحدٍ منهم فرائضَه، ولم يُعْذِرْه في شيءٍ مما كان منه مِن خلافِ طاعتِه بسببِ ما فعَل به مِن الختمِ والطبعِ على قلبِه وسمعِه، بل أخْبَر أن لجميعِهم منه عذابًا عظيمًا على تركِهم طاعتَه فيما أمَرهم به ونهاهم عنه من حدودِه وفرائضِه، مع حَتْمِه القضاءَ عليهم مع ذلك أنهم (١) لا يؤمنون.
القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.
خبرٌ مبتدأٌ بعدَ تمامِ الخبرِ عمَّا ختَم اللَّهُ عليه مِن جوارحِ الكفارِ الذين مَضَت قصصُهم، وذلك أَنَّ ﴿غِشَاوَةٌ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾.
فذلك دليلٌ على أنه خبرٌ مبتدأٌ، وأن قولَه: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
قد تناهَى عندَ قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
وذلك هو القراءةُ الصحيحةُ عندَنا لمَعْنَيين: أحدُهما: اتفاقُ الحُجَّةِ مِن القرأَةِ والعلماءِ على الشهادةِ بتصحيحِها، وانفرادُ المخالفِ لهم في ذلك، وشذوذُه عمَّا هم على تَخطئتِه مجمِعون، وكفَى بإجماعِ الحُجَّةِ على تَخطئةِ قراءةٍ (٢) شاهدًا على خطئِها.
والثاني: أن الختمَ غيرُ موصوفةٍ به العيونُ في شيءٍ مِن كتابِ اللَّهِ (٣)، ولا في خبرٍ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا موجودٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، وقد قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه في سورةٍ أخْرى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾.
ثم قال: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣].
فلم يُدْخِلِ البَصَرَ في معنى الختمِ، وذلك هو المعروفُ في (٤) كلامِ العربِ، فلم يَجُزْ لنا ولا لأحدٍ مِن الناسِ القراءةُ بنصبِ الغِشاوةِ (٥)؛ لِما وصفتُ مِن العِلَّتين اللتين ذكَرْتُ، وإن كان لنصبِها مَخْرَجٌ معروفٌ في العربيةِ.
وبما قلنا في ذلك من القولِ والتأويلِ رُوي الخبَرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي الحسينُ بنُ الحسنِ، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾: والغِشاوةُ على أبصارِهم (١).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ مَخْرَجِ النَّصْبِ فيها؟
قيل له: [أن تَنْصِبَها] (٢) بإضمارِ "جعَل"، كأنه قال: وجعَل على أبصارِهم غشاوةً.
ثم أسْقَط "جعَل"، إذ كان في أولِ الكلامِ ما يدلُّ عليه.
وقد يَحْتَمِلُ نصبُها على إتباعِها موضعَ السمعِ، إذ كان مَوضِعُه نصبًا، وإن لم يكنْ حسَنًا إعادةُ العاملِ فيه على ﴿غِشَاوَةٌ﴾ ولكنْ على إتباعِ الكلامِ بعضِه بعضًا، كما قال: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾.
ثم قال: (وفاكهةٍ ممّا يتخيرون * ولحمِ طيرٍ ممّا يشتهون * [وَحُورٍ عِينٍ] (٣)) [الواقعة: ١٧ - ٢٢].
فخفَض اللحمَ والحورَ العينَ (٤) على العطفِ به على الفاكهةِ؛ إتباعًا لآخرِ الكلامِ أوَّلَه.
ومعلومٌ أن اللحمَ لا يُطافُ به ولا بالحورِ العينِ (٤)، ولكن ذلك (٥) كما قال الشاعرُ يصفُ فرسَه (٦): عَلَفْتُها تِبْنًا وَماءً بارِدًا … حتَّى شَتَتْ (١) هَمَّالَةً (٢) عَيْناها ومعلومٌ أن الماءَ يُشْرَبُ ولا يُعْلَفُ (٣)، ولكنه نصَب ذلك على ما وصفتُ قبلُ.
وكما قال الآخرُ (٤): ورَأيْتُ زَوْجَك في الوَغَى … مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحا وكان ابنُ جُريجٍ يقولُ في انتهاءِ الخبرِ عن الختمِ إلى قولِه: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وابتداءِ الخبرِ بعدَه - بمثلِ الذي قلنا فيه، ويتأوَّلُ فيه من كتابِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: الختمُ على القلبِ والسمعِ، والغشاوةُ على البصرِ، قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
وقال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ (٥).
والغشاوةُ في كلامِ العربِ الغطاءُ، ومنه قولُ الحارثِ بنِ خالدِ بنِ العاصِ (٦): تَبِعْتُكَ (٧) إذْ عَيْنِي عليه غِشاوَةٌ … فلمَّا انْجلتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي ألُومُها ومنه يقالُ: تغشَّاني (١) الهمُّ.
إذا تجلَّله وركِبه.
ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٢): هَلَّا سألْتِ بَنِي ذُبْيانَ ما حَسَبي … إذَا الدُّخَانُ تَغَشَّى الأَشْمَطَ البَرَما (٣) يعني بذلك (٤): تجلَّله وخالَطه.
وإنما أخْبَر اللَّهُ تعالى ذِكْرُه نبيَّه ﷺ عن الذين كفَروا به مِن أحبارِ اليهودِ، أنه قد ختَم على قلوبِهم وطبَع عليها، فلا يَعْقِلون للَّهِ موعظةً وعظَهم بها، فيما آتاهم مِن علمِ ما عندَهم مِن كتبِه، وفيما حدَّد في كتابِه الذي أوْحاه وأنْزَله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، وعلى سمعِهم، فلا يَسْمَعون مِن محمدٍ نبيِّ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا ولا تذكيرًا، ولا حُجةً أقامها عليهم بنبوَّتِه، فيتذكَّروا ويحذَروا عقابَ اللَّهِ في تكذيبِهم إيَّاه، مع علمِهم بصدقِه وصحَّةِ أمرِه.
وأعْلَمه مع ذلك أن على أبصارِهم غِشاوةً عن (٥) أن يُبْصِروا سبيلَ الهُدَى، فيَعْلَموا قَبيحَ (٦) ما هم عليه من الضلالةِ والرَّدَى.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.
أي: عن الهُدَى أن يُصيبوه أبدًا [بغيرِ ما] (٧) كذَّبوك به مِن الحقِّ الذي جاءك مِن ربِّك، حتى يؤمنوا به، وإن آمنوا بكلِّ ما كان قبلَك (١).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾.
يقولُ: فلا يَعْقِلون ولا يَسْمَعون.
ويقولُ: وجعَل على أبصارِهم غِشاوةً.
يقولُ: على أعينِهم فلا يُبْصِرون (٢).
وأما آخرون، فإنهم كانوا يتأوَّلون أنَّ الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم مِن الكفارِ أنه فعَل ذلك بهم هم قادةُ الأحزابِ الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: هاتان الآيتان إلى قولِه (٣): ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ هم ﴿لَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨].
وهم الذين قُتِلوا يومَ بدرٍ، فلم يَدْخُلْ مِن القادةِ أحدٌ في الإسلامِ إلا رجلان؛ أبو سفيانَ، والحَكَمُ بنُ أبي العاصِ (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ ابنِ أنسٍ، عن الحسنِ، قال: أما القادةُ فليس فيهم نجيبٌ (١)، ولا ناجٍ، ولا مهتدٍ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى على أَوْلى هذين التأويلين بالصوابِ فكرِهنا إعادتَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.
وتأويلُ ذلك عندي كما قاله ابنُ عباسٍ وتأوَّله.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ولهم بما هم عليه مِن خلافِك عذابٌ عظيمٌ.
قال: فهذا في الأحبارِ مِن يهودَ فيما كذَّبوك به مِن الحقِّ الذي جاءك مِن ربِّك بعدَ معرفتِهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ فإنَّ في (٣) ﴿النَّاسِ﴾ وجهين؛ أحدُهما: أن يكونَ جمعًا لا واحدَ له مِن لفظِه، وإنما واحدُهم (٤) إنسانٌ وواحدتُهم (٥) إنسانةٌ.
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ أصلُه "أُناسٌ"، أُسْقِطت (٦) الهمزةُ منها لكثرةِ الكلامِ بها، ثم (٧) دَخَلَتها الألفُ واللامُ المعرِّفتان، فأُدْغِمت (٨) اللامُ التي دخَلت مع الألفِ فيها للتعريفِ في النونِ، كما قيل في (١): ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨].
على ما قد بيَّنّا في اسمِ اللَّهِ الذي هو اللَّهُ (٢).
وقد زعَم بعضُهم أنَّ "الناسَ" لغةٌ غيرُ "أُناسٍ"، وأنه سمِع العربَ تُصَغِّرُه "نُوَيْسٌ" مِن الناسِ، وأن الأصلَ لو كان "أُناسٌ" لقيل في التصغيرِ: "أُنَيْسٌ".
فرُدَّ إلى أصلِه.
قال أبو جعفرٍ: وأجْمَع جميعُ أهلِ التأويلِ على أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ النفاقِ، وأن هذه الصفةَ صفتُهم.
ذكرُ بعضِ (٣) مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ بأسمائِهم حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: يعني المنافقين مِن الأوْسِ والخَزْرَجِ ومَن كان على أمرِهم (٤).
وقد سُمِّي في حديثِ ابنِ عباسٍ هذا أسماؤُهم (٥)، غيرَ أني ترَكْتُ تسميتَهم كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذكرِهم.
حدَّثنا الحسنُ (٦) بنُ يحيى، قال: أنبأنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أنبأنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
حتى بلَغ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
قال: هذه في المنافقين (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هذه الآيةُ إلى ثلاثَ عَشْرةَ في نعتِ المنافقين (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن (٤) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: هم المنافقون (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
قال: هؤلاء أهلُ النفاقِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ قال: هذا المنافقُ، يخالفُ قولُه فعلَه، وسرُّه علانيتَه، ومَدْخَلُه مَخْرَجَه، ومَشْهَدُه مَغِيبَه (٢).
وتأويلُ ذلك أن اللَّهَ ﵎ لما جمَع لرسولِه محمدٍ ﷺ أمرَه في دارِ هجرتِه، واسْتَقرَّ بها قرارُه، وأظْهَر اللَّهُ بها كلِمتَه، وفشا في دُورِ أهلِها الإسلامُ، وقهَر بها المسلمون مَن فيها مِن أهلِ الشركِ مِن عَبَدةِ الأوْثانِ، وذلَّ بها مَن فيها مِن أهلِ الكتابِ - أظْهَر أحبارُ يهودِها لرسولِ اللَّهِ ﷺ الضَّغائنَ، وأبْدَوا له العداوةَ والشنآنَ (٣)، حسدًا وبَغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم اللَّهُ للإسلامِ فأسْلَموا، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وطابَقهم سرًّا على معاداةِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه وبغيِهم الغوائلَ (٤) - قومٌ مِن أراهطِ (٥) الأنصارِ الذين آوَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ونصَروه، كانوا (٦) قد عَسَوا (٧) في شركِهم وجاهليَّتِهم قد سُمُّوا لنا بأسمائِهم، كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِ أسمائِهم وأنسابِهم، وظاهَروهم على ذلك في خَفاءٍ غيرِ جِهارٍ؛ حِذارَ القتلِ على أنفسِهم والسِّباءِ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ وأصحابِه، وركونًا إلى اليهودِ، لما هم عليه من الشركِ وسوءِ البصيرةِ بالإسلامِ.
فكانوا إذا لَقُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ وأهلَ الإيمانِ به مِن أصحابِه، قالوا لهم حِذارًا على أنفسِهم: إنَّا مؤمنون باللَّهِ وبرسولِه وبالبعثِ.
وأعَطَوهم بألسنتِهم كلمةَ الحقِّ ليَدْرءوا عن أنفسِهم حكمَ اللَّهِ في من اعْتَقد ما هم عليه مقيمون من الشركِ، لو أَظْهروا بألسنتِهم ما هم معتقدوه مِن شركِهم، وإذا لَقُوا إخوانَهم مِن اليهودِ وأهلِ الشركِ والتكذيبِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، فخَلَوا بهم: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
فإيَّاهم عَنى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
يعني بقولِه تعالى خبرًا عنهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾: صدَّقنا (١) باللَّهِ.
وقد دلَّلنا على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ (٢).
وقولُه: ﴿وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعني بالبعثِ يومَ القيامةِ، وإنما سُمِّي يومُ القيامةِ اليومَ الآخرَ؛ لأنه آخرُ يومٍ، لا يومَ بعدَه سواه.
فإن قال قائلٌ: وكيف لا يكونُ بعدَه يومٌ، ولا انقطاعَ للآخرةِ ولا فناءَ ولا زوالَ؟
قيل: إن اليومَ عندَ العربِ إنما يُسَمَّى يومًا بليلتِه التي قبلَه، فإذا لم يتقدَّمِ النهارَ ليلٌ لم يُسَمَّ يومًا.
فيومُ القيامةِ يومٌ لا ليلَ (٣) بعدَه، سوى الليلةِ التي قامت في صبيحتِها القيامةُ، فذلك اليومُ هو آخرُ الأيامِ، ولذلك سمَّاه اللَّهُ جلَّ ثناؤُه اليومَ الآخِرَ، ونعَته بالعُقْمِ (١)، ووصَفه بأنه يومٌ عقيمٌ (٢)؛ لأنه لا ليلَ بعدَه.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
ونفيُه عنهم جلّ ذكرُه اسمَ الإيمانِ، وقد أخْبَر عنهم أنهم قد قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فإن ذلك مِن اللَّه جلَّ ذكرُه تكذيبٌ لهم فيما أخْبروا عن اعتقادِهم مِن الإيمانِ بقُلوبِهم (٣)، والإقرارِ بالبعثِ، وإعلامٌ منه نبيَّه ﷺ أن الذي يُبْدُونه له بأفواهِهم خلافُ ما في ضمائرِ قلوبِهم، وضِدُّ ما في عزائمِ نفوسِهم.
وفي هذه الآيةِ دلالةٌ واضحةٌ على بُطولِ ما زعَمَته الجَهْميَّةُ (٤) أن الإيمانَ هو التصديقُ بالقولِ دونَ سائرِ المعاني غيرِه، وقد أخْبَر اللَّهُ جلَّ ذكرُه عن الذين ذكَرهم في كتابه من أهلِ النفاقِ أنهم قالوا بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ثم نفَى عنهم أن يكونوا مؤمنين، إذ كان اعتقادُهم غيرَ مُصدِّقٍ قِيلَهم ذلك.
وقولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
يعني: بمصدِّقين بما (٥) يَزْعُمون أنهم به مُصدِّقون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وخداعُ المنافقِ ربَّه والمؤمنين إظهارُه بلسانِه مِن القولِ والتصديقِ خلافَ الذي في قلبِه مِن الشكِّ والتكذيبِ؛ ليَدْرأَ عن نفسِه بما أظْهَر بلسانِه حكمَ اللَّهِ اللازمَ من كان بمثلِ حالِه مِن التكذيبِ، لو لم يُظْهِرْ بلسانِه ما أظْهَر مِن التصديقِ والإقرارِ - مِن القتلِ والسِّباءِ، فذلك خِداعُه ربَّه وأهلَ الإيمانِ باللَّهِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ المنافقُ للَّهِ وللمؤمنين مخادِعًا، وهو لا يُظْهِرُ بلسانِه خلافَ ما هو له معتقدٌ إلا تَقِيَّةً؟
قيل: لا تَمْتَنِعُ العربُ (١) أن تُسَمِّيَ مَن أعْطَى بلسانِه غيرَ (٢) الذي هو في ضميرِه تَقِيَّةً - لينجوَ مما هو له خائفٌ، فنجا بذلك مما خافه - مخادِعًا لمن تَخَلَّص منه بالذي أظْهَر له مِن التقِيَّةِ، فكذلك المنافقُ، سُمِّي مخادعًا للَّهِ - جلّ وعزّ - وللمؤمنين، بإظهارِه ما أظْهَر بلسانِه تَقيَّةً، مما تَخَلَّص به مِن القتلِ والسِّباءِ في (٣) العاجلِ، وهو لغيرِ ما أظْهَر مستبطِنٌ، وذلك من فعلِه وإن كان خِداعًا للمؤمنين في عاجلِ الدنيا، فهو لنفسِه بذلك مِن فعلِه خادعٌ؛ لأنه يُظْهِرُ لها بفعلِه ذلك بها أنه يُعْطِيها أمنيَّتَها، ويُسْقِيها كأسَ سرورِها، وهو (٤) مُوردُها به حياضَ عَطَبِها، ومُجَرِّعُها به كأسَ عذابِها، ومُذيقُها (٥) مِن غضبِ اللَّهِ وأليمِ عقابِه ما لا قِبَلَ لها به، فذلك خديعتُه نفسَه، ظنًّا منه - مع إساءتِه إليها في أمرِ مَعادِها - أنه إليها مُحْسِنٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (٦) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.
إعلامًا منه عبادَه المؤمنين أن المنافقين بإساءتِهم إلى أنفسِهم، و (١) إسخاطِهم عليهم (٢) ربَّهم، بكفرِهم وشكِّهم وتكذيبِهم، غيرُ شاعرين ولا دارِين، ولكنهم على عَمْياءَ مِن أمرِهم مُقيمون.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك كان ابنُ زيدٍ يقولُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ عبدَ الرحمنِ بنَ زيدٍ عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هؤلاء المنافقون يُخادِعون اللَّهَ ورسولَه والذين آمنوا، أنهم مؤمنون بما أظْهَروا (٣).
وهذه الآيةُ مِن أوضحِ الدليلِ على تكذيبِ اللَّهِ قولَ (٤) الزاعِمِين أن اللَّهَ لا يُعذِّبُ مِن عبادِه إلا مَن كفَر به عنادًا، بعدَ علمِه بوحدانيتِه، وبعدَ تقرُّرِ صحةِ ما عانَد ربَّه عليه مِن توحيدِه، والإقرارِ بكتبِه ورسلِه عندَه (٥)؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عن الذين وصَفهم بما وصَفهم به مِن النفاقِ، وخداعِهم إيَّاه والمؤمنين، أنهم لا يَشْعُرون أنهم مُبْطِلون فيما هم عليه مِن الباطلِ مُقِيمون، وأنهم بخداعِهم الذي يَحْسَبون أنهم به يُخادِعون ربَّهم وأهلَ الإيمانِ به - مخدوعون.
ثم أخْبَر جلّ ذكرُه أن لهم عذابًا أليمًا بتكذيبِهم (٦) بما كانوا يكذِّبون مِن نبوةِ نبيِّه ﷺ، واعتقادِ الكفرِ به، وبما كانوا يَكْذِبون في زعمِهم أنهم مؤمنون، وهم على الكفرِ مُصرُّون.
فإن قال لنا قائلٌ: قد علِمْتَ أن المفاعلةَ لا تكونُ إلا مِن فاعلَيْن، كقولِك: ضاربتُ أخاك، وجالَسْتُ أباك.
إذا كان كلُّ واحدٍ منهما (١) مجالسَ صاحبِه ومضاربَه، فأما إذا كان الفعلُ مِن أحدِهما فإنما يقالُ: ضرَبتُ أخاك.
أو (٢): جلَستُ إلى أبيك.
فمَن خادع المنافقَ فجاز أن يقالَ فيه: يُخادِعُ (٣) اللَّهَ والمؤمنين؟
قيل: قد قال بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلغاتِ العربِ (٤): إن ذلك حَرْفٌ جاء بهذه الصورةِ، أعني "يُخادِعُ" بصورةِ "يُفاعِلُ"، وهو بمعنى "يَفْعَلُ"، في حروفٍ أمثالِها شاذَّةٍ مِن منطقِ العربِ، نظيرَ قولِهم: قاتَلك اللَّهُ.
بمعنى: قتَلك اللَّهُ.
وليس القولُ في ذلك عندي كالذي قال، بل ذلك مِن التفاعُلِ (٥) الذي لا يكونُ إلا مِن اثنين، كسائرِ ما يُعرفُ مِن معنى "يُفاعِلُ ومُفاعِل" في كلِّ كلامِ العربِ.
وذلك أن المنافقَ يُخادِعُ اللَّهَ جلَّ ثناؤه بكَذِبِه بلسانِه - على ما قد تقدَّم وصفُه - واللَّهُ خادِعُه بخِذْلانِه عن حسنِ البصيرةِ بما فيه نجاةُ نفسِه في آجلِ مَعادِه، كالذي أخْبَر في قولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
وبالمعنَى الذي أخْبَر أنه فاعلٌ به في الآخرةِ بقولِه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] الآية.
فذلك نظيرُ سائرِ ما يأتي من معاني الكلامِ بـ "يُفاعلُ ومُفاعل".
وقد كان بعضُ أهلِ النحوِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ: لا تكونُ المفاعلةُ إلا مِن شيئين، ولكنه إنما قيل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ عندَ أنفسِهم بظنِّهم ألا يُعاقَبوا، فقد علِموا خلافَ ذلك في أنفسِهم، بحجةِ اللَّهِ - جلّ وعزّ - الواقعةِ على خلقِه بمعرفتِه، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال: وقد قال بعضُهم: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (١)﴾.
يقولُ: يَخْدَعون أنفسَهم بالتَّخْليةِ (٢) بها، وقد تكونُ المفاعلةُ مِن واحدٍ في أشياءَ كثيرةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ (٣) إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
إن قال لنا قائلٌ: أو ليس المنافقون قد خدَعوا المؤمنين بما أظْهَروا بألسنتِهم مِن قِيلِ الحقِّ - عن أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم حتى سلِمَت لهم دنياهم، وإن كانوا قد كانوا مَخْدوعين في أمرِ آخرتِهم؟
قيل: خطأٌ أن يقالَ: إنهم خدَعوا المؤمنين.
لأنَّا إذا قلنا ذلك أوْجَبنا لهم حقيقةَ خدْعةٍ جازت (٤) لهم على المؤمنين.
كما أنَّا لو قلنا: قتَل فلانٌ فلانًا.
أوْجَبنا له حقيقةَ قتلٍ كان منه لفلانٍ، ولكنا نقولُ: خادَع المنافقون ربَّهم [والمؤمنين ولم] (٥) يَخْدَعوهم، بل خدَعوا أنفسَهم - كما قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه - دونَ غيرِها.
نظيرَ ما تقولُ في رجلٍ قاتَل آخرَ فقتَل نفسَه ولم يَقْتُلْ صاحبَه: قاتلَ فلانٌ فلانًا ولم يَقْتُلْ إلا نفسَه.
فتُوجبُ له مقاتلةَ صاحبِه، وتَنْفِي عنه قتلَه صاحبَه، وتُوجِبُ له قتلَ نفسِه.
فكذلك تقولُ: خادَع المنافقُ ربَّه والمؤمنين فلم يَخْدَعْ إلا نفسَه.
فتُثْبِتُ منه خِداعَه (١) ربَّه والمؤمنين، وتَنْفِي (٢) أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه؛ لأن الخادِعَ هو الذي قد صحَّت له الخديعةُ ووقَع منه فعلُها، والمنافقون لم يَخْدَعوا غيرَ أنفسِهم؛ لأن ما كان لهم من أهلٍ ومالٍ، فلم يكنِ المسلمون ملَكوه عليهم في حالِ خِداعِهم إيَّاهم (٣) عنه بنفاقِهم ولا قبلَها، فيَسْتَنْقِذوه (٤) بخِداعِهم منهم، وإنما دافعوا عنه بكَذِبِهم وإظهارِهم بألسنتِهم غيرَ الذي في ضمائرِهم، وبحُكْمِ (٥) اللَّهِ لهم في أموالِهم وأنفسِهم وذراريِّهم في ظاهرِ أمورِهم بحكمِ ما انْتَسَبوا إليه مِن الملَّةِ، واللهُ بما يُخْفُون مِن أمورِهم عالمٌ، وإنما الخادعُ مَن ختَل (٦) غيرَه عن شيئِه والمخدوعُ غيرُ عالِمٍ بموضعِ خديعةِ خادعِه.
فأما والمخادَعُ عارفٌ بخِداعِ صاحبِه إيَّاه، و (٧) غيرُ لاحقِه مِن خِداعِه إيَّاه مكروهٌ، بل إنما يَتجافى للظانِّ به أنه له مخادِعٌ؛ اسْتِدْراجًا ليَبْلُغَ غايةً يتكامَلُ له عليه الحُجَّةُ للعقوبةِ التي هو به (٨) مُوقِعٌ عندَ بلوغِه إيَّاها، والمُستدرَجُ غيرُ عالمٍ بحالِ نفسِه عندَ مُسْتدرِجِه، ولا عارفٍ باطِّلاعِه على ضميرِه، وأنَّ إمهالَ مُستدرجِه [إياه، وتركَه معاجلةَ عقوبتِه] (٩) على جُرْمِه؛ لِيَبْلُغَ المخاتِلُ المخادِعُ مِن استحقاقِه عقوبةَ مُستدرِجِه - بكثرةِ إساءتِه، [وطولِ عِصيانِه إيّاه، وكثرةِ صَفْحِ المستدرِجِ] (١٠)، وطولِ عفوِه عنه - أقصَى غايةٍ، فإنما هو خادِعٌ نفسَه لا شكَّ، دونَ مَن حدَّثَته نفسُه أنه له مخادِعٌ، ولذلك نفَى اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المنافقِ أن يكونَ خدَع غيرَ نفسِه، إذ كانت الصفةُ التي وصَفْنا صفتَه.
وإذ كان الأمرُ على ما وصَفنا مِن خِداعِ المنافقِ ربَّه وأهلَ الإيمانِ به، وأنه غيرُ صائرٍ (١) بخِداعِه ذلك إلى خديعةٍ صحيحةٍ إلا لنفسِه دونَ غيرِها؛ لِمَا يُوَرِّطُها بفعلِه مِن الهلاكِ والعَطَبِ، فالواجِبُ إذن أن يكونَ الصحيحُ مِن القراءةِ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
دونَ: (وَمَا يُخَادِعُونَ).
لأن لفظَ المخادِعِ غيرُ مُوجِبٍ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ، ولفظَ خادِعٍ مُوجِبٌ تثبيتَ خديعةٍ على صِحَّةٍ.
ولا شكَّ أن المنافقَ قد أوْجَب تثبيتَ (٢) خديعةِ اللَّهِ لنفسِه، بما رَكِب مِن خِداعِه ربَّه ورسولَه والمؤمنين بنفاقِه، فلذلك وَجَبت الصِّحَّةُ لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
ومن الدَّلالةِ أيضًا على أن قراءةَ من قرَأ: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾.
أوْلَى بالصحَّةِ مِن قراءةِ مَن قرَأ: (وَمَا يُخَادِعُونَ).
أَنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنهم يُخادِعون اللَّهَ والمؤمنين في أوَّلِ الآيةِ، فمُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهم ما قد أثْبَت أنهم قد فعَلوه؛ لأن ذلك تضادٌّ في المعنى، وذلك غيرُ جائزٍ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
يعني جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾: وَمَا يَدْرُون.
يقالُ: ما شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ، وهو لا يَشْعُرُ به - إذا لم يَدْرِ به (٤) ولم يَعْلَمْ - شِعْرًا وشُعورًا.
و (١) قال الشاعرُ (٢): عقُّوا بِسَهمٍ فلم يَشْعُرْ به أحدٌ … ثم اسْتَفاءُوا (٣) وقالوا حبَّذا الوَضَحُ (٤) يعني بقولِه: لم يَشْعُرْ به أحدٌ (٥): لم يَدْرِ به أحدٌ ولم يَعْلَمْ.
فأخْبَر اللَّهُ جلّ ثناؤُه عن المنافقين أنهم لا يَشْعُرون بأن اللَّهَ خادِعُهم، بإملائِه لهم واستدراجِه إيَّاهم، الذي هو مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه إبلاغٌ إليهم في الحجةِ والمَعْذرةِ، ومنهم لأنفسِهم خديعةٌ، ولها في الآجلِ مَضرَّةٌ.
كالذي حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيْدٍ عن قولِه: ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ قال: ما يَشْعُرون أنهم ضَرُّوا أنفسَهم بما أسَرُّوا مِن الكفرِ والنفاقِ.
وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾.
قال: هم المنافقون.
حتى بلَغ: ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة: ١٨].
وقد كان الإيمانُ يَنْفَعُهم عندَكم (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ المرضِ السُّقمُ، ثم (٧) يقالُ ذلك في الأجسادِ والأديانِ.
فأخْبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن في قلوبِ المنافقين مرضًا، وإنما عنَى جلّ ثناؤه بخبرِه عن مرضِ قلوبِهم الخبرَ عن مرضِ ما في قلوبِهم مِن الاعتقادِ.
ولكن لما كان معلومًا بالخبرِ عن مرضِ القلبِ أنه مَعْنِيٌّ به مرضُ ما هم مُعْتقدوه مِن الاعتقادِ، اسْتَغْنى بالخبرِ عن القلبِ بذلك [والكنايةِ به] (١) عن تصريحِ الخبرِ عن ضمائرِهم واعتقاداتِهم، كما قال عمرُ بنُ لَجَإٍ (٢): وسبَّحَت المدينةُ لا تَلُمْهَا … رأَت قمرًا بسوقِهمُ نَهارَا يريد: وسبَّح أهلُ المدينةِ.
فاستغْنى بمعرفةِ السامعين خبرَه بالخبرِ عن المدينةِ، عن الخبرِ عن أهلِها.
ومثلُه قولُ عنترةَ العَبْسيِّ (٣): هلَّا سألتِ الخيلَ يابنةَ مالكٍ … إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي يريدُ: هلَّا سألتِ أصحابَ الخيلِ؟
ومنه قولُهم: يا خيلَ اللَّهِ اركبي.
يرادُ: يا أصحابَ خيلِ اللَّهِ ارْكَبوا.
والشواهدُ على ذلك أكثرُ مِن أن يُحْصِيَها (٤) الكتابُ (٥)، وفيما ذكَرنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفهمِه.
فكذلك معنَى قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
إنما يعني: في اعتقادِ قلوبِهم الذي يعتقِدُونه في الدينِ، والتصديقِ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، مرَضٌ وسُقْمٌ.
فاجْتَزأ بدَلالةِ الخبرِ عن قلوبِهم على معناه، عن تصريحِ الخبرِ عن اعتقادِهم.
والمرضُ الذي ذكَره اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في اعتقادِ قلوبِهم الذي وصَفْناه، هو شكُّهم في أمرِ محمدٍ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، وتحيُّرُهم فيه، فلا هم به مُوقِنون إيقانَ إيمانٍ، ولا هم له مُنكِرون إنكارَ إشراكٍ، ولكنهم كما وصَفهم جلّ ذكرُه، مُذَبْذَبون بينَ ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء (١)، كما يقالُ: فلانٌ يُمرِّضُ في هذا الأمرِ.
أي يُضَعِّفُ العزمَ (٢)، ولا يصحِّحُ الرَّوِيَّةَ فيه.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك تظاهَر القولُ في تفسيرِه مِن المفسِّرين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
أي: شكٌّ (٣).
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المرضُ النِّفاقُ (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
يقولُ: في قلوبِهم شكٌّ (٥).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال: هذا مرضٌ في الدِّينِ، وليس مرضًا في الأجسادِ.
قال: وهم المنافقون.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال: في قلوبهم رِيبةٌ وشكٌّ في أمرِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه (١).
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال: هؤلاء أهلُ النِّفاقِ، فالمرَضُ الذي في قلوبِهم الشكُّ في أمرِ اللَّهِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
قال: المرضُ الشكُّ الذي دخَلهم في الإسلامِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
قد دلَّلنا آنفًا على أن تأويلَ المرضِ الذي وصَف اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أنه في قلوبِ المنافقين هو الشكُّ في اعتقاداتِ قلوبِهم وأديانِهم، وما هم عليه في أمرِ محمدٍ رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأمرِ نبوَّتِه وما جاء به، مُقِيمون.
فالمَرَضُ الذي أخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنه زادهم على مرضِهم، هو نظيرُ ما كان في قلوبِهم مِن الشكِّ والحيرةِ قيلَ الزيادةِ، فزادهم (١) اللَّهُ بما أحْدَث مِن حدودِه وفرائضِه التي لم يكنْ فرَضها قبلَ الزيادةِ التي زادَها المنافقين - مِن الشكِّ والحَيْرةِ، إذ (٢) شكُّوا وارْتَابوا في الذي أحْدَث لهم مِن ذلك - إلى المرضِ والشكِّ الذي كان في قلوبِهم في السالفِ، مِن حدودِه وفرائضِه التي كان فرَضها قبلَ ذلك.
كما زاد المؤمنين به إلى إيمانِهم الذي كانوا عليه قبلَ ذلك، بالذي أحْدَث لهم مِن الفرائضِ والحدودِ، إذْ آمنوا به، إلى إيمانِهم بالسالفِ مِن حدودِه وفرائضِه - إيمانًا، كالذي قال جلَّ ثناؤه في تنزيلِه: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤، ١٢٥].
فالزيادةُ التي زِيدها المنافقون مِن الرَّجاسةِ إلى رَجاستِهم هو ما وصَفنا، و (٣) التي زِيدها المؤمنون إلى إيمانِهم هو ما بيَّنا، وذلك هو التأويلُ المُجْمعُ عليه.
ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك مِن أهلِ التأويلِ حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
قال: شكًّا (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: أخْبرنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدَانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
يقولُ: فزادهم اللَّهُ (١) شكًّا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرنا ابنُ المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
يقولُ: فزادهم اللَّهُ رِيبةً وشكًّا في أمرِ اللَّهِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾.
قال: زادهم رِجْسًا.
وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾.
قال: شرًّا إلى شرِّهم، وضلالةً إلى ضلالتِهم (٤).
وحُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾: فزادَهم (٥) اللَّهُ شكًّا (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والأليمُ (٧) المُوجِعُ.
ومعناه: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ.
فصُرِفَ مُؤْلِمٌ إلى أليمٍ، كما يقالُ: ضربٌ وَجيعٌ.
بمعنى: مُوجِعٌ.
واللَّهُ بديعُ السماواتِ والأرضِ.
بمعنى: مُبْدِعٌ.
ومنه قولُ عمرِو بنِ مَعْدِيكَرِبَ الزُّبيديِّ (٨): أَمِنْ رَيْحانةَ (١) الداعِي السَّمِيعُ … يُؤَرِّقُني وأصحابي هُجُوعُ بمعنى: المُسْمِعُ.
ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ (٢): وَنرْفَعُ (٣) مِن صُدُورِ شَمَرْدَلَاتٍ (٤) … يَصُدُّ (٥) وجوهَها وَهَجٌ (٦) ألِيمُ ويُرْوى: يَصُكُّ (٧).
وإنما الأليمُ صفةٌ للعذابِ، كأنه قال: ولهم عذابٌ مُؤْلِمٌ.
وهو مأخوذٌ مِن الألمِ، والألمُ الوَجَعُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قال: الأليمُ المُوجِعُ (٨).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: حدثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: العذابُ (٩) الأليمُ؛ الموجعُ (١٠).
وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ في قولِه: ﴿أَلِيمٌ (١)﴾.
قال: هو العذابُ المُوجِعُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ مِن الأليمِ فهو المُوجِعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.
اخْتَلفت القرَأَةُ (٢) في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه (٣) بعضُهم: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
مُخَفَّفةَ الذالِ، مفتوحةَ الياءِ، وهي قراءةُ [عُظمٍ قرَأةِ] (٤) أهلِ الكوفةِ (٥).
وقرَأه آخرون: (يُكَذِّبُون).
بضمِّ الياءِ وتشديدِ الذالِ، وهي قراءةُ [عُظمِ قرأةِ] (٤) أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ (٦).
وكأنَّ الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الذالِ وضمِّ الياءِ رأَوْا أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوْجَب للمنافقين العذابَ الأليمَ بتكذيبِهم [نبيَّهم محمدًا] (٧) ﷺ وبما جاء به، وأن الكذِبَ لولا التكذيبُ لا يُوجِبُ لأحدٍ اليسيرَ مِن العذابِ، فكيف بالأليمِ منه؟
وليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالوا؛ وذلك أن اللَّهَ جلّ ثناؤُه أنْبَأ عن المنافقين في أولِ النبأ عنهم في هذه السورةِ بأنهم يَكْذِبون بدَعْواهم الإيمانَ، وإظهارِهم ذلك بألسنتِهم، خِداعًا للَّهِ ﷿ ولرسولِه وللمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بذلك مِن قِيلِهم، مع استسرارِهم الشكَّ والرِّيبةَ، ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ﴾ بصنيعِهم ذلكَ ﴿إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ دونَ رسولِ اللَّهِ ﷺ والمؤمنين، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بموضعِ خديعتِهم أنفسَهم، واستدراجِ اللَّهِ إيَّاهم بإملائِه لهم، ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ شكُّ [النفاقِ ورِيبتُه] (١)، واللَّهُ زائدُهم شكًّا ورِيبةً بما كانوا يَكْذِبون اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم بألسنتِهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم في قِيلِهم (٢) ذلك كَذَبةٌ؛ لاستسرارِهم الشكَّ والمرضَ في اعتقاداتِ قلوبِهم في أمرِ اللَّهِ وأمرِ رسولِه ﷺ.
فأَوْلَى في حكمةِ اللَّهِ ﷻ أن يكونَ الوعيدُ منه لهم على ما افْتَتح به الخبرَ عنهم مِن قبيحِ أفعالِهم وذَميمِ أخلاقِهم، دونَ ما لم يَجْرِ له ذكرٌ مِن أفعالِهم، إذ كان سائرُ آياتِ تنزيلِه بذلك نزَل، وهو أن يَفْتَتحَ ذكرَ محاسنِ أفعالِ قومٍ، ثم يختِمَ ذلك بالوعدِ (٣) على ما افْتَتحَ به ذكرَه مِن أفعالِهم، ويَفتتحَ ذكرَ مساوِي أفعالِ آخرين، ثم يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما ابْتَدأ به ذكرَه مِن أفعالِهم.
فكذلك الصحيحُ مِن القولِ في الآياتِ التي افْتَتح فيها ذكرَ بعضِ مساوي أفعالِ المنافقين، أن يختِمَ ذلك بالوعيدِ على ما افْتَتح به ذكرَه مِن قبائحِ أفعالِهم.
فهذا هذا (٤)، مع دَلالةِ الآيةِ الأُخرى على صحةِ ما قلنا، وشهادتِها بأن الواجبَ من القراءةِ ما اخترْنَا، وأن الصوابَ مِن التأويلِ ما تَأَوَّلْنا، مِن أن وعيدَ اللَّهِ المنافقين في هذه الآيةِ العذابَ الأليمَ على الكذِبِ الجامعِ معنى الشكِّ والتكذيبِ، وذلك قولُ اللَّهِ جلّ ثَناؤُه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ١، ٢].
والآيةُ الأخرى في "المجادَلةِ": ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة: ١٦].
فأخْبر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن المنافقين - بقِيلِهم ما قالُوا لرسولِ اللَّه ﷺ، مع اعتقادِهم فيه ما هم معتقدون - كاذِبون، ثم أخْبرَ تعالى ذكرُه أن العذابَ المُهِينَ لهم على ذلك مِن كَذِبِهم.
ولو كان الصحيحُ مِن القراءةِ على ما قَرَأه القارئون في سورةِ "البقرةِ": (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبون).
لكانتِ القراءةُ في السورةِ الأخرى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لمُكذِّبون).
ليكونَ الوعيدُ لهم [مِن العذابِ المهينِ] (١) الذي هو عَقِيبَ ذلك وعيدًا على التكذيبِ لا على الكَذِبِ.
وفي إجماعِ المسلمين على أن الصوابَ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾.
بمعنى الكَذِبِ، وأنَّ إيعادَ اللَّهِ فيه المنافقين العذابَ الأليمَ على ذلك مِن كَذِبِهم - أوضحُ الدَّلالةِ على أن الصحيحَ مِن القراءةِ في سورةِ "البقرةِ": ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
بمعنى الكَذِبِ، وأن الوعيدَ مِن اللَّهِ تعالَى ذكرُه للمنافقين فيها على الكذبِ حقٌّ، لا على التكذيب الذي لم يَجْرِ له ذكرٌ - نظيرَ الذي في سورةِ "المنافقين" سواءً.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنَّ "ما" من قولِ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
اسمٌ للمصدرِ، كما أنَّ "أَنْ" والفعلَ اسمان للمصدرِ في قولِك (٢): أُحبُّ أن تأتيَني.
وأنَّ المعنى إنما هو: بكَذِبِهم وتكذيبِهم.
قال: وأَدْخل "كان" ليُخْبِرَ أنه كان فيما مضى، كما تقولُ (١): ما أحسنَ ما كان عبدُ اللَّهِ.
فأَنت تعجَبُ من عبدِ اللَّهِ لا من كَوْنِه، وإنما وقَع التعجُّبُ في اللفظِ على كونِه.
وكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يُنكرُ ذلك من قولِه ويَسْتَخْطِئُه، ويقولُ: إنما أُلْغِيَت "كان" في التعجُّبِ لأن الفعلَ قد تقدَّمها، فكأنه قال: حَسَنًا كان زيدٌ، وحسَنٌ كان زيدٌ (٢).
يُبْطِلُ "كان"، ويُعْمِلُ مع الأسماءِ والصفاتِ التي بألفاظِ الأسماءِ إذا جاءتْ قبلَ "كان"، ووقعَتْ "كان" بينها وبين الأسماءِ.
وأما العِلَّةُ في إبطالِها إذا أُبطِلَت في هذه الحالِ، فتشبيهُ (٣) الصفاتِ والأسماءِ بـ "فعَل" و"يَفْعَلُ" التي (٤) لا يظهَرُ عملُ "كان" فيهما، ألا ترى أنك تقولُ: يقومُ كان زيدٌ.
فلا يظهَرُ عملُ "كان" في "يقومُ"؟
وكذلك: قام كان زيدٌ.
فلذلك أُبْطل عملُها مع "فاعل" تمثيلًا بـ "فعَل" و"يفعلُ"، وأُعْملت مع "فاعل" أحيانًا؛ لأنه اسمٌ، كما تُعْملُ في الأسماءِ.
فأما إذا تقدَّمت "كان" الأسماءَ والأفعالَ، وكان الاسمُ والفعلُ بعدَها، فخطأٌ عندَه أن تكونَ "كان" مُبْطَلَةً.
فلذلك أحال قولَ البصريِّ الذي حكَيناه، وتأوَّل قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٥)﴾.
أنه بمعنى: الذي يَكْذِبونه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فرُوِي عن سلمانَ الفارسيِّ أنه كان يقولُ: لم يجئْ هؤلاء بعدُ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، قال: حدثنا الأعمشُ، قال: سمِعت المِنْهالَ بنَ عمرٍو يحدِّثُ عن عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن سلمانَ، قال: ما جاء هؤلاء بعدُ، الذين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني الأعمشُ، عن زيدِ بنِ وهبٍ وغيرِه، عن سلمانَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
قال: ما جاء هؤلاء بعدُ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (٣).
أمَّا ﴿لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فإنَّ الفسادَ هو الكفرُ والعملُ بالمعصيةِ (٤).
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يقولُ: لا تَعْصُوا في الأرضِ، ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
قال: فكان فسادُهم على أنفسِهم ذلك معصيةَ اللَّهِ؛ لأن مَن عصَى اللَّهَ في الأرضِ أو أمَر [بمعصيتِه، فقد] (١) أفْسَد في الأرضِ؛ لأن إصلاحَ الأرضِ والسماءِ بالطاعةِ (٢).
وأوْلى التأْويلين بالآيةِ تأويلُ مَن قال: إن قولَ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ نزَلت في المنافقين الذين كانوا على عهدِ رسولِ الله ﷺ، وإن كان معنيًّا بها كلُّ مَن كان بمثلِ صفتِهم (٣) من المنافقين بعدَهم إلى يومِ القيامةِ.
وقد يَحْتَمِلُ قولُ سلمانَ عند تلاوةِ هذه الآيةِ: ما جاء هؤلاء بعدُ.
أن يكونَ قاله بعدَ فناءِ الذين كانوا بهذه الصفةِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، خبرًا منه عمَّن هو (٤) جاءٍ منهم بعدَهم ولمَّا يجئْ بعدُ، [لا أنه] (٥) عنَى أنه لم يمضِ ممَّن ذلك (٦) صفتُه أحدٌ.
وإنما قلنا: أَوْلى التأويلين بالآيةِ ما ذكَرنا؛ لإِجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك صفةُ مَن كان بينَ ظهرَانَيْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، من المنافقين، وأن هذه الآياتِ فيهم نزَلت، والتأويلُ المُجْمَعُ عليه أَوْلى بتأويلِ القرآنِ من قولٍ لا دلالةَ على صحَّتِه من أصلٍ ولا نظيرٍ.
والإفسادُ في الأرضِ العملُ فيها بما نهَى اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - عنه، وتضييعُ ما أمرَ اللَّهُ بحفظِه، فذلك جملةُ الإفسادِ، كما قال جلَّ ثَناؤُه في كتابهِ مُخبرًا عن قِيلِ ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠] يَعْنُون بذلك: أتجعلُ في الأرضِ من يعصِيك ويُخالفُ أمرَك؟
فكذلك صفةُ أهلِ النفاقِ؛ مفسدون في الأرضِ بمعصيَتِهم فيها ربَّهم، ورُكوبِهم فيها ما نهاهم عن رُكوبِه، وتضييعِهم فرائضَه، وشكِّهم في دينِ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملًا إلا بالتصديقِ به، والإيقانِ بحقيقتِه، وكذِبِهم المؤمنين بدَعْواهم غيرَ ما هم عليه مقيمون من الشكِّ والرَّيبِ، ومُظاهرتِهم أهلَ التكذيب باللَّهِ وكتبِه ورسلِه على أولياءِ اللَّهِ إذا وجَدوا إلى ذلك سبيلًا.
فذلك (١) إفسادُ المنافقين في [أرضِ اللَّهِ] (٢)، وهم يَحْسَبون أنهم بفعلِهم ذلك مُصلحونَ فيها، فلم يُسْقِطِ اللَّهُ جلَّ ثناؤه عنهم عقوبتَه، ولا خفَّف عنهم أليمَ ما أعدَّ من عقابِه لأهلِ معصيتِه، بحُسْبانِهم أنهم فيما أَتوْا من معاصي اللَّهِ مُصلحونَ، بل أوْجب لهم الدَّرْكَ الأسفلَ من نارِه، والأليمَ من عذابِه، والعارَ العاجلَ بسَبِّ اللَّهِ إيَّاهم وشَتْمِه لهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وذلك من حُكمِ اللَّهِ فيهم أدلُّ الدليلِ على تكذيبِه جلّ ثناؤه قولَ القائلين: إن عقوباتِ اللَّهِ لا يَسْتَحِقُّها إلَّا المعاندُ ربَّه فيما لزِمه من حقوقِه وفروضِه، بعد علمِه وثُبوتِ الحُجَّةِ عليه بمعرفتِه بلزومِ ذلك إيَّاه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾.
وتأويلُ ذلك كالذي قاله ابنُ عباس، الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾.
أي قالوا: إنما نريدُ الإصلاحَ بينَ الفريقين من المؤمنين وأهلِ الكتابِ (١).
وخالَفه في ذلك غيرُه، فَحدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: إذا ركِبوا معصيةَ اللَّهِ فقِيل لهم: لا تفعَلوا كذا وكذا.
قالوا: إنما نحن على الهُدَى (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأيُّ الأمرين كان منهم في ذلك، أعني في دَعْواهم أنهم مصلحون، فهم لا شكَّ أنهم كانوا يَحْسَبون أنهم فيما أتَوْا من ذلك مصلحون - فسواءٌ بينَ اليهودِ والمسلمين كانت دَعْواهم الإصلاحَ، أو في أديانِهم، وفيما ركبوا من معصيةِ اللَّهِ، وكذِبهم المؤمنين فيما أظْهروا لهم من القولِ، وهم لغيرِ ما أظْهروا مُسْتبطِنون؛ لأنَّهم كانوا في جميعِ ذلك من أمرِهم عندَ أنفسِهم مُحْسِنين، وهم عندَ اللَّهِ مُسيئون، ولأمرِ اللَّهِ مُخالِفون، لأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه قد كان فرَض عليهم عداوةَ اليهودِ وحربَهم مع المسلمين، وألْزمهم التصديقَ برسولِ اللَّهِ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كالذي ألْزم من ذلك المؤمنين، فكان لقاؤُهم اليهودَ على وجهِ الوِلايةِ منهم لهم، وشكُّهم في نبوَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وفيما جاء به أنه من عندِ اللَّهِ - أعظمَ الفسادِ، وإن كان ذلك كان عندَهم إصلاحًا وهُدًى في أديانِهم، أو فيما بينَ المؤمنين واليهودِ، فقال جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ دونَ الذين يَنْهَوْنهم من المؤمنين عن الإفسادِ في الأرضِ، ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.
وهذا القولُ من اللَّهِ جلَّ ثناؤُه تكذيبٌ للمنافقين في دَعْواهم إذا (١) أُمِروا بطاعةِ اللَّهِ فيما أمَرهم اللَّهُ به، ونُهوا عن معصيةِ اللَّهِ فيما نهاهم اللَّهُ عنه، قالوا: إنما نحن مُصلحون لا مُفسدون، ونحن على رُشْدٍ وهُدًى فيما أنْكَرْتموه علينا دونَكم، لا ضالُّون.
فكذَّبهم اللَّهُ - جلّ وعزّ - في ذلك من قِيلِهم، فقال: ألا إنهم هم المُفْسِدون المخالفون أمرَ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -، المتعدُّون، حدودَه، الراكبون معصيتَه، التاركون فروضَه، وهم لا يَشْعُرون ولا يَدْرُون أنهم كذلك، لا الذين يَأْمُرونهم بالقسطِ من المؤمنين، ويَنْهَوْنهم عن معاصي اللَّهِ - جلّ وعز - في أرضِه من المسلمين.
القولُ في تأويلِ قولِ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾ يعني: وإذا قيل لهؤلاء الذين وصَفَهم اللَّهُ ونَعَتهم بأنَّهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾: صَدِّقوا بمحمدٍ ﷺ (٢) وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، كما صدَّق به الناسُ.
ويعني بـ ﴿النَّاسُ﴾: المؤمنين الذين آمنوا بمحمدٍ ونبوَّتِه وما جاء به من عندِ اللَّهِ.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ (٣) بنُ سعيدٍ، عن بِشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.
يقولُ: وإذا قيل لهم: صدِّقوا كما صدَّق أصحابُ محمدٍ ﷺ، قولوا (١): إنه نبيٌّ ورسولٌ، وأن ما أُنْزِل عليه حقٌّ، وصدِّقوا بالآخرةِ، وأنكم مبعوثون من بعدِ الموتِ (٢).
وإنما أُدْخِلت الألفُ واللَّامُ في ﴿النَّاسُ﴾ وهم بعضُ الناسِ لا جميعُهم؛ لأنهم كانوا معروفين عندَ الذين خُوطبوا [بذلك في هذه] (٣) الآيةِ بأعيانِهم.
وإنما معناه: آمِنوا كما آمَن الناسُ الذين تعرِفونهم من أهلِ اليقينِ والتصديقِ باللَّهِ، وبمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، وباليومِ الآخرِ.
فلذلك أُدْخِلت الألفُ واللامُ فيه، كما أُدْخِلتا في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
لأنه أُشِير بدخولِهما (٤) إلى ناسٍ معروفين عند مَن خُوطِب بذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والسفهاءُ جمعُ سَفِيهٍ، [كما العلماءُ] (٥) جمعُ عليمٍ، والحكماءُ جمعُ حكيمٍ.
والسفيهُ الجاهلُ الضعيفُ الرأيِ، القليلُ المعرفةِ بمواضعِ المنافعِ والمضارِّ.
ولذلك سمَّى اللَّهُ - جلَّ وعزَّ - النساءَ والصبيانَ سفهاءَ، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥].
فقال عامَّةُ أهلِ التأويلِ: هم النساءُ والصبيانُ؛ لضعفِ آرائِهم (٦)، وقلةِ معرفتِهم بمواضعِ المصالحِ والمضارِّ التي تُصْرَفُ إليها الأموالُ.
وإنما عَنى المنافقون بقيلِهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ - إذ دُعوا إلى التصديقِ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، والإقرارِ بالبعثِ، فقيل (١) لهم: ﴿آمِنُوا﴾ -: كما آمَن أصحابُ محمدٍ وأتباعُه من المؤمنين المصدِّقين به مِن (٢) أهلِ الإيمانِ واليقينِ، والتصديقِ باللَّهِ، وبما افْتَرض عليهم على لسانِ رسولهِ محمدٍ ﷺ وفي كتابِه، وباليومِ الآخرِ.
فقالوا إجابةً لقائلِ ذلك لهم: أنؤمنُ كما آمنَ أهلُ الجهلِ، ونصدِّقُ بمحمدٍ كما صدَّق به هؤلاء الذين لا عقولَ لهم ولا أفهامَ!
كالذي حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يعنُون أصحابَ النبيِّ ﷺ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يعنُون أصحابَ محمدٍ ﷺ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ في قولِه: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾.
قال: هذا قولُ المنافقين، يريدون أصحابَ النبيِّ ﷺ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عُثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ (١)، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾: يقولون: أنقولُ كما يقولُ السفهاءُ؟
يعنُون أصحابَ محمدٍ ﷺ، لخِلافِهم لدينِهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ من اللَّهِ تعالى عن المنافقين الذين تقدَّم نعتُه لهم، ووصفُه إيّاهم بما وصَفهم به من الشكِّ والتكذيبِ - أنهم هم الجُهَّالُ في أديانِهم، الضعفاءُ الآراءِ في اعتقاداتِهم واختياراتِهم التي اختاروها لأنفسِهم، من الشكِّ [والتكذيبِ] (٣) والرَّيبِ في أمرِ اللَّهِ - جلّ وعزّ - وأمرِ رسولِه وأمرِ نبوَّتِه، وفيما جاء به من عندِ اللَّهِ، وأمرِ البعثِ؛ لإساءتِهم إلى أنفسِهم بما أتَوْا من ذلك، وهم يحسَبون أنهم إليها يُحسنون (٤)، وذلك هو عينُ السَّفَهِ؛ لأن السفيهَ إنما يُفْسِدُ من حيثُ يرى أنه يُصلِحُ، ويُضيِّعُ من حيثُ يرى أنه يحفَظُ، فكذلك المنافقُ، يعصِي ربَّه من حيثُ يرى أنه يُطيعُه، ويكفُرُ به من حيثُ يرى أنه يُؤمنُ به، ويُسيءُ إلى نفسِه من حيث يَحْسَبُ (١) أنه يُحسنُ إليها، كما وصَفهم به ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
وقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ دونَ المؤمنين المصدِّقين باللَّهِ وبكتابِه وبرسولِه وثوابِه وعقابِه، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وكذلك كان ابنُ عباسٍ يتأوَّلُ هذه الآيةَ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: يقولُ اللَّهُ ﷿: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، يقولُ: الجهَّالُ، ﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ: ولكن لا يعقِلون (٢).
وأما وجهُ دخولِ الألفِ واللامِ في ﴿السُّفَهَاءُ﴾ فشبيهٌ بوجهِ دخولِهما في ﴿النَّاسُ﴾، في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.
وقد بيَّنَّا العلَّةَ في دخولِهما هنالك، والعلَّةُ في دخولِهما في ﴿السُّفَهَاءُ﴾ نظيرتُها في دخولِهما في ﴿النَّاسُ﴾ هنالك، سواءٌ.
والدلالةُ التي تدلُّ عليه هذه الآيةُ من خطإِ قولِ مَن زعَم أن العقوبةَ من اللَّهِ - جلّ وعزّ - لا يَسْتَحِقُّها إلا المعاندُ ربَّه، بعدَ (٣) علمِه بصحةِ ما عانَده فيه - نظيرةُ (٤) دلالةِ الآياتِ الأُخَرِ التي قد تقدَّم ذكرُنا تأويلَها في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ ونظائِر (٥) ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ نظيرةُ (١) الآيةِ الأُخْرى التي أخْبر اللَّهُ جلّ ثناؤُه فيها عن المنافقين بخِداعِهم اللَّهَ ورسولَه والمؤمنين، فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
ثم أكْذَبهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وأنهم بقيلِهم ذلك يُخادِعون اللَّهَ والذين آمنوا.
وكذلك أخْبر عنهم في هذه الآيةِ أنهم يقولون للمؤمنين المصدِّقين باللَّهِ وكتابِه ورسولِه بألسنتِهم: آمنَّا وصدَّقنا بمحمدٍ، وبما جاء به من عندِ اللَّهِ، خِداعًا عن دمائِهم وأموالِهم وذراريِّهم، ودرْءًا لهم عنها، وأنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم (٢) وأهلِ العُتُوِّ والشرِّ والخُبْثِ منهم، ومن سائرِ أهلِ الشركِ، الذين هم على مثلِ ما (٣) هم عليه من الكفرِ باللَّهِ وبكتابِه ررسولِه، وهم شَياطينُهم - وقد دلَّلنا فيما مضَى من كتابِنا (٤) على أن شياطينَ كلِّ شيءٍ مَرَدتُه - قالوا لهم.
﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ أي: إنَّا معكم على دينِكم، وظُهراؤُكم على مَن خالَفكم فيه، وأولياؤُكم دونَ أصحابِ محمدٍ ﷺ، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ باللَّهِ وبكتابِه ورسولِه وأصحابِه.
كالذي حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثَنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
قال: كان رجالٌ من اليهودِ إذا لَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ أو بعضَهم، قالوا: إنَّا على دينِكم.
وإذا خَلَوا إلى أصحابِهم، وهم شياطينُهم، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ، مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
قال: إذا خَلَوا إلى شياطينهم من يهودَ، الذين يأمُرونهم بالتكذيبِ وخلافِ ما جاء به الرسولُ، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، أي: إنَّا على مثلِ ما أنتم عليه، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٢).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، و (٣) عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أما شياطينُهم، فهم رُءُوسُهم في الكفرِ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ (٥)، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ أي: رُؤَسائِهم وقادتِهم في الشرِّ، قالوا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
قال: المشركون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
قال: إذا خلا المنافقون إلى أصحابِهم من الكفارِ.
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
قال: أصحابُهم من المنافقين والمشركين (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
قال: إخوانُهم من المشركين، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ قال: إذا أصاب المؤمنين رَخاءٌ قالوا (٤): نحن معكم، إنما نحن إخوانُكم.
وإذا خَلَوا إلى شياطينِهم اسْتَهْزَءوا بالمؤمِنين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال (١) مجاهدٌ: شَياطينُهم أصحابُهم من المنافقين والمشركين.
فإن قال لنا قائلٌ: أرأيتَ قولَه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
فكيف قيلَ: ﴿خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
ولم يقلْ: خَلَوا بشياطينِهم.
فقد عَلِمْتَ أن الجاريَ بينَ الناسِ في كلامِهم: خَلَوتُ بفلانٍ.
أكثرُ وأفْشَى من: خَلَوتُ إلى فلانٍ.
ومن قولِك: إن القرآنَ أفصحُ البيانِ؟
قيل: قد اخْتَلف في ذلك أهلُ العلم بلغةِ العربِ، فكان بعضُ نحْويِّي البصرةِ يقولُ: يقالُ: خَلَوتُ إلى فلانٍ.
إذا أُرِيد به: خلَوتُ إليه في [الحاجةِ خاصَّةً] (٢)، لا يَحْتَملُ - إذا قيل كذلك - إلا الخلاءَ إليه في قضاءِ الحاجةِ.
فأما إذا قيل: خَلَوتُ به.
احْتَمل معنيين: أحدُهما، الخلاءُ به في الحاجةِ.
والآخرُ، في (٣) السخريةِ به.
فعلى هذا القولِ: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ لا شكَّ أفصحُ منه لو قيل: وإذا خَلَوا بشياطينِهم.
لما في قولِ القائلِ: وإذا خَلَوا بشياطينِهم.
من التباسِ المعنى على سامِعيه (٤)، الذي هو مُنْتَفٍ عن قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾.
فهذا أحدُ الأقوالِ.
والقولُ الآخرُ: [أن تُوجِّهَ] (٥) معنى قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: و (١) إذا خَلَوا مع شياطينِهم.
إذ كانت حروفُ الصفاتِ (٢) يُعاقِبُ بعضُها بعضًا، كما قال اللهُ مُخبرًا عن عيسى ابنِ مريمَ أنه قال للحواريين: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤].
يريدُ: مع اللهِ.
وكما تُوضعُ "على" في موضعِ "مِن" و"في" و"عن"، و"الباء"، كما قال الشاعرُ (٣): إذا رَضِيَتْ عليَّ بنو قُشيرٍ … لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَني رِضَاها بمعنى: عَنِّي.
وأما بعضُ نحْويِّي (٤) الكوفةِ، فإنه كان يتأوَّلُ أن ذلك بمعنى: وإذا لَقُوا الذين آمَنوا قالوا آمَنَّا، وإذا صرَفوا خَلاءَهم إلى شياطينِهم.
فيزعُمُ أن الجالبَ لـ ﴿إِلَى﴾ المعنى الذي دلَّ عليه الكلامُ من انصرافِ المنافقين عن لقاءِ المؤمنين إلى شياطينهم خالِين بهم، لا قولُه: ﴿خَلَوْا﴾.
وعلى هذا التأويلِ لا يَصْلُحُ في (٥) موضعِ ﴿إِلَى﴾ غيرُها؛ لتغيُّرِ الكلامِ بدخولِ غيرِها من الحروفِ مكانَها.
وهذا القولُ عندي أوْلى بالصوابِ؛ لأن لكلِّ حرفٍ من حروفِ المعاني وجهًا هو به أوْلى من غيرِه، فلا يصلُحُ تحويلُ ذلك عنه إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولـ "إلى" (١) في كلِّ موضعٍ دخَلت من الكلامِ حُكْمٌ، وغيرُ جائزٍ سَلْبُها معانيَها في أماكِنها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾.
أجْمع أهلُ التأويلِ جميعًا لا خلافَ بينهم على أن معنى قولِه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: إنما نحن ساخرون.
فمعنى الكلام إذن: وإذا انصرف المنافقون خالِين إلى مَرَدتِهم من المنافقين والمشركين قالوا: إنا معكم على (٢) ما أنتم عليه، من التكذيبِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، ومعاداتِه ومعاداةِ أتباعِه، إنما نحن ساخرون بأصحابِ محمدٍ ﷺ [في قيلِنا] (٣) لهم إذا لَقِيناهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ (٤) بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: ساخرون بأصحابِ محمدٍ ﷺ (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: إنما نحن نَسْتهزِئُ بالقومِ ونلعبُ بهم (٦).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ العَقَديُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾: إنما نَسْتهزِئُ بهؤلاء القومِ ونَسْخَرُ بهم (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نَسْتَهزِئُ بأصحابِ محمدٍ ﷺ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
قال أبو جَعفرٍ: اخْتُلِف في صفةِ استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَر أنه فاعلُه بالمنافقين الذين وصَف صفتَهم؛ فقال بعضهم: استهزاؤُه بهم كالذي أخْبرنا تبارك اسمُه أنه فاعلٌ بهم يومَ القيامةِ في قولِه تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الحديد: ١٣، ١٤] الآية.
وكالذي أخبرنا أنه فعَل بالكفارِ بقولِه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨].
فهذا وما أشْبهه من استهزاءِ اللهِ تعالى ذكرُه وسخريتِه ومكرِه وخديعتِه للمنافقين وأهلِ الشركِ به، عندَ قائلي هذا القولِ ومتأوِّلي هذا التأويلِ.
وقال آخرون: بل استهزاؤُه بهم توبيخُه إياهم، ولومُه لهم على ما ركِبوا من معاصيه (٣) والكفرِ به، كما يقالُ: إن فلانًا ليُهْزَأُ منه (١) اليومَ، ويُسخرُ منه.
يُرادُ به توبيخُ الناسِ إيَّاه ولومُهم له.
أو (٢) إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، كما قال عَبِيدُ بنُ الأبْرَصِ (٣): سَائِلْ بنا حُجْرَ ابنِ أُمِّ قَطَامِ إذْ … ظلَّت به السُّمْرُ النواهِلُ (٤) تَلعبُ فزعَموا أن السُّمْرَ - وهي القَنَا - لا لَعِبَ منها، ولكنها لما قتَلَتهم وشرَّدتهم، جعَل ذلك من فعلِها لعبًا بمن فعَلَت ذلك به.
قالوا: فكذلك استهزاءُ الله جلَّ ثناؤُه بمَن اسْتَهزَأ به من أهلِ النِّفاقِ والكفرِ به، إما إهلاكُه إيَّاهم وتدميرُه بهم، وإما إملاؤُه لهم ليأخُذَهم في حالِ أمنِهم عندَ أنفسِهم بَغتةً، أو توبيخُه لهم ولائمتُه إيَّاهم.
قالوا: وكذلك معنى المكرِ منه والخديعةِ والسُّخريةِ.
وقال آخرون: قولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.
على الجوابِ، كقولِ الرجلِ لمن كان يخدَعُه إذا ظَفِر به: أنا الذي خدَعتُك.
ولم تكنْ منه خديعةٌ، ولكن قال ذلك إذ صار الأمرُ إليه.
قالوا: وكذلك قولُه: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، و ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
على الجوابِ، واللهُ لا يكونُ منه المكرُ ولا الهُزْءُ.
والمعنى عندَهم (٥) أن المكرَ والهُزْءَ حاقَ بهم.
وقال آخرون: قولُه: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
وقولُه: ﴿يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]،.
وقولُه: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
و ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وما أشْبه ذلك - إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه أنه مجازِيهم جزاءَ الاستهزاءِ، ومعاقبُهم عقوبةَ الخِداعِ، فأخْرج خبرَه عن جزائِه إيَّاهم وعقابِه (١) لهم، مُخْرَجَ خبرِه عن فعلِهم الذي عليه استحقُّوا العقابَ في اللفظِ، وإن اخْتَلف المعنَيان، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
ومعلومٌ أن الأُولَى من صاحِبها سيئةٌ، إذ كانت منه للهِ ﵎ معصيةً، وأن الأخرى عَدْلٌ؛ لأنها من اللهِ جزاءٌ للعاصي على المعصيةِ، فهما - وإن اتَّفق لفظاهما - مختلفتا المعنى، وكذلك قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٩٤].
فالعُدْوانُ الأولُ ظلمٌ، والثاني جزاءٌ لا ظلمٌ، بل هو عَدلٌ؛ لأنه عقوبةٌ للظالمِ على ظلمِه، وإن وافق لفظُه لفظَ الأولِ.
وإلى مثلِ (٢) هذا المعنى وَجَّهوا كلَّ ما في القرآنِ من نظائرِ ذلك، مما هو خبرٌ عن مكرِ اللهِ جلَّ وعزَّ بقومٍ، وما أشْبَه ذلك.
وقال آخرون: إن معنى ذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوْا إلى مَرَدتِهم قالوا: إنا معكم على دينِكم في تكذيب محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإنما نحن - بما نُظهرُ لهم من قولِنا لهم: صدَّقْنا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به - مستهزِئون.
يعنُون أنَّا نُظهرُ لهم ما هو عندَنا باطلٌ لا حَقٌّ ولا هُدًى.
قالوا: وذلك هو معنًى من معاني الاستهزاءِ، فأخْبر اللهُ أنه يَسْتهزئُ بهم، فيُظهرُ لهم من أحكامِه في الدنيا خلافَ الذي لهم عندَه في الآخرةِ، كما أظْهروا للنبيِّ ﷺ والمؤمنين في الدينِ ما هم على خلافِه في سرائرِهم.
والصوابُ في ذلك من القولِ والتأويلِ عندَنا أن معنى الاستهزاءِ في كلامِ العربِ إظهارُ المستهزِئ للمستهزَأ به من القولِ والفعلِ ما يُرْضِيه ويُوافِقُه (١) ظاهرًا، وهو بذلك من قيلِه وفعلِه به مُوَرِّطُه (٢) مساءَتَه (٣) باطنًا، وكذلك معنى الخِداعِ والسُّخريةِ والمكرِ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل لأهلِ النِّفاقِ في الدنيا من الأحكامِ - بما أظْهروا بألسنتِهم من الإقرارِ باللهِ وبرسولِه وبما جاء به من عندِ اللهِ، المُدْخِلِهم (٤) في عِدادِ مَن يشمَلُهم (٥) اسمُ الإسلامِ، وإن كانوا (٦) لغيرِ ذلك مُستبطِنين (٧) -أحكامَ المسلمين (٨) المصدِّقين إقرارَهم بألسنتِهم بذلك، بضمائرِ قلوبهم، وصَحائحِ عزائمِهم، وحميدِ أفعالِهم المحققةِ لهم صحةَ إيمانِهم، مع علمِ الله جلَّ وعزَّ بكذبِهم، واطلاعِه على خُبْثِ اعتقادِهم، وشكِّهم فيما ادَّعَوا بألسنتِهم أنهم به (٩) مصدِّقون، حتى ظنُّوا في الآخِرةِ - إذ حُشِروا في عِدادِ من كانوا في عِدادِهم في الدنيا - أنّهم وارِدُون مَوْرِدَهم، وداخِلون مَدْخَلَهم، واللهُ ﷻ مع إظهارِه ما قد أظْهر لهم من الأحكامِ المُلْحِقتِهم (١٠) في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ إلى حالِ تمييزِه بينَهم وبينَ أوليائِه، وتفريقِه بينهم وبينهم - مُعِدٌّ لهم من أليمِ عقابِه ونَكالِ عذابِه، ما أعدَّ منه لأعْدى أعدائِه، وشرِّ (١) عبادِه، حتى ميَّز بينهم وبينَ أوليائِه، فألحَقهم من طبقاتِ جحيمِه بالدركِ الأسفلِ [من النارِ] (٢) - كان معلومًا (٣) أنه جلَّ ثناؤُه بذلك من فعلِه بهم، وإن كان جزاءً لهم على أفعالِهم، وعدلًا ما فعَل من ذلك بهم؛ لاستحقاقِهم إيًّاه منه بعصيانِهم له كان بهم بما أظهَر لهم من الأمورِ التي أظْهرها لهم من إلحاقِه أحكامَهم في الدنيا بأحكامِ أوليائِه وهم له أعداءٌ، وحشرِه إيّاهم في الآخرةِ مع المؤمنين وهم به من المكذِّبين، إلى أن ميَّز بينَهم [وبينَهم - مستهزِئًا بهم] (٤) وساخرًا، ولهم خادِعًا، وبهم ماكرًا؛ إذ كان معنى الاستهزاءِ والسُّخريةِ والمكرِ والخديعةِ ما وصَفنا قبلُ، دونَ أن يكونَ ذلك معناه في حالٍ فيها المستهزِئُ بصاحبِه له ظالمٌ، أو عليه فيها (٥) عادلٌ، بل ذلك معناه في كلِّ أحوالِه، إذا (٦) وُجدَت الصفاتُ التي قدَّمنا ذكرَها في معنى الاستهزاءِ وما أشْبَهه من نظائِرِه.
وبنحوِ ما قلنا فيه رُوي الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
قال: يسخَرُ بهم للنِّقمةِ منهم (١).
وأمّا الذين زعَموا أن قولَ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
إنما هو على وجهِ الجوابِ، وأنه لم يكنْ من اللهِ استهزاءٌ ولا مكرٌ ولا خديعةٌ، فنافون عن اللهِ جلّ ثناؤُه ما قد أثْبَته اللهُ جلّ ثناؤُه لنفسِه وأوْجَبه لها.
وسواءٌ قال قائلٌ: لم يكنْ من اللهِ جلَّ ذكرُه استهزاءٌ ولا مكرٌ (٢) ولا سُخريةٌ بمن أخْبَر أنه يَسْتَهزِئُ ويسخَرُ ويمكُرُ به.
أو قال: لم يخسِفِ اللهُ بمن أخْبَر أنه خسَف به من الأممِ، ولم يُغرقْ من أخْبَر أنه غرّقه منهم.
ويقالُ لقائلِ ذلك: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرنا أنه مكَر بقومٍ مضَوا قبلَنا لم نَرَهم، وأخْبَر عن آخرين أنه خسَف بهم، وعن آخرين أنه غرّقهم، فصدَّقْنا اللهَ جلّ ثناؤُه فيما أخْبَرنا به من ذلك، ولم نفرِّقْ بين شيْءٍ منه، فما برهانُك على تفريقِك ما فرَّقْتَ بينَه، بزعمِك أنه قد غرّق وخسَف بمن قد (٣) أخْبَر أنه غرّقه وخسَف به، ولم يمكُرْ بمن أخْبَر أنه قد مكَر به؟
ثم يُعكَس القولُ عليه في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
فإن لجَأ إلى أن يقولَ: إن الاستهزاءَ عبثٌ ولعبٌ، وذلك عن اللهِ ﷿ منفيٌّ.
قيل له: إن كان الأمرُ عندَك على ما وصَفْتَ من معنى الاستهزاءِ، أفَلسْتَ تقولُ: اللهُ يَسْتَهْزِئُ بهم، وسخِر اللهُ منهم، ومكَر اللهُ بهم.
وإن لم يكنْ من اللهِ عندَك هُزْءٌ ولا سخريةٌ؟
فإن قال: لا.
كذَّب بالقرآنِ، وخرَج من (١) ملَّةِ الإسلامِ.
وإن قال: بلى.
قيل له: أفتقولُ من الوجهِ الذي قلت: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾: يلعَبُ اللهُ بهم ويعبَثُ.
ولا لعبَ من اللهِ ولا عبثَ؟
فإن قال: نعم.
وصَف اللهَ بما قد أجْمَع المسلمون على نفيِه عنه، وعلى تخطئةِ واصفِه به، وأضاف إليه ما قد قامت الحجةُ من العقولِ على ضلالِ مُضيفِه إليه.
وإن قال: لا أقولُ: يلعبُ اللهُ بهم، ولا يعبَثُ.
وقد أقولُ: يَسْتهزِئُ بهم، ويسخَرُ منهم.
قيل: فقد فرَّقت بين معنى اللعبِ والعبثِ، والهُزْء والسخريةِ، والمكرِ والخديعةِ، ومن الوجهِ الذي جاز قيل هذا، ولم يَجُزْ قيلُ هذا، افْتَرق معنياهما، فعُلم أن لكلِّ واحدٍ منهما معنًى غيرَ معنى الآخرِ.
وللكلامِ في هذا النوعِ موضعٌ غيرُ هذا، كرِهنا إطالَة الكتابِ باستقصائِه، وفيما ذكَرْنا كفايةٌ لمن وُفِّق لفَهمِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.
قال أبو جعفر: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: يُملي لهم (٢).
وقال آخرون بما حدَّثني به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ قال: يَزيدُهم (١).
وكان بعضُ نحوييِّ (٢) البصرةِ يتأوَّلُ ذلك أنه بمعنى: يَمُدُّ لهم.
ويزعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ العربِ: الغلامُ يلعَبُ الكِعابَ.
[يُراد به: يلعَبُ بالكِعابِ] (٣).
قال: وذلك أنهم قد يقولون: قد مدَدْتُ له، وأمْددْتُ له.
في غيرِ هذا المعنى، وهو قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ [الطور: ٢٢].
وهذا من: أمْدَدناهم.
قال: ويقالُ: قد مدَّ البحرُ فهو مادٌّ، وأمَدَّ الجُرْحُ فهو مُمِدٌّ.
وحُكِي عن يونسَ الجَرْميِّ (٤) أنه كان يقولُ: ما كان من الشرَّ فهو: مدَدْتُ، وما كان من الخيرِ فهو: أَمْدَدتُ.
ثم قال: وهو كما فسَّرتُ لك، إذا أردتَ أنك ترَكْتَه فهو: مَدَدتُ له، وإذا أردتَ أنك أعْطيتَه قلت: أمْدَدتُ.
وأما بعضُ نحوييِّ الكوفةِ فإنه كان يقولُ: كلُّ زيادةٍ حدَثت في الشيْءِ من نفسِه، فهو: مَدَدتُ، بغيرِ ألفٍ، كما تقولُ: مدَّ النهَرُ، [ومدَّه نهَرٌ] (٥) آخرُ غيرُه.
إذا اتَّصل به فصار منه، وكلُّ زيادةٍ حَدَثت في الشيْءِ من غيرِه فهو بألفٍ، كقولِك: أمدَّ الجُرْحُ؛ لأنَّ المِدَّةَ من غيرِ الجُرحِ، وأمْدَدتُ الجيشَ بمَدَدٍ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾.
أن يكونَ بمعنى: يزيدُهم.
على وجهِ (١) الإملاءِ والتركِ لهم في عُتوِّهم وتمرُّدِهم، كما وصَف ربُّنا جلَّ ثناؤُه أنه فَعَل بنظرائِهم في قولِه: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠].
[فكذلك قولُه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾] (٢).
يعني: [يَذَرُهم ويَتركُهم فيه، ويُملي] (٣) لهم ليزْدادوا إثمًا إلى إثمِهم.
ولا وجهَ لقولِ من قال: ذلك بمعنى: يَمُدُّ لهم.
لأنَّه [لا تدافُعَ بين] (٤) العربِ وأهلِ المعرفةِ بلغتِها أن يستجيزوا قولَ القائلِ: مدَّ النهَرَ (٥) نَهَرٌ آخرُ.
بمعنى: اتصل به فصار (٦) زائدًا [ماءُ المتَّصَلِ] (٧) به بماءِ المتَّصِلِ.
مِن غيرِ تأوُّلٍ منهم ذلك (٨) أن معناه: مدَّ النهَرَ (٩) نهَرٌ آخرُ.
فكذلك ذلك في قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والطغيانُ الفُعْلانُ، من قولِك: طغَى فلانٌ يطغَى طُغْيانًا.
إذا تجاوَز في الأمرِ حدَّه فبغَى.
ومنه قولُ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦، ٧] أي: يتجاوزُ حدَّه.
ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (١): ودعا اللهَ دعوةً [لاتَ هَنَّا] (٢) … بعدَ طُغْيانِه فظلَّ (٣) مُشيرَا وإنما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِم﴾ أي (٤): يُملي لهم، ويذَرُهم يبغُون في ضلالَتِهم (٥) وكفرِهم حَيارَى يتردَّدون.
كما حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال: في كفرِهم يتردَّدون (٦).
وحدَّثني موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في كفرِهم (٧).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم (٨).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾: في ضلالتِهم (١).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ قال: طغيانُهم كفرُهم وضلالتُهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ: والعَمَهُ نفسُه الضلالُ.
يقالُ منه: عمِه فلانٌ يعمَهُ عَمَهانًا وعُموهًا، إذا ضلَّ.
ومنه قولُ رؤْبةَ بنِ العجَّاجِ يصفُ مَضَلَّةً من المَهامِهِ (٣): ومَخْفَقٍ (٤) من لُهْلُهٍ (٥) ولُهْلُهِ من (٦) مَهْمَهٍ (٧) يَجْتَبْنَهُ (٨) في (٩) مَهْمَهِ أعْمَى الهُدى بالجاهلين العُمَّهِ والعُمَّهُ جمعُ عامِهٍ، وهم الذين يضلُّون فيه فيتحيَّرون.
فمعنى قولِه جلَّ ثناؤُه إذن (١٠): ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
في ضلالتِهم وكفرِهم الذي قد غمَرَهم دَنَسُه، وعلاهم رِجْسُه، يتردَّدون حَيارَى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المَخْرَجِ منه سبيلًا؛ لأن اللهَ قد طبَع على قلوبِهم، وختَم عليها، وأَعْمَى أبصارَهم عن الهدَى وأغشاها (١)، فلا يُبْصِرونَ رُشْدًا، ولا يهتَدون سبيلًا.
وبنحوِ ما قلنا في العَمَهِ جاء تأويلُ المتأوِّلين.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: يتمادَوْن في كفرِهم (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهِيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾.
قال: يتمادَوْن (٣).
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَعْمَهُونَ﴾.
قال: يتردَّدون (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾: المتلدِّدُ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال: يتردَّدون (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَة، قال حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، عن ابنِ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ قراءةً، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال: يتردَّدون (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا (٣) قائلٌ: وكيف اشترى هؤلاء القومُ الضلالةَ بالهدى، وإنما كانوا منافقين لم يتقدَّمْ نفاقَهم إيمانٌ فيقالَ فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتِهم التي (٤) اسْتَبدلوها منه.
وقد علِمتَ أن معنى الشراءِ المفهومَ اعتياضُ شيْءٍ ببذلِ شيْءٍ مكانَه عِوَضًا منه، والمنافقون الذين وصَفهم اللهُ بهذه الصفةِ لم يكونوا قطُّ على هُدًى فيتْرُكوه ويَعْتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟
قيل: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك، فنذكُرُ ما قالوا فيه، ثم نبيِّنُ الصحيحَ من التأويلِ في ذلك إن شاء اللهُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفرَ بالإيمانِ (١).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾.
يقولُ (٢): أَخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: اسْتَحبُّوا الضلالةَ على الهُدى (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: آمَنوا ثم كفَروا (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: فكأنَّ (٢) الذين قالوا في تأويلِ ذلك: أخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى.
وجَّهوا معنى الشِّراءِ إلى أنه أخْذُ المُشْترِي المُشْتَرَى (٣) مكانَ الثمنِ المشترَى به، فقالوا: كذلك المنافقُ والكافرُ قد أخَذا مكانَ الإيمانِ الكفرَ، فكان ذلك منهما شراءً للكفرِ والضلالةِ اللذين أخَذاهما بتركِهما ما ترَكا من الهدى، وكان الهدى الذي ترَكاه هو (٤) الثمنَ الذي جعَلاه عِوَضًا من الضلالةِ التي أخذاها.
وأما الذين تأوَّلوا أن معنى قولِه: ﴿اشْتَرَوُا﴾: استحبُّوا.
فإنهم لما وجَدوا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد وصَف الكفارَ في موضعٍ آخرَ، فنسبَهم إلى استحبابِهم الكفرَ على الهدى، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].
صرَفوا قولَه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ إلى ذلك، وقالوا: قد تدخُلُ الباءُ مكانَ "عَلَى"، و "على" مكانَ الباءِ، كما يقالُ: مَرَرْتُ بفلانٍ، ومَرَرْتُ على فلانٍ.
بمعنًى واحدٍ، وكقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
يُريدُ (١): على قنطارٍ.
فكان تأويلُ الآيةِ على معنى هؤلاء: أولئك الذين اختاروا الضلالةَ على الهدى.
وأُراهم وجَّهوا معنى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿اشْتَرَوُا﴾ إلى معنى.
اخْتاروا؛ لأن العربَ تقولُ: اشْتَريتُ كذا على كذا، واسْتَرَيتُه.
يعنُون: اخترتُه عليه.
ومن الاسْتِراءِ (٢) قولُ أعْشى بني ثعلبةَ (٣): فقد أُخْرِجُ الكاعبَ (٤) المُسْتَرا … ةَ (٥) من خِدْرِها وأُشِيعُ القِمَارَا يَعني بالمشتراةِ (٦) المختارةَ.
وقال ذو الرُّمَّةِ في الاشتراءِ بمعنَى الاختيارِ (٧): يذُبُّ القَصَايا (٨) عن شَرَاةٍ (٩) كأنَّها … جَماهيرُ (١٠) تحت المُدْجِناتِ (١١) الهَوَاضِبِ (١٢) يعني بالشَّراةِ المختارةَ.
وقال آخرُ في مثلِ (١) ذلك (٢): إن الشَّرَاةَ رُوقةُ (٣) الأَموالِ وحَزْرَةُ (٤) القَلْبِ خِيارُ المَالِ قال أبو جعفرٍ: وهذا وإن كان وجهًا من التأويلِ، فلستُ له بمختارٍ؛ لأنَّ اللهَ جَلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
فدلَّ بذلك على أن معنَى قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ معنَى الشراءِ الذي يتعارفُه الناسُ، من استبدالِ شيْءٍ مكانَ شيْءٍ، وأخذِ عِوَضٍ على عوضٍ.
وأما الذين قالوا: إن القومَ كانوا مؤمنين فكفَروا.
فإنه لا مؤنةَ عليهم لو كان الأمرُ على ما وصَفوا به القومَ؛ لأن الأمرَ إذا كان كذلك، فقد ترَكوا الإيمانَ، واسْتَبدلوا به الكفرَ عوضًا من الهدى، وذلك هو المعنى المفهومُ من معاني الشِّراءِ والبيعِ، ولكنّ دلائلَ (٥) أولِ الآياتِ في نعوتِهم إلى آخرِها دالَّةٌ على أن القومَ لم يكونوا قطُّ استَضاءوا بنورِ الإيمانِ، ولا دخَلوا في ملَّةِ الإسلامِ، أوَ ما تسمَعُ اللهَ جلَّ ثناؤُه من لَدُنِ ابْتَدأ في نعتِهم إلى أن أتى على صفتِهم، إنما وصَفهم بإظهارِ الكذبِ بألسنتِهم بدَعْوَاهم التصديقَ بنبيِّنا محمدٍ ﷺ، وبما جاء به، خِداعًا للهِ ولرسولِه وللمؤمنين عندَ أنفسِهم، واستهزاءً في أنفسِهم بالمؤمنين، وهم لغيرِ ما كانوا يُظهِرون مُسْتبطنون، يقولُ (٦) اللهُ ﷻ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم اقتصَّ قَصَصَهم إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾.
فأين الدلالةُ على أنهم كانوا مؤمنين فكفَروا؟
فإن كان (١) قائلُ هذه المقالةِ ظنَّ (٢) أن قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ هو الدليلُ على أن القومَ قد كانوا على الإيمانِ فانْتَقلوا عنه إلى الكفرِ، فلذلك قيل لهم: ﴿اشْتَرَوُا﴾.
فإن ذلك تأويلٌ غيرُ مسلَّمٍ له؛ إذ كان الاشتراءُ عندَ مخالفيه قد يكونُ أخذَ شيْءٍ بتركِ آخرَ غيرِه، وقد يكونُ بمعنى الاختيارِ، وبغيرِ ذلك من المعاني، والكلمةُ إذا احْتَمَلت وجوهًا لم يكنْ لأحدٍ صَرْفُ معناها إلى بعضِ وجوهِها دونَ بعضٍ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.
قال أبو جعفرٍ: والذي هو أَوْلى عندي (٣) بتأويلِ الآيةِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ من تأويلِهما قولَه: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أخَذوا الضلالةَ وترَكوا الهدى.
وذلك أن كلَّ كافرٍ باللهِ فإنه مستبدِلٌ بالإيمانِ كفرًا (٤)، باكتسابِه الكفرَ الذي وُجد منه [بدلًا من الإيمانِ] (٥) الذي أُمِر به، أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ في من اكْتَسب كفرًا به مكانَ الإيمانِ به وبرسولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
وذلك هو معنى الشراءِ؛ لأنَّ كلَّ مشترٍ شيئًا فإنما يستبدلُ مكانَ الذي يُؤخذُ منه من البدلِ آخرَ بديلًا (٦) منه، [فكذلك المنافقُ والكافرُ] (٧)، اسْتَبدلَا بالهُدى الضلالَ والنِّفاقَ، فأضلَّهما اللهُ، وسلَبهما نورَ الهدى، فترَك جميعَهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك أن المنافقين بشرائِهم الضلالةَ بالهُدَى، خسِروا ولم يربَحوا؛ لأنَّ الرابحَ من التُّجارِ المستبدِلُ من سلعتِه المملوكةِ عليه بدلًا هو أنفسُ من سلعتِه (١)، أو أفضلُ من ثمنِها الذي ابتاعَها به، فأما المستبدِلُ من سلعتِه بدلًا (٢) دونَها، ودونَ الثمنِ الذي ابتاعَها به، فهو الخاسرُ في تجارتِه لا شكَّ.
فكذلك الكافرُ والمنافقُ؛ لأنهما اختارا الحَيْرَةَ والعمى على الرشادِ والهدى، والخوفَ والرعبَ على الخَفْضِ (٣) والأمنِ، فاسْتَبدلا في العاجلِ بالرشادِ الحَيْرةَ، وبالهدى الضلالةَ، وبالخفضِ (٤) الخوفَ، وبالأمنِ الرعبَ، مع ما قد أعدَّ لهما في الآجلِ من أليمِ العقابِ وشديدِ العذابِ، فخابا وخسِرا ذلك هو الخُسرانُ المبينُ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: قد واللهِ رأيتُموهم، خرَجوا من الهدَى إلى الضلالةِ، ومن الجماعةِ إلى الفُرقةِ، ومن الأمنِ إلى الخوفِ، ومن السُّنَّةِ إلى البدعةِ (٦).
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
وهل التجارةُ مما تَربَحُ أو تُوكَسُ (١)، فيقالَ: رَبِحت أو وُضِعَت (٢)؟
قيل: إن وجهَ ذلك على غيرِ ما ظننتَ، وإنما معنى ذلك: فما ربِحوا في تجارتِهم، لا فيما اشْتَرَوا ولا فيما شَرَوا.
ولكنّ اللهَ جلَّ ثناؤُه خاطَب بكتابِه عَربًا، فسلَك في خطابِه إيَّاهم وبيانِه لهم مسلَكَ خطابِ بعضِهم بعضًا وبيانِهم المستعمَلِ بينَهم.
فلما كان فصيحًا لديهم قولُ القائلِ لآخرَ: خاب سعيُك، ونام ليلُك، وخَسِر بيعُك.
ونحوُ ذلك من الكلامِ الذي لا يَخْفى على سامعِه ما يريدُ قائلُه، خاطَبهم بالذي هو في منطقِهم من الكلامِ، فقال: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾.
إذ كان معقولًا عندَهم أن الربحَ إنما هو في التجارةِ، كما النومُ في الليلِ، فاكتفى بفَهمِ المخاطَبين بمعنى ذلك عن أن يقالَ: فما ربِحوا في تجارتِهم.
وإن كان ذلك معناه، كما قال الشاعرُ (٣): وشرُّ المنَايَا مَيِّتٌ (٤) وَسْطَ (٥) أهلِه … كهُلْكِ الفتاةِ (٦) أسْلَمَ (٧) الحيَّ حاضِرُهْ يعني بذلك: وشرُّ المنايا مَنيَّةُ (٨) ميِّتٍ وسطَ أهلِه.
فاكتفى بفهمِ سامعِ قيلِه مرادَه من ذلك عن إظهارِ ما ترَك إظهارَه.
وكما قال رُؤْبةُ بنُ العجَّاجِ (٩): حارثُ قد فرَّجتَ عنِّي همِّي فنام لَيْلِي وتجلَّى غمِّي فوصَف بالنومِ الليلَ، ومعناه أنه هو الذي نام.
وكما قال جريرُ بنُ الخَطَفَي (١): وأَعْوَرَ من نَبْهَانَ أما نهارُه … فأَعْمَى وأما ليلُه فبصيرُ فأضاف العمى والإبصارَ إلى الليلِ والنهارِ، ومرادُه وصفُ النَّبْهانيِّ (٢) بذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾: ما كانوا رُشداءَ في اختيارِهم الضلالةَ على الهدى، واستبدالِهم الكفرَ بالإيمانِ، واشترائِهم النفاقَ بالتصديقِ والإقرارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
وقد علمتَ أن الهاءَ والميمَ من قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾ كنايةُ جماعٍ (٣) من الرجالِ، أو الرجالِ والنساءِ، و ﴿الَّذِي﴾ دلالةٌ على واحدٍ من الذكور، فكيف جعَل الخبرَ عن الواحدِ مثلًا لجماعةٍ؟
وهلَّا قيل: مثلُهم كمثلِ الذين اسْتَوقدوا نارًا؟
وإن جاز عندَك أن تُمثَّلَ الجماعةُ بالواحدِ، فتُجيزَ لقائلٍ رأَى جماعةً من الرجالِ فأعْجَبتْه صُوَرُهم وتمامُ خلقِهم وأجسامِهم أن يقولَ: كَأن هؤلاء، أو كأن أجسامَ هؤلاء نخلةٌ؟
قيل: أمّا في الموضعِ الذي مثَّل ربُّنا جلَّ ثناؤُه جماعةً من المنافقين بالواحدِ الذي جعَله لأفعالِهم مثلًا، فجائزٌ حسنٌ، وفي نظائرِه، كما قال جلَّ ثناؤُه في نظيرِ ذلك: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩].
يَعْني: [كدَوْرِ أعينِ الذين يُغْشَى عليهم] (١) من الموتِ.
وكقولِه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨].
بمعنى: إلا كبعثِ نفسٍ واحدةٍ.
وأمّا في تمثيلِ أجسامِ الجماعةِ من الرجالِ في الطولِ وتمامِ الخلقِ بالواحدةِ من النخيلِ، فغيرُ جائزٍ، ولا في نظائرِه، لفرقٍ بينَهما.
فأما تمثيلُ الجماعةِ من المنافقين بالمستوقِد الواحدِ، فإنما جاز لأن المرادَ من (٢) الخبرِ عن مَثَلِ المنافقين (٣) الخبرُ عن مثَلِ استِضاءتِهم بما أظهَروا بألسنتِهم من الإقرارِ (٤) وهم لغيرِه مستبطِنون، من اعتقاداتِهم الرديَّةِ، وخلطِهم نفاقَهم الباطنَ بالإقرارِ بالإيمانِ الظاهرِ.
والاستضاءةُ - وإن اخْتَلفَت أشخاصُ أهلِها - معنًى واحدٌ لا معانٍ مختلفةٌ، فالمَثَلُ لها (٥) في معنى المثلِ للشخصِ الواحدِ من الأشياءِ المختلفةِ الأشخاصِ.
وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بما أظْهَروا من الإقرارِ باللهِ ﷿ وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، قولًا، وهم به مكذِّبون اعتقادًا، كمثَلِ استضاءة الموُقدِ نارًا.
ثم أُسقِط ذكرُ الاستضاءةِ وأُضِيف المثلُ إليهم، كما قال نابغةُ بني جَعْدةَ (١): وكيف تواصِلُ من أصْبَحتْ … خِلالتُه (٢) كأبي مَرْحَبِ (٣) يريدُ: كخِلالةِ أبي مرحبٍ.
فأسْقَط "خِلالَةَ"؛ إذ كان فيما أظْهَر من الكلامِ دلالةٌ لسامعيه على ما حذَف منه.
فكذلك القولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ لما كان معلومًا عندَ سامعيه بما ظهَر (٤) من الكلامِ أن المثَلَ إنما ضُرِب لاستضاءةِ القومِ بالإقرارِ دونَ أعيانِ أجسامِهم، حسُن حذفُ ذكرِ الاستضاءةِ وإضافةُ المثلِ إلى أهلِه، والمقصودُ بالمثَل ما ذكَرنا.
فلِما وصَفنا جاز وحسُن قولُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
وتَشْبيهُ (٥) مثَلِ الجماعةِ في اللفظِ بالواحدِ، إذ كان المرادُ بالمثَلِ الواحدَ في المعنى.
وأما إذا أُريد تشبيهُ الجماعةِ من أعيانِ بني آدمَ، أو أعيانِ ذوي الصورِ والأجسامِ بشيْءٍ، فالصوابُ من الكلامِ تشبيهُ الجماعةِ بالجماعةِ، والواحدِ بالواحدِ؛ لأن عينَ كلِّ واحدٍ منهم غيرُ أعيانِ الآخرينَ، ولذلك من المعنى افْتَرَق القولُ في تشبيهِ الأفعالِ والأسماءِ، فجاز تشبيهُ أفعالِ الجماعةِ من الناسِ وغيرهم - [إذا كانت] (٦) بمعنًى واحدٍ - بفعلِ الواحدِ، ثم حذفُ أسماءِ الأفعالِ، وإضافةُ المثَلِ والتشبيهِ إلى الذين لهم الفعلُ، فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كفعلِ الكلبِ.
ثم يُحذفُ فيقالُ: ما أفعالُكم إلا كالكلبِ، أو (١) كالكلابِ.
وأنت تعني: إلّا كفعلِ الكلبِ، وإلّا كفعل الكلابِ.
ولم يَجُزْ أن تقولَ: ما هم إلا نخلةٌ.
وأنت تريدُ تشبيهَ أجسامِهم بالنخلِ في الطولِ والتمامِ.
وأما قولُه: ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
فإنه في تأويلِ: أوْقَد، كما قال الشاعرُ (٢): ودَاعٍ دَعَا يا من يُجيبُ إلى النَّدَى (٣) … فلم يَسْتَجِبْه عندَ ذاك مُجيبُ يريدُ: فلم يُجِبْه.
فكان معنى الكلامِ إذن: مثَلُ استضاءةِ هؤلاء المنافقين في إظهارِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم من قولِهم: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخرِ، وصدَّقنا بمحمدٍ وبما جاء به.
وهم للكفرِ مستبطِنون، فيما (٤) اللهُ فاعلٌ بهم، مثَلُ استضاءةِ موقِدٍ نارًا بنارِه، حتى أضاءت له النارُ ما حولَه.
يعني ما حَولَ المستوقِدِ.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الذين، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣].
وكما قال الشاعرُ (٥): فإن الذي حانت بفَلْجٍ (١) دماؤُهُمْ … هُمُ القومُ كلُّ القومِ يا أُمَّ خالدِ قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ هو القولُ؛ لِما وصَفْنا من العلةِ، وقد أغْفَل قائلُ ذلك فرقَ ما بينَ "الذي" في الآيتين وفي البيتِ؛ لأن ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ قد جاءت الدَّلالةُ عدي أن معناها الجمعُ، وهو قولُه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
وكذلك "الذي" في البيتِ، وهو قولُه: دماؤُهم.
وليست هذه الدَّلالةُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
فذلك فرقُ ما بينَ ﴿الَّذِي﴾ فما قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ وسائرِ شواهدِه التي اسْتَشهد بها على أن معنى: ﴿الَّذِي﴾ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ بمعنى الجماعِ (٢)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ نقلُ الكلمةِ التي (٣) الأغلبُ في استعمالِ العربِ على معنًى إلى غيرِه إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ فيه أقوالٌ: أحدُها: ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ضرَب اللهُ للمنافقين مثلًا فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أي: يُبصِرون (٤) الحقَّ ويقولون به، حتى إذا خرَجوا به من ظُلمةِ الكفرِ، أطفئوه بكفرِهم به ونقاقِهم فيه، فترَكهم في ظلماتِ الكفرِ، فهم لا يُبصِرون هدًى، ولا يَسْتقيمون على حقٍّ (١).
والآخرُ: ما حدَّثنا به المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخِرِ الآيةِ: هذا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين أنهم كانوا يعتزُّون (٢) بالإسلامِ، فيناكحُهم المسلمون، [ويُوارِثونهم] (٣)، ويقاسمونهم الفَيْءَ، فلما ماتوا سلَبهم اللهُ ذلك العزَّ، كما سلَب صاحبَ النارِ ضوءَه، ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾.
[يقولُ: في] (٤) عذابٍ (٥).
والثالثُ: ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: زعَم أن أُناسًا دخَلوا في الإسلامِ مقدَمَ النبيِّ ﷺ المدينةَ، ثم إنهم نافقوا، فكان مثَلُهم كمثَلِ رجلٍ كان في ظلمةٍ، فأوْقَد نارًا فأضاءت له (٦) ما حولَه من قَذًى أو أذًى، فأبْصَره حتى عرَف ما يَتَّقي، فبينا هو كذلك إذ طُفِئت نارُه، فأقْبَل لا يَدْرى ما يَتَّقي من أَذًى، فكذلك المنافقُ، كان في ظلمةِ الشركِ، فأسْلم فعرَف الحلالَ من الحرامِ، والخيرَ من الشرِّ، فبينا هو كذلك إذ كفَر، فصار لا يعرِفُ الحلالَ من الحرامِ، ولا الخيرَ من الشرِّ، وأما النورُ فالإيمانُ بما جاء به محمدٌ ﷺ، وكانت الظلمةُ نفاقَهم (١).
والآخر: ما حدَّثني به محمدُ بنُ سعدٍ (٢)، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، عن أبيه، عن جدِّه (٣)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾، إلى ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾: ضرَبه اللهُ مثلًا للمنافقِ، وقولُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾.
قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلمةُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم الذي (٤) يتكلَّمون به، وهم قومٌ كانوا على هدًى، ثم نُزِع منهم فعَتَوا (٥) بعدَ ذلك (٦).
وقال آخرون بما حدَّثني به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾: وإن المنافقَ تكلَّم بـ "لا إلَه إلا اللهُ"، فأضاءت له في الدنيا، فناكَح بها المسلمين، وعادَّ (١) بها المسلمين، ووارَث بها المسلمين، وحقَن بها دمَه ومالَه، فلما كان عندَ الموتِ سُلِبها المنافقُ؛ لأنَّه لم يكنْ لها أصلٌ في قلبِه، ولا حقيقةٌ في عمَلِه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: وهي لا إلَهَ إلا اللهُ، أضاءت لهم فأكلوا بها وشرِبوا، وأمِنوا في الدنيا، ونكَحوا النساءَ، وحقَنوا (٣) دماءَهم، حتى إذا ماتوا ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون.
حدَّثنا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني أبو تُمَيلةَ (٤)، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحّاكِ بنِ مُزاحمٍ قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾.
قال: أما النورُ فهو إيمانُهم الذي يتكلَّمون به، وأما الظلماتُ فهي ضلالتُهم وكفرُهم (٥).
وقال آخرون بما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾.
قال: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين و (١) الهدَى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين و (١) الضلالةِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: أما إضاءةُ النارِ، فإقبالُهم إلى المؤمنين والهدى، وذهابُ نورِهم إقبالُهم إلى الكافرين والضلالةِ.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ، قال: ضرَب مثَلَ أهلِ النِّفاقِ فقال: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
قال: إنما ضَوْءُ النارِ ونُورُها ما أوقدْتَها، فإذا خمَدت ذهَب نورُها، كذلك المنافقُ، كلما (٣) تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ وقَع في الظلمةِ (٤).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: هذه صفةُ المنافقين، كانوا قد آمَنوا حتى أضاء الإيمانُ في قلوبِهم، كما أضاءت النارُ لهؤلاء الذين اسْتَوْقَدوا، ثم كفَروا فذَهب اللهُ بنورِهم، فانْتَزَعه كما ذهَب بضوءِ هذه النارِ، فترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون (١).
وأوْلى التأويلاتِ بالآيةِ ما قاله قتادةُ والضحَّاكُ، وما رواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضرَب هذا المثلَ للمنافقين الذين وصَف صفتَهم وقصَّ قَصَصَهم، من لدنِ ابْتَدأ بذكرِهم بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ (٢)﴾ لا [للمُعالِنين بالكفرِ] (٣) المجاهرين بالشركِ.
ولو كان المثلُ لمن آمَن إيمانًا صحيحًا ثم أعْلن بالكفرِ (٤) إعلانًا صحيحًا - على ما ظنَّ المتأوِّلُ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ أن ضوءَ النارِ (٥) مثَلٌ لإيمانِهم الذي كان منهم عندَه على صحةٍ، وأن ذَهابَ نورِهم مثَلٌ لارتدادِهم وإعلانِهم الكفرَ على صحةٍ - لم يكنْ هناك من القومِ خِداعٌ ولا استهزاءٌ عندَ أنفسِهم ولا نِفاقٌ.
وأنَّى يكونُ خِداعٌ ونفاقٌ ممَّن لم يُبدِ لك قولًا ولا فعلًا إلا ما أوْجَب لك العلمَ بحالِه التي هو لك عليها، وبعزيمةِ نفسِه التي هو مقيمٌ عليها؟
إن هذا لغيرِ (٦) شكٍّ من النِّفاقِ بعيدٌ، ومن الخِداعِ برئٌ، وإن (١) كان القومُ لم تكنْ لهم إلا حالتان؛ حالُ إيمانٍ ظاهرٍ، وحالُ كفرٍ ظاهرٍ، فقد سَقَط عن القومِ اسمُ النفاقِ؛ لأنهم في حالِ إيمانِهم الصحيحِ كانوا مؤمنين، وفي حالِ كفرِهم الصحيحِ كانوا كافرين، ولا حالةَ هنالك ثالثةً كانوا بها منافقين.
وفي وصفِ اللهِ جلَّ ثناؤُه إيَّاهم بصفةِ النفاقِ ما يُنْبئُ عن أن القولَ غيرُ القولِ الذي زعَمه مَن زعَم أن القومَ كانوا مؤمنين ثم ارتدُّوا إلى الكفرِ فأقاموا عليه، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد أنهم انْتَقلوا من إيمانِهم الذي كانوا عليه إلى الكفرِ الذي هو نفاقٌ، وذلك قولٌ إن قاله، لم تُدرَكْ صحتُه إلَّا بخَبَرٍ مستفيضٍ، أو ببعضِ المعاني الموجبةِ صحَّتَه.
فأما في ظاهرِ الكتابِ، فلا دلالةَ على صحَّتِه؛ لاحتمالِه من التأويلِ ما هو أوْلَى به منه.
فإذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا في ذلك، فأوْلَى تأويلاتِ الآيةِ بالآيةِ: مثَلُ استضاءةِ المنافقين - بما أظْهَروا بألسنتِهم لرسولِ اللهِ ﷺ من الإقرارِ به، وقولِهم له وللمؤمنين: آمَنَّا باللهِ وكتُبِه ورسلِه واليومِ الآخرِ.
حتى حُكِم لهم بذلك في عاجلِ الدنيا بحكمِ المسلمين في حقنِ الدماءِ والأموالِ، والأمنِ على الذرِّيَّةِ من السِّباءِ، وفي المناكحةِ والموارثةِ - كمثلِ استضاءةِ الموقِدِ النارَ بالنارِ، حتى (٢) ارْتَفق بضيائِها، وأبْصَر به (٣) ما حولَه مستضيئًا بنورِه من الظلمةِ، حتى خمَدت النارُ وانطفأت، فذهَب نورُه، وعاد المستضئُ به في ظلمةٍ وحَيْرةٍ.
وذلك أن المنافقَ لم يزَلْ مستضيئًا بضوءِ القولِ الذي دافعَ عنه في حياتِه القتلَ والسِّباءَ، مع استبطانِه ما كان مستوجِبًا به القتلَ وسلبَ المالِ لو أظْهَره بلسانِه، تُخَيِّلُ إليه بذلك نفسُه أنه باللهِ ورسولِه والمؤمنين مستهزئٌ مخادعٌ، حتى سوَّلت له نفسُه إذ ورَد على ربِّه في الآخرةِ أنه ناجٍ منه بمثلِ الذي نجا به في الدنيا من الكذبِ والنفاقِ.
أوَ ما تسمَعُ اللهَ جَلَّ ثناؤُه يقولُ إذ نعَتهم (١)، ثم [أخْبَر خبرَهم] (٢) عندَ ورودِهم عليه: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].
ظنًّا من القومِ أن نجاءَهم (٣) من عذابِ اللهِ في الآخرةِ، في مثلِ (٤) الذي كان به نجاؤُهم (٣) من القتلِ والسِّباءِ (٥) وسلبِ المالِ (٦) في الدنيا، من الكذبِ والإفكِ، وأن خداعَهم نافعُهم هنالك نفعَه إيَّاهم في الدنيا، حتى عايَنوا من أمرِ اللهِ ما أيْقَنوا به أنهم كانوا من ظنونِهم في غرورٍ وضلالٍ، واستهزاءٍ بأنفسِهم وخداعٍ، إذ أطْفأ اللهُ نورَهم يومَ القيامةِ، فاسْتَنظروا المؤمنين ليقْتَبِسوا من نورِهم، فقيل لهم (٧): ارْجِعوا وراءَكم فالتمِسوا نورًا، واصلَوْا سعيرًا.
فذلك حينَ ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون، كما انطَفأت نارُ المستوقِدِ النارَ بعدَ إضاءتِها له، فبقِي في ظلمةٍ (٨) حَيْرانَ تائهًا، يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحديد: ١٣ - ١٥].
فإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرْتَ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾: خمَدت وانطَفأت.
وليس ذلك بموجودٍ في القرآنِ، فما دَلالتُك (١) على أن ذلك معناه؟
قيل: قد قلنا: إن من شأنِ العربِ الإيجازَ والاختصارَ إذا (٢) كان فيما نطَقت به الدَّلالةُ الكافيةُ على ما حذَفت وترَكت، كما قال أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ (٣): عَصَيْتُ (٤) إليها القلبَ إِنِّي لأمرِها … سميعٌ فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها يعني بذلك: فما أدْرِى أرُشْدٌ طِلابُها أم غيٌّ.
فحذَف ذكرَ "أَمْ غيٌّ"، إذ كان فيما نطَق به الدلالةُ عليها، وكما قال ذو الرُّمَّهِ في نعتِ حَميرٍ (٥): فلمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ أو حينَ نصَّبَت (٦) … له مِن خَذَا (٧) آذانِها وَهْو جانِحُ يعني: أو حينَ أقْبَل الليلُ.
في نظائرَ لذلك كثيرةٍ كرِهنا إطالةَ الكتابِ بذكرِها.
فكذلك قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ لمَّاَ كان فيه وفيما بعدَه من قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ دَلالةٌ على المتروكِ كافيةٌ من ذكرِه، اخْتَصر الكلامَ طلبَ الإيجازِ، وكذلك حذفُ ما حذَف واختصارُ ما اخْتَصَر من الخبرِ عن مثَلِ المنافقين بعدَه، نظيرَ ما اخْتصر من الخبرِ عن مثَلِ المستوقِدِ النارَ؛ لأن معنى الكلامِ: فكذلك المنافقون ذهَب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظلماتٍ لا يُبْصِرون - بعدَ الضياءِ الذي كانوا فيه في الدنيا، بما كانوا يُظْهِرون بألسنتِهم من الإقرارِ بالإسلامِ، وهم لغيرِه مستبطِنون - كما ذهَب ضوءُ نارِ هذا المستوقِدِ بانطفاءِ نارِه وخمودِها، فبقِيَ في ظلمةٍ لا يُبْصِرُ.
والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ عائدةٌ على الهاءِ والميمِ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإذ كان تأويلُ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هو ما وصَفْنا من أن ذلك خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّا هو فاعلٌ بالمنافقين في الآخرةِ، عندَ هَتْكِ أستارِهم، وإظهارِه فضائحَ (١) أسرارِهم، وسلبِه ضياءَ أنوارِهم، من تركِهم في ظُلَمِ أهوالِ يومِ القيامةِ يتردَّدون، وفي حنادسِها لا يُبْصِرون، فبَيِّنٌ أن قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، وأن معنى الكلامِ: أولئك الذين اشترَوُا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مُهْتدين، صُمٌّ بُكْمٌ عميٌ فهم لا يَرْجِعون، مثَلُهم كمثَلِ الذي اسْتوقَد نارًا، فلما أضاءَت ما حَوْلَه ذهب اللهُ بنورِهم وترَكهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرون، أوْ كمثَلِ صيِّبٍ من السماءِ.
وإذ كان ذلك معنى الكلامِ، فمعلومٌ أنَّ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يأتِيه الرفعُ من وجهين، والنصبُ من وجهين: فأما أحدُ وجهي الرفعِ: فعلى الاستئنافِ لما فيه من الذمِّ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك في المدحِ والذمِّ، فتنصِبُ وترفَعُ وإن كان خبرًا عن معرفةٍ، كما قال الشاعر (١): لا يَبْعَدَنْ (٢) قَوْمِي الَّذين هُمُ … سَمُّ العُداةِ وآفةُ الجُزْرِ (٣) النازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ … والطَّيبِين مَعاقِدَ الأُزْرِ فيُرْوَى: "النازلون" و "النازِلين"، وكذلك "الطيِّبون" و "الطيِّبين"، على ما وصَفْتُ من المدحِ.
والوجهُ الآخرُ: على نيَّة التكريرِ من: ﴿أُولَئِكَ﴾.
فيكونُ المعنى حينَئذٍ: أولئك الذين اشْتَرُوا الضلالةَ بالهدَى، فما رَبِحت تجارتُهم وما كانوا مهتدين، أولئك صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فهم لا يرجِعون.
وأما أحدُ وجهي النصبِ: فأن يكون قطعَا مما في: ﴿مُهْتَدِينَ﴾ من ذكرِ ﴿أُولَئِكَ﴾، لأن الذي فيه من ذكرِهم معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ.
والآخرُ: أن يكونَ قطعًا من: ﴿الَّذِينَ﴾ لأنَّ ﴿الَّذِينَ﴾ معرفةٌ، والصمُّ نكرةٌ.
وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على وجهِ الذمِّ، فيكونُ ذلك وجهًا من النصبِ ثالثًا.
فأمَّا على تأويلِ ما رَوَينا عن ابنِ عباسٍ من غيرِ وجهِ روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، فإنه لا يجوزُ فيه الرفعُ إلا من وجهٍ واحدٍ، وهو الاستئنافُ.
وأما النصبُ فقد يجوزُ فيه من وجهين: أحدُهما، الذمُّ.
والآخرُ، القطعُ من الهاءِ والميمِ اللتين في ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، أو من ذكرِهم في ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وقد بيَّنا القولَ الذي هو أوْلَى بالصوابِ في تأويلِ ذلك.
والقراءةُ التي هي القراءةُ (١)، الرفعُ دونَ النصبِ؛ لأنه ليس لأحدٍ خلافُ رسومِ مصاحفِ المسلمين، وإذا قرِئ نصبًا كانت قراءةً مخالفةً رسمَ مصاحِفِهم (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبر من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن المنافقين، أنهم باشترائِهم الضلالةَ بالهدى لم يكونوا للهدَى والحقِّ مُهْتدين، بل هم صُمٌّ عنهما فلا يسمَعونهما (٣)؛ لغلبةِ خِذلانِ اللهِ عليهم، بُكْمٌ عن القيلِ بهما، فلا ينطِقون بهما - والبُكْمُ الخُرْسُ، وهو جِماعُ (٤) أبكمَ - عُمْيٌ عن أن يُبْصِروهما فيعقِلوهما؛ لأنَّ اللهَ قد طبَع على قلوبِهم بنفاقِهم فلا يَهْتَدون.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قالت علماءُ أهلِ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ (٥) بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سَلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: عن الخيرِ (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
يقولُ: لا يسمَعون الهدى، ولا يُبْصِرونه، ولا يعقِلونه (١).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿بُكْمٌ﴾: هم (٢) الخُرْسُ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: صُمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونه، عُمْيٌ عن الحقِّ فلا يُبصِرونه، بُكْمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقون به (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
إخبارٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه عن هؤلاء المنافقين الذين نعَتهم اللهُ باشترائِهم الضلالةَ بالهدَى، وصَمَمِهم عن سماعِ الخيرِ والحقِّ، وبَكَمِهمْ عن القيلِ بهما، وعَماهم عن إبصارِهما - أنهم لا يَرْجِعون إلى الإقلاعِ عن ضلالتِهم، ولا يثوبون (١) إلى الإنابةِ من نفاقِهم، فآيَس المؤمنين من أن يُبْصِرَ هؤلاء رُشْدَا، ويقولوا حقًّا، أو يسمَعوا داعيًا إلى الهدَى، أو أن يذَّكَّروا فيتوبوا من ضلالتِهم، كما آيَس من توبةِ قادةِ كفارِ أهلِ الكتابِ والمشركين وأحبارِهم، الذين وصَفهم بأنه قد ختَم على قلوبهم وعلى سمِعهم، وغشَّى على أبصارِهم.
وبمثلِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون ولا يذَّكَّرون (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ (٣): إلى الإسلامِ (٤).
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ قولٌ يُخالِفُ معناه معنى هذا الخبرِ (٥)، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: فلا يَرْجِعونَ إلى الهدَى، ولا إلى خيرٍ، ولا يُصيبون نجاةً، ما كانوا على ما هم عليه (١).
وهذا تأويلٌ ظاهرُ التلاوةِ بخلافِه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن القومِ أنهم لا يَرْجِعون عن اشترائِهم الضلالةَ بالهدى، إلى ابتغاءِ الهدى وإبصارِ الحقِّ، من (٢) غيرِ حصرٍ منه جلَّ ذكرُه ذلك من حالِهم على (٣) وقتٍ دونَ وقتٍ، وحالٍ دونَ حالٍ.
وهذا الخبرُ الذي ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ يُنبِئُ عن (٤) أن ذلك من صفتِهم محصورٌ على وقتٍ، وهو ما كانوا على أمرِهم مُقيمين، وأن لهم السبيلَ إلى (٥) الرجوعِ عنه، وذلك من التأويلِ دعوَى باطلةٌ (٦) لا دلالةَ عليها من ظاهرٍ، ولا من خبرٍ تقومُ بمثلِه الحجةُ فيُسَلَّم لها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والصيِّبُ الفَيْعِلُ، من قولِك: صاب المطرُ يصوبُ صَوْبًا.
إذا انحدَر ونزَل، كما قال الشاعرُ (٧): فَلسْتَ لإِنْسِيٍّ (١) ولكنْ لمَلْأكٍ (٢) … تَنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصوبُ وكما قال علقمةُ بنُ عَبَدةَ (٣): كأنَّهُمُ صابتْ عليهم سَحَابةٌ … صواعِقُها لطَيْرِهنَّ دَبيبُ فلا تَعْدِلي بَيْني وبينَ مُغَمَّرٍ (٤) … سُقِيتِ (٥) رَوَايا (٦) المُزْنِ (٧) حينَ (٨) تَصوبُ يعني: حينَ تنحدِرُ.
وهو في الأصلِ صَيْوِبٌ، ولكنَّ الواوَ لمّا سبَقتها ياءٌ ساكنةٌ، صُيِّرتا جميعًا ياءً مشددةً، كما قيل: سيِّدٌ، من سادَ يسودُ، وجيِّدٌ، من جاد يجودُ.
وكذلك تفعَلُ العربُ بالواوِ إذا كانت متحرِّكةً وقبلَها ياءٌ ساكنةٌ، تصيِّرُهما جميعًا ياءً مشددةً.
وبما قلنا من القولِ في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: القَطْرُ (١).
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريج: قال لي عطاءٌ: الصيِّبُ المطرُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالح، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ (٣).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: الصيِّبُ المطرُ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه (٥)، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادَةَ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾.
يقولُ: المطرُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (١).
حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: الصيِّبُ المطرُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: الصيِّبُ المطرُ (٣).
حُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الصيِّبُ المطرُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: أو كغَيثٍ من السماءِ.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرِيُّ، قال: قال سفيانُ: الصيِّبُ الذي فيه المطرُ (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريج، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال: المطرُ (٥).
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: مثَلُ استضاءةِ المنافقين بضوءِ إقرارِهم بالإسلامِ، مع استسرارِهم الكفرَ، مثَلُ اسْتِضاءَةِ (١) موقدِ نارٍ (٢) بضوءِ نارِه، على ما وصَف جلَّ ثناؤُه من صفتِه، أو كمثَلِ مطرٍ مُظلمٍ، وَدْقُه (٣) تَحَدَّرَ من السماءِ، تحمِلُه مُزنةٌ ظلماءُ، في ليلةٍ مُظلمةٍ، وذلك هو الظلُماتُ التي أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنها فيه.
فإن قال لنا قائلٌ: أخْبِرْنا عن هذين المثَلين، أهما مثَلان للمنافقين، أو أحدُهما؟
فإن يكونا مثَلين للمنافقين، فكيف قيل: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ و"أو" تأتي بمعنى الشكِّ في الكلامِ، ولم يقلْ: وكصيِّبٍ.
بالواوِ التي تُلحِقُ المثلَ الثانيَ بالمثلِ الأولِ؟
أو يكونَ مثلُ القومِ أحدَهما، فما وجهُ ذكرِ الآخرِ بـ ﴿أَوْ﴾ وقد علمتَ أن "أو" إذا كانت في الكلامِ، فإنما تدخُلُ فيه على وجهِ الشكِّ من المخبِرِ فيما أخْبَرَ عنه، كقولِ القائلِ: لقِيَني أخوك أو أبوك.
وإنما لقِيَه أحدُهما، ولكنه جهِل عينَ الذي لقِيَه منهما، مع علمِه أن أحدَهما قد لقِيَه، وغيرُ جائزٍ في اللهِ جلَّ ثناؤُه أن يُضافَ إليه الشكُّ في شيْءٍ، أو عُزوبُ علمِ شيْءٍ عنه فيما أخْبَر أو ترَك الخبرَ عنه.
قيل له: إن الأمرَ في ذلك بخلافِ (٤) الذي (٥) ذهبتَ إليه، و"أو" وإن كانت في بعضِ الكلامِ تأتي بمعنى الشكِّ، فإنها قد تأتي دالَّةً على مثلِ ما تدلُّ عليه الواوُ، إما بسابقٍ من الكلامِ قبلَها، وإما بما يأتي بعدَها، كقولِ توبةَ بنِ الحُمَيِّرِ (١): وقد زعَمتْ ليلى بأنِّيَ فاجرٌ … لنفسي تُقَاها أو عليها فُجورُها ومعلومٌ أن ذلك من توبةَ على غيرِ وجهِ الشكِّ فيما قال، ولكن لما كانت "أو" في هذا الموضعِ دالَّةً على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (٢) كانت مكانَها، وضَعها موضِعَها.
وكذلك قولُ جريرٍ (٣): نال (٤) الخِلافَة أو كانتْ له قَدَرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ وكما قال الآخرُ (٥): فلو كان البكاءُ يردُّ شيئًا … بَكَيْتُ عَلَى بُجَيْرٍ (٦) أو عِفاقِ (٧) [على المَرْأَيْن] (٨) إذْ مَضَيَا (٩) جَميعًا … لشأنِهما بحُزْنٍ (١٠) واشْتِياقِ (١١) فقد دلَّ بقولِه: على المَرْأَيْنِ.
أن بكاءَه الذي أراد أن يَبكيَه لم يُرِدْ أن يقصِدَ به أحدَهما دونَ الآخرِ، بل أراد أن يَبكِيَهما جميعًا.
فكذلك ذلك في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾.
لمّا كان معلومًا أن ﴿أَوْ﴾ (١) دالَّةٌ [في ذلك على مثلِ الذي كانت تدلُّ عليه الواوُ لو (٢)] (٣) كانت مكانَها، كان سواءً نطق فيه بـ "أو" أو بالواوِ.
وكذلك وجهُ حذفِ المثَلِ من قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ لمّا كان قولُه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ دالًّا على أن معناه: كمثلِ صيِّبٍ.
حذَف المثلَ واكتَفى بدَلالةِ ما مضَى من الكلامِ في قولِه (٤): ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ على أن معناه: أو كمثلِ صيِّبٍ - من إعادةِ ذكرِ المثلِ؛ طَلَبَ الإيجازِ والاختصارِ.
(*) القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
قال أبو جعفر: فأما الظلماتُ فجمعٌ، واحدُها ظلمةٌ.
وأما الرعدُ، فإن أهلَ العلمِ اختلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بصوتِه (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: حدَّثنا فُضيلُ بنُ عِياضٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مِن الملائكةِ يُسبِّحُ (٢).
وحدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْديُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يعلى، عن أبي الخطَّابِ البصريِّ، عن شهرِ بنِ حَوْشبٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ مُوَكَّلٌ بالسحابِ، يسوقُه كما يسوقُ الحادِي الإبلَ، يسبِّحُ، كلَّما خالفت سحابةٌ سَحَابةً صاح بها، فإذا اشتدَّ غضَبُه طارت النارُ من فِيه، فهي الصواعقُ التي رأيتُم (٣).
وحُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ من الملائكةِ اسمُه الرعدُ، وهو الذي تسمَعون صوتَه (١).
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حُسينٍ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ بالتسبيحِ والتكبيرِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ (٣) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ اسمُ ملَكٍ، وصوتُه هذا تسبيحُه، فإدْا اشتدّ زجرُه السحابَ، اضطَرب السحابُ واحْتَكَّ، فتخرُجُ الصواعقُ مِن بيْنِه.
حدَّثنا الحسنُ (٣)، قال: حدَّثنا عفانُ، قال: حدَّثنا أبو عوانةَ، عن موسى البزازِ (٤)، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ بالتسبيحِ، كما يسوقُ الحادِي الإبلَ بحُدائِه (١).
حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبَّادٍ وشَبَابةُ، قالا (٣): حدَّثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ يزجُرُ السحابَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عتَّابُ بنُ زيادٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ في السماءِ (٤) يجمَعُ السحابَ كما يجمَعُ الراعي الإبلَ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الرعدُ خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ سامعٌ مُطيعٌ للهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يُؤمَرُ بإزجاءِ السحابِ، ويؤلِّفُ بينَه، فذلك الصوتُ تسبيحُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرعدُ ملَكٌ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ (١)، عن أبيه اُو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ ملَكٌ (٢).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، قال: أخْبَرنا موسى ابنُ سالمٍ أبو جَهْضَمٍ مولى ابنِ عباسٍ، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ يَسألُه عن الرعدِ؟
فقال: الرعدُ ملَكٌ (٣).
حدَّثنا المُثَنَّى، فال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ الوليدِ الشَّنيُّ (٤)، عن عكرمةَ، قال: الرعدُ ملَكٌ يسوقُ السحابَ كما يسوقُ الراعِي الإبلَ.
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحَكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ إذا سمِع الرعدَ قال: سبحانَ الذي سبَّحتَ له.
قال: وكان يقولُ (٥): الرعدُ ملَكٌ ينعِقُ بالغيثِ، كما ينعِقُ الراعي بغنمِه (٦).
وقال آخرون: الرعدُ ريحٌ تختَنقُ تحتَ السحابِ فتصّاعدُ، فيكونُ منه ذلك الصوتُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (١) أبو (٢) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (٣)، قال: كنتُ عندَ أبي الجَلْدِ (٤)، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه، فكتَب (٥) إليه: كتبتَ إليّ تسألُني عن الرعدِ، فالرعدُ الريحُ (٦).
حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٤) يسألُه عن الرعدِ، فقال: الرعدُ ريحٌ (٧).
قال أبو جعفرٍ: فإن كان الرعدُ ما ذكَره ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ، فمعنَى الآية: أو كصيِّبٍ من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ؛ لأن الرعدَ إن كان ملَكًا يسوقُ السحابَ، فغيرُ كائنٍ في الصيِّبِ؛ لأن الصَّيِّبَ إنما هو ما تحدَّر من صَوْبِ (٨) السحابِ، والرعدُ إنما هو في جوِّ السماءِ يسوقُ السحابَ.
على أنه لو كان فيه ثَمَّ (١)، لم يكنْ له صوتٌ مسموعٌ، لم (٢) يكنْ هنالك رعبٌ يُرْعَب به أحدٌ؛ لأنه قد قيل: إن مع كلِّ قطرةٍ من قَطْرِ المطرِ ملَكًا.
فلا يَعْدُو الملَكُ الذي اسمُه الرعدُ لو كان مع الصيِّبِ، إذا لم يكنْ مسموعًا صوتُه - أن يكونَ كبعضِ تلك الملائكةِ التي تنزلُ مع القَطْرِ إلى الأرضِ، في ألا رُعبَ على أحدٍ بكونِه فيه.
فقد عُلِم - إذ كان الأمرُ كما (٣) وصَفْنا من قولِ ابنِ عباسٍ - أن معنَى الآيةِ: أو كمثَلِ غيْثٍ تحدَّر من السماءِ فيه ظلماتٌ وصوتُ رعدٍ.
إن كان الرعدُ هو ما قاله ابنُ عباسٍ، وأنه اسْتَغْنَى بدَلالةِ ذكرِ الرعدِ باسمِه على المرادِ في الكلامِ من ذكرِ صوتِه، وإن كان الرعدُ ما قاله أبو الجلدِ (٤)، فلا شيْءَ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ﴾.
متروكٌ؛ لأن معنى الكلامِ حينَئذٍ: فيه ظلماتٌ ورعدٌ، الذي هو ما وصَفْنا صفتَه.
وأما البرقُ، فإن أهلَ العلمِ اخْتَلفوا فيه؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا مطرُ بنُ محمدٍ الضبِّيُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ ابنُ مهديٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثني أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ الثوريُّ، عن سَلَمةَ بنِ كُهيلٍ، عن سعيدِ بنِ أشْوعَ، عن ربيعةَ بنِ الأَبْيَضِ، عن عليٍّ، قال: البرقُ مخاريقُ (٥) الملائكةِ (٦).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ مخاريقُ بأيدي الملائكةِ يزْجُرون بها السحابَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن المغيرةِ بنِ سالمٍ، عن أبيه أو غيرِه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال: الرعدُ الملَكُ، والبرقُ ضربُه السحابَ بمِخْراقٍ من (١) حديدٍ (٢).
وقال آخرون: هو سَوُطٌ من نورٍ، يزجُرُ به الملكُ السحابَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثت عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ بذلك (٣).
وقال آخرون: هو ماءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا بشيرٌ (٤) أبو (٥) إسماعيلَ، عن أبي كَثيرٍ (٦)، قال: كنتُ عند أبي الجَلْدِ (٧)، إذ جاءه رسولُ ابنِ عباسٍ بكتابٍ إليه (١)، [فكتَب إليه] (٢): كَتَبْتَ (٣) إليّ (٤) تسألُني عن البرقِ، فالبرقُ الماءُ (٥).
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بنُ ميْسرةَ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ (٦) بنِ الفراتِ، عن أبيه، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجلدِ يسألُه عن البرقِ، فقال: البرقُ ماءٌ (٧).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن عطاءٍ، عن رجلٍ من أهلِ البصرةِ من قُرَّائِهم، قال: كتَب ابنُ عباسٍ إلى أبي الجَلْدِ (٨) - رجلٍ مِن أهلِ هَجَرَ - يسألُه عن البرقِ، فكتَب إليه: كتَبتَ إليَّ تسألُني عن البرقِ، وإنه من الماءِ (٩).
وقال آخرون: هو مَصْعُ (١٠) ملَكٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ، قال: البرقُ مَصْعُ ملَكٍ (١) حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيِّ، قال: بلَغني أن البرقَ ملَكٌ له أربعةُ أوجهٍ، وجهُ إنسانٍ، ووجهُ ثَوْرٍ، ووجهُ نَسرٍ، ووجهُ أسدٍ، فإذا مصَع بأجنحتِه فذلك البرقُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن وهبِ بنِ سليمانَ، عن شُعيبٍ الجَبَائيِّ، قال: في كتابِ اللهِ؛ الملائكةُ حَملةُ العرشِ، لكل ملَكٍ منهم وجهُ إنسانٍ وثَورٍ وأسدٍ ونَسْرٍ، فإذا حرَّكوا أجنحتَهم، فهو البرقُ، وقال أميةُ بن أبي الصَّلْتِ (٣): رجُلٌ وثورٌ تحتَ رجْلِ يمينِه … والنَّسْرُ للأُخرى ولَيْثٌ مُرْصَدُ (٤) حدَّثنا الحسنُ (٥) بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البرقُ ملَكٌ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ (١)، قال: الصواعقُ ملَكٌ يَضْرِبُ (٢) السحابَ بالمطارقِ (٣)، فيُصيبُ به من يشاءُ.
قال أبو جعفرٍ: وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ ما قاله عليُّ بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومجاهدٌ بمعنى واحدٍ؛ وذلك أن تكونَ المخاريقُ التي ذكَر عليٌّ، ﵁، أنها هي البرقُ، هي (٤) السِّياطُ التي هي من نورٍ، التي يُزْجِي بها الملَكُ السحابَ، كما قال ابنُ عباسٍ، ويكونُ إزجاءُ الملَكِ السحابَ مَصْعَه إيّاه بها.
وذلك أن المِصاعَ عندَ العربِ أصلُه المجالدةُ بالسيوفِ، ثم تستعْمِلُه في كلِّ شيْءٍ جُولِد به، في حربٍ وغيرِ حربٍ، كما قال أعْشَى بني ثعلبةَ وهو يصفُ جَوارِيَ لَعِبْن بحَلْيِهن وتَجَالَدْن به (٥): إذا هُنَّ نازَلْنَ أقرانَهُنَّ … وكان المِصاعُ بما في الجُوَنْ (٦) يقالُ منه: ماصَعه مِصاعًا، وكأنَّ مجاهدًا إنما قال: مَصْعُ ملَكٍ.
إذ كان السحابُ لا يُماصِعُ الملَكَ، وإنما الرعدُ هو الماصِعُ (١) له، فجعَله مصدرًا من: مصَعَه يمصَعُه مَصْعًا.
وقد ذكَرنا في معنى الصاعقةِ ما قاله شهرُ بنُ حَوْشبٍ فيما مضَى (٢).
وأما تأويلُ الآيةِ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون فيه؛ فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك أقوالٌ؛ أحدُهما: ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أي: هم من ظلُمات ما هم فيه من الكفرِ والحذرِ من القتلِ على الذي هم عليه من الخلافِ والتخوُّفِ منكم - على مثلِ ما وَصَفَ من الذي (٣) هو في ظلمةِ الصيِّبِ، فجعَل أصابعَه في أُذُنيه مِن الصواعقِ حذَرَ الموتِ، ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدةِ ضوءِ الحقِّ، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرِفون الحقَّ ويتكلَّمون به، فهم من قولِهم به على استقامةٍ، فإذا ارْتَكسوا منه إلى الكفرِ قامُوا متحيِّرين (٤).
والآخرُ: ما حدَّثنا به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: أما الصيِّبُ [فالمطرُ.
كان] (١) رجلان من المنافقين من أهلِ المدينةِ هرَبا من رسولِ اللهِ ﷺ إلى المشركين، فأصابَهما هذا المطرُ الذي ذكَر اللهُ، فيه رعدٌ شديدٌ وصواعقُ وبرقٌ، فجعَلا كلَّما أصابَهما (٢) الصواعقُ جعَلا أصابِعَهما في آذانِهما، من الفَرَقِ أن تدخُلَ الصواعقُ في مسامعِهما فتقتُلَهما، وإذا لَمع البرقُ مَشَوا في ضوئِه، وإذا لم يلمَعْ لم يُبْصِرا، قاما مكانَهما لا يمشيان، فجعَلا يقولان: ليتنا قد أصْبَحنا فنأتيَ محمدًا فنضعَ أيديَنا في يدِه.
فأصْبَحا، فأتَياه فأسْلَما، ووضَعا أيديَهما في يدِه، وحسُن إسلامُهما، فضرَب اللهُ شأنَ هذين المنافقَين الخارجَين مثَلًا للمنافقِين الذين بالمدينةِ، وكان المنافقون إذا حضَروا مجلسَ النبيِّ ﷺ جعَلوا أصابِعَهم في آذانِهم فرَقًا مِن كلامِ النبيِّ ﷺ أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا، كما كان ذانك المنافقان الخارجان يجعَلان أصابِعَهما في آذانِهما.
﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾، فإذا كَثُرت أموالُهم، ووُلِد لهم الغِلمانُ، [وأصابُوا] (٣) غنيمةً أو فتحًا، مشَوْا فيه، وقالوا: إن دينَ محمدٍ ﷺ دينُ (٤) صدقٍ.
فاستقامُوا عليه، كما كان (١) ذانك المنافقان يَمْشِيَان، إذا أضاء لهما (٢) البرقُ مشَوْا فيه، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
فكانوا إذا هلَكت أموالُهم، ووُلدِ لهم الجوارِي، وأصابهم البلاءُ، قالوا: هذا مِن أجلِ دينِ محمدٍ.
فارْتَدُّوا كفارًا، كما قام ذانك المنافقان حينَ أظْلَم البرقُ عليهما (٣).
والثالثُ: ما حدَّثَني به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: كمطرٍ، ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: هو مثَلُ المنافقِ في ضوء ما تكلَّم بما معه من كتابِ اللهِ، وعمِل مُراءاةً للناسِ، فإذا خلا وحدَه عمِل بغيرِه، فهو في ظلمةٍ ما أقام على ذلك، وأمّا الظلماتُ فالضلالةُ، وأما البرقُ فالإيمانُ، وهم أهلُ الكتابِ، ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ فهو رجلٌ (٤) يأخُذُ بطرَفِ الحقِّ لا يستطيعُ أن يُجاوزَه (٥).
والرابعُ: ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثَني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾: وهو المطرُ، ضرَب مثَلَه في القرآنِ، يقولُ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ يقولُ: ابتلاءٌ، [﴿وَرَعْدٌ﴾ يقولُ: تخويفٌ، ﴿وَبَرْقٌ﴾] (١).
﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾.
يقولُ: يكادُ مُحكَمُ القرآنِ أن يدلَّ على عَوْراتِ المنافقين، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقولُ: كلَّما أصاب المنافقون مِن الإسلامِ عزًّا اطمأنُّوا، وإن أصابَ الإسلامَ نكبةٌ [قاموا ليرْجِعوا] (٢) إلى الكفرِ، يقولُ: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ كقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ [الحج: ١١].
إلى آخرِ الآيةِ (٣).
قال أبو جعفرٍ: ثم اخْتَلَف سائرُ أهلِ التأويلِ بعدُ في ذلك نظيرَ ما رُوي عن ابنِ عباسٍ مِن الاختلافِ فحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إضاءةُ البرقِ وإظلامُه (٤) على نحوِ ذلك المثَلِ (٥).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾: فالمنافقُ (١) إذا رأى في الإسلامِ رخاءً أو طمأنينةً أو سَلْوةً من عيشٍ، قال: أنا معكم وأنا منكم.
وإذا أصابتْه شدَّةٌ (٢) حَقْحَق (٣) واللهِ عندَها، فانْقُطِع به، فلم يَصْبِرْ على بلائِها، ولم يَحتسِبْ أجرَها، ولم يرْجُ عاقبتَها (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ يقولُ: أجبنُ (٥) قومٍ، لا يسمَعون شيئًا إلا ظنُّوا أنهم هالكون فيه؛ [حذَرًا من] (٦) الموتِ، ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ثم ضرَب لهم مثَلًا آخرَ، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾.
يقولُ: هذا المنافقُ؛ إذا كثُر مالُه، وكثُرت ماشيتُه، وأصابَته عافيةٌ، قال: لم يُصِبْني مذُ دخلتُ في دينِي هذا إلا خيرٌ.
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ يقولُ: إذا ذهبَت أموالُهم، وهلَكت مواشِيهم، وأصابهم البلاءُ، قاموا متحيِّرين.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثلُهم كمثلِ قومٍ ساروا في ليلةٍ مظلمةٍ، ولها مطرٌ ورعدٌ وبرقٌ على جادَّةٍ، فلما أبْرَقت أبْصَروا الجادَّةَ فمضَوْا فيها، فإذا ذهَب البرقُ تحيَّروا، وكذلك المنافقُ، كلَّما تكلَّم بكلمةِ الإخلاصِ أضاء له، فإذا شكَّ تحيَّر ووقَع (١) في الظُّلْمةِ، فكذلك قولُه: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾.
ثم قال في أسماعِهم وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تميلةَ (٣)، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ الباهليِّ، عن الضحَّاكِ بنِ مُزَاحمٍ: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾ قال: أما الظلماتُ فالضلالةُ، والبرقُ الإيمانُ (٤).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعْلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [فقَرأ حتى بلَغْ] (٥): ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قال: هذا أيضًا مثَلٌ ضرَبه اللهُ للمنافقين، كانوا قد استنارُوا (٦) بالإسلامِ، كما استنَار (٧) هذا بنورِ هذا (٨) البرقِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: ليس في الأرضِ شيْءٌ يسمعُه المنافقُ إلا ظنَّ أنه يُرادُ به، وأنه الموتُ، كراهيةً له، والمنافقُ أكرَهُ خلقِ اللهِ للموتِ، كما إذا كانوا بالبرارِيِّ (١) في المطرِ، فرُّوا من الصواعقِ.
حدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ قال: مثَلٌ ضُرِب للكافرِين (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأخبارُ (٣) التي ذكَرْناها عمَّن رَوَيناها عنه، فإنها وإن اخْتَلفت فيها ألفاظُ قائليها متقارِباتُ المعاني؛ لأنها جميعًا تُنْبئُ عن أن اللهَ ضرَب الصَّيِّبَ لظاهرِ إيمانِ المنافقِ مثلًا، ومثَّل ما فيه من ظلماتٍ بضلالتِه، وما فيه من ضياءِ برقٍ بنورِ إيمانِه، واتِّقاءَه من الصواعقِ بتصييرِ أصابِعه في أُذُنَيه، لضعفِ (٤) جَنانِه، ونَخْبِ (٥) فؤادِه، من حُلولِ عقوبةِ اللهِ بساحتِه، ومشيَه في ضوءِ البرقِ باستقامتِه على نورِ إيمانِه، وقيامَه في الظلامِ بحيرتهِ في ضلالتِه وارتكاسِه في عَمَهِه.
فتأويلُ الآيةِ (٦) إذن - إذ (٧) كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: أو (٨) مَثَلُ ما اسْتَضاء به المُنافِقون، مِن قيلِهم لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين بألسنتِهم: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ وبمحمدٍ وبما جاء به.
حتى صار لهم بذلك في الدنيا أحكامُ المؤمنين، وهم - مع إظهارِهم بألسنتِهم ما يُظْهِرون - باللهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ وباليومِ الآخرِ مُكَذِّبون، ولخلافِ ما يُظْهِرون بالألْسُنِ في قلوبهم مُعْتَقِدون، على عمًى منهم وجَهالةٍ بما هم عليه مِن الضَّلالةِ، لا يَدْرُون في (١) أيِّ الأمْرَين اللذين قد شُرِعا لهم الهدايةُ، في (٢) الكفرِ الذي كانوا عليه قبلَ إرسالِ اللهِ محمدًا ﷺ بما أرْسَله به إليهم، أم في الذي أتاهم به محمدٌ ﷺ مِن عندِ ربِّهم؟
فهم مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ محمدٍ ﷺ وَجِلون، وهم مع وَجَلِهم مِن ذلك في حقيقتِه شاكُّون، في قلوبِهم مرضٌ فزادَهم اللهُ مرضًا -كمثل غَيْثٍ سرَى ليلًا في مُزْنةٍ (٣) ظَلْماءَ وليلةٍ (٤) مُظْلِمةٍ، يَحْدُوها رَعْدٌ، ويَسْتَطِيرُ في حافاتِها برقٌ، شديدٌ لَمَعانُه، كثيرٌ خَطَرانُه (٥)، يَكادُ سناه (٦) يَذْهَبُ بالأبصارِ، ويَخْتَطِفُها مِن شدَّةِ ضِيائِه ونورِ شُعاعِه، وتَهْبِطُ منها تاراتٍ صَواعِقُ، تَكادُ تَدَعُ النفوسَ مِن شدةِ أهْوالِها زَواهِقَ.
فالصَّيِّبُ مَثَلٌ لظاهرِ ما أظْهَر المُنافِقون بألسنتِهم مِن الإقْرارِ والتَّصْديقِ، والظلماتُ التي هي فيه لظُلُماتِ ما هم مُسْتَبِطنوه (٧) من الشكِّ والتَّكْذِيبِ ومرضِ القلوبِ، وأما الرعدُ والصَّواعقُ فلِما هم عليه مِن الوَجَلِ مِن وَعيدِ اللهِ إياهم على لسانِ رسولِه ﷺ في آيِ كتابِه، إمَّا في العاجلِ وإمَّا في الآجِلِ، أن يَحُلَّ بهم، مع شكِّهم في ذلك، هل هو كائنٌ أم غيرُ كائنٍ، وهل له حقيقةٌ أم ذلك كذبٌ وباطلٌ؟
مَثَلٌ (١).
فهم مِن وَجَلِهم أن يكونَ ذلك حقًّا، يتَّقُونه بالإقرارِ بما جاء به محمدٌ ﷺ بألسنتِهم، مخافةً على أنفسِهم مِن الهلاكِ ونزولِ النَّقِماتِ.
وذلك تأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ يعْني بذلك: يَتَّقُون وَعيدَ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ بما يُبْدُونه بألسنتِهم مِن ظاهرِ الإقرارِ، كما يَتَّقِي الخائفُ (٢) أصواتَ الصَّواعقِ بتغطيةِ أُذُنيه، وتَصْييرِ أصابِعِه فيهما (٣)، حَذَرًا على نفسِه منها (٤).
وقد ذكَرْنا الخبرَ الذي رُوِي عن ابنِ مسعودٍ وعن ابنِ عباسٍ أنهما كانا يَقُولان: إن المنافقين كانوا إذا حضَروا مجلسَ رسولِ اللهِ ﷺ أدْخَلوا أصابعَهم في آذانِهم فَرَقًا مِن كلامِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن يَنْزِلَ فيهم شيْءٌ، أو يُذْكَروا بشيْءٍ فيُقْتَلوا (٥).
فإن كان ذلك صحيحًا - ولستُ أعْلَمُه صحيحًا، إذ كنتُ بإسنادِه مُرتابًا - فإن القولَ الذي رُوِي عنهما هو القولُ.
وإن يكنْ غيرَ صَحيحٍ، فأوْلَى بتأويل الآيةِ ما قُلْنا، لأنَّ اللهَ إنما قصَّ علينا مِن خبرِهم في أولِ مُبْتَدَأِ قَصَصِهم، أنهم (٦) يُخادِعون اللهَ ورسولَه والمؤمنين بقولِهم: آمَنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ.
مع شكِّ قلوبهم ومرضِ أفئدتِهم في حقيقةِ ما زعَموا أنهم به مُؤْمنون، مما جاءَهم به رسولُ اللهِ ﷺ مِن عندِ ربِّهم، وبذلك وصَفهم في جميعِ آيِ القرآنِ التي ذكَر فيها صفتَهم، فكذلك ذلك في هذه الآيةِ.
وإنما جعَل اللهُ إدخالَهم أصابِعَهم في آذانِهم مَثَلًا لاتِّقائهم رسولَ اللهِ ﷺ والمؤمنين بما ذكَرْنا أنهم يتَّقُونهم به، كما يَتَّقِي سامعُ صوتِ الصاعقةِ بإدخالِ أصابعِه في أُذُنيه، وذلك مِن المثَلِ نظيرُ تَمثيلِ اللهِ ما أنْزَل (١) فيهم مِن الوَعيدِ في آيِ كتابِه بأصواتِ الصَّواعقِ، وكذلك قولُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ جعَله جل ثناؤُه مَثَلًا لخوفِهم وإشفاقِهم مِن حُلولِ عاجلِ العِقابِ المُهْلِكِهم (٢) الذي تُوُعِّدوه بساحتِهم، كما يَجْعَلُ سامعُ أصواتِ الصَّواعِقِ أصابِعَه في أُذُنيه حَذَرَ العَطَبِ والموتِ على نفسِه أن تَزْهَقَ مِن شدتِها.
وإنما نصَب قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ على نحوِ ما تَنْصِبُ به التَّكْرِمةَ في قولِك: زُرْتُك تَكْرِمةً لك.
تُرِيدُ بذلك: زُرْتُك (٣) مِن أجلِ تَكْرِمتِك.
وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
على التفسيرِ للفعلِ (٤).
وقد رُوي عن قتادةَ أنه كان يتأوَّلُ قولَه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: حَذَرًا مِن الموتِ.
حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا مَعْمَرٌ عنه.
وذلك مذهبٌ مِن التأويلِ ضعيفٌ؛ لأنَّ القومَ لم يَجْعَلوا أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا مِن الموتِ، فيكونَ معناه ما قال: إنه يرادُ (٥) به: حَذَرًا مِن الموتِ.
وإنما جعَلوها مِن حِذارِ الموتِ في آذانِهم.
وكان قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ يَتَأوَّلان قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ أن ذلك مِن اللهِ جل ثناؤُه صفةٌ للمنافِقِين بالهَلَعِ وضعفِ القلوبِ وكراهيةِ الموتِ ويَتَأوَّلان في ذلك قولَه: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤].
وليس الأمرُ في ذلك عندي كالذي قالا، وذلك أنه قد كان فيهم مَن لا تُنْكرُ شجاعتُه، ولا تُدْفَعُ بَسالتُه، كقُزْمانَ (١) الذي لم يَقُمْ مَقامَه أحدٌ (٢) مِن المؤمنين [يومَ أحُدٍ] (٣)، ودونَه (٤)، وإنما كانت كراهتُهم شُهودَ المشَاهِدِ مع رسولِ اللهِ ﷺ، وتَرْكُهم مُعاونتَه على أعدائِه؛ لأنهم لم يكونوا في أديانِهم مُسْتَبْصِرين، ولا برسولِ اللهِ ﷺ مُصَدِّقِين، فكانوا للحضورِ معه مَشاهدَه كارِهِين، إلا بالتَّخْذِيلِ عنه.
ولكنّ ذلك وصفٌ مِن اللهِ لهم بالإشْفاقِ مِن حُلولِ عقوبةِ اللهِ بهم على نفاقِهم، إما عاجلًا وإما آجِلاً.
ثم أخْبَر جلّ ثناؤُه أن المنافِقِين الذين نعَتَهم اللهُ النَّعْتَ الذي ذكَر، وضرَب لهم الأمثالَ التي وصَف، وإنِ اتَّقَوْا عقابَه، وأشْفَقُوا من عذابِه إشفاقَ الجاعلِ في أُذنيه أصابعَه حِذارَ حُلولِ الوَعيدِ الذي توَعَّدهم له في آيِ كتابِه - غيرُ مُنْجِيهم ذلك مِن نزولِه بعَقْوَتِهم (٥)، وحُلولِه بساحتِهم، إما عاجلًا في الدنيا، وإما آجِلًا في الآخِرةِ، للذي في قلوبِهم مِن مرضِها، والشكِّ في اعتقادِها، فقال: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يَعْني (١): جامِعُهم، فمُحِلٌّ بهم عُقوبتَه.
وكان مجاهدٌ يَتَأوَّلُ ذلك كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال أخبرنا عيسى بنُ مَيمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم في جهنمَ (٢).
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ قال: جامِعُهم (٣).
وأما ابنُ عباس فرُوِي عنه في ذلك ما حدَّثني به ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: اللهُ مُنْزِلٌ ذلك بهم مِن النِّقْمةِ (٤).
ثم عاد جلّ ذكرُه إلى نعتِ إقرارِ المنافقين بألسنتِهم، والخبرِ [عنه و] (٥) عنهم وعن نفاقِهم، وإتمامِ المثلِ الذي ابْتَدَأ ضَرْبَه لهم ولشكِّهم ومَرَضِ قلوبِهم، فقال: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ﴾ يعْني بالبرقِ الإقرارَ الذي أظْهَروه بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه وما جاء به مِن عندِ ربِّهم.
فجعَل البرقَ له مثلَا على ما (١) قدَّمْنا صفتَه، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يعني: يَذْهَبُ بها ويَسْتَلِبُها ويَلْتَمِعُها (٢) مِن شدةِ ضِيائِه (٣) ونُورِ شُعاعِه (٤).
كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾.
قال: يَلْتَمِعُ أبْصارَهم ولمَّا يَفْعَلْ (٥).
والخَطْفُ السَّلْبُ.
ومنه الخبرُ الذي رُوِي عنِ النبيِّ ﷺ أنه نَهى عن الخَطْفةِ (٦).
يعني بها النُّهْبَةَ.
ومنه قيل للخُطَّافِ الذي يُخْرَجُ به الدَّلْوُ مِن البئرِ: خُطَّافٌ؛ لاخْتِطافِه واسْتِلابِه ما علِق به.
ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبْيانَ (٧): خَطاطِيفُ حُجْنٌ (١) في حِبالٍ متينةٍ … تَمُدُّ بها أيدٍ إليك نَوازِعُ فجعَل ضَوءَ البرقِ وشدةَ شُعاعِ نُورِه، لضَوْءِ (٢) إقرارِهم بألسنتِهم باللهِ وبرسولِه ﷺ وبما جاء به مِن عندِ اللهِ واليومِ الآخِرِ وشُعاعِ نورِه - مَثَلَاً.
ثم قال: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ﴾ يعني أن البرقَ كلَّما أضاء لهم.
وجعَل البرقَ لإيمانِهم مَثَلَاً.
وإنما أراد بذلك أنهم كلما أضاء لهم الإيمانُ.
وإضاءتُه لهم أن يَرَوْا فيه ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دُنْياهم مِن النُّصْرةِ على الأعداءِ، وإصابةِ الغَنائم في المَغازِي، وكثرةِ الفُتوحِ وتتابُعِها (٣)، والثُّراءِ في الأموالِ، والسلامةِ في الأَبدانِ والأهلِ والأولادِ - فذلك إضاءتُه لهم؛ لأنهم إنما يُظْهِرون بألسنتِهم ما يُظْهِرونه مِن الإقرارِ ابْتغاءَ ذلك، ومُدافَعةً عن أنفسِهم وأموالِهم وأهليهم وذَرارِيِّهم، فهم كما وصَفَهم جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج: ١١].
ويعني بقولِه: ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾: مشَوْا (٤) في ضوءِ البرقِ.
وإنما ذلك مَثَلٌ لإقرارِهم على ما وصَفْنا.
فمعناه: كلما رأَوْا في الإيمانِ ما يُعْجِبُهم في عاجلِ دنياهم - على ما وصَفْنا - ثبتوا عليه، وأقاموا فيه، كما يَمْشِي السائرُ في ظُلمةِ الليلِ وظُلمةِ الصَّيِّبِ الذي وصَفه جلّ ذكرُه، إذا برَقَت فيها بارقةٌ [فأبصَر طريقَه بها] (٥).
﴿وَإِذَا أَظْلَمَ﴾ يعْني: ذهَب ضَوْءُ البرقِ عنهم (٦).
ويعني بقولِه: ﴿عَلَيْهِمْ﴾: على السائرين في الصَّيِّبِ الذي وَصَف جلَّ ذكرُه، وذلك للمنافِقِين مَثَلٌ.
ومعنى إظلامِ ذلك أن المنافقين كلما لم يَرَوْا في الإسلامِ ما يُعْجِبُهم في دنياهم - عندَ ابتلاءِ اللهِ مؤمِني عبادِه بالضَّرَّاءِ، وتَمْحيصِه إياهم بالشدائدِ والبلاءِ، مِن إخفاقِهم في مَغْزاهم، [أو إدالةِ] (١) عدوِّهم منهم، أو إدبارٍ مِن دنياهم عنهم - أقاموا على نفاقِهم، وثبَتوا على ضَلالتِهم، كما قام السائرون في الصَّيِّبِ الذي وصَف جل ذكرُه إذا أظلَم (٢) وخبَتَ (٣) ضَوْءُ البرقِ، فحار في طريقِه فلم يَعْرِفْ مَنهجَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإنَّما خَصَّ اللهُ جلَّ ذِكرهُ السمعَ والأبصارَ بأنَّه لو شاء أذهَبَها مِن المنافقين دونَ سائرِ أعضاءِ أجسامِهم - لِلذي جرَى مِن ذكرِها في الآيَتْين، أعْني قولَه: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾.
وقوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ فجرَى ذكرُها في الآيتَيْنِ على وجهِ المثَلِ.
ثم عقَّب جلّ ثناؤُه ذكرَ ذلك بأنه لو شاء أذْهَبه مِن المنافِقِين، عقوبةً لهم على نفاقِهم وكفرِهم، وعيداً مِن اللهِ لهم، كما توَعَّدهم في الآيةِ التي قبلَها بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ واصفاً بذلك جلّ ذكرُه نفسَه أنه المُقْتَدِرُ عليهم وعلى جمعِهم (٤)، لإحْلالِ سُخْطِه بهم، وإنزالِ نِقْمتِه عليهم، ومُحَذِّرَهم بذلك سَطْوتَه، ومُخَوِّفَهم (٥) عقوبتَه، ليَتَّقُوا بأسَه، ويُسارِعوا إليه بالتوبةِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لِمَا ترَكوا مِن الحقِّ بعدَ معرفتِه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنس، قال: ثم قال - يعْني: قال اللهُ - في أسْماعِهم - يعني أسْماعَ المنافِقِين - وأبصارِهم التي عاشُوا بها في الناسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ (٢).
وإنما معنَى قوله: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾: لأذهب سمعَهم وأبصارَهم.
ولكنَّ العربَ إذا أدخلوا الباءَ في مثلِ ذلك قالوا: ذهبتُ ببصرِه.
وإذا حذَفوا الباءَ قالوا: أذهبتُ بصرَه.
كما قال جلّ ذكرُه: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢].
ولو أدخلتِ الباءُ في الغداءِ لقيل: آتِنا بغدائِنًا.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ فوحَّد، وقال: ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فجمَع، وقد علِمْتَ أن الخبرَ في السمعِ خبرٌ عن سمعِ جماعةٍ، كما الخبرُ في الأبصارِ خبرٌ عن أبصارِ جماعةٍ؟
قيل: قد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك، فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: وحَّد السمعَ لأنه عَنَى به المصدرَ وقصَد به الخَرْقَ، وجمَع الأبصارَ لأنه عَنَى بها (٣) الأعينَ.
وكان بعضُ نحويِّي البصرةِ يَزْعُمُ أن السمعَ وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى جماعٍ.
ويَحْتَجُّ في ذلك بقولِ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣].
يُرُادُ (١): لا تَرْتَدُّ إليهم أطْرافُهم.
وبقولِه: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ [القمر: ٤٥].
يُرادُ به: أدْبارُهم.
قال أبو جعفرٍ: وإنما جاز (٢) ذلك عندي لأن في الكلامِ ما يَدُلُّ على أنه مُرادٌ به الجمعُ، فكان دَلالتُه (٣) على المرادِ منه وأدَاءِ معنى الواحدِ مِن السمعِ عن معنى جماعةٍ، مُغْنِيًا (٤) عن جِماعِه، ولو فُعِل بالبصرِ نظيرُ الذي فُعِل بالسمعِ، أو فُعِل بالسمعِ نظيرُ الذي فُعِل بالأبصارِ - مِن الجمعِ والتوحيدِ - كان فصيحًا صحيحًا؛ لما ذكرْنا مِن العلةِ، كما قال الشاعرُ (٥): كُلُوا في بَعْضِ (٦) بَطْنِكُمُ تعِفُّوا (٧) … فإن زَمانَنا (٨) زَمَنٌ خَمِيصُ فوحَّد البطنَ، والمرادُ به (٩) البطونُ؛ لما وصَفْنا مِن العلةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
قال أبو جعفر: وإنما وصَف نفسَه جلّ ذكرُه بالقُدرةِ على كلِّ شيْءٍ في هذا الموضعِ؛ لأنه حذّر المنافِقين بأسَه وسطْوتَه، وأخبَرهم أنه بهم محيطٌ، وعلى إذهابِ أسماعِهم وأبصارِهم قديرٌ، ثم قال جلّ ذكرُه: فاتَّقوني أيها المنافقون، واحذَرُوا خداعِي وخداعَ رسُولي وأهلِ الإيمانِ بي؛ لا (١) أُحِلُّ بكم نَقَمِي، فإني على ذلك وعلى غيرِه من الأشياءِ قادرٌ (٢).
ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: معنى قادرٍ، كما معنى عليمٍ (٣): عالمٌ.
على ما وصفْتُ فيما تقدّم من نظائِرِه مِن زيادةِ معنى "فعيلٍ" "على" "فاعلٍ" في المدحِ والذَّمِّ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
فأمَر جلَّ ثناؤُه الفريقين اللذين أَخْبر عن أحدِهما أنه سواءٌ عليهم أُنْذِروا (٥) أَمْ لم يُنذَروا (٦) أنهم لا يؤمنون؛ لطبعِه على قلوبهم وسمعِهم (٧)، وعن الآخَرِ أنه يُخادِعُ اللهَ والذين آمنوا بما يُبْدي بلسانِه من قيلِه: آمنَّا باللهِ وباليومِ الآخِرِ.
مع استبطانِه خلافَ ذلك ومرضِ قلبِه وشكِّه في حقيقةِ ما يُبْدي مِن ذلك، وغيرَهم مِن سائرِ خلقِه المُكلَّفين - بالاستكانةِ والخضوعِ له بالطاعةِ، وإفرادِ الرُّبوبيَّةِ له والعبادةِ دود الأوثانِ والأصنامِ والآلهةِ؛ لأَنَّه جلَّ ذِكرُه هو خالقُهم وخالقُ مَن قبلَهم مِن آبائِهم وأجدادِهم، وخالقُ أوثانِهم وأصنامِهم وآلهتِهم.
فقال لهم جلَّ ذِكرُه: فالذي خلَقكم وخلَق آباءَكم وأجدادَكم وسائرَ الخلقِ غيرَكم، وهو يقدِرُ على ضَرِّكم ونَفعِكم، أَوْلى بالطاعةِ ممَّن لا يقدِرُ لكم على نَفْعٍ ولا ضَرٍّ.
وكان ابنُ عباسٍ فيما رُوِي لنا عنه يقولُ في ذلك نظيرَ ما قُلنا فيه، غيرَ أنه ذُكِر عنه أنه كان يقولُ في معنى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: وحِّدوا رَبَّكم.
وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى العبادةِ؛ الخضوعُ للهِ بالطاعةِ، والتذلُّلُ له بالاستكانةِ (١).
والذي أراد ابنُ عباسٍ - إن شاء اللهُ - بقولِه في تأويلِ قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: [وحِّدوه.
أي] (٢): أَفْرِدوا الطاعةَ والعبادةَ لرَبِّكم دونَ سائرِ خلقِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾: للفريقين جميعًا من الكفارِ والمنافقين، أي: وحِّدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم (٣).
وحدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
[يقولُ: خلَقكم وخلَق الذين مِن قبلِكم (١).
قال أبو جعفرٍ] (٢): وهذه الآيةُ مِن أدلِّ الدليلِ على فسادِ قولِ مَن زعَم أن تكليفَ ما لا يُطاقُ إلَّا بمعونةِ اللهِ غيرُ جائزٍ، إلَّا بعدَ إعطاءِ الله المكلَّفَ المعونةَ على ما كلَّفه، وذلك أن اللهَ جلَّ وعزَّ أمَر مَن وصَفْنا بعبادتِه والتوبةِ مِن كفرِه، بعدَ إخبارِه عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضلالتهم لا يَرْجِعون.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾.
وتأويلُ ذلك: لعلَّكم تَتَّقون بعبادتِكم ربكم الذي خلَقكم، وطاعتِكم إيَّاه فيما أمَركم به ونهاكم عنه، وإفرادِكم له بالعبادةِ (٣) - سخطَه وغضبَه أن يَحُلَّ عليكم (٤)، وتكونوا مِن المتقين الذين رَضِي عنهم ربُّهم.
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَتَّقُونَ﴾: تُطيعون.
حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثني أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
قال: لعلكم تُطيعون (٥).
والذي أظنٌّ أن مجاهدًا أراد بقولِه هذا: لعلكم أن تتَّقوا رَبَّكم بطاعتِكم إيَّاه، وإقلاعِكم عن ضلالتِكم.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أوَ لم يكُن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عَبدوه وأطاعوه، حتى قال لهم: لعلكم إذا فعَلتم ذلك أن تَتَّقوا.
فأخْرَج الخبرَ عن عاقبةِ عبادتِهم إيَّاه مُخْرَجَ الشكِّ؟
قيل: ذلك على غيرِ المعنى الذي توهَّمتَ، وإنما معنى ذلك: اعبُدوا ربَّكم الذي خلَقكم والذين مِن قبلِكم لتَتَّقوه بطاعتِه وتوحيدِه وإفرادِه بالرُّبوبيةِ والعبادةِ، كما قال الشاعرُ (١): وقُلْتُمْ لنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا … نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ فلَمَّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكُمْ … كَلَمْحِ سَرَابٍ في المَلَا (٢) مُتَألِّقِ يريدُ بذلك: قلتم لنا كفُّوا لنكفَّ.
وذلك أن "لعل" في هذا الموضعِ لو كان شكًّا لم يكونوا وثَّقوا لهم كلَّ مَوْثِقٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾.
وقولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مردودٌ على ﴿الَّذِي﴾ الأَوَّلِ في قولِه: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهما جميعًا مِن نعتِ ﴿رَبَّكُمُ﴾.
فكأنَّه قال: اعبُدوا ربَّكم الخالِقَكم، والخالقَ الذين مِن قبلِكم، الجاعلَ لكم الأرضَ فِراشًا.
يعني بذلك أنه جعَل لكم (٣) الأرضَ مِهادًا تُوطَأُ، وقرارًا يُستقرُّ عليها.
يُذكِّرُ ربُّنا جلَّ ذكرُه بذلك مِن قيلِه، عبادَه (٤) نعمَه عندَهم وآلاءَه لديهم؛ لِيذكُروا أياديَه عندَهم، فيُنيبوا إلى طاعتِه، تَعطُّفًا منه بذلك عليهم، ورأفةً منه بهم، ورحمةً لهم، مِن غير ما حاجةٍ منه إلى عبادتِهم، ولكن ليُتِمَّ نعمتَه عليهم ولعلَّهم يَهتدُون.
كما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن [مُرَّةَ، عن] (١) ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾: فهي فِراشٌ يُمشَى عليها، وهي المهادُ والقَرارُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ قال: مهادًا لكم (٣).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ أي: مِهادًا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإنما سُمِّيت السماءُ سماءً؛ لعُلُوِّها على الأرضِ، وعلى سُكَّانِها مِن خلْقِه، وكلُّ شيْءٍ كان فوقَ شيْءٍ آخرَ، فهو لما تحتَه سماءٌ.
ولذلك قيل لسقفِ البيتِ: سماؤُه؛ لأنَّه فوقَه مرتفِعٌ عليه، وكذلك قيل: سما فلانٌ لفلانٍ: إذا أَشْرف له وقصَد نحوَه عاليًا عليه، كما قال الفرزدقُ (١): سَمَوْنا لِنَجْرَانَ اليَمانِي وأهْلِهِ … وَنجْرَانُ (٢) أرْضٌ لَم تُدَيَّثْ (٣) مَقاوِلُهْ (٤) وكما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ (٥): [سَمَتْ لي نَظْرَةٌ] (٦) فَرأيْتُ مِنْها … تُحَيْتَ الخِدْرِ (٧) وَاضِعَةَ القِرَامِ (٨) يريدُ بذلك: أَشْرفتْ لي نظرةٌ وبدَت.
فكذلك السماءُ سُمِّيت للأرضِ سماءً؛ لعُلُوِّها وإشرافِها عليها.
كما حدَّثني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالك، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾: ابتنى (٩) السماءَ على الأرضِ كهيئةِ القُبّةِ، وهي سَقْفٌ على الأرضِ (١٠).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، غن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ قال: جعَل السماءَ سقفًا لك (١).
وإنما ذكَر السماءَ والأرضَ جلَّ ثناؤُه فيما عدَّد عليهم مِن نعَمِه التي أَنْعَمها عليهم؛ لأنَّ منهما أقواتَهم وأرزاقَهم ومعايشَهم، وبهما قِوامُ دنياهم.
فأَعْلَمهم أن الذي خلَقهما وخلَق جميعَ ما فيهما وما هم فيه مِن النِّعمِ، هو المستحِقُّ عليهم الطاعةَ، والمستوجِبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دونَ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.
يعني بذلك أنه جلَّ ثناؤُه أَنْزل مِن السماءِ مطرًا، فأَخْرج بذلك المطرِ ممّا أَنْبتوه (٢) في الأرضِ مِن زروعِهم وغروسِهم ثمراتٍ رزقًا لهم؛ غِذاءً وأقواتًا.
فنبَّههم بذلك جلَّ ثناؤُه على قدريه وسلطانِه، وذَكَّرهم به آلاءَه لديهم، وأنه هو الذي خلَقهم، وهو الذي يرزُقُهم ويكفُلُهم (٣)، دونَ مَن جعَلوه له نِدًّا وعِدْلًا من الأوثانِ والآلهةِ.
ثم زجَرهم عن أن يجعَلوا له نِدًّا مع علمِهم بأنَّ ذلك كما أَخْبَرهم، وأنُّه لا نِدَّ له ولا عِدْلَ، ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ، ولا خالقٌ ولا رازقٌ سواه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: والأندادُ جمعُ نِدٍّ، والنِّدُّ العِدْلُ والمِثْلُ، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (١): أَتَهْجُوه وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ (٢) … فَشَرٌّ كما لخَيْرِكُما الفِداءُ يعني بقولِه: ولستَ له بنِدٍّ: لستَ له بمِثْلٍ ولا عِدْلٍ.
وكلُّ شيْءٍ كان نظيرًا لشيءٍ وله شبيهًا، فهو له نِدٌّ.
كما حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا (٣).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي: عِدْلًا (٤).
حَدَّثَني مُوسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعود، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال: أَكْفَاءً مِن الرجالِ تُطيعونهم في معصيةِ اللهِ (٥).
حَدَّثَنِي يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أَخْبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
قال: الأندادُ الآلهةُ التي جعَلوها معه، وجعَلوا لها مثلَ ما جعَلوا له.
وحُدِّثت عن المِنْجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: أشْباهًا (١).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سِنانٍ القزازُ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن شَبيبٍ، عن عكرمةَ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾: أن تقولوا: لولا كلبُنا لدخَل علينا اللصُّ الدارَ، ولولا كلبُنا (٢) في الدارِ.
ونحو هذا (٣).
فنهاهم اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُشرِكوا به شيئًا، وأن يعبُدوا غيرَه، أو يتَّخِذوا له نِدًّا أو عِدْلًا في الطاعةِ، فقال: كما لا شريكَ لي في خلقِكم، وفي رزقِي (٤) الذي أَرْزُقُكم، ومِلْكي إيَّاكم، ونِعْمتي التي أنعمتُها عليكم، فكذلك فأَفْردوا لي الطاعةَ، وأَخْلِصوا لي العبادةَ، ولا تجعَلوا لي شريكًا ونِدًّا مِن خَلْقي، فإنكم تعلمون أن كُلَّ نعمةٍ عليكم فمنِّي.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها جميعُ المشركين مِن مُشرِكي العربِ وأهلِ الكتابِ.
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ - أن يكونَ تأويلُه ما قاله ابنُ عباسٍ وقتادةُ، مِن أنَّه معنيٌّ بذلك كلُّ مُكلَّفٍ عالمٍ بوحدانيةِ اللهِ وأنه لا شريكَ له في خلقِه، يشركُ (١) معه في عبادتِه (٢)، كائنًا مَن كان مِن الناسِ، عَربيًّا كان أو أعجميًّا، كاتبًا (٣) أو أميًّا، وإن كان الخِطابُ لكفارِ أهلِ الكتابِ الذين كانوا حَوالَىْ دارِ هجرةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأهلِ النِّفاقِ منهم، وممن بينَ ظهرانَيْهم ممن كان مشركًا فانْتَقل إلى النِّفاقِ بِمَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ عليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مِن اللهِ جل ثناؤُه احتجاجٌ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على مُشرِكي قومِه مِن العربِ ومُنافقيهم، وكفارِ أهلِ الكتابِ وضُلَّالِهم الذين افْتَتَح بقصصِهم قولَه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ وإيَّاهم يُخاطِبُ بهذه الآياتِ، [وضُرباءَهم يعني بها] (٤)، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ أيها المشركون مِن العربِ والكفارِ مِن أهلِ الكتابَيْن، إنْ كنتم في شكٍّ، وهو الرَّيبُ، ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ ﷺ مِن النورِ والبرهانِ وآياتِ الفرقانِ، أنه مِن عندِي، وأَنِّي الذي أنْزلتُه إليه، فلم تؤمنوا به، ولم تصدِّقوه فيما يقولُ، فأْتوا بحُجةٍ تدفَعُ حُجتَه؛ لأنكم تعلَمون أن حجةَ كلِّ ذي نبوَّةٍ على صدقِه في دَعْواه النبوَّةَ أن يأتيَ ببرهانٍ يَعجِزُ عن أن يأتِيَ بمثلِه جميعُ الخلقِ.
ومن حجةِ محمدٍ ﷺ على صِدْقِه، وبرهانِه على حقيقةِ نبوَّتِه، وأن ما جاء به مِن عندي، عجزُ جميعِكم وجميعِ مَن تستعينون به مِن أعوانِكم وأنصارِكم عن أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، وإذا عجَزتم عن ذلك وأنتم أهلُ البراعةِ في الفصاحةِ والبلاغةِ والذَّرابةِ (١)، فقد علِمتم أن غيرَكم عما عجَزتم عنه مِن ذلك أعجَزُ، كما كان برهانُ مَن سلَف مِن رُسُلي وأنبيائي على صدْقِه، وحُجتُه على نبوَّتِه مِن الآياتِ ما يعجِزُ عن الإتيانِ بمثلِه جميعُ خلقي.
فتقرَّر حينئدٍ عندَكم أن محمدًا ﷺ لَمْ يتقوَّلْه ولم يختلِقْه، لأنَّ ذلك لو كان منه اختلاقًا وتقوُّلًا لَمْ تعجِزوا وجميعُ خَلْقِي (٢) عن الإتيانِ بمثلِه؛ لأنَّ محمدًا ﷺ لَمْ يَعْدُ أن يكونَ بشرًا مثلَكم، وفي مثلِ حالِكم في الجسمِ وبَسْطةِ الخَلقِ وذَرابةِ اللسانِ، فيُمكِن أن يُظنَّ به اقتدارٌ على ما عجَزتم عنه، أو يُتوهَّمَ منكم (٣) عجزٌ عما اقْتَدر عليه.
ثم اخْتلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (٤) قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾؛ فحَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ يعني بذلك: مِن مثلِ هذا القرآنِ حقًّا وصدقًا، لا باطلَ فيه ولا كَذِبَ (٥).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾.
يقولُ: بسورةٍ من (١) مثلِ هذا القرآنِ (٢).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عميرو الباهليُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى ابنُ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مثلِ القرآنِ (٣).
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بن داودَ، قال: حَدَّثَنَا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ قال: ﴿مِثْلِهِ﴾ مثل القرآنِ.
فمعنى قولِ مجاهدٍ وقتادةَ الذي ذكَرناه عنهما أن اللهَ جلَّ ذِكْرُه قال لمن حاجَّه لنبيِّه (٤) محمدٍ ﷺ مِن الكفارِ: فأتوا بسورةٍ مِن مثلِ هذا القرآنِ، مِن كلامِكم أيَّتُها العربُ، كما أتَى به محمدٌ بلغاتِكم ومعاني منطقِكَم.
وقد قال قومٌ آخرون: إن معنى قولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِن مثلِ محمدٍ مِن البشرِ؛ لأنَّ محمدًا بشرٌ مثلُكم.
والتأويلُ الأَوَّلُ الذي قاله مجاهدٌ وقتادةُ هو التأويلُ الصحيحُ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قال في سورةٍ أُخرى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨].
ومعلومٌ أن السورةَ ليست لمحمدٍ بنظيرٍ ولا شبيهٍ فيجوزَ أن يقالَ: فأْتوا بسورةٍ مثلِ محمدٍ.
فإن قال لنا قائلٌ: إنك ذكَرت أن اللهَ عَنى بقولِه: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِن مثلِ هذا القرآنِ، فهل للقرآنِ مِن مثلٍ فيقالَ: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؟
قيل: إنه لم يَعنِ به: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه في التأليفِ والمعاني التي بايَن بها سائرَ الكلامِ غيرَه.
وإنما عَنَى: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه في البيانِ، لأن القرآنَ أَنْزله اللهُ بلسانٍ عربيٍّ، وكلامُ العربِ - لا شكَّ - له مثلٌ في معنى العربيةِ، فأما في المعنى الذي بايَن به القرآنُ سائرَ كلامِ المخلوقين، فلا مثلَ له مِن ذلك الوجهِ ولا نظيرَ ولا شبيهَ.
وإنما احْتَجَّ جلَّ ثناؤُه عليهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ بما احْتَجَّ به (١) له عليهم مِن القرآنِ، إذ ظهَر عجزُ القومِ عن أن يأتوا بسورةٍ مِن مثلِه في البيانِ، إذ كان القرآنُ بيانًا مثلَ بيانِهم، وكلامًا نزَل بلسانِهم، فقال لهم جلَّ ثناؤُه: وإن كنتم في ريبٍ مِن أن ما أَنْزلتُ على عبدِي مِن القرآنِ مِن عندِي، فأْتوا بسورةٍ مِن كلامِكم الذي هو مثلُه في العربيةِ، إذ كنتم عربًا، وهو بيانٌ نظيرُ بيانِكم، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم.
فلم يُكلِّفْهم جلَّ ثناؤُه أن يأتوا بسورةٍ مِن غيرِ اللسانِ الذي هو نظيرُ اللسانِ الذي نزَل به القرآنُ، فيقدِروا أن يقولوا: كلَّفْتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به، وإنا لا نقدِرُ على الإتيانِ به؛ لأنا لسنا مِن أهلِ اللسانِ الذي كلَّفتَنا الإتيانَ به، فليس لك علينا بهذا حجةٌ؛ لأنا وإن عجزنا عن أن نأتِيَ بمثلِه مِن غيرِ ألسُنِنا - لأنا لسنا مِن أهلِه - ففي الناسِ خلقٌ كثيرٌ مِن غيرِ أهلِ لسانِنا يقدِرُ على أن يأتِيَ بمثلِه مِن اللسانِ الذي كلَّفتنا الإتيانَ به.
ولكنه جلَّ ثناؤُه قال لهم: ائتوا بسورةٍ مِن مثلِه؛ لأن مثلَه مِن الألسُنِ ألسنُكم، وأنتم - إن كان محمدٌ اخْتَلقه وافْتَراه - إذا اجتَمَعتم وتظاهَرتم على الإتيانِ بمثلِ سورةٍ منه مِن لسانِكم وبيانِكم، أقدرُ على اختلاقِه ورصفِه (١) وتأليفِه مِن محمدٍ ﷺ، وإن لم تكونوا أقدرَ عليه منه، فلن تعجِزوا وأنتم جميعٌ عما قدَر عليه محمدٌ مِن ذلك وهو وحيدٌ (٢)، إن كنتم صادقين في دَعْواكم وزعمِكم أن محمدًا افْتَراه واخْتَلَقه وأنه مِن عندِ غيري.
[القولُ في تأويلِ قولِه جَلَّ وعَزَّ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾ (٣).
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ فقال ابنُ عباسٍ ما حدَّثنا به محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمَةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعني: أعوانَكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي (٥) نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾: ناسٌ يَشْهَدون لكم (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قال: قومٌ يَشهَدون لكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾ قال: ناسٌ يَشْهَدون.
قال ابنُ جُريجٍ: ﴿شُهَدَاءَكُمْ﴾ عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه؛ مثلُ القرآنِ.
وذلك قولُ اللهِ لمن شكَّ مِن الكفارِ فيما جاء به محمدٌ ﷺ (١).
وقولُه: ﴿وَادْعُوا﴾ يعني: اسْتَنصروا واستَعينُوا، كما قال الشاعرُ (٢): فَلَمَّا الْتَقَمتْ فُرْسانُنا ورَجِالُهُم … دَعَوْا يا لَكَعْبٍ (٣) واعْتَزَيْنا (٤) لِعامِرِ يعني بقولِه: دَعَوا يا لَكَعْبٍ: اسْتَنصروا كعبًا واستغاثوا (٥) بهم.
وأما الشهداءُ، فإنها جمعُ شهيدٍ، كما الشركاءُ جمعُ شريكٍ، والخطباءُ جمعُ خطيبٍ.
والشهيدُ يُسمَّى به الشاهدُ على الشيْءِ لغيرِه بما يُحقِّقُ دَعْواه، وقد يُسمَّى به المُشاهِدُ للشيْءِ، كما يقالُ: فلانٌ جليسُ فلانٍ، يَعْنِي به مُجالِسَه، ونديمُه، يَعْنِي به مُنادِمَه، وكذلك يقالُ: شهيدُه.
يَعْني به مُشاهِدَه.
فإذا كانت الشهداءُ مُحْتَمِلةً أن تكونَ جمعَ الشهيدِ الذي هو منصرِفٌ للمعنَيَيْن اللذين وصفتُ، فأَوْلى وجهيه بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن يكونَ معناه: واستنصِروا على أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه أعوانَكم وشهداءَكم الذين يُشاهدونكم ويُعاونونكم على تكذيبِكم اللهَ ورسولَه، ويُظاهرونكم على كفرِكم ونفاقِكم، إن كنتم محقِّين في جحودِكم أن ما جاءكم به محمدٌ ﷺ اختلاقٌ وافتراءٌ؛ لتمتحنوا أنفسَكم وغيرَكم: هل تقدِرون على أن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، فيقدِرَ محمدٌ على أن يأتِيَ بجميعِه من قِبَلِ نفسِه اختلاقًا؟
وأما ما قاله مجاهدٌ وابنُ جُريجٍ في تأويلِ ذلك، فلا وجهَ له؛ لأن القومَ كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ أصنافًا ثلاثةً؛ أهلَ إيمانٍ صحيحٍ، وأهلَ كفرٍ صحيحٍ، وأهلَ نفاقٍ بينَ ذلك.
فأهلُ الإيمانِ كانوا باللهِ وبرسولِه مؤمنين، فكان مِن المُحالِ أن يَدَّعيَ الكفارُ أن لهم شهداءَ - على حقيقةِ ما كانوا يأتُون به، لو أتَوا باختلاقٍ مِن الرسالةِ، ثم ادَّعَوا أنه للقرآنِ نظيرٌ - مِن المؤمنين.
فأما (١) أهلُ النفاقِ والكفرِ، فلا شكَّ أنهم لو دُعُوا إلى تحقيقِ الباطلِ وإبطالِ الحقِّ لسارعوا إليه مع كفرِهم وضلالتِهم، فمن أيِّ الفِرَقِ (٢) كانت تكونُ شهداؤُهم لو ادَّعَوا أنهم قد أتَوا بسورةٍ مِن مثلِ القرآنِ؟
ولكن ذلك كما قال اللهُ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨].
فأَخْبر جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ أن مثلَ القرآنِ لا يأتي به الجنُّ والإِنسُ ولو تظاهروا وتعاونوا على الإتيانِ به، وتحدَّاهم بمعنى التوبيخِ لهم في سورةِ "البقرة"، فقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
يعني بذلك: إن كنتُم في شَكٍّ في صِدْقِ محمدٍ ﷺ فيما جاءكم به مِن عندي أنه مِن عندي، فَأْتُوا بسورةٍ من مثلِه، ولْيستَنْصِرْ بعضُكم بعضًا على ذلك، إن كنتم صادقين في زعمِكم، حتى تعلَموا أنكم إذ عجَزتم عن ذلك، أنه لا يقدِرُ على أن يأتيَ به محمدٌ ﷺ ولا مِن البشرِ أحدٌ، ويصحَّ عندَكم أنه تنزيلي ووَحْيي إلى عبدي.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾.
ويعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: إن لم تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه، وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤُكم.
عليه وأعوانُكم، فتبيَّن لكم بامتحانِكم واختبارِكم عَجْزُكم وعجزُ جميعِ خلقي عنه، وعلِمتم أنه مِن عندي، ثم أقَمْتم على التكذيبِ به.
وقولُه: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: ولن تأتوا بسورةٍ مِن مثلِه أبدًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ أي: لا تقدِرون على ذلك ولا تُطيقونه (١).
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: [قد تبيَّنَ] (٢) لكم الحقُّ (٣).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾: فاتَّقُوا أن تَصْلَوا النارَ بتكذيبِكم رَسُولي، بما جاءَكم به مِن عندي أنه مِن وَحْيي وتنزيلي، بعدَ تبيُّنِكم أنه كتابي ومن عندي، وقيامِ الحجةِ عليكم بأنه كلامي ووَحْيي، بعَجْزِكم وعَجْزِ جميعِ خَلْقي عن أن يأتُوا بمثلِه.
ثم وصَف جلَّ ذكرُه النارَ التي حذَّرهم صِلِيَّها، فأَخْبَرهم أن الناسَ وَقودُها، وأَن الحجارةَ وَقودُها، فقال: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ يعني بقولِه: ﴿وَقُودُهَا﴾: حَطَبُها، والعربُ تجعَلُه مصدرًا، وهو اسمٌ إذا فتَحْتَ الواوَ بمنزلةِ الحطبِ، فإذا ضمَمْتَ الواوَ مِن "الوقودِ" كان مصدرًا مِن قولِ القائلِ: وقَدَت النارُ، فهي تقِدُ وُقودًا وقِدَةً ووَقَدانًا ووَقْدا، يُرادُ بذلك أنها التهبَتْ.
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وكيف خُصَّت الحجارةُ فقُرِنت بالناسِ، حتى جُعلَت لنارِ جَهنَّمَ حطبًا؟
قيل: إنها حجارةُ الكِبْرِيتِ، وهي أشدُّ الحجارةِ فيما بلغَنا حرًّا إِذا أُحْمِيت.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن مِسعرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ الزرَّادِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: هي حجارةٌ مِن كِبريتٍ خلَقها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ في السماءِ الدنيا يُعدُّها للكافرين (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عن مِسعرٍ، عن عبدِ الملكِ الزرَّادِ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: حجارةُ الكِبْريتِ جعَلها اللهُ كما شاء (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾: أما الحجارةُ فهي حجارةٌ في النارِ مِن كِبْريتٍ أسودَ يُعذَّبون به مع النارِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ قال: حجارةٌ مِن كِبْريتٍ أسودَ في النارِ.
قال: وقال لي عمرُو بنُ دينارٍ: حجارةٌ أصلَبُ مِن هذه وأعظمُ (٣).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن مسعرٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ ميسرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: حجارةُ (٤) الكبريتِ.
قال (٥): خلَقها اللهُ عندَه كيف شاء وكما شاء (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ (٢٤)﴾.
قد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أنَّ الكافرَ في كلامِ العربِ هو الساترُ شيئًا بغطاءٍ، وأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما سَمَّى الكافرَ كافرًا لجحودِه آلاءَه عندَه، وتغطيتِه نَعْماءَه قِبَله (١).
فمعنى قولِه إذن: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ﴾: أُعِدَّت النارُ للجاحدين أن اللهَ ربُّهم، المتوحِّدُ بخلقِهم وخلْقِ الذين مِن قبلِهم، الذي جعَل لهم الأرضَ فِراشًا، والسماءَ بناءً، وأَنْزَل مِن السماءِ ماءً، فأَخْرج به مِن الثمراتِ رزقًا لهم، المشركين معه في عبادتِه الأندادَ والآلهةَ، وهو المتفرِّدُ لهم بالإنشاءِ، والمتوحِّدُ بالأقواتِ والأرزاقِ.
كما حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسِ: ﴿أُعِدَّت لِلْكَفِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثلِ ما أنتم عليه مِن الكفرِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
فإنه يعني: أَخْبِرْهم.
والبشارةُ أصلُها الخبرُ بما (٣) يُسَرُّ به المخبَرُ، إذا كان سابقًا به كلَّ مخبَرٍ سواه.
وهذا أمرٌ مِن اللهِ نبيَّه محمدًا ﷺ بإبلاغِ بشارته خلقَه الذين آمنوا به وبمحمدٍ ﷺ وبما جاء به مِن عندِ ربِّه، وصدَّقوا إيمانَهم ذلك وإقرارَهم بأعمالِهم الصالحةِ، فقال له: يا محمدُ، بشِّرْ مَن صدَّقك أنك رسولي، وأَنَّ ما جئتَ به مِن الهدى والنورِ فمن عندي، وحقَّق تصديقَه ذلك قولًا بأداءِ الصالحِ مِن الأعمالِ التي افترضْتُها عليه، وأوجبتُها في كتابي على لسانِك عليه - أن له جناتٍ تَجرى مِن تحتِها الأنهارُ، خاصَّةً، دونَ مَن كذَّب بك (١)، وأنكَر ما جئتَه به مِن الهُدَى مِن عندي، وعانَدك، ودونَ مَن أَظْهَر تصديقَك وأقرَّ بأن ما جئتَه به فمِن عندي، قولًا، وجحَده اعتقادًا ولم يحقِّقْه عملًا، فإن لأولئك النارَ التي وَقودُها الناسُ والحجارةُ مُعَدّةً عندي.
والجناتُ جِماعُ جَنَّةٍ، والجنةُ البُستان.
وإنما عَنَى جلَّ ذكرُه بذكرِ الجَنَّةِ ما في الجَنَّةِ مِن أشجارِها وثمارِها وغروسِها دونَ أرضِها، فلذلك قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾؛ لأنه معلومٌ أنه إنما أراد جلَّ ثناؤُه الخبرَ عن ماءِ أنهارِها أنه جارٍ تحتَ أشجارِها وغروسِها وثمارِها، لا أنه جارٍ تحتَ أرضِها؛ لأنَّ الماءَ إذا كان جاريًا تحتَ الأرضِ، فلا حظَّ فيها لعيونِ مَن فوقَها إلَّا بكشفِ الساترِ بينَه وبينَها.
على أنَّ الذي تُوصَفُ به أنهارُ الجَنَّةِ أنَّها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ.
كما حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ، عن مسروقٍ، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ مِن أصلِها إلى فرعِها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلَّما نُزِعتْ ثمرةٌ عادت مكانَها أُخرَى، وماؤُها يَجري في غيرِ أخدودٍ (٢).
حَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا مِسعرُ بنُ كِدامٍ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي عُبيدةَ بنحوِه (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ.
فذكَر مثلَه.
قال: فقلت لأبى عُبيدةَ: من حدَّثك؟
فغضِب وقال: مسروقٌ (٢).
فإذا كان الأمرُ كذلك في أن أنهارَها جاريةٌ في غيرِ أخاديدَ، فلا شكَّ أن الذي أُريدَ بالجناتِ أشجارُ الجناتِ وغروسُها وثمارُها دونَ أرضِها، إذ كانت أنهارُها تَجري فوقَ أرضِها وتحتَ غُروسِها وأشجارِها، على ما ذكَره مسروقٌ، وذلك أَوْلى بصفةِ الجَنَّةِ من أن تكونَ أنهارُها جاريةً تحتَ أرضِها.
وإنما رغَّب اللهُ بهذه الآيةِ عبادَه في الإيمانِ، وحضَّهم على عبادتِه بما أَخْبَرهم أنه أَعدَّه لأهلِ طاعتِه والإيمانِ به عندَه، كما حذَّرهم في الآيةِ التي قبلَها بما أَخْبَر من إعدادِه ما أعدَّ لأهلِ الكفرِ به والجاعلين معه الآلهةَ والأندادَ من عقابِه عن إشراكِ غيرِه معه، والتعرُّضِ لعقوبتِه بركوبِ معصيتِه وتركِ طاعتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
يعني بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾: من الجناتِ.
والهاءُ راجعةٌ على الجناتِ، وإنما المَعنِيُّ أشجارُها.
فكأنه قال: كُلَّما رُزقوا من أشجارِ البساتينِ التي أعدَّها اللهُ للذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في جناتِه من ثمرةٍ من ثمارِها رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: هذا الذي رُزقنا مِن قبلُ (١) في الدنيا.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: إنهم أُتوا بالثمرِ في الجَنَّةِ، [فلما نظَروا] (٢) إليها قالوا: هذا الذي رُزقنا من قبلُ في الدنيا (٣).
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا.
وحدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولون: ما أشبهَه به (١).
[وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه] (٢).
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾: في الدنيا.
قال (٣): ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يعرِفونه (٤).
وقال آخرون: تأويلُ ذلك: هذا الذي رُزِقنا من [قَبلُ مِن] (٥) ثمارِ الجَنَّةِ مِن قبلِ هذا؛ لشدةِ مشابهةِ بعضِ ذلك بعضًا في اللونِ والطعمِ.
ومن علةِ قائلي هذا القولِ أن ثمارَ الجَنَّةِ كلَّما نُزِع منها شيْءٌ عاد مكانَه آخرُ مثلُه.
كما حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ يحدِّثُ عن أبي عُبيدةَ (٦)، قال: نخلُ الجَنَّةِ نَضيدٌ من أصلِها إلى فرِعها، وثمرُها أمثالُ القِلالِ، كلما نُزِعتْ منها ثمرةٌ عادتْ مكانَها أُخرَى (٧).
قالوا: فإنما اشْتَبهت عندَ أهلِ الجَنَّةِ لأنَّ التي عادت نطيرةُ التي نُزِعتْ فأُكِلَت، في كلِّ معانيها.
قالوا: ولذلك قال اللهُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾؛ لاشتباهِ جميعِه في كلِّ معانيه.
وقال بعضُهم: بل قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾؛ لمشابهتِه الذي قبلَه في اللونِ وإن خالفه في الطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسيِن، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حَدَّثَنَا شيخٌ من المَصِّيصَةِ (١)، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، قال: يُؤْتَى أحدُهم بالصَّحْفةِ فيأكُلُ منها، ثم يُؤْتَى بأُخْرَى فيقولُ: هذا الذي أُتِينا به مِن قبلُ.
فيقولُ الملَكُ: كُلْ، فاللونُ واحدٌ والطعمُ مُختَلِفٌ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ مذهبٌ مِن تأويلِ (٣) الآيةِ، غيرَ أنه يدفَعُ صحَّتَه ظاهرُ التلاوةِ.
والذي يدلُّ على صحتِه ظَاهرُ الآيةِ ويُحقِّقُ صحَّتَه (٤) قولُ القائلين: إن معنى ذلك: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلُ في الدنيا.
وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾.
فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مِن قِيلِ أهلِ الجنَّةِ كُلَّما رُزِقوا مِن ثمرِ الجَنَّةِ رزقًا أن يقولوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
ولم يَخْصُصْ بأن ذلك من قيلِهم في بعضِ ذلك دونَ بعضٍ، فإذ كان قد أَخْبَر جلَّ ذكرُه عنهم أن ذلك من قيلِهم في كلِّ ما رُزقوا من ثمرِها، فلا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها، وأُتوا به بعدَ دخولِهم الجنةَ واستقرارِهم فيها، الذي لَمْ يتقدَّمْه عندَهم من ثمارِها ثمرةُ.
فإذ كان لا شكَّ أن ذلك من قيلِهم في أولِه، كما هو من قيلِهم في أوسَطِه وما يتلوه، فمعلْومٌ أنه مُحالٌ أن يكونَ من قيلِهم لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِ الجَنَّةِ: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا من ثمارِ الجَنَّةِ.
وكيف يجوزُ أن يقولوا لأولِ رزقٍ رُزقوه من ثمارِها ولمَّا يتقدَّمْه عندَهم غيرُه منها: هذا الذي رُزقناه من قبلُ؟
إلَّا أن ينسِبَهم ذو عَتَهٍ (١) وضلالٍ إلى قيلِ الكذبِ الذي قد طهَّرهم اللهُ منه، أو يدفَعَ دافعٌ أن يكونَ ذلك مِن قيلِهم لأولِ رزقٍ يُرزقونه منها من ثمارِها، فيَدفَعَ صحةَ ما أَوْجَب اللهُ صحّتَه بقولِه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ من غيرِ نَصْبِ دَلالةٍ على أنه مَعنيُّ به حالٌ من أحوالِهم دونَ حالٍ.
فقد تبيَّن بما بيَّنا أن معنى الآيةِ: كلما رُزِقَ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ مِن ثمرةٍ من ثمارِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ رزقًا، قالوا: هذا الذي رُزِقنا من قبلِ هذا في الدنيا.
فإن سأَلنا سائلٌ فقال (٢): وكيف قال القومُ؛ هذا الذي رُزِقنا من قبلُ.
والذي رُزِقوه من قبلُ قد عُدِم بأكلِهم إيَّاه؟
وكيف يجوزُ أن يقولَ أهلُ الجَنَّةِ قولًا لا حقيقةَ له؟
قيل: إن الأمرَ على غيرِ ما ذهبتَ إليه في ذلك، وإنما معناه: هذا مِن النوعِ الذي رُزِقناه من قبلِ هذا من الثمارِ والرزقِ، كالرجلِ يقولُ لآخرَ: قد أعدَّ لك فلانٌ مِن الطعامِ كذا وكذا مِن ألوانِ الطبيخِ والشِّواءِ والحلوى.
فيقولُ المَقولُ له ذلك: هذا طعامي في منزلي.
يعني بذلك أن النوعَ الذي ذكَر له صاحبُه أنه أعدَّه له من الطعامِ هو طعامُه، [لا أن] (١) أعيانَ ما أَخْبَره صاحبُه أنه قد أعدَّه له هو طعامُه، بل ذلك مما لا يجوزُ لسامعٍ سمِعه يقولُ ذلك أن يتوهَّمَ أنه أراده أو قصَده؛ لأن ذلك خلافُ مَخرجِ كلامِ المتكلمِ، وإنما يُوجَّهُ كلامُ كلِّ متكلمٍ إلى المعروفِ في الناسِ من مخارجِه دونَ المجهولِ من معانيه، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ إذ كان ما كانوا رُزقوه من قبلُ قد فنِي وعُدِم، فمعلومٌ أنهم عَنَوا بذلك: هذا من النوعِ الذي رُزقنا من قبلُ، ومن جنسِه في التسمياتِ (٢) والألوانِ.
على ما قد بيَّنا من القولِ في ذلك في كتابِنا هذا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
والهاءُ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ عائدةٌ على الرزقِ، فتأويلُه: وأُتُوا بالذي رُزقوا من ثمارِها متشابهًا.
وقد اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ التشابهِ (٤) في ذلك، فقال بعضُهم: تشابهُه أن كلَّه خِيارٌ لا رَذْلَ فيه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا خلادُ بنُ أسلمَ، قال: أَخْبَرنا النَّضْرُ بنُ شُميلٍ، قال: أَخْبَرنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ قال: خِيارًا كلَّها لا رَذْلَ فيها (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن أبي رَجاءٍ: قرأ الحسنُ آياتٍ من "البقرة" فأتى على هذه الآيةِ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: ألم تَرَوا إلى ثمارِ الدنيا كيف تُرذلون بعضَه؟
وإن ذلك ليس فيه رَذْلٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
قال: يُشبهُ بعضُه بعضًا ليس فيه مَرْذولٌ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: أي خِيارٌ لا رَذْلَ فيه (٣)، وإن ثمارَ الدنيا يُنْتَقَى منها ويُرذَلُ منها، وثمارُ الجَنَّةِ خِيارٌ كلُّه لا يُرذَلُ منه شيْءٌ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: ثمرُ الدنيا منه ما يُرذَلُ ومنه نقاوةٌ، وثمرُ الجَنَّةِ نقاوةٌ كلُّه، يُشبِهُ بعضُه بعضًا في الطِّيبِ، ليس فيه مرذولٌ (٥).
وقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ وهو مختلفُ الطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: في اللونِ والمَرْآةِ، وليس يُشبِهُ الطعمَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: مثلَ الخِيارِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفَةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: لونُه، مختلفًا طعمُه، مثلَ الخِيارِ من القِثَّاءِ (٣).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ ابنِ أنسٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: يُشبهُ بعضُه بعضًا ويختلفُ الطعمُ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿مُتَشَابِهًا﴾.
قال: مشتبهًا في اللونِ ومختلفًا في الطعمِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾: مثلَ الخيارِ.
وقال بعضُهم: تشابهُه في اللونِ والطعمِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مُتَشَابِهًا﴾.
قال: اللونُ والطعمُ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن الثوريِّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ويحيى بنِ سعيدٍ: ﴿مُتَشَابِهًا﴾.
قالا: في اللونِ والطعمِ.
وقال بعضُهم: تشابهُه تشابهُ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في اللونِ، وإن اختلفت طعومُهما.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
قال: يُشبِهُ ثمرَ الدنيا، غيرَ أن ثمرَ الجَنَّةِ أطيبُ (١).
وقال بعضُهم: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا الأشجعيُّ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، [عن أبي ظَبْيانَ] (٢)، عن ابنِ عباسٍ - قال أبو كُريبٍ في حديثِه عن الأشجعيِّ -: لا يُشبِهُ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ ما في الدنيا إلا الأسماءُ.
وقال ابنُ بشَّارٍ في حديثه عن مؤمَّلٍ، قال: ليس في الدنيا مما في الجَنَّةِ إلَّا الأسماءُ (٣).
حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا محمد بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيانَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس، في الدنيا من الجَنَّةِ شيْءٌ إلا الأسماءُ.
وحدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال.
أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
قال: يعرِفون أسماءَه كما كانوا في الدنيا، التُّفَّاحُ بالتُّفَّاحِ، والرُّمَّانُ بالرُّمَّانِ، قالوا في الجَنَّةِ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعرِفونه، وليس هو مثلَه في الطعمِ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ مَن قال: وأتوا به متشابهًا في اللونِ والمنظرِ، والطعمُ مختلِفٌ.
يعني بذلك اشتباهَ ثمرِ الجَنَّةِ وثمرِ الدنيا في المنظرِ واللونِ، مختلفًا في الطعمِ والذوقِ، لِماَ قَدَّمنا من العلَّةِ في تأويلِ قولِه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
وأن معناه: كلما رُزقوا مِن الجنِانِ مِن ثمرةٍ مِن ثمارِها رِزقًا قالوا: هذا الذي رُزِقنا مِن قبلِ هذا في الدنيا.
فأَخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا ذلك مِن أجلِ أنهم أتُوا بما أتُوا به مِن ذلك في الجَنَّةِ مُتشابهًا، يعني بذلك تشابُه ما أُتُوا به منه في الجَنَّةِ والذي كانوا رُزِقوه في الدنيا، في اللونِ والمَرْآةِ والمنظرِ، وإن اختلفا في الطعمِ والذوقِ فتباينا، فلم يكنْ لشيْءٍ مما في الجَنَّةِ من ذلك في الدنيا نظيرٌ.
وقد دلَّلنا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن معنى قولِه: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
إنما هو من قولِ أهلِ الجَنَّةِ في تشبيهِهم بعضَ ثمرِ الجَنَّةِ ببعضٍ، وتلك الدَّلالةُ على فسادِ ذلك القولِ هي الدَّلالةُ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
لأَن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أَخْبَر عن المعنى الذي مِن أجلِه قال القومُ: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾.
بقولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
ويُسألُ مَن أَنْكَر ذلك فزعَم أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ شيْءٌ مما في الجَنَّةِ نطرًا لشيْءٍ مما في الدنيا بوجهٍ مِن الوجوهِ، فيقالُ له: أيجوزُ أن تكونَ أسماءُ ما في الجَنَّةِ من ثمارِها وأطعمتِها وأشربتِها نظائرَ أسماءِ ما في الدنيا منها؟
فإن أَنْكَر ذلك خالَف نصَّ كتابِ اللهِ؛ لأن اللهَ إنما عرَّف عبادَه في الدنيا ما هو عتيدٌ (١) في (٢) الجَنَّةِ بالأسماءِ التي يُسمَّى بها ما في الدنيا مِن ذلك.
وإن قال: ذلك جائزٌ، بل هو كذلك.
قيل: فما أَنْكَرْتَ أن يكونَ ألوانُ ما فيها من ذلك نظيرَ ألوانِ ما في الدنيا منه، بمعنى البياضِ والحمرةِ والصُّفرةِ وسائرِ صنوفِ الألوانِ، وإن تبايَنت فتفاضَلت بفضلِ، حسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، فكان لما في الجَنَّةِ من ذلك مِن البهاءِ والجمالِ وحسنِ المَرْآةِ والمنظرِ، خلافُ الذي لما في الدنيا منه، كما كان جائزًا ذلك في الأسماءِ مع اختلافِ المسمَّياتِ بالفضل في أجسامِها؟
ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِم في الآخرِ مثلَه.
وكان أبو موسى الأشعريُّ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به محمد بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الوهَّابِ ومحمدُ بن جعفرٍ، عن عوفٍ، عن قَسَامةَ، عن الأشعريِّ، قال: إن اللهَ لما أَخْرَج آدمَ من الجَنَّةِ زوَّده من ثمارِ الجَنَّةِ، وعلَّمه صنعةَ كلِّ شيْءٍ، فثمارُكم هذه من ثمارِ الجَنَّةِ، غيرَ أن هذه تَغَيَّرُ، وتلك لا تتغيَّرُ (١).
[وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّ معنى قولِه: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
أنه متشابةٌ في الفضلِ، أي كلُّ واحدٍ منه له مِن الفضلِ في نحوِه مثلُ الذي للآخرِ في نحوِه.
وليس هذا قَولًا نستجيزُ التشاغلَ بالدَّلالةِ على فسادِه؛ لخرُوجِه عن قولِ جميعِ علماءِ أهلِ التأويلِ.
وحسبُ قولٍ بخروجِه عن قولِ جميعِ أهلِ العلمِ دَلالةٌ على خَطَئِه] (٢).
القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في ﴿لَهُمْ﴾ عائدتان على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
والهاءُ والألفُ اللتان في ﴿فِيهَا﴾ عائدتان على الجنَّاتِ.
وتأويلُ ذلك: وبشِّرِ الذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ أن لهم جناتٍ فيها أزواجٌ مطهرةٌ.
والأزواجُ جمعُ زوجٍ، وهي امرأةُ الرجلِ.
يقالُ: فلانَةُ زوجُ فلانٍ وزوجتُه.
وأما قولُه: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾.
فإن تأويلَه أنهن (١) طُهِّرن مِن كلِّ أَذًى وقَذًى ورِيبةٍ، مما يكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا مِن الحيضِ والنِّفاسِ والغائطِ والبولِ والمُخَاطِ والبُصاقِ والمنَيِّ، وما أَشْبَهَ ذلك مِن الأذَى والأدْناسِ والرِّيَبِ والمكارهِ.
كما حَدَّثَنَا به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسِ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: أما ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ فإنهن لا يَحِضْنَ ولا يُحدِثْنَ ولا يتنخَّمْنَ (٢).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
يقولُ: مُطهّرةٌ مِن القَذَرِ والأذَى (٣).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا يحيى (١) القطَّانُ (٢)، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: لا يبُلْنَ ولا يتغوَّطْنَ ولا يَمذِينَ (٣).
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه، إلَّا أنه زاد فيه: ولا يُمْنينَ، ولا يَحِضْن.
حَدَّثَنَي محمد بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: مُطَهَّرةٌ مِن الحيضِ والغائطِ والبولِ والنُّخامِ والبصاقِ والمنَيِّ والوَلدِ (٤).
حَدَّثَنَا المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنَ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٥).
وَحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرنا الثوريُّ، عن إبنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ [نحوَ حديثِ أحمدَ بنِ إسحاقَ عن الزبيريِّ، غيرَ أنه زاد فيه: ولا يَلِدْنَ ولا يَبْزُقْنَ] (٦).
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا أبو حُذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: إى واللهِ، مِن الإثمِ والأذَى (١).
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: طَهَّرهن اللهُ من كلِّ بولٍ وغائطٍ وقَذَرٍ، ومن كلِّ مأثمٍ (٢).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: مُطهَّرةٌ من الحيضِ والحَبَلِ والأذى (٣).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: المطهَّرةُ من الحيضِ والحَبَلِ.
حَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: المطهَّرةُ التي لا تَحيضُ.
قال: وأزواجُ الدنيا ليست بمطهَّرةٍ؛ ألا تراهنَّ يَدمَين ويتركن الصلاةَ والصيامَ؟
قال ابنُ زيدٍ: وكذلك خُلِقَتْ حوَّاءُ حتى عَصتْ، فلما عصتْ قال اللهُ: إنِّي خلقتكِ مطهَّرةً، وسأُدْمِيك كما دمَّيْتِ هذه الشجرةَ (٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن (١) الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ يقولُ: مُطهَّرةٌ مِن الحيضِ (٢).
حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حَدَّثَنَا خالدُ بنُ يزيدَ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: مِن الحيضِ.
وحَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أبو معاويةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
قال: من الولدِ والحيضِ والغائطِ والبولِ.
وذكَر أشياءَ مِن هذا النحوِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.
يعني بذلك: والذين آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ في الجناتِ خالدون.
فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿وَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
والهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ الجناتِ.
وخلودُهم فيها دوامُ بقائهم فيها على ما أعطاهم اللهُ فيها مِن الحَبْرَةِ (٤) والنعيمِ المقيمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي أنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه فيه (١) هذه الآيةَ وفي تأويلِها؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لمّا ضرَب اللهُ هذين المثَليْن للمنافقِين - يعني قولَه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾.
وقولَه: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾.
الآياتِ الثلاث - قال المنافقون: اللهُ أعلى وأجلُّ من أن يضرِبَ هذه الأمثالَ.
فأنزَل اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثَنِي به أحمدُ بنُ إبراهيمَ (٣)، قال: حَدَّثَنَا قُرادٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال: هذا مثلٌ ضَرَبه اللهُ للدنيا؛ أن البعوضةَ تحيا ما جاعتْ، فإذا سمِنتْ ماتتْ، وكذلك مثلُ هؤلاء القومِ الذين ضَرَبَ اللهُ لهم هذا المثلَ في القرآنِ، إذا امتلئوا من الدنيا رِيًّا، أخَذهم اللهُ عند ذلك.
قال: ثم تلا ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية (٤) [الأنعام: ٤٤].
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بنحوِه، إلّا أنه قال: فإذا خلت آجالُهم، وانْقَطَعت مُدَّتُهم، صاروا كالبعوضةِ تحيا ما جاعت وتموتُ إذا رَوِيت، فكذلك هؤلاءِ الذين ضرَب اللهُ لهم هذا المثلَ، إذا امتلَئوا مِن الدنيا رِيًّا أخذَهم اللهُ فأهلَكهم، فذلك قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بن زريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ أي: إن اللهَ لا يستحيي من الحقِّ أن يَذْكُرَ منه شيئًا ما، قَلَّ منه أو كثُرَ، إن اللهَ جل ذكره لما ذكَر في كتابِه الذبابَ والعنكبوتَ، قال أهلُ الضلالةِ: ما أراد اللهُ من ذِكْرِ هذا؟
فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (١).
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: لمّا ذكَر اللهُ العنكبوتَ والذبابَ، قال المشركون: ما بالُ العنكبوتِ والذبابِ يُذْكَران؟
فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وقد ذهَب كلُّ قائلٍ ممن ذَكَرْنا قولَه في هذه الآيةِ وفي المعنى الذي أُنزلت فيه مذهبًا، غيرَ أن أوْلى ذلك بالصوابِ وأشبهَه بالحقِّ ما ذَكَرْنا مِن قولِ ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ، وذلك أنْ اللهَ أخبرَ عبادَه أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ مثلًا ما بعوضةً فما فوقها، عقيبَ أمثالٍ قد تَقَدَّمَت في هذه السورةِ ضرَبها للمنافقِين دونَ الأمثالِ التي ضرَبها في سائرِ السور غيرِها - فلأنْ (١) يكونَ هذا القولُ، أعني قولَه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾.
جوابًا لنكيرِ الكفارِ والمنافقين ما ضرَب اللهُ لهم مِن الأمثالِ في هذه السورةِ، أحقُّ وأولى من أن يكَونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب اللهُ لهم من الأمثالِ في غيرِها من السورِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه إنما وجَب أن يكونَ ذلك جوابًا لنكيرِهم ما ضرَب من الأمثالِ في سائرِ السُّورِ؛ لأنَّ الأمثالَ التي ضرَبها اللهُ لهم ولآلهتِم في سائرِ السورِ أمثالٌ في مُوافقةِ المعنى لما أَخبَر اللهُ عنه أنه لا يستحيي أن يضربَه مثلًا؛ إذ كان بعضُها تمثيلًا لآلهتِهم بالعنكبوتِ، وبعضُها تشبيهًا لها في الضعفِ والمهانةِ بالذبابِ، وليس ذكرُ شيْءٍ من ذلك بموجودٍ في هذه السورةِ فيجوزَ أن يقالَ: إن اللهَ لا يستحيي أن [يضربَه مثلًا] (٢).
فإن ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أن قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ إنما هو خبرٌ منه جلَّ ذِكْرُه أنه لا يستحيي أن يضربَ في الحقِّ من االأمثالِ صغيرِها وكبيرِها ابتلاءً بذلك عبادَه، واختبارًا (٣) منه لهم، ليَميزَ به أهلَ الإيمانِ والتصديقِ به من أهلِ الضلالةِ والكفرِ به، إضلالًا منه به لقومٍ وهدايةً منه به لآخرين.
كما حدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرِو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾: يعني الأمثالَ صغيرَها وكبيرَها، يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنَّها الحقُّ مِن ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون.
يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
لا أنه جلَّ ذِكْرُه قصَد الخبرَ (٢) عن عينِ البعوضةِ أنه لا يستحيي مِن ضربِ المثلِ بها، ولكنَّ البعوضةَ (٣) لما كانت أضعفَ الخلقِ - كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: البعوضَةُ أضعفُ ما خلَق اللهُ (٤).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ نحوَه - خصَّها اللهُ بالذكرِ في القلةِ، فأخبَر أنه لا يستحيي أن يَضْرِبَ أقلَّ الأمثالِ في الحقِّ وأحقرَها وأعلاها إلى غيرِ نهايةٍ في الارتفاعِ، جوابًا منه جلَّ ذِكْرُه لمن أنكَر من منافقِي خلقِه ما ضرَب لهم من المثلِ بمُوقِدِ النارِ، والصَّيِّبِ من السماءِ على ما نَعَتهما به من نَعْتِهما.
فإن قال لنا قائلٌ: وأين ذِكْرُ نكيرِ المنافقِين الأمثالَ التي وصفْتَ الذي هذا الخبرُ جوابُه، فنعلمَ أنَّ القولَ في ذلك ما قلتَ؟
قيل: الدَّلالةُ على ذلك بَيِّنةٌ في قولِه جل ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
وإن القومَ الذين ضرَب لهم الأمثالَ في الآيتيْن المتقدِّمتيْن - اللتين مثَّلَ ما عليه المنافقون مقيمون فيهما (١) بِمُوقِدِ النارِ وبالصَّيِّبِ من السماءِ على ما وصَف من ذلك قبلَ قولِه ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - قد أنكَروا المثلَ، وقالوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
فأوضَحَ خطأَ قِيلِهم ذلك، وقبَّح لهم ما نطَقوا به وأخبرَهم بحكمِهم في قِيلِهم ما قالوا منه، وأنه ضلالٌ وفسوقٌ، وأن الصوابَ والهدَى ما قاله المؤمنون دونَ ما قالوه.
وأما تأويلُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾.
فإن بعضَ المنسوبين إلى المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يتأولُ معنى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يضربَ مثلًا.
ويَستشهدُ على ذلك من قولِه بقولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
ويَزْعُمُ أن معنى ذلك: وتستحيي الناسَ واللهُ أحقُّ أن تستحييَه.
فيقولُ: الاستحياءُ بمعنى الخشيةِ، والخشيةُ بمعنى الاستحياءِ.
وأما معنى قولِه: ﴿أَنْ يَضْرِبَ﴾.
فهو: أن يُبَيِّنَ ويصفَ.
كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم: ٢٨].
بمعنى: وصَف لكم.
وكما قال الكميتُ (٢): وذلك ضربُ أخماسٍ أُرِيدتْ … لأسداسٍ عسى ألا تكونا (١) بمعنى وصفِ أخماسٍ.
والمثلُ الشَّبهُ، يقالُ: هذا مِثْلُ الشيْءِ ومَثَلُه، كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه.
ومنه قولُ كعبِ بنِ زهيرٍ (٢): كانت مواعيدُ عُرْقوبٍ لها مَثلًا … وما مواعيدُها إلا الأباطيلُ (٣) يعني شَبَهًا.
فمعنى قولِه إذن: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾: إن اللهَ لا يخشَى أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به (٤).
وأما ﴿مَا﴾ التي مع "مَثل" فإنها بمعنى الذي؛ لأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ الذي هو بعوضةً في الصِّغرِ والقِلةِ فما فوقَها مَثلًا.
فإن قال قائلٌ: فإن كان القولُ في ذلك ما قلتَ، فما وجهُ نصبِ "البعوضة"، وقد علمتَ أن تأويلَ الكلامِ على ما تأوّلتَ: أن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثَلًا الذي هو بعوضةً؛ فالبعوضةُ على قولِك في محلِّ الرفعِ، فأنَّى أتاها النصبُ؟
قيل: أتاها النصبُ من وجهين، أحدُهما: مِن أن ﴿مَا﴾ لما كانت في محلِّ نصبٍ بقولِه: ﴿يَضْرِبَ﴾ وكانتِ البعوضةُ لها صلةً، عُرِّبت (٥) بتعريبِها فأُلزِمتْ إعْرابَها، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (١): [وكفى] (٢) بنا فضلًا على مَن غيرِنا … حبُّ النبيِّ محمدٍ إيانا فعُرِّب "غير" (٣) بإعرإب "مَن"، والعربُ تفعلُ ذلك خاصةً في "مَن" و"ما"؛ تُعَرِّبُ صِلاتِهما (٤) بإعرابِهمَا؛ لأنهما يكونان معرِفةً أحيانا ونكرةً أحيانًا.
وأما الوجهُ الآخرُ: فأن يكونَ معنى الكلام: إن اللهَ لا يستحيي أن يضربَ مثلًا ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَها.
ثم حذَف ذِكْرَ "بينَ" و"إلى"؛ إذْ كان في نصبِ "البعوضة" ودخولِ الفاءِ في ﴿مَا﴾ الثانيةِ دَلالةٌ عليهما، كما قالتِ العربُ: مُطِرْنا ما زُبالةَ فالثَّعْلَبِيَّةَ (٥).
و: له عشرون ما (٦) ناقةً فجَملًا.
و: هي أحسنُ الناسِ ما قرنًا فقدمًا.
يعنون بذلك: [ما بيْنَ] (٧) قَرْنِها إلى قَدمِها.
وكذلك يقولون في كلِّ ما حسُن فيه من الكلامِ دخولُ "ما" بين كذا إلى كذا.
ينصِبون الأولَ والثانيَ، ليدلَّ النصبُ [في الأسماءِ] (١) على المحذوفِ من الكلامِ.
فكذلك ذلك في قولهِ: ﴿مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وقد زعمَ بعضُ أهلِ العربيةِ أن ﴿مَا﴾ التي مع "المثَل" صِلةٌ في الكلامِ بمعنى التَّطوُّلِ (٢)، وأن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي (٣) أن يضربَ بعوضةً مثلًا فما فوقَها.
فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن تكونَ "البعوضة" منصوبةً بـ ﴿يَضْرِبَ﴾، وأن تكونَ ﴿مَا﴾ الثانية التي في ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ معطوفةً على البعوضةِ لا على ﴿مَا﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾.
[فهو: ما] (٤) هو أعظمُ منها عندِي؛ لما ذَكَرْنا قبلُ من قولِ قتادةَ وابنِ جُريجٍ أن البعوضةَ أضعفُ خلقِ اللهِ، فإن كانت أضعفَ خلقِ اللهِ فهي نهايةٌ في القلةِ والضعفِ، وإذا كانت كذلك فلا شكَّ أن ما فوقَ أضعفِ الأشياءِ لا يكونُ إلا أقوَى منه.
فقد يجبُ أن يكونَ المعنى على ما قالاه: فما فوقَها في العِظَمِ والكِبَرِ، إذ (٥) كانتِ البعوضةُ نهايةً في الضعفِ والقلةِ.
وقيل في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾: في الصِّغَرِ والقلةِ.
كما يُقالُ في الرجلِ يذكرُه الذاكرُ فيصِفُه باللؤمِ والشحِّ، فيقولُ السامعُ: نعم، وفوقَ ذلك.
يعني به فوقَ الذي وصفتَ في الشحِّ واللؤمِ.
وهذا قولٌ خلافُ تأويلِ أهلِ العلمِ الذين تُرتضَى معرفتُهم بتأويلِ القرآنِ، فقد تَبيَّنَ إذن بما وصفْنا أن معنى الكلامِ: إن اللهَ لا يستحيي أن يصِفَ شبهًا لما شَبَّه به الذي هو ما بينَ بعوضةٍ إلى ما فوقَ "البعوضةِ".
فأما تأويلُ الكلامِ لو رُفعتِ "البعوضة"، فغيرُ جائزٍ في ﴿مَا﴾، إلا ما قلنا من أن تكونَ (١) اسمًا لا صلةً، بمعنى التطولِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
يعني بقولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: فأما الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه.
وقولُه: ﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾.
يعني: فيعرِفونَ أن المثَلَ الذي ضرَبه اللهُ لما ضرَبه له مثلًا (٣) مَثلٌ.
كما حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: هذا المثَلُ الحقُّ من ربِّهم، وأنه كلامُ اللهِ ومِنْ عندِ اللهِ (٤).
وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حَدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلَمون أنه كلامُ الرحمنِ، وأنه الحقُّ من اللهِ، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ (١).
وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يعني: الذين جحَدوا آياتِ اللهِ، وأنكَروا ما عرَفوا، وستَروا ما عَلِموا أنه الحقُّ.
وذلك صفةُ المنافقين، وإيَّاهم عنَى اللهُ جلّ ثناؤُه ومَن كان من نُظرائِهم (٢) وشركائِهم من المشركين مِن (٣) أهلِ الكتابِ وغيرِهم، بهذه الآيةِ: ﴿فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
كما قد ذَكَرْنا قبلُ (٤) من الخبرِ الذي روَيْناه عن مجاهدٍ الذي حَدَّثنا به محمدُ ابنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ الآية.
قال: يؤمنُ بها المؤمنون، ويعلَمون أنها الحقُّ من ربِّهم، ويهديهم اللهُ بها، ويَضِلُّ بها الفاسقون.
يقولُ: يعرِفُه المؤمنون فيؤمنون به، ويعرِفُه الفاسقون فيكفرون به.
وتأويلُ قولِه: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾: ما الذي أراد اللهُ بهذا المثَلِ مثلًا؟
فـ "ذا" الذي مع "ما" في معنى "الذي"، وأرادَ صلته، و "هذا" إشارةٌ إلى "المثل".
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
ومعنى قولِه جل ذكرُه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يُضلُّ اللهُ به كثيرًا من خلقِه.
والهاءُ في ﴿بِهِ﴾ من ذِكْرِ "المثَل".
وهذا خبرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤه مُبتدأٌ، ومعنى الكلامِ [قال اللهُ: يُضِلُّ اللهُ] (١) بالمثلِ الذي يضْربُه كثيرًا من أهلِ النفاقِ والكفرِ.
كما حَدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المنافقين، ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾: يعني المؤمنين، فيزيدُ هؤلاء ضلالًا إلى ضلالِهم لتكذيبِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا من المثَلِ الذي ضرَبه اللهُ لِما ضرَبه له، وأنه لِما ضرَبه له موافقٌ، فذلك إضلالُ اللهِ إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ - يعني بالمثلِ - كثيرًا من أهلِ الإيمانِ والتصديقِ، فيزيدهم هدًى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانِهم، لتصديقِهم بما قد علِموه حقًّا يقينًا أنه موافقٌ ما ضرَبه اللهُ له مثلًا، وإقرارِهم به، وذلك هدايةُ (٢) اللهِ لهم به (٣).
وقد زَعمَ بعضُهم أن ذلك خبرٌ عن قولِ (٤) المنافقين، كأنهم قالوا: ما أرادَ اللهُ بمَثَلٍ لا يعرفُه كلُّ أحدٍ، يُضِلُّ به هذا ويهدِي به هذا؟
ثم استؤنِف الكلامُ والخبرُ عن اللهِ، فقال اللهُ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وفي ما في سورةِ "المدثر" من قولِ اللهِ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] - ما ينبئُ عن أنه في سورةِ "البقرة" كذلك مبتدأٌ، أعني قولَه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾.
وتأويلُ ذلك مَا حَدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذَكرَه عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم المنافقون (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: فسَقوا فأضلَّهم اللهُ على فسقِهم (٢).
حَدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: هم أهلُ النفاقِ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأصل الفِسقِ في كلامِ العربِ الخروجُ عن الشيْءِ، يقالُ منه: فَسقَتِ الرُّطَبَةُ، إذا خرَجت من قشرِها؛ ومن ذلك سُميتِ الفأرةُ فُوَيسِقةً؛ لخروجِها عن (٤) جحرِها، فكذلك المنافقُ والكافرُ، سُمِّيا فاسقَيْن لخروجِهما عن طاعةِ ربِّهما، ولذلك قال جلَّ ذكرُه في صفةِ إبليسَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠].
يعني به: خرَج عن طاعتِه واتباعِ أمرِه.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، دال: حدَّثني ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] أي: بما [تعدَّوا من] (١) أمرِي (٢).
فمعنى قولِه: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾: وما يُضِلُّ اللهُ بالمثَلِ الذي يضْرِبُه لأهلِ النفاقِ والضلالِ إلا الخارجِين عن طاعتِه والتاركِين اتباعَ أمرِه، من أهلِ الكفرِ به من أهلِ الكتابِ، وأهلِ الضلالِ من أهلِ النفاقِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا وصفٌ من اللهِ جلَّ ذِكرُه الفاسقين الذين أخبَر أنه لا يُضِلُّ بالمثلِ الذي ضرَبه لأهلِ النفاقِ غيرَهم، فقال: ومَا يُضلُّ اللهُ بالمثلِ الذي يضرِبُه، على ما وصَفَ قَبلُ في الآياتِ المتقدمةِ - إلا الفاسقين الذين يَنْقُضون عهدَ اللهِ من بعدِ ميثاقِه.
ثم اختلَف أهلُ المعرفةِ في معنى العهدِ الذي وصَف اللهُ هؤلاء الفاسقين بنقضِه؛ فقال بعضُهم: هو وصيةُ اللهِ إلى خلقِه، وأمرُه إياهم بما أمرَهم به من طاعتِه، ونهيُه إيّاهم عما نهاهُم عنه من معصيتِه في كُتُبِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ، ونقضُهم ذلك تركُهم العملَ به.
وقال آخرون: إنما نزلَت هذه الآياتُ في كفارِ أهلِ الكتابِ والمنافقين منهم، وإياهم عنَى اللهُ جلَّ ذِكْرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾.
وبقولهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فكلُّ ما في هذه الآياتِ فعَذْلٌ لهم وتوبيخٌ إلى انقضاءِ قَصَصِهم.
قالوا: فعهدُ اللهِ الذي نقضُوه بعدَ ميثاقِه هو ما أخَذه اللهُ عليهم في التوراةِ؛ من العملِ بما فيها، واتباعِ محمدٍ ﷺ إذا بُعِث، والتصديقِ به وبما جاءَ به من عندِ ربِّهم، ونقْضُهم ذلك هو جُحودُهم به بعدَ معرفتِهم بحقيقتِه، وإنكارِهم ذلك، وكتمانِهم علمَ ذلك الناسَ، بعد إعطائِهم اللهَ مِن أنفسِهم الميثاقَ لَيُبَيِّنُتَّه للناسِ ولا يكتُمونه، فأخبَر جل ذكرُه أنهم نبَذوه وراء ظهورِهم واشترَوا به ثمنًا قليلًا.
وقال بعضُهم: إن اللهَ عنَى بهذه الآيةِ جميعَ أهلِ الشركِ والكفرِ والنفاقِ، وعهدُه إلى جميعِهم في توحيدِه ما وضَع لهم من الأدلةِ (١) الدالةِ على رُبوبِيَّتِه، وعهدُه إليهم في أمرِه ونهيِه ما احتج به لرسُلِه من المعجزاتِ التي لا يقدِرُ أحدٌ من الناسِ غيرُهم أن يأتيَ بمثلِها، الشاهدةِ لهم على صدقِهم.
قالوا: ونقضُهم ذلك تركُهم الإقرارَ بما قد تبيَّنتْ لهم صحتُه بالأدلةِ (١)، وتكذيبُهم الرسلَ والكتُبَ، مع علمِهم أن ما أتَوا به حقٌّ.
وقال آخرون: العهدُ الذي ذكَره اللهُ هو العهدُ الذي أخَذه عليهم حينَ أخرَجهم من صُلْبِ آدمَ، الذي وصَفه في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٢) الآيتين [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
ونقضُهم ذلك تركُهم الوفاءَ به.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في ذلك قولُ من قال: إنَّ هذه الآياتِ نزلتْ في كفارِ أحبارِ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وما قرُب منها من بقايا بني إسرائيلَ، ومن كان على شركِه من أهلِ النفاقِ الذين قد بيَّنا قَصَصَهم فيما مضَى من كتابِنا هذا.
وقد دلَّلْنا على أن قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾.
وقولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فيهم أُنْزِلت، وفي مَن كان على مِثْلِ الذي هم عليه من الشركِ باللهِ، غيرَ أن هذه الآياتِ عندي وإن كانت فيهم نزلَتْ، فإنه مَعْنيٌّ بها كلُّ مَن كان على مثلِ ما كانوا عليه من الضلالِة، ومعنيٌّ بما وافقَ منها صفةَ المنافقين خاصةً جميعُ المنافقين، وبما (١) وافقَ منها صفةَ كفارِ أحبارِ اليهودِ جميعُ (٢) مَن كان لهم نَطيرًا في كفرِهم، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه يَعُمُّ أحيانًا جميعَهم بالصفةِ لتقديمِه ذِكْرَ جميعِهم (٣) في أولِ الآياتِ التي ذكَرتْ قَصَصَهم (٤)، ويَخُصُّ بالصفة أحيانًا بعضَهم لِتفصيلِه في أولِ الآياتِ بينَ فَرِيقَيْهِم (٥)، أعنِي فريقَ المنافقِين من عبدةِ الأوثانِ وأهلِ الشركِ باللهِ، وفريقَ كفارِ أحبارِ اليهودِ.
فالذين ينقضون عهدَ اللهِ هم التاركونَ ما عهِد اللهُ إليهم من الإقرارِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به وتَبْيِينِ نُبوَّتِه للناسِ، والكاتمون بيانَ ذلك بعدَ علْمِهم به وبما قد أخَذ اللهُ عليهم في ذلك، كما قال جلَّ ثناؤُه: (﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ (٦) لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ (٧) فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
ونبذُهم ذلك وراءَ ظهورِهم هو نقضُهم العَهدَ الذي عُهِد إليهم في التوراةِ، الذي وصفْناه، وتركُهم العملَ به.
وإنما قلتُ: إنه عنَى بهذه الآيةِ (١) مَن قلتُ إنه عنَى بها؛ لأن الآياتِ من مبتدأِ الآياتِ الخمسِ والستِّ من سورةِ "البقرةِ" فيهم نزلتْ إلى تمامِ قَصَصِهم، وفي الآيةِ التي بعدَ الخبرِ عن خلقِ آدمَ، وبيانِه (٢) في قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وخطابِه جلَّ ذِكرُه إياهم بالوفاءِ بذلك خاصةً دونَ سائرِ البشرِ، ما يدلُّ على أن قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.
مقصودٌ (٣) به كفارُهم ومنافقُوهم، ومَن كان من أشياعِهم مِن مُشرِكي عَبَدةِ الأوثانِ على ضلالتِهم، غيرَ أن الخطابَ وإن كان لمن وصفتُ من الفريقيْن، فداخلٌ في أحكامِهم وفي ما أوجَب اللهُ لهم من الوعيدِ والذمِّ والتوبيخِ، كلُّ من كان على سبيلِهم ومنهاجِهم من جميعِ الخلق وأصنافِ الأُممِ المخاطَبِين بالأمرِ والنهيِ.
فمعنى الآيةِ إذن: وما يُضِلُّ به إلا التاركِين طاعةَ اللهِ، الخارجِين عن اتباعِ أمرِه ونهيِه، الناكثِين عهودَ اللهِ التي عهِدها إليهم في الكُتبِ التي أنزَلها إلى رسلِه وعلى ألْسُنِ أنبيائِه، باتباعِ أمرِ رسولِه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وطاعةِ اللهِ فيما افتَرض عليهم في التوراةِ من تبْيِينِ أمرِه للناسِ، وإخبارِهم إياهم أنَّهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم أنه رسولٌ من عندِ اللهِ مُفترضَةٌ طاعتُه، وتركِ كتمانِ ذلك لهم.
ونَكثُهم ذلك ونقضُهم إياه هو مخالفتُهم اللهَ في عهدِه إليهم فيما وصفتُ أنه عهِد إليهم، بعدَ إعطائِهم ربَّهم الميثاقَ بالوفاءِ بذلك، كما وصَفهم به ربُّنا جل ذِكْرُه بقولِه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
وأما قولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾.
فإنه يَعني: من بعدِ توثُّقِ اللهِ منه (١) بأخذِ (٢) عهودِه بالوفاءِ له بما عهِد إليه في ذلك، غيرَ أن التوثُّقَ مصدرٌ من قولِك: توثَّقتُ من فلانٍ توثُّقًا.
والميثاقُ اسمٌ منه، والهاءُ في "الميثاق" عائدةٌ على اسمِ "الله" جلَّ ذِكْرُه.
وقد يدخُلُ في حكمِ هذه الآيةِ كلُّ من كان بالصفةِ التي وصَف اللهُ بها هؤلاء الفاسقين من المنافقين والكفارِ في نقضِ العهدِ، وقطْعِ الرحمِ، والإفسادِ في الأرضِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾: فإياكُم ونقضَ هذا الميثاقِ، [فإن اللهَ قد كرِه نقْضَه وأوْعَد فيه، وقدَّم فيه في آيٍ مِن (٣) القرآنِ] (٤)، حجةً وموعظةً ونصيحةً، وإنا لا نعلمُ اللهَ أوعَد في ذنبٍ ما أَوْعَد في نقضِ الميثاقِ، فمن أَعطَى عهدَ اللهِ وميثاقَه من ثمرةِ قلبِه فلْيفِ به للهِ (٥).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
فهي ستٌّ خلالٍ في أهلِ النفاقِ، إذا كانت لهم الظَّهْرَةُ (١) أظْهَروا هذه الخلالَ الستَّ جميعًا؛ إذا حدَّثوا كذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا، ونقَضوا عهْدَ اللهِ مِن بعدِ ميثاقِه، وقطَعوا ما أَمَر اللهُ به أن يُوصلَ، وأفسَدوا في الأرضِ، وإذا كانت عليهم الظَّهْرَةُ أظهَروا الخِلالَ الثلاثَ؛ إذا حدَّثوا كَذَبوا، وإذا وعَدوا أخلَفوا، وإذا ائْتُمِنوا خانوا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والذي رغَّب اللهُ في وَصْلِهِ وذمَّ على قطْعِه في هذه الآيةِ، الرحمُ، وقد بيَّن ذلك في كتابِه فقال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢].
وإنما عنَى بالرحمِ أهلَ الرجلِ (٣) الذين جمعتْهم وإياه رحمُ والدةٍ واحدةٍ.
وقطْعُ ذلك ظلمُها (٤) في تركِ أداءِ ما ألزَم اللهُ من حقوقِها، وأوجَبَ من بِرِّها.
ووصْلُها أداءُ الواجبِ لها إليها، من حقوقِ اللهِ التي أوجَب لها، والتعطُّفُ عليها بما يَحِقُّ التعطفُ به عليها.
و ﴿أَن﴾ التي مع ﴿يُوصَلَ﴾ في محلِّ خفضٍ، بمعنى ردِّها على موضعِ الهاءِ التي في ﴿بِهِ﴾.
فكان معنى الكلامِ: ويقطَعون الذي أمَر اللهُ به (٥) بأن يُوصَلَ.
والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ هي كنايةُ (٦) ذكرِ ﴿مَا﴾ (٧).
وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.
وأنه الرحمُ، كان قتادةُ يقولُ.
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾: فقُطِعَ واللهِ ما أمَر اللهُ به أن يوصلَ بقطيعةِ الرحمِ والقرابةِ (١).
وقد تأوّل بعضُهم ذلك أن اللهَ ذمَّهم بقطعِهم رسولَه والمؤمنين به وأرحامَهم.
واستَشهَد على ذلك بعمومِ (٢) ظاهرِ الآيةِ، وألا (٣) دلالةَ على أنَّه معنيٌّ بها بعضُ ما أمَر اللهُ بوصْلِه دونَ بعضٍ.
وهذا مذهبٌ مِن تأويلِ الآيةِ غيرُ بعيدٍ من الصوابِ، ولكنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد ذكَر المنافقين في غيرِ آيةٍ من كتابهِ، فوصَفهم بقطْعِ الأرحامِ، فهذه نظيرةُ تلك، غيرَ أنَّها وإن كانت كذلك، فهي دالةٌ على ذمِّ اللهِ كلَّ قاطعٍ قطَع ما أمَر اللهُ أن يُوصلَ، رحِمًا كانت أو غيرَها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفسادُهم في الأرضِ هو ما تقدَّم وَصْفُناهُ قبلُ من معصيتِهم ربَّهم، [وكُفرِهم به] (٤)، وتكذيبِهم رسوله، وجَحْدِهم نبوَّتَه، وإنكارِهم ما أتاهم به من عندِ اللهِ أنه حقٌّ مِن عندِه.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.
والخاسرون جمعُ خاسرٍ، والخاسرون؛ الناقصون أنفسَهم حظوظَها بمعصيتِهم اللهَ - من رحمتِه، كما يخسَرُ الرجلُ في تجارتِه بأن يوضَعَ من رأسِ مالِه في بيعِه (١).
فكذلك الكافرُ والمنافقُ خسِر بحِرْمانِ اللهِ إياه رحمَتَه التي خلَقها لعبادِه في القيامةِ أحوجَ ما كان إلى رحمتِه.
يقالُ منه: خسِر الرجلُ يخسَرُ خُسْرًا وخُسرانًا وخَسارًا.
كما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٢): إن سَلِيطًا في الخَسارِ إنَّهْ … أولادُ قومٍ خُلِقوا أقِنَّهْ (٣) يعني بقولهِ: في الخَسارِ.
أي: فيما يوكِسُهم حظوظَهم من الشرفِ والكرمِ.
وقد قيل: إنَّ معنى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: أولئك هم الهالِكون.
وقد يجوزُ أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ ما قلنا من هلاكِ الذي وصَف اللهُ صفَتَه بالصفةِ التي وصَفه بها في هذه الآيةِ، بحِرْمانِ اللهِ إياه ما حرَمه من رحمتِهِ بمعصِيتِه إياه وكفرِه به.
فحمَل تأويلَ الكلامِ على معناه دونَ البيانِ عن تأويلِ عينِ الكلمةِ بعينِها، فإن أهلَ التأويلِ ربما فعلوا ذلك لعللٍ كثيرةٍ تدعوهم إليه.
وقال بعضُهم في ذلك بما حُدِّثت به عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبي رَوقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيْءٍ نسَبه اللهُ إلى غيرِ أهلِ الإسلامِ من اسمٍ مثلَ خاسرٍ فإنما يعني به الكفرَ، وما نسَبه إلى أهلِ الإسلامِ فإنما يعني به الذَّنْبَ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبير ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبِيِّ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يقولُ: لَمْ تكونوا شيئًا فخلَقكم، ثم يميتُكم، ثم يحيِيكم يومَ القيامةِ (١).
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قوِله: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١].
قال: هي كالتي في "البقرة": ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وحَدَّثَنِي أبو حُصينٍ [عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ (٢) بنِ يونسَ، قال: حَدَّثَنَا عَبْثرٌ، قال: حَدَّثَنَا حُصينٌ] (٣)، عن أبي مالكٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقْتنا ولم نَكُنْ شيئًا، ثم أمَتَّنَا، ثم أحْيَيْتَنا.
وحَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشيمٌ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: كانوا أمواتًا فأحياهم اللهُ، ثم أماتهم، ثم أحياهم.
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا [الحسينُ بنُ داودَ] (١)، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ في قولهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
قال: لَمْ تكونوا شيئًا حتى (٢) خلَقكم، ثم يميتُكم الموتةَ الحقَّ، ثم يحييكُم، وقولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ مثلُها (٣).
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي الحجاجُ، عن ابنِ جريج، قال: أخبرني عطاءٌ الخراسانيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال؛ هو قولُه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ (٤).
وحُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدثني أبو العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
يقولُ: حينَ لَمْ يكونوا شيئًا، ثم أحياهُم [حين (١) خلَقهم] (٢)، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، ثم رجَعوا إليه بعدَ الحياةِ (٣).
وحُدِّثت عن المنِجابِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عمت أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾.
قال: كنتم ترابًا قبلَ أن يخلُقَكم، فهذه مِيتةٌ، ثم أحياكم فخلَقكُم، فهذه حياةٌ (٤)، ثم يميتُكم فتَرجِعون إلى القبورِ، فهذه مِيتةٌ أخرى، ثم يبعَثُكم يومَ القيامِة، فهذه حياةٌ (٤)، فهما مِيتَتَان وحياتانِ، فهو قولُه (٥): ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ (٦).
وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن السدِّيِّ، عن أبي صالحٍ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ قال: يُحييكُم في القبرِ، ثمُ يميتُكم (٧).
وقال آخرون بما حَدَّثَنَا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادَةَ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [الآية.
قال: كانوا أمواتًا] (١) في أصْلُبةِ (٢) آبائِهم، فأحياهم اللهُ وخلَقهم، ثم أماتَهم الموتَةَ التي لا بدَّ منها، ثم أحياهُم للبعثِ يومَ القيامةِ، فهما حياتان وموتَتان.
وقال بعضُهم بما حدَّثَنِي به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ قال: خلَقهم اللهُ من ظَهرِ آدمَ حينَ أخَذ عليهم الميثاقَ (٣).
وقرَأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
حتى بلَغ: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
قال: فكسَّبهم العقلَ وأخَذ عليهم الميثاقَ.
قال؛ وانتزَع ضِلْعًا من أضلاعِ آدمَ القُصَيْرَي (٤)، فخلَق منه حواءَ.
ذكَره عن النَّبِيِّ ﷺ.
قال: وذلك قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً (١)﴾ [النساء: ١].
قال: بثَّ منهما (٥) بعدَ ذلك في الأرحامِ خلقًا كثيرًا.
وقرأ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر: ٦].
قال: خلْقًا بعدَ ذلك.
قال: فلما أخَذ عليهم الميثاقَ أماتهم، ثم خلَقهم في الأرحامِ، ثم أماتهم، ثم أحياهم يومَ القيامةِ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾.
وقرأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ١٥٤، والأحزاب: ٧].
قال: يومَئذٍ قال: وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧].
قال أبو جعفرٍ: ولكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ التي حكَيْناها عمّن رَوَيناها عنه وجهٌ ومذهبٌ من التأويلِ.
فأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾.
أي: لم تكونوا شيئًا.
فإنه ذهَب إلى نَحوِ قولِ العربِ للشيْءِ الدَّارسِ والأمرِ الخاملِ الذِّكرِ: هذا شيْءٌ ميتٌ، وهذا أمرٌ ميتٌ.
يُرادُ بوصفِه بالموتِ خمولُ ذِكْرِه ودُروسُ أثَرِه من الناسِ، وكذلك يقالُ في ضدِّ ذلك وخلافِه: هذا أمرٌ حيٌّ، وذِكْرٌ حيٌّ.
يرادُ بوصفِه بذلك أنه نابِهٌ مُتعالمٌ في الناسِ، كما قال أبو نُخيلةَ السَّعديُّ (١): فأحْييْتَ (٢) لي ذِكْرِي وما كنتُ خاملًا … ولكنَّ بعضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ من بعضِ يريدُ بقولِه: فأحيَيْتَ لي ذِكرِي.
أي: رفعْتَه وشهَرْتَه في الناسِ حتى نَبُه فصار مذكورًا حيًّا بعدَ أن كان خاملًا ميتًا.
فذلك (٣) تأويلُ قولِ من تأوَّل في قولهِ: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾: لم تكونوا شيئًا.
أي: كنتم خُمولًا لا ذِكْرَ لكم، وذلك كان [موتَكم، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ فجعلكم] (٤) بشَرًا أحياءً [تُذكَرون وتعرَفون] (١)، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بقبضِ أرواحِكم، وإعادتِكم كالذي كنتم قبلَ أن يحييَكم من دروسِ ذكرِكم، وتَعفِّي آثارِكم، وخُمولِ أمورِكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بإعادةِ أجسامِكم إلى هيئاتِها، ونفخِ الروحِ فيها، وتَصْيِيرِكم بشرًا كالذي كنتم قبلَ الإماتةِ تتعارَفون في بعثِكم وعندَ حشْرِكم.
وأما وجهُ تأويلِ مَن تأوَّل ذلك أنه الإماتةُ التي هي خروجُ الروحِ من الجسدِ، فإنه ينبغي أن يكونَ ذهَب بقولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
إلى أنه خطابٌ لأهلِ القبورِ بعدَ إحيائِهم في قبورِهم، وذلك معنًى بعيدٌ؛ لأن التوبيخَ هنالك إنما هو توبيخٌ على ما سلَف وفرَط من إجْرامِهم، لا استعتابٌ واسترجاعٌ.
وقولُه جلَّ ذِكْرُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
توبيخُ مُستعتِبٍ عبْدَه (٢)، وتأنيبُ مُسترجِعٍ خلْقَه من المعاصِي إلى الطاعَةِ، ومن الضلالِة إلى الإنابةِ، ولا إنابةَ في القبورِ بعدَ المماتِ، ولا توبةَ فيها بعدَ الوفاةِ.
وأما وجهُ تأويلِ قولِ قتادةَ ذلك أنهم كانوا أمواتًا في أصلابِ آبائِهم.
فإنه عنَى بذلك أنهم كانوا نُطَفًا لا أرواحَ فيها، فكانت بمعنى سائرِ الأشياءِ المَواتِ التي لا أرواحَ فيها، وإحياؤُه إياها جل ذِكْرُه، نَفْخُه الأرواحَ فيها، وإماتَتُه إياهم بعدَ ذلك؛ قبضُه أرواحَهُم، وإحياؤه إياهم بعد ذلك؛ نفخُ الأرواحِ في أجسامِهم يومَ يُنْفَخُ في الصورِ ويُبعَثُ الخلقُ للموعودِ.
وأما ابنُ زيدٍ فقد أبان عن نفسِه ما قصَد بتأويلهِ ذلك، وأن الإماتةَ الأولَى عندَه (١) إعادةُ اللهِ جلَّ ثناؤه عبادَه في أصلابِ آبائِهم بعدَما أخَذهم من صُلبِ آدمَ، وأن الإحياءَ الآخَرَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم في بطونِ أمهاتِهم، وأن الإماتةَ الثانيةَ هي قبضُ أرواحِهم للعَوْدِ إلى الترابِ، والمصيرُ في البرْزَخِ إلى يومِ البعثِ، وأن الإحياءَ الثالثَ هو نفخُ الأرواحِ فيهم لبعثِ الساعةِ ونشرِ القيامةِ.
وهذا تأويلٌ إذا تَدبَّره المتدبِّرُ وجَده خِلافًا لظاهرِ قولِ اللهِ الذي زعَم مفسِّرُه أن الذي وصَفْنَا من قولِه تفسيرُه، وذلك أن اللهَ جلَّ ذكرُه أخْبر في كتابِه عن الذين أخبَر عنهم من خلقِه أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾.
وزعَم ابنُ زيدٍ أن (٢) تفسيرَه أن اللهَ أحياهم ثلاثَ إحياءاتٍ، وأماتهم ثلاثَ إماتاتٍ.
قال أبو جعفرٍ: والأمرُ عندنا وإن كان في ما وصَف من استخراجِ اللهِ جلَّ ثناؤُه من صُلْبِ آدمَ ذُريتَه، وأخذِه ميثاقَه عليهم، كما وصَف، فليس ذلك من تأويلِ هاتين الآيتين - أعني قولَه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ الآية.
وقولَه: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ - ذي شيْءٍ؛ لأن أحدًا لم يدَّعِ أن اللهَ أمات من ذرَأ يومئذٍ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخِ إلى البعثِ، فيكونَ جائزًا أن يوجَّهَ تأويلُ الآيةِ إلى ما وجَّههُ إليه ابنُ زيدٍ.
وقال بعضُهم: الموتةُ الأولَى مُفارقةُ نُطفةِ الرجلِ جسدَه إلى رحمِ المرأةِ، فهي ميتةٌ من لَدُنْ فِراقِها جسدَه إلى نفخِ الروحِ فيها، ثم يُحييها اللهُ بنفخِ الروحِ فيها فيجعَلُها بشرًا سويًّا بعدَ تاراتٍ تأتي عليها، ثم يُميتُه المِيتةَ الثانيةَ بقبضِ الروحِ منه، فهو في البرزخِ ميتٌ إلى يومِ يُنْفَخُ في الصورِ، فيَرُدُّ في جسدِه روحَه، فيعودُ حيًّا سويًّا لبعثِ القيامةِ، فذلك موتَتان وحياتان.
وإنما دعَا هؤلاء إلى هذا القولِ لأنهم قالوا: موتُ ذِي الروحِ مفارقةُ الروحِ إياه.
فزعَموا أن كلَّ شيْءٍ من ابنِ آدمَ حيٌّ ما لم يفارقْ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فكلُّ ما فارقَ جسدَه الحيَّ ذا الروحِ، فارقَتْه [الروحُ و] (١) الحياةُ فصار ميتًا، كالعضوِ من أعضائِه؛ مثلُ اليدِ من يدَيْه أو الرِّجْلِ من رجلَيْه، لو قُطِعت فأُبينَتْ، والمقطوعُ ذلك منه حيٌّ، كان الذي بأن من جسدِه مَيِّتًا لا روحَ فيه بفراقِه سائرَ جسدِه الذي فيه الروحُ.
قالوا: فكذلك نطفتُه حيةٌ بحياتِه، ما لم تفارقْ جسدَه ذا الروحِ، فإذا فارقَتْه مُبايِنةً له صارت مَيتةً، نطيرَ ما وصفْنَا من حكمِ اليدِ والرجلِ وسائرِ أعضائِه، وهذا قولٌ ووجهٌ من التأويلِ لو كان من أقوالِ أهلِ القُدْوةِ الذين يُرتضَى للقرآنِ تأويلُهم.
وأوْلَى مما ذكَرْنا من الأقوالِ التي بيّنَّا بتأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية.
القولُ الذي ذكَرْناه عن ابنِ مسعودٍ، وعن ابنِ عباسٍ، من أنَّ معنى قولِه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
أمواتَ الذِّكْرِ، خُمولًا في أصلابِ آبائِكم، نُطَفًا لا تُعرَفون ولا تُذكَرون، فأحياكُم بإنشائكُم بشرًا سويًّا، حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتُم، ثم يميتُكم بقبضِ أرواحِكم وإعادتِكم رُفاتًا، لا تُعْرَفون ولا تُذْكرون في البرزخِ إلى يومِ تُبعثون، ثم يُحييكم بعدَ ذلك بنفخِ الأرواحِ فيكم لبعثِ الساعةِ وصَيحةِ القيامةِ، ثم إلى اللهِ تُرجَعون بعدَ ذلك، كما قال: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه يُحيِيهم في قبورِهم قبلَ حشرِهم، ثم يحشُرُهم لموقفِ الحسابِ، كما قال جلَّ ذكرُه ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].
وقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١].
والعِلةُ التي من أجلِها اختَرنا هذا التأويلَ، ما قدَّمنا ذِكْرَه للقائلين به، وفسادُ ما خالَفه بما قد أوضَحْناه قبلُ.
وهذه الآيةُ توبيخٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للقائلين: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم مع قِيلِهم ذلك بأفواهِهم، غيرُ مؤمنين به، وأنهم إنما يقولون ذلك خِداعًا للهِ وللمؤمنين، فعذَلهم اللهُ بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾.
ووبَّخهم واحتجَّ عليهم في نكيرِهم ما أنكَروا من ذلك، وجُحودِهم ما جَحدوا بقلوبِهم المريضةِ، فقال: كيف تكفرون باللهِ فتَجْحَدون قدرتَه على إحيائِكم بعد إماتتِكم [لبعْثِ القيامةِ، ومجازاةِ المسئِ منكم بالإساءةِ، والمحسنِ بالإحسانِ، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلابِ آبائِكم، فأنشأتُكم (١) خلقًا سويًّا، وجعلتُكم (٢) بشرًا أحياءً، ثم أمتُّكم (٣) بعد إنشائكم، فقد علِمتم أن من فعَل ذلك بقدرتِه، غيرُ معجزِه - بالقدرةِ التي فعَل ذلك بكم - إحياؤُكم بعد إماتتِكم] (٤)، وإعادتُكم بعد إفنائِكم، وحشرُكم إليه لمجازاتِكم بأعمالِكم.
[القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال أبو جعفرٍ] (٥): ثم عدَّدَ ربُّنا عليهم، وعلى أوليائِهم من أحبارِ اليهودِ الذين جمَع بينَ قَصَصِهم وقَصصِ المنافقين في كثيرٍ من آيِ هذه السورةِ التي افتَتح الخبرَ عنهم فيها بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ - نِعَمَه التي سلَفتْ منه إليهم وإلى آبائِهم، التي عظُمتْ منهم مواقِعُها، ثم سلْبُه (١) كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركِبوا من الآثامِ، واجتَرَموا من الأجْرامِ، وخالَفوا من الطاعةِ إلى المعصية، محذِّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبةِ لهم، كالتي (٢) عجَّلها للأسلافِ والأفراطِ قبلَهم، ومخوِّفَهم حُلولَ مَثُلاتِه بساحتِهم، كالذي أحلَّ بأوائلِهم (٣)، ومعرِّفَهم ما لهم من النجاةِ في سرعةِ الأوْبةِ إليه وتعجيلِ التوبةِ؛ من الخلاصِ لهم يومَ القيامةِ من العقابِ.
فبدأ بعدَ تعديدِه عليهم ما عدَّد من نِعَمِه التي هم فيها مُقيمون بذكرِ أبِينا وأبِيهم آدمَ أبي البشرِ، صلواتُ اللهِ عليه، وما سلَف منه من كرامتِه إليه وآلائِه لدَيه، وما أحلَّ به وبعدوِّه إبليسَ مِن عاجلِ عقوبتِه بمعصيتِهما التي كانت منهما، ومخالفتِهما أمْرَه الذي أمَرهما به، وما كان من تغمُّدِه آدمَ برحمتِه إذْ تاب وأناب إليه، وما كان من إحلالِه بإبليسَ من لعنتِه في العاجِل، وإعدادِه له ما أعدَّ له من العذابِ المقيمِ في الآجلِ، إذِ استكبرَ وأبَى التوبةَ إليه والإنابةَ، مُنبهًا لهم على حُكمِه في المُنيبين إليه بالتوبةِ، وقضائِه في المستكبرِين عن الإنابةِ، إعذارًا من اللهِ بذلك إليهم، وإنذارًا لهم لِيتدبَّروا آياتِه، ولِيَتذَكَّرَ منهم أُولو الألبابِ، وخاصًّا أهلَ الكتابِ بما ذكَر من قصَصِ آدمَ وسائرِ القصصِ التي ذكَرها معها وبعدَها، مما علِمه أهلُ الكتابِ وجهِلَتْه الأمةُ الأُميةُ مِن مشركِي عَبدَةِ الأوثانِ - بالاحتجاجِ عليهم - دونَ غيرِهم من سائرِ أصنافِ الأممِ الذين لا علْمَ عندَهم بذلك - لنبيِّه محمدٍ ﷺ؛ ليعلموا بإخبارِه إياهم بذلك أنه للهِ رسولٌ مبعوثٌ، وأن ما جاءهم به فمِن عندِه، إذْ كان ما اقتَصَّ عليهم من هذه القصصِ من مكنونِ علومِهم، ومَصونِ ما في كُتبِهم، وخفيِّ أمورِهم، التي لم يكنْ يدَّعِي معرفَةَ عِلْمِها غيرُهم وغيرُ مَن أخَذ عنهم وقرَأ كُتُبَهم.
وكان معلومًا من محمدٍ ﷺ أنه لم يكنْ قطُّ كاتبًا، ولا لأسفارِهم تاليًا، ولا لأحدٍ منهم مصاحبًا ولا مجالسًا، فيمكِنَهم أن يَدَّعُوا أنه أخَذ ذلك من كُتبِهم، أو عن بعضِهم، فقال جلَّ ذكرُه في تعدِيدِه عليهم ما هم فيه مقيمون من نِعَمِه مع كفرِهم به، وتركِهم شُكْرَه عليها بما يَجِبُ له عليهم منَ طاعتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فأخبَرهم جلَّ ذِكْرُه أنه خلَقَ لهم ما في الأرضِ جميعًا؛ لأن الأرضَ وجميعَ ما فيها لبني آدمَ منافعُ، أما في الدِّينِ فدليلٌ (١) على وحدانيةِ ربِّهم (٢)، وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغٌ لهم (٣) إلى طاعتهِ، وأداءِ فرائضِه، فلذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.
وقولُه: ﴿هُوَ﴾ مَكْنِيٌّ (٤) من اسمِ اللهِ جلَّ ذِكْرُه، عائدٌ على اسمِه في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾.
ومعنى خلْقِه ما خَلق جلّ ثناؤُه؛ إنشاؤُه عينَه، وإخراجُه من حالِ العدَمِ إلى الوجودِ.
و ﴿مَا﴾ بمعنى "الذي"، فمعنى الكلامِ إذن: كيفَ تكفرون باللهِ وقد كنتم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، فجعَلكم بشرًا أحياءً، ثم يميتُكم، ثم هو مُحيِيكم بعد ذلك، وباعثُكم يومَ الحشرِ للثوابِ والعقابِ، وهو المنُعمُ عليكم بما خلَق لكم في الأرضِ، من مَعايشِكم وأدِلَّتِكم على وحدانيةِ ربِّكم.
و ﴿كَيْفَ﴾ بمعنى التعجبِ والتوبيخِ، لا بمعنى الاستفهامِ، كأنه قال: ويْحَكُمْ كيفَ تكفرون باللهِ!
كما قال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦].
وحلَّ قولُه: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ محلَّ الحالِ، وفيه ضميرُ (١) "قد"، ولكنَّها حُذفت لما في الكلامِ من الدليلِ عليها، وذلك أن "فَعل" إذا حلَّت محلَّ الحالِ كان معلومًا أنها مُقتضيةٌ "قد"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] يعني: قد حَصِرتْ صدُورُهم.
وكما تقولُ للرجلِ: أصبحتَ كَثُرَتْ ماشيتُك.
تريدُ: قَدْ كثُرتْ ماشيتُك.
وبنحوِ ما قلنا في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ كان قتادةُ يقولُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: نَعَمْ واللهِ، سَخَّر لكم ما في الأرضِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: أقبلَ عليها.
كما تقولُ: كان فلانٌ مُقبلًا على فلانٍ، ثم استوى عليَّ يُشاتمُني، واستوى إليَّ يُشاتمُني.
يعني: أقبَل عليَّ وإليَّ يُشاتمُني.
واستَشهد على أن معنى الاستواءِ بمعنى الإقبالِ بقولِ الشاعرِ (١): أقولُ وقد قَطَعْنَ بنا شَرَوْرَى (٢) … سَوامِدَ (٣) واستوَيْنَ مِنَ الضَّجُوعِ (٤) فزعَم أنه عنَى به انّهنَّ خرجْن من الضَّجوعِ، وكان ذلك عنده بمعنى "أقبَلْن".
وهذا من التأويلِ في هذا البيتِ خطأٌ، وإنما معنى قولِه: واستوينَ من الضجوعِ - عندي -: استوَيْنَ على الطريقِ من الضَّجُوعِ خارجاتٍ.
بمعنى: اسْتقَمْنَ عليه (٥).
وقال بعضُهم: لم يكن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه بتحوُّلٍ، ولكنه يعني فِعْلَه، كما تقولُ: كان الخليفةُ في أهلِ العراقِ يُواليهم، ثم تحوَّلَ إلى أهلِ الشامِ.
إنما يريدُ تحوُّلَ فعْلِه.
وقال بعضُهم: قولُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني: استوتْ به.
كما قال الشاعرُ: أقُولُ لَهُ لَمَّا استوَى في ترابِه … (٦) على أيِّ دِينٍ [قَتَّل الناسَ] (٧) مُصْعبُ وقال بعضُهم: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: عمَد لها.
وقال: كلُّ تاركٍ عملًا كان فيه إلى آخرَ (١) فهو مُستوٍ لما عمَد له ومُستوٍ إليه.
وقال بعضُهم: الاستواءُ هو العلوُّ، والعلوُّ هو الارتفاعُ.
وممن قال ذلك الربيعُ بنُ أنسٍ، حُدِّثْتُ بذلك عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يقولُ: ارتفعَ إلى السماءِ (٢).
ثم اختلَف متأوِّلُو الاستواءِ بمعنى العلوِّ والارتفاعِ في الذي استوَى إلى السماءِ؛ فقال بعضُهم: الذي استوَى إلى السماءِ وعلَا عليها خالِقُها ومُنشِئُها.
وقال بعضُهم: بلِ العالي إليها (٣) الدخانُ الذي جعَله اللهُ للأرضِ سماءً.
قال أبو جعفرٍ: والاستواءُ في كلامِ العربِ منصرِفٌ على وجوهٍ؛ منها: انتهاءُ شبابِ الرجلِ وقوَّتِه، فيقالُ إذا صارَ كذلك: قدِ استوَى الرجلُ.
ومنها: استقامةُ ما كان فيه أوَدٌ (٤) من الأمورِ والأسبابِ، يقالُ منه: استوَى لفلانٍ أمرُه: إذا استقام له بعدَ أوَدٍ (٥).
ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بنِ حكيمٍ (٦): طال على رسمٍ مُهَدَّدٍ أبَدُهْ … و (٧) عفا واسْتَوَى به بَلَدُهْ يعني: استقام به.
ومنها: الإقبالُ على الشيْءِ بالفعلِ، كما يقالُ: استوَى فلانٌ على فلانٍ بما يكرهُه ويسوءُه بعدَ الإحسانِ إليه.
ومنها: [الاستيلاءُ والاحتواءُ] (١)، كقولِهم: استوَى فلانٌ على المملكةِ.
بمعنى: احتوَى عليها وحازَها.
ومنها: العلوُّ والارتفاعُ، كقولِ القائلِ: استوَى فلانٌ على سريرِه.
يعني به: عُلوَّه عليه.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى المعاني بقولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: علَا عليهن وارتفَع، فدبَّرهن بقدرتِه وخلَقهنَّ سبعَ سماواتٍ.
والعجبُ ممن أنكَرَ المعنى المفهومَ من كلامِ العربِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الذي هو بمعنَى العلوِّ والارتفاعِ هَرَبًا عندَ نفسِه من أنْ يلزَمَه بزعمِه - إذا تأوَّله بمعناه المفهومِ كذلك - أن يكونَ إنما علَا وارتفَع بعد أن كان تحتَها، إلى أنْ تأوَّلَه بالمجهولِ من تأويلِه المُسْتَنْكَرِ (٢)، ثم لم ينجُ مما هرَب منه، فيقالُ له: أزعَمتَ أن تأويلَ قولِه: ﴿اسْتَوَى﴾: أقبَل، أفكانَ مُدْبرًا عن السماءِ فأقبَل إليها؟
فإن زعَمَ أن ذلك ليس بإقبالِ فعلٍ ولكنه إقبالُ تدبيرٍ.
قيلَ له: فكذلك فقلْ (٣): علَا عليها عُلوَّ مُلْكٍ وسلطانٍ لا علوَّ انتقالٍ وزوالٍ.
ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه.
ولولا أنَّا كرِهنا إطالةَ الكتابِ بما ليس من جنسِه لأَنبأْنا عن فسادِ قولِ كلِّ قائلٍ قال في ذلك قولًا لقولِ أهلِ الحقِّ فيه مخالفًا، وفيما بيَّنا منه ما يُشرِفُ بذي الفهمِ على ما فيه له الكفايةُ إن شاء اللهُ.
وإن قال لنا قائلٌ: أخبِرْنا عن استواءِ اللهِ جلَّ وعز إلى السماءِ، كان قبلَ خلْقِ السماءِ أم بعدَه؟
قيل: بعدَه، وقبلَ أن يسوِّيَهن سبعَ سماواتٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١].
فالاستواءُ كان بعد أن خلَقها دخانًا، وقبل أن يسَوِّيَها سبعَ سماواتٍ.
وقال بعضُهم: إنما قال (١): ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ولا سماءَ، كقولِ الرجلِ لآخَرَ: اعمَلْ هذا الثوبَ.
وإنما معه غزلٌ.
وأما قولُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
فإنه يعني: هيَّأَهُنَّ وخلَقهن ودبَّرهن وقوَّمهن.
والتسويةُ في كلامِ العربِ التقويمُ والإصلاحُ والتوطئةُ، كما يقالُ: سوَّى فلانٌ لفلانٍ هذا الأمرَ.
إذا قوَّمه وأصلَحه ووطَّأَه له، فكذلك تسويةُ اللهِ جلَّ وعز سماواتِه، تَقويمُه إياهن على مشيئتِه، وتدبيرُه لهن على إرادتِه، وتفتيقُهن بعد ارْتِتاقِهن (٢).
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ يقولُ: سوّى خْلَقَهنّ، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وقال جلّ ذكرُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
فأخرَج مَكنِيَّهن (٤) مُخرجَ مَكْنيِّ الجميعِ، وقد قال قبلُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ فأخرَجها على تقديرِ الواحدِ، وإنما أخرَج مَكنِيَّهن مُخرَجَ مَكْنيِّ الجميعِ؛ لأن السماءَ جمعٌ، واحدُها سماوَةٌ، فتقديرُ واحدتِها وجميعِها إذن تقديرُ بقرةٍ وبقرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، وما أشبهَ ذلك، ولذلك أُنِّثت السماءُ مرةً، فقيل: هذه سماءٌ.
وذُكِّرت أُخرى، فقيل: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨].
كما يُفعَلُ ذلك بالجميعِ الذي لا فرْقَ بينَه وبين واحدِه غيرُ دخولِ الهاءِ وخروجِها، فيقالُ: هذا بقرٌ، وهذه بقرٌ، وهذا نخلٌ، وهذه نخلٌ.
وما أشبهَ ذلك.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أن السماءَ واحدةٌ، غيرَ أنها تدُلُّ على السماواتِ، فقيل: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
يُراد بذلك التي ذُكرتْ وما دلَّتْ عليه من سائرِ السماواتِ التي لم تُذكرْ معها.
قال: وإنما تُذكَّرُ إذا ذُكِّرتْ وهي مؤنثةٌ، فيقالُ: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾.
كما يُذَكَّرُ المؤنثُ، وكما قال الشاعرُ (١): فلا مُزْنةٌ ودَقَتْ وَدْقَها … ولا أرضَ أبْقَلَ إبْقالَها وكما قال أعْشى بني ثعلبةَ (٢): فإمّا تَرَىْ لِمَّتِى بُدِّلَتْ … فإنَّ الحوادثَ أزْرَى بها وقال بعضُهم: السماءُ وإن كانت سماءً فوقَ سماءٍ، وأرضًا فوقَ أرضٍ، فهي في التأويلِ واحدةٌ إن شئتَ، ثم تكونُ تلك الواحدةُ جِماعًا، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ (١)، وبُرْمةٌ أعشارٌ (٢).
للمتكسِّرَةِ، وبُرْمةٌ أكسارٌ وأجبارٌ.
وأخلاقٌ، أي أنّ نواحيَه أخلاقٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فإنك (٣) قد قلتَ: إن اللهَ استوَى إلى السماءِ وهي دخانٌ قبل أن يسوِّيَها سبعَ سماواتٍ ثم سوّاها سبعًا [بعد استوائِه إليها] (٤)، فكيف زعَمتَ أنها جماعٌ؟
قيل: إنهنَّ كُنَّ سبعًا غيرَ مُستوياتٍ، فلذلك (٥) قال تعالى ذكرُه: فسواهنَّ سبعًا.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال محمدُ بنُ إسحاقَ: كان أوّلَ ما خلَق اللهُ تعالى ذكرُه النورُ والظلمةُ، ثم ميَّزَ بينَهما فجعَل الظُلمةَ ليلًا أسودَ مُظلمًا، وجعَل النورَ نهارًا مضيئًا مُبصرًا، ثم سمَك السماواتِ السبعَ من دخانٍ، يقالُ - واللهُ أعلمُ -: من دخانِ الماءِ.
حتى استقلَلْنَ ولم يُحْبَكن، وقد أغطَش في السماءِ الدنيا ليلَها وأخرَج ضُحاها، فجرَى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمسٌ ولا قمرٌ ولا نجومٌ، ثم دحَا الأرضَ فأرْساها بالجبالِ، وقدَّر فيها الأقواتَ، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْقِ، ففرَغ من الأرضِ وما قدَّر فيها من أقواتِها في أربعةِ أيامٍ، ثم استَوى إلى السماءِ وهي دخانٌ، كما قال، فحبَكَهُنَّ، وجعَل في السماءِ الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوْحَى في كلِّ سماءٍ أمْرَها، فأكمَل خَلْقَهن في يومين، ففرَغ من خلْقِ السماواتِ والأرضِ في ستةِ أيامٍ، ثم استوَى في اليومِ السابعِ فوقَ سَماواتِه، ثم قال للسّماواتِ والأرضِ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ لِمَا أردْتُ (١) بكما، فاطمَئِنَّا عليه طوعًا أو كرهًا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (٢).
فقد أخبَر ابنُ إسحاقَ أن اللهَ تعالى ذكرُه استوَى إلى السماءِ بعد خلقِه الأرضَ وما فيها وهنّ سبعٌ من دخانٍ، فسَوّاهُنَّ كما وصَف.
وإنما استَشهدْنا لقولِنا الذي قُلْنا في ذلك بقولِ ابنِ إسحاقَ؛ لأنه أوضحُ بيانًا عن خبرِ (٣) السماواتِ أنهنَّ كن سبعًا من دخانٍ قبلَ استواءِ ربِّنا إليها لتسويتِها (٤) - من غيرِه، وأحسنُ شرحًا لما أردْنا الاستدلالَ به، من أن معنى السماءِ التي قال تعالى ذكرُه فيها: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ بمعنى الجمعِ على ما وصفْنَا، وأنَّه إنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
إذْ كانت السماءُ بمعنى الجمعِ، على ما بيَّنَّا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما صِفةُ تسويةِ اللهِ السماواتِ التي ذكَرها في قولِه: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾.
إذْ كنَّ قد كنّ خُلِقن سبعًا قبل تسويتِه إياهُنَّ؟
وما وجْهُ ذكْرِ خلْقِهنّ بعد ذكْرِ خلْقِ الأرضِ، أَلأنَّها (٥) خُلِقتْ قبلَها أم لمعنًى (٦) غيرِ ذلك؟
قيل: قد ذكَرْنا ذلك في الخبرِ الذي رَوَيْناه عن ابنِ إسحاقَ، ونزيدُ ذلك توكيدًا بما نضُمُّ إليه من أخبارِ بعضِ السلفِ المتقدِّمين وأقوالِهم.
فحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه كان عرشُه على الماءِ، ولم يخلُقْ شيئًا غيرَ ما خلَق قبلَ الماءِ، فلمَّا أراد أن يَخْلُقَ الخْلقَ أخرَج من الماءِ (١) دخانًا، فارتفَع فوق الماءِ فسَما عليه، فسمّاهُ سماءً، ثم أيبَس الماءَ فجعَله أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعَل سبعَ أرَضينَ في يومين، في الأحدِ والاثنينِ، فخلَق الأرضَ على حوتٍ، والحوتُ هو النونُ الذي ذكَر اللهُ في القرآن: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم: ١].
والحوتُ في الماءِ، والماءُ على ظَهْرِ صَفَاةٍ، والصفاةُ على ظهرِ مَلَكٍ، والمَلَكُ على صخرةٍ، والصخرةُ في الريحِ - وهي الصخرةُ التي ذكَر لقمانُ (٢) - ليست في السماءِ ولا في الأرضِ، فتحرَّك الحوتُ فاضطرَب، فتزلزلتِ الأرضُ، فأرْسَى عليها الجبالَ فقرّتْ، فالجبالُ تفخَرُ على الأرضِ، وذلك قولُه: [﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] (٣) رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].
وخلَق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلِها، وشجرَها، وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وذلك حينَ يقولُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾.
يقولُ: أنبتَ شجرَها.
﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾.
يقولُ: أقواتَها لأهلِها.
﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾.
يقول: [مَن سأل فهكذا] (١) الأمرُ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ٩ - ١١].
وكان ذلك الدخانُ من تنَفُّسِ الماءِ حينَ تنفَّس، فجعَلها سماءً واحدةً، ثم فتقَها فجعَلها سبعَ سماواتٍ في يومين؛ في الخميس والجمُعةِ، وإنما سُمِّيَ يومَ الجمُعةِ لأنه جُمِع فيه خلْقُ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾.
قال: خلَق في كلِّ سماءٍ خلْقَها من الملائكةِ والخَلْقِ الذي فيها، من البحارِ وجبالِ البَرَدِ وما لا يُعلَمُ، ئم زيَّنَ السَّماءَ الدُّنْيا بالكواكبِ، فجَعَلها زينةً وحِفْظًا تَحْفَظُ من الشياطيِن، فلمّا فَرَغَ من خلْقِ ما أحبّ، استوَى على العرشِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤، يونس: ٣، هود: ٧].
يقولُ: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ (٢) [الأنبياء: ٣٠].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾.
قال: خلَق الأرضَ قبلَ السماءِ، فلمّا خلَق الأرضَ ثارَ منها دخانٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾.
قال: بعضُهن فوقَ بعضٍ، وسبعُ أرَضين بعضُهن تحتَ (٣) بعضٍ (١) حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولهِ: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ قال: بعضُهن فوق بعضٍ، بين كلِّ سماءيْن مَسِيرةُ خمسِمائةِ عامٍ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ حيثُ ذكَر خلْقَ الأرضِ قبلَ السماءِ، ثم ذكَر السماءَ قبلَ الأرضِ -: وذلك أن اللهَ خلَق الأرضَ بأقواتِها من غيرِ أن يدْحُوَها قبلَ السماءِ، ثم استوَى إلى السماءِ فسوّاهُنّ سبعَ سماواتٍ، ثم دَحَا الأرضَ بعد ذلك، فذلك قولُه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠].
حدثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني أبو معشرٍ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلامٍ أنه قال: إن اللهَ بدَأ الخلْقَ يومَ الأحدِ، فخلَق الأرَضِين في الأحدِ والاثنينِ، وخلَق الأقواتَ والرواسِيَ في الثلاثاءِ والأربعاءِ، وخلَق السماواتِ في الخميس والجمُعةِ، وفرَغ في آخرِ ساعةٍ من يومِ الجمُعةِ، فخلَق فيها آدمَ على عَجَلٍ، فتلك الساعةُ التي تقومُ فيها الساعةُ (٣).
فمعنى الكلامِ إذن: هو الذي أنعَم عليكم، فخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّره لكم، تفضُّلًا منه بذلك عليكم؛ ليكونَ لكم بلاغًا في دنياكم، ومتاعًا إلى موافاةِ آجالِكم، ودليلًا لكُم على وحدانيةِ ربِّكم، ثم علَا إلى السماواتِ السبعِ وهنَّ دخانٌ، فسوّاهن وحَبَكهن، وأجرَى في بعضِهن (١) [شمسَه وقمرَه ونجومَه] (٢)، وقدَّر في كلِّ واحدةٍ منهنَّ ما قدَّر من خلْقِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهُوَ﴾ نفسَه، وبقولِه: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أن الذي خلَقكم وخلَق لكم ما في الأرضِ جميعًا، وسوَّى السماواتِ السبعَ بما فيهن، فأحكَمهن مِن دخانِ الماءِ وأتقَن (٣) صُنْعَهن، لا يخفَى عليه أيُّها المنافقون والملحدون والكافرون به مِن (٤) أهلِ الكتابِ - ما تُبْدون وما تكتُمون في أنفسِكم، وإن أبدَى منافقوكم بألسِنتِهم قولَهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وهم على التكذيبِ به مُنْطَوون، وكذَّبتْ أحبارُكم (٥) بما أتاهم به رسولي من الهدَى والنورِ، [وهم] (٦) بصحتِه عارِفون، وجحَدوا (٧) وكتَموا ما قد أخَذْتُ عليهم تبْيانَه (١) لخلقِي من أمرِ محمدٍ ﷺ[ونُبُوَّتِه] (٢) - المواثيقَ، وهم به عالمون، بل أنا عالمٌ بذلك [من أمْرِكم] (٣) وغيرِه من أمورِكم وأمورِ غيرِكم؛ أي (٤) بكلِّ شيْءٍ عليمٌ.
وقولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾.
بمعنى عالمٍ.
ورُوِي عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ.
هو الذي قد كَمُلَ في علْمِه.
حدَّثني المُثَنَّى بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ ابنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: العالِمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِه (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.
زعَم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ (٦) أن تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّك.
وأنّ ﴿وَإِذْ﴾ من الحروفِ الزَّوائدِ، وأن معناها الحذفُ.
واعتَلَّ لقولِه الذي وصَفْنا عنه في ذلك ببيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ (٧): فإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِه … والدهرُ يُعْقِبُ صالحًا بفسادِ ثم قال: ومعناها: وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه.
وببيتِ عبدِ منافِ بن رِبْعٍ (١) الهُذليِّ (٢): حتى إذا أسلَكوهم في قُتائِدَةٍ (٣) … شَلًّا (٤) كما تطْرُدُ الجَمّالةُ (٥) الشُّرُدا (٦) وقال: معناه: حتى أسْلَكُوهم.
قال أبو جعفرٍ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قال، وذلك أن "إذْ" (٧) حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويَدُلُّ على مجهولٍ من الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ] (٨).
إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ (٩)، [وهو] (٨) في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ.
وقيلُ آخرَ في جميعِ الكلامِ الذي نطَق به دليلًا على ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ (٩).
وليس [لما ادّعى] (١٠) الذي وصَفْنا قولَه (١١) - في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ، أن "إذا" (١٢) بمعنى البُطولِ (٩) - وجهٌ مفهومٌ، بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى الذي أراده الأسودُ من قولِه: * فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه * وذلك أنه أراد بقولِه: فإذا (١): فإذا الذي نحن فيه وما قد مضَى من عَيْشِنا.
وأشار بقولِه: [وذلك] (٢).
إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذي كان فيه.
لا مَهاهَ لذِكْرِهِ، يعني: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ.
وكذلك معنى قولِ عبدِ منافِ بنِ رِبعٍ (٣): حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ … شلًّا (٤) .....................
لو أُسقِط منه "إذا" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا.
فدلَّ (٥) قولُه: أسلكوهم شلًّا (٤).
على مَعْنَى المْحذُوفِ، فاسْتُغْنِي عن ذكْرِه بدَلالةِ "إذا" عليه فحُذِف - كما قد ذكَرْنا فيما مَضَى من كتابِنا (٦) - على ما تفعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ (٧): فإن المنيةَ من يخْشَها … فسوف تصادِفُه أيْنَما وهو يريدُ: أينما ذهَب.
وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ.
تُرِيدُ: من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ.
فكذلك ذلك في "إذا"، كما يقولُ القائلُ: إذا أكرَمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلَا.
يريدُ: وإذا لم يُكرِمْك (١) فلا تُكرِمْه.
ومن ذلك قولُ الآخر (٢).
فإذا وذلك لا يضُرُّك ضُرُّه (٣) … في يومِ أسألُ (٤) نائلًا أو أنكَدَا نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ.
وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
لو أُبْطِلَتْ "إذْ" وحذِفتْ من الكلامِ، لاستحالَ عن (٥) معناه الذي هو به وفيه "إذْ".
فإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ "إذ"، إذا (٦) لم يكنْ في الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه؟
قيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
بهذه الآياتِ والتي بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعمِ التي أنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم - بأسَه أن يسلُكوا سبيل مَن هلَك من أسلافِهم في معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم (٧) في عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطُّفِه على التائبِ منهم، استعتابًا منه لهم، فكان مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلَق لهم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّر لهم ما في السماواتِ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعِها التي جعَلها لهم ولسائرِ بني آدمَ معهم منافعَ، فكان في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
معنى (١): اذكُروا نعمتي (٢) عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما في الأرض جميعًا، وسوَّيتُ لكم ما في السماءِ.
ثم عطَف بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ على المعنى المقتضَى بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ إذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من قولِه: اذكُروا نِعمتي إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ، واذكُروا فِعْلِي بأبِيكم آدمَ، إذْ قلتُ للملائكةِ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً.
فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةَ ما قلتَ؟
قيل: نعم، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ (٣): أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ (٤) … ولا بَيْدَانَ (٥) ناجيةً (٦) ذَمُولَا (٧) ولا متدارَكٍ (١) والشمسُ طِفْلٌ … ببعضِ نواشغِ (٢) الوادي حُمُولَا فقال: ولا مُتدارَكٍ.
ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ (٣) به عليه، ولا حرفٌ مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ "متدارك" عليه في إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ بـ "لن" (٤) يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ في الكلامِ من (٥) المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ في المعنى والإعرابِ معاملتَه أن (٦) لو كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه: * أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ * معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ.
فردَّ "مُتداركًا" على مَوضعِ "تَرَى"، كأن "لست" والباءَ (٧) موجودتان في الكلامِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾.
لمّا سلَف قبلَه تذكيرُ اللهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبلَهم وقِبلَ آبائِهم من أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مع ما بعدَه من النِّعَمِ التي عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ "إذْ" على موضعِ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾.
لأن معنى ذلك: اذكُروا هذه من نِعَمِي (٨)، وهذه التي قلتُ فيها للملائكةِ.
فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً "إذ"، عطَف [بـ "إذ"] (١) على موضعِها في الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ (٢) الشاعرِ في: ولا مُتداركٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
والملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ (٣)، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ في كلامِ العربِ منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون في واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ.
فيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التي كانت مُسَكَّنةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما يُحرِّكونها بالفَتْحِ لأنهم ينقُلونَ حركةَ الهمزةِ التي فيه بسقوطِها (٤) إلى الحرفِ الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه (٥) في (٦) الجمعِ إلى الأصلِ [وهمَزُوا] (٧)، فقالوا: ملائكةٌ.
وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا في كلامِها، فتترُكُ الهمزَ في الكلمةِ التي هي مهموزةٌ فيجرِي كلامُهم بتَرْكِ هَمْزِها في حالٍ، وبهمزِها في أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا.
فجرَى كلامُهم بهمزِ "رأيتُ"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى.
فجرَى كلامُهم في "يفعل" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا.
فكذلك ذلك في "مَلَك وملائكة"، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ في جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهم (١) مهموزًا، كما قال الشاعرُ (٢): فلستَ بجنِّيٍّ (٣) ولكنْ مَلْأَكًا (٤) … تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ وقد يقالُ في واحدِهم: مألكٌ.
فيكونُ ذلك مثلَ قولِهم: جبَذ وجذَب، وشَأْمَلَ وشمْأَل (٥).
وما أشبهَ ذلك من الحروفِ المقلوبةِ (٦)، غيرَ أن الذي يجبُ إذا سُمِّيَ واحدُهم: مألكٌ (٧)، أن يُجمَعَ إذا جُمِعَ على ذلك: مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ.
قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في جمعِهم كذلك (٨): وفيها مِنْ عبادِ اللهِ قومٌ … ملائِكُ ذُلِّلوا وهُمُ صِعابُ وأصلُ الملأكِ (٩) الرسالةُ، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ العِبَادِيُّ (١٠): أبلغِ النعمانَ عنى ملأكًا (١) … أنه قد طال حَبْسِي وانتظارِي (٢) وقد يُنشَدُ: مَأْلَكًا، على اللغةِ الأخْرَى.
فمن قال: ملأَكًا.
فهو "مَفْعَل"، من: [لأَك إليه يَلْأَكُ (٣)] (٤)، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكةً (٥).
ومن قال: مَأْلَكًا.
فهو "مَفْعَل"، من: ألَكتُ إليه ألِكُه (٦)، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا.
كما قال لَبيدُ ابنُ (٧) ربيعةَ (٨): وغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه … بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ فهذا من: ألَكت.
ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ (٩): ألِكْنِي يا عُيَينَ إليك قولًا … [سأُهْدِيه (١٠) إليك إليك عنِّيْ] (١١) وقال عبدُ بني الحَسْحاسِ (١٢): ألِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى … بآيةِ ما جاءت إلينا تهادِيَا يعني بذلك: أبْلِغها رسالتِي.
فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةً بالرسالةِ؛ لأنَّها رسُلُ اللهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ (١) قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾؛ فقال بعضُهم: إني فاعلٌ.
ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ (٢) ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ - يعني الهُذَليَّ - عن الحسنِ وقتادةَ، قالوا: قال اللهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
قال لهم: إني فاعلٌ (٣).
وقال آخرون: إني خالقٌ.
ذِكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، قال: كلُّ شيْءٍ في القرآنِ "جعَل" فهو "خلَق" (٤).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
إنِّي مُستخلِفٌ فيها (١) خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ (٢).
وذلك شبيهٌ بتأويلِ قولِ الحسنِ وقتادةَ.
وقيل: إن الأرضَ التي ذكَرها اللهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ هي مكةُ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "دُحِيتِ الأرضُ مِن مكَّةَ، وكانت الملائكةُ تطُوفُ بالبيتِ، فهي أولُ من طاف به، وهي الأرضُ التي قال اللهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وكان النبيُّ إذا هلَك قومُه ونَجا هُوَ والصالحون، أتاها (٣) هو ومَن معه فعبَدوا اللهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّكنِ والمَقامِ" (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿خَلِيفَةً﴾.
والخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمرِ (٥)، إذا قام مَقامَه فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].
يَعْني بذلك أنه أبدَلكم في الأرضِ منهم، فجعلَكم خُلفاءَ [بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظمِ: خليفةٌ.
لأنه خلَف الذي كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا] (١)، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ يخلُفُ خِلافةً وخِلِّيفَي (٢).
وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حَدَّثَنَا (٣) به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا (٤) منكم (٥).
وليس الذي قال ابنُ إسحاقَ في معنى "الخليفةِ" بتأويلِها (٦)، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي كان في الأرضِ قبلَ بني آدمَ لها عامرًا، فكان بنو آدمَ منه بدلًا، وفيها منه (٧) خَلَفًا؟
قيلَ: قد اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا (١) الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا.
قال: فبعَث اللهُ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ، فقتَلهم إبليسُ ومن معه (٢)، حتى ألحقُوهم (٣) بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ فأسكَنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (٤).
[فعلى هذا] (٥) القولِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من الجنِّ يَخلُفونهم (٦) فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.
قال: إن اللهَ خلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمُعةِ، قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ في الأرضِ (٧).
وقال آخرون في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
أي: خُلَفاءَ (٨) يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه.
وهذا قولٌ حُكِي (١) عن الحسنِ البصريِّ.
ونظيرٌ له ما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ابنِ سابطٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يَعنُون به بني آدمَ (٢).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في (٣) الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً.
وليس للهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلَّا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ (٤).
وهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِي عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ زيدٍ أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً له، يَحْكُمُ فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو ابنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ [عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ] (٥) وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟
قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدونَ ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا (١).
فكان تأويلُ الآيةِ على هذه الروايةِ التي ذكَرناها عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً منِّي يَخْلُفُني في الحكمِ بمنَ خَلْقِي، وذلك الخليفةُ هو آدمُ وَمَن قامَ مَقامَه في طاعةِ اللهِ، والحكمِ بالعدلِ بينَ خَلْقِه.
وأما الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه في عبادِ اللهِ؛ لأنهما أخبرَا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا.
فأضاف الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه، وأخرَج منه خليفتَه.
وهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا في معنى الخليفةِ ما حُكِي عن الحسنِ من وجهٍ، فموافقٌ له من وجهٍ، فأما موافقتُه إياه فصرْفُ متأوِّلِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ.
وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها.
وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةِ بعضِهم بعضًا، وقيامِ قرْنٍ منهم مَقامَ قَرْنٍ قبلَهم، وإضافةِ الإفسادِ في الأرض وسَفْكِ الدماءِ إلى الخليفةِ.
والذي دعَا المتأوِّلين قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ التأويلَ (٢) الذي ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا في ذلك؛ أنّهم قالوا: إن الملائكةَ إنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربُّهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن (١) غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] (٢) الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ.
قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد برَّأ آدمَ من الإفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذي عُنِي به غيرُه من ذرِّيتِه.
فثبَت أن الخليفةَ الذي يفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ هو غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التي ذكَرها اللهُ إنما هي خلافةُ قرْنٍ منهم قرنًا، عندَهم (٣)؛ لما وصَفْنا.
وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوِّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويلِ، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها ربُّها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - لَمْ تُضِفِ (٤) الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
[وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِه ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ [فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءَ] (٥)] (٦).
كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
إن قال لنا قائلٌ: وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها، إذ أخبَرها أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعَلون عِياناً؟
أعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟
فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ، وذلك ليس مِن صفتِها، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها؟
قيل: قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلِ في ذلك أقوالاً، ونحن ذاكِرو أقوالِهم في ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةً.
فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ (١).
خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ.
قال: وكان اسمُه الحارثَ.
قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجَنَّةِ.
قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ.
قال: وخُلِقتِ الجنُّ الذين ذكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرَفِها إذا أُلهِبَت - قال: وخلِق الإنسانُ [من طينٍ] (٢)، فأولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا.
قال: فبعَث اللهُ جلَّ وعزَّ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ - وهم (١) هذا الحيُّ [الذين يُقالُ لهم: الجنُّ] (٢) - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ (٣) في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ.
قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبِه، ولم تطَّلِعْ عليه الملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه للملائكةِ [الذين معه] (٤): ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فقالتِ الملائكةُ مجيبِين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، كما أفسَدتِ الجنُّ وسفَكتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنا (٥) عليهم لذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ: إني قد اطَّلعتُ من قلبِ إبليسَ على ما لم تطَّلعوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه (٦).
قال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت، فخلَق اللهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ (٧) - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ.
قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ.
قال: فخلَق منه آدمَ ﵇ بيدِه.
قال: فمكَث أربعينَ ليلةً جسدًا ملقًى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِبُه برِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أي (٨): فيُصَوِّتُ - قال: فهو قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤].
يقولُ: كالشيْءِ المنفوخِ (٩) الذي ليس بمُصمَتٍ (١٠).
قال: ثم يَدْخلُ في فِيه ويَخرجُ من دُبُرِه، ويَدْخلُ من دُبُرِه، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشيْءٍ ما خُلقتَ، لئن سُلِّطتُ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لَأَعْصِيَنَّك.
قال: فلما نفَخ اللهُ فيه من رُوحِه، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِي شيْءٌ منها في جسدِه إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأى مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَكَانَ (١) الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
قال: ضجِرًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولاضَرّاءَ.
قال: فلما تمَّتِ النفخةُ في جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
بإلهامِ اللهِ له، فقال اللهُ له: يَرْحَمُك اللهُ يا آدمُ.
قال: ثم قال اللهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدوا لآدمَ.
فسجَدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أبَى واستكبر، لما كان (٢) حدَّث به (٣) نفسَه مِن كِبْرِه واغتِرارِه (٤)، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]،.
يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن.
قال: فلما أبَى إبليسُ أن يسجدَ أبْلَسَه اللهُ، أي (٥): آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةً لمعصيتِه.
ثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ (٦) وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها، ثم عرَض هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعني الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومِ - وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.
يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: [إن كنتم] (١) تَعلمون لمَ (٢) أجعَلُ في الأرضِ خليفةً.
قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ (٣) اللهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علمِ الغيبِ الذي لا يعلمُه غيرُه، الذي ليس لهم به علمٌ، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ - تَنزيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ - تَبَرِّيًا منهم من علمِ الغيبِ - ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علَّمْتَ آدمَ.
فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
يقولُ: أخبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
[يقولُ: أخبَرَهم] (٤) بأسمائهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾.
يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعني ما (٥) كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ والاغْتِرارِ (٦).
وهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
خطابٌ مِن اللهِ ﷿ لخاصٍّ مِن الملائكةِ دونَ الجميعِ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إبليسَ خاصةً، الذين قاتَلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ، وأن اللهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرِّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ممَّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم، وأن كرامتَه لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ (١) بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللهَ أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغيْبِ بالظُّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأظْهَر لهم مِن إبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبْرِ الذي قد كان عنهم مسْتَخْفِيًا.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الروايةِ، وهو ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ.
وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجَنَّةِ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، فوقَع في صدرِه كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني اللهُ هذا إلا لمزيدٍ (٢) لي - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثني به (٣) غيرُه (٤) فقال: لمَزِيَّةٍ لي - على الملائكةِ.
فلما وقَع ذلك الكِبْرُ في نفسِه، اطَّلَع اللهُ على ذلك منه، فقال اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟
قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا.
قالُوا: ربَّنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يعني من شأنِ إبليسَ.
فبعَث جبريلَ ﵇ إلى الأرضِ ليَأْتِيَه بطِينٍ منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منك أن تَنقُصَ مني أو تَشِينَني.
فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها.
فبعَث اللهُ مِيكائيلَ، فعاذَت منه فأعاذها، فرجَع فقال كما قال جبريلُ، فَبعَث مَلَكَ الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أَعوذُ باللهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه.
فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، فصَعِد به فبلَّ الترابَ حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦].
قال: مُنْتِنٍ.
ثم قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١، ٧٢].
فخلَقه اللهُ بيدَيْه، لكَيْلا يَتكبَّرَ إبليسُ عنه ليقولَ له: تتكبَّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبَّرْ أنا عنه؟
فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ، فمرَّت به الملائكةُ، ففزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصَوِّتُ الفَخَّارُ، وتَكُونُ له صَلْصَلةٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤].
ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ.
ودخَل مِن (١) فِيه فخرَج مِن دُبُرِه.
فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه.
فلمَّا بلَغ الحينَ الذي يُريدُ اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكةِ: إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحي فاسْجُدوا له.
فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ في رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكهُ: قل: الحمدُ للهِ.
فقال: الحمدُ للهِ.
فقال له اللهُ: رحِمك ربُّك.
فلما دخَل الروحُ في عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فلمّا دخَل في جوفِه اشْتهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧].
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أي (١): استكبر وكان من الكافرين.
قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ.
قال: أنا خيْرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقتَه من طينٍ.
قال اللهُ له: اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعني: ما يَنْبغي لك - أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرين.
والصَّغارُ هو الذُّلُّ.
قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخلْقَ على الملائكةِ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ.
فقالوا له: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
فهذا الذي أبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعني ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ (٢).
فهذا الخبرُ أولُه مُخالِفٌ معْناه معنى الروايةِ التي رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةِ الضحاكِ التي قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر في أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟
حين قال لها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ.
فذلك معنى خلافِ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذي ذكرْناه.
وأما موافقتُه إياه في آخرِه، فهو قولُهم في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدمَ يفسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علمِ الغيبِ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وهذا إذا تدَبَّره ذو الفهمِ، علِم أنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه يُبطِلُ معنى أولِه، وذلك أن اللهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أخْبَرَت عمَّن أخبَرَها اللهُ عنه أنه يُفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذي أخْبَرَها عنهم ربُّها، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ: إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فأخْبَرْتُم به، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] (١) - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ ما لا يَجوزُ أن يكونَ [له صفةً، وأخْشَى أن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذي غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابة] (١)، وأن يكونَ التأويلُ منهم (٢) كان في (٣) ذلك: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما ظنَنْتم أنكم أدْرَكْتموه مِن العلمِ بخبَري إياكم أن بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ.
لا على إخبارِهم بما أخبرهم اللهُ به أنه كائنٌ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبَرهم عما يكونُ مِن بعضِ ذريةِ خليفتِه في الأرضِ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم (٤) في أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه [منزلتَهم، وكرامتِهم] (٥) عليه، فلم يُخْبِرْهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ على ظنٍّ منها - على تأويلِ هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذريةِ الخليفةِ الذي يُجعَلُ (٦) في الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، على ما ظننْتُم في أنفسِكم.
إنكارًا منه لِقيلِهم ما قالوا مِن ذلك على الجميعِ والعمومِ، وهو مِن صفةِ خاصِّ ذريةِ الخليفةِ منهم.
وهذا الذي ذكَرْنا هو صفةٌ منا لتأويلِ الخبرِ لا القولُ الذي نَخْتارُه في تأويلِ الآيةِ.
ومما يَدُلُّ على ما ذكَرْنا مِن توجيهِ مَخرجِ (١) خبرِ الملائكةِ عن إفسادِ ذريةِ الخليفةِ وسَفْكِها الدماءَ على العمومِ ما حدَّثنا به أحمدُ (٢) بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قولَه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
قال: يعْنون الناسَ (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
فاستشارَ (٤) الملائكةَ في خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
وقد علِمتِ الملائكةُ مِن علمِ اللهِ أنه لا شيْءَ أكْرَهُ إلى اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ والفسادِ في الأرضِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فكان في علمِ اللهِ أنه سيكونُ مِن تلك (٥) الخليفةِ أنبياءُ ورسلٌ، وقومٌ صالحون، وساكِنو (٦) الجَنَّةِ.
قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللهَ لما أخَذ في خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا، ولا أعلمَ منَّا.
فابْتُلوا بخلقِ آدمَ - وكلُّ خلقٍ مُبْتلًى -كما ابْتُلِيَتِ السماواتُ والأرضُ بالطاعةِ، فقال اللهُ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١) [فصلت: ١١].
وهذا الخبرُ عن قتادةَ يَدُلُّ على أن قتادةَ كان يرَى أن الملائكةَ قالت ما قالت مِن قولِها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
على غير (٢) يقينِ علمٍ تقَدَّم منها بأن ذلك كائنٌ، ولكن على الرأيِ منها والظنِّ، وأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
مِن أنه يكونُ مِن ذريةِ ذلك الخليفةِ الأنبياءُ والرسلُ والمُجْتَهِدُ في طاعةِ اللهِ.
وقد رُوِي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويلِ، وهو ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
قال: كان اللهُ أعلمَهم (٣) إذا كان في الأرضِ خلقٌ أَفْسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، فذلك قولُه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ (٤).
وبمثلِ قول قتادةَ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويل، منهم الحسنُ البصريُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومبارَكٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللهُ لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
قال لهم: إني فاعلٌ.
فعرَضُوا برأيِهم، فعلَّمهم علمًا، وطوَى عنهم علمًا علِمه لا يَعْلَمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
وقد كانت الملائكةُ علِمتْ مِن علمِ اللهِ أنه لا ذنبَ أعَظمَ عندَ اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
فلما أخَذ في خلقِ آدمَ همَستِ الملائكةُ فيما بينَها، فقالوا: ليخْلُقْ ربُّنا ما شاء أن يَخْلُقَ، فلم يَخْلُقَ خَلقًا إلا كنّا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه.
فلمّا خلَقه ونفَخ فيه مِن روحِه، أمَرهم أن يَسجدوا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلِموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقتِ الأممُ قبلَه.
فلما أُعْجِبوا بعلمِهم ابْتُلُوا، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنى لا أَخْلُقُ خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأَخْبروني بأسماءِ هؤلاء إنْ كنتم صادقينَ.
قال: ففزِع القومُ إلى التوبةِ - وإليها يَفْزَعُ كلُّ مؤمنٍ - فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
لقولِهم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شَاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا.
قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيْءٍ؛ هذه الخَيْلُ (١)، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسمى كلَّ شيْءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أمَّةً أمَّةً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: أما ما أبْدَوْا فقولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
وأمَّا ما كتَموا فقولُ بعضِهم لبعضٍ: نحن خيرٌ منه وأعلمُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحجاجِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.
قال: إنَّ اللهَ خلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمعةِ.
قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهْبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرضِ، فمِن ثمَّ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية (١).
[حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه] (٢).
حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ (٣) الربيع ابنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
قال: وذلك حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
قال: فلما عرَفوا أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةَ، قالوا بينَهم: لن يَخلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ.
فأراد اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُخبرَهم أنه قد فضَّل عليهم آدمَ، وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، فقال للملائكةِ.
﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
فكان الذي أبْدَوْا حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
وكان الذي كتَموا بينَهم قولَهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ.
فعرَفوا أن اللهَ فضَّل عليهم آدمَ في العلمِ والكرمِ (١).
وقال ابنُ زيدٍ: لما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لمّا خلَق اللهُ النارَ ذُعِرَت منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلَقْتَ هذه النارَ، ولأيِّ شيْءٍ خلَقْتَها؟
قال: لِمَن عصاني مِن خَلْقي.
قال: ولمْ يَكُنْ للهِ (٢) خَلْقٌ يومَئذٍ إلا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعدَ ذلك.
وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].
قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ، ليتَ ذلك الحينَ (٣).
ثم قال: وقالتِ الملائكةُ: يا ربِّ، أو يأتي علينا دهرٌ نعصِيك فيه!
- لا يَرَون له خلقًا غيرَهم - قال: لا، إني أُرِيدُ أن أَخلُقَ في الأرضِ خلْقًا، وأَجعَلَ فيها خَليفةً (٤)، يَسفِكون الدماءَ ويُفْسِدون في الأرضِ.
فقالت الملائكةُ: أتَجعلُ في الأرض مَن يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ وقد اختَرتَنا؟
فاجْعَلْنا نحن فيها، فنحن نُسبِّحُ بحمدِك ونُقدِّسُ لك، ونعمَلُ فيها بطاعتِك.
وأعظَمت الملائكةُ أن يَجْعَلَ اللهُ في الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
فقال: فلانٌ، وفلانٌ.
قال: فلما رأَوْا ما أعْطاه اللهُ مِن العلمِ عليهم (٥)، أقرُّوا لآدمَ بالفضلِ عليهم، وأبي الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ (١) [الأعراف: ١٢، ١٣].
وقال ابنُ إسحاقَ بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما أراد اللهُ أن يَخلُقَ آدمَ بقدرتِه ليَبْتَليَه ويَبْتَليَ به، لعلمِه بما في ملائكتِه وجميعِ خلقِه - وكان أولَ بلاءٍ ابتُلِيَت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحِبُّ وما تَكْرَهُ، للبلاءِ والتَّمْحيصِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللهِ منهم - جمَع (٢) الملائكةَ مِن سكاتِ السماواتِ والأرضِ، ثم قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
يقول: ساكنًا وعامرًا ليَسْكنَها ويَعْمُرَها، خَلْقًا (٣) ليس منكم.
ثم أخْبَرَهم بعلمِه فيهم، فقال: يُفْسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ ويَعمَلون بالمعاصي.
فقالوا جميعًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
لا نَعْصِي، ولا نَأْتي شيئًا كرِهْتَه، ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) أي (٥): فيكم ومنكم - ولم يُبْدِها لهم - مِن المعصيةِ والفسادِ وسفكِ الدماءِ وإتيانِ ما أَكْرَهُ منهم، مما يكونُ في الأرضِ مما ذكَرْتُ في بني آدمَ.
قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين﴾.
إلى قولِه: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩ - ٧٢].
فذكَر لنبيِّه ﷺ الذي كان مِن ذِكرِه آدمَ ﷺ حينَ أراد خلقَه، ومُراجعةِ الملائكةِ إياه فيما ذكَر لهم منه، فلما عزَم اللهُ تعالى ذكرُه على خلْقِ آدمَ قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨].
بيدَيْه تَكْرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له، حفِظَتِ الملائكةُ عهدَه، ووَعَوْا قولَه، وأجْمَعوا لطاعتِه، إلا ما كان مِن عدوِّ اللهِ إبليسَ، فإنه صمَت على ما كان في نفسِه مِن الحسدِ والبغْيِ والتكَبُّرِ والمعصيةِ.
وخلَق اللهُ آدمَ ﵇ مِن أَدَمةِ الأرضِ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَأٍ مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له على سائرِ خلْقِه.
قال ابنُ إسحاقَ: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: خلَق اللهُ آدمَ، ثم وضَعه يَنْظُرُ إليه أربعين عامًا قبلَ أن يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ حتى عاد صَلصالًا كالفَخارِ، ولم تَمسسْه نارٌ.
قال: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: إنه لمَّا انْتَهى الروحُ إلى رأسِه عطَس، فقال: الحمدُ للهِ.
فقال له رُّبه: يَرْحَمُك (١) ربُّك.
ووقَع الملائكةُ حينَ اسْتَوَى سجودًا له؛ حفظًا لعهدِ اللهِ الذي عهِد إليهم، وطاعةً لأمرِه الذي أمَرهم به، وقام عدوُّ اللهِ إبليسُ مِن بينِهم فلم يَسْجُدْ، مُكابِرًا مُتَعَظِّمًا، بَغْيًا وحسدًا، فقال له: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.
إلى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥ - ٨٥].
قال: فلمَّا فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومن مُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوْقَع عليه اللعنةَ، وأخْرَجه مِن الجَنَّةِ، ثم أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: إنما أجَبْناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم تُعَلِّمْنا فأنت أعْلَمُ به، فكان ما سمَّى آدمُ مِن شيْءٍ، كان إسمَه الذي هو عليه إلى يومِ القيامةِ (١).
وقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: إنما تكَلَّموا بما أعْلَمَهم أنه كائنٌ مِن خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (٢).
وقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
لأن الله تعالى ذكرُه أذِن لها في السؤالِ عن ذلك بعد ما أخْبَرَها أن ذلك كائنٌ مِن بني آدمَ، فسألَتْه الملائكةُ، فقالت على التعجبِ منها: وكيف يَعْصُونك يا ربِّ وأنتَ خالقُهم؟
فأجابهم ربُّهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يعني أن ذلك كائنٌ منهم وإن لم تَعْلَموه أنتم، ومِن بعضِ مَن تَرَوْنه لي طائعًا، يُعَرِّفُهم بذلك قُصورَ علمِهم عن علمِه.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: قولُ الملائكةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
على غيرِ وجهِ الإنكارِ منهم على ربِّهم، وإنما سأَلوه ليعْلَموا، وأخْبَروا عن أنفسِهم أنهم يُسَبِّحون.
وقال: قالوا ذلك لأنهم كرِهوا أن يُعْصَى اللهُ؛ لأن الجنَّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ.
وقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّرْنا.
مسألةَ اسْتِخْبارٍ منهم للهِ، لا على وجهِ مسألةِ التوبيخِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه التأويلاتِ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن ملائكتِه قيلَها له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
تأويلُ مَن قال: إن ذلك منها اسْتِخْبارٌ لربِّها، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ مَن هذه صفتُه، وتاركٌ أن تجْعَلَ [خليفتَك فيها] (١) منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك.
لا إنكارًا منها لِما أعْلَمَها ربُّها أنه فاعلٌ، وإن كانت قد استَعظَمَتْ لمَّا أُخبِرَت بذلك أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِيه.
وأما دَعْوى مَن زعَم أن اللهَ كان أذِن لها بالسؤالِ عن ذلك، فسأَلَتْ على وجهِ التعجبِ، فدَعْوى لا دَلالةَ عليها في ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرَ بها عن (٢) الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التي تَقومُ بها الحُجَّةُ.
وأما وصفُ الملائكةِ مَن وصَفَت - في استخبارِها ربَّها عنه - بالفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، فغيرُ مُسْتحيلٍ فيه (٣) ما رُوِي عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ مِن القولِ الذي رواه السديُّ، ووافَقَهما عليه قَتادةُ مِن التأويلِ، وهو أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرهم أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً تكونُ له ذريةٌ يفعَلون كذا وكذا، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
على ما وصَفتُ من الاستخبارِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ اسْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبرَت أن ذلك كائنٌ؟
قيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينَئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ (٤) وقوعِ ذلك، وهل ذلك منهم؟
ومسألتُهم ربَّهم أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ حتى لا يَعْصُموه.
وغيرُ فاسدٍ أيضًا ما رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، وتابَعه عليه الربيعُ بنُ أنسٍ، مق أن الملائكةَ قالت ذلك لِما كان عندها مِن علمِ سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها: أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذي كانوا يَفْعَلون؟
على وجهِ الاسْتِعلامِ منهم لربِّهم، لا على وجهِ الإيجابِ أن ذلك كائنٌ كذلك، فيَكونَ ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِعْ عليه مِن علمِ (١) الغيبِ.
وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ مِن أن يكونَ قِيلُ الملائكَةِ ما قالت كان (٢) على وجهِ التعجبِ منها مِن أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِي خالقَه.
وإنما ترَكْنا القولَ بالذي رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، ووافَقه عليه الربيعُ، وبالذي قاله ابنُ زيدٍ في تأويلِ ذلك؛ لأنه لا خبرَ عندَنا بالذي قالوه مِن وجهٍ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحجةُ، والخبرُ عما قد مضَى وما قد سَلَف لا يُدْرَكُ علمُ صحتِه إلا بمجيئِه مَجيئًا يَمْتَنِع منه التشاغُبُ (٣) والتَّواطُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه (٤) الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، [ووافقه عليه الربيعُ] (٥)، ولا فيما قاله ابن زيدٍ.
فأولَى التأويلاتِ إذ كان الأمرُ كذلك بالآيةِ، ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دَلالةٌ مما يَصِحُّ مَخْرَجُه في المفهومِ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان أوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ هو ما ذكَرْتَ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخْبَر الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِه في الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
فأَين ذِكْرُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إياهم بذلك في كتابِه؟
قيل له: اكْتُفي بدَلالةِ ما قد ظهَر مِن الكلامِ عليه عنه، كما قال الشاعر (١): [فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ] (٢) … عليكم ولكنْ خامِرِي (٣) أمَّ عامرِ فحذَف قولَه: دعُوني للتي يُقالُ لها [إذا أُريد] (٤) صيدُها: خامِرِي أمَّ عامرٍ (٥).
إذ كان فيما ظهَر مِن كلامِه دلالةٌ على معنى مرادِه، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لمّا كان فيه دَلالةٌ على ما ترَك ذكرَه بعد قولِه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مِن الخبرِ عما يَكونُ مِن إفسادِ ذريتِه في الأرضِ، اكْتَفَى بدلالتِه، فحذَف وترَك ذِكْرَه، كما ذكَرْنا مِن قولِ الشاعرِ، ونظائرُ ذلك في القرآنِ وأشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فلِمَا ذكَرْنا مِن ذلك (٦) اخْتَرْنا ما اخترْنا مِن القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
أما قولُه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾.
فإنه يَعْني: إنا نعظِّمُك بالحمدِ لك والشكرِ، كما قال الله تعالى ذكرُه: [﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾] (١) [النصر: ٣].
وكما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥].
وكلُّ ذكرٍ للهِ عندَ العربِ فتَسْبيحٌ وصلاةٌ، يقولُ الرجلُ منهم: قضَيْتُ سُبْحَتِي (٢) مِن الذكرِ والصلاةِ.
وقد قيل: إن التسبيحَ صلاة الملائكةِ.
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي، فمرَّ رجلٌ مِن المسلمين على رجلٍ مِن المنافِقين، فقال له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ!
فقال له: امْضِ إلى عملِك إن كان لك عملٌ.
فقال: ما أَظنُّ إلا سيَمُرُّ عليك مَن يُنْكِرُ عليك.
فمرَّ عليه عمرُ بنُ الخطابِ، فقال له: يا فلانُ، النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ!
فقال له مثلَها، فقال: هذا مِن عمَلي.
فوثَب عليه، فضرَبه حتى انْبَهَر (٣)، ثم دخَل المسجدَ، فصلَّى مع النبيِّ ﷺ، فلما انْفَتل النبيُّ ﷺ قام إليه عمرُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مرَرْتُ آنفًا على فلانٍ وأنت تُصَلِّي، فقلت له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ!
فقال: مُرَّ (٤) إلى عملِك إن كان لك عملٌ.
فقال النبيُّ ﷺ: "فَهَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ".
فقام عمرُ مُسْرِعًا، فقال: "يا عمرُ، ارجِعْ، فإن غضبَك عِزٌّ، ورضاك حُكمٌ، إن للهِ في السماواتِ السبعِ ملائكةً يُصلُّونَ له غِنًى (١) عن صلاةِ فُلانٍ".
فقال عمرُ: يا نبيَّ اللهِ، وما صلاتُهم؟
فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، سأَلك عمرُ عن صلاةِ أهلِ السماءِ؟
قال: "نَعَمْ".
قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ، وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ.
وأهلَ السماء الثانيةِ ركوعٌ (٢) إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سُبْحانَ ذي (٣) العزّةِ والجَبَروتِ.
وأهلَ السماءِ الثالثةِ قيامٌ إلى يومِ القيامةِ يقولون: سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وسهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا الجُرَيْريُّ، عن أبي عبدِ اللهِ الجسْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذَرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أو أن أبا ذَرٍّ عاد النبيَّ ﷺ فقال: "يا رسولَ اللهِ، بأبي أنت، أيُّ الكلامِ أحبُّ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ؟
فقال: "ما اصطَفى اللهُ لملائكتِه؛ سبحانَ ربي وبحمدِه، سبحانَ ربِّي وبحمدِه" (٥).
في أشكالٍ لما ذكَرْنا مِن الأخبارِ، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصائِها.
وأصلُ التسبيحِ للهِ عندَ العربِ التنزيهُ له مِن إضافةِ ما ليس مِن صفاتِه إليه، والتبْرِئةُ له مِن ذلك، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ (١): أَقُولُ لمَّا جاءني فخْرُه … سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ يريدُ: سبحانَ اللهِ مِن فخْرِ علقمةَ.
أي: تنزيهًا (٢) للهِ مما أتَى علقمةُ مِن الافْتِخارِ.
على وجهِ النكيرِ (٣) منه لذلك.
وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك التسبيحِ والتقْدِيسِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قولُهم (٤): ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُصَلِّي لك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يَقُولون (٥): نُصَلِّي لك (٦).
وقال آخَرون: نُسَبِّحُ لك التسبيحَ المعلومَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾.
قال: التسبيحُ: التسبيحُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
والتقْديسُ هو التطهيرُ والتعظيمُ، ومنه قولُهم: سُبُّوحٌ قُدّوسٌ.
يعني بقولِهم: سُبُّوحٌ.
تنزيهٌ للهِ جلَّ وعزَّ، وبقولِهم: قُدُّوسٌ.
طهارةٌ له وتعظيمٌ.
ولذلك قيل للأرضِ: أرضٌ مُقَدَّسةٌ.
يعني بذلك المُطَهَّرةَ.
فمعنى قولِ الملائكةِ إذن: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُنَزِّهُك ونُبَرِّئُك مما يُضيفُه إليك أهلُ الشركِ بك، ونُصَلِّي لك.
﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
نَنْسِبُك إلى ما هو مِن صفاتِك من الطهارةِ من الأدناسِ، وما أضاف إليك أهلُ الكفرِ بك.
وقد قيل: إن تقديسَ الملائكةِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
قال: التقديسُ: الصلاةُ (٢).
وقال بعضهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
قال: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
قال: نُعَظِّمُك ونُكَبِّرُك (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: لا نعصِي ولا نأتي شيئًا تَكرهُه (٣).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
قال: التقديسُ: التطهيرُ (٤).
وأما قولُ مَن قال: التقديسُ: الصلاةُ، أو (٥): التعظيمُ.
فإن معنى قولِه ذلك راجعٌ إلى نحوِ (٦) المعنى الذي ذكَرْنا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به.
ولو كان (١) مكانَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: ونُقَدِّسُك.
كان فصيحًا مِن الكلامِ، وذلك أن العربَ تقولُ: فلانٌ يُسَبِّحُ اللهَ ويُقَدِّسُه، ويُسَبِّحُ للهِ ويُقَدِّسُ له.
بمعنًى واحدٍ، وقد جاء بذلك القرآنُ، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣].
وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما اطلَع عليه مِن إبليسَ، وإضمارِه المعصيةَ للهِ وإخْفائِه الكبْرَ، مما اطلَع عليه تعالى ذكرُه منه، وخفِي على ملائكتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ: إني قد اطلَعتُ مِن قلبِ إبليسَ على ما لم تَطَّلِعوا عليه مِن كِبْرِه [واغترارِه] (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: مِن شأنِ إبليسَ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، وحدَّثنا محمدُ ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقَه لها (٢).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ بذيمةَ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّة، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها.
حدَّثني جعفرُ (٤) بنُ محمدٍ البُزُوريُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم مِن إبليسَ كتْمانَه الكِبْرَ ألا يسْجُدَ لآدمَ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ (١)، قال: وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، - عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ، وخلَقه لها.
وقال مرةً: آدمَ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت عبدَ الوهابِ بنَ مجاهدٍ يُحدِّثُ عن أبيه في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها، وعلِم مِن آدمَ الطاعةَ وخلَقه لها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه والثورىِّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها (١).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ (٢) إسحاقَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فيكم ومنكم -ولم يبْدِها لهم- مِن المعصيةِ والفسادِ وسَفْكِ الدماءِ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: إنى أعلمُ ما لا تعلمونَ من أنَّه يكونُ من تلك (٤) الخليفةِ أهلُ الطاعةِ والولايةِ للهِ جلَّ ذكْرُه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: فكان في علمِ اللهِ أنه سيَكونُ مِن [تلك الخليفةِ] (٥) أنبباءُ ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو (٦) الجنةِ (٧).
وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكتَه التى قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
استَفْظَعَت أن يكونَ للهِ جلَّ ثناؤُه خَلْقٌ يَعْصِيه، وعَجِبَتْ منه إذ أخْبِرت أن ذلك كائنٌ فلذلك قال لهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنى بذلك واللهُ أعلمُ: إنكم لتَعْجَبون مِن أمرٍ (١) وتَسْتَفْظِعونه، وأنا أعلمُ أنه في بعضِكم، وتصِفون أنفسَكم بصفةٍ أعلمُ خلافَها مِن بعضِكم، وتُعَرِّضون بأمرٍ قد جعَلْتُه لغيرِكم.
وذلك أن الملائكةَ [قالت لربِّها] (٢) -لمّا أخبَرها ربُّها بما هو كائنٌ مِن ذريةِ خليفتِه من الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ- قالت لربِّها: ربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ خليفةً مِن غيرِنا، [يكونُ مِن ذريَّتِه] (٣) من يَعْصِيك أم منا، فإنا نعَظِّمُك ونصَلِّى لك ونُطِيعُك ولا نَعْصِيك؟
-ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى كَشْحًا عليه إبليسُ من استكبارِه على ربِّه- فقال لهم ربُّهم: إنِّى أعلمُ غيرَ الذى تقُولونَ من بعضِكم.
وذلك هو ما كان مستورًا عنهم مِن أمرِ إبليسَ وانْطِوائِه على ما كان قد انْطَوَى عليه مِن الكِبْرِ، وعلى قِيلِهم ذلك، ووصْفِهم أنفسَهم بالعمومِ من الوصفِ، عُوتِبوا.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُميْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بعَث ربُّ العِزَّةِ تعالى ذِكْرُه إبليسَ (٤)، فأخَذ مِن أَديمِ الأرضِ مِن عذْبِها ومِلْحِها، فخلَق منه آدمَ، ومِن ثَمَّ سُمِّى آدمَ؛ لأنه خُلِق مِن أَديمِ الأرضِ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن علىٍّ، قال: إن آدمَ خُلِق مِن أديمِ الأرضِ، فيه الطَّيِّبُ والصالحُ والرَّدِئُ، فكلُّ ذلك أنت راءٍ في ولدِه، الصالحَ والردئَ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا مِسْعَرٌ، عن أبى حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: خُلِق آدمُ مِن أَدِيمِ الأرضِ، فسُمِّىَ آدمَ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: إنما سُمِّىَ آدمَ لأنه خُلِق مِن أَدِيمِ الأرضِ (٣).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ، أن مَلَكَ الموتِ لمَّا بُعِث ليأْخُذَ مِن الأرضِ تُرْبةَ آدمَ، أخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ مِن مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تربةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، ولذلك سُمِّىَ آدمَ؛ لأنه أُخِذ مِن أَدِيمِ الأرضِ (١).
وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ خبرٌ يُحَقِّقُ ما قال مَن حكَينا قولَه في معنى "آدمَ"، وذلك ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عوفٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ وعمرُ بنُ شَبَّةَ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عوفٌ، وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ وعبدُ الوهَّابِ الثَّقَفىُّ، قالوا: حدَّثنا عوفٌ، وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدىُّ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبانٍ، قال: حدَّثنا عَنْبَسةُ، عن عوفٍ الأعْرابىِّ، عن قَسامةَ بنِ زُهَيْرٍ، عن أبى موسى الأشْعَرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَميعِ الأرْضِ، فجاء بنو آدمَ على قَدْرِ الأرْضِ، جاء منهم الأحْمرُ والأسْودُ والأبْيضُ، وبينَ ذلك، [والسهْلُ والحَزْنُ] (٢)، والخبَيثُ وَالطيِّبُ" (٣).
قال أبو جعفرٍ: فعلى التأويلِ الذى تأوَّل "آدمَ" مَن تأَوَّله بمعنى أنه خُلِق مِن أَدِيمِ الأرضِ، يَجِبُ أن يكونَ أصلُ "آدمَ" فعلًا سُمِّىَ به أبو البَشرِ، كما سُمِّىَ أحمدُ بالفِعلِ من الإحْمادِ، وأسعدُ مِن الإِسعادِ، فلذلك لم يُجْرَ (١).
ويَكونُ تأويلُه حينَئذٍ: آدَمَ المَلَكُ الأرضَ.
يعنى به: بلَغ أَدَمَتَها -وأَدَمَتُها: وجهُها الظاهرُ لرَأْىِ العينِ، كما (٢) جِلْدةُ كلِّ [ذى جِلدٍ] (٣) له أَدَمةٌ، ومِن ذلك سُمِّىَ الإدامُ إدامًا؛ لأنه صار كالجِلْدةِ العليا مما هى منه- ثم نُقِل مِن الفعلِ فجُعِل اسمًا للشخصِ بَعيْنِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الأسماءِ التى علَّمَها آدمَ ثم عرَضها على الملائكةِ؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنا به أبو كرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال (٤): علَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهى هذه الأسماءُ التى يَتَعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ، ودابةٌ، وأرضٌ، وسهلٌ، وبحرٌ، وجبلٌ، وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى المُثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: [ما خلَق اللهُ كلَّه] (١).
حدَّثنا ابنُ وَكِيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ (٢).
حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ (٣)، قال: حدَّثنا مُسلمٌ الجَرْمِىُّ، عن محمدِ بنِ مُصْعَبٍ، عن قَيْسِ بنِ الربيعِ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ، قال: علَّمه اسمَ الغُرابِ والحَمامةِ، واسمَ كلِّ شيءٍ (٤).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمِ الأفْطَسِ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى البعيرِ والبقرةِ والشاةِ (٥).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن شَريكٍ، عن عاصمِ بنِ كُلَيبٍ، عن سعيدِ (٦) بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: علَّمه اسمَ (٧) القَصْعةِ والفَسْوةِ (٨) والفُسَيَّةِ (٩).
حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عاصمِ ابنِ كُلَيْبٍ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: حتى الفَسْوَةِ والفُسَيَّةِ (١).
حدَّثنا على بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعبٍ، عن قيسٍ، عن (٢) عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، حتى الهَنَةِ والهُنَيَّةِ، والفَسْوةِ والضَّرْطةِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا على بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمِ ابنِ كُلَيْبٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: علَّمه القَصْعةَ مِن القُصَيْعَةِ، والفَسْوةَ مِن الفُسَيَّةِ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قَولَه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
حتى بلَغ: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾: فأنْبَأ كلَّ صنفٍ مِن الخلقِ باسمِه، وألْجأه إلى جنسِه (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ؛ هذا جبلٌ، وهذا بحرٌ، وهذا كذا، وهذا كذا، لكلِّ شيءٍ، ثم عرَض تلك الأسماءَ (١) على الملائكةِ، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، هذه الخيلُ، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسَمِّى كلَّ شيءٍ باسمِه (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ (٤) الربيعِ، قال: اسمَ كلِّ شيءٍ.
وقال آخَرون: علَّم آدمَ أسماءَ الملائكةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: أسماءَ الملائكةِ (٥).
وقال آخَرون: إنما علَّمه أسماءَ ذُرِّيَّتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
قال: أسماءَ ذُرّيتِه كلِّهم (١) أجْمَعين (٢).
قال أبو جعفر: وأولَى هذه الأقوالِ بالصوابِ وأشْبهُها بما دلَّ على صحتِه ظاهرُ التِّلاوةِ، قولُ مَن قال في قولِه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
أنها أسماءُ ذرِّيَّتِه وأسماءُ الملائكةِ، دون أسماءِ سائرِ أجناسِ الخلقِ، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾.
يعْنى بذلك أعيانَ المُسَمَّيْن بالأسماءِ التى علَّمها آدمَ.
ولا تَكادُ العربُ تَكْنى بالهاءِ والميمِ إلا عن أسماءِ بنى آدمَ والملائكةِ.
فأما إذا كَنَتْ عن أسماءِ البَهائمِ وسائرِ الخلقِ سوى مَن وصَفْنا، فإنها تَكْنِى عنها بالهاءِ والألفِ، أو (٣) بالهاءِ والنونِ، فقالت: عرَضَهنّ، أو عرَضَها.
وكذلك تَفْعَلُ إذا كَنَتْ عن أصنافٍ مِن الخلْقِ، كالبَهائمِ والطيرِ وسائرِ أصنافِ الأممِ، وفيها أسماءُ بنى آدمَ أو (٤) الملائكةِ، فإنها تَكْنى عنها بما وصَفْنا مِن الهاءِ والنونِ، و (٥) الهاءِ والألفِ.
وربما كَنَتْ عنها إذا كان ذلك (٦) كذلك، بالهاءِ والميمِ، قال تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ (٧) كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥].
فكنَى عنها بالهاءِ والميمِ، وهى أصنافٌ مختلِفةٌ، فيها الآدمىُّ وغيرُه، وذلك وإن كان جائزًا، فإن الغالبَ المُسْتَفيضَ في كلامِ العربِ ما وصَفْنا، مِن إخْراجِهم كنايةَ أسماءِ أجناسِ الأممِ -إذا اخْتَلَطَت- بالهاءِ والألفِ، و (١) الهاءِ والنونِ؛ فلذلك قلتُ: أَولى بتأويلِ الآيةِ أن تَكونَ الأسماءُ التى عَلَّمها آدمَ أسماءَ أعيانِ بنى آدمَ وأسماءَ الملائكةِ.
وإن كان ما قال ابنُ عباسٍ جائزًا، على مثالِ ما جاء في كتابِ اللهِ جل ثناؤه مِن قولِه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ (٢) كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ الآية.
وقد ذُكِر أنها في حرفِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (ثم (٣) عرَضَهن) (٤).
وأنها في حرفِ أُبَيٍّ: (ثم عرَضها) (٤).
ولعلَّ ابنَ عباسٍ تأوَّل ما تأوَّل مِن قولِه: علَّمه اسمَ (٥) كلِّ شيءٍ، حتى الفَسْوةِ والفُسَيَّةِ.
على قراءةِ أُبَىٍّ، فإنه فيما بلغَنا كان يَقْرَأُ قراءةَ أُبَىٍّ.
وتأويلُ ابنِ عباسٍ -على ما حُكِى عن أبيٍّ من قراءتِه- غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، بل هو صحيحٌ مُسْتَفِيضٌ فى كلامِ العربِ، على نحوِ ما تقَدَّم وصْفِى ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد تقَدَّم ذكْرُنا التأويلَ الذى هو أوْلى بالآيةِ على قراءتِنا ورَسْمِ مُصْحَفِنا، وأن قولَه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾.
بالدَّلالةِ على بنى آدمَ والملائكةِ، أوْلَى منه بالدَّلالةِ على أجناسِ الخلقِ كلِّها، وإن كان غيرَ فاسدٍ أن يكون دالًّا على جميعِ أصنافِ الأُممِ، للعللِ التى وصَفْنا.
ويعنى بقولِه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثم عرَض أهلَ الأسماءِ على الملائكةِ.
وقد اخْتَلَف المفسِّرون في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ نحوَ اختلافِهم فى قوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
وسأذْكُرُ [قولَ بعضِ] (١) مَن انتَهى إلينا عنه فيه قولٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بِشْرُ بنُ عُمارَةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾: ثم عرَض هذه الأسماءَ على الملائكةِ.
يعنى أسماءَ جميع الأشياءِ التى علَّمها آدمَ مِن أصنافِ الخلقِ (٢).
حدثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النَّبىِّ ﷺ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: ثم عرَضَ الخلْقَ على الملائكةِ (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أسماءَ ذريتِه كلِّها أخَذَهم مِن ظهرِه، ثم عرَضَهم على الملائكةِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾.
قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، ثم عرَض تلك الأسماءَ على الملائكةِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾: عرَض أصحابَ الأسماءِ على الملائكةِ (٢).
حدثنى علىُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعَبٍ، عن قيسٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾.
يعنى: عرَض الأسماءَ، الحَمامةَ والغرابَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: علَّمه اسمَ كلِّ شيءٍ، هذه الخيلُ، وهذه البغالُ، وما أشْبَهَ ذلك، وجعَل يُسَمِّى كلَّ شيءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أُمَّةً أُمَّةً (٤).
القولُ في تأويل قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه ﷿: ﴿أَنْبِئُونِي﴾: أَخْبِرونى.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَنْبِئُونِي﴾.
يقولُ: أخْبِرونى بأسماءِ هؤلاء (٥).
ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (١): وأنبَأه المُنبّئُ أنَّ حيًّا … حُلُولًا من حَرامٍ (٢) أو جُذَامِ يعنى بقولِه: أنبأَه: أخْبَرَه وأعْلَمَه.
القولُ في تأويل قولِه: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولهِ: ﴿بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.
قال: بأسماءِ هذه التى حدَّثْتُ بها آدمَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بن داودَ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
يقولُ: بأسماءِ هؤلاءِ التى (٤) حَدَّثتُ بها آدمَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: إن كنتم تَعْلَمون لِمَ أجْعَلُ فى الأرضِ خليفةً (١)؟
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ بنى آدمَ يُفْسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجّاجٌ، عن جريرِ بنِ حازِمٍ ومباركٍ، عن الحسن، وأبى بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ: ﴿فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنى لم (٣) أَخْلُق خَلْقًا إلا كُنتم أعلمَ منه، فأخْبِرونى بأسماءِ هؤلاءِ إن كنتم صادِقين (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ تأويلُ ابنِ عباسٍ ومَن قال بقولِه.
ومعنى ذلك: فقال: أنْبِئونى بأسماءِ مَن عرَضْتُه عليكم أيتُها الملائكةُ القائلون: [أتَجعَلُ فى الأرضِ] (٥) مَن يُفسِدُ فيها ويَسفِكُ الدمَاءَ، مِن غيرِنا أم منا، شنحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك؟
إن كنتم صادقين في قِيلِكم أنى إن جعَلْتُ خليفتى في الأرضِ مِن غيرِكم، عَصَانى ذريتُه وأفْسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وإن جعَلْتُكم فيها، أطَعْتُمونى واتَّبَعْتُم أمرى، بالتعظيمِ لى والتقديسِ، فإنكم إذ كنتم لا تَعْلَمون أسماءَ هؤلاء الذين عرَضْتُهم عليكم مِن خَلْقى، وهم مَخْلوقون موجودون تَرَوْنهم وتُعايِنونهم، وعَلِمه غيرُكم بتَعْليمِى إياه، فأنتم بما هو غيرُ موجودٍ مِن الأمورِ الكائِنَةِ التى لم توجَدْ بعدُ، وبما هو مُتَستِّرٌ من الأُمورِ -التى هى موجودةٌ- عن أعينِكم، أحْرَى أن تكونوا غيرَ عالمين، فلا تَسْألونى ما ليس لكم به علمٌ، فإنى أعلمُ بما يُصْلِحُكم ويُصْلِحُ خَلْقى.
وهذا الفعلُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه بملائكتِه الذين قالوا له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
مِن جهةِ عِتابِه تعالى ذِكرُه إياهم -نظيرُ قولِه لنبيِّه نوحٍ صلّى اللهُ عليه، إذ قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ - ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٥، ٤٦].
فكذلك الملائكةُ سأَلت ربَّها أن تكونَ خُلفاءَه في الأرضِ ليُسَبِّحوه ويُقَدِّسوه فيها؛ إذ كان ذريةُ مَن أخْبَرهم أنه جاعلُه في الأرضِ خليفةً يُفْسِدون فيها ويَسْفِكون الدماءَ، فقال لهم تعالى ذكرُه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
يعنى بذلك: إنى أعْلَمُ أن بعضَكم فاتحُ المعاصى وخاتِمُها.
وهو إبليسُ، مُنْكِرًا بذلك (١) تعالى ذِكرُه قولَهم.
ثم عرَّفهم موضِعَ هَفْوتِهم، في قِيلهم ما قالوا مِن ذلك، بتعريفِهم قُصورَ علمِهم عمّا هم له شاهِدون عِيانًا -فكيف بما لم يَرَوْه ولم يُخْبَروا عنه؟
- بعرْضِه ما عرَض عليهم مِن خلقِه الموجودين يومَئذٍ، وقيلِه لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم إن اسْتَخْلَفْتُكم في أرْضى سبَّحْتمونى وقدَّسْتُمونى، وإن اسْتخْلَفْتُ فيها غيرَكم عَصانى ذُريتُه وأفْسَدوا وسَفَكوا الدماءَ.
فلمَّا اتَّضَح لهم موضِعُ خطأِ قيلِهم، وبَدَت لهم هفوةُ زَلَّتِهم، أنابوا إلى اللهِ بالتوبةِ فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
فسارَعوا الرَّجْعةَ مِن الهَفْوةِ، وبادَروا الإنابةَ مِن الزَّلَّةِ، كما قال نوحٌ ﵇ حِين عوتِب في مسألتِه، فقيل له: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ -: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [هود: ٤٦، ٤٧].
وكذلك فعْلُ كلِّ مُسَدَّدٍ للحقِّ مُوَفَّقٍ له، سَريعةٌ إلى الحقِّ إنابتُه، قريبةٌ إليه أوْبتُه.
وقد زعَم بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ أن قولَه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
لم يكنْ ذلك لأن الملَائكةَ ادَّعَوْا شيئًا، إنما أخْبَر عن جهْلِهم بعلمِ الغيبِ وعلمِه بذلك وفضلِه، فقال: أنْبِئونى إن كنتم صادقين.
كما يقولُ الرجلُ للرجلِ: أنْبِئْنى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ.
وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلَمُ، يُرِيد أنه جاهِلٌ.
وهذا قولٌ إذا تدَبَّره متَدَبِّرٌ عَلِم أن بعضَه مفْسِدٌ بعضًا، وذلك أن قائلَه زعَم أن اللهَ تعالى ذكرُه قال للملائكةِ -إذ عرَض عليهم أهلَ الأسماءِ-: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.
وهو يَعْلَمُ أنهم لا يَعْلَمون ذلك (٢)، ولا هم ادَّعَوْا [علمَ شيءٍ] (٣) يوجِبُ أن يوبَّخوا بهذا القولِ.
وزعَم أن قولَه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ نظيرُ قولِ القائل (٤): أنْبِئْنى بهذا إن كنتَ تَعْلَمُ.
وهو يَعْلَمُ أنه لا يَعْلمُ، يُرِيدُ أنه جاهلٌ.
ولا شكَّ أن معنى قولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
إنما هو: إن كنتم صادقينَ، إمّا في قولِكم، وإمّا في فعلِكم، لأن الصدقَ في كلامِ العربِ إنما هو صِدقٌ في الخبرِ لا في العلمِ، وذلك أنه غيرُ معقولٍ في لغةٍ مِن اللغاتِ أن يُقالَ: صدَق الرجلُ.
بمعنى: عَلِم.
فإذ كان ذلك كذلك، فقد وجَب أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه قال للملائكةِ -على تأويلِ قولِ هذا الذى حكَيْنا قولَه في هذه الآيةِ-: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وهو يَعْلَمُ أنهم غيرُ صادقين، يُرِيدُ بذلك أنهم كاذِبون، وذلك هو عينُ ما أنْكَره؛ لأنه زعَم أن الملائكةَ لم تَدَّعِ شيئًا، فكيف جاز أن يقالَ لها (١)؛ إن كنتم صادقين فأنبِئونى بأسماءِ هؤلاء (٢)؟
مع خروج هذا القولِ الذى حكَينا عن صاحبِه، مِن أقوالِ جميعِ المُتَقَدِّمين والمُتَأخِّرِين مِن أهلِ التأويلِ والتفسيرِ.
وقد حُكِى عن بعضِ أهلِ التفسيرِ أنه كان يَتأوَّلُ قولَه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
بمعنى: إذ كنتم صادقين.
ولو كانت ﴿إِنْ﴾ بمعنى "إذ" في هذا الموضعِ، لَوجَب أن تكونَ قراءتُها بفتحِ ألفِها؛ لأن "إذ" إذا تقَدَّمها فعلٌ مُستَقبَلٌ، صارت علةً للفعل وسببًا له، وذلك كقولِ القائلِ: أقومُ إذ قمتَ.
فمعناه: أقومُ مِن أجلِ أنك قمتَ.
والأمرُ بمعنى الاستِقبالِ.
فمعنى الكلامِ لو كانت ﴿إِنْ﴾ بمعنى "إذ": أنبِئونى بأسماءِ هؤلاءِ مِن أجلِ أنكم صادِقون.
فإذا وُضِعَت "إن" مكان (٣) ذلك، قيل: أنبِئونى بأسماءِ هؤلاءِ أن كنتم صَادقين.
مفتوحةَ الألفِ.
وفى إجماعِ جميعِ قَرأةِ أهلِ الإسلامِ على كسرِ الألفِ مِن ﴿إِنْ﴾ دليلٌ واضحٌ على خطأِ تأويلِ مَن تأوَّل ﴿إِنْ﴾ بمعنى "إذ" في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن ملائكته بالأوْبةِ إليه، وتسليمِ عِلْمِ ما [عَلِم ممّا] (١) لم يَعْلَموه له، وتَبَرِّيهم (٢) مِن أن يَعْلَموا أو يَعْلَمَ أحدٌ شيئًا إلا ما علَّمه تعالى ذِكرُه.
وفى هذه الآياتِ الثلاثِ العِبْرةُ لمن اعْتَبر، والذكْرَى لمن ادَّكَر، والبيانُ لمن كان له قلبٌ أو ألقَى السمعَ وهو شهيدٌ، عما أوْدَع اللهُ تعالى ذكرُه آىَ هذا القرآن مِن لَطائفِ الحِكَمِ التى تَعْجِزُ عن أوصافِها الألسنُ.
وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه احْتَجَّ فيها لنبيِّه ﷺ على مَن كان بين ظهرانَيْه مِن يهودِ بني إسرائيلَ، بإطلاعِه إياه مِن علومِ الغَيْبِ التى لم يكنْ تعالى ذكرُه أطْلَع عليها مِن خلقِه إلا خاصًّا، ولم يكنْ مُدْرَكًا علمُه إلا بالإنباءِ والإخبارِ؛ لتَتَقَرَّرَ عندَهم صحةُ نبوتِه، ويَعْلَموا أن ما أتاهم به فمِن عندِه، ودلَّ فيها على أن كلَّ مُخْبِرٍ خبرًا عما قد كان، أو عما هو كائنٌ مما لم يكنْ ولمّا يَأْتهِ به خبرٌ، ولم يُوضَعْ له على صحتِه بُرهانٌ، فمُتَقَوِّلٌ ما يَسْتَوْجِبُ به مِن ربِّه العقوبةَ.
ألا [تَرَى أن] (٣) اللهَ ردَّ على ملائكتِه قِيلَهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وعرَّفهم أن قِيلَ ذلك لم يكنْ جائزًا لهم، بما عرَّفهم مِن قُصورِ علمِهم عندَ عَرْضِه ما عرَض عليهم مِن أهلِ الأسماءِ، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
فلم يَكُنْ لهم مَفْزَعٌ إلا الإقرارُ بالعجزِ والتَّبَرِّى إليه أن يعلَموا إلّا مَا علَّمَهم بقولِهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
فكان في ذلك أوضحُ الدلالةِ وأبينُ الحُجَّةِ على كذبِ مَقالةِ كلِّ مَن ادَّعَى شيئًا مِن علومِ الغيبِ، مِن الحُزاةِ (١) والكَهَنةِ والعافَةِ (٢) والمُتنَجِّمةِ.
وذكَّر بها الذين وصَفْنا أمرَهم مِن أهلِ الكتابِ، سَوالفَ نعمِه على آبائِهم، وأياديَه عندَ أسلافِهم، عندَ إنابتِهم إليه، وإقبالِهم إلى طاعتهِ، مُسْتَعْطِفَهم بذلك إلى الرَّشادِ، ومُسْتَعْتِبَهم به إلى النجاة، وحذَّرهم -بالإصرارِ والتمادى في الغَىِّ (٣) والضَّلالِ- حلولَ العِقابِ بهم، نظيرَ ما أحلَّ بعدوِّه إبليسَ، إذ تمادَى في الغَىِّ (٣) والخَسَارِ (٤).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
فهو كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تَنْزِيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يَعْلَمُ الغيبَ غيرَه، تُبْنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تَبَرِّيًا منهم مِن علمِ الغيبِ، إلَّا ما علَّمتنا كما علَّمْتَ آدمَ (٥).
و"سبحانَ" مصدرٌ لا تصَرُّفَ له، ومعناه: تسبيحَكَ (٦).
كأنهم قالوا: نُسَبِّحُك تَسْبيحًا، ونُنَزِّهُك تَنْزيهًا، ونُبَرِّئُك مِن أن نَعْلَمَ شيئًا غيرَ ما علَّمْتَنا.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك: إنك أنت يا ربَّنا العليمُ -مِن غيرِ تَعْليمٍ- بجميعِ (١) ما قد كان، وما هو كائنٌ، والعالمُ للغُيوبِ دون جميعِ خلقِك.
وذلك أنهم نفَوْا عن أنفسِهم بقولِهم: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.
أن يكونَ لهم علمٌ إلا ما علَّمهم ربُّهم، وأثْبَتوا ما نَفَوْا عن أنفسِهم مِن ذلك لربِّهم بقولِهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
يَعْنون بذلك العالمَ مِن غيرِ تعليمٍ، إذ كان مَن سواك لا يَعْلَمُ شيئًا إلا بتعليمِ غيرِه إياه.
﴿الْحَكِيمُ﴾: هو ذو الحِكْمةِ، كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ، قال: حدَّثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: العليمُ الذى قد كمُل في علمِه، والحكيمُ الذى قد كمُل في حِكْمتِه (٢).
وقد قيل: إن معنى ﴿الْحَكِيمُ﴾ الحاكمُ، كما (٣) العليمُ بمعنى العالمِ، والخبيرُ بمعنى الخابرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن اللهَ تعالى ذكرُه عرَّف ملائكتَه الذين سأَلوه أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ ووصَفوا أنفسَهم بطاعتهِ والخضوعِ لأمرِه، دون غيرِهم الذين يفْسِدون فيها ويَسْفِكون الدماءَ - أنهم مِن الجهلِ بموَاقعِ تدْبيرِه ومحَلِّ قَضائِه، قبلَ إطْلاعِه إياهم عليه، على نحوِ جهلِهم بأسماءِ الذين عرَضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يُعَلِّمْهم فيَعْلَموه، وأنهم وغيرَهم مِن العبادِ لا يَعْلَمون مِن العلمِ إلا ما علَّمَهم إياه ربُّهم، وأنه يَخُصُّ بما شاء مِن العلمِ مَن شاء مِن الخلقِ، ويَمْنَعُه منهم مَن شاء، كما علَّم آدمَ أسماءَ من عرَض على الملائكةِ، ومنَعهم علمَها إلا بعدَ تعليمِه إياهم.
فأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾: [قال اللهُ: يا آدمُ أنبِئْهم] (١).
يقولُ: أخْبِرِ الملائكةَ.
والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿أَنْبِئْهُمْ﴾ عائدتان على الملائكةِ.
وقولُه: ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يعنى: بأسماءِ الذين عرَضهم على الملائكةِ.
والهاءُ والميمُ اللتان في ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾ كنايةٌ عن ذكرِ ﴿هَؤُلَاءِ﴾ التى في قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾.
﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾ يقولُ: فلمّا أخْبَر آدمُ الملائكةَ بأسماءِ الذين عرَضهم عليهم، فلم يَعْرِفوا أسماءَهم، وأيْقَنوا خطأَ قِيلِهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
وأنهم قد هفَوْا (٢) في ذلك، وقالوا ما لا يَعْلَمون كيفيَّةَ وقوعِ قَضاءِ ربِّهم في ذلك، لو وقَع على ما نطَقوا به - قال لهم ربُّهم: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
والغيبُ: هو مما غاب عن أبصارِهم فلم يُعايِنوه.
تَوبيخًا مِن اللهِ جلَّ وعزَّ لهم بذلك على ما سلَف مِن قيلِهم، وفرَط منهم مِن خطأِ مسألتِهم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيد، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ عُمارة، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباس: ﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
يقولُ: أخْبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيُّها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيرى (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قصةِ الملائكةِ وآدمَ: فقال اللهُ للملائكةِ: كما لم تَعْلَموا هذه الأسماءَ، فليس لكم علمٌ أنما (١) أرَدْتُ أن أجْعَلَهم ليُفْسدوا فيها، هذا عِندِى (٢) قد علِمْتُه، فكذلك أخْفَيْتُ عنكم أني أجْعَلُ فيها مَن يَعْصِيني ومَن يُطِيعُني.
قال: وسبَق مِن اللهِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]،.
قال: ولم تَعْلَمِ الملائكةُ ذلك ولم يَدْرُوه.
قال: فلما رأَوْا ما أعْطَى اللهُ آدمَ مِن العلمِ، أقرُّوا لآدمَ بالفضل (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.
قال أبو جعفر: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فرُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾.
يقولُ: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
يقولُ: أعْلَمُ السرَّ كما أَعْلَمُ العَلانيةَ.
يعنى ما كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكِبْرِ والاغْتِرارِ (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباس، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
فهذا الذى أبْدَوْا، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
يَعْنى ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه (١).
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تكْتُمُونَ﴾.
قال: ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه مِن الكِبْرِ ألَّا يَسْجُدَ لآدمَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ الأنْماطيُّ، قال: حدَّثنا مَهْديُّ بنُ مَيْمونٍ، قال سمِعْتُ الحسنَ بنَ دينارٍ قال للحسنِ ونحن جُلوسٌ عندَه في منزلِه: يا أبا سعيدٍ، أرأيْتَ قولَ اللهِ للملائكةِ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
فما الذى كتَمَت الملائكةُ؟
فقال الحسنُ: إن اللهَ لمَّا خلَق آدمَ، رأَتِ الملائكةُ خلقًا عَجبًا، فكأنهم دخَلَهم مِن ذلك شيءٌ، فأقبَل بعضُهم إلى بعضٍ، وأسرُّوا ذلك بينَهم، فقالوا: ما يُهِمُّكم من هذا المخلوقِ!
إن اللهَ لن يَخْلُقَ خلقًا إلا كُنَّا أكرمَ عليه منه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: أسَرُّوا بينَهم فقالوا: يَخْلُقُ اللهُ ما [يَشاءُ أن يَخْلُقَ] (١)، فلن يَخْلُقَ خلقًا إلَّا ونحن أكرمُ عليه منه (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: فكان الذي أَبدَوا حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
وكان الذي كتَموا بينَهم قولُهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلَمَ منه وأكرمَ.
فعرَفوا أن اللهَ فضَّل آدمَ عليهم في العلمِ والكرمِ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن معنى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾: وأعلمُ -مع علمِي غيبَ السماواتِ والأرضِ- ما تُظهِرون بألسنتِكم، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: وما كنتم تُخْفُونه في أنفسِكم، فلا يَخْفَى عليَّ شيءٌ، سواءٌ عندي سَرائرُكم وعَلانيَتُكم.
والذي أظْهَروه بألسِنِتهم ما أخبَرَ اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم قالوه، وهو قولُه (٤): ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
والذى كانوا يَكْتُمونه ما كان عليه منطويًا إبليسُ مِن الخلافِ على اللهِ في أمرِه، والتَّكَبُّرِ عن طاعتِه؛ لأنه لا خلافَ بينَ جميعِ أهلِ التأويلِ أن تأويلَ ذلك غيرُ خارجٍ مِن أحدِ الوجهَيْن اللذين وصَفْتُ، وهو ما قلْنا.
والآخرُ ما ذكَرْنا مِن قولِ الحسنِ وقتادةَ، ومَن قال: إن معنى ذلك كِتْمانُ الملائكةِ بينَهم: لن يَخْلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا أكرمَ عليه منه.
فإذ كان لا قولَ في تأويلِ ذلك إلا أحدُ القولين اللذين وصَفْتُ، ثم كان أحدُهما غيرَ موجودةٍ على صحتِه الدَّلالةُ مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له -صَحَّ الوجهُ الآخرُ.
والذى حُكِى عن الحسنِ وقتادةَ ومَن قال بقولِهما في تأويلِ ذلك، غيرُ موجودةٍ الدَّلالة على صحتِه من الكتابِ، ولا من خبرٍ تجبُ به حجةٌ.
والذى قاله ابنُ عباسٍ يَدلُّ على صحتِه خبرُ الله عن إبليسَ وعِصْيانِه إياه، إذ دعاه إلى السجودِ لآدم ﵇ فأبَى واسْتَكْبَر، وإظهارُه لسائرِ الملائكةِ مِن معصيتِه وكِبْرِه ما كان له كاتمًا قبلَ ذلك.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن الخبرَ عن كِتمانِ الملائكةِ ما كانوا يَكْتُمون، لمَّا كان خارجًا مَخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، كان غيرَ جائزٍ أن يكونَ ما رُوِى في تأويلِ ذلك عن ابنِ عباسٍ ومَن قال بقولِه، مِن أن ذلك خبرٌ عن كِتْمانِ إبليسَ الكبْرَ والمعصيةَ، صحيحًا، فقد ظَنَّ غيرَ الصوابِ.
وذلك أن مِن شأنِ العربِ إذا أخْبَرَتْ خبرًا عن بعض جماعةٍ بغيرِ تسميةِ شخصٍ بعينِه أن تُخْرِجَ الخبرَ عنه مُخرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، وذلك كقولِهم: قُتِل الجيشُ وهُزِموا.
وإنما قُتِل الواحدُ أو البعضُ، وهُزم الواحدُ أو البعضُ، فتُخْرِجُ الخبرَ عن المهزومِ منهم والمقتولِ مُخْرَجَ الخبرِ عن جميعِهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤].
ذُكِر أن الذي نادَى رسولَ الله ﷺ فنزَلَت هذه الآيةُ فيه، كان رجلًا مِن جماعةٍ مِن بني تَميمٍ، كانوا قدِموا على رسولِ الله ﷺ (١).
فأخْرَج الخبرَ عنه مُخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، فكذلك قولُه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
أخْرَج الخبرَ مُخْرَجَ الخبرِ عن الجميعِ، والمرادُ به الواحدُ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه ﷿: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾.
فمعطوفٌ على قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
كأنه قال لليهودِ الذين كانوا بينَ ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من بنى إسرائيلَ، مُعَدِّدًا عليهم نعمَه، ومُذَكِّرَهم آلاءَه، على نحوِ الذي قد وصَفْنا فيما مضَى قبلُ -: اذْكُروا فِعْلى بكم إذ أنْعَمْتُ عليكم، فخلَقْتُ لكم ما في الأرضِ جميعًا، وإذ قلتُ للملائكةِ إني جاعِلٌ في الأرضِ خليفةً، فكرَّمْتُ أباكم آدمَ بما آتَيْتُه مِن عِلْمى وفَضْلي وكَرامتي، وإذ أسْجَدتُ له مَلائِكتي فسجَدوا له.
ثم اسْتَثْنى مِن جميعِهم إبليسَ، فدلَّ باستثنائِه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممَّن قد أُمِر بالسجودِ معهم، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١١: ١٢].
فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمَر إبليسَ في من أمَره مِن الملائكةِ بالسجودِ لآدمَ، ثم اسْتَثْناه مما أخْبَر عنهم أنهم فعَلوه مِن السجودِ لآدمَ، فأخْرَجه مِن الصفةِ التى وصَفهم بها مِن الطاعةِ لأمرِه، ونفَى عنه ما أثْبَته لملائكتِه مِن السجودِ لعبدِه آدمَ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فيه؛ هل هو مِن الملائكةِ أم هو مِن غيرِهم؟
فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كَرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقال لهم: الجِنُّ.
خُلِقوا مِن نارِ السَّمومِ مِن بينِ الملائكةِ.
قال: وكان اسمُه الحارثَ.
قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجنةِ.
قال: وخُلِقَت الملائكةُ مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ قال: وخُلِقَت الجِنُّ الذين ذُكِروا في القرآنِ مِن مارجٍ مِن نارٍ؛ وهو لسانُ النارِ الذي يَكونُ في طَرَفِها إذا الْتَهَبَت (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خَلَّادِ بنِ (١) عَطاءٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ قبلَ أن يَرْكَبَ المعصيةَ مِن الملائكةِ، اسمُه عَزَازيلُ (٢)، وكان مِن سكانِ الأرضِ، وكان مِن أشدِّ الملائكةِ اجْتِهادًا وأكثرِهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبْرِ، وكان مِن حيٍّ يُسَمَّوْن جنًّا (٣).
وحدَّثنا به ابنُ حُميدٍ مرةً أخرى، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن خلادِ بن (١) عطاءٍ، عن طاوسٍ، أو مُجاهِدٍ أبى الحَجَّاجِ، عن ابنِ عباسٍ وغيرِه بنحوِه، إلا أنه قال: كان مَلَكًا مِن الملائكةِ اسمُه عَزَازِيلُ (٤)، وكان مِن سكانِ الأرضِ وعُمَّارِها، وكان سكانُ الأرضِ فيهم يُسَمَّوْن الجنَّ مِن بينِ الملائكةِ (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: جُعِل إبليسُ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان مِن قبيلةٍ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ.
وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجنةِ، وكان إبليسُ مع مُلْكِه خازنًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسَيْنُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان إبليسُ مِن أشْرافِ الملائكةِ و (٢) أكرمِهم قبيلةً، وكان خازنًا على الجنانِ، وكان له سلطانُ سماءِ الدنيا، وكان له سلطانُ الأرضِ.
قال: قال ابنُ عباسٍ: وقولُه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف:٥٠].
إنما سُمِّى بالجَنَّانِ أنه كان خازنًا عليها.
كما يُقالُ للرجلِ: مَكِّيٌّ، ومدَنيٌّ، وكوفيٌّ، وبصريٌّ.
قاله (٣) ابنُ جُرَيْجٍ (٤).
وقال آخَرون: هم سِبْطٌ مِن الملائكةِ قَبيلَةٌ، وكان اسمُ قبيلتِه الجِنَّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن صالحٍ مولى التوأمةِ وشريكِ بنِ أبى نَمِرٍ -أحدُهما أو كلاهما- عن ابنِ عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبيلةً مِن الجنِّ، وكان إبليسُ منها، وكان يَسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحُسَينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن إبليسَ كان مِن أشرفِ الملائكةِ وأكرمِهم قبيلةً.
ثم ذكَر مثلَ حديثِ ابنِ جُرَيْجٍ الأولِ سَواءً (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنى شَيْبانُ، قال: حدَّثنا سَلَّامُ بنُ مِسْكينٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: كان إبليسُ رئيسَ ملائكةِ سماءِ الدنيا (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: قَبيلٌ مِن الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: لو لم يَكُنْ مِن الملائكةِ لم يُؤْمَرْ بالسجودِ، وكان على خِزانةِ سماءِ الدنيا.
قال: وكان قَتادةُ يقولُ: جُنَّ عن طاعةِ رِّبه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
قال: كان مِن قَبِيلٍ مِن الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أمَّا العربُ فيقولون: ما الجنُّ إلَّا كلُّ ما اجْتَنَّ فلم يُرَ.
قال: وأما قولُه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾.
أى: كان مِن الملائكةِ، وذلك أن الملائكةَ اجْتنُّوا فلم يُرَوْا، وقد قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨].
وذلك لقولِ قريشٍ: إن الملائكةَ بناتُ اللهِ.
فيقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: إن تكنِ الملائكةُ بناتى فإبليسُ منها، وقد جعَلوا بينى وبينَ إبليسَ وذريتِه نسَبًا.
قال: وقد قال الأعْشَى؛ أعْشَى بنى قيسِ بنِ ثَعْلبةَ البَكْرىُّ، وهو يَذْكُرُ سليمانَ بنَ داودَ وما أعطاه اللهُ ﷿: فلو كان شيءٌ خالدًا أو مُعمَّرًا … لكان سليمانُ البرِئَ مِن الدَّهرِ بَرَاه إلهى واصطَفاه عِبادَه … وملَّكه ما بينَ ثريا (١) إلى مِصْرِ وسخَّر من جنِّ الملائكِ تسعةً … قيامًا لديه يعملون بلا أجرِ قال: فأبَت العربُ في لغتِها إلا أن الجنَّ كلُّ ما اجتَنَّ، وتقولُ: ما سمَّى اللهُ الجنَّ إلا أنهم اجْتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمَّى بنى آدمَ الإنسَ إلا أنهم ظهَروا فلم يجتنُّوا، فما ظهَر فهو إنسٌ، وما اجْتنَّ فلم يُر فهو جِنٌّ (٢).
وقال آخَرون بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِيٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان إبليسُ مِن الملائكةِ طَرْفةَ عينٍ قطُّ، وإنه لأصلُ الجنِّ كما أن آدمَ أصلُ الإنسِ (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾: ألجأه إلى نَسَبِه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ الآية.
وهم يَتَوالَدون كما يَتَوالَدُ بنو آدمَ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ اليَحْمَدىُّ (٣) إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا سَوَّارُ بنُ الجَعْدِ اليَحْمَدِيُّ، عن شَهْرِ ابنِ حَوشَبٍ قولَه: ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾.
قال: كان إبليسُ مِن الجنِّ الذين طرَدَتهم الملائكةُ، فأسَرَه بعضُ الملائكةِ فذهَب به إلى السماءِ (٤).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: إبليسُ أبو الجنِّ، كما آدمُ أبو الإنسِ (٥).
حدَّثنا علىُّ بنُ الحسنِ (٦)، قال: حدَّثنى أبو نصرٍ أحمدُ بنُ محمدٍ الخَلَّالُ، قال: حدَّثنى سُنَيدُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن موسى بنِ نُمَيرٍ وعثمانَ بنِ سعيدِ بنِ كاملٍ، عن سعدِ بن مسعودٍ، قال: كانت الملائكةُ تُقاتِلُ الجنَّ، فسُبِى إبليسُ وكان صغيرًا، فكان مع الملائكةِ فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجودِ لآدمَ سجَدوا، فأبى إبليسُ، فلذلك قال اللهُ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنا المباركُ بنُ مُجاهدٍ أبو الأزهرِ، عن شريكِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي نمِرٍ، عن صالحٍ مولى التَّوْأَمةِ، عن ابن عباسٍ، قال: إن مِن الملائكةِ قبِيلًا يقالُ لهم: الجنُّ.
فكان إبليسُ منهم، وكان إبليسُ يسُوسُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، فعصَى فمسَخه اللهُ شيطانًا رَجيمًا (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ القَزَّازُ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن شَريكٍ، [عن رجلٍ] (٣)، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن اللهَ خلَق خلقًا فقال: اسْجُدوا لآدمَ.
فقالوا: لا نَفْعَلُ.
فبعَث اللهُ عليهم نارًا تَحْرِقُهم، ثم خلَق خلقًا آخَرَ، فقال: إنى خالقٌ بشرًا مِن طينٍ، فاسْجُدوا لآدمَ.
قال: فأبَوْا، فبعَث اللهُ عليهم نارًا فأحْرَقَتهم.
قال: ثم خلَق هؤلاءِ، فقال: اسْجُدوا لآدمَ.
فقالوا: نعَم.
قال: وكان إبليسُ مِن أولئك الذين أبَوا أن يَسجدوا لآدمَ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وعلةُ مَن قال هذه المَقالةَ -[أن إبليسَ ليس هو مِن الملائكةِ] (١) - أن اللهَ تعالى ذكرُهُ أخبَر في كتابِه أنه خلَق إبليسَ من نارِ السَّمومِ، ومِن مارجٍ مِن نارٍ، ولم يخبِرْ عن الملائكةِ أنه خلَقها مِن شيءٍ من ذلك، وأن اللهَ أخْبَر (٢) أنه مِن الجن.
قالوا: فغيرُ جائزٍ أن يُنْسَبَ إلى غيرِ ما نسَبه اللهُ إليه.
قالوا: ولإبليسَ نَسْلٌ وذُرِّيةٌ، والملائكةُ لا تتَناسَلُ ولا تَتَوالَدُ.
قال أبو جعفرٍ: وهذه عِللٌ تُنْبئُ عن ضعفِ معرفةِ أهلِها، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنْكَرٌ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه خلَق أصنافَ ملائكتِه مِن أصنافٍ مِن خلقِه شَتَّى.
فخلَق بعضًا مِن نُورٍ، وبعضًا مِن نارٍ، وبعضًا مما شاء مِن غيرِ ذلك.
وليس في تَرْكِ اللهِ تعالى ذكرُه الخبرَ عما خلَق منه ملائكتَه، وإخبارِه عما خلَق منه إبليسَ، ما يوجِبُ أن يكونَ إبليسُ خارجًا مِن (٣) معناهم، إذ كان جائزًا أن يكونَ خلق صِنفًا مِن ملائكتِه مِن نارٍ كان منهم إبليسُ، وأن يكونَ أفْرَد إبليسَ بأن خلَقه مِن نارِ السَّمومِ دون سائرِ ملائكتِه.
وكذلك غيرُ مخرجِه أن يكونَ كان مِن الملائكةِ بأن كان له نسلٌ وذريةٌ، لِما ركَّب فيه من الشهوةِ واللذةِ التى نُزِعتْ من سائرِ الملائكةِ، لِما أراد اللهُ به (٤) مِن المَعْصيةِ.
وأما خبرُ اللهِ تعالى ذكرُه عنه أنه مِن الجنِّ، فغيرُ مدفوعٍ أن يُسَمَّى (٥) ما اجْتنَّ مِن الأشياءِ كلِّها عن الأبْصارِ جنًّا -كما قد ذكَرْنا قبلُ في شعرِ الأعْشَى- فيكونُ إبليسُ والملائكةُ منهم لاجْتِنانِهم عن أبصارِ بنى آدمَ.
القولُ في معنى: ﴿إِبْلِيسَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وإبليسُ: إفْعِيلُ، مِن الإبْلاسِ، وهو الإياسُ مِن الخيرِ والندَمُ والحزنُ.
كما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إبليسُ أبْلَسَه اللهُ مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رجيمًا عُقوبةً لمعصيتِه (١).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان اسمُ إبليسَ الحارثَ، وإنما سُمِّى إبليسُ حينَ أبْلِس فقيرًا (٢).
قال أبو جعفرٍ: وكما قال اللهُ ﵎: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
يعنى به أنهم آيِسون مِن الخيرِ، نادِمون حُزْنًا، كما قال العجَّاجُ (٣): يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا (٤) قال نَعَمْ أَعْرِفُه وأبْلَسَا وقال رُؤْبةُ (١): وحضَرَتْ (٢) يومَ الخميسِ الأخْماسْ وفى الوُجوهِ صُفْرةٌ وإبْلاسْ يعنى به: اكْتئابًا وكُسوفًا.
فإن قال قائلٌ: فإن كان إبليسُ كما قلتَ إفعيلَ مِن الإبْلاسِ، فهلَّا صُرِف وأُجْرِى؟
قيل: تُرِك إجراؤُه اسْتِثْقالًا، إذ كان اسمًا لا نظيرَ له مِن أسماءِ العربِ، فشبَّهَته العرب -إذ كان كذلك- بأسماءِ العَجَمِ التى لا تُجْرَى، وقد قالوا: مرَرْتُ بإسحاقَ.
فلم يُجْروه، وهو مِن: أسْحَقه اللهُ إسْحاقًا.
إذ كان وقَع مبتدأً اسمًا لغيرِ العربِ، ثم تسَمَّت به العربُ، فجرَى مَجْراه -وهو مِن أسماءِ العجمِ- في الإعرابِ، فلم يُصْرَفْ، وكذلك أيوبُ، إنما هو فَيْعُولٌ (٣)، مِن: آبَ يَئوبُ، [نظيرَ قَيُّومٍ من: قام يقومُ] (٤).
وتأويلُ قولِه: ﴿أَبَى﴾.
يعنى بذلك إبليسَ، أنه امْتَنع مِن السجودِ لآدمَ فلم يَسْجُدْ له، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾.
يعنى بذلك أنه تكبَّر وتعَظَّم عن طاعةِ اللهِ في السجودِ لآدمَ.
وهذا وإن كان مِن اللهِ تعالى ذكرُه خبرًا عن إبليسَ، فإنه تَقْرِيعٌ لضُرَبائِه مِن خلقِ اللهِ الذين يَتَكَبَّرون عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والانْقِيادِ لطاعتِه فيما أمَرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليمِ له فيما أوْجَب لبعضِهم على بعضٍ مِن الحقِّ.
وكان ممَّن تكَبَّر عن الخضوعِ لأمرِ اللهِ، والتَّذَلُّلِ لطاعتِه، والتسليمِ لقضائِه فيما ألْزَمَهم مِن حقوقِ غيرِهم - اليهودُ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وأحبارُهم الذين كذَّبوا (١) برسولِ اللهِ ﷺ، [وهم بصفتِه عارفون] (٢)، وبأنه للهِ رسولٌ عالمون.
ثم اسْتَكْبَروا -مع علمِهم بذلك- عن الإقرارِ بنبوتِه، والإذْعانِ لطاعتِه، بَغْيًا منهم له وحسدًا.
فقرَّعهم اللهُ بخبرِه عن إبليسَ الذى فعَل في استكبارِه عن السجودِ لآدمَ، حسدًا له وبَغْيًا، نظيرَ فعلِهم في التكبُّرِ عن الإذعانِ لمحمدٍ نبيَّ اللهِ ﷺ ونبوتِه، إذ جاءهم بالحقِّ مِن عندِ ربِّهم، حسدًا وبَغْيًا.
ثم وصَف إبليسَ بمثلِ الذى وصَف به الذين ضرَبه لهم مثلًا، في الاستكبارِ والحسدِ والاسْتِنْكافِ عن الخضوعِ لمَن أمَره اللهُ بالخضوعِ له، فقال: ﴿وَكَانَ﴾ -يعنى إبليسَ- ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
مِن الجاحِدِين نعمَ اللهِ عليه، وأياديَه عندَه، بخلافِه عليه فيما أمَره به من السجودِ لآدمَ، كما كفَرَت اليهودُ نعمَ ربِّها التى آتاها وآباءَها قبلُ، مِن إطعامِ اللهِ أسْلافَهم المنَّ والسَّلْوَى، وإظلالِ الغَمامِ عليهم، وما لا يُحْصَى مِن نعمِه التى كانت لهم خُصوصًا، وما خصَّ الذين أدْرَكوا محمدًا ﷺ بإدْراكِهم إياه، ومشاهدتِهم [حُجَّةَ اللهِ عليهم] (٣)، فجَحَدت نبوتَه بعد علمِهم به، ومعرفتِهم بنبوتِه، حسدًا وبَغْيًا، فنسَبه اللهُ تعالى ذكرُه إلى الكافرين، فجعَله مِن عِدادِهم في الدِّينِ والمِلَّةِ، وإن خالَفهم في الجنسِ والنسبةِ، كما جعَل أهلَ النِّفاقِ بعضَهم مِن بعضٍ، لاجْتماعِهم على النفاقِ، وإن اخْتَلَفَت أنسابُهم وأجْناسُهم، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧].
يعنى بذلك أن بعضَهم مِن بعضٍ في النفاقِ والضَّلالِ، فكذلك قولُه في إبليسَ: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
كان منهم في الكُفرِ باللهِ، والمخالفةِ لأمْرِه، وإن كان مخالِفًا جنسُه أجْناسَهم، ونِسْبتُه نِسْبتَهم.
ومعنى قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
أى أنه كان حينَ أبَى السجودَ مِن الكافرين حينَئذٍ.
وقد رُوِى عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أبى العاليةِ أنه كان يَقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
في هذا الموضعِ: وكان مِن العاصِين.
حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العسقَلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
يعنى: من (١) العاصِين (٢).
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه.
وذلك شَبيهٌ بمعنى (٣) قولِنا فيه.
وكان سجودُ الملائكةِ لآدمَ تَكْرِمةً لآدمَ، وطاعةً للهِ، لا عبادةً لآدمَ، كما حدثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾.
فكانت الطاعةُ للهِ، والسَّجْدةُ لآدمَ، أكْرَم اللهُ آدمَ أن أسْجَدَ له ملائكتَه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ قولِ مَن قال: إن إبليسَ أُخْرِج مِن الجنةِ بعدَ الاسْتكبارِ عن السجودِ ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
فقد تبَينَّ أن إبليسَ إنما أزَلَّهما عن طاعةِ اللهِ بعدَ أن لُعِن وأظْهَر التكَبُّرَ؛ لأن سجودَ الملائكةِ لآدمَ كان بعدَ أن نُفخ فيه الروحُ، وحينئذٍ كان امْتِناعُ إبليسَ مِن السجودِ له، وعند الامتناعِ مِن ذلك حلَّت عليه اللعنةُ.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارون، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ، أن عدوَّ اللهِ إبليسَ أقْسَم بعِزَّةِ اللهِ لَيُغْوِيَنَّ آدمَ وذريَّتَه وزوجَتَه، إلا [عبادَ اللهِ] (٢) المُخْلَصِين منهم، بعد أن لعَنه اللهُ، وبعدَ أن أُخْرِج مِن الجنةِ، وقبلَ أن يَهْبِطَ إلى الأرضِ، وعلَّم اللهُ آدمَ الأسماءَ كلَّها.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوقَع اللهُ عليه اللعنةَ، ثم أخْرَجه مِن الجنةِ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الحالِ التى خُلقت لآدمَ زوجتُه، والوقتِ الذى جُعِلَت له سكنًا؛ فقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: فأُخْرِج إبْليسُ مِن الجنةِ حينَ لُعِن، وأُسْكِن آدمُ الجنةَ، فكان يَمْشِى فيها وَحْشًا (٢)، ليس له زَوْجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نَوْمةً، فاسْتيقظ وإذا عند رأسِه امرأةٌ قاعدةٌ، خلَقها اللهُ من ضِلَعِه، فسَألَها: من أنْتِ؟
قالت: امْرَأةٌ.
قال: ولمَ خُلِقْتِ؟
قالت: تسكنُ إلَىَّ.
قالت له الملائكةُ -ينظُرون ما بلغَ علمُه-: ما اسْمُها يا آدمُ؟
قال: حواءُ.
قالوا: ولِمَ سميت حواءَ؟
قال: لأنها خُلِقَتْ مِن شيءٍ حيٍّ.
فقال اللهُ له: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ (٣).
فهذا الخبرُ يُنْبِئُ عن أن حَواءَ خُلِقَت بعدَ أن أُسكِن آدمُ الجنةَ، فجُعِلَت له سَكَنًا.
وقال آخَرون: بل خُلِقَت قبلَ أن يُسْكَنَ آدمُ الجنةَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما فرَغ اللهُ مِن مُعاتَبةِ إبليسَ، أقْبَل على آدمَ وقد علَّمَه الأسْماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
ثم ألْقَى السِّنَةَ على آدمَ -فيما بلَغَنا عن أهلِ الكتابِ مِن أهلِ التَّوْراةِ، وغيرِهم مِن أهلِ العلمِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ وغيرِه- ثم أخَذ ضِلَعًا مِن أضْلاعِه مِن شِقِّه الأيسرِ، ولأَم مكانَه لحمًا، وآدمُ نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نَوْمِه حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجتَه حَوَّاءَ، فسوَّاها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَف عنه السِّنَةَ وهبَّ مِن نومتِه رآها إلى جنبِه، فقال -فيما يزْعُمون واللهُ أعلمُ-: لحْمى ودمى وزوجتى.
فسكَن إليها، فلمّا زوَّجه اللهُ، وجعَل له سكنًا من نفسِه، قال له قِبَلًا (١): ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: ويقالُ لامرأةِ الرجل: زوْجُه وزَوْجتُه.
والزوجةُ بالهاءِ أكثرُ في كلامِ العربِ منها بغيرِ الهاءِ، والزوجُ بغيرِ الهاءِ يقالُ: إنها لغةٌ لأزْدِ شَنُوءةَ.
فأمّا الزوجُ الذى لا اختلافَ فيه بينَ العربِ فهو زوجُ المرأةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: أمّا الرَّغَدُ، فإنه الواسِعُ مِن العيشِ الهَنِئِ الذى لا يُعَنِّى صاحبَه، يقالُ: أرْغَد فلانٌ.
إذا أصاب واسعًا مِن العيشِ الهَنِئِ، كما قال امرُؤُ القيسِ بنُ حُجْرٍ (١): بينَما المرءُ تَراهُ ناعِمًا … يأمنُ الأحْداثَ في عيشٍ رغدْ وكما حدَّثنا به موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾: والرَّغَدُ الهنِئُ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسَى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهِدٍ قولَه: ﴿رَغَدًا﴾.
قال: لا حِسابَ عليهم (٣).
حدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾.
أى: لا حسابَ عليهم.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ بنِ الحارثِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾.
قال: الرَّغَدُ سَعَةُ المَعيشةِ (١).
فمعنى الآيةِ: وقلْنا يا آدمُ اسْكُن أنت وزوجُك الجنةَ، وكُلَا مِن الجنةِ رِزقًا واسعًا هَنيئًا مِن العيش حيثُ شئتُما.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾: ثم أتى (٢) البلاءُ الذى كُتِب على الخلقِ على آدمَ، كما ابتُلِى الخلقُ قبلَه، إن اللهَ تعالى ذكرُه أحَلَّ له ما في الجنةِ أن يَأْكلَ منها رَغَدًا حيثُ شاءَ، غيرَ شجرةٍ واحدةٍ نُهِى عنها، وقَدَّم إليه فيها، فما زال به البلاءُ حتى وقَع بالذى نُهِى عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والشجَرُ في كلامِ العربِ كلُّ ما قام على ساقٍ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
يعنى بالنَّجْمِ ما نجَم مِن الأرضِ مِن نَبْتٍ، وبالشجَرِ ما اسْتَقَلَّ على ساقٍ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في عينِ الشجَرةِ التى نُهِىَ عن أكلِ ثمرِها آدمُ ﵇؛ فقال بعضُهم: هى السُّنْبُلةُ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ الحِمَانيُّ، عن النضرِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الشجَرةُ التى نُهِىَ آدمُ عنها (١) السُّنْبُلةُ (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عِمْرانُ بنُ عُيَيْنَةَ (٣)، جميعًا عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال: هى السُّنْبلةُ (٤).
حدّثنا محمد بن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْدىٍّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن حُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْب وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا ابنُ إدْريسَ، قال: سمِعْتُ أبى، عن عطيةَ العوفىِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال: السُّنْبُلةُ".
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الشجَرةُ التى نُهِى عنها آدمُ هى السُّنْبلةُ (٥).
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنى رجلٌ مِن بنى تَميمٍ، أن ابنَ عباسٍ كتَب إلى أبى الجَلْدِ يَسْألُه عن الشجرةِ التى أكَل منها آدمُ، والشجرةِ التى تاب عندَها؟
فكتَب إليه أبو الجَلْدِ: سأَلْتَنى عن الشجرةِ التى نُهِىَ عنها آدمُ، وهى السُّنْبُلةُ، وسأَلْتَنى عن الشجرةِ التى تاب عندَها آدمُ، وهى الزَّيْتُونةُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى إبنُ إسحاقَ، عن رجلٍ مِن أهْلِ العلمِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: الشجرةُ التى نُهِىَ عنها آدمُ البُرُّ (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ وابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ عُمارةَ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت الشجرةُ التى نَهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه السُّنبلةَ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ اليمنِ، عن (٣) وَهْبِ بنِ مُنَبِّهٍ اليَمانىِّ أنه كان يقولُ: هى البُرُّ، ولكنَّ الحَبَّةَ منها في الجنةِ ككُلَى البقرِ، ألينُ مِن الزُّبْدِ وأحْلَى مِن العسلِ، وأهلُ التَّوْراةِ يَقُولون: هى البُرُّ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن يعقوبَ ابنِ عُتْبةَ، أنه حدَّث أنها الشجرةُ التى تَحَنَّكُ (١) بها الملائكةُ للخَلْدَةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، عن جابرِ بنِ يزيدَ بنِ رِفاعةَ، عن مُحارِبِ بنِ دِثارٍ، قال: هى السنْبُلةُ (٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: هى السنبلةُ التى جعَلها اللهُ رِزقًا لولدِه في الدنيا (٣).
وقال آخَرون: هى الكَرْمةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا [عبيدُ اللهِ] (٤)، عن إسرائيلَ، عن السدىِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى الكَرْمةُ (٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكره عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: هى الكَرْمُ، وَتَزْعُمُ اليهودُ أنها الحنْطةُ (١).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: الشجرةُ هى الكرْمُ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: هو العِنَبُ.
فى قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن خَلَّادٍ الصَّفَّارِ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال: الكَرْمُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ وابنُ وَكيعٍ، قالا: حدَّثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ، قال: الشجرةُ التى نُهِى عنها آدمُ شجرةُ الخمرِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ حسينٍ (٣)، عن يَعْلَى بنِ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال: الكَرْمُ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن السُّدِّىِّ، قال: العِنَبُ.
حدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: عِنَبٌ (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطىُّ، عن بَيانٍ، عن الشعبىِّ، عن جَعْدةَ بنِ هُبَيْرةَ: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
قال: الكَرْمُ.
وقال آخَرون: هى التِّينةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن بعضِ أصحابِ محمدٍ ﷺ، قال: تينةٌ (١).
قال أبو جعفرٍ: والقولُ في ذلك عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عبادَه أن آدمَ وزوجَه قد أكَلا مِن الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأتَيا الخَطيئةَ التى نهاهما عن إتيانِها بأكلِهما ما أكَلا منها، بعدَ أن بيَّن اللهُ لهما عَينَ الشجرةِ التى نهاهما عن الأكلِ منها، وأشار لهما إليها بقولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
ولم يَضَعِ اللهُ لعبادِه المخاطَبِين بالقرآنِ دَلالةً على أىِّ أشجارِ الجنةِ كان نَهْيُه آدمَ ﵇ أن يَقْرَبَها، بنصٍّ عليها باسمِها، ولا بدَلالةٍ عليها، ولو كان للهِ جلّ ثناؤُه في العلمِ بأىِّ ذلك مِن أىٍّ رضًا، لم يُخْلِ عبادَه مِن نَصْبِ دَلالةٍ لهم عليها يَصِلون بها إلى معرفةِ عينِها، ليُطعوه بعلمِهم بها، كما فعَل ذلك في كلِّ ما في العلمِ به له رضًا.
فالصوابُ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه نهَى آدمَ ﵇ وزوجتَه عن أكلِ شجرةٍ بعينِها مِن أشجارِ الجنةِ دون سائرِ أشجارِها، فخالَفا إلى ما نهاهما اللهُ عنه، فأكلا منها كما وصَفَهُما اللهُ به، ولا علمَ عندَنا [بأىِّ ذلك من أىٍّ] (٢).
وقد قِيلَ: كانت شجرةَ البُرِّ.
وقيل: كانت شجرةَ العِنَبِ.
وقيل: كانت شجرةَ التِّينِ.
وجائزٌ أن تكونَ واحدةً منها، وذلك [عِلْمٌ إذا عُلِم] (١) لم يَنْفَعِ العالمَ به علمُه، وإنْ جَهِله جاهلٌ لم يضُرَّه جهلُه به.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فقال بعضُ نحْوىِّى الكوفيين: تأويلُ ذلك: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين.
فصار الثانى في موضعِ جوابِ الجزاءِ، وجوابُ الجزاءِ يَعْمَلُ فيه أؤَلُه، كقولِك: إن تَقُمْ أَقُمْ.
فتَجْزِمُ الثانىَ بجزمِ الأوَّلِ، فكذلك قولُه: ﴿فَتَكُونَا﴾ لماّ وقَعَتِ الفَاءُ في موضعِ شرطِ الأوَّلِ نُصِب بها، وصُيِّرَت بمنزلةِ "كى" في نصبِها الأفعالَ المستقبلةَ، للزومِها الاستقبالَ، إذ كان أصلُ الجزاءِ الاستقبالَ.
وقال بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ: تأويلُ ذلك: لا يكُنْ منكما قُرْبُ هذه الشجرةِ، فأن تكونا مِن الظالمين.
غيرَ أنه زعَم أنّ "أن" غيرُ جائزٍ إظهارُها مع ﴿لَا﴾، ولكنَّها مُضْمَرةٌ لابد منها ليَصحَّ الكلامُ بعطفِ اسمٍ -وهى "أن"- على اسمٍ، كما غيرُ جائزٍ في قولِهم: عسى أن يَفْعَلَ: عسى الفعلُ.
ولا في قولِك: ما كان لِيَفْعَلَ: ما كان لأن يَفْعَلَ.
وهذا القولُ الثانى يُفْسِدُه إجماعُ جميعِهم على تخطئةِ قولِ القائلِ: سرَّنى تقومُ يا هذا.
وهو يُرِيدُ: سرَّنى قيامُك.
فكذلك يجِبُ أن يكونَ خطأً على هذا المذهب قولُ القائلِ: لا تقمْ.
إذا كان المعنى: لا يكن منك قيامٌ.
وفى إجْماعِ جميعِهم على صحةِ قولِ القائلِ: لا تَقُمْ.
وفسادِ قولِ القائلِ: سرَّنى تَقُومُ.
بمعنى: سرَّنى قيامُك - الدليلُ الواضحُ على فسادِ دعوى المُدَّعِى أن مع ﴿لَا﴾ التى في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾.
ضميرَ "أن"، وصحةِ القولِ الآخرِ.
وفى قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
وجهان مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يَكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ فى نيةِ العطفِ على قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: ولا تَقْرَبا هذه الشجرةَ، ولا تكونا من الظالمين.
فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في معنى الجزمِ مجزومًا بما جُزِم به: ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾.
كما يقولُ القائلُ: لا تُكَلِّمْ عَمْرًا وتُؤْذِه.
كما قال امرُؤُ القيسِ (١).
فقلتُ له صوِّبْ ولا تَجْهَدَنَّهُ … فَيُذْرِكَ مِن أُخرَى القَطاةِ (٢) فَتَزْلَقِ فجزَم "يُذْرك" بما جزَم به "لا تَجْهَدَنَّه"، كأنه كرَّر النهىَ.
والثانى: أن يكونَ ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
بمعنى جوابِ النهىِ، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: تَقْرَبا هذه الشجرةَ، فإنكما إن قَرِبْتُماها كنتما مِن الظالمين.
كما تقولُ: لا تَشْتُمْ زيدًا (٣) فيَشْتُمَك مُجازاةً.
فيكونَ ﴿فَتَكُونَا﴾ حينَئذٍ في موضعِ نَصبٍ إذ كان حرفًا عُطِفَ على غيرِ شكلِه، لمَّا كان فى ﴿وَلَا تَقْرَبَا﴾ حرفٌ عاملٌ فيه لا (٤) يَصْلُحُ إعادتُه في ﴿فَتَكُونَا﴾، فنُصِب على ما قد بيَّنْتُ فى أولِ هذه المسألةِ.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
فإنه يعنى به: فتكونا من المُتَعدِّين إلى غيرِ ما أُذِن لهم فيه وأُبيح لهم.
وإنما عَنَى بذلك أنكما إن قرِبْتُما هذه الشجرةَ كنتما على مِنْهاجِ مَن تَعدَّى حُدودي، وعَصَى أمري، واسْتَحلَّ مَحارِمي، لأنَّ الظالمين بعضُهم أولياءُ بعضٍ، واللهُ وليُّ المُتَّقِين.
وأصلُ الظلمِ في كلامِ العربِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبْيانَ (١): إلَّا أَوارِىَّ (٢) لَأيًا ما أُبَيِّنُها … والنُّؤْىُ كالحوضِ بالمَظْلومةِ الجَلَدِ فجعَل الأرضَ مظلومةً؛ لأنَّ الذي حفَر فيها النُّؤْىَ حفَر في غيرِ موضعِ الحفرِ، فجعَلها مظلومةً [لوضعِ الحُفْرةِ] (٣) منها في غيرِ موضعِها.
ومِن ذلك قولُ ابنِ قَمِيئةَ في صفةِ غَيْثٍ (٤): ظلَم البِطاحَ (٥) به (٦) انْهلالُ (٧) حَريصةٍ (٨) … فَصَفَا النِّطافُ (٩) له بُعَيْدَ المُقْلَعِ (١٠) وظلمُه إياه مَجِيئُه في غيرِ أوانِه، وانصبابُه في غيرِ مَصَبِّه.
ومنه ظلمُ الرجلِ جَزورَه، وهو نحرُه إياه لغيرِ علَّةٍ، وذلك عندَ العربِ وَضْعُ النحرِ في غيرِ موضعِه.
وقد يتفَرَّعُ الظُّلْمُ في معانٍ يَطولُ بإحْصائِها الكِتابُ، سنُبيِّنُها في أماكنِهِا إذا أتيْنا عليها، إنِ اللهُ شاء ذلك، وأصلُ ذلك كُلِّه ما وصَفْنا من وضعِ الشيءِ في غيرِ موضِعِه.
القولُ في تأويلِ قولِهِ ﷿: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَفتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتْه عامَّتُهم: (﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾.
بتشديدِ اللامِ (١)، بمعنى: اسْتَزَلَّهما، مِن قولِك: زَلَّ الرجلُ في دينِه.
إذا هفَا فيه وأخْطَأ، فأَتَى ما ليس له إتيانُه فيه، وأزلَّه غيرُه، إذا سبَّب له ما يَزِلُّ مِن أجلِه في دِينِه أو دنياه، ولذلك أضاف اللهُ تعالى ذكرُه إلى إبليسَ خروجَ آدمَ وزوجتِه مِن الجنةِ فقال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾.
يعنى: إبليسُ أخرَجهما (٢) ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾؛ لأنه كان الذى سبَّب لهما الخطيئةَ التى عاقَبَهما اللهُ عليها بإخْراجِهما مِن الجنةِ.
وقرَأه آخَرون: (فأزَالهما) (٣).
بمعنى إزالةِ الشيءِ عن الشيءِ، وذلك تَنْحِيتُه عنه.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ قولِه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ [ما حَدَّثَنَاهُ] (٤) القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾.
قال: أغواهما (٥).
وأولى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر في الحرفِ الذى يتْلُوه بأنَّ إبليسَ أخرَجَهُما مما كانا فيه، وذلك هو مَعْنى قولِه: (فأزالهما) (١).
فلا وجهَ -إذ كان معنى الإزالةِ معنى التَّنْحِيةِ والإخْراجِ- أن يُقالَ: (فأزالهما الشيطانُ عنها فأخْرَجَهما مما كانا فيه) فيكونُ كقولِه: فأزالهما الشيطانُ عنها فأزالهما مما كانا فيه.
ولكنِ المعنى المفهومُ أن يُقالَ: فاسْتَزَلَّهما إبليسُ عن طاعةِ اللهِ -كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾.
وقرَأَت به القَرأَةُ- فأخْرَجَهما باسْتِزْلالِه إياهما عن (٢) الجنةِ.
فإن قالَ قائلٌ: وكيف كان اسْتِزْلالُ إبليسَ آدمَ وزوجتَه ﵉، حتى أُضِيفَ إليه إخراجُهما مِن الجنةِ؟
قيل: قد قالت العلماءُ في ذلك أقوالًا سنَذكُرُ بعضَها.
فحُكِى عن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ فى ذلك ما حَدَّثَنَا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا عمرُ (٣) بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ مُهْرِبٍ، قال: سمِعْتُ وهْبَ ابنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: لمَّا أسْكَن اللهُ آدمَ وذريتَه، أو زوجتَه -الشكُّ مِن أبى جعفرٍ، وهو في أصلِ كتابِه: وذريتَه- ونهاه عن الشجرةِ، وكانت شجرةً غُصونُها مُتَشَعِّبٌ بعضُها في بعضٍ، وكان لها ثمرٌ تَأْكُلُه الملائكةُ لخُلدِهم، وهى الثمرةُ التى نهَى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فلمَّا أراد إبليسُ أن يَستَزِلَّهما، دخَل في جوفِ الحيَّةِ، وكانت للحيَّةِ أربعُ قَوائِمَ كأنها بُخْتيَّةٌ (٤) مِن أحسنِ دابةٍ خلَقها اللهُ جلَّ ثناؤُه، فلمّا دخَلَت الحيةُ الجنةَ، خرَج مِن جوفِها إبليسُ، فأخَذ مِن الشجرةِ التى نهى اللهُ عنها آدمَ وزوجتَه، فجاء بها (١) إلى حَوَّاءَ، فقال: انظُرى إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها!
فأخَذَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم ذهَبَت بها إلى آدمَ، فقالت: انظُرْ إلى هذه الشجرةِ، ما أطيبَ ريحَها، وأطيبَ طعمَها، وأحسنَ لونَها!
فأكَل منها آدمُ، فبدَت لهما سَوآتُهما، فدخَل آدمُ في جوفِ الشجرةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أين أنت؟
قال: أنا هذا (٢) يا ربِّ.
قال: ألا تَخرُجُ؟
قال: أَسْتَحْيِى منك يا ربِّ.
قال: ملعونةٌ الأرضُ التى خُلِقْتَ منها لعنةً [تَتَحوَّلُ ثمارُها] (٣) شوكًا.
قال: ولم يَكُنْ في الجنةِ ولا في الأرضِ (٤) شجرةٌ كان أفضلَ مِن الطَّلْحِ والسِّدْرِ.
ثم قال: يا حَوَّاءُ، أنت التى غرَرْتِ عبدي، فإنك لا تَحْمِلين حَمْلًا إلَّا حَملْتِه كَرْهًا، فإذا أرَدْتِ أن تَضَعِى ما في بطنِكِ أشْرَفْتِ على الموتِ مِرارًا.
وقال للحيَّةِ: أنت التى دخَل الملعونُ في جوفِكِ، حتى غرَّ عبدِي، ملعونةٌ أنتِ لعنةً تتَحَوَّلُ قَوائِمُك في بطنِكِ، [ولا يكونُ] (٥) لك رزقٌ إلَّا الترابُ، أنت عدوَّةُ بنى آدمَ، وهم أعداؤُكِ، حيثُ لقيتِ أحدًا منهم أخَذْتِ بعَقِبِه، وحيثُ لقِيَكِ شدَخ رأسَكِ.
قال عمرُ (٦): قيل لوهبٍ: وما كانت الملائكةُ تَأْكُلُ؟
قال: يَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (٧).
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ نحوُ هذه القصةِ.
حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السّدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابن عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لما قال اللهُ لآدمَ: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
أراد إبليسُ أن يَدْخُلَ عليهما الجنةَ، فمنَعَه الخَزَنةُ، فأَتَى الحيةَ -وهى دابةٌ لها أربعُ قَوائِمَ، كأنَّها البعيرُ، وهى كأحسنِ الدوابِّ- فكلَّمها أن تُدْخِلَه في فُقْمِها (١) حتى تَدْخُلَ به إلى آدمَ، فأدْخَلَته في فُقْمِها (٢) - [قال أبو جعفرٍ: والفُقْمُ جانبُ الشِّدْقِ] (٣) - فمرَّت الحيةُ على الخَزَنةِ فدخَلَت ولا يَعْلَمون، لِمَا أَراد اللهُ مِن الأمرِ.
فكلَّمه مِن فُقْمِها (٤)، فلم يُبالِ كلامَه (٥)، فخرَج إليه، فقال: ﴿يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
يقولُ: هل أَدُلُّك على شجرةٍ إن أكَلْت منها كنتَ مَلِكًا مثلَ اللهِ ﷿، أو تكونا مِن الخالدِين فلا تَموتان أبدًا.
وحلَف لهما باللهِ: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١].
وإنما أراد بذلك لِيُبْدِيَ لهما ما تَوارَى عنهما مِن سَوْءاتِهما بهَتْكِ لباسِهما، وكان قد علِم أن لهما سَوْأَةً، لِمَا كانَ يَقْرَأُ مِن كتبِ الملائكةِ، ولم يَكُنْ آدمُ يَعْلَمُ ذلك، وكان لِباسُهما الظُّفْرَ، فأبَى آدمُ أن يَأْكُلَ منها، فتقَدَّمَت حَوَّاءُ فأكَلَت، ثم قالت: يا آدمُ كُلْ، فإني قد أكَلْت فلم يَضُرَّنِي.
فلمَّا أكَل آدمُ بَدَت لهما سوءاتُهما، وطفِقا يَخصِفَان عليهما مِن ورقِ الجنةِ (٦).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حَدَّثَنِي مُحدِّثٌ أن الشيطانَ دخَل الجنةَ في صورةِ دابةٍ ذاتِ قوائمَ، فكان يُرى أنه (١) البعيرُ، قال: فلُعِن، فسقَطت قوائمُه فصار حيَّةً (٢).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: وحَدَّثَنَي أبو العاليةِ أن مِن الإبلِ ما كان أوَّلُها مِن الجنِّ.
قال: فأُبِيحَت له الجنةُ كلُّها إلَّا الشجرةَ، وقيل لهما (٣): ﴿لَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال: فأتَى الشيطانُ حَوَّاءَ، فبدَأ بها، فقال: أنُهِيتُما عن شيءٍ؟
قالت: نعم، عن هذه الشجرةِ.
فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠].
قال: فبدَأَت حواءُ فأكَلَت منها، ثم أمَرَت آدمَ فأكَل منها.
قال: وكانت شجرةً مَن أكَل منها أحْدَث.
قال: ولا يَنْبَغِى أن يَكونَ في الجنةِ حَدَثٌ.
قال: ﴿فَأَزَلَّهُمَا (٤) الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
قال: فأخْرج آدمُ مِن الجنةِ (٥).
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن آدمَ حينَ دخَل الجنةَ ورأَى ما فيها مِن الكَرامةِ وما أعْطاه اللهُ منها، قال: لو أن خُلْدًا كان.
[فاغْتَمَز فيها] (١) منه الشيطانُ لمَّا سِمعَها منه، فأتاه مِن قِبَلِ الخُلْدِ (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حُدِّثْتُ أن أولَ ما ابْتَدَأهما به مِن كيدِه إياهما أنه ناح عليهما نِياحَةً (٣) حَزَّنتهما (٤) حينَ سمِعاها، فقالا له: ما يُبكِيك؟
قال: أَبْكِى عليكما؛ تَمُوتان فتُفارِقان ما أنتما فيه مِن النعمةِ والكَرامةِ.
فوقَع ذلك في أنفسِهما، ثم أتاهما فوَسْوَس إليهما، فقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
وقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١].
أى: تكونان ملَكَين، أو تَخلُدان -إن لَمْ تكونا ملَكَين- في نعمةِ الجنةِ، فلا تَمُوتان.
يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (٥) [الأعراف: ٢٢].
وحَدَّثَنَي يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: وسْوَس الشيطانُ إلى حَوَّاءَ في الشجرةِ حتى أتَى بها إليها، ثم حسَّنها في عينِ آدمَ.
قال: فدعاها آدمُ لحاجتِه.
قالت: لا، إلَّا أن تَأْتىَ ههنا.
فلما أتَى قالت: لا، إلَّا أن تَأْكُلَ مِن هذه الشجرةِ.
قال: فأكَلا منها فبدَت لهما سَوءاتُهما.
قال: وذهَب آدمُ هاربًا في الجنةِ، فناداه ربُّه: يا آدمُ، أمنِّى تَفِرُّ؟
قال: لا يا ربِّ، ولكن حَياءً منك.
قال: يا آدمُ، أَنَّى أُتِيتَ؟
قال: مِن قِبَلِ حواءَ أى ربِّ.
فقال اللهُ: فإن لها عليَّ أن أُدْمِيَها في كلِّ شهرٍ مرةً كما دَمَّتْ (١) هذه الشجرةَ، وأن أَجْعَلَها سَفِيهةً، فقد كنتُ خلَقْتُها حَلِيمةً، وأن أَجْعَلَها تَحْمِلُ كَرْهًا وَتَضَعُ كَرْهًا، فقد كنتُ جعَلْتُها تَحْمِلُ يُسْرًا (١) وتَضَعُ يُسْرًا (٢).
قال ابنُ زيدٍ: ولولا البَليَّةُ التى أصابَتْ حَوَّاءُ لَكان نساءُ الدنيا لا يَحِضْنَ، ولَكُنَّ حَليماتٍ، وكُنَّ يَحْمِلْنَ يُسْرًا (٢) ويَضَعْنَ يُسْرًا (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قُسَيْطٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: سمِعْتُه يَحْلِفُ باللهِ ما يَسْتَثْنى: ما أكَل آدمُ مِن الشجرةِ وهو يَعْقِلُ، ولكنّ حَوَّاءَ سقَتْه الخمرَ، حتى إذا سكِر قادَتْه إليها فأكَل (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ، عن طاوسٍ اليَمانىِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن عدُوَّ اللهِ إبليسَ عرَض نفسَه على دَوابِّ الأرضِ أنها تَحْمِلُه حتى تَدْخُلَ به (٤) الجنةَ (٥) حتى (٦) يُكَلِّمَ آدمَ وزوجتَه، فكلُّ الدوابِّ أبَى ذلك عليه، حتى كلَّم الحَيَّةَ، فقال لها: أَمْنَعُكِ مِن ابنِ آدمَ، فأنتِ في ذِمَّتى إن أنتِ أدْخَلْتِنى الجنةَ.
فجعَلَتْه بينَ نابينِ من أنيابِها، ثم دخَلَت به، فكلَّمَهما مِن فيها، وكانت كاسيةً تَمْشِى على أربعِ قَوائِمَ، فأعْراها اللهُ وجعَلها تَمْشِى على بطنِها.
قال: يقولُ ابنُ عباسٍ: اقْتُلُوها حيث وجَدْتُموها، أخْفِروا ذِمَّةَ عدوِّ اللهِ فيها (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: وأهلُ التَّوراةِ يَدْرُسون: إنما كلَّم آدمَ الحيةُ.
ولم يُفَسِّروا كتفسيرِ ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، قال: نهَى اللهُ آدمَ وحوَّاءَ أن يَأْكُلا مِن شجرةٍ واحدةٍ في الجنةِ، ويَأْكُلا منها (٢) رَغَدًا حيث شاءا، فجاء الشيطانُ فدخَل في جوفِ الحيةِ، فكلَّم حَوَّاءَ، ووسْوَس (٣) إلى آدمَ، فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠، ٢١].
قال: فقطَعت (٤) حَوَّاءُ الشجرةَ، فدَمِيَت الشجرةُ، وسقَط عنهما رياشُهما الذي كان عليهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢].
لمَ أكَلْتَها وقد نهَيْتُك عنها؟
قال: ياربِّ، أطْعَمَتْنى حَوَّاءُ.
قال لحَوَّاءَ: لمَ أطْعَمْتِه؟
قالت: أمَرَتْنِى الحيةُ.
قال للحيةِ: لمَ أمَرْتِها؟
قالت: أمَرَنى إبليسُ.
قال: ملعونٌ مَدْحورٌ؛ أما أنت يا حَوَّاءُ فكما أَدْمَيْتِ الشجرةَ، تَدْمَيْن (٥) في كلِّ هلالٍ، وأما أنت يا حَيَّةُ فأَقْطَعُ قَوائمَك، فتَمْشِين جرًّا (٦) على وجهِك، وسيَشْدَخُ رأسَك مَن لَقِيَكِ بالحجرِ، اهْبِطوا بعضُكم لبعضٍ عدُوٌّ (١).
فقد رُوِيَت هذه الأخبارُ -عمَّن روَيْناها عنه مِن الصحابةِ والتابعين وغيرِهم- في صفةِ استزلالِ إبليسَ عدوِّ اللهِ آدمَ وزوجتَه حتى أخْرَجَهما مِن الجنةِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى ذلك بالحقِّ عندَنا ما كان لكتابِ اللهِ مُوافِقًا، وقد أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن إبليسَ أنه وسْوَس لآدَمَ وزوجتِه ليُبْدِىَ لهما ما وُورِى عنهما مِن سَوْءاتِهما، وأنه قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾.
وأنه قاسَمهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
مُدَلِّيًا لهما بغُرورٍ.
ففى إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه عن عدوِّ اللهِ أنه قاسَم آدمَ وزوجتَه بقيلِه لهما: ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
الدليلُ الواضحُ على أنه قد باشَر خطابَهما بنفسِه، إما ظاهرًا لأعينِهما، وإما مُسْتَجِنًّا في غيرِه، وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يُقالَ: قاسَم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا.
إذا سبَّب له سببًا وصَل به إليه دونَ أن يَحْلِفَ له، والحَلِفُ لا يكونُ بتَسَبُّبِ السببِ، فكذلك قولُه: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ [طه: ١٢٠].
لو كان ذلك كان منه إلى آدمَ على نحوِ الذي منه إلى ذريتِه -مِن تَزْيينِ أكلِ ما نهَى اللهُ آدمَ عن أكلِه مِن الشجرةِ، بغيرِ مباشرةِ خطابِه إياه بما اسْتَزَلَّه به مِن القولِ والحِيَلِ- لَما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
كما غيرُ جائزٍ أن يَقولَ اليومَ قائلٌ ممَّن أتَى معصيةً: قاسَمَنى إبليسُ أنه لى ناصحٌ فيما زيَّن لى مِن المعصيةِ التى أتَيْتُها.
فكذلك الذي كان مِن آدمَ وزوجتِه لو كان على النحوِ الذي يكونُ فيما بينَ إبليسَ اليومَ وذريةِ آدمَ، لما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.
ولكن ذلك كان إن شاءَ اللهُ على نحوِ ما قال ابنُ عباسٍ ومَن قال بقولِه.
فأما سببُ وصولِه إلى الجنةِ حتى كلَّم آدمَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها وطرَده عنها، فليس فيما رُوى عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ في ذلك معنًى يَجوزُ لذى (١) فَهمٍ مُدافعتُه، إذ كان ذلك قولًا لا يَدْفَعُه عقلٌ (٢)، ولا خبرٌ يَلزَمُ تَصْديقُه مِن حُجَّةٍ بخلافهِ، وهو مِن الأمورِ المُمْكنةِ.
فالقولُ في ذلك أنه قد وصَل إلى خطابِهما على ما أخْبَرنا اللهُ تعالى ذكرُه، وممكنٌ أن يَكونَ وصَل إلى ذلك بنحوِ الذي قاله المتأوِّلون، بل ذلك -إن شاء اللهُ- كذلك؛ لتتابعِ أقوالِ أهلِ التأويلِ على تصحيحِ ذلك، وإن كان ابنُ إسحاقَ قد قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ (٣) إسحاقَ في ذلك: [اللهُ أعلمُ، أكَمَا] (٤) قال ابنُ عباسٍ وأهلُ التَّوْراةِ، أَمْ (٥) خلَص إلى آدمَ وزوجتِه بسُلطانِه الذي جعَل اللهُ له ليَبْتَلِىَ به آدمَ وذريتَه؟
وأنه يَأْتى ابنَ آدمَ في نَوْمتِه وفي يَقَظتِه، وفي كلِّ حالٍ مِن أحوالِه، حتى يَخْلُصَ إلى ما أراد منه حتى يَدْعُوَه إلى المعصيةِ، ويُوقِعَ في نفسِه الشهوةَ وهو لا يَراه، وقد قال الله تعالى ذكرُه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾.
﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
وقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وقد قال اللهُ جل ثناؤه لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ١، ٢].
إلى آخرِ السورةِ.
ثم ذكَر الأخبارَ التى رُوِيَت عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ" (١).
ثم (٢) قال ابنُ إسحاقَ: وإنما أمْرُ ابنِ آدمَ فيما بينَه وبينَ عدوِّ اللهِ كأمْرِه فيما بينَه وبينَ آدمَ، فقال الله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣].
ثم خلَص إلى آدمَ وزوجتهِ حتى كلَّمَهما (٣) كما قصَّ اللهُ علينا مِن خبرِهما، فقال: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠].
فخلَص إليهما (٤) بما خلَص إلى ذريتِه مِن حيثُ لا يَرَيانِه -فاللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان- فتابا إلى ربِّهما.
قال أبو جعفرٍ: وليس في يقينِ ابنِ إسحاقَ -لو كان قد أيْقَن في نفسِه- أن إبليسَ لم يَخْلُصْ إلى آدمَ وزوجتِه بالمُخاطَبةِ بما أخْبَر اللهُ عنه أنه قال لهما وخاطَبَهما به، ما يَجوزُ لذى فهمٍ الاعتراضُ به على ما ورَد مِن القولِ مُسْتَفِيضًا في أهلِ العلمِ، مع دَلالةِ الكتابِ على صحةِ ما اسْتَفاض مِن ذلك بينَهم، فكيف بشَكِّه؟
واللهَ نَسْأَلُ التوفيقَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾.
فإنه يعنى: فأخْرَج الشيطانُ آدمَ وزوجتَه، ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ يعنى: مما كان فيه آدمُ وزوجتُه مِن رَغَدِ العيشِ في الجنةِ، وسَعَةِ نعيمِها الذي كانا فيه.
وقد بيَّنَّا أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أضاف إخراجَهما مِن الجنةِ إلى الشيطانِ، وإن كان اللهُ هو المُخْرِجَ لهما؛ لأن خروجَهما منها كان عن سببٍ مِن الشيطانِ، فأُضِيف ذلك إليه لتَسْبيبِه إياه، كما يقولُ القائلُ لرجلٍ وصَل إليه منه أذًى حتى تحَوَّل مِن أجلِه عن موضعٍ كان يَسْكُنهُ: ما حوَّلنى عن (١) موضِعى الذي كنتُ فيه إلا أنت.
ولم يَكُنْ منه له تحويلٌ، ولكنه لمّا كان تحوُّلُه عن سببٍ منه جاز له إضافةُ تحويلِه إليه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
يُقالُ: هبَط فلانٌ أرضَ كذا، ووادىَ كذا.
إذا حَلَّ ذلك، كما قال الشاعرُ (٢): ما زِلْتُ أَرْمُقُهم حتَّى إذا هبَطَتْ … أَيْدِى الرِّكابِ بهم مِن راكِسٍ (٣) فَلَقَا (٤) وقد أبان هذا القولُ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن صحةِ ما قلْنا مِن أن المُخْرِجَ آدمَ مِن الجنةِ هو اللهُ جل ثناؤُه، وأن إضافةَ اللهِ إلى إبليسَ ما أضاف إليه مِن إخراجِهما كان على ما وصَفْنا، ودلَّ بذلك أيضًا على أن هُبوطَ آدمَ وزوجتِه وعدوِّهما إبليسَ كان في وقتٍ واحدٍ، لجَمْعِ (٥) اللهِ إياهم في الخبرِ عن إهْباطِهم، بعدَ الذي كان مِن خَطيئةِ آدمَ وزوجتِه، وتسبيبِ إبليسَ ذلك لهما، على ما وصَفَه ربُّنا تعالى ذكرُه عنهم.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنىِّ بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾.
مع إجماعِهم على أن آدمَ وزوجتَه ممَّن عُنِى به.
فحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أسامةَ، عن أبى عَوَانةَ، عن إسماعِيلَ بنِ سالمٍ، عن أبي صالحٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: آدمُ وحواءُ (١) والحيَّةُ (٢).
[حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ وموسى بنُ هارونَ، قالا: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: فلعَن الحيةَ وقطَع قَوائمَها، وترَكها تَمْشِى على بطنِها، وجعَل رزقَها مِن الترابِ، وأهبَط إلى الأرضِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةَ] (٣).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميْمونٍ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: آدمُ وإبليسُ والحيةُ (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: آدمُ وإبليسُ والحيّةُ ذريةُ بعضِهم أعداءٌ لبعضٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾.
قال: آدمُ وذريتُه، وإبليسُ وذريتُه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبى إياسٍ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ [في قوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ﴾.
قال: يعنى آدمَ وإبليسَ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السُّدىِّ، عمَّن حدَّثه] (١)، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: [بعضُهم لبعضٍ عدو] (٢)؛ آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيةُ.
حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدىٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: آدمُ وحواءُ وإبليسُ والحيّةُ (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال: لهما ولذريتِهما.
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كانت عَداوةُ ما بينَ آدمَ وزوجتهِ وإبليسَ والحيةِ؟
قيل: أما عَداوةُ إبليسَ آدمَ وذريتَه، فحسَدُه إيّاه، واسْتِكبارُه عن طاعةِ اللهِ في السجودِ له حينَ قال لرِّبه: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢، ص: ٧٦].
وأما عَداوةُ آدمَ وذريتِه إبليسَ، فعداوةُ المؤمنين إيّاه؛ لكفرِه باللهِ وعِصْيانِه ربَّه في تكبُّرِه عليه ومُخالفتِه أمرَه، وذلك مِن آدمَ ومؤمنِى ذريتِه إيمانٌ باللهِ.
وأما عَداوةُ إبليسَ آدمَ، فكفرٌ باللهِ.
وأما عَداوةُ ما بينَ آدمَ وذريتِه والحيّةِ، فقد ذكَرْنا ما رُوِى في ذلك عن ابنِ عباسٍ ووهبِ بنِ مُنَبِّهٍ، وذلك هى العَداوةُ التى بينَنا وبينَها، كما رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَأْرِهِنَّ فليس منَّا".
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ رِشدين (١)، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، عن ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبِى هُريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "ما سَالَمْنَاهُنَّ منذ حارَبْنَاهُنَّ، فمن تَرَكَ شَيئًا مِنْهُنَّ خِيفَةً فليس مِنَّا" (٢).
وأحْسَبُ أن الحربَ التى بينَنا كان أصلُه ما ذكَره علماؤُنا الذين قدَّمْنا الروايةَ عنهم في إدخالِها إبليسَ الجنةَ بعدَ أن أخْرَجَه اللهُ منها، حتى اسْتَزَلَّه عن طاعةِ رِّبه في أكلِ (١) ما نُهِى عن أكلِه مِن الشجرةِ.
وقد حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بنُ هشامٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، [قال: حدَّثنا آدمُ، جميعًا عن شَيْبانَ] (٢)، عن جابرٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سُئِل رسولُ اللهِ ﷺ عن قتلِ الحيَّاتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "خُلِقَتْ هى والإنسَانُ، كُلُّ واحِدٍ منهما عَدُوٌّ لصَاحِبِه، إن رَآها أَفْزَعَتْه، وإِن لَدَغَتْهُ أوْجَعَتْهُ، فاقْتُلْهَا حيث وَجَدْتهَا" (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلكِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
قال: هو قولُه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ (٤).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبِى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
قال: هو قولُه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤].
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولكم في الأرضِ قَرارٌ في القبورِ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
قال (٢): القبورُ (٣).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
قال: القبورُ (٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾.
قال: مُقامُهم فيها.
والمستقرُّ في كلام العربِ هو موضعُ الاستقرارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فحيثُ كان مِن (٥) الأرضِ موجودًا حالًّا، فذلك المكانُ مِن الأرضِ مُسْتَقَرُّه.
وإنما عنَى اللهُ جلّ وعزّ بذلك أن لهم في الأرضِ مستقرًّا ومَنْزِلًا بأماكنِهم ومُسْتَقَرِّهم مِن الجنةِ والسماءِ، وكذلك قولُه: ﴿وَمَتَاعٌ﴾.
يعنى به أنّ لهم فيها متاعًا بمتاعِهم في الجنةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ولكم فيها بَلاغٌ إلى الموتِ.
ذِكر مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في قولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
قال: يقولُ: بَلاغٌ إلى الموتِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، عن إسرائيلَ، عن إسماعيلَ السُّدىِّ، قال: حدَّثنى مَن سمِع ابنَ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
قال: الحياةُ.
[حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السديِّ، عمّن حدّثه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
قال: الحياةُ] (٢).
وقال آخَرون: يعنى بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: إلى قيامِ الساعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
قال: إلى يومِ القيامةِ، إلى انقطاعِ الدنيا.
وقال آخَرون: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ (١): إلى أجلٍ.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
قال: إلى أجلٍ (٢).
والمتاعُ في كلامِ العربِ كلُّ ما استُمْتِع به مِن شيءٍ، في (٣) معاشٍ استُمْتِع به، أو رِياشٍ أو زينةٍ أو لذَّةٍ أو غيرِ ذلك.
فإذ كان ذلك كذلك -وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد جعَل حياةَ كلِّ حيٍّ متاعًا له يسْتَمتِعُ بها أيامَ حياتِه، وجعَل الأرضَ للإنسانِ مَتاعًا أيامَ حياتِه بقَرارِه عليها، واغْتِذائِه بما أخْرَج اللهُ ﷿ منها مِن الأقْواتِ والثِّمارِ، والتِذاذِه بما خلَق اللهُ فيها مِن الملاذِّ، وجعَلها مِن بعدِ وفاتِه لجثتِه كِفاتًا (٤)، ولجسمِه منزلًا وقَرارًا، وكان اسمُ المتاعِ يَشْتَمِلُ جميعَ ذلك -كان أولى التأويلاتِ بالآيةِ- إذ (٥) لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذكرُه وضَع دَلالةً دَالَّةً على أنه قصَد بقولِه: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
بعضًا دونَ بعضٍ، وخاصًّا دونَ عامٍّ في عقلٍ ولا خبرٍ -أن يَكونَ ذلك في معنى العامِّ، وأن يَكونَ الخبرُ أيضًا كذلك إلى وقتِ بُطولِ (١) اسْتِمْتاعِ بنى آدمَ وبنى إبليسَ بها، وذلك إلى أن تُبَدَّلَ الأرضُ غيرَ الأرضِ.
فإذ كان ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ لما وصَفْنا، فالواجبُ إذن أن يَكونَ تأويلُ الآيةِ: ولكم في الأرضِ مَنازلُ ومَساكنُ تَسْتَقِرُّون فيها اسْتِقْرارَكم -كان- في السماواتِ، وفى الجنانِ في مَنازلِكم منها، واستمتاعٌ منكم بها وبما أخْرَجْتُ لكم منها، وبما جعَلْتُ لكم فيها مِن المَعاشِ والرِّياشِ والزَّينِ والملاذِّ، وبما أعطيتُكم على ظهرِها [من الحياةِ] (٢) أيامَ حياتِكم، ومِن بعدِ وَفاتِكم لأرْماسِكم (٣) وأجداثِكم تُدْفَنون فيها، وتَبْلُغون باستمتاعِكم بها إلى أن أُبَدِّلَكم بها غيرَها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
أما تأويلُ قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾.
فإنه: أخَذ وقَبِل (٤).
وأصلُه التَّفَعُّلُ مِن اللِّقاءِ، كما يَتَلَقَّى الرجلُ الرجلَ يستقبِلُه (٥) عندَ قدومِه مِن [غَيْبةٍ أو سفرٍ، فكذلك ذلك] (٦) في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى﴾.
كأنه اسْتَقْبَله فتلَقَّاه بالقَبولِ حينَ أُوحِى إليه أو أُخْبِر به، فمعنى ذلك إذن: فلقّى اللهُ آدمَ كلماتِ توبةٍ، فتلقَّاها آدمُ مِن ربه وأخَذها عنه تائبًا، فتاب اللهُ عليه بقِيلِه إياها وقبولِه إياها مِن رِّبه.
كما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الآية.
قال: لقَّاهما هذه الآيةَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [الأعراف: ٢٣].
وقد قرَأَ بعضُهم: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِن ربِّهِ كَلماتٌ) (٢).
فجعَل "الكلماتِ" هى المُتَلَقِّيةَ آدمَ.
وذلك وإن كان مِن جِهةِ العربيةِ جائزًا -إذ كان كلُّ ما تَلقَّاه الرجلُ فهو له مُتَلَقٍّ، وما لقِيه ففد لقِيه، فصار للمتكلمِ أن يُوَجِّهَ الفعلَ إلى أيِّهما شاء، ويُخْرِجَ مِن الفعلِ أيَّهما أحبَّ- فغيرُ جائزٍ عندى في القراءةِ إلَّا رفعُ "آدمَ" (٣) على أنَّه المُتَلَقِّى "الكلماتِ"؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القَرأةِ وأهلِ التأويلِ مِن علماءِ السلفِ والخلفِ على توجيهِ التَّلَقِّى إلى آدمَ دونَ الكلماتِ، وغيرُ جائزٍ الاعْتراضُ عليها فيما كانت عليه مُجْمِعةً بقولِ مَن يجوزُ عليه السهوُ والخطأُ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ الكلماتِ التى تَلقَّاها آدمُ مِن ربِّه؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ عَطِيةَ، عن قيسٍ، عن ابنِ أبى ليلي، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
قال: أىْ ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك؟
قال: بلى.
قال: أيْ ربِّ، ألم تَنفُخْ فيَّ مِن رُوحِك؟
قال: بلى.
قال: أىْ رَبِّ، أَلَمْ تُسْكِنِّى جنَّتَك؟
قال: بلى.
قال: أىْ ربِّ، ألم تَسْبِقْ رحمتُك غضبَك؟
قال: بلى.
قال: أرأَيْتَ إن (٤) تُبْتُ وأصْلَحْتُ، أراجِعى أنت إلى الجنةِ؟
قال: بلى (٥).
قال: فهو قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (١).
حَدَّثَنِي عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا مسلمٌ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ مُصعبٍ، عن قيسِ بنِ الربيعِ، عن عاصمِ بنِ كُلَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ (٢)، عن ابنِ عباسٍ نحوَه (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾: فإنّ آدمَ قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ، أَرأَيْتَ إن تُبْتُ وأصْلَحْتُ؟
فقال له ربُّه: إنى راجِعُك إلى الجنةِ (٤).
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾: ذُكِرَ لنا أنه قال: يا ربِّ، أَرأَيْتَ إن أنا تبتُ وأصلحتُ؟
قال: إذن أَرجِعَك إلى الجنةِ (٥).
قال: وقال الحسنُ (١): إنهما قالا: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
حَدَّثَنِي المثنّي، قال: حَدَّثَنَا آدمُ العَسْقَلانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: إن آدمَ لمَّا أصاب الخطيئةَ، قال: ياربِّ أرأَيْتَ إن تبتُ وأصلحتُ؟
فقال اللهُ: إذن أَرْجِعَك إلى الجنةِ.
فهى مِن الكلماتِ.
ومِن الكلماتِ أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣).
حدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: ربِّ، ألم تَخْلُقْنى بيدِك (٤)؟
قيل له: بلى.
قال: ونفَخْتَ فيَّ مِن رُوحِك؟
قيل له: بلى.
قال: وسبَقَت رحمتُك (٥) غضبَك؟
قيل له: بلى.
قال: ربِّ، هل (٦) كتبْتَ هذا عليَّ؟
قيل له: نعَم.
قال: ربِّ، إن تبتُ وأصلحتُ هل أنت راجِعى إلى الجنةِ؟
قيل له: نعَم.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٧) [طه: ١٢٢].
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: حَدَّثَنِي مَن سمِع عُبيدَ ابنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ ﵇: يا ربِّ، خَطيئتى التى أَخْطَأْتُها، أشيءٌ كتَبْتَه عليَّ قبلَ أن تَخْلُقَنِي، أو شيءٌ ابْتَدَعْتُه مِن قِبَلِ نفسِى؟
قال: بل (١) شيءٌ كتَبْتُه عليك قبلَ أن أَخْلُقَك.
قال: فكما كتَبْتَه عليَّ فاغْفِرْه لى.
قال: فهو قول اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، [عن مجاهدٍ، عن] (٤) عُبيدِ بنِ عُمَيْرٍ بمثلِه (٥).
حَدَّثَنَا ابنُ بشارٍ (٣)، قال: حَدَّثَنَا وَكيعُ بنُ الجراحِ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزبزِ بنِ رُفَيْعٍ، عمَّن سمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قال آدمُ.
فذكَر نحوَه (٦).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رفيعٍ، عن عُبيدِ بنِ عُميرٍ مثلَه (١).
حَدَّثنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيْعٍ، قال: أخْبَرَنى مَن سَمِع عُبيدَ بنَ عُميرٍ.
بنحوِه.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنِي به أحمدُ بنُ عثمانَ بنِ حَكيمٍ الأوْدىُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمنِ بنُ شَريكٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن حُميدِ بنِ نَبْهانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ [يزيدَ بنِ معاويةَ] (٢) أنه قال: قولُه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
قال آدمُ (٣): اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، أَسْتَغْفِرُك وأَتوبُ إليك، فَتُبْ عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيمُ (٤).
حَدَّثنِي المثنّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ، قال: [حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ] (٥)، وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ وقيسٌ، جميعًا عن خُصَيْفٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ حتى فرَغ منها (٦).
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ كان يَقُولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ الكلماتُ: اللهمّ لا إلهَ إلَّا أنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنِّي ظَلَمتُ نفسِى، فاغْفِرْ لى إنك خيرُ الغافِرِين، اللهم لا إلهَ إلَّا أنت سُبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسى فارْحَمْنى إنك خيرُ الراحمين، اللهم لا إلهَ إلَّا أَنت سبحانَك وبحمدِك، ربِّ إنى ظلَمْتُ نفسي، فتُبْ عليَّ إنك أنت التَّوابُ الرَّحيمُ (١).
حَدَّثَنَا ابنُ وَكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ (٢)، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ الآية (٣).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: أىْ ربِّ، أَتَتوبُ عليَّ إن تُبْتُ؟
قال: نعَم.
فتاب آدمُ، فتاب عليه ربُّه.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاق، قال أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
قال: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤).
[حَدَّثَنِي يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾] (١).
وهذه الأقوالُ التى حكيْناها عمَّن حكيْناها عنه، وإن كانت مختلفةَ الألفاظِ، فإن معانيَها مُتَّفِقَةٌ في أن اللهَ تعالى ذكرُه لقَّى آدمَ كلماتٍ تلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه فقبِلَهن، وعمِل بهن، وتاب -بقِيلِه إيَّاهن وعملِه بهن- إلى اللهِ مِن خطيئتِه، مُعْتَرفًا بذنبِه، مُتَنصِّلًا إلى رِّبه مِن خطيئتِه، نادمًا على ما سلَف منه مِن خلافِ أمرِه، فتاب اللهُ عليه بقبولِه الكلماتِ التى تَلقَّاهن منه، وندمِه على سالفِ الذنبِ منه.
والذى يَدُلُّ عليه كتابُ اللهِ جلّ ثناؤه أن الكلماتِ التى تَلقَّاهن آدمُ مِن ربِّه هن الكلماتُ التى أخْبَر جلّ ذكرُه عنه أنه قالها مُتَنَصِّلًا بقِيلِها إلى ربِّه، معترفًا بذنبِه، وهو قولُه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وليس ما قاله مَن خالَف قولَنا هذا -مِن الأقوالِ التى حكَيْناها- بمدفوعٍ قولُه، ولكنه قولٌ لا شاهدَ عليه مِن حجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيَجوزَ لنا إضافتُه إلى آدمَ، وأنه مما تلَقَّاه مِن ربِّه عندَ إنابتِه إليه مِن ذنبِه.
وهذا الخبرُ الذى أخْبَر اللهُ عن آدمَ -من قيلِه الذى لقَّاه اللهُ إيّاه، فقاله تائبًا إليه مِن خطيئتِه- تَعريفٌ منه جلَّ ذِكرُه جميعَ المخاطَبِين، بكتابِه كيفيةَ التوبةِ إليه مِن الذنوبِ، وتنبيهٌ للمُخاطَبِينَ بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
على موضعِ التوبةِ ممّا هم عليه مِن الكفرِ باللهِ، وأن خَلاصَهم مما هم عليه مُقِيمون مِن الضَّلالةِ نظيرُ خَلاصِ أبيهم آدمَ مِن خطيئتِه، مع تذكيرِه إيّاهم به السالفَ إليهم مِن النِّعمِ التى خصَّ بها أباهم آدمَ وغيرَه مِن آبائِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
يعنى على آدمَ، والهاءُ التى في ﴿عَلَيْهِ﴾ عائدةٌ على آدمَ.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾.
يعْنى: رزَقه التوبةَ مِن خطيئتِه.
والتوبةُ معناها الإنابةُ إلى اللهِ جلَّ ثناؤُه، والأَوْبةُ إلى طاعتِه مما يَكْرَهُ مِن معصيتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
أن اللهَ جل ثناؤُه هو التوابُ على مَن تاب إليه مِن عبادِه المُذْنبِين مِن ذنوبِه، التاركُ مُجازاتَه بإنابتِه إلى طاعتِه بعدَ معصيتِه بما سلَف مِن ذنبِه.
وقد ذكَرْنا أن معنى التوبةِ مِن العبدِ إلى ربِّه إنابتُه إلى طاعتهِ، وأوْبتُه إلى ما يُرْضِيه، بتركِه ما يَسْخَطُه مِن الأمورِ التى كان عليها مُقيمًا مما يَكْرَهُه ربُّه.
فكذلك توبةُ اللهِ على عبدِه، هو أن يَرْزُقَه ذلك، ويؤوبَ له (١) مِن غضبِه عليه إلى الرضا عنه، ومِن العقوبةِ إلى العفوِ والصَّفْحِ عنه.
وأما قولُه: ﴿الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى أنه المُتَفَضِّلُ عليه مع التوبةِ بالرحمةِ، ورحمتُه إياه إقالتُه (٢) عثرتَه وصَفْحُه عن عقوبةِ جُرْمِه.
وقد ذكَرْنا القول في تأويلِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾.
فيما مضَى، فلا حاجةَ بنا إلى إعادتِه، إذ كان معناه في هذا الموضعِ هو معناه في ذلك الموضعِ.
وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ سالمٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾.
قال: آدمُ وحوَّاءُ والحيّةُ وإبليسُ (١).
القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾: فإن يأْتِكم، و"ما" التى مع "إن" توكيدٌ للكلامِ، ولدخولِها مع "إن" أُدخِلَت النونُ المشُدَّدةُ في ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تفرقةً بدخولِها بينَ "ما" التى تَأْتى بمعنى توكيدِ الكلامِ -التى تُسَمِّيها أهلُ العربيةِ صِلةً وحَشْوًا- وبين "ما" التى تأتى بمعنى "الذى"، فتُؤْذِنُ بدخولِها في الفعلِ أنَّ "ما" التى مع "إن" التى بمعنى الجزاءِ توكيدٌ، وليست "ما" التى بمعنى "الذى".
وقد قال بعضُ نحوِيِّى [أهلِ البصرةِ] (٢): إنَّ "إمَّا": "إنْ"، زِيدَت معها "ما"، وصار الفعلُ الذى بعدَه بالنونِ الخفيفةِ أو الثقيلةِ، وقد يَكونُ بغيرِ نونٍ، وإنما حسُنَت فيه النونُ لمَّا دخَلَته "ما"؛ لأن "ما" نفىٌ، وهى مما ليس بواجبٍ، وهى الحرفُ الذى يَنْفِى الواجبَ، فحسُنَت فيه النونُ، نحوَ قولهم: بعينٍ ما أَرَيَنْكَ.
حينَ أُدْخِلَت فيها "ما" حسُنَت النونُ فيما ههنا.
وقد أنْكَر جماعةٌ مِن أهلِ العربيةِ دعوى قائلِ (٣) هذه المقالةِ أن "ما" التى مع: بعينٍ ما أرينك، بمعنى الجحدِ، وزعَموا أن ذلك بمعنى التوكيدِ للكلامِ.
وقال آخَرون: بل هو حَشْوٌ في الكلامِ، ومعناها الحذفُ، وإنما معْنى الكلامِ: "بعينٍ أراك.
وغيرُ جائزٍ أن يُجْعَلَ مع الاختلافِ فيه أصلًا يُقاسُ عليه غيرُه.
القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.
والهُدَى في هذا الموضعِ البيانُ والرَّشادُ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
قال: الهُدَى الأنبياءُ والرسلُ والبَيانُ (١).
فإن كان ما قال أبو العاليةِ في (٢) ذلك كما قال، فالخِطابُ بقولِ: ﴿اهْبِطُوا﴾.
وإن كان لآدمَ وزوجتِه، فيَجِبُ أن يَكونَ مُرادًا به آدمُ وزوجتُه وذريتُهما، فيَكونَ ذلك حينَئذٍ نظيرَ قولِه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
بمعنى: أتَيْنا بما فينا مِن الخَلْقِ طائِعِين.
ونظيرَ قولِه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِهِم مَنَاسِكَهم) (٣).
فجمَع قبلَ أن تَكونَ ذريةٌ، وهو في قراءتِنا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ [البقرة: ١٢٨].
وكما يقولُ القائلُ لآخرَ: كأنك قد تزَوَّجْتَ ووُلِد لك وكثُرتُم وعزَزْتُم.
ونحوِ ذلك مِن الكلامِ.
وإنما قلْنا: إن ذلك هو الواجبُ على التأويلِ الذى ذكَرْناه عن أبى العاليةِ؛ لأن آدمَ كان هو النبىَّ ﵇ أيامَ حياتِه بعدَ أن أُهْبِط إلى الأرضِ، والرسولَ مِن اللهِ تعالى ذكرُه إلى ولدِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مَعْنِيًّا -وهو الرسولُ- بقولِه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾.
خطابًا له ولزوجتِه: فإما يأتينّكم مِنى (١) أنبياءُ ورسلٌ.
إلا على ما وصَفْتُ مِن التأويلِ.
وقولُ أبى العاليةِ في ذلك -وإن كان وجهًا مِن التأويلِ تَحْتَمِلُه الآيةُ- فأقربُ إلى الصوابِ منه عندى، وأشبهُ بظاهرِ التِّلاوةِ أن يكونَ تأويلُها: فإما يَأْتِيَنَّكم (٢) يا معشرَ مَن أُهْبِطَ (٣) إلى الأرضِ مِن سمائى -وهو آدمُ وزوجتُه وإبليسُ، كما قد ذكَرْنا قبلُ في تأويلِ الآيةِ التى قبلَها- إما يَأْتِيَنَّكم منى ييانٌ مِن أمرِى وطاعتى ورَشادٌ إلى سبيلى ودِينى، فمَن اتَّبَعه منكم فلا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزنون، وإن كان قد سلَف منهم قبلَ ذلك إلىَّ معصيةٌ وخلافٌ لأمْرى وطاعتى.
يُعَرِّفُهم بذلك تعالى ذكرُه أنه التائبُ على مَن تاب إليه مِن ذنوبِه، والرحيمُ بمن (٤) أناب إليه، كما وصَف نفسَه بقولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وذلك أن ظاهرَ الخِطابِ بذلك إنما هو للذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾.
والذين خُوطِبوا به هم مَن سَمَّيْنا في قولِ الحُجَّةِ مِن الصحابةِ والتابعين الذين قد قدَّمْنا الروايةَ (٥) عنهم.
وذلك وإن كان خطابًا مِن اللهِ تعالى ذِكرُه لمن أُهْبِط حينَئذٍ مِن السماءِ إلى الأرضِ، فهو سنَّةُ اللهِ في جميعِ خلقِه، وتعريفٌ منه بذلك الذين أخْبَر عنهم في أولِ هذه السورةِ بما أخْبَر عنهم في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وفى قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٦، ٨].
أن (١) حُكْمَه فيهم -إن تابوا إليه وأنابوا، واتَّبَعوا ما أتاهم مِن البيانِ مِن عندِ اللهِ على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ- أنهم عندَه في الآخرةِ ممَّن لا خوفٌ عليهم ولا هم يَحْزَنون، وأنهم إن هلَكوا على (٢) كُفرِهم وضَلالتِهم قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، كانوا مِن أهلِ النارِ المُخَلَّدِين فيها.
وقولُه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾.
يعنى: فمَن تبِع بَيانى الذى أُبَيِّنُه (٣) على ألْسُنِ رُسُلى، أو مع رسلى.
كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانىُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ يعنى: بَيانى (٤).
وقولُه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
يعنى: فهم آمِنون في أهوالِ القيامةِ مِن عقابِ اللهِ، غيرُ خائِفِين عذابَه؛ بما أطاعوا اللهَ في الدنيا، واتَّبَعوا أمرَه وهُداه وسبيلَه ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يومَئذٍ على ما خلَّفوا بعدَ وفاتِهم في الدنيا.
كما حدَّثنى يونُسُ ابنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: لا خوفٌ عليكم أمامَكم، وليس شيءٌ أعظمَ في صدرِ الذى يَموتُ ممَّا بعدَ الموتِ، فأمَّنهم منه وسلَّاهم عن الدنيا، فقال: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
يعنى: والذين جحَدوا آياتى وكذَّبوا رُسُلى.
وآياتُ اللهِ حُجَجُه أدلَّتُه على وحدانيَّتِه وربوبيَّتِه، وما جاءت به الرسلُ مِن الأعْلامِ والشَّواهدِ على ذلك، وعلى صدقِها فيما أنبأَتْ عن ربِّها، وقد بيَّنا أن معنى الكفرِ التَّغْطيةُ على الشئِ (١).
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾، يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها دونَ غيرِهم، المُخلَّدون فيها أبدًا (٢) إلى غيرِ أمَدٍ ولا نهايةٍ.
كما حدَّثنى عُقبةُ بنُ سِنانٍ البصرىُّ، قال: حدَّثنا غَسَّانُ بنُ مُضَرَ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ يَزيدَ، وحدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ العَنْبَرىُّ، قال: حدَّثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: حدَّثنا أبو مَسْلَمةَ (٣)، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وأبو بكرِ بنُ (٤) عونٍ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ يزيدَ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبى سعيدٍ الخُدْرىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "أمَّا أهْلُ النَّارِ الذِين هم أهْلُها، فإنَّهم لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ، ولكِنَّ أقْوَامًا أصَابَتْهم النَّارُ بخَطايَاهم -أو بذُنُوبهم- فأمَاتَتْهم إمَاتَةً، حتى إِذا صَارُوا فَحْمًا أُذِنَ في الشَّفَاعَةِ" (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
ولدَ (١) يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ خليلِ الرحمنِ.
وكان يعقوبُ يُدْعَى إسرائيلَ، بمعنى: عبدُ اللهِ وصَفْوتُه مِن خلقِه.
و"إيلُ" هو اللهُ تعالى ذكرُه، و"إسْرَا": هو العبدُ، كما قيل: جبريلُ.
بمعنى: عبدُ اللهِ.
وكما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رَجاءٍ، عن عُمَيْرٍ مولَى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن إسرائيلَ كقولِك: عبدُ اللهِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن عبدِ اللهِ ابنِ الحارثِ قال: "إيلُ" اللهُ بالعِبْرانيةِ (٣).
وإنما خاطَب اللهُ جلّ وعزّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أَحبارَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، فنسَبهم إلى يعقوبَ، كما نسَب ذريةَ آدمَ إلى آدمَ، فقال: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وما أشْبَه ذلك.
وإنما خصَّهم بالخطابِ في هذه الآيةِ والتى بعدَها مِن الآىِ التى ذكَّرهم فيها نعَمَه -وإن كان قد تقدَّم ما أنْزَل فيهم وفى غيرِهم فى أولِ هذه السورةِ ما قد تقَدَّم -أن الذي احْتَجَّ به مِن الحُجَجِ في (١) الآياتِ التى فيها أنباءُ أسْلافِهم وأخبارُ أوائلِهم، وقَصَصُ الأمورِ التى هم بعلمِها مَخْصوصون دونَ غيرِهم مِن سائرِ الأممِ، ليس عندَ (٢) غيرِهم مِن العلمِ بصحتِه وحقيقتِه مثلُ الذي لهم مِن العلمِ به، إلا لمن اقتَبَس علمَ ذلك منهم، فعرَّفهم باطِّلاعِ محمدٍ ﷺ على علمِها -مع بُعْدِ قومِه وعَشيرتِه مِن معرفتِها، وقلَّةِ مُزاولةِ محمدٍ ﷺ دراسةَ الكتبِ التى فيها أنباءُ ذلك- أن محمدًا ﷺ لم يَصِلْ إلى علمِ ذلك إلا بوحىٍ مِن اللهِ تعالى ذكرُه وتنزيلٍ منه ذلك إليه، لأنهم مِن عِلْمِ صحةِ ذلك بمَحلٍّ ليس به مِن الأممِ غيرُهم، فلذلك تعالى ذكرُه خصَّ بقولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ خطابَهم.
كما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال: يا أهلَ الكتابِ، للأحْبارِ مِن يهودَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
ونعمتُه التى أنْعَمها على بنى إسرائيلَ (٤) اصْطفاؤُه منهم الرسلَ، وإنزالُه عليهم الكتبَ، واسْتِنْقاذُه إياهم مما كانوا فيه مِن البلاءِ والضَّرَّاءِ مِن فرعونَ وقومِه، إلى التَّمْكينِ لهم في الأرضِ، وتَفْجيرِ عُيونِ الماءِ مِن الحجرِ، وإطعامِ المنِّ والسَّلْوَى، فأمَر جل ثناؤُه أعْقابَهم أن يَكونَ ما سلَف منه إلى آبائِهم على ذِكْرٍ منهم (٥)، وألا يَنْسَوْا صَنيعَه إلى أسلافِهم وآبائِهم، فيُحِلَّ بهم مِن النِّقَمِ ما أحَلَّ بمَن نسِى نعمَه عندَه منهم وكَفَرَها وجحَد صنائعَه عندَه.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أى: بَلائى (١) عندَكم وعند آبائِكم؛ لِمَا كان نجّاهم به مِن فرعون وقومِه (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ قال: نعمتُه أن جعَل منهم الأنبياءَ والرسلَ، وأنْزَل عليهم الكتبَ (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: يعنى نعمتَه التى أنْعَم على بنى إسرائيلَ فيما سمَّى وفيما سِوَى ذلك؛ فجَّر لهم الحجرَ، وأنْزَل عليهم المنَّ والسلوى، وأنْجاهم مِن عُبوديةِ (٤) آلِ فرعونَ (٥).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قال: نعمةٌ عامةٌ، ولا نعمةَ أفضلُ مِن نعمةِ الإسلامِ، والنِّعمُ بعدُ تبَعٌ لها.
وقرَأ قولَ اللهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ١٧].
وتذكيرُ اللهِ تعالى ذكرُه الذي ذكَّر بهذه الآيةِ مِن نعَمِه على لسانِ رسولِه محمدٍ ﷺ، نظيرُ تَذْكيرِ موسى صلواتُ الله عليه أسلافَهم على عهدِه الذي أخْبَر اللهُ عنه أنه قاله لهم، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد تقَدَّم بَيانُنا عن معنى العهدِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، واختلافِ المُخْتَلِفِين في تأويلِه (١)، والصوابِ عندَنا مِن القولِ فيه.
وهو في هذا الموضعِ عهدُ الله ووصيتُه التى أخَذ على بنى إسرائيلَ في التَّوراةِ أن يُبيِّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ أنه رسولُ اللهِ، وأنهم يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم أنه نبيُّ اللهِ، وأَن يُؤمِنوا به وبما جاءبه مِن عندِ اللهِ.
﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ وعهدُه إليهم (٢) أنهم إذا فعَلوا ذلك أدْخَلَهم الجنةَ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ الآية [المائدة: ١٢].
وكما قال: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧].
وكما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾: الذي أخَذْتُ في أعْناقِكم للنبىِّ محمدٍ إذ جاءكم، ثم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أى: أُنْجِزْ لكم ما وعَدْتُكم عليه بتصديقِه واتباعِه، بوضعِ ما كان عليكم مِن الإصْرِ والأغْلالِ التى كانت في أعْناقِكم بذنوبِكم التى كانت مِن أحداثِكم (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
قال: عهدُه إلى عبادِه؛ دينُه (٢) الإسلامُ أن يَتَّبِعوه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
يعنى الجنةَ (٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: أمّا ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، فما عهِدْتُ إليكم في الكتابِ، وأمّا ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، فالجنةُ، عهِدْتُ إليكم أنكم إن عمِلْتُم بطاعتى أدْخَلْتُكم الجنةَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: ذلك الميثاقُ الذي أخَذ عليهم في "المائدةِ": ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
فهذا عهدُ اللهِ الذي عهِد إليهم، وهو عهدُ اللهِ فينا، فمن أوْفَى بعهدِ اللهِ وفَى اللهُ له بعهدِه.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
يقولُ: أَوْفوا بما أمَرْتُكم به مِن طاعتى، ونهَيْتُكم عنه مِن معصيتى في النبيِّ ﷺ وفى غيرِه، ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
يقولُ: أَرْضَ عنكم وأُدْخِلْكم الجنةَ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
قال: أَوْفوا بأمرِى أُوفِ بالذى وعَدْتُكم.
وقرَأ: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ١١١].
قال: هذا عهدُه الذي عهِد لهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه جلّ وعز: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: وإياى فاخْشَوْا واتَّقُوا أيها المُضَيِّعون عَهْدى مِن بنى إسرائيلَ، والمُكَذِّبون رَسولى الذي قد أخَذْتُ ميثاقَكم فيما أنْزَلْتُ مِن الكتبِ على أنْبيائى أن تُؤْمِنوا به وتَتَّبِعوه -أن أُحِلَّ بكم مِن عقوبتى- إن لم تُنِيبُوا وتَتوبُوا إليَّ باتِّباعِه والإقرارِ بما أنْزَلْتُ إليه - ما أحْلَلْتُ بمَن خالف أمرى وكذَّب رُسلى مِن أسْلافِكم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمد، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أى (٢): أن أُنزِلَ بكم ما أَنْزَلْتُ بمَن كان قبلَكم مِن آبائِكم مِن النَّقِماتِ التى قد عرَفْتُم مِن المَسْخِ وغيرِه (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنى آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾.
يقولُ: فاخْشَوْنِ (٢).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ يقولُ: وإياىَ فاخْشَوْنِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَآمِنُوا﴾: صدِّقوا، كما قد قدَّمْنا البيانَ عنه قبلُ (٤).
ويَعْنى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.
ما أنْزَل على محمدٍ ﷺ مِن القرآنِ.
ويعنى بقولِه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
أن القرآنَ مُصَدِّقٌ لما مع اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ مِن التوراةِ، فأمَرهم بالتَّصْديقِ بالقرآنِ، وأخْبَرَهم أن في تصديقِهم بالقرآنِ تصديقًا منهم للتوراةِ، لأن الذي في القرآنِ مِن الأمرِ بالإقرارِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه واتِّباعِه، نظيرُ الذي مِن ذلك في التوراةِ والإنجيلِ، ففي تصديقِهم بما أُنْزل على محمدٍ ﷺ تصديقٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ، وفى تكذيبِهم به تكذيبٌ منهم لما معهم مِن التوراةِ.
وقولُه جل ثناؤُه: ﴿مُصَدِّقًا﴾.
قطعٌ مِن الهاءِ المتروكةِ في ﴿أَنْزَلْتُ﴾ (٥) مِن ذكر "ما".
ومعنى الكلامِ: وآمِنوا بالذى أنْزَلْتُه مصدقًا لما معكم أيُّها اليهودُ.
والذى معهم هو التوراةُ والإنجيلُ.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنى عيسى ابنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ الله تعالى ذكرُه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
يقولُ: ﴿بِمَا (١) أَنْزَلْتُ﴾ القرآنُ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ التوراةُ والإنجيلُ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
يقولُ: يا معشرَ أهلِ الكتابِ، آمِنوا بما أنْزَلْتُ على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معكم، يقولُ: لأنهم يَجِدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: كيف قيل: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ والخطابُ خبرٌ (٤) لجميعٍ، وقولُه (٥): ﴿كَافِرٍ﴾ واحدٌ؟
وهل نُجِيزُ -إن كان ذلك جائزًا- أن يَقولَ قائلٌ: لا تكونوا أولَ رجلٍ قام؟
قيل له: إنما يَجوزُ توحيدُ ما أُضِيف إليه "أفَعْل" وهو خبرٌ لجميعٍ، إذا كان اسمًا مشتقًّا مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ"؛ لأنه يؤدِّى عن المرادِ معه المحذوفَ مِن الكلامِ، وهو "مَن"، ويَقومُ مَقامَه في الأداءِ عن معنى ما كان يؤَدِّى عنه "مَن"، مِن الجمعِ والتأنيثِ، وهو في لفظٍ واحدٍ.
ألا تَرَى أنك تقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ به.
فـ"مَن" بمعنى جمعٍ، وهو غيرُ مُتَصَرِّفٍ تَصَرُّفَ الأسماءِ للتثنيةِ والجمعِ والتأنيثِ، فإذا أُقِيم الاسمُ المشتقُّ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" مُقامَه، جرَى وهو موحَّدٌ مَجْراه في الأداءِ عما كان يُؤَدِّى عنه "مَنْ" مِن معنى الجمعِ والتأنيثِ، كقولِك: الجيشُ مُنْهَزِمٌ (١)، والجُنْدُ مُقْبِلٌ (٢).
فتُوَحِّدُ الفعلَ لتوحيدِ لفظِ الجيشِ والجندِ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: الجيشُ رجلٌ، والجندُ غلامٌ.
حتى تقولَ: الجندُ غِلْمانٌ، والجيشُ رجالٌ.
لأن الواحدَ مِن عددِ الأسماءِ التي هى غيرُ مشتقةٍ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" لا يُؤَدِّى عن معنى الجماعةِ منهم، ومِن ذلك قولُ الشاعر (٣): وإذا هُمُ طعِموا فأَلْأَمُ طاعِمٍ … وإذا هُمُ جاعوا (٤) فشرُّ جِياعِ فوحَّد مرَّةً على ما وصَفْتُ مِن نيةِ "مَن"، وإقامةِ الظاهرِ مِن الاسمِ الذى هو مشتقٌّ مِن "فَعَلَ ويَفْعُلُ" مُقامَه، وجمَع أُخرى على الإخراجِ على عددِ الأسماءِ المُخْبَرِ عنهم، ولو وحَّد حيثُ جمَع أو جمَع حيثُ وحَّد، كان صوابًا جائزًا.
وأما تأويلُ ذلك فإنه يَعْنى به: يا معشرَ أحبارِ أهلِ الكتابِ، صدِّقوا بما أنْزَلْتُ على رسولى محمدٍ ﷺ مِن القرآنِ المُصَدِّقِ كتابَكم، والذى عندَكم مِن التوراةِ والإنجيلِ المعهودِ إليكم فيهما أنه رسولى ونبيِّىَ المبعوثُ بالحقِّ، ولا تكونوا أولَ أُمّتِكم (١) كذَّب به وجحَد أنه مِن عندِى، وعندَكم مِن العلمِ به ما ليس عندَ غيرِكم.
وكفرُهم به جُحودُهم أنه مِن عندِ اللهِ.
والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ مِن ذكرِ "ما" التي مع قولِه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.
كما حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: بالقرآنِ (٢).
ورُوِى عن أبي العاليةِ في ذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
يقولُ: ولا تكونوا أولَ مَن كفَر بمحمدٍ ﷺ (٣).
وقال بعضُهم: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
يعنى: بكتابِكم.
ويتَأَوَّلُ أن في تكذيبِهم بمحمدٍ ﷺ تكذيبًا منهم بكتابِهم؛ لأن في كتابِهم الأمرَ باتِّباعِ محمدٍ ﷺ.
وهذان القولان مِن ظاهرِ ما تَدُلُّ عليه التلاوةُ بعيدانِ، وذلك أن اللهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر المُخاطَبِين بهذه الآيةِ في أولِها بالإيمانِ بما أُنْزَل على محمدٍ ﷺ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
ومَعقولٌ أن الذى أنْزَلَه اللهُ في عصرِ محمدٍ ﷺ هو القرآنُ لا محمدٌ، لأن محمدًا صلواتُ اللهِ عليه رسولٌ مُرْسَلٌ لا تَنْزِيلٌ مُنْزَلٌ، والمُنْزَلُ هو الكتابُ، ثم نهاهم أن يكونوا أولَ مَن يَكْفُرُ بالذى أمَرهم بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ -مِن أهلِ الكتابِ، فذلك هو الظاهرُ المفهومُ، ولم يَجْرِ لمحمدٍ ﷺ في هذه الآيةِ ذكرٌ ظاهرٌ فيُعادَ عليه بذكرِه مَكْنِيًّا في قولِه: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
وإن كان غيرَ مُحالٍ في الكلامِ أن يُذكَرَ مَكْنِىُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهرٌ في الكلامِ.
وكذلك لا معنى لقولِ مَن زعَم أن العائدَ مِن الذِّكْرِ في ﴿بِهِ﴾ على "ما" التي في قوله: ﴿لِمَا مَعَكُمْ﴾.
لأن ذلك وإن كان مُحْتَمِلًا ظاهرَ الكلامِ، فإنه بعيدٌ مما يَدُلُّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ والتنزيلِ؛ لما وصَفْنا قبلُ مِن أن الأمرَ (١) بالإيمانِ به في أولِ الآيةِ هو القرآنُ، فكذلك الواجب أن يكونَ النهىُ عن الكفرِ به في آخرِها هو القرآنَ.
فأما أن يكونَ المأمورُ بالإيمانِ به غيرَ المنهىِّ عن الكفرِ به في كلامٍ واحدٍ وآيةٍ واحدةٍ، فذلك غيرُ الأشهرِ الأظهرِ في الكلامِ، هذا مع بُعْدِ معناه في التأويلِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾: وعندَكم فيه مِن العلمِ ما ليس عندَ غيرِكم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: لا تَأْخُذوا عليه أجرًا.
قال: وهو مَكتوبٌ عندَهم في الكتابِ الأولِ: يا بنَ آدمَ، علِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمْتَ مَجّانًا (١).
وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
يَقولُ: لا تَأْخُذوا طَمعًا قليلًا وتَكْتُموا اسمَ اللهِ، فذلك الطَّمَعُ هو الثمنُ (٢).
فتأويلُ الآيةِ إذن: لا تَبِيعوا ما آتيْتُكم مِن العلمِ بكتابى وآياتِه بثمنٍ خَسيسٍ وعَرَضٍ مِن الدنيا قليلٍ.
وبيعُهم إياه تركُهم إبانةَ ما في كتابِهم مِن أمرِ محمدٍ ﷺ للناسِ وأنه مَكتوبٌ فيه أنه النبيُّ الأميُّ الذى يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ، بثمنٍ قليلٍ، وهو رِضاهم بالرِّياسةِ على أتْباعِهم مِن أهلِ ملَّتِهم ودينِهم، وأخذِهم الأجرَ ممَّن بيَّنوا له ذلك على ما بيَّنوا له منه.
وإنما قلْنا: معنى ذلك: لا تَبِيعوا؛ لأن مُشْتَرِىَ الثمنِ القليلِ بآياتِ اللهِ بائعٌ الآياتِ بالثمنِ، فكلُّ واحدٍ مِن الثمنِ والمُثَمَّنِ مَبِيعٌ لصاحبِه، وصاحبُه به مُشْتَرٍ (٣).
وأما معنى ذلك على ما تأوَّله أبو العاليةِ: فبيِّنوا للناسِ أمرَ محمدٍ ﷺ، ولا تَبْتَغوا عليه منهم أجرًا.
فيكونُ حينَئذٍ نهيُه عن أخذِ الأجرِ على تَبْيينِه هو النهىَ عن شراءِ الثمن القليلِ بآياتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ: فاتَّقونِ في بيعِكم آياتى بالخَسِيسِ مِن الثمنِ، وشِرائِكم بها القليلَ مِن العِوضِ (١)، وكفرِكم بما أنْزَلْتُ على رسولى، وجُحودِكم نبوَّةَ نبيِّى (٢) - أن أُحِلَّ بكم ما أحْلَلْتُ بأسلافِكم (٣) الذين سلَكوا سبيلَكم مِن المَثُلاتِ والنَّقِماتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا﴾: لا تَخْلِطوا.
واللَّبْسُ هو الخَلْطُ، يقالُ منه: لَبَسْتُ عليه هذا الأمرَ أَلْبِسُه لَبسًا، إذا خلَطْتَه عليه (٤).
كما حُدِّثْنا عن المِنْجابِ، عن بشرٍ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩].
يقولُ: لخلَطْنا عليهم ما يَخْلِطون (٥).
ومنه قولُ العَجَّاجِ (٦) لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بالتَّجَنِّى غَنِينَ واسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّى يعنى بقوله: لبَسْنَ: خلَطْنَ.
وأما اللُّبْسُ فإنه يقالُ.
منه: لبِستُه ألبَسُه لُبْسًا ومَلْبَسًا.
وذلك في الكِسْوةِ يَكْتَسِيها فيَلْبَسُها.
ومن اللُّبْسِ قولُ الأخطلِ (١): ولقد لبِسْتُ لهذا الدهرِ أعْصُرَه … حتى تجَلَّل رأسى الشَّيْبُ واشْتَعَلا ومِن اللَّبْسِ قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف كانوا يَلْبِسون الحقَّ بالباطلِ وهم كفارٌ؟
وأىُّ حقٍّ كانوا عليه مع كفرِهم باللهِ؟
قيل: إنه كان فيهم مُنافِقون منهم يُظْهِرون التَّصْديقَ بمحمدٍ ﷺ ويَسْتَبْطِنون الكفرَ به، وكان عُظْمُهم يَقُولون: محمدٌ نبىٌّ مبعوثٌ، إلا أنه مبعوثٌ إلى غيرِنا.
فكان لَبْسُ المنافقِ منهم الحقَّ بالباطلِ إظهارَه الحقَّ بلسانِه وإقرارَه بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به جِهارًا، وخلْطَه ذلك الظاهرَ مِن الحقِّ بالباطلِ الذى يَسْتَبْطِنُه، وكان لَبْسُ المُقِرِّ منهم بأنه مَبعوثٌ إلى غيرِهم، الجاحدِ أنه مبعوثٌ إليهم، إقرارَه بأنه مبعوثٌ إلى غيرِهم -وهو الحقُّ- وجحودَه أنه مَبعوثٌ إليهم وهو الباطلُ، وقد بعَثه اللهُ إلى الخلقِ كافَّةً، فذلك خلْطُهم الحقَّ بالباطلِ ولَبْسُهم إياه به.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
قال: لا تَخْلِطوا الصدقَ بالكذبِ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
يقولُ: لا تَخْلِطوا الحقَّ بالباطلِ، وأدُّوا النَّصيحةَ لعبادِ اللهِ في أمرِ محمدٍ ﵊ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾: اليهوديةَ والنصرانيةَ بالإسلامِ.
وحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
قال: الحقُّ التوراةُ التي أنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه على موسى، والباطلُ الذى كتَبوه بأيديهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه؛ ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفى قولِه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه نهاهم عن أن يَكْتُموا الحقَّ، كما نهاهم عن أن يَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ.
فيَكونُ تأويلُ ذلك حينَئذٍ: ولا تَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ، ولا تكْتُموا الحقَّ.
ويَكونُ قولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ عندَ ذلك مَجْزومًا بما جُزِم به ﴿تَلْبِسُوا﴾ عَطْفًا عليه.
والوجهُ الآخرُ منهما: أن يَكونَ النهىُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لهم عن أن يَلْبِسوا الحقَّ بالباطلِ، ويكونَ قولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ خبرًا منه عنهم بكِتمانِهم الحقَّ الذى يَعْلَمونه.
فيَكونُ قولُه حينَئذٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ منصوبًا لانْصرافِه عن معنى قولِه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.
إذ كان قولُه: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ﴾ نهيًا، وقولُه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ خبرًا معطوفًا عليه غيرَ جائزٍ أن يُعادَ عليه ما عمِل في قولِه: ﴿تَلْبِسُوا﴾ مِن الحرفِ الجازمِ، وذلك هو المعنى الذي يُسَمِّيه النَّحْويون صَرْفًا (١).
ونظيرُ ذلك في المعنى والإعرابِ قولُ الشاعرِ (٢): لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتَأْتِىَ مثلَه … عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ فنصَب "تأتى" على التأويل الذى قلْنا في قولِه: ﴿وَتَكْتُمُوا﴾؛ لأنه لم يَرِدْ: لا تَنْهَ عن خلقٍ ولا تأتِ مثلَه.
وإنما معناه: لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وأنت تَأتى مثلَه.
فكان الأولُ نهيًا والثانى خبرًا، إذ عطَفه على غيرِ شكلِه.
فأما الوجهُ الأولُ مِن هذين الوجهين اللذين ذكَرْنا أن الآية تَحْتَمِلُهما، فهو على مذهبِ ابنِ عباسٍ الذي حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ ابنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾.
يقولُ: لا تَكْتُموا الحقَّ وأنتم تَعْلَمون (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾.
أى: ولا تَكْتُموا الحقَّ.
وأما الوجهُ الثانى منهما، فهو على مذهبِ أبى العاليةِ ومُجاهدٍ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَموا نَعْتَ (١) محمدٍ ﷺ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بنِ ميمونٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ نحوَه.
وأما تأويلُ الحقِّ الذي كتَموه وهم يَعْلَمونه، فإنه ما حدَّثنا به ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ مولى زيدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾.
يقولُ: لا تَكْتُموا ما عندَكم مِن المعرفةِ برسولى، وما جاء به، وأنتم تَجِدونه عندَكم فيما تَعْلَمون مِن الكتبِ التى بأيديكم (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾.
يقولُ: إنكم قد علِمْتُم أن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ، فنهاهم عن ذلك.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال: يَكْتُمُ أهلُ الكتابِ محمدًا ﷺ وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
قال: الحقُّ هو محمدٌ ﷺ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: كتَموا نَعْتَ محمدٍ ﷺ وهم يَجِدونه مَكتوبًا عندَهم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ (٣)، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: تَكْتُمون محمدًا وأنتم تَعْلَمون، وأنتم تَجِدونه عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ولا تَخْلِطوا على الناسِ أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ في أمرِ محمدٍ ﷺ وما جاء به مِن عندِ ربِّه، وتزْعموا أنه مَبْعوثٌ إلى [بعضِ أجْناسِ الأممِ دون بعضٍ، أو تُنافِقوا في أمرِه، وقد علِمْتُم أنه مَبعوثٌ إلى] (٤) جميعِكم، وجميعِ الأممِ غيرِكم، فتَخْلِطوا بذلك الصدقَ بالكذبِ، وتَكْتُموا به ما تَجِدونه في كتابِكم مِن نعْتِه وصفتِه، وأنه رسولى إلى الناسِ كافَّةً، وأنتم تَعْلَمون أنه رسولى، وأن ما جاء به إليكم فمِن عندى، وتَعْرِفون أن مِن عهدى الذي أخَذْتُ عليكم في كتابِكم الإيمانَ به وبما جاء به والتصديقَ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: ذُكِر أن أحبارَ اليهودِ والمنافِقِين كانوا يَأْمُرون الناسَ بإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ ولا يَفْعَلونه، فأمَرهم اللهُ تعالى ذكرُه بإقامِ الصلاةِ مع المسلمين المُصدِّقِين بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، وإيتاءِ زكاةِ أموالِهم معهم، وأن يَخْضَعوا للهِ ﵎ ولرسولِه كما خضَعوا.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قال: فَرِيضتان واجِبتان، فأدُّوهما إلى اللهِ جلّ ثناؤه.
وقد بيَّنا معنى إقامةِ الصلاةِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ (١).
وأما إيتاءُ الزكاةِ فهو أداءُ الصدقةِ المفروضةِ، وأصلُ الزكاةِ نَماءُ المالِ وتَثْميرُه وزيادتُه.
ومِن ذلك قيل: زكا الزرعُ، إذا كثُر ما أخْرَج اللهُ جلّ وعزّ منه، وزكَتِ النفقةُ، إذا كَثُرت.
وقيل: زكا الفردُ، إذا صار زوجًا بزيادةِ الزائدِ عليه حتى صار به شَفْعًا، كما قال الشاعرُ (٢): كانوا خَسًا أو زَكًا مِن دونِ أربعةٍ … لم يُخْلَقوا وجُدودُ (١) الناسِ تَعْتَلِجُ (٢) [قال أبو جعفرٍ: خسًا: الوترُ، وزكًا: الشَّفْعُ] (٣).
وقال الرَّاجزُ (٤): فلا خَسًا عَدِيدُه ولا زَكا كما شِرارُ البَقْلِ أطرافُ السَّفَا قال أبو جعفرٍ: السفا: شَوكُ البُهْمَى، والبُهْمى: الذي يكونُ مُدَوَّرًا في السُّلَّاءِ (٥).
يعنى بقولِه: ولا زكَا: لم يُصَيِّرْهم شَفْعًا مِن وِتْرٍ بحُدوثِه فيهم.
وإنما قيل للزكاةِ: زكاةٌ، وهى مالٌ تَخْرُجُ مِن مالٍ؛ لتثميرِ اللهِ جلَّ وعزّ -بإخراجِها مما أُخْرِجَت منه- ما بِقى عندَ ربِّ المالِ مِن مالِه.
وقد يَحْتَمِلُ أن تَكونَ سُمِّيت زكاةً لأنها تطهيرٌ لما بقِى مِن مالِ الرجلِ، وتخليصٌ له مِن أن تكونَ فيه مَظْلِمةٌ لأهلِ السُّهْمانِ، كما قال اللهُ جل ثناؤُه مخبرًا عن نبيه موسى صلواتُ اللهِ عليه: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤].
يعنى: بريئةً مِن الذنوبِ طاهرةً.
وكما يقالُ للرجلِ: هو عَدْلٌ زَكِىٌّ.
بذلك المعنى.
قال أبو جعفرٍ: وهذا الوجهُ أعجبُ إلىَّ في تأويلِ زكاةِ المالِ مِن الوجهِ الأولِ، وإن كان الوجهُ الأولُ مقولًا (١) في تأويلِها.
وإيتاؤُها: إعطاؤُها أهلَها.
وأما الركوعُ، فهو الخضوعُ للهِ جلّ ثناؤه بالطاعةِ، يُقالُ منه: ركَع فلانٌ لكذا وكذا إذا خضَع له.
ومنه قولُ الشاعرِ (٢): بِيعَت بكَسْرٍ لَئِيمٍ واسْتَغاث بها … مِن الهُزالِ أبوها بعدَ ما رَكَعا يعنى: بعدَ ما خضَع مِن شدةِ الحاجةِ والجَهْدِ.
وهذا أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لمن ذكَر مِن أحبارِ بنى إسرائيلَ ومُنافقِيها - بالإنابةِ (٣) والتوبةِ إليه، وبإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ، والدخولِ مع المسلمين في الإسلامِ، والخضوعِ له بالطاعةِ، ونَهْىٌ منه لهم عن كِتْمانِ ما قد علِموا مِن نبوَّةِ محمدٍ ﷺ بعدَ تَظاهُرِ حُجَجِه عليهم، مما قد وصَفْنا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وبعدَ الإعْذارِ إليهم والإنْذارِ، وبعدَ تذكيرِهم نعمَه إليهم وإلى أسلافِهم؛ تَعَطُّفًا منه بذلك عليهم وإبلاغًا إليهم في المَعْذِرةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتلَف أهلُ التأويلِ في معنى "البِرِّ" الذي كان المخاطَبون بهذه الآيةِ يَأْمُرون الناسَ به، ويَنْسَوْن أنفسَهم، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن كلَّ طاعةٍ للهِ فهى تُسَمَّى بِرًّا.
فرُوِى عن ابنِ عباسٍ ما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
أى: تَنْهَوْن الناسَ عن الكفرِ بما عندَكم مِن النبوةِ والعهدِ مِن التوراةِ، وتَتْرُكون أنفسَكم وأنتم تَكْفُرون بما فيها مِن عَهْدى إليكم في تصديقِ رسولى، وتَنْقُضون مِيثاقى، وتَجْحَدون ما تَعْلَمون مِن كتابى (١).
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾.
يقولُ: أتَأْمُرُون الناسَ بالدخولِ في دينِ محمدٍ ﷺ وغيرِ ذلك مما أُمِرْتُم به مِن إقام الصلاةِ [وإيتاءِ الزكاةِ] (٢)، ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٣).
وقال آخَرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنى عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال: كانوا يَأْمُرُون الناسَ بطاعةِ اللهِ وهم يَعْصُونه (٤).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال: كان بنو إسرائيلَ يَأْمُرون الناسَ بطاعةِ اللهِ وبتَقْواه وبالبرِّ ويُخالِفون، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه (٥).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا الحجاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾: أهلُ الكتابِ والمنافِقون كانوا يَأْمُرون الناسَ بالصومِ والصلاةِ، ويَدَعُون العملَ بما يَأْمُرون به الناسَ، فعيَّرهم اللهُ جلّ ثناؤه بذلك، فمن أمَر بخيرٍ فلْيَكُنْ أشدَّ الناسِ فيه مُسارَعةً (١).
وقال آخَرون بما حدَّثنى به يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ هؤلاء اليهودُ كان إذا جاء الرجلُ يَسْأَلهم ما ليس فيه حقٌّ ولا رِشْوةٌ ولا شيءٌ، أمَروه بالحقِّ، فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٢).
وحدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ الجَرْمِيُّ، قال: حدَّثنا مَخْلَدُ ابنُ الحسينِ، عن أيوبَ السَّخْتِيانىِّ، عن أبي قِلَابةَ في قولِ اللهِ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
قال: قال أبو الدَّرْداءِ: لا يَفْقَهُ الرجلُ كلَّ الفقهِ حتى يمقُتَ الناسَ في ذاتِ اللهِ، ثم يَرْجِعَ إلى نفسِه فيَكونَ لها أشدَّ مَقْتًا (٣).
قال أبو جعفرٍ: وجميعُ الذي قال في تأويلِ هذه الآيةِ مَن ذكَرْنا قولَه متقاربُ المعنى؛ لأنهم وإن اخْتَلَفوا في صفةِ "البِرِّ" الذي كان القومُ يَأمُرون به غيرَهم الذين وصَفَهم اللهُ جل ثناؤه بما وصَفَهم به، فهم مُتَّفِقون في أنهم كانوا يَأْمُرُون الناسَ بما للهِ فيه رضًا مِن القولِ والعملِ، ويُخالِفون ما أمَروهم به مِن ذلك إلى غيرِه بأفعالِهم.
فالتأويلُ الذى يَدُلُّ على صحتِه ظاهرُ التِّلاوةِ إذن: أتَأْمُرون.
الناسَ بطاعةِ اللهِ وتَتْركون أنفسَكم تَعْصِيه؟
فهلَّا تَأْمُرونها بما تَأْمُرُون به الناسَ مِن طاعةِ ربِّكم جلَّ وعز؟
مُعَيِّرَهم بذلك ومقبِّحًا [لهم قبيحَ] (١) ما أتَوْا به (٢).
ومعنى نسيانِهم أنفسَهم في هذا الموضعِ نظيرُ النسيانِ الذي قال جل ثناؤُه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
بمعنى: ترَكوا طاعةَ اللهِ فترَكهم اللهُ مِن ثوابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: ﴿تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾: تَدْرُسون وتَقْرَءون.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
يقُولُ: تَدْرُسون الكتابَ بذلك (٣).
ويعنى بـ ﴿الْكِتَابَ﴾: التَّوْراةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾: أفلا تَفْقَهون وتَفْهَمون قُبْحَ ما تَأْتون مِن معصيتِكم ربَّكم التي تأْمُرون الناسَ بخِلافِها وتَنْهَونهم عن رُكوبِها، وأنتم راكبُوها، وأنتم تَعْلَمون أن الذي عليكم مِن حقِّ اللهِ وطاعتِه في اتباعِ محمد ﷺ والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذي على مَن تَأْمُرونه باتِّباعِه.
كما حدَّثنا به محمدُ بنُ العَلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
يقولُ: أفلا تَفقهون.
فنهاهم عن هذا الخُلُقِ القَبيحِ (١).
وهذا يَدُلُّ على صحةِ ما قلْنا مِن أمرِ أحْبارِ يهودِ بني إسرائيلَ غيرَهم باتِّباعِ محمدٍ ﷺ، وأنهم كانوا يَقُولون: هو مَبعوثٌ إلى غيرِنا.
كما ذكَرْنا قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾: واستَعِينوا على الوفاءِ بعهدى الذي عاهَدتموني في كتابِكم -مِن طاعتى واتباعِ أمرى، وتركِ ما تَهْوَوْنه مِن الرِّياسةِ وحبِّ الدنيا، إلى ما تَكْرَهونه مِن التسليمِ لأمْرِي، واتباعِ رسولي محمدٍ ﷺ - بالصبرِ عليه والصلاةِ.
وقد قيل: إن معنى الصبرِ في هذا الموضعِ الصومُ، والصومُ بعضُ معاني الصبرِ [عندَنا، بل تأويلُ] (٢) ذلك عندَنا أن اللهَ تعالى ذكرُه أمَرهم بالصبرِ على كُلِّ ما كرِهَتْه نفوسُهم مِن طاعةِ اللهِ وترْكِ مَعاصِيه.
وأصلُ الصبرِ منعُ النفسِ مَحابَّها وكفُّها عن هَواها؛ ولذلك قيل للصابرِ على المصيبةِ: صابرٌ، لكفِّه نفسَه عن الجَزَعِ.
وقيل لشهرِ رمضانَ: شهرُ الصَّبرِ، لصبرِ صائميه عن المَطاعِمِ والمشَارِبِ نهارًا.
وصَبرُه إياهم عن ذلك: حَبْسُه لهم وكفُّه إياهم عنه، كما تَصْبِرُ الرجلَ المسئَ للقتلِ، فتَحْبِسُه عليه حتى تَقْتُلَه، ولذلك قيل: قتَل فلانٌ فلانًا صَبْرًا.
يعني به: حبَسه عليه حتى قتَله، فالمقتولُ مَصْبورٌ، والقاتلُ صابرٌ.
وأما الصلاةُ فقد ذكَرْنا معناها فيما مضَى (٣).
فإن قال قائلٌ: قد علِمنا معنى الأمرِ بالاستعانةِ بالصبرِ على الوَفاءِ بالعهدِ والمحافظةِ على الطاعةِ، فما معنى الأمرِ بالاستعانةِ بالصلاةِ على طاعةِ اللهِ وتركِ مَعاصِيه، والتَّعَرِّى عن الرِّياسةِ وترْكِ الدنيا؟
قيل: إن الصلاةَ فيها تلاوةُ كتابِ اللهِ جل ثناؤه، الداعيةِ آياتهُ إلى رفضِ الدنيا، وهجرِ نَعيمِها، المُسَلِّيةِ النفوسَ عن زينتِها وغُرورِها، المُذَكِّرةِ الآخرةَ وما أعدَّ اللهُ فيها لأهلِها، ففي الاعتبارِ بها المعونةُ لأهلِ طاعةِ اللهِ ﷻ على الجِدِّ فيها، كما رُوِى عن نبيِّنا ﷺ ـ أنه كان إذا حزَبَه أمرٌ (١) فزِع إلى الصلاةِ.
حدَّثنى بذلك إسماعيلُ بنُ موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا الحسينُ (٢) بنُ زياد (٣) الهَمْدانيُّ، [عن ابنِ جُرَيجٍ] (٤)، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ، عن محمدِ بنِ عُبَيدِ بنِ أبي قُدامةَ، عن عبدِ العزيزِ بنِ اليمَانِ، عن حُذيفةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاةِ (٥).
وحدَّثنى سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: حدَّثنا خلفُ بنُ الوليدِ الأزْديُّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ زكريا، عن عكرمةَ بنِ عمارٍ، عن محمدِ بنِ عبدِ اللهِ الدُّؤَليِّ، قال: قال عبدُ العزيزِ أخو حُذَيْفةَ: قال حذيفةُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا حزَبه أمرٌ صلَّى (١).
وكذلك رُوِى عنه ﷺ أنه رأَى أبا هريرة مُنْبَطِحًا على بطنِه فقال له: "اشكَنْب دَرْد" (٢).
قال: نعم.
قال: "قُمْ فَصَلِّ فإِنَّ في الصَّلاةِ شِفَاءً" (٣).
فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمرَهم مِن أحْبارِ بني إسرائيلَ أن يَجْعَلوا مَفْزَعَهم -في الوفاءِ بعهدِ اللهِ الذي عاهَدوه- إلى الاستعانةِ بالصبرِ والصلاةِ كما أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ بذلك، فقال له: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠].
فأمَره جل ثناؤُه في نَوائبِه بالفزَعِ إلى الصبرِ والصلاةِ.
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ العَلاءِ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا عُيَيْنةُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، أن ابنَ عباس نُعِى إليه أخوه قُثَمُ وهو في سفرٍ، فاسْتَرْجَع ثم تنَحَّى عن الطريقِ، فأناخ فصلَّى ركعتَيْن، أطال فيهما الجلوسَ، ثم قام يَمْشِي إلى راحلتهِ وهو يقولُ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (١).
وأما أبو العاليةِ فإنه كان يَقولُ بما حدَّثنى به المثنى بنُ إبراهيمُ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفر، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
قال: يَقولُ: اسْتَعينوا بالصبرِ والصلاةِ على مَرضاةِ اللهِ، واعْلَموا أنهما مِن طاعةِ اللهِ تعالى ذكرُه (١).
وقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
قال: إنهما مَعونتان على رحمةِ اللهِ (٢).
وحدَّثني يُونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية.
قال: قال المشرِكون: واللهِ يا محمدُ إنك لَتَدْعُونا إلى أمرٍ كبيرٍ.
قال: إلى الصلاةِ والإيمانِ باللهِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني جلّ وعزّ بقولِه: ﴿وَإِنَّهَا﴾: وإن الصلاةَ.
والهاءُ والألفُ في ﴿وَإِنَّهَا﴾ عائدتان على الصلاةِ.
وقد قال بعضُهم: إن قولَه: ﴿وَإِنَّهَا﴾.
بمعنى: إن إجابةَ محمدٍ ﷺ.
ولم يَجْرِ لذلك بلفظِ الإجابةِ ذِكْرٌ فتُجْعَلَ الهاءُ والألفُ كنايةً عنه، وغيرُ جائزٍ تركُ الظاهرِ المفهومِ مِن الكلامِ إلى باطنٍ لا دَلالةَ على صحتِه.
ويعنى بقولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لَشديدةٌ ثقيلةٌ.
كما حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ (٤)، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
قال: إنها لثَقيلةٌ (١).
ويعنى بقولِه: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: إلَّا على الخاضِعين لطاعتِه، الخائفِين سَطَواتِه، المُصَدِّقِين بوعدِه ووَعِيدِه.
كما حَدَّثَنِي المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: يعنى المُصَدِّقين بما أنْزَل اللهُ (٢).
وحَدَّثَني المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ العَسْقلانِيُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: يعنى الخائِفين (٣).
وحَدَّثني مُحمَّدُ بنُ عَمْرٍو (٤) قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قالِ: حَدَّثَنَا [عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ] (٥)، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
قال: المؤمنين حقًّا (٦).
وحَدَّثني المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: الخشوعُ الخوفُ والخشيةُ للهِ ﷿.
وقرَأ قولَ الله ﵎: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥].
قال: قد أذَلَّهم الخوفُ الذى نزَل بهم وخشَعوا له.
وأصلُ الخشوعِ التَّواضعُ والتَّذللُ والاسْتِكانةُ، ومنه قولُ الشاعرِ (١): لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبيرِ تواضَعَتْ … سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ يعنى: والجبالُ خُشَّعٌ مُتَذَلِّلةٌ لعِظَمِ المُصيبةِ بفَقْدِه.
فمعنى الآيةِ: واستَعِينوا أيُّها الأحبارُ مِن أهلِ الكتابِ بحبسِ أنفسِكم على طاعةِ اللهِ جل وعز، وكفِّها عن مَعاصى اللهِ، وبإقامةِ الصلاةِ المانعةِ مِن الفَحْشاءِ والمُنْكرِ، المُقَرِّبةِ مِن رضا اللهِ، العظيمةِ إقامتُها إلَّا على المُتَواضِعِين للهِ المُسْتَكِينين لطاعتِه المُتذَلِّلِين مِن مَخافتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف أخْبَر اللهُ جلَّ وعزَّ عمَّن قد وصَفه بالخشوعِ له بالطاعةِ أنه يَظُنُّ أنه مُلاقِيه، والظنُّ شكٌّ، والشاكُّ في لقاءِ اللهِ جلَّ ثناؤه عندَك باللهِ كافرٌ؟
قيل: إن العربَ قد تُسَمِّى اليقينَ ظنًّا، والشكَّ ظنًّا، نظيرَ تسميتِهم الظُّلمةَ سُدْفةً، والضياءَ سُدفةً، والمُغيثَ صارخًا، والمُسْتَغِيثَ صارخًا، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأسماءِ التى تُسمِّى بها الشيءَ وضدَّه، ومما يَدُلُّ على أنَّه يُسَمَّى به اليقينُ، قولُ دُرَيْدِ ابنِ الصِّمَّةِ (٢): فقلتُ لهم ظُنُّوا بألْفَىْ مُدَجَّجٍ … سَراتُهمُ (١) في الفارسيِّ المُسَرَّدِ (٢) يعنى بذلك: تَيَقَّنوا ألفَىْ مُدَجَّجٍ تَأْتِيكم.
وقولُ عَمِيرةَ بنِ طارقٍ (٣): بأن تَغْتَزوا (٤) قوْمى وأَقْعُدَ فيكمُ … وأَجْعَلَ منى الظنَّ غَيْبًا مُرَجَّمَا يعنى: وأجْعَل منى اليَقينَ غيبًا مُرَجَّمًا.
والشواهدُ مِن أشعارِ العربِ وكلامِها على أنَّ الظنَّ في معنى اليقينِ أكثرُ مِن أن تُحْصَي، وفيما ذكَرْنا لمَن وُفِّق لفهمِه كِفايةٌ.
ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣].
وبمثلِ الذى قلْنا في ذلك جاء تفسيرُ المُفَسِّرِين.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
قال: الظنُّ ههنا يقينٌ (٥).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ يَقينٌ، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة: ٢٠]، و ﴿ظَنُّوا﴾ (١).
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو داودَ الحَفَرىُّ، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ فهو عِلْمٌ (٢).
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: أمَّا ﴿يَظُنُّونَ﴾ فَيَسْتَيْقِنون (٣).
حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾: علِموا أنهم ملاقو ربهم.
قال: هي كقولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
يقولُ: علِمْتُ (٤).
حَدَّثَنِي يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
قال: لأنهم لَمْ يُعايِنوا، فكان ظنُّهم يَقينًا، وليس ظنًّا في شكٍّ.
وقرَأ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.
فأُضِيف المُلاقون إلى الربِّ جلَّ وعزَّ، وقد علِمْتَ أن معناه: الذين يَظُنُّون أنهم يَلْقَوْن ربَّهم؟
وإذا كان المعنى كذلك، فمِن كلامِ العربِ تركُ الإضافةِ وإثباتُ النونِ، وإنما تُسْقِطُ النونَ وتُضِيفُ في الأسماءِ المبْنِيَّةِ مِن الأفعالِ إذا كانت بمعنى "فَعَل"، فأما إذا كانت بمعنى "يفْعَل"، و"فاعِل"، فشأنُها إثباتُ النونِ وتركُ الإضافةِ.
قيل: لا تَدافُعَ بينَ جميعِ أهلِ المعرفةِ بلغاتِ العربِ وأَلْسُنِها في إجازةِ إضافةِ الاسمِ المَبنيِّ من "فَعَل" و"يفعَلُ"، وإسقاطِ النونِ، وهو بمعنى "يفْعَل"، و"فاعِل" -أعْنِى بمعنى الاسْتِقْبالِ وحالِ الفعلِ- ولمَّا يَنْقَضِ، فلا وجهَ لمسألةِ السائلِ عن ذلك لمَ قيل.
وإنما اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في السببِ الذى مِن أجلِه أُضِيفَ وأُسْقِطَت النونُ؛ فقال نحْويُّو البصرةِ: أُسْقِطَت النونُ مِن ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ وما أشْبَهَه مِن الأفعالِ التى في لفظِ الأسماءِ، وهى في معنى "يفعل"، أو فى (١) معنى ما لَمْ يَنْقَضِ [من الفعلِ] (٢)، اسْتِثْقالًا لها، وهى مُرادةٌ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وكما قال: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾ [القمر: ٢٧].
ولمَّا يُرْسِلْها بعدُ، وكما قال الشاعر (٣): هل أنتَ باعثُ دينارٍ لحاجتِنا … أوَ عبدَ رَبٍّ أخا عَوْنِ بنِ مِخْراقِ فأضاف "باعث (٤) " إلى "الدينارِ" ولمَّا يَبْعَثْ، ونصَب "عبدَ ربٍّ" عطفًا على موضعِ "دينارٍ"؛ لأنه في معنى (٥) نصبٍ وإن خُفِض، وكما قال الآخرُ (٦): والحافظو عورةِ العَشِيرةِ لا … يَأْتِيهمُ مِن وَرائِهم نَطَفُ (٧) بنصبِ "العورةِ" وخفضِها، فالخفضُ على الإضافةِ، والنصبُ على حذفِ النونِ اسْتِثْقالًا وهى مُرادةٌ.
وهذا قولُ نحْويِّى البصرةِ.
وأما نحْويُّو الكوفةِ فإنهم قالوا: جائزٌ في ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ الإضافةُ، وهو في معنى "يَلْقَوْن"، وإسقاطُ النونِ منه؛ لأنه في لفظِ الأسماءِ، فله في الإضافةِ إلى الأسماءِ حظُّ الأسماءِ، وكذلك حكمُ كلِّ اسمٍ كان له نَظيرًا.
قالوا: وإذا أُثْبِتت في شيءٍ من ذلك النونُ وتُركت الإضافةُ، فإنما تفعلُ ذلك به لأنَّ له معنى "يفعل" الذى لَمْ يَكنْ ولم يَجِبْ بعدُ.
قالوا: فالإضافةُ فيه للفظِ، وتركُ الإضافةِ للمعنى.
فتأويلُ الآيةِ إذن: واسْتَعِينوا على الوَفاءِ بعَهْدى بالصبرِ عليه والصلاةِ، وإن الصلاةَ لكبيرةٌ إلَّا على الخائِفِين عِقابي، المُتَواضِعِين لأمْرِي، المُوقِنين بلِقائى والرجوعِ إليَّ بعدَ مَماتِهم.
وإنما أخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أن الصلاةَ كبيرةٌ إلَّا على مَن هذه صفتُه؛ لأنَّ مَن كان غيرَ مُوقِنٍ بمَعادٍ، ولا مُصَدِّقٍ بمَرْجِعٍ ولا ثَوابٍ ولا عِقابٍ، فالصلاةُ عندَه عَناءٌ وضَلالٌ؛ لأنه لا يَرْجُو بإقامتِها إدراكَ نفعٍ، ولا دفعَ ضُرٍّ، وحُقَّ لمَن كانت هذه الصفةُ صفتَه أن تكونَ الصلاةُ عليه كبيرةً، وإقامتُها عليه ثقيلةً، وله فادحةً.
وإنما خفَّت على المؤمنين المُصَدِّقِين بلقاءِ اللهِ ﷿، الراجِين عليها جَزيلَ ثَوابِه، الخائِفين بتَضْييعِها أليمَ عقابِه، لِمَا يَرْجُون بإقامتِها في مَعادِهم مِن الوصولِ إلى ما وعَد اللهُ عليها أهلَها، ولِمَا يَحْذَرون بتَضْييعِها ما أوْعَد مُضَيِّعِيها.
فأمَر اللهُ تعالى ذكرُه أحبارَ بنى إسرائيلَ الذين خاطَبهم بهذه الآياتِ أن يَكونوا مِن مُقِيمِيها، الراجِين ثوابَها، إذا كانوا أهلَ يقينٍ أنهم إلى اللهِ جلَّ وعزَّ راجِعون، وإياه في القيامةِ مُلاقُون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخاشِعِين، والهاءُ التى في ﴿إِلَيْهِ﴾ مِن ذكرِ الربِّ جلَّ وعزَّ في قولِه: ﴿مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ فتأويلُ الكلمةِ: وإنها لكبيرةٌ إلَّا على الخاشِعينِ المُوقِنينِ أنهم إلى ربِّهم راجِعون.
ثم اخْتُلِف في تأويلِ "الرجوعِ" الذى في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال؛ حَدَّثَنَا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
قال: يَسْتَيْقِنون أنهم يَرْجعون إليه يومَ القيامةِ (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك أنهم إليه يَرْجعون بموتِهم.
وأولى التأويلَيْن بالآيةِ القولُ الذى قاله أبو العاليةِ؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قال في الآية التى قبلَها: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨].
فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن مَرْجِعَهم إليه بعد نَشْرِهم وإحيائِهم مِن مَماتِهم، وذلك لا شكَّ يومَ القيامةِ، فكذلك تأويلُ قولِه: ﴿وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك في هذه الآيةِ نظيرُ تأويلِه في التى قبلَها في قولِه: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾.
وقد ذكَرْتُه هنالك (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا أيضًا مما ذكَّرهم اللهُ ﷻ مِن آلائِه ونعمِه عندَهم.
ويَعْنى بقولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: أنى فضَّلْتُ أسْلافَكم.
فنَسَب نِعَمَه على آبائِهم وأسْلافِهم إلى أنها نِعَمٌ منه عليهم؛ إذ كانت مآثِرُ الآباءِ مآثِرَ للأبناءِ، والنعمُ عندَ الآباءِ نِعَمًا عند الأَبناءِ، لِكونِ الأبناءِ مِن الآباءِ.
وأخْرَج جل ذكرُه قولَه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ مُخْرَجَ العُمومِ وهو يُريدُ به خصوصًا، لأن المعنى: وأنى فضَّلْتُكم على عالَمِ مَن كنتم بينَ ظَهْرَيه وفى زمانِه.
كالذى حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى الصَّنْعانىُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: فضَّلهم على عالَمِ ذلك الزمانِ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
قال: بما أُعْطُوا مِن المُلكِ والرُّسلِ والكتبِ على عالَمِ مَن كان في ذلك الزمانِ، فإن لكل زمان عالَمًا (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: على مَن هم بينَ ظَهْرَانَيْه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ في قولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ قال: على مَن هم بينَ ظَهرَانَيْه (١) وحدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
قال: عالَمِ ذلك الزمانِ.
وقرَأ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
قال: هذه لمَن أطاعَه واتَّبَع أمرَه، وقد كان فيهم القِرَدةُ، وهم أبْغَضُ خلقِه إليه.
قال: وقال لهذه الأمةِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
قال: هذه لمَن أطاعه واتَّبَع أمرَه جل وعز واجْتَنَب مَحارمَه.
قال أبو جعفرٍ: والدليلُ على صحةِ ما قلْنا مِن أن تأويلَ ذلك على الخصوصِ الذى وصَفْنا ما حدَّثنى به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا الحسنُ ابنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، جميعًا عن بَهْزِ بنِ حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ألَا إِنَّكم وَفَّيْتُم سَبْعين أُمَّةً": قال يعقوبُ في حديثه: "أنْتُم آخِرُها".
وقال الحسنُ: "أنْتُم خَيْرُها وأكْرَمُها على اللهِ".
فقد أنْبَأ هذا الخبرُ عن النَّبىِّ ﷺ أن بنى إسرائيل لم يكونوا مُفَضَّلِين على أمةِ محمدٍ ﵊، وأن معنى قولِه: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الجاثية: ٢٦].
وقولِه: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
على ما بيَّنا مِن تأويلِه، وقد أتَيْنا على بيانِ تأويلِ قولِه: ﴿الْعَالَمِينَ﴾.
بما فيه الكفايةُ في غيرِ هذا الموضعِ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا.
وجائزٌ أيضًا أن يَكونَ تأويلُه: واتَّقُوا يومًا لا تَجْزِيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، كما قال الراجز (٢): قد صبَّحَتْ صبَّحَها السلامُ بكَبِدٍ خالَطَها سَنامُ في ساعةٍ يُحَبُّها الطَّعامُ وهو يعنى: يُحَبُّ فيها الطعامُ.
فحُذِفَت الهاءُ الراجعةُ على "اليومِ"؛ إذ فيه اجتزاءٌ بما ظهَر مِن قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾ الدالِّ على المحذوفِ منه - عما حُذِف، إذ كان معلومًا معناه.
وقد زعَم قومٌ مِن أهلِ العربيةِ أنه لا يَجوزُ أن يَكونَ المحذوفُ في هذا الموضعِ إلا الهاءَ.
وقال آخَرون: لا يجوزُ أن يكونَ المحذوفُ إلا "فيه".
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على جَوازِ حذفِ كلِّ ما دل الظاهرُ [من الكلام] (٣) عليه (٤).
وأما المعنى في قولِه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
فإنه تحذيزٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه الذين خاطَبَهم بهذه الآيةِ، عقوبته أن تَحِلَّ بهم يومَ القيامةِ، وهو اليومُ الذى لا تَجْزِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا يَجْزِى فيه والدٌ عن ولدِه، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والدِه شيئًا.
وأما تأويلُ قولِه ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ﴾.
فإنه يعنى: لا تُغْنى.
كما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: أما ﴿تَجْزِي﴾ فتُغْنِى (١).
وأصلُ الجزاءِ في كلامِ العربِ القَضاءُ والتَّعْويضُ، يقالُ: جزَيْتُه قَرْضَه ودَيْنَه، أَجْزِيه جَزاءً.
بمعنى: قضَيْتُه دَيْنَه.
ومِن ذلك قيل: جزَى اللهُ فلانًا عنى خيرًا أو شرًّا.
بمعنى: أثابه عنى، وقضاه عنى ما لزِمنى له بفعلِه الذى سلَف منه إلىَّ.
وقد قال قومٌ مِن أهلِ العلمِ بلغةِ العربِ: يُقالُ: أجْزَيْتُ عنه كذا.
إذا أعَنْتَه عليه، وجزَيْتُ عنك فلانًا.
إذا كافَأْتَه.
وقال آخَرون منهم: بل: جزَيْتُ عنك: قضَيْتُ عنك، وأجْزَيْتُ: كفَيْتُ.
وقال آخَرون منهم: بل هما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: جزَتْ عنك شاةٌ وأجْزَتْ، وجزَى عنك درهمٌ وأجْزَى، ولا تَجْزِى عنك شاةٌ ولا تُجْزِى.
بمعنًى واحدٍ.
إلا أنهم ذكَروا أنَّ: جزَت عنك، ولا تُجْزِى عنك، مِن لغةِ أهلِ الحجازِ، وأن: أجْزَأ وتُجْزِئُ، مِن لغةِ غيرِهم.
وزعَموا أن تميمًا خاصَّةً مِن بينِ قبائلِ العربِ تقولُ: أجْزَأَتْ عنك شاةٌ، وهى تُجْزِئُ عنك.
وزعَم آخَرون أن "جَزَى" بلا همزٍ: قضَى، و"أجْزَأ" بالهمزِ: كافَأ.
فمعنى الكلامِ إذن: واتَّقُوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنى عنها غِنًى.
فإن قال قائلٌ: وما معنى: لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ شيئًا (١)، ولا تُغْنى عنها غِنًى؟
قيل: هو أن أحدَنا اليومَ ربما قضَى عن ولدِه أو والدِه أو ذى الصَّداقةِ والقَرابةِ دَيْنَه، وأما في الآخرةِ -فإنه فيما أتَتْنا به الأخبارُ، عنها- يَسُرُّ الرجلَ أن يَبْرُدَ (٢) له على ولدِه أو والدِه حقٌّ، وذلك أن قضاءَ الحقوقِ في القيامةِ مِن الحسناتِ والسيئاتِ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ونصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ، قالا (٣): حدَّثنا المُحاربيُّ، عن أبى خالدٍ الدالانىِّ (٤) يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن زيدِ بنِ أبى أُنَيْسةَ، عن سعيدِ بنِ أبى سعيدٍ المَقْبُرىِّ، عن أبى هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "رَحِمَ اللهُ عَبْدًا كانت عندَه لأَخيه مَظْلِمَةٌ فِى عِرْضٍ -قال أبو كُرَيْبٍ (٥) في حديثِه: أو مَالٍ- جاءَه (٦) فاسْتَحَلَّهُ قبلَ أَن يُؤْخَذَ منه وليس ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، فإِن كانت له حَسَنَاتٌ أَخَذُوا مِن حَسَنَاتِه، وإن لم تكنْ لَه حَسَنَاتٌ حَمَلُوا عليه من سَيِّئَاتِهم" (٧).
وحدَّثنى أبو عثمانَ المُقَدَّمىُّ، قال: حدَّثنا الفَرَوىُّ (١)، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن المَقْبُرىِّ، عن أبيه، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه (٢).
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسْلَمَ، قال: حدَّثنا أبو همامٍ الأهْوازىُّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللهِ ابنُ سعيدٍ، عن سعيدٍ، عن أبى هريرةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنى موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلىُّ، قال: حدَّثنا نُعَيْمُ بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ الدَّراوَرْدىُّ، عن عمرِو بنِ أبى عمرٍو، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَمُوتَنَّ أحدُكم وَعليه دَيْنٌ، فَإِنَّه ليس هناك دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ؛ إِنَّما تَقْتَسِمُون هُناك (٣) الحَسَنَاتِ والسَّيِّئَاتِ".
وأشار رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه يمينًا وشمالًا.
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا سلمُ بنُ قادمٍ، قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ هاشمُ بنُ عيسى، قال: أخْبَرَنى الحارثُ بنُ مُسلمٍ، عن الزهرىِّ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ حديثِ أبى هريرةَ (٤).
قال أبو جعفرٍ: فذلك معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
يعنى أنها لا تَقْضِى عنها شيئًا لزِمها لغيرِها؛ لأن القَضاءَ هنالك مِن الحسناتِ والسيئاتِ على ما وصَفْنا.
وكيف يَقْضِى عن غيرِه غُرْمًا (١) لزِمه مَن كان يَسُرُّه أن يَثْبُتَ له على ولدِه أو والدِه حقٌّ فيَأْخُذَه منه ولا يَتَجافَى له عنه؟
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معنى قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾: لا تَجْزِى منها أن تكونَ مكانَها.
وهذا قولٌ يَشْهَدُ ظاهرُ القرآنِ على فَسادِه؛ وذلك أنه غيرُ معقولٍ في كلامِ العربِ أن يَقولَ القائلُ: ما أغْنَيْتَ عنى شيئًا.
بمعنى: ما أغْنَيْتَ منى أن تكونَ مكانى.
بل إذا أرادوا الخبرَ عن شيءٍ أنه لا يَجْزِى مِن شيءٍ، قالوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا.
ولا يَسْتَجِيزون أن يَقولوا: لا يَجْزِى هذا مِن هذا شيئًا.
فلو كان تأويلُ قولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
ما قاله مَن حكَيْنا قولَه، لقال: واتَّقوا يومًا لا تَجْزِى نفسٌ عن نفسٍ.
كما يقالُ: لا تجزِى نفسٌ مِن نفسٍ.
ولم يَقُلْ: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾.
وفى صحةِ التنزيلِ بقولِه: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلْنا، وفسادِ قولِ مَن ذكَرْنا قولَه في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: و"الشَّفاعةُ" مصدرٌ مِن قولِ الرجلِ: شفَع لى فلانٌ إلى فلانٍ شَفاعةً.
وهو طلَبُه إليه في قضاءِ حاجتِه، وإنما قيل للشفيعِ: شَفيعٌ وشافعٌ.
لأنه ثنَّى المُسْتَشْفِعَ به (٢)، فصار له شَفْعًا، وكان ذو الحاجةِ قبلَ اسْتِشْفاعِه به في حاجتِه فَردًا، فصار صاحبُه له فيها شافعًا، وطلبه فيه وفى حاجتهِ شَفاعةً، ولذلك سُمِّى الشفيعُ في الدارِ والأرضِ شفيعًا؛ لمصيرِ البائعِ به شَفْعًا.
فتأويلُ الآيةِ إذن: واتَّقوا يومًا لا تَقْضِى نفسٌ عن نفسٍ حقًّا لزِمها للهِ ﷿ ولا لغيرِه، ولا يَقْبَلُ اللهُ منها شفاعةَ شافعٍ، فيَتْرُكَ لها ما لزِمها مِن حقٍّ.
وقيل: إن اللهَ جل ثناؤُه خاطَب أهلَ هذه الآيةِ بما خاطَبهم به فيها؛ لأنهم كانوا مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، وكانوا يقولون: نحن أبناءُ اللهِ وأَحبَّاؤُه وأولادُ أنبيائِه، وسيَشْفَعُ لنا عندَه آباؤُنا.
فأخْبَرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن نفسًا لا تَجْزِى عن نفسٍ شيئًا في القيامةِ، ولا يُقْبَلُ منها شفاعةُ أحدٍ فيها حتى يُسْتَوْفَى لكلِّ ذى حقٍّ منها حقُّه.
كما حَدَّثَنِي عباسُ بنُ أبى طالبٍ، قال: حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ نُصَيْرٍ، عن شعبةَ، عن العَوَّامِ بنِ مُزَاحِمٍ (١) -رجلٌ مِن بنى قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ- عن أبي عثمانَ النَّهْدىِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنَّ الجَمَّاءَ لَتَقْتَصُّ مِن القرْنَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢).
وكما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٧].
فآيَسَهم اللهُ جل ذكرُه مما كانوا أطْمَعوا فيه أنفسَهم مِن النجاةِ مِن عذابِ اللهِ -مع تكذيبهم بما عرَفوا مِن الحقِّ، وخلافِهم أمرَ اللهِ تعالى ذكرُه في اتباعِ محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِه- بشفاعةِ آبائِهم وغيرِهم مِن الناسِ كلِّهم، وأخْبَرَهم أنه غيرُ نافعِهم عندَه إلَّا التوبةُ إليه مِن كفرِهم، والإنابةُ مِن ضَلالِهم، وجعَل ما سنَّ فيهم مِن ذلك إمامًا لكلِّ مَن كان على مِثل منهاجِهم؛ لئلا يَطْمَعَ ذوو الإلحادِ في رحمةِ اللهِ.
قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ وإن كان مَخْرَجُها عامًّا في التِّلاوةِ، فإن المرادَ بها خاصٌّ في التأويلِ؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "شَفَاعَتى لأَهْلِ الكَبَائِرِ مِن أُمَّتِى" (١).
وأنه قال: "ليس مِن نَبِيٍّ إِلَّا وقد أُعْطِىَ دَعْوَةً، وإنِّى اخْتَبَأْتُ دَعْوَتى شَفاعَةً لأُمَّتي، وهى نائِلَةٌ منهم من لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا" (٢).
فقد تبَيَّن بذلك أنَّ اللهَ جل ثناؤُه قد يَصْفَحُ لعبادِه المؤمنين بشفاعةِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ لهم عن كثيرٍ مِن عُقوبةِ إجْرامِهم بينَهم وبينَه، وأن قولَه: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.
إنما هي لمن مات على كفرِه غيرَ تائبٍ إلى اللهِ ﷿.
وليس هذا مِن مَواضِعِ الإطالةِ في القولِ في الشَّفاعةِ والوَعْدِ والوَعيدِ فَنَسْتَقْصِىَ الحِجاجَ في ذلك، وسنَأْتى على ما فيه الكفايةُ في مَواضِعِه إن شاء اللهُ تعالى.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: و"العَدْلُ" في كلامِ العربِ -بفتحِ العينِ- الفِدْيةُ.
كما حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: أنبأنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ قال: يعنى فِداءً (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدّىِّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾: أما ﴿عَدْلٌ﴾ فيَعْدِلُها، مِن العَدْلِ.
يقولُ: لو جاءت بملْءِ الأرضِ ذهبًا تَفْتَدِى به ما تُقُبِّل منها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
قال: لو جاءت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبلْ منها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مُجاهِدٌ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
قال: بَدَلٌ، والبَدَلُ الفِدْيةُ (٣).
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾.
قال: لو أن لها مِلْءَ (٤) الأرضِ ذهبًا لَمْ يُقْبَلْ منها؛ [لم يُؤْخَذْ منها] (٥) فِداءٌ.
قال: ولو جاءَت بكلِّ شيءٍ لَمْ يُقْبَلْ منها.
حدَّثنا نَجيحُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حَكيمٍ، قال: أخبرنا حُميدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، عن عمرِو بنِ قيسٍ المُلَائيِّ، عن رجلٍ مِن بنى أُميةَ مِن أهلِ الشامِ، أحْسَن عليه الثناءَ، قال: قيل: يا رسولَ اللهِ، ما العَدْلُ؟
قال: "العَدْلُ الفِدْيَةُ" (١).
قال أبو جعفر: وإنما قيل للفِدْيةِ مِن الشئِ والبَدَلِ منه: عَدْلُه؛ لمُعادَلتِه إياه وهو مِن غيرِ جنسِه، ومَصِيرِه له مثلًا مِن وَجهِ الجَزاءِ، لا مِن وجهِ المُشابَهةِ في الصورةِ والخِلْقةِ، كما قال تعالى ذكره: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠].
بمعنى: وإن تَفْدِ كلَّ فِدْيةٍ لا يُؤْخَذْ منها.
يقالُ منه: هذا عَدْلُه وعَدِيلُه.
وأما العِدْلُ -بكسرِ العينِ- فهو مِثْلُ الحِمْلِ المَحْمولِ على الظهرِ، يقالُ مِن ذلك: عندى غلامٌ عِدْلُ غُلامِك، وشاةٌ عِدْلُ شاتِك.
بكسرِ العينِ، إذا كان غلامًا يَعْدِلُ غلامًا، وشاةً تَعْدِلُ شاةً، وكذلك ذلك في كلِّ مثْلٍ للشيءِ مِن جنسِه، فإذا أُريد أن عندَه قيمتَه مِن غيرِ جنسِه نُصِبَت العينُ، فقيل: عندى عَدْلُ شاتِك مِن الدراهمِ.
وقد ذُكِر عن بعضِ العربِ أنه يَكْسِرُ العينَ مِن العَدْلِ الذى هو بمعنى الفِديةِ [والمعادلةِ] (٢) ما عادلَتْه مِن جهةِ الجَزاءِ؛ وذلك لتَقارُبِ معنى العَدْلِ والعِدْلِ عندَهم.
وأما واحدُ الأعْدالِ فلم يُسْمَعْ فيه إلَّا عِدْلٌ بكسرِ العينِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.
وتأويلُ قولِه ﷻ: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
يعنى: إنهم يومَئذٍ لا يَنْصُرُهم ناصرٌ، كما لا يَشْفَعُ لهم شافعٌ، ولا يُقْبَلُ منهم عَدْلٌ ولا فِديةٌ، بَطَلَت هنالك المُحاباةُ، واضْمَحَلَّت الرِّشَا والشَّفاعاتُ، وارْتَفَع مِن القومِ التعاوُنُ والتَّناصُرُ، وصار الحُكمُ إلى العَدلِ الجَبَّارِ الذى لا يَنْفَعُ لديه الشُّفَعاءُ والنُّصَراءُ، فيَجْزِى بالسيئةِ مثلَها، وبالحسنةِ أضْعافَها، وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦].
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ فى معنى: ﴿لَا تَنَاصَرُونَ﴾.
ما حُدِّثْتُ به عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾: ما لكم (١) لا تَمانَعون منا، هَيْهاتَ (٢)، ليس ذلك لكم اليومَ (٣).
وقد قال بعضُهم في معنى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: وليس لهم مِن اللهِ يومَئذٍ نَصيرٌ يَنْتَصِرُ لهم مِن اللهِ إذا عَاقَبَهم.
وقد قيل: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ بالطلبِ فيهم والشَّفاعةِ والفِدْيةِ.
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لما وصَفْنا مِن أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أعْلَم المخاطَبِين بهذه الآيةِ أن يومَ القيامةِ يومٌ لا فِدْيةَ فيه (٤) لمن اسْتَحَقَّ مِن خلقِه عُقوبتَه، ولا شَفاعةَ فيه، ولا ناصرَ له، وذلك أن ذلك قد كان لهم في الدنيا، فأخْبَر أن ذلك يومَ القيامةِ مَعْدومٌ لا سبيلَ لهم إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾.
فإنَّه عَطْفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾.
فكأنه قال: اذْكُروا نِعْمتى التى أنْعَمْتُ عليكم، واذْكُروا إنعامَنا عليكم إذ نَجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ، بإنجائِنا لكم منهم.
وأما: [﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾] (١) فإنهم أهلُ دينِه وقومُه وأشْياعُه.
وأصلُ "آل": أهلٌ، أُبْدِلَت الهاءُ همزةً، كما قالوا: ماءٌ (٢).
فأبْدَلوا الهاءَ همزةً، فإذا صغَّروه قالوا: مُوَيْهٌ.
فردُّوا الهاءَ في التَّصْغيرِ، وأخْرَجوه على أصلِه، وكذلك إذا صغَّروا "آلًا"، قالوا: أُهَيْلٌ.
وقد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في تَصْغيرِ "آلٍ"؛ أُوَيْلٌ.
وقد يُقالُ: فلانٌ مِن آلِ النساءِ.
يُرادُ أنه منهن خُلِق.
ويقالُ ذلك أيضًا بمعنى أنه يُرِيدُهن ويَهْواهن، كما قال الشاعرُ (٣): فإنكَ (٤) مِن آلِ النِّساءِ وإنَّما … يَكُنَّ لِأَدْنَى لا وِصالَ لِغائبِ وأحسنُ أماكنِ "آل" أن يُنْطَقَ به مع الأسماءِ المشهورةِ، مثلَ قولِهم: آلُ النَّبِيِّ محمدٍ ﷺ، وآلُ عليٍّ، وآلُ العباسِ، وآلُ عَقيلٍ.
وغيرُ مُسْتَحْسَنٍ استعمالُه مع المجهولِ وفى أسماءِ الأرَضِين وما أشبهَ ذلك.
غيرُ حسنٍ عندَ أهلِ العلمِ بلسانِ (٥) العربِ أن يُقالَ: رأيْتُ آلَ الرجلِ، وزارنى (٦) آلُ المرأةِ.
ولا: رأيْتُ آلَ البصرةِ، وآلَ الكوفةِ.
وقد ذُكِر عن (١) العربِ سَماعًا أنَّها تقولُ: رأيْتُ آلَ مكةَ، وآلَ المدينةِ.
وليس ذلك في كلامِهم بالمستعملِ الفاشى.
وأما ﴿فِرْعَوْنَ﴾ فإنه يقالُ: إنه اسمٌ كانت مُلوكُ العَمالِقةِ بمصرَ تُسَمَّى به، كما كانت ملوكُ الرومِ يُسمَّى بعضُهم قيصَرَ، وبعضُهم هِرقْلَ، وكما كانت ملوكُ فَارسَ تُسَمَّى الأكاسِرةَ واحدُهم كِسْرَي، وملوكُ اليمنِ تُسَمَّى التَّبَابِعةَ، واحدُهم تُبَّعٌ.
وأما فرعونُ موسى الذى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن بنى إسرائيلَ أنه نجَّاهم منه، فإنه يقالُ: إن اسمَه [الذى هو اسمُه] (٢) الوَليدُ بنُ مُصْعبٍ.
كذلك ذكَر محمدُ بنُ إسحاقَ أنه بلَغه عن اسمِه.
حدَّثنا بذلك محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (٣).
[وقد قيل: إن اسمَه] (٤) مصعبُ بنُ الرّيَّانِ.
وإنما جاز أن يقالَ: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
والخطابُ به لمن لَمْ (٥) يُدْرِكْ فرعونَ ولا المُنَجَّيْنَ منه؛ لأنَّ المُخَاطَبِين بذلك كانوا أبناءَ مَن نجَّاهم مِن فرعونَ وقومِه، فأضاف ما كان مِن نعمِه على آبائِهم إليهم، وكذلك ما كان مِن كُفرانِ آبائِهم، على وجهِ الإضافةِ، كما يقولُ القائلُ لآخرَ: فعَلْنا بكم كذا وكذا (٦)، وفعَلْنا بكم كذا، وقتَلْناكم وسبَيْناكم.
والمُخْبِرُ إما أن يكونَ يعنى قومَه وعَشيرتَه بذلك، أو أهلَ بلدِه ووطنِه، كان المَقولُ له ذلك أدْرَكَ ما فُعِل بهم مِن ذلك أو لم يُدْرِكْه، كما قال الأخطلُ يُهاجِى جَريرَ بنَ عَطِيَّةَ (١): ولقد سَما (٢) لكمُ الهُذَيْلُ (٣) فنالَكم … بإرَابَ (٤) حيث يُقَسِّمُ الأَنْفالَا (٥) في فَيْلَقٍ (٦) يَدْعُو الأراقِمَ (٧) لم تَكُنْ … فُرْسانُه عُزْلًا ولا أَكْفالَا (٨) ولم يَلْقَ (٩) جَريرٌ هُذَيلًا ولا أدْرَكه، ولا أدْرَك إرَابَ ولا شهِدَه، ولكنه لما كان يومًا مِن أيامِ قومِ الأخْطَلِ على قومِ جَريرٍ، أضاف الخطابَ إليه وإلى قومِه، فكذلك خطابُ اللهِ ﷿ مَن خاطَبه بقولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
لمَّا كان فعلُه ما فعَل مِن ذلك بقومِ مَن خاطَبه بالآيةِ وآبائِهم، [أضاف فعْلَه ذلك الذى فعَله بآبائِهم إلى المُخاطَبِين بالآيةِ] (١٠) وقومِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفى قولِه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾.
وجهان مِن التأويلِ؛ أحدُهما: أن يَكونَ خبرًا مُسْتَأْنَفًا عن فِعْلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ، فيَكونَ معناه حينَئذٍ: واذْكُروا نعمتى عليكم إذ نَجَّيناكم (١) مِن آلِ فرعونَ، وكانوا مِن قبلُ يَسُومُونكم سُوءَ العذابِ.
وإذا كان ذلك تأويلَه كان موضعُ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ رفعًا (٢).
والوجهُ الثانى: أن يَكونَ ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ حالًا، فيكونَ تأويلُه حينَئذٍ: وإذ نجَّيْناكم مِن آلِ فرعونَ سائميكم سُوءَ العذابِ.
فيكونَ حالًا مِن ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾.
فإنه: يُورِدُونَكم، ويُذِيقُونكم، ويُولُونكم.
يقالُ منه: سامه خُطَّةَ ضَيْمٍ.
إذا أولاه ذلك وأذاقه (٣)، كما قال الشاعرُ (٤): *إن سِيمَ خَسْفًا (٥) وجهُه تَرَبَّدَا (٦) * وأما تأويلُ قولِه: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فإنه يعنى: ما ساءَهم مِن العذابِ.
وقد قال بعضُهم: أشدَّ العذابِ.
ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأَ العذابِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما ذلك العذابُ الذى كانوا يُسومُونهم (٧)؟
قيل: هو ما وصَفه اللهُ تعالى ذكْرُه في كتابِه فقال: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
وقد قال محمدُ بنُ إسحاقَ في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: كان فرعونُ يُعَذِّبُ بني إسرائيلَ، فيَجْعَلُهم خَدَمًا وخَوَلًا (١)، وصنَّفهم في أعمالِه (٢)؛ فصِنفٌ يَبْنون، وصِنْفٌ يَزْرَعون له، فهم في أعمالِه، ومَن لم يَكُنْ منهم في صَنْعةٍ له مِن عملِه، فعليه الجزيةُ، فسامَهم كما قال اللهُ ﷿: ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ (٣).
وقال السُّدِّىُّ: جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، وجعَل يُقَتِّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم.
حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
فأضاف اللهُ جل ثناؤُه ما كان مِن فعلِ آلِ فرعونَ ببنى إسرائيلَ مِن سَوْمِهم إياهم سُوءَ العذابِ، وذَبْحِهم أبناءَهم، واسْتِحْيائِهم نساءَهم، إليهم دونَ فرعونَ -وإن كان فعلُهم ما فعَلوا مِن ذلك كان بقوةِ فرعونَ وعن أمرِه- لمباشرتِهم ذلك بأنفسِهم، فبيِّنٌ بذلك أن كلَّ مباشرٍ قتْلَ نفسٍ أو تعذيبَ حىٍّ بنفسِه، وإن كان عن أمْرِ غيرِه، ففاعلُه المُتَولِّى ذلك هو المستحقُّ إضافةَ ذلك إليه، وإن كان الآمِرُ قاهرًا الفاعلَ المأمورَ بذلك- سلطانًا كان الآمرُ، أو لِصًّا حاربًا (٥)، أو مُتَغَلِّبًا فاجرًا -كما أضاف جل ثناؤُه تذبيحَ أبناءِ بني إسرائيلَ واستحياءَ نسائِهم إلى آلِ فرعونَ دون فرعونَ، وإن كانوا بقوةِ فرعونَ وأمرِه إياهم بذلك فعَلوا ما فعَلوا، مع غلبتِه إياهم وقهرِه لهم، فكذلك كلُّ قاتلٍ نفسًا بأمرِ غيرِه ظلمًا، فهو المقتولُ به عندَنا قِصاصًا، وإن كان قتلُه إياه بإكراهِ غيرِه له على قتلِه.
وأما تأويلُ ذَبْحِهم أبناءَ بني إسرائيلَ، واستحيائِهم نساءَهم، فإنه كان فيما ذُكِر لنا عن ابنِ عباسٍ وغيرِه كالذى حدَّثنا به العباسُ بنُ الوليدِ الآمُلىُّ وتَميمُ بنُ المُنْتَصرِ الواسطىُّ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ أبى (١) أيوبَ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: تذاكَر فرعونُ وجُلساؤُه ما كان اللهُ تعالى ذكرُه وعَد إبراهيمَ خليلَه ﵇ أن يجْعَلَ في ذريتِه أنبياءَ ومُلوكًا، فأْتمروا وأجْمَعوا أمرَهم على أن يَبعَثَ رجالًا معهم الشِّفَارُ (٢)، يَطُوفون في بني إسرائيلَ، فلا يَجِدون مولودًا ذكرًا (٣) إلا ذَبَحوه، ففعَلوا، فلمَّا رأَوْا أن الكبارَ مِن بني إسرائيلَ يَمُوتون بآجالِهم، وأن الصغارَ يُذَبَّحون، قال: تُوشكون أن تُفْنُوا بني إسرائيلَ، فتَصيروا إلى أن تُباشِروا مِن الأعمالِ والخِدْمةِ ما كانوا يَكْفُونكم، فاقْتُلوا عامًا كلَّ مولودٍ ذكرٍ، فَيقِلَّ (٤) أبناؤُهم، ودَعُوا عامًا.
فحمَلَتْ أمُّ موسى بهارونَ في العامِ الذى لا يُذْبَحُ فيه الغِلْمانُ، فولَدَته عَلانيةً آمنةً (٥)، حتى إذا كان القابلُ حمَلَت بموسى (٦).
وقد حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهَيْثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشارٍ الرَّمَادىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالت الكَهَنةُ لفرعونَ: إنه يُولَدُ في هذا العامِ مولودٌ يَذْهَبُ بمُلْكِك.
قال: فجعَل فرعونُ على كلِّ ألفِ امرأةٍ مائةَ رجلٍ، وعلى كلِّ مائةٍ (٢) عشرةً، وعلى كلِّ عشرةٍ رجلًا، فقال: انْظُروا كلَّ امرأةٍ حاملٍ في المدينةِ، فإذا وضَعَت حَمْلَها فانْظُروا إليه، فإن كان ذكرًا فاذْبَحوه، وإن كان أنثى فخَلُّوا عنها (٣).
وذلك قولُه: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤).
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.
قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، فقالت الكَهَنةُ: إنه سيُولَدُ العامَ بمصرَ غلامٌ يَكونُ هلاكُك (٥) على يديه.
فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً قَوابِلَ، فإذا ولَدَت امراةٌ غلامًا أُتِى به فرعونُ فقتَله، ويَسْتَحْيى الجَوارىَ (٦).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ الحجَّاجِ، قال حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآية.
قال: إن فرعونَ ملَكهم أربعَمائةِ سنةٍ، وإنه أتاه آتٍ، فقال: إنه سيَنْشَأُ في مصرَ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ، فيَظْهَرُ عليك، ويَكونُ هَلاكُك على يديه.
فبعَث في أهلِ مصرَ نساءً.
فذكَر نحوَ حديثِ آدمَ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان مِن شأنِ فرعونَ أنه رأَى رؤيا (١) في مَنامِه، أن نارًا أقْبَلَت مِن بيتِ القدسِ حتى اشْتَمَلَت على بيوتِ مصرَ، فأحْرَقَت القِبْطَ وترَكَت بني إسرائيلَ، وأخْرَبَت بيوتَ مصرَ، فدعا السَّحَرةَ والكَهَنةَ (٢) والقافَةَ والحازَةَ، فسأَلهم عن رُؤْياه، فقالوا له: يَخْرُجُ مِن هذا البلدِ الذى جاء بنو إسرائيلَ منه -يَعْنون بيتَ المقدسِ- رجلٌ يَكونُ على وجهِه هَلاكُ مصرَ.
فأمَر ببنى إسرائيلَ ألا يُولَدَ لهم غلامٌ إلا ذبَحوه، ولا تُولَدَ لهم جاريةٌ إلا تُرِكَت.
وقال للقِبْطِ: انظُروا مَمْلوكيكم الذين يَعْمَلون خارجًا فأدْخِلوهم، واجْعَلوا بنى إسرائيلَ يَلُون تلك الأعمالَ القَذِرةَ.
فجعَل بنى إسرائيلَ في أعمالِ غلمانِهم، وأدْخَلوا غلمانَهم، فذلك حينَ يقولُ اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: تجَبَّر في الأرضِ، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ يعنى بني إسرائيلَ [حينَ جعَلهم في الأعمالِ القَذِرةِ، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [القصص: ٤].
فجعَل لا يُولَدُ لبنى إسرائيلَ] (٣) مَوْلودٌ إلا ذُبِح، فلا يَكْبَرُ الصغيرُ، وقذَف اللهُ في مَشْيَخةِ بني إسرائيلَ الموتَ، فأسْرَع فيهم، فدخَل رءوسُ القِبْطِ على فرعونَ، فكلَّموه، فقالوا: إن هؤلاء القومَ (٤) قد وقَع فيهم الموتُ، فيُوشِكُ أن يَقَعَ العملُ على غِلمانِنا بذبحِ أبنائِهم، فلا تَبْلُغُ الصِّغارُ وتَفْنَى الكِبارُ، فلو أنك كنتَ تُبْقِى مِن أولادِهم.
فأمَر أن يُذَبَّحوا سنةً ويُتْرَكوا سنةً، فلما كان في السنةِ التى لا يُذَبَّحون فيها، وُلِد هارونُ فتُرِك، فلما كان في السنةِ التى يُذَبَّحون فيها حمَلت بموسى (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ذُكِر لى أنه لما تَقارَب زمانُ موسى أتى مُنَجِّمو فرعونَ وحُزَاتُه (٢) إليه، فقالوا (٣): تَعَلَّمْ (٤) أنَّا نَجِدُ في علمِنا أن مولودًا مِن بني إسرائيلَ قد أظلَّك زمانُه الذى يُولَدُ فيه، يَسْلُبُك مُلْكَك، ويَغْلِبُك على سلطانِك، ويُخْرِجُك مِن أرضِك، ويُبَدِّلُ دينَك.
فلما قالوا له ذلك أمَر بقتلِ كلِّ مولودٍ يُولَدُ مِن بني إسرائيلَ [مِن الغِلْمَانِ، وأمَر بالنساءِ يُسْتَحْيَيْنَ، فجمَع القَوابلَ مِن نساءِ أهلِ (٥) مَمْلكتِه، فقال لهن: لا يَسْقُطُ على أيْدِيكُنَّ غلامٌ مِن بني إسرائيلَ] (٦) إلا قَتَلْتموه (٧).
فكنَّ يَفْعَلْنَ ذلك، وكان يَذْبَحُ مَن فوقَ ذلك مِن الغلمانِ، ويَأْمُرُ بالحَبَالَى فيُعَذَّبْنَ حتى يطْرَحْنَ ما في بُطونِهنَّ (٨).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: لقد ذُكِر أنه كان لَيَأْمُرُ بالقَصَبِ فيُشَقُّ حتى يُجعَلَ أمثالَ الشِّفَارِ، ثم يُصَفُّ بعضُه إلى بعضٍ، ثم يُؤْتَى بالحَبَالَى مِن بنى إسرائيلَ، فيُوقَفْنَ عليه فيَحُزُّ أقْدامَهن، حتى إن المرأةَ منهن لَتَمْصَعُ (١) بولدِها فيَقَعُ (٢) بينَ رِجْلَيْها، فَتَظَلُّ تَطَؤُه تَتَّقِى (٣) به حَدَّ القَصَبِ عن (٤) رِجْلَيْها (٥)، لِمَا بلَغ مِن جَهدِها، حتى أسْرَف فى ذلك، وكاد يُفْنِيهم، فقيل له: أفْنَيتَ الناسَ، وقطَعْتَ النَّسْلَ، وإنهم خَوَلُك وعُمَّالُك (٦).
فأمَرَ (٧) أن يُقْتَلَ الغِلْمانُ عامًا ويُسْتَحْيَوْا عامًا، فوُلِد هارونُ فى السنةِ التى يُسْتَحْيَا فيها الغِلْمانُ، ووُلِد موسى فى السنةِ التى فيها يُقْتَلون (٨).
فالذى قاله مَن ذكَرْنا قولَه مِن أهلِ العلمِ كان ذَبحَ آلِ فرعونَ أبناءَ بنى إسرائيلَ واستحياءَهم نساءَهم.
فتأويلُ قولِه إذن -على ما تأوَّله الذين ذكَرْنا قولَهم- ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ (٩)﴾: يسْتَبقُونَهن فلا يَقْتُلونهن.
وقد يَجِبُ على تأويلِ مَن قال بالقولِ الذى ذكَرْنا عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ والربيعِ بنِ أنسٍ والسُّدىِّ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
أنه تَرْكُهم الإناثَ مِن القتلِ عندَ وِلادتِهن إياهن -أن يكونَ جائزًا أن تُسَمَّى الطفلُ (١٠) مِن الإناثِ فى حال صِباها وبعدَ وِلادتِها (١) امرأةً، والصَّبايا الصغارُ وهن أطفالٌ نساءً؛ لأنهم تأوَّلوا قولَ اللهِ جل وعزّ: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾: يَسْتَبْقون الإناثَ مِن الوِلْدانِ عندَ الوِلادةِ فلا يَقْتُلونهن.
وقد أنْكَر ذلك مِن قولِهم ابنُ جُرَيْجٍ، فقال بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ داودَ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
قال: يَسْتَرِقُّون نساءَكم.
فحاد ابنُ جُرَيْجٍ بقولِه هذا عما قاله [مَن ذكَرْنا قولَه] (٢) فى قولِه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
إنه اسْتِحْياءُ الصَّبايا الأطفالِ (٣)، إذ لم يَجِدْهن يَلْزَمُهن اسمُ نساءٍ، ثم دخَل فيما هو أعظمُ مما أنْكَر بتأويلِه ﴿وَيَسْتَحْيُونَ﴾: ويَسْترِقُّون.
وذلك تأويلٌ غيرُ موجودٍ فى لغةٍ عربيةٍ ولا أعْجَميةٍ، وذلك أن الاسْتِحياءَ إنما هو اسْتِفْعالٌ مِن الحياةِ، نظيرُ الاسْتِبْقاءِ مِن البَقاءِ، والاسْتِسْقاءِ مِن السَّقْىِ، وهو مِن معنى الاسْتِرقاقِ بمعزِلٍ.
وقد تأوَّل (٤) آخَرون قولَه: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾.
بمعنى: يُذَبِّحون رجالَكم [أبناءَ آبائِكم] (٥).
وأنْكَروا أن يَكونَ المَذْبوحون الأطفالَ، وقد قرَن بهم النساءَ، فقالوا: فى إخبارِ اللهِ جل ثناؤُه أن المستحيَيْن هم النساءُ، الدَّلالةُ الواضحةُ على أن الذين كانوا يُذَبَّحون هم الرجالُ دون الصِّبْيانِ؛ لأن المُذَبَّحِين لو كانوا هم الأطفالَ لَوَجَب أن يكونَ المُسْتَحْيَوْن هم الصَّبايا.
قالوا: وفى إخبارِ اللهِ ﷿ أنهم النساءُ ما يُبينُ عن (١) أن المُذَبَّحِين هم الرجالُ.
وقد أغْفَل قائلو هذه المَقالةِ -مع خروجِهم مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين- موضعَ الصوابِ، وذلك أن الله جل ثناؤُه قد أخْبَر عن وَحيه إلى أمِّ موسى أنه أمَرها أن تُرْضِعَ موسى، فإذا خافَت عليه أن تُلْقِيَه فى التابوتِ، ثم تُلْقِيَه فى اليَمِّ، فمعلومٌ بذلك أن القومَ لو كانوا إنما كانوا (٢) يَقْتُلون الرجالَ ويَتْرُكون النساءَ، لم يَكُنْ بأمِّ موسى حاجةٌ إلى إلقاءِ موسى فى اليَمِّ، أو لو أن موسى كان رجلًا لم تَجْعَلْه أمُّه فى التابوتِ.
ولكن ذلك عندَنا على ما تأوَّله ابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا قولَه قبلُ، مِن ذبْحِ آلِ فرعونَ الصِّبيانَ وترْكِهم مِن القتلِ الصَّبايا.
وإنما قيل: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ إذ (٣) كان الصَّبايا داخلاتٍ مع أُمهاتِهن -وأمهاتُهن لا شكَّ نساءٌ- فى الاسْتِحياءِ؛ لأنهم لم يكونوا يَقْتلون صغارَ النساءِ ولا كِبارَهن، فقيل: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يعنى بذلك الوالداتِ والمولوداتِ، كما يُقالُ: قد أقبلَ الرجالُ.
وإن كان فيهم صِبْيانٌ.
فكذلك قولُه: ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾.
وأما مِن الذكورِ فإنه لمَّا لم يَكُنْ يُذْبَحُ إلا المولودون قيل: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: يُذَبِّحون رجالَكم.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما قولُه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
فإنه يعنى: وفى الذى فعَلْنا بكم مِن إنجائِنا كم (٤) مما كنتم فيه مِن عذابِ آلِ فرعونَ إياكم -على ما وصَفْتُ- بلاءٌ لكم مِن ربِّكم عظيمٌ.
ويعنى بقولِه ﴿بَلَاءٌ﴾: نعمةٌ، كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طَلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
قال: نعمةٌ (١).
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ فى قولِه: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾: أما البلاءُ فالنعمةُ (٢).
وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
قال: نعمةٌ مِن ربِّكم عظيمةٌ (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَ حديثِ سُفيانَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
قال: نعمةٌ عظيمةٌ.
وأصلُ البلاءِ فى كلامِ العربِ الاختبارُ والامتِحانُ، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الخيرِ والشرِّ؛ لأن الامتحانَ والاختبارَ قد يَكونُ بالخيرِ كما يكونُ بالشرِّ، كما قال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨].
يقول: اخْتَبَرْناهم.
وكما قال جل ثناؤه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
ثم تُسَمِّى العربُ الخيرَ بلاءً، والشرَّ بلاءً، غيرَ أن الأكثرَ فى الشرِّ أن يُقالَ: بلَوتُه أبْلُوه بلاءً، وفى الخيرِ: أبْلَيْتُه أبْلِيه إبلاءً وبلاءً.
ومِن ذلك قولُ زُهَيْرِ بنِ أبى سُلْمَى (١): جزَى اللهُ بالإحسانِ ما فعَلا بكم … فأبْلَاهما خيرَ البلاءِ الذى يَبْلُو فجمَع بينَ اللغتَيْنِ؛ لأنه أراد: فأنْعَم اللهُ عليهما خيرَ النِّعَمِ التى يَخْتَبِرُ بها عبادَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾.
أما تأويلُ قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا﴾.
فإنه عطفٌ على: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾، بمعنى: واذْكُروا نِعْمتىَ التى أنعمتُ عليكم، واذْكُروا إذ نجَّيناكم مِن آلِ فرعونَ، وإذ فرَقْنا بكم البحرَ.
ومعنى قولِه: ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ﴾: فصَلْنا بكم البحرَ؛ لأنهم كانوا اثنَىْ عشَرَ سِبْطًا، ففرَق البحرَ اثنَىْ عشَرَ طريقًا، فسلَك كلُّ سِبْطٍ منهم طريقًا منها، فذلك فَرْقُ اللهِ جلَّ ثناؤُه بهم البحرَ، وفصلُه بهم بتفريقِهم (٢) فى طرُقِه الاثنَىْ عشَرَ (٣).
كما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: لما أتَى موسى البحرَ كَنَاه أبا خالدٍ، وضرَبه فانْفَلَق، فكان كلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العظيم، فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان فى البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، فى كلِّ طريقٍ سِبْطٌ (١).
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾: فرَقْنا بينَ الماءِ وبينَكم، يريدُ بذلك: فصَلْنا بينَكم وبينَه وحجَزْنا حيث مرَرْتُم فيه.
وذلك خلافُ ما فى ظاهرِ التلاوةِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما أخْبَر أنه فرَق البحرَ بالقومِ، ولم يُخْبِرْ أنه فرَق بينَ القَوْمِ وبينَ البحرِ فيَكونَ التأويلُ ما قاله قائلُ (٢) هذه المَقالةِ.
وفرقُه البحرَ بالقومِ إنما هو تفريقه البحرَ بهم على ما وصَفْنا مِن افتراقِ سُبُلِه (٣) بهم على ما جاءت به الآثارُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾.
إن قال لنا قائلٌ: كيف غرَّق اللهُ آلَ فرعونَ ونجَّى بنى إسرائيلَ؟
قيل: كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: لقد ذُكِر لى أنه خرَج فرعونُ فى طلبِ موسى على سبعين ألفًا مِن دُهْمِ الخيلِ سوى ما فى جندِه مِن شِيَةِ (٤) الخيلِ، وخرَج موسى حتى إذا قابَله البحرُ فلم يكنْ له عنه مُنْصَرَفٌ، طلَع فرعونُ فى جندِه مِن خلفِهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ﴾ موسى ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢].
أى: للنجاةِ- وقد وعَدَنى ذلك، ولا خُلْفَ لوعدِه (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أوْحَى اللهُ جلَّ وعزَّ -فيما ذُكر لى- إلى البحرِ: إذا ضرَبك موسى بعَصاه فانفلِقْ له.
قال: فبات (٢) البحرُ يَضْرِبُ بعضُه بعضًا فَرَقًا (٣) مِن اللهِ وانتظارَه (٤) أمرَه، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، فضرَبه بها، وفيها سُلطانُ اللهِ الذى أعْطاه، ﴿فَانْفَلَقَ (٥) فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
أى: كالجبل على نَشَزٍ (٦) مِن الأرضِ.
يقول اللهُ لموسى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].
فلما اسْتَقَرَّ له (٧) البحرُ على طريقٍ قائمةٍ يبَسٍ سلَك فيه موسى ببنى إسرائيلَ، وأتْبَعه فرعونُ بجنودِه (٨).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ الليثىِّ، قال: حُدِّثْتُ أنه لما دخَلت بنو إسرائيلَ (٩)، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، أقبلَ فرعونُ وهو على حِصانٍ له مِن الخيلِ حتى وقَف على شَفِيرِ البحرِ، وهو قائمٌ على حالِه، فهاب الحصانُ أن يَنْفُذَ، فعرَض له جبريلُ ﵇ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ (١)، فقرَّبَها منه فشمَّها الفحلُ، فلمَّا شمَّها قدَّمها (٢)، فتقَدَّم معه (٣) الحصانُ عليه فرعونُ، فلما رأَى جندُ (٤) فرعونَ فرعونَ قد دخَل، دخَلوا معه، وجبريلُ أمامَه، وهم يَتْبَعون فرعونَ، وميكائيلُ على فرسٍ مِن خلفِ القومِ يَشْحَذُهم (٥)، يقولُ: الْحَقُوا بصاحبِكم.
حتى إذا فصَل جبريلُ مِن البحرِ ليس أمامَه أحدٌ، ووقَف مِيكائيلُ على ناحيتِه الأخرى ليس خلفَه أحدٌ، طبَّق عليهم البحرُ، ونادَى فرعونُ حينَ رأَى مِن سلطانِ اللهِ وقُدرتِه ما رأَى، وعرَف ذلَّه (٦)، وخَذَلَتْه نفسُه -: ﴿[لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي] (٧) آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٨) [يونس: ٩٠].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أبى إسحاقَ الهَمْدانىِّ، عن عمرِو بنِ مَيْمونٍ الأوْدىِّ في قولِه: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قال: لمَّا خرَج موسى ببنى إسرائيلَ بلَغ ذلك فرعونَ، فقال: لا تَتْبَعوهم حتى يَصِيحَ الديكُ.
قال: فواللهِ ما صاح ليلتَئذٍ ديكٌ حتى أصْبَحوا، فدعا بشاةٍ فذُبِحَت، ثم قال: لا أَفْرُغُ مِن كبدِها حتى يَجْتَمِعَ إلىَّ ستُّمائةِ ألفٍ مِن القِبْطِ.
فلم يَفْرُغْ مِن كبدِها حتى اجتمَع إليه ستُّمائة ألفٍ من القبطِ، ثم سار، فلما أتى موسى البحرَ قال له رجل من أصحابِه يُقالُ له: يُوشَعُ بنُ نُونٍ: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟
قال: أمامَك.
يُشِيرُ إلى البحرِ، فأقْحَم يُوشَعُ فرسَه في البحرِ حتى بلَغ الغَمْرَ (١)، فذهَب به، ثم رجَع، فقال: أين أمَرَك ربُّك يا موسى؟
فواللهِ ما كذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ففعَل ذلك ثلاثَ مراتٍ، ثم أوْحَى اللهُ إلى موسى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
يقولُ: مثلَ جبلٍ.
ثم سار موسى ومَن معه، وأتْبَعَهم فرعونُ في طريقِهم، حتى إذا تَتامُّوا فيه أطْبَقه اللهُ عليهم، فلذلك قال: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قال مَعْمَرٌ: قال قتادةُ: كان مع موسى ستُّمائةِ ألفٍ، وأتْبَعَه فرعونُ على ألفِ ألفٍ ومائتى (٢) ألفِ حِصانٍ (٣).
حدَّثنا عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ الرَّمَادىُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: قال [أبو سعدٍ] (٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أوْحَى اللهُ إلى موسى أن أسْرِ بعبادى ليلًا إنكم متبَعون.
قال: فسرَى موسى ببنى إسرائيلَ ليلًا، فأتْبَعهم فرعونُ في ألفِ ألفِ حِصانٍ سِوَى الإناثِ، وكان موسى في ستِّمائةِ ألفٍ، فلمَّا عايَنَهم فرعونُ، قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤ - ٥٦].
فسرَى موسى ببنى إسرائيلَ حتى هجَموا على البحرِ، فالْتَفَتوا، فإذا هم برَهَجِ (١) دوابِّ فرعونَ فقالُوا: يا موسى: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩].
هذا البحرُ أمامَنا، وهذا فرعونُ قد رَهِقَنا (٢) بمَن معه: ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
قال: فأوْحَى اللهُ جل ثناؤُه إلى موسى ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾.
وأوْحَى إلى البحرِ أنِ اسْمَعْ لموسى، وأَطِعْ إذا ضرَبك.
قال: فبات (٣) البحرُ له أَفْكَلٌ -يعنى: له رِعْدةٌ- لا يَدْرِى مِن أىِّ جَوانبِه يَضْرِبُه.
قال: فقال يُوشَعُ لموسى: بما أُمِرْتَ؟
قال: أُمِرْتُ أن أَضْرِبَ البحرَ.
قال: فاضْرِبْه.
قال: فضرَب موسى البحرَ بعصاه، فانْفَلَق، فكان فيه اثنا عشَرَ طريقًا، كلُّ طريقٍ كالطَّوْدِ العظيمِ، فكان لكلِّ سِبْطٍ منهم طريقٌ يَأْخُذون فيه، فلمَّا أخَذوا في الطريقِ، قال بعضُهم لبعضٍ: ما لنا لا نَرَى أصحابَنا؟
قالوا لموسى: أين أصحابُنا لا نَرَاهم؟
قال: سِيروا فإنهم على طريقٍ مثلِ طريقِكم.
قالوا: لا نَرْضَى حتى نَرَاهم.
قال سفيانُ: قال عمارٌ الدُّهْنىُّ: قال موسى: اللهمَّ أعِنِّى على أخلاقِهم السيئةِ.
قال: فأوْحَى اللهُ إليه أن قُلْ بعصاك هكذا.
وأوْمَأ إبراهيمُ بيدِه يُدِيرُها على البحرِ، قال موسى بعَصاه على الحِيطانِ هكذا، فصار فيها كِواءٌ (٤) يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ.
قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ (١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: فساروا حتى خرَجوا مِن البحرِ، فلما جاز آخِرُ قومِ موسى هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان على فرسٍ أدهمَ ذَنُوبٍ (٢) حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتَقَحَّمَ (٣) في البحرِ، فمثَل له جبريلُ ﵇ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها الحِصانُ تَقَحَّم خلفَها، وقيل لموسى: اتْرُكِ البحرَ رَهْوًا -قال: طُرُقًا على حالِه- قال: ودخَل فرعونُ وقومُه البحرَ، فلمَّا دخَل آخِرُ قومِ فرعونَ، وجاز آخرُ قومِ موسى، أَطْبَق البحرُ على فرعونَ وقومِه فأُغرِقوا (٤).
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، أن اللهَ أمَر موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ، فقال: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾.
فخرَج موسى وهارونُ في قومِهما، وأُلْقِى على القِبْطِ الموتُ، فمات كلُّ بِكْرِ رَجُلٍ، فأصْبَحوا يَدْفِنونهم، فشُغِلوا عن طلبِهم حتى طلَعَت الشمسُ، فذلك حينَ يقولُ اللهُ جل وعزَّ: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾.
وكان موسى على سَاقةِ بنى إسرائيلَ، وكان هارونُ أمامَهم يَقْدُمُهم، فقال المؤمنُ لموسى: يا نبىَّ اللهِ، أين أُمِرْتَ؟
قال: البحرَ.
فأراد أن يَقْتَحِمَ، فمنَعه موسى، وخرَج موسى في ستِّمائةِ ألفٍ وعشرين ألفَ مُقاتِلٍ - لا يَعُدُّون ابنَ العشرين لصِغَرِه، ولا ابنَ الستين لكِبَرِه، وإنما عَدُّوا ما بينَ ذلك سوى الذريةِ، وتبِعهم فرعونُ على مُقَدِّمتِه هامانُ في ألفِ ألفٍ وسبعِمائةِ ألفِ حِصانٍ، ليس فيها مادِيانةٌ (٥) -يعنى الأنثى- وذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٣، ٥٤].
يعنى بنى إسرائيلَ، فتَقدَّم هارونُ فضرَب البحرَ، فأبَى البحرُ أن يَنْفَتِحَ، وقال: مَن هذا الجبارُ الذى يَضْرِبُنى؟
حتى أتاه موسى، فكنَاه أبا خالدٍ وضرَبه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣].
يقولُ: كالجبلِ العظيمِ.
فدخَلَت بنو إسرائيلَ، وكان في البحرِ اثنا عشَرَ طريقًا، في كلِّ طريقٍ سِبْطٌ - وكانت الطرقُ انْفَلَقَت بجُدْرانٍ- فقال كلُّ سِبْطٍ: قد قُتِل أصحابُنا.
فلمّا رأَى ذلك موسى، دعا اللهَ، فجعَلها (١) لهم قَناطرَ كهيئةِ الطِّيقانِ، فنظَر آخرُهم إلى أولِهم، حتى خرَجوا جميعًا، ثم دنا فرعونُ وأصحابُه، فلما نظَر فرعونُ إلى البحرِ مُنْفَلِقًا، قال: ألا تَرَوْنَ البحرَ فَرِق منى؟
قد انْفَتَح لى حتى أُدْرِكَ أعْدائى فأَقْتُلَهم.
فذلك قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٤].
يقولُ: قرَّبنا ثمَّ الآخَرين.
يعنى آلَ فرعونَ.
فلما قام فرعونُ على أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خيلُه أن تَقْتَحِمَ (٢)، فنَزل جبريلُ ﵇ على ماديانةٍ (٣)، فشامَّت (٤) الحُصُنُ (٥) رِيحَ الماديانةِ (٦)، فاقْتَحَمت (٧) في أَثَرِها، حتى إذا همَّ أوَّلُهم أن يَخْرُجَ ودخَل آخرُهم، أُمِر البحرُ أن يَأْخُذَهم، فالْتَطَم عليهم (٨).
وحدَّثنى يُونُسُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أخَذ عليهم فرعونُ الأرضَ إلى البحرِ قال لهم فرعونُ: قُولوا لهم يَدْخُلوا البحرَ إن كانوا صادِقِين.
فلما رآهم أصحابُ موسى قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١، ٦٢].
فقال موسى للبحرِ: أَلسْتَ تَعْلَمُ أنِّى رسولُ اللهِ؟
قال: بَلَى.
قال: وتَعْلَمُ أن هؤلاء عبادٌ مِن عبادِ اللهِ، أمَرَنى أن آتِىَ بهم؟
قال: بلى.
قال: وتَعْلَمُ أن هذا عدوُّ اللهِ؟
قال: بلى.
قال: فافرُقْ (١) لى طريقًا ولمَن معى.
قال: يا موسى، إنما أنا عبدٌ مملوكٌ، ليس لى أمْرٌ إلا أن يَأْمُرَنى اللهُ.
فأوْحَى اللهُ إلى البحرِ إذا ضرَبك موسى بعصاه فانْفَرِقْ، وأوْحَى إلى موسى أن اضْرِبِ البحرَ.
وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].
وقرَأ قولَه: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤]: سهلًا ليس فيه تَعَدٍّ، فانْفَرَق اثنتى عشْرةَ فِرْقةً، فسلَك كلُّ سِبْطٍ في طريقٍ.
قال: فقالوا لفرعونَ: إنهم قد دخَلوا البحرَ.
قال: ادْخُلوا عليهم.
قال: وجبريلُ في آخرِ بني إسرائيلَ يقولُ لهم: لِيَلْحَقْ آخرُكم أولَكم.
وفى أولِ آلِ فرعونَ يقولُ لهم: رُوَيْدًا يَلْحَقْ آخرُكم أولكم.
فجعَل كلُّ سِبْطٍ في البحرِ يقولون للسِّبْطِ الذين دخَلوا قبلَهم: قد هلكوا.
فلما دخَل ذلك قُلُوبَهم أوحى اللهُ إلى البحرِ فجعَل لهم قَناطرَ يَنْظُرُ هؤلاء إلى هؤلاء، حتى إذا خرَج آخِرُ هؤلاء، ودخَل آخرُ هؤلاء، أمَر اللهُ البحرَ فأطْبَقَ على هؤلاء.
ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
أى: تَنْظُرون إلى فَرْقِ اللهِ بكم البحرَ، وإهلاكِه آلَ فرعونَ في الموضعِ الذى نجّاكم فيه، وإلى عظيمِ سُلطانِه في الذى أراكم مِن طاعةِ البحرِ إياه، مِن مَصيرِه رُكامًا فِرَقًا كهيئةِ الأطْوادِ الشامخةِ، غيرَ زائلٍ عن حَدِّه؛ انقيادًا لأمرِه، وإذْعانًا لطاعتِه، وهو سائلٌ ذائبٌ قبلَ ذلك.
يُوقِفُهم بذلك جلَّ ذكرُه على موضعِ حُجَجِه عليهم، ويُذَكِّرُهم آلاءَه عندَ أوائلِهم، ويُحَذِّرُهم - [بتكذيبِهم] (١) نبيَّنا محمدًا ﷺ- أن يَحِلَّ بهم ما حلَّ بفرعونَ وآلِهِ في تكذيبِهم موسى صلواتُ اللهِ عليه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن معنى قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
كمعنى قولِ القائلِ: ضُرِبْتَ وأهلُك يَنْظُرون، فما أتَوْك ولا أغاثوك (٢).
يعنى: وهم قريبٌ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ.
وكقولِ اللهِ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].
وليس هناك رؤيةٌ، إنما هو علمٌ.
والذى دعاه إلى هذا التأويلِ أنه وجَّه قولَه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
إلى غَرَقِ آلِ فرعونَ، فقال: قد كانوا في شُغُلٍ مِن أن يَنْظُروا مما اكْتَنَفَهم مِن البحرِ من أن يَرَوْا فرعونَ وغَرَقَه.
وليس الذى تأوَّله تأويلَ الكلامِ، إنما التأويلُ: وأنتم تنظرون إلى فَرْقِ اللهِ ﷿ البحرَ لكم -ممَّا قد وصَفتُ آنِفًا- والْتِطامِ أمْواجِ البحرِ بآلِ فرعونَ في الموضعِ الذى صيَّر لكم من البحرِ طريقًا يَبَسًا.
وذلك لا شكَّ كان نظرَ عِيانٍ لا نظرَ علمٍ، على ما ظنَّه قائلُ هذا القولِ الذى حكَيْنا.
القولُ في تَأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا﴾.
اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاعَدْنَا﴾ (٣).
بمعْنى أن اللهَ تعالى واعَد موسى مُوافَاةَ (٤) الطُّورِ لمُناجاتِه، فكانت المُواعَدةُ مِن اللهِ لموسى، ومِن موسى لربِّه.
وكان مِن حجتِهم على اختيارِهم قراءةَ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ على: (وعَدْنا) أن قالوا: كلُّ اتِّعادٍ (١) كان بينَ اثنين للالتقاءِ أو (٢) للاجتماعِ، فكلُّ واحدٍ منهما مُواعِدٌ صاحبَه ذلك، فلذلك -زعَموا (٣) - وجَب أن يُقضَى لقراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَاعَدْنَا﴾ بالاختيارِ على قراءةِ مَن قرَأ: (وَعَدْنَا).
وقرَأه بعضُهم: (وَعَدْنَا) (٤).
بمعْنى أن اللهَ تعالى ذكرُه الواعدُ موسى، والمنفردُ بالوعدِ دونَه.
وكان مِن حجتِهم في اختيارِهم ذلك أن قالوا: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، فأما اللهُ جل ثناؤُه، فإنه المنفردُ بالوعدِ والوَعيدِ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ.
قالوا: وبذلك جاء التنزيلُ في القرآنِ كلِّه، فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقال: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٧].
قالوا: فكذلك الواجبُ أن يكونَ هو المنفردَ بالوعدِ في قولِه: (وإذْ وَعَدْنا مُوسَى).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ عندَنا في ذلك [مِن القولِ] (٥) أنهما قِراءتان قد جاءَت بهما الأُمَّةُ، وقرَأَت بهما القرأةُ، وليس في القراءةِ بإحداهما إبطالُ معنى الأُخْرى، وإن كان في إحداهما زيادةُ معنًى على الأُخْرى مِن جهةِ الظاهرِ والتِّلاوةِ؛ فأما مِن جهةِ المفهومِ بهما، فإنهما متَّفِقتان، وذلك أن مَن أخْبَر عن شخصٍ أنه وعَد غيرَه اللقاءَ بموضعٍ مِن الموَاضعِ، فمَعْلُومٌ أن الموعودَ ذلك واعدٌ صاحبَه مِن لقائِه بذلك المكانِ مثلَ الذى وعَده مِن ذلك صاحبُه، [إذا كان راضيًا مُجيبًا صاحبَه إلى ما وعده مثلَ الذى وعده من ذلك صاحبُه] (٦)، إذا كان وعدُه إياه ذلك عن اتفاقٍ منهما عليه.
ومعلومٌ أن موسى صلواتُ اللهِ عليه لم يَعِدْه ربُّه الطورَ إلا عن رِضا موسى بذلك؛ إذ كان موسى غيرَ مَشْكوكٍ فيه، أنه كان بكلِّ ما أمَره اللهُ به راضيًا، وإلى محبتِه فيه مُسارِعًا، ومعقولٌ أن اللهَ تعالى لم يَعِدْ موسى ذلك إلا وموسى ﵇ له (١) مُسْتَجِيبٌ، وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن اللهَ تعالى ذكرُه كان قد وعَد موسى الطورَ، ووعَده موسى اللقاءَ، فكان اللهُ عز ذكرُه لموسى واعدًا فواعِدًا له المُناجاةَ على الطُّورِ، وكان موسى واعدًا لربِّه مُواعِدًا له اللقاءَ، فبأىِّ القراءتَيْن مِن: "وعَد وواعَد" قرَأ القارئُ، فهو للحقِّ (٢) في ذلك -مِن جهةِ التأويلِ واللغةِ- مُصِيبٌ؛ لما وصَفْنا مِن العِلَل قبلُ.
ولا معنى لقولِ القائلِ: إنما تكونُ المُواعَدةُ بينَ البشرِ، وإن اللهَ ﵎ بالوعدِ والوَعيدِ مُنْفَرِدٌ في كلِّ خيرٍ وشرٍّ.
وذلك أن انفرادَ اللهِ بالوعدِ والوَعيدِ في الثوابِ والعِقابِ، والخيرِ والشرِّ، والنفعِ والضَّرِّ، الذى هو بيدِه، وإليه دونَ سائرِ خلقِه - لا يُحِيلُ الكلامَ الجارىَ بينَ الناسِ في استعمالِهم إياه عن وُجوهِه، ولا يُغَيِّرُه عن مَعانيه.
والجارى بينَ الناسِ مِن الكلامِ المفهومِ ما وصَفْنا، مِن أنّ كلَّ اتِّعادٍ (٣) كان بينَ اثنين، فهو وعدٌ مِن كُلِّ واحدٍ منهما، ومُواعَدةٌ بينَهما، وأن كلَّ واحدٍ منهما واعِدٌ صاحبَه مُواعِدُه (٤)، وأن الوعدَ، الذى يكونُ به الانفرادُ مِن الواعِدِ دونَ الموعودِ، إنما هو ما كان بمعنى الوعدِ الذى هو خلافُ الوَعيدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿مُوسَى﴾.
قال أبو جعفرٍ: وموسى -فيما بلَغَنا- كلِمتان بالقِبْطيةِ، يُعْنَى بهما: ماءٌ وشجرٌ.
فـ "مو": هو الماءُ، و"سا": هو الشجرُ.
وإنما سُمِّى بذلك -فيما بلَغَنا- لأن أمَّه لما جعَلَتْه في التابوتِ -حينَ خافَت عليه مِن فرعونَ- وألْقَتْه في اليمِّ، كما أوْحَى اللهُ إليها، وقيل: إن اليَمَّ الذى ألْقَتْه فيه هو النّيلُ؛ دفَعَتْه أمواجُ اليمِّ حتى أدْخَلَته بينَ أشجارٍ عندَ بيتِ فرعونَ، فخرَج جَوارِى آسِيةَ امرأةِ فرعونَ يَغْتَسِلْنَ، فوجَدْن التابوتَ، فأخَذْنَه، فسُمِّى [باسمِ المكانِ] (١) الذى أُصِيب فيه، وكان ذلك بمكانٍ (٢) فيه ماءٌ وشجرٌ، فقيل: "موسى"، ماءٌ وشجرٌ.
كذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهرَ (٤) بنِ قاهثَ (٥) بنِ لَاوِى بنِ يعقوبَ إسرائيلِ اللهِ بنِ إسحاقَ ذبيحِ اللهِ (٦) بنِ إبراهيمَ خليلِ اللهِ، فيما زعَم ابنُ إسحاقَ، حدَّثنى بذلك ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ عنه (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جل وعز: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.
قال أبو جعفرٍ: ومعنى ذلك: وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعينَ لَيْلَةً بتمامِها.
فالأربعون الليلةِ (٨) كلُّها داخلةٌ في الميعادِ.
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن معناه: وإذ (٩) واعَدْنا موسى انْقِضاءَ أربعين ليلةً، أى رأسَ الأربعين.
ومثَّل ذلك بقولِه: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وبقولِهم: اليومَ أربعون منذُ خرَج فلانٌ، واليومَ يومان.
أى اليومُ تمامُ يومين وتمامُ أربعين.
قال أبو جعفرٍ: وذلك خلافُ ما جاءَت به الروايةُ عن أهلِ التأويلِ، وخلافُ ظاهرِ التِّلاوةِ.
فأما ظاهرُ التلاوةِ، فإن اللهَ جل وعز قد أخْبرَ أنه واعَد موسى أربعين ليلةً، فليس لأحدٍ إحالةُ ظاهرِ خبرِه إلى باطنٍ بغيرِ بُرْهانٍ دالٍّ على صحتهِ.
وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم قالوا في ذلك ما أنا ذاكرُه، وهو ما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبى العاليةِ قولَه: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.
قال: يعنى ذا القَعْدةِ وَعشرًا مِن ذى الحِجَّةِ، وذلك حينَ خلَّف موسى أصحابَه، واسْتَخْلَف عليهم هارونَ، فمكَث على الطُّورِ أربعين ليلةً، وأُنْزِل عليه التوراةُ في الألواحِ -وكانت الألواحُ مِن بَرَدٍ (١) - فقرَّبه الربُّ (٢) نَجِيًّا وكلَّمه، وسمِع صَريفَ (٣) القلمِ، وبلَغَنا أنه لم يُحْدِثْ حَدَثًا في الأربعين ليلةً حتى هبَط مِن الطُّورِ (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: وعَد اللهُ موسى -حينَ أهْلَك فرعونَ وقومَه، ونجَّاه وقومَه- ثلاثين ليلةً، ثم أتمَّها بعشرٍ، فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين ليلةً، يَلْقاه (١) فيها بما (٢) شاء، واسْتَخْلَف موسى هارونَ على بنى إسرائيلَ، وقال: إنى مُتَعَجِّلٌ إلى ربى، فاخْلُفْنى في قومى، ولا تَتَّبِعْ سبيلَ المفسدين.
فخرَج موسى إلى ربِّه مُتَعَجِّلًا للقائِه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامرىُّ، يَسِيرُ بهم على أَثَرِ موسى ليُلْحِقَهم به (٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: انْطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ على بنى إسرائيلَ، وواعَدَهم ثلاثين ليلةً، وأتَمّهَا اللهُ بعشرٍ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾: ثم اتَّخَذْتُم في أيامِ مُواعَدَتى موسى العجلَ إلهًا مِن بعدِ أن فارَقَكم موسى مُتَوَجِّهًا إلىَّ للمَوْعِدِ.
والهاءُ في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ عائدةٌ على ذكرِ موسى.
فأخْبَر جلَّ ثناؤُه المُخالِفِين نبينا محمدًا ﷺ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ المُكَذِّبين به، المخاطَبِين بهذه الآيةِ عن فِعلِ آبائِهم وأسلافِهم، وتَكْذيبِهم رُسُلَهم، وخلافِهم أنبياءَهم، مع تَتابُعِ نِعَمِه عليهم، وسُبوغِ (٥) آلائِه لديهم، مُعَرِّفَهم بذلك أنهم -من [خلافِهم محمدًا] (١) ﷺ، وتَكذيبِهم به (٢)، وجُحودِهم رسالتَه، مع علمِهم بصدقِه- على مثلِ مِنْهاجِ آبائِهم وأسْلافِهم، ومُحَذِّرَهم مِن نزولِ سَطْوتِه بهم -بمُقامِهم على ذلك مِن تكذيبِهم- ما نزَل بأوائِلهم المُكَذِّبينَ بالرسلِ مِن المَسْخِ واللَّعْنِ وأنواعِ النَّقِماتِ.
وكان سببَ اتخاذِهم العجلَ ما حدَّثنى به عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (٣)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما هجَم فرعونُ على البحرِ هو وأصحابُه، وكان فرعونُ على فَرَسٍ أدْهَمَ ذَنُوبٍ حِصانٍ، فلما هجَم على البحرِ هاب الحِصانُ أن يَتقحَّمَ (٤) في البحرِ، فتَمَثَّل له جبريلُ على فرسٍ أنثى وَدِيقٍ، فلما رآها [حصانُ فرعونَ] (٥) تقَحَّم خلفَها.
قال: وعرَف السامرىُّ جبريلَ؛ لأن أمَّه حينَ خافَت أن يُذْبَحَ خلَّفَتْه في غارٍ وأطْبَقَت عليه، فكان جبريلُ يَأْتِيه فيَغْذُوه بأصابعِه، فيَجِدُ في إحْدى (٦) أصابعِه لبنًا، وفى الأخْرى عسلًا، وفى الأخرى سمنًا، فلم يَزَلْ يَغْذُوه حتى نَشَأ، فلما عايَنه في البحرِ عرَفه، فقبَض قَبْضةً مِن أثرِ فرَسِه.
قال: أخَذ مِن تحتِ الحافرِ قَبضةً -قال سفيانُ: وكان ابنُ مسعودٍ يَقْرَؤُها: (فقَبضْتُ قَبْضَةً مِن أَثَرِ فرسِ الرسولِ) - قال أبو سعدٍ: قال عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: وأُلْقِى في رُوعِ (٧) السامرىِّ أنك لا تُلْقِيها على شيءٍ فتقولُ: كُنْ كذا وكذا.
إلا كان (١)، فلم تَزَلِ القَبضةُ معه في يدِه حتى جاوَز البحرَ، فلما جاوَز موسى وبنو إسرائيلَ البحرَ، وأغْرَق اللهُ آلَ فرعونَ قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
ومضَى موسى لموعدِ ربِّه، قال: وكان مع بنى إسرائيلَ حَلْىٌ مِن حَلْىِ آلِ فرعونَ قد تَعَوَّرُوه (٢)، فكأنهم تَأثَّمُوا منه، فأخْرَجوه لتَنْزِلَ النارُ فتَأْكُلَه، فلما جمَعوه، قال السامرىُّ بالقبضةِ التى كانت في يدِه هكذا، فقذَفها فيه -وأوْمَأ أبو (٣) إسْحاقَ بيدِه هكذا- وقال: كُنْ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ.
فصار عجلًا جسدًا له خُوارٌ، فكان تَدْخُلُ الريحُ في دُبُرِه وتَخْرُجُ مِن فيه، ويُسْمَعُ له صوتٌ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨].
فعكَفوا على العجلِ يَعْبُدُونه، فقال هارونُ: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ (٤) [طه: ٩٠، ٩١].
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: لما أمَر اللهُ موسى أن يَخْرُجَ ببنى إسرائيلَ -يعنى مِن أرضِ مصرَ- أمَر موسى بنى إسرائيلَ أن يَخْرُجوا، وأمَرهم أن يَسْتَعِيروا الحَلْىَ مِن القِبْطِ، فلما نجَّى اللهُ موسى ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ مِن البحرِ، وغرق آلَ فرعونَ، أتَى جبريلُ إلى موسى يَذْهَبُ به إلى اللهِ، فأقْبَل على فرسٍ، فرآه السامرىُّ فأنْكَره، ويقالُ (٥): إنه فرَسُ الحياةِ.
فقال حينَ رآه: إن لهذا لشأنًا.
فأخَذ مِن تربةِ الحافرِ حافرِ الفرسِ، فانطَلَق موسى واسْتَخْلَف هارونَ على بنى إسرائيلَ، وواعَدهم ثلاثين ليلةً، وأتمَّها اللهُ بعشرٍ، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ: إن الغَنيمةَ لا تَحِلُّ لكم، وإن حَلْىَ القِبطِ إنما هو غَنيمةٌ، فاجْمَعوها [جميعًا، واحْفِروا] (١) لها حُفْرةً (٢) فادْفِنوها، فإن جاء موسى فأحَلَّها أخَذْتُموها، وإلا كان شيئًا لَمْ تَأْكُلوه.
فجمَعوا ذلك الحلْىَ في تلك الحُفْرةِ، وجاء السامريُّ بتلك القَبْضةِ فقذَفها، فأخْرَج اللهُ مِن الحَلْىِ عِجْلًا جسدًا له خُوارٌ، وعدَّت بنو إسرائيلَ موعِدَ موسي، فعدُّوا الليلةَ يومًا واليومَ يومًا، فلما كان تمامُ العشرين، خرَج لهم العِجْلُ، فلما رأَوه قال لهم السامرىُّ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
يقولُ: ترَك موسى إلهَه ههنا وذهَب يَطْلُبُه.
فعكَفوا عليه يَعْبُدونه، وكان يَخُورُ وَيمْشِي، فقال لهم هارونُ: يا بنى إسرائيلَ ﴿إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾.
يقولُ: إنما ابْتُلِيتُم به.
يقولُ (٣): بالعِجْلِ، ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾.
فأقام هارونُ ومَن معه مِن بنى إسرائيلَ لا يُقاتِلونهم، وانْطَلَق موسى إلى إلهِه يُكَلِّمُه، فلما كلَّمه قال له: ﴿مَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٣ - ٨٥].
فأخْبَرَه خبرَهم، قال موسى: يا ربِّ، هذا السامريُّ أمَرَهم أن يَتَّخِذوا العِجْلَ، أرأيْتَ الرُّوحَ مَن نفَخها فيه؟
قال الربُّ: أنا.
قال: ربِّ، أنت إذن أضْلَلْتَهم (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال؛ حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: كان فيما ذُكِر لى أن موسى قال لبنى إسرائيلَ فيما أمَره اللهُ ﷿ به: اسْتَعِيروا منهم -يعنى مِن آلِ فرعونَ- الأمتعةَ والحَلْىَ والثِّيابَ، فإنى مُنَفِّلُكم أموالَهم مع هَلاكِهم.
فلما أذَّن فرعونُ في الناسِ، كان مما يُحَرِّضُ به على بنى إسرائيلَ أن قال حينَ [ساروا: لَمْ يَرْضَوْا أن خرَجوا] (١) بأنفسِهم حتى ذهَبوا بأموالِكم معهم (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ إسحاقَ، عن حكيمِ بنِ جُبَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان السامرىُّ رجلًا مِن أهلِ باجَرْمَا (٣)، وكان مِن قومٍ يَعْبُدون البقرَ، وكان حُبُّ عبادةِ البقرِ في نفسِه، وكان قد أظْهَر الإسلامَ في بنى إسرائيلَ، فلما فصَل (٤) هارونُ في بنى إسرائيلَ وفصَل موسى إلى ربِّه، قال لهم هارونُ: أنتم قد حُمِّلْتُم أوْزارًا مِن زينةِ القومِ -آلِ فرعونَ- وأمتعةً وحَلْيًا، فتَطهَّروا منها، فإنها نَجَسٌ.
وأوْقَد لهم نارًا فقال: اقْذِفوا ما كان معكم مِن ذلك فيها.
قالوا: نعم.
فجعَلوا يَأْتُون بما كان فيهم (٥) مِن تلك الأمتعةِ وذلك الحَلْىِ فيَقْذِفون به فيها، حتى إذا تكَسَّر الحَلْىُ فيها، ورأى السامريُّ أثرَ فرسِ جبريلَ، فأخَذ ترابًا مِن أثرِ حافرِه، ثم أقْبَل إلى النارِ (٦)، فقال لهارونَ: يا نبيَّ اللهِ، أُلْقى ما فى يدى؟
قال: نعم.
ولا يَظُنُّ هارونُ إلَّا أنه كبعضِ ما جاء به غيرُه مِن ذلك الحلْىِ والأمتعةِ، فقذَفه فيها وقال: كنْ عِجْلًا جسدًا له خُوَارٌ.
فكان للبلاءِ والفتنةِ، فقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.
فعكَفوا عليه، وأحبُّوه حبًّا لَمْ يُحِبُّوا مثلَه شيئًا قطُّ، يقولُ اللهُ جلَّ ذكرُه: ﴿فَنَسِيَ﴾.
أى ترَك ما كان عليه مِن الإسلامِ -يعنى السامرىَّ- ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩].
قال (١): وكان اسمُ السامرىِّ موسى بنَ ظَفَرَ، وقَع في أرضِ مصرَ فدخَل في بنى إسرائيلَ، فلما رأَى هارونُ ما وقَعوا فيه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾.
فأقام هارونُ في مَن معه مِن المسلمين ممَّن لَمْ يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يَعْبُدُ العِجْلَ على عبادةِ العِجْلِ، وتخَوَّف هارونُ إن سار بمَن معه مِن المسلمين أن يقولَ له موسى: ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤].
وكان له هائبًا مُطِيعًا (٢).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما أنْجَى اللهُ ﷿ بنى إسرائيلَ مِن فرعونَ، وأغْرَق فرعونَ ومَن معه، قال موسى لأخيه هارونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
قال: لما خرَج موسى وأمَر هارونَ [ما أمَرَه] (٣)، وخرَج موسى مُتَعَجِّلًا مَسْرورًا إلى اللهِ، قد عرَف موسى أن المرءَ إذا أنجَح (٤) في حاجةِ سيدِه كان يَسُرُّه أن يَتَعَجَّلَ إليه.
قال: وكان حينَ خرَجوا اسْتَعاروا حَلْيًا وثيابًا مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: إن هذه الثيابَ والحَلْىَ لا تَحِلُّ لكم، فاجْمَعوا نارًا فألْقُوه فيها فأحْرِقوه.
قال: فجمَعوا نارًا.
قال: فكان السامرىُّ قد نظَر إلى أثرِ دابَّةِ جبريلَ، وكان جبريلُ على فرسٍ أنثي، وكان السامريُّ في قومِ موسى.
قال: فنظَر إلى أثرِه فقبَض منه قبضةً، فيبِسَت عليها يدُه، فلما ألْقَى قومُ موسى الحَلْىَ في النارِ، وألْقَى السامريُّ معهم القَبْضةَ، صوَّر اللهُ جلَّ وعزَّ ذلك لهم عِجْلًا ذهبًا، فدخَلَتْه الريحُ، فكان له خُوَارٌ، فقالوا: ما هذا؟
فقال السامرىُّ الخبيثُ: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾.
الآية إلى قولِه: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٨٨ - ٩١].
قال: حتى إذا أتَى موسى الموعدَ قال اللهُ: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ [طه: ٨٤ - ٨٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
قال: العِجْلُ حَسيلُ (١) البقرةِ.
قال: حَلْىٌ اسْتَعارُوه مِن آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخْرِجوه فتَطَهَّروا منه وأحْرِقوه.
وكان السامريُّ (٢) أخَذ قَبْضةً مِن أثرِ فرسِ جبريلَ، فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ.
حَدَّثَنِي المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: إنما سُمِّى العِجْلَ؛ لأنهم عَجِلوا فاتَّخَذوه قبلَ أن يَأْتِيَهم موسى (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسي، [وحَدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾: حسيلُ البقرةِ.
قال: حَلْىٌ استَعارُوه من آلِ فرعونَ، فقال لهم هارونُ: أخرِجوه فتطهَّروا منه وأحْرِقُوه.
وكان السامِرىُّ أخَذ قبْضةً من أثرِ فرسِ جبريلَ فطرَحه فيه فانْسَبَك، وكَان له كالجوفِ تَهْوِى فيه الرياحُ] (١).
وتأويلُ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.
يعنى: وأنتم واضعو العبادةِ في غيرِ موضعِها؛ لأنَّ العبادةَ لا تَنْبَغِى إلَّا للهِ تعالى ذكرُه، وعبَدْتُم أنتم العجلَ ظلمًا منكم، ووضعًا للعبادةِ في غيرِ موضعِها.
وقد دلَّلْنا في غيرِ هذا الموضعِ مما مضَى مِن كتابِنا، أن أصْلَ كلِّ ظُلمٍ وضْعُ الشيءِ فى غيرِ مَوْضعِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ قولِه: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يقولُ: ثم (٣) ترَكْنا مُعاجَلتَكم بالعقوبةِ مِن بعدِ ذلك.
أى: مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا.
كما حَدَّثَنِي به المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعنى: مِن بعدِ ما اتَّخَذْتُم العجلَ (١).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فإنه يعنى به: لتَشْكُروا.
ومعنى: "لعل" في هذا الموضعِ معنى "كى" (٢).
وقد بيَّنْتُ فيما مضَى قبلُ أن أحدَ معانى "لعل" معنى "كى" بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
فمعنى الكلامِ إذن: ثم عَفَونا عنكم مِن بعدِ اتخاذِكم العجلَ إلهًا [لتَشْكُروا لى] (٤) على عَفْوى عنكم، إذ كان العفوُ يُوجِبُ الشكرَ على أهلِ اللُّبِّ والعقلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: واذْكُروا أيضًا إذ آتَيْنا موسى الكتابَ والفُرقانَ.
ويعنى بالكتابِ التوراةَ، وبالفُرقانِ الفصلَ بينَ الحقِّ والباطلِ.
كما حَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
قال: فرَق فيه (٥) بينَ الحقِّ والباطلِ (٦).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فُرقانٌ بينَ الحقِّ والباطلِ (١).
حَدَّثَنِي المثني، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
قال: الكتابُ هو الفُرقانُ، فرَق بينَ الحقِّ والباطلِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجاجٌ، عن ابنِ جُريْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الفُرْقانُ جِماعُ اسمِ التوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ والفُرقانِ (٢).
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك بما حَدَّثَنِي به يونسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
فقال: أما "الفُرْقانُ" الذى قال اللهُ جلَّ وعزَّ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
فذلك يومُ بدرٍ، يومَ فرَق اللهُ بينَ الحقِّ والباطلِ، والقضاءُ الذى فرَق به بينَ الحقِّ والباطلِ.
قال: فكذلك أعْطَى اللهُ موسى الفُرقانَ، فرَق اللهُ بينَهم، وسلَّمه اللهُ وأنجاه، فرَق بينَهم بالنصرِ، فكما جعَل اللهُ ذلك بينَ محمدٍ و (٣) المشركين، فكذلك جعَله بينَ موسى وفرعونَ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى [هذيْن التأويلَيْن] (١) بتأويلِ الآيةِ ما رُوِى عن ابنِ عباسٍ وأبى العاليةِ ومُجاهدٍ، مِن أن الفرقانَ الذى ذكَر اللهُ أنه آتاه موسى في هذا الموضعِ هو الكتابُ الذى فرَق به (٢) بينَ الحقِّ والباطلِ، وهو نعتٌ للتوراةِ وصفةٌ لها.
فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينَئذٍ: وإذ آتينا موسى التوراةَ التى كتَبناها (٣) له في الألواحِ، وفرَقْنا بها بينَ الحقِّ والباطلِ.
فيكونُ الكتابُ نعتًا للتوراةِ أُقِيم مُقامَها اسْتِغْناءً به عن ذكرِ التوراةِ، ثم عطَف عليه الفرقانَ، إذ (٤) كان مِن نعتِها.
وقد بيَّنَّا معنى الكتابِ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، وأنه بمعنى المكتوبِ (٥).
وإنما قلْنا: هذا التأويلُ أولى بالآيةِ -وإن كان مُحْتَمِلًا غيرُه مِن التأويلِ- لأن الذى قبلَه من (٦) ذِكْرِ الكتابِ، وأن معنى الفرقانِ الفَصْلُ -وقد دلَّلْنا على ذلك فيما مضَى مِن كتابِنا هذا- فإلحاقُه، إذ كان كذلك، بصفةِ ما ولِيه أولَى مِن إلحاقِه بصفةِ ما بَعُد منه.
وأما تأويلُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
فنظيرُ قولِه تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
ومعناه: لِتَهْتَدوا.
فكأنه قال تعالى: واذْكُروا أيضًا إذ آتيْنا موسى التوراةَ التى تَفْرُقُ بينَ الحقِّ والباطلِ، لتَهْتَدوا بها وتَتَّبِعوا الحقَّ الذى فيها؛ لأنى جعَلْتُها كذلك هُدًى لمن اهْتَدَى بها واتَّبع ما فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.
وتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قال موسى لقومِه مِن بنى إسرائيلَ: يا قومِ إنكم ظلَمْتُم أنفسَكم.
وظلمُهم إياها كان فعلَهم بها ما لم يكنْ لهم أن يَفْعَلوه بها، مما أوْجَب لهم العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، وكذلك كلُّ فاعلٍ فعلًا يَسْتَوْجِبُ به العقوبةَ مِن اللهِ تعالى، فهو ظالمٌ لنفسِه بإيجابِه العقوبةَ لها مِن اللهِ تعالى، وكان الفعلُ الذى فعَلوه فظلَموا به أنفسَهم، هو ما أخْبَر اللهُ عنهم مِن ارْتِدادِهم باتخاذِهم العجلَ ربًّا بعدَ فِراقِ موسى إياهم.
ثم أمَرهم موسى بالمراجعةِ مِن ذنبِهم، والإنابةِ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ مِن رِدَّتِهم بالتوبةِ إليه، والتسليمِ لطاعتِه فيما أمَرهم به، وأخْبَرَهم أن توبتَهم مِن الذنبِ الذى رَكِبوه قَتْلُهم أنفسَهم -وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى التوبةِ الأوْبَةُ مما يَكْرَهُه اللهُ إلى ما يَرْضاه مِن طاعتِه (١) - فاسْتَجاب القومُ لما أمَرهم به موسى مِن التوبةِ مما ركِبوا مِن ذنوبهم إلى ربِّهم، على ما أمَرَهم به.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ ابنُ الحجاجِ، عن أبى إسحاقَ، عن أبى عبدِ الرحمنِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال: عمَدوا إلى الخنَاجرِ، فجعَل يَطْعُنُ بعضُهم بعضًا.
حدَّثنى عباسُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرَنى القاسمُ بن أبى بَزَّةَ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ ومُجاهِدًا قالا: قام بعضُهم إلى بعضٍ بالخنَاجرِ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، لا يَحِنُّ (١) رجلٌ على رجلٍ قريبٍ ولا بَعيدٍ، حتى ألْوَى (٢) موسى بثوبِه، فطرَحوا ما بأيديهم، فتكَشَّف عن سبعين ألفَ قَتيلٍ، وإن اللهَ أوْحَى إلى موسى أنْ حَسْبِى فقد اكْتَفَيْت.
فذلك حينَ ألْوَى بثوبِه (٣).
حدَّثنى عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، قال: قال أبو سعدٍ (٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال موسى لقومِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
قال: أمَر موسى قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلوا أنفسَهم.
قال: فاحْتَبى (٥) الذين عكَفوا على العجلِ فجلَسوا، وقام الذين لم يَعْكُفوا على العجلِ وأخَذوا الخنَاجرَ بأيديهم، وأصابَتهم ظلمةٌ شديدةٌ، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فانْجَلَت الظلمةُ عنهم وقد أجْلَوْا عن سبعينَ ألفَ قتيلٍ، كلُّ مَن قُتِل منهم كانت له توبةٌ، وكلُّ مَن بَقِى (٦) كانت له توبةٌ (٧).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه قال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾.
إلى قولِه: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٦، ٨٧].
فألْقَى مُوسى الألْواحَ وأخَذَ برأسِ أخيه يَجُرُّه إليه ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾.
إلى قولِه.
﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤].
فترَك هارونَ ومال إلى السامرىِّ، فقال: ﴿مَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾.
إلى قولِه: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٥ - ٩٧].
ثم أخَذه فذبَحه، ثم حرَقه (١) بالمِبْردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يَجْرى يومَئذٍ إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه.
فشرِبوا، فمَن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه (٢) الذهبُ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣].
فلما سُقِط في أيدى بنى إسرائيلَ حينَ جاء موسى، ورَأوْا أنهم قدْ ضَلُّوا قالوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩].
فأبَى اللهُ أن يَقْبَلَ توبةَ بنى إسرائيلَ إلا بالحالِ التى كرِهوا أن يُقاتِلوهم حينَ عبَدوا العجلَ، فقال لهم موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال: فصَفُّوا صفَّيْن، ثم اجْتَلَدوا بالسيوفِ، فاجْتَلَد الذين عبَدوه والذين لم يَعْبُدوه بالسيوفِ، فكان مَن قُتِل مِن الفريقَيْن شهيدًا، حتى كثُر القتلُ، حتى كادوا أن يَهْلِكوا، حتى قُتِل بينَهم سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارونُ: ربَّنا هلَكَتْ بنو إسرائيلَ، ربَّنا البقيةَ البقيةَ.
فأمَرهم أن يَضَعوا السلاحَ، وتاب عليهم، فكان مَن قُتِل شهيدًا، ومَن بَقِى كان مُكَفَّرًا عنه، فذلك قولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهلىُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
قال: كان موسى أمَر قومَه -عن أمرِ ربِّه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخنَاجرِ، فجعَل الرجلُ يَقْتُلُ أباه ويَقْتُلُ ولدَه، فتاب اللهُ عليهم (١).
[وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
قال: كان أمَر موسى قومَه -عن أمرِ رِّبه- أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يَقْتُلَ الرجلُ أباه ولا أخاه، فبلَغَ ذلك في ساعةٍ من نهارٍ سبعين ألفًا] (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
قال: فصاروا صفَّيْن، فجعَل يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، فبلَغ القَتْلَى ما شاء اللهُ، ثم قيل لهم: قد تِيبَ على القاتلِ والمقتولِ.
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى الليثُ، قال: حدَّثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: لما أُمِرَت بنو إسرائيلَ بقتلِ أنفسِها برَزُوا ومعهم موسى، فاضْطَربُوا (٣) بالسيوفِ، وتَطاعَنوا بالخنَاجرِ، وموسى رافعٌ يديه، حتى إذا فتَر، أتاه بعضُهم فقالوا: يا نبىَّ اللهِ، ادْعْ اللهَ لنا.
وأخَذوا بعَضُدَيْه يَسنُدُون (٤) يديه، فلم يَزَلْ أمرُهم على ذلك حتى إذا قبِل اللهُ توبتَهم، قبَض أيدىَ بعضِهم عن بعضٍ، فألْقَوُا السلاحَ، وحزِن موسى وبنو إسرائيلَ للذى كان مِن القتلِ فيهم، فأوْحَى اللهُ إلى موسى: ما (١) يَحْزُنُك؟
أمّا مَن قُتِل منكم (٢) فحىٌّ عندى يُرْزَقُ (٣) وأمَّا مَن بقِى فقد قَبِلْتُ توبتَه.
[فبشَّر بذلك موسى بنى] (٤) إسرائيلَ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قالا (٦): قاموا صفَّيْنِ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، حتى قيل لهم: كُفُّوا.
قال قتادةُ: كانت شهادةً للمقتولِ، وتوبةً للحىِّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: سمِعْتُ عُبَيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: قام بعضُهم إلى بعضٍ يَقْتُلُ بعضُهم بعضًا، ما يتوقَّى (٧) الرجلُ أباه ولا أخاه ولا ابنَه [ولا] (٨) أحدًا، حتى نزَلَتِ التوبةُ.
قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: بلَغ قَتلاهم سبعين ألفًا، ثم رفَع اللهُ عنهم القتلَ، وتاب عليهم.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قاموا صفَّيْن فاقْتَتلوا بينَهم، فجعَل اللهُ القتلَ لمَن قُتِل منهم شَهادةً، وكانت توبةً لمن بقِى، وكان قتلُ بعضِهم بعضًا أن اللهَ علِم أن ناسًا منهم علِموا أن العِجْلَ باطلٌ، فلم يَمْنَعْهم أن يُنْكِروا عليهم إلا مخافةَ القتالِ، فلذلك أُمِرُوا (١) أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، وأحْرَق العِجلَ وذَرَّاه في اليَمِّ، خرَج إلى ربِّه بمَن اخْتار مِن قومِه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ ثم بُعِثوا، سأل موسى ربَّه التوبةَ لبنى إسرائيلَ مِن عبادةِ (٢) العجلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم.
قال: فبلَغَنى أنهم قالوا لموسى: نَصْبِرُ لأمرِ اللهِ.
فأمَر موسى مَن لم يكنْ عبَد العجلَ أن يَقْتُلَ مَن عَبدَه، فجلَسوا بالأفْنِيةِ، وأصلَت (٣) عليهم القومُ السيوفَ، فجعَلوا يَقْتُلونهم، وبكَى موسى وبَهَش (٤) إليه الصِّبْيانُ والنساءُ يَطْلُبون العفوَ عنهم، فتاب عليهم وعفا عنهم، وأمَر موسى أن [يُرْفَعَ عنهم السيفُ] (٥).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما رجَع موسى إلى قومِه، وكان (٦) سبعون رجلًا قد اعْتَزَلوا مع هارونَ العجلَ لم يَعْبُدوه، فقال لهم موسى: انْطَلِقوا إلى موعدِ ربِّكم.
فقالوا: يا موسى، أمَا مِن توبةٍ؟
قال: بلى (١)، اقْتُلُوا أنفُسَكم ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
فاخْتَرَطوا السيوفَ والجِرَزةَ (٢) والخنَاجرَ والسَّكاكِينَ، قال: وبُعِثت عليهم ضَبابةٌ.
قال: فجعَلوا يَتَلامَسون بالأيدى ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا.
قال: ويَلْقَى الرجلُ أباه وأخاه فيَقْتُلُه ولا يَدْرِى، قال: ويَتَنادَوْن فيها: رحِم اللهُ عبدًا صبَر حتى يَبلُغَ اللهُ رضاه.
وقرَأ قولَ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ٣٣] قال: فقَتْلاهم شُهداءُ، وتِيب على أحيائِهم.
وقرَأ: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
فالذى ذكَرْنا -عمَّن روَيْنا عنه الأخبارَ التى روَيْناها- كان توبةَ القومِ مِن الذنبِ الذى أتَوْه فيما بينَهم وبينَ ربِّهم، بعبادتِهم العجلَ، مع ندمِهم على ما سلَف منهم مِن ذلك.
وأما معنى قولِه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.
فإنه يعنى: ارْجِعوا إلى طاعةِ خالقِكم وإلى ما يُرْضِيه عنكم.
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾.
أى: إلى خالقِكم (٣).
وهو مِن: بَرَأ اللهُ الخلقَ [يَبْرَؤُهم بَرْءًا] (٤)، فهو بارِئُهم (٥).
والبَرِيَّةُ الخلقُ، وهى فَعِيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، غيرَ أنها لا تُهْمَزُ، كما لا يُهْمَزُ "مَلَكٌ"، وهو مِن " [لأكْتُ"؛ لأنه] (١) جرَى بتركِ الهمزِ كذلك.
كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (٢).
إلا سُليمانَ إذ قال الإلهُ (٣) له … قُمْ في البَرِيَّةِ فاحْدُدْها (٤) عن الفَنَدِ (٥) وقد قيل: إن البَرِيَّةَ إنما لم تُهْمَزْ لأنها فعيلةٌ مِن البَرَى، والبَرَى الترابُ، فكأنَّ تأويلَه على قولِ مَن تأوَّله كذلك أنه مخلوقٌ مِن الترابِ.
وقال بعضُهم: إنما أُخِذَت البَرِيَّةُ مِن قولِك: بَرَيْتُ العودَ.
فلذلك لم يُهْمَزْ.
قال أبو جعفرٍ: وتركُ الهمزِ مِن "بارئِكم" جائزٌ، والإبْدالُ منها جائزٌ.
فإذ كان ذلك جائزًا في "بارِئِكم"، فغيرُ مُسْتَنْكَرٍ أن تكونَ البَرِيَّةُ مِن: بَرَى اللهُ الخلقَ.
بتركِ الهمزةِ.
وأما قولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾.
فإنه يعنى بذلك: توبتُكم بقتلِكم أنفسَكم، وطاعتُكم ربَّكم، خيرٌ لكم عندَ بارئِكم؛ لأنكم تَنْجُون بذلك مِن عقابِه في الآخرةِ على ذنبِكم، وتَسْتَوْجِبون به الثوابَ منه.
وقولُه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.
[يقولُ: فتاب اللهُ عليكم] (٦) بما فعَلْتُم مما أمَرَكم به مِن قتْلِ بعضِكم بعضًا.
وهذا مِن المحذوفِ الذى اسْتُغْنى بالظاهرِ منه عن المتروكِ؛ لأن معنى الكلامِ: فتُوبوا إلى بارئِكم فاقْتُلوا أنفسَكم، ذلكم خيرٌ لكم عندَ بارئِكم، فتُبْتم فتاب اللهُ عليكم.
فترَك ذِكْرَ قولِه: فتبْتُم.
إذ كان في قولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾.
دَلالَةٌ بينةٌ على اقْتِضاءِ الكلامِ: فتبْتُم.
ويعنى بقولِه: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾: رجَع لكم ربُّكم إلى ما أحْبَبْتُم مِن العفوِ عن ذنوبكم وعظيمِ ما ركِبْتُم، والصفحِ عن جُرْمِكم، ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
يعنى: الراجعُ لمن أناب إليه بطاعتِه إنى ما يُحِبُّ مِن العفوِ عنه.
ويعنى بـ ﴿الرَّحِيمُ﴾: العائدُ عليه (١) برحمتِه المُنْجيةِ مِن عقوبتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
وتأويلُ ذلك: واذْكُروا أيضًا إذ قلْتُم: يا موسى لن نُصَدِّقَك ولن نُقِرَّ بما جئْتَنا به حتى نَرَى اللهَ (٢) عِيانًا، برفعِ الساترِ بينَنا وبينَه، وكشفِ الغِطاءِ دونَنا ودونَه، حتى نَنْظُرَ إليه بأبصارِنا.
كما تُجْهَرُ الرَّكِيَّةُ (٣)، وذلك إذا كان ماؤُها قد غطَّاه الطِّينُ، فنُقِّى (٤) ما قد غطَّاه حتى ظهَر الماءُ وصفا.
يقالُ منه (٥): جَهَرْتُ الرَّكِيَّةَ أَجْهَرُها جَهْرًا وجَهْرةً.
ولذلك قيل: قد جاهَر (٦) فلانٌ بهذا الأمرِ مُجاهَرةً وجِهارًا.
إذا أظْهَره لرأْىِ العينِ وأعلَنه، كما قال الفَرَزْدَقُ بنُ غالبٍ (١): مِن اللائى يَظَلُّ (٢) الألْفُ منه … مُنِيخًا (٣) مِن مَخافتِه جِهارًا (٤) وكما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
قال: علانيةً (٥).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
قال (٦): عِيانًا (٧).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾: حتى يَطْلُعَ إلينا (٨).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
أى: عِيانًا (٩).
فذكَّرهم بذلك جلّ ذكرُه كثرةَ (١) اختلافِ آبائِهم، وسُوءَ استقامةِ أسلافِهم لأنبيائِهم، مع كثرةِ مُعاينتِهم مِن آياتِ اللهِ وعِبَرِه (٢) ما تَثْلُجُ (٣) بأقلِّها الصدورُ، وتَطْمَئِنُّ بالتصديقِ معها النفوسُ، وذلك مع تَتابُعِ الحُجَجِ عليهم، وسُبوغِ النِّعَمِ مِن اللهِ لديهم، وهم مع ذلك مرةً يَسْألون نبيَّهم أن يَجْعَلَ لهم إلهًا غيرَ اللهِ، ومرَّةً يَعْبُدون العِجْلَ مِن دونِ اللهِ، ومرةً يقولون: لن (٤) نُصَدِّقَك حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً.
وأخرى يقولون له إذا دُعُوا إلى القتالِ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتِلا إنا ههنا قاعِدُون.
ومرةً يُقالُ لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨].
فيقولون: حِنْطةٌ في شَعيرةٍ.
ويَدْخُلون البابَ مِن قِبَلِ أَسْتاهِهِم، مع غيرِ ذلك مِن أفعالِهم التى آذَوْا بها نبيَّهم ﵇ التى يَكْثُرُ إحْصاؤُها.
فأعْلَمَ ربُّنا تبارك اسمُه وتعالى ذكرُه الذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، أنهم لن يَعْدُوا أن يَكُونوا -في تكذيبِهم محمدًا ﷺ، وجُحودِهم نبوَّتَه، وتركهم الإقرارَ به، وبما جاء به، مع علمِهم به، ومعرفتِهم بحقيقةِ أمرِه- كأسْلافِهم وآبائِهم الذين [قصَّ اللهُ] (٥) عليهم قَصَصَهم في ارْتِدادِهم عن دينِهم مرةً بعدَ أخرى، وتَوَثُّبِهم على نبيِّهم موسى صلوات اللهِ وسلامُه عليه تارةً بعدَ أخرى، مع عظيمِ بَلاءِ اللهِ عندَهم، وسُبوغِ آلائِه عليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الصاعقةِ التى أخَذَتْهم؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
قال: ماتوا (١).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ (٢) الصَّاعِقَةُ﴾.
قال: سمِعوا صوتًا فصَعِقوا.
يقولُ: ماتوا (٣).
وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ الهَمْدانيّ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾: والصاعقةُ نارٌ (٤).
وقال آخَرون بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: أخذَتْهم الرَّجْفةُ، وهى الصاعقةُ، فماتوا جميعًا (٥).
وأصلُ الصاعقةِ كلُّ أمرٍ هائلٍ مَن (٦) رآه أو عايَنه أو أصابه، حتى يَصِيرَ مِن هَوْلِه وعَظيمِ شأنِه إلى هلاكٍ وعطبٍ أو (١) إلى ذَهابِ عقلٍ وغُمورِ فَهمٍ أو فقدِ بعض آلاتِ الجسمِ؛ صوتًا كان ذلك أو نارًا أو زَلْزَلَةً أو رَجْفًا.
ومما يَدُلُّ على أنه قد يكونُ مَصْعوقًا وهو حَىٌّ غيرُ ميتٍ، قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].
يعنى مَغْشِيًّا عليه.
ومنه قولُ جَريرِ بنِ عَطِيَّةَ (٢): وهل كان الفَرَزْدَقُ غيرَ قِرْدٍ … أصابَتْه الصَّواعِقُ فاسْتَدَارَا فقد عُلِم أن موسى لم يكنْ حين غُشِى عليه وصَعِق، ميِّتًا؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤه قد أخْبَر عنه أنه لمَّا أفاق قال: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
ولا شَبَّه جَريرٌ الفَرَزْدقَ وهو حىٌّ بالقِرْدِ ميتًا، ولكن معنى ذلك ما وصَفْنا.
ويعنى بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: وأنتم تَنظُرون إلى الصاعقةِ [التى أصابَتْكم.
يقولُ: أخَذَتْكم الصاعقةُ عِيانًا] (٣) جَهارًا وأنتم تَنْظُرون إليها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾: أحْيَيْناكم.
وأصلُ البعثِ إثارةُ الشئِ مِن مَحَلِّه.
ومنه قيل: بعَث فلانٌ راحلتَه، إذا أثارها مِن مَبْرَكِها لِتسيرَ (٥)، كما قال الشاعر (٦): فأبْعَثُها وَهِيَّ صَنِيعُ (١) حَوْلٍ … كرُكْنِ الرَّعْنِ ذِعْلِبَةً وَقاحَا والرَّعْنُ: مُنْقَطعُ أنفِ الجبلِ، والذِّعْلِبَةُ: الخفيفةُ، والوَقاحُ: الشديدةُ الحافرِ أو الخُفِّ.
ومِن ذلك قيل: بعَثْتُ فلانًا لحاجتي.
إذا أقَمْتَه مِن مكانِه الذي هو فيه للتَّوَجُّهِ فيها.
ومنه قيل ليومِ القيامةِ: يومُ البعثِ؛ لأنه يومٌ يُثارُ الناسُ فيه مِن قبورِهم لموقفِ الحسابِ.
ويعني بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾: مِن بعدِ (٢) موتِكم بالصاعقةِ التي أهْلكَتْكم.
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
يقولُ: فعَلْنا ذلك بكم لِتَشْكروني على ما أَوْلَيْتُكم مِن نعمتِي عليكم (٣)، بإحْيائي إياكم، [اسْتِيناءً مني لكم] (٤)، لِتُراجِعوا التوبةَ مِن عظيمِ ذنبِكم، بعدَ إحلالي العقوبةَ بكم بالصاعقةِ التي أحْلَلْتُها بكم، فأماتَتْكم بعظيمِ [خطاياكم التي كانت] (٥) منكم فيما بينَكم وبينَ ربِّكم.
وهذا القولُ على تأويلِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾: ثم أحْيَيْناكم.
وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾.
أى: بعَثْناكم أنبياءَ.
حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ (١) وتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله السديُّ: فأخَذَتْكم الصاعقةُ، ثم أحْيَيْناكم مِن بعدِ موتِكم، وأنتم (٢) تَنْظُرون إلى إحيائِنا كم (٣) مِن بعدِ موتِكم، ثم بعَثْناكم أنبياءَ لعلكم تَشْكُرون.
وزعَم السُّديُّ أن ذلك مِن المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمُؤَخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
حدَّثنا بذلك موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ.
وهذا تأويلٌ يَدُلُّ ظاهرُ التلاوةِ على خلافِه، مع إجماعِ أهلِ التأويلِ على تخطئتِه، فالواجبُ على تأويلِ السديِّ الذي حكَيْناه عنه أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: تَشكروني (٤) على تَصْيِيرى إياكم أنبياءَ.
وكان سببَ قيلِهم لموسى ما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه له مِن قولِهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (٥)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما رجَع موسى إلى قومِه، ورأَى ما هم فيه مِن عبادةِ العِجْلِ، وقال لأخيه وللسامريِّ ما قال، وحرَّق العجلَ وذرَّاه في البحرِ (٦) اخْتار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّرَ فالخيِّرَ، وقال: انْطَلِقوا إلى اللهِ فتُوبوا إليه مما صنَعْتُم، وسَلُوه التوبةَ على مَن ترَكْتُم وراءَكم مِن قومِكم، صوموا وتطهَّروا وطهِّروا ثيابَكم.
فخرَج بهم إلى طُورِ سَيْناءَ لميقاتٍ وقَّته له ربُّه، وكان لا يَأْتِيه إلا بإذنٍ منه وعلمٍ، فقال له السبعون -فيما ذُكِر لي- حينَ صنعوا ما أمَرهم به، وخرَجوا للقاءِ ربِّه، قالوا: يا موسى، اطْلُبْ لنا إلى ربِّك نَسْمَعْ كلامَ ربِّنا.
فقال: أفْعَلُ.
فلما دنا موسى مِن الجبلِ وقَع عليه [عمودُ الغَمامِ] (١) حتى تغَشَّى الجبلَ كلَّه، ودنا موسى فدخَل فيه، وقال للقومِ: ادْنُوا.
وكان موسى إذا كلَّمه (٢) وقَع على جَبهتِه نورٌ ساطعٌ لا يَسْتطيعُ أحدٌ مِن بني آدمَ أن يَنْظُرَ إليه، فضُرِب دونَه بالحجابِ (٣)، ودنا القومُ حتى إذا دخَلوا في الغَمامِ وقَعوا سُجودًا، فسمِعوه وهو يُكَلِّمُ موسى يَأْمُرُه ويَنْهاه: افْعَل ولا تَفْعَلْ.
فلما فرَغ إليه (٤) مِن أمرِه انْكَشَف (٥) عن موسى الغَمامُ، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
فأَخذَتْهم الرجفةُ، وهي الصاعقةُ، فماتوا جميعًا، وقام موسى يُناشِدُ ربَّه ويَدْعُوه ويَرْغَبُ إليه ويقولُ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ [الأعراف: ١٥٥].
قد سَفِهوا، أفتُهْلِكُ مَن ورائي مِن بني إسرائيلَ [بما فعَل] (٦) السُّفهاءُ منا؟
-أى: إن هذا لهم هَلاكٌ- اخْتَرْتُ منهم سبعين رجلًا، الخيِّرَ فالخيِّرَ، أَرْجِعُ إليهم وليس معي منهم رجلٌ واحدٌ، فما الذي يُصَدِّقوني به أو يَأْمَنوني عليه بعدَ هذا؟
﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
فلم يَزَلْ موسى يُناشِدُ ربَّه [ويسْألُه] (٧) ويَطْلُبُ إليه، حتى ردَّ إليهم (١) أرْواحَهم، وطلَب إليه التوبةَ لبني إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، فقال: لا، إلا أن يَقْتُلوا أنفسَهم (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ بنُ نصرٍ، عن السديِّ: لما تابَت بنو إسرائيلَ مِن عبادةِ العِجْلِ، وتاب اللهُ عليهم بقتلِ بعضِهم بعضًا كما أمَرَهم به، أمَر اللهُ تعالى موسى أن يَأْتِيَه في ناسٍ مِن بني إسرائيلَ يَعْتَذِرون إليه مِن عبادةِ العِجْلِ، ووعَدَهم موْعِدًا، فاخْتار موسى مِن قومِه سبعين رجلًا على عَيْنِه، ثم ذهَب بهم ليَعْتَذِروا، فلما أتَوْا ذلك المكانَ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
فإنك قد كلَّمْتَه فأرِناه، فأخَذَتْهم الصاعقةُ فماتوا، فقام موسى يَبْكِي ويَدْعُو اللهَ ويقولُ: ربِّ ماذا أقولُ لبني إسرائيلَ إذا أتَيْتُهم وقد أهْلَكْتَ خِيارَهم؟
﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾.
فأوْحَى اللهُ إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممَّن اتَّخَذ العِجْلَ.
فذلك حينَ يقولُ موسى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [إلى قَولِه] (٣): ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ (٤) [الأعراف: ١٥٥، ١٥٦].
وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
ثم إن اللهَ أحْياهم فقاموا وعاشوا رجلًا رجلًا (٥)، يَنْظُرُ بعضُهم إلى بعضٍ كيف يَحْيَوْنَ، فقالوا: يا موسى أنت تَدْعُو اللهَ فلا تَسْألُه (٦) شيئًا إلا أعْطاك، فادْعُه يَجْعَلْنا أنبِياءَ، فدعا اللهَ فجعَلهم أنبياءَ، فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾.
ولكنه قدَّم حرفًا وأخَّر حرفًا (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال لهم موسى -لما رجَع مِن عندِ ربِّه بالألواحِ قد كُتِب فيها التوراةُ، فوجَدَهم يَعْبُدون العِجْلَ، فأمَرَهم بقتلِ أنفسِهم ففعَلوا، فتاب اللهُ عليهم (٢) -: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ، فيه أمرُه الذي أمَرَكم به (٣)، ونَهْيُه الذي نهاكم عنه.
فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت!
لا واللهِ حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً، حتى يَطْلُعَ اللهُ إلينا (٤) فيقولَ: هذا كتابي فخُذُوه، فما له لا يُكَلِّمُنا كما كَلَّمك (٥) أنت يا موسى، فيقولُ: هذا كتابي فخُذوه؟
وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللهِ، فجاءَتْهم صاعقةٌ بعدَ التوبةِ، فصَعَقَتهم فماتوا أجْمَعُون.
قال: ثم أحْياهم اللهُ مِن بعدِ موتِهم.
وقرَأ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
فقال لهم موسى: خُذوا كتابَ اللهِ.
فقالوا: لا.
فقال: أيُّ شيءٍ أصابَكم؟
قالوا: أصابنا أنَّا مِتنا ثم حَيِينا.
قال: خُذوا كتابَ اللهِ.
فقالوا: لا.
قال: فبعَث اللهُ ملائكةً فنَتَقتِ الجبلَ فوقَهم (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾.
قال: أخَذَتْهم الصاعقةُ، ثم بعَثهم اللهُ ليُكْمِلوا بقيةَ آجالِهم (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ في قولِه: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾.
قال: هم السبعون الذين اخْتارَهم موسى فساروا معه.
قال: فسمِعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
قال: فسمِعوا صوتًا فصَعِقوا.
يقولُ: ماتوا (٢).
فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾.
فبُعِثوا مِن بعدِ موتِهم؛ لأن موتَهم ذاك كان عقوبةً لهم، فبُعِثوا لبقيةِ آجالِهم (٣).
فهذا ما رُوِى في السببِ الذي مِن أجلِه قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
ولا خبرَ عندَنا بصحةِ شيءٍ مما قاله مَن ذكَرْنا قولَه في سببِ قِيلِهم ذلك لموسى تقومُ به حجةٌ [فيُسَلَّمَ له] (٤)، وجائزٌ أن يكونَ ذلك بعضَ ما قالوه، فإذ كان لا خبرَ بذلك تقومُ به حُجةٌ، فالصوابُ مِن القوِل فيه أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه قد أخْبَر عن قومِ موسى أنهم قالوا له: ﴿يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾.
كما أخْبَر عنهم أنهم قالوه، وإنما أخْبَر اللهُ بذلك عنهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ تَوْبيخًا لهم على كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، [وقد] (١) قامَت حجَّتُه على مَن احتَجَّ به عليه، ولا حاجةَ لمَن انْتَهَت إليه إلى معرفةِ السببِ الداعي كان (٢) لهم إلى قيلِ ذلك، وقد قال الذين أخْبَرنا عنهم الأقوالَ التي ذكَرْناها، وجائزٌ أن يكونَ بعضُها حقًّا كما قالوا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
عطفٌ على قولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾.
فتأويلُ الآيةِ: ثم بعَثْناكم مِن بعدِ موتِكم، وظلَّلنا عليكم الغَمامَ -وعدَّد عليهم سائرَ ما أنْعَم به عليهم- لعلكم تَشْكُرون.
والغَمامُ جماعُ غَمامةٍ، كما السَّحابُ جماعُ سَحابةٍ، والغَمامُ هو ما غَمَّ السماءَ فألْبَسَها، مِن سَحابٍ وقَتَامٍ، وغيرِ ذلك مما يَسْتُرُها عن أعينِ الناظرين، وكلُّ مغطًّى [فإن العربَ] (٣) تُسَمِّيه مَغْمومًا.
وقد قيل: إن الغَمامَ التي ظلّلها اللهُ على بني إسرائيلَ لم تَكنْ (٤) سَحابًا.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال: ليس بالسَّحابِ (٥).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال: ليس بالسَّحابِ (١)، هو الغَمامُ الذى يَأْتى اللهُ فيه يومَ القيامةِ، لم يكنْ إلا لهم (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال: هو بمنزلةِ السَّحابِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسين، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال: غَمامٌ أبْرَدُ مِن هذا وأطيبُ، وهو الذى يَأْتى اللهُ جلَّ وعزَّ فيه يومَ القيامةِ.
في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ (٣) مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠].
وهو الذى جاءَت فيه الملائكةُ يومَ بدرٍ.
قال ابنُ عباسٍ: وكان معهم في التِّيهِ (٤).
وإذ كان معنى الغَمامِ ما وصَفْنا، مما غمَّ السماءَ مِن شيءٍ فغطَّى وجهَها عن الناظرِ إليها، فليس الذى ظلَّله اللهُ على بني إسرائيلَ فوصَفه بأنَّه كان غَمامًا، بأوْلَى بوصفِه إياه بذلك أن يكونَ سَحابًا، منه بأن يكونَ غيرَ ذلك مما ألْبَس وجهَ السماءِ مِن شيءٍ.
وقد قيل: إنه ما ابيضَّ مِن السَّحابِ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ المنِّ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾.
قال؛ المَنُّ صَمْغةٌ (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾.
يقولُ: كان المنُّ يَنْزِلُ عليهم مثلَ الثلجِ (٢).
وقال آخَرون: هو شَرابٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: المنُّ شرابٌ كان يَنْزِلُ عليهم مثل العسلِ، فيَمْزُجونه بالماءِ ثم يَشْرَبونه (٣).
وقال آخَرون: المنُّ عسلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: المنُّ عسلٌ كان يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: عَسلُكم هذا جزءٌ مِن سبعين جزءًا مِن المنِّ (٢).
وقال آخَرون: المنُّ الخبزُ (٣) الرُّقَاقُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا، وسُئِل ما المَنُّ؟
قال: خبزُ الرُّقاقِ، مثلُ الذُّرَةِ، أو (٤) مثلُ النَّقِىِّ (٥).
وقال آخَرون: المنُّ الزَّنْجبيلُ (٦).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: المنُّ كان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزنْجبيلِ] (١).
وقال آخَرون: المنُّ هو الذى يَسْقُطُ على الشجرِ الذى يَأْكُلُه الناسُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾.
قال: المنُّ الذى يَقَعُ على الشجرِ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن مُجالدٍ، عن عامرٍ، قال: المنُّ هذا الذى يَقَعُ على الشجرِ.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الْمَنَّ﴾.
قال: المنُّ الذى يَسْقُطُ مِن السماءِ على الشجرِ فيأْكُلُه الناسُ.
حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كان المنُّ يَنْزِلُ على شْجرِهم، فيَغْدُون إليه (٢) فيَأْكُلون منه ما شاءوا (٣).
[وقد قيل: إن المنَّ التَّرنْجَبينُ] (١).
وقال بعضُهم: المنُّ: الذى يَسْقُطُ على الثُّمامِ (٢) والعُشَرِ (٣)، وهو حُلْوٌ كالعسلِ، وإياه عَنَى الأعْشَى ميمونُ بنُ قيسٍ بقولِه (٤): لو أُطعِموا المنَّ والسَّلْوَى مكانَهمُ … ما أبْصَرَ الناسُ طعْمًا فيهمُ نَجَعَا وتَظاهَرَت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ، وماؤُها شِفاءٌ للعينِ" (٥).
وقال بعضُهم: المنُّ شرابٌ حُلْوٌ كانوا يَطْبُخونه فيَشْرَبونه.
وأما أُميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ الثقفىُّ فإنه جعَله في شِعْرِه عسلًا، فقال يَصِفُ أمرَهم في التِّيهِ وما رُزِقوا فيه (٦): فرَأَى اللهُ أنهم بمَضِيعٍ … لا بذى مَزْرَعٍ ولا مَثْمُورا (٧) فسَنَاها (١) عليهمُ غادياتٍ … ومرَى مُزْنَهم خَلايَا وخُورَا (٢) عسلًا ناطفًا وماءً فُرَاتًا … وحَلِيبًا ذا بَهْجةٍ مُرْمُورَا (٣) فجعَل المنَّ الذى كان يَنْزِلُ عليهم عسلًا ناطِفًا، والناطفُ هو القاطرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَالسَّلْوَى﴾.
و"السَّلْوى" اسمُ طائرٍ يُشْبِهُ السُّمَانَى، واحدُه (٤) وجِماعُه بلفظٍ واحدٍ، وكذلك السُّمَانَى لفظُ جِماعِها وواحدِها سَواءٌ.
وقد قيل: إن واحدَ السَّلْوَى سَلْواةٌ.
ذكرُ مَن قال ما قلنا في ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: أخبرنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ، [فى خبرٍ ذكَره عن أبى مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مرةَ الهَمْدانىِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبىِّ ﷺ] (٥): السَّلْوَى طيرٌ يُشْبِهُ السُّمَانَى (١) وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، قال: كان طيرًا أكبرَ مِن السُّمانَى.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ، قال: السَّلْوَى طيرٌ (٢) كانت تَحْشُرُها عليهم الريحُ الجَنوبُ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: السَّلْوَى طائرٌ (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: السَّلْوَى طائرٌ (٥).
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: السَّلْوَى هو السُّمَانَى (٦).
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخْبَرَنا أبو أحمدَ، قال: أخبرنا شَريكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السَّلْوَى السُّمانَى.
[حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، قال: السلوى السُّمانَى] (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ: السلوى كان طيرًا يَأْتِيهم مثلَ السُّمانَى (٢).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: السَّلْوَى طيرٌ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا وسُئِل: ما السَّلْوَى؟
فقال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحاكِ، قال: السُّمانَى هو السلوى (٤).
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما كان سببُ تَظْليلِ اللهِ الغَمامَ وإنزالِه المنَّ والسلوى على هؤلاء القومِ؟
قيل: قد اخْتَلَف أهلُ العلمِ في ذلك، ونحن ذاكِرون ما حضَرَنا منه.
فحدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: لمّا تاب اللهُ على قومِ (١) موسى وأحْيَا السبعين الذين اخْتارَهم موسى بعدَ ما أماتهم، أمَرهم اللهُ بالسيرِ (٢) إلى أَرِيحا، وهى أرضُ بيتِ المقدسِ، فساروا حتى إذا كانوا قريبًا منها (٣) بعَث موسى اثنَىْ عشَرَ نَقيبًا، فكان مِن أمرِهم وأمرِ الجبَّارِين وأمْرِ قومِ موسى ما قد قصَّ اللهُ في كتابِه، فقال قومُ موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾.
فغضِب موسى فدعا عليهم، فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، فكانت عَجْلةً من موسى عجِلَها، فقال اللهُ: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٥، ٢٦].
فلما ضُرِب عليهم التيهُ ندِم موسى، وأتاه قومُه الذين كانوا معه يُطيعونه فقالوا له: ما صنَعْتَ بنا يا موسى؟
فلما ندِم أوْحَى اللهُ إليه: [لا تَأْسَ] (٤) على القومِ الفاسِقِين -أى: لا تَحْزَنْ على القومِ الذين سمَّيْتُهم فاسِقِين- فلم يَحْزَنْ.
فقالوا: يا موسى، فكيف لنا بماءٍ ههنا؟
أين الطعامُ؟
فأنْزَل اللهُ عليهم المنَّ، فكان يَسْقُطُ على [الشجرِ الزَّنْجبيلِ] (٥)، والسَّلْوى وهو طيرٌ يُشْبِهُ السُّمانَى، فكان يَأْتى أحدُهم فيَنْظُرُ إلى الطيرِ فإن كان سَمينًا ذبَحه وإلا أرْسَله، فإذا سمِن أتاه.
فقالوا: هذا الطعامُ، فأين الشرابُ؟
فأُمِر موسى، فضرَب بعصاه الحجرَ فانْفَجَرت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، فشرِب كلُّ سِبْطٍ مِن عينٍ.
فقالوا: هذا الطعامُ والشرابُ، فأين الظلُّ؟
فظلَّل عليهم الغَمامَ.
فقلوا: هذا الظلُّ، فأين اللِّباسُ؟
فكانت ثيابُهم تَطولُ معهم كما تَطولُ الصِّبْيانُ، ولا يَتَخَرَّقُ لهم ثوبٌ، فذلك قولُه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾.
وقولُه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: لما تاب اللهُ على بنى إسرائيلَ وأمَر موسى أن يَرْفعَ عنهم السيفَ مِن عبادةِ العجلِ، أمَر موسى أن يَسِيرَ (٢) بهم إلى الأرضِ المقدسةِ، وقال: إنى قد كتَبْتُها لكم دارًا وقَرارًا ومَنْزِلًا، فاخْرُجْ إليها وجاهِدْ مَن فيها مِن العدوِّ، فإنى ناصرُكم عليهم.
فسار بهم موسى إلى الأرضِ المقدَّسةِ بأمرِ اللهِ، حتى إذا نزَل التِّيهَ بينَ مصرَ والشامِ، وهى بلادٌ ليس فيها خَمَرٌ (٣) ولا ظلٌّ، دعا موسى ربَّه حين آذاهم الحرُّ، فظلَّل عليهم بالغَمامِ، ودعا لهم بالرزقِ، فأنْزَل عليهم المنَّ والسَّلْوَى.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع [بنِ أنسٍ، وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع] (٤) قولَه: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾.
قال.
ظلَّل عليهم الغَمامَ في التِّيهِ، [ما هو في قدرِ] (٥) خمسةِ فَراسِخَ أو ستةٍ، كلما أصْبَحوا ساروا غادِين، فأمْسَوا فإذا هم في مكانِهم الذى ارْتَحَلوا منه، فكانوا كذلك حتى مرَّت أربعون سنةً.
قال: وهم في ذلك يَنْزِلُ عليهم المنُّ والسلوى، ولا تَبْلَى ثيابُهم، ومعهم حجرٌ مِن حجارةِ الطُّورِ يَحْمِلونه معهم، فإذا نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصمدِ، قال: سمِعْتُ وهبًا يقولُ: إن بنى إسرائيلَ لما حرَّم اللهُ عليهم أن يَدْخُلوا الأرضَ المُقَدَّسةَ أربعين سنةً يَتيهون في الأرضِ، شكَوْا إلى موسى فقالوا: ما نَأْكُلُ؟
فقال: إن اللهَ سيَأْتِيكم بما تَأْكُلون.
قالوا: مِن أين لنا إلا أن يمْطِرَ علينا خُبزًا!
قال: إن اللهَ ﷿ سيُنْزِلُ عليكم خُبزًا مَخْبوزًا.
فكان يُنْزِلُ عليهم المنَّ -سُئِل وهبٌ: ما المنُّ؟
قال: خُبزُ الرُّقاقِ مثلُ الذرةِ أو مثلُ النَّقيِّ- قالوا: وما نَأْتدِمُ؟
وهل بُدٌّ لنا مِن لحمٍ؟
قال: فإن اللهَ يَأْتِيكم به.
فقالوا: مِن أين لنا إلا أن تَأتِيَنا به الريحُ!
قال: فإن [اللهَ يأتيكم] (١) به.
فكانت الريحُ تَأْتِيهم بالسَّلْوَى -فسُئِل وهبٌ: ما السلوى؟
قال: طيرٌ سَمِينٌ مثلُ الحَمامِ، كان يَأْتِيهم فيَأْخُذون منه مِن سبتٍ إلى سبتٍ- قالوا: فما نَلْبَسُ؟
قال: لا يَخْلَقُ لأحدِكم ثوبٌ أربعين سنةً.
قالوا: فما نَحْتَذِى؟
قال: لا يَنْقَطِعُ لأحدِكم شِسْعٌ (٢) أربعين سنةً.
قالوا: فإنه يُولدُ فينا أولادٌ، فما نَكْسُوهم؟
قال: ثوبُ (٣) الصغيرِ يَشِبُّ معه.
قالوا: فمِن أين لنا الماءُ؟
قال: يَأْتِيكم به اللهُ.
قالوا: فمِن أين إلا أن يَخْرُجَ لنا مِن الحجرِ!
فأمَر اللهُ موسى أن يَضْرِبَ بعصاه الحجرَ.
قالوا: فبمَ نُبْصِرُ إذ تَغْشانا الظُّلْمةُ؟
فضرَب لهم عمودًا (٤) مِن نورٍ في وسَطِ عسكرِهم أضاء عسكرَهم كلَّه.
قالوا: فبمَ نَسْتَظِلُّ، فإن الشمسَ (٥) علينا شديدهٌّ؟
قال: يُظِلُّكم اللهُ بالغَمامِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ.
فذكَر نحوَ حديثِ موسى، عن عمرِو بنِ حمادٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: خُلِق لهم في التِّيهِ ثيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تَدْرَنُ.
قال: وقال ابنُ جُرَيْجٍ: إن أخَذ الرجلُ مِن المَنِّ والسَّلْوَى فوقَ طعامِ يومٍ فسَد، إلا أنهم كانوا يَأْخُذُون في يومِ الجمعةِ طعامَ يومِ السبتِ فلا يُصْبِحُ فاسدًا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذا مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه [عن ذكرِ] (٤) ما تُرِك منه، وذلك أن تأويلَ الآيةِ: وظلَّلْنا عليكم الغَمامَ وأنْزَلْنا عليكم المنَّ والسَّلْوى، وقلْنا لكم: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم.
فتُرِك ذكرُ قولِه: وقلنا لكم.
لِما بيَّنّا مِن دَلالةِ الظاهرِ في الخطابِ عليه.
وعنَى جلَّ ذكرُه بقولِه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾: كلوا مِن شَهِيّاتِ (٥) رِزْقِنا الذى رزَقْناكموه.
وقد قيل: عنَى بقولِه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾: مِن حلالِه الذى أبَحْناه لكم فجعَلْناه لكم رزقًا.
والأولُ مِن القولَيْن أولَى بالتأويلِ؛ لأنه وصْفُ ما كان القومُ فيه مِن هَنِئَ العيشِ الذى أعْطاهم، فوصْفُ ذلك بالطَّيِّب الذى هو بمعنى اللَّذَّةِ أحْرَى مِن وصفِه بأنه حلالٌ مُباحٌ.
و ﴿مَا﴾ التى (١) مع: ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ بمعنى الذى، كأنه قال (٢): كلوا مِن طيباتِ الرزقِ الذى رزَقْناكموه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.
وهذا أيضًا مِن الذى اسْتُغْنى بدَلالةِ ظاهرِه على ما تُرِك منه، وذلك أن معنى الكلامِ: كلوا مِن طيباتِ ما رزَقْناكم، فخالَفوا ما أمَرْناهم به، وعصَوا ربَّهم، ثم رسولَنا إليهم، وما ظلَمونا.
فاكْتُفِى بما أُظهِر عما تُرِك.
وقولُه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾.
يقولُ: وما ظلَمونا بفعلِهم ذلك ومعصيتِهم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾.
وما وضَعوا فعلَهم ذلك وعِصْيانَهم إيانا موضعَ مَضَرَّةٍ علينا، ومَنْقَصةٍ لنا، [ولكنهم وضَعوه مِن أنفسِهم موضعَ مَضَرَّةٍ عليها ومَنْقَصةٍ لها] (٣).
كما حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
قال: يَضُرُّون (١).
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن أصلَ الظلمِ وضعُ الشئِ في غيرِ موضعِه، بما فيه الكِفايةُ، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٢).
وكذلك ربُّنا جلَّ ثناؤُه لا تَضُرُّه معصيةُ عاصٍ، ولا يَتَحَيَّفُ خَزائنَه ظلمُ ظالمٍ، ولا تَنْفَعُه طاعةُ مُطيعٍ، ولا يَزِيدُ في مُلْكِه عدلُ عادلٍ، بل نفسَه يَظْلِمُ الظالمُ، وحظَّها يَبْخَسُ العاصى، وإياها يَنْفَعُ الطائعُ (٣)، وحظَّها يُصِيبُ العادلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾.
والقريةُ التى أمَرَهم اللهُ أن يَدْخُلوها فيَأْكُلوا منها رَغَدًا حيث شاءوا -فيما ذُكِر لنا- بيتُ المَقْدِس.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾.
قال: بيتُ المقدسِ (٤).
وحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: أما القريةُ فبيتُ (١) المقدسِ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾: يعنى بيتَ المَقدِسِ (٣).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سألْتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- عن قولِه: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
قال: هى أَرِيحا، وهى قريبةٌ مِن بيتِ المَقْدِسِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾.
يعنى بذلك: فكُلوا مِن هذه القريةِ حيث شِئْتُم عيشًا هَنِيئًا واسعًا بغيرِ حِسابٍ.
وقد بيَّنَّا معنى الرَّغَدِ فيما مضَى مِن الكتابِ (٥)، وذكَرْنا أقوالَ أهلِ التأويلِ فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
أما البابُ الذى أُمِروا أن يَدْخُلوه، فإنه قيل: هو بابُ الحِطَّةِ مِن بيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال: بابُ الحِطَّةِ مِن بابِ إيلِياءِ (١) بيتِ المقدسِ (٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ﴾: أما البابُ فبابٌ مِن أبوابِ بيتِ المقدسِ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾: فإنه أحدُ أبوابِ بيتِ المقدسِ، وهو يُدْعَى بابَ حِطَّةٍ.
وأما قولُه: ﴿سُجَّدًا﴾.
فإن ابنَ عباسٍ كان يَتأوَّلُه بمعنى الرُّكَّعِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا سُفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال: رُكَّعًا مِن بابٍ صغيرٍ (٤).
حدَّثنى الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال: أُمِروا أن يَدْخُلوا رُكَّعًا (١).
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ السجودِ الانْحِناءُ لمن سُجِد له مُعَظَّمًا بذلك، فكلُّ مُنْحَنٍ لشيءٍ تَعْظيمًا له [وخُشُوعًا] (٢) فهو له ساجدٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٣): بجَمْعٍ (٤) تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه … تَرَى الأُكْمَ فيه (٥) سُجَّدًا للحَوافِرِ (٦) يعنى بقولِه: سُجَّدًا: خاشعةً خاضعةً.
ومِن ذلك قولُ أعْشَى بنى (٧) قيسِ بنِ ثَعْلَبةَ (٨): يُراوِحُ مِن صلواتِ المَليـ … ـكِ طَوْرًا سُجودًا وطَوْرًا جؤَارَا فلذلك تأوَّل ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿سُجَّدًا﴾: رُكَّعًا؛ لأن الراكعَ مُنْحَنٍ، وإن كان الساجدُ أشدَّ انْحِناءً منه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿حِطَّةٌ﴾: فِعْلةٌ.
مِن قولِ القائلِ: حطَّ اللهُ عنك خَطاياك، فهو يَحُطُّها حِطَّةً.
بمنزلةِ الرِّدَّةِ والجِدَّةِ (١) والمِدَّةِ، مِن: جدَدْتُ (٢) ومدَدْتُ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذى قلْنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: قال الحسنُ وقَتادةُ: أى: احْطُطْ عنا خَطايانا (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: يحطُّ اللهُ بها عنكم ذنبَكم وخطيئتَكم (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: يَحُطُّ اللهُ (٥) عنكم خَطاياكم.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: مَغْفِرةٌ (٦).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: تُحَطُّ عنكم خَطاياكم (٧).
حدَّثَنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى عَطاءٌ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: سمِعْنا أنه يَحُطُّ عنهم خَطاياهم (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.
كأنهم وجَّهوا تأويلَه: قولوا الذى يَحُطُّ عنكم خَطاياكم، وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ، قالا: حدَّثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: قولوا: لا إلهَ إلا اللهُ (٢).
وقال آخَرون بمثلِ معنى قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم جعَلوا القولَ الذى أُمِروا بقيلِه الاسْتغفارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبْرِقانِ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال: أُمِرُوا أن يَستَغفِروا (١).
وقال آخَرون نحوَ (٢) قولِ عِكْرمةَ، إلا أنهم قالوا: القولُ الذى أُمِروا أن يَقُولوه هو أن يَقُولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قال.
قولوا: هذا الأمرُ حقٌّ كما قيل لكم (٣).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في المعنى الذى مِن أجلِه رُفِعَت "الحِطَّةُ"؛ فقال بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ: رُفِعَت "الحِطًّةُ" بمعنى قولوا: ليكنْ منك (٤) حِطَّةٌ لذُنوبنا.
كما تقولُ للرجلِ: سَمْعُك.
وقال آخَرون منهم: هى كلمةٌ أمَرَهم اللهُ أن يقولوها مرفوعةً، وفرَض عليهم قِيلَها كذلك.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٥): رُفِعَت "الحِطَّةُ" بضَميرِ "هذه"، كأنه قال: وقولوا: هذه حطةٌ.
وقال آخَرُ منهم: هى مرفوعةٌ بضَميرٍ معناه الخبرُ، كأنه قال: قولوا: ما هو حطةٌ.
فتكونُ "حطةٌ" حينَئذٍ خبرًا لـ "ما".
قال أبو جعفرٍ: والذى هو أقربُ عندى في ذلك إلى الصوابِ وأشْبَهُ بظاهرِ الكتابِ، أن يكونَ رفَع ﴿حِطَّةٌ﴾ بنيةِ خبرٍ محذوفٍ قد دلَّ عليه ظاهرُ التِّلاوةِ، وهو: دخولُنا البابَ سجدًا حطةٌ.
فكفَى مِن تَكريرِه بهذا اللفظِ ما دل عليه الظاهرُ مِن التنزيلِ، وهو قولُه (١): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
كما قال جلَّ ثناؤُه: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةٌ (٢) إِلَى رَبِّكُمْ) [الأعراف: ١٦٤].
بمعنَى: مَوْعِظتُنا إياهم مَعْذِرةٌ إلى ربِّكما.
فكذلك عندى تأويلُ قولِه: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
يعنى بذلك: وإذ قلْنا: ادْخُلُوا هذه القريَةَ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: دخولُنا ذلك سُجَّدًا حِطّةٌ لذنوبِنا.
وهذا القولُ على نحوِ تأويلِ الربيعِ بنِ أنسٍ وابنِ [جُرَيْجٍ وابنِ] (٣) زيدٍ، الذى ذكَرْناه آنِفًا.
وأما على تأويلِ قولِ عكرمةَ، فإن الواجب أن تكونَ القراءةُ بالنصبِ في: ﴿حِطَّةٌ﴾؛ لأن القومَ إن كانوا أُمِروا أن يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.
أو أن يقولوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ.
فقد قيل لهم: قولوا هذا القولَ.
فـ"قولوا" حينَئذٍ واقعٌ على الحِطَّةِ؛ لأن الحِطَّةَ على قولِ عكرمةَ هى قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ.
وإذا (٤) كانت هى قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ.
فالقولُ عليها واقعٌ، كما لو أمَر رجلٌ رجلًا بقولِ الخيرِ، لقال (٥) له: قل خيرًا.
نصبًا، ولم يكنْ صوابًا أن يقولَ له: قل خيرٌ.
إلا على اسْتِكْراهٍ شَديدٍ.
وفى إجماعِ القرأةِ على رفعِ "الحطة" بيانٌ واضحٌ على خلافِ الذى قاله عكرمةُ مِن التأويلِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
وكذلك الواجبُ على التأويلِ الذى روَيْناه عن الحسنِ وقَتادةَ في قولِه: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
أن تكونَ القراءةُ في ﴿حِطَّةٌ﴾ نَصْبًا؛ لأنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وضَعوا المصادرَ مَواضِعَ الأفعالِ، وحذَفوا الأفعالَ، أن يَنْصِبوا المصادرَ، كما قال الشاعرُ (١): أُبِيدُوا (٢) بأَيْدِى عُصْبَةٍ (٣) وسُيوفُهم … على أُمَّهاتِ الهامِ ضربًا شآمِيَا وكقولِ القائلِ للرجلِ: سمعًا وطاعةً.
بمعنى: أسمَعُ (٤) سمعًا وأُطيعُ (٥) طاعةً.
وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مَعَاذَ اللهِ﴾ [يوسف: ٢٣، ٧٩].
بمعنى: نَعوذُ باللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾: نَتَغَمَّدْ لكم بالرحمةِ خَطاياكم، ونَسْتُرْها عليكم، فلا نَفْضَحْكم بالعقوبةِ عليها.
وأصلُ الغَفْرِ التغطيةُ والسترُ، فكلُّ ساترٍ شيئًا فهو غافرُه.
ولذلك (٦) قيل للبَيْضةِ مِن الحديدِ التى تُتَّخَذُ جُنَّةً للرأسِ: مِغْفَرٌ؛ لأنَّها تُغَطِّى الرأسَ وتجُنُّه.
ومنه غِمْدُ السيفِ، وهو ما [تَغَمَّدَه فواراه] (١)، [ومن ذلك] (٢) قيل لزِئْبِرِ (٣) الثوبِ: غَفْرةٌ (٤).
لتغطيتِه الثوبَ (٥)، وحئولِه (٦) بينَ الناظرِ والنظرِ إليه (٧).
ومنه قولُ أوسِ بنِ حُجْرٍ (٨): ألا (٩) أُعْتِبُ (١٠) ابنَ العَمِّ إن كان جاهلًا … وأغْفِرُ عنه الجهلَ إن كان أجْهَلَا يعنى بقولِه: وأغفرُ عنه الجهلَ: أسْترُ عليه جهلَه بحِلْمى عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾.
والخَطايا جمعُ خَطِيَّةٍ بغيرِ هَمْزٍ، كما المَطايا جمعُ مَطِيَّةٍ، والحَشايَا جمعُ حَشِيَّةٍ، وإنما تُرِك جمعُ الخَطايا بالهمزِ؛ لأنَّ تركَ الهَمْزِ في خَطيةٍ أكثرُ مِن الهمزِ، فجُمِع على (١١) خَطايَا، على أنَّ (١١) واحدتَها غيرُ مَهْموزةٍ.
ولو كانت الخطايا مَجْموعةً على خَطيئةٍ بالهمزِ لقيل: خَطائى.
على مثالِ قبيلةٍ وقَبائِلَ، وصَحيفةٍ وصَحائفَ.
وقد تُجْمَعُ خَطيئةٌ بالتاءِ فتُهْمَزُ، فيُقالُ: خَطيئاتٌ.
والخَطيئةُ فَعِيلةٌ، مِن: خَطِئ الرجلُ يَخْطَأُ خِطأً.
وذلك إذا عدَال عن سبيلِ الحقِّ.
ومنه قولُ الشاعرِ (١): [وإنَّ مُهاجِرَيْن] (٢) تكَنَّفاه … [عبادَ (٣) اللهِ قد] (٤) خطِئا وحابا (٥) يعنى: أضَلَّا الحقَّ وأثِما.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.
وتأويلُ ذلك ما رُوِى لنا عن ابنِ عباسٍ، وهو ما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾: مَن كان منكم مُحْسِنًا زِيد في إِحْسانِه، ومَن كان مُخْطِئًا نَغْفِرْ له خَطيئتَه.
فتأويلُ الآيةِ: وإذ قلنا: ادْخُلوا هذه القريةَ، مُباحًا لكم أكلُ (٦) ما فيها مِن الطَّيِّباتِ، ومُوَسَّعًا عليكم بغيرِ حسابٍ، وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا، وقولوا: سُجودُنا هذا للهِ حِطَّةٌ مِن ربِّنا لذنوبِنا، يَحُطُّ به آثامَنا.
نتَغَمَّد لكم ذُنوبَ المُذْنِبِ منكم، فنَسْتُرها عليه، ونَحُطّ أوْزارَها عنه، ونَزِيدُ (٧) المحسِنَ (٨) منكم - إلى إحسانِنا (١) السالفِ عندَه- إحْسانًا.
ثم أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه عن عظيمِ جَهالتِهم، وسُوءِ طاعتِهم ربَّهم، وعِصْيانِهم لأنبيائِهم، واسْتِهْزائِهم برسلِهم (٢)، مع عظيمِ آلاءِ اللهِ عندَهم وعَجائبِ ما أراهم مِن آياتِه وعِبَرِه، مُوبِّخًا بذلك أبناءَهم الذين خُوطِبوا بهذه الآياتِ، ومُعْلِمَهم أنهم [لن يَعْدوا] (٣) -في تكذيبِهم محمدًا ﷺ، وجحودِهم نبوَّتَه، مع عظيمِ إحسانِ اللهِ بمَبْعَثِه فيهم إليهم، وعَجائبِ ما أظْهَر على يديه مِن الحُجَجِ بينَ أظْهُرِهم- أن يكونوا كأسْلافِهم الذين وصَف صفتَهم، وقصَّ عليهم (٤) أنباءَهم في هذه الآياتِ، فقال جل ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿فَبَدَّلَ﴾: فغيَّر.
ويعني بقولِه: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: الذين فعَلوا ما لَمْ يكنْ لهم فعلُه.
ويعنى بقولِه: ﴿قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: بدَّلوا قولًا غيرَ الذى أُمِروا أن يَقُولوه، فقالوا خِلافَه.
وذلك هو التبديلُ والتَّغْييرُ الذى كان منهم.
وكان تبديلُهم بالقولِ الذى أُمِروا أن يَقُولوه قولًا غيرَه، ما حدَّثني به محمدُ بنُ عُبيدٍ (١) المُحاربيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المبُاركِ، عن مَعْمرٍ، عن همامٍ، عن أبى هريرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ في قولِه: ﴿حِطَّةٌ﴾.
قال: "بدَّلوا فقالوا: حبَّةٌ" (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن همامِ بنِ مُنَبِّهٍ، أنه سمِع أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "قال اللهُ ﵎ لبنى إسرائيلَ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ (٣) لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾.
فبدَّلوا، فدخَلوا البابَ يَزْحَفون (٤) على أسْتاهِهم، وقالوا: حبَّةٌ في شَعَرةٍ (٥) " (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ وعليُّ بنُ مجاهدٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن صالحِ بنِ كيسانَ، عن صالحٍ مولى التوأمةِ، عن أبي هريرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ.
قال (٧): وحدَّثني (٨) محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "دخَلوا البابَ الذى أُمِروا أن يدخُلوا منه سجّدًا، يزحَفون على أستاهِهم يقولون: حنطةٌ في شعيرةٍ" (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن السُّدِّيّ، عن أبى سعدٍ (٢)، عن أبى الكَنودِ، عن عبدِ اللهِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
قالوا: حِنْطةٌ حمراءُ فيها شَعيرةٌ.
فأنْزَل اللهُ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٣).
حدَّثني موسي، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
فرفَعوا رُءوسَهم وبدَّلوا.
فزعَم السُّدِّىُّ، عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: إنهم قالوا: هِطى سُمْقاثا أزبه هَزْبا.
وهو بالعربيةِ: حبةُ حنطةٍ حمراءُ مثقوبةٌ، فيها شعرةٌ سوداءُ.
فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكَّعًا (١) مِن بابٍ صغيرٍ، فجعَلوا يَدْخُلون مِن قِبَلِ أسْتاهِهم، ويقولون: حِنْطةٌ.
فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٢).
حدَّثني الحسنُ (٣) بنُ الزِّبْرِقانِ النَّخَعيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُمِروا أن يَدْخُلوا رُكَّعًا ويقولوا: ﴿حِطَّةٌ﴾.
قال: أُمِروا أن يَسْتَغفِروا.
قال: فجعَلوا يَدْخُلون مِن قِبَلِ أسْتاهِهم مِن بابٍ صغيرٍ، ويقولون: حِنطةٌ.
يَسْتَهْزِئون، فذلك قولُه: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قالا: دخَلوها على غيرِ الجهةِ التى أُمِروا بها (٤)، دخَلوها مُتَزَحِّفِين على أوْراكِهم، وبدَّلوا قولًا غيرَ الذى قِيل لهم، فقالوا: حبَّةٌ في شَعيرةٍ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: [أمَر موسى قومَه] (٦) أن يَدْخُلوا البابَ سُجَّدًا ويقولوا: حِطَّةٌ.
وطُؤْطِئَ لهم البابُ ليَسْجُدوا، فلم يَسْجُدوا، ودخَلوا على أدبارِهم، وقالوا: حِنْطةٌ (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: أمَر موسى قومَه أن يَدْخُلوا المسجدَ ويقولوا: حِطَّةٌ.
وطُؤطِئَ لهم البابُ ليَخْفِضوا (٢) رءوسَهم، فلم يَسْجُدوا، فدخَلوا على أجْنُبِهم (٣) إلى الجبلِ -وهو الجبلُ الذي تجَلَّى له ربُّه جل ثناؤُه- وقالوا: حِنْطةٌ.
فذلك التبديلُ الذي قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال: فدخَلوا على أسْتاهِهم مُقْنِعى (٤) رءوسِهم.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن (٥) النضرِ بنِ عَربىٍّ (٦)، عن عكرمةَ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال (٧): فدخَلوا مُقْنِعى رءوسِهم.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
فقالوا: حِنْطةٌ، حبَّةٌ حمراءُ فيها شَعَرةٌ (٨).
قال (٥): فذلك قولُه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، [قال: قال لى عطاءٌ في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: أما تبديلُهم فسَمِعْنا أنهم قالوا: حنطةٌ.
قال ابنُ جُرَيجٍ] (٢): وقال ابنُ عباسٍ: لما دخَلوا قالوا: حبةٌ في شعَرةٍ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما دخَلوا البابَ قالوا: حبةٌ في شعيرةٍ.
فبدَّلوا قولًا غيرَ الذي قيل لهم.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (٤): فكان سجودُ أحدِهم على خَدِّه.
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ يحطُّ عنكم خطيئاتِكم (٥).
فقالوا: حِنْطةٌ.
وقال بعضُهم: حبةٌ في شَعيرةٍ.
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٦).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾: يَحُطُّ اللهُ بها عنكم ذنبَكم وخَطيئاتِكم.
قال: فاسْتَهْزَءوا به -يعنى بموسى- وقالوا: ما يَشاءُ موسى أن يَلْعَبَ بنا إلا لعِب بنا، حِطَّةٌ حِطَّةٌ!
أىُّ شيءٍ حطةٌ؟
وقال بعضُهم لبعضٍ: حِنْطةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: على الذين فعَلوا ما لم يكنْ لهم فعلُه مِن تَبْديلِهم القولَ الذي أمَرهم اللهُ أن يَقُولوه قولًا غيرَه، ومَعْصيتِهم إياه فيما أمَرهم به، ورُكوبِهم ما قد نهاهم [عنه و] (١) عن رُكوبِه ﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
والرِّجْزُ في لغةِ [أهلِ الحجازِ] (٢) العذابُ، وهو غيرُ الرِّجْسِ (٣)، وذلك أن [الرِّجْسَ هو النَّتْنُ] (٤).
ومنه الخبرُ الذي رُوِى عن النبيِّ ﷺ في الطاعونِ أنه قال: "إنه رِجْزٌ عُذِّب به بعضُ الأممِ الذين قبلَكم".
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: أخْبَرَنى عامرُ بنُ سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، عن أُسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إن هذا الوَجَعَ -أو السُّقْمَ- رِجْزٌ عُذِّب به بعضُ الأممِ قبلَكم" (٥).
حدَّثنى أبو شَيْبةَ بنُ أبي بكرِ بنِ أبى شَيْبةَ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ حفصٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن الشَّيْبانيِّ، عن رياحِ (١) بنِ عَبِيدةَ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، قال: شهِدْتُ أسامةَ بنَ زيدٍ عندَ سعدِ بنِ مالكٍ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن الطاعونَ رِجْزٌ أُنْزِل على مَن كان قبلَكم -أو على بنى إسرائيلَ-".
وبمثلِ الذي قلْنا في (٢) ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿رِجْزًا﴾.
قال: عذابًا (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾.
قال: الرِّجْزُ الغضبُ (٤).
حُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿رِجْزًا﴾.
قال: كلُّ شيءٍ في كتابِ اللهِ جل ثناؤُه من الرِّجزِ يعنى به العذابَ (٥).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما قيل لبنى إسرائيلَ: ادخُلوا البابَ سجَّدًا وقولوا: حطةٌ.
فَبَدَّل الذين ظَلَموا منهم قولًا غيرَ الذي قيل لهم، بعَث اللهُ عليهم الطاعونَ، فلم يُبْقِ منهم أحدًا.
وقرَأ: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
قال: وبقِى الأبناءُ، ففيهم الفضلُ والعبادةُ التى تُوصَفُ في بنى إسرائيلَ والخيرُ، وهلَك الآباءُ كلُّهم؛ أهلَكَهم الطاعونُ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الرِّجْزُ العذابُ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ رِجْزٌ فهو عذابٌ.
قال أبو جعفَرٍ: وقد دلَّلْنا على أن تأويلَ الرِّجْزِ العذابُ.
وعذابُ اللهِ ﷿ أصنافٌ مختلفةٌ، وقد أخْبَر جل ثناؤُه أنه أنْزَل على الذين وصَفْنا أمْرَهم الرِّجْزَ مِن السماءِ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان طاعونًا، وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان غيرَه، ولا دَلالةَ في ظاهرِ القرآنِ ولا في أثرٍ عن الرسولِ صلى الله عليه ثابتٍ أىُّ أصنافِ العذابِ كان ذلك.
فالصوابُ مِن القولِ فيه أن يُقالَ كما قال جل ثناؤُه: [أنزل اللهُ] (١) عليهم رِجْزًا من السماءِ بفسقِهم.
غيرَ أنه يَغْلِبُ على نَفْسى (٢) صحةُ ما قاله ابنُ زيدٍ، للخبرِ الذي ذكَرْتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ في إخبارِه عن الطاعونِ أنه رِجْزٌ، وأنه عُذِّب به قومٌ قبلَنا، وإن كنتُ لا أقولُ: إن ذلك كذلك يَقينًا؛ لأن الخبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ لا بَيانَ فيه أىُّ أمَّةٍ عُذِّبَت بذلك، وقد يجوزُ أن يكونَ الذين عُذِّبوا به كانوا غيرَ الذين وصَف اللهُ صفتَهم في قولِه: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.
[ومعْنى ذلك: بفِسْقِهم] (١).
وقد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا (٢) على أن معنى الفِسْقِ الخروجُ مِن الشئِ (٣).
فتأويلُ قولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
إذن: بما كانوا يَتْرُكون طاعةَ اللهِ فيَخْرُجون عنها إلى معصيتِه وخلافِ أمرِه.
﷽ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى﴾: وإذ اسْتَسْقانا موسى لقومِه؛ أى: سأَلَنا (١) نَسْقِى قومَه ماءً.
فترَك ذكرَ المسئولِ (٢) ذلك، والمَعْنِىّ الذى سأَل موسى، إذ كان فيما ذكَر مِن الكلامِ الظاهرِ دَلالةٌ على معنى ما ترَك [وحذَف] (٣).
وكذلك قولُه: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾.
مما اسْتُغْنِى بدَلالةِ الظاهرِ على المَتْروكِ منه، وذلك أن معنى الكلامِ: فقلْنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ.
فضرَبه فانْفَجَرَت.
فترَك ذكْرَ الخبرِ عن ضَرْبِ موسى الحجرَ؛ إذ كان فيما ذكَر دَلالةٌ على المرادِ منه.
وكذلك قولُه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.
إنما معناه: قد علِم كلُّ أناسٍ منهم مَشْرَبَهم.
فترَك ذكرَ "منهم" لدَلالةِ الكلامِ عليه.
وقد دلَّلْنا على أن "أناس" (٤) جمعٌ لا واحدَ له مِن لفظِه -فيما مضى- وأن الإنسانَ لو جُمِع على لفظِه لَقيل: أناسينُ (١) وأَناسِيَةٌ.
وقومُ موسى هم بنو إسرائيلَ الذين قصَّ اللهُ ﷿ قَصَصَهم في هذه الآياتِ.
وإنما اسْتَسْقَى لهم ربَّه جلَّ ثناؤُه الماءَ في الحالِ التى تاهوا فيها في التِّيهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الآية.
قال: كان هذا إذ هم في البَرِّيَّةِ اشْتَكَوْا إلى نبيِّهم الظَّمأَ، فأُمِروا بحجرٍ طُورانىٍّ (٢) مِن الطُّورِ، أن يَضْرِبَه موسى بعَصاه، فكانوا يَحْمِلونه معهم، فإذا نزَلوا ضرَبه موسى بعصاه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ عينٌ مَعلومةٌ، مُسْتَفيدٌ (٣) ماؤُها لهم (٤).
حدَّثنى تَميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا أصْبَغُ بنُ زيدٍ، عن القاسمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك فى التِّيهِ، ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، وجُعل لهم ثيابٌ لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخُ، وجُعِل بينَ ظَهْرانَيْهِم حجرٌ مُرَبَّعٌ، وأُمِر موسى فضَرب بعصاه الحجرَ، فانفجَرتْ منه اثنتا عشْرةَ عينًا، في كلِّ ناحيةٍ منه ثلاثُ عيونٍ، لكلِّ سبطٍ عينٌ، ولا يَرْتَحِلون مَنْقَلةً (٥) إلا وجَدوا ذلك الحجرَ منهم (٦) بالمكانِ الذى كان به منهم (٦) في المنزلِ الأولِ.
حدَّثنى عبدُ الكريمِ، قال: أخْبَرَنا إبراهيمُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن [أبى سَعْدٍ] (١)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ذلك في التِّيهِ، ضرَب لهم موسى الحجرَ، فصار فيه اثنتا عشْرةَ عينًا مِن ماءٍ، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ يَشْرَبون منها (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾: [فانْفَجر لهم الحجَرُ بضربةِ موسى اثنتى] (٣) عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سِبْطٍ منهم عينٌ، كلُّ ذلك كان في تِيهِهم حينَ تاهوا (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾.
قال: خافوا الظَّمأَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، فانْفَجَر لهم الحجرُ اثنتَىْ عشْرةَ عينًا، ضرَبه موسى.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: الأسْباطُ بنو يَعقوبَ، كانوا اثْنَى عن عشَرَ رجلًا، كلُّ واحدٍ منهم ولَد سِبْطًا (١)؛ أُمَّةً مِن الناسِ (٢).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: اسْتَسْقَى لهم موسى في التِّيهِ، فسُقُوا في حَجرٍ مثلِ رأسِ الشاةِ.
قال: يُلْقُونه في جانبِ (٣) الجُوَالِقِ (٤) إذا ارْتَحَلوا، ويَقْرَعُه موسى بالعصا إذا نزَل، فتَنْفَجِرُ منه اثنتا عشْرَةَ عينًا، لكلِّ سبطٍ منهم عينٌ، فكان بنو إسرائيلَ يَشْرَبون منه، حتى إذا كان الرحيلُ اسْتَمْسَكَت العُيونُ، وقيل به (٥) فأُلْقِى في جانبِ الجُوَالِقِ، فإذا نزَل رمَى به، فقرَعه بالعصا، فتفَجَّرَت عينٌ مِن كلِّ ناحيةٍ مثلَ البحرِ.
وحدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ، قال: كان ذلك في التِّيهِ (٦).
وأما قولُه: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾.
فإنما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه بذلك عنهم، [فخصَّ بالنَّبأِ عنهم بذلك] (٧)؛ لأن معناهم -في الذى أخْرَج اللهُ لهم مِن الحجرِ الذى وصَف في هذه الآيةِ صفتَه مِن الشربِ- كان مُخالِفًا معانىَ سائرِ الخلقِ فيما أخْرَج اللهُ لهم مِن المياهِ مِن الجبالِ والأرَضِينَ، التى لا مالكَ لها سوى اللهِ جلَّ وعزَّ.
وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه كان جعَل لكلِّ سِبْطٍ مِن الأسباطِ الاثنَىْ عشَرَ، عينًا مِن الحجرِ الذى وصَف صفتَه فى هذه الآيةِ، يَشْرَبُ منها دونَ سائرِ الأسباطِ غيرِه، لا يَدْخُلُ سِبْطٌ منهم فى شِرْبِ سِبْطٍ غيرِه، فكان مع ذلك لكلِّ عينٍ مِن تلك العيونِ الاثنتَىِ العشْرةَ موضعٌ مِن الحجرِ، قد عرَفه السِّبْطُ الذى منه شِرْبُه (١)، فلذلك خصَّ جلَّ ثناؤُه هؤلاء بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم كانوا عالِمِين بمَشْرَبِهم دونَ غيرِهم مِن الناسِ، إذ كان غيرُهم -فى الماءِ الذى لا يَمْلِكُه أحدٌ- شُركاءَ فى مَنابعِه ومَسايلِه، وكان كلُّ سِبْطٍ مِن هؤلاء [كان منفردًا] (٢) بشرْبِ مَنبَعٍ مِن مَنابعِ الحجرِ -دونَ سائرِ مَنابعِه- خاصٍّ لهم دونَ سائرِ الأسْباطِ غيرِهم، فلذلك خصَّ بالخبرِ عنهم أن كلَّ أناسٍ منهم قد علِموا مَشْرَبَهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ﴾.
وهذا أيضًا مما اسْتُغْنى بذكرِ ما هو ظاهرٌ منه عن ذكرِ ما تُرِك ذكرُه.
وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فقلنا: اضْرِبْ بعصاك الحجرَ.
فضرَبه، فانْفَجَرَت منه اثنتا عشْرةَ عينًا، قد علِم كلُّ أناسٍ منهم (٣) مَشْرَبَهم، فقيل لهم: كلوا واشْرَبوا مِن رزقِ اللهِ.
أخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه أمَرَهم بأكلِ ما رزَقهم فى التِّيهِ مِن المنِّ والسلوى، وبشربِ ما فجَّر لهم (٤) مِن الماءِ مِن الحجرِ المُتعاوَرِ (٥) الذى لا قَرارَ له فى أرضٍ، ولا سبيلَ إليه [لماءٍ، ولكنَّه] (٦) يَتَدَفَّقُ بعيونِ الماءِ، ويَزْخَرُ بيَنابيعِ العَذْبِ الفُراتِ، بقدرةِ ذى الجَلالِ والإكْرامِ.
ثم تقَدَّم جلَّ ثناؤُه إليهم -مع [إباحتِه لهم] (١) ما أباح، وإنعامِه عليهم بما أنْعَم (٢) مِن العيشِ الهَنِئِ- بالنهىِ عن السعْىِ فى الأرضِ فسادًا، والعَثَا فيها استكبارًا، فقال تعالى ذكرُه لهم: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا﴾: لا تَطْغَوا، ولا تَسْعَوْا فى الأرضِ مُفْسِدِين.
كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
يقولُ: لا تَسْعَوا فى الأرضِ فَسادًا (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
[قال: لا تَطْغَوا فى الأرضِ مفسدين] (٤).
لا تَعْثَ: لا تَطْغَ.
حدَّثنا بشرٌ، [قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ] (٥)، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
أى: لا تَسِيروا فى الأرضِ مُفْسِدِين (٦).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾: لا تَسْعَوْا فى الأرضِ (١).
وأصلُ العَثَا شدةُ الإفسادِ، [بل هو أشدُّ الإفسادِ] (٢)، يُقالُ منه: عَثِى فلانٌ فى الأرضِ -إذا تَجاوَز فى الإفسادِ إلى غايتِه- يَعْثَى عَثًا، مقصورٌ، وللجماعةِ: هم يَعْثَوْن.
وفيه لُغَتان أُخْرَيان، إحداهما: عَثَا يَعْثُو عُثُوًّا (٣).
ومَن قرَأ بهذه اللغةِ، فإنه يَنْبَغِى له أن يَضُمَّ الثاءَ مِن "يعثُو"، ولا أعْلَمُ قارئًا يُقْتَدَى بقراءتِه قرَأ به.
ومَن نطَق بهذه اللغةِ مُخْبِرًا عن نفسِه قال: عثَوْتُ أَعْثُو.
ومَن نطَق باللغةِ الأولى قال: عَثيتُ أَعْثَى.
والأخرى منهما: عاث يَعِيثُ عَيْثًا وعُيُوثًا وعَيَثانًا، كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ.
ومِن العَيْثِ قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (٤): وعاثَ فِينَا مُسْتَحِلٌّ عَائِثُ مُصَدِّقٌ أو تاجِرٌ مُقاعِثُ (٥) يعنى بقولِه: عاث فينا: أفْسَد فينا.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على معنَى الصبرِ، وأنه كَفُّ النفْسِ وحبسُها عن الشئِ (١).
فإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الآيةِ إذن: واذْكُروا إذ قلتم يا معشرَ بنى إسرائيلَ: لن نُطِيقَ حبسَ أنفسِنا على طعامٍ واحدٍ -وذلك الطعامُ الواحدُ هو ما أخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه أطْعَمَهموه فى تِيهِهم، وهو السلْوى فى قولِ بعضِ أهلِ التأويلِ، وفى قولِ وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ هو الخبزُ النَّقِىُّ مع اللحمِ- فاسْألْ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ مِن البَقْلِ والقِثَّاءِ، وما سَمَّى اللهُ مع ذلك وذكَر أنهم سأَلوه موسى.
وكان سببَ مسألتِهم موسى ذلك فيما بلَغَنا ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.
قال: كان القومُ فى البرِّيَّةِ قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسَّلْوَى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كان لهم بمصرَ، فسأَلوه موسى، فقال اللهُ ﵎: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ فى قولِه: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.
قال: ملُّوا طعامَهم، وذكَروا عيشَهم الذى كانوا فيه قبلَ ذلك، قالُوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا﴾ (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾.
قال: كان طعامُهم السلوى، وشرابُهم المنَّ، فسأَلوا ما ذُكِر، فقيل لهم: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ الرازىُّ (١): وقال قتادةُ: إنهم لما قدِموا الشامَ فقَدوا أَطْعماتِهم (٢) التى كانوا يَأْكُلُونها، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾.
وكانوا قد ظُلِّل عليهم الغَمامُ، وأُنْزِل عليهم المنُّ والسلْوى، فملُّوا ذلك، وذكَروا عيشًا كانوا فيه بمصرَ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (٤) فى قولِ اللهِ: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾: المنُّ والسلْوى، فاسْتَبْدَلوا به البَقْلَ وما ذُكِر معه (٥).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ بمثلِه سَواءً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ بمثلِه.
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: أُعْطُوا فى التِّيهِ ما أُعْطُوا، فأَجَمُوا (٦) ذلك، فقالوا: ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ زيدٍ، قال: كان طعامُ بنى إسرائيلَ فى التِّيهِ واحدًا، وشرابُهم واحدًا، كان شرابُهم عسلًا يَنْزِلُ لهم مِن السماءِ، يُقالُ له: المنُّ.
وطعامُهم طيرٌ يقالُ له: السَّلوى.
يأكلُون الطيرَ، ويشربُون العسلَ، لم يكونوا يعرِفون خبزًا ولا غيرَه، فقالوا: يا موسى، إنَّا لن نَصْبِرَ على طعامٍ واحدٍ، ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾.
ولم يَذْكُرِ الذى سأَلوه أن يَدْعُوَ ربَّه ليُخْرجَه لهم مِن الأرضِ، فيقولوا (٢): ادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا كذا وكذا مما تُنْبِتُه الأرضُ مِن بقلِها وقِثَّائِها؛ لأن "مِن" تأتى بمعنى التبعيضِ لما بعدَها، فاكتُفِى بها مِن ذِكْرِ المُبَعَّضِ (٣)، إذ كان معلومًا بدخولِها معنى ما أُرِيد بالكلامِ الذى هى فيه، كقولِ القائلِ: أصَبْتُ (٤) اليومَ عندَ فلانٍ مِن الطعامِ.
يُرِيدُ: أصبْتُ (٥) شيئًا منه.
وقد قال بعضُهم: "مِن" ههنا بمعنى الإلغاءِ والإسْقاطِ، كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: يُخْرِجْ لنا ما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها.
واسْتَشْهَد على ذلك بقولِ العربِ: ما رأيْتُ مِن أحدٍ.
بمعنى: ما رأيْتُ أحدًا.
وبقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَيُكَفِّرُ (١) عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وبقولِهم: قد كان مِن حديثٍ، فخَلِّ عنى حتى أذْهَبَ.
يُرِيدون: قد كان حديثٌ.
وقد أنْكَر مِن أهلِ العربيةِ جماعةٌ أن تَكونَ "مِنْ" بمعنى الإلغاءِ فى شيءٍ مِن الكلامِ، وادَّعَوْا أن دخولَها فى كلِّ موضعٍ دخَلَت فيه [إيذانٌ بأنَّ] (٢) المتكلمَ مُرِيدٌ بعضَ ما أُدْخِلَت فيه لا جميعَه، وأنها لا تَدْخُلُ فى موضعٍ إلا لمعنًى مفهومٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن -على ما وصَفْنا مِن أمرِ مَن ذكَرْنا-: فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا بعضَ ما تُنْبِتُ الأرضُ من بَقْلِها وقِثَّائِها.
والبَقْلُ والقِثَّاءُ والعَدَسُ والبَصَلُ، هو ما قد عرَفه الناسُ بينَهم مِن نباتِ الأرضِ وحبِّها.
وأما الفومُ، فإن أهلَ التأويلِ مختلِفون (٣) فيه؛ فقال بعضُهم: هو الحِنْطةُ والخبزُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ (٤)، عن عطاءٍ، قال: الفُومُ الخبزُ (٥).
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سُفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومُجاهِدٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قالا: خُبْزُها (١).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ ومحمدُ بنُ عمرٍو، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قال: الخبز (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ والحسنِ: الفومُ هو الحبُّ الذى يَخْتَبِزُ الناسُ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ والحسنِ مثلَه (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَيْنٌ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قال: الحنطةُ (٤).
حدَّثني المُثَنَّي، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ وحُصَيْنٍ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿وَفُومِهَا﴾.
الحِنْطةُ (٥).
حدَّثني المُثَنَّي، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ، قال: الفُومُ الحبُّ الذى يَخْتَبِزُ الناسُ منه.
حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَفُومِهَا﴾: هو الحِنْطةُ (١).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى عَطاءُ بنُ أبى رَباحٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قال: خبزُها.
قالها مجاهدٌ.
حدَّثني يحيى بنُ عثمانَ السَّهْميُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾.
يقولُ: الحِنْطةُ والخبزُ (٢).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: هو البُرُّ بعينِه، الحِنْطةُ (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا مسلمٌ الجَرْميُّ، قال: ثنا عيسى بنُ يونُسَ، عن رِشْدينَ بنِ كُرَيْبٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قال: الفومُ الحِنْطةُ بلسانِ بنى هاشمٍ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال (٥) ابنُ زيدٍ: الفُومُ الخبزُ (٦).
حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصرىُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ منصورٍ اليَحْصَبيُّ، عن نافعِ بنِ أبى نُعَيْمٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ سُئِل عن قولِ اللهِ: ﴿وَفُومِهَا﴾.
قال: الحِنْطةُ، أما سمِعْتَ قولَ أُحَيْحةَ بنِ الجُلَاحِ، وهو يقولُ: قد كنتُ أغْنَى الناسِ شخصًا واحدًا … ورَد المدينةَ عن زِراعةِ فُومِ (١) وقال آخَرون: هو الثُّومُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، قال: هو هذا الثُّومُ (٢).
حدَّثني المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الفُومُ الثُّومُ (٣).
وهى في بعضِ القراءةِ: (وثومِها).
وقد ذُكِر أن تسميةَ الحِنْطةِ والخبزِ جميعًا فُومًا مِن اللغةِ القديمةِ.
حُكِى سماعًا مِن أهلِ هذه اللغةِ: فَوِّموا لنا.
بمعنى: اخْتَبِزوا لنا.
وذُكِر أن ذلك في (٤) قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وثومِها) (٥).
بالثاءِ.
فإن كان ذلك صحيحًا فإنه مِن الحروفِ المُبْدَلةِ، كقولِهم: وقَعوا في عاثُورِ (١) شَرٍّ وعافورِ شرٍّ.
وكقولِهم للأَثَافيِّ: أَثَاثيُّ، وللمَغافيرِ: مَغاثِيرُ، وما أشْبَهَ ذلك مما تُقْلَبُ فيه (٢) الثاءُ فاءً، والفاءُ ثاءً؛ لتَقارُبِ مَخْرجِ الفاءِ مِن مَخْرَجِ الثاءِ.
والمَغافيرُ شَبيهٌ [بالصَّمْغَةِ والعسلِ، ينزِلُ من السماءِ] (٣) يَقَعُ على الشجرِ وغيرِها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾.
قال موسى لهم: أتَأْخُذون الذى هو أخسُّ خَطَرًا وقيمةً وقَدْرًا مِن العيشِ، بدلًا بالذى هو خيرٌ منه خطرًا وقيمةً وقدرًا؟
وذلك كان استبدالَهم.
وأصلُ الاسْتِبْدالِ هو تركُ شيءٍ لآخرَ غيرِه مكانَ المتروكِ.
ومعنى قولِه: ﴿أَدْنَى﴾: أخَسُّ وأوضعُ وأصغرُ قَدْرًا وخَطَرًا.
وأصلُه مِن قولِهم: هذا رجلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّناءةِ، وإنه ليُدَنِّى في الأمورِ.
بغيرِ همزٍ.
إذا كان يَتَتَبَّعُ خسائسَها (٥).
وقد ذُكِر الهمزُ عن بعضِ العربِ فيه سماعًا منهم، يقولون: ما كنتَ دَنِيئًا، ولقد دَنأْتَ.
وأنْشَدنى بعضُ أصحابِنا عن غيرِه أنه سمِع بعضَ بنى كِلابٍ يُنْشِدُ بيتًا للأعْشَى (١): باسِلةُ الوَقْعِ سَرابِيلُها … بِيضٌ إلى دانئِها (٢) الظاهرِ يَهْمِزُ الدانئَ.
وأنه سمِعهم يقولون: إنه لَدانئٌ خَبيثٌ.
بالهمزِ.
فإن كان ذلك عنهم صحيحًا، فالهمزُ فيه لغةٌ، وتركُه أخْرَى.
ولا شكَّ أن من اسْتَبْدَل بالمنِّ والسلْوى البَقْلَ والقِثَّاءَ والعَدَسَ والبَصَلَ والثُّومَ، فقد اسْتَبْدَلَ الوَضِيعَ مِن العيشِ بالرفيعِ منه.
وقد تأوَّل بعضُهم قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ بمعنى: الذى هو أقربُ.
ووجَّه قولَه: ﴿أَدْنَى﴾ إلى أنه أفْعَلُ؛ مِن الدُّنُوِّ الذى هو بمعنى القربِ.
وبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾.
قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
يقولُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هو شرٌّ بالذى هو خيرٌ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾.
قال: أَرْدَأُ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
وتأويلُ ذلك: فدعا موسي، فاسْتَجَبْنا له، فقلْنا لهم: اهْبِطوا مصرًا.
وهو مِن (١) المحذوفِ الذى اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِه عن (٢) ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أنَّ معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزول إليه والحُلولُ به (٣).
فتأويلُ الآيةِ إذن: وإذ قلتُم: يا موسي، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقثَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها.
قال موسى لهم: أَتَسْتَبْدِلُون الذى هو أَخَسُّ وأَرْدَأُ مِن العيشِ بالذى هو خيرٌ منه؟
فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلوه، فاسْتَجاب اللهُ له دعاءَه، فأعْطاهم ما طلَبوا، وقال اللهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم.
ثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ "المِصْرِ" وإجْرائِه.
وقرَأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفِ الألفِ منه (٤).
فأما الذين نَوَّنوه وأجْرَوْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينِه.
فتأويلُه على قراءتِهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ، لأنكم في [البَرِّ و] (٥) البَدْوِ، والذى طلَبْتُم لا يكونُ في البَوادِى والفَيافِي، وإنما يكونُ في القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه (٦) ما سألْتُم مِن العيشِ.
وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ مَن قرَأ ذلك بالإجْراءِ والتَّنْوينِ، كان تأويلُ الكلامِ عندَه: اهْبِطوا مصرًا البلدةَ التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ، وهى مصرُ التى خرَجوا عنها.
غيرَ أنه أجْراها ونوَّنها اتِّباعًا منه خَطَّ المصحفِ؛ لأنَّ في المصحفِ ألفًا ثابتةً في "مصرَ"، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك بالإجْراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةِ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا (١٥) قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥، ١٦].
مُنَوَّنةً (١)، اتِّباعًا منه خطَّ المُصْحفِ.
وأما الذى لَمْ يُنَوِّنْ "مصرَ"، فإنه لا شكَّ أنه عنَى "مصرَ" التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ بعينِها دونَ سائرِ البُلْدانِ غيرِها.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اخْتِلافِ القَرأةِ في قراءتِه؛ فحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أىْ: مِصرًا مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ (٢).
حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
فلمَّا خرَجوا مِن التِّيهِ رُفع المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثَنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، زعَموا أنهم لَمْ يَرْجِعوا إلى مصرَ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
قال: يعنى مصرًا مِن الأمصارِ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، ومصرُ لا تُجْرَى في الكتابِ (١).
فقالوا: أىُّ مصرٍ؟
قال: الأرضُ المقدَّسةُ (٢).
وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
وقال آخَرون: هى مصرُ التى كان بها فرعونُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
قال: يعنى به مصرَ فرعونَ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.
ومِن حُجَّةِ مَن قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه إنما عنَى بقولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
مصرًا مِن الأمصارِ دون مصرِ فرعونَ بعينِها - أن اللهَ ﵎ جعَل أرضَ الشامِ لبنى إسرائيلَ مَساكنَ بعدَ أن أخْرَجَهم مِن مصرَ، وإنما ابْتَلاهم بالتِّيهِ بامتناعِهم على موسى صلى اللهُ عليه في حربِ الجبَابرةِ، إذ قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾.
﴿قَالُوا يَامُوسَى (٤) إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
فحرَّم اللهُ ﷿ على قائلِى ذلك -فيما ذُكِر لنا- دخولَها حتى هلَكوا في التِّيهِ، وابْتَلاهم بالتَّيَهانِ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم أهْبَط ذرِّيّتَهم الشامَ، فأسْكَنَهم الأرضَ المقدَّسةَ، وجعَل هلاكَ الجبَابرةِ على أيديهم مع يُوشَعَ بنِ نُونٍ، بعدَ وفاةِ موسى ﵇.
قالوا (١): فرَأَيْنا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنه كتَب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم يُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إخراجِه إيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ: (اهبِطوا مصرَ).
ونتَأَوَّلَه أنه ردَّهم إليها.
قالوا: فإن احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
قيل له (٢): فإن اللهَ جلّ ثناؤُه إنما أوْرَثهم ذلك فملَّكهم إيَّاها، ولم يَرُدَّهم إليها، وجعَل مَساكنَهم الشامَ.
وأما الذين قالوا: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾.
مصرَ، فإن مِن حُجَّتِهم التى احْتَجُّوا بها الآيةَ التى قال فيها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
وقولَه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨].
قالوا: فأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه قد ورَّثهم ذلك وجعَلها لهم، فلم يكونوا ليَرِثوها ثم لا يَنْتَفِعوا بها.
قالوا: ولا يَكونون مُنْتَفِعِين بها إلا [بمصيرِهم أو] (٣) بمَصيرِ بعضِهم إليها، وإلا فلا وجهَ للانتفاعِ بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها.
قالوا: وأُخرى أنها في قراءةِ أبيِّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبِطوا مصرَ).
بغيرِ ألفٍ.
قالوا: ففى ذلك الدَّلالةُ البينةُ على أنها مصرُ بعينِها.
والذى نقولُ به في ذلك أنه لا دَلالةَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على الصوابِ مِن هذين التأويلَيْن، ولا خبرَ به عن الرسولِ ﷺ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التأويلِ مُتَنازِعون تأويلَه.
فأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ (١) أن يُقالَ: إن موسى سأَل ربَّه أن يُعْطِىَ قومَه ما سأَلوه مِن نباتِ الأرضِ -على ما بيَّنه اللهُ جلَّ ثناؤُه في كتابِه- وهم في الأرضِ تائِهون، فاسْتَجاب اللهُ لموسى دعاءَه، وأمَره أن يَهْبِطَ بمَن معه مِن قومِه قَرارًا مِن الأرضِ التى تُنْبِتُ (٢) ما سأَل لهم مِن ذلك، إذ كان ما (٣) سأَلوه لا يُنْبِتُه إلَّا القُرَى والأمصارُ، فإنَّه (٤) قد أعْطاهم ذلك إذا (٥) صاروا إليه.
وجائزٌ أن يَكونَ ذلك القَرارُ مصرَ، وجائزٌ أن يكونَ الشامَ.
فأما القراءةُ فإنها بالألفِ والتنوينِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
وهى القراءةُ التى لا يَجوزُ عندى غيرُها؛ لإجماعِ خُطوطِ مصاحفِ المسلمين، واتفاقِ قراءةِ القَرأَةِ على ذلك، ولم يَقْرَأْ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ منه إلا مَن لا يَجوزُ الاعْتِراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِن القراءةِ مُسْتَفِيضًا فيها (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَضُرِبَتْ﴾.
أى: فُرِضَت ووُضِعَت عليهم الذِّلةُ وأُلْزِمُوها، مِن قولِ القائلِ: ضرَب الإمامُ الجِزْيةَ على أهلِ الذِّمةِ، وضرَب الرجلُ على عبدِه الخَراجَ.
يعنى بذلك [أنَّه فرَضه ووظَّفه وألزمه] (١) إيَّاه، وهو من قولِهم: ضرَب الأميرُ على الجيشِ البَعْثَ.
يُرادُ به: ألْزَمَهموه.
وأما "الذِّلةُ" فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً.
كالصِّفْوةِ (٢)، مِن: صفا (٣) هذا الأمرُ.
والقِعْدةِ، مِن: قعَد.
و"الذِّلةُ" هى الصَّغارُ الذى أمَر اللهُ عبادَه المؤمنين ألا يُعْطُوهم أمانًا -على القَرارِ على ما هم عليه مِن كفرِهم به وبرسلِه (٤) - إلا أن يَبْذُلوا الجزيةَ عليه لهم، فقال تبارك اسمُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ (٥)، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾.
قالا: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون (٦).
وأما "المَسْكَنةُ" فإنّها مصدرُ المِسْكينِ، يقالُ: ما فيهم أسْكَنُ مِن فلانٍ.
و: ما كان مِسْكينًا.
و: لقد تَمَسْكن تمَسْكُنًا (٧).
ومِن العربِ مَن يقولُ: تسكَّن (٨) تسكُّنًا (١).
و "المَسْكَنةُ" في هذا الموضعِ مَسْكَنةُ الفاقةِ والحاجةِ، وهى خُشوعُها وذُلُّها.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
قال: الفاقةُ (٢).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ قولَه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
قال: الفقرُ (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
قال: هؤلاء يهودُ بنى إسرائيلَ.
قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟
قال: وما لقِبْطِ مصرَ وهذا، لا واللهِ ما هم هم، ولكنهم اليهودُ، يهودُ بنى إسرائيلَ.
فأخْبَرَ (٤) اللهُ ﷿ أنه أَبْدَلهم (٥) بالعِزِّ ذُلًّا، وبالنِّعْمةِ بُؤْسًا، وبالرِّضا عنهم غَضَبًا، جَزاءً منه لهم على كُفرِهم بآياتِه، وقتلِهم أنبياءَه ورسلَه؛ اعتداءً وظلمًا منهم بغيرِ حقٍّ، و [عصيانًا منهم] (٦) له، وخلافًا عليه، تعالى ربُّنا وجلَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾: انْصَرَفوا ورجَعوا.
ولا يُقالُ: باءُوا.
إلَّا موصولًا؛ إمَّا بخيرٍ وإما بشرٍّ، يُقالُ منه: باء فلانٌ بذنبِه، يَبُوءُ به بَوْءًا وبَواءً (٧).
ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩].
يعنى: تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهما (١) وتَرْجِعَ بهما، قد صارا عليك دُونى.
فمعنى الكلامِ إذن: فرجَعوا مُنْصَرِفِين مُتَحَمِّلِين غَضَبَ اللهِ، قد صار عليهم مِن اللهِ غَضَبٌ، ووجَب عليهم منه سَخَطٌ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.
فحدَث عليهم غَضَبٌ مِن اللهِ (٢).
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.
قال: اسْتَحَقُّوا الغضَبَ مِن اللهِ (٣).
وقد بيَّنَّا معنى غضَبِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على عبدِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا المكانِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾.
ضرْبَ الذِّلةِ والمَسْكَنةِ عليهم، وإحلالَ (٥) [غضبِه بهم] (٦)، فدلَّ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ -وهو يعنى به ما وصَفْنا- على أن قولَ القائلِ: ذلك.
يَشْمَلُ المعانىَ الكثيرةَ إذا أُشِير به إليها.
ويعنى بقولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون.
يقولُ: فعَلْنا [الذى فعلْنا] (١) بهم -مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم- مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ، ويَقْتُلون النَّبِيين بغيرِ الحقِّ.
كما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (٢): مَلِيكيَّةٌ جاوَرَتْ بالحِجَا … زِ قَوْمًا عُدَاةً وأرضًا شَطِيرَا بما قد ترَبَّعُ روْضَ القَطَا (٣) … وروْضَ التَّناضِبِ (٤) حتى تَصِيرَا (٥) يعنى بذلك: جاوَرَتْ (٦) هذه المرأةُ قومًا عُدَاةً وأرضًا بَعيدةً مِن أهلِه، مكانَ (٧) قُرْبِها كان منه ومِن قومِه وبدلًا؛ مِن (٨) تَرُّبعِها رَوْضَ القَطَا ورَوْضَ التَّناضِبِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
يقولُ: كان ذلك منا [مِنْ أجلِ كفرِهم] (٩) بآياتِنا، وجَزاءً لهم بقتلِهم أنْبياءَنا.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا أن معنى الكفرِ تَغْطيةُ الشيءِ وسترُه، وأن آياتِ اللهِ حُججُه وأعلامُه وأدلتُه على توحيدِه وصدقِ رسلِه (١٠).
فمعنى الكلامِ إذن: فعَلْنا بهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا يَجْحَدون حُجَجَ اللهِ على توحيدِه وتصديقِ رسلِه، [ويُدَافِعون حقيقتَها] (١)، ويُكَذِّبون بها.
ويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويَقْتُلون رسلَ اللهِ الذين ابْتَعَثَهم لإنباءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أُرْسِلوا إليه.
وهم جِماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللهِ، فهو يُنْبِئُ عنه إنْباءً.
وإنما الاسمُ منه مُنْبِئٌ، ولكنه صُرِف وهو مُفْعِلٌ إلى فَعِيلٍ، كما صُرِف سَميعٌ إلى فَعِيلٍ مِن مُفْعِلٍ، وبَصِيرٌ مِن مُبْصِرٍ، وأشْبَاهُ ذلك.
أُبْدِلَ مكانَ الهمزةِ مِن النبئِ الياءُ، فقيل: نبىٌّ.
هذا ويُجْمَعُ النبىُّ أيضًا أنْبياءَ، وإنما جمَعوه كذلك لإلحاقِهم النبىَّ، بإبدالِ الهمزةِ منه ياءً، بالنُّعوتِ التى تَأْتى على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ، وذلك أنهم إذا جمَعوا ما كان مِن النُّعوتِ على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذواتِ الياءِ والواوِ، جمَعُوه على أَفْعِلاءَ، كقولهم: ولىٌّ وأوْلِياءُ، ووَصِىٌّ وأَوْصِياءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ.
ولو جمَعوه على أصلِه الذى هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبئٌ مَهْموزٌ، لجَمَعوه على فُعَلاءَ، فقيل: همُ النُّبآءُ.
على مثالِ النُّبَغاءِ (٢)، لأن ذلك جمعُ ما كان على فَعِيلٍ مِن غيرِ ذَواتِ الياءِ والواوِ مِن النُّعوتِ، كجمعِهم الشريكَ شُرَكاءَ، والعليمَ عُلَماءَ، والحَكِيمَ حُكَماءَ، وما أشْبَهَ ذلك.
قد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في جمعِ النبىِّ: النُّبآءُ.
وذلك مِن لغةِ الذين يَهْمِزون النبئَ ثم يَجْمَعونه النُّبآءَ، على ما قد بيَّنْتُ.
ومِن ذلك قولُ عباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمىِّ، في مدحِ النبيِّ ﷺ (٣): يا خاتَمَ النُّبآءِ إنك مُرْسَلٌ … [بالحقِّ خيرُ هُدَى الإلهِ] (١) هُدَاكا فقال: يا خاتمَ النُّبآءِ.
على أن واحدَهم نبئٌ مَهْموزٌ.
وقد قال بعضُهم: النبىُّ والنبوَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ، لأنهما مأْخوذان مِن النَّبوَةِ، وهى مثلُ النَّجْوةِ، وهما (٢) المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ: إن أصلَ النبيِّ الطريقُ.
ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ القُطَاميِّ (٣): لمَّا وَرَدْنَ نبِيًّا واسْتَتَبَّ لنا (٤) … مُسْحَنْفِرٌ (٥) كخُطوطِ السَّيْحِ (٦) مُنْسَحِلُ (٧) ويقولُ: إنما سُمِّى الطريقُ نبيًّا؛ لأنه ظاهرٌ مُسْتَبِينٌ، مِن النَّبْوةِ.
ويقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يَهْمِزُ النبيَّ (٨).
وقد ذكَرْنا ما في ذلك، وبيَّنَّا ما فيه الكفايةُ إن شاء اللهُ.
ويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
أنهم كانوا يَقْتُلون رُسُلَ اللهِ بغيرِ إذنِ اللهِ لهم بقتلِهم، مُنْكِرِين رسالتَهم، جاحِدِين نبوتَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ﴾ ردٌّ على ﴿ذَلِكَ﴾ الأولِ.
ومعنى الكلامِ: وضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمَسْكَنةُ، وباءوا بغضبٍ مِن اللهِ؛ مِن أجْلِ كفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم النبيِّين بغيرِ الحقِّ، ومِن أجْلِ عِصْيانِهم ربَّهم واعتدائِهم حدودَه.
فقال جل ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا﴾.
والمعنى: ذلك بعصيانِهم وكونِهم (١) مُعْتَدِين.
والاعتداءُ تَجاوُزُ الحدِّ الذى حدَّه اللهُ تعالى ذكرُه لعبادِه إلى غيرِه، وكلُّ مُتجاوِزٍ حدَّ شيءٍ إلى غيرِه فقد تَعَدَّاه إلى ما تجاوَز إليه.
فمعنى الكلامِ: فعَلْتُ بهم ما فعَلْتُ مِن ذلك بما عصَوْا أمرى، وتَجاوَزوا حدِّى إلى ما نهَيْتُهم عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾.
أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهم المُصَدِّقُون رسولَ اللهِ ﷺ فيما أتاهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللهِ، وإيمانُهم بذلك تصديقُهم به، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (٢).
وأما ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، فهم اليهودُ، ومعنى ﴿هَادُوا﴾: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون [هِوَادًا وَهِيَادةً] (٣).
وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولِهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ (٤)، قال: إنما سُمِّيَتِ اليهودَ؛ مِن أجْلِ أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَالنَّصَارَى﴾.
﴿وَالنَّصَارَى﴾ جمعٌ، واحدُهم نَصْرَانُ، كما واحدُ السَّكارَى سَكْرانُ، وواحدُ النَّشَاوَى نَشْوانُ، وكذلك جمعُ كلِّ نعتٍ كان واحدُه على فَعْلانَ، فإن جمعَه على فَعَالَى، إلا أن المستفيضَ مِن كلامِ العربِ في واحدِ النَّصارَى نَصْرانيٌّ، وقد حُكِى عنهم سَماعًا: نَصْرانُ.
بطرحِ الياءِ، ومنه قولُ الشاعرِ (١): تَرَاه إذا دَار (٢) العَشِيُّ مُحَنِّفًا … [ويُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ] (٣) شامِسُ وسُمِع منهم في الأنثى نَصْرانةٌ.
قال الشاعر (٤): * [نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ] (٥) * وقد سُمِع في جَمْعِهم "أنصارٌ" بمعنى النَّصارَى.
قال الشاعرُ (٦): لمَّا رأيْتُ نَبَطًا أنْصارَا شَمَّرْتُ عن رُكْبَتِىَ الإزارَا كنتُ لهم مِن النَّصارَى جارَا وهذه الأبياتُ التى ذكَرْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا، وتَناصُرِهم بينَهم.
وقد قيل: إنهم إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجْلِ أنهم نزَلوا أرضًا يقالُ لها: ناصِرةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: النصارى إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجلِ أنهم نزَلُوا أرضًا يقال لها: ناصِرةُ (٧).
ويقولُ آخَرون: لقولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤].
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ غيرِ مُرْتَضًى أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيَت النصارى نَصارَى؛ لأن قريةَ عيسى ابنِ مَرْيمَ كانت تُسَمَّى ناصِرةَ، وكان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصرىُّ.
حُدِّثْتُ بذلك عن هشامِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ.
يَنْزِلُها عيسى ابنُ مريمَ، فهو اسمٌ تَسَمَّوْا به، ولم يُؤْمَروا به (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢].
قال: تَسَمَّوْا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ.
كان عيسى ابنُ مريمَ صلى اللهُ عليه يَنْزِلُها (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
و"الصابِئون" جمعُ صابئ، وهو المُسْتَحْدِثُ سِوَى دينِه دينًا، كالمُرْتَدِّ مِن أهلِ الإسلامِ عن دينِه.
وكلُّ خارجٍ مِن دينٍ كان عليه إلى آخَرَ غيرِه تُسَمِّيه العربُ صابِئًا، يقالُ منه: صبَأ فلانٌ يَصْبَأُ صَبْأً.
ويقالُ: صبَأَتِ النُّجومُ.
إذا طلَعَت، وصبَأ علينا فلانٌ مِنْ (٤) موضعِ كذا وكذا.
يعنى به: طلَع.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن يَلْزَمُه هذا الاسمُ مِن أهلِ المِلَلِ، فقال بعضُهم: يَلْزَمُ ذلك كلَّ خارجٍ مِن دينٍ إلى غيرِ دينٍ.
وقالوا: الذين عنَى اللهُ بهذا الاسمِ قومٌ لا دينَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: الصَّابِئُون ليسوا بيهودَ ولا نَصارَى، ولا دينَ لهم (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاجِ ابنِ أرْطاةَ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن الحجاجِ، عن مُجاهِدٍ، قال: الصابئون بينَ المجوسِ واليهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاجٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ اليهودِ والمجوسِ، لا دينَ لهم (٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ المجوسِ واليهودِ، لا دينَ لهم.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطاءٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: زعَموا أنها قَبيلةٌ مِن نحوِ السَّوَادِ، ليسوا بمجوسٍ ولا يهودَ ولا نَصارَى.
قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبيِّ ﷺ: قد صَبَأ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ (٢).
قال: الصابئون دينٌ مِن الأديانِ، كانوا [بالجزيرةِ، جزيرةِ] (٣) المَوْصِلِ، يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ.
وليس لهم عملٌ ولا كتابٌ ولا نبيٌّ، إلا قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ.
قال: ولم يُؤْمِنوا برسولِ اللهِ، فمِن أجْلِ ذلك كان المشركون يقولون للنبيِّ ﷺ وأصحابِه: هؤلاء الصابِئون.
يُشَبِّهُونهم بهم (٤).
وقال آخَرون: هم قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ ويُصَلُّون (٥) القبلةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: نُبِّئَ (٦) زيادٌ أن الصابئين يُصَلُّون (٥) القِبْلةَ، ويُصَلُّون الخمسَ، فأراد أن يَضَعَ عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ.
حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون (١) القِبْلةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ (٢).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الصابئون فرقةٌ مِن أهلِ الكتابِ يَقْرَءون الزَّبورَ.
قال أبو جعفرٍ -يَعْنِى الرازىَّ-: وبلَغَنى أيضًا أن الصابئين قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ، ويُصَلُّون (١) القِبْلَةَ (٣).
وقال آخَرون: بل هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ (٤) السُّدِّىَّ عن الصابِئِين، فقال: هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: مَن صدَّق باللهِ، وأقَرَّ بالبَعْثِ بعدَ المَماتِ يومَ القيامةِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فأطاع اللهَ، ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
يعني بقولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فلهم ثوابُ عملِهم الصالحِ عندَ ربِّهم.
فإن قال لنا قائلٌ: فأين تمامُ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾؟
[قيل: تمامُه] (١) جملةُ قولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
لأن معناه: مَن آمَن منهم باللهِ واليومِ الآخِرِ.
فترَك ذكرَ "منهم" لدلالةِ الكلامِ عليه؛ اسْتِغْناءً بما ذكَر عمَّا ترَك ذكْرَه.
فإن قال: وما معنى هذا الكلامِ؟
قيل معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يُؤْمِنْ منهم (٢) باللهِ واليومِ الآخِرِ فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم.
فإن قال: وكيف يُؤْمِنُ المؤمنُ؟
قيل: ليس المعنى في المؤمنِ المعنى الذي ظنَنْتَه، مِن انْتِقالٍ مِن دينِ إلى دينِ، كانتقالِ [اليهودِ والنصارى] (٣) إلى الإيمانِ -وإن كان قد قيل: إن الذين عُنُوا بذلك مَن كان مِن أهلِ الكتابِ على إيمانِه بعيسى صلى اللهُ عليه، وبما جاء به، حتى أدْرَك محمدًا ﷺ: فآمَن به وصدَّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذْ (٤) أدْرَكوا محمدًا ﷺ: آمِنُوا بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به- ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ في هذا الموضعِ ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبديلَه.
وأما إيمانُ اليهودِ والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، فمَن يُؤْمِنْ منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليومِ الآخرِ، ويَعْمَلْ صالحًا، فلم يُبَدِّلْ ولم يُغَيِّرْ، حتى تُوُفِّى على ذلك كلِّه (١)، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤُه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وإنما لفظُ ﴿مَنْ﴾ لفظُ واحدٍ، والفعلُ معه مُوَحَّدٌ؟
قيل: إنَّ "مَن"، وإن كان الذي يليه مِن الفعلِ مُوَحَّدًا، فإن له معنى الواحدِ والاثنين والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ؛ لأنه في كلِّ هذه الأحوالِ على هيئةٍ واحدةٍ وصورةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، فالعربُ تُوَحِّدُ معه الفعلَ وإن كان في معنى جَمْعٍ، للفظِه، وتَجْمَعُ أخرى معه الفعلَ لمعناه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣].
فجمَع مرةً مع ﴿مَنْ﴾ الفعلَ لمعناه، ووحَّد أخرى معه الفعلَ، لأنه في لفظِ واحدٍ (٢)، كما قال الشاعرُ (٣): ألِمَّا (٤) بسَلْمَى عنهما إنْ عرَضْتُما … وقُولَا لها عُوجِى على مَن تَخَلَّفوا فقال: تخَلَّفوا.
فجمَع (٥)، وجعَل "مَن" بمنزلةِ "الذين".
قال الفَرَزْدَقُ (٦): [تَعالَ فإن عاهَدْتَنى] (١) لا تَخُونُني … نَكُنْ مثلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فثنَّى "يصطحبان" لمعنى "مَن".
فكذلك قولُه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وحَّد ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ للفظِ ﴿مَنْ﴾، وجمَع ذكْرَهم في قولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لمعناه؛ لأنه في معنى جمعٍ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فإنه يعني به جلَّ ذكرُه: ولا خوفٌ عليهم فيما قدِموا عليه مِن أهوالِ القيامةِ، ولا هم يَحْزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها، عندَ مُعاينتِهم ما أعَدَّ اللهُ لهم مِن الثوابِ والنَّعيمِ المُقيمِ عندَه.
ذكْرُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾.
مؤمنو أهلِ الكتابِ الذين أدْرَكوا رسولَ اللهِ ﷺ: حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية.
قال: نزَلَت هذه الآيةُ في أصحابِ سَلْمانَ الفارسيِّ، وكان سلمانُ رجلًا مِن جُنْدَيْسَابُورَ (٢)، وكان مِن أشرافِهم، وكان ابنُ الملكِ صديقًا له مؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دونَ صاحبِه، وكانا يَركبانِ (٣) إلى الصيدِ جميعًا، فبينما هما في الصيدِ إذ رُفِع لهما بيتٌ مِن عَباءٍ (٤)، فأتَياه فإذا هما فيه برجلٍ بينَ يديه مُصْحفٌ يَقرَأُ فيه وهو يَبْكِى، فسأَلاه: ما هذا؟
فقال: الذى يُرِيدُ أن يَعْلَمَ هذا لا يَقِفُ موقفَكما، فإن كنتما تُرِيدانِ أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى أُعَلِّمَكما.
فنزَلا إليه، فقال لهما: هذا كتابٌ (١) جاء مِن عندِ اللهِ، أمَر فيه بطاعتِه، ونهَى [فيه عن معصيتِه:] (٢) ألا تزْنىَ، ولا تَسرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسٍ بالباطلِ -فقصَّ عليهما ما فيه- وهو الإنجيلُ الذي أنْزَل اللهُ على عيسى.
فوقَع فى قلوبهما وتابَعاه فأسْلَما، وقال لهما: إن ذبيحةَ [قومِكما عليكما] (٣) حرامٌ.
فلم يَزالا معه كذلك يَتَعَلَّمان منه، حتى كان عيدٌ للملكِ، فجعَل (٤) طعامًا، ثم جمَع الناسَ والأشرافَ، وأرْسَل إلى ابنِ الملكِ، فدعاه إلى صَنِيعِه ليَأْكُلَ مع الناس، فأبَي الفتى وقال: إنى عنك مَشْغولٌ، فكلْ أنت وأصحابُك.
فلما أكْثَر عليه مِن الرسلِ، أخْبَرَهم أنه لا يَأْكُلُ مِن طعامِهم، فبعث الملكُ إلى ابنِه، فدعاه وقال: ما أمْرُك هذا (٥)؟
قال: إنا لا نَأْكُلُ مِن ذبائِحكم، إنكم كفارٌ، ليس تَحِلُّ ذبائحُكم.
فقال له الملكُ: مَن أمَرَك بهذا؟
فأخْبَرَه أن الراهبَ أمَره (٦) بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟
قال: صدَق ابنُك.
قال له: لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا.
فأجَّلَه أجَلًا.
قال سلمانُ: فقمْنا نَبْكِى عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقَيْن، فإنا في بِيعةٍ بالموصلِ مع ستين رجلًا نَعْبُدُ اللهَ فيها، فائْتونا فيها.
فخرَج الراهبُ، وبقِى سَلْمانُ وابنُ الملكِ، فجعَل سلمانُ يقولُ لابنِ الملكِ: انْطَلِقْ بنا.
وابنُ الملكِ يقولُ: نعم.
وجعَل ابنُ الملكِ يَبيعُ مَتاعَه يُرِيدُ الجَهازَ (١)، فلمَّا أبْطَأ على سلمانَ، خرَج سلمانُ حتى أتاهم، فنزَل على صاحبِه، وهو ربُّ البِيعةِ، وكان أهلُ تلك البِيعةِ [أفضلَ مرتبةً مِن] (٢) الرُّهْبانِ، فكان سَلْمانُ معه (٣) يَجْتَهِدُ في العبادةِ، ويُتْعِبُ نفسَه، فقال له الشَّيخُ: إنك غلامٌ حَدَثٌ، تَكَلَّفُ (٤) مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُ، وأنا خائفٌ أن تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها (٥).
فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذى تَأْمُرُنى به، أهو (٦) أفضلُ أو الذي أَصْنَعُ؟
قال: لا (٧)، بل الذي تَصْنَعُ؟
قال: فخلِّ عنى.
قال: ثم إن صاحبَ البِيعةِ دعاه، فقال: أتَعْلَمُ أن هذه البِيعةَ لي، وأنا أحَقُّ الناسِ بها، ولو شئتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لَفعَلْتُ!
ولكنى رجلٌ أضْعُفُ عن عبادةِ هؤلاء، وأنا أُرِيدُ أن أتحوَّلَ مِن هذه البِيعةِ إلى بِيعةٍ أخرى، هم أهونُ عبادةً مِن هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقِيمَ هاهنا فأقِمْ، وإن شئتَ أن تَنْطَلِقَ معى فانْطَلِقْ.
فقال له سلمانُ: أىُّ البِيعَتَيْن أفضلُ أهلًا؟
قال: هذه.
قال سلمانُ: فأنا أكونُ في هذه.
فأقام سلمانُ بها، وأوْصَى صاحبُ البِيعةِ عالِمَ البِيعةِ بسَلمانَ، فكان سلمانُ يَتَعَبَّدُ معهم.
ثم إن الشيخَ العالِمَ أراد أن يَأْتىَ بيتَ المقدسِ، [فدعا سلمانَ، فقال: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شئتَ] (٨) أن تَنْطلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شئتَ أن تُقِيمَ فأقِمْ.
قال له سلمانُ: أيُّهما أفضلُ؛ أنْطَلِقُ معك أوْ (٩) أُقِيمُ؟
قال: لا، بل تَنْطَلِقُ معى.
فانْطَلَق معه، فمرُّوا بمُقْعَدٍ على ظهرِ الطريقِ مُلْقًى، فلما رآهما نادَى: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك (١) اللهُ.
فلم يُكَلِّمْه، ولم يَنْظُرْ إليه، وانْطَلَقا حتى أتَيَا بيتَ المقدسِ، فقال الشَّيخُ لسلمانَ: اخْرُجْ فاطْلُبِ العلمَ، فإنه يَحْضُرُ هذا المسجدَ عُلماءُ أهلِ الأرضِ.
فخرَج سلمانُ يَسْمَعُ منهم، فرجَع يومًا حَزينًا، فقال له الشَّيخُ: ما لك يا سلمانُ؟
قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم.
قال له الشَّيخُ: يا سلمانُ، لا تَحْزَنْ، فإنه قد بقِى نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ أفضلَ تَبَعًا منه، وهذا زمانُه الذي يَخْرُجُ فيه، ولا أُرَانى أُدْرِكُه، وأما أنت فشابٌّ فلعلك أن تُدْرِكَه، وهو يَخْرُجُ في أرضِ العربِ، فإن أدْرَكْتَه فآمِنْ به واتَّبِعْه.
فقال له سلمانُ: فأخْبِرْنى عن علامتِه بشيءٍ.
قال: نعم، هو مَخْتومٌ في ظهرِه بخاتمِ النُّبُوةِ، وهو يَأْكُلُ الهَديَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصدقةَ.
ثم رجَعا حتى بلَغا مكانَ المُقْعَدِ، فناداهما فقال: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك (١) اللهُ.
فعطَف إليه حمارَه، وأخَذ بيدِه فرَفَعه، وضرَب به الأرضَ، ودعا له، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ.
فقام صحيحًا يَشْتَدُّ (٢).
فجعَل سلمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إليه يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ.
ثم إن سلمانَ فزِع، فطلَب الراهبَ، [فلقِى رجلين] (٣) مِن العربِ مِن كَلْبٍ، فسأَلهما: هل رأيْتُما الراهبَ؟
فأناخ أحدُهما راحلتَه، قال: نِعْمَ راعى الصِّرْمةِ (٤) هذا (٥)!
فحمَله فانْطَلَق به إلى المدينةِ.
قال سلمانُ: فأصابَنى مِن الحزنِ شيءٌ لم يُصِبْنى مثلُه قطُّ.
فاشْتَرَتْه امرأةٌ مِن جُهَيْنةَ، فكان يَرْعَى عليها هو وغلامٌ لها يَتَراوَحان الغنمَ، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمانُ يَجْمَعُ الدراهمَ يَنْتَظِرُ خروجَ محمدٍ ﷺ؛ فبينا هو يومًا يَرْعَى، إذ أتاه صاحبُه الذى يَعْقُبُه، فقال له (١): أشَعَرْتَ أنه (٢) قدِم اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبىٌّ؟
فقال له سلمانُ: أَقِمْ في الغنمِ حتى آتِيَك.
فهبَط سلمانُ إلى المدينةِ، فنظَر إلى النبيِّ ﷺ ودار حولَه، فلمَّا رآه النبيُّ ﷺ عرَف ما يُرِيدُ، فأرْسَل ثوبَه، حتى خرَج خاتمُه، فلمَّا رآه أتاه وكلَّمه، ثم انْطَلَق، فاشْتَرَى بدينارٍ، ببعضِه شاةً فشواها (١)، وببعضِه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: "ما هذا؟
" قال سلمانُ: هذه صدقةٌ، قال: "لا حاجةَ لى بها، فأخْرِجْها فلْيَأْكُلْها المُسْلِمون".
ثم انْطَلَق فاشْتَرَى بدينارٍ آخرَ خبزًا ولحمًا، فأتَى به النبيَّ ﷺ، فقال: "ما هذا؟
" قال: هذه هديَّةٌ.
قال: "فاقْعُدْ فكُلْ (٢) ".
فقعَد فأكَلا جميعًا منها، فبينا هو يُحَدِّثُه إذ ذكَر أصحابَه، فأخْبَرَه خبرَهم، فقال: كانوا يَصُومون ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك، ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا.
فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُّ اللهِ: "يا سَلْمانُ، هم مِن أهلِ النارِ".
فاشْتَدَّ ذلك على سلمانَ، وقد كان قال له سلمانُ: لو أدْرَكوك صدَّقوك واتَّبَعوك.
فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فكان إيمانُ اليهودِ أنه مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وسنةِ موسى [كان مؤمنًا] (٣)، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها، و (٤) يَتَّبِعْ عيسى كان هالكًا.
وإيمانُ النصارى أنه مَن تمَسَّك بالإنجيلِ منهم وشرائعِ عيسى، كان مؤمنًا مَقْبولًا منه، حتى جاء محمدٌ ﷺ، فمن لم يَتَّبِعْ محمدًا ﷺ منهم ويَدَعْ ما كان عليه مِن سنةِ عيسى والإنجيلِ، كان هالكًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية.
قال: سأل (٢) سلمانُ الفارسىُّ النبيَّ (٣) ﷺ عن أولئك النصارى وما رأَى مِن أعمالِهم، قال: "لم يَمُوتوا على الإسلامِ".
قال سلمانُ: فأظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ (٤) اجتهادَهم (٥).
فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: "نَزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابِك".
ثم قال النبىُّ ﷺ: "مَن مات على دينِ عيسى، ومن (٢) مات على دينِ الإسلامِ قبلَ أن يَسْمَعَ بى، فهو على خيرٍ، ومَن سمِع بىَ اليومَ ولم يُؤْمِنْ بى فقد هلَك" (٦).
وقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فأنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ هذا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١) [آل عمران: ٨٥].
[حدَّثنا ابنُ البَرْقىِّ قال: حدَّثنا عمرُو بنُ أبى سلمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ فى قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال: هى منسوخةٌ، نسخَتها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾] (٢).
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان وعَد مَن عمِل صالحًا مِن اليهودِ والنصارى والصابئين على عملِه في الآخرةِ الجنةَ، ثم نسَخ ذلك بقولِه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
فتأويلُ الآيةِ إذن على ما ذكَرْنا عن مجاهدٍ والسدىِّ: إن الذين آمَنوا مِن هذه الأمةِ، والذين هادُوا والنصارى والصابئين -مَن آمَن مِن اليهودِ والنصارى والصابئين باللهِ واليومِ الآخرِ- فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.
والذى قلْنا مِن التأويلِ الأولِ أشْبَهُ بظاهرِ التَّنْزيلِ؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَخْصُصْ بالأجرِ على العملِ الصالحِ مع الإيمانِ بعضَ خلقِه دونَ بعضٍ منهم، والخبرُ بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
عن جميعِ مَن (٣) ذكَر في أولِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾.
الميثاقُ المِفْعالُ، مِن الوَثيقةِ؛ إما بيمينٍ، وإما بعهدٍ، أو غيرِ ذلك مِن الوَثائقِ.
ويعنى بقولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾.
الميثاقَ الذى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أخَذ منهم في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣ - ٨٥].
الآيات التى ذكَر معها.
وكان سببَ أخذِ الميثاقِ عليهم فيما ذكَر ابنُ زيدٍ ما حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لما رجَع موسى مِن عندِ ربِّه بالألواحِ قال لقومِه بنى إسرائيلَ: إن هذه الألواحَ فيها كتابُ اللهِ، وأمْرُه الذى أمَرَكم به، ونَهْيُه الذى نهاكم عنه.
فقالوا: ومَن يَأْخُذُه بقولِك أنت؟
لا واللهِ حتى نَرَى اللهَ جَهْرةً، حتى يَطلُعَ اللهُ إلينا (١) فيقولَ: هذا كتابى فخُذُوه.
فما لَه لا يُكَلِّمُنا كما كلَّمَك أنت يا موسى!
فيقولُ: هذا كتابى فخُذُوه.
قال: فجاءت غَضْبةٌ مِن اللهِ، فجاءَتهم صاعقةٌ فصَعَقَتْهم، فماتوا أجْمَعون.
قال: ثم أحْياهم اللهُ مِن بعدِ موتِهم، فقال لهم موسى: خُذُوا كتابَ اللهِ.
فقالوا: لا.
قال: أىُّ شيءٍ أصابكم؟
قالوا: مِتْنا ثم حَيِينا.
قال: خذُوا كتابَ اللهِ.
قالوا: لا.
فبعَث اللهُ ملائكةً، فنتَقَت الجبلَ فوقَهم.
[وقرَأ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤].
قال: فرُفِع فوقَهم] (٢).
فقيل لهم: أتَعْرِفون هذا؟
قالوا: نعم، هذا الطُّورُ.
قال: خُذُوا الكتابَ، وإلا طرَحْناه عليكم.
قال: فأخَذوه بالميثاقِ.
وقرَأ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قال: ولو كانوا أخَذُوه أولَ مرةٍ لأخَذوه بغيرِ مِيثاقٍ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾.
أمَّا الطُّورُ فإنه الجبلُ في كلامِ العربِ، ومنه قولُ العَجَّاجِ (١): دانَى جناحَيْهِ (٢) مِن الطُّورِ فمَرّ تَقَضِّىَ (٣) البازِى إذا البازِى كَسَرْ (٤) وقيل: إنه اسمُ جبلٍ بعينه.
وذكَروا (٥) أنه الجبلُ الذى ناجَى اللهُ عليه موسى.
وقيل: إنه مِن الجبالِ ما أنْبَتَ دون ما لم يُنْبِتْ.
ذكرُ مَن قال: هو الجبل كائنًا ما كان حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: أمَر موسى قومَه أن يَدْخُلُوا البابَ سُجَّدًا ويَقُولوا: حِطَّةٌ.
وطُؤْطِئ لهم (٦) البابُ ليَسْجُدوا، فلم يَسْجُدوا ودخَلوا على أدْبارِهم، وقالوا: حِنْطةٌ.
فنتَق فوقَهم الجبلَ -يقولُ: أخْرَج أصْلَ الجبلِ مِن الأرضِ، فرفَعه فوقَهم كالظُّلَّةِ- والطُّورُ بالسُّريانيةِ الجبلُ -تخويفًا، [فدخَلوا سُجَّدًا على خوفٍ- أو حَرْفٍ، شكَّ أبو عاصمٍ] (٧) -أعينُهم إلى الجبلِ، هو الجبلُ الذى تجَلَّى له ربُّه (٨).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: رُفِع الجبلُ فوقَهم كالظُّلَّةِ (١)، كالسَّحابةِ، فقيل لهم: لتُؤْمِنُنَّ أو ليَقَعَنَّ عليكم.
فآمَنوا.
والجبلُ بالسُّرْيانيةِ الطُّورُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
قال: الطورُ جبلٌ (٢) كانوا بأصلِه، فرُفِع عليهم فوقَ رءوسِهم، فقال: لتَأْخُذُنَّ أمْرِى، أو لأَرْمِيَنَّكم به (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
قال: الطورُ الجبلُ، اقْتَلَعه اللهُ، فرفَعه فوقَهم، فقال: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
فأَقَرُّوا بذلك (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
قال: رفَع فوقَهم الجبلَ، يُخَوِّفُهم به (٥).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عِكْرمةَ، قال: الطُّورُ الجبلُ (٦).
حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: لما قال اللهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.
فأبَوْا أن يَسْجُدوا، وأمَر اللهُ جلَّ ذكرُه الجبلَ أن يَقَعَ عليهم، فنظروا إليه وقد غشِيَهم، فسقَطوا سُجَّدًا، فسجَدوا (١) على شِقٍّ، ونظَروا بالشقِّ الآخَرِ، فرحِمَهم اللهُ، فكشَفه عنهم، [فقالوا: ما سجدةٌ أحبَّ إلى اللهِ مِن سجدةٍ كشَف بها العذابَ عنكم.
فهم يسجُدون لذلك على شقٍّ] (٢)، وذلك قولُه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١].
وقولُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الجبلُ بالسُّرْيانيةِ الطُّورُ، [وهو بالعربيةِ الجبلُ] (٤).
وقال آخَرون: الطورُ اسمٌ للجبلِ الذى ناجَى اللهُ ﷻ عليه موسى ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الطُّورُ الجبلُ الذى أُنْزِلَت عليه -يعنى على موسى- التَّوْراةُ، وكانت بنو إسرائيلَ أسفلَ منه (٥).
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: رفَع الجبلَ على بنى إسرائيلَ، فقال: لتُؤْمِنُنَّ به أو ليَقَعَنَّ عليكم.
فذاك قولُه: ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ (٦).
وقال آخَرون: الطُّورُ مِن الجبالِ ما أنْبَتَ خاصَّةً.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الطُّورَ﴾ قال: الطورُ مِن الجبالِ ما أنْبَت، وما لم يُنْبِتْ فليس بطُورٍ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هو مما اسْتُغنِى بدلالةِ الظاهرِ المذكورِ عما تُرِك ذكرُه منه (٢)، وذلك أن معنى الكلامِ: ورفَعْنا فوقَكم الطُّورَ، وقلْنا لكم: خُذُوا ما آتَيْناكم بقوةٍ، وإلا قذَفْناه عليكم.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: أخْذُ الميثاقِ قولٌ، فلا حاجةَ بالكلامِ إلى إضمارِ قولٍ فيه، فيكونَ مِن كلامَيْن، غيرَ أنه يَنْبَغِى لكلِّ ما خالَف القولَ مِن الكلامِ الذى هو بمعنى القولِ أن تكونَ معه "أن"، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١].
قال: ويجوزُ بحذْفِ (٣) "أن".
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا أن كلَّ كلامٍ نُطِق به، مفهومٌ به معنى ما أُرِيد منه (٤)، ففيه الكِفايةُ مِن غيرِه.
ويعنى بقولِه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾: ما أمَرْناكم به في التَّوْراةِ.
وأصلُ الإيتاءِ الإعطاءُ.
ويعنى بقولِه: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجِدٍّ، و (١) تأديةِ ما [أُمِرْتم به] (٢) فيه وافْتُرِض عليكم.
كما [حدَّثنا عبدُ الكريمِ، قال: حدَّثنا] (٣) إبراهيمُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَيْنةَ، قال: [حدَّثنا أبو سعدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ قال: بجدٍّ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال] (٥): حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
قال: بعَمَلٍ (٦) بما فيه (٧).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
[أي: بطاعةِ اللهِ (٨).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفارىُّ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾] (٩).
قال: بطاعةٍ (١٠).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادَةَ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
قال: القوةُ الجِدُّ، وإلا قَذَفْتُه (١) عليكم.
قال: فأقَرُّوا بذلك أنهم يَأْخُذُون ما أُوتُوا بقوةٍ (٢).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: يعنى بجِدٍّ واجْتِهادٍ (٣).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾.
قال: خُذُوا الكتابَ الذى جاء به موسى بصدقٍ وحقٍّ.
[حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ﴾.
قال: كتابُكم، لتأْخُذُنَّه أو لَيَقعَنَّ عليكم الطُّورُ.
قالوا: نأخُذُه.
وأقَرُّوا ثم نقَضُوا الميثاقَ بعدَ ذلك] (٤).
فتأويلُ الآيةِ إذن: خُذُوا ما افْتَرَضْنا عليكم في كتابِنا مِن الفرائضِ فاقْبَلوه، واعْمَلوا باجتهادٍ منكم في أدائِه، مِن غيرِ تَقْصيرٍ ولا تَوانٍ.
وذلك هو معنى أخْذِهم إياه بقوةٍ وبجِدٍّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: واذْكُروا ما فيما آتَيْناكم مِن كتابِنا مِن وعدٍ ووعيدٍ (٥)، وتَرْغيبٍ وتَرْهيبٍ، فاتْلُوه واعْتَبِروا به، وتَدَبَّروه، [كى إذا فعَلْتم ذلك تَتَّقونى] (٦)، وتَخافوا عِقابى، بإصْرارِكم على ضَلالِكم، فتُنيبُوا إلى طاعتى، وتَنْزِعوا عما أنتم عليه مِن مَعصيتى.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
قال: تَنْزِعون عما أنتم عليه (١).
والذى آتاهم اللهُ تعالى ذكرُه هو التوراةُ، كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
يقولُ: واذْكُروا ما في التوراةِ [واعمَلُوا به] (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
يقولُ: [اقرَءوا ما] (٣) في التَّوْراةِ (٤).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾.
قال: اعْمَلوا بما فيه بطاعةِ اللهِ تعالى ذكرُه وصدقٍ.
قال: وقال: اذكُروا (٥) ما فيه، ولا (٦) تَنْسَوْه ولا تُغْفِلوه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعز: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: ثم أعْرَضْتُم.
وإنما هو "تفَعَّلْتُم"، مِن قولِهم: ولَّانى فلانٌ دُبُرَه.
إذا اسْتَدْبَر عنه وخلَّفه خلفَ ظهرِه، ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ تاركٍ طاعةَ أَمْرٍ، [وهاجرِ خِلٍّ] (١)، ومُعْرِضٍ بوجهٍ (٢)، فيقالُ: فلانٌ قد تَوَلَّى عن طاعةِ فلانٍ، وتوَلَّى عن مُواصلتِه.
ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٦].
يعنى بذلك: خالَفوا ما كانوا وعَدوا اللهَ مِن قولِهم: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥].
ونبَذوا ذلك وراءَ ظُهورِهم.
ومِن شأنِ العربِ استعارةُ الكلمةِ ووضعُها مكانَ نَظيرتِها، كما قال أبو ذُؤَيْبٍ (٣) الهُذَلىُّ: فليس كعَهْدِ (٤) الدارِ يا أمَّ مالكٍ … ولكن أحاطَتْ بالرِّقابِ السَّلاسِلُ وعاد الفتى كالكَهْلِ ليس بقائِلٍ … سوى العَدْلِ (٥) شيئًا واسْتَراح العَواذِلُ يعنى بقولِه: أحاطَت بالرِّقابِ السَّلاسلُ.
أن الإسلام صار في منعِه إيانا ما كنا نَأْتِيه في الجاهليةِ مما حرَّمه اللهُ علينا في الإسلامِ، بمنزلةِ السَّلاسلِ المُحيطةِ برِقابِنا التى تَحُولُ بينَ مَن كانت في رقبتِه، مع الغُلِّ الذى في يدِه، وبينَ ما حاول أن يَتَناوَلَه.
ونَظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى.
فكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعنى بذلك أنكم ترَكْتُم العملَ بما أخَذْنا ميثاقَكم وعهودَكم على العملِ به بجدٍّ واجْتهادٍ، بعدَ إعطائِكم ربَّكم المَواثيقَ على العملِ به، والقيامِ بما أمَرَكم به في كتابِكم، فنبَذْتُموه وراءَ ظهورِكم.
وكنَى بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾.
عن جميعِ ما قبلَه في الآيةِ المتقدمةِ، أعنى قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
فلولا أن اللهَ تفَضَّل عليكم بالتوبةِ بعدَ نَكثِكمُ (١) الميثاقَ الذى واثَقْتُموه -إذ رفَع فوقَكم الطورَ- بأنكم تَجْتَهِدون في طاعتِه، وأداءِ فَرائضِه، والقيامِ بما أمَرَكم به، والانْتِهاءِ عما نَهاكم عنه في الكتابِ الذى آتاكم، فأنْعَم عليكم بالإسلامِ، ورحمتُه التى رحِمَكم بها، فتَجاوَز عنكم خَطيِئتَكم التى ركِبْتُموها، بمراجعتِكم طاعةَ ربِّكم - لكنتم مِن الخاسرين.
وهذا وإن كان خطابًا لمن كان بينَ ظهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن أهلِ الكتابِ أيامَ رسولِ اللهِ ﷺ، فإنما هو خبرٌ عن أسلافِهم، فأُخْرِج (٢) مُخْرَجَ الخَبَرِ (٣) عنهم، على نحوِ ما قد بيَّنَّا فيما مضَى، من أن القَبيلةَ مِن العربِ تُخاطِبُ القَبيلةَ عندَ الفَخارِ أو غيرِه، بما مضَى مِن فِعلِ أسْلافِ المخاطِب بأسْلافِ المخاطَبِ، فتُضِيفُ فِعْلَ أسْلافِ المُخاطِبِ إلى أنفسِها، فتقولُ: فعَلْنا (٤) وفعَلْنا (٤).
[وما فُعِل بأسلافِ المخاطَبِ إلى المخاطِبِ لهم بقولِهم: فعَلنا بكمْ] (٥) [وفعلْنا بكم] (٦).
وقد ذكَرْنا بعضَ الشواهِدِ في ذلك مِن شعرِهم فيما مضَى (١).
وقد زعَم بعضُهم أن الخطابَ في هذه الآياتِ إنما أُخْرِج بإضافةِ الفعلِ إلى المُخاطَبِين، والفعلُ لغيرِهم؛ لأن المخاطَبِين بذلك كانوا يَتَوَلَّوْن مَن كان فعَل ذلك مِن أوائلِ بني إسرائيلَ، فصيَّرهم اللهُ منهم مِن أجلِ وِلايتِهم لهم.
وقال بعضُهم: إنما قيل ذلك كذلك؛ لأن سامِعيه كانوا عالِمين -وإن كان الخطابُ خرَج خطابًا للأحْياءِ مِن بني إسرائيلَ وأهلِ الكتابِ- أن (٢) المعنى في ذلك إنما هو خبرٌ عما [قد مضَى] (٣) مِن أنْباءِ أسلافِهم، فاسْتُغْنِى بعلم السامِعِين بذلك عن ذكرِ أسْلافِهم بأعْيانِهم.
ومثَّل ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ … ولم تَجِدِى مِن أن تُقِرِّى به بُدًّا فقال: إذا انْتَسَبْنا.
و "إذا" تَقْتَضِى مِن الفعلِ مُسْتَقْبلًا، ثم قال: لم تَلِدْنى لَئِيمةٌ.
فأخْبَر عن ماضٍ مِن الفعلِ، وذلك أن الوِلادةَ قد مَضَت وتقدَّمَت، وإنما فعَل ذلك -عندَ المُحْتَجِّ به- لأن السامعَ قد فهِم معناه.
فجعَل ما ذكَرْنا مِن خطابِ اللهِ أهلَ الكتابِ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ رسولِ الله ﷺ، بإضافةِ أفعالِ أسْلافِهم إليهم - نظيرَ ذلك.
والأولُ الذى قُلْنا هو المُسْتَفِيضُ في (٥) كلامِ العربِ وخِطابِها.
وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذى قُلْناه.
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ (١)، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (٢).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه] (٣)، عن الربيعِ بمثلِه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن (٥) معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾: ولقد عرَفْتُم، كقولِك: قد عَلِمْتُ أخاك، ولم أَكُنْ أَعْلَمُه.
يعنى: عرَفْتُه ولم أَكُنْ أَعْرِفُه.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
يعنى: لا تَعْرِفونهم، اللهُ يَعْرِفُهم.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾.
أى: الذين تَجاوَزُوا حَدِّى، وركِبوا ما نهَيْتُهم عنه في يومِ السبتِ، وعصَوْا أمْرى.
وقد دلَّلْتُ فيما مضَى على أن الاعْتِداءَ أصلُه تَجاوُزُ الحدِّ في كلِّ شيءٍ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
قال: وهذه الآيةُ وآياتٌ بعدَها تَتْلُوها، مما عدَّد جلَّ ثناؤُه فيها على بنى إسرائيلَ -الذين كانوا بينَ خِلالِ دُورِ الأنصارِ زمانَ النبىِّ ﷺ، الذين ابْتَدَأ بذكرِهم في أولِ هذه السورةِ مِن نَكْثِ أسْلافِهم عهدَ اللهِ ومِيثاقَه- ما كانوا يُبْرِمون مِن العقودِ، وحذَّر المُخاطَبين بها أن يَحِلَّ بهم -بإصرارِهم على كفرِهم ومُقامِهم على جُحودِ نبوةِ محمدٍ ﷺ، وتركِهم اتباعَه والتصديقَ بما جاءَهم به مِن عندِ ربِّه- مثلُ الذى حلَّ بأوائلِهم مِن المَسْخِ والرَّجْفِ والصَّعْقِ، وما لا قِبَلَ لهم به مِن غَضَبِ اللهِ وسَخَطِه.
كالذى حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ يقولُ: ولقد عرَفْتُم.
وهذا تحذيرٌ لهم مِن المعصيةِ، يقولُ: احْذَرُوا أن يُصِيبَكم ما أصاب أصحابَ السبتِ إذ عصَوْنى، ﴿اعْتَدَوْا﴾، يقولُ: اجْتَرَءوا، ﴿فِي السَّبْتِ﴾.
قال: لم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا إلا أمَره بالجُمُعةِ، وأخْبَرَه بفضلِها وعِظَمِها في السَّماواتِ وعندَ الملائكةِ، وأنَّ الساعةَ تَقُومُ فيها، فمَن اتَّبَع الأنبياءَ فيما مضَى، كما اتَّبَعَتْ أمةُ محمدٍ ﷺ محمدًا، قَبِل الجُمُعةَ، وسمِع وأطاع وعرَف فضلَها، وثبَت عليها بما أمَره اللهُ تعالى به ونبيُّه ﷺ، ومَن لم يَفْعَلْ ذلك كان بمنزلةِ الذين ذكَر اللهُ في كتابِه، فقال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
وذلك أن اليهودَ قالت لموسى حين أمَرَهم بالجمعةِ، وأخْبَرَهم بفضلِها: يا موسى، كيف تَأْمُرُنا بالجُمُعةِ وتُفَضِّلُها على الأيامِ كلِّها، والسبتُ أفضلُ الأيامِ كلِّها؛ لأن اللهَ خلَق السماواتِ والأرضَ والأقْواتَ في ستةِ أيامٍ، وسبَت (١) له كلُّ شيءٍ مُطِيعًا يومَ السبتِ، وكان آخرَ الستةِ؟
قال: وكذلك قالت النصارَى لعيسى ابنِ مريمَ حينَ أمَرَهم بالجُمُعةِ، قالوا له: كيف تَأْمُرُنا بالجمعةِ، وأولُ الأيامِ أفضلُها وسيِّدُها، والأولُ أفضلُ، واللهُ واحدٌ، والواحدُ الأولُ أفضلُ؟
فأوْحَى اللهُ إلى عيسى أنْ دَعْهم والأحدَ، ولكن ليَفْعَلوا فيه كذا وكذا مما أمَرَهم به، فلم يَفْعَلوا، فقصَّ اللهُ تعالى قَصَصَهم في الكتابِ بمعصيتِهم.
قال: وكذلك قال اللهُ لموسى حينَ قالت له اليهودُ ما قالوا في أمرِ السبتِ أنْ دَعْهم والسبتَ فلا يَصِيدوا فيه سمكًا ولا غيرَه، ولا يَعْمَلوا شيئًا، كما قالوا.
قال: فكان إذا كان السبتُ ظهَرَتِ الحِيتانُ على الماءِ، فهو قولُه: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ [الأعراف: ١٦٣].
يقولُ: ظاهرةً على الماءِ -ذلك لمعصيتِهم موسى- وإذا كان غيرُ يومِ السبتِ صارت صيدًا كسائرِ الأيامِ، فهو قولُه: ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
ففعَلَت الحيتانُ ذلك ما شاء اللهُ، فلما رأَوْها كذلك طمِعوا في أخْذِها، وخافوا العقوبةَ، فتناوَل بعضُهم منها، فلم تَمْتَنِعْ عليه، وحذِر العقوبةَ التى حذَّرهم موسى مِن اللهِ تعالى، فلما رأَوا أن العقوبةَ لا تَحِلُّ بهم عادوا وأخْبَرَ بعضُهم بعضًا بأنهم قد أخَذوا السمكَ ولم يُصِبهم شيءٌ، فكثَّروا في ذلك، وظنُّوا أن ما قال لهم موسى كان باطلًا، وهو قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يقولُ لهؤلاء الذين صادوا السمكَ: فمسَخهم اللهُ قِرَدةً بمعصيتِهم.
يقولُ: إذن لم يَحْيَوْا في الأرضِ إلا ثلاثةَ أيامٍ، ولم تَأْكُلْ، ولم تَشْرَبْ، ولم تَنْسُلْ، وقد خلَق اللهُ القردةَ والخنازيرَ، وسائرَ الخلقِ في الستةِ الأيامِ التى ذكَر اللهُ في كتابِه، فمسَخ هؤلاءِ القومَ في صورةِ القِردةِ، وكذلك يَفْعَلُ بمَن شاء كما يَشاءُ، ويُحَوِّلُه كما يَشاءُ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصينِ، عن عِكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إن اللهَ إنما افْتَرَض على بنى إسرائيلَ اليومَ الذى افترض عليكم في عيدِكم، يومَ الجمعةِ، فخالَفوا إلى السبتِ فعظَّموه، وترَكوا ما أُمِروا به، فلمَّا أبَوْا إلا لزومَ السبتِ ابْتَلاهم اللهُ فيه، فحرَّم عليهم ما أحَلَّ لهم في غيرِه، وكانوا في قريةٍ بينَ أَيْلَةَ والطُّورِ يقالُ لها: مَدْيَنُ.
فحرَّم اللهُ عليهم في السبتِ الحيتانَ؛ صيدَها وأكلَها، وكانوا إذا كان يومُ السبتِ أقْبَلَت إليهم شُرَّعًا إلى ساحلِ بَحْرِهم، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فلم يَرَوْا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يومُ السبتِ أتَينَ إليهم شُرَّعًا، حتى إذا ذهَب السبتُ ذهَبْنَ، فكانوا كذلك، حتى إذا طال عليهم الأَمَدُ، وقَرِموا (٢) إلى الحيتانِ عمَد رجلٌ منهم، فأخَذ حوتًا سرًّا يومَ السبتِ، فخَزَمَه (٣) بخيطٍ، ثم أرْسَله في الماءِ، وأوْتَد له وَتدًا في الساحلِ، فأوْثَقه ثم ترَكه، حتى إذا كان الغدُ جاء فأخَذَه -أى: إنى لم آخُذْه في يومِ السبتِ- ثم انْطَلَق به فأكَلَه، حتى إذا كان يومُ السبتِ الآخرِ عاد لمثلِ ذلك، ووجَد الناسُ ريحَ الحيتانِ، فقال أهلُ القريةِ: واللهِ لقد وجَدْنا ريحَ الحيتانِ.
ثم عثَروا على ما صنَع ذلك الرجلُ، قال: ففعَلوا كما فعَل، وأكَلوا سرًّا زمانًا طويلًا، لم يَعْجَلِ اللهُ عليهم بعقوبةٍ حتى صادوها علانيةً وباعوها بالأسواقِ، وقالت طائفةٌ منهم مِن أهلِ البقيَّةِ (١): ويحَكم!
اتَّقُوا اللهَ.
ونهَوْهم عما كانوا يَصْنَعون.
وقالت طائفةٌ أُخرى لم تَأْكُلِ الحيتانَ، ولم تَنْهَ القومَ عما صنَعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ لسخطِنا أعمالَهم (٢)، ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤].
قال ابنُ عباسٍ: فبينما هم على ذلك أصْبَحَت تلك البَقِيَّةُ في أنديَتِهم ومساجدِهم، وفقَدوا الناسَ فلا يَرَوْنهم، فقال بعضُهم لبعضٍ: إن للناسِ لَشأنًا، فانْظُروا ما هو.
فذهَبوا يَنْظُرون في دُورِهم، فوجَدوها مُغَلَّقةً عليهم، قد دخَلوا ليلًا، فغلَّقوها على أنفسِهم، كما يُغَلِّقُ الناسُ على أنفسِهم، فأصْبَحوا فيها قِرَدةً؛ إنهم لَيَعْرِفون الرجلَ بعينِه، وإنه لَقِرْدٌ، والمرأةَ بعينِها وإنها لَقِرْدةٌ، والصبىَّ بعينِه وإنه لَقِرْدٌ.
قال: يقولُ ابنُ عباسٍ: فلولا ما ذكَر اللهُ أنه أنْجَى الذين نَهَوْا عن السُّوء لَقُلْنا: أهْلَك الجميعَ منهم.
قالوا: وهى القريةُ التى قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآية (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: أُحِلَّت لهم الحيتانُ، وحُرِّمَت عليهم يومَ السبتِ بَلاءً مِن اللهِ، ليَعْلَمَ مَن يُطِيعُه ممَّن يَعْصِيه، فصار القومُ ثلاثةَ أصنافٍ؛ فأما صِنفٌ فأمْسَك ونَهَى عن المعصيةِ، وأمَّا صِنْفٌ فأمْسَك عن حُرْمةِ اللهِ، وأما صِنفٌ فانْتَهَك حُرْمةَ اللهِ ومرَد على المعصيةِ، فلما أبَوْا إلا الاعْتِداءَ إلى ما نُهُوا عنه، قال اللهُ لهم: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
فصاروا قِرَدةً لها أذْنابٌ تَعاوَى، بعدَ ما كانوا رجالًا ونساءً (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾.
قال: نُهُوا عن صيدِ الحيتانِ يومَ السبتِ، فكانت تَشْرَع إليهم يومَ السبتِ، وبُلُوا بذلك فاعْتَدَوْا فاصْطادُوها، فجعَلَهم اللهُ قِرَدةً خاسِئِين (٢).
حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال: فهم أهلُ أَيْلةَ، وهى القريةُ التى كانت حاضرةَ البحرِ، فكانت الحيتانُ إذا كان يومُ السبتِ -وقد حرَّم اللهُ على اليهودِ أن يَعْمَلوا في السبتِ شيئًا- لم يَبْقَ في البحرِ حُوتٌ إلا خرَج حتى يُخْرِجْنَ خَراطِيمَهن مِن الماءِ، فإذا كان يومُ الأحدِ لزِمْنَ سُفْلَ البحرِ، فلم يُرَ منهن شيءٌ حتى يكونَ يومُ السبتِ، فذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
فاشْتَهَى بعضُهم السمكَ، فجعَل الرجلُ يَحْفِرُ الحَفِيرةَ، ويَجْعَلُ لها نهرًا إِلى البحرِ، فإذا كان يومُ السبتِ فتَح النهرَ، فأقْبَل الموجُ بالحيتانِ يَضْرِبُها حتى يُلْقِيَها في الحَفيرةِ، ويُريدُ الحوتُ أن يَخْرُجَ فلا يُطِيقَ مِن أجلِ قلَّةِ ماءِ النهرِ، فيَمْكُثُ، فإذا كان يومُ الأحدِ جاء فأخَذَه، فجعَل الرجلُ يَشْوِى السَّمكَ، فيَجِدُ جارُه ريحَه، فيَسْأَلُه فيُخْبِرُه، فيَصْنَعُ مثلَ ما صنَع جارُه، حتى إذا فشَا فيهم أكلُ السمكِ قال لهم علماؤُهم: ويحَكم إنما تَصْطادون السمكَ يومَ السبتِ، وهو لا يَحِلُّ لكم.
فقالوا: إِنما صِدْناه يومَ الأحدِ حينَ أخَذْناه.
فقال الفقهاءُ: لا، ولكنكم صِدْتُموه يومَ فتَحْتُم له الماءَ، فدخَل.
فقالوا: لا.
وعَتَوْا أن يَنْتَهُوا، فقال بعضُ الذين نهَوْهم لبعضٍ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
يقولُ: لمَ تَعِظُونهم وقد وعَظْتُموهم فلم يُطِيعوكم.
فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
فلما أبَوْا قال المسلمون: واللهِ لا نُساكِنُكم في قريةٍ واحدةٍ.
فقسَموا القريةَ بجدارٍ، ففتَح المسلمون بابًا والمُعْتَدون في السبتِ بابًا، ولعَنهم داودُ، فجعَل المسلمون يَخْرُجون من بابِهم، والكفارُ مِن بابِهم، فخرَج المسلمون ذاتَ يومٍ، ولم يَفْتَحِ الكفارُ بابَهم، فلمَّا أبْطَئُوا عليهم تسَوَّر المسلمون عليهم الحائطَ، فإذا هم قِرَدةٌ يَثِبُ بعضُهم على بعضٍ، ففتَحوا عنهم، فذهَبوا في الأرضِ، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦].
فذلك حينَ يقولُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨].
فهم القردةُ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال: لم يُمْسَخوا، إنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهم، مِثْلَ ما ضرَب مَثَلَ الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال: مُسِخَت قلوبُهم، ولم يُمْسَخوا قِرَدةً، وإنما هو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لهم، كمثلِ الحمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا (٢).
وهذا القولُ الذى قاله مُجاهِدٌ قولٌ لظاهرِ ما دل عليه كتابُ اللهِ مُخالِفٌ، وذلك أن اللهَ أخْبَر في كتابِه أنه جعَل منهم القِرَدةَ والخنَازيرَ وعَبَدَ الطاغوتَ، كما أخْبَر عنهم أنهم قالوا لنبيِّهم: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣].
وأن اللهَ تعالى ذكرُه أصْعَقَهم عندَ مَسألتِهم ذلك ربَّهم، وأنهم عبَدوا العِجْلَ، فجعَل توبتَهم قتلَ أنفسِهم، وأنهم أُمِروا بدُخولِ الأرضِ المقدسةِ، فقالوا لنبيِّهم: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ١٢٤].
فابْتَلاهم بالتِّيهِ، فسواءٌ [قال قائلٌ] (٣): هم لم يَمْسَخْهم قردةً.
وقد أخْبَر جلَّ ذكرُه أنه جعَل منهم قِردةً وخنازيرَ - وآخرُ قال: لم يَكُنْ شيءٌ مما أخْبَر اللهُ عن بنى إسرائيلَ أنه كان منهم؛ مِن الخلافِ وكان أبو العاليةِ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ -فيما ذُكِر لنا- نحوَ القولِ الذى قُلْناه.
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ (١)، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾.
قال: فضلُ اللهِ الإسلامُ، ورحمتُه القرآنُ (٢).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه] (٣)، عن الربيعِ بمثلِه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: فلولا فَضْلُ اللهِ عليكم ورَحْمَتُه إياكم، بإنقاذِه إياكم بالتوبةِ عليكم مِن خَطيئتِكم وجُرْمِكم، لكنتم الباخِسِين أنفسَكم حُظوظَها دائمًا، الهالِكِين بما اجْتَرَمْتُم مِن نَقْضِ ميثاقِكم، وخلافِكم أمرَه وطاعتَه.
وقد تقَدَّم بيانُنا قبلُ بالشَّواهدِ عن (٥) معنى الخَسارِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾.
يعنى: إن طرَدْتَه انْطَرَد ذَليلًا صاغرًا.
فكذلك معنى قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
أى: مُبْعَدِين مِن الخيرِ أذِلَّاءَ صُغَراءَ.
كما حدَّثنا ابنُ (١) بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
قال: صاغِرِين (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيْفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿خَاسِئِينَ﴾.
قال: صاغِرِين (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.
أى: أَذِلَّةً صاغِرِين (٤).
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: خاسِئًا: يعنى ذَليلًا (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الهاءِ والألفِ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
وعلامَ هى عائدةٌ؟
فرُوِى عن ابنِ عباسٍ فيها قولان: أحدُهما، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: فجعَلْنا تلك العقوبةَ، وهى المَسْخَةُ، نَكالًا (١).
فالهاءُ والألفُ من قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
على قولِ ابنِ عباسٍ هذا، كنايةٌ عن المَسْخةِ، وهى "فَعْلةٌ" مِن: مسَخهم اللهُ مَسْخةً.
فمعنى الكلامِ على هذا التأويلِ: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصاروا قردةً مَمْسُوخِين.
﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ (٢): فجعَلْنا عُقوبتَنا ومَسْخَنا إياهم ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
والقولُ الآخَرُ مِن قولَىِ ابنِ عباسٍ ما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: يعنى الحِيتانَ.
والهاءُ والألفُ على هذا القولِ مِن ذكرِ الحيتانِ، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، ولكن لما كان في الخبرِ دلالةٌ كنَى عن ذكرِها، والدلالةُ على ذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾.
وقال آخَرون: فجعَلْنا القريةَ التى اعْتَدَى أهلُها في السبتِ.
فالهاءُ والألفُ في قولِ هؤلاءِ كِنايةٌ عن قريةِ القومِ الذين مُسِخوا.
وقال آخَرون: معنى ذلك: فجعَلْنا القِرَدةَ الذين مُسِخوا نَكالًا لما بينَ يديها وما خلفَها.
فجعَلوا الهاءَ والألفَ كنايةً عن القردةِ.
وقال آخَرون: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾ يعنى به: فجعَلْنا الأُمةَ التى اعْتَدَتْ في السبتِ نَكالًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿نَكَالًا﴾.
والنَّكالُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نكَّل فلانٌ بفلانٍ تَنْكيلًا ونَكالًا.
وأصلُ النَّكالِ العقوبةُ، كما قال عدىُّ بنُ زيدٍ العِبادىُّ (١): لا [يُسْخِطُ المليكَ] (٢) ما يسعُ (٣) الـ … ـعبدَ ولا في نَكالِه تَنْكيرُ وبمثلِ الذى قلْنا في ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: حدَّثنا أبو رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَكَالًا﴾.
يقولُ: عقوبةً (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾.
أى: عقوبةً (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾.
يقولُ: ليَحْذَرَ مَن بعدَهم عُقوبتى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾.
يقولُ: الذين كانوا بقُوا معهم (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: لِمَا خلا لهم مِن الذُّنوبِ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾.
أى: عِبْرةً لمن بقِى مِن الناسِ (٣).
وقال آخَرون بما حدَّثنى ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحُصَيْنِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
أى مِن القُرَى (٤).
وقال آخَرون بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال الله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذُنوبِ القومِ، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أى: للحِيتانِ التى أصابوا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: مِن ذنوبِها، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: مِن الحيتانِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنى عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم إلى أن هلَكوا به.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
يقولُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: ما مضَى مِن خَطاياهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: خَطاياهم التى هلَكوا بها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، إلا أنه قال: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: خَطيئتُهم التى هلَكوا بها.
وقال آخَرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
قال: أما ما ﴿بَيْنَ يَدَيْهَا﴾: فما سلَف مِن عملِهم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾: فمَن كان بعدَهم مِن الأممِ أن يَعْصُوا، فيَصْنَعَ اللهُ بهم مثلَ ذلك (٣).
وقال آخَرون بما حدَّثنى به ابنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾: يعنى الحِيتانَ جعَلها نَكالًا لما بينَ يديها وما خلفَها مِن الذنوبِ التى عمِلوا قبلَ الحِيتانِ، وما عمِلوا بعدَ الحِيتانِ، فذلك قولُه: ﴿مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (١).
وأوْلَى هذه التأويلاتِ بتأويلِ الآيةِ ما رواه الضَّحَّاكُ عن ابنِ عباسٍ، وذلك لما وصَفْنا مِن أن الهاءَ والألفَ في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا﴾.
بأن تكونَ مِن ذِكْرِ العقوبةِ والمَسْخةِ التى مُسِخها القومُ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرِ غيرِها؛ مِن أجلِ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما يُحَذِّرُ خلقَه بأسَه وسَطْوتَه، وبذلك يُخَوِّفُهم، وفى إبانتِه عزَّ ذكرُه بقولِه: ﴿نَكَالًا﴾.
أنه عنَى به العقوبةَ التى أحَلَّها بالقومِ - ما يُعْلِمُ أنه عنَى بقولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
فجعَلْنا عقوبتَنا التى أحْلَلْناها بهم عُقوبةً لما بينَ يديها وما خلفَها، دونَ غيرِه مِن المعانى.
وإذا كانت الهاءُ والألفُ بأن تكونَ مِن ذكرِ المَسْخةِ والعُقوبةِ أولى منها بأن تكونَ مِن ذكرِ غيرِها، فكذلك العائدُ في قولِه: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾.
مِن الهاءِ والألفِ، أن يكونَ مِن ذكرِ الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
أولى مِن أن يَكونَ مِن غيرِه.
فتأويلُ الكلامِ -إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا-: فقلنا لهم: كونوا قردةً خاسِئِين.
فجعَلْنا عُقوبتَنا لهم عقوبةً لما بينَ يديها مِن ذنوبِهم السالفةِ منهم، مَسْخَنا إياهم، وعقوبتَنا لهم، ولما خلْفَ عقوبتِنا لهم مِن أمثالِ ذنوبهم، أن يَعْمَلَ بها عاملٌ، فيُمْسَخوا مثلَ ما مُسِخوا، وأن يَحِلَّ بهم مثلُ الذى حلَّ بهم.
تَحْذيرًا مِن اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن يَأْتوا مِن مَعاصِيه، مثلَ الذى أتَى المَمْسُوخون فيُعاقَبوا عقوبتَهم.
وأما الذى قال في تأويلِ ذلك ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾: يعنى الحِيتانَ؛ عُقوبةً لما بينَ يدى الحِيتانِ مِن ذنوبِ القومِ وما بعدَها مِن ذنوبهم.
فإنه أبْعَدَ في الانْتِزاعِ؛ وذلك أن الحِيتانَ لم يَجْرِ لها ذكرٌ فيُقالَ: ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ذلك جائزٌ وإن لم يكنْ جرَى للحيتانِ ذكرٌ؛ لأن العربَ قد تَكْنِى عن الاسمِ ولم يَجْرِ له ذكرٌ، فإن ذلك وإن كان كذلك، فغيرُ جائزٍ أن يُتْرَكَ المفهومُ مِن ظاهرِ الكتابِ -والمعقولُ به ظاهرٌ في الخطابِ والتنزيلِ- إلى باطنٍ لا دلالةَ عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٍ عن الرسولِ ﷺ منقولٍ، ولا فيه مِن الحجةِ إجماعٌ مُسْتَفِيضٌ.
وأما تأويلُ مَن تأوَّل ذلك: لما بينَ يديها مِن القُرَى، وما خلفَها.
فَيُنْظَرُ إلى تأويلِ مَن تأوَّل ذلك: بما بينَ يدى الحِيتانِ وما خلفَها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾.
والموعظةُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: وعَظْتُ الرجلَ أَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظةً.
إذا ذكَّرْتَه.
فتأويلُ الآيةِ: فجعَلْناها نَكالًا لمَا بينَ يديها وما خلفَها وتَذْكِرةً للمتقين، لِيَتَّعِظوا بها ويَعْتَبِرُوا ويَتَذَكَّروا بها.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾.
يقولُ: وتذكرةَ وعِبْرةً للمتقين (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
وأما المُتَّقُون فهم الذين اتَّقَوْا بأداءِ فرائضِه واجْتِنابِ مَعاصِيه.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقولُ: للمؤمنين الذين يَتَّقُون الشِّركَ، ويَعْمَلون بطاعتى (١).
فجعَل تعالى ذكرُه ما أحَلَّ بالذين اعْتَدَوْا في السبتِ مِن عقوبتِه مَوْعِظةً للمتقين خاصَّةً، وعِبْرةً للمؤمنين دون الكافرين به إلى يومِ القيامةِ.
كالذى حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن داودَ بنِ الحصينِ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: إلى يومِ القيامةِ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أى: بعدَهم (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: أما ﴿مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: فهم أمةُ محمدٍ ﷺ (٥).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال: فكانت موعظةً للمتقين خاصَّةً (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
أى: لمَن بعدَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾.
وهذه الآيةُ مما وبَّخ اللهُ بها المخاطَبِين مِن بنى إسرائيلَ في نَقْضِ أوائلِهم الميثاقَ الذى أخَذه اللهُ عليهم بالطاعةِ لأنْبيائِه، فقال لهم: واذْكُروا أيضًا مِن نَكْثِكم مِيثاقى، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ -وقومُه بنو إسرائيلَ، إذ ادَّارَءُوا في القَتيلِ الذى قُتِل فيهم إليه-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
والهُزُؤُ: اللَّعِبُ والسُّخْريةُ، كما قال الراجزُ (١): قد هزِئَتْ منى أُمُّ طَيْسَلَهْ قالَتْ أَرَاهُ مُعْدِمًا لا شيءَ لَهْ يعنى بقولِه: قد هَزِئَت: قد سخِرَت ولعِبَت.
ولا يَنْبَغِى أن يَكونَ مِن أنْبياءِ اللهِ -فيما أخْبَرَتْ عن اللهِ مِن أمرٍ أو نهيٍ- هُزُؤٌ أو لعبٌ، فظنُّوا بموسى أنه في أمرِه إياهم -عن أمرِ اللهِ تعالى ذكرُه بذبحِ البقرةِ عندَ تَدَارُئِهم في القتيلِ إليه (٢) - هازئٌ لاعبٌ، ولم يَكُنْ لهم أن يَظُنُّوا ذلك بنبىِّ اللهِ، وهو يُخْبِرُهم أن اللهَ هو الذى أمَرَهم بذبحِ البقرةِ.
وحُذِفَت الفاءُ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
وهو جوابٌ، لاسْتِغْناءِ ما قبلَه مِن الكلامِ عنه، وحُسْنِ السكوتِ على قولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
فجاز لذلك إسقاطُ الفاءِ مِن قولِه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
كما جاز وحَسُن إسقاطُها مِن قولِه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا﴾ [الحجر: ٥٧، ٥٨، والذاريات: ٣١، ٣٢].
ولم يَقُلْ: "فقالوا: إنا أُرْسِلْنا".
ولو قيل: "فقالوا".
كان حسنًا أيضًا جائزًا.
ولو كان ذلك على كلمةٍ واحدةٍ لم تُسْقَطْ منه الفاءُ، وذلك أنك إذا قلتَ: قمتُ وفعَلتُ كذا وكذا.
لم (١) تَقُلْ: قمتُ فعلتُ كذا وكذا؛ لأنها عطفٌ لا استفهامٌ يُوقَفُ عليه.
فأخْبَرَهم موسى -إذ قالوا له ما قالوا- أن المُخْبِرَ عن اللهِ جل ثناؤُه بالهُزْءِ والسخريةِ مِن الجاهِلِين، وبرَّأ نفسَه مما ظنُّوا به مِن ذلك، فقال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
يعنى: مِن السفهاءِ الذين يَرْوُون عن اللهِ الكذبَ والباطلَ.
وكان سببَ قيلِ موسى لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ أيوبَ، عن محمد بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيلَ رجلٌ عَقيمٌ -أو عاقرٌ- قال: فقتَله وليُّه، ثم احْتَمَله، فألْقاه في سِبْطٍ غيرِ سِبْطِه.
قال: فوقَع بينَهم فيه الشرُّ، حتى أخَذوا السلاحَ، قال: فقال أولو النُّهَى: أتَقْتَتِلون وفيكم رسولُ اللهِ؟
قال: فأتَوا نبىَّ اللهِ، فقال: اذْبَحوا بقرةً.
فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: فضُرِب، فأخْبَرَهم بقاتلِه.
قال: ولم تُؤْخَذِ البقرةُ إلا بوزنِها ذهبًا.
قال: ولو أنهم أخَذُوا أدْنى بقرةٍ لَأَجْزَأَت عنهم.
فلم يُوَرَّثْ قاتلٌ بعدَ ذلك (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: حدَّثنى أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، وكان غَنِيًّا، ولم يَكُنْ له ولدٌ، وكان له قريبٌ، وكان وارثَه، فقتَله ليَرِثَه، ثم ألْقاه على مَجْمَعِ الطريقِ، وأتَى موسى، فقال له: إن قريبى قُتِل، وأُتِى (٢) إلىَّ أمرٌ عظيمٌ، وإنى لا أَجِدُ أحدًا يُبَيِّنُ لى مَن (٣) قتَله غيرَك يا نبىَّ اللهِ.
قال: فنادَى موسى في الناسِ: أَنْشُدُ اللهَ مَن كان عندَه مِن هذا علمٌ إلا بيَّنه لنا.
فلم يَكُنْ عندَهم علمُه، فأقْبَل القاتلُ على موسى، فقال: أنت نبىُّ اللهِ، فاسْأَلْ لنا ربَّك أن يُبَيِّن لنا.
فسأَل ربَّه، فأوْحَى اللهُ إليه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
فعجِبوا وقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾ -يعنى: لا هَرِمةٌ- ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾ -يعنى: ولا صغيرةٌ- ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -أى: نَصَفٌ بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ- قالوا ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ -أى: صافٍ لونُها- ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -أى: تُعْجِبُ الناظِرِين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾ -أى: لم يُذَلِّلْها العملُ- ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ -يعنى: ليستْ بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ- ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ -يقولُ: ولا تَعْمَلُ في الحَرْثِ- ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ -يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ- ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -يقولُ: لا بَياضَ فيها- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: ولو أن القومَ حينَ أُمِرُوا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها، لَكانت إياها، ولكنَّهم شدَّدوا على أنفسِهم فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوْا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
لما هُدُوا إليها أبدًا، فبلَغَنا أنهم لم يَجِدوا البقرةَ التى نُعِتَت لهم إلا عندَ عَجوزٍ عندَها يَتامَى، وهى القَيِّمةُ عليهم، فلما علِمَت أنهم لا يَزْكو (١) لهم غيرُها أضْعَفَت عليهم الثمنَ، فأتَوْا موسى فأخْبَروه أنهم لم يَجِدوا هذا النعتَ إلا عندَ فلانةَ، وأنها سأَلَتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: إن اللهَ قد كان خفَّف عليكم فشدَّدتُم على أنفسِكم، فأعْطُوها رِضاها وحُكْمَها.
ففعَلوا واشْتَرَوْها، فذبَحوها، فأمَرَهم موسى أن يَأْخُذوا عَظْمًا منها فيَضْرِبوا به القَتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخَذوا قاتلَه -وهو الذى كان أتَى موسى فشكَا إليه- فقتَله اللهُ على أسوأِ عملِه (٢).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
قال: كان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مُكْثِرًا مِن المالِ، وكانت له ابنةٌ، وكان له ابنُ أخٍ محتاجٌ، فخطَب إليه ابنُ أخيه ابنتَه، فأبَى أن يُزَوِّجَه إياها، فغضِب الفتى، وقال: واللهِ لَأَقْتُلَنَّ عمِّى، ولآخُذَنَّ مالَه، ولأَنْكِحَنَّ ابنتَه، ولَآكُلَنَّ دِيتَه.
فأتاه الفتى، وقد قَدِم تجارٌ في بعضِ أسْباطِ بنى إسرائيلَ، فقال: يا عمِّ، انْطَلِقْ معى، فخُذْ لى مِن تجارةِ هؤلاء القومِ لعلى أُصِيبُ فيها (١)، فإنهم إذا رأَوْك معى أعْطَوْنى.
فخرَج العمُّ مع الفتى ليلًا، فلمَّا بلَغ الشيخُ ذلك السِّبطَ قتَله الفتى، ثم رجَع إلى أهلِه، فلما أصْبَح جاء كأنه يَطْلُبُ عمَّه، كأنه لا يَدْرِى أين هو، فلم يَجِدْه، فانْطَلَق نحوَه، فإذا هو بذلك السِّبطِ مُجْتَمِعِين عليه، فأخَذَهم وقال: قتَلْتُم عمِّى، فأدُّوا إليَّ دِيَتَه.
وجعَل يَبْكِى، ويَحْثُو الترابَ على رأسِه، ويُنادِى: واعمَّاه!
فرفَعَهم إلى موسى، فقضَى عليهم بالديةِ، فقالوا له: يا رسول اللهِ، ادْعُ لنا حتى يَتَبَيَّنَ له مَن صاحبُه، فيُؤْخَذَ صاحبُ الجَريمةِ (٢)، فواللهِ إن ديتَه علينا لَهَيِّنةٌ، ولكنا نَسْتَحِى أن نُعَيَّرَ به.
فذلك حينَ يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
قالوا: نَسْأَلُك عن القَتيلِ، وعمَّن قتَله، وتَقولُ: اذْبَحوا بقرةً!
أتَهْزَأُ بنا؟
قال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال: قال ابنُ عباسٍ: فلو اعْتَرَضوا بقرةً فذبَحوها لَأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدُوا وتعَنَّتُوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ -والفارِضُ: الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ، والبِكْرُ: التى لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا، والعَوانُ: النَّصَفُ التى بينَ ذلك، التى قد وَلَدَت وولَد ولدُها- ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾.
قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ -قال: تُعْجِبُ الناظرين- قالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ -مِن بَياضٍ، ولا سَوادٍ، ولا حُمْرةٍ- قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
فطلَبوها فلم يَقْدِروا عليها.
وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ مِن أبَرِّ الناسِ بأبيه، وأن رجلًا مرَّ به معه لؤْلُؤٌ يَبِيعُه، فكان أبوه نائمًا تحتَ رأسِه المِفْتاحُ، فقال له الرجلُ: تَشْتَرِى منى هذا اللؤلؤَ بسبعين ألفًا؟
فقال له الفتى: كما أنت حتى يَسْتَيْقِظَ أبي، فآخُذَه بثمانين ألفًا.
فقال له الآخرُ: أيْقِظْ أباك، وهو لك بستين ألفًا.
فجعَل التاجرُ يَحُطُّ له حتى بلَغ ثلاثين ألفًا، وزاد الآخرُ على أن يَنْتَظِرَ حتى يَسْتَيْقِظَ أبوه، حتى بلَغ مائةَ ألفٍ، فلما أكْثَر عليه قال: لا واللهِ، لا أَشْتَرِيه منك بشيءٍ أبدًا.
وأبَى أن يُوقِظَ أباه، فعوَّضه اللهُ مِن ذلك اللؤلؤِ أن جعَل له تلك البقرةَ، فمرَّت به بنو إسرائيلَ يَطْلُبون البقرةَ، فأبْصَروا البقرة عندَه، فسأَلوه أن يَبِيعَهم إياها بقرةً ببقرةٍ، فأبَى.
فأعْطَوْه ثنْتَيْن فأبَى، فزادُوه حتى بلَغوا عشرًا فأبَى، فقالوا: واللهِ لا نَتْرُكُك حتى نَأْخُذَها منك.
فانْطَلَقوا به إلى موسى، فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنا وجَدْنا البقرةَ عندَ هذا، فأبَى أن يُعْطِينَاها، وقد أَعْطَيْناه ثمنًا.
فقال له موسى: أَعْطِهم بقرتَك.
فقال: يا رسولَ اللهِ، أنا أحَقُّ بمالى.
فقال: صدَقْتَ.
وقال للقومِ، أرْضُوا صاحبَكم.
فأعْطَوْه وزنَها ذهبًا فأبَى، فأضْعَفوا له مثلَ ما أعْطَوْه وزنَها، حتى أعْطَوْه وزنَها عشْرَ مراتٍ، فباعَهم إياها، وأخَذ ثمنَها، فقال: اذْبَحوها.
فذبَحوها، فقال: اضْرِبوه ببعضِها، فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بينَ الكَتِفَيْن فعاش، فسأَلوه: مَن قتَلك؟
فقال لهم: ابنُ أخى، قال: أَقْتُلُه، وآخُذُ مالَه، وأَنْكِحُ ابنتَه.
فأخَذوا الغلامَ، فقتَلوه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال.
ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، وحدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ، [وحدَّثني عن مُجاهِدٍ] (١)، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن مُجاهِدٍ، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (٢) عبدِ الكَريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يَذْكُرُ، وحدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحَجَّاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: أخْبَرَني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ.
فذكَر جميعُهم أن السببَ الذى مِن أجلِه قال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ نحوُ السببِ الذى ذكَره عَبيدةُ وأبو العاليةِ والسُّدىُّ، غيرَ أن بعضَهم ذكَر أن الذى قتَل القَتيلَ الذى اخْتُصِم في أمرِه إلى موسى كان أخا المقتولِ، وذكَر بعضُهم أنه كان ابنَ أخيه.
وقال بعضُهم: بل كانوا جَماعةً وَرَثةً اسْتَبْطئوا حياتَه.
إلا أنهم جميعًا مُجْمِعون على أن موسى إنما أمَرهم بذبحِ البقرةِ مِن أجلِ القَتيلِ إذ احْتَكموا إليه -عن أمرِ اللهِ إياهم بذلك- فقالوا له: وما ذَبْحُ البقرةِ يُبيِّنُ لنا خُصومَتَنا التى اخْتَصَمْنا فيها إليك في قتلِ مَن قُتِل، فادُّعِى على بعضِنا أنه القاتل، أتَهْزَأُ بنا؟
كما حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قُتِل قَتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ، فطُرِح في سِبْطٍ مِن الأسْباطِ، فأتَى أهلُ ذلك القَتيلِ إلى ذلك السِّبْطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتَلْتُم صاحبَنا؟
قالوا: لا واللهِ.
فأتَوْا موسى، فقالوا: هذا قَتيلُنا بينَ أظْهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه.
فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا.
فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
فقالوا: أتَسْتَهْزِئُ بنا؟
وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
قالوا: نَأْتِيك فنَذْكُرُ قَتيلَنا والذى نحن فيه، فتَسْتَهْزِئُ بنا؟
فقال موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ: لمَّا أتَى أولياءُ القَتيلِ والذين ادَّعَوا عليهم قتلَ صاحبِهم، موسى، وقصُّوا قصتَهم عليه، أوْحَى اللهُ إليه أن يَذْبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
قالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قالوا: وما البقرةُ والقَتيلُ؟
قال: أقولُ لكم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وتقولون: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ (١).
قال أبو جعفرٍ: فقال الذين قيل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ -بعد أن عَلِموا واسْتَقَرَّ عندَهم أن الذى أمَرَهم به موسى ﵇ مِن ذلك عن أمرِ اللهِ مِن ذَبْحِ بقرةٍ، جِدٌّ وحقٌّ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
فسأَلوا موسى أن يَسْأَلَ ربَّه لهم ما كان اللهُ قد كفاهم بقولِه لهم: اذبَحوا بقرةً.
لأنه جلَّ ثناؤُه إنما أمَرهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ -أيُّ بقرةٍ شاءوا ذبْحَها، مِن غيرِ أن يَحْصُرَ لهم ذلك على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، أو صِنفٍ دونَ صنفٍ- فقالوا بجَفاءِ أخْلاقِهم وغِلَظِ طَبائِعهم وسُوءِ أفهامِهم، وتكلُّفِ ما قد وضَع اللهُ عنهم مَئُونتَه؛ تَعنُّتًا منهم لرسولِ اللهِ ﷺ، كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، مال: لما قال لهم موسى: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قالوا له يَتَعَنَّتونه: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
فلمَّا تكَلَّفوا جهلًا منهم ما تكَلَّفوا -مِن البحثِ عما كانوا قد كُفُوه مِن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها؛ تَعَنُّتًا منهم بنبيِّهم موسى، صلواتُ اللهِ عليه، بعدَ الذى كانوا أظْهَروا له مِن سُوءِ الظنِّ به فيما أخْبَرَهم عن اللهِ.
جلَّ ثناؤُه بقولِهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ - عاقَبهم ﷿ بأن خصَّ بذبحِ ما كان أمَرهم بذبحِه مِن البقرِ، على نوعٍ منها دونَ نوعٍ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه -إذ سأَلوه، فقالوا: ما هى، ما صفتُها، وما حِلْيتُها (١)؟
حَلِّها لنا لنَعْرِفَها.- قال: ﴿يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ.
يقالُ منه: فَرَضَت البقرةُ تَفْرِضُ فُروضًا، [وفرُضت] (٢).
يعنى بذلك: أسَنَّتْ.
ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): يا رُبَّ ذى ضِغْنٍ علىَّ فارِضِ له قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ (٤) يعنى بقولِه: "فارض".
قديمٌ: يَصِفُ ضِغْنًا قديمًا.
ومنه قولُ الآخَرِ (٥) لها (٦) زِجاجٌ (٧) ولَهاةٌ فارِضُ (٨) حَدْلاءُ كالوَطْبِ نَحَاهُ الماخِضُ (١) وبمثلِ الذى قلنا في تأويلِ ﴿فَارِضٌ﴾ قال المُتَأوِّلون.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾.
قال: لا كبيرةٌ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عن عِكْرمةَ -شكَّ شَريكٌ-: ﴿لَا فَارِضٌ﴾.
قال: الكبيرةُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: أخْبَرَني أبي، قال: حدَّثني عمى، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾.
الفارضُ الهَرِمةُ.
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾.
يقولُ: ليست بكبيرةٍ هَرِمةٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: الهَرِمةُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: الفارضُ الكبيرةُ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿لَا فَارِضٌ﴾ قال: الكبيرةُ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا فَارِضٌ﴾: يعنى: لا هَرِمةٌ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: الفارضُ الهَرِمةُ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: قال قَتادةُ: الفارضُ الهَرِمةُ.
يقولُ: ليست بالهَرِمةِ ولا البِكرِ، عَوانٌ بينَ ذلك (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: الفارضُ الهَرِمةُ التى لا تَلِدُ (٦).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الفارضُ الكبيرةُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾.
و"البِكْرُ" مِن إناثِ البَهائمِ وبنى آدمَ ما لم يَفْتَحِلْه الفَحْلُ، وهي مَكْسورةُ الباءِ، لم يُسْمَعْ منه "فَعَل" ولا "يَفْعَل".
وأما "البَكْرُ" بفتحِ الباءِ فهو الفَتِىُّ مِن الإبلِ.
وإنما عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ.
كما حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: صغيرةٌ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: البِكْرُ الصغيرةُ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ (٣) -: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾.
قال: الصغيرةُ (٤).
حدثَّنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: الصغيرةُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صَغيرةٌ (١).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: ولا صغيرةٌ ضَعيفةٌ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾: يعني: ولا صغيرةٌ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، مثلَه.
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ في "البكرِ": لم تَلِدْ إلا ولدًا واحدًا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿عَوَانٌ﴾.
قال أبو جعفرٍ: العَوانُ النَّصَفُ التي قد ولَدَت بَطْنًا بعدَ بطنٍ، وليست بنعتٍ للبِكْرِ.
يقالُ منه: قد عوَّنَتْ.
إذا صارت كذلك.
وإنما معنى الكلامِ: قال: إنه يَقولُ: إنها بقرةٌ لا فارضٌ ولا بكرٌ (٥)، عَوانٌ بينَ ذلك.
ولا بَجوزُ أن يَكونَ ﴿عَوَانٌ﴾ إلا مبتدأً؛ لأنَّ قولَه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ كِنايةٌ عن الفارِضِ والبِكْرِ، فلا يجوزُ أن يَكونَ مُتَقَدِّمًا عليهما.
ومنه قولُ الأخْطَلِ (٦): وما بمكةَ (١) مِن شُمْطٍ مُحَفِّلةٍ … وما بيَثْرِبَ مِن عُونٍ وأبْكارِ (٢) وجمعُها عُونٌ، يُقالُ: امرأةٌ عَوانٌ مِن نِسوةٍ عُونٍ، ومنه قولُ تَمِيمِ بنِ مُقْبِلٍ (٣): ومَأْتَمٍ (٤) كالدُّمَى حُورٍ مَدامِعُها … لم تَيْأَسِ (٥) العَيْشَ أبْكارًا ولا عُونَا و"بقرةٌ عَوانٌ"، و"بقرٌ عُونٌ".
قال: وربما قالت العربُ: "بقرٌ عُونٌ"، مثلَ "رُسُلٍ"؛ يَطْلُبون بذلك الفرقَ بينَ جمعِ "عَوانٍ" مِن البقرِ، وجمعِ "عَانَةٍ" مِن الحُمُرِ، ويقالُ: هذه حربٌ عَوانٌ.
إذا كانت حربًا قد قُوتِل فيها مرةً بعدَ مرةٍ، يُمَثَّلُ ذلك بالمرأةِ التي قد ولَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ، وكذلك يُقالُ: حاجةٌ (٦) عَوَانٌ.
إذا كانت قد قُضِيَت مرةً بعدَ مرةٍ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن ابنَ زيدٍ أنْشَدَه: قُعودٌ لَدَى الأبْوابِ طُلَّابُ حاجةٍ … عَوَانٍ مِن الحاجاتِ أو حاجةً بِكْرَا قال أبو جعفرٍ: والبيتُ للفَرَزْدقِ (٧).
وبنحوِ الذي قلْنا فى ذلك تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وَسَطٌ، قد ولَدَتْ بطنًا أو بطنَيْن (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: العَوانُ: العانِسُ النَّصَفُ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: العوانُ: النَّصَفُ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عَطِيةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أو عكرمةَ -شكَّ شَريكٌ- ﴿عَوَانٌ﴾.
قال: بينَ ذلك (٤).
حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾.
قال: بينَ الصغيرةِ والكبيرةِ، وهي أقوى ما يكونُ مِن البقرِ والدَّوابِّ، وأحسنُ ما يكونُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ الخُراسانىِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿عَوَانٌ﴾ قال: النَّصَفُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿عَوَانٌ﴾ نَصَفٌ (١).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: العَوانُ نَصَفٌ بينَ ذلك (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال.
ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن خُصَيفٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿عَوَانٌ﴾: التي (٣) تُنْتَجُ شيئًا بشرطِ [أن تَكونَ] (٤) التي قد نُتِجَت بَكْرةً أو بَكْرتَيْن.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: العَوانُ النَّصَفُ التي بينَ ذلك، التي قد وَلَدَت وولَدَ ولدُها (٥).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: العَوانُ بينَ ذلك ليست ببكرٍ ولا كبيرةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
يعني بقولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ.
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
أي: بينَ البِكْرِ والهَرِمةِ (٦).
فإن قال قائلٌ: قد علِمْتَ أن "بينَ" لا تَصْلُحُ إلا أن تَكونَ مع شيئَيْن فصاعدًا، فكيف قيل: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
و ﴿ذَلِكَ﴾ واحدٌ في اللفظِ؟
قيل: إنما صلَحَت مع كونِها واحدةً؛ لأنَّ "ذلك" بمعنى اثنين، والعربُ تَجْمَعُ في "ذلك" و"ذاك" شيئين ومعنيَيْن مِن الأفعالِ، كما يقولُ القائلُ: أَظُنُّ أخاك قائمًا، وكان عمرٌو أباك.
ثمَّ يقولُ: قد كان ذاك، وأَظُنُّ ذلك.
فيَجْمَعُ بـ"ذاك" و"ذلك" الاسمَ والخبرَ الذي كان لابد لـ "أظنُّ" (١) و"كان" منهما.
فمعنى الكلامِ: قال: إنه يقولُ: إنها بقرةٌ لا مُسِنَّةٌ هَرِمةٌ، ولا صَغيرةٌ لم تَلِدْ، ولكنها بقرةٌ نَصَفٌ قد وَلَدَت بطنًا بعدَ بطنٍ بينَ الهَرَمِ والشبابِ.
فجمَع ﴿ذَلِكَ﴾ معنى الهَرَمِ والشبابِ، لما وصَفْنا، ولو كان مكانَ "الفارِضِ والبِكْرِ" اسمَا شخصَيْن لم يُجْمَعْ مع "بينَ" "ذلك"، وذلك أن "ذلك" لا يُؤَدِّى عن اسمِ شخصين، وغيرُ جائزٍ لمَن قال: كنتُ بينَ زيدٍ وعمرٍو.
أن يقولَ: كنتُ بينَ ذلك.
وإنما يَكونُ ذلك مع أسماءِ الأفعالِ دون أسماءِ الأشخاصِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨)﴾.
يقولُ اللهُ لهم جلَّ ثناؤُه: افْعَلوا ما آمُرُكم به تُدْرِكوا حاجاتِكم وطَلباتِكم عندي، واذْبَحوا البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها، تَصِلوا -بانتهائِكم إلى طاعتى بذبحِها- إلى العلمِ بقاتلِ قَتيلِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ﴾.
ومعنى ذلك: قال قومُ موسى لموسى: ادعُ لنا ربَّك يُبَيِّنْ لنا لونَ البقرةِ التي أمَرْتَنا بذبحِها.
وهذا أيضًا تعنُّتٌ آخرُ منهم بعدَ الأولِ، وتكلُّفُ طلبِ ما قد كانوا كُفوه في المرةِ الثانيةِ والمسألةِ الآخِرةِ، وذلك أنهم لم يكونوا حُصِروا في المرةِ الثانيةِ، إذ قيل لهم بعد مسألتِهم عن حِلْيةِ البقرةِ التي كانوا أُمِروا بذبحِها، فأبَوْا إلا تكلُّفَ ما قد كُفُوه مِن المسألةِ عن صفتِها، فحُصِروا على نوعٍ دونَ سائرِ الأنواعِ؛ عقوبةً مِن اللهِ لهم على مَسألتِهم التى سأَلوها نبيَّهم ﷺ تعنُّتًا منهم له، ثمَّ لم يَحْصُرْهم على لونٍ منها دونَ لونٍ، فأبَوْا إلا تَكَلُّفَ ما كانوا عن تَكَلُّفِه أغْنِياءَ، فقالوا -تعنُّتًا منهم لنبيِّهم ﷺ كما ذكَر ابنُ عباسٍ-: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ فقيل لهم عقوبةً لهم: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ فحُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، ومعنى ذلك: أن البقرةَ التي أمَرْتُكم بذبحِها صفراءُ فاقعٌ لونُها.
قال ومعنى قولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾: أىُّ شيءٍ لونُها؟
فلذلك كان اللونُ مرفوعًا؛ لأنه مُرافَعُ "ما"، وإنما لم يُنْصَبْ "ما" بقولِه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا﴾ لأنَّ أصلَ "أىٍّ" و"ما" جمعُ مُتَفَرِّقِ الاستفهامِ.
يقولُ (١) القائلُ: بَيِّنْ لنا أسوداءُ هذه البقرةُ أم صفراءُ؟
فلما لم يَكُنْ [لقولِه: بيِّنْ لنا.
أن يقعَ على الاستفهامِ متفرِّقًا، لم يكنْ له أن يقعَ] (٢) على "أىٍّ"؛ لأنه جمعُ ذلك المتفرِّقِ، وكذلك كلُّ ما كان مِن نظائرِه، فالعملُ فيه واحدٌ في "ما" و"أىٍّ".
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ.
ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثنى أبو مسعودٍ إسماعيلُ بنُ مسعودٍ الجَحْدرىُّ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن الحسنِ: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: سوداءُ شديدةُ السَّوادِ (١).
حدَّثنى أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بنِ أبى زائدةَ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا نوحُ بنُ قيسٍ، عن محمدِ بنِ سيفٍ، عن أبى رَجاءٍ، عن الحسنِ مثلَه (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى هشامُ بنُ يونُسَ النَّهْشَلىُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن أشْعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: صفراءُ القَرنِ والظِّلْفِ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنى هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: كانت وَحْشِيَّةً (٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن إبراهيمَ، عن أبى حفصٍ، عن مَغْراءَ، أو عن رجلٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: صفراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: هى صَفْراءُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ قال: لو أخَذُوا بقرةً صَفراءَ لأَجْزَأَت عنهم (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَحْسَبُ أن الذى قال في قولِه: ﴿صَفْرَاءُ﴾: يَعْنى به سوداءَ.
ذهَب إلى قولِه (٣) في نعتِ الإبلِ السودِ: هذه إبلٌ صُفْرٌ، وهذه ناقةٌ صفراءُ.
يعْنى بها سوداءَ، وإنما قيل ذلك في الإبلِ لأن سوادَها يَضْرِبُ إلى الصُّفْرةِ، ومنه قولُ الشاعرِ (٤): تلك خَيْلِى منه (٥) وتلك رِكابِى (٦) … هن صُفْرٌ أولادُها كالزَّبِيبِ يعنى بقولِه: عن صُفْرٌ: هن سُودٌ، وذلك إن وُصِفَت الإبلُ به فليس مما تُوصَفُ به البقرُ، مع أن العربَ لا تَصِفُ السَّوادَ بالفُقوعِ، وإنما تَصِفُ السوادَ -إذا وصَفَتْه بالشِّدةِ- بالحُلوكةِ ونحوِها، فتقولُ: هو أسودُ حالكٌ وحانِكٌ وحُلْكُوكٌ، وأسودُ غِرْبيبٌ ودَجُوجىٌّ.
ولا تقولُ: هو أسودُ فاقعٌ.
وإنما تقولُ: هو أصفرُ فاقعٌ.
فوصْفُه إياه بالفُقوعِ مِن الدليل البينِ على خلافِ التأويلِ الذى تأوَّل قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ المتأوِّلُ بأن معناه سوداءُ شديدةُ السوادِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
يعنى: خالصٌ لونُها.
والفُقوعُ في الصُّفْرةِ نظيرُ النُّصُوعِ في البَياضِ، وهو شِدَّتُه وصَفاؤُه.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قَتادةُ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: هى الصافى لونُها (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
أى: صافٍ لونُها (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (٣).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَاقِعٌ﴾.
قال: نَقِىٌّ لونُها (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾: شديدةُ الصُّفْرةِ، تَكادُ مِن صُفرتِها تَبْيَضُّ (١).
قال أبو جعفرٍ: أُراه أبيضَ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
قال: شديدةٌ صفرتُها.
يقالُ منه: فقَع لونُه يَفْقَعُ، ويَفْقُعُ، فَقْعًا وفُقوعًا فهو فاقعٌ.
كما قال الشاعرُ: حمَلْتُ عليه الوَرْدَ (٢) حتى ترَكْتُه … ذَليلًا يَسُفُّ التُّرْبَ واللَّوْنُ فاقعُ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: تُعْجِبُ هذه البقرةُ، في حُسنِ خَلْقِها ومَنظرِها وهَيئتِها، الناظرَ إليها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ أى: تُعْجِبُ الناظِرِين (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وهبًا: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾: إذا نظَرْتَ إليها يُخَيَّلُ إليك أن شُعاعَ الشمسِ يَخْرُجُ مِن جلدِها (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ قال: تُعْجِبُ الناظِرِين (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله: ﴿قَالُوا﴾: قال قومُ موسى الذين أُمِروا بذبحِ البقرةِ، لموسى.
فترَك ذكرَ "موسى"، وذكَر عائدَ ذكرِه اكْتِفاءً بما دلَّ عليه ظاهرُ الكلامِ.
وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا له: ادْعُ لنا ربَّك.
فلم يَذْكُرْ "له" لما وصَفْنا.
وقولُه: ﴿يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ خبرٌ مِن اللهِ عن القومِ بجَهْلةٍ منهم ثالثةٍ، وذلك أنهم لو كانوا إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ ذبَحوا أيَّتَها تَيَسَّرَتْ مما يَقَعُ عليه اسمُ بقرةٍ كانت عنهم مُجْزِئةً، ولم يَكُنْ عليهم غيرُها، لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بصفةٍ دون صفةٍ، فلمَّا سأَلوا بيانَها بأيَّةِ صفةٍ هى، فبيَّن لهم أنها بسِنٍّ مِن الأسْنانِ دونَ سِنِّ سائرِ الأسْنانِ، فقيل لهم: هى عَوانٌ بينَ الفارِضِ والبِكْرِ الضَّرَعِ (١).
فكانوا -إذ بُيِّنَتْ لهم سنُّها- لو ذبَحوا أدْنَى بقرةٍ بالسنِّ التى بُيِّنَت لهم كانت عنهم مُجْزِئةً؛ لأنهم لم يَكُونوا كُلِّفوها بغيرِ السنِّ التى حُدَّتْ لهم، ولا كانوا حُصِروا على لونٍ منها دونَ لونٍ، فلما أبَوْا إلا أن تكونَ مُعَرَّفةً لهم بنُعوتِها، مُبَيَّنةً بحُدودِها التى تُفَرِّقُ بينَها وبينَ سائرِ بَهائمِ الأرضِ، فشدَّدوا على أنفسِهم، شدَّد (٢) اللهُ عليهم بكثرةِ سُؤالِهم نبيَّهم واختلافِهم عليه.
ولذلك قال نبيُّنا ﷺ لأُمَّتِه: "ذرَونى ما ترَكْتُكم، فإنما أُهلك مَن كان قبلَكم بكثرةِ سؤالِهم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمَرْتُكم بشيءٍ فأْتُوه، وإذا نهَيْتُكم عن شيءٍ فانْتَهُوا عنه ما اسْتَطَعْتُم" (١).
قال أبو جعفرٍ: ولكنَّ القومَ لما زادوا نبيَّهم موسى ﷺ أذًى وتَعنُّتًا، زادهم اللهُ عقوبةً وتشديدًا.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال؛ ثنا عَثَّامُ بنُ علىٍّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ بنِ عمرٍو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أخَذوا أدْنَى بقرةٍ اكْتَفَوْا بها، لكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم (٢).
حدَّثنا محمد (٣) بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، قال: سَمِعْتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لو أنَّهم أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ لأَجْزَأَت عنهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، جميعًا عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانىِّ، قال: سأَلوا وشدَّدوا، فشُدِّد عليهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، قال: لو أخَذ بنو إسرائيلَ بقرةً لأَجْزَأَت عنهم، ولولا قولُهم: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجَدُوها (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾.
قال: لو أخَذُوا بقرةً مِن هذا الوصفِ لأَجْزَأَت عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾.
قال: لو أخَذوا بقرةً صفراءَ لأجزأتْ عنهم، ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ الآية (١).
حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ بنحوِه، وزاد فيه: ولكنهم شدَّدوا فشُدِّد عليهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: لو أخَذُوا بقرةً ما كانت، أَجْزَأَت عنهم.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال لى عَطاءٌ: لو أخَذُوا أدْنَى بقرةٍ كفَتْهم.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنما أُمِرُوا بأدْنى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شَدَّدوا على أنفسِهم شدَّد اللهُ عليهم، وايْمُ اللهِ لو أنهم لم يَسْتَثْنوا ما بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ" (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: لو أن القومَ حينَ أُمِروا أن يَذْبَحوا بقرةً اسْتَعْرَضوا بقرةً مِن البقرِ فذبَحوها لكانَت إيَّاها، ولكنهم شدَّدوا على أنفسِهم، فشدَّد اللهُ عليهم، ولولا أن القومَ اسْتَثْنَوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما هُدُوا إليها أبدًا (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن نبىَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنما أُمِر القومُ بأدْنَى بقرةٍ، ولكنَّهم لما شدَّدوا على أنفسِهم شُدِّد عليهم، والذى نفسُ محمدٍ بيدِه لو لم يَسْتَثْنُوا لَمَا بُيِّنَت لهم آخرَ الأبَدِ" (١).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ في خبرٍ ذكَرَه عن أبى مالكٍ، وعن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو أَعْرَضوا (٢) بقرةً فذبَحوها لأَجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا وتعنَّتوا موسى، فشدَّد اللهُ عليهم (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: قال ابنُ عباسٍ: لو أن القومَ نظَروا أدْنى بقرةٍ -يعنى بنى إسرائيلَ- لأجزأت عنهم، ولكن شدَّدوا فشُدِّد عليهم، فاشْتَرَوها بملءِ جلدِها دَنانيرَ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لو أخَذُوا بقرةً كما أمَرَهم اللهُ كفاهم ذلك، ولكنَّ البلاءَ في هذه المسائلِ، فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾ فشُدِّد عليهم، فقال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا﴾ قال: ﴿إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِين﴾.
قال: وشُدِّد عليهم أشدَّ مِن الأولِ.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
فأبَوْا أيضًا فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾، فشُدِّد عليهم فقال: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
قال: فاضْطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يُعْلَمُ على صفتِها غيرُها، هى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الأقوالُ التى ذكَرْناها عمن ذكرناها عنه مِن الصحابةِ والتابعِين والخالِفِين بعدَهم، مِن قولِهم: إن بنى إسرائيلَ لو كانوا أخَذوا أدْنى بقرةٍ فذبَحوها أجْزَأَت عنهم، ولكنهم شدَّدوا فشدَّد اللهُ عليهم -مِن أوضحِ الدلالةِ على أن القومَ كانوا يَرَون أن حكمَ اللهِ فيما أمَر ونهَى في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه ﷺ على العمومِ الظاهرِ دونَ الخُصوصِ الباطنِ، إلا أن يَخُصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التَّنْزيلِ، كتابٌ مِن اللهِ أو رسولُ اللهِ، وأن التنزيلَ أو الرسولَ إن خصَّ بعضَ ما عمَّه ظاهرُ التنزيلِ بحكمٍ خلافِ ما دَلَّ عليه الظاهرُ، فالمخصوصُ مِن ذلك خارجٌ مِن حكمِ الآيةِ التى عمَّت ذلك الجنسَ خاصةً، وسائرُ حكمِ الآيةِ على العمومِ، على نحوِ ما قد بيَّناه في كتابِنا "كتابِ الرِّسالةِ" مِن "لطيفِ القولِ في البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"- في قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وموافقةِ قولِهم في ذلك قولَنا، ومذهبِهم مذهبَنا، وتَخْطئتِهم قولَ القائلين بالخصوصِ في الأحكامِ، وشَهادتِهم على فسادِ قولِ مَن قال: حُكمُ الآيةِ الجائيةِ مَجِئَ العمومِ على العُمومِ ما لم يُخْتَصَّ منها بعضُ ما عمَّته الآيةُ، فإن خُصَّ منها بعضٌ، فحُكمُ الآيةِ حينَئذٍ على الخصوصِ فيما خُصَّ منها، وسائرُ ذلك على العمومِ.
وذلك أن جميعَ مَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا -ممَّن عاب على (١) بنى إسرائيلَ مسألتَهم نبيَّهم ﷺ عن صفةِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها وسنِّها وحِلْيتِها- رأَوْا أنهم كانوا في مسألتِهم رسولَ اللهِ ﷺ موسى ذلك مُخْطِئِين، وأنهم لو كانوا اسْتَعْرَضوا أدْنى بقرةٍ مِن البقرِ -إذ أُمِروا بذبحِها بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فذبَحوها- كانوا للواجبِ عليهم مِن أمرِ اللهِ في ذلك مُؤَدِّين، وللحقِّ مُطِيعِين، إذ لم يَكُنِ القومُ حُصِروا على نوعٍ مِن البقرِ دونَ نوعٍ، وسنٍّ دونَ سنٍّ.
ورأَوا مع ذلك أنهم إذ سأَلوا موسى عن سنِّها، فأخْبَرَهم عنها وحصَرَهم منها على سنٍّ دونَ سنٍّ، ونوعٍ دونَ نوعٍ، وخَصَّ مِن جميعِ أنواعِ البقرِ نوعًا منها، كانوا في مسألتِهم إياه المسألةَ الثانيةَ بعد الذى خصَّ لهم من أنواعِ البقرِ، من الخطأِ على مثلِ الذى كانوا عليه من الخطأِ في مسألتِهم إياه المسألةَ الأولى.
وكذلك رَأَوْا أنهم في المسألةِ الثالثةِ على مثلِ الذى كانوا عليه مِن ذلك في الأولى والثانيةِ، وأن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الأولى استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ.
وكذلك رأَوْا أن اللازمَ كان لهم في الحالةِ الثانيةِ استعمالُ ظاهرِ الأمرِ، وذبحُ أىِّ بهيمةٍ شاءوا مما وقَع عليها اسمُ بقرةٍ عَوَانٍ لا فارضٍ ولا بِكْرٍ، ولم يَرَوْا أن حكمَهم -إذ خُصَّ لهم بعضُ البقرِ دونَ البعضِ فى الحالةِ الثانيةِ- انْتَقَل عن اللازمِ كان لهم في الحالةِ الأولى مِن استعمالِ ظاهرِ الأمرِ إلى الخصوصِ.
ففى إجماعِ جميعِهم على ما رَوَينا عنهم مِن ذلك -مع الروايةِ التى رَوَيناها عن رسولِ اللهِ ﷺ بالموافقةِ لقولِهم- دليلٌ واضحٌ على صحةِ قولِنا في العمومِ والخصوصِ، وأن أحكامَ اللهِ جل ثناؤُه في آىِ كتابِه -فيما أمَر ونهَى- على العمومِ مالم يَخُصَّ ذلك ما يَجبُ التسليمُ له، وأنه إذا خُصَّ منه شيءٌ فالمخصوصُ منه خارجٌ حكمُه مِن حكمِ الآيةِ العامةِ الظاهرِ، وسائرُ حكمِ الآيةِ على ظاهرِها العامِّ، ومُؤَيِّدٌ حقيقةَ ما قلْنا في ذلك، وشاهدٌ عَدْلٌ على فسادِ قولِ مَن خالَف قولَنا فيه.
وقد زعَم بعضُ مَن عظُمَت جَهالتُه، واشْتَدَّت حَيْرتُه، أن القومَ إنما سأَلوا موسى ما سأَلوا بعدَ أمْرِ اللهِ إياهم بذبحِ بقرةٍ مِن البقرِ؛ لأنهم ظنُّوا أنهم أُمِروا بذبحِ بقرةٍ بعينِها خُصَّت بذلك، كما خُصَّت عصا موسى في معناها، فسأَلوه أن يُحَلِّيَها لهم ليَعْرِفوها.
ولو كان الجاهلُ تدبَّر قولَه هذا، لسهُل عليه ما اسْتَصْعَب مِن القولِ، وذلك أنه اسْتَعْظَم مِن القومِ مسألتَهم نبيَّهم ما سأَلوه تَشَدُّدًا منهم في دينِهم، ثم أضاف إليهم مِن الأمرِ ما هو أعْظَمُ مما اسْتَنْكَرَه أن يَكونَ كان منهم، فزعَم أنهم كانوا يرَوْن أنه جائزٌ أن يَفْرِضَ اللهُ عليهم فرضًا ويَتَعَبَّدَهم بعبادةٍ، ثم لا يُبَيِّنَ لهم ما يَفْرِضُ عليهم ويَتَعَبَّدُهم به، حتى يَسْأَلوا بيانَ ذلك لهم، فأضاف إلى اللهِ تعالى ذكرُه ما لا يَجوزُ إضافتُه إليه، ونسَب القومَ مِن الجهلِ إلى ما لا يُنْسَبُ المجانينُ إليه، فزعَم أنهم كانوا يَسْأَلون ربَّهم أن يَفْرِضَ عليهم الفَرائضَ، فنعوذُ باللهِ مِن الحَيْرةِ، ونَسْأَلُه التوفيقَ والهِدايةَ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.
فإن البقرَ جِماعُ بقرةٍ.
وقد قرَأ بعضُهم: (إن الباقرَ) (١).
وذلك وإن كان في الكلامِ جائزًا لمَجيئِه في كلامِ العربِ وأشعارِها، كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ (٢): وما ذنبُه أن عافَتِ الماءَ باقِرٌ … وما إن تَعافُ الماءَ إلا ليُضْرَبا (٣) وكما قال أميةُ (٤): ويَسُوقون باقِرَ [السَّهْلِ للطَّوْ … دِ] (٥) مَهازِيلَ خَشْيةً أن تَبُورَا - فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به لمخالفتِه القراءةَ الجائيةَ مَجِئَ الحُجَّةِ، بنقلِ مَن لا يَجوزُ عليه -فيما نقَلوه مُجْمِعِين عليه- الخطأُ والسَّهْوُ والكذبُ.
وأما تأويلُ: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فإنه يعنى به: الْتَبَس علينا.
والقَرَأَةُ مختلفةٌ في تِلاوتِه؛ فبعضُهم كانوا يَتْلُونه: ﴿تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.
بتخفيفِ الشينِ ونصبِ الهاءِ على مثالِ "تَفَاعَلَ" ويُذَكِّرُ الفعلَ وإن كان البقرُ جِماعًا؛ لأن مِن شأنِ العربِ تَذْكيرَ كلِّ فعلِ جمعٍ كانت واحدتُه بالهاءِ، وجمعُه بطرحِ الهاءِ وتأنيثَه، كما قال اللهُ تعالى في نظيرِه في التَّذْكيرِ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠].
فذكَّر "المُنْقَعِرَ"، وهو مِن صفةِ "النخلِ" لتذكيرِ لفظِ "النخلِ".
وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧].
فأنَّث "الخاويةَ" وهى مِن صفةِ النخلِ -بمعنى النخلِ؛ لأنها وإن كانت في لفظِ الواحدِ المذكرِ -على ما وصَفْنا قبلُ- فهى جِماعُ نخلةٍ.
وكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ تَشَّابَهُ علينا) (١).
بتشديدِ الشين وضمِّ الهاءِ، فيُؤَنِّثُ الفعلَ بمعنى تأنيثِ "البقرِ"، كما قال: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
ويُدْخِلُ في أولِ "تَشَابَه" تاءً تَدُلُّ على تأنيثِها، ثم تُدْغَمُ التاءُ الثانيةُ في شينِ "تَشَابَهَ"؛ لتَقارُبِ مَخْرَجِها ومَخْرَجِ الشينِ، فتَصِيرُ شِينًا مُشَدَّدةً، وتُرْفَعُ الهاءُ بالاستقبالِ والسلامةِ مِن الجَوازمِ والنَّواصبِ.
وكان بعضُهم يَتْلُوه: (إنَّ البقَرَ يَشَّابَهُ علينا) (٢).
فيُخْرِجُ "يَشَّابَه" مُخْرَجَ الخبرِ عن الذَّكَرِ؛ لِما ذكَرْنا مِن العلةِ في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: ﴿تَشَابَهَ﴾ بالتخفيفِ، ونصبِ الهاءِ، غيرَ أنه كان يَرْفَعُه بالياءِ التى يُحْدِثُها في أولِ "تشَابَهَ" التى تأتى بمعنى الاستقبالِ، وتُدْغَمُ التاءُ في الشينِ، كما فعَله القارئُ في (تَشَّابَهُ) بالتاءِ والتشديدِ.
والصوابُ في ذلك مِن القراءةِ عندَنا: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾.
بتخفيفِ شينِ "تَشَابَهَ" ونصبِ هائِه، بمعنى "تَفَاعَلَ"، لإجماعِ الحُجُّةِ مِن القَرَأةِ على تَصْويبِ ذلك ورفعِهم (١) ما سواه مِن القراءاتِ، ولا يُعْتَرَضُ على الحُجَّةِ بقولِ مَن يَجُوزُ عليه فيما نقَل السهوُ والغَفْلةُ والخطأُ.
وأما قولُه: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾.
فإنهم عنَوْا: وإنا إن شاء اللهُ لمُبَيَّنٌ لنا ما الْتَبَس علينا وتَشَابَهَ مِن أمرِ البقرةِ التى أُمِرْنا بذبحِها.
ومعنى "اهْتِدائِهم" في هذا الموضعِ معنى "تَبَيُّنِهم" أىُّ ذلك الذى لزِمهم ذَبْحُه مما سواه مِن أجناسِ البقرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
وتأويلُ ذلك: قال موسى: إن اللهَ يقولُ: إن البقرةَ التى أمَرْتُكم بذبحِها بقرةٌ لا ذَلولٌ.
ويعنى بقولِه: ﴿لَا ذَلُولٌ﴾.
أى: لم يُذَلِّلْها العملُ.
فمعنى الآيةِ: إنها بقرةٌ لم تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ بأظْلافِها، ولا سُنِىَ عليها (٢) الماءُ، فيُسْقَى عليها الزرعُ، كما يقالُ للدابةِ التى قد ذلَّلها الركوبُ أو العملُ: دابةٌ ذَلولٌ بَيِّنةُ الذِّلِّ.
بكسر الذَّالِ، ويُقالُ في مثلِه مِن بنى آدمَ: رجلٌ ذَليلٌ بَيِّنُ الذِّلِّ والذِّلَّةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾.
يقولُ: صعبةٌ لم يُذِلَّها عملٌ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ (٣).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾.
يقولُ: بقرةٌ ليست بذَلولٍ يُزرَعُ عليها، وليْسَت تَسقى الحرثَ (١).
حدثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾.
أى: لم يُذِلَّها العملُ.
﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾.
يعنى: ليست بذَلولٍ فتُثِيرَ الأرضَ.
﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
يقولُ: ولا تَعْمَلُ (٢) في الحرثِ (٣).
حُدثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾.
يقولُ: لم يُذِلَّها العملُ، ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾.
يقولُ: تُبِينُ الأرضَ (٤) بأظْلافِها.
﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
يقولُ: ولا تعمَلُ (٢) في الحرثِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال الأعرجُ: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾.
يقولُ: ليست بذَلولٍ فتفعَلَ ذلك (٥).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ليست بذَلولٍ تُثِيرُ الأرضَ، ولا تَسْقِى الحرثَ.
ويعنى بقولِه: ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾: تَقْلِبُ الأرضَ للحرثِ، يقالُ منه: أثَرْتُ الأرضَ أُثِيرُها إثارةً، إذا قلَبتَها للزرعِ.
وإنَّما وصَفها جلَّ ثناؤُه بهذه الصفةِ؛ لأنَّها كانت -فيما قيل- وَحْشيَّةً.
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، عن الحسنِ، قال: كانت وَحْشيَّةً (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
ومعنى ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: مُفَعَّلةٌ، مِن السلامةِ، يقالُ منه: سُلِّمَتْ تُسلَّمُ فهى مُسلَّمةٌ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذى سُلِّمَت منه، فوصَفَها اللهُ بالسلامةِ منه؛ فقال مجاهدٌ بما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
يقولُ: مُسَلَّمةٌ مِن الشِّيَةِ، و ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سوادَ (٢).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
قال: مُسَلَّمةٌ من الشِّيَةِ، ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ.
وقال آخَرون: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
أى: مُسلَّمةٌ مِن العيوبِ (١).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
يقولُ: لا عيبَ فيها (٢).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
يعنى: مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ (٣).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثلِه (٤).
حَدَّثَنَا القاسِمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنَي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: قولُه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: لا عَوارَ فيها (٥).
والذي قاله ابنُ عباسٍ وأبو العاليةِ ومن قال بمثلِ قولِهما في تأويلِ ذلك، أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مما قاله مجاهدٌ؛ لأنَّ سَلامَتَها لو كانت مِن سائرِ أنواعِ الألوانِ سِوَى لونِ جلدِها، لكان في قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
مُكْتَفًى عن قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
وفى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾، ما يُوَضِّحُ عن أن معنى قولِه: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾.
غيرُ معنى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
وإذ كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ أنه يقولُ: إنها بقرةٌ لَمْ تُذَلِّلْها إثارةُ الأرضِ وقَلْبُها للحِراثةِ ولا السُّنُوُّ عليها للمزَارعِ، وهى مع ذلك صحيحةٌ مُسَلَّمةٌ مِن العيوبِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
يعنى بقولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: لا لونَ فيها يُخالِفُ لونَ جلدِها.
وأصلُه مِن: وَشْىِ الثوبِ.
وهو تحسينُ عُيوبِهِ التى تَكونُ فيه بضُروبٍ مختلفةٍ مِن ألوانِ سَدَاه ولُحْمتُه، يقالُ منه: وَشَيْتُ الثوبَ فأنا أَشِيه شِيَةً ووَشْيًا.
ومنه قيل للساعى بالرجلِ إلى السلطانِ أو غيرِه: واشٍ.
لكذبِه عليه عندَه وتحسينِه كذبَه بالأباطيلِ، يقالُ منه: وشَيْتُ به إلى السلطانِ وِشايةً.
ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ (١): تَسْعَى الوُشَاةُ بجنْبَيها (٢) وقولُهمُ … إنك يا بنَ أبى سُلْمَى لَمَقْتولُ والوُشاةُ جمع واشٍ، يعنى أنهم يَتقوَّلون بالأباطيلِ، ويُخبِرُونه أنه إن لحِق بالنبيِّ ﷺ قتَلَه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن الوَشْىَ العلامةُ.
وذلك لا معنى له، إلَّا أن يكونَ أراد بذلك تحسينَ الثوبِ بالأعْلامِ؛ لأنه معلومٌ أن القائلَ: وشَيْتُ بفلانٍ إلى فلانٍ.
غيرُ جائزٍ أن يُتوهَّمَ عليه أنه أراد: جعَلْتُ له عندَه علامةً.
وإنما قيل: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
وهى مِن: وَشَيْتُ؛ لأنَّ الواوَ لما أُسقِطَت مِن أولِها أُبدِلَتْ مكانَها الهاءُ في آخرِها، كما قيل: وزَنْتُه زِنةً و [وَسَيْتُه سِيَةً] (٣)، ووَعَدْتُه عِدَةً، وودَيْته دِيَةً.
وبمثلِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال أهلُ التأويلِ.
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
أى: لا بياضَ فيها (١).
حَدَّثَنَا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، مثلَه (٢).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
يقولُ: لا بَياضَ فيها (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهِدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
أى: لا بياضَ فيها ولا سَوادَ (٤).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أبيه، عن عطيةَ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
قال: لونُها واحدٌ، ليس فيها لونٌ سِوَى لونِها (٥).
حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: مِن بياضٍ ولا سوادٍ ولا حُمرةٍ (١).
حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾: هى صفراءُ ليس فيها بياضٌ ولا سوادٌ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾.
يقولُ: لا بياضَ فيها (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
اختَلف أهلُ التَّأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
فقال بعضُهم: معنى ذلك: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ فتبَيَّنَّاه، [وعرَفْنا أيَّةَ بقرةٍ عَنيتَ] (٣).
وممَّن قال ذلك قتادةُ: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
أى: الآن بيَّنتَ لنا (٤).
وقال بعضُهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن القومِ أنهم نسَبوا نبيَّ اللهِ موسى صلواتُ اللهِ عليه إلى أنه لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهم بالحقِّ في أمرِ البقرةِ قبلَ ذلك.
وممَّن رُوِى عنه معنى هذا القولِ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: اضطُرُّوا إلى بقرةٍ لا يَعْلَمون على صفتِها غيرَها، وهى صفراءُ ليس فيها سَوادٌ ولا بياضٌ، فقالوا: هذه بقرةُ فلانٍ، ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
وقبلَ ذلك واللهِ قد جاءَهم بالحقِّ (١).
وأولى التأويلين عندَنا بقولِه: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
قولُ قتادةَ، وهو أن تأويلَه: الآن بيَّنتَ لنا الحقَّ في أمرِ البقرِ (٢)، فعرَفْنا أيُّها (٣) الواجبُ علينا ذبحُها منها؛ لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخبَر عنهم أنهم قد أطاعوه، فذبَحوها بعد قِيلِهم هذا مع غِلَظِ مؤنةِ ذبحِها عليهم وثِقَلِ أمْرِها، فقال: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وإن كانوا قد قالوا -بقولِهم: الآن بيَّنْتَ لنا الحقَّ- هُراءً (٤) مِن القولِ، وأتَوْا خطأً وجهلًا مِن الأمرِ، وذلك أن نبيَّ اللهِ موسى ﷺ كان مُبَيِّنًا لهم -في كلِّ مسألةٍ سأَلوها إياه، وردٍّ (٥) رادُّوه في أمرِ البقرةِ- الحقَّ، وإنما يُقالُ: الآن بَيَّنْتَ لنا الحقَّ لمن لَمْ يَكُنْ مُبَيِّنًا قبلَ ذلك، فأما مَن كان كلُّ قِيلِه -فيما أبان عن اللهِ تعالى ذكْرُه- حقًّا وبيانًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ له في بعضِ ما أبان عن اللهِ في أمرِه ونهيِه، وأدَّى عنه إلى عبادِه مِن فرائضِه التى أوجَبها عليهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
كأنَّه لم يَكُنْ جاءهم بالحقِّ قبلَ ذلك.
وقد كان بعضُ مَن سلَف يَزعُمُ أن القومَ ارْتَدُّوا عن دينِهم، وكفَروا بقولِهم لموسى: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾.
ويَزعُمُ أنهم نفَوْا أن يكونَ موسى أتاهم بالحقِّ في أمْرِ البقرةِ قبلَ ذلك، وأن ذلك مِن فعْلِهم وقِيلِهم كفرٌ.
وليس الذى قال مِن ذلك عندَنا كما قال؛ لأنهم أذْعَنوا بالطاعةِ بذبحِها، وإن كان قيلُهم الذى قالوه لموسى جَهْلةً منهم وهَفْوَةً مِن هَفَواتِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾: فذبَح قومُ موسى البقرةَ التى وصَفها اللهُ لهم، وأمَرهم بذبحِها.
ويعنى بقولِه: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
أى: قارَبوا أن يَدَعوا ذبْحَها، ويترُكوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذلك.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه كادوا أن يُضِيعوا فرْضَ اللهِ عليهم في ذبحِ ما أمَرهم بذبحِه مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك السببُ كان غلاءَ ثمنِ البقرةِ التى أُمِروا بذبحِها، وبُيِّنَت لهم صفتُها.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو معشرٍ المدنيُّ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ في قولِه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: لغلاءِ ثمنِها (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُبيدٍ الهِلاليُّ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ الخطابِ، قال: ثنا أبو معشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيُّ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
قال: مِن كثرةِ قيمتِها.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: أخبَرنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -في حديثٍ فيه طُولٌ، ذكَر أن حديثَ بعضِهم دخَل في حديثِ بعضٍ- قولَه: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾: لكثرةِ الثمنِ، أخَذوها بمِلْءِ مَسْكِها ذهبًا مِن مالِ المقتولِ، فكان سَواءً، لَمْ يَكُنْ فيه فَضْلٌ فذبَحوها (١).
حُدِّثتُ عن المنجابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
يقولُ: كادوا لا يَفعَلون، ولم يَكُنِ الذى أرادوا؛ لأنهم أرادوا أَلَّا يَذْبَحُوها، وكلُّ شيءٍ في القرآن "أَكادُ (٢) " و (٣) "كادوا" و (٣) "لو"، فإنه لا يكونُ، وهو مثلُ قولِه: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ (٤) [طه: ١٥].
وقال آخَرون: لَمْ يكادوا أن يفعَلوا ذلك، خوفَ الفضيحةِ إن أطْلَع اللهُ على قاتلِ القتيلِ الذى اختَصَموا فيه إلى موسى.
والصوابُ مِن التَّأْويلِ عندَنا أن القومَ لَمْ يكادوا يفعَلون ما أمَرهم اللهُ به مِن ذبحِ البقرةِ للخَلَّتين كلتيهما؛ إحداهما: غَلاءُ ثَمنِها مع ما ذُكِر لنا من صِغَرِ خطَرِها وقلةِ قيمتِها.
والأخرى: خوفُ عظيمِ الفضيحةِ على أنفسِهم بإظهارِ اللهِ نبيَّه موسى صلواتُ اللهِ عليه وأتباعَه على قاتلِه (٥).
فأما غلاءُ ثَمنِها فإنه قد رُوِى لنا فيه ضُروبٌ مِن الرِّواياتِ.
فحَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: اشترَوْها بوزنِها عشْرَ مراتٍ ذهبًا، فباعَهم صاحبُها (١) إياها وأخَذ ثَمنَها (٢).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَي، قال: ثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: اشترَوْها بمِلْءِ جلدِها دنانيرَ.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهِدٍ، قال: كانت البقرةُ لرجلٍ يَبَرُّ أُمَّه، فرزَقه اللهُ أن جعَل تلك البقرةَ له، فباعَها بمِلْءِ جلدِها ذهبًا (٣).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي خالدُ بنُ يزيدَ، عن مجاهِدٍ، قال: أعْطَوْا صاحبَها مِلْءَ مَسْكِها ذهبًا، فباعَها منهم.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ (٤) عبدِ الكريمِ، قال: حَدَّثَني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبًا يقولُ: اشترَوْها منه على أن يَمْلَئوا له جلدَها دنانيرَ، ثم ذبَحوها فعمَدوا إلى جلدِ البقرةِ فملئوه دنانيرَ، ثم دفَعوها إليه.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ (٥)، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّى (٦)، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: وجَدوها عندَ رجلٍ يزعُمُ أنه ليس بائعَها بمالٍ أبدًا، فلم يَزالوا به حتى جعَلوا له أن يَسْلُخوا له مَسْكَها، فيملئوه له دنانيرَ، فرضِى به فأعْطاهم إياها (١).
حَدَّثَنِي المُثَّني، قال: ثنا آدمُ، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: لَمْ يجِدُوها إلَّا عندَ عَجوزٍ، وإنها سألتْهم أضعافَ ثمنِها، فقال لهم موسى: أعْطُوها رِضاها وحُكْمَها.
ففعَلوا، واشترَوْها فذبَحوها (٢).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: لَمْ يَجِدوا هذه البقرةَ إلَّا عندَ رجلٍ واحدٍ، فباعَها بوزنِها ذهبًا -أو مِلْءِ مَسْكِها ذهبًا- فذبَحوها (٣).
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلْمانِيِّ، قال: وجَدوا البقرةَ عندَ رجلٍ، فقال: إنى لا أَبِيعُها إلَّا بمِلءِ جلدِها ذهبًا.
فاشتَرَوْها بمِلءِ جلدِها ذهبًا.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: جعَلوا يَزِيدون صاحبَها حتى ملئوا له مَسْكَها -وهو جلدُها- ذهبًا.
وأما صِغَرُ خَطَرِها وقلةُ قيمتِها، فإن الحسنَ بنَ يحيى حَدَّثَنَا، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سُوقةَ، عن عكرمةَ، قال: ما كان ثمنُها إلَّا ثلاثةَ دنانيرَ (٤).
وأما ما قلْنا مِن خوفِهم الفضيحةَ على أنفسِهم، فإن وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ كان يقولُ: إن القومَ إذ أُمِروا بذبحِ البقرةِ إنما قالوا لموسى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
لعِلْمِهم بأنهم سيَفتضِحون إذا ذُبِحَت، فحادُوا عن ذبحِها.
حُدِّثْتُ بذلك عن إسماعيلَ بنِ عبدِ الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بنِ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بنِ مُنَبِّهٍ.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن القومَ بعدَ أن أحْيَا اللهُ الميتَ فأخبَرهم بقاتلِه، أنْكَرَت قَتَلَتُه قَتْلَه، فقالوا: واللهِ ما قتَلْناه.
بعدَ أن رَأَوُا الآيةَ والحقَّ.
حَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: واذْكُروا يا بنى إسرائيلَ إذ قتَلْتُم نفسًا.
والنفسُ التى قتَلوها هى النفسُ التى ذكَرْنا قصتَها في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وقولُه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
يعنى: فاختَلَفْتُم وتنازَعْتُم.
وإنما هو: فتَدارَأتُم فيها.
على مثالِ "تَفاعَلْتُم"، مِن الدَّرْءِ، والدَّرْءُ العِوَجُ.
ومنه قولُ أبى (٢) النَّجْمِ العِجْليِّ: خَشْيةَ طغّامٍ إذا هَمَّ جَسَرْ يَأْكُلُ ذا الدَّرْءِ ويُقْصِى مَن حَقرْ يعنى ذا العِوَجِ والعُسْرِ، ومنه قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجّاجِ (٣): أدْرَكْتُها قُدّامَ كلِّ مِدْرَهِ (١) بالدَّفْعِ عنى دَرْءَ كلِّ عُنْجُهِ (٢) ومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المقدامِ، عن إسرائيلَ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن مجاهدٍ، عن السائبِ، قال: جاءنِي عثمانُ وزهيرٌ ابنا أميةَ (٣)، فاسْتَأْذَنا لى على رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أنا أعْلَمُ به منكما، ألم تَكُنْ شَرِيكى في الجاهليةِ؟
" قلتُ: نعم، بأبى أنت وأمي، فنِعْم الشَّريكُ، كنتَ لا تُمارِى ولا تُدارِى (٤).
يعنى بقولِه: لا تُدارِى.
لا تخالِفُ رفيقَك وشريكَك ولا تُنازِعُه ولا تُشارُّه (٥).
وإنما أصلُ ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾: فتدَارَأْتُمْ.
ولكنَّ التاءَ قريبةٌ (٦) مِن مَخرجِ الدالِ - وذلك أن مَخرجَ التاءِ مِن طرفِ اللسانِ وأصولِ الثَّنيَّتَيْنِ (١)، ومَخرجَ الدالِ مِن طرفِ اللسانِ وأطرافِ الثَّنيَّتَيْنِ - فأُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مُشدَّدةً، كما قال الشاعرُ (٢): تُولِى الضَّجِيعَ إذا ما اسْتافَها (٣) خَصِرًا (٤) … عَذْبَ المَذَاقِ إذا ما اتَّابَعَ القُبَلُ يُرِيدُ: إذا ما تَتَابَعَ القُبَلُ.
فأدْغَم إحدى التاءَيْن في الأخرى.
فلما أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فجُعِلَت دالًا مثلَها سكَنَت، فجلَبوا (٥) ألفًا ليَصِلوا إلى الكلامِ بها، وذلك إذا كان قبلَه شيءٌ؛ لأنَّ الإدْغامَ لا يَكونُ إلَّا وقبلَه شيءٌ، ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٣٨].
إنما هو: تَدَارَكوا.
ولكنَّ التاءَ منها أُدْغِمَت في الدالِ، فصارَت دالًا مُشَدَّدةً، وجُعِلَت فيها ألفٌ -إذا وُصِلَت بكلامٍ- قبلَها ليَسْلَمَ الإدغامُ.
وإذا لَمْ يَكُنْ قبلَ ذلك ما يُواصِلُه، وابْتُدِئَ به، قيل: تَدَاركوا وتَثاقَلوا.
فأظهَروا الإدغامَ.
وقد قيل: يقالُ: ادَّارَكوا وادَّارَأوا.
وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾: فتدافَعْتُم فيها.
مِن قولِ القائلِ: درَأْتُ هذا الأمرَ عنى.
ومِن قولِ اللهِ: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨].
بمعنى: يَدفَعُ عنها العذابَ.
وهذا قولٌ قريبُ المعنى مِن القولِ الأولِ؛ لأنَّ القومَ إنما تَدافَعوا قَتْلَ قَتيلٍ، فانْتَفَى كلُّ فريقٍ منهم أن يكونَ قاتِلَه، كما قد بيَّنَّا قبلُ فيما مضَى مِن كتابِنا هذا (١).
وبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال.
حَدَّثَنِي عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
قال: اختَلَفتُم فيها.
حَدَّثَنَا المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
قال بعضُهم: أنتم قتَلتُموه.
وقال الآخَرون: أنتم قتَلتُموه (٣).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾.
قال: اختَلفتُم، وهو التنازُعُ؛ تَنَازَعوا فيه.
قال: قال هؤلاء: أنتم قتلتموه.
وقال هؤلاء: لا (٣).
وكان تدارُؤُهم في النفسِ التى قتَلُوها كما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ البقرةِ رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ، قتَله رجلٌ، فألْقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين، فجاء أوْلياءُ المقتولِ فادَّعَوْا دمَه عندَهم، [فانتفَوْا - أو انتَفَلوا] (٤) - منه (٥).
شكَّ أبو عاصمٍ.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه سواءً، إلا أنه قال: فادَّعَوْا دمَه عندَهم فانتَفَوْا.
ولم يَشُكَّ فيه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قَتيلٌ كان في بنى إسرائيلَ، فقذَف كلُّ سِبْطٍ منهم، حتى تَفاقَم بينَهم الشرُّ، حتى تَرافَعوا في ذلك إلى نبىِّ اللهِ ﷺ، فأوحَى اللهُ إلى موسى أن اذْبَحْ بقرةً، فاضْرِبْه ببعضِها، فذُكر لنا أن وليَّه الذى كان يَطلُبُ بدمِه هو الذى قتَله مِن أجلِ ميراثٍ كان بينَهم (٢).
حدَّثنى ابنُ سعدٍ، [قال: حدثنى أبى] (٣)، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ (٤) في شأنِ البقرةِ: وذلك أن شيخًا مِن بنى إسرائيلَ على عهدِ موسى كان مُكْثِرًا مِن المالِ، وكان بنو أخيه فُقراءَ لا مالَ لهم، وكان الشيخُ لا ولدَ له، وكان (٥) بنو أخيه ورَثَتَه، فقالوا: ليت عمَّنا قد مات فورِثْنا مالَه.
وإنه لما تَطاوَل عليهم ألا يموتَ عمُّهم أتاهم الشيطانُ، فقال: هل لكم إلى أن تَقتُلوا عمَّكم فتَرِثوا مالَه، وتُغرِموا أهلَ المدينةِ التى لسْتُم بها دِيَتَه؟
-وذلك أنهما كانتا مدينتَيْن كانوا في إحداهما، فكان القتيلُ إذا قُتِل وطُرِح (٦) بينَ المدينتَيْن، قِيس ما بينَ القَتيلِ وما بينَ المدينتَيْن، فأيُّهما كانت أقربَ إليه غَرِمَتِ الديةَ- وأنهم لما سوَّل لهم الشيطانُ ذلك، وتطاوَلَ عليهم ألا يموتَ عمُّهم، عَمَدوا إليه فقتَلوه، ثم عمَدوا فطرَحوه على بابِ المدينةِ التى ليسوا فيها، فلمّا أصبَح أهلُ المدينةِ جاء بنو أخى الشيخِ، فقالوا: عمُّنا قُتِل على بابِ مدينتِكم (٧)، فواللهِ لَتَغْرَمُنَّ لنا دِيَةَ عمِّنا.
فقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما قتَلْنا، ولا علِمْنا قاتلًا، ولا فتَحْنا بابَ مدينتِنا منذُ أغلِقَ حتى أصبَحْنا.
وإنهم عمَدوا إلى موسى، فلمّا أَتَوْا قال بنو أخى الشيخ: عمُّنا وجَدناه مقتولًا على بابِ مدينتِهم.
وقال أهلُ المدينةِ: نُقسِمُ باللهِ ما قتَلْناه، [ولا علِمنا قاتلًا] (١)، ولا فتَحْنا بابَ المدينةِ مِن حينَ أغلَقْناه حتى أصبَحْنا.
وأن جبريلَ جاء بأمرِ ربِّنا السميعِ العليمِ إلى موسى، فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ فتَضْرِبوه ببعضِها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا حسينٌ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، وحجاجٌ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ ومحمدِ بنِ قيسٍ -دخَل حديثُ بعضِهم في حديثِ بعضٍ- قالوا: إن سِبْطًا مِن بنى إسرائيل لمَّا رَأَوْا كثرةَ شُرورِ الناسِ بَنَوْا مدينةً فاعتزَلوا شُرُورَ الناسِ، فكانوا إذا أمسَوْا لم يترُكوا أحدًا منهم خارجًا إلّا أدخَلوه، وإذا أصبَحوا قام رئيسُهم فنظَر وتشرَّف (٣)، فإذا لم يَرَ شيئًا فتَح المدينةَ فكانوا مع الناسِ حتى يُمْسوا، وكان رجلٌ مِن بنى إسرائيلَ له مالٌ كثيرٌ، ولم يكن له وارثٌ غيرُ ابنِ (٤) أخيه، فطال عليه حياتُه، فقتَله ليَرِثَه، ثم حمَله فوضَعه على بابِ المدينةِ، ثم كَمَن في مكانٍ هو وأصحابُه، قال: فتشرَّف رئيسُ المدينةِ على بابِ المدينةِ فنظَر فلم يَرَ شيئًا، ففتَح البابَ، فلمَّا رأى القتيلَ رَدَّ البابَ فناداه [ابنُ أخى] (٥) المقتولِ وأصحابُه: هيهاتَ!
قتلتُموه ثم تَرُدُّون البابَ.
وكان موسى لمَّا رأى القَتْلَ كثيرًا في أصحابِه بنى إسرائيلَ، كان إذا رأى القتيلَ بين ظَهْرَىِ القومِ أخذَهم.
فكاد يكونُ بينَ أخى المقتولِ وبين أهلِ المدينةِ قتالٌ، حتى لبِس الفريقان السلاحَ، ثم كفَّ بعضُهم عن بعضٍ، فأتَوْا موسى فذكَروا له شأنَهم، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن هؤلاء قتَلوا قتيلًا ثم ردُّوا البابَ.
وقال أهلُ المدينةِ: يا رسولَ اللهِ، قد عرَفْتَ اعتزالَنا الشرورَ، وبنَيْنا مدينةً -كما رأيتَ- نعتزِلُ شرورَ الناسِ، ما قتَلْنا ولا عَلِمْنا قاتلًا، فأوحَى اللهُ تعالى ذِكْرُه إليه أن يذبَحوا بقرةً، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان في بنى إسرائيل رجلٌ عقيمٌ وله مالٌ كثيرٌ، فقتَله ابنُ أخٍ له، فجرَّه فألقاه على بابِ ناسٍ آخَرِين (٢)، ثم أصبَحوا فادَّعاه عليهم حتى تسلَّح هؤلاء وهؤلاء، فأرادوا أن يَقتَتِلوا، فقال ذَوُو النُّهَى منهم: أتقتَتلون وفيكم نبىُّ اللهِ؟
فأمسَكوا حتى أَتَوْا موسى، فقصُّوا عليه القصةَ، فأمرَهم أن يَذبَحوا بقرةً فَيَضْرِبوه ببعضِها، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾.
قال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قتيلٌ مِن بنى إسرائيلَ طُرِح في سِبْطٍ مِن الأسباطِ فأتَى أهلُ ذلك السِّبْطِ إلى ذلك السبطِ، فقالوا: أنتم واللهِ قتلتُم صاحبَنا.
فقالوا: لا واللهِ.
فأتَوْا إلى موسى فقالوا: هذا قَتيلُنا بين أظهُرِهم، وهم واللهِ قتَلوه.
فقالوا: لا واللهِ يا نبيَّ اللهِ، طُرِح علينا.
فقال لهم موسى ﷺ: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (١).
قال أبو جعفرٍ: فكان اختلافُهم وتنازعُهم وخصامُهم بينَهم في أمرِ القتيلِ الذى ذكرْنا أمْرَه على ما رَوَيْنا عن علمائِنا مِن أهلِ التأويلِ، هو الدَّرْءُ الذى قال اللهُ جلَّ ثناؤه لذُرِّيَّتِهم وبقايا أولادِهم: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: واللهُ مُعْلِنٌ ما كنتم تُسِرُّونه مِن قَتْلِ القتيلِ الذى قتَلتم ثم ادَّارَأْتُم فيه.
ومعنى "الإخراجِ" في هذا الموضعِ: الإظهارُ والإعلانُ لمن خفِى ذلك عنه، وإطْلاعُهم عليه، كما قال اللهُ تعالى ذكره: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥].
يعنى بذلك: يُظْهِرُه ويُطْلِعُه مِن مَخْبَئِه بعدَ خَفائِه.
والذى كانوا يَكْتُمونه فأخرَجه، هو قَتْلُ القاتلِ القتيلَ، كما كتَم ذلك القاتلُ ومَن علِمه ممَّن شايَعه على ذلك حتى أظهرَه اللهُ وأخرَجه، فأعَلن أمْرَه لمَن لا يَعلمُ أمْرَه.
وعنَى جلَّ ذكرُه بقوله: ﴿تَكْتُمُونَ﴾: تُسِرُّون وتُغَيِّبون.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال: تُغَيِّبون (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: ما كنتم تُغَيِّبون.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.
يعنى جلَّ ذكرُه بقولهِ: ﴿فَقُلْنَا﴾: لقومِ موسى الذين ادَّارَءوا في القتيلِ - الذى قد تقدَّم وَصْفُنا أمْرَه-: اضرِبوا القتيلَ.
والهاءُ التى في قوله: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ مِن ذِكْرِ القتيلِ، ﴿بِبَعْضِهَا﴾ أى: ببعضِ البقرةِ التى أمرَهم اللهُ بذبْحِها فذبَحوها.
ثم اختَلف العلماءُ في البعض الذى ضُرِب به القتيلُ مِن البقرةِ، وأىِّ عُضْوٍ كان ذلك منها؛ فقال بعضُهم: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ القتيلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، في مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفخِذِ البقرةِ فقام حيًّا، فقال: قتلنى فلانٌ.
ثم عاد في مِيتَتِه (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرِب بفَخِذِ البقرةِ.
ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن عكرمةَ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.
قال: [بفخِذِها، فلمَّا ضُرِب بها] (٢) عاش وقال: قتلنى فلانٌ.
ثم عاد إلى حالِه (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن مجاهدٍ، قال: ضُرب بفخِذِها الرجلُ فقام حيًّا، فقال: قتَلنى فلانٌ.
ثم عاد في مِيتَتِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال أيوبُ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ضرَبوا المقتولَ ببعضِ لحمِها.
وقال معمرٌ: قال قتادةُ: ضرَبوه بلحمِ الفخِذِ فعاش، فقال: قتَلنى فلانٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أنهم ضرَبوه بفخِذِها فأحياه اللهُ، فأنبأ بقاتلِه الذى قتَله وتكلَّم، ثم مات (٢).
وقال آخَرون: الذى ضُرب به منها هو البَضْعةُ (٣) التى بين الكَتِفَيْنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾: فضرَبوه بالبَضْعةِ التى بين الكتفينِ فعاش، فسألوه: مَن قتَلك؟
فقال لهم: ابنُ أخى (٤).
وقال آخَرون: الذى أُمِرُوا أن يَضرِبوه به منها عظمٌ مِن عظامِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: أمرَهم موسى أن يأخذوا عظمًا منها فيَضْرِبوا به القتيلَ، ففعَلوا، فرجَع إليه رُوحُه، فسمَّى لهم قاتلَه ثم عاد ميتًا كما كان، فأُخذ قاتلُه -وهو الذى أتَى موسى فشكا إليه- فقتَله اللهُ على أسْوأِ عَمَلِه (٥).
وقال آخَرون بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ضرَبوا الميتَ ببعضِ آرابِها (١)، فإذا هو قاعدٌ، قالوا: مَن قتَلك؟
قال: ابنُ (٢) أخى.
قال: وكان قتَله وطرَحه (٣) على ذلك السِّبْطِ، أراد أن يَأخُذَ دِيَتَه (٤).
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه عندنا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.
أن يقالَ: أمرَهم اللهُ جلَّ ثناؤه أن يَضرِبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ لِيَحْيا المضروبُ.
ولا دَلالةَ في الآيةِ، ولا خبرَ تقومُ به حُجَّةٌ، على أيِّ أبعاضِها التى أُمر القومُ أن يَضرِبوا القتيلَ به.
وجائزٌ أن يكونَ الذى أُمروا أن يَضرِبوه به هو الفَخِذَ، وجائزٌ أن يكونَ ذلك الذَّنَبَ وغُضْروفَ الكَتِفِ وغيرَ ذلك مِن أبعاضِها.
ولا يَضُرُّ الجهلُ بأىِّ ذلك ضرَبوا القتيلَ، ولا ينفَعُ العلمُ به، مع الإقرارِ بأن القومَ قد ضرَبوا القتيلَ ببعضِ البقرةِ بعدَ ذَبْحِها، فأحياه اللهُ.
فإن قال قائلٌ: وما كان معنى الأمرِ بضرْبِ القتيلِ ببعضِها؟
قيل: لِيَحْيا فَيُنْبِئَ نبيَّ اللهِ موسى ﷺ والذين ادَّارءوا فيه مَن قاتِلُه.
فإن قال قائلٌ: وأين الخبرُ عن أن (٢) اللهَ جلَّ ثناؤه أمرَهم بذلك لذلك؟
قيل: تُرك ذلك اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكر مِن الكلامِ الدالِّ عليه، نحوَ الذى ذكَرْنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى.
ومعنى الكلامِ: فقُلْنا: اضْرِبوه ببعضِها لِيَحْيا.
فضرَبوه فحَيى -كما قال جل ثناؤه: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣].
والمعنى: فضُرب فانفَلَق- يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾.
وقولُه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتَى﴾.
مُخاطبةٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين، واحتجاجٌ منه على المشركين المكذِّبين بالبعثِ، [وأمرُهم بالاعتبارِ] (١) بما كان منه جل ثناؤه مِن إحياءِ قتيلِ بني إسرائيلَ بعد مَماتِه في الدنيا، فقال لهم تعالى ذكرُه: أيُّها المكذِّبون بالبعثِ بعد المماتِ، اعتَبِروا بإحيائى هذا القتيلَ بعد مَماتِه، فإنى كما أحييتُه في الدنيا فكذلك أُحْيِى الموتى بعد مماتِهم، فأبعثُهم يومَ البعثِ.
فإنما احتجَّ جل ذكرُه بذلك على مُشْرِكى العربِ وهم قومٌ أُمِّيُّون لا كتابَ لهم؛ لأن الذين كانوا يعلَمون علْمَ ذلك مِن بني إسرائيلَ كانوا بين أظهُرِهم وفيهم نزلتْ هذه الآياتُ، فأخبَرهم جل ذكرُه بذلك ليتعرَّفوا عِلْمَ مَن قِبَلَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.
يعنى جلَّ ذِكْرُه: ويُرِيكم اللهُ أيُّها الكافرون المُكذِّبون بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ مِن آياتِه -وآياتُه: أعلامُه وحُجَجُه الدالَّةُ على نُبُوتِه- لِتَعْقِلوا وتَفْهَموا أنه مُحِقٌّ صادقٌ فتؤمنوا به وتتَّبِعوه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يعنى بذلك كُفَّارَ بني إسرائيلَ، وهم -فيما ذُكر- بنو أخى المقتولِ، فقال لهم: ثم قسَتْ قلوبُكم.
أي: جَفَتْ وغلُظتْ وعَسَتْ، كما قال الراجزُ (١): وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسا لُدَّتى (٢) يُقالُ: قسا وعسا وعتا، بمعنًى واحدٍ، وذلك إذا جفا وغلُظ وصلُب.
يُقالُ منه: قسا قلبُه يَقسُو قَسْوًا وقَسوةً وقَساوةً وقَساءً.
ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بعدِ أن أحيا المقتولَ لهم الذى ادَّارءوا في قتْلِه، فأخبرَهم بقاتلِه، وما السببُ الذى مِن أجْلِه قتَله.
كما قد وصَفْنا قبلُ على ما جاءت به (٣) الآثارُ والأخبارُ، وفصَل اللهُ تعالى ذكرُه بخبرِه بين المُحِقِّ منهم والمُبْطِلِ.
وكانت قساوةُ قلوبِهم التى وصَفهم اللهُ بها أنهم -فيما بلَغَنا- أنكَروا أن يَكُونوا هم قتَلوا القتيلَ الذى أحياه اللهُ، فأخبَر بني إسرائيلَ بأنهم كانوا قَتَلَتَه بعدَ إخبارِه إيّاهم بذلك، وبعدَ مِيتَتِه الثانيةِ.
كما حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا ضُرِب المقتولُ ببعضِها -يعنى ببعضِ البقرةِ- جلَس حيًّا (٤)، فقِيل له: مَن قتَلك؟
فقال: بنو أخى قتَلونى.
ثم قُبِض، فقال بنو أخيه حينَ قُبِض: واللهِ ما قتَلْناه.
فكذَّبوا بالحقِّ بعدَ إذ رأَوْه، فقال اللهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: يعنى بني أخى الشيخِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾.
يقولُ: مِن بعدِ ما أراهم اللهُ مِن إحياءِ الموتى، وبعدَ ما أراهم مِن أمْرِ القَتيلِ ما أراهم، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١).
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: من بعدِ هذه الآيةِ، ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (٢).
[حدَّثنى المثنَّى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
يعنى بقولِه: ﴿فَهِىَ﴾.
قلوبَكم، يقولُ: ثم صلُبتْ قلوبُكم -بعدَ إذ رأيتُم الحقَّ فتبيَّنْتُموه وعَرَفْتُموه- عن الخُضوعِ له والإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليكم، فقلوبُكم كالحجارةِ صلابةً ويُبْسًا، وغِلَظًا وشِدَّةً، أو أشدُّ صلابةً -يعنى قلوبَكم- عن الإذعانِ لواجبِ حقِّ اللهِ عليهم، والإقرارِ له باللازمِ مِن حقوقِه لهم من الحجارةِ.
فإن سأل سائلٌ فقال: وما وجهُ قولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ و"أوْ" عند أهلِ العربيةِ إنما تأتى في الكلامِ لمعنى الشكِّ، واللهُ تعالى جل ذكرُه غيرُ جائزٍ في خبرِه الشكُّ؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمْتَه مِن أنه شكٌّ مِن اللهِ جل ذكرُه فيما أَخبَر عنه، ولكنه خبرٌ منه عن قلوبهم القاسيةِ أنها -عند عبادِه الذين هم أصحابُها الذين كذَّبوا بالحقِّ بعد ما رأوُا العظيمَ مِن آياتِ اللهِ- كالحجارةِ قسوةً أو أشدُّ مِن الحجارةِ عندهم وعند مَن عرَف شأنَهم، وقد قال في ذلك جماعةٌ من أهلِ العربيةِ أقوالًا؛ فقال بعضُهم: إنما أراد اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
وما أشبهَ ذلك من الأخبارِ التى تأتى بـ "أو" كقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
وكقولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
فهو عالمٌ أىُّ ذلك كان.
قالوا: ونظيرُ ذلك قولُ القائلِ: أكلتُ بُسْرَةً أوْ رُطَبَةً.
وهو عالمٌ أىَّ ذلك أكَل، ولكنَّه أبْهَم على المخاطَبِ، كما قال أبو الأسودِ الدِّيلىُّ (١): أُحِبُّ مُحَمّدَا حُبًّا شَدِيدًا … وعَبَّاسًا وحَمْزَةَ وَالوَصِيّا فإنْ يَكُ حُبُّهُمْ رَشَدًا أُصِبْه … وَلَسْتُ بِمُخْطئٍ إنْ كانَ غَيّا قالوا: ولا شكَّ أن أبا الأسودِ لم يكن شاكًّا في أن حُبَّ مَن سمَّى رَشَدٌ، ولكنه أَبْهَم على مَن خاطَبه به.
وقد ذُكِرَ عن أبي الأسودِ أنه لما قال هذه الأبياتَ قيل له: شكَكتَ؟
فقال: كلَّا واللهِ.
ثم انتزَع (٢) بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
فقال: أوَ كان شاكًّا مَن أخبَر بهذا في الهادى من الضلالِ؟!
وقال بعضُهم: ذلك كقولِ القائلِ: ما أطعمتُك إلَّا حُلْوًا أوْ حامضًا.
وقد أطعَمه النوعين جميعًا.
فقالوا: فقائلُ ذلك لم يكنْ شاكًّا أنه قد أطعَم صاحبَه الحُلْوَ والحامضَ كليهما، ولكنه أراد الخبرَ عمَّا أطعَمه إيَّاه أنه لم يَخرُجْ عن هذين النوعين.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
إنما معناه: فقلوبُهم لا تَخرُجُ من أحدِ هذين المَثَليْنِ؛ إمّا أن تكونَ مَثلًا للحجارةِ في القسوةِ، وأما أن تكونَ أشدَّ منها قسوةً.
ومعنى ذلك على هذا التأويلِ: فبعضُها كالحجارةِ قسوةً، وبعضُها أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
وقال بعضُهم: "أو" في قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
بمعنى: وأشدُّ قسوةً.
كما قال ﵎: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤].
بمعنى: وكفورًا.
وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (١)؛ نال الخلافةَ أوْ كانَتْ له قَدَرًا … كمَا أتَى رَبَّهُ موسى على قَدَرِ يعنى: نال الخلافةَ وكانت له قَدَرًا.
وكما قال النابغةُ (٢): قالَتْ [ألا لَيْتَما] (٣) هَذَا الحَمامُ لَنا … إلى حَمامَتِنا أوْ (٤) نِصْفُهُ فَقَدِ (٥) يريدُ: ونصفُه.
وقال آخَرون: "أو" في هذا الموضعِ بمعنى "بل".
فكان تأويلُه عندَهم: فهى كالحجارةِ بل أشدُّ قسوةً.
كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾.
بمعنى: بل يزيدون (٦).
وقال آخَرون: معنى ذلك: فهى كالحجارةِ أو أشدُّ قسوةً عندَكم.
قال أبو جعفرٍ: ولكلٍّ ممَّا قيل مِن هذه الأقوالِ التى حكَيْنا وجهٌ ومَخرَجٌ في كلامِ العربِ، غيرَ أن أعجبَ الأقوالِ إلىَّ (١) في ذلك ما قلْناه أوَّلا، ثم القولُ الذى ذكرْناه عمَّن وجَّه ذلك إلى أنه بمعنى: فهى أوْجُهٌ في القسوةِ من أن تكونَ كالحجارةِ أو أشدَّ.
على تأويلِ أن منها كالحجارةِ، ومنها أشدَّ قسوةً؛ لأن "أو" وإن استُعمِلتْ في أماكنَ مِن أماكنِ "الواوِ" حتى يَلتبِسَ معناها ومعنى "الواوِ" -لتقارُبِ معنيَيْهما في بعضِ تلك الأماكنِ- فإن أصلَها أن تأتىَ بمعنى أحدِ الاثنينِ، فتوجيهُها إلى أصلِها -[مَن وجَد] (٢) إلى ذلك سبيلًا- أعجبُ إلىَّ مِن إخراجِها عن أصلِها ومعناها المعروفِ لها.
قال: وأمّا الرفعُ في قولِه: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
فمِن وجهينِ؛ أحدُهما: أن يكونَ عطفًا على معنى الكافِ التى في قوله: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾.
لأن معناها الرفعُ؛ وذلك أن معناها معنى "مِثْل": فهى مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ قسوةً من الحجارةِ.
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ مرفوعًا على معنى تكريرِ "هى" عليه، فيكونَ تأويلُ ذلك: فهى كالحجارةِ أو هى أشدُّ قسوةً مِن الحجارةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾: وإن مِن الحجارةِ لحجارةً (١) يتَفجَّرُ منها الماءُ الذى تكونُ منه الأنهارُ.
فاسْتُغْنى [بذكْرِ الأنهارِ عن ذكْرِ الماءِ] (٢)، وإنما ذُكِّر فقيل: ﴿مِنْهُ﴾ للفظِ "ما".
والتفجُّرُ التفعُّلُ مِن: تفجَّر (٣) الماءُ، وذلك إذا تنزَّل خارجًا مِن منبعِه، وكلُّ سائلٍ شخَص خارجًا من موضِعِه ومكانِه فقد انفجَر، ماءً كان ذلك أو دمًا أو صديدًا أو غيرَ ذلك، ومنه قولُ عُمرَ بنِ لَجَأٍ (٤): وَلمَّا أنْ قُرِنْتُ (٥) إلى جَرِيرٍ … أَبَى ذُو بَطْنِهِ [إلَّا انْفِجارَا] (٦) يعنى: إلَّا خُروجًا وسَيَلانًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: وإن مِن الحجارةِ لَحِجارةً تَشَّقَّقُ.
وتَشَقُّقُها تَصَدُّعُها، وإنما هى: لَما يَتَشَقَّقُ، ولكنَّ التاءَ أُدْغِمَتْ في الشِّين فصارتْ شِينًا مُشَدَّدةً.
وقولُه: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾.
[يقولُ: فيخرُجُ منه الماءُ] (٧) فيكونُ عينًا نابعةً [وأنهارًا] (٨) جاريةً.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن مِن الحجارةِ لَمَا (١) يَهْبِطُ -أى: يَتَرَدَّى- مِن رأسِ الجبلِ إلى الأرضِ والسَّفْحِ مِن خوفِ اللهِ وخشيتِه.
وقد دلَّلْنا على معنى الهبوطِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وأُدْخِلَتْ هذه اللَّاماتُ اللواتى في "ما" توكيدًا للخَبرِ.
وإنما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه الحجارةَ بما وصفَها به -مِن أن منها (٣) المتفجِّرَ منه (٤) الأنهارُ، وأن منها المتشقِّقَ بالماءِ، وأن منها الهابطَ مِن خشيةِ اللهِ، بعدَ الذى جعَل منها لقلوبِ الذين أَخبَر عن قسوةِ قلوبهم مِن بنى إسرائيل مَثَلًا- معذرةً منه جلَّ ثناؤه لها دونَ الذين أخبَر عن قسوةِ قلوبهم من بنى إسرائيل؛ إذ كانوا بالصفةِ التى وصفَهم اللهُ بها من التكذيبِ برُسُلِه والجُحودِ لآياتِه بعد الذى أراهم من الآياتِ والعِبَرِ، وعايَنوا مِن عجائبِ الأدلةِ والحُجَجِ، مع ما أعطاهم تعالى ذكرُه مِن صحةِ العقولِ، ومَنَّ به عليهم من سلامةِ النفوسِ التى لم يُعْطِها الحَجَرَ والمَدَرَ، ثم هو مع ذلك منه ما يَتفجَّرُ بالأنهارِ، ومنه ما يتَشَقَّقُ بالماءِ، ومنه ما يَهبِطُ مِن خشيةِ اللهِ، فأخبَر تعالى ذِكْرُه أن مِن الحجارةِ ما هو أَلْيَنُ من قلوبِهم لِمَا (٥) يُدْعَوْن إليه مِن الحقِّ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ (٦).
وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
قال: كلُّ حجَرٍ يتفجَّرُ منه الماءُ، أو يَتَشَقَّقُ عن ماءٍ، أو يَتَرَدَّى مِن رأسِ جبَلٍ، فهو مِن خشيةِ اللهِ ﷿، نزَل بذلك القرآنُ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
ثم عذَر الحجارةَ ولم يَعْذِرْ شَقىَّ ابنِ آدمَ، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثم عذَر اللهُ الحجارةَ فقال: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ أنه قال فيها: كلُّ حجرٍ انفجَر منه ماءٌ، أو تشقَّقَ عن ماءٍ، أو تردَّى من جبلٍ، فمن خشيةِ الله، نزَل به القرآنُ.
ثم اختَلف أهلُ النحوِ في معنى هُبُوطِ ما هبَط مِن الحجارةِ مِن خَشيةِ اللهِ.
فقال بعضُهم: إن هبوطَ ما هبَط منها من خشيةِ اللهِ: تَفَيُّؤُ ظلالِه (١).
وقال آخَرون: ذلك الجبلُ الذى صار دكًّا إذ تجلَّى له ربُّه (٢).
وقال بعضُهم: ذلك كان منه، ويكونُ بأن اللهَ جلَّ ذكرُه أعطَى بعضَ الحجارةِ المعرِفةَ والفَهمَ، فعقَل طاعةَ اللهِ فأطاعه، كالذى رُوِى عن الجِذْعِ الذى كان يَسْتَنِدُ إليه رسولُ الله ﷺ إذا خطَب، فلمَّا تحوَّل عنه حَنَّ (٣).
وكالذى رُوِى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَىَّ في الجاهلِيَّةِ، إنِّى لَأَعْرِفُهُ الآنَ" (٤).
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
كقولِه: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧].
ولا إرادةَ له.
قالوا: وإنما أُرِيدَ بذلك أنه مِن عِظَمِ أمْرِ اللهِ يُرَى كأنه هابطٌ خاشِعٌ مِن ذُلِّ خشيةِ اللهِ، كما قال زيدُ الخَيْلِ (٥): بِجَمْعٍ تضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِهِ … ترَىَ الأُكْمَ فِيها سُجَّدًا للحَوَافِرِ وكما قال سُوَيْدُ بنُ أبى كاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا له يُرِيدُ أنه ذَلِيلٌ (١): ساجِدَ المَنْخَرِ إذْ يَرْفَعُهُ … خاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ (٢) المُسْتَمَعْ وكما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٣): لَمَّا أتى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ … سُورُ المَدِينَةِ والجبالُ الخُشَّعُ وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾.
أى: يُوجبُ الخشيةَ لغيرِه بدلالتِه على صانعِه، كما قيل: ناقةٌ تاجرةٌ: إذا كانت مِن نَجابتِها وفراهتِها تدعو الناسَ إلى الرغبةِ فيها، كما قال جريرُ بنُ عطيةَ (٤): وأَعوَرَ مِن نَبْهانَ أمّا نَهارُه … فأعْمَى وأمّا لَيْلُه فبَصِيرُ فجعَل الصفةَ لليلِ والنهارِ، وهو يُرِيدُ بذلك صاحبَه النَّبْهانىَّ الذى يَهْجُوه مِن أجْلِ أنه فيهما كان ما وصَفه به.
وهذه الأقوالُ وإن كانت غيرَ بعيداتِ المعنى ممَّا تَحْتَمِلُه الآيةُ من التأويلِ، فإن تأويلَ أهلِ التأويلِ مِن علماءِ سلَفِ الأمةِ بخلافِها، فلذلك لم نَسْتَجِزْ صرْفَ تأويلِ الآيةِ إلى معنًى منها.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الخشيةِ، وأَنها الرهبةُ والمخافةُ، فكرِهْنا إعادةَ ذلك في هذا الموضعِ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾: وما اللهُ بغافلٍ -يا معشرَ المكذِّبينَ بآياتِه، والجاحدينَ نبوّةَ رسولِه محمدٍ ﷺ، والمتقوِّلِين عليه الأباطيلَ من بنى إسرائيلَ وأحبارِ اليهودِ- عما تعمَلون من أعمالِكم الخبيثةِ، وأفعالِكم الرديئةِ، ولكنه يُحصِيها عليكم، فيجازِيكم بها في الآخرةِ أو يعاقِبُكم بها في الدنيا.
وأصلُ الغَفْلةِ عن الشئِ تَرْكُه على وجهِ السهوِ عنه والنسيانِ له.
فأخبَرهم تعالى ذكرُه أنه غيرُ غافلٍ عن أفعالِهم الخبيثةِ ولا ساهٍ عنها، بل هو لها مُحْصٍ، ولها حافظٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾.
أصحابَ (١) محمدٍ.
[يقولُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾] (٢) أى: أفتَرْجُونَ يا معشرَ المؤمنين بمحمدٍ ﷺ، والمُصَدِّقِين ما جاءكم به مِن عندِ اللهِ، أن يُؤْمِنَ لكم يهودُ بنى إسرائيلَ.
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: أن يُصَدِّقوكم بما جاءكم به نبيُّكم ﷺ محمدٌ مِن عندِ ربِّكم.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾: يعنى أصحابَ محمدٍ ﷺ أن يُؤْمِنوا لكم، يقولُ: أفتَطْمَعونَ أن يُؤْمِنَ لكم اليهودُ (٣)؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآية.
قال: هم اليهودُ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: أما "الفريقُ" فَجَمْعٌ، كالطائفةِ، لا واحدَ له مِن لفظِه، وهو "فَعيلٌ" مِن "التَّفَرُّقِ"، سُمِّىَ به الجِماعُ كما سُمِّيَت الجماعةُ بـ "الحِزْبِ" مِن "التَّحزُّبِ"، وما أشْبَهَ ذلك، ومنه قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ (١): أجَدُّوا (٢) فلمَّا خِفْتُ أنْ يَتَفَرَّقُوا … فَرِيقَيْن مِنْهُمْ مُصْعِدٌ وَمُصَوِّبُ (٣) يعنى بقولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾: مِن بنى إسرائيلَ.
وإنما جعَل اللهُ الذين كانوا على عهدِ موسى ومَن بعدَهم مِن بنى إسرائيلَ، مِن اليهودِ الذين قال اللهُ لأصحابِ محمدٍ ﷺ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾.
لأنهم كانوا آباءَهم وأسْلافَهم، فجعَلهم منهم إذ كانوا عَشائرَهم وفَرَطَهم وأسْلافَهم، كما يَذْكُرُ الرجلُ اليومَ الرجلَ، وقد مضَى على مِنهاجِ الذاكرِ وطريقتِه، وكان مِن قومِه وعَشيرتِه، فيقولُ: كان منا فلانٌ.
يعنى أنه كان مِن أهلِ طريقتِه ومذهبِه، أو مِن قومِه وعَشيرتِه، فكذلك قولُه ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فالذين يُحَرِّفونَه والذين يَكْتُمونَه هم العلماءُ منهم (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
قال: هى التوراةُ حرَّفوها (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾.
قال: التوراةُ التى أنْزَلها عليهم يُحَرِّفونها، يَجْعَلون الحلالَ فيها حرامًا، والحرامَ فيها حلالًا، والحقَّ فيها باطلًا، والباطلَ فيها حقًّا؛ إذا جاءَهم المُحِقُّ برِشْوةٍ أخْرَجوا له كتابَ اللهِ، وإذا جاءَهم المُبْطِلُ برِشْوةٍ أخرجوا له ذلك الكتابَ فهو فيه مُحِقٌّ، وإن جاء أحدٌ يَسْأَلُهم شيئًا ليس فيه حقٌّ ولا رِشوةٌ ولا شيءٌ أَمَروه بالحقِّ، فقال لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٣).
وقال آخرون في ذلك بما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: فكانوا يَسْمَعون مِن ذلك كما يَسْمَعُ أهلُ النُّبوةِ، ثم يُحَرِّفونه مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ في قولِه: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾ الآية.
قال: ليس قولُه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ، كلُّهم قد سمِعها، ولكنَّهم الذين سألوا موسى رؤيةَ ربِّهم فأخَذَتْهم الصاعقةُ فيها (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: بلَغنى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنهم قالوا لموسى: يا موسى، قد حِيلَ بيننا وبينَ رؤيةِ اللهِ ﷿، فأَسْمِعْنا كلامَه حين يُكَلِّمُك.
فطلَب ذلك موسى إلى ربِّه، فقال: نعم، فَمُرْهم فليتَطَهَّروا، ولْيُطَهِّروا ثيابَهم، ويَصُوموا.
ففعَلوا، ثم خرَج بهم حتى أتَى الطُّورَ، فلما غَشِيهم الغَمامُ أمرَهم موسى ﵇ فوقَعوا سجودًا، وكلَّمه ربُّه، فسمِعوا كلامَه يَأْمُرُهم ويَنْهاهم، حتى عَقَلوا ما سمِعوا، ثم انْصَرف بهم إلى بنى إسرائيلَ، فلما جاءوهم حرَّف فريقٌ منهم ما أمَرهم به، وقالوا حين قال موسى لبنى إسرائيلَ: إن اللهَ قد أمرَكم بكذا وكذا.
قال ذلك الفريقُ الذى ذكَرهم اللهُ: إنما قال كذا وكذا.
خلافًا لِما قال اللهُ ﷿ لهم، فهم الذين عَنَى اللهُ لرسولِه محمدٍ ﷺ (٣).
وأَوْلى التأويلين اللذين ذكرتُ بالآيةِ وأَشْبَهُهما بما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، ما قاله الربيعُ بنُ أنسٍ، والذى حكاه ابنُ إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بذلك مَن سمِع كلامَه مِن بنى إسرائيلَ سماعَ موسى إياه منه، ثم حرَّف ذلك وبدَّل مِن بعدِ سماعِه وعلمِه به وفهمِه إياه.
وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أن التحريفَ كان مِن فريقٍ منهم كانوا يَسْمَعون كلامَ اللهِ ﷿، اسْتِعْظامًا مِن اللهِ لِما كانوا يَأْتون مِن البهتانِ بعد توكيدِ الحجةِ عليهم والبرهانِ، وإيذانًا منه تعالى ذِكْرُه عبادَه المؤمنين، وقطَع أطماعَهم مِن إيمانِ بقايا نسلِهم بما أتاهم به محمدٌ مِن الحقِّ والنورِ والهُدَى، فقال لهم: كيف تَطْمَعون في تصديقِ هؤلاء اليهودِ إياكم، وإنما تُخْبِرونهم -بالذى تُخْبِرونهم مِن الأنْباءِ عن اللهِ ﷿ عن غيبٍ لم يُشاهِدوه ولم يُعاينِوه، وقد كان بعضُهم يَسْمَعُ مِن اللهِ كلامَه وأمْرَه ونهيَه، ثم يُبَدِّلُه ويُحَرِّفُه ويَجْحَدُه، فهؤلاء الذين بينَ أَظْهُرِكم مِن بقايا نسلِهم أحْرَى أن يَجْحَدوا ما أَتَيْتُموهم به مِن الحقِّ وهم لا يَسْمَعونه مِن اللهِ، وإنما يَسْمَعونه منكم -وأقربُ إلى أن يُحَرِّفوا ما في كُتُبِهم مِن صفةِ نبيِّكم محمدٍ ﷺ ونعتِه، ويُبَدِّلوه وهم به عالمون، فيَجْحَدوه ويُكَذِّبوا- مِن أوائلِهم الذين باشَروا كلامَ اللهِ مِن اللهِ جل ثناؤُه ثم حرَّفوه مِن بعدِ ما عقَلوه وعلِموه، مُتَعمِّدين التحريفَ.
ولو كان تأويلُ الآيةِ على ما قاله الذين زعَموا أنه عَنَى بقولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾: يَسْمَعون التوراةَ.
لم يَكُنْ لِذِكْرِ قولِه: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ﴾.
مَعْنًى مَفْهومٌ؛ لأن ذلك قد سمِعه المُحرِّفُ منهم وغيرُ المُحرِّفِ، فخصوصُ المحرِّفِ منهم بأنه كان يَسْمَعُ كلامَ اللهِ -إن كان التأويلُ على ما قاله الذين ذكَرنا قولَهم دونَ غيرِهم ممن كان يَسْمَعُ ذلك سماعَهم- لا مَعْنَى له.
فإن ظنَّ ظانٌّ إنما صَلَح أن يُقالَ ذلك لقولِه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾.
فقد أغْفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أن ذلك لو كان كذلك لقِيلَ: أفتَطْمَعون أن يُؤْمِنوا لكم وقد كان فريقٌ منهم يُحَرِّفون كلامَ اللهِ مِن بعدِ ما عقَلوه وهم يَعْلَمون.
ولكنه جل ثناؤُه أخْبَر عن خاصٍّ من اليهودِ كانوا أُعْطوا، مِن مُباشَرَتِهم سَماعَ كلامِ اللهِ تعالى، ما لم يُعْطَه أحدٌ غيرُ الأنبياءِ والرُّسُلِ، ثم بدَّلوا وحرَّفوا ما سمِعوا مِن ذلك، فلذلك وصَفهم بما وصَفهم به للخصوصِ الذى كان خَصَّ به هؤلاء الفريقَ الذى ذكَرهم في كتابِه تعالى ذِكْرُه.
ويعنى بقولِه: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾: ثم يُبَدِّلون مَعْناه وتأويلَه ويُغَيرونه.
وأصلُه مِن انحرافِ الشئِ عن جهتِه، وهو ميلُه عنها إلى غيرِها، فكذلك قولُه: ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾.
أى: يُمِيلونه عن وجهِه ومَعْناه الذى هو مَعْناه إلى غيرِه.
فأخْبَر اللهُ جل ثناؤُه أنهم فعَلوا ما فعَلوا مِن ذلك على علمٍ منهم بتأويلِ ما حرَّفوا، وأنه بخلافِ ما حرَّفوه إليه، فقال: ﴿يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
يعنى: مِن بعدِ ما عقَلوا تأويلَه ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
أى: يَعْلَمون أنهم في تحرِيفِهم ما حرَّفوا مِن ذلك مُبْطِلون كاذِبون.
وذلك إخْبارٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن إقدامِهم على البُهتِ، ومُناصَبتِهم العداوةَ له ولرسولِه موسى ﷺ، وأن بقاياهم -مِن مُناصَبتِهم العداوةَ للهِ ولرسولِه محمدٍ ﷺ بغيًا وحسدًا- على مثلِ الذى كان عليه أوائلُهم مِن ذلك فى عصرِ موسى ﵊.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ أما قولُه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
فإنه خبرٌ مِن اللهِ جل ذِكْرُه عن الذين أيْأَس أصحابَ محمدٍ ﷺ مِن إيمانهم -مِن يهودِ بنى إسرائيلَ الذين كان فريقٌ منهم يَسْمَعون كلامَ اللهِ ثم يُحرِّفونه مِن بعدِ ما عَقَلوه وهم يَعْلَمون- وهم الذين إذا لقُوا الذين آمنوا باللهِ ورسولِه محمدٍ ﷺ قالوا: آمنّا.
يعنى بذلك أنهم إذا لقُوا الذين صَدَّقوا باللهِ وبمحمدٍ ﷺ رسولِه (١)، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ قالوا: آمنا.
أى: صدَّقنا بمحمدٍ وبما صَدَّقتُم به، وأقْرَرنا بذلك.
أَخْبر اللهُ ﷿ عنهم أنهم تَخَلقوا بأخلاق المنافقين وسلَكوا مِنهاجَهم.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عَمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: وذلك أن نفرًا مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا محمدًا ﷺ قالوا: آمنا.
وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾: يعنى المنافقين مِن اليهودِ كانوا إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ ﷺ قالوا: آمنا (٢).
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في تأويلِ ذلك قولٌ آخرُ، وهو ما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفَضْلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
أى: بصاحبِكم (٣) رسولِ اللهِ ﷺ، ولكنه إليكم خاصةً (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدَّىَّ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ الآية.
قال: هؤلاء ناسٌ مِن اليهودِ آمنوا ثم نافقوا (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
أى: إذا خلا بعضُ هؤلاء اليهودِ الذين وصَف اللهُ صفتَهم - إلى بعضٍ منهم، فصاروا في خَلاءٍ مِن الناسِ غيرِهم، وذلك هو الموضعُ الذى ليس فيه غيرُهم، ﴿قَالُوا﴾ يعنى قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
يعنى: بما أمَركم اللهُ به.
فيقولُ الآخَرون: إنما نَسْتَهْزِئُ بهم ونَضْحَكُ.
وقال آخَرون بما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾.
أى: بصاحبِكم (١) رسولِ اللهِ، ولكنَّه إليكم خاصَّةً.
وإذا خلا بعضُهم إلى بعضٍ قالوا: لا تُحَدِّثوا العربَ بهذا، فإنكم قد كنتُم تَسْتَفْتِحون به عليهم فكان منهم.
فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
أى: تُقِرُّون بأنه نبىٌّ، وقد علِمْتُم أنه قد أُخِذ له الميثاقُ عليكم باتِّباعِه، وهو يُخْبِرُهم أنه النبىُّ (٢) الذى كُنَّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُه في كتابِنا، اجْحَدُوه ولا تُقِرُّوا لهم به.
يقولُ اللهُ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
أى: بما أنْزَل اللهُ عليكم في كتابِكم، مِن نَعْتِ (٢) محمدٍ ﷺ (٣).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
أى: بما مَنَّ اللهُ عليكم في كتابِكم من نَعْتِ (٤) محمدٍ ﷺ، فإنكم إذا فَعَلْتُم ذلك احْتَجُّوا به عليكم، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ لِيَحْتَجُّوا به عليكم (٦).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: قال قتادةُ: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
يعنى: بما أَنْزَلَ اللهُ عليكم من أمرِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه (٧).
وقال آخَرون في ذلك بما حدثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
قال: قولُ يهودَ من قُرَيظةَ حين سَبَّهُم النبىُّ ﷺ بأنهم إخوةُ القِردةِ والخنازيرِ، قالوا: مَن حَدَّثك؟
هذا حين أرسل إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا، فقال: يا إخوةَ القردةِ والخنازيرِ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: هذا حينَ أَرْسَلَ إليهم علىَّ بنَ أبى طالبٍ، ﵁، وآذَوُا النبىَّ ﷺ، فقال: "اخْسَئُوا يا إخْوَةَ القِرَدَةِ والخنَازِيرِ".
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: أخبرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: قام النبىُّ ﷺ يومَ قُرَيْظَةَ تحتَ حُصونِهم، فقال: "يا إخْوانَ القِردَةِ، ويا إخْوانَ الخنَازيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ".
فقالوا: مَن أخبر هذا محمدًا؟
ما خرَج هذا إلَّا منكم، ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾: بما حَكَمَ اللهُ للفتحِ ليكون لهم حُجَّةً عليكم.
قال ابنُ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: هذا حينَ أرسلَ إليهم عليًّا فآذَوْا محمدًا ﷺ (٢).
وقال آخَرون بما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدَّىِّ: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ -من العذابِ- ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾: هؤلاء ناسٌ من اليهودِ آمنوا ثم نافَقُوا، فكانوا يُحَدِّثُون المؤمنينَ من العربِ بما عُذِّبُوا به، فقال بعضُهم لبعضٍ: أَتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن العذابِ ليقولوا نحن أحبُّ إلى اللهِ منكم، وأكرمُ على اللهِ منكم (١).
وقال آخرون بما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
قال: كانوا إذا سُئِلُوا عن الشئِ قالوا: أَمَا تَعْلَمُونَ في التوراةِ كذا وكذا؟
قالوا: بَلَى.
قال: وهم يهودُ.
فيقولُ لهم رُؤَساؤُهم الذين يرجِعون إليهم: ما لَكم تُخْبِرُونهم بالذى أَنزل اللهُ عليكم فيُحاجُّوكم به عندَ ربِّكم، أَفَلا تعقِلون؟
قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَدْخُلَنَّ علينا قصَبَةَ المَدِينَةِ إلَّا مُؤْمِنٌ".
فقال رُؤَساؤُهم مِن أهلِ الكفرِ والنفاقِ: اذْهَبُوا فقولوا: آمنَّا.
واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُم.
قال: فكانوا يأتون المدينةَ بالبُكَرِ ويَرجِعون إليهم بعدَ العصرِ.
وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
وكانوا يقولون إذا دخَلوا المدينةَ: نحنُ مسلمون.
ليعلموا خَبَرَ رسولِ اللهِ ﷺ وأَمْرَه، وإذا رجَعوا رجَعوا إلى الكفرِ.
فلمَّا أَخْبَرَ اللهُ نبيَّه ﷺ بهم، قطَع ذلك عنهم فلم يكونوا يَدْخُلُون، وكان المؤمنون الذين مع رسولِ اللهِ ﷺ يَظُنُّون أنهم مؤمنونَ، فيقولون لهم: أليس قد قال اللهُ لكم كذا وكذا؟
فيقولون: بلى.
فإذا رجَعوا إلى قومِهم قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢).
وأصلُ الفتحِ في كلامِ العربِ النصرُ والقضاءُ والحُكْمُ، يقالُ منه: اللهمَّ افتحْ بينى وبينَ فلانٍ: أى احْكُمْ بينى وبينَه.
ومنه قولُ الشاعرِ (٣): أَلَا أبْلِغْ بنى عُصْمٍ رَسُولًا … بأنِّى عن فُتاحَتِكُمْ غنِيُّ قال: ويُقال للقاضى: الفتَّاح.
ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩].
أي: احْكُمْ بينَنا وبينَهم.
فإذا كان معنى الفتحِ ما وَصَفْنا، تَبَيَّنَ أن معنى قولِه: ﴿قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.
إنما هو: أَتُحدِّثونَهم بما حكَم اللهُ به عليكم وقَضَاه فيكم.
ومِن حُكْمِه جلَّ ثناؤُه عليهم ما أخَذ به ميثاقَهم من الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به في التوراةِ، ومن قضائِه فيهم أنْ جعل منهم القردةَ والخنازيرَ.
وغيرُ ذلك من أحكامِه وقضائِه فيهم، وكلُّ ذلك كان لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين به حُجَّةً على المكذِّبينَ به (١) من اليهودِ المُقِرِّينَ بحُكْمِ التوراةِ وغيرِ ذلك.
فإن كان كذلك، فالذى هو أَوْلَى عندى بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: أتُحدِّثونهم بما فتَح اللهُ عليكم مِن بَعْثِ (٢) محمدٍ ﷺ إلى خَلْقِه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه إنما قَصَّ في أولِ هذه الآيةِ الخبرَ عن قولِهم لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه: آمنَّا بما جاء به محمدٌ ﷺ.
فالذى هو أَوْلَى بآخِرِها أن يكونَ نظيرَ الخبرِ عمَّا ابْتُدِئَ به أوَّلُها.
وإذا كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ تلاوُمُهم كان فيما يينَهم فيما كانوا أظهَروه لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه من قولِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به.
وكان قِيلُهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا (١) يجِدون ذلك في كُتُبِهم، وكانوا يُخْبِرون أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ بذلك، فكان تلاوُمُهم فيما بينهم إذا خَلَوْا على ما كانوا يُخْبِرونَهم بما هو حُجَّةٌ للمسلمينَ عليهم عندَ ربِّهم، وذلك أنهم كانوا يُخبرونهم عن وجودِ نَعْتِ محمدٍ ﷺ في كُتبِهم ويَكفرون به، وكان فتحُ اللهِ الذى فَتَحه للمسلمين على اليهودِ، وحُكمُه عليهم لهم في كتابِهم، أن يُؤمنوا بمحمدٍ ﷺ إذا بُعِث، فلما بُعث كفَروا به مع عِلْمِهم بنُبُوّتِه.
وقولُه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن اليهودِ اللائمينَ إخوانَهم على ما أخبَروا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ بما فتَح اللهُ لهم عليهم، أنهم قالوا لهم: أفلا تَفْقَهون أيُّها القومُ وتَعْقِلُون أن إخبارَكم أصحابَ محمدٍ (١) ﷺ بما في كُتُبِكم أنه نبىٌّ مبعوثٌ، حجةٌ لهم عليكم عندَ ربِّكم يحتجُّون بها عليكم؟!
أى: فلا تفعلوا ذلك، ولا تقولوا لهم مثلَ ما قلتُم، ولا تُخبروهم بمثلِ ما أخبرتُموهم به من ذلك.
فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: أَوَلا يَعْلَمُ هؤلاءِ اللائمونَ من اليهودِ إخوانَهم من أهلِ مِلَّتِهم -على كونِهم (٢) إذا لَقُوا الذين آمنوا قالوا: آمنَّا.
وعلى إخبارِهم المؤمنينَ بما في كتبِهم من نَعْتِ رسولِ اللهِ ﷺ، ومَبْعثِه، القائلون لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ - أنَّ اللهَ عالمٌ بما يُسِرُّون فيُخْفُونه عن المؤمنين في خَلائِهم؛ من كفرِهم وتلاوُمِهم بينَهم على إظهارِهم ما أظهَروا لرسولِ اللهِ ﷺ وللمؤمنين به من الإقرارِ بمحمدٍ ﷺ، وعلى قِيلِهم لهم: آمنَّا.
ونَهْىِ بعضِهم بعضًا أن يُخبروا المؤمنين بما فتَح اللهُ للمؤمنين عليهم، وقَضَى لهم عليهم في كتبِهم من حقيقةِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ وَنَعتِه ومَبْعَثِه، وما يُعْلِنون فيُظهرونه لمحمدٍ ﷺ ولأصحابه المؤمنين به إذا لَقُوهم من قِيلِهم لهم: آمنَّا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به.
نفاقًا وخِداعًا للهِ ولرسولِه وللمؤمنين.
كما حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ من كفرِهم وتكذيبهم محمدًا ﷺ إذا خَلا بعضُهم إلى بعضٍ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ إذا لَقُوا أصحابَ محمدٍ ﷺ قالوا: آمنَّا.
ليُرْضُوهم بذلك (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أَسَرُّوا من كفرِهم بمحمدٍ ﷺ وتكذيبهم به، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾: يعنى ما أَعْلَنوا حينَ قالوا للمؤمنين: آمنَّا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ومن هؤلاءِ اليهودِ الذين قَصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه الآياتِ، وأَيْأَسَ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ من إيمانِهم، فقال لهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾.
وهم إذا لَقُوكم قالوا: آمنَّا.
كما حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: يعنى من اليهودِ (١).
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا [ابنُ أبى جعفرٍ] (٢)، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
قال: أُناسٌ من يهودَ (٣).
قال أبو جعفرٍ: يعنى بـ"الأُمِّيِّين" الذين لا يَكتبون ولا يَقرءون، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "إنّا أُمّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نحْسُبُ" (٤).
يقالُ منه: رجُلٌ أميٌّ.
أى: بيِّنُ الأُمِّيَّةِ.
كما حدَّثنى المثنى، قال: حدثنى سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
قال: منهم مَن لا يُحْسِنُ أن يَكْتُبَ (٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
قال: أُمِّيُّون لا يَقْرَءون الكتابَ من اليهودِ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ خلافُ هذا القولِ، وهو ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾.
قال: الأُمِّيون قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولًا أرسَله اللهُ، ولا كتابًا أنزَله اللهُ، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقومٍ سَفِلَةٍ جُهَّالٍ: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.
وقال: قد أَخبر أنهم يكتُبون بأيديهم، ثم سمَّاهم أُمِّيِّين لجُحُودِهم كتبَ اللهِ ورُسُلَه (١).
وهذا التأويلُ تأويلٌ على خلافِ ما يُعرَفُ من كلامِ العربِ المُستفيضِ بينَهم، وذلك أن الأُميَّ عندَ العربِ هو الذى لا يكتُبُ.
قال أبو جعفرٍ: وأَرى أنه قِيلَ للأُميِّ: أُميٌّ.
نسبةً له، بأنه لا يَكتُبُ، إلى أُمِّه؛ لأن الكتابَ كان في الرجالِ دُونَ النساءِ، فنُسِبَ مَن لا يَكتبُ ولا يَخُطُّ من الرجالِ إلى أُمِّه في جهْلِه بالكتابةِ دونَ أبيه، كما ذكرنا عن النبيِّ ﷺ من قولِه: "إنّا أمةٌ أُمِّيّةٌ لا نَكْتُبُ وَلا نَحْسُبُ".
وكما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢].
فإذا كان معنى الأميِّ في كلامِ العربِ ما وَصَفْنا، فالذى هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما قاله النَّخَعيُّ مِن أن معنى قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾: ومنهم مَن لا يُحْسِنُ أن يكتُبَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾: لا يعلمون ما في الكتابِ الذى أَنزَله اللهُ ولا يَدرون ما أَوْدَعه اللهُ من حُدودِه وأحكامِه وفرائِضِه، كهيئةِ البهائمِ.
كالذى حدَّثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إنما هم أمثالُ البهائمِ لا يَعْلَمُون شيئًا (٢).
حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ يقولُ (١): لا يدرون ما فيه (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾: لا يَدْرُونَ ما فيه (٣).
حدثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: لا يدرون ما (٤) فيه (٥).
حدثنا يونسُ (٦)، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
لا يَعْلَمُون شيئًا؛ لا يَقْرَءُون، التوراةُ ليست تُسْتَظْهَرُ، إنما تُقْرَأُ هكذا، فإذا لم يَكْتُبْ أحدُهم لم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَأَه (٧).
حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾.
يقولُ (٨): لا يَعْرِفون الكتابَ الذى أنزَله اللهُ.
قال أبو جعفرٍ: وإنما عَنَى بالكتابِ التوراةَ، ولذلك أُدْخِلَتْ فيه الألفُ واللامُ؛ لأنه قُصِد به كتابٌ معروفٌ بعينِه، ومعناه: ومنهم فريقٌ لا يَكْتُبون ولا يَدْرُون ما في الكتابِ الذى عَرَفْتُموه الذى هو عندَهم وهم يَنْتَحِلُونه، ويدَّعون الإقرارَ به من أحكامِ اللهِ وفرائضِه وما فيه من حُدُودِه التى بيَّنها فيه.
[واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه] (١): ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بِشْرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
يقولُ: إلَّا قولًا يَقُولُونه (٢) بأفواهِهم كذبًا (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن (٤) ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مُجَاهدٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: إلا كذبًا (٥).
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ يقولُ: يتمنَّوْن على اللهِ ما ليس لهم (٦).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
يقولُ: يتمنَّوْن على اللهِ الباطلَ وما ليس لهم (١).
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، [عن معاويةَ بنِ صالحٍ] (٢)، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
يقولُ: إلَّا أحاديثَ (٣).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
قال: ناسٌ من يهودَ لَمْ يكونوا يعلَمون من الكتابِ شيئًا، وكانوا يتكلَّمون بالظنِّ بغيرِ ما في كتابِ اللهِ، ويقولون: هو من الكتابِ.
أمانيُّ يتمنَّوْنها (٤).
حَدَّثَنَا المُثَنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾: يتمنَّوْن على اللهِ ما ليس لهم (٥).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
قال: تمنَّوْا فقالوا: نحن من أهلِ الكتابِ.
وليسوا منهم.
وأَوْلَى مما رَوَيْنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
بالحقِّ، وأَشْبَهُه بالصوابِ، الذى قاله ابنُ عباسٍ، الذى رواه عنه الضحَّاكُ، وقولُ مجاهدٍ، أن الأُمِّيِّين الذين وصَفهم اللهُ بما وصَفهم به في هذه الآيةِ وأنهم لا يَفْقَهُون من الكتابِ الذى أنزله اللهُ على موسى شيئًا، ولكنهم يَتَخرَّصون الكذبَ ويَتقوَّلون الأباطيلَ كذبًا وزُورًا، والتمنِّى في هذا الموضعِ هو تَخَلُّقُ الكذبِ وتَخَرُّصُه وافتعالُه، يقالُ منه: تمنَّيتُ كذا.
إذا افتعلتَه وتَخرَّصْتَه.
ومنه الخبرُ الذى رُوِىَ عن عثمانَ بنِ عفانَ ﵁: ما تَعَتَّيْتُ (١) ولا تَمَنَّيْتُ (٢).
يعنى بقولِه: ما تمنيتُ: ما تخرّصتُ الباطلَ ولا اخْتَلَقْتُ الكذبَ والإفْكَ.
والذى يَدُلُّ على صِحَّةِ ما قُلنا في ذلك وأنه أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
من غيرِه من الأقوالِ، قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
فأخبَر عنهم جلَّ ثناؤُه أنهم يتمنَّوْن ما يتمنَّوْن من الأكاذيبِ ظنًّا منهم لا يقينًا، ولو كان معنى ذلك أنهم يَتْلونه، لَمْ يكونوا ظانِّين، وكذلك لو كان معناه: يَتشهُّونه؛ لأنَّ الذى يَتْلوه إذا تَدَبَّره عَلِمه، ولا يَسْتَحِقُّ الذى يَتْلو كتابًا قرَأه وإن لَمْ يَتَدَبرْه بتَرْكِه التدبيرَ أن يقال: هو ظانٌّ لما يَتْلو.
إلَّا أن يكونَ شاكًّا في نفسِ ما يَتْلوه لا يَدْرِى أحقٌّ هو أم باطلٌ؟
ولم يكنِ القومُ الذين كانوا يَتْلون التوراةَ على عصرِ نبيِّنا محمدٍ ﷺ من اليهودِ فيما بلَغَنا شاكِّين في التوراةِ أنَّها من عندِ اللهِ، وكذلك المتمنِّى الذى هو في معنى المتشهِّي، غيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو ظانٌّ (٣) تَمَنِّيَه.
لأنَّ التَّمَنِّىَ من المتمنِّى إذا تمنَّى ما قد وُجِدتْ (٤) عينُه، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ: هو شاكٌّ فيما هو به عالمٌ؛ لأنَّ العلمَ والشكَّ معنيان يَنْفِى كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه لا يجوزُ اجتماعُهما في جُزْءٍ (٥) واحدٍ، والمتمنِّى في حالِ تمنِّيه موجودٌ [تَمنِّيه، فغيرُ] (٦) جائزٍ أن يقالَ: هو يَظُنُّ تمنِّيَه.
وإنما قيل: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
والأمانيُّ من غيرِ نوعِ الكتابِ، كما قال ربُّنا جلَّ ثناؤُه ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧].
والظنُّ من العلمِ بمَعْزِلٍ، وكما قال: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ١٩، ٢٠].
وكما قال الشاعرُ (١): (*) ليس بينى وبين قيسٍ عتابٌ … غيرَ طَعْنِ الكُلَى وضَرْبِ الرِّقابِ وكما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (٢): حلَفْتُ يمينًا غيرَ ذى مَثْنوِيَّةٍ (٣) … ولا عِلْمَ إلَّا حُسْنَ ظَنٍّ بصاحبِ (٤) في نظائرَ لما ذكرْنا يطولُ بإحصائِها الكتابُ.
ويَخْرُجُ بـ "إلَّا" ما بعدها من معنى ما قبلها، ومن صفتِه، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما من غيرِ شكلِ الآخرِ ومن غيرِ نوعِه، ويسمِّى ذلك بعضُ أهلِ العربيةِ استثناءً منقطِعًا، لانقطاعِ الكلامِ الذى يأتى بعد "إلَّا" عن معنى ما قبلها، وإنما يكونُ ذلك كذلك في كلِّ موضعٍ حَسُنَ أن يوضعَ فيه مكانَ "إلَّا" "لكن"، فيُعْلَمُ حينئذٍ انقطاعُ معنى الثانى عن معنى الأولِ، ألا ترى أنك إذا قلْتَ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
ثم أردْتَ وَضْعَ "لكن" مكانَ "إلَّا" وحَذْفَ "إلَّا"، وَجَدْتَ الكلامَ صحيحًا معناه صحتَه وفيه "إلَّا"، وذلك إذا قلْتَ: ومنهم أُمِّيُّون لا يَعْلَمُونَ الكتابَ، لكن أمانيَّ.
يعنى: لكنهم يَتَمنَّوْن.
وكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]: لكن اتِّباعَ الظنِّ.
بمعنى: لكنَّهم يتَّبعون الظنَّ.
وكذلك جميعُ هذا النوعِ من الكلامِ على ما وصَفْنا.
وقد ذُكِر عن بعضِ القَرأةِ أنه قرَأ: (إلَّا أمانىَ).
مخففةً (١).
ومن خَفَّف ذلك وجَّهه إلى نحوِ جَمْعِهم المفتاحَ مفاتحَ، والقُرْقورَ (٢) قراقرَ، وأن ياءَ الجمعِ لمَّا حُذفت خُفِّفَتِ الياءُ الأصليةُ، أَعْنِى من "الأمانيِّ"، كما جَمَعوا الأُثْفِيَّةَ (٣) أَثَافِىَ مخففةً، كما قال زهيرُ بنُ إلى سُلْمَى (٤): أَثَافِىَ سُفْعًا (٥) في مُعَرَّسِ (٦) مِرْجَلٍ (٧) … ونُؤْيًا (٨) كجِذْمِ (٩) الحَوْضِ لَمْ يَتَثلَّمِ (١٠) وأما مَن ثَقَّل ﴿أَمَانِيَّ﴾ فشدَّد ياءَها، فإنه (١١) نحوُ جَمْعِهم المفتاحَ مفاتيحَ، والقُرْقورَ قَراقيرَ، والزُّنْبورَ زَنابيرَ، فاجتمعتْ ياءُ "فَعاليلَ" ولامُها وهما جميعًا ياءان، فأُدْغِمت إحداهما في الأخرى فصارتا ياءً واحدةً مشددةً.
فأما القراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها لقارئٍ عندي في ذلك، فتشديدُ ياءِ "الأمانيِ"، لإجماعِ القَرَأةِ على أنَّها القراءةُ التى مضى على القراءةِ بها السلفُ، مستفيضٌ ذلك بينهم غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، وشذوذِ القارئِ بتخفيفِها عما عليه الحُجَّةُ مُجْمِعةٌ في ذلك، [وكفَى شاهدًا على خطأِ] (١) قارئِ ذلك [بتخفيفِه إجماعُها] (٢) على تخطئتِه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ هُمْ﴾: وما هم.
كما قال جل ثناؤُه: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: ١١].
يعنى بذلك: ما نحن إلَّا بشرٌ مثلُكم.
ومعنى قولِه: ﴿إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إلَّا (٤) يشكُّون ولا يَعْلمون حقيقتَه وصحتَه.
والظنُّ في هذا الموضعِ شَكٌّ.
فمعنى الآيةِ: ومنهم مَنْ لا يَكْتُبُ ولا يَخُطُّ ولا يَعْلَمُ كتابَ اللهِ ولا يَدْرِى ما فيه إلَّا تَخَرُّصًا وتَقَوُّلًا على اللهِ الباطلَ، ظنًّا منه أنه مُحِقٌّ في تَخَرُّصِه وتَقَوُّلِه الباطلَ، وإنما وصَفَهم اللهُ تعالى ذكرُه بأنهم في تَخَرُّصِهم على ظنٍّ، [هل هم فيه مُحِقُّون أم مُبْطِلونْ] (٥)؛ لأنهم كانوا قد سَمِعوا من رؤسائِهم وأحبارِهم أمورًا حَسِبوها من كتابِ اللهِ، ولم تكنْ من كتابِ اللهِ، فوصَفهم جل ثناؤُه بأنهم يَترُكون التصديقَ بالذى يُوقِنون به أنه من عندِ اللهِ مما جاء به محمدٌ ﷺ، ويَتَّبعون ما هم فيه شاكُّون، وفى حقيقتِه مُرْتابون، مما أخبَرهم به كُبراؤُهم ورُؤساؤُهم وأحبارُهم؛ عنادًا منهم للهِ ولرسولِه، ومخالفةً منهم لأمرِ اللهِ، واغترارًا منهم بإمهالِ اللهِ تعالى ذكرُه إياهم.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
قال فيه المتأَوِّلون من السلفِ.
حَدَّثَنِي محمدُ بن عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، وحدثنى المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾: إلَّا يُكَذِّبون (١).
حَدَّثَنَا القاسمُ، [قال: حَدَّثَنَا الحسينُ] (٢)، قال: حدثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ ابنُ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
أى: لا يَعْلَمون الكتابَ ولا يَدْرُون ما فيه، وهم يَجْحَدون نبوتَك بالظنِّ (٣).
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ قال: يَظُنون الظنونَ بغيرِ الحقِّ (١).
حدثني المثنى، قال: حدثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: يَظُنون الظنونَ بغيرِ الحقِّ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَوَيْلٌ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدثنا به أبو كريبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾.
يقولُ: فالعذابُ عليهم (٤).
وقال آخَرون بما حدثنا به ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا ابنُ مهديٍّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن زيادِ بنِ فياضٍ، قال: سمِعتُ أبا عياضٍ يقولُ: الويلُ ما يَسيلُ من صَديدٍ في أصلِ جهنمَ (٥).
حدثني مُشَرَّفُ (٦) بنُ أبانٍ الحطابُ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن زيادِ بنِ فياضٍ، عن أبي عياضٍ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ﴾.
قال: صِهْرِيجٌ في أصلِ جهنمَ يَسيلُ فيه صديدُهم (١).
حدثني علىُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: حدثنا زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن (٢) زيادِ بنِ فياضٍ، عن أبي عياضٍ، قال: الويلُ وادٍ من صديدٍ في جهنمَ.
حدثني ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ (٣)، قال: ﴿وَوَيْلٌ﴾: ما يَسيلُ من صديدٍ في أصلِ جهنمَ.
وقال آخَرون بما حدثني به المثنى، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ بنِ صالحٍ القشيريُّ (٤)، قال: حدثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بنِ سلَمةَ، عن (٥) عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن كنانةَ العدويِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: "الويلُ جبَلٌ في النارِ" (٦).
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن درّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ويلٌ وادٍ في جهنمَ يَهْوِي فيه الكافرُ أربعين خريفًا قبل أن يَبْلُغَ قَعْرَه (٧) ".
قال أبو جعفرٍ: فمعنى الآيةِ على ما رُوِى عمن ذكرْتُ قولَه في تأويلِ ﴿فَوَيْلٌ﴾: فالعذابُ الذي هو شُرْبُ صديدِ أهلِ جهنمَ، الذي (١) في أسفلِ الجحيمِ، لليهودِ الذين يَكْتُبون الباطلَ بأيديهم ثم يقولون: هذا من عندِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه: الذين حَرَّفوا كتابَ اللهِ من يهودِ بني إسرائيلَ، وكتَبوا كتابًا على ما تأوَّلُوه من تأويلاتِهم، مخالفًا لما أنزَله اللهُ ﷿ على نبيِّه موسى ﵇، ثم باعوه من قومٍ لا علْمَ لهم بها، ولا بما في التوراةِ، جهالٍ بما في كُتُبِ اللهِ، طَلَبَ (٢) عَرَضٍ من الدنيا خسيسٍ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه لهم: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾.
كما حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
قال: كان ناسٌ من اليهودِ كتَبوا كتابًا من عندِهم يَبِيعونه من العربِ، ويُحَدِّثونهم أنه من عندِ اللهِ ليأخُذوا به ثمنًا قليلًا (١).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الأُمِّيون قومٌ لم يُصَدِّقوا رسولًا أرسلَه اللهُ ﷿، ولا كتابًا أنزَله اللهُ، فكتَبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقومٍ سَفِلةٍ جُهّالٍ: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾.
[قال: ليبتاعوا به] (٢) ﴿ثَمَنًا﴾.
قال: عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا (٣).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.
قال: هؤلاء الذين عرَفوا أنه من عندِ اللهِ يُحرفونه (٤).
حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: ثم يُحَرِّفونه.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية: وهم اليهودُ (٥).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.
قال: كان ناسٌ من بني إسرائيلَ كتَبوا كتابًا بأيديهم ليَتَأَكَّلوا الناسَ، فقالوا: هذا من عندِ اللهِ.
وما هو من عندِ اللهِ (١).
حدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
قال: عمَدوا إلى ما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِهم من نعتِ محمدٍ ﷺ، فحَرَّفوه عن مَواضِعِه، يَبْتغون بذلك عَرَضًا من عَرَضِ الدنيا، فقال اللهُ (٢): ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (٣).
حدثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا عليُّ بنُ جريرٍ، عن حمادِ بنِ سلَمةَ، عن عبدِ الحميدِ بنِ جعفرٍ، عن كنانةَ بنِ نعيمٍ العدويِّ، عن عثمانَ بنِ عفانَ ﵁، عن رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ قال: "الويلُ جبلٌ في النارِ".
وهو الذي أُنْزِل في اليهودِ؛ لأنهم حَرَّفوا التوراةَ، زادُوا فيها ما يُحبون، ومَحَوْا منها ما يَكْرَهون، ومَحَوُا اسْمَ محمدٍ ﷺ من التوراةِ، فلذلك غَضِب اللهُ جل ثناؤه عليهم فرفَع بعضَ التوراةِ فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١).
وحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ أبي أيوبَ، عن محمدِ بنِ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: ويلٌ وادٍ في جهنمَ لو سُيِّرَتْ فيه الجبالُ لَامّاعت (٢) من شدةِ حَرِّه (٣).
فإن قال لنا قائلٌ: فما وجهُ قولِه (٤): ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾؟
وهل يكتبون (٥) بغيرِ اليدِ حتى احتاج المخاطَبون (٦) بهذه المخاطبةِ إلى أن يُخْبَروا عن هؤلاء القومِ الذين قَصَّ اللهُ تعالى ذكرُه قصتَهم أنهم كانوا يَكْتُبون الكتابَ بأيديهم؟
قيل له: إن الكِتابَ من بني آدمَ وإن كان منهم باليدِ، فإنه قد يضافُ الكتابُ إلى غيرِ كاتبِه وغيرِ المتولِّي رسمَ خَطِّه، فيقالُ: كتَب فلانٌ إلى فلانٍ بكذا.
وإن كان المتولِّي كتابتَه (٧) غيرَ المضافِ إليه الكتابُ، إذا كان الكاتبُ كَتَبه بأمرِ المضافِ إليه الكتابُ، فأَعْلَم ربُّنا جلَّ ثناؤه بقولِه.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
عبادَه المؤمنين أن أحبارَ اليهودِ تَلِي كتابةَ الكذبِ والفِرْيةِ على اللهِ بأيديهم على عِلْمٍ منهم وعَمْدٍ للكَذِبِ على اللهِ، ثم تَنْحَلُه (٨) إلى أنه من عندِ اللهِ وفي كتابِ اللهِ جلَّ وعزَّ، تَكَذُّبًا على اللهِ وافتراءً عليه، فنفى اللهُ بقولِه: ﴿يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
أن يكونَ وَليَ كتابةَ ذلك بعضُ جُهّالِهم بأمرِ علمائِهم وأحبارِهم.
وذلك نظيرُ قولِ القائلِ: باعني فلانٌ عينُه كذا (١)، واشتَرى فلانٌ نفسُه كذا.
يرادُ بإدخالِ النفسِ والعينِ في ذلك نَفيُ اللَّبْسِ عن سامعِه أن يكونَ المتولِّي بيعَ ذلك أو شراءَه غيرَ الموصوفِ به بأمرِه، ويُوجِبُ حقيقةَ الفعلِ للمُخْبَرِ عنه، فكذلك قولُه: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
أي: فالعذابُ في الوادِي السائلِ من صديدِ أهلِ النارِ في أسفلِ جهنمَ لهم.
يعني: للذين كتَبوا الكتابَ الذي وصَفْنا أمْرَه من يهودِ بني إسرائيلَ محرَّفًا، ثم قالوا: هذا من عندِ اللهِ.
ابتغاءَ عَرَضٍ من الدنيا (٢) قليلٍ ممن يبتاعُه منهم.
وقولُه: ﴿مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
يقولُ: من الذي كَتَبَتْ أيديهم من ذلك، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ أيضًا ﴿مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يعنى: مما يعمَلون من الخطايا، ويجتَرِحُون من الآثامِ، ويَكْسِبون من الحرامِ، بكتابِهم الذي يَكْتُبونه بأيديهم بخلافِ ما أَنزَل اللهُ، ثم يَأكُلون ثمنَه وقد باعُوه ممن باعُوه منهم (٣) على أنه من كتابِ اللهِ.
كما حدثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: حدثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾: يعنى من الخطيئةِ (١).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ يقولُ: فالعذابُ عليهم.
قال: يقولُ: من الذى كَتَبوا بأيديهم من ذلك الكذبِ (٢)، ﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقولُ: مما يأكُلون به الناسَ (٣) السَّفِلةَ وغيرَهم (٤).
وأصلُ "الكَسْبِ" العملُ، فكلُّ عاملٍ عملًا بمباشرةٍ منه لما عَمِل، ومعاناةٍ باحترافٍ، فهو كاسبٌ لما عَمِل، كما قال لبيدُ بنُ ربيعةَ (٥): لِمُعَفَّرٍ (٦) قَهْدٍ (٧) تَنازَعَ شِلْوَه (٨) … غُبْسٌ (٩) كَواسبُ لا يُمَنُّ طَعامُها القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا﴾: اليهودُ.
يقولُ: وقالتِ اليهودُ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾.
يَعنى: لن تُلاقِىَ أجسامَنا النارُ، ولن ندْخُلَها إلا أيامًا معدودةً.
وإنما قيل: "معدودة".
وإن لم يكن مُبَيَّنًا عددُها في التنزيلِ، لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ عنهم بذلك وهم عارفون عددَ الأيامِ التى يُوَقِّتونها لمُكْثِهم في النارِ، فلذلك ترَك ذِكْرَ تسميةِ عددِ تلك الأيامِ، وسمَّاها معدودةً لمِا وصَفنا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مبلغِ الأيامِ المعدودةِ التى عنَتْها (١) اليهودُ القائلون ما أخبرَ اللهُ عنهم مِن ذلك؛ فقال بعضهم بما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاك، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [قالوا: هى أربعون يومًا لأمْرٍ عُذِّبوا فيه، ثم لا يُصيبُنا بعدها عذابٌ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾] (٢): قال ذلك أعداءُ اللهِ اليهودُ، قالوا (٣): لن يُدْخلَنا اللهُ (٣) النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ؛ الأيامَ التى أَصَبْنا فيها العِجْلَ أربعينَ ليلةً (٤)، فإذا تَقضَّت عنَّا تلك الأيامُ، انقَطع عنَّا العذابُ والقَسَمُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
قالوا: أيامًا معدودةً؛ ما أصبْنا في العِجْلِ (٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
قال: قالتِ اليهودُ: إن اللهَ يُدْخِلُنا النارَ فنَمْكُثُ فيها أربعين ليلةً، حتى إذا أكلتِ النارُ خطايانا واستنقَيْنا (١)، نادَى مُنادٍ: أَخْرِجوا كلَّ مختونٍ مِن وَلَدِ (٢) إسرائيلَ.
فلذلك أُمِرْنا أن نَخْتَتِنَ.
قالوا: فلا يَدَعون في النارِ منا أحدًا إلا أخرَجوه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قالتِ اليهودُ: إن ربَّنا عتَب علينا في أمْرٍ (٣)، فأقسم ليُعذِّبنَّنا أربعين ليلةً، ثم يُخْرِجَنا.
فأكذَبهم اللهُ جلّ ثناؤه.
حدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت اليهودُ: لن نَدْخُلَ النارَ إلا تَحِلَّةَ القَسَمِ، عَدَدَ الأيامِ التى عبَدْنا فيها العِجْلَ (٤).
حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبِى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.
قال ابنُ عباسٍ: ذُكِر أن اليهودَ وجَدوا في التوراةِ مكتوبًا: إن ما بينَ طَرَفَيْ جهنمَ مسيرةُ أربعين سنةً، إلى أن يُنْتهَى إلى شجرةِ الزَّقُّومِ نابتًا في أصل الجحيمِ -وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن الجحيمَ سَقَرُ، وفيها شجرةُ الزَّقُّومِ- فزَعَم أعداءُ اللهِ أنه إذا خلَا العددُ الذى وَجَدُوا في كتابِهم أيامًا معدودةً -وإنما يعنى بذلك المسيرَ الذى ينتهى إلى أصلِ الجحيم- فقالوا: إذا خلا العددُ انقَضَى (١) الأجلُ، فلا عذابَ وتَذْهَبُ جهنَّمُ وتَهْلِكُ.
فذلك قولُه: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
يَعْنُون بذلك الأَجَلَ، فقال ابنُ عباسٍ: لماَّ اقْتَحَموا مِن بابِ جهنَّمَ ساروا في العذابِ حتى انتهَوْا إلى شجرةِ الزَّقُّومِ آخرَ يومٍ مِن الأيامِ المعدودةِ، [وهى الأربعون سنةً، فلما أكلوا من شجرةِ الزَّقُّومِ وملئوا منها البطونَ آخِرَ يومٍ من الأيامِ المعدودةِ] (٢)، قال لهم خُزَّانُ سَقَرَ: زعمتُم أنكم لن تَمَسَّكم النارُ إلَّا أيامًا معدودةً، فقد خلا العددُ وأنتم في الأَبَدِ، فأخذ بهم في الصَّعودِ في جهنَّم يُرْهَقون (٣).
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: [فإنَّهم اليهودُ قالوا: لن تمسنا النار] (٢) إلَّا أربعين ليلةً (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حَفْصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ بنِ أَبانٍ، عن عكرمةَ، قال: خاصَمَت اليهودُ رسولَ الله ﷺ فقالوا: لن نَدْخُلَ النارَ إلَّا أربعين ليلةً، وسَيَخْلُفُنا فيها قومٌ آخَرون -يعنون محمدًا ﷺ وأصحابَه- فقال رسولُ اللهِ ﷺ بيدِه على رءوسِهم: "بل أنْتُمْ فيها خالدونَ، لا يَخْلُفُكم إليها (٥) أَحَدٌ".
فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (٦) الآية.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جرَيْجٍ، قال: أخبَرني الحَكَمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: اجتمعَتْ يهودُ يومًا تُخاصِمُ النبيَّ ﷺ فقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ (١)؛ أربعين يومًا ثم يَخْلُفُنا أو يَلْحَقُنا فيها أُناسٌ.
فأشاروا إلى النبيِّ ﷺ وأصحابِه، فقال النبيُّ: "كَذَبْتم بل أنتم فيها خالِدُونَ مُخَلَّدُونَ، لا نَلْحَقُكم أو (٢) نَخْلُفُكم فيها إن شاء اللهُ أبَدًا".
حدَّثنى يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبى معاويةَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قوله: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قال: قالت اليهودُ: لا نُعَذَّبُ في النارِ يومَ القيامةِ إلَّا أربعين يومًا مِقْدَارَ ما عبَدنا العِجْلَ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: حدَّثنى أبى، أن رسولَ الله ﷺ قال لهم: "أَنْشُدُكم باللهِ وبَالتَّوْرَاةِ التى أنْزَلهَا اللهُ على مُوسَى يَوْمَ طُورِ سَيْناءَ، مَن أهْلُ النَّارِ الذين أنْزَلَهمُ اللهُ فى التّوْراةِ؟
" قالوا: إن ربَّهم غضِب عليهم غَضْبَةً، فَنَمْكُثُ في النارِ أربعين ليلةً، ثم نَخْرُجُ فتَخْلُفوننا فيها.
فقال النبيُّ ﷺ: "كَذَبْتم واللهِ لا نَخْلُفُكم فيها أبَدًا".
فنزَل القرآنُ تصديقًا لقولِ النبيِّ ﷺ وتكذيبًا لهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾.
إلى قولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت يهودُ يقولون: إنما هذه (١) الدنيا سبعةُ آلافِ سنةٍ، وإنما يُعَذَّبُ الناسُ يومَ القيامةِ بِكُلِّ أَلفِ سَنَةٍ من أيامِ الدنيا يومًا واحدًا مِن أيامِ الآخرةِ، [وإنما هى] (٢) سبعةُ أيامٍ.
فأنزَل اللهُ في ذلك من قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قدِم رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ ويهودُ تقولُ: إنما مدَّةُ الدنيا سبعة آلافِ سنةٍ، وإنما يُعَذَّبُ الناسُ في النارِ بكلِّ ألفِ سنةٍ مِن أيامِ الدنيا يومًا واحدًا في النارِ من أيامِ الآخرةِ، فإنَّما هى سَبْعةُ أيَّامٍ، ثم يَنْقَطِعُ العذابُ.
فأنزَلَ اللهُ ﷿ في ذلك مِن قولِهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ الآية (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ قال: كانت تقولُ: إنما الدنيا سبعةُ آلافِ سنةٍ، فإنما نُعَذَّبُ مكانَ كلِّ ألفِ سنةٍ يومًا (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلَّا أنه قال: كانت اليهودُ تقولُ: إنما الدنيا.
وسائرُ الحديثِ مثلُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: مِن الدهرِ.
وسَمَّوْا عدةَ سبعةِ آلافِ سنةٍ، من كلِّ ألفِ سنةٍ يومًا.
يهودُ تقولُه.
القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.
ولمَّا قالت اليهودُ ما قالتْ مِن قولِها: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
على ما قد بَيَّنَّا مِن تأويلِ ذلك، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لمعشرِ اليهودِ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ [بما تَقُولُون من أنّ النارَ لن تمسَّنا إلا أيامًا معدودةً، فلن يُخلفَ اللهُ عهدَه.
ويعنى بقولِه: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾] (١): أخَذتُم بما تقولون مِن ذلك مِن اللهِ ميثاقًا، فاللهُ لا يَنْقُضُ ميثاقَه، ولا يُبَدِّلُ وَعْده وَعَقْدَه، أم تَقُولون عَلَى اللهِ الباطِلَ جَهْلًا وجُرْأةً عليه؟
كما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال، ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾.
أى: موثقًا من اللهِ بذلك أنه كما تقولون (٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: قالت اليهودُ: لن نَدْخُلَ النارَ إلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ عددَ الأيامِ التى عبَدنا فيها العِجْلَ.
فقال اللهُ: ﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾ بهذا الذى تقولون، أَلَكُم بهذا حجةٌ وبرهانٌ، ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾، فهاتُوا حجَّتَكم وبرهانَكم، ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قالت اليهودُ ما قالت، قال اللهُ جلَّ ثناؤه لمحمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ﴾.
يقولُ: أَدَّخَرْتُم ﴿عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾.
يقولُ: أقلتُم: لا إلهَ إلا اللهُ.
لم تُشْرِكوا، ولم تَكْفُروا به، فإن كُنتُم قُلْتُموها فارْجُوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فَلِمَ تقولون على اللهِ ما لا تعلمون؟
يقولُ: لو كنتم قلتُم: لا إلهَ إلا اللهُ.
ولم تُشْرِكوا به شيئًا، ثم مُتُّمْ على ذلك لكان لكم ذُخْرًا عندى، ولم أُخْلِفْ وعْدى لكم أنى أُجازِيكم بها (٢).
حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما قالت اليهودُ ما قالتْ، قال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ﴾.
وقال في مكانٍ آخرَ: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤].
ثم أخبرَ الخبرَ فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
وهذه الأقوالُ التى رَوَيْناها عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وقتادةَ، بنحوِ معنى ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾؛ لأن مما أعطى اللهُ عبادَه مِن ميثاقِه أن مَن آمن به وأطاع أمْرَه نجَّاه مِن نارِه يومَ القيامةِ، ومِن الإيمانِ به الإقرارُ بأن لا إلهَ إلا اللهُ،، كذلك من ميثاقِه الذى واثَقَهم به، أن مَن أتاه يومَ القيامةِ بحجَّةٍ تكون له نجاةً مِن النارِ [أن يُنْجيَه] (١) منها، فكلُّ ذلك وإن اخْتَلَفَت ألفاظُ قائليه، فمتَّفِقُ المعانى على ما قُلنا فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
وقولُه جلّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ تكذيبٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه القائلين من اليهودِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وإخْبارٌ منه لهم أنه مُعَذِّبٌ (٢) مَن أشرَك وكفَر به وبرسُلِه، وأحاطتْ به ذنوبُه فمخلِّدُه (٣) في النارِ، وأنَّ الجنةَ لا يَسْكُنُها إلا أهلُ الإيمانِ به وبرسلِه، وأهلُ الطاعةِ له، والقائمون بحُدودِه.
كما حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضْلِ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
أى: من عمِل مثلَ أعمالِكم وكفَر بمثْلِ ما كفَرتُم به حتى يُحِيطَ كفرُه بما لَه مِن حسنةٍ، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤).
وأما ﴿بَلَى﴾ فإنها إقرارٌ في كلِّ كلامٍ في أولِه جَحْدٌ، كما "نَعَمْ" إقرارٌ في الاستفهامِ الذى لا جَحْدَ فيه.
وأصلُها "بَلْ" التى هى رجوعٌ عن الجَحْدِ المحْضِ في قولِك: ما قام عمْرٌو، بل زيدٌ.
فزِيدَتْ فيها الياءُ (١) لِيَصْلُحَ عليها الوقوفُ، إذ كانت (٢) عطفًا ورُجوعًا عن الجَحْدِ، ولتكونَ -أعنى "بَلَى" (٣) - رُجوعًا عن الجحْدِ فقطْ، وإقرارًا بالفعْلِ الذى بعدَ الجحْدِ، فدلَّت الياءُ منها على معنى الإقرارِ والأنعامِ (٤)، ودَلَّ لفظُ "بلْ" على الرجوعِ عن الجحدِ.
وأمَّا السيئةُ التى ذكَرها اللهُ في هذا المكانِ فإنها الشِّرْكُ باللهِ.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَحْيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنى عاصِمٌ، عن أبى وائلٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
قال: الشركُ (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا (٦).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
قال: أما السيئةُ فالشركُ (٦).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معْمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حدثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
قال: أمَّا السيئةُ فهى الذنوبُ التى وعَد اللهُ عليها النارَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، قال: الشركُ (٣).
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿سَيِّئَةً﴾: شركًا.
حُدِّثْث عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: يعنى الشركَ (٤).
وإنما قلنا: إن السيئةَ التى ذكَرَها اللهُ ﷿ أن من كسَبها وأحاطتْ به ذُنوبُه (٥)، فهو مِن أهلِ النار -في هذا الموضعِ- المخلَّدِينَ فيها، إنما عنَى جلّ ذكرُه بها بعضَ السيئاتِ دونَ بعضٍ، وإن كان ظاهرُها في التلاوةٍ عامًّا؛ أَنَّ (٦) اللهَ قضَى على أهلِها بالخُلودِ في النارِ.
والخلودُ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن أهلَ الإيمانِ لا يُخَلَّدُون فيها، وأن الخُلودَ في النارِ لأهلِ الكفرِ باللهِ دونَ أهلِ الإيمانِ به.
وبعدُ، فإن اللهَ جلّ ثناؤه قد قرَن بقولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ (١) فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
فكان معلومًا بذلك أن الَّذين لهم الخلودُ في النارِ مِن أهلِ السيئاتِ، غيرُ الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن أهلِ الإيمانِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن الذين آمنوا هم الذين عَمِلوا الصالحاتِ دونَ الذين عَمِلوا السيئاتِ، فإن في إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه بأنَّه مُكفِّرٌ -باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه- سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا المُدْخلَ الكريمَ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
وأن ذلك على خاصٍّ من السيئاتِ دون عامِّها.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضمِن لنا تكفيرَ سيئاتِنا باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهَى عنه، فما الدلالةُ على أن الكبائرَ غيرُ داخلةٍ في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؟
قيل: لمَّا صحَّ مِن أن الصغائرَ غيرُ داخلةٍ فيه، وأن المَعْنىَّ بالآيةِ خاصٌّ دونَ عامٍّ، ثبَت وصحَّ أن القضاءَ والحُكْمَ بها غيرُ جائزٍ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا على من وَقَفَه (٢) اللهُ عليه بدَلالَةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ عُذْرَ مَن بلَغه، وقد ثبَت وصحَّ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد عنَى بذلك أهلَ الشركِ والكفرِ به بشهادةِ جميع الأمةِ، فوجب بذلك القضاءُ على أن أهلَ الشركِ والكفرِ ممَّن عنَاه اللهُ بالآيةِ، فأمَّا أهل الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغتْه قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنيِّينَ بها، ومَنْ أنكر ذلك ممَّن دافَع حُجَّةَ الأخبارِ المُسْتَفِيضةِ والأنباءِ المتَظاهِرةِ، فاللازِمُ له تَرْكُ قَطْعِ الشهادة على أهلِ الكبائرِ بالخُلودِ في النارِ بهذه الآيةِ ونظائرِها التى جاءتْ بعُمومِهِم في الوعيدِ؛ إذ كان تأويلُ القرآنِ غيرَ مُدْرَكٍ إلَّا ببيانِ مَن جعَل اللهُ إليه بيانَ القرآنِ، وكانت الآيةُ فيها تأتى عامًّا في صِنْفٍ ظاهرُها، وهى خاصٌّ في ذلك الصنفِ باطنُها.
ويُسْألُ مدافِعو هذا الخبرِ بأن أهلَ الكبائرِ مِن أهلِ الاستثناءِ سؤالَنا مُنْكِرِى (١) رجمِ الزانى المحصَنِ، وزوالِ فرض الصلاةِ عن الحائضِ في حالِ الحيضِ، فإن السؤالَ عليهم نظيرُ السؤالِ على أُولاءِ (٢) سواءً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
يعنى بقولِه ﷿: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: اجْتَمَعتْ عليه فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ منها.
وأصلُ الإحاطةِ بالشئِ الإحداقُ به، بمنزلةِ الحائطِ الذى تُحاط به الدارُ فتُحْدِقُ به، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
فتأويلُ الآيةِ إذن: مَن أشرَكَ باللهِ واقتَرف ذنوبًا جَمَّةً فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، فأولئك أصحابُ النارِ هم مُخَلَّدون فيها أبدًا.
وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قاله المُتَأَوِّلون.
ذكرُ مَن قال ذلك منهم حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ يمَانٍ، عن سفيانَ، في الأعْمَشِ، [عن أبى رَزِينٍ] (٣): ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: مات بذَنْبِه (٤).
[حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: مات بذنبِه] (٥).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبى رَزينٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: فمات عليها (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسْحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: يُحِيطُ كفْرُه بما لَه مِن حسنةٍ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: [[ما وعَد اللهُ عليه النارَ (٣).
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال] (٤): ما أَوْجَب اللهُ فيه النارَ.
حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال] (٥): أمَّا الخطيئةُ فالكبيرةُ المُوجِبةُ (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبرَنا معمرٌ] (١)، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: الخطيئةُ الكبائرُ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رَجلٌ الحسَنَ عن قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
فقال: ما نَدْرِى ما الخطيئةُ يا بُنَىَّ، اتْلُ القرآنَ، فكلُّ آيةٍ وعَد اللهُ عليها النارَ فهى الخطيئةُ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: كلُّ ذنبٍ مُحِيطٍ فهو ما أوْعَد (٤) اللهُ عليه النارَ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: مات بخطيئتِه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ (٦) فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: هو الذى يموتُ على خطيئتِه قبلَ أن يتوبَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: قال وكيعٌ: سمِعْتُ الأعمشَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: مات بذُنُوبِه (١).
حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعْفَرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الكبيرةُ المُوجبةُ (٢).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: فمات ولم يَتُبْ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجّاجٌ (٤)، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
قال: الشركُ.
ثم تلا: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠].
القولُ فى تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: فأولئك الذين كسَبُوا السّيئاتِ وأحاطَت بهم خَطِيئَاتُهم أصحابُ النارِ (٥).
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أهلُ النارِ.
وإنما جعَلهم لها أصحابًا؛ لإيثارِهم -كان فى حياتِهم الدنيا- مِن الأعمالِ ما يُورِدُهُموها، ويُصْلِيهم (١) سعيرَها، على الأعمالِ التى تُورِدُهم الجنةَ، فجعَلهم جلَّ ذكرُه بإيثارِهم أسبابَها على أسبابِ الجنةِ لها أصحابًا، كصاحبِ الرجلِ الذى يَصْحَبُه، مُؤْثِرًا صُحْبَتَه على صحبةِ غيرِه حتى يُعْرَفَ به.
﴿هُمْ فِيهَا﴾.
يعنى: هم فى النارِ خالدون.
ويعنى بقوله: ﴿خَالِدُونَ﴾: مقيمون أبدًا (٢).
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: [حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال] (٣): حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أى: خالدون أبدًا (٤).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: لا يَخْرُجون منها أبدًا (٥).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾.
أى: صدَّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ.
ويعنى بقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أطاعوا اللهَ فأقامُوا حدودَه، وأدَّوْا فرائضَه، واجْتَنَبوا محارمَه.
ويعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هم كذلك، ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.
يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون أبدًا.
وإنما هذه الآيةُ والتى قبلَها إخبارٌ مِن اللهِ عبادَه عن بقاءِ النارِ وبقاءِ أهلِها فيها، [وبقاءِ الجَنَّةِ وبقاءِ أهلِها فيها] (١)، ودوامِ ما أَعَدَّ [اللهُ ﷿] (١) فى كلِّ واحدةٍ منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أن النارَ لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ.
فأخبرَهم بخلودِ كُفَّارِهم فى النارِ وخلودِ مؤمنيهم فى الجَنَّةِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
أى: مَن آمَن بما كفَرتم به وعمِل بما تركتُم مِن دينِه، فلهم الجنةُ خالدين فيها، يُخْبِرُهم أن الثوابَ بالخيرِ والشرِّ مقيمٌ على أهلِه أبدًا، لا انقطاعَ له أبدًا (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: محمدٌ ﵇ وأصحابُه، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
قد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن الميثاقَ "مِفْعَالٌ"، مِن التوَثُّقِ باليمينِ ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ (١).
فمعنى الكلامِ إذن: واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقَكم لا تعبُدون إلَّا اللهَ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
أى: ميثاقَكم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ (٢).
والقَرَأَةُ مختلِفةٌ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾؛ فبعضُهم يَقْرَؤُها بالتاءِ، وبعضُهم يَقْرَؤُها بالياءِ (٣)، والمعنى فى ذلك واحدٌ، وإنما جازت القراءةُ بالياءِ والتاءِ، وأن يُقالَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، و (لا يَعْبُدون).
وهم غَيَبٌ (٤)؛ لأن أخْذَ الميثاقِ بمعنى الاستحلافِ.
فكما تقولُ: استَحْلَفْتُ أخاكَ لَيَقومَنَّ.
فَتُخْبِرُ عنه خَبَرَكَ عن الغائبِ لغَيبتهِ عنك، وتقولُ: اسْتَحْلفتُه لَتَقُومَنَّ.
فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا.
فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾.
و (لا يَعْبُدون).
مَن قرَأ ذلك بالتاءِ، فبمعنى (٥) الخطابِ، إذ كان الخطابُ قد كان بذلك، ومَن قرَأ بالياءِ فلأنهم [كانوا غيرَ] (٦) مخاطَبين بذلك فى وقتِ الخبرِ عنهم.
وأمَّا رفعُ (لا يَعبدون (١)).
فبالياءِ (٢) التى فى (يَعبدون (١)).
[ولم تُنْصَبْ] (٣) بـ "أن" التى كانت تَصْلُحُ أن تَدْخُلَ معَ: (لا يَعبدُونَ (١) إلَّا اللهَ).
لأنها إذا صَلحَ دخولُها على فعْلٍ فحُذِفت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي (٤) أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
فرُفِع ﴿أَعْبُدُ﴾ -إذ لم تَدْخُلْ فيها "أن"- بالألِفِ الدَّالَّةِ على مَعْنى الاستِقْبالِ، وكما قال الشاعرُ (٥): أَلا أَيُّهذا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى فرفَع "أَحْضُرُ" -وإن كان يصلُح دخولُ "أَنْ" فيها، إذ حُذِفت- بالألفِ التى تأتى بمعنى الاستقبالِ.
وإنما صلَح حذْفُ "أن" مِن قولِه: (وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ لا يعْبدُونَ).
لدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليها، فاكْتُفِى بدلالةِ الظاهرِ عليها منها.
وقد كان بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون.
أى: قلنا لهم: واللهِ لا تَعبُدون.
أو قالوا: واللهِ لا يَعبُدون.
والذى قال مِن ذلك قريبٌ معناه مِن معنى القولِ الذى قلناه فى ذلك.
وبنحوِ التأويلِ الذى قُلْنا فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ من تأوَّل ذلك كذلك حدَّثنى المثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: أخَذ مواثيقَهم أن يُخْلِصوا له وألا يعبُدوا غيرَه (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
قال: أخذْنا ميثاقَهم أن يُخْلِصوا للهِ وألا يعبُدوا غيرَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
قال: الميثاقُ الذى أخَذ عليهم فى "المائدةِ" (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
عطفٌ على موضعِ "أن" المحذوفةِ فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
فكأنَّ معنى الكلامِ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلا اللهَ وبالولدين إحسانًا.
فرُفِع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لمَّا حُذِفت "أن"، ثم عُطِف ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعِها، كما قال الشاعر (٣): مُعَاوىَ إنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحَدِيدا فنصَب "الحديدَ" على العطفِ به على موضعِ "الجبالِ"؛ لأنها لو لم تكن فيها باءٌ خافضةٌ كانت نصبًا، فعطَف بـ "الحديدِ" على موضعِ (١) "الجبالِ" لا على لفظِها، فكذلك ما وصَفتُ مِن قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وأمَّا "الإحسانُ" فمنصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ يؤدِّى عن (٢) معناه قولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٣).
إذ كان مفهومًا معناه، فكأنَّ معنى الكلامِ لو أُظْهِر المحذوفُ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا.
فاكْتُفِى بقَولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ من أن يقالَ: وبأن تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْن إحْسَانًا؛ إذ كان مفهومًا أن ذلك معناه بما ظهَر مِن الكلامِ.
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسِنوا إحسانًا.
فجعَل الباءَ التى في "الوالِدَين" من صلةِ "الإحسانِ" مقدَّمةً عَليه.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ألا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وأحْسِنوا بالوالدينِ إحسانًا.
فزعَموا أن الباءَ التى في "الوالدينِ" مِن صلةِ المحذوفِ، أعنى مِن (٢) "أَحْسِنوا"، فجعَلوا ذلك مِن كلامينِ.
وإنما يُصْرَفُ الكلامُ إلى ما ادَّعَوْا مِن ذلك إذا لم يُوجَدْ لاتِّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ.
فأمَّا وللكلامِ وجْهٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ (٤) على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامينِ.
وأَحْرَى (٥) أن القولَ فى ذلك لو كان على ما قالوا لقيل: وإلى الوالدَيْن إِحسانًا.
لأنه إنما يقالُ: أحسَنَ فلانٌ إلى والديْه.
ولا يقالُ: أحسَن بوالديه.
إلا على استكراهٍ للكلامِ، ولكنِ القولُ فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بكذا وبالوالدينِ إحسانًا.
على ما بيَّنَّا قبلُ، فيكونُ "الإحسانُ" حينَئذٍ مصدرًا مِن معنى (١) الكلام لا مِن لفظِه، كما قد بَيَّنَّا فيما مضَى مِن نظائره (٢).
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإحسانُ الذى أخَذ عليهم بالوالدين الميثاقَ؟
قيل: نظيرُ ما فرَض اللهُ على أُمَّتِنا لهما مِن فعْلِ المعروفِ بهما، والقولِ الجميلِ، وخفْضِ جَناحِ الذُّلِّ رحمةً بهما، والتَّحَنُّنِ عليهما، والرأفةِ بهما، والدعاءِ بالخيرِ لهما، وما أشبهَ ذلك مِن الأفعالِ التى ندَبَ اللهُ جلَّ وعزَّ عبادَه أن يفعَلوا بهما.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ تناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَذِي الْقُرْبَى﴾: وبذى القُربى أن يصلُوا قرابتَه منهم ورحمَه.
والقُرْبَى" مصدرٌ على تقديرِ "فُعْلَى"، من قولِك: قرُبتْ منِّى رَحمُ فلانٍ قرابةً وقُرْبى [وقُربةً] (٣) وقُرْبًا.
بمعنًى واحدٍ.
وأمَّا "اليتامى" فهو جمعُ يتيمٍ، مثلُ أسيرٍ وأَسارى، ويَدْخُلُ في اليتامى الذكورُ منهم وإلإناثُ.
فمَعنى ذلك: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ وحدَه دونَ مَا (٤) سواه مِن الأندادِ، وبالوالدين إحسانًا، وبذى القُرْبَى، أن تَصِلوا رَحمَه، وتَعْرِفُوا حَقَّه، وباليتامى، أن تتَعَطَّفوا عليهم بالرحمةِ والرأفةِ، وبالمساكينِ؛ أن تُؤْتُوهم حقوقَهم التى ألزمَها اللهُ ﷿ أموالَكم.
و"المسكينُ" هو المُتَخَشِّعُ المُتَذَلِّلُ مِن الفاقةِ والحاجةِ، وهو "مِفْعِيلٌ" مِن المَسْكَنَةِ، والمسكنةُ هى ذُلُّ الحاجةِ والفاقةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
إن قال لنا قائلٌ: كَيف قيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
فأُخْرِج الكلامُ أمرًا ولمَّا يَتَقَدَّمْه أمرٌ، بل الكلامُ جارٍ مِن أوَّلِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ؟
قيل: إن الكلامَ وإن كان قد جرَى في أولِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ، فإنه مِمَّا يَحْسُنُ في موضعهِ الخطابُ بالأمرِ والنهىِ، فلو كان مكانَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، "لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ".
على وجْهِ النهىِ مِن اللهِ لهم عن عبادةِ غيرِه - كان حسنًا صوابًا، وقد ذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ (١)، وإنما حسُن ذلك وجاز لو كان مقروءًا به؛ لأن أخذَ الميثاقِ قولٌ، فكأنَّ (٢) معنى الكلامِ -لو كان مقروءًا كذلك-: وإذ قلنا لبنى إسرائيلَ: لا تعبُدوا إلا اللهَ.
كما قال جلَّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].
[فتُلُقِّى ذلك بالأمرِ، كما تقولُ: قُلنا لهم: خُذوا ما آتيناكم بقوةٍ] (٣).
فلما كان حَسَنًا وضعُ الأمرِ والنهىِ في موضعِ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ عطَف بقولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ على موضع ﴿تَعْبُدُونَ﴾ (٤) -وإن كان مخالفًا لفظُ (٥) كُلِّ واحدٍ منهما ومعناه معنى صاحبِه (٦) - لما وصَفنا مِن جوازِ وضعِ الخطابِ بالأمرِ والنهىِ موضعَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾.
فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيلَ لا تعبدوا إلا اللهَ، وقولوا للناسِ حسنًا.
وهو نظيرُ ما قدَّمنا البيانَ عنه، مِن أن العربَ تَبْتَدِئُ الكلامَ أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ في مواضعِ الحكاياتِ عَمّا (١) أخْبَرَتْ عنه، ثم تعودُ إلى الخبرِ على وجهِ الخطابِ، وتَبْتَدِئُ أحيانًا على وجهِ الخطابِ، ثم تعودُ إلى الإخبارِ على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، لما في الحكايةِ مِن المَعْنَيَيْنِ، كما قال الشاعرُ (٢).
أَسِيئِى بِنا أوْ أَحْسِنِى لا مَلُومَةً … لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيةً إنْ تَقَلَّتِ يعنى: تقلَّيْتِ.
وأمَّا "الحُسْنُ" فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت في قراءتِه، فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (وقُولُوا للنّاسِ حَسَنًا) بفتحِ الحاءِ والسينِ (٣).
وقرأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ السينِ (٤).
وقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى).
على مثالِ "فُعْلَى" (٥).
واخْتَلف أهلُ العربيةِ في فرْقِ ما بينَ معنى قولِه: (حَسَنًا)، و ﴿حُسْنًا﴾؛ فقال بعضُ البصريِّين: هو على أحدِ وجهينِ؛ إمَّا أن يكونَ يُرادُ بـ "الحُسْنِ": "الحَسَنُ"، لكنها (٦) لغةٌ، كما تقولُ: "البُخْلُ" و"البَخَلُ".
وإمَّا أن يكونَ جُعِلَ "الحُسْنُ" هو "الحَسَنَ" في التشبيهِ، وذلك أن الحُسنَ مصدرٌ، و"الحَسَنَ" هو الشئُ الحَسَنُ، فيكونُ ذلك حينَئذٍ كقولِك: إنما أنت أَكْلٌ وشُرْبٌ.
كما (١) قال الشاعرُ (٢): وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ (٣) لَهَا بِخَيْلٍ … تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيعُ فجعَل التحيةَ ضربًا.
وقال آخَرُ: بل "الحُسْنُ" هو الاسمُ العامُّ الجامعُ جميعَ معانى الحُسْنِ، و"الحَسَنُ" هو البعضُ مِن معانى "الحُسْنِ".
قال: وكذلك (٤) قال جلَّ ثناؤُه إذْ أوصَى بالوالدينِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
يعنى بذلك أنه وصَّاه فيهما (٥) بجميعِ معانى "الحُسْنِ"، وأمَره في سائرِ الناسِ ببعضِ الذى أمَره به في والديْه، فقال: (وَقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا).
يعنى بذلك بعضَ معانى الحُسْنِ.
والذى قاله هذا القائلُ في معنى "الحُسْنِ" -بضم الحاءِ وسكونِ السين- غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسمٌ لنوعِه الذى سُمِّى به.
وأَمَّا "الحَسَنُ" فهو صفةٌ [ونَعْتٌ] (٦) لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصٍّ (٧).
وإذا كان الأمرُ كذلك، فالصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: (حَسَنًا)؛ لأن القومَ إنما أُمِروا -في هذا العهدِ الذى قيل لهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ - باستعمالِ الحَسَنِ من القولِ دونَ سائرِ معانى الحُسْنِ، الذى يكونُ بغيرِ القولِ، وذلك نَعْتٌ لخاصٍّ مِن معانى الحُسْنِ وهو القولُ، فلذلك اخترتُ قراءتَه بفتحِ الحاءِ والسينِ، على قراءتِه بضمِّ الحاءِ وسكونِ السينِ (١).
وأمَّا الذى قرَأ ذلك: (وَقولُوا للنَّاسِ حُسْنَى).
فإنه خالَف بقراءتِه إيَّاه كذلك قراءةَ أهلِ الإسلامِ، وكفَى شاهدًا على خطأِ القراءةِ بها كذلك خروجُها مِن قراءةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه.
فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ مِن المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَكادُ أن تَتَكَلَّمَ بـ "فُعْلَى" و"أفْعَلَ" إلا بالألفِ واللامِ أو بالإضافةِ، لا تقولُ: جاءنى أحسنُ.
حتى يَقُولوا: الأحسنُ.
ولا: أجملُ.
حتى يَقولُوا: الأجملُ.
وذلك أن "الأفْعَل" و"الفُعْلَى" لا يَكادان يُوجَدان صفةً إلا لمعْهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُسْنَى.
وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: امرأةٌ حُسْنَى، ورجلٌ أحسنُ.
وأمّا تأويلُ القولِ الحَسَنِ الذى أمَر اللهُ به جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمْرَهم مِن بني إسرائيلَ في هذه الآيةِ أن (٢) يَقُولوه للناسِ، فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أمَرَهم أيضًا بعدَ هذا الخُلُقِ أن يَقُولوا للناسِ حسنًا؛ أن يَأْمُروا بـ "لا إلهَ إلا اللهُ" مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ لهم مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه.
[قال: والحسَنُ] (٣) أيضًا (٤) ليِّن القولِ، مِن الأدبِ الحسنِ الجميلِ، والخُلُقِ الكريمِ، وهو مما ارْتَضاه اللهُ وأحَبَّه (٥).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
قال: يَقولُ: قولوا للناسِ معروفًا (١).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
قال: صِدقًا في شأنِ محمدٍ ﷺ (٢).
حُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرىَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
قال: مُرُوهم بالمعروفِ، وانْهَوْهم عن المُنكرِ (٣).
حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبِىُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سُليمانَ، قال: سأَلْتُ عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
قال: مَن لَقِيتَ مِن الناسِ، فقُلْ له حَسَنًا مِن القولِ.
قال: وسأَلْتُ أبا جعفرٍ فقال مثلَ ذلك.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ (٤)، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن أبى جعفرٍ وعطاءِ بنِ أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
قال: للناسِ كلِّهم (٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أدُّوها بحدودِها (١) الواجبةِ عليكم فيها.
كما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ (٢)، قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: [في هذه الأخلاقِ] (٣)، وإقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ والتِّلاوةِ والخشوعِ، والإقْبالُ عليها فيها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى الزكاةِ وما أصلُها (٥).
وأما الزكاةُ التى كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أمَر بها بنى إسرائيلَ الذين ذكَر أمْرَهم في هذه الآيةِ، فهى ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قال: إيتاءُ الزكاةِ ما كان اللهُ فرَض عليهم في أموالِهم مِن الزكاةِ، وهى سُنَّةٌ كانت لهم غيرُ سُنَّةِ محمدٍ ﷺ، كانت زكاةُ أموالِهم قُربَانًا تَهْبِطُ إليه نارٌ فتَحْمِلُها، فكان ذلك تَقَبُّلَه، ومَن لم تَفْعَلِ النارُ به ذلك كان غيرَ مُتَقَبَّلٍ، وكان الذى قرَّب مِن مَكْسَبٍ لا يَحِلُّ مِن ظُلْمٍ أو غَشْمٍ، أو أخْذٍ بغيرِ ما أمَره اللهُ ﷿ به وبيَّنه له.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ تعالى ذكرُه والإخلاصَ (١).
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن يهودِ بنى إسرائيلَ، أنهم نكَثوا عهدَه، ونقَضوا مِيثاقَه، بعدَ ما أخَذ مِيثاقَهم على الوفاءِ له بأن لا يَعْبُدوا غيرَه، وبأن يُحْسِنوا إلى الآباءِ والأمهاتِ، ويَصِلوا الأرْحامَ، ويَتَعَطَّفوا على الأيْتامِ، ويُؤَدُّوا حُقوقَ أهلِ المسكَنةِ إليهم، ويَأْمُرُوا عبادَه بما أمَرَهم اللهُ به، ويَحُثُّوهم على طاعتِه، ويُقِيموا الصلاةَ بحُدودِها وفَرائضِها، ويُؤتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه في ذلك كلِّه، وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللهُ منهم، فوَفَى للهِ بعهدِه وميثاقِه.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا فرَض اللهُ عليهم -يعنى على هؤلاء الذين وصَف اللهُ أمْرَهم في كتابِه مِن بنى إسرائيلَ- هذا الذى ذكَر أنه أخَذ مِيثاقَهم به، أعْرَضوا عنه اسْتِثْقالًا لَه (٢) وكَراهيةً، وطلَبوا ما خَفّ عليهم، إلا قليلًا منهم، وهم الذين استثْنَى اللهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾.
يقولُ: أعْرَضْتُم عن طاعتى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾.
قال: القَلِيلُ الذين اخْتَرتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى بمَن تَوَلَّى وأعْرَض عنها.
يقولُ: ترَكها اسْتِخْفافًا بها (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: [ثنا ابنُ إسحاقَ، قال] (١): حدَّثنى محمدُ بن أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أى: ترَكْتُم ذلك كلَّه (٢).
وقال بعضُهم: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم.
كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم.
ولكنه جُعِل خطابًا لبَقايا نَسلِهم -على ما قد ذكَرْناه فيما مضَى قبلُ (٣) - ثم قال: وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْته عليكم بذلك، وتارِكوه تَركَ أَوائلِكم.
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لمَن كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من يهودِ بنى إسرائيلَ، وذَمٌّ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم في التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللهِ وركوبِهم معاصيَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.
في المعنى والإعرابِ نظيرُ قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
وأمّا سَفْكُ الدمِ، فإنه صَبُّه وإراقتُه.
فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
وقال: أَوَ كان القومُ يَقْتُلُون أنفسَهم، ويُخْرِجُونَها من ديارِها، فيُنْهَوا عن ذلك؟
قيل: ليس الأمرُ في ذلك على ما ظَنَنْتَ، ولكَن نُهُوا عن أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا، فكان في قتلِ الرجلِ منهم الرجلَ منهم قتلُ نفسِه، إذ كانت مِلَّتُهما [واحدةً، ودينُهما واحدًا، وكأنَّ أهلَ الدينِ الواحدِ في ولايةِ بعضِهم بعضًا] (١) بمنزلةِ رجلٍ واحدٍ، كما قال ﷺ: "إنّما المؤمنون في تَراحُمِهم وتَعاطُفِهم بينَهم بمنزلةِ [الجسدِ الواحدِ] (٢)، إذا اشْتَكَى [منه عُضوٌ] (٣) تدَاعَى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهَرِ" (٤).
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يَقْتُلُ الرجلُ منكم [الرجلَ منكم] (٥)، فَيُقادَ به قِصاصًا، فيكونَ بذلك قاتلًا نفسَه؛ لأنه كان الذى سبَّب لنفسِه ما استحقَّتْ به القتلَ، فأُضِيف إليه بذلك قتلُ ولىِّ المقتولِ إياه قِصاصًا بوليِّه، كما يقالُ للرجلِ يَرْكَبُ فعلًا من الأفعالِ يَستَحِقُّ به العقوبةَ فيعاقَبُ (٦): أنت جَنَيْتَ هذا على نفسِك.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأْويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾ أى: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ونفسُك يا بنَ آدمَ أهلُ مِلَّتِك (١).
حدَّثنى المُثَنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جَعْفَرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.
يقول: لا يقتلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
يقولُ: لا يُخْرِجُ بعْضُكُم بعضًا من الديارِ (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.
يقولُ: لا يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا.
[حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ: ﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ﴾.
يقولُ: لا يقتلُ بعضُكم بعضًا] (٣) بغيرِ حقٍّ، ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ فتَسْفِك يا بنَ آدمَ دماءَ أهلِ ملَّتِك ودعوتِك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ [أى: أقرَرتُم] (٣) بالميثاقِ الذى أَخَذْنا عليكم [ألا تَسْفِكُوا] (١) دماءَكُم ولا تُخْرِجوا أنفسَكُم مِن ديارِكُم.
كما حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.
يقولُ: أقررْتم بهذا الميثاقِ (٢).
حُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في من خُوطِب بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾؛ فقال بَعْضُهم: ذلك خطابٌ من اللهِ جلّ وعزّ لليهودِ الذين كانوا بين ظهرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ أيامَ هجرتِه إليه مُؤَنِّبًا لهم على تضييعِهم أحكامَ ما في أيدِيهم مِن التوراةِ التى كانوا يُقِرُّون بحُكْمِها، فقال اللهُ ﷿ لهم: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾.
يعنى بذلك: أقرَّ (٣) أَوائلُكم وسلفُكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ على إقرارِهم بأخذِ الميثاقِ عليهم بأن لا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجوا أنفسَهم من ديارِهم، [وتُصَدِّقون] (٤) بأنَّ ذلك حقٌّ مِن ميثاقى عليكم (٥).
وممن حُكِى هذا القول عنه ابنُ عباسٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: علَى أنَّ هذا حقٌّ من ميثاقِى عليكم (١).
وقال آخرون: بل ذلك خَبرٌ من اللهِ جلّ وعزّ عن أوائلِهم، ولكنه تعالى ذكرُه أخرَج الخبرَ بذلك عنهم مُخْرَجَ المخاطبةِ على النحوِ الذى وَصَفْنا في سائرِ الآياتِ التى هى نظائرُها، التى قد بَيَّنّا تأويلَها فيما مضَى (٢).
وتأوَّلُوا قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ بمعنى: وأنتم شُهودٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ يقولُ: وأنتم شهودٌ.
وأولى الأقاويلِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ عندِى أن يكونَ ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ خبرًا عن أسلافِهم، وداخلًا فيه المخاطَبون به (٣) الذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ، كما كان قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ خبرًا عن أسلافِهم وإن (٤) كان خطابًا للذين أَدْرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ؛ لأن اللهَ عزّ ذكرُه أخَذ ميثاقَ الذين كانوا على عهدِ موسى ﵇ من بنى إسرائيلَ على سبيلِ ما قد بَيّنه لنا في كِتابِه، فأَلْزَمَ جَميعَ مَن بعدَهم مِن ذُرِّيَّتِهِم مِن حُكْمِ التوراةِ مثلَ الذى أَلْزَم منه مَن كان على عهدِ موسى ﵇ منهم، ثم أَنَّب الذين خاطبَهم بهذه الآياتِ على نقضِهم ونقضِ سلفِهم ذلك الميثاقَ، وتبديلهم (٥) ما وَكَّدوا على أنفسِهم له بالوفاءِ من العهودِ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وإن كان خارجًا على وجهِ الخطابِ للذين كانوا على عهدِ نبيِّنا ﷺ منهم، فإنَّه معنيٌّ به كلُّ مَن أقَرّ (١) بالميثاقِ منهم على عهدِ موسى ﵇ ومَن بعدَه، وكلُّ مَن شَهِد منهم بتصديقِ ما في التوراةِ، لأنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه لَمْ يَخْصُصْ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ وما أشبهَ ذلك من الآىِ بعضَهم دون بعضٍ، والآيةُ محتمِلةٌ أن يكونَ أُرِيدَ بها جميعُهم، فإذ كان ذلك كذلك، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أنه أريدَ بها بعضٌ منهم دونَ بعضٍ، وكذلك حكمُ الآيةِ التى بعدَها، أعنِى قولَه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية؛ لأنه قد ذُكِر أن أوائلَهم قد كانوا يفعلُون من ذلك ما كان يفعلُه أواخرُهم الذين أدركوا عصرَ نبيِّنا ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وَيَتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ أُريدَ به: ثم أنتم يا هؤلاء.
فترَك "يا" استغناءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩].
وتأويلُه: يا يوسفُ أَعْرِضْ عن هذا.
فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: ثم أنتم (٢) يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم [ألا تَسْفِكوا] (٣) دماءَكم، ولا تُخْرِجوا (٤) أنفسَكم من ديارِكم (٥)، وبعد شهادتِكم على أنفسِكم بأن ذلك حقٌّ لى عليكم لازمٌ لكم الوفاءُ لى به -تَقْتلون أنفسَكم وتُخْرِجون فريقًا منكم من ديارِهم، متعاونين عليهم (١) في إخراجِكم إياهم بالإثمِ والعدوانِ.
والتعاونُ هو التظاهرُ.
وإنما قيل للتعاونِ: التظاهرُ.
لتقويةِ بعضِهم ظهرَ بعضٍ، فهو تفاعُلٌ من الظَّهْرِ، وهو مساندةُ بعضِهم ظهرَه إلى ظهرِ بعضٍ.
والوجهُ الآخرُ أن يكونَ معناه: ثم أنتم، القومَ (٢)، تَقْتلون أنفسَكم، فيَرْجعُ إلى الخبرِ عن "أنتم"، وقد اعْتُرِضَ بينهم وبين الخبرِ عنهم بـ "هؤلاء"، كما تقولُ العربُ: أنا ذا أقوم، أنا ذا أَجْلِسُ.
ولو قيل: أنا هذا يَجْلِسُ.
كان صحيحًا جائزًا، وكذلك: أنت ذاك تقومُ.
وقد زعَم بعضُ البصريين أن قولَه: ﴿هَؤُلَاءِ﴾.
في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾ [تنبيهٌ وتوكيدٌ] (٣) لـ ﴿أَنْتُمْ﴾.
وزعَم أنَّ "أنتم" وإن كانت كنايةَ أسماءِ جماعِ المخاطَبين، فإنما جاز أن يؤكَّدوا بـ "هؤلاء" - [و"هؤلاء" لا يؤكدُ بها] (٤) عن مخاطَبين- كما قال خُفافُ ابنُ نُدْبةَ (٥): أقولُ له والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَه … تأمَّلْ (٦) خُفافًا إنّنِى أنا ذَلكا يريد: أنا هذا (٧).
وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
ثم اختلف أهلُ التأويلِ في مَن عُنِىَ بهذه الآيةِ نحوَ اختلافِهم في من عُنِىَ بقولِه: أن يختارَ مختارٌ (تَظَّاهَرُونَ) بالتشديدِ طلبًا منه تتمةَ الكلمةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾.
اليهودَ، يُؤنِّبُهم (١) بذلك، ويُعَرِّفُهم به قبيحَ أفعالِهم التى كانوا يَفْعَلونها، فقال لهم: ثم أنتم، بعد إقرارِكم بالميثاقِ الذى أخذْتُه عليكم ألا تَسْفِكوا دماءَكم، ولا تُخْرِجوا أنفسَكم من ديارِكم، تَقْتُلُونَ أنفُسَكم -يعنى به: يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا- وأنتم مع قتلِكم مَن تَقْتلون منكم، إذا وجَدْتم الأسيرَ منكم في أيدى غيرِكم من أعدائِكم تَفْدُونهم ويُخْرِجُ بعضُكم بعضًا من دارِه، وقَتْلُكم إياهم وإخراجُكُموهم من ديارِهم حرامٌ عليكم، كما حرامٌ عليكم تَرْكُهم أَسْرى في أيدى عَدُوِّكم، فكيف تَسْتَجِيزونَ قتلَهم ولا تَسْتَجيزونَ تَرْكَ فدائِهم من عدوِّهم؟
أم كيف لا تَسْتَجيزون تَرْكَ فدائِهم، وتَسْتَجيزون قتلَهم، وهما جميعًا في اللازمِ لكم من الحكمِ فيهم سواءٌ؛ لأنَّ الذى حَرَّمْتُ عليكم مِن قَتْلِهم وإخراجِهم من دورِهم نظيرُ الذى حَرَّمْتُ عليكم من تَرْكِهم أَسْرَى في أيدى عدوِّهم، أتؤمنون ببعضِ الكتابِ الذى فرضْتُ عليكم فيه فرائضى وبَيَّنْتُ لكم فيه حُدُودى وأخذْتُ عليكم (٢) بالعملِ بما فيه ميثاقى - فتُصَدِّقون به، فتُفادُون أَسْراكم مِن أيدِى عدوِّكم، وتَكْفُرونَ ببَعْضِه، فتَجْحَدونه فتَقْتُلُون مَن حرَّمْتُ عليكم قتلَه مِن أهلِ دينِكم ومِن قومِكُم، وتُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وقد علِمْتُم أن الكفرَ منكم ببَعْضِه نقضٌ منكم عهدى ومِيثاقى؟!
كما حَدَّثَنَا بشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ [أُسَارَى تُفَادُوهُمْ] (١) وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فادين، واللهِ إن فداءَهم لَلْإيمانُ، وإن إخراجَهم لَلْكفرُ، فكانوا يُخْرِجونهم مِن ديارِهم، وإذا رأَوْهم أُسارَى في أيدى عدوِّهم افتَكُّوهم (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أو عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾: قد علِمْتُم أن ذلكم عليكم في دينِكم ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كتابِكم ﴿إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: أتُفادُونهم مؤمنين بذلك، وتُخْرِجونهم كفرًا بذلك (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نجِيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾.
يقولُ: إن وجدْتَه في يدِ غَيرِكَ فدَيْته وأنت تَقْتُلُه (٤) بيدِك.
حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان قَتادةُ يقولُ في قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾: فكان إخراجُهم كفرًا وفداؤُهم إيمانًا.
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال: كان في بنى إسْرائيلَ إذا اسْتَضْعَفوا قومًا أخْرَجوهم مِن ديارِهم، وقد أُخِذ عليهم الميثاقُ ألا يَسْفِكوا دماءَهم، ولا يُخْرِجُوا أنفسَهم مِن ديارِهم، وأُخِذ عليهم الميثاقُ إنْ أُسِر بعضُهم أن يُفادُوهم، فأخْرَجوهم مِن ديارِهم، ثم فادوهم، فآمَنوا ببعضِ الكتابِ وكفَروا ببعضٍ، آمَنوا بالفِداءِ ففدَوْا، وكفَروا بالإخراجِ مِن الديارِ فأَخْرَجوا (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، قال: ثنا الربيعُ بنُ أنسٍ، قال: أخْبَرَنى أبو العاليةِ، أن عبدَ اللهِ بنَ سَلَامٍ مرَّ على رأسِ الجالوتِ بالكوفةِ وهو يُفادِى مِن النساءِ مَن لم يَقَعْ عليه العربُ، ولا يُفادِى مَن قد وقَع عليه العربُ، فقال له عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: أما إنه مَكْتوبٌ عندَك في كتابِك: أن فَادُوهن كلَّهن (٢).
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾.
قال: كفرُهم القتلُ والإخْراجُ، وإيمانُهم الفِداءُ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: يقولُ: إذا كانوا عندَكم تَقْتُلونهم، وتُخْرِجُونهم مِن ديارِهم، وأما إذا أُسِروا تَفْدُونهم؟
وبلَغَنى أن عمرَ بنَ الخطابِ قال في قصةِ بنى إسرائيلَ: إن بنى إسرائيلَ قد مضَوْا، وإنكم [يا أهلَ الإسلامِ] (٣) تُعْنَوْن بهذا الحديثِ.
واخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (أَسْرَى تَفْدُوهم).
وبعضُهم: (أُسارَى تُفادُوهم).
وبعضُهم: (أُسارَى تَفْدُوهم).
وبعضُهم: (أَسْرى تُفادُوهم) (١).
فمَن قرَأ ذلك: (وإن يأتوكم أسْرَى).
فإنه أراد جمعَ الأسيرِ، إذ كان على "فَعِيل" على مثالِ جمعِ أسماءِ ذَوِى العاهاتِ التى يأتى واحدُها على تقديرِ "فَعِيل"؛ إذ كان الأسْرُ شَبيهَ المعنى -في الأذَى والمكروهِ الداخلِ به على الأسِيرِ- ببعضِ مَعانى العاهاتِ، وأُلْحِق جَمْعُ المسمى (٢) به بجمعِ ما وصَفْنا، فقيل: أَسيرٌ وأسْرَى.
كما قيل: مريضٌ ومَرْضَى، وكَسيرٌ وكَسْرَى، وجَريحٌ وجَرْحَى.
وأما الذين قرَءوا ﴿أُسَارَى﴾ فإنَّهم أخرَجوه على مُخرجِ جمعِ "فَعْلان"؛ إذ كان جمعُ "فعلان" الذى له "فَعْلَى"، قد يُشاركُ جمعَ "فعيلٍ"، كما قالوا: سُكَارى وسَكْرى، وكُسالى وكَسْلى، فشبَّهوا أسيرًا -إذ جمَعوه مرةً أُسارى، وأُخرى أَسْرى- بذلك.
وكان بعضُهم يَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى مخالِفٌ معنى الأسارَى، ويَزْعُمُ أن معنى الأسْرَى اسْتِئْسارُ القومِ بغيرِ أسْرٍ مِن المُسْتَأْسِرِ لهم، وأن معنى الأسارَى معنى مَصيرِ القومِ المأْسُورِين في أيدى الآسِرِين بأسْرِهم إياهم وأخْذِهم قهرًا وغَلَبةً.
قال أبو جعفرٍ: وذلك ما لا وجهَ له يُفْهَمُ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ، ولكنَّ ذلك على ما وصَفْتُ مِن جمعِ الأسيرِ مرةً على "فَعْلَى" لِمَا بيَّنْتُ مِن العلةِ، ومرةً على "فُعَالى" لمَا ذكَرْتُ مِن تشبيهِهم جمعَه بجمعِ سَكْرانَ وكَسْلانَ وما أشْبَه ذلك.
وأولى القراءات (٣) بالصوابِ في ذلك (٤) قراءةُ مَن قرَأ: (وَإنْ يأتُوكُم أسْرَى)؛ لأن "فُعَالى" في جمعِ "فَعِيل" غيرُ مُسْتَفيضٍ في كلامِ العربِ، فإذ كان ذلك غيرَ مُسْتَفِيضٍ في كلامِهم، وكان مُسْتَفِيضًا فاشيًا فيهم جمعُ ما كان مِن الصفاتِ -التي بمعنى الآلامِ والزَّمَانةِ- واحدُه على تقديرِ "فَعيلٍ" على "فَعْلَى" كالذى وصَفْنا قبلُ، وكان أحدُ ذلك الأسيرَ - كان الواجبُ أن يُلْحَقَ بنَظائرِه وأشْكالِه فيُجْمَعَ جمعَها دونَ غيرِها ممَّن خالَفَها.
وأما مَن قرَأ: ﴿تُفَادُوهُمْ﴾.
فإنه أراد: إنكم تَفْدُونهم ممن (١) أسرَهم، ويُفْدَى منكم الذين أسَرُوهم؛ ففادُوكم بهم [أسْراهم منكم] (٢).
وأما مَن قرَأ ذلك: (تَفْدوُهُمْ) فإنه أراد أنكم يا معشرَ اليهودِ إن أتاكم الذين أخْرَجْتُموهم منكم مِن ديارِهم أسْرَى، فدَيْتُموهم فاسْتَنْقَذْتُموهم.
وهذه القراءةُ أعجبُ إلىَّ مِن الأولى -أعْنِى: (أسْرَى تَفْدُوهم) - لأن الذى على اليهودِ في دينِهم فِداءُ أسْراهم بكلِّ حالٍ، فَدَى الآسِرون أسْراهم منهم أم لم يَفْدُوهم.
وأمّا قولُه: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ فإن في قولِه: ﴿وَهُوَ﴾ وجهين مِن التأويلِ، أحدُهما: أن يكونَ كِنايةً عن الإخراجِ الذى تَقَدَّم ذكرُه، فكأنه قال: وتُخْرِجون فريقًا منكم مِن ديارِهم، وإخراجُهم مُحَرَّمٌ عليكم.
ثم كرَّر الإخْراجَ الذي بعدَ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ تكريرًا على "هو"، لمَّا حال بينَ "الإخراجِ" و ﴿وَهُوَ﴾ كلامٌ.
والتأويلُ الثانى: أن يَكونَ عِمادًا (٣) لمَّا كانت الواوُ التى مع ﴿وَهُوَ﴾ تَقْتَضِى اسمًا يَلِيها دونَ الفعلِ (١)، فلما قدَّم الفعلَ قبلَ الاسمِ -الذى تَقْتَضِيه الواوُ أن يَلِيَها- أُولِيَت "هو"؛ لأنه اسمٌ، كما تَقولُ في الكلامِ: أتَيْتُك، وهو قائمٌ أبوك.
بمعنى وأبوك قائمٌ؛ إذ كانت الواوُ تَقْتَضِى اسمًا، فعُمِدَت بـ"هو"؛ إذ سبق الفعلُ الاسمَ ليَصْلُحَ الكلامُ به، كما قال الشاعرُ (٢): فأَبْلِغْ أبا يحيى إذا ما لقِيتَه … على العِيسِ في آباطِها عَرَقٌ يَبْسُ بأنَّ السُّلاميَّ الذي بضَرِيَّةٍ (٣) … أَميرَ الحِمَى قد باع حَقِّى بنى عَبْسِ بثوبٍ ودينارٍ وَشاةٍ ودِرْهَمٍ … فهل هو مرفوعٌ بما هاهنا راسُ فأُولِيَت "هل" (٤) لطلبِها الاسمَ العِمادَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾: فليس لمن قتَل منكم قَتيلًا -فكفَر بقتلِه إياه [ببعضِ حكمِ] (٥) اللهِ الذى حكَم به عليه في التَّوْراةِ، وأخْرَج منكم فريقًا مِن ديارِهم مُظاهِرًا (٦) عليهم أعداءَهم مِن أهلِ الشركِ ظُلمًا وعُدْوانًا، وخلافًا لمَا أمَرَه اللهُ به في كتابِه الذى أنْزَله إلى موسى- ﴿جَزَاءُ﴾، يعني بـ"الجزاءِ" الثوابَ، وهو العِوَضُ مما فعَل مِن ذلك والأجرُ عليه، ﴿إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
والخِزْىُ الذُّلُّ والصَّغارُ.
يقالُ منه: قد خَزِى الرجلُ يَخْزَى خِزْيًا ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يعنى: في عاجلِ الدنيا قبلَ الآخِرةِ.
ثم اخْتُلِف في الخِزْىِ الذى جزاهم (١) اللهُ بما سلَف منهم (٢) مِن معصيتِهم إياه؛ فقال بعضُهم: ذلك هو حُكْمُ اللهِ الذى أنْزَلَه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ مِن أخْذِ القاتلِ بِمَن قتَل والقَوَدِ به قِصاصًا، والانتقامِ للمظلومِ مِن الظالِم.
وقال آخرون: بل ذلك هو أخْذُ الجزيةِ منهم ما أقاموا على دينِهم ذِلَّةً لهم وصَغارًا.
وقال آخرون: بل ذلك الخِزْىُ الذى جُوزُوا به في الدنيا إخراجُ رسولِ اللهِ ﷺ النَّضِيرَ عن دِيارهم لأولِ الحَشْرِ، وقَتْلُ مُقاتِلةِ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَراريِّهم، فكان ذلك لهم خِزْيًا في الدنيا، ولهم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾: ويومَ تَقومُ (٣) الساعةُ، يُرَدُّ مَن يَفْعَلُ ذلك منكم بعدَ الخَزْىِ الذى يَحِلُّ به في الدنيا جَزاءً على معصيتِه اللهَ، إلى أشدِّ العذابِ الذى أعَدَّه اللهُ لأعْدائِه.
وقد قال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يومَ القيامةِ يُرَدُّونَ إلى أشدِّ مِن عذابِ الدنيا.
ولا معنى لقولِ قائلِ ذلك؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه إنما أخْبَر أنهم يُرَدُّون إلى أشدِّ معانى العذابِ، ولذلك أدْخَل فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه عَنَى به جنسَ العذابِ كلِّه دونَ نوعٍ منه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾.
اخْتَلَفت القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: (وما اللهُ بغافلٍ عما يعملون).
بالياءِ (١) على وجهِ الإخْبارِ عنهم، فكأنَّهم نحَوْا بقراءتِهم معنى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويومَ القيامةِ يُرَدُّ من يفعلُ ذلك منكم إلى أشدِّ العذابِ (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُونَ) يعنى: عَمَّا يَعْمَلُه الذين أخبَرَ اللهُ عنهم أنه ليس لهم جزاءٌ على فعلِهم إلَّا الخِزْىُ في الحياة الدنيا، ومرجِعُهم في الآخرةِ إلى أشدِّ العذابِ.
وقرَأه آخَرون: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بالتاءِ على وجهِ المخاطبةِ.
قال: فكأنَّهم نَحَوْا بقراءتِهم: أفتُؤمنون ببعضِ الكتابِ وتكفُرون ببعضٍ، وما اللهُ بغافلٍ يا معشرَ اليهودِ عما تعملون أنتم.
وأَعْجَبُ القراءتينِ في ذلك إليَّ قراءةُ من قرأ بالياءِ إِتباعًا لقولِه: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ﴾ ولقولِه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ لأن قولَه: (وما اللهُ بغافلٍ عما يَعْمَلُون).
إلى ذلك أقربُ منه إلى قولِه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فإتباعُه الأقربَ إليه أَوْلَى مِن إلحاقِه بالأبعدِ منه.
والوجهُ الآخَرُ غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ.
وتأويلُ قولِه: [﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾] (٢): وما اللهُ بساهٍ عن أعمالِهم الخبيثةِ، بل هو مُحْصٍ لها، وحافظُها عليهم حتى يُجَازِيَهم بها في الآخرةِ، ويُخْزِيَهم في الدنيا فَيُذِلَّهم ويَفْضَحَهم بها (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين أخبَر عنهم أنهم يُؤمنون ببعضِ الكتابِ فيُفَادُون أسراهم مِن اليهودِ، ويَكْفُرون ببعضٍ فيَقْتُلون مَن حَرَّم اللهُ عليهم قتلَه مِن أهلِ مِلَّتِهم، ويُخْرِجُون مِن دارِه مَن حَرَّم اللهُ عليهم إخراجَه مِن دارِه، نقضًا لعهدِ اللهِ وميثاقِه في التوراةِ إليهم، فأخبرَ جل ثناؤه أن هؤلاء هم الذين اشتَرَوْا رياسةَ الحياةِ الدنيا على الضعفاءِ وأهلِ الجهلِ والغباءِ مِن أهلِ مِلَّتِهم، وابتاعُوا المآكلَ الخَسِيسةَ الرديئةَ فيها بالإيمانِ الذى كان يكونُ لهم به في الآخرةِ -لو كانوا أَتَوْا به مكانَ الكفرِ- الخلودُ في الجنَانِ.
وإنما وصَفهم اللهُ جل ثناؤه بأنهم اشترَوْا الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، لأنهم رَضُوا بالدنيا -بكُفْرِهم باللهِ فيها- عوضًا مِن نعيمِ الآخرةِ الذى أعدّه اللهُ للمؤمنين، فجعَل تركَهم (١) حُظُوظَهم مِن نعيمِ الآخرةِ بكفرِهم باللهِ ثمنًا لما ابتاعوه به مِن خسيسِ الدنيا.
كما حدَّثنا [بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا] (٢) يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: استحبُّوا قليلَ الدنيا على كثيرِ الآخرةِ (٣).
ثم أخبرَ اللهُ جل ثناؤه أنهم إذ (٤) باعوا حظوظَهم مِن نعيمِ الآخرةِ بترْكِهم طاعتَه، وإيثارِهم الكفرَ به والخسيسَ مِن الدنيا عليه، فلا (١) حَظَّ لهم في نعيمِ الآخرةِ، وأن الذى لهم في الآخرةِ العذابُ، غيرُ مُخَفَّفٍ عنهم فيها العقابُ؛ لأنَّ الذى يُخَفَّفُ عنه فيها مِن العذابِ هو الذى له حَظٌّ في نَعِيمِها، ولا حَظَّ لهؤلاءِ لاشترائِهم (٢) -كان في الدنيا (٣) - دنياهم بآخرتِهم.
وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾.
فإنه أخبر عنهم أنهم لا يَنْصُرُهم في الآخرةِ أحدٌ فَيَدْفَعَ عنهم بنُصْرَتِه عذابَ اللهِ، لا بقوَّةٍ (٤)، ولا بشفاعةٍ (٥) ولا غيرِهما.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾: أنزلناه إليه.
وقد بَيَّنَّا أن معنى الإيتاءِ الإعطاءُ، فيما مضَى قبلُ (٦).
والكتابُ الذى آتاه اللهُ موسى ﵇ هو التوراةُ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَقَفَّيْنَا﴾.
فإنه يعنى: وأَرْدَفْنا وأَتْبَعْنا بعضَهم خلفَ بعضٍ، كما يَقْفُو الرجلُ الرجلَ إذا سار في أَثَرِه مِن ورائِه، وأصلُه مِن القَفَا، يقالُ منه: قَفَوْتُ فلانًا: إذا صِرْتَ خلفَ قفاه، كما يقالُ: دَبَرْتُه: إذا صِرْتَ في دُبُرِه.
ويعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾: مِن بعدِ موسى.
ويعنى ﴿بِالرُّسُلِ﴾: الأنبياءَ، وهم جَمْعُ رسولٍ، يقالُ: هو رسولٌ، وهم رُسُلٌ.
كما يقالُ: هو رَجُلٌ صبورٌ، وهم قومٌ صُبُرٌ، وهو رَجُلٌ شَكورٌ، وهم قومٌ شُكُرٌ.
وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾.
أى: أَتْبَعْنا بعضَهم بعضًا على مِنهاجٍ واحدٍ وشريعةٍ واحدةٍ؛ لأنَّ كلَّ مَن بعَثه اللهُ نبيًّا بعدَ موسى صلَوَاتُ اللهِ عليه إلى أزمانِ عيسى ابنِ مريمَ، فإنما بعَثه يَأْمُرُ بنى إسرائيلَ بإقامةِ التوراةِ والعمَلِ بما فيها والدعاءِ إلى ما فيها، فلذلك قيل: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يعنى: على مِنهاجِه وشريعتِه، والعملِ بما كان يَعْمَلُ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾: أعطينا عيسى ابنَ مريمَ.
ويعنى بـ "البَيِّناتِ" "التى آتاه اللهُ إيَّاها، ما أَظْهَرَ على يديه مِن الحُجَجِ له (١)، والدلالةِ على نُبُوَّتِه؛ مِن إحياءِ الموتي، وإبراءِ الأكْمَهِ [والأَبْرَصِ] (٢)، ونحوِ ذلك مِن الآياتِ التى أبانتْ منزلتَه مِن اللهِ، ودلَّت على صدقِه وصِحَّةِ نُبُوَّتِه.
كما حَدَّثَنَا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾.
أى: الآياتِ التى وضَع على يديه؛ مِن إحياءِ الموتي، وخلْقِه مِن الطينِ كهيئةِ الطيرِ، ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا بإِذنِ اللهِ، وإبراءِ الأسقامِ، والخبرِ بكثيرٍ مِن الغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرون في بيوتِهم، وما رَدَّ عليهم مِن التوراةِ مع الإنجيلِ الذى أحدَثَ اللهُ إليه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
أمَّا معنى قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ فإنه: قَوَّيْناه [وأَعَنَّاه بِهِ] (١).
كما حَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾.
يقولُ: نصَرْناه.
يقال منه: أيَّدَك اللهُ، أى: قوَّاك اللهُ، وهو رجُلٌ ذو أيدٍ وذو آدٍ، يراد: ذو قوةٍ.
ومنه قولُ العَجَّاجِ (٢): مِنْ أنْ تَبَدَّلْتُ بآدِىَ آدا يعنى: [تَبدَّلتُ بقوَّةِ شَبابِى] (٣) قوةَ المَشِيبِ.
ومنه قولُ الشاعرِ (٤): إنّ القِدَاحَ إذا اجْتَمَعْنَ فَرَامَها … بالكَسْرِ ذو جَلَدٍ (٥) وبَطْشٍ أَيِّدِ يعنى بالأَيِّد: القَوِىّ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾؛ فقال بعضُهم: الرُّوحُ (٦) الذى أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أيَّد عيسى به هو جبريلُ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: هو جبريلُ (١).
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمْرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: هو جبريلُ (٢).
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: رُوحُ القُدُسِ: جبريلُ.
وحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: أُيِّد عيسى بجبريلَ، وهو رُوحُ القُدُسِ (٣).
حَدَّثَنَا (٤) ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلَمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] (٥)، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الحسينِ المَكِّيُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ الأشعرىِّ، أن نفرًا مِن اليهودِ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: أخبِرْنا عن الرُّوحِ.
قال: "أَنْشُدُكم باللهِ وبِأَيَّامِه عندَ بَنِى إسْرَائِيلَ، هل تَعْلَمُونَ أَنَّه جِبْرِيلُ، وهو الذى يَأْتِينى"؟
قالوا: نعم (٦).
وقال آخَرون: الرُّوحُ الذى أيَّد اللهُ به عيسى هو الإنْجيلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يُونسُ بنُ عبدِ الأَعْلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: أَيَّد اللهُ عيسى بالإنجيلِ رُوحًا كما جعَل القرآنَ رُوحًا للهِ، كلاهما رُوحُ اللهِ، كما قال اللهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].
وقال آخَرون: الرُّوحُ هو الاسمُ الذى كان عيسى يُحْيى به المَوْتَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
قال: هو الاسمُ الذى كان يُحْيِى به عيسى الموتَى (١).
وأَوْلَى التأويلاتِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الرُّوحُ في هذا الموضعِ جبريلُ؛ لأنَّ اللهَ جل ثناؤه أخبرَنا أنه أيَّد عيسى به، كما أخبر في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ١١٠].
[أنَّه أيَّده بهِ] (٢)، فلو كان الرُّوحُ الذى أيَّده اللهُ به هو الإنجيلَ لكان قولُه: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ - ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكريرَ قولٍ لا معنى له؛ وذلك أنه على تأويلِ قولِ مَن قال: معنى ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
[إذ أيَّدتُك بالإنجيلِ] (١).
إنَّما هو: إذ أيَّدتُك بالإنجيلِ، وإذ علَّمتُك الإنجيلَ.
وهو لا يكونُ به مُؤَيَّدًا إلَّا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكريرُ كلامٍ واحدٍ [في آيةٍ واحدةٍ] (٢) مِن غيرِ زيادةِ معنًى في أحدِهما على الآخَرِ، وذلك خُلْفٌ مِن الكلامِ، واللهُ تعالى ذكرُه يَتَعالَى عن أن يُخَاطِبَ عبادَه بما لا يُفِيدُهم به فائدةً.
وإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن زعَم أن الرُّوحَ في هذا الموضعِ الإنجيلُ، وإن كان جميعُ كتبِ اللهِ جلَّ ثناؤه التى أوحاها إلى رسلِه روحًا منه؛ لأنه تحيا بها القلوبُ الميِّتةُ، وتَنْتَعِشُ بها النفوسُ المُوَلِّيةُ، وتَهْتَدِى بها الأحلامُ الضالَّةُ.
وإنما سَمَّى اللهُ جلَّ ثناؤه جبريلَ "رُوحًا" وأضافه إلى "القُدُسِ"؛ لأنه كان بتكوينِ اللهِ له رُوحًا مِن عندِه عن غيرِ ولادةِ والدٍ ولَده، فسمَّاه مِن أجلِ ذلك "روحًا"، وأضافه إلى "القدسِ" -والقدسُ هو الطُّهْرُ- كما سُمِّى عيسى ابنُ مريمَ روحَ اللهِ، مِن أجلِ تكوينِه له رُوحًا مِن عندِه مِن غيرِ ولادةِ والدٍ ولَده.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا أن معنى التقديسِ التطهيرُ (٣).
والقدسُ الطُّهرُ مِن ذلك.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معناه في هذا الموضعِ نحوَ اختلافِهم في الموضعِ الذى ذكرْناه.
حَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: القدسُ البركةُ (١).
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٢)، قال: القدسُ هو الربُّ (٣).
وحَدَّثَنِي يُونُس بنُ عبدِ الأَعلَي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: اللهُ القُدُسُ، وأيَّد عيسى برُوحِه.
قال: [واحتَجَّ في هذا بقولِ كعبٍ] (٤): اللهُ القُدسُ.
وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣].
وقال: القُدُسُ والقُدُّوسُ واحدٌ.
وحدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ (٥)، قال: أخبرنى عمْرُو بنُ الحارِثِ، عن سعيدِ بنِ أبى [هلالٍ، عن] (٦) هلالِ بنِ (٧) أسامةَ، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: قال كعبٌ (٨): اللهُ القُدُسُ.
القولُ في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾.
اليهودَ مِن بنى إسرائيلَ.
حَدَّثَنِي بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثَنَا عيسي، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ اللهُ جل ثناؤه لهم: يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ، لقد آتيْنا موسى التوراةَ، وتابَعْنا مِن بعدِه الرسلَ (١) إليكم، وآتينا عيسى ابنَ مريمَ البيناتِ والحُجَجَ إذ بعثْناه إليكم، وقَوَّيْناه برُوحِ القُدُسِ، وأنتم كُلَّما جاءكم رسولٌ مِن رُسُلى بغيرِ الذى تهواه نفوسُكم استكبرتُم عليه (٢) -تجبُّرًا وبَغْيًا- استكبارَ إمامِكم إبليسَ، فكذَّبتُم مِنهم بعضًا، وقتَلْتُم بعضًا، أفهذا (٣) فعلُكم أبدًا برسلى!
وقولُه: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ وإن كان خرَج مَخْرَجَ التقريرِ في الخطابِ فهو بمعنى الخبرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
اختلفت القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ مخفَّفةَ اللام ساكنةً، وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الأمصارِ في جميعِ الأقطارِ (٤).
وقرأه بعضُهم: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ).
مثقَّلةَ (٥) اللامِ مضمومةً (٦).
فأمَّا الذين قرءوها بسكون اللامِ وتخفيفِها، فإنهم تأوَّلوها أنهم قالوا: قلوبُنا في أكِنَّةٍ وأغطيةٍ وغُلْفٍ، فالغُلْفُ -على قراءةِ هؤلاء- جمعُ أغلَفَ، وهو الذى في غِلافٍ وغطاءٍ، كما يقالُ للرجلِ الذى لَمْ يَخْتَتِنْ: أغلَفُ.
وللمرأةِ: غَلْفاءُ.
وكما يقالُ للسيفِ إذا كان في غلافِه: سيفٌ أغلَفُ، وقوسٌ غَلْفاءُ.
وجمعُها غُلْفٌ، وكذلك جمعُ ما كان من النعوتِ ذَكَرُه على "أفعَلَ" وأنثاه على "فَعْلاءَ"، يُجْمَعُ على "فُعْل" مضمومةَ الأولِ ساكنةَ الثاني، مثلَ أحمرَ [وحُمْرٍ، وصَفْراءَ] (١) وصُفْرٍ، فيكونُ ذلك جماعًا للتأنيثِ والتذكيرِ، ولا يجوزُ تثقيلُ عينِ "فُعْلٍ" منه إلَّا في ضرورةِ شعرٍ، كما قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ (٢): أَيُّها الفِتْيانُ في مَجْلِسِنا … جَرِّدُوا مِنْها (٣) وِرَادًا (٤) وشُقُرْ يُرِيدُ: شُقْرًا.
[إلّا أنَّ الروِىَّ] (٥) اضْطَرَّه إلى تحريكِ ثانيه فحرَّكه.
ومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشِيرِ بنِ سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: القلوبُ أربعةٌ.
ثم ذكَرها، فقال فيما ذكَر: وقلبٌ أغلَفُ مَعْصُوبٌ (٦) عليه، فذاك قلبُ الكافرِ (٧).
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيْلُ [ابنُ مَرزوقٍ] (١)، عن عطيةَ مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ).
قال: مملوءةٌ عِلمًا لا يُحتاجُ إلى عِلْمِ (٢) محمدٍ ولا غيرِه (٣).
والقراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هى قراءةُ مَن قرَأها: ﴿غُلْفٌ﴾.
بتسكينِ اللامِ، بمعنى أنَّها في أغشيةٍ وأغطيةٍ؛ لاجتماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صِحَّتِها، وشذوذِ مَن شَذَّ عنهم بما خالفه مِن قراءةِ ذلك بضمِّ اللامِ.
وقد دَلَّلْنا على أنَّ ما جاءت به الحُجَّةُ مُتَّفقةً عليه، حُجَّةٌ على مَن بلَغه، وما جاء به المُنْفَرِدُ فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على ما جاءت به الجماعةُ التى تقومُ بها الحُجَّةُ نقلًا، [قولًا أو عملًا] (٤)، فى غيرِ هذا الموضعِ، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا المكانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾: بل أقصاهم اللهُ وأبعَدهم وطرَدهم وأخزَاهم وأهلَكهم بكفرِهم، وهو (٥) جُحودُهم آياتِ اللهِ وبيِّناتِه وما ابْتَعث به رسلَه، وتكذيبُهم أنبياءَه، فأخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه أبعَدَهم منه ومِن رحمتِه بما كانوا يفْعَلون مِن ذلك.
وأصلُ "اللَّعْنِ" الطردُ والإبعادُ والإقصاءُ، يقال منه: لعَن فُلانٌ (١) فلانًا يَلْعَنُه لَعْنًا، وهو ملعونٌ.
ثم يُصَرَّفُ "مفْعولٌ" [منه إلى "فَعِيلٍ"] (٢)، فيقال: هو لَعِينٌ.
ومنه قولُ الشَّمَّاخ (٣): ذَعَرْتُ بهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ … مَقَامَ (٤) الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ وفي قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.
تكذيبٌ منه للقائلينَ من اليهودِ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
لأنَّ قولَه: ﴿بَلْ﴾.
دلالةٌ على جَحْدِه جل ذكرُه، وإنكارِه ما ادَّعَوْا مِن ذلك، إذ كانت "بل" لا تدخُلُ في الكلامِ إلَّا نَقْضًا لمجحودٍ.
فإذ (٥) كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن معنى الآيةِ: وقالت اليهودُ: قلوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تدعونا إليه يا محمدُ.
فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ما ذلك كما زعَموا، ولكنّ اللهَ أقصَى اليهودَ وأبعَدَهم من رحمتِه، وطرَدهم عنها وأخزاهم، بجحودِهم [به وبرسلِه] (٦) فقليلًا ما يؤمنون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ.
أى: لا يُؤْمِن منهم إلَّا قليلٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: وَلَعَمْرِى، لمَن رجَع مِن أهلِ الشركِ أكثرُ مِمَّن رجَع مِن أهل الكتابِ، إنما آمن مِن أهلِ الكتابِ رهطٌ يسيرٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلَّا بقليلٍ مِمَّا في أيديهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ.
قال معمرٌ: وقال غيرُه: لا يؤمِنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم.
وأَوْلَى التأويلاتِ في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنُوهُ (٢) إن شاء اللهُ، وهو أن اللهَ جل ثناؤه أخبَر أنه لعَن الذين وصَف صفتَهم في هذه الآية، ثم أخبَر عنهم أنهم قليلو الإيمانِ بما أنزَل الله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، ولذلك نصَب قولَه: ﴿فَقَلِيلًا﴾ لأنه نعتٌ للمصدرِ المتروكِ ذكرُه، ومعناه: بل لعَنهم اللهُ بكفرِهم، فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون.
فقد تبيَّن إذن -بما بيَّنَّا- فسادُ القولِ الذى رُوِى عن قتادةَ في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوِى عنه مِن أنه يعنى به: فلا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ، أو فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ.
لكان "القليلُ" مرفوعًا لا منصوبًا، لأنه إذا كان ذلك تأويلَه كان "القليلُ" حينئذٍ مُرَافِعًا "ما"، وإن نُصِب "القليلُ" -و"ما" في معنى "مَن" أو "الذى"- بقِيت "ما" لا مُرَافِعَ لها، وذلك غيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ.
فأمَّا أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلَفُوا في معنى ﴿مَا﴾ التى في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هى زائدةٌ لا معنى لها، وإنما تأويلُ الكلامِ: فقليلًا يؤمنون.
كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وما أشبهَ ذلك.
فزعَم أن "ما" في ذلك زائدةٌ، وأن معنى الكلامِ: فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم.
وأنشَد مُحْتَجًّا لقولِه ذلك بيتَ مُهَلْهِلٍ (١): لَوْ بِأَبَانَيْنِ (٢) [جَاءَ يَخْطُبُهَا] (٣) ....
خُضِّبَ (٤) مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ وزعَم أنه يعنى: خُضِّب أنفُ خاطبٍ بدمٍ.
وأن "ما" زائدةٌ.
وأنكَر آخَرون ما قاله قائلُ هذا القولِ في "ما" في الآيةِ، وفى البيتِ الذى أنشَده، وقالوا: إنما ذلك مِن المتكلِّم على ابتداءِ الكلامِ بالخبرِ عن عمومِ جميعِ الأشياءِ؛ إذ كانت "ما" كلمةً تَجْمَعُ كلَّ الأشياءِ، ثم تَخُصُّ [بعضَ ما عمَّته "ما" بما يُذْكَرُ] (٥) بعدَها.
وهذا القولُ عندَنا هو أولَى بالصَّوَابِ؛ لأن زيادةَ ما لا يُفِيدُ مِن الكلامِ معنًى في الكلامِ غيرُ جائزةٍ (١) إضافتُه إلي اللهِ جل ثناؤه.
ولعل قائلًا أن يقولَ: هل كان للذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم قليلًا ما يؤمنون، مِن الإيمانِ قليلٌ أو كثيرٌ، فيقالَ فيهم: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؟.
قيل: إن معنى الإيمانِ هو التصديقُ، وقد كانت اليهودُ التى أخبَرَ اللهُ عنها هذا الخبرَ تُصَدِّقُ بوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وبالبعثِ والثوابِ والعقابِ، وتَكْفُرُ بمحمدٍ ﷺ وبنُبُوَّتِه، وكلُّ ذلك كان فرضًا عليهم الإيمانُ به؛ لأنه في كُتُبِهم وممَّا جاءهم به موسى، فصدَّقوا ببعضٍ، [وذلك هو] (٢) القليلُ مِن إيمانِهم، وكذَّبوا ببعضٍ، وذلك هو الكثيرُ الذى أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم يَكْفُرون به.
وقد قال بعضُهم: إنهم كانوا غيرَ مؤمنين بشيءٍ، وإنما قيل: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾.
وهم بالجميعِ كافرون، كما تقولُ العربُ: قلَّما رأيتُ مثلَ هذا قطُّ.
[تُريدُ: ما رأيتُ مثلَ هذا قَطُّ] (٣).
ورُوِى عنها سماعًا منها: مرَرْتُ ببلدٍ (٤) قلَّما يُنْبِتُ إلَّا الكُرَّاثَ والبصلَ.
يعنى: ما يُنْبِتُ [شيئًا إلا] (٥) الكُرَّاثَ والبصلَ.
وما أشبهَ ذلك مِن الكلامِ الذى يُنْطَقُ به بوصْفِ الشئِ بالقلَّةِ، والمعنى فيه نفيُ جميعِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾: ولمَّا جاء اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين وصَف جلّ ثناؤُه صفتَهم ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعنى بـ "الكتابِ" القرآنَ الذى أنزَله على محمدٍ ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعنى: مصدِّقٌ للذي معَهم مِن الكتبِ التى أنزلها الله مِن قبلِ القرآنِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: وهو القرآنُ الذى أنْزَله على محمدٍ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [أى: للتوراةِ] (١) والإنجيلِ (٢).
وحدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾: وهو القرآنُ الذى أُنْزِل على محمدٍ ﷺ مصدِّقٌ لما معَهم مِن التوراةِ والإنجيلِ (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أى: وكان هؤلاءِ اليهودُ -الذين لمَّا جاءهم كتابٌ مِن عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم من الكتبِ التى أنزلها اللهُ قبلَ الفُرقانِ، كفَروا به -يَسْتَفْتِحون بمحمدٍ ﷺ- ومعنى الاسْتِفْتاحِ: الاسْتِنْصارُ- ويَسْتَنْصِرون اللهَ به على مُشْرِكى العربِ مِن قبلِ مَبْعَثِه.
[وذلك قولُه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾] (٤) أى: مِن قبلِ أن يُبْعَثَ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنصاريِّ، عن أشياخٍ منهم قالوا: فينا واللهِ وفيهم -يعنى: في الأنصارِ وفي اليهودِ الذين كانوا جيرانَهم- نزَلت هذه القصةُ -يعنى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ - قالوا: كُنَّا قد علَوْناهم دهرًا في الجاهليةِ، ونحن أهلُ شركٍ، وهم أهلُ كتابٍ، فكانوا يقولون: إن نبيًّا [يُبعَثُ الآنَ نتَّبِعُه] (١) قد أظلَّ (٢) زمانُه، [نَقْتُلكم معه] (٣) قتلَ عادٍ وإرمَ، فلمَّا بعَث اللهُ تعالى ذكرُه رسولَه مِن قريشٍ واتَّبَعْناه، كفَروا به، يقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ (٤).
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن يهودَ كانوا يَسْتَفْتِحون على الأوسِ والخزرج برسولِ الله ﷺ قبلَ مَبْعَثِه، فلمَّا بعَثه اللهُ من العربِ، كفَروا به، وجحَدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذُ بنُ جَبَلٍ، وبشرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ أخو بنى سلِمةَ: يا معشرَ يهودَ، اتَّقوا اللهَ وأَسْلِموا، فقد كنتم تَسْتَفْتِحون علينا بمحمدٍ ﷺ ونحنُ أهلُ شركٍ، وتُخْبِروننا أنه مبعوثٌ، وتَصِفونه لنا بصفتِه.
فقال سلَّامُ بنُ مِشْكَمٍ أخو بنى النَّضِيرِ: ما جاءنا بشيءٍ نَعْرِفُه، وما هو بالذى كُنَّا نَذْكُرُ لكم.
فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى آلِ (٢) زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقولُ: يَسْتَنْصِرون بخُرُوجِ محمدٍ ﷺ على مشركى العربِ.
يعنى بذلك أهلَ الكتابِ، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ورَأَوْه مِن غيرِهم كفَروا به وحسَدُوه (٣).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن عليٍّ الأَزْدَىِّ في قولِ الله ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
قال: اليهودُ، كانوا يقولون: اللهمَّ ابعثْ لنا هذا النبيَّ يَحْكُمْ بينَنا وبينَ الناسِ.
﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾: يَسْتَنْصِرون به على الناسِ (٤).
وحدَّثنى المُثَنَّى قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عليٍّ الأَزْدِىِّ -وهو البارِقيُّ- في قولِ اللهِ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾.
فذكَر مثلَه سواءً.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كانت اليهودُ تَسْتَفْتِحُ بمحمدٍ ﷺ على كفَّارِ العربِ مِن قبلُ، وقالوا: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذى نَجِدُه مكتوبًا في التوراةِ يُعَذِّبْهم ويَقْتُلْهم.
فلمَّا بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ فرأَوْا أنه بُعِث مِن غيرِهم، كفَروا به، حَسَدًا للعربِ، وهم يعلَمون أنه رسولٌ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
[وحدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: كانوا يقولون: إنه سيأتى نبيٌّ.
فلما جاءهم ما عرَفوا كفَروا بهِ] (٢).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: كانت اليهودُ تَسْتَنْصِرُ بمحمدٍ ﷺ على مُشْرِكى العربِ، يقولون: اللهمَّ ابعثْ هذا النبيَّ الذى نَجِدُه مكتوبًا عندَنا حتى يُعَذِّبَ المشركين ويَقْتُلَهم، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ ورَأَوْا أنه مِن غيرِهم كفَروا به، حسدًا للعربِ، وهم يعلمون أنه رسولُ اللهِ، فقال اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمْرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قال: كانتِ العربُ تَمُرُّ باليهودِ فيُؤْذُونهم، وكانوا يَجِدون محمدًا ﷺ في التوراةِ، فيَسألون (٢) اللهَ أن يبعثَه فيُقاتِلوا معه العربَ، فلما جاءَهم محمدٌ كفَروا به حين لم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؟
قال: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ بخروجِ النبيِّ ﷺ ويَرْجُون أن يكونَ منهم، فلما خرَج ورأَوْه ليس منهم كفَروا، وقد عَرَفوا أنه الحقُّ وأنه نبىُّ اللهِ ﷺ، قال اللهُ: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
[قال ابنُ جريجٍ: وقال مجاهدٌ] (٤): يَسْتَفتِحون بمحمدٍ، تقولُ: إنه يخرجُ.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ وكان من غيرِهم ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ (٥).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: كانوا يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ.
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنى الحِمّانيُّ (١)، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن أبي الجَحَّافِ (٢)، عن مُسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قال: هم اليهودُ، عَرَفوا محمدًا أنه نبىٌّ وكفَروا به (٣).
وحُدِّثت عن المنجابِ، قال: حدثنا بشرٌ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال: كانوا يَسْتَظْهِرون، يقولون: نحن نُعِينُ محمدًا عليهم (٤).
وليسوا كذلك، يَكْذِبون (٥).
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِه: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
قال: كانت يهودُ يَسْتَفْتِحون على كفارِ العربِ، يقولون: أما واللهِ لو قد جاء النبيُّ الذى بَشَّر به موسى وعيسى؛ أحمدُ، لكَان لنا عليكم.
وكانوا يَظُنون أنه منهم، [وكانوا بالمدينةِ] (٦) والعربُ حولَهم، وكانوا يَسْتَفتِحون عليهم به ويَسْتَنْصِرون به، فلما [كان مِن غيرِهم أَبَوْا أن يُؤمِنوا] (٧) به وحَسَدوه.
وقرأ قولَ اللهِ: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ، فمِن هنالك نَفَع اللهُ الأوسَ والخزرجَ بما كانوا يَسْمَعون منهم أن نبيًّا خارجٌ.
فإن قال لنا قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾؟
قيل: قد اختلف أهلُ العربيةِ في جوابِه؛ فقال بعضُهم: هو مما تُرِك جوابُه استغناءً بمعرفةِ المخاطَبين به بمعناه وبما قد ذُكِر من أمثالِه في سائرِ القرآنِ، وقد تفعَلُ العربُ ذلك إذا طال الكلامُ، فتأتى بأشياءَ لها أجوبةٌ فتَحْذِفُ أجوبتَها لاستغناءِ سامعيها بمعرفتِهم بمعناها عن ذكرِ الأجوبةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾ [الرعد: ٣١].
فترَك جوابَه.
والمعنى: ولو أن قرآنًا سوى هذا القرآنِ سُيِّرَتْ به الجبالُ لَسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ.
[فترَك قولَه: لسُيِّرَتْ بهذا القرآنِ] (١).
استغناءً بعلمِ السامعين بمعناه.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.
وقال آخرون: جوابُ قولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾.
في "الفاءِ" التى في قولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
وجوابُ الجزاءَيْن في ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾.
كقولِك: لما قُمْتَ فلما جِئْتَنا أحسَنْتَ.
بمعنى: لما جِئْتَنا إذ قُمْتَ أحسنْتَ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.
قد دلَّلْنا على معنى "اللعنةِ" وعلى معني "الكفرِ" فيما مضَى بما فيه الكفايةُ (٢).
فمعنى الآيةِ: فخِزْىُ اللهِ وإبعادُه على الجاحدِين ما قد عَرَفوا من الحقِّ عليهم للهِ ولأنبيائِه، المنكِرين ما قد ثَبَت عندهم صحَّتُه من نبوةِ محمدٍ ﷺ، وفى إخبارِ اللهِ ﷿ عن اليهودِ بما أخبَر عنهم بقولِه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾: البيانُ الواضحُ أنهم تَعَمَّدوا الكفرَ بمحمدٍ ﷺ بعد قيامِ الحجةِ بنبوتِه عليهم وقَطْعِ اللهِ عُذْرَهم بأنه رسولُه إليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ بَغْيًا﴾.
ومعنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: ساء ما اشْتَرَوْا به أنفسَهم.
وأصلُ "بِئْس" "بَئِسَ" من البُؤْسِ، سُكِّنَتْ همزتُها ثم نُقِلت حركتُها إلى الباءِ، كما قيل في: ظَلِلْتُ: ظِلْتُ.
وكما قيل للكَبِدِ: كِبْدٌ.
فنُقِلَتْ حركةُ الباءِ إلى الكافِ لما سُكِّنتِ الباءُ.
وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ "بِئْسَ" -وإن كان أصلُها "بَئِسَ"- من لغةِ الذين ينقُلُون حركةَ العينِ من "فَعِل" إلى الفاءِ، إذا كانت عينُ الفعلِ أحدَ حروفِ الحلقِ الستةِ، كما قالوا من: لَعِبَ، لِعْبَ.
ومن: سَئم، سِئْمَ.
وذلك فيما يقالُ لغةٌ فاشِيَةٌ في تميمٍ، ثم جُعِلَتْ دَلالةً (١) على الذمِّ والتوبيخِ ووُصِلَتْ بـ "ما".
ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في معنى "ما" التى مع ﴿بِئْسَمَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هى وحدَها - اسمٌ، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ تفسيرٌ له، نحوَ: نِعْمَ رجلًا زيدٌ.
و ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾ بدلٌ مِن ﴿أَنْزَلَ اللهُ﴾.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: معنى ذلك: بئس الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم أن يَكْفُروا، فـ "ما" اسمُ "بِئْسَ"، و ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ الاسمُ الثانى.
وزعَم أنَّ قولَه (١): ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ (٢) إن شِئْتَ جعلْتَ: ﴿أَنْ﴾ في موضِعِ رفعٍ، وإن شِئْتَ في موضعِ خفضٍ؛ أما الرفعُ: فبِئْسَ الشئُ هذا أن يَفْعلوا.
وأما الخفضُ: فبِئْسَ الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم بأن (٣) يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ بَغْيًا.
قال: وقولُه: ﴿لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٨٠] كمثلِ ذلك.
قال (٤): والعربُ تَجْعَلُ "ما" وحدَها في هذا البابِ بمنزلةِ الاسمِ التامِّ، كقولِه: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].
وبئسما أنت.
واسْتَشْهد لقولِه ذلك برَجَزٍ لبعضِ (٥) الرُّجّازِ (٦): لا تَعْجَلا في السَّيْرِ وادْلُواها (٧) لَبِئْسما بُطْءٌ ولا نَرْعاها (٨) والعربُ تقولُ: لبِئْسَما تزويجٌ ولا مَهْرٌ.
فيَجْعَلون "ما" وحدَها اسمًا بغيرِ صلةٍ.
قال أبو جعفرٍ: وقائلُ هذه المقالةِ لا يُجيزُ أن يكونَ الذى يَلِى "بئْسَ" معرفةً مُوَقَّتةً، وخبرُه معرفةً موقتةً.
قد زعَم أن "بئسما" بمعنى (١): بِئْسَ الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم.
فقد صارتْ "ما" بصِفتِها اسمًا موقَّتًا؛ لأنَّ "اشتَرَوْا" فعلٌ ماضٍ من صلةِ "ما"، في قولِ قائلِ هذه المقالةِ، وإذا وُصِلَتْ بماضٍ من الفعلِ كانت معرفةً موقَّتةً معلومةً، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: بئس شراؤُهم كفرُهم.
وذلك عنده غيرُ جائزٍ، فقد تبيَّنَ فسادُ هذا القولِ.
وكان آخرُ منهم (٢) يزعُمُ أنَّ ﴿أَن﴾ في موضعِ خفضٍ إن شِئْتَ، ورفعٍ إن شِئْتَ.
فأما الخفضُ فأن تَرُدَّه على الهاءِ التى في ﴿بِهِ﴾.
على التكريرِ على كلامَيْن، كأنك قُلْتَ: اشتَرَوْا أنفسَهم بالكفرِ.
وأما الرفعُ فأن يكونَ مُكَرَّرًا (٣) على موضعِ "ما" التى تَلِى "بِئْسَ".
قال: ولا يجوزُ أن يكونَ رفعًا على قولِك: بئْس الرجلُ عبدُ اللهِ.
وقال بعضُهم: ﴿بِئْسَمَا﴾ شيءٌ واحدٌ [يُعْرَبُ بما] (٤) بعدَه، كما حُكِى عن العربِ: بئسما تَزويجٌ ولا مَهْرٌ.
فرفَع "تَزويجٌ" بـ "بئسما"، كما يقالُ: بئسما زيدٌ.
ونعمّا (٥) عمرٌو.
فيكونُ "بئسما" رفعًا بما عادَ عليها من الهاءِ، كأنك قُلْتَ: [شيءٌ بِئْس] (١) الشئُ اشتَرَوْا به أنفسَهم.
وتكونُ "أنْ" مترجِمةً (٢) عن "بئسما".
وأولى هذه الأقوالِ عندى بالصوابِ قولُ من جعَل: ﴿بِئْسَمَا﴾ مرفوعًا بالراجعِ من الهاءِ في قولِه: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ كما رَفَعوا ذلك بـ "عبدِ اللهِ"، إذ قالوا: بئسما عبدُ اللهِ.
وجَعَل ﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾ مترجِمةً عن ﴿بِئْسَمَا﴾.
فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: بئس الشئُ باع اليهودُ به أنفسَهم كفرُهم بما أنزَلَ اللهُ بغيًا وحسدًا أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه.
وتكونُ ﴿أَنْ﴾ التى في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ﴾.
في موضعِ نصبٍ؛ لأنه يَعْنِى به: أن يَكْفُروا بما أنزَل اللهُ من أجلِ أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ من عبادِه.
وموضعُ ﴿أَنْ﴾ جَزاءٌ (٣).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من الكوفيِّين (٤) يزعُمُ أنَّ ﴿أَنْ﴾ في موضِعِ خفضٍ بنيةِ الباءِ.
وإنما اختَرْنا (٥) فيها النصبَ لتمامِ الخبرِ قبلَها، ولا خافضَ معها يَخْفِضُها، والحرفُ الخافضُ لا يُخفَضُ به مُضْمَرًا.
وأما قولُه: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ فإنه يَعْنِى به: باعُوا به أنفسَهم.
كما حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.
يقولُ: باعُوا به (٦) أنفسَهم ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٧).
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (١)، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾: يهودُ، شَرَوُا الحقَّ بالباطلِ، وكتمانَ ما جاء به محمدٌ ﷺ بأن يُبَيِّنوه (٢).
والعربُ تقولُ: [شَرَيْتُ الشئَ] (٣).
بمعنى: بِعْتُه.
و ﴿اشْتَرَوْا﴾ في هذا الموضِعِ " افتَعلوا" مِن "شَرَيت".
وأكثرُ (٤) كلامِ العربِ -فيما بلَغنا- أن يقولوا: شَرَيتُ.
بمعنى: بِعْتُ، و: اشْتَريتُ.
بمعنى: ابْتَعتُ.
وقِيلَ: إنما سُمِّىَ الشارى (٥) شاريًا؛ لأنه باع نفسَه ودنياه بآخرتِه.
ومن ذلك قولُ يزيدَ بنِ مُفرِّغٍ الحِمْيرىِّ (٦): وشَرَيْتُ بُرْدًا ليتنى … من قبلِ (٧) بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ (٨) ومنه قولُ المُسيَّبِ بنِ عَلَسٍ (٩): يُعْطَى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها … ويقولُ صاحِبُها (١٠) ألا تَشْرِى (١١) يعنى به: بِعْتُ بُرْدًا.
وربما اسْتُعْمِلَ "اشْتَريتُ" [فى معنى] (١٢): بِعْتُ، و"شَرَيتُ" في معنى: ابْتَعتُ.
والكلامُ المُسْتَفيضُ (١) هو ما وصَفتُ.
وأما معنى قولِه: ﴿بَغْيًا﴾ فإنه يعنى به: تعدِّيًا وحسدًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قأل: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَغْيًا﴾.
قال: أى حسدًا، وهم اليهودُ (٢).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَغْيًا﴾.
قال: بَغَوْا على محمدٍ ﷺ وحسَدوه، وقالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟
فحسَدوه أن يُنَزِّلَ اللهُ من فضلِه على مَن يشاءُ مِن عبادِه.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿بَغْيًا﴾ يعنى: حسدًا ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وهم اليهودُ، كفروا بما أُنْزِل على محمدٍ ﷺ (٣).
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
فمعنى الآيةِ: بئس الشئُ باعوا به أنفسَهم، الكفرُ بالذي أنْزَله اللهُ في كتابِه على موسى، مِن نبوَّةِ محمدٍ ﷺ والأمرِ بتصديقِه واتباعِه، من أجلِ أن أنْزَل اللهُ مِن فضلِه -وفضلُه حكمتُه وآياتُه ونبوَّتُه- ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ يعنى به: على محمدٍ ﷺ، بغيًا وحسدًا لمحمدٍ ﷺ مِن أجل أنه كان مِن ولدِ إسماعيلَ، ولم يكنْ مِن بنى إسرائيلَ.
فإن قال قائلٌ: وكيف باعت اليهودُ أنفسَها بالكفرِ، فقِيل: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾.
وهل يُشْتَرى بالكفرِ شيءٌ؟
قيل: إن معنى الشراءِ والبيعِ عندَ العربِ هو إزالةُ مالكٍ مِلْكَه إلى غيرِه بعِوَضٍ يَعْتَاضُه منه، ثم تَسْتَعملُ العربُ، ذلك فى كلِّ مُعْتاضٍ مِن عملِه عِوَضًا، شرًّا أو خيرًا، فتقولُ: نِعْمَ ما باع به فلانٌ نفسَه، وبئس ما باع به فلانٌ نفسَه.
بمعنى: نِعْمَ الكَسْبُ أكْسَبها، وبئس الكَسْبُ أكْسَبها.
إذا أوْرَثها بسَعْيِه عليها خيرًا أو شرًّا.
فكذلك معنى قولِه جل ثناؤه: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.
لمّا أوْبقوا أنفسَهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ فأهْلَكوها، خاطَبهم اللهُ والعربَ بالذى يَعْرِفونه في كلامِهم، فقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يعنى بذلك: بئس ما أكْسَبوا أنفسَهم بسعيِهم، وبئس العِوَض اعْتَاضُوا مِن كفرِهم باللهِ في تكذيبِهم محمدًا؛ إذ كانوا قد رَضُوا عِوضًا مِن ثوابِ اللهِ وما أعدَّ لهم -لو كانوا آمَنُوا باللهِ وما أنْزَل على أنبيائِه- بالنارِ وما أعدَّ لهم بكفرِهم بذلك.
وهذه الآيةُ -وما أخْبَر اللهُ فيها عن حسدِ اليهودِ محمدًا ﷺ وقومَه مِن العربِ، مِن أجلِ أن اللهَ جعَل النبوةَ والحِكمةَ فيهم دونَ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، حتى دعَاهم ذلك إلى الكفرِ به مع علمِهم بصدقِه، وأنه للهِ نبىٌّ مبعوثٌ ورسولٌ مُرْسَلٌ- نَظِيرةُ الآيةِ الأُخْرى فى سورةِ النساءِ، وذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥١ - ٥٤].
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
قد ذَكَرْنا تأويلَ ذلك وبَينَّا معناه، ولكنا نذكرُ الرِّوايةَ بتَصْحيحِ ما قلنا فيه: حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ الأنْصارىِّ، عن أشْياخٍ منهم قولَه: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.
أى: أن اللهَ تعالى جعلَه في غيرِهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: هم اليهودُ، لما بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ فرأَوا أنه بُعِث من غيرِهم، كفَروا به حسدًا للعربِ، وهم يَعْلمون أنه رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ (٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: قالوا: إنما كانت الرسلُ مِن بنى إسرائيلَ، فما بالُ هذا مِن بنى إسماعيلَ؟
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن علىٍّ الأَزْدَىِّ، قال: نزَلت في اليهودِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فرجَعت اليهودُ من بنى إسرائيلَ -بعدَ الذى كانوا عليه مِن الاسْتِنصارِ بمحمدٍ ﷺ والاستفتاحِ به، وبعدَ الذى كانوا يُخْبِرون (١) الناسَ مِن قبلِ مَبْعثِه أنه نبىٌّ مَبْعوثٌ- مُرْتَدين على أعقابِهم حين بعَثه اللهُ نبيًّا مرسلًا، [وانصرَفَت] (٢) بغضبٍ من اللهِ، اسْتَحقوه منه بكفرِهم بمحمدٍ حينَ بعَثه (٣)، وجُحودِهم بنبوَّتِه، وإنكارِهم إياه أن يكونَ هو الذى يَجِدون صفتَه فى كتابِهم، عِنادًا منهم له، وبغيًا وحسدًا له وللعربِ، عَلى غَضَبٍ سالفٍ كان مِن اللهِ عليهم قبلَ ذلك، سابقٍ غضبَه الثانىَ؛ لكفرِهم (٤) كان قبلَ ذلك، بعيسى ابنِ مريمَ، أو لعبادتِهم العجلَ، أو لغيرِ ذلك مِن ذنوبٍ كانت لهم سَلَفت، اسْتحقُّوا (٥) بها الغضبَ مِن اللهِ.
كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما [يرَى أبو جعفرٍ الطبرىُّ] (٦) - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: فالغضبُ على الغضبِ، غضبُه عليهم فيما كانوا ضَيَّعوا مِن التوراةِ وهى معهم، وغضبٌ بكفرِهم بهذا النبىِّ الذى أحْدَث اللهُ إليهم (٧).
وحدَّثنا ابنُ بشارٍ (٨)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.
قال: كُفْرٌ بعيسى وكفرٌ بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم.
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.
قال: كفرُهم بعيسى ومحمدٍ ﷺ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن أبى بكرٍ (١)، عن عكرمةَ مثلَه (٢).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: الناسُ يومَ القيامةِ على أربعةِ مَنازلَ: رجلٌ كان مؤمنًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ ﷺ، فله أجْران، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فآمَن بمحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما وسلَّم، فله أجرٌ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى فكَفَر بمحمدٍ ﷺ، فباءَ بغضبٍ على غضبٍ، ورجلٌ كان كافرًا بعيسى مِن مُشرِكى العربِ، فمات بكُفرِه قبلَ محمدٍ ﷺ، فباءَ بغضبٍ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وبعيسى صلى الله عليه، وغَضِب عليهم بكفرِهم بالقرآنِ وبمحمدٍ ﷺ (٣).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ﴾: اليهودُ، غضَبٌ (١) بما كان مِن تبديلِهم التوراةَ قبلَ خروج النبيِّ ﷺ، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ جُحودُهم النبيَّ ﷺ وكفرُهم بما جاء به (٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ يقولُ: غَضِب اللهُ عليهم بكفرِهم بالإنجيلِ وعيسى، ثم غضِب (٣) عليهم بكفرِهم بمحمدٍ ﷺ وبالقرآنِ (٤).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾: أما الغضبُ الأولُ، فهو حين غَضِب اللهُ عليهم فى العجلِ، وأما الغضبُ الثانى، فغَضِب عليهم حين كفَروا بمحمدٍ ﷺ (٥).
وحدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن (٦) عطاءٍ وعبيدِ بنِ عميرٍ فى قولِه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.
قال: غَضِب اللهُ عليهم فيما كانوا فيه مِن قبلِ خروجِ النبىِّ ﷺ من تبديلِهم وكفرِهم، ثم غَضِب عليهم فى محمدٍ ﷺ إذ خرَج فكَفَروا به.
وقد بيّنّا معنى الغضَبِ من اللهِ على مَن غَضِب (٧) من خلقِه، واختلافَ المختلِفِين فى صفتِه فيما مضَى من كتابِنا هذا بما أغْنَى عن إعادتِه (٨).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾: وللجاحدِين نبوّةَ محمدٍ ﷺ من الناسِ كلِّهم عذابٌ من اللهِ، إمَّا في الآخرةِ وإمّا في الدنيا والآخرةِ، ﴿مُهِينٌ﴾: وهو المُذِلُّ صاحبَه المُخْزِى، المُلْبِسُه هوانًا وذِلّةً.
فإن قال قائلٌ: وأيُّ عذابٍ هو غيرُ مُهِينٍ صاحبَه، فيكونَ للكافرين المُهِينُ منه؟
قيل: إن المُهِينَ هو الذى قد بَيّنّا أنه المُورِثُ صاحبَه ذِلَّةً وهوانًا، الذى يَخْلُدُ فيه صاحبُه فلا ينتقلُ من هوانِه إلى عزٍّ وكرامةٍ أبدًا، وهو الذى خصَّ اللهُ به أهلَ الكفرِ به وبرسلِه، وأما الذى هو غيرُ مُهِينٍ لصاحبِه، فهو ما كان تمحيصًا لصاحبِه، وذلك (١) كالسارقِ من أهلِ الإسلامِ، يَسْرِقُ ما يجِبُ عليه به القطعُ فتُقْطَعُ يدُه، والزانى منهم يَزْنِى فيقامُ عليه الحدُّ، وما أشبهَ ذلك من العذابِ والنَّكالِ الذى جعَله اللهُ كفاراتٍ للذنوبِ التى عَذَّبَ بها أهلَها، وكأهلِ الكبائر (٢) من أهلِ الإسلامِ الذين يُعَذَّبُون في الآخرةِ بمقاديرِ أجرامِهم التى ارتكَبُوها ليُمَحَّصُوا من ذنوبهم، ثم يَدخُلون الجنةَ، فإن كلَّ ذلك وإن كان عذابًا، فغيرُ مُهِينٍ مَن عُذِّبَ به، إذ كان تعذيبُ اللهِ له (٣) به ليُمَحِّصَه به (٤) من آثامِه، ثم يُورِدُه مَعْدِنَ العزِّ والكرامةِ، ويُخَلِّدُه في نعيمِ الجِنانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾.
يَعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾: وإذا قيل لليهودِ من بني إسرائيلَ، الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿آمِنُوا﴾ أي: صَدِّقُوا ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ يَعْنِى بقولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ من القرآنِ على محمدٍ ﷺ ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ﴾ أي: نُصَدِّقُ ﴿بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ يعنى: بالتوراةِ التى أنزلَها اللهُ على موسى.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾: ويَجْحَدُون، ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يَعْنِى: بما وراءَ التوراةِ.
وتأويلُ "وراء" في هذا الموضعِ: "سوى"، كما يقالُ للرجلِ يتكلَّمُ (١) بالحَسَنِ: ما وراءَ هذا الكلامِ شيءٌ.
يُرادُ به: ليس عندَ المتكلمِ به شيءٌ سِوَى ذلك الكلامِ.
فكذلك معنى قولِه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما سوى التوراةِ وبما بعدَه من كتبِ اللهِ التى أنزلَهَا إلى رسلِه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (٢).
وحدثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي: بما بعدَه، يَعْنى: بما بعدَ التوراةِ (٣).
حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يقولُ: بما بعده (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.
يَعْنِى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ أي: وما وراء الكتابِ الذى أُنْزِل عليهم، من الكتب التى أنزلها اللهُ إلى أنبيائِه، الحقُّ.
وإنما يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه القرآنَ الذى أنزَلَه إلى محمدٍ ﷺ.
كما حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾: وهو القرآنُ، يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ (١).
وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾.
لأنَّ كتبَ اللهِ يُصَدِّق بعضُها بعضًا، ففى الإنجيلِ والقرآنِ من الأمرِ باتباعِ محمدٍ ﷺ، والإيمانِ به وبما جاء به، مثلُ الذى من ذلك في توراةِ موسى ﵇، فلذلك قال جل ثناؤُه لليهودِ -إذ أخْبرَهم عما وراءَ كتابِهم الذى أنزَلَه على موسى، من الكتبِ التى أنزَلَها إلى أنبيائِه- أنه الحَقُّ مُصدِّقًا للكتابِ الذى معهم.
يَعْنى أنه له مُوافِقٌ فيما اليهودُ به مُكَذِّبون (٢).
وذلك خَبَرٌ من اللهِ جل ثناؤُه أنهم من التَّكْذِيبِ بالتوراةِ على مثلِ الذى هم عليه من التكذيبِ بالإنجيلِ والفرقانِ، عنادًا للهِ، وخلافًا لأمرِه، وبَغْيًا على رسلِه صلواتُ اللهِ عليهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.
يَعْنِى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ﴾: قلْ يا محمدُ ليهودِ بني إسرائيلَ الذين إذا قُلْتَ لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ قالوا لك: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ -: لم تَقْتُلون -إن كنتم يا معشرَ اليهودِ مؤمنين بما أنزلَ اللهُ عليكم- أنبياءَه، وقد حَرَّم اللهُ في الكتابِ الذى أنزلَ عليكم قَتْلَهم، بل أمَركم فيه باتباعِهم وطاعتِهم وتصديقِهم.
وذلك من اللهِ جل ثناؤُه تكذيبٌ لهم في قولِهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ وتَعْيِيرٌ لهم.
كما حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قال اللهُ تعالى ذكرُه وهو يُعَيِّرُهم، يعنى اليهودَ: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل (٢): ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فابتدأ الخبرَ على لفظِ المستقبلِ، ثم أخبَر أنه قد مضَى؟
قيل: إن أهلَ العربيةِ مُختلِفون في تأويلِ ذلك، فقال بعضُ البصريِّين: معنى ذلك: فلم قَتَلْتم أنبياءَ اللهِ من قبلُ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما تَلَتْ.
وكما قال الشاعرُ (٣): ولقد أمُرُّ على اللئِيمِ يسُبُّنى … فمَضَيْتُ عنه وقلتُ لا يَعْنِينى يريدُ بقولِه: ولقد أمُرُّ: ولقد مَرَرْتُ.
واستدلَّ على أن ذلك كذلك بقولِه: فمضَيْتُ عنه.
ولم يَقُلْ: فأمْضِى عنه.
وزعَم أن "فعَل" و"يفعَلُ" قد تَشْتَرِكُ في معنًى واحدٍ، واسْتَشْهَدَ على ذلك بقولِ الشاعرِ (٤): وإنى لآتِيكم تَشَكُّرَ (١) ما مَضَى … من الأمرِ واسْتِيجابَ ما كانَ فِى غَدِ يعنى بذلك: ما يكونُ في غدٍ.
وبقولِ الحُطَيْئَةِ (٢): شَهِد الحُطَيئَةُ يومَ يَلْقَى ربَّه … أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بالعُذْرِ يعنى: يَشْهَدُ.
وكما قال الآخرُ (٣): فما أُضْحِى ولا أَمْسَيتُ إلَّا … [أَرانى منكمُ] (٤) في كُوَّفانِ (٥) فقال: أُضْحِى.
ثم قال: ولا أمْسَيْتُ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (٦): إنما قيل: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ فخاطَبهم بالمستقبلِ من الفعلِ ومعناه الماضى، كما يُعَنِّفُ الرجلُ الرجلَ على ما سلَف منه من فِعْلٍ، فيقولُ له: ويحكَ لِمَ تَكْذِبُ، ولِمَ تُبَغِّضُ نفسَك إلى الناسِ!
كما قال الشاعرُ (٧): إذا ما انْتَسَبْنا لم تَلِدْنى لَئيمَةٌ … ولم تَجِدِى من أن تُقِرِّى بها (٨) بُدًّا فالجزاءُ للمستقبَلِ، والولادةُ كلُّها قد مضَت، وذلك أن المعنى معروفٌ، فجاز ذلك.
قال: ومثلُه في الكلامِ: إذا نظَرْتَ في سيرةِ عمرَ لم يُسِئْ (١).
المعنى: لم تَجِدْه أساء.
فلما كان أمرُ عمرَ لا يُشَكُّ في مُضِيِّه، لم يَقَعْ في الوَهْمِ أنه مُسْتَقْبَلٌ، فلذلك صَلَحت: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مع قولِه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: وليس الذين خوطِبوا بالقتلِ هم القَتَلةَ، إنما قتَل الأنبياءَ أسلافُهم الذين مَضَوْا، فتوَلَّوْهم (٢) على ذلك ورَضُوا، فنُسِب القتلُ إليهم.
والصوابُ في ذلك من القولِ عندنا أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين أدرَكُوا رسولَ اللهِ ﷺ من يهودِ بني إسرائيلَ -بما خاطَبهم به (٣) في سورةِ "البقرةِ" وغيرِها من سائرِ السورِ- بما سلَف من إحسانِه إلى أسلافِهم، وما (٤) سلَف من كُفْرانِ أسلافِهم نِعَمَه، وارتكابِهم معاصيَه، واجترائِهم عليه وعلى أنبيائِه، فأضاف (٥) ذلك إلى المخاطَبين به، نظيرَ قولِ العربِ بعضِها لبعضٍ: فعَلْنا بكم يومَ كذا (٦) وكذا، وفعلْتُم بنا يومَ كذا (٦) وكذا -على نحوِ ما قد بيّنّا في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا (٧) - يَعْنُون بذلك أن أسلافَنا فعَلُوا ذلك بأسلافِكم، وأن أوائلَنا فعَلُوا ذلك بأوائِلكم، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
[وما أشبَهَه.
فإذ كان ذلك معناه، وكان قولُه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾] (١) -وإن كان قد خرَج على لفظِ الخبرِ عن المخاطَبين به- خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن فعلِ السالفين منهم -على نحوِ الذى بَيَّنَّا- جاز أن يُقالَ: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾.
إذ كان معناه: قل: فلمَ يَقْتُلُ أسلافُكم أنبياءَ اللهِ من قبلُ.
وكان معلومًا بأن قولَه: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللهِ مِنْ قَبْلُ﴾ إنما هو خبرٌ عن فعلِ سَلَفِهم.
وتأويلُ قولِه: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ اليومِ.
أما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
فإنه يَعْنى: إن كنتم مؤمنين بما أنزَل اللهُ عليكم كما تَزْعُمون (٢).
وإنما يعْنِى (٣) بذلك اليهودَ الذين أدركُوا رسولَ اللهِ ﷺ وأسلافَهم: إن كانوا وكنتم -كما تزعُمون أيها اليهودُ- مؤمنين.
وإنما عَيَّرهم جل ثناؤُه بقتلِ أوائلِهم أنبياءَه عندَ قولِهم -حين قيل لهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ (٤) قالوا: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ لأنهم كانوا لأوائلِهم الذين تولَّوْا قَتْلَ أنبياءِ اللهِ مع قيلِهم: ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ مُتَوَلِّين، وبفعلِهم راضِين، فقال لهم: إن كنتم كما تزعُمون مؤمنين بما أُنزِلَ عليكم، فلمَ تَتَوَلَّوْن قَتَلَةَ أنبيائى (٥)، وتَرْضَوْن أفعالَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.
يعْنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: جاءَكم بالبيناتِ الدالةِ على صدقِه وحقيقةِ (١) نبوَّتِه، كالعصا التى تَحَوَّلَتْ ثعبانًا مُبينًا، ويدِه التى أخرَجها بيضاءَ للناظِرين، وفَلْقِ البحرِ، ومَصيرِ أرضِه له طريقًا يَبَسًا، والجرادِ والقُمَّلِ والضفادِعِ، وسائرِ الآياتِ التى بَيَّنَت صدقَه وحقيقةَ (١) نبوَّتِه.
وإنما سمّاها اللهُ جل ثناؤه بَيِّناتٍ، لتَبَيُّنِها للناظرِين إليها أنها مُعجزةٌ لا يَقْدِرُ على أن يَأْتِيَ بها بَشَرٌ إلا بتسخيرِ اللهِ ذلك له، وإنما هي جمعُ بَيّنةٍ مثلَ طَيِّبةٍ وطَيِّباتٍ.
ومعنى الكلامِ: ولقد جاءَكم يا معشرَ يهودِ بنى إسرائيلَ موسى بالآياتِ البَيِّناتِ على (٢) أمرِه وصدقِه وحقيقةِ (١) نبوتِه.
وقولُه: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ جل ثناؤُه لهم: ثم اتَّخَذْتُم العجلَ من بعدِ موسى (٣).
فالهاءُ التى في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ من ذكرِ موسى.
وإنما قال: من بعدِ موسى؛ لأنهم اتخَذُوا العجلَ من بعدِ أن فارَقَهم موسى ماضيًا إلى ربِّه لموعدِه، على ما قد بَيّنّا فيما مضَى من كتابِنا هذا (٤).
وقد يجوزُ أن تكونَ الهاءُ التى في: ﴿بَعْدِهِ﴾ من (٥) ذكرِ المجئِ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ولقد جاءكم موسى بالبيناتِ، ثم اتخذتمُ العجلَ من بعدِ مجئِ [موسى بالبيناتِ] (٦) وأنتم ظالمون.
كما تقولُ: جِئْتَنى فكَرِهْتُك (٧).
يَعْنى: فكَرِهْتُ مجيئَك.
وأما قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ فإنه يَعنى بذلك أنكم فعلْتُم ما فعلْتُم من عبادةِ العجلِ وليس ذلك لكم، وعبَدْتُم غيرَ الذي كان يَنْبَغى لكم أن تَعْبُدُوه؛ لأن العبادةَ لا تَنْبَغى لغيرِ اللهِ.
وهذا تَوبيخٌ من اللهِ جل ثناؤُه لليهودِ، وتَعْييرٌ منه لهم، وإخبارٌ منه لهم أنهم [إذ كانوا قد] (١) فعلُوا ما فعلُوا من اتخاذِ العجلِ إلهًا وهو لا يَمْلِكُ لهم ضَرًّا ولا نفعًا، بعدَ الذي عَلِموا أن ربَّهم هو الربُّ الذي يَفْعَلُ من الأعاجيبِ وبدائعِ الأفعالِ ما أجْراه على يَدَىْ موسى صلواتُ اللهِ عليه، من الأمورِ التى [عايَنُوها التى] (٢) لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ من خلقِ اللهِ، ولم يَقْدِر عليها فرعونُ وجندُه مع بطشِه وكثرةِ أتباعِه، وقُرْبِ عهدِهم بما عايَنُوا من عجائبِ حكمِ اللهِ فيهم، فهم إلى تكذيبِ محمدٍ ﷺ، وجحودِ ما في كتبِهم التى زعموا أنهم بها مؤْمِنون من صفتِه ونعتِه، مع بُعْدِ ما بينَهم وبين عهدِ موسى مِن المدةِ - أسرعُ، وإلى التكذيبِ بما جاءَهم به موسى مِن ذلك أقربُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾: واذْكُروا إذ أخَذْنا عُهودَكم بأن خُذوا ما آتيناكم مِن التوراةِ التى أَنْزَلتُها إليكم أن تَعْملوا بما فيها مِن أمْرِى، وتَنْتهوا عما نَهَيْتُكم فيها بجدٍّ منكم في ذلك ونشاطٍ، فأعْطَيتم على العملِ بذلك مِيثاقَكم، إذ رفَعنا فوقَكم الجبلَ.
وأما قولُه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ فإن معناه: واسْمَعوا ما أمرتُكم به، وتَقَبَّلوه بالطاعةِ.
كقولِ الرجلِ للرجلِ يأمرُه بالأمرِ: سمِعتُ وأطعتُ.
يعني بذلك: سمِعتُ قولَك وأطَعتُ أمرَك.
كما قال الراجِزُ (٣): السَّمْعُ والطَّاعَةُ والتَّسلِيمْ خَيْرٌ وأعْفى لبَنِى تَمِيمْ يعني بقولِه: السمعُ: قبولُ ما تسْمعُ، والطاعةُ لِما تُؤْمرُ.
فكذلك معنى قولِه ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اقْبَلُوا ما سمِعتم، واعْمَلوا به.
قال أبو جعفرٍ: فمعنى الآيةِ إذن: وإذ أخَذْنا مِيثاقَكم أن خُذُوا ما آتيناكم بقوةٍ، واعْمَلوا بما سمِعتم، وأطيعوا اللهَ، ورفَعنا فوقَكم الطورَ مِن أجلِ ذلك.
وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإن الكلامَ خرَج مَخْرجَ الخبرِ عن الغائبِ بعد أن كان الابتداءُ بالخطابِ، وذلك ما وصَفنا مِن أن ابتداءَ الكلامِ إذا كان حكايةً، فالعربُ تُخاطِبُ فيه ثم تَعودُ فيه إلى الخبرِ عن الغائبِ، وتُخْبِرُ عن الغائبِ ثم تُخاطِبُ، كما قد بَيَّنا ذلك فيما مضى قبلُ.
فكذلك ذلك في هذه الآيةِ؛ لأن قولَه ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ﴾ بمعنى: قُلْنا لكم فأجَبْتمونا.
وأما قولُه: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا﴾ فإنه خبرٌ مِن اللهِ عن اليهودِ الذين أخَذ ميثاقَهم أن يَعْملوا بما في التوراةِ، وأن يُطيعوا اللهَ فيما يَسمعون منها، أنهم قالوا حين قِيلَ لهم ذلك: سمِعنا قولك، وعصَينا أمرَك.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وأُشْرِبوا في قلوبهم حبَّ العِجلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّه حتى خَلَص ذلك إلى قلوبِهم (١).
حدَّثنى المثني، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ قال: أُشْرِبوا حبَّ العِجلِ بكُفرِهم (٢).
حدَّثنى المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ قال: أُشْربوا حبَّ العجلِ في قلوبِهم (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك أنهم سُقُوا الماءَ الذي ذُرِّىَ فيه سُحالةُ (٤) العجلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: لمَّا رجَع موسى إلى قومِه أخَذ العجلَ الذي وجَدهم عاكفين عليه فذبحَه (٥)، ثم حَرقَه (٦) بالمبردِ، ثم ذَرَّاه في اليَمِّ، فلم يَبْقَ بحرٌ يومئذٍ يَجْرِى إلا وقَع فيه شيءٌ منه، ثم قال لهم موسى: اشْرَبوا منه.
فشرِبوا منه، فمن كان يُحِبُّه خرَج على شاربِه الذَّهبُ، فذلك حين يَقولُ اللهُ ﷿: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: لما سُحِل فأُلْقِى في اليمِّ استقبلوا جِرْيةَ الماءِ، فشرِبوا حتى ملئوا بطونَهم، فأوْرَث ذلك مَن فعَله منهم جُبْنًا.
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلين اللذين ذكَرتُ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ تأويلُ مَن قال: وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ؛ لأن الماء لا يُقالُ منه: أُشْرِب فلانٌ في قلبِه.
وإنما يُقالُ ذلك في حبِّ الشئِ، فيُقالُ منه: أُشْرِب قَلْبُ فلانٍ حبَّ كذا.
بمعنى: سُقِىَ ذلك حتى غلَب عليه وخالطَ قلبَه.
كما قال زُهيرٌ (١): فَصَحَوْتُ عَنْهَا بَعْد حُبٍّ داخلٍ … والحُبُّ يُشْرَبُهُ فُؤَادُكَ دَاءُ ولكنه ترَك ذِكْرَ "الحبِّ" اكْتِفاءً بفهمِ السامعِ لمعنى الكلامِ؛ إذ كان معلومًا أن العجلَ لا يُشْرِبُ القلبَ، وأن الذي يُشْرِبُ القلبَ منه حبُّه.
كما قال جل ثناؤُه: [﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾] (٢) [الأعراف: ١٦٣].
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢].
وكما قال الشاعر (٣): حسِبتَ بُغامَ (٤) راحلتى عَناقًا (٥) … وما هي وَيْبَ (٦) غيرِك بالعَناقِ يعني بذلك: حسبت بُغامَ راحلتى بُغامَ عناقِ.
وكما قال طَرفةُ بنُ العبدِ (١): ألا إِنَّنِى سُقِّيتُ أسودَ حالِكًا … ألا بَجَلِى (٢) مِن الشّرَابِ ألا بَجَلْ يعني بذلك: سُقِيتُ سَمًّا أسودَ.
فاكْتَفى بذكرِ "أسودَ" من ذِكْرِ "السمِّ" لمعرفةِ السامعِ معنى ما أراد بقولِه: سُقِيتُ أسودَ.
ويُرْوَى: ألا إِنَّنى سُقِّيتُ أسْوَدَ سالخًا (٣) وقد تقولُ العربُ: إذا سرَّك أن تَنْظُرَ إلى السخاءِ فانْظُر إلى هَرمٍ أو إلى حاتمٍ.
فتَجْتَزِئُ بذِكرِ الاسمِ مِن ذكرِ فعلِه، إذا كان معروفًا بشجاعةٍ أو سخاءٍ، أو ما أشْبَهَ ذلك مِن الصفاتِ، ومنه قولُ الشاعر (٤): يَقُولون جاهِدْ يا جَمِيلُ بِغَزْوَةٍ … وإن جِهادًا طَيِّئٌ وَقِتالُهَا القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.
يَعْنى بذلك جل ثناؤُه: قل يا محمدُ ليهودِ بنى إسرائيلَ: بئس الشئُ يَأْمرُكم به إيمانُكم، إذ كان يأمرُكم بقتلِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، والتكذيبِ بكُتُبِه، وجُحودِ ما جاء مِن عندِه.
ومعنى إيمانِهم: تَصْديقُهم الذى زعَموا أنهم به مصدِّقون مِن كتابِ اللهِ، إذ قِيلَ لهم: آمِنوا بما أنزَل اللهُ.
فقالوا: نُؤمنُ بما أُنزِلَ علينا.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كُنتُم مُصدِّقين -كما زعَمتم- بما أنزَل اللهُ عليكم.
وإنما كذَّبهم اللهُ بذلك لأن التوراةَ تَنْهَى عن ذلك كلِّه، وتَأْمُر بخلافِه، فأخْبَرهم أنّ تصديقَهم بالتوراةِ إن كان يأْمرُهم بذلك، فبئس الأمْرُ تَأْمرُ به.
وإنما ذلك نَفْىٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه عن التوراةِ أن تكونَ تَأْمرُ بشيءٍ مِمَّا يَكْرهُه اللهُ مِن أفعالِهم، وأن يكونَ التصديقُ بها يدلُّ على شيءٍ مِن مخالفةِ أمرِ اللهِ، وإعلامٌ منه جل ثناؤُه أن الذي يَأْمرُهم بذلك أهواؤُهم، والذى يَحْمِلُهم عليه البغىُ والعدوانُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ: وهذه الآيةُ مما احتجَّ اللهُ به لنبيِّه محمدٍ ﷺ على اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرَانَىْ مُهاجَرِه، وفضَح بها أحبارَهم وعلماءَهم، وذلك أن اللهَ جل ثناؤُه أمَر نَبيَّه ﷺ أن يَدْعوَهم إلى قضيةٍ عادلةٍ بينَه وبينَهم، فيما كان بينَه وبينَهم مِن الخلافِ، كما أمَره اللهُ أن يَدْعوَ الفريقَ الآخرَ مِن النَّصارَى -إذ خالفوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وجادلوه فيه- إلى فاصلةٍ بينَه وبينَهم مِن المُباهَلَةِ، وقال لفريقِ اليهودِ: إن كنتم مُحِقِّين فتَمنَّوُا الموتَ، فإن ذلك غيرُ ضارِّكم إن كنتم مُحِقِّين فيما تَدَّعون مِن الإيمانِ وقُربِ المنزِلةِ مِن اللهِ، بل إن أُعْطيتُم أُمْنِيتَكم مِن الموتِ إذا تمنَّيتم، فإنما تَصِيرون إلى الراحةِ مِن تَعبِ الدنيا ونصبِها وكَدَرِ عَيشِها، والفوزِ بجوارِ اللهِ في جِنانِه، إن كان الأمرُ كما تَزْعُمون، مِن أنّ الدارَ الآخرةَ لكم خالصةٌ دونَنا، وإن لم تُعْطَوْها علِم النَّاسُ أنكم المُبطِلون، ونحن المُحِقُّون في دعوانا، وانْكَشف أمرُنا وأمرُكم لهم.
فامْتَنعت اليهودُ مِن إجابةِ النبيِّ ﷺ إلى ذلك لعلْمِها أنها إن تَمنَّت الموتَ هلَكَت، فذَهَبت دنياها، وصارت إلى خِزْى الأبدِ في آخرتِها، كما امتنع فريقُ النَّصارى الذين جادلوا النَّبيَّ ﷺ في عيسى، إذ دُعُوا إلى المبُاهلةِ -مِن المباهلةِ، فبلَغنا أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لو أن اليهودَ تَمنَّوا الموتَ لماتوا، ولرأَوا مقاعدَهم مِن النارِ، ولو خرَج الذين يُباهِلون رسولَ اللهِ ﷺ لرجَعوا لا يَجِدون أهلًا ولا مالًا".
حدَّثنا بذلك أبو كريبٍ، قال: حدثنا (١) زكريا بنُ عدىٍّ، قال: حدثنا عُبيدُ اللهِ ابنُ عمرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا عَثَّامُ بنُ عليٍّ، عن الأعْمشِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: لو تَمنَّوا الموتَ لشَرِقَ أحدُهم برِيقِه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرىِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: لو تَمنَّى اليهودُ الموتَ لماتوا (٤).
حدَّثنى موسى، قال: أخْبَرنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بن أبي محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى -أنا- عن سعيدٍ، أو عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لو تَمنَّوه يومَ قال لهم ذلك، ما بقِى على ظَهرِ الأرضِ يهوديٌّ إلا مات (١).
قال أبو جعفرٍ: فانْكَشف -لمَن كان مُشْكِلًا عليه أمرُ اليهودِ يومَئذٍ- كَذِبُهم وبُهْتُهم وبَغْيُهم على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه، وظهَرت حُجَّةُ رسولِ اللهِ وحُجةُ أصحابِه عليهم، ولم تَزَلْ -والحمدُ للهِ- ظاهرةً عليهم وعلى غيرِهم مِن سائرِ أهلِ المللِ، وإنما أُمِرَ رسولُ اللهِ ﷺ أن يقولَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ لأنهم -فيما ذكر لنا- قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١].
فقال اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهم إن كنتم صادقين فيما تَزْعُمون فتَمنَّوُا الموتَ.
فأبان اللهُ كَذِبَهم بامْتِناعِهم مِن تَمنِّى ذلك، وأفلَجَ حُجَّةَ رسولِ اللهِ ﷺ.
وقد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَدْعوَ اليهودَ إلى أن يَتمنَّوُا الموتَ، وعلى أىِّ وجهٍ أُمِروا أن يَتمنَّوه؛ فقال بعضُهم: أُمِروا أن يَتمنَّوه على وجهِ الدعاءِ على الفريقِ الكاذبِ منهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن سعيدٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكْذَبُ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثنى بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾: وذلك أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
فقِيلَ لهم: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١).
حدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: قالت اليهودُ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فلم يَفْعَلوا (٢).
حدَّثنى المثني، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنى [ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه] (٣)، عن الربيعِ قولَه.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ الآية: وذلك بأنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (٤).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ﴾ فإنه يقولُ: قُلْ يا محمدُ: إن كان نعيمُ الدارِ الآخرةِ ولَذَّاتُها لكم يا مَعْشَرَ اليهودِ عندَ اللهِ.
فاكْتَفى بذِكْرِ الدارِ مِن ذِكْرِ نعيمِها لمعرفةِ المُخاطبين بالآيةِ معناها.
وقد بَينَّا مَعْنى الدارِ الآخرةِ فيما مضى بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿خَالِصَةً﴾ فإنه يعني به: صافيةً.
كما يُقالُ: خَلَص لي [هذا الأمرُ] (٢).
بمعنى: صار لي وَحْدى وصَفَا لي، يُقالُ منه: خَلَصَ لى هذا الشئُ فهو يخْلُصُ خلوصًا وخالصةً.
والخالصةُ مصدرٌ، مِثْلُ العافية، ويقالُ للرجلِ: هذا خُلْصَانى.
يعني به: خالِصَتى مِن دونِ أصحابِى.
وقد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَتأولُ قولَه: ﴿خَالِصَةً﴾: خاصةً.
وذلك تأويلٌ قريبٌ مِن مَعْنى التأويلِ الذي قُلْناه في ذلك.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بن عُمَارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ قال: قلْ يا محمدُ لهم -يَعْنى اليهودَ- إن كانت لكم الدارُ الآخرةُ، يَعْنِى الخيرَ (٣) ﴿عِنْدَ اللهِ خَالِصَةً﴾.
يقولُ: خاصةً لكم (٤).
وأما قولُه: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ فإن الذي يَدلُّ عليه ظاهِرُ التنزيلِ أنهم قالوا: لنا الدارُ الآخرة عندَ اللهِ خالصةً مِن دونِ جميعِ الناسِ.
ويُبَيِّنُ أن ذلك كان قولَهم -مِن غيرِ اسْتِثناءٍ منهم مِن ذلك أحدًا مِن بنى آدمَ- إخْبارُ اللهِ عنهم أنهم قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
إلا أنه قد رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ قولٌ غير ذلك.
ذكرُ ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ يقولُ: مِن دونِ محمدٍ ﷺ وأصحابِه الذين اسْتَهزأتم بهم، وزَعَمْتم أن الحقَّ في أيدِيكم، وأن الدارَ الآخرةَ لكم دونَهم.
وأما قولُه: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ فإن تأويلَه: تَشهَّوه وأَرِيدوه.
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ أنه قال في تأويلِه: فسَلُوا الموتَ.
ولا يُعْرَفُ التَّمنى بمعنى المسألةِ في كلامِ العربِ.
ولكنى أحْسِبُ أن ابنَ عباسٍ وجَّه مَعْنى الأُمْنِيةِ -إذ كانت محبةَ النفسِ وشهوتَها- إلى معنى الرَّغْبةِ والمسألةِ، إذ كانت المسألةُ هي رغبةَ السائلِ إلى اللهِ فيما سأله.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ يقولُ: فسَلُوا الموتَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه عن اليهودِ وكراهتِهم الموتَ، وامتناعِهم من الإجابةِ إلى ما دُعُوا إليه مِن تَمنِّى الموتِ؛ لعلمِهم بأنهم إن فعَلوا ذلك فالوعيدُ بهم نازلٌ، والموتُ بهم حالٌّ، ولمعرفتِهم بمحمدٍ ﷺ أنه رسولٌ مِن اللهِ إليهم مرسلٌ، وهم به مُكذِّبون، وأنَّه لن يُخْبرَهم خبرًا إلا كان حقًّا كما أخْبَر، فهم يَحذَرُون أن يتَمنَّوا الموتَ، خوفًا أن يَحِلَّ بهم عقابُ اللهِ بما كسَبت أيديهم مِن الذنوبِ.
كالذى حدَّثنى محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ -فيما يرَى أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية.
أي: ادْعُوا بالموتِ على أىِّ الفريقين أكذبُ، فأبَوا (١) ذلك على رسولِ اللهِ ﷺ.
يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: لعلمِهم بما عندَهم مِن العلمِ بك والكفرِ بذلك (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ يقولُ: يا محمدُ، ولن يتَمنَّوه أبدًا؛ لأنهم يَعْلَمون أنهم كاذبون، ولو كانوا صادقين لتَمنَّوه، ورَغِبوا في التعجيلِ إلى كَرامتى، فليس يتَمنَّونه أبدًا بما قدَّمت أيديهم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: وكانت اليهودُ أشدَّ الناسِ (٤) فرارًا مِن الموتِ، ولم يكونوا ليتَمنَّوه أبدًا.
وأما قولُه: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
فإنه يَعْنى به: بما أسْلَفَتْه أيديهم.
وإنما ذلك مَثَلٌ، على نحوِ ما تتَمَثَّلُ به العربُ في كلامِها، فتقولُ للرجلِ يُؤْخَذُ بجَرِيرةٍ جرَّها، أو جنايةٍ جَناها فيعاقبُ عليها: نالك هذا بما جَنَتْ يداك، وبما كَسبت يداك، وبما قَدَّمت يداك.
فتُضِيفُ ذلك إلى اليدِ، ولعلَّ الجنايةَ التى جَناها فاستحقَّ عليها العقوبةَ كانت باللسانِ أو بالفَرْجِ أو بغيرِ ذلك مِن أعضاءِ جسدِه سِوَى اليدِ.
وإنَّما قِيلَ ذلك بإضافتِه إلى اليدِ؛ لأن عُظْمَ جِناياتِ الناسِ بأيديهم، فجَرَى الكلامُ باستعمالِ إضافةِ الجناياتِ التى يجنيها النَّاسُ إلى أيديهم، حتى أُضِيفَ كلُّ ما عُوقِبَ عليه الإنسانُ مما جَناه بسائرِ أعضاءِ جسدِه إلى أنها عقوبةٌ على ما جَنَتْه يَداه (١)، فلذلك قال جل ثناؤُه للعربِ: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني به: ولن يَتَمنَّى اليهودُ الموتَ بما قدَّموا أمامَهم في حياتِهم مِن كفرِهم باللهِ، في مخالفتِهم أمرَه وطاعتَه في اتباعِ محمدٍ ﷺ وما جاءهم (٢) به مِن عندِ اللهِ، وهم يَجِدونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ، ويَعْلمون أنه نبىٌّ مبعوثٌ.
فأضاف جل ثناؤُه ما انْطَوت عليه قلوبُهم، وأضْمَرته نفوسُهم، ونَطَقت به ألسنتُهم؛ مِن حسدِ محمدٍ ﷺ والبغىِ عليه، وتكذيبِه وجُحودِ رسالتِه - إلى أيديهم، وأنَّه مما قدَّمته أيديهم لعلمِ العربِ بمعنى ذلك في منطقِها وكلامِها، إذ كان جل ثناؤُه إنما أنزَل القرآنَ بلسانِها، وبلغتِها خاطَبها (٣).
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يقولُ: بما أسْلَفت أيديهم (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
قال: إنهم عَرَفوا أن محمدًا ﷺ نبىٌّ فكَتَموه.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فإنه يعني جل ثناؤُه: واللهُ ذو علمٍ بظَلَمةِ بنى آدمَ -يهودِها ونَصارَاها وسائرِ أهلِ [مللِها غيرِهم] (٥) - وما يَعْملون.
وظلمُ اليهودِ كفرُهم باللهِ فى خلافِهم أمرَه وطاعتَه فى اتباعِ محمدٍ ﷺ، بعدَ أن كانوا يَسْتَفْتِحون به وبمبْعثِه، وجُحودِهم نبوتَه وهم عالمون أنه نبىُّ اللهِ ورسولُه إليهم.
وقد دَلَّلْنا على معنى الظلمِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.
يَعْنِى جل ثناوُه بقولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ اليهودَ.
يقولُ: يا محمدُ، لتَجِدَنَّ أشدَّ الناسِ حِرصًا على الحياةِ فى الدنيا، وأشدَّهم كراهةً للموتِ، اليهودَ، كما حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ -فيما يرَى (٢) أبو جعفرٍ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.
يعنى اليهودَ (٣).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، [عن الربيعِ] (٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾.
يعنى اليهودَ (٥).
وحدَّثنى المثنَّى، [قال: ثنا إسحاق] (٤)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٦).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وإنما كراهتُهم الموتَ لعلمِهم بما لَهم فى الآخرةِ من الخزْىِ والهَوانِ الطويلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
يَعْنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾: وأحرصَ من الذين أشرَكُوا على الحياةِ.
كما يقالُ: هو أَشجعُ الناسِ ومن عنترةَ.
بمعنى: هو أشجعُ من الناسِ ومن عنترةَ.
فكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾.
لأن معنى الكلامِ: ولَتَجِدَنَّ يا محمدُ اليهودَ من بنى إسرائيلَ أحرصَ من (١) الناسِ على حياةٍ ومن الذين أشركُوا.
فلمّا أُضِيفَ ﴿أَحْرَصَ﴾ إلى ﴿النَّاسِ﴾، وفيه تأويلُ "مِن" - أُظْهِرَتْ بعدَ حرفِ العطفِ رَدًّا على التأويلِ الذى ذكَرْنا.
وإنما وصَف اللهُ جل ثناؤُه اليهودَ بأنهم أحرصُ الناسِ على الحياةِ، لعِلْمِهم بما قد أَعَدَّ لهم فى الآخرةِ على كفرِهم، مما لا يُقِرُّ به أهلُ الشركِ، فهم للموتِ أكْرَهُ من أهلِ الشركِ الذين لا يُؤْمِنون بالبعثِ؛ لأنهم يُؤمنون بالبعثِ ويَعْلَمون ما لهم هنالك من العذابِ، وأنَّ المُشركِينَ لا يُصَدِّقُون ببعثٍ ولا عقابٍ، فاليهودُ أحرصُ منهم على الحياةِ وأكرَهُ للموتِ.
وقيل: إن الذين أَشركُوا، الذين أخبرَ اللهُ تعالى ذكرُه أن اليهودَ أحرصُ منهم فى هذه الآيةِ على الحياةِ، هم المجوسُ.
[وقيل: هم] (٢) الذين لا يُصَدِّقُون بالبعثِ.
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنى ابنُ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾.
فذكَر مثلَه.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾: ويهودُ أحرصُ من هؤلاء على الحياةِ، وقد وَدّ هؤلاءِ لو يُعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ.
(١) وحُدِّثت عن أبى معاويةَ، عن الأعمشِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾.
قال: هو قولُ أحدِهم إذا عَطَس: زِه هَزار سال.
يقولُ: [عِشْ ألفَ] (٢) سنةٍ (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: وما التعميرُ وطولُ البقاءِ بمُزَحْزِحِه من عذابِ اللهِ.
و (٤) قوله: ﴿هُوَ﴾.
عِمادٌ، لطلَبِ "ما" الاسمَ أكثرَ من طلبِها الفعلَ، كما قال الشاعرُ (١): *فهل هو مَرفُوعٌ بما هَاهُنا راسُ* و ﴿أَنْ﴾ التى فى: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ رَفْعٌ بـ ﴿مُزَحْزِحِهِ﴾، و (٢) ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿مَا﴾ [من ذكرِه] (٣)، عمادٌ للفعلِ؛ لاستقباحِ (٤) العربِ النكرةَ قبل المعرفةِ.
وقد قال بعضُهم: إن ﴿هُوَ﴾ التى مع ﴿وَمَا﴾ كنايةٌ مِن ذكرِ العُمُرِ.
كأنه قال: يَوَدُّ أحدُهم لو يُعَمَّرُ ألفَ سنةٍ، وما ذلك العُمُرُ بمُزَحْزحِه من العذابِ.
وجعَل: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ مُتَرْجِمًا (٥) عن ﴿هُوَ﴾.
يُريدُ: ما هو بمُزَحْزِحِه التعميرُ.
وقال بعضُهم: قولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ نظيرُ قولِك: ما زيدٌ بمُزَحْزِحِه أن يُعَمَّرَ.
وأقربُ هذه الأقوالِ عندنا إلى الصوابِ ما قلْناه، وهو أن يكونَ ﴿هُوَ﴾ عمادًا، نظيرُ قولِك: ما هو قائمًا (٦) عمرٌو.
وقد قال قومٌ من أهلِ التأويلِ: إنَّ ﴿أَنْ﴾ التى فى قولِه: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ بمَعْنَى: وإنْ عُمِّرَ.
وذلك قولٌ لمعانى كلامِ العربِ المعروفِ مخالفٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
يقولُ: وإن عُمِّر (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ولو عُمِّرَ (٢).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾ فإنه: بمُبْعِدِه ومُنْجِيه (٣)، كما قال الحُطَيئةُ (٤): وقالُوا تَزَحْزَحْ لا بِنا فَضْلُ حاجةٍ … إليكَ ولا مِنّا لِوَهْيِكَ (٥) راقِعُ يعنى بقولِه: تَزَحْزَحْ: تَباعَدْ.
يقالُ منه: زَحْزَحَه يُزَحْزِحُه زَحْزَحَةً وزِحْزَاحًا، وهو عنك يُزَحْزَحُ.
أى: هو مُتباعِدٌ.
فتأويلُ الآيةِ: وما طولُ العمُرِ بمُبْعِدِه من عذابِ اللهِ ولا مُنْجِيه (٣) منه؛ لأنه لا بُدَّ للعُمُرِ من الفناءِ ومصيرِه إلى اللهِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
أى: ما هو بمُنْجِيه من العذابِ (١).
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.
يقول: وإنْ عُمِّر، فما [ذلك بمُغْنيه] (٢) من العذَابِ ولا منجِيه (٣).
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: فهم الذين عادَوْا جبريلَ ﵇ (٤).
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾: ويهودُ أحرصُ على الحياةِ من هؤلاءِ، وقد وَدَّ هؤلاءِ لو يعَمَّرُ أحدُهم ألفَ سنةٍ، وليس (٥) بمُزَحْزِحِه من العذابِ لو عُمِّر كما عُمِّر إبليسُ، لَمْ يَنْفَعْه ذلك إذا (٦) كان كافرًا، لَمْ (٧) يُزَحْزِحْه ذلك من العذابِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
يَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾: واللهُ ذو إبصارٍ بما (٢) يَعمَلون، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من أعمالِهم، بل هو بجميعِها مُحيطٌ، ولها حافظٌ ذاكرٌ، حتى يُذِيقَهم بها من العقابِ جزاءَها.
وأصلُ بصيرٍ مُبْصِرٌ، من قولِك (٣): أبْصَرْتُ فأنا مُبْصِرٌ.
ولكنّه صُرِف إلى "فَعِيلٍ"، كما صُرِفَ مُسْمِعٌ إلى سَميعٍ، وعذابٌ مؤلمٌ إلى أليمٍ، ومُبدِعُ السماواتِ إلى بَديعٍ، وما أشبهَ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
أجمع أهلُ العلمِ بالتأويلِ جميعًا على أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ جوابًا لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ، إذ زعَموا أنَّ جبريلَ عدوٌّ لهم، وأن ميكائيلَ وَلِيٌّ لهم.
ثم اختلَفوا في السببِ الذى مِن أجلِه قالوا ذلك؛ فقال بعضُهم: إنما (٤) كان سببُ قيلِهم ذلك مِن أجلِ مناظرةٍ جرَتْ بينهم وبين رسولِ اللهِ ﷺ في أمرِ نبوَّتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ (٥) بُكَيرٍ، عن عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: حضَرَتْ عِصابةٌ من اليهودِ رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا: يا أبا القاسمِ، حدِّثْنا عن خِلالٍ نسألُك عنهنَّ لا يَعْلَمُهن إلَّا نبيٌّ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "سَلُوا عمَّا شِئْتُم، ولكن اجعَلُوا لى ذِمّةَ اللهِ وما أخَذ يَعْقُوبُ على بَنِيه، لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكم شيئًا فعَرَفْتُموه لَتُتَابِعُنِّى (١) على الإسلامِ".
فقالوا: ذلك لك.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "سَلُونى عمّا شِئْتُم".
فقالوا: أَخْبِرْنَا عن أَربعِ خِلالٍ نسألُك عنهن؛ أَخْبِرْنَا أيُّ الطعامِ حرَّم إسرائيلُ على نفسِه من قبلِ أن تُنَزَّلَ التوراةُ، وأَخْبِرْنَا كيف ماءُ المرأةِ وماءُ الرجلِ، وكيف يكونُ الذكرُ منه والأُنثي، وأَخْبِرْنَا بهذا النَّبِيِّ الأُمِّيِّ في [النومِ، ومن] (٢) وَلِيُّه مِن الملائكةِ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "عليكم عَهْدُ اللهِ لَئِنْ أنا أَنْبأْتُكم لَتُتَابِعُنِّى (٣) ".
فأعطَوْه ما شاء مِن عهدٍ وميثاقٍ، فقال: "نَشَدْتُكم بالذى أنْزَلَ التوْراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن إسْرائِيلَ يعقوبَ (٤) مَرِض مَرَضًا شديدًا، فَطال سَقَمُه منه، فنَذر للهِ (٤) نَذْرًا لئِن عافاه اللهُ مِن سَقَمِه، ليُحَرِّمَنَّ أَحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه، وكانَ أحبَّ الطعامِ إليه لُحْمانُ (٥) الإبِلِ" -قال أبو جعفرٍ: فيما أرى أنا- "وأحَبَّ الشرابِ إليه ألْبانُها؟
" فقالوا: اللهمَّ نعم.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: " [اللهُمَّ اشْهَدْ عليهم] (٦).
وأنْشُدُكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، الذى أنْزَلَ التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبيَضُ غليظٌ، وأن ماءَ المرأةِ أصفرُ رقيقٌ، فأيُّهما عَلا كان له الوَلَدُ والشَّبَهُ بإذنِ اللهِ، إذا (٧) عَلا ماءُ الرجلِ ماءَ المرأةِ كان الولَدُ ذَكَرًا بإِذنِ اللهِ، وإذا علا ماءُ المرأةِ ماءَ الرجلِ كان الولَدُ أُنْثَى بإذنِ اللهِ؟
" قالوا: اللهُمَّ نعَم.
قال: "اللهُمَّ اشْهَدْ".
قال: "وأَنْشُدُكم بالذى أنْزَل التوراةَ على موسي، هل تَعْلَمون أن هذا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ تَنامُ عيناه ولا يَنامُ قلبُه؟
" قالوا: اللهُمَّ نعَم.
قال: "اللهُمَّ اشْهَدْ".
قالوا (١): أنت الآنَ، فحدِّثْنا مَن وَلِيُّك مِن الملائِكَةِ، فعندَها نجامِعُك (٢) أو نُفَارِقُك.
قال: "فإن وَلِيِّى جبريلُ، ولم يَبْعَثِ اللهُ نبيًّا قَطُّ إلَّا وهو وليُّه".
قالوا: فعندَها نُفَارقُك؛ لو كان وليُّك سواه مِن الملائِكَةِ تابَعْناك وصدَّقْناك.
قال: "فما يَمْنَعُكُم أن تُصَدِّقوه؟!
قالوا: إنه عدوُّنا.
فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فعندَها باءوا بغضَبٍ على غضَبٍ (٣).
وحَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الحسينِ المكِّيُّ، عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ الأشعرىِّ، أن نَفرًا مِن اليهودِ جاءوا رسولَ اللهِ ﷺ فقالوا له: يا محمدُ، أَخْبِرْنَا عن أربعِ خصالٍ (٤) نسألُك عنهنَّ، فإن فعَلتَ اتَّبعْناكَ وصدَّقْناكَ وآمنَّا بكَ.
فقال لهم (٤) رسولُ اللهِ ﷺ: "عليكم بذلك عهدُ اللهِ وميثاقُه، لئن أنا أخْبَرْتُكم بذلك لَتُصَدِّقُنِّى" قالوا: نعم.
قال: "فسلُوا عمَّا بدَا لكم".
فقالوا: أَخْبِرْنَا كيف يُشْبِهُ الولدُ أُمَّه وإنما النطفةُ مِن الرجلِ؟
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه (٥) عندَ بَنى إسرائيلَ، هل تَعْلَمونَ أن نُطفةَ الرَّجُلِ بَيْضاءُ غليظةٌ، ونُطْفَةَ المَرْأةِ صفراءُ رَقيقَةٌ، فأيَّتُهما عَلَت (٦) صاحبتَها كان لها الشَّبَهُ؟
" قالوا: اللهُمَّ نعم.
قالوا: فأَخْبِرْنَا كيف نومُك؟
قال: "أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ، هل تعْلَمون أن [نومَ هذا] (١) النبيِّ الذى تزعُمون أنى لستُ به، تنامُ عينُه (٢) وقلبُه يقظانُ؟
" (٣) قالوا: اللهُمَّ نعم.
قال: " [فكذلك نَوْمِى؛ تَنامُ عَينى وقَلْبى يقظانُ".
قالوا: فأَخْبِرْنَا عمَّا] (٤) حرَّم إسرائيلُ على نفسِه (٥)، فقال: " [أنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بَنِى إسرائيلَ] (٦)، هل تَعْلَمون أنه كان أحبَّ الطعامِ والشرابِ إليه ألْبانُ الإبلِ ولُحُومُها، وأنه اشْتَكَى شكوَى فعافاه اللهُ منها، فحرَّم أحَبَّ الطعامِ والشرابِ إليه شُكْرًا (٧) للهِ، فحرَّم على نَفْسِه لُحُومَ الإبِلِ وأَلْبَانَها؟
" قالوا: اللهمَّ نعَم.
قالوا: فأَخْبِرْنَا عن الرُّوح.
قال: "أَنْشُدُكم باللهِ وبأيَّامِه عندَ بنى إسْرائيلَ، هل تَعْلَمون أنه جبريلُ، وهو الذى يَأْتِينى؟
" قالوا: نعَم، ولكنه لنا عدوٌّ، وهو مَلَكٌ إنما يأتِي بالشِّدَّةِ وسفْكِ الدماءِ، فلولا ذلك اتبعْناك.
فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٨).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: حَدَّثَنِي القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، أن يهودَ سألوا النَّبِيَّ ﷺ مَن صاحبُه الذى يَنْزِلُ عليه بالوحىِ؟
فقال: "جبريلُ".
قالوا: فإنه لنا عدوٌّ، ولا يأتى إلَّا بالحربِ والشدَّةِ والقتالِ.
فنَزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال مجاهدٌ: قالت يهودُ: يا محمدُ، ما يَنْزِلُ جبريلُ إلَّا بشدَّةٍ وحربٍ وقتالٍ (١)، وإنه لنا لعدوٌّ.
فنزَل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية (٢).
وقال آخَرون: بل كان سَبَبُ قِيلِهم ذلك مِن أجلِ مُناظرةٍ جرَت بين عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ وبينهم في أمرِ النَّبِيِّ ﷺ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا رِبْعِيُّ ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: نزَل عمرُ بنُ الخطابِ الرَّوْحَاءَ (٣)، فرأَى رجالًا يَبْتَدِرُون أحجارًا يُصَلُّون إليها، فقال: ما بالُ (٤) هؤلاءِ؟
قالوا: يَزْعُمون أن رسولَ اللهِ ﷺ صلَّى ههنا.
قال: فكرِه ذاك، وقال: إنَّما رسولُ اللهِ ﷺ أدركَتْه الصلاةُ بوادٍ، فصلَّي، ثم ارتحل وترَكه.
ثم أنشأ يُحَدِّثُهم فقال: كنتُ أشْهَدُ اليهودَ يومَ مِدْراسِهم (٥)، فأعْجَبُ مِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفُرقانَ، ومِن الفرقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، فبينما أنا عندَهم ذاتَ يومٍ قالوا: يا بنَ الخطابِ، ما مِن أصحابِك أحدٌ أحبَّ إلينا منك.
قلتُ: ولمَ ذلك؟
قالوا: إنك تَغْشانا وتَأْتِينا.
قال: قلتُ: إنِّي آتِيكم فأعْجَبُ مِن الفُرْقانِ كيف يُصَدِّقُ التوراةَ، ومِن التوراةِ كيف تُصَدِّقُ الفرقانَ.
قال: ومرَّ رسولُ اللهِ ﷺ فقالوا: يا بنَ الخطابِ، ذاك صاحبُكم فالحَقْ به.
قال: فقلتُ لهم عند ذلك: نَشَدْتكم باللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، وما استرعاكم مِن حَقِّه واسْتَودَعَكم مِن كتابِه، أَتَعْلَمون أنه رسولُ اللهِ؟
قال: فسكَتوا.
قال: فقال عالمُهم وكبيرُهم: إنه قد عظَّم عليكم فأَجِيبوه.
قالوا: أنت عالمُنا وسيدُنا، فأَجِبْه أنت.
قال: أَمَّا إذ نشدْتَنا [بما نَشَدْتنا] (١) به، فإنّا نَعْلَمُ أنه رسولُ اللهِ.
قال: قلتُ: وَيْحَكم!
فأنَّى (٢) هلَكتُم!
قالوا: إنَّا لَمْ نَهْلِكْ.
قال: قلتُ: كيف ذاك وأنتم تَعْلَمون أنه رسولُ اللهِ، ثم لا تَتَّبِعونه ولا تُصَدِّقونه؟
قالوا: إن لنا عدوًّا مِن الملائكةِ وسِلْمًا مِن الملائكةِ، وإنه قُرِن بنبوَّتِه (٣) عدُوُّنا مِن الملائكةِ.
قال: قلتُ: ومَن عدوُّكم ومَن سِلْمُكم؟
قالوا: عدوُّنا جبريلُ وسِلْمُنا ميكائيلُ.
قال: قلتُ: وفيمَ عاديْتُم جبريلَ وفيمَ سالمتم ميكائيلَ؟
قالوا: إن جبريلَ مَلَكُ الفظاظةِ والغلظةِ والإعسارِ والتشديدِ والعذابِ ونحوِ ذلك، وإن ميكائيلَ ملَكُ الرأفةِ والرحمةِ والتخفيف ونحوِ هذا.
قال: قلتُ: وما منزِلتُهما مِن ربِّهما؟
قالوا: أحدُهما عن يمينِه والآخرُ عن يسارِه.
قال: فقلتُ: فواللهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو، إنهما والذى بينهما لعَدوٌّ لمَن عاداهما، وسِلْمٌ لمَن سالَمَهما، ما يَنْبَغى لجبريلَ أن يُسالمَ عدوَّ ميكائيلَ، و [ما ينْبَغِى] (٤) لميكائيلَ أن يُسالمَ عدوَّ جبريلَ.
قال: ثم قمتُ فاتَّبعْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فلحِقْتُه وهو خارجٌ مِن خَوْخَةٍ (٥) لبنى فلانٍ، فقال لى: "يا بنَ الخطابِ، ألا أُقْرِئُك آياتٍ نزَلْنَ قبلُ (٦) "؟
فقرَأ عليَّ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حتى قرَأ الآياتِ.
قال: قلتُ: بأبي وأمى يا رسولَ اللهِ، والذى بعَثك بالحقِّ، لقد جِئْتُ وأنا أُرِيدُ أن أُخْبِرَك الخبرَ، فأسمعُ اللطيفَ الخبيرَ قد سبَقنى إليك بالخبرِ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ (٢) إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال عمرُ: كنتُ رجلًا أغْشَى اليهودَ في يومِ مِدْراسِهم.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ رِبْعِيٍّ.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن عمرَ بنَ الخطابِ انْطَلَق ذاتَ يومٍ إلى اليهودِ، فلمَّا أبْصَروه رحَّبوا به، فقال لهم عمرُ: أمَا واللهِ ما جئْتُ لحُبِّكم ولا للرغبةِ فيكم، ولكن جئتُ لأسْمَعَ منكم.
فسألهم وسألوه، فقالوا: مَن صاحبُ صاحبِكم؟
فقال لهم: جبريلُ.
فقالوا: ذاك عدوُّنا مِن أهلِ السماءِ، يُطْلِعُ محمدًا على سرِّنا، وإذا جاء جاء بالحربِ والسَّنَةِ (٣)، ولكنَّ صاحبَ صاحبِنا ميكائيلُ، وكان إذا جاء جاء بالخِصْبِ وبالسِّلْمِ.
فقال لهم عمرُ: أفتَعْرِفون جبريلَ وتُنْكِرون محمدًا؟
ففارَقَهم عمرُ عندَ ذلك وتوجَّه نحوَ رسولِ اللهِ ﷺ ليُحَدِّثَه حديثَهم، فوجَده قد أُنْزِلت عليه هذه الآيةُ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٤).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن قتادةَ، قال: بلغَنا أن عمرَ بنَ الخطابِ أقبلَ إلى (٥) اليهودِ يومًا.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهودُ: إن جبريلَ هو عدوُّنا؛ لأنه يَنْزِلُ بالشِّدَّةِ والحربِ والسِّنَةِ، وإن ميكائيلَ يَنْزِلُ بالرخاءِ والعافيةِ والخِصْبِ، فجبريلُ عدوُّنا.
فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (١).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
قال: كان لعمرَ بنِ الخطابِ أرضٌ بأعلَى المدينةِ، فكان يأتيها، وكان مَمَرُّه على طريقِ مِدْراسِ اليهودِ، وكان كُلَّما [مرَّ عليهم] (٢) دخَل عليهم فيسمَعُ (٣) منهم، وإنه دخَل عليهم ذاتَ يومٍ، فقالوا: يا عمرُ، ما في أصحابِ محمدٍ أحدٌ أحبَّ إلينا منك، إنهم يَمُرُّون بنا فيُؤْذُوننا، وَتمُرُّ بنا فلا تُؤْذِينا، وإِنَّا لنَطْمَعُ فيك.
قال لهم عمرُ: أيُّ يمينٍ فيكم أعظمُ؟
قالوا: الرحمنُ الذى أنزَل التوراةَ على موسى بطُورِ سَيْنَاءَ.
قال لهم عمرُ: فأَنْشُدُكم بالرحمنِ الذى أنْزَل التوراةَ على موسى بطُورِ سَينَاءَ، أتجِدُون محمدًا ﷺ عندَكم.
فأُسْكِتوا، فقال: تَكَلَّموا، ما شأنُكم؟
فواللهِ ماسألتُكم وأنا شاكٌّ في شيءٍ مِن دينى.
فنظَر بعضُهم إلى بعضٍ، فقام رجلٌ منهم فقال: أخْبِروا الرجلَ، لَتُخْبِرُنَّه أو لأُخْبِرَنَّه.
قالوا: نعم، إنَّا لَنجِدُه مكتوبًا عندَنا، ولكنَّ صاحبَه مِن الملائِكةِ الذى يأتيه بالوحىِ هو جبريلُ، وجبريلُ عدوُّنا، وهو صاحبُ كلِّ عذابٍ أو قِتالٍ أو خَسْفٍ، ولو أنه كان وليُّه ميكائيلَ إذن لآمنَّا به، فإن ميكائيلَ صاحبُ كلِّ رحمةٍ وكلِّ غَيْثٍ.
قال لهم عمرُ: فأَنْشُدُكم بالرحمنِ الذى أنْزلَ التوراةَ على موسى بطُورِ سَيْنَاءَ، أين مكانُ جبريلَ مِن اللهِ؟
قالوا: جبريلُ عن يمينِه، وميكائيلُ عن يسارِه.
قال عمرُ: فأشْهَدُ (١) أن الذى هو عدوٌّ للذى عن يمينِه عدوٌّ للذى هو عن يسارِه، والذى هو عدوٌّ للذى هو عن يسارِه، عدوٌّ للذى هو عن يمينِه، وأنه مَن كان عدوَّهما فإنه عدوٌّ للهِ.
ثم رجَع عمرُ ليُخْبِرَ النبيَّ ﷺ فوجَد جبريلَ قد سبَقه بالوحىِ، فدعاه النبيُّ ﷺ فقرَأه عليه، فقال عمرُ: والذى بعَثك بالحقِّ، لقد جئْتُك وما أُرِيدُ إلَّا أن أُخْبِرَك (٢).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحَجَّاجِ الرازيُّ، قال: [ثنا أبو زُهَيْرٍ عبدُ الرحمنِ بنُ مَغْراءَ، عن مجالدٍ] (٣)، عن الشَّعْبيِّ، قال: انْطَلق عمرُ إلى يهودَ، فقال: إنى أَنْشُدُكم بالذى أنزَل التوراةَ على موسى، هل تَجِدون محمدًا ﷺ في كتابِكم؟
فقالوا: نعَم.
فقال: فما يَمنعُكم أن تَتَّبِعوه؟
فقالوا: إن اللهَ لم يَبْعَثْ رسولًا إلَّا كان له مِن الملائكةِ كِفْلٌ، وإن جبريلَ هو الذى يَتَكَفَّلُ بمحمدٍ ﷺ، وهو عدوُّنا مِن الملائكةِ، وميكائيلُ سِلْمُنا، فلو كان هو الذى يأتيه اتَّبَعْناه.
قال: فإنى أَنْشُدُكم بالذى أنْزَل التوراةَ على موسى، ما منزلتُهما مِن ربِّ العالمين؟
قالوا: جبريلُ عن يمينِه، وميكائيلُ عن جانبِه الآخَرِ.
فقال: إنى أَشْهَدُ ما يقولان إلَّا بإذنِ اللهِ، وما كان ميكائيلُ ليُعَادِىَ سِلْمَ جبريلَ، وما كان جبريلُ ليُسَالِمَ عدوَّ ميكائيلَ.
إذ مرَّ نبيُّ اللهِ ﷺ، فقالوا: هذا صاحبُك يا بنَ الخطابِ.
فقام إليه، فأتاه وقد أُنْزِل عليه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (٤).
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَيْنُ (١) بنُ عبدِ الرحمنِ، عن ابنِ أبي ليلى في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾.
قال: قالت اليهودُ للمسلمين: لو أن ميكائيلَ كان الذى يَنْزِلُ عليكم لَتَبِعْناكم، فإنه يَنْزِلُ بالرحمةِ والغَيْثِ، وإن جبريلَ يَنْزِلُ بالعذابِ والنِّقْمَةِ، وهو لنا عدوٌّ.
قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ (٢).
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا (٣) عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ بنحوٍ مِن ذلك.
وأمَّا تأويلُ الآيةِ، أعنى قولَه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فهو أن اللهَ تعالى ذكرُه يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمعاشرِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين زعَموا أن جبريلَ لهم عدوٌّ، من أجلِ أنه صاحبُ عذابٍ وسطواتٍ وعقوباتٍ، لا صاحبُ وَحْيٍ وتنزيلٍ ورحمةٍ، فأَبَوُا اتِّباعَك، وجحَدوا نبوَّتَك، وأنكَروا ما جئتَهم به مِن آياتى وبيِّناتِ حُكْمِى، مِن أجلِ أن جبريلَ وليُّك وصاحبُ وحيىِ إليك، وزعَموا أنه لهم عدوٌّ-: مَن يكنْ مِن الناسِ لجبريلَ عَدُوًّا، ومُنْكِرًا أن يكونَ صاحبَ وحىِ اللهِ إلى أنبيائِه، وصاحبَ رحمتِه، فإنى له وليٌّ وخليلٌ، ومُقِرٌّ بأنه صاحبُ وحىِ اللهِ إلى أنبيائِه ورسلِه، وأنه هو الذى يُنَزِّلُ وحىَ اللهِ على قلبى مِن عند ربى، بإذنٍ من ربي له بذلك، فيَرْبِطُ به على قلبي ويَشْدُدُ به فؤادِى.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ ابنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾.
قال: وذلك أن اليهودَ قالت حين سألتْ محمدًا ﷺ عن أشياءَ كثيرةٍ، فأخبرَهم بها على ما هى عندَهم-: إلَّا جبريلَ، فإن جبريلَ كان عندَ اليهودِ صاحبَ عذابٍ وسَطْوةٍ، ولم يكنْ عندَهم صاحبَ وَحْىٍ -يعنى: تنزيلٍ مِن اللهِ على رسلِه- ولا صاحبَ رحمةٍ.
فأخْبَرهم رسولُ اللهِ ﷺ فيما سألُوه عنه؛ أن جبريلَ صاحبُ وَحْىِ اللهِ، وصاحبُ نِقَمِه (١)، وصاحبُ رحمتِه.
فقالوا: ليس بصاحبِ وحىٍ ولا رحمةٍ، وهو لنا عدوٌّ.
فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه إكذابًا لهم: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾.
يقولُ: فإن جبريلَ ﴿نَزَّلَهُ﴾.
يقولُ: نزَّل القرآنَ [مِن عندى ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾.
يقولُ: على قلبِك يا محمدُ: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يقولُ] (٢): بأمرِ اللهِ.
يقولُ (٣): يَشْدُدُ به فؤادَك، ويَرْبِطُ به على قلبِك -يعنى: بوحْيِنا الذى نَزَل به جبريلُ عليك مِن عندِ اللهِ- وكذلك يَفْعلُ بالمرسلينَ والأنبياءِ مِن قبلِك (٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: أنْزَل الكتابَ على قلبِك بإذنِ اللهِ.
وحُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
يقولُ: نَزَّل الكتابَ على قلبِك جبريلُ (٥).
وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾.
وهو يعني بذلك قلبَ محمدٍ ﷺ، وقد أمَر محمدًا ﷺ في أولِ الآيةِ أن يُخْبِرَ اليهودَ بذلك عن نفسِه، ولم يَقُلْ: فإنه نَزَّله على قلبى.
ولو قِيلَ: على قلبى.
كان صوابًا مِن الكلامِ؛ لأن مِن شأنِ العرب إذا أمَرَت رجلًا أن يَحْكِىَ ما قِيلَ له عن نفسِه، أن تُخْرِجَ فعلَ المأمورِ مرَّةً مضافًا إلى [كنايتِه، كهيئةِ] (١) المخبِرِ عن نفسِه، إذ كان هو المُخبرَ عن نفسِه، ومرَّةً مضافًا إلى اسمِه، كهَيْئةِ كنايةِ اسمِ المخاطبِ؛ لأنه به مُخاطبٌ.
فتقولُ في نظيرِ ذلك: قُلْ للقومِ: إن الخيرَ عندِى كثيرٌ.
فتُخْرِجُ كنايةَ اسمِ [المأمورِ كهيئةِ اسمِ] (٢) المخبرِ عن نفسِه؛ لأنه المأمورُ أن يُخبرَ بذلك عن نفسِه.
وقلْ للقومِ: إن الخيرَ عندَك كثيرٌ.
فتُخْرجُ كنايةَ اسمِه أُخْرى (٣) كهيئةِ كنايةِ اسمِ المُخاطَبِ؛ لأنه وإن كان مأمورًا بقيلِ ذلك، فهو مخاطبٌ مأمورٌ بحكايةِ ما قِيلَ له.
وكذلك: لا تقلْ للقومِ: إنى قائمٌ.
ولا تَقُلْ لهم: إنك قائمٌ.
والياءُ مِن "إنى" اسمُ المأمورِ بقولِ ذلك على ما وَصَفنا.
ومِن ذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ و (سَيُغْلَبُونَ) (٤) [آل عمران: ١٢] بالياءِ والتاءِ [مثلَ الذى وصَفنا سواءً] (٥).
وأما جبريلُ، فإن للعربِ فيه لغاتٍ، فأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون: جِبريلُ وميكالُ.
بغيرِ همزٍ، بكَسْرِ الجيمِ والراءِ من جِبريلَ، وبالتخفيفِ.
وعلى القراءةِ بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ (٦).
وأما تميمٌ وقيسٌ وبعضُ نجدٍ فإنهم يقولون: جَبْرَئيلُ ومِيكائيلُ.
على مثالِ: جَبْرَعيل ومِيكاعيل.
بفتحِ الجيمِ والراءِ، وبهمزٍ، وزيادةِ ياءٍ بعدَ الهمزةِ.
وعلى القراءةِ بذلك عامةُ قَرأةِ أهلِ الكوفةِ (١)، كما قال جرير بنُ عطيةَ (٢): عَبَدُوا الصَّلِيبَ وَكَذَّبوا بمُحَمَّدٍ … وبجَبْرَئِيلَ وَكَذَّبُوا مِيكالَا وقد ذُكِرَ عن الحسنِ البصرىِّ وعبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ أنهما كانا يقرأان: (جَبْرِيل).
بفتحِ الجيمِ وتركِ الهمزِ.
وهى قراءةٌ غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها (٣)؛ لأن "فَعْليلَ" (٤) في كلامِ العربِ غيرُ موجودٍ.
وقد أجاز (٥) ذلك بعضُهم، وزعَم أنه اسمٌ أعْجَميٌّ، كما يُقالُ: سَمْوِيلُ (٦).
وأنْشَد في ذلك (٧): بحيث لو وُزِنَتْ لَخْمٌ بأجْمَعِها … [ما وَازَنَتْ] (٨) ريشَةً مِن رِيشِ سَمْوِيلا (٩) وأما بنو أسدٍ فإنها تقولُ: جِبْرِينُ.
بالنونِ.
وقد حُكِىَ عن بعضِ العربِ أنها تَزيدُ في جبريلَ أَلِفًا فتقولُ: جِبرائيلُ وميكائيلُ.
وقد حُكِىَ عن يحيى بنِ يَعْمَرَ أنه كان يقرأُ: (جَبْرَئِلّ) بفتحِ الجيمِ، والهمزِ، وتركِ المدِّ، وتشديدِ اللامِ (١٠).
فأما "جَبْر" و "ميك"، فإنهما هما الاسمان اللذان أحدُهما بمعنى "عَبْدٍ"، والآخرُ بمعنى "عُبَيدٍ".
وأما "إيل" فهو اللهُ تعالى ذِكْرُه، كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ الحِمَّانِىُّ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: جبريلُ وميكائيلُ كقولِك: عبدُ اللهِ.
وحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْوِىِّ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جبريلُ: عبدُ اللهِ، وميكائيلُ: عُبَيدُ اللهِ، وكلُّ اسمِ "إيلَ" فهو اللهُ.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، عن عميرٍ (١) مولى ابنِ عباسٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (٢)، أن إسرائيلَ وميكائيلَ وجبريلَ وإسرافيلَ، كقولِك: عبدُ اللهِ (٣).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، قال: "إيلُ" اللهُ بالعِبْرانيةِ (٣).
وحدَّثنا الحسينُ بنُ يزيدَ الطَّحَّانُ (٤)، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، قال: جبريلُ اسمُه عبدُ اللهِ، وميكائيلُ اسمُه عُبَيدُ اللهِ، "إيل" اللهُ (٥).
وحدَّثنى الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقَزِىُّ (١)، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، من [محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن] (٢) محمدِ ابنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ، واسمُ ميكائيلَ عُبَيدُ اللهِ، واسمُ إسْرافيلَ عبدُ الرحمنِ، وكلُّ مُعَبَّدٍ بـ "إيل" فهو عبدُ اللهِ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا قَبيصةُ بنُ عُقْبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدٍ المَدنىِّ -قال المثنَّى: قال قبيصةُ: أُراه محمدَ بنَ إسحاقَ- عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: ما تَعُدُّون جبريلَ في أسمائِكم؟
قال: جبريلُ عبدُ اللهِ، وميكائيلُ عُبيدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ فيه "إيلُ" فهو مُعَبَّدٌ للهِ.
[وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: اسمُ جبريلَ عبدُ اللهِ، وميكائيلَ عبيدُ اللهِ، وكلُّ اسمٍ فيه "إيلُ" فهو مُعَبَّدٌ للهِ] (٢).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ عطاءٍ، عن علىِّ بنِ حسينٍ، قال: قال لى: هل تَدْرِى ما اسمُ جبريلَ مِن أسمائِكم؟
قال: قلت: لا.
قال: عبدُ اللهِ.
فهل تَدْرِى ما اسمُ ميكائيلَ مِن أسمائِكم؟
قلتُ: لا.
قال: عُبيدُ اللهِ.
قال: وقد سَمَّى لى إسرافيلَ (٣) باسمٍ نحوِ ذلك فنَسِيتُه، إلَّا أنَّه قد قال لى: أرأيتَ كلَّ اسمٍ يَرْجِعُ إلى "إيل"، فهو مُعَبَّدٌ لله (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿جِبْرِيلَ﴾.
قال: "جبر" عبدٌ، "إيلُ" اللهُ، و"ميكا" قال: عبدٌ، "إيلُ" الله (٢).
فهذا تأويلُ مَن قرأ: (جَبْرَائيل).
بالفتحِ، والهمزِ، والمدِّ، وهو إن شاء اللهُ معنى مَن قرَأ بالكسرِ، وتَرَكَ الهمْزَ.
وأما تأويلُ مَن قرَأ ذلك بالهمزِ وتَرْكِ المدِّ وتشديدِ اللامِ، فإنه قصَد بقراءتِه ذلك كذلك، إلى إضافةِ "جَبْر" و"ميكا" إلى اسمِ اللهِ الذى يُسَمَّى به بلسانِ العربِ، دون السريانىِّ والعِبْرانىِّ، وذلك أن "الإلّ" بلسانِ العربِ: اللهُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠].
فقال جماعةٌ مِن أهلِ العلمِ: "الإلُّ" هو اللهُ.
ومنه قولُ أبى بكرٍ الصديقِ ﵁ لوفدِ بنى حَنِيفةَ، حين سأَلهم عما كان مُسَيلِمةُ يقولُه، فأخبروه - فقال لهم: وَيحَكُم!
أين ذُهِبَ بكم؟
فواللهِ، إن هذا الكلامَ ما خرَج مِن إلٍّ ولا بِرٍّ (٣).
يعنى بقولِه: مِن إِلٍّ: مِن اللهِ.
وقد حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التيمىِّ، عن أبى مِجْلزٍ في قولِه: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾.
قال: قولُه: "جبريلُ" "ميكائيلُ" "إسرافيلُ"، كأنه يقولُ حين يُضِيفُ "جبر" و"ميكا" و"إسرا (١) " إلى "إيلَ" يقولُ: عبدُ اللهِ، فقال: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا﴾.
كأنه يقولُ: لا يَرْقُبون اللهَ ﷿ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: القرآنَ.
ونصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على القطعِ مِن "الهاءِ" التى في قوله: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فمعنى الكلامِ: فإن جبريلَ نزّل القرآنَ على قلبِك يا محمدُ، مصدقًا لما بين يَدَىِ القرآنِ.
يعنى بذلك: مُصدِّقًا لما سلَف مِن كُتُبِ اللهِ أمامَه، ونزَل على رسلِه الذين كانوا قبلَ محمدٍ ﷺ.
وتصديقُه إياها مُوافقةُ معانِيه معانيَها في الأمرِ باتِّباعِ محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن عندِ اللهِ، وفى (٣) تصديقِه.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مُصَدِّقًا﴾ يقولُ: مصدِّقًا ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
يقولُ: لما قبلَه مِن الكُتُبِ التى أنزَلَها اللهُ، والآياتِ، والرسلِ الذين بعَثهم اللهُ بالآياتِ، نحو موسى ونوحٍ وهودٍ وشعيبٍ وصالحٍ، وأشباهِهم مِن المرسلين (٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٥): مِن التوراةِ والإنجيلِ (٦).
وحُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرييعِ مثلَه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَهُدًى﴾: ودليلٌ وبرهانٌ، وإنما سمَّاه اللهُ جل ثناؤُه هدًى لاهتداءِ المؤمنِ به، واهتداؤُه به اتخاذُه إياه هاديًا يَتْبعُه، وقائدًا يقْتادُ لأمرِه ونهيِه، وحلالِه وحرامِه.
والهادى مِن كلِّ شيءٍ ما تَقدَّم أمامَه.
ومِن ذلك قيل لأوائلِ الخيلِ: هَوادِيها.
وهو ما تَقدَّم أمامَها، ولذلك (٢) قِيلَ للعُنقِ: الهادى.
لتَقدُّمِها أمامَ سائرِ الجسدِ.
وأما البُشْرَى، فإنها البِشارةُ.
أخْبَر اللهُ عبادَه المؤمنين أن القرآنَ لهم بُشْرَى منه؛ لأنه أعْلَمهم فيه ما أعدَّ لهم مِن الكرامةِ عندَه في جِنانِه، وما هم إليه صائرون في مَعادِهم مِن ثوابِه، وذلك هو البُشْرَى الذى (٣) بَشَّر اللهُ المؤمنين بها في كتابِه؛ لأن البِشارَةَ في كلامِ العربِ إعلامُ الرجلِ [الرجلَ ما] (٤) يكن به عالمًا مما يُسَرُّ به مِن الخيرِ، قبلَ أن يَسْمَعَه مِن غيرِه، أو يَعْلمَه مِن قِبَلِ غيرِه.
وقد رُوِىَ عن قتادةَ في ذلك قولٌ قريبُ المعنى مما قُلْناه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾: [جعَل اللهُ هذا القرآنَ هُدًى وبُشْرَى للمؤمنين] (٥)؛ لأن المؤمنَ إذا سمِع القرآنَ حفِظه ووعاه (١)، وانْتَفَع به، واطْمَأنَّ إليه، وصدَّق بموعودِ اللهِ الذى وعَد فيه، وكان على يقينٍ مِن ذلك (٢).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ (٣) فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه [عن عداوتِه] (٤) مَن عاداه وعادَى جميعَ ملائكتِه ورسلِه، وإعلامٌ منه أن مَن عادَى جبريلَ فقد عاداه وعادَى ميكائيلَ، وعادَى جميعَ ملائكتِه ورسلِه؛ لأنَّ الذين سمَّاهم اللهُ في هذه الآيةِ هم أولياءُ اللهِ وأهلُ طاعتِه، ومَن عادَى للهِ وَليًّا فقد عادَى اللهَ وبارَزه بالمحاربةِ، ومن عادَى اللهَ فقد عادَى جميعَ أهلِ طاعتِه وولايتِه؛ لأنَّ العدوَّ للهِ عدوٌّ أوليائِه، والعدوَّ لأوليائِه عدوٌّ له.
فلذلك (٥) قال اللهُ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين قالوا: إنَّ جبريلَ عدوُّنا مِن الملائكةِ، وميكائيلَ وليُّنا منهم: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
مِن أجلِ أنَّ عدوَّ جبريلَ عدوُّ كلِّ ولىٍّ للهِ، فأخبرَهم جلَّ ثناؤه أنَّ مَن كان عدوًّا لجبريلَ، فهو لكلِّ مَن ذكَره؛ مِن ملائكتِه ورسلِه وميكائيلَ، عدوٌّ، وكذلك عدوُّ بعضِ رسلِ اللهِ عدوٌّ للهِ ولكلِّ ولىٍّ للهِ (٦).
وقد حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ -يعنى العَتَكىَّ- عن رجلٍ مِن قريشٍ، قال: سأل النبىُّ ﷺ اليهودَ فقال: " أسْألُكم بكتابِكم الذى تَقْرَءُونَ، هل تَجِدُونى (١) قد بشَّر بى عيسى أن يَأْتِيَكم رسولٌ اسمُه أحمدُ؟
" فقالوا: اللهمَّ نعم (٢)، وجَدْناك في كتابِنا، ولكنَّا كرِهْناك لأنَّك تَسْتَحِلُّ الأموالَ وتُهَرِيقُ الدِّماءَ.
فأنزَل اللهُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
الآية (٣).
وحدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن حصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قال: إنَّ يهوديًّا لقِى عمرَ فقال له: إنَّ جبريلَ الذى يَذْكُرُه صاحبُك هو عدوٌّ لنا.
فقال له عمرُ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
قال: فنزَلتْ (٤) على لسانِ عمرَ (٥).
وهذا الخبرُ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه أنزَل هذه الآيةَ توبيخًا لليهودِ فى كفرِهم بمحمدٍ ﷺ، وإخبارًا منه لهم أن من كان لمحمدٍ ﷺ عدوًّا فاللهُ له عدوٌّ، وأنَّ عدوَّ محمدٍ ﷺ مِن الناسِ كلِّهم مِن الكافرين باللهِ الجاحِدين آياتِه.
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس جبريلُ وميكائيلُ مِن الملائكةِ؟
قيل: بلى.
فإن قال: فما معنى تَكريرِ ذِكرِهما بأسمائهما وقد مضَى ذِكرُهما في الآية في جملةِ أسماءِ الملائكةِ؟
قيل: معنى إفرادِ ذكرِهما بأسمائِهما أن اليهودَ لمَّا قالت: جبريلُ عدوُّنا وميكائيلُ وليُّنا.
وزعَمتْ أنَّها تكْفُرُ (٦) بمحمدٍ ﷺ مِن أجلِ أن جبريلَ صاحبُ محمدٍ ﷺ، أعلَمهم اللهُ أن من كان لجبريلَ عدوًّا، فإنَّ اللهَ له عدوٌّ، وأنَّه مِن الكافرين.
فنصَّ عليه باسمِه وعلى ميكائيلَ باسمِه، لئلا يقولَ منهم قائلٌ: إنما قال اللهُ: مَن كان عدوًّا للهِ وملائكتِه ورسلِه.
ولسنا للهِ ولا لملائكتِه ورسلِه بأعداءٍ؛ لأنَّ الملائكةَ اسمٌ عامٌّ يَحتَمِلُ خاصًّا، وجبريلُ وميكائيلُ غيرُ داخِلَين فيه.
وكذلك قولُه: ﴿وَرُسُلِهِ﴾.
فلستَ يا محمدُ بداخلٍ فيهم.
فنصَّ اللهُ تعالى ذكرُه على أسماءِ مَن زعَموا أنَّهم أعداؤُه بأعيانِهم؛ ليقطَعَ بذلك تلبيسَهم على أهلِ الضعفِ منهم، ويَحْسِمَ تمويهَهم أمورَهم على المنافقين.
وأما إظهارُ اسمِ اللهِ فى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وتكريرُه فيه -وقد ابتَدَأ أوَّلَ الخبرِ بذكرِه فقال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾ - [فإرادةُ نَفْىِ الشكِّ عن سامعِ ذلك أن الذى هو عدوُّ من عادَى جبريلَ أو ملائكتَه أو رسلَه، اللهُ جلَّ ثناؤُه] (١)، ولئلّا يلتبِسَ -لو ظهَر ذلك بكنايةٍ، فقيل: فإنه عدوٌّ للكافرين- على سامِعِهِ- مَن المعنىُّ بالهاءِ التى فى قولِه (٢): فإنَّه.
آللهُ (٣)، أم جبريلُ، أم ميكائيلُ؟
إذ لو جاء ذلك بكنايةٍ على ما وصَفْنا -فإنه- لالتَبَس (٤) معنى ذلك على مَن لم يُوقَّفْ على المعنىِّ بذلك؛ لاحتمالِ الكلامِ ما وصَفتُ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يوجِّهُ ذلك إلى نحوِ قولِ الشاعرِ (٥): ليت الغرابَ غداةَ يَنْعَبُ دائبًا (٦) … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوْدَاجِ (٧) وأنه إظهارُ الاسمِ الذى حظُّه الكنايةُ عنه.
والأمرُ فى ذلك بخلافِ ما قال؛ وذلك أن الغرابَ الثانىَ لو كان مَكْنيًّا عنه لما التبسَ على أحدٍ يعقِلُ كلامَ العربِ أنه كنايةُ اسمِ الغرابِ الأولِ؛ إذ كان لا شيءَ قبلَه يحتملُ الكلامُ أن يوجَّهَ إليه غيرُ كنايةِ اسمِ الغرابِ الأولِ، وأنَّ قبلَ (١) قولِه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
أسماءً (٢) لو جاء اسمُ اللهِ تعالى ذكرُه مكنيًّا عنه، لم يُعْلَمْ مَن المقصودُ إليه بكنايةِ الاسمِ إلا بتوقيفٍ مِن حجةٍ، فلذلك اختَلف أمراهما.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
أى: أنزَلنا إليك يا محمدُ علاماتٍ واضحاتٍ دالَّاتٍ على نُبوَّتِك، وتلك الآياتُ هى ما حَواه كتابُ اللهِ الذى أنزَله إلى محمدٍ ﷺ مِن خَفايا علومِ اليهودِ، ومَكنونِ سرائرِ [أخبارِهم وأخبارِ] (٣) أوائِلهم مِن بنى إسرائيلَ، والنبأِ عما تضمَّنتْه كتبُهم التى لم يكنْ يعلمُها إلا أحبارُهم وعلماؤُهم، وما حرَّفه أوائلُهم وأواخرُهم وبدَّلوه مِن أحكامِهم التى كانت فى التوراةِ، فأطلَع اللهُ تعالى ذكرُه فى كتابِه الذى أنزَله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، فكان فى ذلك مِن أمرِه الآياتُ البيناتُ لمَن أنصَف نفسَه، ولم يدْعُه إلى إهلاكِها الحسدُ والبغىُ؛ إذ كان فى فطرةِ كلِّ ذى فِطرةٍ صحيحةٍ تصديقُ مَن أتَى بمثلِ الذى أتَى به محمدٌ ﷺ مِن الآياتِ البيناتِ التى وصفتُ، عن غيرِ تعلُّمٍ تعلَّمه مِن بشرىٍّ (٤)، ولا أخْذِ شيءٍ منه عن آدمىٍّ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك رُوِى الخبرُ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
يقولُ: فأنت تَتلوه عليهم وتُخبرُهم به غُدوةً وعشيةً وبينَ ذلك، وأنت عندَهم أمىٌّ لم تقرَأْ كتابًا، وأنت تُخبرُهم بما فى أيديهم على وجهِه، يقولُ اللهُ: ففى ذلك لهم عبرةٌ وبيانٌ، وعليهم حجةٌ لو كانوا يعلمون (١).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو (٢) عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال [ابنُ صُورِيَا] (٣) الفِطْيَوْنى (٤) لرسولِ اللهِ ﷺ: يا محمدُ، ما جئْتَنا بشيءٍ نعرِفُه، وما أنزَل اللهُ عليك مِن آيةٍ بينةٍ فنتَّبِعَك لها (٥).
فأنزَل اللهُ [فى ذلك من قولِه] (٦): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ (٧).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابثٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ ابنُ جبيرٍ أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال ابنُ صُورِيا لرسولِ اللهِ ﷺ.
فذكَر مثلَه (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا﴾: وما يجحَدُ بها.
وقد دلَّلنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن معنى الكفرِ الجحودُ، بما أغنَى عن إعادتِه ههنا (٢)، وكذلك بيَّنا معنى الفِسْقِ، وأنه الخروجُ من (٣) الشئِ إلى غيرِه (٤).
فتأويلُ الآيةِ: ولقد أنزَلنا إليكَ -فيما أوحَينا إليك مِن الكتابِ- علاماتٍ واضحاتٍ، تُبيِّنُ لعلماءِ بنى إسرائيلَ وأحبارِهم، الجاحدين نبوَّتَك والمكذِّبين رسالتَك، أنك لى إليهم رسولٌ مُرْسَلٌ، ونبىٌّ مبعوثٌ، وما يجْحَدُ تلك الآياتِ الدالَّاتِ على صدقِك ونبوَّتِك، التى أنزَلتُها إليك فى كتابى، فيكذِّبَ بها منهم، إلا الخارجُ منهم مِن دينِه، التاركُ منهم فرائضى عليه فى الكتابِ الذى يَدينُ بتصديقِه، فأما المتمسكُ منهم بدينِه والمتَّبِعُ منهم حكمَ كتابِه، فإنه بالذى أنزَلتُ إليك مِن آياتى مصدِّقٌ، وهم الذين كانوا آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسولَه محمدًا ﷺ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.
اختلَف أهلُ العربيةِ فى حكمِ الواوِ التى فى قولِه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصريين هى واوٌ تُجعَلُ مع حروفِ الاستفهامِ، وهى مثلُ الفاءِ فى قولِه: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧].
قال: وهما زائدتان فى هذا الوجهِ، وهى مثلُ الفاءِ التى فى قولِه: أفاللهِ (١) لتصنَعنَّ كذا وكذا.
وكقولِك للرجلِ: أفلا تقومُ؟
قال (٢): وإن شئتَ جعلتَ الواوَ والفاءَ هاهنا حرفَ عطفٍ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّينَ: هى حرفُ عطفٍ أدخِل عليها ألِفُ (٣) الاستفهامِ.
والصوابُ عندى فى ذلك مِن القولِ أنها واوُ عطفٍ أدخِلت عليها ألفُ الاستفهامِ، كأنه قال جلّ ذكرُه: وإذ أخَذْنا ميثاقَكم ورفَعْنا فوقَكم الطورَ، خذوا ما آتيناكم بقوةٍ واسمَعوا، قالوا: سمِعنا وعصَينا و (٤) كلما عاهَدوا عهدًا نبَذه فريقٌ منهم.
ثم أدخَل ألفَ الاستفهامِ على "وكلما"، فقال: قالوا: سمِعْنا وعصَينا.
أوَكلَّما عاهَدوا عهدًا نبَذه فريقٌ منهم.
وقد بيَّنا فيما مضَى أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ فى كتابِ اللهِ حرفٌ لا معنَى له (٥)، فأغنَى ذلك عن إعادةِ البيانِ على فسادِ قولِ مَن زعَم أن الواوَ والفاءَ مِن قولِه: ﴿أَوَكُلَّمَا﴾.
و ﴿أَفَكُلَّمَا﴾.
زائدتان لا معنَى لهما.
وأما العهدُ، فإنه الميثاقُ الذى أعطَته بنو إسرائيلَ ربَّهم لَيعمَلُنَّ بما (١) فى التوراةِ مرةً بعدَ أُخرى، ثم نقَض بعضُهم ذلك مرةً بعدَ أخرى، فوبَّخهم جلَّ ذكرُه بما كان منهم مِن ذلك، وعيَّر به أبناءَهم إذ سلَكوا منهاجَهم فى نقضِ (٢) ما كان جلَّ ذكرُه أخَذ عليهم بالإيمانِ به مِن أمرِ محمدٍ ﷺ مِن العهدِ والميثاقِ، فكفَروا به (٣)، وجحَدوا ما فى التوراةِ مِن نعتِه وصفتِه، فقال تعالى ذكرُه: أوَكلما عاهَد اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ ربَّهم عهدًا، وأوثَقُوه ميثاقًا، نبَذه فريقٌ منهم فترَكه ونقَضه!
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ قال: قال مالكُ بنُ الضَّيْفِ (٤) حينَ بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ، وذكَر لهم ما أُخِذ عليهم مِن الميثاقِ، وما عهِد اللهُ إليهم فيه: واللهِ ما عهِد اللهُ إلينا فى محمدٍ ﷺ عَهدًا، وما أخَذ له علينا ميثاقًا.
فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى (٦) زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
وأما "النَّبْذُ" فإن أصلَه فى كلامِ العربِ الطَّرْحُ، ولذلك قيل للملقوطِ: المنبوذُ.
لأنه مطروحٌ مرمىٌّ به، ومنه سمِّى النبيذُ نبيذًا، لأنه زبيبٌ أو تمرٌ يُطرَحُ فى وعاءٍ، ثم يعالَجُ [بما عُولج به] (١)، وأصلُه "مفعولٌ" صُرف إلى "فعيلٍ"، أعنى أن النبيذَ أصلُه منبوذٌ، ثم صُرِف إلى "فعيلٍ"، فقيل: نبيذٌ.
كما قيل: كفٌّ خضيبٌ، ولحيةٌ دهينٌ.
بمعنى مخضوبةٍ ومدهونةٍ.
يقالُ منه: نبَذتُه أنبِذُه نَبذًا.
كما قال أبو الأسودِ الدُّؤلىُّ (٢): نظَرتَ إلى عُنوانِه فنبَذتَه … كنَبْذِكَ نعلًا أخلَقَتْ مِن نِعالِكا فمعنى قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: طرَحه فريقٌ منهم، فترَكه ورفَضه ونقَضه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يقولُ: نقَضه فريقٌ منهم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
قال: لم يكنْ فى الأرضِ عهدٌ يعاهِدون عليه إلا نقَضُوه، ويعاهِدونَ اليومَ ويَنقُضون غدًا.
قال: وفى قراءةِ عبدِ اللهِ: (نقَضه فريقٌ منهم) (٤).
والهاءُ التى في قولِه: ﴿نَبَذَهُ﴾ مِن ذكرِ "العهدِ"، فمعناه: أوَ كلما عاهَدوا عهدًا نبَذ ذلك العهدَ فريقٌ منهم!
و"الفريقُ" الجماعةُ، لا واحدَ له مِن لفظِه، بمنزلةِ الجيشِ والرهطِ الذي لا واحدَ له مِن لفظِه.
والهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
مِن ذكرِ اليهودِ مِن بنى إسرائيلَ.
وأما قولُه: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: بل أكثرُ هؤلاءِ الذين كلَّما عاهَدوا اللهَ عهدًا (١) ووَاثَقُوه موثقًا، نقَضه فريقٌ منهم لا يؤمنون.
ولذلك وجهان مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ الكلامُ دلالةً على الزيادةِ والتكثيرِ في عددِ المكذِّبين الناقِضين عهدَ اللهِ على عددِ الفريقِ، فيكونَ الكلامُ حينَئذٍ معناه: أوَ كلما عاهَدِتِ اليهودُ مِن بنى إسرائيلَ ربَّها عهدًا نقَض فريقٌ منهم ذلك العهدَ؟
لا، ما ينقُضُ ذلك منهم فريقٌ، ولكن الذي ينقُضُ ذلك فيكفُرُ باللهِ أكثرُهم لا القليلُ منهم.
فهذا أحدُ وجهَيْه.
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: أوَ كلما عاهَدتِ اليهودُ ربَّها عهدًا نبَذ ذلك العهدَ فريقٌ منهم؟
لا، ما ينبِذُ ذلك العهدَ فريقٌ منهم فينقُضُه، على الإيمانِ منهم بأن ذلك غيرُ جائزٍ لهم، ولكنَّ أكثرَهم لا يصدِّقون باللهِ ورسلِه، ولا بوعدِه ووعيدِه.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على معنى الإيمانِ وأنه التصديقُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾: [ولمَّا جاء] (١) أحبارَ اليهودِ وعلماءَها مِن بنى إسرائيل ﴿رَسُولٌ﴾ يعنى بالرسولِ محمدًا ﷺ.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾.
قال: لمَّا جاءهم محمدٌ ﷺ (٢).
وأما قولُه: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾.
فإنه يَعنى به أن محمدًا ﷺ يُصدِّقُ التوراةَ، والتوراةُ تصدِّقُه في أنه نبىٌّ للهِ مبعوثٌ إلى خلقِه.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾ فإنه: للذِى (٣) هو مع اليهودِ، وهو التوراةُ.
فأخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن اليهودَ لمَّا جاءهم رسولٌ (٤) مِن اللهِ بتصديقِ ما في أيديهم مِن التوراةِ، بأن محمدًا ﷺ نبىٌّ للهِ؛ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾.
يعنى بذلك أنهم جحَدوه ورفَضوه بعدَ أن كانوا به مقرِّين؛ حسدًا منهم له وبغيًا عليه.
وقولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
وهم علماءُ اليهودِ الذين أعطاهم اللهُ العلمَ بالتوراةِ وما فيها.
ويعنى بقولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾: التوراةَ.
وبقولِه: نَبَذوه ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: جعَلوه وراء ظهورِهم.
وهذا مثَلٌ، يقالُ لكلِّ رافضٍ أمرًا كان منه على بالٍ: قد جعَل فلانٌ هذا الأمرَ منه بظَهْرٍ، وجعَله وراءَ ظهرِه.
يعنى به: أعرَض عنه وصدَّ وانصرَف.
كما حدَّثنى موسى قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
قال: لمَّا جاءهم محمدٌ ﷺ عارَضوه بالتوراةِ فخاصَموه بها، فاتَّفَقتِ التوراةُ والقرآنُ، فنبَذوا التوراةَ وأخَذوا بكتابِ آصَفَ وسحْرِ هاروتَ وماروتَ، فذلك قولُ اللهِ: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
ومعنى قولِه: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾: كأنَّ هؤلاء الذين نبَذوا كتابَ اللهِ مِن علماءِ اليهودِ -فنقَضوا عهدَ اللهِ بتركِهم العملَ بما واثَقوا اللهَ على أنفسِهم العملَ [به مما] (٢) فيه- لايعلَمون ما في التوراةِ مِن الأمرِ باتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه.
وهذا مِن الله جلَّ ثناؤه إخبارٌ عنهم أنهم جحَدوا الحقَّ على علمٍ منهم به ومعرفةٍ، وأنهم عانَدوا أمرَ اللهِ فخالَفوه على علمٍ منهم بوجوبِه عليهم.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
يقولُ: نقَضه فريقٌ مِن الذين أوتوا الكتابَ ﴿كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أى: أن القومَ قد (٣) كانوا يعلَمون، ولكنهم أفسَدوا علمَهم و [جحَدوه وكتَموه وكفَروا به] (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.
الفريقَ مِن أحبارِ يهودَ وعلمائِها الذين وصَفهم جلَّ ثناؤه بأنهم نبَذوا كتابَه الذي أنزَله إلى (١) موسى وراءَ ظهورِهم، تجاهلًا منهم وكفرًا بما هم به عالِمون، كأنهم لا يعلَمون، فأخبَر عنهم أنهم رفَضوا كتابَه الذي يعلَمون أنه تنزِيلٌ (٢) مِن عندِه على نبيِّه [موسى صلواتُ اللهِ عليه] (٣)، ونقَضوا عهدَه الذي أخَذه عليهم في العملِ بما فيه، وآثَروا السحرَ الذي تلَتْه الشياطينُ في ملكِ سليمانَ بنِ داودَ صلى اللهُ عليه فاتَّبَعوه، وذلك هو الخَسارُ والضلالُ المبينُ.
واختلف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ ﵎ بذلك اليهودَ الذين كانوا بينَ ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ؛ لأنهم خاصَموا رسولَ اللهِ ﷺ بالتوراةِ، فوجَدوا التوراةَ للقرآنِ موافقةً، تأمُرُ مِن اتباعِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه بمثلِ الذي يأمُرُ به القرآنُ، فخاصَموه بالكتبِ التى كان الناسُ اكتتَبوها مِن الكهنةِ على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ (٤).
قال: كانت الشياطينُ تصعَدُ إلى السماءِ فتقعُدُ منها مقاعدَ للسمعِ، فيستمِعون مِن كلامِ الملائكةِ فيما يكونُ في الأرضِ مِن موتٍ أو غيثٍ (١) أو أمرٍ، فيأتون الكهنةَ فيُخبِرونهم، فتحدِّثُ الكهنةُ الناسَ فيجِدونه كما قالوا، حتى إذا أمِنَتْهم الكهنةُ كذَبوا لهم، فأدخَلوا فيه غيرَه، فزادُوا مع كلِّ كلمةٍ سبعينَ كلمةً، فاكتتَب الناسُ ذلك الحديثَ في الكتبِ، وفَشا في بنى إسرائيلَ أن الجنَّ تعلَمُ الغيبَ، فبعَث سليمانُ في الناسِ فجمَع تلك الكتبَ، فجعَلها في صندوقٍ، ثم دفَنها تحتَ كرسيِّه، ولم يكنْ أحدٌ مِن الشياطينِ يستطيعُ أن يدنُوَ مِن الكرسىِّ إلا احتَرق، وقال: لا أسمَعُ أحدًا يذكُرُ أن الشياطينَ تعلَمُ الغيبَ إلا ضرَبتُ عنقَه.
فلما مات سليمانُ وذهَبتِ العلماءُ الذين كانوا يعرِفون أمرَ سليمانَ، وخلَف بعد ذلك خَلْفٌ، تمثَّل شيطانٌ (٢) في صورةِ إنسانٍ، ثم أتَى نفرًا مِن بنى إسرائيلَ فقال لهم (٣): هل أدلُّكم على كنزٍ لا تأكُلونه (٤) أبدًا؟
قالوا: نعم.
قال: فاحفِروا تحتَ الكرسىِّ، وذهَب معهم فأَراهم المكانَ، وقام ناحيةً، فقالوا له: فادْنُ.
قال: لا، ولكنِّى هاهنا في أيديكم، فإن لم تجِدوه فاقتُلونى.
فحفَروا فوجَدوا تلك الكتبَ، فلمَّا أخرَجوها قال الشيطانُ: إن سليمانَ إنما كان يضبُطُ الإنسَ والشياطينَ والطيرَ بهذا السحرِ.
ثم طار فذهَب، وفَشا في الناسِ أن سليمانَ كان ساحرًا، واتَّخَذتْ بنو إسرائيلَ تلك الكتبَ، فلمَّا جاء محمدٌ خاصَموه بها، فذلك حينَ يقولُ اللهُ: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ (٥).
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
قال (١): إن اليهودَ سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمورٍ مِن التوراةِ، لا يسألونه عن شيءٍ مِن ذلك إلا أنزَل اللهُ عليه ما سألوا عنه فيخصِمُهم (٢)، فلمَّا رأَوْا ذلك قالوا: هذا أعلمُ بما أُنزِل إلينا منَّا.
وإنهم سألوه عن السحرِ وخاصَموه به، فأنزَل اللهُ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وإن الشياطينَ عَمَدوا إلى كتابٍ فكتَبوا فيه السحرَ والكهانةَ وما شاء اللهُ مِن ذلك، فدفَنوه تحتَ مجلسِ سليمانَ -وكان سليمانُ لا يعلَمُ الغيبَ- فلما فارَق سليمانُ الدنيا استخرَجوا ذلك السحرَ، وخدَعوا به الناسَ وقالوا: هذا علمٌ كان سليمانُ يكتُمُه ويحسُدُ الناسَ عليه.
فأخبرَهم النبىُّ ﷺ بهذا الحديثِ، فرجَعوا مِن عندِه وقد خَزُوا (٣) وأدحَض اللهُ حجتَهم (٤).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
قال: لمَّا جاءهم رسولُ اللهِ مُصَدِّقًا لِما معهم ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.
قال: اتَّبَعوا السحرَ، وهم أهلُ الكتابِ.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقال آخرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا على عهدِ سليمانَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: تَلَتِ الشياطينُ السحْرَ على اليهودِ على ملكِ سليمانَ، فاتَّبَعتْه اليهودُ على ملكِه.
يعنى: اتَّبَعت السحْرَ على ملكِ سليمانَ.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: عمَدتِ الشياطينُ حين عَرَفت موتَ سليمانَ بنِ داودَ ﵇، فكتَبوا أصنافَ السحرِ: مَن كان يحبُّ أن يبلُغَ كذا وكذا، فليقُلْ (١) كذا وكذا.
حتى إذا صنَّفوا (٢) أصنافَ السحْرِ، جعَلوه في كتابٍ ثم ختَموا عليه بخاتَمٍ على نقشِ خاتَمِ سليمانَ، وكتَبوا في عُنوانِه: هذا ما كتَب آصَفُ بنُ بَرْخِيَا الصديقُ للملكِ سليمانَ بنِ داودَ مِن ذخائرِ كنوزِ العلمِ.
ثم دفَنوه تحتَ كرسيِّه.
فاستَخرَجتْه بعدَ ذلك بقايا بنى إسرائيلَ حين أحدَثوا ما أحدَثوا، فلما عثَرُوا عليه قالوا: [واللهِ] (٣) ما كان سليمانُ بنُ داودَ إلا بهذا.
فأفشَوُا السحرَ في الناسِ، وتعلَّموه وعلَّموه، فليس في أحدٍ أكثرُ منه في يهودَ، فلما ذكَر رسولُ اللهِ ﷺ -فيما نزَل عليه مِن اللهِ- سليمانَ بنَ داودَ، وعدَّه في مَن عدَّه مِن المرسلين، قال مَن كان بالمدينةِ مِن يهودَ: ألَا تَعجَبون لمحمدٍ، يزعُمُ أن ابنَ داودَ كان نبيًّا، واللهِ ما كان إلا ساحرًا.
فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهم على محمدٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [الآية (٤).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ] (٣) عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
قال: كان حينَ ذهَب مُلكُ سليمانَ، ارتدَّ فِئامٌ (١) مِن الجنِّ والإنس واتّبَعُوا الشهواتِ، فلما رجَع اللهُ إلى سليمانَ ملكَه، أقام (٢) الناسُ على الدِّينِ كما كان (٣)، وإن سليمانَ ظهَر على كتبِهم فدفَنها تحتَ كرسيِّه، وتوفِّى سليمانُ حِدْثانَ (٤) ذلك، فظهَرت الجنُّ والإنسُ على الكتبِ بعدَ وفاةِ سليمانَ، وقالوا: هذا كتابٌ مِن اللهِ نزَل على سليمانَ أخفاه مِنَّا؛ فأخَذوا به فجعَلوه دينًا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
واتّبَعُوا [الشهَواتِ التى كانت] (٥) تَتْلو الشياطينُ، وهى المعازفُ واللعِبُ، وكلُّ شيءٍ يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ (٦).
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
أن ذلك من اللهِ جلَّ ذكرُه توبيخٌ لأحبارِ اليهودِ الذين أدرَكوا رسولَ اللهِ، فجحَدوا نبوَّتَه وهم يعلَمون أنه للهِ رسولٌ مرسَلٌ، وتأنيبٌ منه لهم في رفْضِهم.
تنزيلَه، وهجْرِهم العملَ به، وهو في أيديهم يعلَمونه ويعرِفون أنه كتابُ اللهِ، واتباعِهم واتباعِ أوائلِهم وأسلافِهم ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ.
وقد بيَّنا وجهَ جوازِ إضافةِ أفعالِ أسلافِهم إليهم فيما مضَى، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضِعِ (١).
وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن المتَّبِعَةَ ما تَلَتْه الشياطينُ في عهدِ سليمانَ وبعدَه، إلى أن بعَث اللهُ نبيَّه بالحقِّ، [من السحرةِ لم تَزَلْ] (٢) في اليهودِ، ولا دلالةَ في الآيةِ أن اللهَ أراد بقولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾.
بعضًا منهم دونَ بعضٍ، إذ كان جائزًا فصيحًا في كلامِ العربِ إضافةُ ما وصَفنا مِن اتِّباعِ أسلافِ المُخبَرِ عنهم بقولِه: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ).
إلى أخلافِهم بعدَهم، ولم يكنْ بخصوصِ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أثرٌ منقولٌ، ولا حجةٌ تدلُّ عليه، فكان الواجبُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: كلُّ مُتَّبِعٍ ما تَلَتْه الشياطينُ على عهدِ سليمانَ مِن اليهودِ داخلٌ في معنى الآيةِ.
على النحوِ الذى قلنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: الذى تَتلو.
فتأويلُ الكلامِ إذن: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ.
واختلَف [أهلُ التأويلِ] (٣) في تأويلِ قولِه: ﴿تَتْلُو﴾، فقال بعضُهم: يعنى بقولِه: ﴿تَتْلُو﴾: تُحدِّثُ وتَروِى وتتكلَّمُ به وتخبِرُ، نحوَ تلاوةِ الرجلِ القرآنَ، وهى قراءتُه.
ووجَّه قائلو هذا القولِ تأويلَهم ذلك إلى أن الشياطينَ هى التى علَّمت الناسَ السحرَ ورَوَته لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
قال: كانت الشياطينُ تستَمِعُ الوحىَ، فما سمِعوا مِن كلِمةٍ زادوا فيها مائتين مثلَها، فأرسَل سليمانُ إلى ما كتَبوا مِن ذلك (١)، فلما توفِّى سليمانُ وجَدَتْه الشياطينُ فعلَّمَته الناسَ، وهو السحرُ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
قال (٣): مِن الكهانةِ والسحرِ.
قال (٣): وذُكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن الشياطينَ ابتَدعتْ كتابًا فيه سحرٌ وأمرٌ عظيمٌ، ثم أفشَوْه في الناسِ وعلَّموهم إيَّاه (٤).
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: قولُه: ﴿مَا تَتْلُو﴾.
قال: نُراه ما تُحدِّثُ (٥).
وحدَّثنى سَلْمُ (٦) بنُ جُنادةَ السُّوائىُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلَقت الشياطينُ في الأيامِ التى ابتُلى فيها سليمانُ، فكتبَتْ فيها كتبًا فيها سحرٌ وكفرٌ، ثم دفَنوها تحتَ كرسىِّ سليمانَ، ثم أخرَجوها فقرَءوها على الناسِ (١).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا تَتْلُو﴾: ما [تتَّبِعُ وتأتمُّه] (٢) وتعمَلُ به.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزىُّ] (٣)، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَتْلُو﴾.
قال: تتَّبِعُ (٤).
وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ الثورىِّ، عن منصورٍ، عن أبى رزينٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخبَر عن الذين أخبَر عنهم أنهم اتَّبعوا ما تَتلوا الشياطينُ على عهدِ سليمانَ؛ باتباعِهم ما تَلَته الشياطينُ.
ولقولِ القائلِ: هو يتلو كذا.
في كلامِ العربِ معنيان: أحدُهما: الاتِّباعُ، كما يقالُ: تَلوتُ فلانًا.
إذا مشَيْتَ خلفَه وتبِعتَ أَثرَه، كما قال جلَّ ثناؤه: (هُنالِك تَتْلُو (٥) كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ) [يونس: ٣٠].
يعنى بذلك: تتَّبِعُ.
والآخرُ: القراءةُ والدراسةُ، كما يقالُ: فلانٌ يَتلو القرآنَ.
بمعنى أنه يقرَؤه ويدرُسُه، كما قال حسانُ بنُ ثابتٍ (٦): نَبىٌّ يَرى ما لا يَرى الناسُ حولَه … ويَتْلو كتابَ اللهِ في كلِّ مَشهَدِ ولم يخبرْنا اللهُ تعالى ذكرُه بأىِّ مَعْنَيَىِ (١) التلاوةِ كانت تلاوةُ الشياطينِ الذين تَلَوْا ما تَلَوْه مِن السحرِ على عهدِ سليمانَ، بخبرٍ يقطَعُ العذرَ، وقد يجوزُ أن تكونَ الشياطينُ تَلَت ذلك دراسةً وروايةً وعملًا به (٢)، فتكونَ كانت له (٢) متَّبِعةً (٣) بالعملِ، ودِراسةً (٤) بالروايةِ، فاتَّبعتِ اليهودُ منهاجَها في ذلك فعمِلتْ به ورَوَته.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾: في ملكِ سليمانَ.
وذلك أن العربَ تضَعُ "فى" موضعَ "على"، و "على" (٥) موضعَ "فى".
مِن ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
يعنى به: على جذوعِ النخلِ، وكما يقالُ: فعلتُ كذا في عهدِ كذا، وعلى عهدِ كذا.
بمعنًى واحدٍ.
وبما قلنا فى (٦) ذلك كان ابنُ جريجٍ وابنُ إسحاقَ يقولان في تأويلِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
يقولُ: في ملكِ سليمانَ (٧).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ في قولِه: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
أى: فى ملكِ سليمانَ (٨).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
إن قال لنا قائلٌ: وما هذا الكلامُ مِن قولِه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
ولا خبرَ مضَى (١) قبلُ عن أحدٍ أنه أضاف الكفرَ إلى سليمانَ، بل إنما ذكَر اتباعَ مَن اتبعَ مِن اليهودِ ما تَلَته الشياطينُ، فما وجهُ نفىِ الكفرِ عن سليمانَ بعقبِ الخبرِ عن اتباعِ مَن اتبعَ (٢) الشياطينَ في العملِ بالسحرِ وروايتِه مِن اليهودِ؟
قيل: وجهُ ذلك أن الذين أضاف اللهُ جلّ ثناؤُه إليهم اتباعَ ما تلَته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ من السحرِ والكفرِ من اليهودِ، نسَبوا ما أضافه الله تعالى ذكرُه إلى الشياطينِ من ذلك إلى سليمانَ بنِ داودَ، وزعَموا أن ذلك كان مِن عملِه (٣) وروايتِه، وأنه إنما كان يستعبِدُ من كان (٤) يستَعبِدُ من الإنسِ والجنِّ والشياطينِ وسائرِ خلقِ اللهِ بالسحرِ (٥)، فحسَّنوا بذلك -من ركوبِهم ما حرَّم اللهُ عليهم مِن السحرِ- لأنفسِهم عندَ من كان جاهلًا بأمرِ اللهِ ونهيِه، وعندَ من كان لا علمَ له بما أنزَل اللهُ فى ذلك مِن التوراةِ.
وتبرَّأ -بإضافةِ ذلك إلى سليمانَ- من سليمانَ، وهو نبىُّ اللهِ صلى الله عليه، منهم بشرٌ، وأنكَروا أن يكونَ كان للهِ رسولًا، وقالوا: بل كان ساحرًا.
فبرَّأ اللهُ جلَّ ثناؤُه سليمانَ بنَ داودَ من السحرِ والكفرِ عندَ من كان منهم يَنْسِبُه إلى السحرِ والكفرِ، لأسبابٍ ادَّعَوْها عليه قد ذكَرنا بعضَها قبلُ، وسنذكُرُ سليمانَ، [دون الخبرِ عنهم أنهم اتَّبَعوا ما تَلَته الشياطينُ من ذلك أيامَ نوحٍ وأيامَ موسى؟
قيل: إنما أخبَر اللهُ بذلك، تعالى ذكرُه، عن اتِّباعِهم ما تَلَتْهُ الشياطينُ على عهدِ سليمانَ] (١)؛ لأنهم أضافوا ذلك إلى سليمانَ -على ما قد قدَّمنا البيانَ عنه- فأراد اللهُ تعالى ذكرُه تَبرئةَ سليمانَ مما نَحَلُوه وأضافوا إليه مما كانوا وجَدوه، إما فى خزائنِه (٢) وإما تحتَ كرسيِّه، على ما جاءت به الآثارُ التى قد ذكَرناها من ذلك، فخصّ (٣) الخبرَ عما كانت اليهودُ اتبَعتْه مما (٤) تَلَته الشياطينُ أيَّامئذٍ (٥) دونَ غيرِه لذلك من (٦) السببِ، وإن كانت الشياطينُ قد كانت تاليةَ السحرِ والكفرِ قبلَ ذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختَلف أهلُ التأويلِ (٧) فى تأويلِ "ما" التى فى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناها (٨) الجحدُ، وهى بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
فإنه يقولُ: لَمْ يُنزِلِ اللهُ السِّحرَ (١).
وحَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا حكَّامٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
قال: ما أنزَل اللهُ عليهما السحرَ (٢).
فتأويلُ الآيةِ على هذا المعنى الذى ذكَرناه عن ابنِ عباسٍ والربيعِ -مِن توجيهِهما معنى قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
أى (٣): ولم ينزِلْ على الملَكين: واتَّبَعوا الذى تَتلو الشياطينُ على مُلكِ سليمانَ مِن السحرِ، وما كفَر سليمانُ، ولا أنزَل اللهُ السحرَ على المَلَكَينِ، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
فيكونُ حينئذٍ قولُه: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف وجهُ تقديمِ ذلك؟
قيل: وجهُ تقديمِه أن يقالَ: واتبَعوا ما تَتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ، [وما كفَر سليمانُ] (٤)، وما أنزِل على المَلَكَين، ولكنَّ الشياطينَ كفَروا، يعلِّمون الناسَ السحرَ ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
فيكونُ معنيًّا بـ ﴿الْمَلَكَيْنِ﴾ جبريلُ وميكائيلُ؛ لأَنَّ سحَرةَ اليهودِ، فيما ذكِر، كانت تزعُمُ أن اللهَ أنزَل السحرَ على لسانِ جبريلَ وميكائيلَ إلى سليمانَ بنِ داودَ، فأكذَبها اللهُ بذلك، وأخبرَ نبيَّه محمدًا ﷺ أن جبريلَ وميكائيلَ لَمْ ينزِلا بسحرٍ قطُّ، وبرَّأ سليمانَ مما نحَلوه من السحرِ، وأخبرَهم أن السحرَ مِن عملِ الشياطينِ، وأنها تعلِّمُ الناسَ ذلك (١) ببابلَ، وأن الذين يعلِّمونهم ذلك رجُلان؛ اسمُ أحدِهما هاروتُ، واسمُ الآخرِ ماروتُ، فيكونُ هاروتُ وماروتُ على هذا التأويلِ ترجمةً عن (٢) الناسِ وردًّا عليهم.
وقال آخرون (٣): تأويلُ "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾: الذى.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ والزهرىُّ، عن عُبيدِ (٤) اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
كانا ملَكَينِ مِن الملائكةِ، فأُهبِطا ليحكُما بينَ الناسِ؛ وذلك أن الملائكةَ سخِروا مِن حكّامِ (٥) بنى آدمَ.
قال: فحاكَمتْ إليهما (٦) امرأةٌ، فَحافَا (٧) لها، ثم ذهَبا يصعَدان فحِيل بينَهما وبينَ ذلك، وخُيِّرا بينَ عذابِ الدنيا وعذابِ الآخرةِ، فاخْتارا عذابَ الدنيا.
قال معمرٌ: وقال قتادةُ: فكانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألا يعلِّما (١) أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٢).
وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
فهذا سحرٌ آخرُ خاصَموه به أيضًا.
يقولُ: خاصَموه بما أنزِل على المَلَكَين، وأن كلامَ الملائكةِ فيما بينَهم، إذا علِمتْه الإنسُ فصُنِع وعمِل به كان سحرًا (٣).
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: فالسحرُ سِحران: سحرٌ تعلِّمُه الشياطينُ، وسحرٌ يعلِّمُه هاروتُ وماروتُ (٤).
وحَدَّثَنِي المثني، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
قال: التفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه (٥).
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾.
قال: الشياطينُ والمَلَكان يعلِّمون الناسَ السحرَ.
فمعنى الآيةِ على تأويلِ هذا القولِ الذى ذكَرناه عمَّن ذكَرنا عنه: واتبَعتِ اليهودُ الذى تَلتِ الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ والذى أنزِل على الملكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
[وقال قائلو هذه المقالةِ: إن اللهَ أنزَل السحرَ على هاروتَ وماروتَ ببابلَ] (١).
وهما ملَكان مِن ملائكةِ اللهِ، سنذكُرُ ما روِى مِن الأخبارِ في شأنِهما بعدُ (٢) إن شاء اللهُ.
وقالوا: إن قال لنا قائلٌ: وهل يجوزُ أن يُنزِلَ اللهُ السحرَ، أم هل يجوزُ لملائكتِه أن تعلِّمَه الناسَ؟
قلنا له: إنَّ اللهَ ﵎ قد أنزَل الخيرَ والشرَّ كلَّه، وبيَّن جميعَ ذلك لعبادِه، فأوحاه إلى رسلِه، وأمَرهم بتعليمِ خلقِه وتعريفِهم ما يحِلُّ لهم مما يحرُمُ عليهم، وذلك كالزِّنَا والسَّرَقِ (٣) وسائرِ المعاصى التى عرَّفَهُموها (٤) ونهَاهم عن ركوبِها، فالسحرُ أحدُ تلك المعانى (٥) التى أخبرَهم بها ونَهاهم عن العملِ بها.
وقالوا: ليس في العلمِ بالسحرِ إثمٌ، كما لا إثمَ في العلمِ بصنعةِ الخمرِ ونحتِ الأصنامِ والطَّنابيرِ (٦) والملاعبِ، وإنما الإثمُ في عملِه وتسويتِه.
قالوا: وكذلك لا إثمَ في العلمِ بالسحرِ، وإنما الإثمُ في العملِ به، وأن يَضُرَّ به مَن لا يَحِلُّ ضَرُّه به.
قالوا: فليس في إنزالِ اللهِ إياه على الملَكَين، ولا في تعليمِ الملَكَين مَن علَّماه مِن الناسِ إثمٌ؛ إذ (١) كان تعليمُهما مَن علَّما ذلك بإذنِ اللهِ لهما بتعليمِه، بعدَ أن يُخبِراه أنَّهما فتنةٌ، وينهياه عن السحرِ والعملِ به والكفرِ، وإنما الإثمُ على مَن يتعلَّمُه منهما ويعمَلُ به؛ إذ كان اللهُ تعالى ذكرُه قد نَهى (٢) عن تعلُّمِه والعملِ به.
قالوا: ولو كان اللهُ أباح لبنى آدمَ أن يتعلَّموا ذلك، لَمْ يكنْ مَن تعلَّمَه (٣) حَرِجًا، كما لَمْ يكونا حَرِجَين (٤) لعلمِهما به؛ إذ كان علمُهما بذلك عن تنزيلِ اللهِ إليهما.
وقال آخرون: معنى "مَا"، معنى "الذى"، وهى عطفٌ على "مَا"، الأُولي، غيرَ أن الأُولى في معنى السحرِ، ومعنى (٥) الآخِرةِ في معنى التفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه.
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: واتَّبَعوا السحرَ الذى تَتلو الشياطينُ في مُلكِ سليمانَ، والتفريقَ (٦) بينَ المرءِ وزوجِه الذى أُنزِل على المَلَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ.
ذكر من قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: وهما يعلِّمان ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، وذلك قولُ اللهِ - [وقالوا: كفَر سليمانُ] (١) -: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
فكان يقولُ: أمَّا السحرُ فإنما تُعلِّمُه الشياطينُ، وأما الذى يعلِّمه الملَكان فالتفريقُ بينَ المرءِ وزوجِه، كما قال اللهُ تعالى (٢).
وقال آخرون: جائزٌ أن تكونَ "مَا" بمعنى "الذى"، وجائزٌ أن تكونَ بمعنى "لَمْ".
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ بنُ سَعْدٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، وسأله رجلٌ عن قولِ اللهِ: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
فقال الرجلُ: يعلِّمان الناسَ ما أنزِل عليهما، أم يعلِّمان الناسَ ما لَمْ يَنزِلْ عليهما؟
قال القاسمُ: ما أبالى أيَّتهما كانت (٣).
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: حَدَّثَنِي أنسُ (٤) بنُ عياضٍ، عن بعضِ أصحابِه، أن القاسمَ بنَ محمدٍ سُئل عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
فقيل له: أُنزِل أو لَمْ يُنزَلْ؟
فقال: لا أبالى أىَّ ذلك كان، إلَّا أنى آمنتُ به (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندنا قولُ من وجَّه "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
إلى (٢) معنى "الذى" دونَ معنى "ما" التى هى بمعنى الجحدِ.
وإنما اختَرتُ ذلك من أجلِ أن "مَا" إن وجِّهت إلى معنى الجَحدِ فنَفَى (٣) عن الملَكَين أن يكونا مُنْزلًا إليهما، لَمْ (٤) يَخلُ الاسمان اللذان بعدَهما -أعنى هاروتَ وماروتَ - مِن أن يكونا بدلًا منهما وترجمةً عنهما، أو بدلًا من "الناسِ" في قولِه: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وترجمةً عنهم (٥).
فإن جُعِلا بدلًا من "المَلَكَين" وترجمةً عنهما، بطَل معنى قولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
لأنهما إذا لَمْ يكونا عالِمَين بما يُفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، فما الذى يُتعلَّمُ منهما مما (٦) يفرِّقُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
وبعدُ، فإن "مَا" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
إن كانت بمعنى (٧) الجَحْدِ عطفًا على قولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾.
فإن اللهَ جلّ ثناؤُه نفَى بقولِه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾.
عن سليمانَ أن يكونَ السحرُ من عملِه أو من علمِه أو تعليمِه، فإن كان الذى نفَى عن الملَكَين من ذلك نظيرَ الذى نفَى عن سليمانَ منه -وهاروتُ وماروتُ هما الملَكان- فمَن المتعلَّمُ منه إذن ما يفرَّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه؟
وعمَّن الخبرُ الذي أخبرَ عنه بقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾؟
إنَّ خطأَ هذا القولِ لواضحٌ بيِّنٌ.
وإن كان قولُه: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
ترجمةً عن "الناسِ" الذين في قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
فقد وجَب أن تكونَ الشياطينُ هى التى تعلِّمُ هاروتَ وماروتَ السحرَ، وأن (١) تكونَ السحرةُ إنما تعلَّمت السحرَ من هاروتَ وماروتَ عن تعليمِ الشياطينِ إياهما.
فإن يكنْ ذلك كذلك، فلنْ يخلوَ هاروتُ وماروتُ عندَ قائلى (٢) هذه المقالةِ من أحدِ أمرين؛ إما أن يكونا ملَكَين، فإن كانا عندَهم (٣) ملَكَين، فقد أوجَبوا (٤) لهما مِن الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له - بنسبتِهم (٥) إياهما إلى أنهما يتعلَّمان مِن الشياطينِ السحرَ [والكفرَ] (٦) ويعلِّمانه الناسَ، وإصرارِهما على ذلك ومُقامِهما عليه- أعظمَ مما ذكِر عنهما أنهما أتَياه مِن المعصيةِ التى استَحقَّا عليها العقَابَ.
وفي خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه عنهما أنهما لا يعلِّمان أحدًا ما يَتعلَّمُ منهما حتى يقولا له: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
ما يُغنى عن الإكثارِ في الدَّلالةِ على خطأِ هذا القولِ، أو أن يكونا كانا (٧) رجلين من بنى آدمَ، فإن يكن ذلك كذلك فقد كانا يجبُ أن يكونَ بهلاكِهما قد ارتفَع السحرُ والعلمُ به والعملُ من بنى آدمَ؛ لأَنه إذا كان علمُ ذلك مِن قِبَلِهما يُؤخذُ، ومنهما يُتعلَّمُ، فالواجبُ أن يكونَ بهلاكِهما وعدمِ وجودِهما عدمُ السبيلِ إلى الوصولِ إلى المعنى الذي كان لا يوصَلُ إليه إلا بهما.
وفي وجودِ السحرِ في كلِّ زمانٍ ووقتٍ، أبيَنُ الدَّلالةِ على فسادِ هذا القولِ.
أو (١) يزعُمُ قائلُو (٢) ذلك أنهما رجلان مِن بنى آدمَ لم يُعْدَما مِن الأرضِ منذُ خُلِقت الأرضُ (٣)، ولا يُعدَمان (٤) ما وجِد السحرُ في الناسِ، فيدَّعى ما لا يَخفى بُطُولُه.
فإذ (٥) فسَدتْ هذه الوجوهُ التى دلَّلنا على فسادِها، فبيِّنٌ أن معنى "ما" التى في قولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾.
بمعنى "الذي" وأن هاروتَ وماروتَ مُترجَمٌ بهما عن "الملَكَين"، ولذلك فُتِحت أواخرُ أسمائِهما؛ لأنهما في موضعِ خَفضٍ بالرَّدِّ (٦) على "الملَكَين"، ولكنهما لمّا كانا لا يُجْريان (٧) فُتِحت أواخرُ أسمائِهما.
فإن التَبَس على ذى غباءٍ ما قلنا، فقال: وكيف يجوزُ لملائكةِ اللهِ أن تعلِّمَ الناسَ التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه؟
أم كيف يجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ إنزالُ ذلك على الملائكةِ؟
قيل له: إن اللهَ جلّ ثناؤُه عرَّف عبادَه جميعَ ما أمَرهم به، وجميعَ ما نهاهم عنه، ثم أمَرهم ونهاهم بعدَ العلمِ منهم بما يؤمَرون به ويُنهَون عنه، ولو كان الأمرُ وزوجِه، وذلك لو كان على غيرِ الحقيقةِ، وكان على وجهِ التخييلِ والحُسبانِ، لم يكنْ تفريقًا على صحةٍ، وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه عنهم أنهم يفرِّقون على صحةٍ.
وقال آخرون: بل السحرُ أخْذٌ بالعينِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
وتأويلُ ذلك: وما يعلِّمُ الملَكان من أحدٍ مِن الناسِ الذى أُنزِل عليهما مِن التَّفريقِ بينَ المرءِ وزوجِه، حتى يقولا له: إنما نحن بلاءٌ وفتنةٌ لبنى آدمَ، فلا تكفُرْ بربِّك.
كما حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: إذا أتاهما -يعنى هاروتَ وماروتَ- إنسانٌ يريدُ السحرَ، وعَظاه وقالا له: لا تكفُرْ، إنما نحن فتنةٌ.
فإذا أبَى، قالا له: ائتِ هذا الرمادَ فبُلْ عليه.
فإذا بال عليه خرَج منه نورٌ يسطَعُ حتى يدخُلَ السماءَ، وذلك الإيمانُ، وأقبَل (١) شيءٌ أسودُ كهيئةِ الدُّخَانِ حتى يدخُلَ في مسامعِه وكلِّ شيءٍ منه، فذلك غضبُ الله، فإذا أخبرَهما بذلك علَّماه السحرَ، فذلك قولُ الله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
قالا: أُخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال قتادةُ: كانا يعلِّمان الناسَ السحرَ، فأخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، قال: قال غيرُ قتادةَ: أخِذ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يَتقدَّما إليه فيقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: أخِذ عليهما أن يقولا ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخِذ الميثاقُ عليهما ألَّا يعلِّما أحدًا حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر﴾: لا يَجترِئُ على السحرِ إلا كافرٌ (٢).
وأما "الفتنةُ" في هذا الموضعِ، فإن معناها الاختبارُ والابتلاءُ، مِن ذلك قولُ الشاعرِ (٣): [وقد فُتن] (٤) الناسُ في دينِهم … وخَلَّى ابنُ عفّانَ شَرًّا طَوِيلا ومنه يقالُ: فتَنتُ الذهبَ في النارِ -إذا امتَحنتَها لتعرِفَ جَوْدَتَها مِن رَداءتِها- أفتِنُها (١) فتنةً وفتونًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾.
أى: بلاءٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾.
خبرٌ مبتدأٌ عن المتعلِّمين مِن الملَكَين ما أُنزِل عليهما، وليس بجوابٍ لقولِه: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾.
بل هو خَبرٌ مستأنفٌ، فلذلك رفِع فقيل: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾.
فمعنى الكلامِ إذن: وما يعلِّمان مِن أحدٍ حتى يقولا: إنما نحنُ فتنةٌ.
فيأبَون قبولَ ذلك منهما، فيتعلَّمون منهما ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾.
خبرٌ عن اليهودِ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ - ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ وجعَلوا ذلك مِن المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ.
والذى قلنا أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن إلحاقَ ذلك بالذى يليه مِن الكلامِ، ما كان للتأويلِ وجهٌ صحيحٌ، أولَى مِن إلحاقِه بما قد حِيل بينه وبينه من معْترَضِ الكلامِ.
والهاءُ والميمُ والألفُ، مِن قولِه: ﴿مِنْهُمَا﴾.
من ذكرِ الملَكَين.
ومعنى ذلك: فيتعلَّمُ الناسُ من الملَكَين الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه.
و ﴿مَا﴾ التى مع ﴿يُفَرِّقُونَ﴾ بمعنى الذى.
وقيل: إن (١) معنى ذلك: السحرُ الذى يفرِّقون به.
وقيل: هو معنًى غيرُ السحرِ.
وقد ذكَرنا اختلافَهم في ذلك فيما مضَى قبلُ (٢).
وأما "المرءُ"؛ فإنه بمعنى رجلٍ، من أسماءِ بنى آدمَ، والأُنثى منه المرأةُ.
يوحَّدُ ويثنَّى، ولا يجمعُ ثلاثتُه (٣) على صورتِه، يقالُ منه: هذا امرؤٌ صالحٌ، وهذان امرآن صالحان.
ولا يقالُ: هؤلاء امرؤو صِدقٍ.
ولكن يقالُ: هؤلاء رجالُ صِدقٍ، وقومُ صِدقٍ.
وكذلك المرأةُ تُوحَّدُ وتُثنَّى، ولا تُجْمَعُ على صورتِها، يقالُ: هذه امرأةٌ، وهاتان امرأتان.
ولا يقالُ: هؤلاء امرآتٌ.
ولكن: هؤلاء نسوةٌ.
وأما "الزوجُ"، فإن أهلَ الحجازِ يقولون لامرأةِ الرجلِ: هى زوجُه.
بمنزلةِ الزوجِ الذَّكرِ، ومِن ذلك قولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
وتميمٌ وكثيرٌ من قيسٍ وأهلُ نجدٍ يقولون: هى زوجتُه (٤).
قال الشاعرُ (٥): فإن [الذى يمشِى يُحَرِّشُ (٦)] (٧) زَوْجَتى … كماشٍ إلى أُسْدِ الشَّرَى (٨) يَسْتبِيلُها (٩) فإن قال قائلٌ: وكيف يفرِّقُ الساحرُ بينَ المرءِ وزوجِه؟
قيل: قد دلَّلنا فيما مضَى على أن معنى السحرِ تخييلُ الشئِ إلى المرءِ بخلافِ ما هو به في عَينِه وحقيقتِه، بما فيه الكفايةُ لمَن وفِّق لفهمِه (١).
فإذ كان ذلك صحيحًا بالذى عليه استشهَدْنا، فتفريقُه بينَ المرْءِ وزوجِه، تخييلُه بسحرِه إلى كلِّ واحدٍ منهما شخصَ الآخرِ على خلافِ ما هو به في حقيقتِه مِن حسنٍ وجمالٍ، حتى يقبِّحَه عندَه، فينصرِفَ بوجهِه ويعرِضَ عنه، حتى يُحدِثَ الزوجُ لامرأتِه فِراقًا.
فيكونُ الساحرُ مفرِّقًا بينَهما بإحداثِه السببَ الذى كان عنه (٢) فُرْقَةُ ما بينَهما.
وقد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا على أن العربَ تضيفُ الشئَ إلى مُسبِّبِه من أجلِ تَسْبِيبِه (٣)، وإن لم يكنْ باشرَ فعل ما حدَث عن السببِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
فكذلك تفريقُ الساحرِ بسحْرِه بينَ الزوجَين (٥).
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾: وتفريقُهما أن يؤَخَّذَ (٦) كلُّ واحدٍ منهما عن صاحبِه، ويُبغَّضَ كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه (١).
وأما الذين نفَوا (٢) أن يكونَ الملَكان يعلِّمان الناسَ التفريقَ يينَ المرء وزوجِه، فإنهم وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا﴾.
إلى: فيتعلَّمون مكانَ ما علَّماهم ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، كقولِ القائلِ: ليت لنا [من كذا، كذا وكذا] (٣) كما قال الشاعرُ (٤): جَمَعْتَ من الخيراتِ وَطْبًا وعُلبَةً (٥) … وصَرًّا لأخْلافِ (٦) المُزَمَّمَةِ (٧) البُزْلِ (٨) ومِن كلِّ أخْلاقِ الكِرامِ نَميمةً … وَسَعْيًا على الجارِ المُجاوِرِ بالمَحْلِ (٩) يريدُ بقولِه: جَمَعْتَ (١٠) مكانَ خيراتِ الدنيا هذه الأخلاقَ الرديئةَ والأفعالَ الدنيئةَ.
ومنه قولُ الآخرِ: صَلَدَتْ (١١) صَفَاتُك (١٢) أن تَلِينَ حُيُودُها (١٣) … وَوَرِثْتَ من سَلَفِ الكِرَامِ عُقُوقا يعنى: وَرِثتَ مكانَ سلفِ الكرامِ عُقوقًا مِن ولدِك (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: وما المتعلِّمون مِن الملَكَين هاروتَ وماروتَ ما يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، بضارِّين بالذى تعلَّموه منهما مِن المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، من أحدٍ من الناسِ، إلا من قد قضَى اللهُ عليه أن ذلك يضُرُّه، فأما مَن دفَع اللهُ عنه ضُرَّه وحفِظه مِن مكروهِ السحرِ والنَّفْثِ والرُّقى، فإن ذلك غيرُ ضارِّه ولا نائلِه أذَاه.
وللإذْنِ في كلامِ العربِ أوجهٌ؛ منها الأمرُ على غيرِ وجهِ الإلزامِ، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ منه قولُه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ لأن اللهَ جلّ ثناؤُه قد حرَّم التفريقَ بينَ الرجلِ (٢) وحليلتِه بغيرِ سحرٍ -فكيف به على وجهِ السحرِ- على لسانِ الأُمةِ؟
ومنها التخليةُ بينَ المأذونِ له والمخلَّى بينَه وبينَه.
ومنها العلمُ (٣) بالشئِ، يقالُ منه: قد أذِنْتُ بهذا الأمرِ، إذا علِمتَ به، آذَنُ به إذنًا.
ومنه قولُ الحطيئةِ (٤): ألا يا هِنْدُ إن جَدَّدْتِ وَصْلًا … وإلَّا فائْذنِينى بانْصِرامِ يعنى: فأعلِمينى.
ومنه قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩].
وهذا هو معنى الآيةِ، كأنه قال جلّ ثناؤُه: وما هم بضارين بالذى تعلَّموا مِن الملَكَين مِن أحدٍ إلا بعلمِ اللهِ.
يعنى: بالذى سبَق له في علمِ اللهِ أنه يضرُّه.
كما حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال: بقضاءِ اللهِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾.
يعنى [جلَّ ثناؤُه بقولِه] (٢): ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾.
أى: الناسُ الذين يتعلَّمون من الملَكَين، ما أنزِل إليهما (٣) من المعنى الذى يفرِّقون به بينَ المرءِ وزوجِه، يتعلَّمون منهما السحرَ الذى يضرُّهم في دينِهم، ولا ينفعُهم في مَعادِهم؛ فأما في العاجلِ في الدنيا، فإنهم قد كانوا يكسِبون به ويُصيبون به معاشًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
الفريقَ الذين [أخبرَ عنهم أنهم] (٤) لمَّا جاءهم رسولٌ من عندِ اللهِ مصدِّقٌ لما معهم، نبَذوا كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلمون، واتَّبَعوا ما تتلو الشياطينُ على ملكِ سليمانَ.
فقال جلَّ ثناؤُه: لقد علِم النابِذون مِن يهودِ بنى إسرائيلَ، كتابي وراءَ ظهورِهم تجاهلًا منهم، التاركون العملَ بما فيه، من اتباعِك يا محمدُ واتباعِ ما جئتَ به، بعدَ إنزالى إليك كتابى مصدِّقًا لما معهم، وبعدَ إرساليك إليهم بالإقرارِ بما معهم وما في أيديهم، المؤثِرون عليه اتباعَ السحرِ الذى تَلته الشياطينُ على عهدِ سليمانَ، والذى أنزِل على الملَكَين ببابلَ هاروتَ وماروتَ - لمن اشتَرى السحرَ بكتابي الذى أنزَلتُه على رسولى فآثرَه عليه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾.
[أى: لمَن استحبَّه] (١)، ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يقولُ: قد علِم ذلك أهلُ الكتابِ في عهدِ اللهِ إليهم؛ أن الساحرَ لا خلاقَ له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ (٢).
وحدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعنى: اليهودَ، يقولُ: قد علِمَت اليهودُ أن من تعلَّمه و (٣) اختاره ما له في الآخرةِ من خلاقٍ (٤).
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾: لمن اشتَرى ما يفرِّق به بينَ المرءِ وزوجِه (٥).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: قد علِمت يهودُ أن في كتابِ اللهِ في التوراةِ، أن من اشتَرى السحرَ، وترَك دينَ اللهِ، ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، [ومن لم يكنْ له خَلاقٌ] (١)، فالنارُ مثْواه ومأْواه (٢).
وأما قولُه: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾.
فإن "مَن" في موضعِ رفعٍ، وليس قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.
بعاملٍ فيها؛ لأن قولَه: ﴿عَلِمُوا﴾.
بمعنى اليمينِ، فلذلك كانت "مَن" (٣) في موضعِ رفعٍ؛ لأن الكلامَ بمعنى: واللهِ لَمن اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
ويكونُ (٤) قولُه: ﴿عَلِمُوا﴾.
بمعنى اليمينِ، أُجِيبَ (٥) بلامِ اليمينِ، فقيل: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾.
كما يقالُ: أقسِمُ لَمَن قام خيرٌ ممن قعَد.
وكما يقالُ: قد علمتَ لعمرٌو خيرٌ من أبيك.
وأما "مَن" فهو حرفُ جَزاءٍ، وإنما قيل: اشتَراه.
ولم يقلْ: يشترِه (٦)؛ لدخولِ لامِ القسمِ على "مَن"، ومِن شأنِ العربِ إذا أحدَثت على حرفِ الجزاءِ لامَ القسمِ، ألا ينطِقوا في الفعلِ معه إلا بـ "فَعَل" دونَ " يفْعَل" إلا قليلًا؛ كراهةَ أن يُحدِثوا على الجزاءِ حادثًا وهو مجزومٌ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ [الحشر: ١٢].
وقد يجوزُ إظهارُ فعلِه بعدَه على "يفعلُ" مجزومًا، كما قال الشاعرُ (٧): لَئن تكُ قد ضاقَتْ عليكم بُيوتُكمْ … لَيَعْلَمُ ربِّى أنَّ بَيتىَ واسِعُ واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الخلاقُ في هذا الموضعِ النصيبُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
يقولُ: من نصيبٍ (١).
وحدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: من نصيبٍ (٢).
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: قال سفيانُ: سمِعنا في قولِه: ﴿مَا (٣) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
أنه: ما له في الآخرةِ من نصيبٍ.
وقال آخرون (٤): الخَلاقُ هاهنا: الجِهةُ (٥).
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا (١) لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: ليس له في الآخرةِ جهةٌ (٢).
وقال آخرون: الخَلاقُ الدينُ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ قال: ليس له دينٌ (٣).
وقال آخرون: الخلاقُ هاهنا القِوامُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: قِوامٌ (٤).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ من قال: معنى الخلاقِ في هذا الموضعِ النصيبُ.
وذلك أن ذلك معناه في كلامِ العربِ.
ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "لَيُؤيِّدنَّ اللهُ هذا الدينَ بأقوامٍ لا خلاقَ لهم" (٥).
يعنى: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ في الإسلامِ والدينِ.
ومنه قولُ أميةَ بنِ أبي الصلتِ (٦): يَدْعون بالوَيْلِ فيها لا خلاقَ لهم … إلا سرابيلُ مِن قِطْرٍ (١) وأغلالُ يعنى بذلك: لا نصيبَ لهم ولا حظَّ إلا السرابيلُ [والأغلالُ] (٢).
فكذلك قولُه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: ما له في الدارِ الآخرةِ حظٌّ من الجَنةِ، من أجلِ أنه لم يكنْ له إيمانٌ ولا دينٌ ولا عملٌ صالحٌ يجازَى به الجنةَ ويثابُ عليه، فيكونَ له حظٌّ ونصيبٌ من الجنةِ.
وإنما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
فوصَفه بأنه لا نصيبَ له في الآخرةِ، وهو يعنى به: لا نصيبَ له من جزاءٍ وثوابٍ وجنةٍ، دونَ نصيبِه من النارِ؛ إذ كان قد دلَّ بذمِّه (٣) جلَّ ثناؤه أفعالَهم التى نفَى من أجلِها أن يكونَ لهم في الآخرةِ نصيبٌ، على مرادِه من الخيرِ، وأنه إنما يعنى بذلك أنه لا نصيبَ لهم فيها من الخيراتِ، فأما من الشرورِ فإن لهم منها (٤) فيها [أنصباءَ وأنصباءَ] (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾.
قد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن معني: ﴿شَرَوْا﴾: باعُوا (٦).
فمعنى الكلامِ إذن: ولبئسَ ما باع به نفْسَه مَن تعلَّم السحرَ لو كان يعلمُ سوءَ عاقبتِه.
كما حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقولُ: بئس ما باعوا به أنفسَهم (١).
فإن قال لنا قائل: وكيف قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وقد قال قبلُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
فكيف يكونون عالِمين بأن من تعلَّم السحرَ فلا خلاقَ له (٢)، وهم يجهَلون أنهم بئسَ ما شرَوْا بالسحرِ أنفسَهم؟
قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى توهَّمتَه من أنهم مرصوفون [بجهلِ ما] (٣) هم موصوفون بالعلمِ به، ولكنَّ ذلك من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، وإنما معنى الكلامِ: وما هم بضارِّين به من أحدٍ إلا بإذنِ اللهِ، ويتعلَّمون ما يضرُّهم ولا ينفعُهم، ولبئس ما شرَوْا به أنفسَهم لو كانوا يعلَمون، ولقد علِموا لمن اشتَراه ما له في الآخرةِ من خلاقٍ.
فقولُه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
ذمٌّ من اللهِ تعالى ذكرُه فعْلَ المتعلِّمين من المَلَكَين التفريقَ بينَ المرءِ وزوجِه، وخبرٌ منه جلَّ ثناؤه عنهم أنهم بئس ما باعوا (٤) أنفسَهم، برضاهم بالسحرِ عِوضًا من (٥) دينِهم الذى به نجاةُ أنفسِهم من الهلكةِ، جهلًا منهم بسوء عاقبةِ فعلِهم، وخسارةِ صفقةِ بيعِهم؛ إذ كان قد يتعلَّمُ ذلك منهما من لا يعرِفُ اللهَ، ولا يعرِفُ حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه.
ثم عاد إلى الفريقِ الذى أخبَر عنهم أنهم نبَذوا كتابَه وراءَ ظهورِهم كأنهم لا يعلَمون، واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشياطِينُ على ملْكِ سليمانَ وما أُنْزِل على الملَكَينِ، فأخبَر عنهم أنهم قد علِموا أن من اشتَرى السحرَ ما له في الآخرةِ من خلاقٍ، ووصَفهم بأنهم يركَبون معاصىَ اللهِ على علمٍ منهم بها، ويكفُرون باللهِ ورسلِه، ويُؤْثِرون اتباعَ الشياطينِ والعملَ بما أحدَثَتْهُ من السحرِ، على العملِ بكتابِه ووحيِه وتنزيلِه، عنادًا منهم له (١)، وبغيًا على رسلِه، وتعدِّيًا منهم حُدودَه، على معرفةٍ منهم بما لِمَنْ فعَل ذلك عندَ اللهِ من العقابِ والعذابِ.
فذلك تأويلُ ذلك (٢).
وقد زعَم بعضُ الزاعِمين أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
معنىٌّ (٣) به الشياطينُ، وأن قولَه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ معنيٌّ (٣) به الناسُ.
وذلك قولٌ [لقولِ جميعِ] (٤) أهلِ التأويلِ مخالفٌ.
وذلك أنهم مُجْمِعون على أن قولَه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾.
معنىٌّ به اليهودُ دونَ الشياطينِ، ثم هو مع ذلك خلافُ ما دلَّ عليه التنزيلُ؛ لأن الآياتِ قبلَ قولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.
وبعدَ قولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ جاءت من اللهِ بذَمِّ اليهودِ، وتوبيخِهم على ضلالِهم [ذَهابِهم عن] (٥) وحىِ اللهِ وآياتِ كتابِه (٦)، مع علمِهم بخطأِ فعلِهم، فقولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
أحدُ تلك الأخبارِ عنهم.
وقال بعضُهم: إن الذين وصَف اللهُ بقولِه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فنفَى عنهم العلمَ، هم الذين وصَفهم اللهُ بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
وإنما نفَى عنهم جلّ ثناؤُه العلمَ بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
بعدَ وصفِه إياهم بأنهم قد علِموا بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.
من أجلِ أنهم لم يعمَلوا بما علِموا، وإنما العالِمُ، العاملُ بعلمِه، فأما إذا خالَف عملُه علمَه، فهو في معانى الجهَّالِ.
قالوا (١): وقد يقالُ للفاعلِ الفعلَ بخلافِ ما ينبغى أن يفعلَ، وإن كان بفعلِه عالِمًا: لو علِمتَ لأقصَرتَ.
كما قال كعبُ بنُ زهيرٍ المزنيُّ، وهو يصِفُ ذئبًا وغُرابًا تبِعاه لينالا من طعامِه وزادِه (٢): إذا حضَرانى قلتُ لو تَعْلَمانه … ألم تَعْلَما أنى مِن الزَّادِ مُرْمِلُ (٣) فأخبرَ أنه قال لهما: لو تعلَمانه.
فنفَى عنهما العلمَ، ثم استخبرَهما فقال: ألم تعلَما.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.
و: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وهذا تأويلٌ، وإن كان له مخرَجٌ ووجهٌ، فإنه خلافُ الظاهرِ المفهومِ بنفسِ الخطابِ، أعنى بقولِه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾.
وقولِه ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
وإنما هو استخراجٌ.
وتأويلُ القرآنِ على المفهومِ الظاهرِ بالخطابِ دونَ الخفيِّ الباطنِ منه -حتى تأتىَ دَلالةٌ من الوجهِ الذى يجبُ التسليمُ له، بمعنًى خلافِ دليلِه الظاهرِ المتعارَفِ في أهلِ اللسانِ الذين بلسانِهم نزَل القرآنُ- أَولى (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: لو أن الذين يتعَلَّمون من الملَكَين ما يُفَرِّقون به بينَ المرءِ وزَوْجِه ﴿آمَنُوا﴾ فصدَّقوا اللهَ ورسولَه، وما جاءهم به من عندِ ربِّهم ﴿وَاتَّقَوْا﴾ ربَّهم فخافُوه، وخافوا عقابَه، فأطاعوه بأداءِ فرائِضه، وتجنُّبِ (١) معاصِيه - لكان جزاءُ اللهِ إياهم، وثوابُه لهم على إيمانِهم به وتقواهم إياه، خيرًا لهم من السحرِ وما اكْتَسَبوا به، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن ثوابَ اللهِ إيَّاهم على ذلك خيرٌ لهم من السحرِ ومما اكْتَسَبوا به.
وإنما نفَى بقولِه: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
العلمَ عنهم أن يكونوا عالِمين بمَبْلَغِ ثوابِ اللهِ وقَدْرِ جزائِه على طاعتِه.
والمَثُوبَةُ في كلامِ العربِ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أثَبْتُك إثابةً وثَوابًا ومَثوبةً.
وأصلُ ذلك مِن: ثاب إليك الشئُ.
بمعنى: رجَع.
ثم يقال: أثَبتُه إليك.
أى: أرجَعْتُه (٢) إليك وردَدْتُه.
فكأنَّ (٣) معنى إثابةِ الرجلِ الرجلَ على الهَدِيَّةِ وغيرِها، إرجاعُه إليه (٤) منها بَدَلًا، ورَدُّه عليه منها عِوَضًا.
ثم جُعِل كلُّ مُعَوِّضٍ غيرَه من عملِه أو هديَّتِه أو يدٍ له سلَفت منه إليه مُثِيبًا له.
ومنه ثوابُ اللهِ ﷿ عبادَه على أعمالِهم، بمعنى إعطائِه إياهم العِوَضَ والجزاءَ عليه، حتى يَرْجِعَ إليهم بَدَلٌ مِن عملِهم الذى عمِلوه له.
وقد زعَم بعضُ نحويِّى أهلِ (٥) البصرةِ أن قولَه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.
مما اكْتُفى بدَلالةِ الكلامِ على معناه عن ذكرِ جوابِه، وأن معناه: ولو أنهم آمَنوا واتَّقَوْا لأُثِيبوا.
ولكنه اسْتُغْنى بدَلالةِ الخبرِ على المثوبةِ عن قولِه: لأُثِيبوا.
وكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ (١) ينكِرُ ذلك، ويرَى أن جوابَ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ - ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ وأن "لو" إنما أُجِيبت بالمثوبةِ، وإن كانت أجْوِبتُها (٢) بالماضى مِن الفعلِ، لتقارُبِ معناها مِن معنى "لئن" في أنهما جزاءان، وأنهما جوابان للإيمانِ، فأُدْخِل جوابُ كلِّ واحدةٍ منهما على صاحبتِها، فأجِيبت "لو" بجوابِ "لئن" و "لئن" بجواب "لو"، لذلك، وإن اخْتَلَفت أجوبتُهما، وكانت "لو" مِن حكمِها وحظِّها أنْ تُجابَ بالماضى مِن الفعلِ، وكانت "لئن" مِن حكمِها وحظِّها أن تجابَ بالمستقبلِ مِن الفعلِ، لِما وصَفْنا من تقارُبهما.
فكان يتَأوّلُ معنى قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾: ولئن آمَنوا واتَّقَوا لمثوبةٌ مِن عندِ اللهِ خيرٌ.
وبما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ يقولُ: ثوابٌ مِن عندِ اللهِ (٣).
وحدَّثنى موسى (٤)، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أما المثوبةُ فهو الثوابُ (٥).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.
يقولُ: لثوابٌ مِن عندِ اللهِ (١).
*القولُ فى تأويلِ قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأْويلِ قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: لا تقولوا خِلافًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
قال: لا تقولوا خِلافًا (٢).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: لا تقولوا خِلافًا (٣).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون: تأويلُه: أَرْعِنا سمْعَك.
أىْ: اسْمَعْ مِنَّا ونسمَعَ منك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾.
أى: أرْعِنا سمْعَك (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو (٢)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
لا تقولوا: اسمعْ منَّا ونَسْمَعَ منك (٣).
وحُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفَرَجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾.
قال: كان الرجلُ مِن المشركين يقول: أرْعِنى سمْعَك.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجْلِه نهَى اللهُ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا؛ فقال بعضُهم: هى كلمةٌ كانت اليهودُ تقولُها على وجْهِ الاستهزاءِ والسبِّ (١)، فنهَى الله تعالى ذكرُه المؤمنين أن يقولوا ذلك للنبىِّ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾: قولٌ كانت تقولُه اليهودُ استهزاءً، فزجَر اللهُ المؤمنين أن يقولوا كقولِهم (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيْرِىُّ، عن فُضَيْلِ (٣) بنِ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
قال: كان أناسٌ مِن اليهودِ يقولون: أرْعِنا سمْعَك.
حتى قالها أناسٌ مِن المسلمين، فكرِه اللهُ لهم ما قالت اليهودُ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
كما قالت اليهودُ والنصارَى (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
قال: كانوا يقولون: راعِنا سمْعَك.
فكان اليهودُ يأتون فيقولون مثلَ ذلك مستهْزِئين، فقال اللهُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ (٥).
وحُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
قال: كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا سمْعَك.
وإنما ﴿رَاعِنَا﴾ كقولِك: عاطِنا (١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ (٢) زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ قال: ﴿رَاعِنَا﴾ القولُ الذى قاله القومُ؛ قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦].
قال: قال: هذا الراعِنُ -والراعِنُ الخطأُ (٣) - قال: فقال للمؤمنين: لا تقولوا خطأً (٤) كما قال القومُ، وقولوا: انظُرْنا واسْمَعوا.
قال: كانوا يَنْظُرون إلى النبىِّ ﷺ ويُكَلِّمونه ويَسْمَعُ منهم، ويسأَلونه ويُجِيبُهم.
وقال آخَرون: بل هى كلمةٌ كانت الأنصارُ في الجاهليَّةِ تقولُها، فنهاهم اللهُ فى الإسلامِ أن يقولوها لنبيِّه ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ (٥)، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ قال: كانت لغةً فى الأنصارِ فى الجاهليَّةِ، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ولكن ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
قال: كانت لغةً في الأنصارِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ فى قولِه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
قال: إن مُشرِكى العربِ كانوا إذا حدَّث بعضُهم بعضًا يقولُ أحدُهم لصاحبِه: أرْعِنى سمْعَك.
فنُهُوا عن ذلك (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿رَاعِنَا﴾ قولُ الساخِرِ، فنَهاهم أن يَسْخَروا مِن قولِ محمدٍ ﷺ.
وقال بعضُهم: بل كان ذلك كلامَ يهودىٍّ مِن اليهودِ بعينِه، يقال له: رفاعةُ بنُ زيدٍ.
كان يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ به (٣) على وجْهِ السَّبِّ له، وكان المسلمون أخَذوا عنه ذلك، فنهَى اللهُ المؤمنين عن قِيلِه للنبيِّ ﷺ.
ذكر من قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: كان رجلًا مِن اليهودِ، مِن قبيلةٍ مِن اليهودِ يقالُ لهم: بنو قَيْنُقَاعَ.
كان يُدْعَى رفاعةَ بنَ زيدِ بنِ السائبِ -قال أبو جعفرٍ: هذا خطأٌ، إنما هو ابنُ التابوتِ، ليس ابنَ السائبِ- كان يأتى النبىَّ ﷺ، فإذا لقِيَه فكلَّمَه فقال: أرْعِنى سمْعَك، واسمَعْ غيرَ مُسْمَعٍ.
فكان المسلمون يَحْسَبون أن الأنبياءَ كانت تُفَخَّمُ (١) بهذا، فكان ناسٌ منهم يقولون: اسمعْ غيرَ مُسْمَعٍ.
كقولِك: اسمعْ غيرَ صاغرٍ.
هى (٢) التى فى "النساءِ": ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: ٤٦].
يقولُ: إنما يُرِيدُ بقولِه طَعْنًا فِى الدّينِ.
ثم تقدَّم إلى المؤمنين فقال: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ (٣).
والصوابُ مِن القولِ في نهْىِ اللهِ جلَّ ثناؤه المؤمنين أن يقولوا لنبيِّه: ﴿رَاعِنَا﴾ أن يقالَ: إنها كلمةٌ كرِهها اللهُ لهم أن يقولوها لنبيِّه ﷺ، نظيرَ الذى ذُكِر عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تَقُولُوا للعِنَبِ الكَرْمَ، ولكِن قولوا الحَبَلَةَ" (٤).
و"لا تَقُولُوا عَبْدِى، ولكِنْ قُولُوا فتَاىَ" (٥).
وما أشبهَ ذلك مِن الكلمتينِ اللَّتينِ تكونان مستعمَلتين بمعنًى واحدٍ فى كلامِ العربِ، فتأتى الكراهةُ أو النهىُ باستعمالِ إحداهما، واختيارِ الأُخْرَى عليها فى المخاطَباتِ.
فإن قال (١) قائلٌ: فإنَّا قد علِمْنا معنى نَهْىِ النبيِّ ﷺ فى العِنَبِ أن يقالَ له: كَرْمٌ.
وفى العبدِ أن يقالَ له: عبدٌ.
فما المعنى في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾.
حينئذٍ الذى مِن أجلِه كان النهىُ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين عن أن يقولوه، حتى أمَرَهم أن يُؤْثِروا قولَهم (٢): ﴿انْظُرْنَا﴾ عليه (٣)؟
قيل: الذى فيه مِن ذلك نظيرُ الذى فى قولِ القائلِ: الكَرْمُ.
للعنبِ، و: العبدُ.
للمملوكِ.
وذلك أن قولَ القائلِ: عبدٌ.
[صفةُ جميعِ] (٤) عبادِ اللهِ، فكرِه النبىُّ ﷺ أن يُضَافَ بعضُ عبادِ اللهِ -بمعنى المعبودِ (٥) - إلى غيرِ (٦) اللهِ، وأمَر أنَ يُضَافَ ذلك إلى غيرِه، بغيرِ المعنى الذى يُضافُ إلى اللهِ ﷿، فيقال: [فتى اللهِ] (٧).
وكذلك وجهُ نهيِه في العنبِ أن يقالَ لها: كَرْمٌ.
[لأن الكَرْمَ مصدرٌ من كرَم كرْمًا] (٨)، وإن كانت راؤُها (٣) مُسَكَّنةً، فإن العربَ قد تُسَكِّنُ بعضَ الحركاتِ إذا تتابَعت على [نوعٍ واحدٍ] (٩)، فَكرِه أن يُوصفَ (١٠) بذلك العنبُ.
فكذلك نهَى اللهُ ﷿ المؤمنين أن يقولوا: راعِنا.
لما كان قولُ القائل: راعِنا.
محتمِلًا أن يكونَ بمعنى: احْفَظْنا ونَحْفَظَك، وارْقُبْنا ونَرْقُبَك.
مِن قولِ العربِ بعضِهم لبعضٍ: رعاك اللهُ.
بمعنى: حفِظك اللهُ وكَلأك.
ومحتمِلًا أن يكونَ بمعنى: أرْعِنا سمْعَك.
مِن قولِهم: أرْعَيتُ به (١) سمعِى إرعاءً.
أو: راعَيْتُه سمعِى رِعاءً أو مُراعاةً.
بمعنى: فرَّغْتُه لسماعِ كلامِه.
كما قال الأَعْشى ميمونُ بنُ قيسٍ (٢): يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرِّجالِ إذَا … أبْدَوْا لهُ الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا يعنى بقولِه يُرْعِى: يُصْغِى سمعَه إليه مُفَرِّغَه لذلك.
وكأنَّ اللهَ جل ثناؤه قد أمَر المؤمنين بتوقيرِ نبيِّه ﷺ وتعظيمِه، حتى نهاهم جلّ ذكرُه فيما نهاهم عنه، عن رفعِ أصواتِهم فوقَ صوتِه، وأن يَجْهَرُوا له بالقوْلِ كجَهْرِ بعضِهم لبعضٍ، وخوَّفَهم على ذلك حبوطَ أعمالِهم، تقدَّم (٣) إليهم بالزجرِ لهم عن أن يقولُوا له من القولِ ما فيه جَفاءٌ، وأمَرَهم أن يَتَخَيَّرُوا لخطابِه من الألفاظِ أحسنَها، ومن المعاني أَرَقَّها، فكان من ذلك قولُهم: ﴿رَاعِنَا﴾.
لِمَا فيه (٤) احتمالُ معنى: ارْعَنا نَرْعَك.
إذ كانت المفاعلةُ لا تكونُ إلا مِن اثنين، كما يقولُ القائلُ: عاطِنا وحادِثْنا وجالِسْنا.
بمعنى: افعَلْ بنا نَفْعَلْ بك.
ومعنى: أَرْعِنا سمعَك حتى نَفهمَك وتَفهمَ عنا.
فنَهَى اللهُ تعالى ذكرُه أصحابَ محمدٍ أن يقولوا ذلك كذلك، وأمرَهم (٥) أن يُفْرِدُوا مسألَتَه بانتظارِهم وإمهالِهم؛ ليَعْقِلوا عنه، بتَبْجِيلٍ منهم له وتعظيمٍ، وألَّا يَسألُوه ما سأَلوه من ذلك على وجهِ الجَفاءِ والتَّجَهُّمِ منهم له، ولا بالفظاظةِ والغِلْظةِ، تَشْبيهًا منهم باليهودِ في خطابِهم نبيَّ اللهِ ﷺ بقولِهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦].
يَدُلُّ على صحةِ ما قُلْنا في ذلك قولُه: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥].
فدلَّ بذلك أن الذي عاتَبهم (١) عليه مما يَسُرُّ اليهودَ والمشركِين.
فأما التأويلُ الذي حُكِى عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿رَاعِنَا﴾.
أنه بمعنى: خِلافًا.
فما (٢) لا يُعْقَلُ في كلامِ العربِ، لأنَّ "رَاعَيْتُ" في كلامِ العربِ إنما هو على أحدِ وجهَيْن؛ أحدُهما، بمعنى: فاعَلْتُ، من الرِّعْيةِ، وهي [الرِّقْبةُ والكَلاءةُ] (٣).
والآخرُ، بمعنى إفراغِ السمعِ، بمعنى: أَرْعَيْتُه سمعى.
وأما "راعَيْتُ" بمعنى: "خالَفْتُ"، [فما لا] (٤) وجهَ له مفهومٌ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ قَرأ ذلك بالتنوينِ، ثم وَجَّهه إلى معنى الرُّعُونةِ والجهلِ والخطأ، على النحوِ الذي قال في ذلك عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ، فيكونُ لذلك -وإن كان مخالفًا قراءةَ القَرَأةِ- معنى مفهومٌ حينئذٍ.
وأما القولُ الآخرُ الذي حُكِيَ عن عطيةَ ومَن حُكِيَ ذلك عنه أن قولَه: ﴿رَاعِنَا﴾.
كانت كلمةً لليهودِ بمعنى السبِّ والسخريةِ، فاستعملَها المؤمنون أَخْذًا منهم ذلك عنهم، فإن ذلك غيرُ جائزٍ في صفةِ المؤمنين أن يأخُذوا مِن كلامِ أهلِ الشركِ كلامًا لا يَعْرِفون معناه، ثم يَسْتعملُونه بينهم وفي خطابِ نبيِّهم ﷺ.
ولكنه جائزٌ أن يكونَ ذلك كما (٥) رُوِى عن قتادةَ، أنها كانت كلمةً صحيحةً مفهومةً من كلامِ العربِ، وافقَتْ كلمةً من كلامِ اليهودِ بغيرِ اللسانِ العربيِّ، هي عند اليهودِ سَبٌّ، وهي عند العربِ: أَرْعِني سمعَك وفرِّغْه لي (١)؛ لتَفْهَمَ عني.
فعلَّم اللهُ جلَّ ثناؤُه معنى اليهودِ في قيلِهم ذلك للنبيِّ ﷺ، وأن معناها منهم خلافُ معناها في كلامِ العربِ، فنَهَى اللهُ ﷿ المؤمنين عن قيلِها للنبيِّ ﷺ، لئلا يَجْتَرِئَ مَن كان معناه في ذلك غيرَ معنى المؤمنين فيه، أن يُخاطِبَ رسولَ اللهِ ﷺ به.
وهذا تأويلٌ لم يَأْتِ الخبرُ بأنه كذلك مِن الوجهِ الذي تقومُ به الحجةُ.
وإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بتأويلِ الآيةِ ما وصَفْنا، إذ كان ذلك هو الظاهرَ المفهومَ بالآيةِ دون غيرِه.
وقد حُكِيَ عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (لا تقولوا راعنًا) (٢).
بالتنوينِ، بمعنى: لا تقولوا قولًا راعنًا.
من الرُّعونةِ، وهي الحُمْقُ والجهلُ.
وهذه قراءةٌ لقَرأةِ المسلمين مخالِفةٌ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ القراءةُ بها، لشذوذِها وخروجِها من قراءةِ المتقدِّمين والمتأخِّرين، وخلافِها ما جاءت به الحجّةُ من المسلمين.
ومن نَوَّن (راعنًا) نَوَّنه بقولِه: ﴿لَا تَقُولُوا﴾، لأنه حينئذٍ عاملٌ فيه، ومن لم يُنَوِّنْه فإنه تَرَك تنوينَه لأنه أمرٌ مَحْكِيٌّ؛ لأن القومَ كأنهم كانوا يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا.
بمعنى مَسألتِه؛ إمّا أن يُرْعِيَهم سمعَه (٣)؛ وإمّا أن يرعاهم ويَرْقُبَهم -على ما قد بَيَّنْتُ فيما مضَى- فقيل لهم: لا تقولُوا في مسألتِكم إياه: ﴿رَاعِنَا﴾.
فتكونُ الدلالةُ على معنى الأمر في ﴿رَاعِنَا﴾ حينئذٍ سقوطَ الياءِ التي كانت تكونُ في "راعَيتُه" (٤)، ويدلُّ عليها -أَعنى على الياءِ الساقطةِ- كسرةُ العينِ مِن ﴿رَاعِنَا﴾.
وقد ذُكر أن (١) قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (لا تقولوا راعونا) (٢).
بمعنى حكايةِ أميرٍ (٣) صالحةٍ لجماعةٍ بمراعاتِهم (٤).
فإن كان ذلك من قراءتِه صحيحًا، وُجِّه (٥) أن يكونَ القومُ كأنهم نُهُوا عن استعمالِ ذلك بينهم في خطابِ بعضِهم بعضًا، كان خطابُهم للنبيِّ ﷺ أو لغيرِه، ولا نعلمُ ذلك صحيحًا من الوجهِ الذي تصحُّ منه الأخبارُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
يعني بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: وقولوا أيها المؤمنون لنبيِّكم ﷺ: انتظِرْنا وارقُبْنا، نَفْهَمْ ونتبيَّنْ ما تقولُ لنا وتُعلِّمُنا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: فقِّهْنا (٦)، بَيِّنْ لنا يا محمدُ (٧).
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾: أفْهِمْنا، بَيِّنْ لنا يا محمدُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
يقالُ منه: نظَرْتُ الرجلَ، أَنظُرُه نَظِرةً.
بمعنى: انتظرْتُه ورقَبْتُه.
ومنه قولُ الحُطَيئةِ (١): وقد نَظَرْتُكُمُ [أعْشاءَ صادِرَةٍ] (٢) … للخِمْسِ (٣) طالَ بها حَوْزِي (٤) وتَنْساسِي (٥) ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].
يَعنى به: انتظِرُونا.
[وقد قُرِئ: (أنظِرونا نَقتَبِسْ من نُورِكم) (٦).
يعنى به: انْتَظِرونا.
وقد قُرِئَ: (أنظِرونا)] (٧).
وقد قرِئ: (أنظِرْنا) (٨).
بقطْعِ الألفِ في الموضِعَيْن جميعًا.
فمَن قَرأ ذلك كذلك، أراد: أَخِّرْنا.
كما قال جلَّ ثناؤُه ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: ٧٩].
أي: أخِّرْني.
ولا وجهَ لقراءةِ ذلك كذلك في هذا الموضعِ؛ لأن أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ إنما أُمِروا بالدنوِّ من رسولِ اللهِ ﷺ، والاستماعِ منه، وإلطافِ الخطابِ له، وخَفْضِ الجناحِ، لا بالتأخُّرِ عنه، ولا بمسألتِه تأخيرَهم عنه.
فالصوابُ -إذ كان ذلك كذلك- من القراءةِ، قراءةُ مَن وصَل الألفَ من قولِه: ﴿انْظُرْنَا﴾ ولم يَقْطَعْها، بمعنى: انتظِرْنا.
وقد قيل: إن معنى: (أَنْظِرْنا) بقطعِ الألفِ بمعنى: أَمْهِلْنا.
حُكِي عن بعضِ العربِ سماعًا: أَنْظِرْني أكلِّمْك.
وذكَر سامعُ ذلك من بعضِهم أنه استَثْبته في معناه، فأخبرَه أنه أراد: أَمْهِلْني.
فإن لم (١) يكُنْ ذلك صحيحًا عنهم، فـ "انظُرْنا" و"أَنظِرْنا"، بقطعِ الألفِ ووصلِها متقاربتا المعنى، غير أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن القراءةَ التي لا (٢) أستجيزُ غيرَها قراءةُ مَن قرَأه: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
بوصلِ الألِفِ، بمعنى: انتظِرْنا.
لإجماعِ الحجةِ على تصويبِها، ورفضِهم غيرَها من القراءاتِ [في ذلك] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم، ويُتْلَى عليكم من كتابِ ربِّكم، وعُوه وافهمُوه.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَاسْمَعُوا﴾: اسمَعُوا ما يقالُ لكم (٤).
فمعنى الآيةِ إذن: يأيُّها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيِّكم: راعِنا سمعَك وفرِّغْه لنا، نَفْهَمْك وتَفْهَمْ عنا ما نقولُ، ولكن قولوا: انتظِرْنا وتَرَقَّبْنا حتى نَفهمَ عنك ما تُعلِّمُنا وتبينُه لنا.
واسمَعوا منه ما يقولُ لكم فعُوه واحفظُوه وافهمُوه.
ثم أخبرَهم جل ثناؤُه أن لمن جحَد منهم ومِن غيرِهم آياتِه، وخالفَ أمرَه ونَهْيَه، وكذَّب برسولِه -العذابَ الموجعَ في الآخرةِ، فقال: وللكافرين بي وبرسولي عذابٌ أليمٌ.
يعنى بقولِه: "الأليم".
الموجِعَ.
وقد ذكَرْنا الدلالةَ على ذلك فيما مضَى قبلُ وما فيه مِن الآثارِ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿مَا يَوَدُّ﴾: ما يُحِبُّ.
أي: ليس يَوَدُّ (١) كثيرٌ مِن أهلِ الكتابِ.
يقالُ منه: وَدَّ فلانٌ كذا، يَوَدُّ، وُدًّا ووَدًّا ووِدًّا (٢) ومَودَّةً.
وأما "المشركون" فإنهم في موضعِ خَفْضٍ بالعطفِ على "أهلِ الكتابِ".
ومعنى الكلامِ: ما يَوَدُّ (٣) الذين كفروا من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين أن يُنَزَّلَ عليكم من خيرٍ من ربِّكم.
وأما "أنْ" في قولِه: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ فنُصِب بقولِه: ﴿يَوَدُّ﴾.
وقد دلَّلْنا على (٥) دخولِ "مِن" فى قولِه: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾.
وما أَشبهَ ذلك من الكلامِ الذي يكونُ في أولِه جَحْدٌ فيما مضَى، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٦).
فتأويلُ الكلامِ: ما يحبُّ الكافرون من أهلِ الكتابِ ولا من (٤) المشركين باللهِ من عَبَدَةِ الأوثانِ، أن يُنَزِّلَ اللهُ (٤) عليكم شيئًا (٤) مِن الخيرِ الذي [هو عندَه.
والخيرُ الذي كان] (٧) اللهُ يُنزِّلُه عليهم فتَمنَّى المشركون، وكَفَرةُ أهلِ الكتابِ ألَّا يُنَزِّلَه (٨) اللهُ عليهم -الفرقانُ وما أوحاه إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ من حُكْمِه وآياتِه، وإنما أحبَّتِ اليهودُ وأتباعُهم مِن المشركين ذلك حسدًا وبَغْيًا منهم على المؤمنين.
وفى هذه الآيةِ دلالةٌ بَيِّنةٌ على أنَّ اللهَ ﵎ نَهَى المؤمنين عن الرُّكونِ إلى أعدائِهم من أهلِ الكتابِ والمشركين، والاستماعِ من قولِهم، وقَبولِ شيءٍ مما يَأتونهم (١) به على وجهِ النصيحةِ لهم منهم، بإطْلاعِه جلّ ثناؤُه إياهم على ما يَستبطِنُه لهم أهلُ الكتابِ والمشركون مِن الضِّغْنِ والحسدِ، وإن أظهَرُوا بألسنتِهم خلافَ ما هم [مُستبطِنوه لهم] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ واللَّهُ يختصُّ مَن يشاءُ لنبوَّتِه ورسالاتِه، فيُرسِلُه إلى من يشاءُ من خلقِه، ويتفضّلُ بالإيمانِ به (٣) على مَن أحبَّ فيَهْديه له.
واختصاصُه إياهم بها، إفرادُهم (٤) بها دونَ غيرِهم من خلقِه.
وإنما جعَل اللهُ رسالتَه إلى من أرسَل إليه من خلقِه، وهدايَتَه مَن هدَى من عبادِه رحمةً (٥) منه له؛ ليُصَيِّرَه بها إلى رضاه ومحبتِه، وفوزِه بها بالجنةِ، واستحقاقِه بها ثناءَه (٦)، وكلُّ ذلك رحمةٌ من اللهِ له.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
فإنه خبرٌ من اللهِ [جل ثناؤُه] (٧) [عن أن كلَّ خيرٍ ناله عبادُه فى دينِهم ودنياهم، فإنه مِن عندِه ابتداءً، وتفضُّلًا منه عليهم من غيرِ استحقاقٍ منهم ذلك عليه.
وفي قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
تعريضٌ مِن اللهِ] (١) تعالى ذِكرُه بأهلِ الكتابِ أن الذى آتى نبيَّه محمدًا ﷺ والمؤمنين به من الهدايةِ تَفَضُّلٌ (٢) منه، وأن نعمَه لا تُدْرَكُ بالأمانيِّ، ولكنها مواهبُ منه يَختصُّ بها مَن يشاءُ من خلقِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
[ما ننقُلْ مِن حكمِ آيةٍ] (٣) إلى غيرِه، فنغيِّرْه ونبدِّلْه.
وذلك أن يحوِّلَ الحلالَ حرامًا، والحرامَ حلالًا، والمباحَ محظورًا، والمحظورَ مباحًا.
ولا يكونُ ذلك إلَّا في الأمرِ والنهىِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنعِ والإباحةِ.
فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها (٤) ناسخٌ ولا منسوخٌ.
وأصلُ النسخِ من نَسْخِ أصلِ (٥) الكتابِ، وهو نقلُه مِن نسخةٍ إلى أُخرَى غيرِها.
فكذلك معنى نَسْخِ الحكمِ إلى غيرِه، [إنما هو تحويلُه ونقلُ عبادِه (٦) عنه إلى غيرِه] (٧).
فإذ كان ذلك معنى نسخِ الآيةِ، فسواءٌ -إذا نُسِخَ حكمُها فغُيِّر وبُدِّل فرضُها، ونُقِل (٨) العبادُ عن اللازمِ كان لهم بها- [أُقِرَّ خطُّها] (٩) فتُرِك، أو مُحِىَ أثرُها فعُفِّىَ و (١) نُسِي، إذ هى حينئذٍ في كلتى حالتَيْها منسوخةٌ، والحُكْمُ الحادثُ المُبْدَلُ به الحكمُ الأولُ والمنقولُ إليه فرضُ العبادِ هو الناسخُ.
يقالُ منه: نسَخ اللهُ حكمَ (٢) آيةِ كذا وكذا، يَنْسَخُه نَسْخًا، والنُّسخةُ الاسمُ.
وبمثلِ الذى قلنا في ذلك كان الحسنُ البصرىُّ يقولُ (٣).
حَدَّثَنَا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا (٤) نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ قال (٥): أُقْرِئَ قرآنًا ثم نُسِّيَه، فلم يكنْ شيئًا، ومن القرآنِ ما قد نُسِخ وأنتم تقرءُونه (٦).
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: أما نسخُها فقبضُها (٧).
وقال آخرون بما حَدَّثَنِي به المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
ما نُبَدِّل من آيةٍ (٨).
وقال آخرون بما حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنهم قالوا: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
نُثْبِتْ خَطَّها، ونُبَدِّلْ حُكمَها (١).
وحَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
نُثْبِتْ خطَّهَا، ونُبَدِّلْ حكمَها.
حدِّثْت به عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ، حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنِي بكرُ بنُ شرودٍ (٢)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: نُثْبِتْ خطَّها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
اختَلف أهلُ القراءةِ في قراءةِ ذلك، فقرَأها قَرَأةُ أهلِ المدينةِ والكوفةِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٣).
ولقراءةِ مَن [قرأهَا كذلك] (٤) وجهانِ من التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ تأويلُه: ما نَنْسَخْ يا محمدُ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها أو نُنْسِكَها (٥) - وقد ذُكِر أنَّها في مصحفِ عبدِ اللهِ (ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسخْها) (١) - نجِئْ بمثلِها.
فذلك تأويلُ النسيانِ.
وبهذا التأويلِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾: كان ينسَخُ الآيةَ بالآيةِ بعدَها، ويقرأُ نبيُّ اللهِ ﷺ الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ (٢).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
قال: كان اللهُ تعالى ذِكْرُه يُنْسِى نبيَّه ﷺ ما شاء، ويَنْسَخُ ما شاء (٣).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها مِن عندِكم (٤).
حَدَّثَنَا سوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا (٥)﴾.
قال: إن نبيَّكم ﷺ أُقْرِئ قرآنًا ثم نُسِّيه.
وكذلك كان سعدُ بنُ أبى وقَّاصٍ [يتأوَّلُ الآيةَ] (٦)، [إلَّا أنه] (٧) كان يَقْرَؤها: (أو تَنْسَها (١)).
بمعنى الخطابِ لرسولِ الله ﷺ، كأنه عنَى: أو تَنْسَها أنت يا محمدُ.
ذكرُ الأخبارِ [عن ذلك] (٢) حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، عن القاسمِ بنِ ربيعةَ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يقولُ: (مَا نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها).
قال (٣): قلتُ له: فإن سعيدَ بنَ المُسَيِّبِ يقرؤُها: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
قال: فقال سعدٌ: إن القرآنَ لَمْ يَنْزِلْ على المُسَيِّبِ ولا على آلِ المسيَّبِ، قال اللهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦].
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٤) [الكهف: ٢٤].
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا يَعْلَى بنُ عطاءٍ، قال: حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ ربيعةَ بنِ قانفٍ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعتُ سعدَ بنَ أبى وقاصٍ يَذْكُرُ نحوَه (٥).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، [قال: حَدَّثَنَا ابنُ مهديٍّ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا] (٦) آدمُ العَسْقلانِيُّ، قالا جميعًا: حَدَّثَنَا شعبةُ، عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ ربيعةَ الثقفيَّ يقولُ: قلتُ لسعدِ بنِ أبي وقاصٍ: إنى سمعتُ ابنَ المُسَيِّبِ يَقْرَأُ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
فقال سعدٌ: إن اللهَ لَمْ يُنْزِلِ القرآنَ على المُسَيَّبِ ولا على ابنِه (١)، إنما هى: (ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ أو تَنْسَها) يا محمدُ.
ثم قرَأ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (٢).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نَرْفَعْها، وكان اللهُ تعالى ذكرُه أنْزَل أمورًا مِن القرآنِ ثم رفَعها (٣).
والوجهُ الآخَرُ منهما، أن يكونَ بمعنى التركِ، مِن قولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
يعنى به: ترَكوا اللهَ فترَكهم.
فيكونُ تأويلُ الآيةِ حينئذٍ على هذا التأويلِ: ما نَنْسَخْ مِن آيةٍ فنُغَيِّرْ حكمَها، [أو نتْرُكْها ولا نُغيِّرْ حُكمَها] (٤) ولا (٥) نُبَدِّلْ فرضَها، نأتِ بخيرٍ مِن التى نسَخْناها أو مثلِها.
وعلى هذا التأويلِ تأوَّل ذلك (٥) جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
يقولُ: أو نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها (٦).
حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَتْرُكْها لا نَنْسَخْها (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
قال: الناسخُ والمنسوخُ (٢).
قال: وكان عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ يقولُ في ذلك بما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
قال: نَمْحُها.
وقرَأ ذلك آخَرون: (أو نَنْسَأْها) (٣).
بفتحِ النونِ وهمزةٍ بعدَ السينِ، بمعنى: نُؤَخِّرْها.
مِن قولِك: نسَأْتُ هذا الأمرَ أَنْسَؤُه نَسْأً ونَساءً، إذا أخَّرْتَه.
وهو مِن قولِهم: بعتُه بنسَاءٍ.
يعنى: بتَأخيرٍ.
ومِن ذلك قولُ طَرَفَةَ بنِ العَبْدِ (٤): لَعَمْرُك إنَّ المَوْتَ ما أنسَأَ (٥) الفَتَى … لَكَالطِّوَلِ (٦) المُرْخَى وثِنْياهُ باليَدِ يعنى بقولِه: أَنْسَأ.
أخَّر.
ومِمَّن قرَأ ذلك كذلك (٧) [جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين، وقرَأه] (٨) جماعةٌ مِن قرأَةِ المكِّيين (١) والبصريين.
وتأوَّله كذلك جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو نَنْسأْها (٢)).
قال: نُؤَخِّرْها (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: (أو نَنْسَأْهَا).
قال: نُرْجِئْها (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (أو نَنْسَأْهَا): نُرْجِئْها ونُؤَخِّرْها (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ: (أو نَنْسَأْهَا) قال: نُؤَخِّرْها فلا نَنْسَخْها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، عن عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ: (أو نَنْسَأْهَا): إرجاؤُها [وتأخِيرُها] (٦).
هكذا حدَّثنا القاسمُ: عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، عن عُبيدٍ الأزْدِىِّ، وإنما هو: عن علىٍّ الأزدىِّ.
حدَّثنى أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ كثيرٍ، عن علىٍّ الأزدِىِّ، عن عُبيْدِ بنِ عُمَيْرٍ أنه قَرأها: (أو نَنْسَأْهَا) (١).
قال: فتأويلُ مَن قَرأ ذلك كذلك: ما نُبدِّلْ مِن آيةٍ أنزَلناها إليك يا محمدُ، فنبطِلْ حُكْمَها ونُثْبِتْ خَطَّها، أو نُؤخِّرْها فَنُرْجِئْها ونُقِرَّها فلا نُغَيِّرْها ولا نُبطِلْ حُكْمَها، نأتِ بخيرٍ مِنها أو مِثلِها.
وقد قرأَ بعضُهم ذلك: (مَا نَنْسَخْ من آيةٍ أو تُنْسَها (٢)).
وتأويلُ هذه القراءةِ نظيرُ تأويلِ قراءةِ (٣) مَن قرأَ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
إلا أن معنى: [﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: أو نُنْسِكَها يا محمدُ نحن.
مِن: أَنْسَاه اللهُ يُنْسِيه.
ومعنَى مَن قرأَ: (أو تُنْسَها)] (٤).
أو تنْسَها أنتَ يا محمدُ.
وقد قرَأ بعضُهم: (مَا نُنْسِخْ (٥) من آيةٍ).
بضَمِّ النونِ وكَسْرِ السِّينِ.
بمعنَى: ما نُنْسِخْكَ يا محمدُ نحنُ مِن آيةٍ.
مِن: أَنْسَختُكَ فأنا أُنْسِخُك.
قال: وذلك خطأٌ مِن القِراءةِ عندَنا، لخروجِه عما جاءتْ به الحجّةُ مِن القرأَةِ (٦) بالنقلِ المستفيضِ.
وكذلك قراءةُ مَن قَرَأ: (تَنْسَها) أو (تُنْسَها).
لشذوذِها وخروجِها عن القراءةِ التى جاءتْ بها الحجةُ مِن قرأَةِ الأمةِ.
وأولى القراءاتِ في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
بالصوابِ، قراءةُ مَن قرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
بمعنى: نَترُكْها؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ نبيَّه ﷺ أنه مهما بدَّل حُكمًا أو غيَّرَه، أو لم يبدِّلْه ولم يغيِّرْه، فهو آتِيه بخيرٍ منه أو بمثلِه.
فالذى هو أوْلَى بالآيةِ إذ كان ذلك معناها، أن يكونَ إذ قدَّم الخبرَ عما هو صانعٌ (١) إذا هو غيَّر وبدّل حكمَ آيةٍ - أن يُعقِّبَ ذلك بالخبَرِ عما هو صانِعٌ إذا هو لم يُبدِّلْ ذلك ولم يُغيِّرْ.
والخبرُ الذى يجِبُ أن يكونَ عَقيبَ قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
قولُه: أو نَترُكْ نَسْخَها.
إذ كان ذلك المعروفَ الجارِىَ في كلامِ الناسِ، مع أن ذلك إذا قُرِئَ كذلك بالمعنى الذى وَصَفتُ، فهو يَشتَمِلُ على معنَى الإنْساءِ الذى هو بمعنى التَّرْكِ، ومعنى النَّسْءِ (٢) الذى هو بمعنَى [التَّرْكِ.
ومعنى النَّسْءِ الذى هو بمعنَى] (٣) التأخيرِ، إذ كان كلُّ متروكٍ فمؤخَّرٌ فى (٤) حالِ ما هو متروكٌ.
وقد أنكَر قومٌ قراءةَ مَن قرأ: (أوْ تَنْسها).
إذا عنَى به النسيانَ.
وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ نَسِى مِن القرآنِ شيئًا مما نُسِخَ (٥)، إلا أن يكونَ نَسِى منه شيئًا ثم ذكَره.
قالوا: وبعدُ، فإنه لو نَسِى منه شيئًا لم يكنِ الذين قَرءُوه وحَفِظوه مِن أصحابِه بجائزٍ على جميعِهم أن يَنْسَوه.
قالوا: وفى قولِ اللهِ جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦].
ما يُنْبِئُ عن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه لم يُنْسِ نبيَّه شيئًا (١) آتاه مِن العلمِ.
قال أبو جعفرٍ: وهذا قولٌ يَشهَدُ على بُطُولِه وفسادِه الأخبارُ المتظاهِرَةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه بنحوِ الذى (٢) حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا أنسُ بنُ مالكٍ: إنَّ أولئكَ السَّبْعِين مِن الأنصارِ الذين قُتِلوا ببئرِ مَعُونةَ (٣) قرَأْنا بهم وفيهم كتابًا: (بَلِّغوا عنَّا قَوْمَنا أنَّا لَقِينا ربَّنا فرَضِىَ عنَّا وأرْضَانا).
ثم إن ذلك رُفِعَ (٤).
فالذى ذُكِرَ (٥) عن أبى موسى الأشعَرىِّ أنهم كانوا يَقْرءون (٦): (لو أن لابنِ آدمَ واديين مِن مَالٍ لابتغى لهما ثالثًا، ولا يَمْلأُ جوفَ ابنِ آدمَ إلا الترابُ، ويَتوبُ اللهُ على مَن تابَ) (٧).
ثم رُفِعَ.
وما أشْبَهَ ذلك مِن الأخبارِ التى يَطُولُ بإحْصائِها الكتابُ.
وغيرُ مستحيلٍ في فِطْرةِ ذِى عقلٍ صحيحٍ، ولا بحُجةِ خبرٍ، أن يُنْسِىَ اللهُ نبيَّه ﷺ بعضَ ما قد كان أنزَله إليه، فإذا كان ذلك غيرَ مستحيلٍ مِن أحدِ هذين الوجهين، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ: ذلك غيرُ جائزٍ.
وأما قولُه: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
فإنه جل ثناؤُه لم يُخْبِرْه أنه لا يَذْهَبُ بشيءٍ منه، وإنما أخبرَه أنه لو يشاءُ لذَهَب بجَميعِه، فلم يَذْهَبْ به، والحمدُ للهِ، بل إنما ذَهَب منه (١) بما (٢) لا حاجةَ بهم إليه منه، وذلك أن ما نَسَخ منه فلا حاجةَ بالعبادِ إليه، وقد قال اللهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾ [الأعلى: ٦، ٧].
فأخبرَ أنه يُنْسِى نبيَّه منه ما شاء.
فالذى ذَهَب منه الذى اسْتَثْناه اللهُ.
فأما نحن، فإنما اخْتَرنا ما اخْتَرنا مِن التأويلِ طَلَبَ اتِّساقِ الكلامِ على نظامٍ في المعنى، لا إنكارَ أن يكونَ اللهُ تعالى ذِكرُه قد كان أنسى (٣) نبيَّه بعضَ ما نَسَخ مِن وحيِه إليه وتنزيلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾.
فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
يقولُ: خيرٍ لكم في المنفعةِ وأرفقَ بكم (٤).
وقال آخرون بما حدَّثنى به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
يقولُ: آيةٍ فيها تَخْفِيفٌ، فيها رُخْصَةٌ (٥)، فيها أَمْرٌ، فيها نَهْىٌ (٦).
وقال آخرون: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، أو بخيرٍ مِن التى تَرَكْناها فلم نَنْسَخْها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾.
يقولُ: نأتِ بخيرٍ مِن التى نَسَخْناها، ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ أو مثلِ التى تَركْناها (١).
فالهاءُ والألفُ اللتان في: ﴿مِنْهَا﴾ عائدتان -على هذه المقالةِ- على الآيةِ في قولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾.
والهاءُ والألفُ اللتان في قول: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ عائدتان على الهاءِ والألفِ اللتين في قولِه: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾.
وقال آخرون بما حدَّثنى به المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان عُبيدُ بنُ عُميرٍ يقولُ: ﴿نُنْسِهَا﴾: نرفعْها مِن عندِكم، فنأْتى (٢) بمثلِها أو خيرٍ منها (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾: نَرْفعْها، نأتِ بخيرٍ منها أو بمثلِها (٤).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ شرودٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أصحابِ ابنِ مسعودٍ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ في معنى ذلك عندَنا: ما نُبَدِّلْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُغَيِّرْه، أو نَتْرُكْ تَبْدِيلَه فنُقِرَّه بحالِه، نَأْتِ بخيرٍ (١) لكم مِن حُكْمِ الآيةِ التى نَسَخْنا فغَيَّرنا حُكْمَها، إما في العاجلِ؛ لخِفَّتِه عليكم، مِن أجلِ أنه وَضْعُ فَرْضٍ كان عليكم، فأُسْقط ثِقَلُه عنكم، وذلك كالذى كان على المؤمنين مِن فَرْضِ قيامِ الليلِ، ثم نُسِخ ذلك فوضِع عنهم، فكان (٢) خيرًا لهم في عاجلِهم، لسقوطِ عِبْءِ ذلك وثقلِ حِمْلِه عنهم، وإما في الآجلِ؛ لعِظَمِ ثوابِه مِن أجلِ مَشَقَّةِ حملِه، وثِقَلِ عِبْئِهِ على الأبدانِ.
كالذى كان عليهم مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ في السنةِ، فنُسِخَ وفُرِضَ عليهم مكانَه صومُ شهرٍ كاملٍ في كلِّ حَوْلٍ.
فكان فَرْضُ صومِ شهرٍ كاملٍ كلَّ سنةٍ أثقلَ على الأبدانِ مِن صيامِ أيامٍ مَعْدوداتٍ، غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك، فالثوابُ عليه أجْزَلُ، والأجرُ عليه أكثرُ؛ لفَضْلِ مَشَقَّتِه على مُكَلَّفيه مِن صومِ أيامٍ معدوداتٍ بذلك (٣)، وإن كان على الأبدانِ أشقَّ، فهو خيرٌ مِن الأوَّلِ في الآجلِ؛ لفضلِ ثوابِه وعِظَمِ أجْرِه الذى لَمْ يكنْ مثلُه لصومِ الأيامِ المعدوداتِ.
فذلك معنى قولِه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا﴾.
لأنه إما بخيرٍ منها في العاجلِ لخِفَّتِه على مَن كُلِّفَه، أو في الآجلِ لعِظَمِ ثوابِه وكثرةِ أجرِه.
أو يكونُ مِثلَها في المشقَّةِ على البدنِ، واستواءِ الأجرِ والثوابِ عليه، نَظِيرَ نسخِ اللهِ تعالى ذِكْرُه فرضَ الصلاةِ شَطْرَ بيتِ المقدسِ إلى فرضِها شطرَ المسجدِ الحرامِ.
فالتوجُّهُ شَطْرَ بيتِ المقدسِ وإن خالَف التوجهَ شطرَ المسجدِ الحرامِ (٤)، فكُلْفةُ مؤنةِ (٥) التوجهِ [شطرَ أيِّهما توجَّه] (٦) شطرَه (١) المُتوجِّهُ (٢) - واحدةٌ؛ لأنَّ الذى على المتوجِّهِ شطرَ البيتِ المقدَّسِ مِن مُؤْنةِ تَوجُّهِه شطرَه، نَظِيرُ الذى على بدنِه (٣) من (٤) مؤنةِ توجُّههِ شطرَ الكعبةِ سواءٌ.
فذلك هو معنى المِثْلِ الذى قال جل ثناؤُه: ﴿أَوْ مِثلِهَا﴾.
وإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾: ما نَنْسَخْ مِن حكمِ آيةٍ أو نُنْسِه.
غيرَ أن المُخَاطبين بالآيةِ لمَّا كان مفهومًا عندَهم معناها، اكتَفى بدَلالةِ ذكرِ الآيةِ مِن ذِكْرِ حُكْمِها.
وذلك نظيرُ سائرِ ما ذَكَرنا مِن نظائرِه فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا، كقولِه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
بمعنى: حُبَّ العجلِ.
ونحوِ ذلك (٥).
فتأويلُ الآيةِ إذن: ما نُغيِّرْ مِن حُكْمِ آيةٍ فنُبَدِّلْه، أو نَتْرُكْه فلا نُبَدِّلْه، نَأْتِ بخيرٍ لكم منه (٦) -أيها المؤمنون- حُكْمًا منها، أو مِثْلِ حُكْمِها، في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، والأجرِ والثوابِ.
فإن قال قائلٌ: فإنا قد عَلِمنا أن العِجْلَ لا يُشْرَبُ (٧) القلوبَ، وأنه لا يَلْتَبِسُ على مَن سمِع قولَه: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
أن معناه؛ وأُشْرِبوا في قلوبِهم حبَّ العجلِ.
فما الذى يَدُلُّ على أنَّ قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ لذلك نظيرٌ؟
قيل: الذى دلَّ على أن ذلك كذلك قولُه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن القرآنِ شيءٌ خيرًا مِن شيءٍ، لأنَّ جميعَه كلامُ اللهِ، ولا يجوزُ في صفاتِ اللهِ تعالى ذِكرُه أن يقالَ: بعضُها أفضلُ مِن بعضٍ، أو (١) بعضُها خيرٌ مِن بعضٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ أنى قادرٌ على تعويضِك ممَّا نسَختُ مِن أحكامي، وغيَّرْتُه مِن فرائضِى التى كنتُ افتَرضْتُها عليك، ما أشاءُ ممَّا هو خيرٌ لك ولعبادى المؤمنين معك، وأنفعُ لك ولهم، إمَّا عاجلًا في الدنْيا، وإمَّا آجِلًا في الآخرةِ، أو بأن أبدِّلَ لكَ ولهم مكانَه مثلَه في النفعِ لهم، عاجلًا في الدنْيا وآجلًا في الآخِرَةِ، وشَبيهَه في الخِفَّةِ عليك وعليهم؟
فإنى -فاعلَمْ يا محمدُ- على ذلك وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ومعنى قولِه: ﴿قَدِيرٌ﴾.
في هذا الموضعِ: قَوىٌّ.
يقالُ منه: قد قدَرْتُ على كذا وكذا -إذا قوِيتَ عليه- أقدِرُ عليه، وأَقْدُرُ عليه، قُدْرَةً وقِدْرانًا ومَقْدِرَةً.
وبنو مُرَّةَ مِن غَطَفَانَ تقولُ خاصةً (٢): قدِرتُ عليه.
بكسرِ الدالِ.
فأمَّا مِن التقديرِ مِن قولِ القائلِ: قدَرتُ الشيءَ.
فإنه يقالُ منه: قدَرتُه أقْدُرُه قَدْرًا وقدَرًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَعلَمُ أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأن اللهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل له ذلك؟
قيل: بَلَي، فقد كان بعضُهم يقولُ: إنما ذلك مِن اللهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن محمدًا ﷺ قد علِم ذلك، ولكنه (١) أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه العربُ في خطابِ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أُكْرِمْك، ألم أُفْضِلْ (٢) عليك.
بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل (٣) عليه.
يُرِيدُ: أليس قد أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ (٤) عليك.
بمعنى: قد علِمتَ ذلك.
قال: وهذا قولٌ (٥) لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾.
إنما معناه: أمَا عَلِمتَ.
وهو حَرْفُ جَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ في الكلامِ؛ إمَّا بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفىِ، فأمَّا بمعنى الإثباتِ، فذلك غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفِ الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندي، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، فإنما هو مَعْنِيٌّ به أصحابُه الذين قال لهم (٦) اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾.
والذى يَدُلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
فعاد بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ ﷺ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
لأنَّ المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِه، وذلك مِن كلامِ العربِ مستفيضٌ بينهم فصيحٌ، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم (١) كلامَه على وجهِ الخطابِ منه لبعضِ الناسِ، وهو قاصدٌ به غيرَه، وعلى وجهِ الخطابِ لواحدٍ، وهو يَقْصِدُ به جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ (٢) المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ (٣) الخطابِ للجماعةِ والمقصودُ به أحدُهم، مِن ذلك قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢].
فرجَع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَأ (٤) الكلامَ بخطابِ النَّبِيِّ ﷺ.
ونظيرُ ذلك قولُ الكُمَيْتِ بنِ زيدٍ في مدحِ رسولِ اللهِ ﷺ (٥): إلى السِّراجِ المُنِيرِ أحْمَدَ لا … يَعْدلُنِى رَغْبَةٌ وَلا رَهَبُ عنه إلى غَيرِه ولو رَفَعَ النَّـ … ـاسُ إلىَّ العُيُونَ وارْتَقَبُوا وقِيلَ أفْرَطْتَ بل قَصَدْتُ ولو … عَنَّفَنى القائِلُونَ أَوْ ثَلَبُوا (٦) لَجَّ بتَفْضِيلِكَ اللِّسانُ ولو … أُكْثِرَ فيك الضِّجَاجُ واللَّجَبُ (٧) أنتَ المُصَفَّى (٨) المَحْضُ المُهَذَّبُ فى النِّـ … ـسْبَةِ إنْ نَصَّ (٩) قَوْمَك النَّسَبُ فأخرَجَ كلامَه على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، وهو قاصدٌ بذلك أهلَ بيتِه.
فكنَى عن وصفِهم ومدحِهم بذكرِ النَّبِيِّ ﷺ، وعن بنى أُمَيَّةَ بالقائلين المُعَنِّفينَ؛ لأنه معلومٌ أنه لا أحدَ يُوصَفُ [من المسلمين] (١) بتعنيفِ مادحِ النَّبِيِّ ﷺ وتفضيلِه، ولا بإكثارِ الضِّجاجِ واللَّجَبِ في إطنابِ القِيلِ بفضلِه.
وكما قال جَمِيلُ (٢) بنُ مَعْمَرٍ (٣): ألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِحُ … دَعَتْهُم دَواعٍ مِن هَوًى ومَنادِحُ (٤) فقال: ألا إن جيرانى العشيةَ.
فابْتَدَأ الخبرَ عن جماعةِ جيرانِه، ثم قال: رائحُ؛ لأن قصْدَه في ابتدائِه ما ابْتَدَأ (٥) مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم.
وكما قال جَمِيلٌ أيضًا في كلمتِه الأُخرَى (٦): خَلِيليَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُما … قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِى وهو يُريدُ قاتلتَه (٧)؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفِ (٨) الرجلِ عنها وهو يَعْنِيها.
فكذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وإن كان ظاهرُ الكلامِ على وجهِ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، فإنه مقصودٌ به قصدُ أصحابِه، وذلك بيِّنٌ بدلالةِ قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآياتِ الثلاث بعدَها، على أنَّ ذلك كذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ولم يقُلْ: مِلكُ السماواتِ.
فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن المملكةِ التى هى مملكةُ سلطانٍ، قالت: ملَك اللهُ الخلقَ مُلْكًا.
وإذا أرادت الخبرَ عن المِلْكِ قالت: ملَك فلانٌ هذا الشئَ، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةً ومَلْكًا.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لى مُلكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما دونَ غيرِي، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ (١)، وآمُرُ فيهما وفيما فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التى أحْكُمُ بها في عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ.
وهذا الخبرُ وإن كان مِن اللهِ ﷿ خطابًا لنبيه محمدٍ ﷺ على وجهِ الخبرِ عن عَظَمتِه، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نسْخَ أحكامِ التوراةِ، وجحَدوا نبوَّةَ عيسى ومحمدٍ (٢) صلى الله عليهما، لمجيئِهما بما جاءا به مِن عندِ اللهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللهُ مِن أحكامِ (٣) التوراةِ، فأخبَرهم اللهُ أن له مُلْكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، [وأنَّ] (٤) الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِه وطاعتِه، عليهم السمعُ له والطاعةُ لأمرِه ونهيهِ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ، ونسْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادُوا لأمرِي، وانْتَهُوا إلى طاعتِى فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرُكُ (٥)، فلا أنْسَخُ مِن أحكامى ولا (١) حُدُودِى وفرائضِى، ولا يَهِيدَنَّكم (٢) خلافُ مُخالفٍ لكم فى أمرِى ونهيى، وناسخِى ومنسوخِى، فإنه لا قَيِّمَ بأمرِكم (٣) سواىَ، ولا ناصِرَ (٤) لكم غيرى، وأنا المنفردُ بوَلايتِكم والدفاعِ عنكم، والمتوحِّدُ بنُصْرَتِكم بعزَّتى وسُلطانى وقوَّتى على مَن ناوَأَكم وحادَّكم، ونصَب حَرْبَ العداوةِ بينَه وبينَكم، حتى أُعْلِىَ حُجَّتَكم، [وأجعلَها عليهم] (٥) لكم.
و"الوَلىُّ" (٦) فَعِيلٌ، مِن قولِ القائلِ: وَلِيتُ أمرَ فلانٍ.
إذا صِرْتَ قيِّمًا به، فأنا أَلِيه، وهو (٧) وَلِيُّه وقَيِّمُه.
ومِن ذلك قِيل: فلانٌ ولىٌّ عهدِ المسلمين.
يعنى به القيِّمَ بما عُهِد إليه مِن أمرِ المسلمينِ.
وأمَّا "النصيرُ"، فإنه فَعِيلٌ، مِن قولِك: نصَرتُك أنصرُك، فأنا ناصرُك ونصيرُك.
وهو المُؤَيِّدُ والمُقَوِّى.
وأمَّا معنى قولِه: ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فإنه: سِوَى اللهِ وبعدَ اللهِ.
ومنه قولُ أُمَيَّةَ بنِ أبي الصَّلْتِ (٨): يا نَفْسُ ما لَكِ دُونَ اللهِ مِن وَاقِى … ومَا عَلى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ باقى يُريدُ: ما لكِ سوى اللهِ وبعدَ اللهِ مَن يَقِيكِ المكارهَ.
فمعنى الكلامِ إذن: وليس لكم أيُّها المؤمنون بعدَ اللهِ مِن قَيِّمٍ بأَمْرِكم (١)، ولا نصيرٍ يؤَيِّدُكم ويقوِّيكم، فيُعِينَكم علَى أعدائِكم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى السببِ الذى مِن أجلِه أُنْزِلَت هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا: حدَّثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بنُ حُرَيْمِلَةَ ووهبُ بنُ زيدٍ لرسولِ الله ﷺ: ائتنا بكتابٍ تُنَزِّلُه علينا مِن السماءِ نَقْرَؤُه، وفجِّرْ لنا أنهارًا نَتَّبِعْك ونُصَدِّقْك.
فأَنْزَل اللهُ [فى ذلك مِن قولِهم] (٢): ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ الآية (٣).
وقال آخرون بما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: وكان موسى سئِل فقيل له: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ (٤).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسألت العربُ محمدًا ﷺ أن يأْتيَهم باللهِ (١) فيَرَوْنَه جهرةً (٢).
وقال آخَرون بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسأَلت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم (٣) الصَّفا ذهبًا، قال: "نعم، [وهو] (٤) لكم [كالمائدةِ لبَنِى] (٥) إسرائيلَ (٦) ".
فأبَوْا ورجَعوا (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: "نَعَمْ، [وهو] (٨) لكم كالمَائِدةِ لبَنى إسرائيلَ إن كفَرْتُم".
فأبَوْا ورجَعوا، فأَنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ] (١)، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟
فقال النبىُّ ﷺ: "اللهمَّ لا نَبْغِيها، [اللهمَّ لا نبغيها] (٢)، ما أعطَاكم اللهُ خيرٌ ممَّا أعطَى بنى إسرائيلَ؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ (٣) أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا فى الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا فى الآخرةِ، [وقد] (٤) أعْطاكم اللهُ خيرًا ممَّا أعْطى بنى إسرائيلَ، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ " [النساء: ١١٠].
قال: وقال: "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كَفَّاراتٌ لمَا بينَهنَّ".
وقال: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ".
فأنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ (٥).
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى معنى "أمْ" التى فى قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾.
فقال بعضُ البصريِّين: هى بمعنى الاستفهامِ، وتأويلُ الكلامِ: أتُرِيدون أن تسألوا رسولَكم؟
وقال آخَرُ (٦) منهم: هى بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلامِ، كأنك تَمِيلُ بها إلى أوَّلِه، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ (٧) نفسى.
قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم.
واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأَخْطَلِ (١): كَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بوَاسِطٍ … غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالَا وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين (٢): إن شِئتَ جعَلتَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ استفهامًا مُبتدأً (٣) على كلامٍ قد سبَقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣].
فجاءت "أمْ" وليس قبلَها استفهامٌ.
فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدَأٌ على كلامٍ قد سبَقه.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: "أم" فى المعنى تكونُ ردًّا (٤) على الاستفهامِ على جهتين: إحداهما، أن تُفَرِّقَ (٥) معنى "أىّ"، والأُخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ على جهةِ (٦) النَّسَقِ، والذى يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلامٌ ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلَّا بالألفِ أو بـ "هل".
قال: وإن شِئتَ قلتَ فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه، وهو فى قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى -على ما جاءتْ به الآثارُ التى ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟
وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ "أم" -وإن كانت "أم" أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا فى الاستفهامِ- لتقدُّمِ ما تقدَّمَها مِن الكلامِ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأً إذا تقدَّمَها سابقٌ مِن الكلامِ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهامٌ بها ولمَّا يتقدَّمْها كلامٌ.
[ونظيرُه] (١) قولُه جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾.
وقد تكونُ "أم" بمعنى "بل" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه "أىّ"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟
[يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ] (٢).
كما قال الشاعر (٣): فَوَاللهِ ما أَدْرِى أسَلْمَى [تَغَوَّلَتْ … أمِ النَّوْمُ] (٤) أمْ كُلٌّ إلىَّ حَبِيبُ يَعنى: بل كلٌّ إلىَّ حبيبٌ.
وقد كان بعضُهم يقولُ -مُنْكِرًا قولَ مَن زعَم أن "أم" فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلامِ، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه-: إن الأولَ خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ فى الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ فى الاستفهامِ، ولكن أدرَكه الشكُّ -بزَعمِه- بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ.
فإذ كان بمعنى (٥) "أم" ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلامِ: أتُريدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى (٦) مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم (١) ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان ممَّا يجوزُ فى حكمتِه (٢) إعطاؤُكُموه، فأعْطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما هلَك مَن كان قبلَكم مِن الأممِ التى سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إيَّاهم، فلمَّا أُعْطِيَتْ كفَرَت، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إعطاءِ اللهِ إيَّاها سُؤْلَها.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾: ومَن يَسْتَبْدِلْ، ﴿الْكُفْرَ﴾، ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللهِ وبآياتِه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به.
وقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ.
ولا أعرِفُ الشدةَ فى معانى الكفرِ، ولا الرخاءَ فى معنى الإيمانِ، إلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد -بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ فى هذا الموضعِ، وبتأويلِه الإيمانَ فى معنى الرخاءِ- ما أعَدَّ اللهُ للكفارِ فى الآخرةِ مِن الشدائدِ، وما أعَدَّ اللهُ لأهلِ الإيمانِ فيها مِن النعمِ (٣)، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرِ الخطابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٤)، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.
يقولُ: يَتَبَدَّلِ الشدَّةَ بالرخاءِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن (٢) أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثلِه.
وفى قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
دليلٌ واضحٌ على صحةِ (٣) ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
خطابٌ مِن اللهِ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سلَف منهم، ممَّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ اللهِ ﷺ لهم، فكرِهه اللهُ لهم، فعاتَبهم (٤) على ذلك، وأعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٍّ لهم، وحسَدٍ وبَغْىٍ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِهَ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن يَنْتَصِحوهم، وأخبرَهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه [باللهِ وبرسولِه] (٥) كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ أمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾.
فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ (٦).
وأصلُ الضلالِ عن الشئِ: الذهابُ عنه والجورُ (٧)، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الشئِ الهالكِ والشئِ الذى لا يُؤْبَهُ له، كقولِهم للرجلِ الخاملِ الذى لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، وقُلُّ بن قُلٍّ.
وكقولِ الأخطلِ فى الشئِ الهالكِ (١): كُنْتَ القَذَى فى مَوْجِ أَكْدَرَ (٢) مُزْبِدٍ … قَذَفَ الأَتِىُّ (٣) بِهِ فَضَلَّ ضَلالا يعنى: هلَك فذهَب.
والذى عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: فقد ذهَب عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه.
وأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ.
وأصلُ السواءِ الوَسَطُ.
ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى.
يعنى: وَسَطى.
وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ (٤): يا وَيْحَ أنْصَارِ النبىِّ ونَسْلِهِ … بَعْدَ المُغَيَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ يعنى بالسواءِ: الوسَطَ.
والعربُ تقولُ (٥): فى سواءِ الليلِ (٦).
يعنى: فى مُسْتَوى الليْلِ (٦).
وسواءُ الأرضِ مستواها عندَهم.
وأمَّا "السبيل"، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: ومَن يَسْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه الكفرَ، فيَرْتَدَّ عن دينِه، فقد جار عن منهجِ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ.
وهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ المُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن الطريقِ، والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللهِ الذى ارْتَضَاه لعبادِه، وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلًا (١) يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ بجِنانِه.
فجعَل جلَّ ثناؤه الطريقَ -الذى إذا ركِب مَحَجَّتَه السائرُ فيه، ولزِم وَسَطَه المجتازُ فيه، نجا وبلَغ حاجتَه، وأدرك طَلِبَتَه- لدِينِه الذى دعا إليه عبادَه مَثَلًا لإدراكِهم -بلزومِه واتِّباعِه- إدْراكَ (٢) طَلِباتِهم فى آخرتِهم، كالذى يُدْرِكُ اللازمُ محجَّةَ السبيلِ -بلزومِه إيَّاها- طَلِبَتَه مِن النجاةِ منها، والوصولِ إلى الموضعِ الذى أمَّه وقصَده.
وجعَل مثَلَ الجائرِ (٣) عن دِينِه، والحائدِ عن اتِّباعِ ما دعا (٤) إليه مِن عبادِه (٥) فى خَيْبَتِه (٦) ما رجا أن يُدْرِكَه بعمَلِه فى آخرتِه، وينالَ به فى مَعَادِه وذهابِه، عمَّا أمَّل مِن ثوابِ عملِه، وبُعْدِه به مِن ربِّه -مثلَ الجائرِ (٣) عن منهجِ الطريقِ، وقصدِ السبيلِ، الذى لا يزدادُ وُغُولًا فى الوجهِ الذى سلَكه، إلَّا ازدادَ مِن موضعِ حاجتِه بُعْدًا، وعن المكانِ الذى أمَّه وأرادَه نَأيًا.
وهذه السبيلُ التى أخبَرَ اللهُ عنها، أن مَن يَتَبَدَّلِ الكفرَ بالإيمانِ فقد ضلَّ سَواءها، هو (١) الصراطُ المستقيمُ، الذى أُمِرْنا بمسألتِه الهدايةَ (٢) له بقولِه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقد صَرَّح هذا القولُ مِن قولِ اللهِ جل ثناؤُه، بأن خطابَه بجميعِ هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وإن صرَف فى بعضِه الكلامَ إلى خطابِ النبىِّ ﷺ، إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين [من أصحابِه] (٣)، وعِتابٌ منه لهم، ونهىٌ عن انتصاحِ اليهودِ ونُظَرائِهم مِن أهلِ الشركِ، وقبولِ آرائِهم فى شيءٍ مِن أمورِ دينِهم، ودليلٌ على أنهم كانوا اسْتَعملوا، أو مَن اسْتَعمل منهم، فى [خطابِ ومسألةِ] (٤) رسولِ اللهِ ﷺ الجفاءَ، وما لم يكنْ له استعمالُه معَه، تأسِّيًا فى ذلك باليهودِ أو ببعضِهم، قال لهم ربُّهم ناهيًا لهم (٥) عن استعمالِ ذلك: لا تقولوا لنبيِّكم ﷺ كما تقولُ (٦) اليهودُ: راعِنا.
تأسِّيًا منكم بهم، ولكنْ قولوا: انْظُرْنا واسْمَعوا.
فإن أذَى رسولِ اللهِ ﷺ كفرٌ بى وجحودٌ لحقِّى الواجبِ لى (٧) عليكم فى تعظيمِه وتوقيرِه، ولمَن كفَر بى عذابٌ أليمٌ، فإن اليهودَ والمشركين ما يَوَدُّون أن يُنَزَّلَ عليكم مِن خيرٍ مِن ربِّكم، ولكنَّ كثيرًا منهم ودُّوا أنهم يَرُدُّونكم مِن بعدِ إيمانِكم كفَّارًا؛ حسَدًا مِن عندِ أنفسِهم لكم ولنبيِّكم محمدٍ ﷺ، مِن بعدِ ما تبيَّن لهم الحقُّ فى أمرِ محمدٍ ﷺ، وأنه نبىٌّ إليهم وإلى خلقى كافَّةً.
وقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هو كعُب بنُ الأشرفِ (١).
وحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ المعْمَرىُّ (٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ وقتادةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: كعبُ بنُ الأَشْرفِ (٣).
وقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان حُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، وأبو ياسرِ ابنُ أَخْطَبَ، مِن أشدِّ يهودَ للعربِ حسدًا، إذْ خَصَّهم اللهُ برسولِه ﷺ، وكانا جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلامِ بما استطاعا، فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية (٤).
وليس لقولِ القائلِ: عَنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ.
معنًى مفهومٌ؛ لأن كعبَ بنَ الأشرفِ واحدٌ، وقد أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه أن كثيرًا منهم يَوَدُّون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانِهم، والواحدُ لا يقالُ له: كثيرٌ.
بمعنى الكثرةِ فى العددِ، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ توجيهَ (١) الكثرةِ التى وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها فى هذه الآيةِ، الكثرةَ فى العزِّ ورفعةِ المنزلةِ فى قومِه وعشيرتِه، كما يقالُ: فلانٌ فى الناسِ كثيرٌ.
يرادُ به كثرةُ المنزلةِ والقدْرِ.
فإن كان أراد ذلك فقد أخطأَ؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.
فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به (٢) الكثرةَ فى العددِ.
أو يكونَ ظَنَّ أنه من الكلامِ الذى يَخْرُجُ مَخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، والمقصودُ بالحبرِ عنه الواحدُ، نظيرَ ما قلْنا آنفًا فى بيتِ جَميلٍ، فيكونُ ذلك أيضًا خطأً.
وذلك أن الكلامَ إذا كان بذلك المعنى فلابدَّ من دَلالةٍ فيه تدلُّ على أن ذلك معناه، ولا دلالةَ تدلُّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أن المرادَ به واحدٌ دونَ جماعةٍ كثيرةٍ، فيجوزَ صرفُ تأويلِ الآيةِ إلى ذلك، وإحالةُ دليلِ ظاهرِها (٣) إلى غيرِ الغالبِ فى الاستعمالِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿حَسَدًا﴾.
أن كثيرًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم، من الرِّدَّةِ عن إيمانِهم إلى الكفرِ، حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم.
فالحسَد إذن منصوبٌ على غيرِ النعتِ للكفارِ، ولكن على وجهِ المصدرِ الذى يأتى خارجًا من معنى الكلامِ الذى يخالفُ لفظُه لفظَ المصدرِ، كقولِ القائلِ لغيرِه: تمنَّيْتُ لك ما تمنَّيْتُ من السوءِ حسَدًا منى لك.
فيكونُ الحسَدُ مصدرًا مِن معنى قولِه: تمنَّيْتُ [لك ما تمنَّيْتُ] (١) من السوءِ.
لأنَّ فى قولِه: تمنَّيْتُ لك ذلك.
معنى: حَسَدْتُك على ذلك.
فعلى هذا نَصْبُ الحسدِ؛ لأنَّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.
معنى (٢): حسَدكم أهلُ الكتابِ على ما أعْطاكم اللهُ من التوفيقِ، ووَهَب لكم من الرَّشادِ لدينِه والإيمانِ [به وبرسولِه ﷺ] (٣)، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم رجلًا منكم، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم، فتكونوا لهم تبَعًا.
فكان قولُه: ﴿حَسَدًا﴾.
مصدرًا مِن ذلك المعنى.
وأما قولُه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.
فإنه يَعْنى بذلك (٤): من قِبَلِ أنفسِهم.
كما يقولُ القائلُ: لى عندك كذا وكذا.
بمعنى: لى قِبَلَك.
وكما حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه، عن الربيعِ] (٥) قولَه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: [من قِبَلِ أنفسِهم] (٦).
وإنما أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه عنهم المؤمنين أنهم وَدُّوا ذلك للمؤمنين من عندِ أنفسِهم، إعلامًا منه لهم أنهم لم يُؤْمَروا بذلك فى كتابِهم، وأنهم يَأتُونَ ما يَأتُون من ذلك على علمٍ منهم بنَهْىِ اللهِ إياهم عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.
أى: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهؤلاءِ الكثيرِ من أهلِ الكتابِ -الذين يَوَدُّون أنهم يَرُدُّونكم كفارًا من بعدِ إيمانِكم- الحقُّ في أمرِ محمدٍ ﷺ، وما جاء به من عندِ ربِّه، والملَّةِ التى دعا إليها، فأضاء لهم أن ذلك الحقُّ الذى لا (١) يَمْتَرُون فيه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: من بعدِ ما تَبَيَّنَ لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ، والإسلامَ دينُ اللهِ (٢).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ (٣): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.
يقولُ: تَبَيَّن لهم أن محمدًا رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (٤).
وحدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، وزاد فيه: فكفَروا به حسدًا وبَغْيًا، إذ كان من غيرِهم.
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: فإنَّ (٥) الحقَّ هو محمدٌ ﷺ، وتَبَيَّنَ لهم أنه هو الرسولُ (٦).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾.
قال: قد تَبَيَّنَ لهم أنه رسولُ اللهِ.
فدَلَّ جلَّ ثناؤُه بقيلِه ذلك أن كُفْرَ الذين قَصَّ قِصَّتَهم في هذه الآيةِ باللهِ وبرسولِه، عنادٌ، وعلى علمٍ منهم ومعرفةٍ بأنهم على اللهِ مُفْتَرُون.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: من بعدِ ما أضاءَ لهم الحقُّ لم يَجْهَلُوا منه شيئًا، ولكنَّ الحسدَ حملَهم على الجَحْدِ، فعيَّرهم اللهُ ولامَهم ووَبَّخَهم أشدَّ الملامةِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَاعْفُوا﴾: فتجاوَزُوا عما كان منهم من إساءةٍ وخطأٍ في رأىٍ أشارُوا به عليكم في دينِكم، إرادةَ صدِّكم عنه، ومحاولةَ ارتدادِكم بعد إيمانِكم، وعما سلَفَ منهم من قيلِهم لنبيِّكم ﷺ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦].
﴿وَاصْفَحُوا﴾ عما كان منهم من جهلٍ في ذلك ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾، فيُحْدِثَ لكم من أمرِه فيهم (٢) ما يشاءُ، ويَقْضِىَ فيهم بما (٣) يريدُ.
فقضَى فيهم [بعدَ ذلك] (٤) تعالى ذكرُه، وأتَى بأمرِه، فقال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
فنسَخ العفوَ جل ثناؤُه عنهم والصفحَ، بفرضِ قتالِهم على المؤمنين، حتى تصيرَ كلمتُهم وكلمةُ المؤمنين واحدةً، أو (١) يُؤَدُّوا الجِزْيةَ عن يدٍ صَغارًا.
كما حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٥].
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾: فأتى اللهُ بأمرِه فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقَرأ (٣) حتى بلَغَ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾.
أى: صَغارًا ونِقْمةً لهم، فنسَختْ هذه الآيةُ ما كان قبلَها ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (٤).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: اعفُوا عن أهلِ الكتابِ حتى يُحْدِثَ اللهُ أمرًا، فأَحدَثَ اللهُ بعدُ فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٥).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ قال: نسخَتْها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١).
حدّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾.
قال: هذا منسوخٌ نسَخَه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى القديرِ وأنه القويُّ (٣).
فمعنى الآيةِ ههنا: إنَّ اللهَ على كلِّ ما يشاءُ [ويُريدُ] (٤) -بالذين وصَفْتُ لكم (٥) أمرَهم من أهلِ الكتابِ وغيرِهم- قديرٌ؛ إن شاء الانتقامَ منهم بعنادِهم ربَّهم، وإن شاء هِدايَتَهم (٦) لما هداكم (٧) له من الإيمانِ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ أرادَه، ولا يمتنعُ (٨) عليه أمرٌ شاء قضاءَه؛ لأن له الخلقَ والأمرَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ (٩) على معنى إقامةِ الصلاةِ، وأنها أداؤُها بحدودِها وفروضِها، وعلى تأويلِ الصلاةِ، وما أصلُها، وعلى معنى إيتاءِ الزكاةِ، وأنه إعطاؤُها بطِيبِ نفسِ مُؤْتيها، على ما فُرِضَت ووجَبَتْ، وعلى معنى الزكاةِ، واختلافِ المختلفين فيها، والشواهدِ الدالةِ على صحةِ القولِ الذي اختَرْنا في ذلك بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وأما قولُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾.
فإنه يَعنى جل ثناؤُه بذلك: ومَهْمَا تَعمَلُوا من عملٍ صالحٍ في أيامِ حياتِكم، فتُقَدِّموه قبلَ وفاتِكم ذُخْرًا لأنفسِكم في مَعادِكم، تَجِدُوا ثوابَه عند ربِّكم يومَ القيامةِ، فيُجازِيكم به.
والخيرُ: هو العملُ الذي يَرضاه اللهُ.
وإنما قال: ﴿تَجِدُوهُ﴾.
والمعنَى: تجِدُوا ثوابَه.
كما حدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿تَجِدُوهُ﴾ يعنى: تَجِدُوا ثوابَه عند اللهِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: لاستغناءِ سامِعِ (٣) ذلك بدليلِ ظاهرِه على معنى المرادِ منه، كما قال عمرُ (٤) بنُ لَجْأَ (٥): وسبَّحَتِ المدِينةُ لا تَلُمْها … رَأَتْ قمَرًا بسُوقِهِمُ نهَارَا وإنما أراد: وسبَّح أهلُ المدينةِ.
وإنما أمَرهم جل ثناؤُه في هذا الموضعِ بما أمَرهم به من إقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ وتقديمِ الخيراتِ لأنفسِهم؛ ليَتَطَهَّرُوا بذلك من الخطأِ الذي سَلَف منهم في استِنْصاحِهم اليهودَ، وركونِ من كان ركَن منهم إليهم، وجفاءِ من كان جَفَا منهم في خطابِه رسولَ اللهِ ﷺ بقولِه: ﴿رَاعِنَا﴾.
إذ كانت إقامةُ الصلَواتِ كفارةً للذنوبِ، وإيتاءُ الزكاةِ تطهيرًا للنفوسِ والأبدانِ من أدناسِ الآثامِ، وفي تقديمِ الخيراتِ إدراكُ الفوزِ برِضْوانِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾.
وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه للذين خاطَبَهم بهذه الآياتِ من المؤمِنين، أنهم مَهْما فعَلُوا من خيرٍ أو (١) شرٍّ، سرًّا و (٢) عَلانيةً، فهو به بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ، فيَجْزِيهم بالإحسانِ جزاءَه، وبالإساءةِ مثلَها.
وهذا الكلامُ وإن كان خرَج مَخْرَجَ الخبرِ، فإن فيه وعْدًا ووَعيدًا، وأمرًا وزَجْرًا، وذلك أنه أعلمَ القومَ أنه بَصِيرٌ بجميعِ أعمالِهم، لِيَجِدُّوا في طاعتِه؛ إذ كان ذلك مَذخورًا لهم عندَه حتى يُثِيبَهم عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ﴾.
ولِيَحْذَرُوا معصيتَه، إذ كان مُطَّلِعًا على راكِبِها، بعد تَقَدُّمِه إليه فيها بالوعيدِ عليها، وما أوْعَدَ عليه ربُّنا جل ثناؤُه فمَنْهِىٌّ عنه، وما وعَد عليه فمأمورٌ به.
أما قولُه: ﴿بَصِيرٌ﴾.
فإنه مُبْصِرٌ، صُرِف إلى بَصيرٍ، كما صُرِف مُبْدِعٌ إلى بَدِيعٍ، ومُؤْلِمٌ إلى أَليمٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُم﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَقَالُوا﴾: وقالت اليهودُ والنصارَى، ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾.
فإن قال قائلٌ: وكيف جمعَ اليهودَ والنصارَى في هذا الخبرِ، مع اختلافِ مقالةِ الفريقَيْن، واليهودُ تَدْفَعُ النصارَى عن أن يكونَ لها في ثوابِ اللهِ نصيبٌ، والنصارَى تَدْفَعُ اليهودَ عن مثلِ ذلك؟
قيل: إن معنى ذلك بخلافِ الذي ذهبْتَ إليه، وإنما عَنَى به: وقالت اليهودُ: لن يَدْخُلَ الجنةَ إلا من كان هودًا.
وقالت النصارَى: لن يَدخُلَ الجنةَ إلا النصارَى.
ولكنَّ معنى الكلامِ لما كان مفهومًا عند المخاطَبِين به معناه، جُمِع الفريقان في الخبرِ عنهما، فقيل: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ﴾.
[كما حدثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ] (١) إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ الآية.
قالت اليهودُ: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا.
وقالت النصارَى: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيًّا (٢).
وأما قولُه: ﴿مَنْ كَانَ هُودًا﴾.
فإن في الهودِ قولين: أحدُهما، أن يكونَ جمعَ هائدٍ، كما عُوطٌ جمعُ عائطٍ (٣)، وعُوذٌ جمعُ عائذٍ (٤)، وحُولٌ جمعُ حائلٍ (٥)، فيكونَ جمعًا للمذكرِ والمؤنثِ بلفظٍ واحدٍ، والهائدُ: التائبُ الراجعُ إلى الحقِّ.
والآخرُ، أن يكونَ مصدرًا أدَّى (١) عن الجميعِ، كما يقالُ: رجلٌ صَوْمٌ، وقَوْمٌ صَوْمٌ، ورجلٌ فِطْرٌ، وقومٌ فِطرٌ، ونسوةٌ فِطْرٌ.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾.
إنما هو: إلا مَن كان يهودِيًّا.
ولكنَّه حُذِفَت الياءُ الزائدةُ، ورجَع إلى الفعلِ من اليهوديةِ.
وقيل: إنه في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا من كان يهوديًّا أو نصرانيًّا) (٢).
وقد بَيَّنّا فيما مضَى معنى النصارَى، ولِمَ سُمِّيَت بذلك وجُمِعت كذلك، بما أَغْنَى عن إعادتِه (٣).
وأما قولُه: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
فإنه خبرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عن قولِ الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
أنه أمانيُّ منهم يَتَمَنَّوْنها على اللهِ، بغيرِ حقٍّ ولا حُجَّةٍ ولا برهانٍ، ولا يقينِ علمٍ بصحةِ ما يَدَّعون، ولكنْ بادِّعاءِ الأباطيلِ وأمانيِّ النفوسِ الكاذبةِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾: أمانيُّ يَتَمَنَّوْنها على اللهِ كاذبةٌ (٤).
وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾.
قال: أمانيُّ تَمنَّوْا على اللهِ بغيرِ الحقِّ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾.
وهذا أمرٌ من اللهِ جل ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بدعاءِ الذين قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى أمرٍ عَدْلٍ بين جميعِ الفِرَقِ؛ مُسلِمِيها ويهودِها ونصاراها، وهو إقامةُ الحجةِ على دَعْواهم التي ادَّعَوْا من أن الجنةَ لا يَدخُلُها إلا من كان هودًا أو نَصارَى.
يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ، قلْ للزاعمِين أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارَى، دون غيرِهم من سائرِ البشرِ: هاتُوا حُجَّتَكم (١) على ما تزعُمون من ذلك، فنُسَلِّمَ لكم دَعْواكم، إن كنتم في دَعْواكم -مِن أن الجنةَ لا يدخُلُها إلا من كان هودًا أو نصارى- مُحِقِّين.
والبرهانُ: هو البيانُ والحجةُ والبيِّنةُ.
كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
يقولُ: هاتوا بَيِّنَتَكم (٢).
وحدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾: هاتُوا حُجَّتَكم (٣).
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
قال: حُجَّتَكم (٤).
وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾.
أى: حجَّتَكم (١).
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ دعاءٍ للقائلين: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
إلى إحضارِ حجةٍ على دَعْواهم ما ادَّعَوا من ذلك، فإنه بمعنى تكذيبٍ من اللهِ لهم في دَعْواهم وقيلِهم؛ لأنهم لم يكونوا قادِرين على إحضارِ برهانٍ على دَعْواهم تلك أبدًا.
وقد أبان قولُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
على أن الذي ذُكِرَ (٢) من الكلامِ بمعنى التكذيبِ لليهودِ والنصارَى في دَعْواهم ما ذكَر اللهُ عنهم.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ فإنه: أَحْضِرُوا وأْتُوا به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ﴾: ليس الأمرُ (٣) كما قال الزاعمون: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
ولكن مَن أَسلمَ وجهَه للهِ وهو مُحسِنٌ، فهو الذي يَدخُلُها ويُنَعَّمُ فيها.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أَخْبَرَهم (٤) مَن يدْخُلُ الجنةَ [فقال: ﴿بَلَى] (٥) مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية.
وقد بَيَّنَّا معنى "بَلى" فيما مضَى قبلُ (٦).
وأما قولُه: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ﴾.
فإنه يَعنى بإسلامِ الوجهِ التذلُّلَ لطاعتِه والإذعانَ لأمرِه.
وأصْلُ الإسلامِ الاستسلامُ، لأنه مِن: اسْتَسْلَمتُ له (١).
وهو الخُضوعُ لأمرِه.
وإنما سُمِّىَ المسلمُ مسلمًا؛ لخضوعِ جوارحِه لطاعةِ ربِّه.
كما حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
يقولُ: أَخْلَصَ للهِ (٢).
وكما قال زيدُ بنُ عمرِو بنِ نُفَيلٍ (٣): [وأَسْلَمْتُ] (٤) وَجْهِى لمن أسْلَمَتْ … له المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالا يعنى بذلك: اسْتَسْلَمْتُ لطاعةِ من اسْتَسْلَم لطاعتِه المُزْنُ وانقَدْتُ (٥) له.
وخصَّ اللهُ جل ثناؤُه بالخبرِ عمن أخبرَ عنه بقولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ بإسلامِ وجهِه له دون سائرِ جوارحِه؛ لأن أكرمَ أعضاءِ ابنِ آدمَ وجوارحِه وجهُه، وهو أعظمُها عليه حرمةً وحقًّا، فإذا خضَع لشيءٍ وجهُه الذي هو أكرمُ أجزاءِ جسدِه عليه، فغيرُه من أجزأءِ جسدِه أَحْرَى أن يكونَ [قد خَضَعَ] (٦) له.
ولذلك تَذْكرُ العربُ في مَنْطقِها الخبرَ عن الشيءِ فتُضِيفُه إلى وجهِه، وهى تعني بذلك نَفْسَ الشيءِ وعَيْنَه، كقولِ الأعْشَى (٧): أُؤَوِّلُ (١) الحُكْمَ على وجْهِهِ … لَيْسَ قَضَائِي بالهَوَى الجائِرِ يعنى بقولِه: على وجهِه: على ما هو به مِن صحتِه وصوابِه.
وكما قال ذو الرُّمَّةِ (٢): فَطاوَعْتُ هَمِّى وَانْجَلَى وَجْهُ بازِلٍ (٣) … مِن الأمْرِ لم يَتْرُكْ خِلاجًا (٤) بُزُولُها (٥) يريدُ: وانجلَى البازلُ (٦) من الأمرِ فتَبيَّن.
وما أشْبَهَ ذلك، إذ كان حُسْنُ كلِّ شيءٍ وقبحُه في وجهِه، فكان (٧) وصْفُها مِن الشيءِ وجهَه بما تَصِفُه به، إبانةً عن عينِ الشيءِ ونفسِه.
فكذلك معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾.
إنما يعني: بلى مَن أسلَم للهِ بدنَه، فخضَع له بالطاعةِ جَسدُه، وهو مُحسِنٌ في إسلامِه له جسدَه، فله أجرُه عندَ ربِّه.
فاكْتَفَى بذكرِ الوجهِ مِن ذكرِ جسدِه، لدلالةِ الكلامِ على المعنى الذي أُرِيدَ به بذكرِ الوجهِ.
وأما قولُه: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ فإنه يعني به: في حالِ إحسانِه.
وتأويلُ الكلامِ: بلى مَن أخلَص طاعتَه [وعبادتَه للهِ] (٨) محسنًا في فعلِه ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾: فللمُسْلمِ وجْهَه للهِ محسنًا، جزاؤه وثوابُه على إسلامِه وطاعتِه ربَّه، عندَ اللهِ في معادِه.
ويعنى بقولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: [ولا خوفٌ] (١) على المسلمين وجوهَهم للهِ وهم محسِنون، المخُلِصين للهِ الدينَ، في الآخرةِ مِن عقابِه وعذابِ جحيمِه، ومما قَدِموا عليه مِن أعمالِهم.
ويعنى بقولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: ولا هم يَحْزنون على ما خَلَّفوا وراءَهم في الدنيا، ولا أن يُمْنَعوا ما قَدِموا عليه مِن نعيمِ ما أعدَّ اللهُ لأهلِ طاعتِه.
وإنما قال جل ثناؤُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
وقد قال قبلُ: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّه﴾.
لأن ﴿مَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ في لفظِ واحدٍ ومعنَى جمعٍ (٢)، فالتوحيدُ في قولِه: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ﴾ للَّفظِ، والجميعُ (٣) في قولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
للمعنى.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أهلِ الكتابين تنازَعوا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال ذلك (٤) بعضُهم لبعضٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونس بنُ بُكَيرٍ، قالا جميعًا: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قَدِم أهلُ نَجْرانَ مِن النصارَى على رسولِ اللهِ ﷺ، أتَتْهم أحبارُ يهودَ، فتنازَعوا عندَ رسولِ الله ﷺ، فقال رافعُ بنُ حُرَيْمِلةَ: ما أنتم على شيءٍ.
وكفَر بعيسى ابنِ مريمَ وبالإنجيلِ، فقال رجلٌ مِن أهلِ نجرانَ مِن النصارى: ما أَنتم على شيءٍ.
وجحَد نبوَّةَ موسى وكفَر بالتوراةِ، فأنزَل اللهُ في ذلك مِن قولِهما: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
قال: هؤلاء أهلُ الكتابِ الذين كانوا على عهدِ النبيِّ ﷺ (٢).
وأما تأويلُ الآيةِ فإنه: وقالت اليهودُ: ليست النصارَى في دينِها على صوابٍ.
وقالت النصارى: ليست اليهودُ في دينِها على صوابٍ.
وإنما أخْبَر اللهُ عنهم بقيلِهم ذلك المؤمنين (٣)، إعلامًا منه لهم تَضْييعَ (٤) كلَّ فريقٍ منهم حُكمَ الكتابِ الذي يُظْهِرُ الإقرارَ بصِحتِه وأنه مِن عندِ اللهِ، وجحودَهم مع ذلك ما أنزَل اللهُ فيه مِن فروضِه؛ لأن الإنجيلَ الذي تَدينُ بصِحتِه وحقيقتِه النصارى، يُحققُ ما في التوراةِ مِن نبوَّةِ موسى، وما فرَض اللهُ على بنى إسرائيلَ فيها مِن الفرائضِ، وأن التوراةَ التي تَدينُ بصحتِها وحقيقَتِها اليهودُ، تُحققُ نبوَّةَ عيسى، وما جاء به مِن عندِ اللهِ مِن الأحكامِ والفرائضِ.
ثم قال كلُّ فريقٍ منهم للفريقِ الآخرِ ما أخبرَ اللهُ عنهم في قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
مع تلاوةِ كلِّ واحدٍ مِن الفريقين كتابَه الذى يشهَدُ على كذبِه في قيلِه ذلك.
فأخْبَر جل ثناؤُه أن كلَّ فريقٍ منهم قال ما قال مِن ذلك، على علمٍ منهم أنهم فيما قالوه مُبْطِلون، وأتَوْا ما أتَوْا مِن كفرِهم بما كفروا به، على معرفةٍ منهم بأنهم فيه مُلحِدون.
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ كانت اليهودُ أو النصارَى بعدَ أن بعَث اللهُ رسولَه ﷺ على شيءٍ، فيكونَ الفريقُ القائلُ ذلك منهم للفريقِ الآخرِ مُبطِلًا في قيلِه ما قال مِن ذلك؟
قيل: قد روَينا الخبرَ الذى ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ قبلُ، مِن أن إنكارَ كلِّ فريقٍ منهم إنما كان إنكارًا لنبوَّةِ النبىِّ الذى كان يَنْتحِلُ التَّصْديقَ به وبما جاء به الفريقُ الآخرُ، لا دفعًا منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ -في الحالِ التى بعَث اللهُ فيها نبيَّنا ﷺ- على شيءٍ مِن دينِه، بسببِ جحودِه نبوَّةَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
وكيف يجوزُ أن يكونَ معنى ذلك إنكارُ كلِّ فريقٍ منهم أن يكونَ الفريقُ الآخرُ على شيءٍ بعدَ ما بُعث نبيُّنا ﷺ، وكلُّ (١) الفَرِيقين كان جاحدًا نبوَّةَ نبيِّنا ﷺ في الحالِ التى أنزَل اللهُ فيها هذه الآيةَ؟
ولكن مضى ذلك: وقالت اليهودُ: ليست النصارَى على شيءٍ مِن دينِها منذ دانَتْ دينَها.
وقالت النصارى: ليست اليهودُ على شيءٍ منذ دانَتْ دينَها.
وذلك هو معنى الخبرِ الذى روَيناه عن ابنِ عباسٍ آنِفًا.
فكَذَّب اللهُ الفريقين في قيلِهما ما قالا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ﴾: [ألَا وبلَى] (١)!
قد كانت أوائلُ النصارَى على شيءٍ، ولكنَّهم ابتدَعوا وتَفرَّقوا، ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾: [ألَا وبلَى!
قد كانت أوائلُ اليهودِ علَى شيءٍ] (٢)، ولكن القومَ [افتَروا وتفرَّقوا وابتدَعوا] (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ (٤): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
قال: قال مجاهدٌ؛ قد كانت أوائلُ اليهودِ والنصارى على شيءٍ (٥).
وأما قولُه: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾.
فإنه يعنى كتابَ اللهِ التوراةَ والإنجيلَ، وهما شاهدانِ على فريقَىِ اليهودِ والنصارى بالكفرِ، وخِلافِهم أمرَ اللهِ الذى أمرَهم به فيه.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قالا جميعًا: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
أي: كلٌّ يَتْلو في كتابِه تصديقَ ما كفَر به، أي: تَكْفُرُ اليهودُ بعيسى وعندَهم التوراةُ فيها ما أخَذ اللهُ عليهم مِن الميثاقِ على لسانِ موسى بالتصديِق بعيسى، وفى الإنجيلِ مما جاء به عيسى تصديقُ موسى، وما جاء به مِن التوراةِ مِن عندِ اللهِ، وكلٌّ يَكْفُرُ بما في يدِ صاحبِه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
قال: وقالت النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ قبلَهم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، [قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا] (٣) سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ قال: قالت النصارى مِثلَ قولِ اليهودِ قبلَهم (٤).
وقال آخرون بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: مَن هؤلاء الذين لا يعلمون؟
قال: أممٌ كانت قبلَ اليهودِ والنصارى، وقبلَ التوراةِ والإنجيلِ (٥).
وقال بعضُهم: عَنَى بذلك مُشرِكى العربِ، لأنهم لم يكونوا أهلَ كتابٍ، فنُسِبوا إلى الجهلِ، ونُفِى عنهم مِن أجلِ ذلك العلمُ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: فهمُ العربُ، قالوا: ليس محمدٌ على شيءٍ (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ أخْبَر ﵎ عن قومٍ وصفَهم بالجهلِ، ونفَى عنهم العلمَ بما كانت اليهودُ والنصارى به عالِمين - أنهم قالوا بجهلِهم نظيرَ ما قالت اليهودُ والنصارى بعضُها لبعضٍ، مما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوه فى قولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
وجائزٌ أن يكونوا هم المشركين مِن العربِ، وجائزٌ أن يكونوا أُمةً كانت قبلَ اليهودِ والنصارى، ولا أمَّةٌ هى (٢) أوْلى أن يُقال هى التى عُنِيت بذلك من الأُخْرى، إذ لم يَكُنْ في الآيةِ دلالةٌ على أىٍّ من أىٍّ، ولا خبرَ بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ تثْبُتُ (٣) حجتُه من جهةِ النقلِ المُسْتفيضِ، ولا مِن جهةِ نقلِ الواحدِ العدْلِ.
وإنما قصَد اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
إلى (٤) إعلامِ المؤمنين أن اليهودَ والنصارَى قد أتَوْا -مِن قيلِ الباطلِ، وافتراءِ الكذبِ على اللهِ، وجُحودِ نبوَّةِ الأنبياءِ والرسلِ، وهم أهلُ كتابٍ يَعْلمون أنهم فيما يقولون مُبْطِلون، وبجُحودِهم ما يجحَدون مِن ملتِهم خارِجون، وعلى اللهِ مُفترون- مِثلَ الذى قاله أهلُ الجهلِ باللهِ وكتُبِه ورسلِه الذين لم يَبْعثِ اللهُ إليهم (١) رسولًا، ولا أوْحَى إليهم كتابًا.
وهذه الآيةُ تُنْبئُ عن (٢) أن مَن أتَى شيئًا مِن معاصِى اللهِ على علمٍ منه بنَهْىِ اللهِ عنها، فمُصيبتُه في دينِه أعظمُ مِن مصيبةِ مَن أتَى ذلك جاهلًا به؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه عظَّم توبيخَ اليهودِ والنصارَى بما وبَّخَهم به -في قيلِهم ما أخبَر عنهم بقولِه: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ - مِن أجلِ أنهم أهلُ كتابٍ، قالوا ما قالوا مِن ذلك على علمٍ منهم بأنهم فيه مُبْطِلون.
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: فاللهُ يَقْضِى فيَفْصِلُ بينَ هؤلاءِ المُختلفِين القائلِ بعضُهم لبعضٍ: لستم على شيءٍ مِن دينِكم.
يومَ قيامِ الخلقِ لرِّبهم مِن قبورِهم، فيتبيَّنُ (٣) المحقُّ منهم مِن المُبطلِ، بإيتائِه (٤) المحقَّ ما وعَد أهلَ طاعتِه على أعمالِهم الصالحةِ، ومجازاتِه المُبطِلَ منهم بما أوْعَد أهلَ الكفرِ به على كفرِهم به، فيما كانوا فيه يَخْتَلِفون مِن أديانِهم ومِلَلِهم في دارِ الدنيا.
وأما "القيامةُ"، فهى مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: قمتُ قِيامًا وقِيامةً.
كما يقالُ: عُدْتُ فلانًا عِيادةً.
و: صُنْتُ هذا الأمرَ صِيانةً.
وإنما عنَى بالقيامةِ قيامَ الخلقِ مِن قبورِهم لربِّهم.
فمعنى ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: يومَ قيامِ الخلائقِ مِن قبورِهم لمحشرِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
قد دَلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على أن تأويلَ الظُلمِ وَضْعُ الشئِ في غيرِ موضعِه (١).
فتأويلُ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾: وأىُّ امرِئ أشدُّ تَعدِّيًا وجُرأَةً على اللهِ وخلافًا لأمرِه، مِن امرئ منَع مساجدَ اللهِ أن يُعبدَ اللهُ فيها؟
والمساجدُ جمعُ مسجدٍ، وهو كلُّ مَوضِعٍ عُبِدَ اللهُ فيه.
وقد بيَّنا معنى السجودِ فيما مضَى (٢).
فمعنى المسجدِ: المَوضعُ الذى يُسْجَدُ للهِ فيه.
كما يقالُ للموضعِ الذى يُجْلَسُ فيه: المَجلِسُ.
وللمَوضعِ الذى يُنزَلُ فيه: المنَزِلُ.
ثم يُجمعُ مَنازلَ ومجالسَ، نَظيرَ [جمعِ مَسجدٍ؛ مَساجدَ] (٣).
وقد حُكِىَ سماعًا مِن بعضِ العربِ: مَسْجَدٌ (٤).
في واحدِ المساجدِ، وذلك كالخطأِ مِن قائلِه.
وأما قولُه: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
فإن فيه وَجْهين مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ مِن أن يُذكرَ فيها اسمُه.
فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ نصبًا في (٥) قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بفَقْدِ الخافضِ، وتَعلُّقِ الفعلِ بها.
[وفى قولِ بعضِهم خَفْضُها بمعنَى "مِن" وإن لم تكُنْ "مِن" ظاهرةً، إذْ كان في الكلامِ عليها دلالةٌ] (٦).
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع أن يُذْكرَ اسمُ اللهِ في مساجدِه.
فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ في موضعِ نصبٍ تكريرًا على موضعِ "المساجدِ" وردًّا عليه.
وأما قولُه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
فإن معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وممن سعَى في خرابِ مساجدِ اللهِ.
فـ ﴿وَسَعَى﴾ إذن عطفٌ على ﴿مَنَعَ﴾.
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾؟
وأيُّ المساجدِ هى؟
قيل: إن أهلَ التأويلِ في ذلك مُختلِفون؛ فقال بعضُهم: الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه هم النصارى، والمسجدُ بيتُ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أَبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: فإنَّهم النصارى (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يَطْرَحون في بيتِ المقدسِ الأذَى، ويَمْنعون الناسَ أن يُصلُّوا فيه (٢).
وحدَّثنى المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهد مثلَه.
وقال آخرون: بل هو بُخْتُنَصَّرَ وجندُه، ومَن أعانَهم مِن النصارى، والمسجدُ مسجدُ بيتِ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية: أولئك أعداءُ اللهِ النصارى، حملَهم بُغْضُ اليهودِ على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجوسىَّ على تخريبِ بيتِ المقدسِ (١).
وحدَّثنا الحصنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتُنَصَّرَ وأصحابُه، خرَّب بيتَ المقدسِ، وأعانَه على ذلك النصارى (٢).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: فإن (٣) الرُّومَ كانوا ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خرابِ بيتِ المقدسِ حتى خرَّبه، وأمَر به أن تُطْرَحَ فيه الجِيفُ، وإنما أعانَه الرومُ على خرابِه مِن أجلِ أن بنى إسرائيلَ قتَلوا يحيى بنَ زَكَريا (١).
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ ﷿ بهذه الَايةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن المسجدِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
قال: هؤلاء المشركون حين حالُوا بينَ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الحُدَيبيةِ وبينَ أن يَدْخُلَ مكةَ، حتى نحَر هديَه بذِى طُوًى وهادَنَهم، وقال لهم: "ما كان أحدٌ يُرَدُّ عن هذا البيتِ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه!
" فقالوا: لا يَدْخلُ علينا مَن قتَل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ.
وفى قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال (٢): إذا قطَعوا مَن يَعمُرُها بذِكْرِه، ويَأْتِيها للحجِّ والعمرةِ (٣).
وأوْلَى التأويلاتِ التى ذَكَرناها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعَوا في خرابِ بيتِ المقدسِ، وأعانوا بُخْتَنَصَّرَ على ذلك، ومنَعوا مُؤْمنى بنى إسرائيلَ مِن الصلاةِ فيه بعدَ مُنْصرَفِ بختِنصَّرَ عنهم إلى بلادِه.
والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك، قيامُ الحُجةِ بأن لا قولَ في معنى هذه الآيةِ إلا أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ التى ذكرناها، وأن لا مسجدَ عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿فِي خَرَابِهَا﴾ إلا أحَدُ المَسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن مُشرِكى قريشٍ لم يَسْعَوا قَطُّ في تخريبِ المسجدِ الحرامِ، وإن كانوا قد منَعوا في بعضِ الأوقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه مِن الصلاةِ فيه، صحَّ وثبَت أن الذين وصفَهم اللهُ ﷿ بالسعىِ في خرابِ مساجدِه، غيرُ الذين وصفَهم اللهُ بعمارتِها، إذ كان مُشْرِكو (١) قريشٍ هم (٢) بنَوا المسجدَ الحرامَ في الجاهليةِ، وبعِمارتِه كان افْتِخارُهم، وإن كان بعضُ أفعالِهم فيه كان منهم على غيرِ الوجهِ الذى يَرْضاه اللهُ منهم.
وأُخرى أن الآيةَ التى قبلَ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
مضَت بالخبرِ عن اليهودِ والنصارَى وذمِّ أفعالِهم، والتى بعدَها عقَّبَت (٣) بدمِّ النصارَى والخبرِ عن افترائِهم على ربِّهم، ولم يَجْرِ لقريشٍ ولا لمُشركى العربِ ذِكْرٌ، ولا للمسجدِ الحرامِ قبلَها، فيُوجَّهَ الخبرُ بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
إليهم وإلى المسجدِ الحرامِ.
وإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أوْلَى بالآيةِ أن يُوجَّهَ تأويلُها إليه، هو ما كان نَظيرَ قصةِ الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، إذ كان خبرُها لخبرِهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقومَ حُجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بخلافِ ذلك، وإن اتفَقت قصصُها فاشْتَبهت.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك -إذ كان المسلمون لم يَلْزمْهم قَطُّ فرضُ الصلاةِ في [مسجدِ بَيْتِ] (٤) المقدسِ فَمُنِعوا مِن الصلاةِ فيه، فيجوزَ (١) توجيهُ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ- فقد أخطَأ فيما ظَنَّ مِن ذلك.
وذلك أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما ظلَّمَ (٢) مَن منَع مَن كان فرضَه الصلاةُ في مسجدِ بيتِ المقدسِ مِن مؤمنى بنى إسرائيلَ، وإياهم قصَد بالخبرِ عنهم بالظلمِ، والسَّعْىِ في خرابِ المسجدِ، وإن كان قد دلَّ بعمومِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أن كلَّ مانعٍ مصليًا في مسجدٍ للهِ، فرضًا كانت صلاتُه فيه أو تطوعًا، وكلَّ ساعٍ فى خرابِه (٣)، فهو مِن المُعْتدين الظالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، أنه قد حَرَّم عليهم دخولَ المساجدِ التى سَعَوا في تخريبِها، ومَنَعوا عبادَ اللهِ المؤمنين مِن ذكرِ اللهِ ﷿ فيها ما داموا على مُناصَبةِ الحربِ، إلا على خوفٍ ووَجَلٍ مِن العقوبةِ على دُخولِهموها.
كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: وهم اليومَ كذلك، لا يُوجَدُ نَصرانىٌّ في بيتِ المقدسِ إلا نُهِك ضربًا، وأُبْلِغ إليه في العقوبةِ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
وهم النَّصارَى، فلا يَدْخُلون المسجدَ (١) إلا مُسارَقةً، إن قُدِرَ عليهم عُوقِبوا (٢).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: فليس في الأرضِ رومىٌّ يَدْخُلُه اليومَ إلا وهو خائفٌ أن تُضْرَبَ عُنقُه، أو قد أُخِيفَ بأداءِ الجِزْيةِ فهو يُؤَدِّيها (٣).
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
قال: نادَى رسولُ اللهِ ﷺ: "ألَّا (٤) يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ".
قال: فجعَل المُشرِكون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِرَّك (٥).
وإنما قِيلَ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ فأُخرِج على وجهِ الخبرِ عن الجميعِ وهو خبرٌ عمّن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه؛ لأن "مَن" في مَعْنَى الجمعِ وإن كان لفظُه واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.
أما قولُه: ﴿لَهُمْ﴾.
فإنه يَعْنى: للذين أخْبَر عنهم أنهم مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه.
وأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
فإنه يَعْنِى بالخزىِ الشرَّ والعارَ والذِّلةَ؛ إما القتلُ والسَّبيُ، وإما الذِّلةُ والصَّغارُ بأداءِ الجزيةِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾.
قال: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغِرون (١).
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: أما خزيُهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المَهْدىُّ وفُتِحَت القُسْطنطينيةُ قَتَلهم، فذلك الخزىُ (٢).
[وأما قولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾.
فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ لِمَ قيلَ لها: آخرةٌ] (٣).
وأما العذابُ العظيمُ، فإنه عذابُ جهنمَ الذى لا يُخَفَّفُ عن أهلِه، ولا يُقْضَى عليهم فيه (٤) فيموتوا.
وتأويلُ الآيةِ: لهم في الدنيا الذلةُ والهوانُ، والقتلُ والسبيُ، على مَنْعِهم مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، وسَعْيِهم في خرابِها، ولهم على مَعْصِميتِهم وكفرِهم بربِّهم، وسعيِهم في الأرضِ فسادًا، عذابُ جهنمَ، وهو العذابُ العظيمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: للهِ مِلْكُهما وتَدْبيرُهما، كما يُقالُ: لفلانٍ هذه الدارُ.
يَعْنى أنها له مِلْكًا، فكذلك قولُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾.
يَعْنِى أنهما له مِلْكًا وخَلْقًا.
والمَشْرِقُ: موضعُ شُروقِ الشمسِ، وهو موضعُ طلوعِها [منه.
وكذلك المغربُ: الموضعُ الذى تَغْرُبُ فيه] (١)، كما يُقالُ لموضعِ طلوعِها منه: مَطْلِعُ.
بكسرِ اللَّامِ، كما بَينَّا في مَعْنَى المَسْجِدِ آنفًا.
فإن قال قائلٌ: أَوَما للهِ إلا مشرِقٌ واحدٌ ومغرِبٌ واحدٌ، حتى قِيلَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؟
قيل: إن معنى ذلك غيرُ الذى ذهَبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: وللهِ المشرِقُ الذى تَشْرُقُ منه الشمسُ كلَّ يومٍ، والمغرِبُ الذى تَغْرُبُ فيه كلَّ يومٍ.
فتأويلُه إذْ كان ذلك مَعْناه: وللهِ ما بينَ قُطْرىِ الشرقِ وما بينَ قُطْرىِ المغربِ.
إذ كان شروقُ الشمسِ كلَّ يومٍ مِن موضعٍ منه لا تَعودُ لشروقِها منه إلى الحولِ إلذى بعدَه، وكذلك غروبُها كلَّ يومٍ.
فإن قال قائلٌ: أَوَ ليس -وإن كان تأويلُ ذلك ما ذكرتَ- للهِ كلُّ ما دونَه، والخلقُ خلقُه؟
قيل: بَلَى.
فإن قال: فكيف خصَّ المشارقَ والمغاربَ بالخبرِ عنها أنها له في هذا الموضعِ دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِها؟
قِيلَ: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه خصَّ اللهُ ذِكْرَ ذلك بما خصَّه به في هذا الموضعِ، ونحن مُبَيِّنو الذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ بعدَ ذِكْرِنا أقوالَهم في ذلك؛ فقال بعضُهم: خصَّ اللهُ ذلك بالخبرِ عنه (٢) مِن أجلِ أن اليهودَ كانت تُوَجِّهُ في صلاتِها وجوهَها قِبَلَ بيتِ المقدسِ، وكان رسولُ الله ﷺ [وأصحابُه يَفْعلون] (١) ذلك مُدَّةً، ثم حُوِّلوا إلى الكعبةِ، فاستَنْكرت اليهودُ ذلك مِن فعلِ النَّبِيِّ ﷺ فقالوا: ما ولَّاهم عن قِبْلَتِهم التى كانوا عليها.
فقال اللهُ ﵎ لهم: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، أصْرِفُ وجوهَ عِبادِى كيف أشاءُ منها، فأينَما (٢) تُوَلُّوا فثَمَّ وَجْهُ اللهِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو صَالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صَالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان أولَ ما نَسَخَ اللهُ مِن القرآنِ القبلةُ، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ ﷿ أَنْ يَسْتَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففَرِحت اليهودُ، فاسْتَقْبلها رسولُ اللهِ ﷺ بِضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إبراهيمَ، فكان يَدْعُو ويَنْظرُ إلى السماءِ، فأَنْزَل اللهُ ﵎: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤].
فارْتاب مِن ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢].
وقال: ﴿فَأَيْنَمَا (٣) تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٤).
وحَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ بنحوِه (٥).
وقال آخرون: بل أنزل اللهُ هذه الآيةَ قبلَ أن يَفْرِضَ على محمدٍ نبيِّه ﷺ وعلى المؤمنين به، التوجُّهَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ، وإنما أنزلها عليه مُعْلِمًا نبيَّه بذلك وأصحابَه أن لهم التوجُّهَ بوجُوهِهم للصلاةِ حيث شاءوا مِن نواحى المشرقِ والمغربِ؛ لأنهم لا يُوجِّهون وُجوهَهم وَجْهًا مِن ذلك وناحيةً، إلَّا كان جلَّ ثناؤُه في ذلك الوجهِ وتلك الناحيةِ؛ لأنَّ له المشارقَ والمغاربَ، وأنه لا يَخْلو منه مكانٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧].
قالوا: ثم نَسَخَ ذلك بالفرضِ الذى فَرَضَ عليهم في التوجُّهِ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ (١).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك، فقال اللهُ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٢).
[وحَدَّثَنِي الحسنُ بنُ يحيى] (٣)، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
قال: هى القِبلةُ، ثم نسَختها القِبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ.
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ بنُ المِنهالِ، قال: حَدَّثَنَا همَّامُ بنُ (١) يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ في قولِ اللهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
قال: كانوا يُصَلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ ورسولُ اللهِ ﷺ بمكةَ قبلَ الهجرةِ، وبعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ صلَّى نحوَ بيتِ المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّهَ بعدَ ذلك نحوَ الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فنسَخها اللهُ في آيةٍ أُخرى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إلى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
قال: فنسَخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمْرِ القِبلة (٢).
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُه -يعنى [ابنَ زيدٍ] (٣) - يقولُ: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "هؤلاءِ قومُ يهودَ يَسْتَقْبِلون بيتًا مِن بُيوتِ اللهِ - [لبيتِ المَقْدسِ] (٤) - لو أنَّا اسْتَقْبلناه".
فاسْتَقْبله النَّبِيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن يهودَ تقولُ: واللهِ ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هَدَيْناهم.
فكَرِه ذلك النَّبِيُّ ﷺ، ورفَع وَجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (٥).
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ إذْنًا مِن اللهِ ﷿ له أن يُصَلِّىَ التطَوعَ حيثُ توجَّه وجهُه مِن شرقٍ أو غربٍ، في مسيرِه في سفرِه، وفى حالِ المُسايفةِ وشدَّةِ الخوفِ والتقاءِ الزُّحوفِ - الفرائضَ، وأعلَمه أنه حيثُ وجَّه وجهَه فهو هنالك، بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه كان يُصَلِّى حيثُ تَوجَّهتْ به راحِلتُه، ويَذْكُرُ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفْعلُ ذلك، ويَتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (١).
وحَدَّثَنِي أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنَادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: لمَّا (٢) نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: أن تُصَلِّىَ أينما (٣) تَوجَّهتْ بك راحِلتُك في السفرِ تَطوعًا، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رجَع مِن مكةَ يُصَلِّى على راحلتِه تَطوعًا، يُومِئُ برأْسِه نحوَ المدينةِ (٤).
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في قومٍ عَمِيت عليهم القِبلةُ فلم يَعْرِفوا شَطْرَها، فصلَّوا على أنحاءٍ مختلفةٍ، فقال اللهُ ﷿ لهم: لىَ المشارقُ والمغاربُ، فأينَ (٥) ولَّيْتم وجوهَكم فهنالك وَجْهِي، وهو قِبلَتُكم.
يُعْلِمُهم (٦) بذلك أن صلاتَهم ماضيةٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، عن عاصمِ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في ليلةٍ سوداءَ مظلمةٍ، فنزَلْنا مَنْزلًا، فجعَل الرجلُ يَأْخذُ الأحجارَ فيَعْملُ مسجدًا يُصَلِّى فيه، فلما أن أصْبَحْنا إذا نحن قد صلَّيْنا على غيرِ القبلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنَا لَيْلتَنا هذه لغيرِ القبلةِ.
فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
وحدَّثنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال [أخبرنا حمادٌ، قال] (٢): قلتُ للنَّخَعِيِّ: إنى كنت اسْتَيْقَظتُ -أو قال: أُيْقظتُ (٣).
شكَّ أبو جعفرٍ- فكان في السماءِ سحابٌ، فصَلَّيتُ لغيرِ القِبلةِ، قال: مضَت صلاتُك، يقولُ اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٤).
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن أشعثَ السَّمَّانِ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ في ليلةٍ مُظْلمةٍ في سفرٍ، فلم نَدْرِ أين القِبلةُ، فصَلَّيْنا؛ وصَلَّى كلُّ رجلٍ (٥) منا على حِيالِه، ثم أصبَحْنا فذكَرْنا ذلك للنبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (١).
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في سببِ النجاشيِّ؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ تَنازعوا في أمرِه؛ مِن أجلِ أنه مات قبلَ أن يُصَلِّىَ (٢) القبلةَ، فقال لهم اللهُ: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، فمَن وَجَّه وجهَه نحوَ شيءٍ منها يريدُنى به، ويَبْتَغِى به طاعتي، وجدَنى هنالك.
يعنى بذلك أن النجاشيَّ وإن لَمْ يكن صَلَّى (٢) القبلةَ، فإنه كان يُوجِّهُ إلى بعضِ وُجوهِ المشارقِ أو المغاربِ وجْهَه، يَبْتَغى بذلك رضا اللهِ في صلاتِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا [معاذُ بنُ هشامٍ] (٣)، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن قتادةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصَلُّوا عليه".
قالوا: أَنُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ!
قال: فنزلَت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
قال قتادةُ: فقالوا: وإنه كان لا يُصَلِّى (٢) القبلةَ.
فأنزَل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٤).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك [أن يقالَ] (٥): إن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما خصَّ الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ في هذه الآيةِ بأنهما له مِلْكًا -وإن كان لا شيءَ إلَّا وهو له مِلْكٌ- إعلامًا منه لعبادِه المؤمنين أن له مِلْكَهما ومِلكَ ما بينَهما مِن الخلائقِ، وأن على جميعِهم -إذ كان له مِلْكُهم- طاعتَه فيما أمرَهم ونهاهم، وفيما فرَض عليهم مِن الفرائضِ، والتوجيهَ (١) نحوَ الوجهِ الذى وُجِّهوا إليه، إذ كان مِن حكمِ المماليكِ طاعةُ مالكِهم، فأخرَج الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ، والمرادُ به ما (٢) بينَهما مِن الخلقِ، على النحوِ الذى قد بَيَّنتُ مِن الاكْتفاءِ بالخبرِ عن سببِ الشيءِ مِن ذِكْرِه والخبرِ عنه، كما قِيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
وما أشْبَهَ ذلك (٣).
فمَعْنَى الآيةِ إذن: وللهِ مِلْكُ الخلقِ الذى بينَ المشرقِ والمغربِ، [يستعبِدُهم بما يشاءُ] (٤)، ويَحْكُمُ فيهم ما يُريدُ، عليهم طاعتُه، فولُّوا أيها المؤمنون وجوهَكم نحوَ وجهِي، فإنكم أينما تُوَلُّوا (٥) وجوهَكم فهنالك وَجْهِى.
فأما القولُ في: هل هذه الآيةُ ناسخةٌ أم منسوخةٌ؟
أم لا هى ناسخةٌ ولا منسوخةٌ؟
فإن الصوابَ فيه مِن القولِ أن يقالَ: إنها آيةٌ جاءت مجئَ العمومِ، والمرادُ منها الخاصُّ، وذلك أن قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
مُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا في حالِ سيرِكم في أسفارِكم في صلاتِكم التَّطوعَ، وفى حالِ مسايفتِكم (٦) عدوَّكم في تَطوُّعِكم ومكتوبتِكم - فثَمَّ وجهُ اللهِ.
كما قال ابنُ عمرَ والنَّخَعيُّ ومَن قال ذلك ممن ذكَرنا ذلك عنه آنفًا.
ومُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا مِن أرضِ اللهِ فتَكونوا بها - فثَمَّ قِبلةُ اللهِ التى تُوجِّهون وُجُوهَكم إليها؛ لأن الكعبةَ مُمْكِنٌ لكم التوجُّهُ إليها منها.
كما حدَّثنا (١) أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبى سِنانٍ، عن الضحاكِ، والنضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
قال: قِبلةُ اللهِ، فأينما كُنْتَ مِن شرقٍ أو غربٍ فاسْتَقْبِلْها (٢).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ (٣) بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كُنْتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها.
قال: للكعبةِ (٤).
ومُحْتمِلٌ: فأينما توَلُّوا وجوهَكم فى دُعائِكم لى، فهنالك وَجْهِى، أسْتَجبْ لكم دعاءَكم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: لمَّا نزَلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
قالوا: إلى أين؟
فنزَلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٥).
فإذ كان قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
مُحْتَمِلًا ما ذكَرنا مِن الأوجُهِ، لم يكنْ لأحدٍ أن يَزْعُمَ أنها ناسخةٌ ولا منسوخةٌ إلا بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ لأن الناسخَ لا يكونُ إلا لمنسوخٍ (١)، ولم تَقُمْ حُجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها بأن قولَه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
مَعْنِىٌّ به: فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم فى صلاتِكم فثَمُّ قِبلتُكم.
ولا أنها نزَلت بعدَ صلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ، أمرًا مِن اللهِ لهم بها أن يَتَوجَّهوا نحوَ الكعبةِ، فيَجُوزَ أن يقالَ: هى ناسخةٌ الصلاةَ نحوَ بيتِ المقدسِ.
إذ كان مِن أهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وأئمةِ التابعين مَن يُنْكِرُ (٢) أن تكونَ نزَلت فى ذلك المعنى، ولا خبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ثابتٌ بأنها نزَلت فيه، وكان الاخْتلافُ فى أمرِها موجودًا على ما وَصَفْتُ.
ولا هى -إذ لم تكنْ ناسخةً لِما وَصَفْنا- قامَت حُجتُها بأنها منسوخةٌ، إذ كانت مُحْتمِلةً ما وَصَفنا مِن أن تكونَ جاءت بعمومٍ و (٣) معناها فى حالٍ دونَ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها التوجُّهُ فى الصلاةِ- وفى كلِّ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها الدُّعاءُ- وغيرَ ذلك مِن المعانِى التى ذكَرنا.
وقد دَلَّلنا فى كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"، على ألا ناسخَ فى آىِ القرآنِ وأخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ، إلا ما نَفَى حكمًا ثابتًا، قد لزِم العِبادَ فرضُه، غيرَ مُحْتَمِلٍ ظاهرُه (٤) وباطنُه غيرَ ذلك، فأما ما احْتَمل غيرَ ذلك -مِن أن يكونَ بمَعْنى الاستثناءِ، أو الخصوصِ والعمومِ، أو المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ- فمِن الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ، بما أغْنَى عن تكريرِه فى هذا الموضعِ.
وألا منسوخَ إلا المَنْفىُّ الذى قد كان ثَبَت حُكمُه وفَرْضُه.
ولم يَصِحَّ واحدٌ مِن هذين المعنيين لقولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيُقالَ فيه: هو ناسخٌ أو منسوخٌ.
وأما قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾.
فإن مَعْناه: فحيثما.
وأما قولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾.
فإن الذى هو أَوْلى بتأويلِه أن يكونَ: تُوَلُّون نحوَه وإليه.
كما يقول القائلُ: وَلَّيتُ وَجْهِى نحوَ كذا، ووَلَّيتُه إليه.
بمعنى: قابلتُه وواجهتُه.
وإنما قُلْنَا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لإجماعِ الحُجةِ على أن ذلك تأويلُها، وشُذوذِ مَن تأوَّلَها بأنها بمَعْنَى: تُولُّون عنه فتَسْتَدْبرونه، [ففى الذى] (١) تتَوجَّهون إليه وجهُ اللهِ.
بمَعْنَى: قِبلةُ اللهِ.
[وقولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾.
مجزومٌ بحرفِ الجزاءِ، وهو قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾] (٢).
وأما قولُه: ﴿فَثَمَّ﴾.
فإنه بمَعْنَى: هنالك.
واخْتُلِفَ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: فثَمَّ قِبلةُ اللهِ.
يَعْنى بذلك: وَجْهُه الذى وَجَّههم إليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن النضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
قال: قبلةُ اللهِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحجَّاجُ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كنتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها.
وقال آخرون: معنى قولِ اللهِ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَمَّ اللهُ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَم تُدْرِكون بالتوجُّهِ إليه رضا اللهِ الذى له الوجهُ الكريمُ.
وقالوا (١): عَنَى بالوجهِ: ذو (٢) الوجهِ.
وقال قائلو هذه المقالةِ: وجهُ اللهِ له صفةٌ.
فإن قال قائلٌ: وما هذه الآيةُ مِن التى قبلَها؟
قيل: هى لها مُواصلةٌ، وإنما معنى ذلك: ومَن أظلمُ مِن النصارى الذين منَعوا عبادَ اللهِ مساجدَه أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وسَعَوا فى خرابِها، وللهِ المشرقُ والمغربُ، فأينما وجَّهتم وجوهَكم فاذكُروه، فإن وجهَه هنالك، يَسَعُكم فَضْلُه وأرضُه وبلادُه، ويَعلمُ ما تعمَلون، ولا يَمْنعكم تخريبُ مَن خرَّب [مساجدَ اللهِ ببيتِ المقدسِ] (٣)، ومَنْعُهم مَن مَنَعوا مِن ذكرِ اللهِ فيه - أن تَذْكروا اللهَ حيثُ كنتم مِن أرضِ اللهِ، تَبْتَغون به وجهَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَاسِعٌ﴾: يَسَعُ خلقَه كلَّهم بالكِفايةِ والإفْضالِ والجودِ والتدبيرِ.
وأما قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾.
فإنه يعنى أنه عليمٌ بأعمالِهم (٤)، لا يَغيبُ عنه منها شيءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه (٥) علمُه، بل هو بجميعِها عليمٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾.
الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه.
و ﴿قَالُوا﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
وتأويلُ الآيةِ: ومَن أظلمُ ممن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه وسَعَى فى خرابِها، وقالوا: اتخَذ اللهُ ولدًا.
وهم النَّصارَى الذين زعَموا أن عيسى ابنُ اللهِ، فقال جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، وأضافوا إليه بكَذِبِهم وفِرْيتِهم -: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تنزيهًا للهِ، وتَبَرِّيًا (١) مِن أن يكونَ له ولدٌ، وعلوًّا وارتفاعًا عن ذلك.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى قولِ القائلِ: سُبحانَ اللهِ.
بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (٢).
ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن له ما فى السماواتِ والأرضِ مِلْكًا وخَلْقًا.
ومعنى ذلك: وكيف يكونُ المسيحُ للهِ ولدًا، وهو لا يَخْلو مِن (٣) أن يَكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؛ إما فى السماواتِ، وإما فى الأرضِ، وللهِ مِلكُ ما فيهما، ولو كان المسيحُ ابنًا كما زعَمتم، لم يكنْ كسائرِ ما فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه وعبيدِه، فى ظهورِ آثارِ (٤) الصنعةِ فيه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ تْناؤُه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: [كلٌّ له] (٥) مُطِيعون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون (١).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
قال: مُطِيعون.
وقال: طاعةُ الكافرِ فى سجودِ ظِلِّه (٢).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه زاد: يَسْجُدُ ظِلُّه وهو كارهٌ (٣).
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
يقولُ: كلٌّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ (٤).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
قال: الطاعةُ.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: كلٌّ له مُقِرُّون بالعُبودةِ (٦).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
قال: كلٌّ له مُقِرٌّ بالعُبودةِ (١).
وقال آخرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
يقولُ: كلٌّ له قائمٌ يومَ القيامةِ (٢).
وللقنوتِ فى كلامِ العربِ مَعانٍ: أحَدُها، الطاعةُ.
والآخرُ، القِيامُ.
والثالثُ، الكفُّ عن الكلامِ والإمساكُ عنه.
وأوْلَى معانى القُنوتِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: الطاعةُ والإقرارُ للهِ بالعبودةِ، بشَهادةِ أجسامِهم بما فيها مِن آثارِ الصنعةِ، والدلالةِ على وحدانيةِ اللهِ، وأن اللهَ تعالى ذِكْرُه بارئُها وخالقُها، وذلك أن اللهَ أكْذَبَ الذين زعَموا أن للهِ ولدًا بقولِه: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
مِلْكًا وخلقًا.
ثم أَخْبَر عن جميعِ ما فى السماواتِ والأرضِ أنها مُقِرَّةٌ بدلالتِها على ربِّها وخالقِها، وأن اللهَ تعالى بارئُها وصانعُها -وإن جحَد ذلك بعضُهم بألسنتِهم (٣) - مُذعِنةٌ له بالطاعةِ، بشَهادتِها له بآثارِ الصنعةِ التى فيها بذلك، وأن المسيحَ أحدُهم، فأنَّى يَكونُ للهِ ولدًا وهذه صفتُه!
وقد زعَم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلامِ وجْهتَه، أن قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ.
وغيرُ جائزٍ ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٌّ ظاهرُها، إلا بحُجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بينَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ".
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن أن المسيحَ -الذى زعَمت النصارى أنه ابنُ اللهِ- مُكَذِّبُهم هو والسماواتُ والأرضُ وما فيهما، إما باللسانِ، وإما بالدلالةِ، وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن جميعِهم بطاعتِهم إيَّاه، وإقرارِهم له بالعبودةِ، عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾.
فدلَّ ذلك على صحةِ ما قلنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مُبدِعُها.
وإنما هو مُفْعِلٌ، فصُرِفَ إلى فعيلٍ، كما صُرِفَ المؤلمُ إلى الأليمِ، والمسمعُ إلى السميعِ.
ومعنى المبُدعِ: المُنْشِئُ والمُحْدِثُ ما لم يَسبِقْه إلى إنشاءِ مثلِه وإحداثِه أحدٌ.
ولذلك سُمِّىَ المُبْتدِعُ في الدينِ مُبتدِعًا؛ لإحداثِه فيه ما لم يَسبِقْه إليه غيرُه.
وكذلك كلُّ مُحدِثٍ فعلًا أو قولًا لم يَتَقدمْه فيه مُتَقدِّمٌ، فإن العربَ تُسَميه مُبتدعًا، مِن ذلك قولُ أعْشَى بنى ثَعْلبةَ في مدحِ هَوْذةَ بنِ علىٍّ الحنَفىِّ (١): يُرْعِى إلى قَوْلِ ساداتِ الرجالِ إذا … أبْدَوْا له الحَزْمَ أو ما شاءَه ابْتَدَعا أى: يُحْدِثُ ما شاء.
وقولُ رُؤْبةَ بنِ العجَّاجِ (٢): فأيُّها الغاشِى القِذافَ (١) الأَتْيَعا (٢) إن كُنْتَ للهِ التَّقِىَّ الأطْوعَا فليس وَجْهُ الحقِّ أن تَبَدَّعا يعنى: أن تُحْدِثَ في الدينِ ما لم يَكُنْ فيه.
فمعنى الكلامِ: سُبحانَ اللهِ، أَنَّى يكونُ له ولدٌ وهو مالكُ ما في السماواتِ والأرضِ، تَشْهدُ له جميعُها بدلالتِها عليه بالوَحْدانيةِ، وتُقِرُّ له بالطاعةِ، وهو بارئُها وخالقُها، ومُوجدُها مِن غيرِ أصلٍ، ولا مِثالٍ احْتَذاها عليه!.
وهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أنَّ مما يَشْهَدُ له بذلك المسيحُ الذى أضافوا إلى اللهِ بُنُوَّتَه، وإخبارٌ منه لهم أن الذى ابْتَدع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، وعلى غيرِ مِثالٍ، هو الذى ابْتَدع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقُدْرتِه.
وبنحوِ الذى قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ابْتَدع خلقَها، ولم يَشْرَكْه في خلقِها أحدٌ (٣).
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يَقولُ: ابْتَدعها فخَلَقها، ولم يَخْلُقْ مثلَها شيئًا يتَمثَّلُ (١) به (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾: وإذا أحْكَم أمرًا وحَتَمه.
وأصلُ كلِّ قضاءٍ: الإحْكامُ والفراغُ منه.
ومِن ذلك قِيلَ للحاكمِ بينَ الناسِ: القاضِى بينهم.
لِفَصْلِه القضاءَ بينَ الخصومِ، وقَطْعِه الحكمَ بينَهم وفراغِه.
ومنه قيل للميتِ: قد قضَى.
يُرادُ به: فرَغ مِن الدنيا وفصَل منها.
ومنه قيل: ما يَنْقضِى عَجَبِى مِن فلانٍ.
يُرادُ: ما ينقطِعُ.
ومنه قيل: تَقَضَّى النهارُ.
إذا انْصَرم.
ومنه قولُه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
أى: فصَل الحكمَ فيه بينَ عبادِه بأمرِه إيَّاهم بذلك.
وكذلك قولُه: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤].
أى: أعْلَمناهم بذلك وأخْبَرناهم به، ففَرَغْنا إليهم منه.
ومنه قولُ أبى ذُؤَيبٍ (٣): وعليهما مَسْرُودتَانِ (٤) قَضَاهما … دَاودُ أو صَنَعُ (٥) السوَابِغِ تُبَّعُ ويُروَى: *وتَعاوَرَا مَسْرُودتَين قَضَاهما* ويَعْنى بقولِه: قضاهما: أحْكَمهما.
ومنه قولُ الآخرِ في مدحِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ (١): قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غادَرْتَ بعدَها … بوَائِقَ في أكْمامِها لم تَفَتَّقِ ويُروَى: بوائجَ (٢).
وأما قولُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
فإنه يَعْنى بذلك: وإذا أحْكَم أمرًا فحَتَمه فإنما يَقولُ له: كُنْ.
فيكونُ ذلك الأمرُ على ما أمرَه اللهُ أن يكونَ وأرادَه.
فإنْ قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؟
وفى أىِّ حالٍ يقولُ للأمرِ الذى يَقْضِيه: كُنْ.
أفى حال عدمِه -وتلك حالٌ لا يَجوزُ أمرُه، إذ كان مُحالًا أن يُؤْمرَ إلا مأمورٌ، فإذا لم يكنِ المأمورُ، اسْتَحال الأمرُ، كما محالٌ الأمرُ مِن غيرِ آمرٍ، فكذلك محالٌ الأمرُ مِن آمرٍ إلا لمأْمورٍ- أم يقولُ ذلك له في حالِ وجودِه، وتلك حالٌ لا يجوزُ أمرُه فيها بالحدوثِ؛ لأنه حادِثٌ موجودٌ، ولا يُقالُ للموجودِ: كُنْ موجودًا.
إلا بغيرِ مَعْنَى الأمرِ بحدوثِ عَينِه؟.
قيل: قد تَنازَع المتأوِّلون معنى ذلك، ونحن مُخْبِرون بما قالوا فيه، والعللِ التى بها اعتلَّ كلُّ قائلٍ (٣) منهم لِقولِه في ذلك، فقال بعضهم: ذلك خبرٌ مِن اللهِ عن أمرِه المحتومِ -على وجهِ القضاءِ لمن قضَى عليه قضاءً مِن خلقِه الموجود- أنه إذا أمرَه بأمرٍ نفَذ فيه قضاؤُه، ومضى فيه أمرُه.
نَظِيرُ أمرِه مَن أمَر مِن بنى إسرائيلَ بأن يكونوا قِرَدةَ خاسِئين، وهم موجودون في حالِ أمرِه إيَّاهم بذلك، وحَتْمِ قضائِه عليهم بما قضَى فيهم، وكالذى خسَف به وبدارِه الأرضَ، وما أشْبَه ذلك مِن أمرِه وقضائِه، في من كان موجودًا مِن خلقِه في حالِ أمرِه المحتومِ عليه.
فوجَّه قائِلو هذا القولِ قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
إلى الخصوصِ دونَ العمومِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ عامٌّ ظاهِرُها، فليس لأحدٍ أن يُحِيلَها إلى باطنٍ بغيرِ حُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها.
وقالوا: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه عالمٌ بكلِّ ما هو كائنٌ قبلَ كونِه، فلما كان ذلك كذلك، كانت الأشياءُ التى لم تَكُن -وهى كائنةٌ، لعلمِه بها قبل كونِها- نَظائرَ التى هى موجودةٌ، فجاز أن يَقولَ لها: كونى.
ويَأمرَها بالخروجِ مِن حالِ العدمِ إلى حالِ الوجودِ، لتَصوُّرِ جميعِها له، ولعلمِه بها في حالِ العدمِ.
وقال آخرون: بل الآيةُ وإن كان ظاهِرُها ظاهِرَ عمومٍ، فتأويلُها الخصوصُ؛ لأن الأمرَ غيرُ جائزٍ إلا لمأمورٍ على ما وصَفْتُ قبلُ.
قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، فالآيةُ تأويلُها: وإذا قضى أمرًا؛ من إحياءِ مَيِّتٍ، أو إماتةِ حىٍّ، ونحوِ ذلك، فإنما يقولُ للحى: كُنْ (١) مَيتًا.
وللميتِ: كُنْ حيًّا.
وما أشْبَه ذلك مِن الأمرِ.
وقال آخرون: بل ذلك مِن اللهِ جلّ ثناؤُه خبرٌ عن جميعِ ما يُنْشِئُه ويُكَوِّنُه، أنه إذا قضاه وخلَقه وأنشَأه كان ووُجِدَ.
ولا قولَ هنالك عندَ قائلى هذه المقالةِ إلا وجودُ المخلوقِ، وحدوثُ المَقْضىِّ.
وقالوا: إنما قولُ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
نَظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأْسِه، وقال بيدِه.
إذا حرَّك رأسَه وأوْمأ بيدِه، ولم يَقُلْ شيئًا.
وكما قال أبو النَّجْمِ (٢): قد (١) قالتِ الأنْساعُ للبَطْنِ الْحَقِ (٢) قِدْمًا فآضَتْ كالفَنِيقِ المُحنِقِ (٣) ولا قولَ هنالك، إنما عَنَى أن الظَّهْرَ قد لحق بالبطنِ.
وكما قال عمرُو بنُ حُممةَ الدَّوْسِىُّ (٤): فأصْبَحْتُ [مِثْلَ النّسْرِ طارَتْ فراخُه] (٥) … إذا رَامَ تَطْيَارًا يُقالُ له قَعِ ولا قولَ هنالك، وإنما معناه: إذا رام طَيَرانًا وقَع.
وكما قال الآخرُ (٦): امْتَلأَ الحَوْضُ وقال قَطْنِى مَهْلًا (٧) رُوَيْدًا قَدْ مَلأْتَ بَطْنى وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أن يُقالَ: هو عامٌّ في كلِّ ما قضاه اللهُ ودبَّره (٨)، لأن ظاهِرَ ذلك ظاهِرُ عمومٍ، وغيرُ جائزٍ إحالةُ الظاهرِ إلى الباطنِ مِن التأويلِ بغيرِ برهانٍ؛ لما قد بَينَّا في كتابِنا "كتابِ البيان عن أصولِ الأحكامِ".
وإذ كان ذلك كذلك، فأمرُ اللهِ تعالى ذكرُه للشئِ إذا أراد تكوينَه موجودًا بقولِه: ﴿كُنْ﴾.
في حالِ إرادتِه جل ثناؤُه إيّاه مُكَوَّنًا (١)، لا يَتقدَّمُ وجودَ (٢) الذى أراد إيجادَه وتكوينَه، إرادتَه إيَّاه، ولا أمرَه بالكونِ والوجودِ - ولا يَتأخَّرُ عنه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ الشئُ مأمورًا بالوجودِ مرادًا كذلك إلا وهو موجودٌ، ولا أن يكونَ موجودًا إلا وهو مأمورٌ بالوجودِ مرادٌ كذلك.
ونظيرُ قولِه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
قولُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم: ٢٥].
بأن خروجَ القومِ مِن قبورِهم لا يَتقدَّمُ دُعاءَ اللهِ إيَّاهم ولا يتأخَّرُ عنه.
ويُسألُ مَن زعَم أن قولَه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ خاصٌّ في التأويلِ -اعْتِلالًا بأن أمْرَ غيرِ الموجودِ غيرُ جائزٍ- عن دَعْوةِ أهلِ القبورِ، أقبْلَ خُروجِهم مِن قبورِهم أم بعدَه (٣)، أم هى في خاصٍّ مِن الخلقِ؟
فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.
وأمَّا (٤) الذين زعَموا أن معنى قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
نظيرُ قولِ القائلِ: قال فلانٌ برأسِه أو بيدِه.
إذا حرَّكه أو أوْمَأ.
ونَظيرُ قولِ الشاعرِ [مُخبرًا عن ناقتِه] (٥): تقولُ إذا دَرَأْتُ (١) لها وَضِينِى (٢) … أهذا دِينُه أبدًا ودِينِى (٣) وما أشْبَهَ ذلك، فإنهم لا صوابَ اللغةِ أصابوا، ولا كتابَ اللهِ وما دلَّت على صحتِه الأدلةُ اتَّبَعُوا، فيُقالُ لقائلى ذلك: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَر عن نفسِه أنه إذا قضَى أمرًا قال له: كُنْ.
أفتُنْكِرون أن يكونَ قائلًا ذلك؟
فإن أنْكَروه كذَّبوا بالقرآنِ، وخرَجوا مِن الملةِ.
وإن قالوا: بل نُقِرُّ به، ولكنا نَزْعُمُ أن ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال.
ولا قولَ هنالك، وإنما ذلك خبرٌ عن مَيْلِ الحائطِ.
قيل لهم: أفتُجِيزون للمُخْبِرِ عن الحائطِ بالمَيْلِ أن يقولَ: إنما قولُ الحائطِ إذا أراد أن يَميلَ أن يقولَ هكذا فيَمِيلَ؟
فإن أجازوا ذلك، خرَجوا مِن معروفِ كلامِ العربِ، وخالفُوا مَنْطِقَها وما يُعْرَفُ فى لسانِها.
وإن قالوا: ذلك غيرُ جائزٍ.
قيل لهم: إن اللهَ تعالى ذكرُه أخْبرَ (٤) عن نفسِه أن قولَه للشئِ إذا أراده أن يقولَ له: كُنْ.
فيكونُ.
فأعْلَم عبادَه قولَه الذى يكونُ به الشئُ، ووصَفه ووكَّده.
وذلك عندَكم غيرُ جائزٍ فى العبارةِ عما لا كلامَ له ولا بيانَ، فى مثلِ قولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال.
فكيف لم تَعْلَموا بذلك فَرْقَ ما بينَ قولِ اللهِ: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
وقولِ القائلِ: قال الحائطُ فمال؟
وللبيانِ عن فسادِ هذه المَقالةِ موضعٌ غيرُ هذا، نَأْتِى فيه على القولِ بما فيه الكِفايةُ إن شاء اللهُ.
وإذْ كان الأمرُ فى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
هو ما وصَفْنا، مِن أن حالَ أمْرِه الشئَ بالوجودِ حالُ وجودِ المأمورِ بالوجودِ، فَبَيِّنٌ (١) بذلك أن الذى هو أولى بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾.
[أن يكونَ رفعًا] (٢) على العطفِ على قولِه: ﴿يَقُولُ﴾.
لأن القولَ والكونَ حالُهما واحدةٌ.
وهو نظيرُ قولِ القائلِ: تاب فلانٌ فاهْتَدَى، واهْتَدَى فلانٌ فتاب.
لأنه لا يكونُ تائبًا إلا وهو مُهْتَدٍ، ولا مُهْتَدِيًا إلا وهو تائبٌ.
فكذلك لا يكونُ أن يَكونَ اللهُ آمِرًا شيئًا بالوجودِ إلا وهو موجودٌ، ولا موجودًا إلا وهو آمِرُه بالوجودِ.
ولذلك اسْتَجاز مَن استجاز نَصْبَ (فيكونَ) مَن قرَأ: (إنما قولُنا لشيءٍ إذا أرَدْناه أن نقولَ له كنْ فيكونَ) (٣) [النحل: ٤٠].
بالمعنى الذى وصَفْنا على معنى: أن نقولَ فيكونَ.
وأمَّا رَفْعُ مَن رفَع ذلك، فإنه رأَى أن الخبرَ قد تمَّ عندَ قولِه: ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ﴾.
إذ كان معلومًا أن اللهَ إذا حتَم قضاءَه على شيءٍ، كان المحتومُ عليه موجودًا، ثم ابْتَدَأ بقولِه: ﴿فَيَكُونُ﴾.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥].
وكما قال ابنُ أحْمرَ (٤): يُعالِجُ عاقِرًا أَعْيَتْ علَيه … لِيُلْقِحَها فيَنْتِجُها حُوَارَا (٥) يُريدُ: فإذا هو يَنْتِجُها حُوَارَا.
فمعنى الآيةِ: وقالوا اتَّخَذ اللهُ ولدًا.
سبحانَه أن يكونَ له ولدٌ، بل هو مالكُ السماواتِ والأرضِ وما فيهما، كلُّ ذلك له مُقِرٌّ بالعبوديَّةِ، بدلالتِه على وَحْدانيتِه.
فأنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو ابْتَدَع السماواتِ والأرضَ مِن غيرِ أصلٍ، كما الذى ابْتَدَع المسيحَ مِن غيرِ والدٍ بقدرتِه وسلطانِه، الذى لا يَتَعَذَّرُ عليه به شيءٌ أراده، بل إنما يقولُ له إذا قضاه فأراد تكوينَه: كُنْ.
فيكونُ موجودًا كما أراده وشاءَه، فكذلك كان ابتداعُه المسيحَ وإنشاؤُه، إذ أراد خَلْقَه مِن غيرِ والدٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى مَن عنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك النَّصارَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
قال: النَّصارَى تَقولُه (١).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه، وزاد فيه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾: النصارى.
وقال آخَرون: بل عنى اللهُ بذلك اليهودَ الذين كانوا فى زمانِ رسولِ اللهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدثنا سَلَمةُ بنُ الفضلِ، قالا جميعًا: حدثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، أو عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رافعُ بن حُريمِلةَ لرسولِ اللهِ ﷺ: إن كنتَ رسولًا مِن عندِ اللهِ كما تقولُ، فقلْ للهِ فلْيُكَلِّمْنا حتى نَسْمَعَ كلامَه.
فأنْزَل اللهُ فى ذلك مِن قولِه (١): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾.
الآية كلها (٢).
وقال آخَرون: بل عنَى اللهُ بذلك مُشْرِكى العربِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يَزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾: وهم كفارُ العربِ (٣).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾.
قال: هم كفارُ العربِ (٤).
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾: أما الذين لا يعلَمون فهم العربُ (١).
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ والصوابِ قولُ القائلِ: إن اللهَ تعالى ذكرُه عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
النَّصارَى دونَ غيرِهم؛ لأن ذلك فى سياقِ خبرِ اللهِ عنهم، وعن افترائِهم عليه، وادِّعائهم له ولدًا، فقال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم فيما أخْبَر عنهم مِن ضلالتِهم، أنهم مع افترائِهم على اللهِ الكذبَ بقولِهم: ﴿اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾.
تَمنَّوا على اللهِ الأباطيلَ، فقالوا جَهْلًا منهم باللهِ، وبمنزلتِهم عندَه، وهم باللهِ مُشْرِكون: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾ كما يُكَلِّمُ رسلَه وأنبياءَه، ﴿أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ كما أتَتْهم.
ولا يَنْبَغِى للهِ أن يُكَلِّمَ إلَّا أولياءَه، ولا يؤْتِىَ آيةً مُعْجِزةً على دَعْوَى مُدَّعٍ إلا لمَن كان مُحِقًّا فى دعواه، وداعيًا إلى دينِه (٢) وتوحيدِه.
فأما مَن كان كاذبًا فى دعواه، وداعيًا إلى الفِريةِ عليه، وادِّعاءِ البنين والبناتِ له، فغيرُ جائزٍ أن يُكَلِّمَه جل ثناؤُه، أو يُؤْتِيَه آيةً مُعْجِزةً تكونُ مُؤَيدةً كَذِبَه وفِريتَه عليه.
فأمَّا (٣) الزاعمُ أنَّ اللهَ عَنَى بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
العربَ، فإنه قائلٌ قولًا لا خبرَ بصحتِه، ولا بُرهانَ على حقيقتِه فى ظاهرِ الكتابِ.
والقولُ إذا صار إلى ذلك، كان واضحًا خطؤُه؛ لأنه ادَّعَى ما لا برهانَ على صحتِه.
وادِّعاءُ مثلِ ذلك لن يَتَعذرَ على أحدٍ.
وأما معنى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾.
فإنه بمعنى: هَلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ.
كما قال الأشْهَبُ بنُ رُمَيْلةَ (١): تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ (٢) أفْضَلَ مَجْدِكُمْ (٣) … بَنِى ضَوْطَرَى (٤) لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا يعنى: هلَّا تَعُدُّون الكمىَّ المُقَنَّعَا.
وكما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾.
قال: فهلَّا يُكَلِّمُنا اللهُ (٥).
وأمَّا "الآيَةُ"، فقد [بيَّنتُ فيما مضى قبلُ] (٦) أنها العلامةُ.
وإنما أخْبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: هلَّا تَأْتينا آيةٌ على ما نُرِيدُ ونَسْألُ، كما أَتَت الأنبياءَ والرسلَ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى من عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم فى ذلك بما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾: هم اليهودُ (١).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الذين من قبلهم اليهودُ.
وقال آخرون: هم اليهودُ والنصارى؛ لأن الذين لا يَعْلَمون هم العربُ (٢).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
يعنى: اليهودُ والنصارى وغيرُهم (٣).
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: قالوا -يعنى العربَ- كما قالت اليهودُ والنصارى مِن قبلِهم (٤).
وحدَّثنى المثنى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾.
يعنى: اليهودُ والنصارى (٥).
قال أبو جعفرٍ: قد دَلَّلنا على أن الذين عَنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللهُ﴾.
هم النصارى، فالذين قالت النصارى (٦) مثْلَ قولِهم هم اليهودُ؛ [لأن اليهودَ] (١) سأَلت موسى ﵇ أن يُرِيَهم ربَّهم جهرةً، وأن يُسْمِعَهم كلامَ ربِّهم -كما قد بيَّنا فيما مَضَى مِن كتابِنا هذا (٢) - وسألوا مِن الآياتِ ما ليس لهم مسألتُه تَحكُّمًا منهم على ربِّهم، وكذلك تَمَنَّت النصارى على ربِّها تَحكُّمًا منها عليه، أن يُسْمِعَهم كلامَه، ويُرِيَهم ما أرادوا مِن الآياتِ، فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم قالوا مِن القولِ في ذلك مِثْلَ الذى قالَتْه اليهودُ، وتَمنَّت على ربِّها مِثْلَ أمانيِّها، وأن قولَهم الذى قالوه مِن ذلك إنما يُشابهُ قولَ اليهودِ، مِن أجلِ تَشابُهِ قلوبِهم في الضلالةِ والكفرِ باللهِ.
فهم وإن اخْتَلفتْ مذاهبُهم في كذبِهم على اللهِ، وافترائِهم عليه، فقلوبُهم متشابهةٌ في الكفرِ بربِّهم والفِريةِ عليه، وتَحكُّمِهم على أنبياءِ اللهِ ورسلِه ﵈.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال مجاهدٌ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: قلوبُ النصارى واليهودِ.
وقال غيرُه: معنى ذلك: تَشابَهت قلوبُ كفارِ العربِ واليهودِ والنصارى وغيرِهم.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
يعنى العربَ واليهودَ والنصارى وغيرَهم.
وحدَّثنى المثنى، حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
وغيرُ جائزٍ في قولِه: ﴿تَشَابَهَتْ﴾.
التَّثْقِيلُ؛ لأن التاءَ في أوَّلِها زائدةٌ، أُدْخِلت لقولِه: "تفاعَل".
فإن ثُقِّلت صارت تاءَيْن، ولا يَجوزُ إدْخالُ تاءَيْن زائِدَتين علامةً لمعنًى واحدٍ، وإنما يَجوزُ ذلك في الاستقبالِ، لاختلافِ معنَى دُخولِهما؛ لأن إحداهما تَدْخُلُ عَلَمًا للاستقبالِ، والأُخْرَى منهما التى في "تفاعَل"، ثم تُدْغمُ إحداهما في الأخرى فتُثَقَّلُ، فيقالُ: تَشَّابَهُ بعدَ اليومِ قلوبُنا.
فمعنَى الآيةِ: وقالت النصارى الجُهَّالُ باللهِ وبعَظمتِه: هَلَّا يُكَلمُنا اللهُ ربُّنا، كما كَلَّم أنبياءَه ورسلَه، أو تَجيئُنا علامةٌ مِن اللهِ نَعْرِفُ بها صدقَ ما نحن عليه، على ما نَسْألُ ونُريدُ.
قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: فكما قال هؤلاء الجَهَلةُ مِن النصارى وَتمنَّوا على ربِّهم، قال مَن قَبْلَهم مِن اليهودِ، فسألوا ربَّهم أن يُرِيَهم نفسَه جَهْرةً، ويُؤْتِيَهم آيةً، واحْتَكموا عليه وعلى رسلِه، وتَمنَّوا الأمانِىَّ، فاشْتَبهت قلوبُ اليهودِ والنصارى في تَمرُّدِهم على اللهِ، وقِلَّةِ مَعرِفتِهم بعظمتِه، وجُرْأتِهم على أنبيائِه ورسلِه، كما اشْتَبهت أقوالُهم التى قالوها.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: قد بيَّنَّا العلاماتِ التى مِن أجلِها غَضِبَ اللهُ على اليهودِ، وجعَل منهم القِردةَ والخنازيرَ، وأعدَّ لهم العذابَ المُهينَ في معادِهم، والتى مِن أجلِها أخْزَى اللهُ النصارى في الدنيا، وأعدَّ لهم الخزىَ والعذابَ الأليمَ في الآخرةِ، والتى مِن أجلِها جعَل سُكَّانَ الجِنانِ الذين أسْلَموا وجوهَهم للهِ وهم محسنون - في هذه السورةِ وغيرِها، فأُعْلِموا الأسبابَ التى مِن أجلِها استحقَّ كلُّ فريقٍ منهم مِن اللهِ ما فعَل به مِن ذلك.
وخصَّ اللهُ بذلك القومَ الذين يُوقِنون؛ لأنهم هم أهلُ التَّثبُّتِ في الأمورِ، والطالبون معرفةَ حقائقِ الأشياءِ على يقينٍ وصحةٍ.
فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنه بَيَّن لمَن كانت هذه الصفةُ صفتَه ما بَيَّن مِن ذلك؛ ليزولَ شَكُّه، ويَعْلَمَ حقيقةَ الأمرِ، إذ كان ذلك خبرًا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، وخبرُ اللهِ الخبرُ الذى لا يُعذَرُ سامِعُه بالشكِّ فيه.
وقد يَحْتَمِلُ غيرُه مِن الأخبارِ ما يَحْتَمِلُ مِن الأسبابِ العارضةِ فيه، مِن السَّهْوِ والغلَطِ والكذبِ، وذلك مَنْفِىٌّ عن خبرِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
ومعنى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: إنا أرسلناك يا محمدُ بالإسلامِ الذى لا أَقبَلُ مِن أحدٍ غيرَه مِن الأديانِ، وهو الحقُّ، مُبشِّرًا مَن اتَّبَعك فأطاعك، وقَبِل منك ما دَعوتَه إليه مِن الحقِّ، بالنصرِ في الدنيا، والظَّفَرِ بالثوابِ في الآخرةِ، والنعيمِ المُقيمِ فيها، ومُنْذِرًا مَن عصاك فخالفَك، وردَّ عليك ما دَعَوْتَه إليه مِن الحقِّ، بالخِزْىِ في الدنيا، والذلِّ فيها، والعذابِ المُهينِ في الآخرةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قَرَأت عامَّةُ القَرأةِ: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
بِضَمِّ التاءِ مِن ﴿تُسْأَلُ﴾ ورَفْعِ اللامِ منها على الخبرِ، بمعنى: يا محمدُ، إنا أرْسَلناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا، فبلِّغْ (١) ما أُرْسِلْتَ به، فإنما عليك البلاغُ والإنْذارُ، ولسْتَ مسئولًا عمَّن كفَر بما أتَيْتَه به مِن الحقِّ فكان مِن أهلِ الجحيمِ.
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ المدينةِ.
(ولا تَسألْ).
جَزْمًا بمعنى النَّهْىِ، مفتوحَ التاءِ مِن (تَسْأَلْ)، وبجَزْمِ اللامِ منها (٢).
ومعنى ذلك على قراءةِ هؤلاء: إنا أرْسَلناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا؛ لتُبلِّغَ ما أُرْسِلْتَ به، لا لتسألَ عن أصحابِ الجحيمِ، فلا تَسْأَلْ عن حالِهم.
وتَأوَّل الذين قرَءوا هذه القراءةَ ما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن موسى بنِ عُبيدة (١)، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ: "ليتَ شِعْرِى ما فعَل أبواى".
فنزَلت: (ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجَحيمِ) (٢).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا الثورىُّ، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى، ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى، ليت شِعْرِى ما فعَل أبواى" (٣).
فنزَلت: (إنا أرْسَلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ).
فما ذكَرهما حتى تَوفَّاه اللهُ (٤).
وحدَّثنى القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبرنى داودُ بنُ (٥) أبى عاصمٍ، أن النبىَّ ﷺ قال ذاتَ يومٍ: "ليت شِعْرِى أين أبواى".
فنزَلت: (إنا أرْسَلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ) (٦).
والصوابُ عندى مِن القراءةِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ بالرفعِ (٧)، على الخبرِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه قصَّ قَصصَ أقوامٍ مِن اليهودِ والنصارى، وذكَر ضلالتَهم وكفرَهم باللهِ، وجُرْأتَهم على أنبيائِهم (١)، ثم قال لنبيِّه ﷺ: إنا أرسلناك يا محمدُ بشيرًا مَن آمَن بك واتبعك، ممن قَصَصتُ عليك أنباءَه ومَن لم أقْصُصْ عليك أنباءَه، ونذيرًا مَن كفَر بك وخالفَك.
فبَلِّغْ رسالتى، فليس عليك مِن أعمالِ مَن كفَر بك -بعدَ إبلاغِك إياه رسالتى- تَبِعةٌ، ولا أنت مسئولٌ عما عمِل (٢) بعدَ ذلك.
ولم يَجْرِ لمسألةِ رسولِ اللهِ ﷺ ربَّه عن أصحابِ الجحيمِ ذِكْرٌ فيكونَ لقولِه: (ولا تَسْألْ عن أصحابِ الجحيمِ).
وجهٌ يُوَجَّهُ إليه.
وإنما الكلامُ موجَّهٌ معناه إلى ما دلَّ عليه ظاهرُه المفهومُ، حتى تأتىَ دلالةٌ بينةٌ تَقومُ بها الحجةُ على أنا المرادَ به غيرُ ما دلَّ عليه ظاهرُه، فيكونَ حينَئذٍ مُسلَّمًا للحجةِ الثابتةِ بذلك.
ولا خبرَ تَقومُ به الحجةُ على أن النبىَّ ﷺ نُهِىَ عن أن يَسْألَ في هذه الآيةِ عن أصحابِ الجحيمِ، ولا دلالةَ تدلُّ على أن ذلك كذلك في ظاهرِ التنزيلِ.
فالواجبُ أن يكونَ تأويلُ ذلك الخبرَ عمّا (٣) مَضَى ذِكْرُه قبلَ هذه الآيةِ، وعمَّن ذكَره بعدَها مِن اليهودِ والنصارى وغيرِهم مِن أهلِ الكفرِ، دونَ النهىِ عن المسألةِ عنهم.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن الخبرَ الذى رُوِىَ عن محمدِ بنِ كعبٍ صحيحٌ، فإن في استحالةِ الشكِّ مِن الرسولِ ﷺ -في أن أهلَ الشركِ مِن أهلِ الجحيم، وأن أبويه كانا منهم- ما يَدْفعُ صحةَ ما قاله محمدُ بنُ كعبٍ، إن كان الخبرُ عنه صَحيحًا.
مع أن في ابتداءِ اللهِ الخبرَ بعدَ قولِه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
بالواوِ، بقولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
وتركِه وَصْلَ ذلك بأولِه بالفاءِ، وأن يقولَ (٤): إنا أَرسْلناك بالحقِّ بشيرًا وتذيرًا فلا (٥) تَسْأَلْ عن أصحابِ الجحيمِ -أوضحَ الدلائلِ على أن الخبرَ بقولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
أوْلَى مِن النهىِ، والرفعُ أوْلَى به مِن الجزمِ.
وقد ذُكِرَ أنها في قراءةِ أبىٍّ: (وما تُسْأَلُ).
وفى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (ولن تُسْألَ).
وكلتا هاتين القراءتين تَشْهَدُ للرفعِ والخبرِ فيه بالصحةِ (١)، دونَ النهىِ.
وقد كان بعضُ نحويِّى البصرةِ يوُجِّهُ قولَه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾.
إلى الحالِ، كأنه كان يَرى أن معناه: إنا أرسلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا غيرَ مسئولٍ عن أصحابِ الجحيمِ.
وذلك إذا ضَمَّ التاءَ، وقرَأه على معنى الخبرِ.
وكان يُجيزُ على ذلك قراءتَه: (ولا تَسْأَلُ).
بفتحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ على وجهِ الخبرِ أيضًا، بمعنى: إنا أرسلْناك بالحقِّ بشيرًا ونذيرًا غيرَ سائلٍ عن أصحابِ الجحيمِ.
وقد بيَّنّا الصوابَ عندنا في ذلك.
وهذان القولان اللذان ذكَرْتُهما عن البصرىِّ في ذلك تَدْفَعُهما (٢) ما رُوِى عن ابنِ مسعودٍ وأبىٍّ من القراءةِ؛ لأن إدخالَهما ما أَدخلا في (٣) ذلك من "ما"، و"لن"، يدلُّ على انقطاعِ الكلامِ عن أولِه وابتداءِ قولِه: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾.
وإذا كان ابتداءً لم يكنْ حالًا.
وأما أصحابُ الجحيمِ، [فإنهم أهلُ الجحيمِ، والجحيمُ] (٤) هى النارُ بعينِها إذا شبَّ وقودُها، ومنه قولُ أميةَ بنِ أبى الصَّلْتِ (٥): إذا شَبَّتْ جَهَنّمُ ثُمَّ دارَت (١) … وأعْرَضَ عن قَوَابِسِها الجَحِيمُ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: وليست اليهودُ يا محمدُ ولا النصارَى براضيةٍ عنك أبدًا، فدَعْ طلبَ ما يُرضِيهم ويوافقُهم، وأقْبِلْ على طلبِ رضا اللهِ في دعائِهم إلى ما بعَثك اللهُ به من الحقِّ، فإن الذى تدعوهم إليه من ذلك لهو السبيلُ إلى الاجتماعِ فيه معك على الألفةِ والدين القيمِ، ولا سبيلَ لك إلى إرضائِهم باتباعِ ملتِهم؛ لأن اليهوديةَ ضدُّ النصرانيةِ، والنصرانيةَ ضدُّ اليهوديةِ، ولا تَجتمعُ النصرانيةُ واليهوديةُ في شخصٍ واحدٍ، في حالٍ واحدةٍ، واليهودُ والنصارى لا تجتمعُ على الرضا بك، إلا أن تكونَ يهوديًّا نصرانيًّا، وذلك مما لا يكونُ منك أبدًا؛ لأنك شخصٌ واحدٌ، ولن يَجْتَمِعَ فيك دينان متضادّان في حالٍ واحدةٍ، وإذا لم يكنْ لك إلى اجتماعِهما فيك في وقتٍ واحدٍ سبيلٌ، لم يكنْ إلى إرضاءِ الفريقَيْن سبيلٌ، وإذا لم يكنْ لك إلى ذلك سبيلٌ، فالزمْ هُدَى اللهِ الذى لجميعِ (٢) الخلقِ إلى الألفةِ عليه سبيلٌ.
وأما "الملةُ"، فإنها الدينُ، وجمعُها المِلَلُ.
ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ -لهؤلاءِ النصارَى واليهودِ الذين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ -: ﴿إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.
يعنى أن بيانَ اللهِ هو البيانُ المُقنِعُ، والقضاءُ الفاصلُ بينَنا، فهَلُمُّوا إلى كتابِ اللهِ وبيانِه الذى بيَّنَ فيه لعبادِه ما اختلَفوا فيه -وهو التوراةُ التى تُقِرُّون جميعًا بأنها من عندِ اللهِ- يَتَّضِحْ لكم فيها المُحِقُّ منا من المُبْطِلِ، وأيُّنا أهلُ الجنةِ وأيُّنا أهلُ النارِ، وأيُّنا على الصوابِ وأيُّنا على الخطأِ.
وإنما أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَدعوَهم إلى هُدَى اللهِ وبيانِه، لأن فيه تكذيبَ اليهودِ والنصارَى فيما قالوا من أن الجنةَ لن يَدخُلَها إلا من كان هُودًا أو نصارَى، وبيانَ أمرِ محمدٍ ﷺ، [وأنه رسولُ اللهِ] (١)، وأن المُكَذِّبَ به هو من أهلِ النارِ دونَ المصدِّقِ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك (٢): ولئنِ اتَّبعتَ يا محمدُ هَوَى هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى، فيما يُرضيهم عنك من تَهَوُّدٍ وتنَصُّرٍ، فصِرْتَ من ذلك إلى رضاهم، ووافقْتَ فيه محبتَهم، من بعدِ الذى جاءَك من العلمِ، بضلالتِهم وكفرِهم بربِّهم، ومن بعدِ الذى اقتصَصْتُ عليك من نبئِهم في هذه السورةِ، ﴿مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾.
يعنى بذلك: ليس لك يا محمدُ من ولىٍّ يَلِى أمرَك، وقَيِّمٍ يقومُ به، ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَنصُرُك من اللهِ، فيدفَعَ عنك ما ينزِلُ بك منه من عقوبةٍ، ويمنَعُك من ذلك إن أحلَّ بك ذلك ربُّك.
وقد بيَّنَّا معنى "الولىِّ" و"النصيرِ" فيما مضَى قبلُ (٣).
وقد قيل: إن اللهَ تعالى ذكرُه أنزلَ هذه الآيةَ على نبيِّه ﵇؛ لأن اليهودَ والنصارَى دعَتْه إلى أديانِها، وقال كلُّ حزبٍ منهم: إن الهُدَى هو ما نحن عليه، دونَ ما عليه غيرُنا من سائرِ المللِ.
فوعَظه اللهُ أن يفعلَ ذلك، وعلَّمه الحجةَ الفاصلةَ بينَهم فيما ادَّعى كلُّ فريقٍ منهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في الذين عناهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾؛ فقال بعضُهم؛ هم المؤمنون برسولِ اللهِ وبما جاء به من أصحابِه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾: هؤلاء أصحابُ نبىِّ اللهِ ﷺ، آمَنوا بكتابِ اللهِ وصدَّقُوا به (١).
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ بذلك علماءَ بني إسرائيلَ الذين آمنوا باللهِ وصدَّقوا رسلَه، فأقرُّوا بحكمِ التوراةِ، فعمِلوا بما أمَرهم اللهُ فيها من اتباعِ محمدٍ ﷺ، والإيمانِ به، والتصديقِ بما جاء به من عندِ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
[قال: مَن آمَن برسولِ اللهِ من بني إسرائيلَ وبالتوراةِ.
وقرَأ] (٢): ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: مَن كفر بالنبىِّ ﷺ من يهودَ، فأولئك هم الخاسرون (١).
وهذا القولُ أولى بالصوابِ من القولِ الذى قاله قتادةُ؛ لأن الآياتِ قبلَها مضَت بأخبارِ أهلِ الكتابَيْن، وتبديلِ مَن بدَّل منهم كتابَ اللهِ، وتأوُّلِهم إيَّاه على غيرِ تأويلِه، وادِّعائِهم على اللهِ الأباطيلَ، ولم يَجْرِ لأصحابِ محمدٍ ﷺ في الآيةِ التى قبلَها ذكْرٌ، فيكونَ قولُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.
موجَّهًا إلى الخبرِ عنهم، ولا لهم بعدَها ذكرٌ في الآيةِ التى تَتْلُوها، فيكونَ مُوَجَّهًا ذلك إلى أنه خبرٌ مبتدأٌ عن قَصَصِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ بعدَ انقضاءِ قَصَصِ غيرِهما، ولا جاء بأن ذلك خبرٌ عنهم أثَرٌ يَجِبُ التسليمُ له.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالذى هو أوْلَى بمعنى الآيةِ أن يكونَ موجَّهًا إلى أنه خبرٌ عمن قصَّ اللهُ نبأَه (٢) في الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، وهم أهلُ الكتابيْن؛ التوراةِ والإنجيلِ.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: الذين آتيْناهم الكتابَ الذى قد عرَفته يا محمدُ، وهو التوراةُ، فقرءُوه واتَّبَعوا ما فيه، فصدَّقوك وآمَنوا بك، وبما جئتَ به مِن عندى، فأولئك يتلونه حقَّ تلاوتِه.
وإنما أُدخلت الألفُ واللامُ في ﴿الْكِتَابَ﴾ لأنه معرفةٌ، قد كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه عرَفوا أىَّ الكتبِ عَنَى به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأْويلِ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يتَّبعونه حقَّ اتِّباعِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ وعبدُ الأعلى، وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عَدِىٍّ، جميعًا عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّبَاعِه (١).
وحدَّثنى ابنُ (٢) المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّاب، قال: حدَّثنا داودُ، عن عكرمةَ بمثلِه (٣).
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عكرمةَ مثلَه (٣).
وحدَّثنى الحسينُ بنُ عمرٍو العَنْقَزىُّ، قال: حدَّثنا أبى، عن أسباطَ، عن السُّدِّىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يُحِلُّون حلالَه، ويُحَرِّمون حرامَه، ولا يُحَرِّفونه (٤).
وحدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: قال أبو مالكٍ: إن ابنَ عباسٍ قال في: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
فذكَر مثلَه، إلَّا أنه قال: ولا يُحَرِّفونه عن مواضعِه (٥).
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤَمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا زُبَيدٌ (١)، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (٢).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: والذى نفسى بيدِه، إن حَقَّ تلاوتِه أن يُحِلَّ حلالَه، ويُحَرِّمَ حرامَه، ويَقْرَأَه كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرِّفَ الكَلِمَ عن مواضعِه، ولا يَتَأَوَّلَ منه شيئًا على غيرِ تأويلِه (٣).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ ومنصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن ابنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، ولا يُحَرَّفَ (٤) عن مواضعِه (٥).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: حدَّثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (٦).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا عبادُ بنُ العَوَّامِ، عن الحجَّاجِ، عن عطاءٍ مثلَه (٧).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه (١).
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا المُؤمَّلُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنى نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدىُّ (٢)، قال: حدَّثنا يحيى بنُ إبراهيمَ، عن سفيانَ، قالوا جميعًا: عن منصورٍ، عن أبى رَزِينٍ مثلَه.
وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: عمَلًا به.
وحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [عن مجاهدٍ] (٣): ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، ألم تَرَ إلى قولِه: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢]؟
يعنى الشمسَ إذا اتَّبعها (٤) القمرُ (٥).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ وقيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يعمَلون به حقَّ عمَلِه.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مجاهدٍ، قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتِّباعِه.
وحَدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يعمَلون به حَقَّ عملِه (١).
وحدَّثنا عمرُو بنُ علىٍّ، قال: حدَّثنا مؤمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه.
وحدَّثنى عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو قُتيبةَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ أبى جعفرٍ، عن (٢) أيوبَ، عن أبى الخليلِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه.
وحدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا يحيى القَطَّانُ، عن عبدِ الملِكِ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبعونه حَقَّ اتباعِه، يعمَلون به حقَّ عمَلِه (٣).
وحدَّثنا سفيانُ بنُ وَكِيعٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن المُباركِ، عن الحسنِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يعمَلون بمحكمِه، ويؤمنون بمتشابِهه، ويَكِلُون ما أَشْكَل عليهم إلى عالمِه (١).
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: أحَلُّوا حلالَه، وحرَّموا حرامَه، وعمِلوا بما فيه.
ذُكِر (٢) لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: إن حقَّ تلاوتِه أن يُحَلَّ حلالُه، ويُحَرَّمَ حرامُه، وأن يُقْرَأَ (٣) كما أنزَلَه اللهُ، ولا يُحَرَّفَ (٤) عن مواضعِه (٥).
حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا الحكَمُ بنُ عَطِيَّةَ، قال: سمِعتُ قَتادةَ يقولُ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يتَّبِعونه حقَّ اتِّباعِه (٦)، يحِلُّون حلالَه، ويحرِّمون حرامَه، ويقرءونه كما أُنْزِل.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: أخبرنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن داودَ، عن عكرمةَ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
قال: يَتَّبِعونه حَقَّ اتِّباعِه، أمَا سمِعتَ قولَ اللهِ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ [الشمس: ٢].
قال: إذا اتَّبَعها (٧).
وقال آخَرون: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: يَقْرَءونه حقَّ قراءتِه.
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك أنه بمعنى: يَتَّبِعونه حَقَّ اتباعِه.
مِن قولِ القائلِ: ما زلتُ أَتلو أثرَه.
إذا اتَّبَع أثرَه؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.
وإذ كان ذلك تأويلَه، فمعنى الكلامِ: الذين آتيناهم الكتابَ يا محمدُ، مِن أهلِ التوراةِ الذين آمنوا بك، وبما جئتَهم به مِن الحقِّ مِن عندى - يَتَّبِعون كتابى الذى أنزلْتُ على رسولى موسى صلواتُ اللهِ عليه، فيؤمِنون به، ويقِرُّون بما فيه مِن نعتِك وصفتِك، وأنك رسولى، فَرْضٌ عليهم طاعتى في الإيمانِ بك، والتصديقِ بما جئتَهم به مِن عندى، ويَعمَلون بما أحْلَلتُ لهم، ويتَجنَّبون (١) ما حرَّمتُ عليهم فيه، ولا يُحَرِّفونه عن مواضِعِه، ولا يُبَدِّلونه، ولا يُغَيِّرونه عمَّا (٢) أنزلتُه عليهم، بتأويلٍ ولا غيرِه.
وقولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
مبالغةٌ في صفةِ اتِّباعِهم الكتابَ، ولزومِهم العملَ به، كما يقالُ: إن فلانًا لعالمٌ حَقُّ عالمٍ.
وكما يقالُ: إن فلانًا لفاضلٌ كلُّ فاضلٍ.
وقد اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في إضافةِ "حقّ" إلى المعرفةِ؛ فقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: غيرُ جائزةٍ إضافتُه إلى معرفةٍ؛ لأنه بمعنى "أىّ"، وبمعنى قولِك: أفضلُ رجلٍ.
قال (٣): و "أَفْعَلُ" لا يُضافُ إلى واحدٍ معرفةٍ، لأنه مُبَعَّضٌ، ولا يكونُ الواحدُ [المعرفةُ مبعَّضًا] (٤).
فأحالوا أن يقالَ: مرَرتُ بالرجُلِ حقَّ الرجُلِ، ومرَرتُ بالرجُلِ جِدَّ الرجُلِ.
كما أحالوا: مرَرتُ بالرجُلِ أىَّ الرجُلِ.
وأجازوا ذلك في: كلّ الرجلِ، وعين (٥) الرجلِ، ونفس الرجلِ.
وقالوا: إنما أجَزْنا ذلك لأن هذه الحروفَ كانتْ في الأصلِ تواكيدَ، فلمَّا صِرْنَ مُدُوحًا تُرِكْنَ (١) على أصولِهنَّ في المعرفةِ.
وزعَموا أن قولَه: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
إنما جازت إضافتُه إلى "التلاوةِ" وهى مضافةٌ إلى معرفةٍ، لأن العربَ تعتدُّ بالهاءِ إذا عادت [بالنكرةِ نكرةً] (٢)، فيقولون: مرَرتُ برجلٍ واحدِ أُمِّه، ونَسِيجِ وَحْدِه، وسيِّدِ قومِه.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾.
إنما جازت إضافةُ "حقّ" إلى "التلاوةِ" وهى مضافةٌ إلى الهاءِ؛ لاعتدادِ العربِ بالهاءِ التى في نظائرِها في عِدَادِ النكِراتِ.
قالوا: ولو كان تأويلُ (٣) ذلك: حقَّ التلاوةِ.
لوجَب أن يكونَ جائزًا: مرَرتُ بالرجُلِ حَقَّ الرجُلِ.
فعلى هذا القولِ تأويلُ الكلامِ: الذين آتَيْناهم الكتابَ يَتْلونه حَقَّ تلاوةٍ.
وقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: جائزةٌ إضافةُ "حقّ" إلى النكِراتِ مع النكراتِ، ومع المعارفِ إلى المعارفِ، وإنما ذلك نظيرُ قولِ القائلِ: مرَرتُ بالرجُلِ غُلامِ الرجُلِ، وبرجُلٍ غُلامِ رجلٍ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: الذين آتيناهم الكتابَ يتلُونه حقَّ التلاوةِ (٤).
وأَوْلَى ذلك بالصوابِ عندَنا القولُ الأولُ؛ لأن معنى قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾: أىَّ تلاوةٍ، بمعنى مَدْحِ التلاوةِ التى تلَوْها وتفضيلِها، و "أىّ" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ عندَ جميعِهم، فكذلك "حقّ" غيرُ جائزةٍ إضافتُها إلى واحدٍ معرفةٍ، وإنما أُضِيف في قولِه: ﴿حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ إلى ما فيه الهاءُ؛ لِماَ وصفتُ مِن العلَّةِ التى تقدَّمَ بيانُناها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين أخْبَر عنهم أنهم يَتْلون ما آتاهم مِن الكتابِ حقَّ تلاوتِه.
وأمَّا قولُه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
فإنه يعنى: يُصَدِّقون به.
والهاءُ التى في قولِه: ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الهاءِ التى في ﴿تِلَاوَتِهِ﴾.
وهما جميعًا مِن ذكْرِ الكتابِ الذى قال اللهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾.
فأخْبَر اللهُ جلَّ ثناؤه أن المؤمنَ بالتوراةِ هو المُتَّبِعُ ما فيها مِن حلالِها وحرامِها، والعاملُ بما فيها مِن فرائضِ اللهِ التى فرَضها فيها على أهلِها، وأن أهلَها الذين هم أهلُها مَن كان ذلك صفتَه دونَ مَن كان مُحَرِّفًا لها، مُبَدِّلًا تأويلَها، مُغَيِّرًا سُنَنَها، تاركًا ما فرَض اللهُ فيها عليه.
وإنما وصَف جلَّ ثناؤُه مَن وصَف بما وصَف به مِن مُتَّبِعى التوراةِ، فأَثْنَى عليهم بما أَثْنَى به عليهم؛ لأن في اتباعِها اتباعَ محمدٍ نبيِّ اللهِ ﷺ وتصديقَه؛ لأن التوراةَ تَأمُرُ أهلَها بذلك، وتُخْبِرُهم عن اللهِ تعالى ذكرُه بنُبُوَّتِه وفرْضِ طاعتِه على جميعِ خلْقِ اللهِ مِن بنى آدمَ، وأن في التكذيبِ بمحمدٍ ﷺ التكذيبَ بها (١)، فأخبَر جلَّ ثناؤُه أن مُتَّبِعى التوراةِ هم المؤمنونَ بمحمدٍ ﷺ، وهم العاملون بما فيها.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.
قال: مَن آمن برسولِ اللهِ ﷺ مِن بنى إسرائيلَ وبالتوراةِ، وأن الكافرَ بمحمدٍ ﷺ هو الكافرُ بها الخاسرُ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ﴾: ومَن يَكْفُرْ بالكتابِ الذى أخبَرَ أنه يَتْلُوه مَن آتاه مِن المؤمنين حَقَّ تلاوتِه.
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَكْفُرْ﴾: يَجْحَدْ ما فيه مِن فرائضِ اللهِ ونُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ وتصديقِه، ويُبَدِّلْه فيُحَرِّفْ تأويلَه، أولئك هم الذين خسِروا علْمَهم وعمَلَهم، فبَخَسوا أنفسَهم حُظوظَها مِن رحمةِ اللهِ، واسْتَبْدَلوا بها سَخَطَ اللهِ وغضَبَه.
وقال ابنُ زيدٍ في ذلك (١) بما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
قال: مَن كفَر بالنبيِّ ﷺ مِن يهودَ، فأولئك هم الخاسرون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢)﴾.
وهذه الآيةُ عِظَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَىْ مُهَاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، وتذكيرٌ منه لهم بما سلَف مِن أَيَادِيه إليهم في صُنْعِه بأوائلِهم، استعطافًا منه لهم على دينِه، وتصديقِ رسولِه محمدٍ ﷺ، فقال: يا بنى إسرائيلَ، اذْكُروا أَيَادِىَّ لديكم، وصنائِعى عندَكم، واستنقاذى إيَّاكم مِن أَيْدِى عدوِّكم فرعونَ وقومِه، وإنزالى عليكم المَنَّ والسَّلْوَى في تِيهِكم، وتمكينى لكم في البلادِ، بعدَ أن كنتُم مُذَلَّلينَ مقهورين، واختصاصى الرسُلَ منكم، وتفضيلى إيَّاكم على عالَم مَن كنتُم بينَ ظَهْرَانَيْه، أيامَ أنتم في طاعتى [تَبْتَغون مرضاتى، فراجِعوا طاعتى] (١)، باتِّباعِ رسولى إليكم، وتصديقِه وتصديقِ ما جاءكم به مِن عندى، ودَعُوا التمادىَ في الضلالِ والغيِّ.
وقد ذكَرْنا فيما مضَى النِّعَمَ التى أنْعَم اللهُ بها على بنى إسرائيلَ، والمعانىَ التى ذكَّرهم اللهُ جلَّ ثناؤُه مِن آلائِه عندَهم، والعالَمَ الذى فُضِّلوا عليه فيما مضَى قبلُ، بالرِّواياتِ والشواهدِ، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه؛ إذ كان المعنى في ذلك في هذا الموضعِ وهنالك واحدًا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾.
وهذه الآيةُ ترهيبٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه للذين سلَفت عِظَتُه إيَّاهم بما وعَظهم به في الآيةِ قبلَها، يقولُ اللهُ لهم: واتَّقوا يا معشرَ بنى إسرائيلَ المبُدِّلينَ كتابى وتنزيلى، المحرِّفين تأويلَه عن وجهِه، المكذِّبين برسولي محمدٍ ﷺ عذابَ يومٍ لا تَقْضِى فيه نفسٌ عن نفسٍ شيئًا، ولا تُغْنِى عنها غَناءً؛ أن تَهْلِكوا على ما أنتم عليه مِن كفرِكم، وتكذيبِكم رسولى، فتَمُوتوا عليه، فإنه يومٌ لا يُقْبَلُ مِن نفْسٍ فيما لزِمها فِدْيَةٌ، ولا يَشْفَعُ فيما وجَب عليها مِن حقٍّ لها شافعٌ، ولا هم يَنْصُرُهم ناصرٌ مِن اللهِ إذا انْتَقَم منها بمعصيتِها إيَّاه.
وقد مضَى البيانُ عن كلِّ معانى هذه الآيةِ في نظيرتِها قبلُ، فأَغْنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾: وإذ اخْتَبَر.
يقالُ منه: ابْتَلَيتُ فلانًا أَبْتَلِيه ابتلاءً.
ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦].
يعنى به: اخْتَبِرُوهم.
وكان اختبارُ اللهِ تعالى ذكرُه إبراهيمَ اختبارًا بفرائضَ فرَضها عليه، وأمرٍ أمَره به، وذلك هو الكلماتُ التى أوحاهنَّ إليه فكلَّفه العمَلَ بهنَّ، امتحانًا منه له واختبارًا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الكلماتِ التى ابْتَلى اللهُ بها إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ الله عليه، فقال بعضُهم: هى شرائعُ الإسلامِ، وهى ثلاثون سهمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامه إلَّا إبراهيمُ؛ ابتلاه اللهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
قال: عَشْرٌ منها في "الأحزابِ"، وعشْرٌ منها في "براءةَ"، وعشرٌ منها في "المؤمنين"، و "سأل سائل".
وقال: إن هذا الإسلامَ ثلاثون سهمًا (١).
وحدثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطىُّ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحَّانُ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما ابتُلى أحدٌ بهذا الدِّينِ فقام به كلِّه غيرُ إبراهيمَ، ابْتُلى بالإسلامِ فأتمَّه، فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
فذكَر عشرًا في "براءةَ"، فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
وعشرًا في "الأحزابِ": ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وعشرًا في سورةِ "المؤمنين"، إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ (١) يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٩]، وعشرًا في "سأل سائل": ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (٢) [المعارج: ٢٢ - ٣٤].
وحدَّثنا عبدُ (٣) اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه (٤)، قال: ثنا علىُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعَبٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتَلى اللهُ بهذا الدِّينِ أحدًا فأقامه إلَّا إبراهيمَ، قال اللهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
فكتب اللهُ له براءةً مِن النارِ (٥).
وقال آخَرون: هى خِصالٌ عَشْرٌ مِن سُنَنِ الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: ابتلاه اللهُ بالطَّهارةِ؛ خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجسدِ، في الرأسِ قصُّ الشاربِ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفى الجسدِ تقليمُ الأظفارِ، وحلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإبطِ، وغَسْلُ أَثَرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ (٦).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتَلاه؛ أمَره (٢) بالخِتَانِ، وحلْقِ العانةِ، وغسْلِ القُبُلِ والدُّبُرِ، والسواكِ، وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتْفِ الإبطِ.
قال أبو هلالٍ: ونسِيتُ خَصْلةً (٣).
وحُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن مَطَرٍ، عن أبى الجَلْدِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةِ أشياءَ، هنَّ في الإنسانِ سُنَّةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسواكُ، ونتْفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وغسْلُ البراجِمِ (٤)، والخِتَانُ، وحلْقُ العانةِ، وغسْلُ الدُّبُرِ والفرجِ (٥).
وقال بعضُهم: بل الكلماتُ التى ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن ابنِ هُبَيْرَةَ، عن حَنَشٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
قال: ستَّةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ فالتى في الإنسانِ؛ حلْقُ العانةِ، والختانُ، ونتفُ الإبطَيْن (١)، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ الطوافُ، والسعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ، ورمىُ الجِمارِ، والإفاضةُ (٢).
وقال آخَرون: بل ذلك: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، و (٣) مناسكُ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، وآياتُ النُّسُكِ (٤) وحدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ إسماعيلَ بنَ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ مولى أُمِّ هانئ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: منهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ آياتُ النسكِ، و: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (٤).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: إنى مُبْتَلِيك بأمرٍ، فما هو؟
قال: تَجْعَلُنِى للناسِ إمامًا؟
قال: نعم.
قال: ومِن ذُرِّيَّتِى؟
قال: لا يَنالُ عهدى الظالمين.
قال.
تَجْعَلُ البيتَ مثابةً للناسِ؟
قال: نعم.
وأَمْنًا؟
قال: نعم.
وتَجْعَلُنا مُسْلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مسلمةً لك؟
قال: نعم.
وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟
قال: نعم.
قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟
قال: نعم.
قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن (١)؟
قال: نعم (٢).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، أخبرَه به عن عكرمةَ، قال: فعرَضتُه على مجاهدٍ فلم يُنْكِرْه (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: فاجتمَع على هذا القولِ مجاهدٌ وعكرمةُ جميعًا (٤).
وحدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنى أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابْتُلِىَ بالآياتِ التى بعدَها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾: فالكلماتُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾.
وقولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية.
وقولُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ﴾ الآية.
قال: فذلك كلُّه (١) مِن الكلماتِ التى ابْتُلِىَ بهنَّ إبراهيمُ (٢).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فمنهنَّ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهنَّ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾، ومنهنَّ الآياتُ في شأنِ المَنسَكِ، والمقامُ الذى جُعِل لإبراهيمَ، والرزقُ الذى رُزِق ساكنو البيتِ، ومحمدٌ بُعِث (٣) في ذُرِّيَّتِهما صلى اللهُ عليهم (٢).
وقال آخَرون: بل ذلك مناسكُ الحَجِّ خاصَّةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نَبْهانَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: مناسكُ الحجِّ (٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: هى المناسكُ (١).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ابتلاه بالمناسكِ (٢).
وحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: بلغَنا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إن الكلماتِ التى ابْتُلِى بها إبراهيمُ، المناسكُ (٣).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: مناسكُ الحجِّ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُّ (٤)، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: منهنَّ مناسكُ الحجِّ (١).
وقال آخَرون: هى أمورٌ، منهن الخِتانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاقَ، عن الشَّعْبىِّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: منهن الخِتانُ (١).
وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ.
فذكَر مثلَه (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ -وسألَه أبو إسحاقَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهن الختانُ يا أبا إسحاقَ (٢).
وقال آخَرون: بل ذلك الخلالُ الستُّ؛ الكوكبُ، والقمرُ، والشمسُ، والنارُ، والهجرةُ، والختانُ، التى ابْتُلِى بهنَّ فصبَر عليهنَّ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟
قال: ابتلاه بالكوكبِ (٣) فرضِى عنه، وابتلاه بالقمرِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالشمسِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالنارِ فرضِى عنه، وابتلاه بالهجرةِ، وابتلاه بالختانِ (٤).
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، لابتلاه (٥) بأمرٍ فصبَر عليه، ابتلاه بالكوكبِ (٣)، والشمسِ، والقمرِ، فأحسَنَ في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ، فوجَّه وجهَه للذى فطَر السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما كان مِن المشركينَ، ثم ابتلاه بالهجرةِ، فخرَج مِن بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك (١).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: ابتلاه بذَبْحِ ولدِه، وبالنارِ، وبالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ (٢).
وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: ابتلاه بالكوكبِ، وبالشمسِ، وبالقمرِ، فوجَده صابرًا (٣).
وقال آخرون بما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: الكلماتُ التى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ ربُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ إلى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (٤).
والصوابُ في ذلك مِن القولِ عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخبَر عبادَه أنه اخْتَبَر إبراهيمَ خليلَه بكلماتٍ أوحاهنَّ إليه، وأمَره أن يَعمَلَ بهنَّ، [فعمِل بهن] (٥) وأتمَّهنَّ، كما أخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنه أنه فعَل.
وجائزٌ أن تكونَ تلك الكلماتُ جميعَ ما ذكَره مَن ذكَرْنا قولَه في تأويلِ الكلماتِ، وجائزٌ أن تكونَ بعضَه؛ لأن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه قد كان امْتُحِنَ فيما بلغَنا بكلِّ ذلك، فعمِل به، وقام فيه بطاعةِ اللهِ وأمرِه الواجبِ عليه فيه.
وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يقولَ: عنَى اللهُ بالكلماتِ اللواتى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ شيئًا مِن ذلك بعينِه دونَ شيءٍ، ولا عنَى به كلَّ ذلك.
إلَّا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، مِن خبرٍ عن الرسولِ ﷺ، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيءٍ (١) من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التى يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه.
غيرَ أنه قد رُوِى عن النبيِ ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبران لو ثَبَتا أو أحدُهما، كان القولُ به في تأويلِ ذلك هو الصوابَ: أحدُهما ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ (٢) بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى زَبّانُ (٣) بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبىُّ ﷺ يقول: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمَّى اللهُ، إبراهيمَ خَلِيلَه، الذى وفَّى؛ لأنَّه كان يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى يَخْتِمَ الآيةَ".
والآخَرُ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيَّةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
قال: "تدْرُونَ ما وَفَّى؟
" قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ.
قال: "وَفَّى عَمَلَ يَوْمِه أربَعَ رَكَعاتٍ في النَّهَارِ".
فلو كان خبرُ سهلِ بنِ مُعاذٍ عن أبيه صحيحًا سَنَدُه، كان بَيِّنًا أن الكلماتِ التى ابْتُلِى بهنَّ إبراهيمُ، فقام بهنَّ، هى قولُه كُلَّما أصبَحَ وأمسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.
أوْ كان خبرُ أبى أمامةَ عُدُولًا نَقَلَتُه، كان معلومًا أن الكلماتِ التى أُوحِينَ إلى إبراهيمَ فابْتُلى بالعمَلِ بهنَّ، أن يُصَلِّىَ كلَّ يومٍ أربعَ ركَعاتٍ، غيرَ أنهما خبرانِ في أسانيدِهما نَظَرٌ.
فالصوابُ مِن القولِ في معنى الكلماتِ التى أخبَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ، ما بيَّنَّا آنفًا.
ولو قال قائلٌ في ذلك: إن الذى قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ والربيعُ بنُ أنسٍ، أوْلَى بالصوابِ مِن القولِ الذى قاله غيرُهم.
كان مذهبًا؛ لأن قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقولَه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾، وسائرَ الآياتِ التى هى نظيرةُ ذلك -كالبيانِ عن الكلماتِ التى ذكَر اللهُ أنه ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فأتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ.
وإتمامُه إيَّاهنَّ إكمالُه إيَّاهنَّ بالقيامِ للهِ بما أوجَب عليه فيهنَّ، وهو الوفاءُ الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
يعنى بذلك: وفَّى بما عَهِد إليه بالكلماتِ فأمَره به، مِن فرائِضه ومِحَنِه فيها.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
أى: فأدَّاهنَّ (١).
وحدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
أى: عمِل بهنَّ فأتمهنَّ (٢).
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
أى: عمِل بهنَّ وأتمهنَّ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: فقال اللهُ: يا إبراهيمُ، إنى مُصَيِّرُك للناسِ إمامًا يُؤْتَمُّ به ويُقْتَدَى به.
كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ ليُؤَمَّ به ويُقتَدى به (٤).
يقال منه: أمَمْتُ القومَ فأنا أَؤمُّهم أَمًّا وإمامةً.
إذا كنتَ إمامَهم.
وإنما أراد جلَّ ثناؤه بقولِه لإبراهيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾: إنى مُصَيِّرُك تَؤُمُّ مَن بعدَك مِن أهلِ الإيمانِ بى وبرُسُلى، فتَقَدَّمُهم أنت، ويتَّبعون هَدْيَك، ويَستَنُّون بسُنَّتِك التى تَعْمَلُ بها، بأمرِى إيَّاك ووحْيى إليك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: قال إبراهيمُ -لمَّا رفَع اللهُ منزلتَه وكرَّمه، وأعلَمَه ما هو صانعٌ به، مِن تصييرِه إمامًا في الخيراتِ لمن في عصرِه، ولمن جاء بعدَه مِن ذُرِّيَّته وسائرِ الناسِ غيرِهم، يُهْتَدَى بهدْيِه ويُقْتَدى بأفعالِه وأخلاقِه - يا ربِّ، ومِن ذُرِّيَّتى فاجعلْ أئمةً يُقْتَدَى بهم، كالذى جعَلْتنى إمامًا يُؤْتَمُّ بى ويُقْتَدَى بى.
مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه سأله إيَّاها.
كما حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
يقولُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتى مَن يُؤْتَمُّ ويُقْتَدَى به (١).
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن قولَ إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
فأخبَرَ اللهُ جلَّ ثناؤه أن في عَقِبِه الظالمَ المخالفَ له في دِينِه، بقولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
والظاهرُ مِن التنزيلِ يَدُلُّ على غيرِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ؛ لأن قولَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
في إثرِ قولِ اللهِ له جلَّ ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
فمعلومٌ أن الذى سأَل إبراهيمُ لذُرِّيَّته لو كان غيرَ الذى أخبَره ربُّه أنه أعطاه إيَّاه، لكان مُبَيَّنًا، ولكنَّ المسألةَ لمَّا كانت ممَّا قد جرَى ذكرُه، اكْتُفِىَ بالذكْرِ الذى قد مضَى مِن تكريرِه وإعادتِه، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
بمعنى: ومِن ذُرِّيَّتى فاجْعَلْ مثلَ الذى جعَلْتنى به مِن الإمامةِ للناسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.
وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن أن الظالمَ لا يكونُ إمامًا يَقْتَدِى به أهلُ الخيرِ.
وهو مِن اللهِ جلَّ ثناؤه جوابٌ لإبراهيمَ (١) في مسألتِه إياه أن يجعلَ من ذرِّيتِه أئمةً مثلَه.
فأخبَره أنه فاعلٌ ذلك إلا بمن كان من أهلِ الظلمِ منهم، فإنه غيرُ مُصَيِّرِه كذلك، ولا جاعلِه في محلِّ أوليائِه عنده بالتَّكْرمةِ بالإمامةِ؛ لأن الإمامةَ إنما هى لأوليائِه وأهلِ طاعتِه، دون أعدائِه والكافرين به.
واختَلف أهلُ التأويلِ في العهدِ الذى حرَم اللهُ تعالى ذكرُه الظالمين أن ينالُوه؛ فقال بعضُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
يقولُ: عهدى: نبوّتى (٢).
فمعنى تأويلِ (٣) هذا القولِ في تأويله (٤) الآيةَ: لا ينالُ النُّبوَّةَ أهلُ الظلمِ والشركِ.
وقال آخَرون: معنى العهدِ عهدُ الإمامةِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِهم: لا أجعلُ من كان من ذرِّيتِك [يإبراهيمُ] (٥) ظالمًا، إمامًا لعبادى يُقْتَدَى به.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ (١).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكونُ [لى إمامًا ظالمٌ] (٢).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عكرمةَ بمثلِه.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامِرٍ (٣)، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكونُ إمامًا (٤) ظالمٌ يُقْتَدَى به (٥).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا مُشَرَّفُ (٦) بنُ أبانٍ الخطّابُ (٧)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربىُّ، قال: ثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ الزنْجىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به (١).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا.
قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟
قال: أمرُه (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهْدَ عليك لظالمٍ أن تطيعَه فى ظلمِه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
يعنى: لا عهدَ لظالمٍ عليك فى ظلمِه أن تطيعَه فيه (٣).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدْتَه فانقُضْه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ (١).
وقال آخرون: معنى العهدِ فى هذا الموضعِ الأمانُ.
فتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادى.
أى: لا أُؤمِّنُهم مِن عذابى فى الآخرةِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأما فى الدنيا فقد نالُوا عهدَ اللهِ، فوارثوا به المسلمين وعادُّوهم (٢) وناكَحوهم به، فلما كان يومُ القيامةِ قصَر اللهُ عهدَه وكرامتَه على أوليائِه (٣).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون (٤)، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به] (٥)، وأكَل به وعاشَ (٦).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (٥)، عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ فأَمِن به، وأكَل وأبصَر وعاشَ (١).
وقال آخرون: بل العهدُ الذى ذكَره اللهُ فى هذا الموضعِ دينُ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: فعهدُ اللهِ الذى عَهِد إلى عبادِه دينُه.
يقولُ: لا ينالُ دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣].
يقولُ: ليس كلُّ ذرِّيتِك يا إبراهيمُ على الحقِّ (٢).
وحدَّثنى محمدُ (٣) بنُ جعفرٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: لا ينالُ طاعَتى (٤) عدوٌّ لى يَعْصِينى، ولا أَنحَلُها إلا وَلِيًّا لى يُطيعُنى (٥).
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ عن أنه لا ينالُ مِن ولدِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه عهدُ اللهِ -الذى هو النبوّةُ والإمامةُ لأهلِ الخيرِ، بمعنى الاقتداءِ به فى الدنيا، والعهدُ الذى بالوفاءِ [به للهِ] (٦) ينجو فى الآخرةِ مَن وفَّى للهِ به فى الدنيا- مَن كان منهم ظالمًا مُعْتَدِيًا (١)، جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ (٢) عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه.
كالذى حدثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتّابُ بنُ بشرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
قال: إنه سيكونُ فى ذرّيتِك ظالمون (٣).
وأما نَصْبُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فلأن العهدَ هو الذى لا يَنالُ الظالمينَ.
وقد ذُكر أنه فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (لا يَنَالُ عَهْدِى الظالمون) (٤).
بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ.
وإنما جاز الرفعُ فى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والنصبُ، وكذلك فى "العهدِ"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ.
كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه.
فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسِه.
وقد بيّنّا معنى الظُّلمِ فيما مضَى فكَرِهْنا إعادتَه (٥).
القول فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
أما قولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾.
فإنه عطَف بـ ﴿إِذْ﴾ على قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾.
واذكُروا إذ ابتَلَى إبراهيمَ رُّبه، وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً.
والبيتُ الذى جعَله اللهُ مَثابةً للناسِ هو البيتُ الحرامُ.
وأما المثابةُ، فإن أهلَ العربيةِ مختلِفون فى معناها، والسببِ الذى من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ فى المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ.
لمن يُكْثِرُ ذلك، ونَسّابةٌ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل المَثابُ والمثابةُ بمعنًى واحدٍ، نطيرُ المَقامِ والمَقامَةِ.
والمَقامُ ذُكِّر -على قولِه- لأنه أُريدَ به الموضعُ الذى يُقامُ فيه، وأُنِّثَتِ المَقامَةُ لأنه أريد بها البُقْعَةُ.
وأَنكرَ هؤلاء أن تكونَ المثابةُ للسيّارةِ (١) والنّسّابةِ نَطيرَةً (٢).
وقالوا: إنما أُدخلتِ الهاءُ فى السيّارةِ والنسّابةِ تشبيهًا لها بالداهيةِ (٣).
والمَثابةُ مَفْعَلَةٌ من: ثاب القومُ إلى الموضعِ، إذا رجَعوا إليه، فهم يَثُوبون إليه مَثابًا ومَثابةً وثوابًا.
فمعنى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا.
ومن المثابِ قولُ وَرَقَةَ ابنِ نوفلٍ فما صفةِ الحَرَمِ (٤): مَثابٌ لأفْنَاءِ القبائلِ كلِّها … تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ ومنه قيل: ثاب إليه عقلُه، إذا رجَع إليه بعد عُزوبِه عنه.
وبنحوِ ما قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (١).
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يثوبون إليه، لا يَقْضُون منه وَطَرًا.
وحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: أما المثابةُ، فهو الذى يثوبون إليه كلَّ سنةٍ، لا يَدَعُه الإنسانُ إذا أتاه مرّةً أن يعودَ إليه.
وحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقولُ: لا يَقْضُون منه وَطَرًا، يَأتونه، ثم يَرجِعون إلى أهليهم، ثم يَعُودون إليه (٣).
وحدثنى عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيرٍ، قال: حدثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدثنى عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال لا يَنْصَرِفُ عنه مُنْصَرِفٌ وهو يَرى أنه قد قضَى منه وَطَرًا (١).
وحدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يَثوبون إليه من كلِّ مكانٍ، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (٢).
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
وحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا (٣).
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يَحُجُّون ويَثُوبون (٤).
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا الثورىُّ، عن أبى الهُذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يَحُجُّون [ويَثوبونَ] (٥).
[وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّوريُّ، عن أبي الهُذَيْلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يحُجُّون] (١)، ثم يَحُجُّون، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا (٢).
وحدثنى المثنى، قال: ثنا ابنُ دُكَيْنٍ (٣)، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن غالبٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يَثُوبون إليه.
وحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: مَجْمَعًا (٤).
وحدثنى المُثَنّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال حدثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
يقولُ: يَثُوبون إليه (٥).
وحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
يقولُ: يَثُوبون إليه (٦).
وحدثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
قال: يَثُوبون إليه من البُلْدانِ كلِّها ويَأتُونه (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
والأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأمَنُ أَمْنًا.
وإنما سَمّاه اللهُ أَمْنًا؛ لأنه كان في الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى يَخرُجَ منه، وكان كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يَعْرِضُ له (١).
حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿أَمْنًا﴾ فمَن دخَله كان آمنًا (٢).
[حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾] (٣).
قال: تحريمُه (٤)، لا يخافُ فيه مَن دخَله (٥).
وحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان في الجاهليةِ يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ (١).
وحُدِّثْت عن المِنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
قال: أمنًا للناسِ (٢).
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
قال: تحريمُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
اختلف القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
بكسرِ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِه مصلًّى، وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ المِصْرَيْنِ؛ الكوفَةِ والبصرةِ، وقراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ (٣).
[وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى] (٤) الخبرِ الذى حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى!
فأَنزل اللهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥).
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (١).
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا حُمَيدٌ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ.
فذكَر مثلَه.
قالوا: فإنما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه ﷺ باتِّخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهى أمرٌ، على وجهِ الخبرِ.
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن قولَه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
جزمٌ (٢) معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ.
فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلَّى من مَقامِ إبراهيمَ -على قولِ هذا القائِلِ- لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ.
[وقال] (٣) الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الرَّبيع بنِ أنَسٍ] (٤)، قال: من الكلماتِ التى ابتُلِىَ بها إبراهيمُ قولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ.
فتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا.
قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلًّى.
والخبرُ الذى ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللهِ ﷺ قبلُ، يَدُلُّ على خلافِ الذى قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللهِ ﷺ، والمؤمنين به، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين.
وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (واتَّخَذوا).
بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ.
ثم اختُلِف في الذى عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا).
إذا قُرِئ كذلك على وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّى البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] (١) من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾.
فكأن معنى الكلامِ على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى.
والصوابُ من القولِ والقراءةِ في ذلك عندنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾.
بكسرِ الخاءِ (٢)، على تأويلِ الأمرِ باتخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ عليٍّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدثني أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٣).
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وفى مقامِ إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: مقامُ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
قال: الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيمَ (١).
وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: الحجُّ كلُّه.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجُّ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ.
وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ.
ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: لأنى قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقامُه عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ (٢).
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ (٣)، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: مَقامُه جَمْعٌ (١) وعَرَفةُ ومِنًى.
لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةَ (٢).
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: مَقامُه عَرفةُ.
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٣) الآية [المائدة: ٣].
وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.
وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ الحرمُ.
ذكرُ من قال ذلك حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: الحرمُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ (٤).
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذى قام عليه إبراهيمُ حين ارتفَع بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابنُ (١) سِنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان (٢): ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْعِ الحجارةِ، قام على حجَرٍ، فهو مَقامُ إبراهيمَ (٣).
وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُه الذى هو في المسجدِ الحرامِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بمَسْحِه، ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما (٤) تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها، ولقد ذكَر لنا بعضُ مَن رأى أثَرَ عَقِبِه وأصابِعِه (٥)، فما زالت هذه الأمةُ يمسَحُونه حتى اخْلَوْلَق (٦) وانْمَحَى (٧) وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى] (١)، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ.
وحدثنى موسى (٢)، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: وهو الصلاةُ عند مَقامِه في الحَجِّ.
والمقامُ هو الحَجَرُ الذى كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ (٣) تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رأسَه، فوضَع إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه (٤) من تحتِه وقد غابت رِجْلُه في الحَجَرِ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٥).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقامُ المعروفُ بهذا الاسمِ، الذى هو في المسجدِ الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ ابنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ (٦) إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فجعَل المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى ركعتين (٧).
فهذان الخبرانِ يُنْبِئان أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمَقامِ إبراهيمَ الذى أمَرنا (١) باتخاذِه مصلًّى منه (٢)، هو الذى وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِه المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على خِلافِ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له.
ولا شكَّ أنَّ المعروفَ في الناسِ بمَقامِ إبراهيمَ، هو [ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها.
وأمّا] (٣) المُصَلَّى الذى قال الله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
فإنَ أهلَ التأويلِ مُختلِفون في معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعًى (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِروا أن يُصلُّوا عنده (٥).
وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه (١).
فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى.
وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ.
بمعنى: دعوتُ.
وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إن مَقامَ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه.
فكأنَّ معناهم في تأويلِ هذه الآيةِ: واتَّخِذوا عرفةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعرَ والجَمَراتِ (٢) وسائرَ أماكنِ الحجِّ التى كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعًى (٣) تَدْعونَنى (٤) عندَها، وتَأْتَمُّون (٥) بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللهِ عليه فيها، فإنى قد جعَلتُه لمَن بعدَه -مِن أوليائى وأهلِ طاعَتى- إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِه، فاقْتَدوا به.
وأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةً منى لإبراهيمَ.
وهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَرنا مِن الخبَرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: وأَمَرْنا.
كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟
قال: أَمْرُه (١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
قال: أَمَرْناه (٢).
فمعنى الآيةِ: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ بيتى للطائِفين.
و"التَّطهيرُ" الذى أمَرَهما اللهُ به في البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنامِ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ.
فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾؟
وهل كان أيامَ إبراهيمَ -قبلَ بنائِه البيتَ- بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ في الحَرَمِ، فيجوزَ أن يكونا أُمِرا بتَطْهيرِه؟
قِيل: لذلك وجهانِ مِن التأويلِ، قد [قال بكلِّ] (٣) واحدٍ مِن الوَجْهين مِن أهلِ التأويلِ جماعةٌ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن ابْنِيَا بَيْتىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرَّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩].
فكذلك قولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
أى: ابْنِيا بَيْتىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بى والرَّيْبِ.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
يقولُ: ابْنِيا بيتى للطائفين (١).
فهذا أحدُ وَجْهَيْهِ.
والوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه (٢) والبيتَ بعدَ بِنائِه (٢)، مما كان أهلُ الشركِ باللهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمنَ بعدَهما، إذ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به (٣) بعدَه.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
قال: مِن الأصنامِ التى يَعْبُدون، التى كان المشركون يُعَظِّمونها (٤).
[ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أى: طهِّراه من الشِّرْكِ والرَّيْبِ] (٥) حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ (٦)، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ قال: مِن الآفاتِ (١) والرَّيْبِ (٢).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن الشركِ (٣).
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا (٤) إسرائيلُ، عن أبى حَصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾.
قال: مِن الأوثانِ (٥).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾.
قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ (٦).
حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه، وزاد فيه: وقولِ الزُّورِ (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.
اختَلفَ أهلُ التأويلِ في معنى "الطائِفين" في هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هم الغرباءُ الذين يَنْتابون (١) البيتَ الحرامَ مِن غربةٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ، قال ثنا أبو بكرِ بنُ عَياشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ في قولِه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ قال: مَن أتاه مِن غربةٍ (٢).
وقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يَطُوفون به، [غريبًا كان] (٣) أو مِن أهلِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عطاءٍ: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾.
قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين (٤).
وأوْلَى التأويلين بالآيةِ ما قاله عطاءٌ، لأن الطائفَ هو الذي يَطُوفُ بالشيءِ دونَ غيرِه، والطَّارِئُ مِن غربةٍ لا يَسْتحِقُّ اسمَ طائفٍ بالبيتِ إن لم يَطُفْ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾.
يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: والمُقِيمين به.
والعاكِفُ على الشيءِ: المُقِيمُ عليه، كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ (٥): عُكُوفًا لَدَى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهُم (٦) … رَمَى اللهُ فِى تِلكَ الأكُفِّ الكوَانِعِ (٧) وإنما قيل للمُعْتكِفِ: مُعْتكِفٌ.
مِن أجلِ مُقامِه في الموضِعِ الذي حَبَس نفسَه فيه للهِ تعالى.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الجالسَ في البيتِ الحرامِ بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذلِيِّ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين (١).
وقال بعضُهم: العاكفون: هم المُعْتَكِفون المُجاوِرون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾.
قال: العاكِفون (٢) المُجاوِرون.
وقال بعضُهم: العاكفون هم أهلُ البلد الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: أهلُ البلدِ (٣).
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العاكفون أهلُه (١).
وقال آخرون: العاكفون هم المُصلُّون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: العاكِفون المصلون.
وأوْلَى هذه التأويلاتِ بالصوابِ ما قاله عطاءٌ، وهو أن العاكفَ في هذا الموضِعِ المقيمُ في البيتِ مجاورًا فيه بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ؛ لأن صِفَةَ العُكوفِ ما وصَفنا مِن الإقامةِ بالمكانِ؛ والمقيمُ بالمكانِ قد يكونُ مقيمًا به وهو جالسٌ ومصلٍّ وطائفٌ ونائمٌ (٢)، وعلى غيرِ ذلك مِن الأحوالِ، فلما كان جلَّ ثناؤُه قد ذكَر في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصلِّين والطائفين، عُلِمَ بذلك أن الحالَ التي عَنَى جلَّ ثناؤُه مِن العاكِفِ غيرُ حالِ المُصلِّى والطائفِ، وأن الذي (٣) عَنَى مِن أحوالِه هو العُكوفُ بالبيتِ على سبيلِ الجِوارِ فيه، وإن لم يَكُنْ مُصلِّيًا فيه ولا راكعًا ولا ساجدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جماعةَ القومِ الراكعين فيه له، واحدُهم "راكِعٌ".
وكذلك ﴿السُّجُودِ﴾ هم جماعةُ القومِ الساجدين فيه له، واحدُهم "ساجِدٌ"، كما يُقالُ: رجلٌ قاعِدٌ، ورجالٌ قُعودٌ، ورجلٌ جالسٌ، ورجالٌ جُلوسٌ.
وكذلك: رجلٌ ساجدٌ، ورجالٌ سجودٌ.
وقيل (١): عُنِى بـ ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: المصلُّون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن عطاءٍ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان يُصَلِّى فهو مِن الرُّكَّعِ السُّجودِ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهلُ الصلاةِ (٢).
وقد أتينا فيما مضَى على بيانِ معنى "الركوعِ" و"السجودِ"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: واذْكُروا إذ قال إبراهيمُ: ربِّ اجْعَل هذا البلدَ بلدًا آمنًا.
يعنى بقولِه: ﴿آمِنًا﴾: آمنًا مِن الجبابرةِ وغيرِهم، أن يُسَلَّطوا عليه، ومِن عقوبةِ اللهِ أن تنالَه، كما تنالُ سائرَ البلدانِ، مِن خَسْفِ وائتفاكٍ (٤) وغرقٍ، وغيرِ ذلك مِن سخطِ اللهِ ومَثُلاتِه التي تُصيبُ سائرَ البلادِ غيرَه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن الحرَمَ حُرِّمَ [بحيالِه إلى العرشِ] (١).
وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ هبَط، قال اللهُ له: أُهْبِطُ معك بيتي يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِي.
فطافَ حولَه آدمُ ومَن كان بعدَه مِن المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطُّوفانِ -حين أغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ- رفَعه وطَهَّره فلم تُصِبْه عُقوبةُ أهلِ الأرضِ، فتَتبَّع منه إبراهيمُ أثرًا، فبَناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه (٢).
فإن قال لنا قائلٌ: أو ما كان الحرمُ آمنًا إلا بعدَ ما سأَل إبراهيمُ ربَّه له الأمانَ؟
قيل: قد اخْتُلِفَ في ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، منذُ خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ.
واعْتَلُّوا في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقْبُريُّ، قال: سمِعت أبا شُريحٍ الخُزاعيَّ يقولُ: إن رسولَ اللهِ ﷺ لما افْتَتح مكةَ قَتَلت خُزَاعةُ رجلًا مِن هُذَيلٍ، فقام رسولُ اللهِ ﷺ خطيبًا فقال: "يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ، فهى حرامٌ بحرامِ (٣) اللهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يَحِلُّ لامرئٍ يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها (٤) دمًا، أو يَعْضِدَ بها شجرًا (٥)، وإنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدِي، لا (١) تَحِلُّ لي إلا هذه الساعةَ غضبًا (٢) على أهلِها، ألا فهي قد رجَعت على حالِها بالأمسِ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قد قتَل بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك" (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لمكةَ حين افتتَحها: "هذه حَرَمٌ حرَّمها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ وخلَق الشمسَ [والقمرَ] (٤) ووضَع هذين الأخْشَبَيْنِ، لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، أُحِلَّت لى ساعةً من نهارٍ" (٥).
قالوا: فمكةُ لم تَزَلْ منذ خُلِقت حرَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ الجبابرةِ.
قالوا: وقد أَخبَرَت عن صحةِ ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ (٦) عن رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكرناها.
قالوا: ولم يسألْ إبراهيمُ ربَّه أن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ الجبابرةِ، ولكنه سأله أن يؤمِّنَ أهلَه من الجدوبِ والقحوطِ، وأن يرزُقَ ساكنيه (٧) من الثمراتِ، كما أخبر ربُّه عنه أنه سأله بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قالوا: وإنما سأل ربَّه ذلك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكَهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر عليهم منه.
قالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه سأل ربَّه تحريمَ الحرمِ، وأن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، وهو القائلُ حينَ حلَّه ونزَله بأهلِه وولدِه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
قالوا: فلو كان إبراهيمُ هو الذي حرَّم الحرمَ أو سأل ربَّه تحريمَه لَمَا قال: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، عندَ نزولِه به، ولكنه حُرِّم قبلَه وحُرِّم بعدَه.
وقال آخرون: كان الحرَمُ حلالًا قبلَ دعوةِ إبراهيمَ كسائرِ البلادِ غيرِه، وإنما صار حرامًا (١) بتحريمِ إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ حلالًا قبل تحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها، [فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها] (٢).
قالوا: والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن إبراهيمَ حرَّم بيتَ اللهِ وأمَّنه، وإني حرَّمت المدينةَ ما بينَ لابَتَيْها (٣)، فلا يصادُ صَيْدُها، ولا تُقْطَعُ عِضاهُها (٤) " (٥).
حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [حدثنا ابنُ إدريسَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال] (١) ثنا عبدُ الرحيمِ الرازىُّ، [قالا جميعًا: سمِعنا] (٢) أشعثَ، عن نافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ كانَ عبدَ اللهِ وخَلِيلَهُ، وإنى عبدُ اللهِ ورسولُه، وإنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ وإنى حرَّمتُ المَدِينَةَ ما بينَ لابَتَيْها؛ عِضَاهَها وَصَيْدَها، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُقْطَعُ منها شَجَرةٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ" (٣).
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنى أُحَرِّمُ (٤) ما بينَ لابَتَيْها" (٥).
وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي يطولُ باستيعابِ ذكرِها الكتابُ.
قالوا: وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه أنَّ إبراهيمَ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ولم يخبرْ عنه أنَّه سأَله أن يجعَلَه آمنًا مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أن الذى سأَله مِن ذلك الأمانُ له مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
قالوا: وأما خبرُ أبي شُرَيحٍ وابنِ عباسٍ فخبران لا تَثْبُتُ بمثلِهما في الدينِ حجةٌ لما في أسانيدِهما مِن الأسبابِ التي [يَجِبُ التثبتُ] (١) فيها مِن أجلِها.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل مكةَ حَرَمًا حينَ خلَقها وأنشأَها، كما أخبَر النبىُّ ﷺ أنه حرَّمها يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ بغيرِ تحريمٍ منه لها على لسانِ أحدٍ مِن أنبيائِه ورسلِه، ولكنْ بمنعِه جلَّ ثناؤُه مَن أرادها بسوءٍ، وبدفعِه عنها مِن الآفاتِ والعقوباتِ وعن ساكنيها، ما أحلّ بغيرِها وغيرِ ساكنيها مِن النِّقْماتِ، فلم يَزَلْ ذلك أمرَها حتى بَوَّأَها اللهُ إبراهيمَ خليلَه، وأسكَن بها أهلَه هاجرَ وولدَه إسماعيلَ، فسأَل حينَئذٍ إبراهيمُ ربَّه إيجابَ (٢) فرضِ تحريمِها على عبادِه على لسانِه؛ ليكونَ ذلك سنةً لمن بعدَه مِن خلقِه يَسْتَنُّون به (٣) فيها، إذ كان جلَّ ثناؤُه قد اتَّخَذَه خليلًا، وأخبَرَه أنَّه جاعلُه للناسِ إمامًا يُقْتَدى به، فأجابَه ربُّه إلى ما سأَله، وألزَم عبادَه حينَئذٍ فرضَ تحريمِه على لسانِه.
فصارت مكةُ بعدَ أن كانت ممنوعةً بمنعِ اللهِ إياها بغيرِ إيجابِ اللهِ فرضَ الامتناعِ منها على عبادِه، ومحرّمةً بدفعِ اللهِ عنها بغيرِ تحريمِه إياها على لسانِ أحدٍ مِن رسلِه -فرضًا تحريمُها على خلقِه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ ﵇، وواجبًا على عبادِه الامتناعُ مِن استحلالِها، واستحلالِ صيدِها وعِضاهِها، بإيجابِه الامتناعَ مِن ذلك؛ ببلاغِ إبراهيمَ رسالةَ اللهِ إليه بذلك إليهم (٤)، فلذلك أُضيف تحريمُها إلى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ (٥) حَرَّمَ مَكّةَ"؛ لأن فرضَ تحريمِها الذى ألزَم اللهُ عبادَه على وجهِ العبادةِ له بِه- دونَ التحريمِ الذى لم يَزَلِ [اللهُ منفردًا] (١) لها به على وجهِ الكِلاءَةِ والحفظِ لها قبلَ ذلك - كان عن مسألةِ إبراهيمَ ربَّه إيجابَ فرضِ ذلك على لسانِه، لزِم العبادَ فرضُه دونَ غيرِه.
فقد تبيَّن إذن بما قلنا صحةُ معنى الخبرين؛ أعنى خبرَ أبي شريحٍ وابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق الشمسَ والقمرَ".
وخبرَ جابرٍ وأبى هريرةَ ورافعِ بنِ خَدِيجٍ وغيرِهم، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: "اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ".
وأنْ ليس أحدُهما دافعًا صحةَ معنى الآخرِ كما ظنَّه بعضُ الجهالِ.
وغيرُ جائزٍ في أخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ أنْ يكونَ بعضُها دافعًا بعضًا إذا ثبَت صحتُها، وقد جاء الخبران اللذان رُوِيا في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مَجيئًا ظاهرًا مستفيضًا يَقْطَعُ عذرَ مَن بلَغه.
وأمَّا (٢) قولُ إبرهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم ٣٧].
فإنَّه إنْ يَكُنْ قال ذلك (٢) قبلَ إيجابِ اللهِ فرضَ تحريمِه على لسانِه على خلقِه، فإنما عنى بذلك تحريمَ اللهِ إياه الذى حرَّمه بحياطتِه إياه وكِلاءتِه (٣)، مِن غيرِ تحريمِه إياه على خلقِه على وجهِ التعبدِ لهم بذلك، وإن يكنْ قال ذلك بعدَ تحريمِ اللهِ إياه على لسانِه على خلقِه على وجهِ التعبدِ، فلا مسألةَ لأحدٍ علينا في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
وهذه مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه أن يَرْزُقَ مؤمنى أهلِ مكةَ مِن الثمراتِ دونَ كافريهم، وخصَّ بمسألةِ ذلك للمؤمنين دونَ الكافرين، لا أعلَمه اللهُ -عند مسألتِه إياه أن يَجْعَلَ مِن ذرِّيتِه أئمةً يُقْتَدَى بهم- أنَّ منهم الكافرَ الذى لا ينالُ عهدَه، والظالمَ الذى لا يُدْرِكُ وِلايتَه، فلما (١) علِم أنَّ مِن ذرِّيتِه الظالمَ والكافرَ، خصَّ بمسألتِه ربَّه أن يَرْزُقَ مِن الثمراتِ مِن سكانِ مكةَ المؤمنَ منهم دونَ الكافرِ، وقال اللهُ له: قد أجَبت دعاءَك، وسأَرْزُقُ مع مؤمنى أهلِ هذا البلدِ كفَّارَهم، فأُمَتِّعُه به قليلًا.
فأمَّا "مَنْ" في قولِه: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فإنه نصبٌ على الترجمةِ والبيانِ عن "الأهلِ"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
بمعنى: يسألونك عن قتالٍ في الشهرِ الحرامِ.
وكما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
بمعنى: وللهِ حِجُّ البيتِ على مَن استطاع إليه سبيلًا.
وإنما سأَل إبراهيمُ ربَّه ما سأَل مِن ذلك؛ لأنه حلَّ بوادٍ غيرِ ذى زرعٍ ولا ماءٍ ولا أهلٍ، فسأَل أن يَرْزُقَ أهلَه ثمرًا، وأن يَجْعَلَ أفئدةً من (٢) الناسِ تَهْوِى إليهم.
فذُكِرَ أنَّ إبراهيمَ لما سأَل ذلك ربَّه، نقَل اللهُ الطائفَ مِن (٣) فلسطينَ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأتُ على محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفىِّ أنَّ إبراهيمَ لما دعا للحَرَمِ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: نقَل اللهُ الطائف مِن (٣) فلسطينَ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في قائلِ هذا القولِ، وفى وجهِ قراءتِه؛ فقال بعضُهم: قائلُ هذا القولِ ربُّنا تعالى ذكرُه.
وتأويلُه على قولِهم: قال اللهُ: ومَن كفَر بى فأُمَتِّعُه برِزقى مِن الثمراتِ قليلًا في الدنيا إلى أن يَأْتِيَه أجلُه.
وقرَأ قائلو هذه المقالةِ ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ بتشديدِ التاءِ ورفعِ العينِ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدَّثنى أبو العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾.
قال: هو قولُ الربِّ ﵎ (٢).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: لما قال إبراهيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وعزَل (٣) الدعوةَ عمن أبَى اللهُ أن يَجْعَلَ له الوِلايةَ؛ انقطاعًا إلى اللهِ ومحبتِه (٤)، وفِراقًا لمن خالَف أمرَه، وإن كانوا مِن ذريتِه حينَ عرَف أنه كائنٌ (٥) منهم ظالمٌ لا ينالُ عهدَه، بخبره عن ذلك حين أخبَره، فقال اللهُ: ومن كفر، فإنى أَرْزُقُ البَرَّ والفاجرَ فأُمَتِّعُه قَلِيلًا (٦).
وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ على وجهِ المسألةِ منه ربَّه أن يَرْزُقَ الكافرَ أيضًا مِن الثمراتِ بالبلدِ الحرامِ، مثلَ الذى يَرْزُقُ به المؤمنَ، ويُمَتِّعُه بذلك قليلًا [في حياتِه حتى تَخْتَرِمَه مَنِيَّتُه.
وقرأ قائلو ذلك: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا] (٧) ثُمَّ اضْطَرَّه إِلَى عَذَابِ النَّارِ).
بتخفيفِ التاءِ وجزمِ العينِ، وفتحِ الراءِ من (اضْطَرَّه)، ووصلِ (١) (ثم اضطَرَّه) بغيرِ قطعِ ألفِها (٢)، على وجهِ الدعاءِ مِن إبراهيمَ ربَّه لهم والمسألةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ذلك قولُ إبراهيمَ يَسْأَلُ ربَّه أن (مَن كفَر فأَمْتِعْه قليلًا) (٣).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، [عن أبيه] (٤)، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (وَمَنْ كَفَرَ فأَمْتِعْه قَلِيلًا).
يقولُ: ومَن كفَر فارْزُقْه أيضًا (ثم اضْطَرَّه إلى عذابِ النارِ) (٥).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا والتأويلِ ما قاله أبىُّ بنُ كعبٍ [وقرَأ به] (٦)، لقيامِ الحجةِ بالنقلِ المستفيضِ وراثةً (٧) بتصويبِ ذلك، وشذوذِ ما خالَفه مِن القراءةِ، وغيرُ جائزٍ الاعتراضُ بمن كان جائزًا عليه في نقلِه الخطأُ والسهوُ على مَن كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه في نقلِه.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: قال اللهُ: يا إبراهيمُ، قد أجبتُ دعوتَك ورزَقتُ مؤمنى أهلِ هذا البلدِ مِن الثمراتِ وكفارَهم متاعًا لهم إلى بلوغِ آجالهِم، ثم أضطرُّ كفارَهم بعدَ ذلك إلى عذاب النارِ.
وأما قولُه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فإنه يعنى: فأَجْعَلُ ما أَرْزُقُه مِن ذلك في حياتِه متاعًا يَتَمَتَّعُ به إلى وقتِ مماتِه.
وإنما قلنا: إنَّ ذلك كذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما قال ذلك لإبراهيمَ جوابًا لمسألتِه ما سأل مِن رزقِ الثمراتِ لمؤمنى أهلِ مكةَ، فكان معلومًا بذلك أن الجوابَ إنما هو فيما سألَه إبراهيمُ لا في غيرِه.
وبالذى قلنا في ذلك قاله مجاهدٌ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه.
وقال بعضُهم: تأويلُه: فأمتِّعُه بالبقاءِ في الدنيا.
وقال غيرُه: فأمتِّعُه قليلًا في كفرِه ما أقام بمكةَ، حتى أبعَثَ محمدًا ﷺ فيَقْتُلَه إن أقام على كفرِه أو يُجْلِيَه عنها.
وذلك وإن كان وجهًا يَحْتَمِلُه الكلامُ، فإن دليلَ ظاهرِ الكلامِ على خلافِه؛ لما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: ثم أَدْفَعُه إلى (١) النارِ وأَسُوقُه إليها، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].
ومعنى الاضْطرارِ الإكراهُ.
يقالُ: اضْطَرَرتُ فلانًا إلى هذا الأمرِ، إذا ألجَأْتَه إليه وحمَلتَه عليه.
فكذلك معنى قولِه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾: أَدْفَعُه إليه وأَسُوقُه سحبًا وجرًّا على وجهِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾.
قد دلَّلنا على أنَّ "بئس" أصلُه "بئِس" مِن "البُؤْسِ"، سُكِّنَ ثانيه ونُقِلت حركةُ ثانيه إلى أولِه، كما قيل للكبِدِ: كِبْدٌ، وما أشبَه ذلك.
فمعنى الكلامِ: وساء المصيرُ عذابُ النارِ، بعدَ الذى كانوا فيه مِن متاعِ الدنيا الذى مَتَّعْتُهم فيها.
وأما "المصيرُ" فإنه "مَفْعِلٌ" مِن قولِ القائلِ: صِرْتُ مَصيرًا صِلْحًا (١).
وهو الموضعُ الذى يَصِيرُ إليه [من جهنمَ.
فتأويلُ الكلامِ: وبئس المكانُ الذى يصيرُ إليه] (٢) الكافرُ باللهِ (٣) عذابُ النارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾: واذكروا إذ يرفَعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، و "القواعدُ" جمعُ قاعدةٍ، يقالُ للواحدةِ من قواعدِ البيتِ: قاعدةٌ.
وللواحدةِ مِن قواعدِ النساءِ -وهن (٤) عجائزُهن- قاعدٌ.
فتُلْقَى (٥) هاءُ التأنيثِ؛ لأنَّها "فاعلٌ" مِن قولِ القائلِ: قد قعَدت عن الحيضِ.
ولا حظَّ فيه للذكورِ، كما يقالُ: امرأةٌ طاهرٌ وطامثٌ؛ لأنه لا حظَّ في ذلك للذكورِ، ولو عُنِي به القُعودُ الذى هو خلافُ القيامِ لقيل: قاعدةٌ.
ولم يَجُزْ حينَئذٍ إسقاطُ هاءِ التأنيثِ.
وقواعدُ البيتِ: إساسُه (٦).
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في "القواعدِ" التى رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن البيتِ، أهما أحدَثا ذلك، أم هى قواعدُ كانت له قبلَهما؟
فقال قومٌ: هى قواعدُ بيتٍ كان بناه آدمُ أبو البشرِ بأمرِ اللهِ إياه بذلك، ثم درَس مكانُه وتَعَفَّى أثرُه بعدَه حتى بَوَّأَه اللهُ إبراهيمَ ﵇ فبناه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال آدمُ: أىْ (١) ربِّ، إنى لا أسمعُ أصواتَ الملائكةِ.
قال: خطيئتُك (٢)، ولكنِ اهبِطْ إلى الأرضِ فابنِ لي بيتًا، ثم احْفُفْ به كما رأَيتَ الملائكةَ تَحُفُّ ببيتىَ الذى في السماءِ.
فيَزْعُمُ (٣) الناسُ أنه بناه مِن خمسةِ أجبُلٍ؛ من حِراءٍ، وطورِ زَيْتَا (٤)، وطورِ سَيْناءَ، و (٥) لُبنانٍ، والجُوديِّ، وكان رُبْضُه (٦) من حِراءٍ، فكان هذا بناءَ آدمَ حتى بناه إبراهيمُ بعدُ (٧).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾.
قال: القواعدُ التى كانت قواعدَ البيتِ قبلَ ذلك (١).
وقال آخرون: بل هى قواعدُ بيتٍ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أهبَطه لآدمَ مِن السماءِ إلى الأرضِ، يَطُوفُ به كما كان (٢) يَطُوفُ بعرشِه في السماءِ، ثم رفَعه إلى السماءِ أيامَ الطوفانِ، فرفَع إبراهيمُ قواعدَ ذلك البيتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (٣)، قال: لما أهبَط اللهُ آدمَ مِن الجنةِ قال: إنى مُهبِطٌ معك -أو منزِلٌ معك- بيتًا يُطافُ (٤) حولَه، كما يُطافُ حولَ عرشى، ويُصَلَّى عندَه، كما يُصَلَّى عندَ عرشى.
فلما كان زمنُ الطوفانِ رفِع، فكانت الأنبياءُ يَحُجونَه ولا يَعْلَمون مكانَه، حتى بَوَّأَه الله إبراهيمَ وأعلَمه مكانَه، فبناه مِن خمسةِ أجْبُلٍ: من حِراءٍ، وثَبِيرٍ، ولُبنانٍ، وجبلِ الطورِ، وجبلِ الخَمَرِ (٥).
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسماعيلُ ابنُ عليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: لما أُهبِط آدمُ.
ثم ذكَر نحوَه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن سَوّارٍ [ختَنِ عطاءَ، عن] (٢) عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، قال: لما أهبَط اللهُ آدمَ مِن الجنةِ كان رِجلاه في الأرضِ ورأسُه في السماءِ، يَسْمَعُ كلامَ أهلِ السماءِ ودعاءَهم، يأنَس إليهم، فهابَتِ (٣) الملائكةُ حتى شكَت إلى اللهِ في دعائِها وفى صلاتِها، فخفَضه اللهُ (٤) إلى الأرضِ، فلما فقَد ما كان يَسْمَعُ منهم، استوحَش حتى شكا ذلك إلى اللهِ في دعائِه وفى صلاتِه، فوجِّه إلى مكةَ، فكان موضعُ قدمِه قريةً وخَطْوُه مفازةً، حتى انتهى إلى مكةَ، وأنزَل اللهُ ياقوتةً مِن ياقوتِ الجنةِ، فكانت على موضعِ البيتِ الآنَ، فلم يَزَلْ يَطُوفُ به حتى أنزَل اللهُ الطوفانَ، فَرُفِعت تلك الياقوتةُ، حتى بعَث اللهُ إبراهيمَ فبناه، فذلك قول اللهِ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٥) [الحج: ٢٦].
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: وضَع اللهُ البيتَ مع آدمَ (٦)، أهبَط اللهُ آدمَ إلى الأرضِ، وكان مَهْبِطُه بأرضِ الهندِ، وكان رأسُه في السماءِ ورِجلاه في الأرضِ، فكانت الملائكةُ تَهابُه، فنُقِص إلى ستين ذِراعًا، فحزِن آدمُ إذ فقَد أصواتَ الملائكةِ وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى اللهِ تعالى، فقال اللهُ: يا آدمُ، إنى قد أهبَطتُ لك بيتًا تَطُوفُ به كما يُطافُ حولَ عرشى، وتصَلِّى عندَه كما يُصَلَّى عندَ عَرْشى.
فانطَلَق إليه آدمُ، فخرَج ومُدّ له في خطوِه، فكان [بينَ كلِّ خُطوتين] (١) مفازةٌ، فلم تَزَلْ تلك المفاوزُ بعدَ ذلك، فأتى آدمُ البيتَ فطاف به ومَن بعدَه مِن الأنبياءِ (٢).
وحدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أَبانٍ أنَّ البيتَ أُهبِط ياقوتةً واحدةً، أو دُرّةً واحدَةً، حتى إذا أغرَق اللهُ قومَ نوحٍ رفَعه وبقِىَ أساسُه، فبوَّأه اللهُ لإبراهيمَ، فبناه بعدَ ذلك (٣).
وقال آخرون: بل كان موضعُ البيتِ ربوةً حمراءَ كهيئةِ القبةِ، وذلك أن اللهَ لما أراد خلْقَ الأرضِ علا الماءَ زَبَدةٌ حمراءُ أو بيضاءُ، وذلك في موضعِ البيتِ الحرامِ، ثم دَحَا اللهُ الأرضَ مِن تحتِها، فلم يَزَلْ ذلك كذلك حتى بوَّأه اللهُ إبراهيمَ، فبناه على أساسِه.
وقالوا: أساسُه على أركانٍ أربعةٍ في الأرضِ السابعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال جريرُ بنُ حازمٍ: حدَّثنى حميدُ بنُ قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان موضعُ البيتِ على الماءِ قبلَ أن يَخْلُقَ اللهُ السماواتِ والأرضَ، مثلَ الزَّبَدةِ البيضاءِ، ومِن تحتِه دُحِيَت الأرضُ (١).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ وعمرُو بنُ دينارٍ: بعَث اللهُ رِياحًا فصَفَقت الماءَ، فأبْرزَتْ في موضعِ البيتِ عن حَشَفةٍ (٢) كأنها القبّةُ، فهذا البيتُ منها، فلذلك هى أمُّ القُرَى.
قال ابنُ جُريجٍ: قال عطاءٌ: ثم وَتَدها بالجبالِ كى لا تكَفَّأَ؛ تَمِيدَ (٣)، فكان أولَ جبلٍ أبو قُبَيسٍ (٤).
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن حفصِ بنِ حميدٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: وُضِعَ البيتُ على أركانِ الماءِ، على أربعةِ أركانٍ، قبلَ أن تُخْلَقَ الدُّنْيا بألفَى عامٍ، ثم دُحِيت الأرضُ مِن تحتِ البيتِ (٥).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن عطاءِ بنِ أبى رباحٍ، قال: وَجَدوا بمكةَ حجرًا مكتوبًا فيه (٦): إنى أنا اللهُ ذو بكةَ، بنَيْتُه يومَ صُغْتُ (١) الشمسَ والقمرَ، وحفَفْتُه بسبعةِ أملاكٍ حنفاءَ (٢).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثنى عبدُ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ وغيرِه مِن أهلِ العلمِ، أن اللهَ لمَّا بَوَّأ لإبراهيمَ مكانَ البيتِ، خرَج إليه مِن الشامِ، وخرَج معه بإسماعيلَ وبأمِّه هاجرَ، وإسماعيلُ طفلٌ صغيرٌ يَرْضَعُ، وحُمِلُوا -فيما حدَّثنى- علَى البُراقِ، ومعه جبريلُ يَدُلُّه على مَوْضعِ (٣) البيتِ ومَعالمِ الحرمِ، فخرَج وخرَج معه جبريلُ -يقال: كان لا يمرُّ بقريةٍ إلا قال: أبهذه أُمِرْتَ يا جبريلُ؟
فيقولُ جبريلُ: امْضِهْ- حتى قَدِم به مكةَ، وهى إذ ذاك عِضَاهُ سَلَمٍ وسَمُرٍ (٤)، وبها (٥) أناسٌ يقالُ لهم: العَماليقُ خارجَ مكةَ وما حولَها، والبيتُ يومَئذٍ رَبوةٌ حمراءُ مَدَرَةٌ.
فقال إبراهيمُ لجبريلَ: أههنا أُمِرتَ أن أضَعَهما؟
قال: نعم.
فعمَد بهما (٦) إلى موضعِ الحجرِ فأنزَلهما فيه، وأمر هاجرَ أمَّ إسماعيلَ أن تَتخِذَ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (٧) [إبراهيم: ٣٧].
قال ابنُ حميدٍ: قال سلمةُ: قال ابنُ إسحاقَ: ويَزْعُمون -واللهُ أعلمُ- أن ملكًا مِن الملائكةِ أتَى هاجرَ أمَّ إسماعيلَ -حينَ أنزَلهما إبراهيمُ مكةَ قبلَ أن يَرْفعَ إبراهيمُ وإسماعيلُ القواعدَ مِن البيتِ -فأشار لها (١) إلى البيتِ، وهو (٢) رَبْوةٌ حمراءُ مَدَرَةٌ، فقال لها (٣): هذا أولُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ (٤)، وهو بيتُ اللهِ العتيقُ، واعْلَمِى أن إبراهيمَ وإسماعيلَ هما يَرفعانه (٥).
فاللهُ أعلمُ.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، قال: أخْبَرنى حُميدٌ، عن مجاهدٍ، قال: خلَق اللهُ مَوْضِعَ هذا البيتِ قبلَ أن يَخْلُقَ شيئًا مِن الأرضِ بأَلْفَى سنةٍ، وأركانُه في الأرضِ السابعةِ (٦).
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا ابنُ عُيَينةَ، قال: أخْبَرنى بِشْرُ بنُ عاصمٍ، عن ابنِ المسيّبِ، قال: حدَّثنا كعبٌ أن البيتَ كان غُثاءةً على الماءِ قبلَ أن يَخلُقَ اللهُ الأرضَ بأربعين سنةً، ومنه دُحِيَت الأرضُ.
قال: وحدَّثنا (٧) عليُّ بنُ أبي طالبٍ أن إبراهيمَ أقْبَل مِن إرمينيةَ ومعَه السكينةُ تَدُلُّه، [حتى تبوَّأَ] (٨) البيتَ، كما تَتَبوأُ العنكبوتُ بيتَها.
قال: فرَفَعت عن أحجارٍ يُطِيقُه -أو لا يُطيقُه- ثلاثون رجلًا.
قال: قلت: يا أبا محمدٍ، فإن اللهَ يقُولُ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ قال: كان ذلك بعدُ (٩).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن يقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤه أخْبَر عن إبراهيمَ خليلِه أنه وابنَه إسماعيلَ رفَعا القواعدَ مِن البيتِ الحرامِ.
وجائزٌ أن يكونَ ذلك قواعدَ بيتٍ كان أهْبَطه مع آدمَ، فجَعله مكانَ البيتِ الحرامِ الذي بمكةَ.
وجائزٌ أن يكونَ ذلك كان القُبَّةَ التى ذكَرها عطاءٌ مما أنْشَأه اللهُ مِن زَبَدِ الماءِ.
وجائزٌ أن يكونَ كان ياقوتةً أو درةً أُهْبِطتا مِن السماءِ.
وجائزٌ أن يكونَ كان آدمُ بناه ثم تَهَدَّم حتَّى رفَع قَواعِدَه إبراهيمُ وإسماعيلُ.
ولا علمَ عندَنا بأيِّ ذلك كان من أيّ؛ لأن حقيقةَ ذلك لا تُدْركُ إلا بخبرٍ عن اللهِ أو (١) عن رسولِه ﷺ بالنَّقْلِ المُسْتفيضِ.
ولا خبرَ بذلك تقومُ به الحجةُ، فيَجِبَ التسليمُ لها، ولا هو -إذ لم يَكُنْ به خَبَرٌ على ما وصفنا- مما [يُدْرَكُ علمُه] (٢) بالاستدلالِ والمقاييسِ، فيُمَثلَ بغيرِه، ويُسْتنبطَ عِلمُه مِن جهةِ الاجتهادِ.
فلا قولَ في ذلك هو أوْلَى بالصوابِ مما قلنا واللهُ تعالى أعلم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
يعني تعالى ذِكْرُه بذلك وإذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ.
يقولان: ربَّنا تقبَّلْ منا.
وذُكِرَ أن ذلك كذلك في قراءةِ ابنِ مسعودٍ (٣)، وهو قولُ جماعةٍ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: بنَيا وهما يَدْعوان الكلماتِ التى ابْتَلى بها إبراهيمَ ربُّه، قال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ - ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ (١).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخْبَرنى ابنُ كثيرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: قاما (٢) يَرْفعان القواعدَ مِن البيتِ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: وإسماعيل يَحْمِلُ الحجارةَ على رقبتِه، والشَّيخُ يَبْنى (٣).
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: وإذ يَرْفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ وإسماعيلُ قائلين: ربنا تَقبَّلْ مِنَّا.
وقال آخرون: بل قائلُ ذلك كان إسماعيلَ.
فتأويلُ الآية على هذا القولِ: وإذ يَرفعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، وإذ يقولُ إسماعيلُ: ربَّنا تَقبلْ مِنَّا.
فيَصِيرُ حينئذٍ ﴿إِسْمَاعِيلُ﴾ مرفوعًا بالجملةِ التى بعدَه، و "يقول" حينئذٍ خبرٌ له دونَ إبراهيمَ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي رفَع القواعدَ، بعدَ إجماعِهم على أن إبراهيمَ كان ممن رفَعها؛ فقال بعضُهم: رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾.
قال: فانطلَق إبراهيمُ حتى أتَى مكَّةَ، فقام هو وإسماعيلُ وأخَذا المعاولَ لا يَدْرِيان أين البيتُ، فبعَث اللهُ ريحًا يقال لها: ريحُ الخَجُوجِ (١)، لها جَناحان ورأسٌ، في صورةِ حيَّةٍ، فكنَست لهما ما حولَ الكعبةِ (٢) عَنْ أساسِ البيتِ الأولِ، واتَّبَعاها بالمَعاولِ يَحْفِران حتى وضَعا الأساسَ، فذلك حين يقولُ: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦].
فلما بنَيا القواعدَ فبلَغا مكانَ الرُّكنِ، قال إبراهيمُ لإسماعيلَ: يا بُنيّ، اطْلُبْ لي حجرًا حسنًا أضعْه ههنا.
قال: يا أبَتِ إنى كسلانُ لَغِبٌ (٣).
قال: علىَّ ذلك.
فانطلَق يطلُبُ حجرًا، فجاءه بحجرٍ فلم يَرْضَهْ، فقال: ائتنى بحجرٍ أحسنَ مِن هذا.
فانْطَلق يَطْلُبُ له حجرًا، وجاءه جبريلُ بالحجرِ الأسودِ مِن الهندِ، وكان أبيضَ، ياقوتةً بيضاءَ مثلَ الثَّغامةِ (٤)، وكان آدمُ هبَط به مِن الجنةِ فاسودَّ مِن خطايا الناسٍ، فجاءه إسماعيلُ بحجرٍ فوجدَه عندَ الركنِ، فقال: يا أبتِ، مَن جاءك بهذا؟
فقال: [جاء به] (٥) مَن هو أنشطُ مِنك.
فبنَياه (٦).
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عمر (٧) بنِ عبدِ اللهِ بنِ عروةَ (٨)، عن (٩) عبيدِ بنِ عميرٍ الليثىِّ، قال: بَلَغنى أن إبراهيمَ وإسماعيلَ هما رفَعا قواعدَ البيتِ (١).
وقال آخرون: بل رفَع قواعدَ البيتِ إبراهيمُ، وكان إسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ ثابتٍ الرازىُّ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ وكثيرِ بنِ كثيرِ بنِ المطلبِ بنِ أبي وداعةَ -يَزيدُ أحدُهما على الآخرِ- عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء إبراهيمُ وإسماعيلُ يَبْرِى نَبْلًا قريبًا مِن زمزمَ، فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يَصْنعُ الوَالدُ بالولدِ، والوَلدُ بالوالدِ، ثم قال: يا إسماعيلُ، إن اللهَ أمَرنى بأمْرٍ.
قال: فاصْنَعْ ما أمَرَك ربُّك.
قال: وتُعِينُنى؟
قال: وأُعِينُك.
قال: فإن اللهَ أمَرَنى أن أبنىَ ههنا بيتًا.
وأشار إلى الكعبةِ مُرتفعةً على ما حولَها.
قال: فعنَد ذلك رفعا القواعدَ من البيتِ.
قال: فجعلَ إسماعيلُ يأتي بالحجارةِ وإبراهيمُ يَبْنى، حتى إذا ارتفَع البناءُ جاء بهذا الحجرِ فوضَعه له، فقام عليه وهو يَبنى، وإسماعيلُ يُناولُه الحجارةَ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ حتى دَوَّر حولَ البيتِ (٢).
حدَّثنا ابنُ سنانٍ (٣) القَزازُ، قال: ثنا عبيدُ (٤) اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنَفىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كثيرَ بنَ كثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: جاء -يعني إبراهيمَ- فوجَد إسماعيلَ يُصْلحُ نَبْلًا له (٥) مِن وراءِ زمزمَ، فقال إبراهيمُ: يا إسماعيلُ، إن ربَّك قد أمرَنى أن أبنىَ له بيتًا.
فقال له إسماعيلُ: فأطِعْ ربَّك فيما أمَرك به.
فقال له إبراهيمُ: قد أمرَك أن تُعِينَنى عليه.
قال: إذن أفْعَلَ.
قال: فقام معه، فجَعل إبراهيمُ يَثنِيه وإسماعيلُ يُناولُه الحجارةَ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فلما ارْتَفع البنيانُ، وضَعُف الشَّيخُ عن رفع الحجارةِ، قام على حجَرٍ فهو مَقامُ إبراهيمَ، فجعَل يُناولُه ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
وقال آخرون: بل الذي رفَع قواعدَ البيتِ إبراهيمُ وحدَه، وإسماعيلُ يومئذٍ طفلٌ صغيرٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المثني، قالا: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بنِ مُضَرِّبٍ (٢)، عن عليٍّ، قال: لما أُمِرَ إبراهيمُ ببناءِ البيتِ، خرَجَ معه إسماعيلُ وهاجرُ، قال: فلما قَدِم مكَّةَ رأى على رأسِه في موضعِ البيتِ مثلَ الغَمامةِ فيه مثلُ الرأسِ فكَلَّمه، فقال: يا إبراهيمُ، ابْنِ على ظلِّى -أو على قَدْرى- ولا تَزِدْ ولا تَنْقُصْ.
فلما بَنَى خرَج (٣) وخَلَّف إسماعيلَ وهاجرَ، فقالت هاجرُ: يا إبراهيمُ إلى مَن تَكِلُنا؟
قال: إلى اللهِ.
قالت: انْطَلِقْ فإنه لا يُضَيِّعُنا.
قال: فعَطِش إسماعيلُ عَطَشًا شديدًا، قال: فصَعِدت هاجرُ الصَّفَا فنظَرت فلم تَرَ شيئًا، ثم أتَتِ المَروةَ فنَظَرتْ فلم ترَ شيئًا، ثم رجَعت إلى الصَّفَا فنَظَرت فلم تَر شيئًا، حتى فعَلت ذلك سبعَ مرارٍ، فقالت: يا إسماعيلُ مُتْ حيثُ لا أراك.
فأتَتْه وهو يَفْحَصُ برجلِه مِن العطش، فناداها جبريلُ، فقال لها: مَن أنتِ؟
فقالت: أنا هاجرُ أمُّ ولدِ إبراهيمَ.
قال: إلى مَن وَكَلكما؟
قالت: وَكَلنا إلى اللهِ.
قال: وَكَلكما إلى كافٍ.
قال: ففَحَص الغلامُ (١) الأرضَ بأصبعِه، فنَبَعت زمزمُ، فجعَلت تحبسُ الماءَ، فقال: دَعيه، فإنها رَوَاءٌ (٢).
حدَّثنا [هنادُ بنُ السرىِّ] (٣)، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، أن رجلًا قام إلى عليٍّ فقال: ألا تُخْبرُنى عن البيتِ أهو أولُ بيتٍ وُضِعَ في الأرضِ؟
فقال: لا، ولكنه أولُ بيتٍ وُضِعَ فيه (٤) البركةُ، مَقامُ إبراهيمَ، ومَن دخَله كان آمنًا، وإن شِئْتَ أنْبأتُك كيف بُنِىَ، إن اللهَ أوْحَى إلى إبراهيمَ أن ابْنِ لي بيتًا في الأرضِ.
قال: فضاق إبراهيمُ بذلك ذَرْعًا، فأرسل اللهُ السكينةَ -وهي ريحٌ خَجُوجٌ، ولها رأسان- فأَتْبع أحدُهما صاحبَه حتى انْتَهت إلى مكَّةَ، فتَطوَّت على مَوضعِ البيتِ كتَطوِّى الحَجَفَةِ (١)، وأُمِر إبراهيمُ أن يبنىَ حيثُ تَستقرُّ السكينةُ.
فبنى إبراهيمُ وبقِى حجرٌ، فذهب الغلامُ يَبْنى (٢) شيئًا، فقال إبراهيمُ: لا، أبْغِنى حجرًا كما آمُرُك.
قال: فانْطَلق الغلامُ يَلْتمِسُ له حجرًا، فأتاه به (٣) فوجَده قد رَكَّب الحجرَ الأسودَ في مكانِه، فقال: يا أبَتِ، مَن أتاك بهذا الحجرِ؟
فقال: أتانى به مَن لم يَتَّكِلْ على بنائِك، جاء به جبريلُ مِن السماءِ.
فأتَمَّاه (٤).
وحدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٥)، عن سماكٍ، قال: سمِعت خالدَ بنَ عرعرةَ يُحدِّث عن عليٍّ بنحوِه.
وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ وحمادُ بنُ سلمةَ وأبو الأحوصِ، كلُّهم عن سماكٍ، عن خالدِ بنِ عرعرةَ، عن عليٍّ بنحوِه (٦).
فمن قال: رفَع القواعدَ إبراهيمُ وإسماعيلُ.
أو قال: رفَعها إبراهيمُ وكان إسماعيلُ يناولُه الحجارةَ.
فالصوابُ في قولِه أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ، ويكونُ الكلامُ حينئذٍ وإذ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعِدَ من البيتِ وإسماعيلُ يقولان: ربَّنا تقبَّلْ منا.
وقد كان يَحْتمِل على هذا التأويلِ أن يكونَ المُضمرُ مِن القولِ لإسماعيلَ خاصةً دونَ إبراهيمَ، ولإبراهيمَ خاصةً دونَ إسماعيلَ، لولا ما عليه عامةُ أَهلِ التأويلِ مِن أن المُضمرَ مِن القولِ [في ذلك] (١) لإبراهيمَ وإسماعيلَ جميعًا.
وأما على التأويلِ الذى رُوِىَ عن علىٍّ -أن إبراهيمَ هو الذى رفَع القواعدَ دونَ إسماعيلَ- فلا يجوزُ أن يكونَ المضمرُ مِن القولِ عندَ ذلك إلا لإسماعيلَ خاصةً.
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في ذلك أن المُضمرَ مِن القولِ لإبراهيمَ وإسماعيلَ، وأن قواعدَ البيتِ رفَعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا، وذلك أن إبراهيمَ وإسماعيلَ إن كانا هما بنياها (٢) ورفعاها، فهو ما قلنا.
وإن كان إبراهيمُ تَفرَّد ببنائِها، وكان إسماعيلُ يُناولُه أحجارَها (٣)، فهما أيضًا رفعاها، لأن رفعَها كان بهما؛ مِن أحدِهما البناءُ، ومِن الآخرِ نقلُ الحجارةِ إليها ومعونةُ وَضْعِ الأحجارِ مواضعَها.
ولا تَمْتنِعُ العربُ مِن إضافةِ (٤) البناءِ إلى مَن كان بسببِه البناءُ ومَعونتِه.
وإنما قلنا ما قلنا مِن ذلك لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على أن إسماعيلَ معنىٌّ بالخبرِ الذى أخْبَر اللهُ عنه وعن أبيه أنهما كانا يقولانه، وذلك قولُهما: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فمعْلُومٌ أن إسماعيلَ لم يَكُنْ ليقولَ ذلك إلا وهو إما رجلٌ كاملٌ، وإما غلامٌ قد فَهِم مواضعَ الضُّرِّ مِن النفعِ، ولزِمَته فرائضُ اللهِ وأحكامُه.
وإذا كان [ذلك أمرَه] (١) في حالِ بناءِ أبيه ما أمَره اللهُ ببنائِه ورفعِه قواعدَ بيتِ اللهِ (٥) - فمعلومٌ أنه لم يكن تاركًا معونةَ أبيه، إما على البناءِ، وإما على نقلِ الحجارةِ.
وأىُّ ذلك كان منه، فقد دخَل في معنى مَن رفَع قواعدَ البيتِ، وثبَت أن القولَ المُضمرَ خبرٌ عنه وعن والدِه إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليهما.
فتأويلُ الكلامِ: وإذ يَرفَعُ إبراهيمُ القواعدَ مِن البيتِ، يقولان: ربَّنا تَقَبلْ مِنَّا عملَنا، وطاعتَنا إياك وعبادَتنا لك، في انتهائِنا إلى أمرِك الذى أمَرتنا به في بناءِ بيتِك الذى أمَرْتنا ببنائِه، إنك أنت السميعُ العليمُ.
وفى إخبارِ اللهِ جلَّ ثناؤُه أنهما رفَعا القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ دليلٌ واضحٌ على أن بناءَهما ذلك لم يَكُنْ بناءَ مَسكنٍ يَسْكُنانه ولا منزلٍ يَنْزلانِه، بل هو دليلٌ على أنهما بنياه ورفَعا قواعدَه لكلِّ مَن أراد أن يَعْبُدَ اللهَ، تَقرُّبًا منهما إلى اللهِ بذلك، ولذلك قالا: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ ولو كانا بنياه مسكنًا لأنفسِهما لم يكنْ لقولِهما: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ وَجهٌ مفهومٌ، لأنه [كان يكونُ] (١) -لو كان الأمْرُ كذلك- [سألا ربَّهما] (٢) أن يَتقبَّلَ منهما ما لا قُرْبةَ فيه إليه.
وليس [من صفتِهما] (٣) مسألةُ اللهِ قبولَ ما لا قُربةَ إليه فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾.
وتأويلُ قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾: إنك أنت السميعُ دعاءَنا ومَسألتَنا إياك قَبولَ ما سألناك قَبولَه منا مِن [طاعتِنا لك] (٤) في بناءِ بيتِك الذى أمَرْتنا ببنائِه، العليمُ بما في ضمائرِ نفوسِنا مِن الإذعانِ لك بالطاعةِ والمصيرِ إلى ما فيه لك الرضا والمحبةُ، وما نُبْدِى وما (١) نُخْفِى مِن أعمالِنا.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخْبَرنى ابنُ (٢) كثيرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يقولُ: تَقبَّلْ مِنَّا إنك سميعُ الدعاءِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
وهذا أيضًا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ وإسماعيلَ، أنهما كانا يَرفعان القواعدَ مِن البيتِ وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾.
يعنيان بذلك: واجْعَلْنا مُستسلِمَين لأمرِكَ، خاضعَيْنِ لطاعتِكَ، لا نُشْرِكُ معَك في الطاعةِ أحدًا سواك، ولا في العبادةِ غيرَك.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى "الإسلامِ" الخضوعُ للهِ بالطاعةِ (٤).
وأمَّا قولُه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فإنهما خصَّا بذلك بعضَ الذُّرِّيَّةِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان أعلمَ إبراهيمَ خليلَه قبلَ مسألتِه هذه أن مِن ذُرِّيَّته مَن لا يَنالُ عهدَه، لظلمِه وفجورِه، فخَصَّا بالدعوةِ بعضَ ذُرِّيَّتهما.
وقد قيل: إنهما عنَيا بذلك العربَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾: يَعنيانِ العربَ (١).
وهذا قولٌ يَدُلُّ ظاهرُ الكتابِ على خلافِه، لأن ظاهرَه يَدُلُّ على أنهما دَعَوَا اللهَ أن يَجْعَلَ مِن ذُرِّيَّتِهما أهلَ طاعتهِ وولايتِه والمُسْتَجِيبينَ لأمرِه، وقد كان في ولدِ إبراهيمَ العربُ وغيرُ العربِ، والمستجيبُ لأمرِ اللهِ والخاضعُ له بالطاعةِ مِن الفريقين، فلا وجهَ لقولِ مَن قال: عنَى إبراهيمُ بدعائِه ذلك فريقًا مِن ولدِه بأعيانِهم دونَ غيرِهم، إلَّا التحكُّمَ الذى لا يعْجِزُ عنه أحدٌ.
وأمَّا "الأُمَّةُ" في هذا الموضعِ، فإنه يَعني بها الجماعةَ مِن الناسِ، مِن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.
اخْتَلَفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم.
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.
بمعنى رُؤيةِ العينِ، أى: أظهِرْها لأعيُنِنا حتى نراها.
وذلك قراءةُ عامَّةِ قرأةِ (٢) الحجازِ والكوفةِ.
وكان بعضُ مَن يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى هذا التأويلِ يُسَكِّنُ الراءَ مِن (أرْنا) (٣)، غيرَ أنه يُشِمُّها كسرةً (٤).
واختلف قائلُو هذه المقالةِ وقَرَأَةُ هذه القراءةِ في تأويلِ قولِه: ﴿مَنَاسِكَنَا﴾؛ فقال بعضُهم: هى مناسكُ الحجِّ ومعالِمُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: فأراهما اللهُ مناسِكَهما بالطوافِ بالبيتِ، والسعْىِ بينَ الصفا والمروةِ، والإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ، والإفاضَةِ مِن جَمعٍ، ورمْىِ الجمارِ، حتى أكمل اللهُ الدِّينَ - أو: دِينَه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: أرِنا نُسُكَنا وحِجَّنا (٢).
حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لمَّا فرَغ إبراهيمُ وإسماعيلُ مِن بنيانِ البيتِ أمَره اللهُ أن يُنادىَ، فقال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]،.
فنادَى بينَ أَخْشَبَيْ مكةَ (٣): يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ يأمرُكم أن تَحُجُّوا بيتَه.
قال: فوقَرت في قلبِ كلِّ مؤمنٍ، فأجابه كلُّ شيءٍ (٤) سمِعه مِن جبلٍ أو شجرٍ أو دابَّةٍ: لبَّيْكَ لبَّيْك.
فأجابوه بالتلبيةِ: لبَّيك اللهمَّ لبَّيْك.
وأتاه مَن أتاه، فأمَره اللهُ أن يَخْرُجَ إلى عرفاتٍ ونعَتها فخرَج، فلمَّا بلَغ الشجرةَ عندَ العَقَبَةِ اسْتَقْبَله الشيطانُ فردَّه (٥)، فرمَاه بسبعِ حَصَياتٍ يُكَبِّرُ معَ كلِّ حصاةٍ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانية أيضًا، فصدَّه فرماه وكبَّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ، فرماه وكبَّر، فلمَّا رأى أنه لا يُطيقُه، ولم يَدْرِ إبراهيمُ أين يذهبُ، فانطلق حتى أتى ذا المجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم يَعْرِفْه جاز، فسُمِّى ذا المجازِ، ثم انْطَلق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلمَّا نظَر إليها عرَف النعتَ، قال: قد عرَفتُ.
فسُمِّى عرفاتٍ، فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ، حتى إذا أمسى ازْدَلَف إلى جَمْعٍ، فسُمِّيتِ المُزْدَلِفةَ، فوقَف بجمعٍ، ثم أقبل حتى أتى الشيطانُ حيثُ لقِيه أوَّلَ مرَّةٍ، فرمَاه بسبعِ حَصَياتٍ سبعَ مرَّاتٍ، ثم أقام بمِنًى حتى فرَغ مِن الحجِّ وأمرِه، وذلك قولُه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (١).
وقال آخَرون -ممَّن قرَأ هذه القراءةَ-: المناسكُ: المذابحُ.
فكان تأويلُ هذه الآيةِ على قولِ مَن قال ذلك: وأرِنا كيف نَنْسُك لك يا ربَّنا نسائكَنا فنَذْبَحُها لك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ قال: ذَبْحَنا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: مذابحَنا (٢).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال لى (١) عطاءٌ: سمعتُ عُبيدَ بنَ عُميرٍ يقولُ: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.
قال: مذابحَنا.
وقرأ ذلك آخَرون: (وأرْنا مَناسِكَنا).
بتسكينِ الراءِ، وزعَموا أن معنى ذلك: وعَلِّمْنا ودُلَّنا عليها.
لا أن معناها: أرِناها بأبصارِنا.
وزعَموا أن ذلك نظيرُ قولِ حُطائِطِ بنِ يَعفُرَ أخى الأسودِ بنِ يَعْفُرَ (٢): أَرِينِى جَوَادًا ماتَ هَزْلًا لأَنَّنِى (٣) … أَرَى ما تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا يعنى بقولِه: أرينى: دُلِّينى عليه وعَرِّفِينى مكانَه.
ولم يَعْنِ به رؤيةَ العينِ.
وهذه قراءةٌ رُوِيتْ عن بعضِ المُتَقدِّمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: (أَرْنَا مَناسِكَنا): أخرِجْها لنا، علِّمْناها (٤).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ المُسَيَّبِ، قال عليُّ بنُ أَبى طالبٍ: لَمَّا فرَغ إبراهيمُ مِن بناءِ البيتِ، قال: قد (٥) فعَلتُ أىْ ربِّ، فأَرْنَا مناسِكَنا -أَبْرِزْها لنا، علِّمْناها- فبعَث اللهُ جبريلَ ﵇ فحجَّ به (٦).
والقولُ [عندى في ذلك أن تأويلَ (أرنا) بكسرِ الراءِ وتسكينِها] (١) واحدٌ؛ فمَن كسَر الراءَ جعَل علامةَ الجزمِ سقوطَ الياءِ التى في قولِ القائلِ: [أريتُه، أُرِيه] (٢).
وأقرَّ الراءَ مكسورًا كما كانت قبلَ الجزمِ.
ومَن سكَّن الراءَ مِن (أرْنا) توهَّم أن إعرابَ الحرفِ في الراءِ فسكَّنها للجزمِ (٣)، كما فعَلوا ذلك في "لم يكن" "ولم يكُ"، وسواءٌ كان ذلك مِن رؤيةِ العينِ، أو مِن رؤيةِ القلبِ، ولا معنى لفرقِ مَن فرَّق بين رؤيةِ العينِ في ذلك وبين رؤيةِ القلبِ.
وأمَّا "المناسكُ" فإنها جمعُ مَنْسِكٍ، وهو الموضعُ الذى يُنْسَكُ للهِ فيه، ويُتَقَرَّبُ إليه فيه بما يُرْضِيه مِن عملٍ صالحٍ؛ إمَّا بذبحِ ذبيحةٍ له، وإما بصلاةٍ أو طوافٍ أو سعْىٍ، وغيرِ ذلك مِن الأعمالِ الصالحةِ، ولذلك قيل لمشاعرِ الحجِّ: مناسكُه؛ لأنَّها أماراتٌ وعلاماتٌ يعتادُها الناسُ، ويَتَرَدَّدون إليها.
وأصلُ "المنسِك" في كلامِ العربِ: الموضعُ المعتادُ الذى يَعتادُه الرجلُ ويألفُه، يقال: إن لفلانٍ منسِكًا.
وذلك إذا كان له موضعٌ يعتادُه لخيرٍ أو لشرٍّ، ولذلك سُمِّيت المناسكُ مناسكَ؛ لأنَّها تُعْتَادُ ويُتَرَدَّدُ إليها بالحجِّ والعمرةِ، وبالأعمالِ (٤) التى يُتَقَرَّبُ بها إلى اللهِ.
وقد قيل: إن معنى النسكِ: عبادةُ اللهِ، وإن الناسكَ إنما سُمِّى ناسكًا بعبادتِه ربَّه.
فتأوَّل قائلُو هذه المقالةِ قولَه: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾: وعلِّمْنا عبادتَك كيف نعبُدُك، وأين نعبدُك، وما يُرْضِيك عنَّا فنفعلُه.
وهذا القولُ وإن كان مذهبًا يحتمِلُه الكلامُ، فإن الغالبَ على معنى المناسكِ ما وصَفْنا قبلُ مِن أنَّها مناسكُ الحجِّ التى ذكَرْنا معناها، وخرَج هذا الكلامُ مِن قولِ إبراهيمَ وإسماعيلَ على وجهِ المسألةِ منهما ربَّهما لأنفسِهما، وإنما ذلك منهما مسألةُ ربِّهما لأنفسِهما وذُرِّيَّتِهما المسلمين، فلمَّا ضمَّا ذُرِّيَّتَهما المسلمين إلى أنفسِهما صارا كالمُخْبِرين عن أنفسِهما بذلك.
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك، لتقدم الدعاءِ منهما للمسلمين مِن ذُرِّيَّتِهما قبلُ في أوَّلِ الآيةِ، وتأخرِه بعدُ في الآيةِ الأُخرى.
فأمَّا الذى في أوَّلِ الآيةِ فقولُهما: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾.
ثم جَمَعَا أنفسَهما والأمَّةَ المسلمةَ مِن ذُرِّيَّتِهما في مسألتِهما ربَّهما أن يُرِيَهم مناسكَهم فقالا: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾.
وأمَّا الذى (١) في الآيةِ التى بعدَها: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
فجعَلا المسألةَ لذُرِّيَّتِهما خاصَّةً.
وقد ذُكِر أنَّها في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (وأَرِهِمْ مَنَاسِكَهُمْ) (٢).
يعنى بذلك: وأرِ ذُرِّيَّتَنا المسلمةَ مناسكَهم.
القولُ في تأويلِ قولِهِ جلَّ ثناؤه: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)﴾.
أمَّا التوبةُ فأصلُها الأَوْبَةُ مِن مكروهٍ إلى محبوبٍ، فتوبةُ العبدِ إلى ربِّه أوبتُه ممَّا يكرَهُه اللهُ منه بالندمِ عليه والإقلاعِ عنه، والعزمِ على تركِ العودِ فيه.
وتوبةُ الربِّ على عبدِه عَوْدُه عليه بالعفوِ له عن جُرْمِه والصفحِ له عن عقوبةِ ذنبِه، مغفرةً منه له، وتَفَضُّلًا عليه.
فإن قال لنا قائلٌ: وهل كانت لهما ذنوبٌ فاحتاجا إلى مسألةِ ربِّهما التوبةَ؟
قيل: إنه لا أحدَ مِن خلقِ اللهِ إلَّا وله مِن العملِ فيما بينه وبين ربِّه ما يَجِبُ عليه الإنابةُ منه والتوبةُ، فجائزٌ أن يكونَ ما كان مِن قيلِهما (١) ما قالا مِن ذلك (٢)، إنما خصَّا به الحالَ التى كانا عليها مِن رفْعِ قواعدِ البيتِ؛ لأنَّ ذلك كان أحْرَى الأماكنِ أن يستجيبَ اللهُ فيها دعاءَهما، وليَجْعَلا ما فعَلا مِن ذلك سُنَّةً يُقْتَدَى بها بعدَهما، وتَتَّخِذَ الناسُ تلك البقعةَ بعدَهما موضعَ تنَصُّلٍ مِن الذُّنُوبِ إلى اللهِ.
وجائزٌ أن يكونا عَنَيا بقولِهما: ﴿وَتُبْ عَلَيْنَا﴾: وتُبْ على الظَّلَمةِ مِن أولادِنا وذُرِّيَّتِنا، الذين أعلَمْتَنا أمرَهم مِن ظلمِهم وشِركِهم، حتى يُنِيبوا إلى طاعتِك.
فيكونُ ظاهرُ الكلامِ على الدعاءِ لأنفسِهما، والمعنيُّ به ذُرِّيَّتُهما، كما يقالُ: أكرَمنى فلانٌ في ولدى وأهلي، وبرَّنى فلانٌ، إذا برَّ ولدَه.
وأمَّا قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فإنه يعنى به: إنك أنت العائدُ على عبادِك بالفضلِ، والمُتَفضِّلُ عليهم بالعفوِ والغفرانِ، الرحيمُ بهم، المستنقذُ مَن تشاءُ منهم برحمتِك مِن هَلكتِه، المُنجِى مَن تُرِيدُ نجاتَه منهم برأفتِك مِن سَخَطِك.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
وهذه دعوةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ صلواتُ اللهِ عليهما لنبيِّنا محمدٍ ﷺ خاصَّةً، وهى الدعوةُ التى كان نبيُّنا ﷺ يقولُ: "أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى".
حَدَّثَنَا بذلك ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ الكَلاعىِّ، أن نفرًا مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ قالوا له: يا رسولَ اللهِ، أخْبِرْنا عن نفسِك.
قال: "نعم، أنا دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبُشْرَى عيسى ﵇" (١).
حَدَّثَنِي عمرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا أبو اليمانِ، قال: ثنا [أبو بكرِ بنُ] (٢) أبى مريمَ، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن العِرْبَاضِ بنِ سارِيَةَ السُّلَمِيِّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنى عندَ (٣) اللهِ في أُمِّ الكتابِ لخاتمُ النبيِّين، وإن آدَمَ لمُنْجَدِلٌ (٤) في طِينتِه، وسوف أُنَبِّئُكم بتأويلِ ذلك (٥)؛ دعوةُ أبى إبراهيمَ، وبشارةُ عيسى قومَه، ورُؤْيا أُمِّى" (٦).
حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعلي، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، وحَدَّثَنِي عُبَيْدُ بنُ آدمَ بنِ أبى إياسٍ العَسْقَلانيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: ثنا الليثُ بن سعدٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، قالا جميعًا: عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن عبدِ اللهِ (١) بنِ هلالٍ السُّلَمِيِّ، عن عِرْبَاضِ بنِ ساريةَ السُّلَمِيِّ، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوِه (٢).
وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن سعيدِ بنِ سُوَيْدٍ، عن عبدِ الأعلى بنِ هلالٍ السُّلَمِيِّ، عن عِرْبَاضِ بنِ سارِيَةَ أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ.
فذكَر نحوَه (٣).
وبمثلِ الذى قلنا في ذلك قال جماعةُ (٤) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: ففعَل اللهُ ذلك، فبعَث فيهم رسولًا مِن أنفسِهم يعرِفون وَجهَه ونَسَبَه، يُخْرِجُهم مِن الظلماتِ إلى النورِ، ويَهْدِيهم إلى صراطِ العزيزِ الحميدِ (٥).
وَحَدَّثَنَا موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: وهو محمدٌ ﷺ (١).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾: هو محمدٌ ﷺ، فقيل له: قد [استجبتُ لك] (٢)، وهو في آخرِ الزمانِ (٣).
ويعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾: يَقْرَأُ عليهم كتابَك الذى تُوحِيه إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
ويعْنى بالكتابِ القرآنَ.
وقد بيَّنتُ فيما مضَى لمَ سُمِّى القرآنُ كتابًا، وما تأويلُه (٤).
وهو قولُ جماعةِ (٥) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾: [قال: الكتاب] (٦) القرآنُ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى "الحكمةِ" التى ذكَرها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هى السُّنَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قاال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾.
أي: السُّنَّةَ (١).
وقال بعضُهم: الحكمةُ هى المعرفةُ بالدِّينِ والفقهُ فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: ما الحكمةُ؟
قال: المعرفةُ بالدِّينِ، والفقهُ فيه، والاتِّباعُ له (٢).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ قال: الحكمةُ: الدِّينُ [التى لا يعرفونها] (٣) إلَّا به ﷺ، يُعَلِّمُهم إيَّاها.
قال: والحكمةُ: العقلُ في الدِّينِ.
وقرَأ ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
وقال لعيسى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٤٨].
قال: وقرَأ ابنُ زيدٍ: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ [الأعراف: ١٧٥].
قال: لم يَنْتَفِعْ بالآياتِ حين (٤) لم تَكُنْ معَها حكمةٌ.
قال: والحكمةُ شيءٌ يَجْعَلُه اللهُ في القلبِ يُنَوِّرُه (١) له به (٢).
والصوابُ مِن القولِ عندَنا في "الحكمةِ" أنها العِلْمُ بأحكامِ اللهِ التى لا يُدْرَكُ عِلْمُها إلَّا ببيانِ الرسولِ ﷺ والمعرفةِ بها، وما دَلَّ عليه ذلك مِن نظائرِه، وهو عندى مأخوذٌ مِن "الحُكْمِ" الذى بمعنى الفصلِ بين الحقِّ والباطلِ، بمنزلةِ "الجِلْسةِ والقِعْدَةِ" مِن الجلوسِ والقعودِ، يقال منه: إن فلانًا لحكيمٌ بيِّنُ الحِكمةِ.
يعْنى بذلك أنه لبيِّنُ الإصابةِ في القولِ والفعلِ وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ربَّنا وابعَثْ فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتِك، ويُعَلِّمُهم كتابَك الذى تُنزِّلُه عليهم، وفصلَ قضائِك، وأحكامَك التى تُعلِّمُه إيَّاها.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
قد دلَّلْنا فيما مضَى قبلُ على أن معنى التزكيةِ التطهيرُ، وأن معنى الزكاهِ النماءُ والزيادةُ (٣).
فمعنى قولِه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ في هذا الموضعِ: ويُطَهِّرُهم مِن الشركِ باللهِ، وعبادةِ الأوثانِ ويُنَمِّيهم ويُكَثِّرُهم بطاعةِ اللهِ.
كما حدَّثنى المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويزكيهم﴾.
قال: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ والإخلاصَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيْنُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قولَه: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ قال: يُطَهِّرُهم مِن الشركِ ويُخَلِّصُهم منه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إنك يا ربِّ أنت العزيزُ.
يعنى: القوىُّ الذى لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه، فافعلْ بنا وبذُرِّيَّتِنا ما سألْناه وطلَبْناه منك.
والحكيمُ الذى لا يَدْخُلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ، فأعْطِنا ما يَنْفَعُنا وينفعُ ذُرِّيَّتَنا، ولا يَنْقُصُك ولا يَنْقُصُ خزائنَك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: وأىُّ الناسِ يَزْهَدُ في ملَّةِ إبراهيمَ ويترُكُها رغبةً عنها إلى غيرِها.
وإنما عنَى اللهُ بذلك اليهودَ والنصارَى لاختيارِهم ما اختارُوا مِن اليهوديَّةِ والنَّصْرانيةِ على الإسلامِ؛ لأن ملَّةَ إبراهيمَ هى الحنيفيَّةُ المُسْلِمةُ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] فقال تعالى ذكرُه لهم: ومَن يَزْهَدُ في ملَّةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ المسلمةِ إلَّا مَن سفِه نفسَه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: رغِب عن ملَّتِه اليهودُ والنصارَى، واتَّخَذوا اليهوديةَ والنصرانيةَ بدعةً ليستْ مِن اللهِ، وترَكوا ملةَ إبراهيمَ، يعنى الإسلامَ حنيفًا، كذلك بعَث اللهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بملةِ إبراهيمَ (٢).
حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: رغِبت اليهودُ والنصارَى عن ملةِ إبراهيمَ وابْتَدَعوا اليهوديةَ والنصرانيةَ وليستْ مِن اللهِ، وترَكوا ملةَ إبراهيمَ الإسلامَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾: إلَّا مَن سفِهت نفسُه.
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن معنى السفَهِ الجهلُ (٢).
فمعنى الكلامِ: وما يَرْغَبُ عن ملةِ إبراهيمَ الحنيفيَّةِ إلَّا سفيهٌ جاهلٌ بموضعِ حظِّ نفسِه فيما يَنْفَعُها ويَضُرُّها في مَعَادِها.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قال: إلَّا مَن أخطأ حظَّه (٣).
وإنما نصَب "النفسَ" على معنى المفسِّرِ؛ وذلك أن "السفَهَ" في الأصلِ للنفسِ، فلمَّا نُقِل إلى "مَن" نُصِبت "النفسُ" بمعنى التفسيرِ (٤)، كما يقالُ: هو أوسعُكم دارًا.
فتدخلُ الدارُ في الكلامِ على أن السّعةَ فيها لا في الرجلِ، فكذلك النفسُ، أُدْخِلت لأن السفهَ للنفسِ لا لـ "مَن"، ولذلك لم يَجُزْ أن يقالَ: نفسَه (٥) سَفِه أخوك.
وإنما جاز أن يُفَسَّرَ بالنفْسِ وهى مضافةٌ إلى معْرفةٍ؛ لأنها في تأويلِ نكرةٍ.
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرةِ: إن قولَه: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ جرَت مَجْرَى "سفه" إذا كان الفعلُ غيرَ مُتَعَدٍّ، وإنما عدَّاه إلى "نفسِه" و"رأيِه" وأشباهِ ذلك ممَّا هو في المعنى نحوُ "سَفِه"، إذا هو لم يَتَعَدَّ، فأمَّا "غبِن" و"خسِر" فقد يَتَعَدَّى إلى غيرِه، يقال: غبِن خمسين وخسِر خمسين.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾: ولقد اصطفَيْنا إبراهيمَ.
والهاءُ التى في قولِه: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ مِن ذكْرِ إبراهيمَ.
والاصطفاءُ الافتعالُ، مِن الصفوةِ، وكذلك "اصطفيْنا"؛ افتعلْنا، منه، صُيِّرت تاؤها طاءً لقربِ مخرجِها مِن مخرجِ الصادِ.
ويعْنى بقولِه: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾: اخترْناه، واجْتبيْناه للخُلَّةِ، ولنُصَيِّرَه في الدنيا لمَنْ بعدَه إمامًا.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالف إبراهيمَ فيما سنَّ لِمَن بعدَه فهو للَّهِ مخالفٌ، وإِعلامٌ منه خلقَه أن مَن خالف ما جاء به محمدٌ ﷺ، فهو لإبراهيمَ مخالفٌ، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه أخبرَ أنه اصطفاه لخُلَّتِه، وجعَله للناسِ إمامًا، وأخبرَ أن دينَه كان الحنيفيَّةَ المسلمةَ، ففى ذلك أوضحُ البيانِ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن أن مَن خالفه فهو للَّهِ عدوٌّ، لمخالفتِه الإمامَ الذى نصَبه لعبادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾: وإن إبراهيمَ في الدارِ الآخرةِ لمن الصالحين، والصالحُ مِن بني آدمَ هو المؤدِّى حقوقَ اللهِ عليه.
فأخبرَ تعالى ذكرُه عن إبراهيمَ خليلِه أنه في الدنيا له صَفِىٌّ، وفى الآخرةِ ولىٌّ، وأنه واردٌ مواردَ أوليائِه المُوفِين بعهدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾: إذ قال لإبراهيمَ (١) ربُّه: أَخْلِصْ لىَ العبادةَ، واخْضَعْ لى بالطاعةِ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى على معنى "الإسلامِ" في كلامِ العربِ، فأغْنى ذلك عن إعادتِه (٢).
وأمَّا معنى قولِه: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه: قال إبراهيمُ مُجيبًا لربِّه: خضَعتُ بالطاعةِ، وأخلَصتُ العبادةَ لمالكِ جميعِ الخلائقِ ومُدَبِّرِها دونَ غيرِه.
فإن قال قائلٌ: قد علِمتَ أنَّ "إذ" وقْتٌ، فما الذى وُقِّتَ به، وما الذى جلبَه (٣)؟.
قيل: هو صلةٌ لقولِه: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾.
وتأويلُ الكلام [: ولقد اصْطَفَيناه في الدنيا حين قال ربُّه: أسلمْ.
قال: أسْلَمْتُ لرب العالمين.
وإنَّما معْنى الكلامِ] (٤): ولقد اصْطَفَيناه في الدنيا حين قلنا له: أسْلِمْ.
قال: أسلمتُ لربِّ العالمين.
فأظْهَر اسمَ اللهِ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ على وجهِ الخبرِ عن غائبٍ، وقد جرَى ذكرُه قبلُ على وجهِ الخبرِ عن نفسِه، كما قال خُفَافُ ابنُ نُدْبَةَ (٥): أقْولُ لَهُ والرُّمْحُ يَأْطِرُ مَتْنَهُ … تَأَمَّلْ خُفَافًا إنَّنِى أنا ذَالِكا فإن قال لنا قائلٌ: وهل دعا اللهُ جل ثناؤه إبراهيمَ إلى الإسلامِ.
قيل له (٦): نعم، قد دعاه إليه.
فإن قال: وفى أىِّ حالٍ دعاه إليه؟
قيل: حينَ قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٨، ٧٩].
وذلك هو الوقتُ الذى قال له ربُّه: أسلِمْ.
مِن بعدِ ما امتحَنه بالكوكبِ (١) والقمرِ والشمس.
القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾: ووصّى بهذه الكلمةِ، أعنى بالكلمةِ قولَه: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [وهى] (٢) الإسلامُ الذى أمَر به نبيَّه ﷺ، وهى إخلاصُ العبادةِ والتوحيدِ للهِ، وخضوعُ القلبِ والجوارحِ له.
ويعنى بقولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾: عهِد إليهم بذلك وأمرَهم به.
وأمَّا قولُه: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ فإنه يعنى: ووصَّى بذلك أيضًا يعقوبُ بَنِيه.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ يقولُ: ووصَّى بها يعقوبُ بَنِيه بعد إبراهيمَ (٣).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾: وصَّاهم بالإسلامِ، ووصَّى يعقوبُ بمثلِ ذلك (٤).
وقال بعضُهم: قولُه ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ خبرٌ مُنْقَضٍ.
وقولُه: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ خبرٌ مُبْتَدَأٌ، كأنه (١) قال: ووَصَّى بها إبراهيمُ بَنيه بأنْ يقولوا: أسلمْنا لربِّ العالمين.
ووصَّى يعقوبُ بَنيه أنْ: يا بنيَّ إن اللهَ اصْصَفَى لكم الدينَ فلا تموتُنَّ إلَّا وأنتم مسلمون.
ولا معنى لقولِ مَن قال ذلك؛ لأنَّ الذى أوْصَى به يعقوبُ بَنيه نظيرُ الذى أوصَى به إبراهيمُ بَنيه مِن الحَثِّ على طاعةِ اللهِ والخضوعِ له والإسلامِ.
فإن قال قائلٌ: فإنْ كان الأمرُ [على ما] (٢) وصفتَ مِن أنَّ معناه: ووصَّى بها إبراهيمُ بَنِيه ويعقوبُ أن يا بنيَّ.
فما بالُ "أنْ" محذوفةً مِن الكلامِ؟
قيل: لأنَّ الوصيةَ قولٌ، فحُمِلت على معناها، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظِ القولِ (٣) لَمْ تَحْسُنْ معه "أن"، وإنما كان يقالُ: وقال إبراهيمُ لبَنِيه ويعقوبُ: يا بَنيَّ.
فلمَّا كانت الوصيةُ قولًا حُملتْ على معناها دونَ لفظِها، فحُذفتْ "أن" التى تَحْسُنُ معَها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
وكما قال الشاعرُ (٤): إنِّى سَأُبْدى لَكَ فيما أُبْدِى لِى شَجَنانِ شَجَنٌ (٥) بنَجْدِ وشَجَنٌ لى بِبِلادِ السِّنْدِ فحُذِفت "أنْ" إذ كان الإبداءُ باللسانِ في المعنى قولًا، فحمَله على معناه دونَ لفظِه.
وقد قال بعصُ أهلِ العربيةِ: إنما حُذفتْ "أن" من قولِه: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ اكْتِفاءً بالنِّداءِ.
يعنى بالنداءِ قولَه: ﴿يَابَنِيَّ﴾ وزعَم أن علَّتَه في ذلك أن مِن شأنِ العربِ الاكتفاءَ بالأدواتِ من (١) "أنْ"، كقولِهم: ناديت هل قمتَ؟
وناديتُ أين زيدٌ؟.
قال: وربَّما أدْخَلوها مع الأدواتِ فقالوا: ناديتُ أن هل قمتَ؟.
وقد قرَأ جماعةٌ مِن القَرَأَةِ: (وأوصَى بها إبراهيمُ) (٢).
بمعنى: عهِد.
وأمّا مَن قرَأ: ﴿وَوَصَّى﴾ مشدَّدةً، فإنه يعنى بذلك أنه عهِد إليهم عهدًا بعد عهدٍ، وأوصَى وصيةً بعد وصيةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾: إن اللهَ اختار لكم هذا الدِّينَ الذى [عَهِدنا فيه إليكم] (٣)، واجتباه لكم.
وإنما أدخَل الألفَ واللامَ في ﴿الدِّينَ﴾؛ لأنَّ الذين خُوطبوا مِن ولدِهما وبَنِيهما بذلك كانوا قد عرَفوه بتوصيتِهما إيَّاهم به، وعهدِهما إليهم فيه، ثم قالا لهم بعد أن عرّفاهموه: إنَّ اللهَ اصطفَى لكم هذا الدينَ الذى قد عهِدنا إليكم فيه، فاتَّقوا (٤) أن تموتوا إلَّا وأنتم عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾.
إن قال لنا قائلٌ: أوَ إلى بنى آدمَ الموتُ والحياةُ فيُنْهَى أحدُهم أن يموتَ إلّا على حالةٍ دونَ حالةٍ؟
قيل له: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ظننتَ، وإنما معناه: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أى: فلا تُفارِقُنَّ هذا الدِّينَ -وهو الإسلامُ- أيامَ حياتِكم، وذلك أن أحدًا لا يَدْرِى متى تأتِيه مَنِيَّتُه، فلذلك قالا لهم: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مَناياكم مِن ليلٍ أو نهارٍ، فلا تُفارِقوا الإسلامَ فتأتيَكم مناياكُم وأنتم على غيرِ الدِّينِ الذى اصطفاه لكم ربُّكم فتموتوا وربُّكم عليكم ساخطٌ، فتَهْلِكوا.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾: أكنتُم شهداءَ (١).
ولكنَّه اسْتَفْهم بـ "أمْ" إذ كان استفهامًا مستأنَفًا على كلامٍ قد سبَقه، كما قيل: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣].
وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ استفهامٍ ابتدأْته بعدَ كلامٍ قد سبَقه، تَستفهِمُ فيه بـ "أمْ".
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ، كما الشُّرَكاءُ جمعُ شَرِيكٍ، والخُصَمَاءُ جمعُ خَصيمٍ.
وتأويلُ الكلامِ: أكنتُم يا معشرَ اليهودِ والنصارى المُكَذِّبين بمحمدٍ ﷺ، الجاحدِين نبوَّتَه - حُضورَ يعقوبَ وشُهودَه إذ حضَره الموتُ.
أى: إنَّكم لَمْ تَحْضُروا ذلك، فلا تَدَّعوا على أنَّبيائى ورُسُلى الأباطيلَ، وتَنْحُلوهم اليهوديَّةَ والنَّصرانيةَ، فإنِّى ابْتَعَثتُ خليلى إبراهيمَ وولدَه إسحاقَ وإسماعيلَ وذُرِّيَّتَهم بالحنيفيَّةِ المسلمةِ، وبذلك وصَّوْا بَنِيهم، وبه عهِدوا إلى أولادِهم مِن بعدِهم، فلو حضَرْتُموهم فسمِعتُم منهم علِمْتُم أنَّهم على غيرِ ما تَنْحُلونهم مِن الأديانِ والمِلَلِ (٢).
وهذهِ الآياتُ نزَلت تكذيبًا مِن اللهِ تعالى لليهودِ والنصارى في دعواهم إبراهيمَ وولدَه و (١) يعقوبَ أنَّهم كانوا على ملَّتِهم، فقال لهم في هذه الآيةِ: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ فتَعْلَموا ما قال لولدِه، وقال له ولدُه؟
ثم أعلَمَهم ما قال لهم وقالوا له.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال؛ ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾: يعنى أهلَ الكتابِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثَناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾: إذ قال يعقوبُ لبَنِيه.
و ﴿إِذْ﴾ هذه مُكَرَّرةٌ إبدالًا مِن ﴿إِذْ﴾ الأُولي، بمعنى: أم كنتُم شهداءَ يعقوبَ إذ قال يعقوبُ لبَنِيه حينَ حضورِ موتهِ؟.
ويعنى بقولِه: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾: أىَّ شيءٍ تَعْبُدون مِن بعدِى؟
أى: مِن بعدِ وفاتى؟
﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ يعنى به: قال بَنُوه له: نَعْبُدُ معبودَك الذى تعبُدُه، ومعبودَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أى: نُخْلِصُ له العبادةَ، ونُوَحِّدُ له الرُّبُوبيَّةَ، فلا نشرِكُ به شيئًا ولا نتَّخذُ دونَه ربًّا.
ويعنى بقولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: ونحن له خاضِعون بالعبودةِ والطاعةِ.
ويَحْتَمِلُ قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أن تكونَ بمعنى الحالِ، كأنهم قالوا: نعبُدُ إلهَكَ مُسلمينَ له بطاعتِنا وعبادتِنا إيَّاه.
ويَحتمِلُ أن يكونَ خبرًا مُستأنفًا، فيكونَ بمعنى: نعبدُ إلهَك بعدَك، ونحن له الآن وفى كلِّ حالٍ مسلمون.
قال أبو جعفرٍ: وأحسنُ هذين الوجهينِ في تأويلِ ذلك أن يكونَ بمعنى الحالِ، وأن يكونَ بمعنى: نعبُدُ إلهَك وإلهَ آبائِك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ مسلمينَ لعبادتِه.
وقيل: إنما قُدِّم ذكرُ إسماعيلَ على إسحاقَ؛ لأنَّ إسماعيلَ كان أسنَّ مِن إسحاقَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ بنُ عبدِ الأعِلي، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ قال: يُقالُ: بدَأ بإسماعيلَ لأنه أكبرُ (١).
وقرَأ بعضُ القرأةِ (٢): (وَإلَه أبيكَ إبْرَاهِيمَ) (٣).
ظنًّا منه أن إسماعيلَ إذ كان عمًّا ليعقوبَ، فلا يجوزُ أن يكونَ في من تُرْجِم به عنِ الآباءِ وداخلًا في عِدادِهم.
وذلك من قارئِه (٤) كذلك قِلَّةُ علمٍ منه بمجَارِى كلامِ العربِ، والعربُ لا تَمْتَنِعُ مِن أن تَجْعَلَ الأعمامَ بمعنى الآباءِ، والأخوالَ بمعنى الأُمَّهاتِ، فلذلك دخَل إسماعيلُ في مَن تُرْجِم به عن الآباءِ.
و ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ ترجمةٌ عن الآباءِ في موضعِ جرٍّ، ولكنَّهم نُصِبوا بأنهم (٥) لا يُجْرَون.
والصوابُ مِن القراءةِ عندنا في ذلك: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ لإجماعِ القَرَأةِ على تصويب ذلك وشذوذِ مَن خالَفه مِن القَرَأةِ ممَّن قرَأ خلافَ ذلك.
ونُصِب قولُه: ﴿إِلَهًا﴾ على الحالِ من قولِه: ﴿إِلَهَكَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ وولدَهم.
يقولُ لليهودِ والنصارى: يا معشرَ اليهودِ والنصاري، دَعُوا ذكْرَ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والمسلمينَ مِن أولادِهم بغيرِ ما هم أهلُه، ولا تَنْحُلوهم [الكفرَ و] (١) اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ فتُضِيفُوها إليهم، فإنهم أُمَّةٌ -ويعنى بالأُمَّةِ في هذا الموضعِ الجماعةَ والقرنَ مِن الناسِ- ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: قد (٢) مضَت لسبيلِها.
وإنما يقالُ للذى قد مات فذهَب: قد خلَا.
لتخلِّيه مِن الدنيا، وانفرادِه مما (٣) كان مِن الأُنْسِ بأهلِه وقُرَنائِه في دنياه، وأصلُه مِن قولِهم: خلا الرجلُ.
إذا صار إلى المكانِ الذى لا أنيسَ له فيه وانفرَد مِن الناسِ، فاسْتُعمِل ذلك فى الذى يموتُ على ذلك الوجهِ.
ثم قال تعالى ذكرُه لليهودِ والنصارى: إن لمَن نحَلْتُموه ضلالَكم (٤) وكفرَكم الذى أنتم عليه مِن أنبيائى ورسلى ما كسَب (٥).
والهاء والألفُ في قوله: ﴿لَهَا﴾ عائدة إن شئتَ على ﴿تِلْكَ﴾، وإن شئتَ على ﴿أُمَّةٌ﴾.
ويعنى بقوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أى: ما عملت من خير، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عمِلتم، ولا تُؤاخَذون أنتم أيها [الناحِلوهم ما تنحُلونهم] (١) من الملل، فتُسألوا عمَّا كان إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وولدُهم يعملون فيكسِبون من خير وشرّ؛ لأن لكل نفس ما كسَبت، وعليها ما اكتسَبت، فدَعُوا انتحالهم وانتحالَ مِلَلِهم، فإن الدعاوَى غيرُ مُغْنِيَتِكم عندَ اللهِ شيئا (٢)، وإنما يُغْنى عنكم عنده ما سلَف لكم مِن صالحِ أعمالِكم إن كنتم عمِلتموها وقدَّمْتُموها أمامَكم (٢).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: وقالتِ اليهود لمحمد ﷺ وأصحابه من المؤمنين: كونوا يهودًا تَهْتَدُوا.
وقالتِ النصارى لهم: كونوا نصارَى تَهْتَدُوا.
ويعنى بقوله: ﴿تَهْتَدُوا﴾.
أى: تُصِيبوا طَريق الحقِّ.
كما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونُس بنُ بُكيرٍ، وحدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، جميعا عن ابن إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بن أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيد بن جبير، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباس، قال: قال عبدُ اللَّهِ ابنُ صُورِيا الأعورُ لرسولِ اللهِ ﷺ: ما الهُدَى إلا ما نحن عليه، فاتَّبِعْنا يا محمد تَهْتَد.
وقالتِ النصارى مثلَ ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١).
فاحتجَّ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أبلغَ حُجةٍ وأوجزَها وأكملَها، وعلَّمها محمدًا نبيَّه ﷺ فقال: يا محمدُ، قل للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى ولأصحابِك: كونوا هُودًا أو نَصارَى تَهْتَدُوا-: بل تعالَوْا فلنَتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيمَ التي يُجْمِعُ (٢) جميعُنا على الشهادةِ لها بأنها دينُ اللهِ الذي ارْتَضاه واجْتَباه وأمَر به، فإنَّ دينَه كان الحَنِيفيةَ المسلِمةَ، ونَدَعْ سائرَ المللِ التي نَخْتَلِفُ فيها فيُنكرُها بعضُنا ويُقِرُّ بها بعضُنا، فإن ذلك على اختلافِه لا سبيلَ لنا إلى (٣) الاجتماعِ عليه، كما لنا السبيلُ إلى الاجتماعِ على ملةِ إبراهيمَ.
وفي نَصْبِ قولِه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ أوجُهٌ ثلاثةٌ: أحدُها: أن يُوَجَّهَ معنى قولِه: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى معنى: وقالوا: اتَّبِعُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ.
لأنهم إذ قالوا: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى اليهوديةِ والنصرانيةِ دَعَوْهم، ثمَّ يُعطَفُ على ذلك المعنى بالملةِ، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: قلْ يا محمدُ: لا نتّبعُ اليهوديةَ والنصرانيةَ، ولا نتّخِذُها ملةً، بل نتّبعُ ملةَ إيراهيمَ حنيفًا.
ثمَّ يُحذَفُ "نَتّبعُ" الثانيةُ، ويُعطَفُ بالملةِ على إعرابِ "اليهوديةِ" و"النصرانيةِ".
والآخرُ: أن يكونَ نَصْبُه بفعلٍ مُضْمَرٍ بمعنى "نتّبعُ".
والثالثُ: أن يكونَ أُريدَ: بل نكونُ أصحابَ ملةِ إبراهيمَ، أو أهلَ ملةِ إبراهيمَ.
ثمَّ حذَف الأهلَ والأصحابَ، وأُقِيمتِ الملةُ مُقامَهم، إذ كانت مُؤَديةً عن معنى الكلامِ، كما قال الشاعرُ (١): حَسِبْتَ بُغامَ راحلتى عَناقًا … وما هى وَيْبَ غيرِكَ بالعَناقِ يعني صوتَ عَناقٍ.
فتكونُ الملةُ حينئذٍ منصوبةً عطفًا في الإعرابِ على اليهودِ والنصارَى.
وقد يجوزُ أن يكونَ منصوبًا على وجهِ الإغراءِ باتباعِ ملةِ إبراهيمَ.
وقرَأ بعضُ القَرَأةِ ذلك رفعًا (٢)، فتأويلُه على قراءةِ من قرَأه رفعًا: بل الهُدى ملةُ إبراهيمَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾.
والملَّةُ الدينُ، وأما الحَنِيفُ فإنَّه المستقيمُ من كلِّ شيءٍ.
وقد قيل: إن الرجلَ الذي تُقْبِلُ إحدى قدمَيْه على الأخرى إنما قيل له: أَحْنَفُ.
نظرًا له إلى السلامةِ، كما قيل للمَهْلَكةِ من البلادِ: المَفازَةُ.
بمعنى الفوزِ بالنجاةِ فيها (٣) والسلامةِ، وكما قيل لِلَّديغِ: السَّلِيمُ.
تفاؤُلًا له بالسلامةِ من الهلاكِ، وما أَشبهَ ذلك.
فمعنى الكلامِ إذن: قلْ يا محمدُ: بل نَتَّبعُ ملةَ إبراهيمَ مستقيمًا.
فيكونُ "الحنيفُ" حينئذٍ حالًا من "إبراهيمَ".
وأما أهلُ التأويلِ، فإنهم اختلَفوا في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: الحَنِيفُ الحاجُّ.
وقال (٤): إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الإِسلامَ الحنَيِفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ لَزِم العِبادَ الذين كانوا في عصْرِه، والذين جاءُوا بعدَه إلى يومِ القيامةِ - اتباعُه في مناسكِ الحجِّ، والائتمامُ به فيه.
قالوا: فكلُّ من حجَّ البيتَ فنَسَك مَناسِكَ إبراهيمَ على ملتِه، فهو حَنِيفٌ مسلمٌ على دينِ إبراهيمَ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ الفضلِ، عن كَثيرٍ أبى سهلٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنِيفيةِ، قال: حجُّ البيتِ.
وحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ (١) الأسدىُّ، قال: ثنا عبيدُ (٢) اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿حَنِيفًا﴾ قال: الحَنِيفُ الحاجُّ (٣).
وحدثنى الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائىُّ، قال: ثنا أبى، عن الفُضَيلِ، عن عطيةَ مثلَه.
وحدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سلمٍ (٤)، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: الحَنِيفُ الحاجُّ.
وحدثنى الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ التَّيْمِىِّ، عن كَثيرِ بنِ زيادٍ، قال: سألتُ الحسنَ عن الحَنيفيةِ، قال: هو حَجُّ هذا البيتِ.
قال ابنُ التَّيْمِىِّ: وأخبرَنى جُويبرٌ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحِمٍ مثلَه (٥).
وحدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدىِّ، عن مجاهدٍ ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: ٣١] قال: حُجّاجًا (٦).
وحدثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَنِيفًا﴾ قال: حاجًّا (١).
حدِّثْت عن وكيعٍ، عن فُضَيلِ بنِ غَزْوانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ القاسمِ، قال: كان ناسٌ (٢) من مُضَرَ يَحُجُّون البيتَ في الجاهليةِ يُسَمَّوْن حُنفاءَ، فأَنزَل اللهُ تعالى ذكرُه ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٣).
وقال آخرون: الحَنِيفُ المتَّبِعُ.
كما وصَفْنا قبلُ مِن قولِ الذين قالوا: إن معناه الاستقامةُ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال: مُتَّبِعِين (٤).
وقال آخرون: إنما سُمِّى دينُ إبراهيمَ الحنيفيةَ؛ لأنه أوّلُ إمامٍ سَنَّ للعبادِ الخِتانَ، فاتَّبَعه مَن بعدَه عليه.
قالوا: فكلُّ مَن اخْتَتَنَ على سبيلِ اخْتِتانِ إبراهيمَ، [وهو] (٥) على ما كان عليه إبراهيمُ من الإِسلامِ، فهو حَنيفٌ على ملةِ إبراهيمَ.
وقال آخرون: قولُه: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾: بل ملةَ إبراهيمَ مُخلِصًا.
فالحَنِيفُ على قولِهم، المُخْلِصُ دينَه للهِ وحدَه.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
يقولُ: مخْلِصًا (١).
وقال آخرون: بل الحَنِيفيةُ الإِسلامُ، فكلُّ مَن ائْتَمَّ بإبراهيمَ في مِلَّتِه فاستقام عليها فهو حَنِيفٌ.
قال أبو جعفرٍ: والحَنيفُ عندي هو الاستقامةُ على دينِ إبراهيمَ واتباعُه على مِلَّتِه، وذلك أن الحَنِيفيةَ لو كانت حجَّ البيتِ، لوجَب أن يكونَ الذين كانوا يَحُجُّونه في الجاهليةِ من أهلِ الشركِ كانوا حنفاءَ، وقد نَفَى اللهُ جل ثناؤه أن يكونَ ذلك تَحَنُّفًا بقولِه: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧].
وكذلك القولُ في الختانِ؛ لأنَّ الحَنِيفيةَ لو كانت هى الخِتانَ، لوجَب أن يكونَ اليهودُ حنفاءَ، وقد أخرجَهمُ اللهُ من ذلك بقولِه: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
فقد صحَّ إذن أن الحنيفيةَ ليست الختانَ وحدَه، ولا حجَّ البيتِ وحدَه، ولكنّه هو ما وصَفْنا من الاستقامةِ على ملةِ إبراهيمَ واتباعِه عليها والائتمامِ به فيها.
فإن قال قائلٌ: أَوَما كان مَن كان قبلَ إبراهيمَ ﵇ من الأنبياءِ وأتباعِهم مستقيمِين على ما أُمِروا به من طاعةِ اللهِ استقامةَ إبراهيمَ وأتباعِه؟
قيل: بلى.
فإن قال قائلٌ: فكيف أُضِيفَ الحَنِيفيةُ إلى إبراهيمَ وأتباعِه على مِلَّتِه خاصةً دونَ سائرِ الأنبياءِ قبلَه وأتباعِهم؟
قيل: إن كلَّ مَن كان قبلَ إبراهيمَ من الأنبياءِ كان حنيفًا مُتَّبِعًا طاعةَ اللهِ، ولكنَّ اللهَ تعالى ذكرُه لم يَجعلْ أحدًا منهم إمامًا لمن بعدَه من عِبادِه إلى قيامِ الساعةِ، كالذى فعَل مِن ذلك بإبراهيمَ، فجعَله إمامًا فيما بَيَّنه من مناسكِ الحجِّ والخِتانِ، وغيرِ ذلك من شرائعِ الإِسلامِ - يُقتدَى (١) به أبدًا إلى قيامِ الساعةِ، وجعَل ما سنَّ من ذلك عَلَمًا مُمَيَّزًا بين مؤمِنى عبادِه وكفارِهم، والمطيعِ منهم له والعاصى، فسُمِّىَ الحنيفُ من الناسِ حنيفًا باتِّباعِه مِلَّتَه واستقامتِه على هَدْيِه ومِنهاجِه، وسُمِّى الضّالُّ عن ملَّتِه بسائرِ أسماءِ المللِ، فقيل: يهودىٌّ ونصرانىٌّ ومَجوسىٌّ، وغيرُ ذلك من صنوفِ المللِ.
وأما قولُه: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فإنَّه يقولُ: إنه لم يكنْ ممن يَدِينُ بعبادةِ الأوثانِ والأصنامِ، ولا كان من اليهودِ ولا من النصارَى، بل كان حنيفًا مسلمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: قولوا أيُّها المؤمنون لهؤلاء اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لكم: كونوا هُودًا أو نصارَى تَهتدُوا -: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
أي: صدَّقْنا.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنى الإيمانِ التصديقُ، بما أَغنى عن إعادتِه (٢).
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ يقولُ: وصدَّقْنا أيضًا بالكتابِ الذي أَنزَل اللهُ إلى نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
فأضاف الخطابَ بالتنزيلِ إليهم، إذ كانوا مُتَّبِعيه ومأمورِين مَنْهِيِّين به، فكان وإن كان تنزيلًا إلى رسولِ اللهِ ﷺ بمعنى التنزيلِ إليهم لِلذى لهم فيه من المعانى التي وَصَفْتُ.
ويعنى بقولِه: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: وصدَّقْنا أيضًا وآمَنّا بما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإلى إسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ.
وهم الأنبياءُ من ولدِ يعقوبَ.
وقولُه: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ يعني: وآمَنّا أيضًا بالتوراةِ التي آتاها اللهُ موسى، وبالإنجيلِ الذي آتاه عيسى، والكتبِ التي آتى النبيِّين كلَّهم، وأَقْرَرْنا وصدَّقْنا أن ذلك كلَّه حقٌّ وهُدًى ونورٌ من عندِ اللهِ، وأن جميعَ مَن ذكَر اللهُ من أنبيائِه كانوا على حقٍّ وهُدًى يُصَدِّقُ بعضُهم بعضًا على مِنهاجٍ واحدٍ في الدعاءِ إلى توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه.
﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: لا نؤمنُ ببعضِ الأنبياءِ ونكفُرُ ببعضٍ، ونتبرَّأُ من بعضٍ ونَتَوَلَّى بعضًا، كما تبرَّأتِ اليهودُ من عيسى ومحمدٍ ﵉ وأقرَّتْ بغيرِهما (١) من الأنبياءِ (٢)، وكما تَبَرَّأَتِ النصارَى من محمدٍ ﷺ، وأقرَّت بغيرِه من الأنبياءِ، بل نَشْهَدُ لجميعِهم أنهم كانوا رسلَ اللهِ وأنبياءَه، بُعِثوا بالحقِّ والهُدَى.
وأما قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فإنَّه يعني تعالى ذكرُه: ونحن لله خاضِعون بالطاعةِ، مُذْعِنون له بالعبودةِ.
فذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ قال ذلك لليهودِ، فكَفروا بعيسى وبمن يُؤمِنُ به.
كما حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ نفرٌ من يهودَ فيهم أبو ياسرِ بنُ أَخْطَبَ، ورافعُ بنُ أبي رافعٍ، وعازَرُ وخالدٌ، وزيدٌ، وإزارُ بنُ أبي إزارٍ، وأَشْيَعُ، فسألوه عمن يُؤمِنُ به من الرسلِ، فقال: "أُومِن باللهِ وما أُنزِلَ إلينا، وما أُنزِلَ إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُّون من ربِّهم، لا نُفَرِّقُ بين أحدٍ منهم ونحن له مُسلِمُون".
فلما ذكَر عيسى جَحَدوا نُبُوَّتَه وقالوا: لا نُؤْمِنُ بعيسى، ولا نُؤْمِنُ بمن آمَن به.
فأَنزَل اللهُ فيهم: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩].
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أتَى رسولَ اللهِ ﷺ.
فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: ونافعُ بنُ أبى نافعٍ.
مكانَ رافعِ بنِ أبى رافعٍ (١).
وقال قتادةُ: أُنزِلت هذه الآيةُ أمرًا من اللهِ تعالى ذكرُه للمؤمنين بتصديقِ رسلِه كلِّهم.
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: أمَر اللهُ المؤمنين أن يُؤمِنوا ويُصَدِّقُوا بأنبيائِه ورسلِه كلِّهم (٢)، ولا يُفَرِّقوا بين أحدٍ منهم (٣).
وأما الأسباطُ الذين ذكَرهمُ اللهُ، فهم اثنا عشَرَ رجلًا من ولدِ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، ولَد كلُّ رجلٍ منهم أُمةً من الناسِ، فسُمُّوا أسباطًا.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الأسباطُ: يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ، ولَد اثنَىْ عشَرَ رجلًا، فولَد كلُّ رجلٍ منهم أُمةً من الناسِ، فسُمُّوا أسباطًا (١).
حدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما الأسباطُ فهم بنو يعقوبَ؛ يوسفُ، وبِنْيامِينُ، ورُوبيلُ، ويهوذَا، وشَمْعُونُ، ولَاوِى، ودانُ، وقهاثُ (٢)، حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ (٣)، قال.
ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الأسباطُ: يوسفُ وإخوتُه بنو يعقوبَ اثنا عشَرَ رجلًا، فوُلِد لكلِّ رجلٍ منهم أُمةٌ من الناسٍ، فسُمُّوا الأسباطَ (٤).
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: نكَح يعقوبُ بنُ إسحاقَ -وهو إسرائيلُ- ابنةَ خالِه ليا ابنةَ ليانَ بنِ تبويلَ (٥) بنِ إلياسَ، فولَدت له رُوبيلَ بنَ يعقوبَ، وكان أكَبرَ ولدِه، وشَمْعُونَ بنَ يعقوبَ، ولَاوِى ابنَ يعقوبَ، ويهوذا بنَ يعقوبَ، وربالونَ (٦) بنَ يعقوبَ، ويشجرَ بنَ يعقوبَ، ودينةَ بنتَ يعقوبَ، ثم تُوُفِّيَت ليا بنتُ ليانَ، فخلَف يعقوبُ على أختِها راحيلَ بنت ليانَ بنِ تبويلَ بنِ إلياسَ، فوَلَدتْ له يوسفَ بنَ يعقوبَ وبنْيامِينَ [بنَ يعقوبَ] (١)، وهو بالعربيةِ شدادٌ (٢)، ووُلِد له من سُرِّيَّتَينْ له، اسمُ إحداهما زلفةُ، واسمُ الأخرى بلهةُ (٣)، أربعةُ نفرٍ: دانُ بنُ يعقوبَ، ونفثالى (٤) بنُ يعقوبَ، وجادُ بنُ يعقوبَ، وأشرُ (٥) بنُ يعقوبَ، فكان بنو يعقوبَ اثنَىْ عشَرَ رجلًا، نَشَر اللهُ منهم اثنَىْ عَشَرَ سِبْطًا لا يُحْصِى عددَهم ولا يعلمُ أنسابَهم إلا اللهُ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ (٦) [الأعراف: ١٦٠].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن صَدَّق اليهودُ والنصارَى باللهِ وما أُنزِل إليكم وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ، وما أُوتِىَ موسى وعيسى، وما أُوتِىَ النبيُّون من ربِّهم، وأقرُّوا بذلك مثلَ ما صدَّقْتم أنتم به أيُّها المؤمِنون وأقرَرْتم، فقد وُفِّقوا ورَشَدوا ولَزِموا طريقَ الحقِّ فاهتدَوا (٧)، وهم حينئذٍ منكم وأنتم منهم لدخولِهم (٨) في ملَّتِكم، بإقرارِهم بذلك.
فدَلَّ تعالى ذكرُه بهذه الآيةِ على أنه لم يَقْبَلْ من أحدٍ عملًا إلا بالإيمانِ بهذه المعانى التى [عدَّها قبلَها] (١).
كما حدثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ونحو هذا.
قال: أخبرَ اللهُ سبحانه أن الإيمانَ هو العروةُ الوُثْقَى، وأنه لا يَقْبَلُ عملًا إلا به، ولا يُحَرِّمُ الجنةَ إلا على مَن تَرَكه (٢).
وقد رُوِى عن ابنِ عباسٍ في ذلك قراءةٌ جاءت مصاحفُ المسلمين بخلافِها، وأجمعت قَرَأةُ القرآنِ على تركِها.
وذلك ما حدثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى حمزةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: لا تقولوا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ -فإنه ليس للهِ مِثلٌ- ولكن قولوا: (فإن آمَنوا بالذى آمَنتم به).
أو قال: (فإن آمَنوا بما آمَنتم به) (٣).
فكأن ابنَ عباسٍ في هذه الروايةِ -إن كانت صحيحةً عنه -وَجَّه تأويلَ قراءةِ من قرَأ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾: فإن آمَنوا بمثلِ اللهِ، وبمثلِ ما أُنْزِل على إبراهيمَ وإسماعيلَ.
وذلك إذا صُرِف إلى هذا الوجهِ شِرْكٌ -لا شكَّ- باللهِ العظيمِ؛ لأنه لا مثلَ للهِ تعالى ذكرُه فيُؤْمَنَ أو يُكْفَرَ به، ولكنَّ تأويلَ ذلك على غيرِ المعنى الذى وُجِّه إليه تأويلُه، وإنما معناه ما وصَفْنا، وهو: فإن صدَّقوا مثلَ تصديقِكم بما صدَّقْتم به مِن جميعِ ما عدَدْنا عليكم من كُتبِ اللهِ وأنبيائِه، فمد اهتدَوْا.
فالتشبيهُ إنما وقَع بين التصديقَيْن والإقرارَيْن اللذين هما إيمانُ هؤلاءِ وإيمانُ هؤلاءِ، كقولِ القائلِ: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ ما مرَرْتُ به.
يعنى بذلك: مرَّ عمرٌو بأخيك مثلَ مرورِى به.
فالتمثيلُ (١) إنما دخَل تمثيلًا بين المرورَيْن، لا بين عمرٍو وبين المتكلِّمِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إنما وقَع التمثيلُ بين الإيمانَيْن لا بين المؤمَنِ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: وإن تَوَلَّى هؤلاءِ الذين قالوا لمحمدٍ ﷺ وأصحابِه: كونوا هُودًا أو نَصارَى.
فأعرَضوا، ولم يُؤمِنوا مثلَ إيمانِكم أيها المؤمنون باللهِ، وبما جاءت به الأنبياءُ، وابْتُعِثتْ به الرسلُ، وفرَّقُوا بين رسلِ اللهِ، وبين اللهِ ورسُولِه (٢)، فصدَّقوا ببعضٍ وكَفروا ببعضٍ، فاعلَمُوا أيها المؤمنون أنهم إنما هم في عِصيانٍ وفِراقٍ وحربٍ للهِ ولرسولِه ولكم.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] (٣) عن قتادةَ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أى: في فِراقٍ (٤).
وحدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ يعنى: فِراقٍ (٥).
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ قال: الشِّقاقُ المنازعةُ والمحاربةُ، إذا شاقَّ فقد حارَبَ، وإذا حارَبَ فقد شاقَّ، وهما واحدٌ فى كلامِ العربِ.
وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥].
وأصلُ الشِّقاقِ عندنا، واللهُ أعلمُ، مأخوذٌ من قولِ القائلِ: شقَّ عليَّ (١) هذا الأمرُ، إذا كَرَثَه (٢) وآذاه.
ثم قيل: شاقَّ فلانٌ فلانًا.
بمعنى: نال كلَّ واحدٍ منهما مِن صاحبِه ما كَرَثَه وآذاه وأَثقلَتْه مَساءتُه، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥].
بمعنى: فِراقَ بينِهما.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ﴾: فسيَكْفِيك اللهُ يا محمدُ هؤلاءِ الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
من اليهودِ والنصارَى، إن هم تَوَلَّوْا عن أن يُؤمِنوا مثلَ (٣) إيمانِ أصحابِك باللهِ، وبما أُنزِل إليك، وما أُنزِل إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ وسائرِ الأنبياءِ غيرِهم، وفَرَّقوا بين اللهِ ورسلِه، إما بقتلٍ بالسيفِ، وإما بجَلاءٍ عن جِوارِك، وغيرِ ذلك من العقوباتِ، فإن اللهَ هو السميعُ لما يقولون لك بألسنتِهم، ويُبْدُون لك بأفواهِهم من الجهلِ والدعاءِ إلى الكفرِ والمِللِ الضالّةِ، العليمُ بما يَنْطُوون (٤) لك ولأصحابِك من المؤمنين عليه (٥) في أنفسِهم من الحسَدِ والبغضاءِ، ففعَل اللهُ بهم ذلك عاجلًا، وأَنجزَ وَعْدَه، فكفاهم (٦) نبيَّه ﷺ بتسليطِه إياه عليهم حتى قَتَل بعضَهم، وأَجلَى بعضًا، وأَذلَّ بعضًا وأَخزاه بالجِزْيةِ والصَّغارِ.
القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بالصِّبغةِ صبغةَ الإسلامِ، وذلك أن النصارَى إذا أرادت أن تُنَصِّرَ أطفالَهم جعَلتهم في ماءٍ لهم تزعُمُ أن ذلك لها تقديسٌ بمنزلةِ الخِتَانةِ (١) لأهلِ الإسلامِ، وأنه صِبغةٌ لهم في النصرانيةِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه، إذ قالوا لنبيِّه محمدٍ ﷺ وأصحابِه المؤمنين به: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾: قل لهم يا محمدُ: أيُّها اليهودُ والنصارَى، بل اتَّبِعُوا ملةَ إبراهيمَ صِبغةَ اللهِ التى هى أحسنُ الصِّبَغِ، فإنها هى الحَنِيفيّةُ المُسلِمةُ، ودَعُوا الشركَ باللهِ والضلالَ عن مَحَجّةِ هُداه.
ونَصَب "الصِّبغةَ" مَن قرَأها نَصْبًا على الردِّ على "الملةِ"، وكذلك رفَع "الصِّبغةَ" مَن رفَع "المِلةَ" على ردِّها عليها.
وقد يجوزُ رفعُها على غيرِ هذا الوجهِ، وذلك على الابتداءِ، بمعنى: هى صِبغةُ اللهِ.
وقد يجوزُ نصبُها على غيرِ وجهِ الردِّ على "الملةِ"، ولكن على قولِه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ صبغةَ اللهِ، بمعنى: آمَنَّا هذا الإيمانَ.
فيكونُ الإيمانُ حينئذٍ هو صِبغةَ اللهِ.
وبمثلِ الذى قلنا في تأويلِ "الصِّبغةِ" قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾: إن اليهودَ تَصْبُغُ أبناءَها يهودَ، والنصارَى تَصْبُغُ أبناءَها نصارَى، وإن صبغةَ اللهِ الإسلامُ، فلا صِبْغةَ أحسنُ من الإسلامِ ولا أَطْهرُ، وهو دينُ اللهِ الذى بعَث به نوحًا والأنبياءَ بعدَه (٢).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: صَبَغت اليهودُ أبناءَهم، خالَفُوا الفِطرةَ.
واختلَف أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾؛ فقال بعضُهم: دينَ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (١).
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى جعفر، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾: ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا (٢)؟.
وحدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣).
وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
وحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ قولَه: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (١).
وحدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ يقولُ: دينَ اللهِ، ومن أحسنُ من اللهِ دينًا (٢)؟.
وحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ (٣).
وحدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ.
وحدثنى ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبى سلمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ [قال: دينَ اللهِ] (٤).
وقال آخرون: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: فطرةَ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: فطرةَ اللهِ التى فطَر الناسَ عليها (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن جعفرِ بنِ ربيعةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾.
قال: الصِّبغةُ الفطرةُ.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾: الإسلامَ، فطرةَ اللهِ التى فطرَ الناسَ عليها.
قال ابنُ جريجٍ: قال لى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ: ﴿صِبْغَةَ اللهِ﴾ قال: دينَ اللهِ، ومَن أحسنُ من اللهِ دينًا؟
قال: هى فطرةُ اللهِ.
قال أبو جعفرٍ: ومن قال هذا القولَ فوجَّه الصِّبغةَ إلى الفطرةِ، فمعناه: بل نَتَّبعُ فطرةَ اللهِ وملَّتَه التى خلَق عليها خلقَه، وذلك الدينُ القيِّمُ، من قولِ اللهِ تعالى ذكرُه ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] بمعنى: خالقِ السماواتِ والأرضِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾.
وقولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ أن يقولَه لليهودِ والنصارَى الذين قالوا له ولمَن تَبعه من أصحابِه: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فقال لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ: بل نَتَّبِعُ ملةَ إبْرَاهيمَ حَنِيفًا صِبْغَةَ اللهِ، ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ - [ويعنى بالعابدين] (٢): الخاضعِين للهِ المستكِينِين له- في اتّباعِنَا ملةَ إبْرَاهيمَ ودَيْنُونَتِنا له بذلك، غيرَ مستكبِرِين عليه (٣) في اتِّباعِ أمرِه والإقرارِ برسالِة (٤) رُسلِه، كما استكْبَرت اليهودُ والنصارَى، فكفَروا بمحمدٍ ﷺ استكبارًا وبَغْيًا وحسَدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ﴾: قل يا محمدُ لمَعاشرِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
وزعَموا أن دينَهم خيرٌ من دينِكم، وكتابَهم خيرٌ من كتابِكم؛ لأنه كان قبلَ كتابِكم، وزعَموا أنهم من أجلِ ذلك أَوْلَى باللهِ منكم-: أتُحاجُّوننا في اللهِ وهو ربُّنا وربُّكم؟
بيدِه الخيراتُ، وإليه الثوابُ والعقابُ، والجزاءُ على الأعمالِ، الحسناتِ منها والسيئاتِ، فتزعُمون أنكم أوْلى باللهِ منا من أجلِ أن نبيَّكم قبلَ نبيِّنا، وكتابَكم قبلَ كتابِنا، وربُّكم وربُّنا واحدٌ، وإنّما (١) لكلِّ فريقٍ منا ما عَمِل واكتسَب من صالحِ الأعمالِ وسيِّئها، وعليها (٢) يُجازَى، فيُثابُ أو يُعاقَبُ، لا على الأنسابِ وقِدَمِ الدينِ والكتابِ.
ويعنى بقولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ قلْ: أتُخاصِموننا وتُجادِلُوننا؟
كما حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ﴾ قل: أتُخاصِمُوننا؟
حدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾: أتُخاصِمُوننا؟
حدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمِّى، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ [﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾: أتُجادِلوننا] (١)؟
فأمّا قولُه: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ فإنه يعنى: ونحنُ للهِ مُخْلِصو العبادةِ والطاعةِ، لا نشركُ به شيئًا، ولا نَعبُدُ غيرَه أحدًا، كما عبَد أهلُ الأوثانِ معه الأوثانَ، وأصحابُ العجلِ معه العجلَ.
وهذا من اللهِ تعالى ذكرُه توبيخٌ لليهودِ واحتجاجٌ لأهلِ الإيمانِ، بقولِه تعالى ذكرُه للمؤمنين من أصحابِ محمدٍ ﷺ: قولوا -أيها المؤمنون لليهودِ والنصارَى الذين قالوا لكم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ -: أَتُجادلوننا (٢) في اللهِ.
وإنما (٣) يعنى بقولِه: ﴿فِي اللهِ﴾: في دينِ اللهِ الذى أمَرنا أن نَدِينَه به، وربُّنا وربُّكم واحدٌ عَدْلٌ لا يَجورُ، وإنما يُجازِى العبادَ على ما اكْتَسبوا، فتَزعُمون أنَّكم أَوْلَى باللهِ منا لقِدَمِ دينِكم وكتابِكم ونبيِّكم، ونحن مُخلِصون له العبادةَ لم نُشرِكْ به شيئًا، وقد أَشركْتُم في عبادتِكم إياه، فعَبد بعضُكم العجلَ، وبعضُكم المسيحَ، فأنَّى تكونوا خيرًا منا، وأَوْلَى باللهِ منا؟
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾.
قال أبو جعفرٍ: وفى قراءةِ ذلك وجهان؛ أحدُهما: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاءِ (٤)، فمَن قرَأه كذلك، فتأويلُه: قل يا محمدُ -للقائلين لك من اليهودِ والنصارَى: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ -: أتُجادِلُوننا في اللهِ؟
أمْ تَقُولُونَ: إن إبْرَاهيمَ؟
فيكونُ ذلك معطوفًا على قولِه ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾.
والوجهُ الآخرُ منهما: (أم يقولون) بالياءِ (١).
ومن قرَأ ذلك كذلك وجَّه قولَه: (أم يقولون) إلى أنه استفهامٌ مُستأنَفٌ كقولِه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [يونس: ٣٨].
وكما يقالُ: إنها لإبلٌ أم شاءٌ؟
وإنما جعَله استفهامًا مستأنَفًا لمجئِ خبرٍ مُستأنَفٍ، كما يقالُ: أتقومُ أم يقومُ أخوك؟
فيصيرُ قولُه: أم يقومُ أخوك؟
خبرًا مستأنَفًا بجُملةٍ (٢) ليست من الأوّلِ واستفهامًا مبتدأً، ولو كان نَسَقًا على الاستفهامِ الأوّلِ لكان خبرًا عن الأوّلِ، فقيل: أتقومُ أم تقعدُ؟
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن ذلك إذا قُرِئ كذلك بالياءِ، فإن كان الذى بعد "أَمْ" جملةً تامةً فهو عطفٌ على الاستفهامِ الأوّلِ؛ لأن معنى الكلامِ قيل: أىُّ هذين الأمرَيْن كائنٌ، أهذا أم هذا؟
والصوابُ من القراءةِ عندنا في ذلك: ﴿أَمْ تَقُولُونَ﴾ بالتاءِ دون الياءِ (٣)، عطفًا على قولِه: ﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا﴾ بمعنى: أىَّ هذين الأمرَيْن تفعَلون؟
أتُجادِلُوننا في دينِ اللهِ؟
فتَزعُمون أنكم أَوْلَى منّا، وأَهْدَى منّا سبيلًا، وأمْرُنا وأمْرُكم ما وصَفْنَا على ما قد بَيّنّاه آنفًا (٤)، أم تزعُمون أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ ومن سمَّى اللهُ كانوا هُودًا أو نَصارَى على مِلَّتِكم؟
فيَضِحُ (٥) للناسِ بَهْتُكم وكَذِبُكم؛ لأن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثَتْ بعدَ هؤلاءِ الذين سمّاهم اللهُ من أنبيائِه.
وغيرُ جائزةٍ قراءةُ ذلك بالياءِ لشذوذِها عن قراءةِ القرَأةِ.
وهذه الآيةُ أيضًا احتجاجٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ على اليهودِ والنصارَى الذين ذكَر اللهُ قَصَصَهم، يقولُ اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى: أتُحاجُّوننا في اللهِ، وتزعُمون أن دينَكم أفضلُ من دينِنا، وأنَّكم على هُدًى ونحن على ضَلالةٍ ببُرْهانٍ من اللهِ تعالى ذكرُه فتَدْعُوننا إلى دينِكم؟
فهاتُوا برهانَكم على ذلك فنَتبِعَكم عليه.
أم تقولون: إنّ إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هودًا أو نصارَى على دينِكم؟
فهاتوا على دَعْواكم ما ادَّعيْتم من ذلك بُرْهانًا فنُصَدِّقَكم، فإن اللهَ قد جعَلَهم أئمةً يُقْتَدَى بهم، ثم قال تعالى ذكرُه لنبيه ﷺ: قل لهم يا محمدُ إن ادَّعَوا أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نَصارَى: أأنتم أَعْلمُ بهم وبما كانوا عليه من الأديانِ أم اللهُ؟
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بذلك: فإن زعَمَتْ يا محمدُ اليهودُ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، أن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا هُودًا أو نصارَى، فمن أظلمُ منهم؟!
يقولُ: وأيُّ امرِئٍ أظلمُ منهم وقد كَتَموا شهادةً عندَهم من اللهِ بأن إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ كانوا مسلمين، فكَتَموا ذلك ونحَلُوهم اليهوديةَ والنصرانيةَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فحدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: في قولِ يهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومَن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى.
فيقولُ اللهُ: لا تَكْتُموا منى شهادةً إن كانت عندَكم فيهم.
وقد عَلِم أنهم كاذبون (١).
وحدثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾: في قولِ اليهودَ لإبراهيمَ وإسماعيلَ ومن ذُكِر معهما: إنهم كانوا يهودَ أو نصارَى.
فقال اللهُ لهم: لا تَكْتُموا منى الشهادةَ فيهم إن كانت عندَكم فيهم، وقد عَلِم اللهُ أنَّهم كانوا كاذبين.
وحدّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى إسحاقُ، عن أبى الأشهبِ، عن الحسنِ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾.
إلى قولِه: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال الحسنُ: واللهِ لقد كان عندَ القومِ من اللهِ شهادةٌ أن أنبياءَه بُرَآءُ من اليهوديةِ والنصرانيةِ، كما أن عندَ القوم من اللهِ شهادةً أن دماءَكم وأموالَكم حرامٌ بينكم، فبم استحَلُّوها (١)؟.
وحدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾: أهلُ الكتابِ كَتَموا الإسلامَ، وهم يَعلمون أنه دينُ اللهِ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ، أنهم لم يكونوا يهودَ ولا نصارَى، وكانت اليهوديةُ والنصرانيةُ بعدَ هؤلاءِ بزمانٍ (٢).
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى إن ادَّعَوْا أن إبراهيمَ ومن سُمِّىَ معه في هذه الآيةِ كانوا هودًا أو نصارَى، تَبَيَّنَ (٣) لأهلِ الشركِ الذين هم نصراؤُهم كَذِبُهم وادِّعاؤُهم على أنبياءِ اللهِ الباطِلَ؛ لأن اليهوديةَ والنصرانيةَ حدَثت بعدَهم، وإن هم نَفَوْا عنهم اليهوديةَ والنصرانيةَ، قيل لهم: فهَلُمّوا إلى ما كانوا عليه من الدينِ، فإنا وأنتم مُقِرُّون جميعًا بأنَّهم كانوا على حقٍّ، ونحن مختلِفون فيما خالَف الدينَ الذى كانوا عليه.
وقال آخرون: بل عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ اليهودَ في كتمانِهم أمرَ محمدٍ ﷺ ونبوَّتَه، وهم يَعلمون ذلك ويَجِدُونه في كُتُبِهم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: أولئك أهلُ الكتابِ، كَتَموا الإسلامَ وهم يَعلمون أنه دينُ اللهِ، واتَّخَذُوا اليهوديةَ والنصرانيةَ، وكَتَموا محمدًا ﷺ وهم يَعلمون أنه رسولُ اللهِ ﷺ، يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (١).
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: الشهادةُ، النبيُّ ﷺ مكتوبٌ عندَهم، وهو الذى كَتَموا (٢).
وحدثنى المثنَّى [قال: حدثنى إسحاقُ] (٣)، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَ حديثِ بشرِ بنِ معاذٍ، عن يزيد بنِ زريعٍ (٤).
حدثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ قال: هم يهودُ يُسألون عن النبيِّ ﷺ وعن صفتِه في كتابِ اللهِ عندَهم، فيَكْتُمون الصفةَ.
وإنما اخترْنا القولَ الذى قُلْناه في تأويلِ ذلك، لأنَّ قولَه تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ﴾ في إثْرِ قصةِ مَن سمَّى اللهُ من أنبيائِه، وأمامَ قَصِّه (١) لهم، فأَوْلَى بالذى هو بيْن ذلك أن يكونَ من قَصصِهم دون غيرِه.
فإن قال قائلٌ: وأيّةُ شهادةٍ عندَ اليهودِ والنصارَى من اللهِ في أمرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ؟
قيل: الشهادةُ التى عندَهم من اللهِ في أمرِهم ما أنزل اللهُ إليهم في التوراةِ والإنجيِلِ، وأمَرَهم فيهما (٢) بالاستنانِ بسنتِهم واتباعِ مِلَّتِهم، وأنهم كانوا حنفاءَ مسلمين، فتلك هى الشهادةُ التى عندهم من اللهِ التى كتَموها حين دعاهم نبيُّ اللهِ ﷺ إلى الإسلامِ، فقالوا له: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
وقالوا له ولأصحابِه: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾.
فأنزَل اللهُ فيهم هذه الآياتِ بتكذيبِهم (٣) وكتمانِهم الحقَّ، وافترائِهم على أنبياءِ اللهِ الباطلَ والزُّورَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠)﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بذلك: وقل لهؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين يحاجُّونك يا محمدُ: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من كتمانِكم الحقَّ فيما ألزَمَكم في كتابِه بيانَه للناسِ، من أمرِ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطِ و (١) أمرِ الإسلامِ، وأنهم كانوا مسلمين، وأن الحنِيفيّةَ المسلمةَ دينُ اللهِ الذى على جميعِ الخلقِ الدَّينُونة به دونَ اليهوديةِ والنصرانيةِ وغيرِهما من الملل، ولا هو ساهٍ عن عقابِكم على فعلِكم ذلك، بل هو مُحْصٍ عليكم حتى يُجازيَكم به من الجزاءِ ما أنتم له أهلٌ في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ.
فجازاهم جلَّ ذكرُه عاجلًا في الدنيا بقَتْلِ بعضِهم [وتَشريدِ بعضِهم] (٢) وإجلائِه عن وطنِه ودارِه، وهو مُجازِيهم في الآخرةِ العذابَ المُهِينَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ يعنى: إبراهيمَ وإسماعيلَ وإِسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه (٣).
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أن الأُمةَ الجماعةُ (٤).
فمعنى الآيةِ إذن: قلْ يا محمدُ لهؤلاء الذين يُجادِلُونك في اللهِ من اليهودِ والنصارَى إن كَتَموا ما عندَهم من الشهادةِ في أمرِ إبراهيمَ ومَنْ سَمَّيْنا معه، وأنّهم كانوا مسلمِينَ، وزَعَمُوا أنّهم كانوا هودًا أو نصارَى، فكَذَبوا: إنّ إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمةٌ قد خَلَتْ؛ أى: مضَت لسبيلِها، فصارت إلى ربِّها، وخَلَت بأعمالِها، وإنما (١) لها (٢) عندَ اللهِ ما كانت (٣) كَسَبت من خيرٍ في أيامِ حياتِها، وعليها ما اكْتَسَبت من شرٍّ، لا ينفعُها غيرُ صالحِ أعمالِها، ولا يضرُّها غيرُ سَيِّئِها، فاعلَموا أيها اليهودُ والنصارَى ذلك، فإنَّكم إن كان هؤلاءِ -و (٤) هم الذين بهم تَفْتَخِرون وتزعُمون أن بهم تَرْجُون النجاة من عذابِ ربِّكم مع سيئاتِكم، وعظيمِ خطيئاتِكم- لا ينفعُهم عندَ اللهِ غيرُ ما قدَّمُوا من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّهُمْ غيرُ سيِّئِها، فأنتم كذلك أَحْرَى ألا ينفعَكم عند اللهِ غيرُ ما قَدَّمْتُم من صالحِ الأعمالِ، ولا يضرُّكم غيرُ سَيِّئِها، فاحذَرُوا على أنفسِكم وبادِرُوا خروجَها بالتوبةِ وبالإنابةِ إلى اللهِ مما أنتم عليه من الكفرِ والضلالةِ والفِرْيةِ على اللهِ وعلى أنبيائِه ورسلِه، ودَعُوا الاتّكالَ على فضائلِ الآباءِ والأجْدادِ، فإنما لكم ما كسَبتم، وعليكم ما اكْتَسَبتم، ولا تُسألُون عمَّا كان إبراهيمُ وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباطُ يَعمَلون من الأعمالِ؛ لأن كلَّ نفسٍ قَدِمَتْ على اللهِ يومَ القيامةِ فإنما تُسألُ عما كسَبت وأَسْلَفت، دون ما أَسلفَ غيرُها.
القولُ في تأويلِ قوْلِه جل ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾: سيقولُ الجُهالُ من الناسِ، وهم اليهودُ وأهلُ النفاقِ.
وإنما سمّاهم اللهُ ﷿ سفهاءَ؛ لأنهم سفِهوا الحقَّ، فتجاهَلتْ أحبارُ اليهودِ، وتعاظمَت جُهّالُهم وأهلُ الغباءِ منهم عن (١) اتباعِ محمدٍ ﷺ، إذ كان من العربِ ولم يكنْ من بنى إسرائيلَ، وتحيَّرَ المنافقون فتبلَّدوا.
وبما قلنا في السفهاءِ أنهم هم اليهودُ وأهلُ النفاقِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال: هم اليهودُ حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ قال: اليهودُ تقولُه حين ترَك بيتَ المقدسِ (٢).
وحدثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.
قال: اليهودُ (٣).
وحدِّثتُ عن أحمدَ بنِ يونسَ، عن زهيرٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾.
قال: اليهودُ (٤).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ قال: أهلُ الكتابِ (١).
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اليهودُ (٢).
وقال آخَرون: السفهاءُ المنافقون.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: نزلَت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾: في المنافقين (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟
وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه.
إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟
وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ] (٤)، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).
[وقال آخَرون: بل قائِلو] (٢) هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا (٣) غيرَها؟!
فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾.
الآية كلّها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾.
يعنى جل ثناؤُه بذلك: قلْ يا محمدُ -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابِك: ما ولّاكم عن قبلتِكم من بيتِ القدسِ التى كنتم على التوجُّهِ إليها، إلى التوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ؟
-: للهِ مُلكُ المشرقِ والمغربِ -يعنى بذلك: مُلكُ ما بينَ قُطْرَىْ مَشرِقِ الشمسِ، وقُطْرَىْ مَغرِبها، وما بينهما من العالَمِ- يَهْدى من يشاءُ من خَلْقِه فيسدِّدُه ويوفِّقُه إلى الطريقِ القويمِ، وهو الصراطُ المستقيمُ -ويعنى بذلك: إلى قبلةِ إبراهيمَ الذى جعلَه للناسِ إمامًا- ويخذُلُ من يشاءُ منهم فيضِلُّه عن سبيلِ الحقِّ.
وإنما عَنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾: قلْ يا محمدُ: إنّ اللهَ هدانا بالتوجُّهِ شطرَ المسجدِ الحرامِ لقبلةِ إبراهيمَ، وأضلَّكم أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشركِ باللهِ، فخذَلكم عما هدَانا له من ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: كما هدَيْناكم أيها المؤْمنون بمحمدٍ ﵊، وبما جاءَكم به من عندِ اللهِ، فخصَصْناكم بالتوفيقِ لقبلةِ إبراهيمَ وملّتِه، وفضَّلناكم بذلك على من سواكم من أهلِ المللِ، كذلك خصَصْناكم أيضًا ففضَّلناكم على غيرِكم من أهلِ الأديانِ؛ بأن جعَلْناكم أمة وسطًا، وقد بيّنا أن "الأمَّةَ" هى القرنُ من الناسِ، والصِّنْفُ منهم وغيرهم (١).
وأما "الوسطُ" فإنه في كلام العربِ الخيارُ، يقالُ منه: فلانٌ واسِطُ (٢) الحسَبِ في قومِه.
أى: متوسِّطُ الحسَبِ، إذا أرادُوا بذلك الرفعَ في حسبِه، وهو وسطٌ في قومِه وواسطٌ.
كما يقالُ: شاةٌ يابسةُ اللبنِ، ويَبَسةُ اللَبنِ.
وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧].
وقال زهيرُ بنُ أبى سُلْمَى في "الوسطِ" (٣): هُمُ وَسَطٌ يَرْضَى الأنامُ بحُكمِهمْ … إذا نَزَلَت إحدَى الليالى بمُعْظَمِ قال أبو جعفرٍ: وأنا أرَى أن "الوسَطَ" في هذا الموضعِ هو الوسَطُ الذى بمعنى الجزءِ الذي هو بين الطرفَين، مثلَ وسَطِ الدارِ، [محرِّكةُ الوسطِ مثقَّلتُه] (٤)، غيرُ جائزٍ في سينِه التخفيفُ.
وأرَى أن اللهَ ﵎ إنما وصَفهم بأنهم عن الربيعِ في قولِه: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ قال: عدلًا.
وحدَّثَنِى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
يقولُ: جعَلكم أمة عدلًا (١).
وحدَّثَنِى المثنَّي، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن رِشْدِين (٢) بنِ سعدٍ، قال: أخبرنى ابنُ أنْعُمٍ المَعافِرىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلَةَ يُسْنِدُه (٣) إلى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
قال: "الوسَطُ العدلُ" (٤).
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ وعبدِ اللهِ بنِ كَثيرٍ: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾.
قالوا: عدلًا.
قال مجاهدٌ: عدولًا.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
قال: هم وسطٌ بين النَّبِيِّ ﷺ وبين الأُممِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.
فمعنى ذلك: وكذلك جعَلناكُم أُمةً [عدلًا لتكونوا] (٥) شهداءَ لأنْبيائى ورُسلى على أُمِمها بالبلاغِ، أنَّها قد بلَّغت ما أُمِرت ببلاغِه من رسالاتى إلى أُمَمِها، ويكونَ رَسولى محمدٌ ﷺ شهيدًا عليكم بإيمانِكم به، وبما جاءكم به من عندى.
[وقيل: معْنى "عَلَيْكُمْ" في قولِه: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾: لكم.
كأن تأويلَه عندهم: ويكونَ الرسولُ شهيدًا لكم.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: هذا نظيرُ قولِه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] إنما هو: وما ذبح للنصُبِ] (١).
حَدَّثَنِي أبو السّائبِ، قال: حَدَّثَنَا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يُدْعَى بنُوحٍ ﵇ يومَ القيامَةِ، فيُقالُ له: هل بَلَّغْتَ ما أرْسِلتَ به؟
فيقولُ: نعم.
فيقالُ لقَومِه: هل بَلَّغَكم؟
فيقولُون: ما جاءنَا من نَذيرٍ.
فيُقالُ له: من يَعْلَمُ ذاك؟
فيقولُ: محمَّدٌ وأُمَّتُه".
فهو قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢).
وحَدَّثَنَا مجاهدُ بنُ موسي، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ عوْنٍ، قال: أخبَرنا الأعمشُ، عن أبى صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ بنحوِه، إلَّا أنه زاد فيه: ["فتُدْعَوْن فتَشْهَدون] (٣) أنه قد بلَّغ" (٤).
وحَدَّثَنَا محمدُ بن بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا مؤمَّلٌ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ بأن الرسلَ قد بلَّغُوا، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ بما عمِلْتم أو فعَلْتم (١).
وحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضَيلٍ، عن أبى مالكٍ الأشْجعيِّ، عن المغيرةِ ابنِ عُتَيْبةَ (٢) بنِ النَّهّاسِ، أن مُكْتِبًا (٣) لهم حدَّثهم، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "إنِّى وأُمَّتى لعلى كَوْمٍ (٤) يومَ القيامةِ مُشْرفين على الخلائقِ، ما أحدٌ من الأُمم إلَّا ودَّ أنه منا (٥) أيَّتُها (٦) الأُمَّةُ، وما من نبيٍّ كذَّبه قومُه إلَّا نحن شُهَداؤُه يومَ القيامةِ أنه قد بلَّغ رسالاتِ ربِّه ونصَح لهم.
قال: [والرسولُ عليكم شهيدٌ] (٧) ".
وحَدَّثَنِي عصامُ بنُ رَوّادِ (٨) بنِ الجرّاحِ العسقلانيُّ، قال: حدَّثنى أبي، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعىُّ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي (١) الفضلِ، عن أبى هريرةَ، قال: خرَجْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ في جِنازةٍ، فلما صُلِّى على الميت قال الناسُ: نِعمَ الرجلُ.
فقال النَّبِيُّ ﷺ: "وَجَبَتْ".
ثم خرَجْتُ معه في جِنازَةٍ أُخري، فلمّا صلَّوْا على الميتِ قال الناسُ: بئسَ الرجلُ.
فقال النَّبِيُّ ﷺ: "وَجَبَتْ".
فقام إليه أُبيُّ بن كعب فقال: يا رسولَ الله، ما قولُك: وَجَبَتْ؛ قال: "قولُ اللهِ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ".
وحَدَّثَنِي عليُّ بنُ سهلٍ الرمْليُّ، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي أبو عمروٍ، عن يحيي، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ بن أبى الفضلِ المدينيُّ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، قال: أُتى رسولُ اللهِ ﷺ بجِنازةٍ، فقال الناسُ: نِعمَ الرجلُ.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ عصامٍ، عن أبيه (٢).
[حَدَّثَنَا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي الأوزاعيُّ، قال: حَدَّثَنِي يحيى بنُ أبى كثيرٍ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ، قال: حَدَّثَنِي أبو هريرةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه] (٣).
وَحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: حَدَّثَنَا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: حَدَّثَنِي إياسُ بنُ سلمةَ بنِ الأكوعِ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ فمُرَّ بجنازةٍ عليه فأُثْنِى عليها ثناءٌ (١) حسنٌ، فقال: "وَجَبَتْ".
ومُرَّ عليه بجِنازةٍ أُخْري، فأُثْنِى عليها دونَ ذلك، فقال: "وَجَبَتْ".
قالوا: يا رسولَ اللهِ، ما "وجَبَتْ؟
" قال: "الملائِكةُ شُهداءُ اللهِ في السماءِ، وأنتم شُهداءُ اللهِ في الأرضِ، فما شَهِدْتم عليه [من شيءٍ] (٢) وَجَبَتْ".
ثم قرَأ: " ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ " (٣) الآية [التوبة: ١٠٥].
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: تكونوا شهداءَ لمحمدٍ ﷺ على الأُممِ؛ اليهودِ والنصارَى والمجوسِ (٤).
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نجيحٍ، قال: يأْتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ بإذنِه (٥) ليس معه أحدٌ، فتَشْهَدُ له أمةُ محمدٍ ﷺ أن قد (٦) بلَّغهم.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن أبيه، أنه سمِع عُبيد بنَ عُميرٍ [يقولُ.
فذكَر] (٢) مثلَه (٧).
وحَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسين، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ أبى نَجيحٍ، عن أبيه، قال: يأتى النَّبِيُّ ﷺ يومَ القيامةِ.
فذكَر مثلَه، ولم يذكُرْ عُبيدَ بنَ عُميرٍ (١).
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أى: أنَّ رسلَهم قد بلّغتْ قومَها عن ربِّها، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّه قد بلَّغ رسالاتِ رِّبه إلى أُمتِه.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادَةَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: لتكونَ هذه الأمةُ شهداءَ على الناسِ أن الرسُلَ قد بلَّغتهم، ويكونَ الرسولُ على هذه الأمةِ شهيدًا أن قد بلَّغ ما أُرْسِل به (٢).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيدِ ابنِ أسلمَ، أنّ قومَ نوحٍ يقولون يومَ القيامةِ: لَمْ يبلِّغْنا نوحٌ.
فيُدْعَى نوحٌ فيُسألُ: هل بلَّغتَهم؟
فيقولُ: نعم، [قد بلَّغتُهم] (٣).
فيقالُ: من شُهودُك؟
فيقولُ: أحمدُ وأُمتُه.
فتُدْعَوْن فتُسأَلون فتقولون: نعم قد بلَّغهم.
فيقولُ قومُ نوحٍ: كيف تَشْهدون (٤) علينا ولم تُدْرِكونا (٥)؟
قالوا: قد جاءنا (٦) نبيُّ اللهِ فأخبَرنا أنه قد بلَّغكم، وأُنزلَ عليه أنه قد بلَّغكم، فصدَّقْناه.
قال: فيُصدَّق نوحٌ [ويكذبون هم] (٧).
قال: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٨).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبد الرزّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، أن الأممَ يقولون يومَ القيامةِ: واللهِ لقد كادت هذه الأمةُ أن يكونوا (١) أنبياءَ كلَّهم.
لِما يَرَوْن اللهَ أعطاهم (٢).
وحدَّثنى المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المباركِ، عن رِشدِينَ (٣) بنِ سعدٍ، قال: أخبَرنى ابنُ أنعمٍ المَعافرِىُّ، عن حِبّانَ بنِ أبى جَبَلةَ، يُسْنِدُه (٤) إلى رسولِ اللهِ ﷺ قال: "إذا جمَع اللهُ عبادَه يومَ القيامَة كان أوَّلَ من يُدْعَى إسْرافيلُ، فيقولُ له ربُّه: ما فعَلْتَ في عَهْدى؟
هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟
فيقولُ: نعم رَبِّ، قد بَلَّغْتُه جبْريلَ.
فيُدْعَى جبْرِيلُ فيقالُ له: هل بَلَّغَك (٥) إسْرافيلُ عَهْدى؟
فيقولُ: نعم ربِّ، قد بَلَّغنى.
فيُخَلَّى عن إسرافيلَ، ويقالُ لجبريلَ: هل بَلَّغْتَ عَهْدى؟
فيقولُ: نعم قد بَلَّغْتُ الرُّسُلَ.
فتُدْعَى الرسلُ فيقالُ لهم: هل بَلَّغَكم جبريلُ عَهْدِى؟
فيقولون: نعم رَبَّنا.
فيُخَلَّى عن جبريلَ، ثم يقالُ للرسلِ: ما فَعَلتم بعَهْدى؟
فيقولون: بلَّغْنا أُمَمَنا.
فتُدْعى الأُممُ فيقالُ: هل بَلَّغَكم الرسلُ عَهْدى؟
فمنهم المُكَذِّبُ، ومنهم المُصدِّقُ، فتقولُ الرسلُ: إن لنا عليهم شُهودًا يَشْهَدون أنْ قد بَلَّغْنا مع شَهادتِك.
فيقولُ: من يَشْهَدُ لكم؟
فيقولون: أُمَّةُ أحمدَ.
فتُدْعَى أُمةُ أحمدَ.
فيقولُ: أتَشْهَدُون أن رُسُلى هؤلاء قد بَلَّغوا عَهْدى إلى من أُرْسِلوا إليه؟
فيقولون: نعم رَبَّنا، شهِدْنا أنْ قد بَلَّغوا.
فتقولُ تلك الأُممُ: ربَّنا (٦)، كيف يَشْهَدُ علينا من لَمْ يُدْرِكْنا؟
فيقولُ لهم الرَّبُّ: كيف تَشْهَدون على من لَمْ تُدْرِكوا؟
فيقولون: رَبَّنا بَعَثْتَ إلينا رسولًا، وأنزَلْت إلينا عهْدَك وكتابَك، وقصَصْتَ علينا أنهم قد بَلَّغُوا، فشهِدْنا بما عَهِدْتَ إلينا.
فيقولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا.
فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
والوسطُ العدلُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ".
قال ابنُ أنعمٍ: فبلَغنى أنه يشهَدُ يومئذٍ أمةُ محمدٍ إلَّا من كان في قلبِه حِنَةٌ (١) على أخيه (٢).
حَدَّثَنَا المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا أبو زهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يَعنى بذلك الذين استَقاموا على الهدَي، فهم الذين يكونون شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ، لتكذيبِهم رسلَ اللهِ، وكفرِهم بآياتِ اللهِ.
وحدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾.
يقولُ: لتكونوا شهداءَ على الأُمَمِ الذين خلَوْا من قبلِكم بما جاءتهم به (٣) رسلُهم، وبما كذَّبوهم، فقالوا يومَ القيامةِ وعجِبوا: إن أمةً لَمْ يكونوا في زمانِنا، فآمَنوا بما جاءَت به رسلُنا، وكذَّبْنا نحن بما جاءُوا به!
فعجِبوا كلَّ العجبِ (٤).
وقولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يعنى: بإيمانِهم به، وبما أُنزِل عليه.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾: يعنى أنهم شهداءُ (١) على القرونِ بما سمَّى اللهُ لهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: أمةُ محمدٍ شُهداءُ (١) على من ترَك الحقَّ حين جاءَه، [والإيمانَ] (٢) والهدَى ممن كان قبلَنا.
[وقالها] (٣) عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ.
قال: وقال عطاءٌ: هم (٤) شهداءُ على من ترَك الحقَّ، من (٥) ترَكه من الناسِ أجمعين، جاء ذلك أمةَ محمدِ في كتابِهم، ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ على أنَّهم قد آمَنوا بالحقِّ حين جاءهم، وصدَّقوا به (٦).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ قال: رسولُ الله ﷺ شاهدٌ على أمَّتِه، وهم شهداءُ على الأُمَمِ، وهم أحدُ الأشهادِ الذين قال اللهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] [والأشهادُ أربعةٌ:] (٧) الملائكةُ الذين يُحصُون أعمالَنا، لنا وعلينا.
وقرَأ قولَه: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] وقال: هذا يومُ القيامةِ.
قال: والنبيُّون شهداءُ على أُممِهم.
قال: وأمةُ محمدٍ شهداءُ على الأُممِ.
قال: والأطوارُ الأجسادُ والجلودُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾: ولم نجعَلْ صرْفَك عن القبلةِ التى كنتَ على التوجُّهِ إليها يا محمدُ، فصرَفْناكَ عنها، إلَّا لنعلَمَ من يتَّبِعُك (٢) ممن ينقلِبُ على عَقِبيه.
والقبلةُ التى كان ﷺ عليها، التى عناها اللهُ بقولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾، هى القبلةُ التى [كان يتوجَّهُ] (٣) إليها قبلَ أن يَصْرِفَه (٤) إلى الكعبةِ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ قال: حَدَّثَنَا عمرُو بنُ حمادٍ، عن أسباطَ، عن السُّدِّىَّ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ يَعنى بيتَ المقدِس (٥).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾؟
قال: القبلةُ بيتُ المقدسِ (٦).
وإنما ترَك ذكرَ الصرفِ عنها اكتِفاءً بدَلالةِ ما قد ذُكِر من الكلامِ على معْناه، وأما قولُه: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ فإنه يعنى به (١): من الذي يرتدُّ عن دينِه، فيُنافقُ، أو يكفُرُ، أو يخالفُ محمدًا ﷺ في ذلك، ممن يُظهِرُ اتِّباعَه.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ قال: من إذا دخَلته شبهةٌ رجَع عن اللهِ، وانقَلب كافرًا على عَقِبيْه.
وأصلُ المرتدِّ على عَقِبيه - [وهو] (٢) المنقلِبُ على عَقِبيه- الراجِعُ مستدبِرًا في الطريقِ الذي قد كان قطَعه، منصرِفًا عنه، فقيل ذلك لكلِّ راجعٍ عن أمرٍ كان فيه، من دينٍ أو خبرٍ (٣)، ومن ذلك قولُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] بمعنى: رجَعا في الطريقِ الذي كانا سلَكاه.
وإنما قيل للمرتدِّ: مُرتدٌّ.
[من ذلك] (٤)؛ لرُجوعِه عن دينِه وملَّتِه التى كان عليها.
وإنما قيل: رجَع على عَقِبيه.
لرُجوعِه دُبُرًا علَى عَقِبيْه (٥) إلى الوجهِ الذي كان فيه بدءُ سيرِه قبلَ مرجِعِه عنه.
فجُعل (٦) ذلك مثلًا لكلِّ تاركٍ أمرًا وآخذٍ آخرَ غيرَه، إذا انصَرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركًا فأخذَه، فقيل: ارتدَّ فلانٌ على عَقِبيْه (٥)، وانقلَب على عَقِبيْه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في التى وصَفها اللهُ جل ثناؤه بأنها كانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
فقال بعضُهم: عنَى جل ثناؤُه بالكبيرةِ التوليةَ من بيتِ المقدسِ شطرَ المسجدِ الحرامِ والتحويلةَ (١)، وإنما أُنِّثت (٢) الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ [قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ] (٣)، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: قال اللهُ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ يعنى: تحويلَها (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو الباهليُّ، قال: حدَّثنا الضّحّاكُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: ما أُمِروا به [من التَّحوُّلِ] (٥) إلى الكعبةِ من بيتِ المقدسِ (٦).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه.
﴿لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
قال: كبيرةٌ حين حُوِّلتِ القبلةُ إلى المسجدِ الحرامِ، فكانت كبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ (١).
وقال آخرون: بل الكبيرةُ هى القبلةُ بعينِها التى كان ﷺ يتوجَّهُ إليها من بيتِ المقدسِ قبلَ التحويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ] (٢) عن أبى العاليةِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
أى قبلةَ بيتِ المقدسِ: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ (٣).
وقال بعضُهم: بل الكبيرةُ هى الصلاةُ التى كانوا صلَّوْها (٤) إلى القبلةِ الأُولى.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: صلاتَكم حتى يَهِديَكم اللهُ القبلةَ (٥).
وقد حدَّثنى (٦) يونسُ مرَّةً أُخرى فقال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
قال: صلاتَكم (١) ههنا -يعنى إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا- وانحرافَكم (٢) ههنا.
وقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُنِّثت الكبيرةُ لتأنيثِ القبلةِ، وإيّاها عنَى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً﴾.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل أُنِّثث الكبيرةُ لتأنيثِ التوليةِ والتحويلةِ.
فتأويلُ الكلامِ على معنَى ما تأوَّلَه قائلُو هذه المقالةِ: وما جعلَنا تحويلَتَنا إيّاكَ عن القبلةِ التى كنتَ عليها وتولِيتَنَاكَ عنها، إلا لنعلَمَ من يتبِعُ الرسولَ ممن ينقلِبُ على عَقِبيْه، وإن كانت تحويلَتُنا إياك عنها وتولِيتُنَاكَ لكبيرةً إلا على الذين هدَى اللهُ.
وهذا التأويلُ أولَى التأويلاتِ عندى بالصوابِ؛ لأن القومَ إنما كبُر عليهم تحويلُ النبيِّ ﷺ وجهَه عن القبلةِ الأولَى إلى الأُخْرى، لا عينُ القبلةِ، ولا الصلاةُ؛ لأن القبلةَ الأولَى والصلاةَ قد كانت وهى غيرُ كبيرةٍ عليهم.
إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ تأنيثَ الكبيرةِ إلى القبلةِ، ويقولَ: اجتُزِئ بذكرِ القبلةِ من ذكرِ التوليةِ والتحويلةِ؛ لدَلالةِ الكلامِ على معنى ذلك.
كما قد وصفنا ذلك (٣) في نظائرِه (٤)، فيكونَ ذلك وجهًا صحيحًا، ومذهبًا مفهومًا.
ومعنَى قولِه: ﴿لَكَبِيرَةً﴾: عظيمةً.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ قال: كبيرةٌ في صدورِ الناسِ، فيما يدخُلُ الشيطانُ به ابنَ آدمَ، قال: ما لهم صلَّوْا إلى ههنا ستةَ عشرَ شهرًا ثم انحرفُوا!
فكبُر (١) في صُدورِ من لا يعرِفُ ولا يعقِلُ والمنافقين، قالوا: أيُّ شيءٍ هذا الدينُ؟
وأما الذين آمنوا فثبَّت اللهُ ذلك في قلوبهم.
وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
قال: صلاتُكم حتى يَهدِيَكم للقبلةِ.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ فإنه يعنى به: وإن [كانت نَقْلَتُناكَ] (٢) عن القبلةِ التى كنتَ عليها لعظيمةً إلا على من وفَّقه اللهُ فهَداه لتصديقِك، والإيمانِ (٣) بذلك، واتباعِك فيه، وفيما أنزلَ اللهُ عليك.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾.
يقولُ: إلا على الخاشِعين، يعْنى المصدِّقين بما أنزَل اللهُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قيل: عَنَى بالإيمانِ في هذا الموضعِ الصلاةَ.
ذكرُ الأخبارِ التى رُوِيت بذلك وذكرُ قولِ من قاله حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ وعُبيدُ اللهِ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، جميعًا عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه رسولُ اللهِ ﷺ إلى الكعبةِ قالوا: كيف بمن مات من إخوانِنا قبلَ ذلك وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ؟
فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (١).
حدَّثنى إسماعيلُ بنُ موسى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتكُم نحوَ بيتِ المقدسِ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازِيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: حدَّثنا شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ نُفَيلٍ (٣) الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا زهيرٌ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: مات على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّلَ إلى البيتِ رجالٌ وقُتلوا، فلم ندْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال أناسٌ من الناسِ لما صُرِفَت القبلةُ نحوَ البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نَعملُ في قبلَتِنا الأُولى (١)؟.
فأنزل اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما توجَّه رسولُ الله ﷺ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قال المسلمون: ليت شِعْرَنا عن إخوانِنا الذين ماتوا وهم يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، هل تقبَّل اللهُ منَّا ومنهم أم لا؟
فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم قِبَلَ بيتِ المقدسِ.
يقولُ: إن تلك كانت (١) طاعةً وهذه طاعةٌ.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيهِ، عن الربيعِ، قال: قال ناسٌ لما صُرِفت القبلةُ إلى البيتِ الحرامِ: كيف بأعمالِنا التى كنا نعملُ في قبلَتِنا الأولَى؟
فأنزلَ اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ الآية.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريحٍ: أخبرَنى داودُ بنُ أبى عاصمٍ، قال: لما صُرِف [رسولُ اللهِ ﷺ] (٢) إلى الكعبةِ، قال المسلمون: هلَك أصحابُنا الذين كانوا يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ.
فنزَلت: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبي، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ يقولُ: صلاتَكم التى صلَّيتم (٣) من قبلِ أن تكونَ القبلةُ.
وكان المؤمنون قد أشفَقوا على من صلَّى منهم أن لا تُقبلَ صلاتُهم (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال (٢): صلاتَكم.
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الضِّرارىُّ (٣)، قال: أخبرنا مؤمَّلٌ، قال: حدَّثنا سفيانُ، حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ فى هذه الآيةِ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ قال: صلاتَكم نحوَ بيتِ المقدسِ.
قال أبو جعفرٍ: قد دلَّلْنا فيما مضَى على أن معنَى (٢) الإيمانِ التصديقُ، وأن التصديقَ قد يكونُ بالقولِ وحدَه، وبالفعلِ وحدَه، وبهما جميعًا (٤).
فمعنى قولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ -على ما تظاهَرتْ به الرِّوايةُ من أنه الصلاةُ-: وما كان اللهُ ليُضيعَ تصديقَكم (٥) رسولَه ﵊ بصلاتِكم التى صلَّيتُموها نحوَ بيتِ المقدسِ عن أمرِه؛ لأن ذلك كان منكم تصديقًا لرسولى، واتِّباعًا لأمرِى، وطاعةً منكم لى (٦).
وإضاعتُه إياه جل ثناؤُه -لو أضاعَه- تركُ إثابةِ أصحابِه وعامليه عليه، فيذهَبُ ضياعًا، ويصيرُ باطلًا، كهيئةِ إضاعةِ الرجلِ مالَه، وذلك إهلاكُه إياه فيما لا يَعتاضُ منه عِوَضًا فى عاجلٍ ولا آجلٍ.
فأخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه لم يكنْ بالذى (٧) يُبطِلُ عمَلَ عاملٍ عمِل له عملًا وهو له طاعةٌ، فلا يُثيبُه عليه، وإن نُسِخ ذلك الفرضُ بعدَ عملِ العاملِ إياه على ما كلَّفه من عملِه.
فإن قال لنا (١) قائلٌ: وكيف قال اللهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ فأضاف الإيمانَ إلى الأحياءِ المخاطَبين، والقومُ المخاطَبون بذلك إنما كانوا أشفَقُوا على إخوانِهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلُّون نحوَ بيتِ المقدسِ، وفى ذلك من أمرِهم أُنزلت هذه الآيةُ؟
قيل: إن القومَ وإن كانوا قد (١) أشفَقوا من ذلك، فإنهم أيضًا قد كانوا مشفِقين من حُبوطِ ثوابِ صلاتِهم التى صلَّوْها إلى بيتِ المقدسِ قبلَ التحْويلِ إلى الكعبةِ، وظنُّوا أن عملَهم ذلك قد بطَل وذهَب ضياعًا، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ حينَئذٍ، فوجَّه الخطابَ بها إلى الأحياءِ ودخَل فيهم الموتَى منهم؛ لأن من شأنِ العربِ إذا اجتَمع فى الخبرِ المخاطَبُ والغائبُ، أن يُغَلِّبوا المخاطَبَ، فيُدْخلوا (٢) الغائبَ في الخطابِ، فيقولُوا لرجلٍ خاطَبوه على وجهِ الخبرِ عنه، وعن آخرَ غائبٍ غيرِ حاضرٍ: فعلْنا بكما وصنعْنا بكما.
كهيئةِ خِطابِهم لهما وهما حاضِران، ولا يَسْتجِيزون أن يقولوا: فعلْنا بهما.
وهم يُخاطِبون أحدَهما، فردُّوا (٣) المخاطَبَ إلى عدادِ الغائبِ (٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثثاؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾.
ومعنى قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أن اللهَ بجميعِ عبادِه ذُو رأفةٍ.
والرأفةُ على معانى الرحمةِ، وهى عامةٌ لجميعِ الخلقِ فى الدنيا ولبعضِهم فى الآخرةِ، وأمّا الرحيمُ، فإنه ذُو الرحمةِ للمؤمنين فى الدنيا والآخرةِ على ما قد بيَّنا فيما مضَى قبلُ (٥).
وإنما أراد جل ثناؤُه بذلك أن اللهَ أرحمُ بعبادِه من أن يُضِيعَ لهم طاعةً أطاعُوه بها فلا يُثِيبَهم عليها، وأرأفُ بهم من أن يُؤاخذَهم بتركِ ما لم يَفرِضْ عليهم، أى: فلا تأسَوْا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلُّون إلى بيتِ المقدسِ، فإنى لهم -على طاعتِهم إياىَ بصلاتِهم التى صلَّوها كذلك - مثيبٌ؛ لأنى أرحمُ بهم من أن أُضيعَ لهم عملًا عمِلوه لى، ولا تحزَنُوا عليهم، فإنى غيرُ مؤاخِذِهم بتركِهم الصلاةَ إلى الكعبةِ؛ لأنى لم أكنْ فرضْتُ ذلك عليهما، وأنا أرأفُ بخلقى من أن أعاقِبَهم على تركِهم ما لم آمرْهم بعملِه.
وفى الرءوفِ لغاتٌ: إحداها، "رَؤُفٌ" على مثالِ (فعُل)، كما قال الوليدُ بنُ عقبةَ (١): وشَرُّ الطّالبين (٢) فلا تَكُنْهُ … بقاتِلِ (٣) عَمِّه الرَّؤُفُ الرَّحيمُ وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأةِ أهلِ الكوفةِ.
والأُخْرى: رَءوفٌ على مثالِ (فَعولٍ).
وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ (٤) المدينةِ.
ورَئِفٌ، وهى لغةُ غَطَفَانَ، على مثالِ (فَعِل)، مثل "حَذِر".
ورأْفٌ، على مثالِ (فعْل) بجزمِ الهمزِ (٥)، وهى لغةٌ لبنى أسَدٍ.
والقراءةُ على أحدِ الوجْهين الأوَّلين.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: قد نرَى يا محمدُ نحن تقلُّبَ وجهِك فى السماءِ.
ويعْنى بالتقلُّبِ التحوُّلَ والتصرُّفَ.
ويعنى بقولِه: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحوَ السماءِ وقِبَلَها.
وإنما قيل ذلك له ﷺ -فيما بلغَنا- لأنه كان قبلَ تحويلِ قبلتِه من بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ يرفعُ بصرَه إلى السماءِ، تَنظُّرًا (١) من اللهِ جلَّ ثناؤُه أمْرَه بالتحولِ (٢) نحوَ الكعبةِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ قال: كان النبيُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه إلى (٣) السماءِ يحبُّ أن يَصرِفَه اللهُ إلى الكعبةِ حتى صرَفه اللهُ إليها (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فكان نبىُّ الله ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، يهوَى ويشتَهِى القبلةَ نحوَ البيتِ الحرامِ، فوجَّهه اللهُ لقبلةٍ كان يهوَاها ويشتَهِيها (٥).
حدَّثثا المثنَّى، قال: حدَّثنى إسحاقُ، قال: حدَّثنى ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولُ: نظرَك فى السماءِ.
وكان النبىُّ ﷺ يقلِّبُ وجهَه فى الصلاةِ وهو يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، وكان يهوَى قِبلةَ البيتِ الحرامِ، فولَّاه اللهُ قبلةً كان يهوَاها (١).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: كان الناسُ يصلُّون قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فلما قدِمَ النبىُّ ﷺ المدينةَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا من مُهاجَرِه، وكان إذا صلَّى رفَع رأسَه إلى السماءِ ينظُرُ ما يُؤْمَرُ، وكان يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ، فنسَخَتْها الكعبةُ.
وكان النبىُّ ﷺ يحبُّ أن يُصلِّىَ قِبلَ الكعبةِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.
ثم اختُلِف فى السببِ الذى من أجلِه كان النبىُّ ﷺ يهوَى قبلةَ الكعبةِ.
فقال بعضُهم: كرِهَ قبلةَ بيتِ المقدسِ من أجلِ أن اليهودَ قالوا: يتَّبعُ قبلتَنا ويخالِفُنا فى دينِنا!
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت اليهودُ: يخالفُنَا محمدٌ ويتَّبعُ قبلَتَنا.
فكان يدعوُ اللهَ [ويستفرِضُ القبلةَ] (٢)، فنزَلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ -وانقطَع قولُ يهودَ: يخالِفُنا ويتَّبعُ قِبلَتَنا!
- فى صلاةِ الظهرِ، فجعَل الرجالَ مكانَ النساءِ، والنساءَ مكانَ الرجالِ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمعتُه -يعنى ابنَ زيدٍ- يقولُ: قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "هؤلاء قَوْمُ يَهُودَ يَسْتَقبِلُون بَيْتًا من بُيُوتِ اللهِ -لبيتِ المقدسِ- لو أنا استقْبلْناه".
فاستقْبَله النبيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن اليهودَ تقولُ: واللهِ ما دَرَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيْناهم.
فكرِه ذلك النبىُّ ﷺ، ورفَع وجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية (٢).
وقال آخرون: بل كان يهوَى ذلك من أجلِ أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيمَ ﵇.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى (٣) المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمَرَه اللهُ أن يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ الله ﷺ بضعةَ (٤) عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ، فكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزَل اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية (١).
وأما قولُه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ فإنه يعنى: فلنَصرِفَنَّك عن بيتِ المقدسِ إلى قبلةٍ ترضاها.
[ويَعنى بقولِه: ﴿تَرْضَاهَا﴾] (٢) تهوَاها وتُحبُّها.
وأما قولُه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ فإنه (٣) يعنى به (٣): اصرِفْ وجهَك وحوِّلْه.
وقولُه: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يعنى بالشَّطرِ: النحوَ والقصدَ والتِّلقاءَ، كما قال الهُذَلىُّ (٤): إن العَسيرَ (٥) بها داءٌ مُخامِرُها (٦) … فشَطْرَها نَظَرُ العَينَينْ مَحْسُورُ (٧) يعنى بقولِه: شَطْرَها: نحوَها.
وكما قال ابنُ أحمرَ (٨): تَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ (٩) وهْى عاقِدَةٌ (١٠) … قد كارَبَ (١١) العَقْدُ من إيفادِها (١٢) الحقَبا (١٣) وبنحوِ الذى قلْنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبى، عن سفيانَ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن (١) أبى العاليةِ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال (٢): تلقاءَه (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ نحوَه (٥).
حدّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (١).
حدَّثنا الحسنُ (٢) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: نحوَ المسجدِ الحرامِ (٣).
حدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: تلقاءَه (٤).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرنى عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿شَطْرَهُ﴾ نحوَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا الحِمَّانىُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ قال: قِبَلَه (٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿شَطْرَهُ﴾ ناحيتَه، جانِبَه.
قال: وجوانبُه شُطورُه.
ثم اختلَفوا فى المكانِ الذى أمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يولِّىَ وجهَه إليه من المسجدِ الحرامِ: فقال بعضُهم: القِبلةُ التى حُوِّل إليها النبىُّ ﷺ، وعناها اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ حِيالَ مِيزابِ (٦) الكعبةِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى عبدُ الله بنُ أبى زيادٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى بنِ قمِطَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: حِيالَ ميزابِ الكعبةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن يعلَى بنِ عطاءٍ، عن يحيى -يَعنى (٢) ابنَ قمِطَّةَ- قال: رأيتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو جالسًا فى المسجدِ الحرامِ بإزاءِ الميزابِ، وتلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ قال: هذه القِبلةُ (٣)، هذه القِبلةُ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ بإسنادِه، عن عبدِ اللهِ ابنِ عمرٍو، نحوَه، إلَّا أنه قال: استقبَل الميزابَ فقال: هذه القبلةُ التى قال اللهُ لنبيِّه: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وقال آخَرون: بل ذلك البيتُ كلُّه (٥).
ذكرُ من قال ذلك [حدَّثنى عمران بنُ موسى القزّازُ، قال: حدّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وقبلةُ البيتِ البابُ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه] (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُليَّةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: البيتُ كلُّه قبلةٌ، وهذه قبلةُ البيتِ.
يعنى التى فيها البابُ.
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندى ما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالمولِّى وجهَه شطرَ المسجدِ الحرامِ (٣) هو المصيبُ القبلةَ، وإنما على من توجَّه إليه النيةُ بقلبِه أنه متوجِّهٌ إليه، كما أن على مَن ائتمَّ بإمامٍ فإنما عليه الائتمامُ به وإن لم يكنْ مُحاذيًا بدَنُه بدَنَه، وإن كان فى طرَفِ الصفِّ والإمامُ فى طرَفٍ آخرَ، عن يمينِه أو عن يسارِه، بعد أن يكونَ مَن خلفَه مؤتمًّا به مصلِّيًا إلى الوجهِ الذى يُصلِّى إليه الإمامُ.
فكذلك حكمُ القبلةِ، وإن لم يُحاذِها (٤) كلُّ مصلٍّ ومتوجِّهٍ إليها ببدَنِه، غيرَ أنه متوجِّهٌ إليها.
وإن كان عن يمينِها أو (٥) عن يسارِها مقابلَها، فهو مستقبلُها، بَعُدَ ما بينَه وبينها أو قرُب، مِن عن يمينِها أو عن يسارِها، بعد أن يكونَ غيرَ مستدبِرِها، ولا منحرفٍ عنها ببدنِه ووجهِه.
كما حدّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزبيرىُّ، قال: حدَّثنا إسرائيل، عن أبى إسحاقَ، عن عَمِيرةَ بنِ زيادٍ الكندىِّ، عن علىٍّ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قال: شطْرَه فينا قِبلَه (١).
وقبلةُ البيتِ الحرامِ (٢) بابُه.
كما حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قالا: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قال أسامةُ بنُ زيدٍ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين خرَج من البيتِ أقبلَ بوجهِه إلى البابِ، فقال: "هذه القبلةُ، هذه القبلةُ" (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ وسفيانُ، قالا: حدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: حدَّثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، قال: خرَج النبىُّ ﷺ من البيتِ، فصلَّى ركعَتَين مستقبِلًا بوجهِه الكعبةَ، فقال: "هذه القبلةُ".
مرَّتين (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه.
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُموىُّ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أسمِعتَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إنما أُمِرْتم بالطوافِ، ولم تُؤْمروا بدُخولِه؟
قال: لم يكنْ ينهَى عن دُخولِه، ولكنى سمِعتُه يقولُ: أخبرَنى أسامةُ بنُ زيدٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ لما دخَل البيتَ دعا فى نواحيه كلِّها، ولم يصلِّ حتى خرَج، فلما خرَج ركَع فى قُبُلِ القبلةِ ركعتين، وقال: "هذه القبلةُ" (١).
فأخَبر ﷺ أن البيتَ هو القبلةُ، وأن قبلةَ البيتِ بابُه.
القولُ فى تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأينما كنتم من الأرضِ أيها المؤمِنون، فحوِّلوا وجوهَكم فى صلاتِكم نحوَ المسجدِ الحرامِ وتلقاءَه.
والهاءُ التى فى: ﴿شَطْرَهُ﴾ عائدةٌ إلى المسجدِ الحرامِ.
فأوجَب جلَّ ثناؤُه بهذه الآيةِ على المؤمِنين فرضَ التوجُّهِ نحوَ المسجدِ الحرامِ فى صلاتِهم حيثما كانوا من أرضِ اللهِ، وأُدْخلت الفاءُ فى قولِه: ﴿فَوَلُّوا﴾ جوابًا للجزاءَ، وذلك أن قولَه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ جزاءٌ، ومعناه: حيثما تكونوا فولُّوا وجوهَكم شطْرَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يَعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ أحبارَ اليهودِ وعلماءَ النصارى.
وقد قيل: إنما عنَى بذلك اليهودَ خاصةً.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال (١): أُنزِل ذلك فى اليهودِ (٢).
وقولُه: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعنى به (١) هؤلاءِ الأحبارَ والعلماءَ من أهلِ الكتابِ، يعلَمون أن التوجُّهَ نحوَ المسجدِ الحرامِ (١) الحقُّ الذى فرَضه اللهُ ﷿ على إبراهيمَ وذرِّيتِه وسائرِ عبادِه بعدَه.
ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أنه الفرضُ الواجبُ على عبادِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو الحقُّ من عندِ ربِّهم، فرَضه عليهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تعْمَلُونَ (٣)﴾.
يَعنى بذلك جل ثناؤُه: وليس اللهُ بغافلٍ عما تعملون أيها المؤمِنون فى اتِّباعِكم أمرَه، وانتهائِكم إلى طاعتِه، فيما ألزَمكم من فرائضِه، وإيمانِكم به فى صلاِتكم نحوَ بيتِ المقدسِ، ثم صلاتِكم من بعدِ ذلك شطرَ المسجدِ الحرامِ، ولا هو ساهٍ عنه، ولكنه جلَّ ثناؤه مُحصِيه لكم، ومُدَّخِرُه لكم عندَه، حتى يُجازيَكم به أحسنَ جزاءٍ، ويُثيبَكم عليه أفضلَ ثوابٍ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾.
يَعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولئن جئتَ يا محمدُ اليهودَ والنصارَى بكلِّ برهانٍ وحُجةٍ، وهى الآيةُ، بأن الحقَّ هو ما جئتَهم به من فرضِ التحوُّلِ من قِبلةِ ييتِ المقدسِ فى الصلاةِ إلى قبلةِ المسجدِ الحرامِ، ما صدَّقوا به ولا تبِعوا -مع قيامِ الحُجَّةِ عليهم بذلك- قبلتَك التى حولتُك إليها، وهى التوجُّهُ شَطرَ المسجدِ الحرامِ.
وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ بالماضى من الفعلِ، وحكْمُها الجوابُ بالمستقبلِ، تشبيهًا لها بـ "لو"، فأجِيبت بما تُجابُ به "لو" لتقارُبِ معنَيَيْهما.
وقد مضَى البيانُ عن نظيرِ ذلك فيما مضَى (١).
وأُجِيبتْ ﴿وَلَئِنْ﴾ (٢) بجوابِ الأيْمانِ، ولا تفعَلُ العربُ ذلك إلا فى الجزاءِ خاصةً؛ لأن الجزاءَ مُشابهُ اليمينِ فى أن كلَّ واحدٍ منهما لا يَتِمُّ أولُه إلا بآخرِه، ولا يتمُّ وحدَه، ولا يصِحُّ إلَّا بما يؤكَّدُ به بعدَه.
فلما بدَأ باليمينِ فأُدخِلت على الجزاءِ، صارت اللامُ الأُولى بمنزلةِ يمينٍ، والثانيةُ بمنزلةِ جوابٍ لها، كما قيل: لعمرُكَ لتقُومَنَّ.
إذْ كثُرت اللامُ من "لعمرُك" حتى صارت كحرفٍ من حروفِه، فأُجِيبتْ بما تجابُ به الأيمانُ، إذْ كانت اللامُ تنوبُ فى الأيْمانِ عن الأيمانِ دونَ سائرِ الحروفِ غيرِها (٣) التى هى أجوبةُ الأيمانِ، فتدلُّ على الأيمانِ، وتعمَلُ عملَ الأجوبةِ، ولا تدُلُّ سائرُ أجوبةِ الأيمانِ (٤) على الأيمانِ، فشُبهت اللَّامُ التى [هى جوابٌ للأيمانِ] (٥) بالأيمانِ، لما وصفْنا، فأُجِيبتْ بأجوبتِها.
فكان معنى الكلامِ، إذ كان الأمرُ على ما وصفْنا: [واللهِ] (٦) لو أتيتَ الذين أُوتوا الكتابَ بكلِّ آيةٍ ما تبِعوا قبلتَك.
وأما قولُه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ يقولُ: وما لكَ من سبيلٍ يا محمدُ إلى اتِّباعِ قبلتِهم، وذلك أن اليهودَ تستقبِلُ بيتَ المقدسِ بصلاتها، وأن النصارى تستقبِلُ المشرِقَ، فأنَّى يكونُ لك السبيلُ إلى اتباعِ قبلتِهم مع اختلافِ وُجوهِها؟!
يقولُ: فالزَمْ قبلتَك التى أُمرتَ بالتوجُّهِ إليها، ودعْ عنك ما تقولُه اليهودُ والنصارى، وتدعُوك إليه مِن قِبلتِهم واستقبالِها.
وأما قولُه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فإنه يَعنى: وما اليهودُ بتابعةٍ قبلةَ النصارى، وما (١) النصارَى بتابعةٍ قبلةَ اليهودِ، فمتوجِّهةٌ نحوَها.
كما حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يقولُ: ما اليهودُ بتابِعى قبلةِ النصارَى، ولا النصارَى بتابِعى قبلةِ اليهودِ (٢).
قال: وإنما أُنزِلت هذه الآيةُ من أجلِ أن النبيَّ ﷺ لما حُوِّل إلى الكعبةِ، قالت اليهودُ: إن محمدًا اشتاق إلى بلدِ أبيه ومَولِده، ولو ثبَت على قبلتِنا لكنا نَرْجُو أن يكونَ هو صاحبَنا الذى ننتَظِرُ.
فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
وحدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ مثلَ ذلك.
وإنما قلنا (٤): يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك أن اليهودَ والنصارَى لا تجتمِعُ على قبلةٍ واحدةٍ، مع إقامةِ كلِّ حزبٍ منهم على مِلَّتِه.
فقال تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يا محمدُ لا تُشْعِرْ نفْسَك رضا هؤلاء اليهودِ والنصارَى، فإنه أمرٌ لا سبيلَ إليه؛ لأنهم مع اختلافِ مِلَلِهم لا سبيلَ لك إلى إرضاءِ كلِّ حزْبٍ منهم، من أجْلِ أنك إن اتبَعتَ قبلةَ اليهودِ أسخَطتَ النصارَى، وإن اتبَعتَ قبلةَ النصارَى أسخَطتَ اليهودَ، فدعْ ما لا سبيلَ إليه، وادْعُهم إلى ما لهم السبيلُ إليه، من الاجتماعِ على مِلَّتِك الحنيفيَّةِ المُسلِمةِ، وقبلتِك قبلةِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه والأنبياءِ من بعدِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ ولئن التمَستَ يا محمدُ رضَا هؤلاءِ اليهودِ والنصارَى الذين قالوا لك ولأصحابِك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥].
فاتبَعْتَ قبلَتَهم، يَعنى: فرجَعْتَ إلى قبلَتِهم.
ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ من بعدِ ما وصَل إليك من العلمِ، بإعلامِى إياك أنهم مقيمون على باطلٍ، على (١) عنادٍ منهم للحقِّ، ومعرفةٍ منهم بأن (٢) القبلةَ التى وجهتُك إليها هى القبلةُ التى فَرضْتُ على أبيكَ إبراهيمَ، صلواتُ اللهِ عليه وسائرِ ولدِه، [ومَن] (٣) بعدَه من الرسلِ، التوجُّهَ نحوَها.
﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ يعنى: إنك، إذا فعَلتَ ذلك، من عبادى الظلَمةِ أنْفسَهم، المخالِفين أمرى، والتارِكين طاعتى، وأحدُهم [وفى] (٤) عِدادِهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
يَعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ أحبارَ اليهودَ وعلماءَ النصارَى.
يقولُ: يعرِفُ هؤلاء الأحبارُ من اليهودِ، والعلماءُ من النصارَى، أن البيتَ الحرامَ قبلتُهم وقبلةُ إبراهيمَ وقبلةُ الأنبياءِ قبلك، كما يعرِفون أبناءَهم.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يقولُ: يعرِفون أن البيتَ الحرامَ هو (١) القبلةُ (٢).
حدَّثنى المثنّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يَعنى القبلةَ (٣).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ عرَفوا أن قبلة البيتِ الحرامِ هى قبلتُهم التى أُمِروا بها، كما عرَفوا أبناءَهم (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعنى بذلك الكعبةَ البيتَ الحرامَ (٥).
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ يعرِفون الكعبةَ [أنها هى] (١) قبلةُ الأنبياءِ، كما يعرِفون أبناءَهم (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: اليهودُ يعرِفون أنها هى القبلةُ، مكةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قال: القبلةُ والبيتُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإنَّ طائفةً من الذين أوتوا الكتابَ، وهم اليهودُ والنصارَى.
وكان مجاهدٌ يقولُ: هم أهلُ الكتابِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بذلك (٣) حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، [عن مجاهدٍ] (١) مثلَه.
﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ وذلك الحقُّ هو القبلةُ التى وَجَّه اللهُ ﷿ إليها نبيَّه محمدًا ﷺ بقولِه (٢): ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
التى كانت الأنبياءُ مِن قبلِ محمدٍ ﷺ يتوجَّهون إليها، فكَتَمتْها اليهودُ والنصارَى، فوجَّه بعضُهم شرقًا، وبعضُهم بيتَ المقدسِ، ورفَضوا ما أمَرهم اللهُ به، وكتَموا مع ذلك أمرَ محمدٍ ﷺ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ، فأطلعَ اللهُ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ وأمَّتَه على خيانَتِهم اللهَ ﵎ و (٣) عبادَه، بكتمانِهم (٤) ذلك، وأخبَر أنهم يفعَلون ما يفعَلون من ذلك على علمٍ منهم بأن الحقَّ غيرُه، وأن الواجبَ عليهم من اللهِ جلَّ ثناؤه خلافُه، فقال: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه (٥) ليس لهم كتمانُه، فيتعمَّدون معصيةَ اللهِ ﵎ (٦).
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فكتَموا محمدًا ﷺ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: يكتُمون محمدًا ﷺ، وهم يجِدونه مكتوبًا عندَهم فى التوراةِ والإنجيلِ (٧).
حدَّثنا المثنَّى قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يَعنى القبلةَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: اعلمْ يا محمدُ أنَّ الحقَّ ما أعلمَك ربُّك وأتاك من عندِه، لا ما يقولُ لك اليهودُ والنصارَى.
وهذا من اللهِ جلَّ وعزَّ خبرٌ لنبيِّه ﷺ، عن أن القبلةَ التى وجَّهه نحوَها هى القبلةُ الحقُّ التى كان عليها إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ، ومَن بعدَه مِن أنبياءِ اللهِ.
[يقولُ تعالى ذكرُه] (١) له: فاعمَلْ بالحقِّ الذى أتاك من ربِّك يا محمدُ، ولا تكونَنَّ من الممْترِين.
يَعنى بقولِه: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
أى: فلا تكونَنَّ من الشاكِّين فى أن القبلةَ التى وجَّهْتُك نحوَها قبلةُ إبراهيمَ خليلى وقبلةُ الأنبياءِ غيرِه.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يقولُ: لا تكنْ فى شكٍّ، فإنها قِبلَتُك وقبلةُ الأنبياءِ قبلَك (٢).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ قال: من الشاكِّين (٣)، لا تَشُكَّنَّ فى ذلك.
وإنما (٤) المُمْترِى مُفْتعِلٌ، من المِرْيةِ، والمِريةُ هى الشكُّ، ومنه قول الأعشَى (٥): تَدِرُّ (١) على أسْؤُقِ (٢) المُمْتَريـ … ـنَ (٣) رَكْضًا إذا ما السَّرابُ ارْجَحَنْ (٤) فإن قال قائلٌ: أوَ كان النبىُّ شاكًّا فى أن الحقَّ من ربِّه، أو (٥) فى أن القبلةَ التى وجَّهه اللهُ إليها حقٌّ من اللهِ، حتى نُهِى عن الشكِّ فى ذلك، فقيل له: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
قيل: ذلك من الكلامِ الذى تُخْرِجُه العربُ مُخرَجَ الأمْرِ و (٦) النهىِ للمخاطَبِ به، والمرادُ به غيرُه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢].
فخرَج الكلامُ مَخرَجَ الأمْرِ للنبىِّ والنَّهىِ له، والمرادُ به أصحابُه المؤمِنون به، وقد بيَّنَّا نظيرَ ذلك فيما مضَى قبلُ بما أغنَى عن إعادَتِه (٧).
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
يعنى بقولِه: [﴿وَلِكُلٍّ﴾] (٨) ولكلِّ أهلِ مِلَّةٍ.
فحذَف أهلَ مِلةٍ، واكتَفى بدَلالةِ الكلامِ عليه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ قال: لكلِّ صاحبِ مِلَّةٍ (١).
وحدَّثنا المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ فلليهودِىِّ (٢) وِجْهةٌ هو مُوَلِّيها، وللنصرانىِّ (٣) وِجهةٌ هو مُوَلِّيها، وهَداكم اللهُ أنتم أيتُها الأمةُ للقبلةِ التى هى قبلةٌ (٤).
حدَّثنى القاسمُ، قال: حدَّثنى الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قال: كلُّ (٥) أهلِ دينٍ؛ اليهودُ والنصارَى.
قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: لكلِّ صاحبِ مِلَّةٍ (٦).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ قال: لليهودِ قبلةٌ.
وللنصارَى قبلةٌ.
ولكم قبلةٌ.
يُريدُ المسلمين.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمى، قال: حدَّثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
يَعنى بذلك أهلَ الأديانِ، يقولُ: لكلٍّ قبلةٌ يَرضَوْنها، ووَجهُ اللهِ حيثُ توجَّه المؤمنون، وذلك أن اللهَ قال: ﴿فَأَيْنَمَا (١) تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢) [البقرة: ١١٥].
حدَّثنى موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
يقولُ: لكلِّ قومٍ قبلةٌ قد وُلُّوها (٣).
فتأويلُ أهلِ هذه المقالةِ فى هذه الآيةِ: ولكلِّ أهلِ ملَّةٍ قبلةٌ هو مستقبِلُها ومُوَلٍّ وجهَه إليها.
وقال آخرون بما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
قال: هى صلاتُهم إلى بيتِ المقدسِ، وصلاتُهم إلى الكعبةِ (٤).
وتأويلُ قائلى (٥) هذه المقالةِ: ولكلِّ ناحيةٍ وجَّهكَ إليها ربُّك يا محمدُ قِبلةٌ، اللهُ مُولِّيها عبادَه.
وأمّا الوِجهةُ، فإنها مصدرٌ مثلُ القِعدةِ والمِشيةِ، من التوَجُّهِ.
وتأويلُها: مُتَوَجَّهٌ يَتوجَّهُ إليه (٦) بوَجْهِه (٧) فى صلاتِه.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
قبلةٌ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾.
قال: وجهٌ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وِجْهَةٌ﴾.
قبلةٌ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، قال: قلتُ لمنصورٍ: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
قال: نحن نقرؤها: (ولكلٍّ جعَلْنا قبلةً يَرْضَونها) (٢).
وأَمَّا قولُه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
فإنَّه يَعنى: هو مولٍّ وجهَه إليها، [ومستقبِلُها] (٣).
كما حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾.
قال: هو مستقبلُها (١).
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ومعنى التوْليةِ ههنا: الإقبالُ، كما يقولُ القائلُ لغيرِه: انصرِفْ إلىَّ.
بمعنى: أقْبِلْ إلىَّ.
والانصِرافُ المستعمَلُ إنما هو الانصِرافُ عن الشئِ، ثم يقالُ: انصَرفَ إلى الشئِ.
بمعنى: أقبَلَ إليه مُنصرِفًا عن غيرِه.
وكذلك يقالُ: ولَّيْتُ عنه.
إذا أدْبَرْتَ عنه.
ثم يقالُ: ولَّيتُ إليه.
بمعنى: أقبلْتُ إليه مُوَلِّيًا عن غيرِه (١).
والفعلُ - أَعني التوليةَ - في قولِه: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ لـ"لكُلٍّ" و (٢) ﴿هُوَ﴾ التي مع ﴿مُوَلِّيهَا﴾ هي (٣) الكلُّ، وُحِّدت للفظِ الكلِّ.
فمعنى الكلامِ إذًا: ولكلِّ أهلِ ملةٍ وِجهةٌ، الكلُّ (٤) منهم مولُّوها وُجُوهَهم.
وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ وغيرِه أنهم قرَءوها: (هو مُوَلَّاها) (٥).
بمعنى أنه مُوجَّهٌ نحوَها.
ويكونُ الكلُّ (٦) حينَئذٍ غيرَ مسمًّى فاعلُه، ولو سُمِّى فاعلُه لكان الكلامُ: ولكلِّ ذِي مِلَّةٍ وِجْهةٌ، اللهُ مولِّيه إياها.
بمعنى: مُوجِّهُه إليها.
وقد ذُكِر عن بعضِهم أنه قرَأ ذلك: (ولكُلِّ وِجْهةٍ هو موليها) بتَرْكِ التنوينِ والإضافةِ (٧).
وذلك لحنٌ لا (٨) تجوزُ القراءةُ به؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك، كان الخبرُ غيرَ تامٍّ، وكان كلامًا لا معنَى له، وذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ من اللهِ تعالى ذكرُه (٩).
والصوابُ عندنا من القراءةِ في ذلك: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ بمعنى (١): ولكلٍّ وِجهةٌ وقِبلةٌ، ذلك الكلُّ مُوَلٍّ وَجْهَه نحوَها؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من القرَأةِ على قراءةِ ذلك كذلك، وتصويبِها إياها، وشُذوذِ مَن خالَف ذلك إلى غيرِه، وما جاء به النقلُ مستفِيضًا فحُجَّةٌ، وما انفرَد به مَن كان جائزًا عليه السهوُ والغَلطُ (٢)، فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على الحُجَّةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾: فبادِرُوا وسارِعُوا، من الاستِباقِ، وهو المبادرَةُ والإسراعُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾.
يقولُ (٣): فسارِعوا في الخيرات (٤).
وإنما يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: قد بيَّنتُ لكم أيها المؤمنون الحقَّ، وهدَيتُكم للقبلةِ التي ضلَّت عنها اليهودُ والنصارَى، وسائرُ أهلِ المللِ غيرِكم، فبادِرُوا بالأعمالِ الصالحةِ، شكرًا لربِّكم، وتزوَّدُوا في دنْياكم لآخرتِكم، فإنيِّ قد بيَّنتُ لكم سبيلَ النجاةِ، فلا عُذرَ لكم في التفْريطِ، وحافِظوا على قبلتِكم، فلا تُضيِّعوها كما ضيَّعَتْها الأمَمُ قبلَكم، فتضِلُّوا كما ضلَّتْ.
كالذي حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ يقولُ: لا تُغلَبُنَّ على قبلتِكم (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ قال: الأعمالُ الصالحةُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)﴾.
ومعنى قولِه: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ في أيِّ مكانٍ وبقعةٍ تهلِكونَ فيه، يأتِ بكم اللهُ جميعًا يومَ القيامةِ: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
كما حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾ يقولُ: أينما تكونوا يأتِ بكم اللهُ جميعًا يومَ القيامةِ (٣).
حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا﴾.
يعني يومَ القيامةِ (٤).
وإنما حَضَّ اللهُ المؤمِنين بهذه الآيةِ على طاعتِه، والتزوُّدِ في الدنيا للآخرةِ، فقال جلَّ ثناؤه لهم: فاستبِقُوا أيها المؤمنون إلى العملِ بطاعةِ ربِّكم، ولُزومِ ما هَداكم له من قبلةِ إبراهيمَ خليلِه، وشرائِعِ دينِه، فإن اللهَ يأتي بكم وبمن خالفَ قبلَتَكم (٥) ودينَكم وشريعتَكم جميعًا يومَ االقيامةِ، من حيثُ كنتم من بقاعِ الأرضِ، حتى يوفِّيَ (١) المحسنَ منكم جزاءَه بإحسانِه، والمسيءَ عقابَه بإساءتِه، أو يتفضّلَ فيصفَحَ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فإنه تعالى ذكرُه يعني: إن اللهَ على جمعِكم - بعد مماتِكم - من قبورِكم إليه (٢)، من حيثُ كنتم [وكانت قُبورُكم] (٣)، وعلى غيرِ ذلك مما يشاءُ قادرٌ (٤)، فبادِرُوا خُروجَ أنفسِكم بالصالحاتِ من الأعمالِ قبلَ مماتِكم، ليومِ بعثِكم وحشْرِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٥) (١٤٩)﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ ومن أيِّ موضعٍ خرَجْتَ إلى أَيِّ موضعٍ وجَّهْتَ، فولِّ يا محمدُ وجهَك.
يقولُ: حوِّلْ وجْهَك.
وقد دلَّلْنا على أن التَّوليةَ في هذا الموضعِ شطرَ المسجدِ الحرامِ، إنما هي الإقبالُ بالوجهِ نحوَه، وقد بينَّا مَعنى الشطرِ فيما مضَى (٦).
وأما قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فإنه يعني به جلَّ ثناؤه: وإن التوجُّهَ شطرَه لَلحقُّ الذي لا شكَّ فيه من عندِ ربِّك، فحافِظوا عليه، وأطِيعوا اللهَ بتوجُّهِكمِ (٧) قِبَلَه.
وأما قولُه: ﴿وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩)﴾ فإنه يقولُ: فإن اللهَ ليس بساهٍ عن أعمالِكم، ولا بغافلٍ عنها، ولكنه مُحصِيها لكم حتى يُجازيَكم بها يومَ القيامةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
يَعني بقولِه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ومن أيِّ مكانٍ وبقعةٍ شَخَصْتَ فخرَجتَ يا محمدُ، فحوِّلْ (١) وجهَك تلقاءَ المسجدِ الحرامِ، وهو شطرُه.
ويَعني بقولِه: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرضِ اللهِ، فولُّوا وُجوهَكم في صَلواتِكم تُجاهَه وقِبَلَهُ وقَصْدَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾.
فقال جماعةٌ من أهلِ االتأويلِ: عَنى اللهُ بالناسِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أهلَ الكتابِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالُوا حين صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بذلك أهلَ الكتابِ، قالوا حينَ صُرِف نبيُّ اللهِ إلى الكعبةِ: اشتاقَ الرجلُ إلى بيتِ أبيه ودينِ قومِه (١).
فإن قال قائلٌ: فأيَّةُ حُجَّةٍ كانت لأهلِ الكتابِ بصلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؟
قيل: قد ذكَرْنا فيما مضَى ما رُوِي في ذلك، قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هدَيناهم نحن!
وقولَهم: يخالِفُنا محمدٌ في دينِنا ويتَّبعُ قبلَتَنا (٢)!
فهي الحُجَّةُ التي كانوا يحتَجُّون بها على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، على وجهِ الخُصومةِ منهم لهم، والتَّمويهِ منهم بها على الجُهّالِ وأهلِ الغَباءِ (٣) من المشرِكين.
وقد بينَّا فيما مضَى أن معنى حِجاجِ القومِ إيّاه الذي ذَكَره اللهُ في كتابِه إنما هو (٤) الخُصوماتُ والجدالُ، فقطَع اللهُ ذلك من حُجَّتِهم وحسَمه، بتحويلِ قِبلةِ نبيِّه ﷺ والمؤمِنين به، من قِبلةِ اليهودِ إلى قِبلةِ خليلِه إبراهيمَ ﵇.
فذلك هو معنى قولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يَعني بـ"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصَفْتُ، وأما قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ فإنهم مشرِكو العربِ من قريشٍ، فيما تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: قومُ محمدٍ ﷺ.
حدَّثني موسى قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: هم المشركون من أهلِ مكةَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: يعني مشرِكي قريشٍ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: هم مشركو العربِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾: والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: هم مشرِكو قريشٍ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ (٣).
فإن قال قائلٌ: فأيّةُ حُجةٍ كانت لمشرِكي قريشٍ على رسولِ اللهِ وأصحابِه في توجُّهِهم في صلاتِهم إلى الكعبةِ؟
وهل يجوزُ أن يكونَ للمشرِكين على المؤمنين - فيما أمَرهم اللهُ به أو نَهاهم عنه - حُجةٌ؟
قيل: إن معنَى ذلك بخلافِ ما توهّمتَ وذهَبْتَ إليه، وإنما الحُجةُ في هذا الموضعِ الخصومةُ والجدلُ ومعنى الكلامِ: لئلَّا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم خُصومةٌ ودعوَى باطلٍ (١)، غيرَ مشرِكي قريشٍ، فإن لهم عليكم دعوَى باطلٍ (١) وخصومةً بغيرِ حقٍّ، بقيلِهم لكم: رجَع محمدٌ إلى قبلَتِنا، وسيرجِعُ إلى دينِنا.
فذلك من قولِهم وأمانيِّهم الباطِلةِ، هي الحجةُ التي كانت لقريشٍ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه، ومن أجلِ ذلك استَثْنى اللهُ تعالى الذين ظلَموا من قريشٍ من سائرِ الناسِ غيرِهم، إذْ نفَى أن يكونَ لأحدٍ منهم في قبلتِهم التي وجَّههم إليها حُجَّةٌ.
وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك منهم حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قومُ محمدٍ ﷺ.
قال مجاهدٌ: يقولُ: حُجَّتُهم قولُهم: قد راجعْتَ (٢) قبلَتَنا (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلّا أنه قال: قولُهم: قد رجعْتَ إلى قِبلَتِنا؟.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قالا: هم مشرِكو العربِ، قالوا حينَ صُرِفتْ القبلةُ إلى الكعبةِ: قد رجَع إلى قبلتِكم، فيوشِكُ أن يرجِعَ إلى دينِكم.
قال اللهُ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي (١)﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ قال: حدَّثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ والذين ظلَموا مشرِكو قريشٍ.
يقولُ: إنهم سيحْتجُّون عليكم بذلك.
فكانت حُجَّتُهم على نبيِّ اللهِ بانصرافِه (٢) إلى البيتِ الحرامِ أنهم قالوا: سيرجِعُ إلى دينِنا كما رجَع إلى قِبلتِنا.
فأنزَل اللهُ في ذلك كلِّه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٤).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ فيما يَذكُرُ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ من أصحابِ النبيِّ قالوا (١): لما صُرِف نبيُّ اللهِ نحوَ الكعبةِ بعدَ صلاتِه إلى بيتِ المقدسِ، قال المشركون من أهلِ مكةَ: تَحيّر على محمدٍ دينُه، فتوجَّهَ بقبلتِه إليكم، وعلِم أنكم كنتم أهدَى منه سبيلًا، ويوشِكُ أن يدخُلَ في دينِكم.
فأنزَلَ اللهُ فيهم: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال: قالت قريشٌ لمّا رجَع إلى الكعبةِ وأُمر بها: ما كان يستغْنى عنَّا، قد استقْبلَ قبلَتَنا.
فهي حُجَّتُهم، وهمِ الذين ظلَموا.
قال ابنُ جريجٍ: وأخبَرني عبدُ اللهِ بنُ (٣) كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ مثلَ قولِ عطاءٍ، فقال مجاهدٌ: حُجّتُهم: قولُهم: رجَعتَ إلى قِبلَتِنا (٤).
فقد أبان تأْويلُ من ذكَرنا تأْويلَه - من أهلِ التأويلِ - قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ عن صحةِ ما قلنا في تأويلِه، وأنه استِثناءٌ على [صحةٍ، بمعنى] (٥) الاستِثناءِ المعروفِ، الذي يَثْبُتُ فيه لما بعدَ حرفِ الاستثناءِ ما كان منفيًّا عما قبلَه، كما (٦) قولُ القائلِ: ما سار من الناسِ أحدٌ إلّا أخوك.
إثباتٌ للأخِ من السَّيرِ ما هو مَنفيٌّ عن كلِّ أحدٍ من الناسِ.
فكذلك قولُه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ نَفْيٌ عن أن يكون لأحدٍ خُصومةٌ وجَدَلٌ قِبلَ رسولِ اللهِ ﷺ، ودعوَى باطلٍ (١) عليه وعلى أصحابِه، بسببِ تَوجُّهِهم في صلاتِهم قِبلَ الكعبةِ، إلَّا الذين ظلَموا أنفسَهم من قريشٍ، فإن لهم قِبلَهُم خصومةً ودعوَى باطلٍ (١)، بأن يقولوا: إنما توجّهتُمْ إلينا وإلى قبلتِنا لأنا كنا منكم أهدَى سبيلًا، وأنكم كنتم بتوجُّهِكم نحوَ بيتِ المقدسِ على ضلالٍ وباطلٍ.
وإذْ كان ذلك معنَى الآيةِ بإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ، فبَيِّنٌ (٢) خطأُ قولِ من زعَم أن معنَى قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ ولا الذين ظلَموا منهم (٣).
وأن معنى (٤) ﴿إِلَّا﴾ بمعنَى الواوِ؛ لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفْيُ الأولُ عن جميعِ الناسِ - أن يكونَ لهم حُجةٌ على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه في تحوُّلِهم نحوَ الكعبةِ بوُجوهِهم - مُبَيِّنًا عن المعنَى المرادِ، ولم يكنْ في ذكرِ قولِه بعدَ ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلا التلْبيسُ الذي يتعالَى عن أن يُضافَ إليه أو يُوصفَ به.
هذا مع خروجِ معنَى الكلامِ إذا وُجِّهَت (٥) ﴿إِلَّا﴾ إلى معنَى الواوِ وبمعنَى (٦) العطفِ، من كلامِ العربِ.
وذلك أنه غيرُ موجودةٍ "إلا" في شيْءٍ من كلامِها بمعنى الواوِ، إلَّا مع استثناءٍ سابقٍ قد تقدّمَها، كقولِ القائلِ: سارَ القومُ إلَّا عَمرًا إلَّا أخاك.
بمعنى: إلّا عَمرًا وأخاك.
فتكون "إلّا" حينئذٍ مؤدِّيةً عما تؤدِّي عنه الواوُ لتعلُّقِ "إلا" الثانيةِ [بـ"إلّا"] (١) الأُولى.
ويُجمعُ أيضًا فيها بينَ "إلّا" والواوِ، فيقالُ: سار القومُ إلّا عَمرًا، وإلّا أخاك.
فتُحذفُ إحداهما فتنوبُ الأخرَى عنها، فيقالُ: سارَ القومُ إلّا عَمرًا وأخاك.
أو: إلّا عَمرًا إلّا أخاك.
لما وصَفْنا قبلُ.
فإذْ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لمدَّعٍ (٢) من الناسِ أن يدّعِيَ أن ﴿إِلَّا﴾ في هذا الموضعِ بمعنى الواوِ التي تأتي بمعنَى العطفِ.
وواضحٌ فسادُ قولِ من زعَم أن معنى ذلك (٣): إلّا الذين ظلَموا منهم، فإنهم لا حُجّةَ لهم، فلا تَخشَوْهم، كقولِ القائلِ في الكلامِ (٤): الناسُ كلُّهم لك حامدون، إلّا الظالمَ (٥) المعتدِيَ عليك، فإن ذلك لا يُعتدُّ بعُدْوانِه (٦)، ولا بترْكِه الحمدَ لموضِعِ العداوةِ.
وكذلك الظالمُ لا حُجةَ له، وقد سُمِّى ظالمًا - لإجماعِ جميعِ أهلِ التأويلِ على تخْطِئةِ ما ادَّعى من التأويلِ في ذلك.
وكفَى شاهدًا على خطأِ مقالةٍ (٧) إجماعُهم على تخطِئَتِها.
وظاهرٌ بطولُ قولِ من زعَم أن الذين ظلَموا عهنا ناسٌ من العربِ كانوا يهودًا أو (٨) نصارَى، فكانوا يحتَجُّون على النبيِّ، فأما سائرُ العربِ، فلم تكنْ لهم حُجّةٌ، وكانت حُجّةُ من يحتَجُّ مُنكسِرةً؛ لأنك تقولُ لمن تُريدُ أن تكَسِرَ عليه حُجَّتَه: إن لك عليَّ حُجّةً، ولكنها مُنكسِرَةٌ، إنَّك لتحتجُّ بلا حُجَّةٍ، وحُجّتُك ضعيفةٌ.
ووَجَّه (١) معنى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ إلى معنَى: إلّا الذين ظلموا منهم من أهلِ الكتابِ، فإن لهم عليكم حُجةً واهيةً، أو حُجةً ضعيفةً.
ووَهَاءُ (٢) قولِ من قال: "إلّا" في هذا الموضعِ بمعنى "لكن".
وضَعْفُ قولِ من زعَم أنه ابتداءٌ بمعنَى: إلّا الذين ظلَموا منهم فلا تخشوهم؛ لأن تأويلَ أهلِ التأويلِ جاءَ في ذلك بأن ذلك من اللهِ خبرٌ عن الذين ظلَموا منهم أنهم يحتَجُّون على النبيِّ وأصحابِه بما قد ذكرْنا، ولم يقصِدْ في ذلك إلى الخبرِ عن صفةِ حُجّتِهم بالضعفِ ولا بالقوَّةِ - وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلةٌ - وإنما قصَد فيه الإثباتَ للذين ظلَموا ما قد نَفَى عن الذين قبلَ حرفِ الاستثناءِ من الصفةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: إن يهوديًّا خاصمَ أبا العاليةِ فقال: إن موسى كان يُصلِّي إلى صخرةِ بيتِ المقدسِ.
فقال أبو العاليةِ: كان يُصلِّي عند الصخرةِ إلى البيتِ الحرامِ.
قال: قال فبيني وبينَك مسجدُ صالحٍ، فإنه نحَته من الجبلِ.
قال أبو العاليةِ: قد صلّيتُ فيه وقبلتُه إلى البيتِ الحرامِ.
قال الربيعُ: وأخبرَني أبو العاليةِ أنه مرَّ على مسجدِ ذِي القرنين وقِبلتُه إلى الكعبةِ.
وأما قولُه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ يعني: فلا تخشَوْا هؤلاء الذين وصَفْتُ لكم أمرَهم من الظلَمةِ (٣)، في حُجّتِهم وجدالِهم وقولِهم ما يقولُون من (٤) أن محمدًا قد رجَع إلى قبلتِنا، وسيَرْجِعُ إلى دينِنا، أو أن يقدِرُوا لكم على ضُرٍّ في دينِكم، أو صَدِّكم عما هَداكم اللهُ له من الحقِّ، ولكن اخشوْني، فخافوا عقابي في خلافِكم أمرِي إن خالَفتُموه.
وذلك من اللهِ تقدُّمٌ إلى عبادِه المؤمنين، بالحضِّ على لزومِ قبلتِهم والصلاةِ إليها، وبالنَّهي عن التوجُّهِ إلى غيرِها.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: واخشَوْني أيها المؤمنون، في ترْكِ طاعتي فيما أمَرتُكم به من الصلاةِ شطرَ المسجدِ الحرامِ.
وقد حُكِي عن السُّدِّيِّ في ذلك ما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ يقولُ: لا تخشَوْا أن أردَّكم في دينِهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.
يَعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ ومن حيث خرَجتَ من البلادِ والأرضِ إلى أيِّ بقعةٍ شَخَصْتَ، فولِّ وجْهَك شَطرَ المسجدِ الحرامِ، وحيثُ كنتَ أنت يا محمدُ والمؤمنون، فولُّوا وُجوهَكم في صلاتِكم شطْرَه، واتّخِذوه قِبلةً لكم، كيلا يكونَ لأحدٍ من الناسِ عليكم (٢) سِوَى مشركِي قريشٍ حُجةٌ، وكي أُتِمَّ بذلك - من هِدايتي لكم إلى قبلةِ خليلِي إبراهيمَ، الذي جعَلْتُه إمامًا للناسِ - نعْمتي، فأُكمِلَ لكم به فضلي عليكم، وأتمِّمَ به شرائعَ ملَّتِكم الحنِيفيّةِ المسلمةِ التي وصَّيتُ بها نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى وسائرَ الأنبياءِ غيرَهم.
وذلك هو نِعْمتُه التي أخبَرَ جلَّ ثناؤُه أنه مُتِمُّها على رسولِه والمؤمنين به من أصحابِه.
وقولُه: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يعني: وكي [تَهْتَدوا فتَرْشُدوا] (١) للصوابِ من القِبَلِ (٢).
و ﴿وَلَعَلَّكُمْ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾، [وقولُه] (٣) ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطفٌ على قولِه: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١)﴾.
يَعني بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾.
ولأُتِمَّ نعمَتِي عليكم ببيانِ شرائِع ملّتِكم الحنيفيّةِ وأهديَكم لدينِ خليلِي إبراهيمَ، فأجعَلَ لكم دَعوتَه التي دعاني بها ومسألتَه التي سألَنِيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨] كما جعَلتُ لكم دَعوَتَه التي دعانِي بها، ومسألَته التي سألَنيها فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٩] فابتعثْتُ منكم رسولِي الذي سألَني خليلي إبراهيمُ وابنُه إسماعيلُ أن أبعَثَه من ذُرِّيتِهما.
فـ ﴿كَمَا﴾ إذن - إذ كان ذلك معنى الكلامِ - صلةٌ لقولِ اللهِ: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ [وتأويلُه: ولأُتمَّ نعْمتي عليكم كما أرسلْنَا فيكم رسولًا منكم] (٤).
وقد قال قومٌ (١): إن مَعنى ذلك: فاذْكُروني كما أرسَلْنا فيكم رسولًا منكم أذكُرْكم.
وزعَموا أن ذلك من المقدَّمِ الذي مَعناه التأْخيرُ، فأغرَقوا النَّزْعَ (٢)، وبعُدوا من الإصابةِ، وحمَلوا الكلامَ على غيرِ معناه المعروفِ، وسِوَى وجهِه المفهومِ.
وذلك أن الجاريَ من الكلامِ على ألسُنِ العربِ، المفهومَ في خطابِهم بينَهم، إذا قال بعضُهم لبعضٍ: كما أحسَنتُ إليك يا فلانُ فأحسِنْ.
أن لا يشترطوا: لأُحسن (٣).
لأن الكافَ في "كما" شرطٌ، معناه: افعَلْ كما فعَلتُ.
ففي مجئ جوابِ: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
بعدَه، وهو قولُه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا﴾ من صلةِ الفعلِ الذي قبلَه، وأن قولَه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ خبرٌ مبتدأٌ منقطِعٌ عن الأَولِ، وأنه من سببِ قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ بمعزِلٍ.
وقد زعَم بعضُ النحْويين (٤) أن قولَه: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ إذا جُعِل قولُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ جوابًا له جمع قولِه: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ نظيرُ الجزاءِ الذي يُجابُ بجوابين، كقولِ القائلِ: إذا أتاك فلانٌ فائْتِه تُرْضِه.
فيصيرُ قولُه: فائْته (٥) تُرْضِه جَوابين لقولِه: إذا أتاك.
وكقولِه: إن تأتني أُحسِنْ إليكَ أُكْرِمْك.
وهذا القولُ وإن كان مذهبًا من المذاهبِ، فليس بالأشهرِ (٦) الأفصحِ في كلامِ العربِ، والذي هو أوْلَى بكتابِ اللهِ أن يوجَّهَ إليه من اللغاتِ الأفصحُ الأعرفُ من كلامِ العربِ، دونَ الأنْكَرِ الأجهلِ من منطقِها.
هذا، مع بُعد وَجْهِه من المفهومِ في التأويلِ.
ذكرُ من قال: إن قولَه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ﴾ جوابٌ لقولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، قال: سمِعتُ ابنَ أبي نَجيحٍ يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾: كما فعَلتُ فاذْكرونِي.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال.
حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
[وأمّا] (٢) قولُه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ فإنه يَعني بذلك العربَ، قال لهم: الزَموا أيها العربُ طاعتي، وتوجَّهوا إلى القِبلةِ التي أمَرْتكم بالتوجُّهِ إليها، لتنقطِعَ حُجَّةُ اليهودِ عنكم، فلا تكونُ لهم عليكم حُجّةٌ، ولأُتمَّ نعمتي عليكم وتهْتدوا، كما ابتدَأْتكم بنعمَتي، فأرسَلْتُ فيكم رسولًا إليكم منكم.
وذلك الرسولُ الذي أرسَلَه إليهم منهم محمدٌ ﷺ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ (٣).
وأما قولُه: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ فإنه يعني آياتِ القرآنِ.
وبقولِه: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ ويطهِّرُكم من دَنسِ الذنوبِ: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ وهو القرآنُ (١)، يعني أنه يعلِّمُهم أحكامَه.
ويعني بالحكمةِ السُّننَ والفقهَ في الدينِ، وقد بيَّنا جميعَ ذلك فيما مضَى قبلُ بشواهِدِه (٢).
وأما قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يَعني: ويعلِّمُكم من أخبارِ الأنبياءِ، وقَصصِ الأممِ الخاليةِ، والخبرِ عما هو حادثٌ وكائنٌ من الأمورِ التي لم تكنِ العربُ تعلَمُها.
فعلَّمهموها (٣) رسولُ اللهِ ﷺ.
فأخبَرهم اللهُ أن ذلك كلَّه إنما يُدْرِكونه برسولِ الله ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
يَعني بذلك: فاذْكُروني أيها المؤمنون بطاعتِكم إيّايَ فيما آمُرُكم به وفيما أنْهاكم عنه، أذكُرْكم برحْمتي إيَّاكم ومغْفِرتي لكم.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ لَهيعَةَ، عن عطاءِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: اذْكُروني بطاعتي، أذكُرْكم بمغفرتي (٤).
وقد كان بعضُهم يتأوَّلُ ذلك أنه من الذِّكرِ بالثناءِ والمدحِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ إن اللهَ ذاكرٌ من ذكَره، وزائدٌ من شكَره، ومعذِّبٌ من كفَره (١).
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ قال: ليس مِن عبدٍ يذكُرُ اللهَ إلا ذكَره اللهُ، لا يذكُرُه مؤمنٌ إلا ذكَره برحمةٍ، ولا يذكُرُه كافرٌ إلا ذكَره بعذابٍ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ يَعني: اشكُروا لي أيُّها المؤمنون فيما أنعَمتُ عليكم به من الإسلامِ، والهدايةِ للدينِ الذي شرَعتُه لأنبيائي وأصْفيائي، ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
يقولُ: ولا تجْحَدوا إحساني إليكم، فأسْلُبَكم نعمَتي التي أنعمْتُ عليكم، ولكنِ اشكُروا لي عليها، فأزيدَكم، وأُتَمِّمَ نعمَتي عليكم، وأهديَكم لما هَدَيتُ له من رَضِيتُ عنه من عبادي، فإني وَعَدتُ خلقي أن من شكَر لي زدْتُه، ومن كفَرني حرَمتُه وسلَبتُه ما أعطَيتُه.
والعربُ تقولُ: [شكَرْتُ لك صَنيعتَك.
ولا تكادُ تقولُ: شكَرْتُك.
وكذلك تقولُ.
نصَحتُ لك] (٣).
ولا تكادُ تقولُ: نصَحتُك.
وربما قالتْ: شكَرتُك ونصَحتُك.
من ذلك قولُ الشاعرِ (٤): همُ جمَعوا بُؤسَي ونُعْمَي عليكُمُ … فهلَّا شَكَرْتَ القَوْمَ إذ (٥) لم تُقاتِلِ وقال النابغةُ في: نصَحْتُك (١): نَصَحْتُ بني عَوْفٍ فلم يَتَقبَّلوا … رسولي (٢) ولم تَنْجَحْ لَدَيْهِمْ وَسائِلي وقد دلَّلْنا على أن معنى الشكرِ الثناءُ على الرجلِ بأفعالِه المحمودَةِ، وأن معنى الكفرِ تغطيةُ الشيْءِ، فيما مضَى قبلُ، فأغنَى ذلك عن إعادتِه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾.
وهذه الآيةُ حَضٌّ من اللهِ على طاعتِه، واحتمالِ مَكْروهِها على الأبدانِ والأموالِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا﴾ على القيامِ بطاعتي، وأداءِ فرائضِي في ناسخِ أحكامِي، والانصرافِ عما أنْسَخُه منها إلى الذي أُحْدِثُه لكم مِن فرائضِي، وأنقُلُكم (٤) إليه مِن أحْكَامِي، والتسليمِ لأمرِي فيما آمرُكم به في حينِ إلزامِكم حُكْمَه، والتحوُّلِ عنه بعدَ تحويلي إيَّاكم عنه - وإنْ لحِقَكُم في ذلك مَكْروهٌ مِن مقالةِ أعدائِكم مِن الكفارِ [تَحَدُّلٌ منهم لكم بالباطلِ] (٥)، أو مَشَقَّةٌ على أبدانِكم في قيامِكم به، أو نَقْصٌ في أموالِكم - وعلى جهادِ أعدائِكم وحربِهم في سبيلي، بالصبرِ مِنكم لي على مكروهِ ذلك، ومشقتِه عليكم، واحتمالِ عِبْئِه (٦) وثِقَلِه، [وبالعزاءِ منكم عمَّن قُتِل في سبيلي] (١)، ثم بالفَزعِ منكم فيما ينوبُكم مِن مُفظِعاتِ الأمورِ إلى الصلاةِ لي، فإنَّكم بالصبرِ على المَكارِه تُدْرِكون مرضاتي، وبالصلاةِ لي تَسْتَنْجِحون طَلِباتِكم قِبَلي، وتُدْرِكون حاجاتِكم عندي، فإني مع الصابرين على القيامِ بأداءِ فرائضِي وتركِ معاصِيَّ، أنصُرُهم وأرعاهُم وأكلؤُهم حتى يظفَرُوا بما طلَبوا وأمَّلوا مِن قِبَلي، وقد بَيَّنْتُ معنى الصبرِ والصلاةِ فيما مضَى قبلُ فكرِهْنا إعادَتَه (٢).
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ يقولُ: استعينوا بالصبرِ والصلاةِ على مرضاةِ اللهِ، واعلَموا أنَّهما مِن طاعةِ اللهِ (٣).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ اعْلَموا أنهما عَوْنٌ على طاعةِ اللهِ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن تأويلَه أن اللهَ ناصِرُه وظَهِيرُه، وراضٍ بفعلِه، كقولِ القائلِ لآخرَ: "افعلْ يا فلانُ كذا وأنا معكَ".
يعني: إني ناصرُك على فعلِك ذلك ومعينُك عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾.
يعني بذلك: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبرِ على طاعتي في جهادِ عدوِّكم، وتركِ معاصيَّ، وأداءِ سائرِ فرائضِي عليكم، ولا تقولوا لمَن يُقتلُ مِنكم في سبيلي: هو ميِّتٌ.
فإن اميتَ مِن خلْقِي هو مَن سلَبتُه حياتَه وأعدمْتُه حوَاسَّه، فلا يَلْتَذُّ لذَّةً ولا يُدركُ نعيمًا، وإنَّ مَن قُتِلَ مِنكم ومِن سائرِ خَلقِي في سبيلِي أحياءٌ عندِي في حَبْرةٍ (١) و: نعيمٍ، وعيشٍ هنيٍّ، ورِزْقٍ سَنيٍّ، فَرِحين بما آتيْتُهم مِن فضلِي وحَبَوْتُهمْ به مِن كرامتي.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
[قال: يُرزَقون] (٢) من ثمرِ الجَنَّةِ، ويجدون ريحَهَا وليسُوا فيها (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قولَه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، [كنا نُحدَّثُ] (٤) أنّ أرواحَ الشهداءِ تَعارفُ في طيرٍ بِيضٍ (٥) يأْكُلْنَ من ثمارِ الجَنَّةِ، وأن مساكنَهم السِّدرةُ (٦)، وأن للمجاهدِ في سبيلِ اللهِ ثلاثَ خَصَلاتٍ (٧): مَن قُتِلَ في سبيلِ اللهِ منهم صارَ حيًّا مَرْزوقًا، ومَن غلَب آتاه الله أجرًا عظيمًا، ومَن ماتَ رزَقَه اللهُ رِزقًا حَسنًا (١).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.
قال: أرواحُ الشهداءِ في صُوَرِ (٢) طيرٍ بيضٍ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.
[قال: أحياءٌ] (٤) في صورِ طيرٍ خضرٍ يطيرون في الجَنَّةِ حيث شاءُوا منها، يأكلون مِن حيثُ شاءو (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ] (٦)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ غِياثٍ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقول في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
قال: أرواحُ الشهداءِ في طيرٍ بِيضٍ (٧) في الجَنَّةِ (٨).
فإن قال لنا قائلٌ: وما في قولِه ﷿: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ مِن خصوصيةِ الخبرِ عن المقتولِ في سبيلِ اللهِ الذي لم يُعمَّ به غيرُه، وقد عَلِمتَ تَظاهرَ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه وصَف حالَ المؤمنينَ والكافرينَ بعدَ وفاتِهم، فأخبرَ عن المؤمنينَ أنهم تُفتحُ لهم مِن قبورِهم أبوابٌ إلى الجَنَّةِ يتَنَسَّمُون (١) منها رَوْحَها، ويَسْتَعْجِلونَ اللهَ قيامَ الساعةِ؛ ليَصيروا إلى مساكنِهم منها، ويُجْمَعَ بينَهم وبينَ أهالِيهم وأولادِهم فيها، وعن الكافرين أنه (٢) تُفْتَحُ لهم من قبورِهم أبوابٌ إلى النارِ يَنظُرونَ إليها ويُصيبُهم مِن نَتْنِها ومَكْروهِها، ويُسلَّطُ عليهم فيها إلى قيامِ الساعةِ مَن يَقمَعُهم فيها، ويسألون اللهَ فيها تأخيرَ قيامِ الساعةِ؛ حَذارًا مِن المصيرِ إلى ما أُعِدَّ لهم فيها، من (٣) أشباهِ ذلك من الأخبارِ (٤).
فإذا كانت الأخبارُ بذلك مُتَظَاهرةً عن رسولِ الله ﷺ، فما الذي خُصَّ به القتيلُ في سبيلِ اللهِ مما لمْ يُعمَّ به سائرُ البشرِ غيرُه من الحياةِ، وسائرُ الكفارِ والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البَرْزَخِ، أما الكفارُ فمعذَّبونَ فيه بالمَعِيشَةِ الضَّنْكِ، وأما المؤمنون فمُنَعَّمون بالرَّوْحِ والرَّيْحانِ ونَسِيمِ الجِنَانِ؟
قيل: إنّ الذي خَصَّ اللهُ به الشهداءَ في ذلك وأفادَ المؤمنين بخبرِه عنهم جلَّ ثناؤُه، إعلامُه إيَّاهم أنَّهم مَرزُوقون مِن مآكلِ الجَنَّةِ ومطاعِمِها في بَرْزَخِهم قَبلَ بَعْثِهم، ومُنعَّمُون بالذي يُنَعَّمُ به داخلُوها بعدَ البعثِ من سائرِ البشرِ مِن لَذيذِ مطاعمِها؛ [التي لم يُعْطِها] (٥) اللهُ أحدًا غيرَهم في بَرْزَخِه قبلَ مَبْعَثِه (٦)، فذلك هو الفضيلةُ التي فضَّلهَم بها وخصَّهم بها مِن غيرِهم، والفائدةُ التي أفاد المؤمنين بالخبرِ عنهم، فقال جلَّ وعزَّ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩، ١٧٠].
وبمثلِ ذلك جاء الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ وعَبْدَةُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الحارثِ بنِ فُضيلٍ، عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "الشُّهَداءُ على بارقٍ (١)؛ نهرٍ ببابِ الجنَّةِ، في قُبَّةٍ خَضْراءَ - وقال عَبْدَةُ: في رَوْضَةٍ خَضْراءَ - يَخْرُجُ عليهمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الجنَّةِ بُكرَةً وَعَشِيًّا" (٢).
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الإفْريقيِّ، عن ابنِ يسارٍ (٣) السُّلَمِيِّ، أو أبي يسارٍ (٣) - الطبريُّ يشكُّ - قال: أرواحُ الشهداءِ في قِبابٍ بِيضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كلِّ قُبةٍ زوجتانِ، رِزْقُهمْ في كلِّ يومٍ طلَعتْ فيه الشمسُ ثَوْرٌ وحُوتٌ؛ فأمّا الثورُ ففيه طَعْمُ كلِّ ثَمَرةٍ في الجَنَّةِ، وأما الحوتُ ففيهِ طَعْمُ كلِّ شرابٍ في الجَنَّةِ (٤).
فإن قال قائلٌ: فإن الخبرَ عمَّا ذكرتَ أن اللهَ أفاد المؤمنين بخبرِه عن الشهداءِ من النِّعمةِ التي خصَّهم بها في البرْزَخِ، غيرُ موجودٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ وإنما فيه الخبرُ عن حالِهم؛ أمواتٌ هُمْ أمْ أحياءٌ.
قيل: إن المقصودَ بذكرِ الخبرِ عن حياتِهم إنما هو الخبرُ عمَّا هُمْ فيه مِنَ النِّعمةِ، ولكنَّه جلَّ ذكرُه لمَّا كان قد أنبأ عبادَه عمَّا قد خصَّ به الشهداءَ - في قولِه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
وعلِمُوا حالَهم بخبرِه ذلك، ثم كان المرادُ من اللهِ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ نَهْىَ خَلْقِه عن أن يقولوا للشهداءِ: إنَّهم مَوْتَى - ترَك إعادةَ ذكرِ ما قد بينَّ لهم مِن خبرِهم.
وأما قولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فإنه يعني به: ولكنَّكم لا تَرونَهم، فتعلَموا أنّهم أحياءٌ، وإنما تعلَمون ذلك بخبرِى إيّاكم به.
وإنما رفَع قولَه: ﴿أَمْوَاتٌ﴾ بإضمارِ مكنيٍّ من (١) أسماءِ: "من يُقتلُ في سبيلِ اللهِ".
ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يُقتلُ في سبيل اللهِ: هُم أمواتٌ.
ولا يجوزُ النصبُ في "الأمواتِ"؛ لأنّ "القولَ" لا يعملُ فيهم، وكذلك قولُه: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ رَفعٌ بمعنى [بل هم] (٢) أحياءٌ.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾.
وهذا إخبارٌ من اللهِ أتباعَ رسولِه محمدٍ، أنه مُبتلِيهم فممتحنُهم بشدائدَ من الأمورِ؛ ليعلَمَ مَن يَتَّبعُ الرسولَ مِمَّن يَنْقَلِبُ على عَقِبَيْهِ، كما ابتلاهم فامتحَنهم بتحويلِ القِبلةِ مِن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ، وكما امتحَن أصْفِياءَه قبلَهم، ووعَدهم ذلك في آيةٍ أخرى فقال لهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٤].
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك كان ابنُ عباسٍ وغيرُه يقولُ.
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قولَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ ونحوِ هذا.
قال: أخبرَ اللهُ سبحانَه المؤمنين أن الدنيَا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبتَلِيهم فيها، وأمَرَهُم بالصبرِ وبشَّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
ثم أخبرَهم أنه هكذا فعَل بأنبيائِه وصِفْوَتِه؛ لتَطِيبَ أنفسُهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ (١).
فمعنى قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: ولَنَخْتَبِرَنَّكم، وقد أتَيْنا على البيانِ عن أن معنى الابتلاءِ الاختبارُ، فيما مضَى قبلُ (٢).
وقولُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾، يعني: من الخوفِ مِن العدوِّ، وبالجوعِ، وهو القَحْطُ، يقولُ: لَنَخْتَبِرَنَّكُم بشيءٍ مِن خوفٍ ينالُكم مِن عدُوِّكم، وبسَنةٍ تُصيبُكم، ينالُكم فيها مجاعةٌ وشدَّةٌ وتَعَذُّرُ المطالبِ عليكم، فتنقُصُ لذلك أموالُكمْ، وحروبٍ تكونُ بينَكم، وبينَ أعدائِكم من الكفارِ، فينقُصُ لها عددُكم، وموتِ ذَرَاريِّكم وأولادِكم، وجُدوبٍ تحدُثُ، فتَنْقُصُ لها ثمارُكم، كلُّ ذلك امتحانٌ منِّي لكم، واختبارٌ منِّي لكم؛ ليتَبَيَّنَ صادقُوكُم في إيمانِهم مِن كاذِبِيكم فيه، ويُعرفَ أهلُ البصائرِ في دينِه (٣) مِنكم مِن أهلِ النفاقِ فيه، والشكِّ والارتيابِ، كلُّ ذلك خطابٌ منه لأتباعِ رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه.
كما حدثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ الكوفيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾.
قال: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ (١).
وإنما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، ولم يقُلْ: بأشياءَ؛ لاختلافِ أنواعِ ما أعلمَ عبادَه أنه مُمتَحنُهم به، فلما كانَ ذلك مختلفًا - وكانتْ "مِن" تدلُّ على أن مع كلِّ نوعٍ منها مُضْمَرًا "شيْءٌ"، وأن معنى ذلك: ولَنَبْلونَّكم بشيْءٍ مِن الخوفِ، وبشيْءٍ من الجوعِ، وبشيْءٍ من نقصِ الأموالِ - اكتفَى بدَلالةِ ذِكرِ "الشيْءِ" في أولِه من إعادتِه مع كلِّ نوعٍ منها.
ففعَل جلَّ ثناؤُه كلَّ ذلك بهِم، فامتحَنهم بضُروبِ المِحَنِ.
كما حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾.
قال: قد كان ذلك، وسيكونُ ما هو أشدُّ مِن ذلك، قال اللهُ عند ذلك: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ (٢).
ثم قال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ: وبشِّرْ، يا محمدُ، الصابرين على امتحانِي بما أمْتَحِنُهم (٣) به، والحافظين أنفسَهم عن التقدّمِ على نهْيي عما أنهاهم عنه، والآخذِين أنفُسَهم بأداءِ ما أكلِّفُهم مِن فرائضِي مع ابتلائِي إيَّاهم بما أبْتَلِيهم (١) به، القَائلين إذا أصابتْهم مصيبةٌ: نحن (٢) للهِ ونحن (٢) إليه راجعون.
فأمَره اللهُ ﷿ بأن يَخصَّ بالبشارَةِ على ما يَمْتَحِنُهم به من الشدائدِ، أهلَ الصبرِ الذين وصَف صِفتَهم.
وأصلُ "التبشيرِ": إخبارُ الرجلِ الرجلَ الخبرَ يَسُرُّه أو يَسوءُه لم يَسْبِقْه به إليه غيرُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾.
يعني بذلك: وبشِّرْ، يا محمدُ، [من الصابرين] (٣)، الصابرين الذين يعلَمون أن جميعَ ما بهم مِن نعمةٍ فمنِّي، فيُقرُّون بعبودتي (٤)، ويوحِّدونَني بالرُّبوبيةِ، ويصدِّقون بالمعادِ والرجوعِ إليَّ، فيَستسْلِمون لقضائِي، ويَرجُون ثَوابِي، ويخافون عقابِي، ويقولون - عندَ امتحانِي إيَّاهم ببعضِ مِحَنِي، وابتلائِي إيَّاهم بما وعَدتُهم أن أبتلِيَهم به من الخوفِ والجوعِ ونقصٍ من الأموالِ والأنفسِ والثمراتِ وغيرِ ذلك من المصائبِ التي أنا مُمْتَحِنُهم بها -: إنّا مماليكُ رِّبنا ومَعْبودِنا أحياءً ونحنُ عبيدُه، وإنّا إليه بعدَ مَماتِنا صائرونَ.
تسليمًا لقضائِي ورضًا بأحكامِي.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
يعني بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاءِ الصابرين الذين وصَفهم ونعَتهم.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ يعني: لهم ﴿صَلَوَاتٌ﴾ يعني: مغفرةٌ.
وصلواتُ اللهِ على عبادِه: غُفرانُه (١)، كالذي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "اللّهُم صَلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٢).
يعني: اغفرْ لهم.
وقد بينَّا الصلاةَ وما أصلُها في غيرِ هذا الموضعِ (٣).
وقولُه: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، يعني: ولهم مع المغفرةِ التي (٤) صفَح عن ذنوبهم وتغمَّدها، رحمةٌ من اللهِ لهم ورأفةٌ.
ثم أخبَر ﷿ مع الذي ذكَر أنه مُعطيهم على اصطِبارِهم على مِحَنِه تسليمًا منهم لقضائِه من المغفرةِ والرحمةِ - أنهم هم المهتدون المصيبون طريقَ الحقِّ، والقائلون ما يُرْضِي عنهم ربَّهم (٥)، والفاعلون ما استوجَبُوا به من اللهِ الجزيلَ مِن الثوابِ.
وقد بيَّنا معنى الاهتداءِ فيما مضَى، وأنه بمعنى الرُّشْدِ للصوابِ (٦).
وبمعنى ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال في لك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.
قال: أخبرَ اللهُ أنّ المؤمنَ إذا سلَّم لأمرِ اللهِ، ورجَّع واسْتَرْجَعَ عندَ المصيبَةِ، كتَب اللهُ (١) له ثلاثَ خصالٍ من الخيرِ: الصلاةَ مِن اللهِ، والرحمةَ، وتحقيقَ سبيلِ الهدَى.
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَر اللهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجعَل له خلَفًا صَالحًا يَرْضَاهُ" (٢).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
يقولُ: الصلواتُ والرحمةُ على الذين صبرُوا واسْتَرْجعوا (٣).
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ العُصْفُرِيِّ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: ما أُعطِيَ أحدٌ ما أُعطِيَتْ هذه الأُمةُ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ولو أُعطِيَها أحدٌ لأُعطِيَها يعقوبُ، ألمْ تسمَعْ إلى قولِه: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (٤) [يوسف: ٨٤].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
والصَّفَا: جمعُ صَفَاةٍ، وهي الصخْرةُ المَلْساءُ، ومنه قولُ الطِّرِمُّاحِ بنِ حكيمٍ (٥): أبَى لي ذُو القُوَى والطَّوْلِ ألَّا … يُؤِّبسَ (٦) حافِرٌ أبَدًا صَفَاتِي وقد قيل: إن الصَّفَا واحدٌ، وأنه يُثنَّى صفَوَان، ويُجمعُ أصْفاءٌ وصُفِيًّا وصِفيًّا.
واستشهَدوا على ذلك بقولِ الراجزِ (١): كأنَّ مَتْنَيْه مِن النَّفِيِّ (٢) مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ وقالوا: هو نظيرُ عَصَا وعُصِيٍّ ورَحَا ورُحِيٍّ وأرْحَاءَ (٣).
وأمَّا المرْوَةُ فإنَّها الحصاةُ الصغيرةُ يُجمعُ قليلُها؛ مَرَوَاتٌ، وكثيرُها؛ المرْوُ مثلُ تمْرَةٍ وتمَراتٍ وَتمْرٍ.
كما قال الأعشى ميمونُ بنُ قَيْسٍ (٤): [وتُولِّى الأرْضَ] (٥) خُفًّا زائِلًا (٦) … فإذا ما صادَف المَرْوَ رَضَحْ (٧) يعني بالمرْوِ: الحصَى (٨) الصغارَ، ومِن ذلك قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذَليِّ (٩): حتى كأنّي للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بصَفا المُشَرَّقِ (١٠) كلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ [ويُقالُ: المشقَّرُ] (١١).
وإنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾.
في هذا الموضعِ: الجَبَلَيْن المسمَّيَيْنِ بهذَيْنِ الاسْمَيْنِ اللذَيْنِ في حَرَمِه دونَ سائرِ الصَّفا والمرْوةِ (١)، ولذلك أدخَل فيهما الألفَ واللَّامَ؛ ليُعْلِمَ عبادَه أنه عنَى بذلك الجبلَينْ المعروفَيْن بهذَيْن الاسمَيْن، دون سائرِ الأصفاءِ والمرْوِ.
وأما قولُه: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
فإنه يَعْني به: مِن معالم اللهِ التي جعَلَها جلَّ ثناؤُه لعبادِه مَعْلَمًا ومَشْعَرًا يعبدونَه عندَها إمَّا بالدُّعاءِ، وإمَّا بالذِّكرِ (٢)، وإما بأداءِ ما فُرضَ عليهم من العملِ عندَها، ومنه قولُ الكُميْتِ (٣) بنِ زيدٍ: نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا (٤) فجِيلًا نَرَاهُمُ (٥) … شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ نَتَقَرَّبُ (٦) وكان مجاهدٌ يقولُ في الشعائرِ ما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، حدثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
قال: من الخيرِ الذي أَخبَركم عنه (٧).
فكأنّ مجاهدًا كان يرى أن الشعائرَ إنما هو جمعُ شَعِيرةٍ من إشْعارِ اللهِ عبادَه أمْرَ الصفَا والمروةِ، وما عليهم في الطوافِ بهما، بمعنى (٨) إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ من المَفْهومِ بعيدٌ.
وإنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
عبادَه المؤمنين أن السَّعيَ بينهما مِن مَشاعرِ الحجِّ التي سنَّها لهم، وأمَر بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ، إذْ سألَه أن يُرِيَه مناسكَ الحجِّ، وذلكَ وإنْ كان مَخرجُه مَخرَجَ الخبرِ، فإنه مرادٌ به الأمرُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ باتِّباعِ مِلةِ إبراهيمَ ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجعَل تعالى ذِكرُه إبراهيمَ إمامًا لمن بعدَه، فإذا كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ ومن مَناسِكِ الحجِّ، فمعلومٌ أنَّ إبراهيمَ ﷺ، قد عمِل به، وسنَّه لمَنْ بعدَه، وقد أُمِرَ نبيُّنا ﷺ وأُمَّتُه باتِّباعِه، فعليهمُ العملُ بذلكَ على ما بيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾.
يعني تعالى ذِكرُه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ فمَن أتاه عائدًا إليه بعدَ بدءٍ، وكذلك كلُّ مَن أكثَرَ الاختلافَ إلى شيْءٍ فهو حاجٌّ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ (١): وأَشْهدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً … يَحُجُّونَ بيتَ (٢) الزِّبْرِقانِ (٣) المُزَعْفَرَا يعني بقولِه يَحجُّون: يُكثِرون التردُّدَ إليه لسُؤْدَدِه ورِياسَتِه، وإنَّما قيل للحاجِّ: حاجٌّ.
لأنه يأتي البيتَ قبلَ التعريفِ (٤)، ثم يعودُ إليه للطوافِ (٥) يومَ النَّحْرِ بعدَ التعريفِ، ثم يَنْصَرِفُ عنه إلى مِنًى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ (١)، فلِتَكْرَارِه العَوْدَ إليه مرَّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاجٌّ.
وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ.
لأنه إذا طاف به انْصَرَف عنه بعدَ زيارتِه إيّاه، وأما قولُه: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ فإنه يعني: أو اعتمَرَ البيتَ، ويعني بالاعتمارِ الزيارَةَ، فكلُّ قاصدٍ لشيْءٍ فهو له مُعتمِرٌ، ومنه قولُ العَجَّاجِ (٢): لَقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ مَغْزًى بَعيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ (٣) يعني بقولِه حينَ اعْتَمر: حين قصَدَه وأَمَّه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
يعني تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
يقولُ: فلا حَرَجَ عليه ولا مأْثَمَ في طوافِه بهما.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ هذا الكلامِ، وقد قلْتَ لنا: إنّ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ وإنْ كان ظاهرُه ظاهرَ الخبرِ، فإنَّه في معنى الأمْرِ بالطوافِ بهما (٤)؟
فكيف يكونُ أمْرًا بالطوافِ، ثم يقالُ: لا جُناحَ على مَن حَجَّ البيتَ أو اعْتَمر في الطوافِ بهما.
وإنما يُوضعُ الجُناحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِه الجُناحَ والحَرَجَ، فالأمرُ بالطوافِ بهما، والترخيصُ في الطوافِ بهما غيرُ جائزٍ اجتماعُهما في حالٍ واحدةٍ؟!
قيلَ: إنّ ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ (١)، وإنما معنَى ذلك عندَ أقوامٍ أن النبيَّ ﷺ لما اعتمَرَ عُمرةَ القضيَّةِ تَحَوَّبَ (٢) أقوامٌ كانوا يَطُوفون بهما في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ لصَنَمَيْن كانا عليْهما؛ تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوفُ بهما، وقد علِمْنَا أن تعظيمَ الأصنامِ وجميعِ ما كانَ مِن ذلك يُعبدُ مِن دونِ اللهِ باللهِ شِركٌ، [وطوافُنا] (٣) بهذيْن الحَجَريْن أحدُ ذلك؛ لأن الطوافَ بهما في الجاهِليةِ إنما كان للصنمينِ اللذينِ كانَا عليهمَا، وقد جاء اللهُ اليومَ بالإسلامِ ولا سبيلَ إلى تعظيمِ شيْءٍ مع اللهِ بمعنى العبادةِ له؟!
فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في ذلك مِن أمرِهمْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ يعني: إنّ الطوافَ بهما.
فترَك ذِكرَ الطوافِ بهما اكتفاءً بذكرِهما منه، إذْ كان معلومًا عند المخاطَبِينَ به أن معناهُ: من معالمِ اللهِ التي جعَلها عَلَمًا لعبادِه يَعبُدونَه عندَهما بالطوافِ بينَهما ويَذْكُرونه عليْهما وعندَهما، بما هو له أهلٌ من الذِّكرِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا [يَتَحَوَّبَنَّ مِن] (٤) الطوافِ بهما، مِن أجلِ ما كان أهلُ الجاهليةِ يَطوفُون بهما، مِن أجلِ الصنَمَيْن اللّذيْن كانَا عليهما، فإنّ أهلَ الشركِ كانوا يَطوفُون بهما كفرًا، وأنتم تَطوفُون بهما إيمانًا بي (٥) وتصديقًا لرسولِي، وطاعةً لأمْرِي، فلا جُناحَ عليكم في الطوافِ بهما.
والجنُاحُ: الإثمُ.
كما حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
يقولُ: ليس عليه إثمٌ ولكنْ له أجرٌ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك تظاهرتِ الروايةُ عن السَّلفِ من الصحابةِ والتابعين.
ذِكرُ الأخبارِ التي رُويتْ بذلك حدثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ: قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، أن وَثَنًا كان في الجاهليةِ على الصَّفَا يُسمَّى إسَافًا، ووَثَنًا على المَرْوةِ يُسمَّى نائلةَ، فكان أهلُ الجاهليةِ إذا طافوا بالبيتِ مسَحُوا الوثَنَيْن؛ فلمَّا جاء الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ، قال المسلمون: إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من أجلِ الوثَنينْ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ.
قال: فأنزَل اللهُ أنهما من الشعائرِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، نحوَه، وزادَ فيه، قال: فجعَله اللهُ تَطوُّعَ خيرٍ.
حدثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: كان صَنمٌ بالصَّفا يُدعى إسافًا، ووَثَنٌ بالمروةِ يُدعَى نائلةَ.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ أبي الشواربِ، وزادَ فيه، قال: فذُكِّرَ الصَّفا من أجل الوثَنِ الذي كان عليه مذكَّرًا، وأُنِّث المروةُ من أجلِ الوثنِ الذي كان عليه مؤنَّثًا.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن أبي زائدَةَ، قال: أخبَرني عاصمٌ الأحولُ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ؟
فقال: نعم كنّا نَكرَهُ الطوافَ بينَهما؛ لأنهما مِن شعائرِ الجاهليةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (١).
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سأَلتُ أنسًا عن الصفَا والمروةِ، فقال: كانتا من مشاعرِ أهلِ الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أمْسَكوا عنهما، فنَزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (٢).
حدثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ [قال: حدثني أبي] (٣)، قال: حدثني الحسينُ (٤) المعلِّمُ، قال: ثنا شيبانُ (٥) أبو معاويةَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن عمرِو بنِ حُبشيٍّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: انْطلِقْ إلى ابنِ عباسٍ فاسْألْه، فإنه أعلمُ مَن بقيَ بما أُنزِل على محمدٍ ﷺ، فأتيتُه فسألتُه، فقال: إنه كان عندَهما أصْنَامٌ (٦)، فلمَّا حُرِّمْنَ أمسَكوا عن الطوافِ بينهما حتى أُنزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٧).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
وذلك أن ناسًا تَحرًّجُوا (١) أن يَطَّوَّفُوا بينَ الصفَا والمروةِ، فأخبَر اللهُ أنهما مِن شعائرِه، والطوافُ بينَهما أحبُّ إليه (٢)، فمضت السُّنةُ بالطوافِ بينَهما (٣).
حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
قال: زعَم أبو مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان في الجاهليةِ شياطينُ تعزِفُ (٤) الليلَ أجمعَ بينَ الصفا والمروةِ، وكانت بينَهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلامُ وظهَر، قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ لا تَطُوفَنَّ (٥) بينَ الصفَا والمروةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا نَصْنَعُه (٦) في الجاهليةِ فأنزَل اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٧).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ قال: قالت الأنصارُ: إن السعيَ بينَ هذينِ الحَجَريْن مِن أمرِ الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (٨).
حدثني محمدُ بنُ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
[حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] (١).
حدثني يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
قال: كان أهلُ الجاهليةِ قد وضَعوا على كلِّ واحدٍ منهما صنمًا يُعَظِّمونَهما؛ فلمَّا أسلَم المسلمون كرِهوا الطوافَ بالصفَا والمروةِ لمكانِ الصنَمينْ، فقال اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وسَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بهما.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلت لأنسِ بنِ مالكٍ: الصفَا والمروةَ أكنتمْ تكرَهون أنْ تطوفُوا بهما مع الأصنام التي نُهيتُم عنها؟
قال: نعمْ حتى نزَلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (٢).
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إن الصفَا والمروةَ كانا من مشَاعرِ قريشٍ في الجاهليةِ، فلمَّا كان الإسلامُ تَرَكْنَاهُما.
وقال آخرون: بل أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ في سببِ قومٍ كانوا في الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإسلامُ تَحَوَّبوا (٣) السعْيَ بينَهما كما كانوا يَتَحَوَّبُونه (١) في الجاهليةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآيةَ، فكان حيٌّ مِن تِهامَةَ في الجاهليةِ لا يسعَوْن بينَهما، فأخبَرهمُ اللهُ أنّ الصفَا والمروةَ من شعائرِ اللهِ وكان من سُنةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ الطوافُ بينَهما (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطُوف بالصفَا والمروةِ؟
فقالتْ عائشةُ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختِي، إن هذه الآيةَ لو كانت كما أوَّلتَها كانت: لا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما، ولكنها إنما أُنزِلتْ في الأنصارِ كانوا قبلَ أنْ يُسْلموا يُهِلُّونَ لمنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدونَ بالمُشَلَّلِ (٣)، وكان مَن أهَلَّ لها يَتَحرَّج أن يَطُوفَ بالصفَا والمروةِ، فلمّا أسلموا سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنّا كنّا نتحرّجُ أن نطوفَ بالصَّفَا والمروةِ.
فلما سألوا رسولَ اللهِ عن ذلك؛ أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
قالت عائشةُ: ثم قدْ سنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بينَهما، فليس لأحدٍ أن يترُكَ الطوافَ بينَهما (١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان رجالٌ مِن الأنصارِ مِمَّن يُهِلُّ لمنَاةَ في الجاهليةِ، ومَناةُ صَنمٌ بينَ مكةَ والمدينةِ، قالوا: يا نبيَّ الله، إنّا كنا لا نطوفُ بينَ الصفَا والمروةِ تعظيمًا لمناةَ، فهلْ علينا مِن حَرَجٍ أن نطوفَ بهما؟
فأنزَل اللهُ تعالَى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] قال عروةُ: فقلت لعائشةَ: ما أبالِي أن لا أطوفَ بينَ الصفَا والمروةِ، قال اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ قالت: يا ابنَ أختِي، ألَا ترى أنه يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
قال الزهريُّ: فذكرتُ ذلك لأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشام، فقال: هذا العلمُ!
قال أبو بكرٍ: ولقد سمِعتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ يقولون: لمّا أنزَل اللهُ الطوافَ بالبيتِ، ولم يُنزِلِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، قيل للنبيِّ ﷺ: إنّا كُنا نطوفُ في الجاهليةِ بينَ الصفَا والمروةِ، وإنّ اللهَ قد ذكَر الطوافَ بالبيتِ، ولم يَذْكُرِ الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ، فهل علينا مِن حرَجٍ أن لا نطوفَ بهما؟
فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآيةَ كلَّها.
قال أبو بكرٍ: فأسمعُ هذه الآيةَ نزلتْ في الفريقينْ كلَيْهما؛ فيمن طافَ وفيمن لمْ يَطُفْ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، [قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ] (١)، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يطوفون بينَ الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنَا، أن يُقال: إنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد جعَل الطوافَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ، كما جعَل الطوافَ بالبيتِ مِن شعائرِه، فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فجائزٌ أن يكونَ قيلَ لكلَا الفريقين اللّذيْنِ تَحَوَّب (٣) بعضُهم الطوافَ بهما مِن أجلِ الصّنميِنْ اللَّذيْنِ ذكَرهما الشعبيُّ (٤)، وبعضُهْم من أَجْلِ ما كان مِن كراهتِهم الطوافَ بهما (٥) في الجاهليةِ على ما رُويَ عن عائشةَ.
وأيُّ الأمريْنِ كان مِن ذلك فليس قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دَلالةٌ [في الآيةِ] (٦) على أنه عَنى به وضْعَ الحرَجِ عمَّن طاف بهما، مِن أجلِ أن الطوافَ بهما كان غيرَ جائزٍ بحظْرِ اللهِ ذلك، ثم جَعَل الطوافَ بهما رُخْصةً؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَحظُرْ ذلك في وقتٍ، ثم رخَّص فيه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وإنما الاختلافُ في ذلك بينَ أهلِ العلمِ على أوْجُهٍ؛ فرأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بينَهما تاركٌ من مَناسكِ حَجِّهِ ما لا يُجزئُه منه غيرُ قضائِه بعَيْنِه، كما لا يُجْزِئُ تاركَ الطوافِ، الذي هو طوَافُ الإفاضةِ إلا قَضاؤُه بعَيْنِه، وقَالوا: هما طوافانِ أمَر اللهُ بهما؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بينَ الصفَا والمروةِ، [حُكْمُهما واحدٌ] (١).
ورأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بهما يُجزئُه مِن تَرْكِه فِديةٌ، ورأَوْا أنَّ حُكمَ الطوافِ بهما حُكْمُ رَمْيِ بعضِ الجمَراتِ، والوقوفِ بالمشعَرِ، وطوافِ الصَّدَرِ، وما أشبهَ ذلك مما يُجزِئُ تارِكَه مِن تَرْكِه فديةٌ، ولا يَلْزَمُه العوْدُ لقضَائِه بعينِه.
ورأى آخرون أنَّ الطوافَ بهما تطوُّعٌ؛ إنْ فعَله فاعلٌ (٢) كان مُحْسنًا، وإن ترَكه تاركٌ لم يلْزَمْه بترْكِه شيْءٌ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
ذِكرُ مَن قال: إنّ الطوافَ (٣) بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ ولا يُجزِئُ منه فديةٌ، ومَن ترَكهُ فعليه [العَوْدُ له] (٤) حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالتْ: لعَمرِي ما حجَّ مَن لمْ يسْعَ بينَ الصَّفَا والمروةِ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ (٥).
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: مَن نَسِيَ السعيَ بينَ الصفَا والمروةِ، حتى يَسْتَبْعِدَ مِن مكّةَ فلْيَرْجِعْ فلْيَسْعَ، وإن كان قد أصابَ النساءَ فعليه العُمْرةُ والهَدْيُ (٦).
وكان الشافعيُّ يقولُ: على مَن ترَك الطوافَ (١) بينَ الصفا والمروةِ حتى (٢) يرجعَ إلى بلدِه، العوْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزئُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ (٣).
ذِكرُ مَن قال: يُجزئُ منه دمٌ وليس عليه عَوْدٌ لقضائِه قال الثوريُّ فيما حدَّثني به عليُّ بنُ سهل، عن زيدِ بنِ أبي الزرقاءِ عنه (٤)، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن عاد تاركُ الطوافِ بينَهما لقضائِه فحسنٌ، وإن لم يعُدْ فعليه دَمٌ (٥).
ذِكرُ مَن قال: الطوافُ بينَهما تطوُّعٌ ولا شيْءَ على مَن ترَكه، ومَن كان يقرأُ: (فلا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما) حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لو أن حاجًّا أفاض بعدَ رَمْي الجَمْرةِ؛ جَمرةِ العقبةِ فطاف بالبيتِ ولم يَسْعَ، فأصابَها، يعني امرأتَه، لم يكن عليه شيْءٌ؛ لا حجٌّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: (فمَنْ حَجَّ البيتَ [أوِ اعتَمَرَ] (٦) فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف بهما).
فعاودْتُه بعدَ ذلك، فقلتُ له (٧): إنه قد ترَك سُنةَ النبيِّ ﷺ قال: ألا تَسْمَعُه يقولُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأبَى أن يَجْعَلَ عليه شيئًا (٨).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١).
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: الطوافُ بهما (٢) تطوُّعٌ (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ الأحولُ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ (٣).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: فلم يُحرِّجْ من لم يَطفْ بهما (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ (٥)، عن قيسٍ (٦)، عن عطاءٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ قال: هما تطوُّعٌ.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: السعيُ بينَ الصفَا والمروةِ تطوُّعٌ؟
فقال: تطوُّعٌ (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الطوافَ بهما فرضٌ واجبٌ، وأن على مَن ترَكه العَوْدَ لقضائِه، ناسيًا كان ترَكهَ (٢) أو عامدًا، لا يُجزِئُهُ غيرُ ذلك، لتظاهُرِ الأخبارِ عن النبيِّ ﷺ أنه حجَّ بالناسِ فكان مما علَّمهم من مناسكِ حجِّهم الطوافُ بهما.
ذِكرُ الروايةِ عنه بذلك حدثني يوسُفُ بنُ سلمانَ البصريُّ (٣)، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لما دنا رسولُ اللهِ ﷺ من الصفَا في حجَّتِه (٤)، قال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، ابدَءُوا بِمَا بَدأ اللهُ به (٥) ".
فبدأَ بالصفَا فرقِى عليه (٦).
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمود بنُ ميمونٍ أبو الحسنِ، عن أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عن ابنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ ".
فأتَى الصفَا فبَدأَ بها، فقام عليها، ثم أتى المروةَ فقام عليها وطاف سَبْعًا (٧).
فإذ كان صحيحًا بإجماعِ الجميعِ مِن الأمَّةِ أن الطوافَ بهما [مما علَّم] (١) النبيُّ أمَّتَه في مناسكِهم، وعَمِلَه في حجِّه وعُمرتِه، وكان بيانُه لأمَّتِه جُمَلَ ما نصَّ اللهُ في كتابِه، وفرَضه في تَنْزِيلِه، وأمَر به مما لا (٢) يُدْرَكُ عِلْمُه إلَّا بِبَيانِه ﵇، لازمًا العملُ به أمَّتَه، لما قد بَيَّنَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" إذا اخْتَلَفَت الأُمةُ في وُجُوبِه، ثم كان مُخْتَلَفًا في الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ واجبٍ - كان بيِّنًا وُجوبُ فَرْضِه على مَن حجَّ أو اعْتَمَر لما وصَفْنا.
وكذلك وجوبُ العوْدِ لقضاءِ الطوافِ بينَ الصفَا والمروةِ، لمَّا كان مُخْتَلَفًا فيها (٣) على مَن ترَكه، مع إجماعِ جَميعِهم، على أنَّ ذلك مما فعَله رسولُ اللهِ ﷺ، وعلَّمه أُمتَه في حجِّهم (٤)، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ، وعلَّمه أمتَه في حجِّهم وعُمرتِهم، إذْ علَّمهم مناسكَ حجِّهم وعمرتِهم.
ثم أجمع الجميعُ على أن الطوافَ بالبيتِ لا تُجزِئُ منه فِديةٌ ولا بَدَلٌ، ولا يُجْزِئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، كان نظيرًا له الطوافُ بالصفَا والمروةِ، لا تُجزِئُ منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا يُجِزئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، إذْ كانا كلاهُما طَوافين؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بالصفَا والمروةِ، ومَن فرَّق بينَ حُكْميهما (٥) عُكِس عليه القولُ فيه، ثم سُئلَ البرهانَ على التفرقةِ بينَهما.
فإنِ اعْتَلَّ بقراءةِ مَن قرَأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما).
قيل: ذلك قراءةُ (٦) خلافِ ما في مصاحفِ المسلمينَ، غيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يزيدَ في مصاحفِهم ما ليس فيها، وسواءٌ قرَأ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرَأ قارئٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، (فلا جُناحَ عليهم (١) أن لا يطَّوَّفوا به) فإنْ جازتْ (٢) إحدَى الزيادتينِ اللَّتيْن ليستَا في المصاحِفِ (٣) كانت الأخْرَى نظيرتَها، وإلَّا كان مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا، والتَّحَكُّمُ فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ، وقد رُوِيَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةَ.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: قلت لعائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ: أرأيتِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوَّفَ بهما؟
فقالت عائشةُ: كلَّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن لا يطوَّفَ بهما.
إنما أُنزلتْ هذه الآيةُ في الأنصارِ؛ كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يَتحرَّجون أن يَطُوفُوا بينَ الصفَا والمروَةِ؛ فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٤).
وقد يَحتمِلُ قراءةُ مَن قرَأ: (فلا جناحَ عليه أن لا يطَّوَّف) [أن يكونَ معناها: فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف ﴿بِهِمَا﴾] (٥) - أن تكونَ "لا" التي هي مع "أن" صِلَةً في الكلامِ (٦)، إذْ كان قد تقدَّمَها جَحْدٌ في الكلامِ قبلَها، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، فيكونُ نظيرَ قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
بمعنى ما منعكَ أن تسجدَ، كما قال الشاعر (١): ما كان يَرْضَى رسولُ اللهِ فعلَهمُ (٢) … والطيِّبان أبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ فلو كان رسمُ المصحفِ كذلك لم يكن فيه لمحتجٍّ به حجةٌ، مع احتمالِ الكلامِ ما وصفْنَا؛ لما بيَّنَّا من أنّ ذلك مما علَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمَّتَه في مناسكِهم على ما ذَكَرْنا، ولدَلالةِ القياسِ على صحتِه، فكيف وهو خلافُ رُسومِ مصاحفِ المسلمين، ومما لوْ قرأ به اليومَ قارئٌ كان مُسْتَحِقًّا العقوبةَ؛ لزيادتِه في كتابِ اللهِ ﷿ ما ليس منه؟!
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
اختَلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ (٣).
على لفظِ المُضِيِّ؛ بالتاءِ وفَتْحِ العينِ.
وقرأتْه عامةُ قرَأةِ الكوفيين: (ومَنْ يَطَّوَّعْ خيرًا) (٤) بالياءِ وجَزْمِ العينِ وتشْديدِ الطاءِ، بمعنى: ومَن يتطوَّعْ.
وذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ (ومَن يَتطوّعْ) (٥).
فقرأتْ ذلك قَرَأَةُ أهلِ الكوفةِ، على ما وصَفْنا، اعتبارًا بالذي ذكرْنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، سوَى عاصمٍ فإنه وافَق المدنيِّينَ، فشدّدُوا الطاءَ طلبًا لإدغامِ التاءِ في الطاءِ.
وكلْتَا القراءتَينْ معروفةٌ صحيحةٌ متفِقٌ مَعْنيَاهما غيرُ مُخْتَلِفَينْ؛ لأن الماضِيَ من الفعلِ مع حروفِ الجزاءِ بمعنى المستقبلِ، فبأيِّ هاتَينْ القراءتَينْ قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
ومعنى ذلك: فمَن تطوَّع بالحجِّ والعمرةِ بعدَ قضاءِ حَجَّتِه الواجبةِ عليه، فإن اللهَ شاكرٌ له على تطوُّعِه له بما تطوَّع به من ذلك ابتغاءَ وجهِه فمجازِيه به، عليمٌ بما قصَد وأرادَ بتطوُّعِه بما تطوَّع منه (١).
وإنما قلنا: إنَّ الصوابَ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ هو ما وصفْنَا دونَ قولِ مَن زعَم أنه معنيٌّ به: فمَن تطوَّعَ بالسعي والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ.
لأن الساعيَ بينَهما لا يكونُ متطوعًا بالسعي بينَهما إلَّا في حجِّ تَطوُّعٍ أو عُمرةِ تطوُّعٍ، لمَا وصفْنَا قبلُ.
وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنَى بالتطوُّعِ بذلك، التطوّعَ بما يُعمَلُ ذلك فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.
وأما الذين زعَمُوا أن الطوافَ بهما تطوُّعٌ لا واجبٌ، فإن الصوابَ أن يكونَ تأويلُ ذلك على قولِهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بهما فإن اللهَ شاكرٌ.
لأنَّ للحاجِّ والمعتمرِ على قولِهم الطوافَ بهما إن شاءَ، وتَرْكَ الطوافِ، فيكونُ معنى الكلامِ على تأويلهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بالصفَا والمروةِ، فإنّ اللهَ شاكرٌ تطوعَه ذلك، عليمٌ بما أرادَ ونوَى الطائفُ بهما كذلك.
كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
قال: مَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسولُ اللهِ ﷺ فكانتْ من السُّنَنِ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ فإن اللهَ شاكرٌ عليمٌ؛ قال: فالحجُّ فريضَةٌ، والعمرةُ تطوُّعٌ، ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ من الناسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
وإنما يَعْني بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾: علماءَ اليهودِ وأحبارَها وعلماءَ النصارى؛ لكِتْمانِهم الناسَ أمرَ محمدٍ ﷺ، وتركِهم اتِّباعَه، وهم يَجِدُونه عندَهم مكتوبًا في التوراةِ والإنجيلِ.
و (١) "البينات" التي أنزَلها اللهُ ﷿؛ ما بَيَّنَ مِن أمْرِ نُبوَّةِ محمدٍ ﷺ، ومَبعَثِه وصِفَتِه، في الكتابيْنِ اللَّذيْنِ أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه أن أهلَهما يَجِدون صفتَه فيهما.
ويعني جلَّ ثناؤه بـ ﴿وَالْهُدَى﴾: ما أوْضَحَ لهم مِن أمرِه في الكُتُبِ التي أنزَلَها على أنبيائِهم، فقال عزَّ ذِكرُه: إن الذين يكتمونَ الناسَ الذي أنزلْنا في كُتُبِهم من البيانِ عن أمرِ محمدٍ ونبوَّتِه وصحةِ الملَّةِ التي أرْسَلْتُه بها وحَقِيقتِها (٢) فلا يُخْبِرُونَهم به [وهم يعلَمون تَبْيينِي] (٣) ذلك للناسِ، وإيضاحِي لهم في الكتابِ الذي أنزَلْتُه إلى أنبيائِهم - ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قالَا جميعًا: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأَل معاذُ بنُ جبلٍ أخو بنِي سَلِمَةَ، وسعدُ بنُ معاذٍ أخو بني عبدِ الأشهلِ، وخارجةُ ابنُ زيدٍ أخو بني الحارثِ بنِ الخَزْرَجِ - نَفَرًا مِن أحبارِ يَهودَ، مَال أبو كُريبٍ: عما في التَّوْراةِ.
وقال ابنُ حميدٍ: عن بعضِ ما في التَّوْراةِ.
فكَتَموهم إيَّاهُ، وأبَوْا أن يُخْبِرُوهم عنه، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فما قولِ اللهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾.
قال: هم أهلُ الكتابِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾.
قال: كتمُوا محمدًا ﷺ وهم يَجِدُونه مَكْتوبًا عندَهم، فكَتَموه حَسَدًا وبَغْيًا (٣).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
أولئِكَ أهل الكتاب، كَتَمُوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ، وكَتَمُوا محمدًا ﷺ، وهم يَجِدُونه مَكتوبًا عندَهم في التوراةِ والإنجيلِ (١).
حدثني موسى، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ﴾.
زعَموا أن رجلًا مِن اليهودِ كان له صديقٌ من الأنصار يُقالُ له: ثَعلبةُ بنُ عَنَمةَ (٢).
قال له: هل تجِدون محمدًا عندَكم؟
قال: لا.
قال: محمدٌ: البيناتُ (٣).
[ويَعْنى بقولِه] (٤): ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾.
بعضَ الناسِ؛ لأن العلمَ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ وصفتِه، ومبعثِه لم يكنْ إلا عندَ أهلِ الكتابِ، دونَ غيرِهم، وإيَّاهم عَنَى بذلك ﷿.
ويعني جلَّ ذِكرُه بالكتابِ التوراةَ والإنجيلَ، وهذه الآيةُ وإن كانت نزلتْ في خاصٍّ من الناسِ، فإنها مَعنيٌّ بها كلٌّ كاتمٍ علمًا فرَض اللهُ تعالَى عليه بيانَه للناسِ، وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ يَعْلَمُه فَكَتَمَه، أُلْجِمَ يومَ القيامةِ بلجامٍ مِن نارٍ" (٥).
وكان أبو هريرةَ يقولُ بما حدثنا به نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ وَرْدانَ، قال: ثنا، أيوبُ السَّخْتيانيُّ، [عن محمدٍ] (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: لولا آيةٌ في كتابِ اللهِ ما حدَّثْتُكم.
وتلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١).
حدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زُرعةَ وهْبُ اللهِ بنُ راشدٍ، عن يونسَ قال: قال ابنُ شهابٍ، قال ابنُ المسيَّبِ، قال أبو هريرةَ: لولا آيتان أنزَلهما اللهُ في كتابِه ما حَدَّثْتُ شيئًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾، إلى آخرِ الآيةِ (٢).
والآيةُ الأخرى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ (٣) [آل عمران: ١٨٧] إلى آخرِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: هؤلاءِ الذين يَكْتُمون ما أنزَل اللهُ مِن أمرِ محمدٍ ﷺ وصفتِه وأمرِ دينِه، أنه الحقُّ، مِن بعدِ ما بيَّنَه اللهُ لهم في كتُبِهم، يَلْعَنُهم اللهُ بكِتْمانِهم ذلك وتَرْكِهم تَبْيِينَه للناسِ.
واللعنةُ الفَعْلةُ.
مِن: لَعَنه اللهُ، بمعنى: أقصاهُ اللهُ وأبعدَه وأسْحقَه.
وأصلُ اللعنِ: الطَّرْدُ، كما قال الشَّماخُ بنُ ضِرارٍ، وذكَر ماءً ورَد عليه (٤): ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ (٥) عنه … مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللّعِينِ يعني به مَقامَ الذئبِ الطَّرِيدِ، و"اللعينُ" من نعتِ الذئبِ، وإنما أرادَ: مَقامَ الذئبِ (١) اللعينِ كالرَّجلِ.
فمعنى الآيةِ إذًا: أولئِك يُبْعِدُهُم اللهُ منه ومِن رحمتِه، ويَسْأَلُ ربَّهم اللاعنون أن يَلْعَنَهم؛ لأن لعنةَ بني آدمَ وسائرِ خَلقِ اللهِ ما لَعنوا أن يقولوا: "اللهمَّ الْعَنْه".
وإن كانَ معنى اللعنِ هو ما وصَفْنا مِن الإقْصَاءِ والإبْعادِ [وأما مِن اللهِ فالإبعادُ من رحمتِه] (٢).
وإنما قُلْنا: إنَّ لعنةَ اللاعنين هي ما وصفنا مِن مَسْألتِهم ربَّهم أن يَلْعَنَهم، وقولِهم: لعنهُ اللهُ.
أو: عليه لعنةُ اللهِ.
لأن محمدَ بنَ خالدِ بنِ خِداشٍ ويعقوبَ بنَ إبراهيمَ حدَّثاني، قالا: ثنا إسماعيلُ ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [قال: اللاعنون] (٣): البهائمُ، قال: إذا أَسْنَتَتِ (٤) السنةُ، قالتِ البهائمُ: هذا من أجْلِ عُصاةِ بني آدمَ، لعَن اللهُ عُصاةَ بني آدمَ (٥).
واختَلفَ أهلُ التأويلِ فيمنْ عنَى اللهُ تعالى ذِكرُه باللّاعِنين؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك دوابَّ الأرضِ وهوامَّها.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَلْعَنُهم دوابُّ الأرضِ وما شاء اللهُ من الخنافِسِ والعقاربِ، تقولُ: نُمْنَعُ القَطْرَ بذُنوبهم (١).
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
قال: دوابُّ الأرضِ: العقاربُ والخنافسُ يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بخطايا بني آدمَ (٢).
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قال: تلعنهم الهوامُّ ودوابُّ الأرضِ، تقولُ: أُمْسِكَ القَطرُ عنا بخطايا بني آدمَ (٣).
حدثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانٍ الخطَّابُ (٤)، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
قال: يَلْعَنُهم كلُّ شيْءٍ حتى الخنافسُ والعقاربُ، يقولون: مُنِعْنَا القَطْرَ بذنوبِ بني آدمَ (٥).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللّاعنون: البهائمُ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: البهائمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بني آدمَ حينَ أمسكَ اللهُ عنهم بذنوبِ بني آدمَ القَطْرَ (١)، فتخرجُ البهائمُ فتَلْعَنُهم (٢).
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: البهائمُ؛ الإبلُ والبقرُ والغنمُ، تلعنُ عصاةَ بني آدمَ إذا أجدبتِ الأرضُ (٣).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ [قولِ هؤلاءِ] (٤) الذين وجَّهوا تأويلَ قولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ إلى أنَّ اللّاعنين هُم الخنافسُ والعَقاربُ، وغيرُ ذلك مِن هوامِّ الأرضِ، وقد علمتَ [أن العربَ] (٥) إذا جَمعتْ ما كانَ من نوعِ البهائمِ وغيرِ بني آدمَ، فإنما تَجْمَعُه بغيرِ الياءِ والنونِ وغيرِ الواوِ والنونِ، وإنما تجمَعُه بالتاءِ، وما خالف ما ذكرنَا، فتقولُ: "اللاعِنَاتُ".
ونحوُ ذلك؟
قيل: إن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ مِن شأنِ العربِ إذا وَصَفَتْ شيئًا من البهائمِ أو غيرِها مما حُكْمُ جَمعِه أن يكونَ "بالتاءِ"، أو (٦) بغيرِ صُورةِ جَمْعِ ذُكرانِ بني آدمَ بما هو مِن صفةِ الآدميِّينَ - أن يَجمَعُوه جَمْعَ ذُكورِهم، كما قال ﷿: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت: ٢١].
فأخرَج خطابَها (٧) على مثالِ خطابِ ذكورِ (٨) بني آدمَ إذ كلَّمَتْهم، وكلَّمُوها، وكما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨].
وكما قال: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
وقال آخرون: عنى اللهُ تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾: الملائكةَ والمؤمنين.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدثنا سعيدٌ] (١)، عن قتادةَ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
قال: يقولُ: اللاعنون مِن ملائكةِ اللهِ ومن المؤمنين (٢).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [قال: اللاعنون] (٣) الملائكةُ (٤).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ ابنِ أنسٍ، قال: اللَّاعنون مِن ملائكةِ اللهِ والمؤمنين (٥).
وقال آخرون: يعني باللَّاعنِين: كلَّ ما عَدا بني آدمَ والجنَّ (٦).
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ قال: قال البراءُ بنُ عازبٍ: إنَّ الكافرَ إذا وُضِعَ في قبرِه أتتْهُ دابةٌ كأن عيْنَيْها قِدرانِ مِن نُحاسٍ معها عمودٌ من حديدٍ، فتَضْرِبُه ضَرْبةً بينَ كَتِفَيْه فيَصِيحُ، فلا يَسْمَعُ أحدٌ صوتَه إلا لَعنَهُ، ولا يبقَى شيْءٌ إلا سمِع صوتَه، إلا الثقلين الجنَّ والإنْسَ (١) حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
قال: الكافرُ إذا وُضِعَ في حفرَتِه ضُربَ ضَرْبةً بمِطْرَقٍ فيَصِيحُ صَيْحةً فيَسمَعُ صَوْتَه كلُّ شيْءٍ إلَّا الثَّقَلين؛ الجنَّ والإنسَ، فلا يَسْمَعُ صَيْحَتَه شيْءٌ إلَّا لعَنه (٢).
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ عندنا قولُ مَن قال: اللاعنون: الملائكةُ والمؤمنون؛ لأنّ اللهَ تعالى ذِكرُه قد وصَف الكفارَ بأن اللّعنةَ التي تَحِلُّ بهم إنما هي مِن اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعينَ، فقال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
فكذلك اللعنةُ التي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكرُه أنها نازلةٌ (٣) بالفريقِ الآخرِ: الذين يَكْتُمونَ ما أنزلَ اللهُ مِن البيِّناتِ والهُدى من بعدِ ما بيَّنه (٤) للناسِ، هي لعنةُ اللهِ الذين (٥) أخبرَ أن لعنتَهم حالَّةٌ بالذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، وهم اللاعنون؛ لأن الفريقَينْ جميعًا أهلُ كفرٍ.
وأما قولُ مَن قال: إنّ اللَّاعنِين هم الخنافِسُ والعقاربُ وما أشبَه ذلك من دَبيبِ الأرضِ وهَوامِّها.
فإنه قولٌ لا تُدرَكُ حقيقَتُه إلا بخبرٍ عن اللهِ أن ذلك مِن فعلِها [وقيلِها] (٦)، تقومُ به الحجّةُ، ولا خبرَ بذلك عن نبيِّ اللهِ ﷺ، فيجوزَ أن يقالَ: إنَّ ذلك كذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ فيما قالوه أن يُقالَ: إن الدليلَ مِن ظاهرِ كتابِ اللهِ موجودٌ بخلافِ هذا (١) التأويلِ، وهو ما وصفْنَا، وإن كان جائزًا أن تكونَ البهائمُ وسائرُ خلقِ اللهِ تَلْعَنُ الذين يكتُمونَ ما أنزلَ اللهُ في كتابِه من صِفَةِ محمدٍ ﷺ ونَعْتِه ونُبُوتهِ، بعدَ علْمِهم به، وتَلْعَنُ معهم جميعَ الظَّلَمَةِ، [غيرَ أنه غيرُ] (٢) جائزٍ قطعُ الشهادةِ بأنَّ (٣) اللهَ عَنى باللَّاعنين البهائمَ والهوامَّ ودَبيبَ الأرضِ، إلا بخبرٍ للعذرِ قاطعٍ، ولا خبرَ بذلك، وكتابُ اللهِ الذي ذكرناه دالٌّ على خِلافِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.
يعنِي بذلك جلَّ ثناؤه أنَّ اللهَ واللّاعنِينَ يَلْعَنونَ الكاتمِى الناسِ ما عَلِمُوا مِن أمْرِ نُبُوَّةِ محمدٍ ﷺ ونَعتِه وصِفَتِه في الكتابِ الذي أنْزَلَهُ اللهُ وبيَّنهُ للناسِ، إلَّا مَن أنابَ مِن كِتمانِه ذلك مِنهم، ورَاجعَ التوبةَ بالإيمانِ بمحمدٍ ﷺ، والإقرارِ به وبنُبُوَّتِه، وتَصْدِيقِه فيما جاء به مِن عندِ اللهِ، وبَيانِ ما أنزَل اللهُ في كُتُبِه التي أنزَلها إلى أنبيائِه من الأمرِ باتباعِه، وأصلَحَ حالَ نفسِه بالتقرُّبِ إلى اللهِ مِن صالحِ الأعمالِ بما يُرْضيهِ عنه، وبينَّ الذي علِم من وحْيِ اللهِ الذي أنزَله إلى أنبيائِه وعَهِد إليهم في كُتُبِه، فلم يكْتُمْه، وأظْهرَه فلم يُخْفِه، ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين فعَلوا هذا الذي وصَفْتُ منهم، هم الذين أتوبُ عليهم، فأجْعَلُهم من أهلِ الإيابِ إلى طاعتِي، والإنابةِ إلى مَرْضاتِي.
ثم قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾.
يقولُ: وأنا الذي أَرجِعُ بقلوبِ عبيدِي المُنْصَرِفةِ عنِّي إليَّ، والرادُّها بعدَ إدبارِها عن طاعتي، إلى طلبِ مَحبَّتي، والرحيمُ بالمُقْبِلينَ بعدَ إقبالِهم إليَّ، أَتَغَمَّدُهم منِّي بعفوٍ، وأصْفَحُ عنهم (١) عظيمَ ما كانوا اجترَمُوا فيما بيني وبينَهم بفضلِ رحمتِي لهم.
فإنْ قال قائلٌ: وكيف يُتابُ على مَن قد تاب؟
وما وجهُ قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؟
وهل يكونُ تائبٌ إلا وهو مَتوبٌ عليه، أو مَتوبٌ عليهِ إلَّا وهو تائبٌ؟
قيلَ: ذلك مما لا يكونُ أحدُهما إلَّا والآخرُ معه، فسواءٌ قيلَ: إلَّا الذين تِيبَ عليهم فتابُوا.
أو قيلَ: إلَّا الذين تابوا فإنِّي أتوبُ عليهم.
وقد بينَّا وجْهَ ذلك فيما جاءَ من الكلام هذا المجئَ في نطيرِه فيما مضَى من كتابِنا هذا، فكرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (٢).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾.
يقولُ: أصلَحوا فيما بينَهم وبينَ اللهِ، وبَيَّنُوا الذي جاءَهم من اللهِ فلم يكْتُموه، ولم يَجْحَدُوا به، ﴿فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾.
قال: بيَّنُوا ما في كتابِ اللهِ للمؤمنين، ولِمَا سألوهُم عنه من أمرِ النبيِّ ﷺ، وهذا كلُّه في يهودَ.
وقد زعَم بعضُهم أنَّ معنَى قولِه: ﴿وَبَيَّنُوا﴾.
إنما هو: وبيَّنوا التوبةَ بإخلاصِ العملِ.
ودليلُ ظاهرِ الكتابِ والتنزيلِ بخلافِه؛ لأن القومَ إنما عُوتِبوا في (١) هذه الآيةِ على كتمانِهم ما أنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه وبيَّنه في كتابِه من (٢) أمرِ محمدٍ ﷺ ودينِه، ثم استثنَى منهم جلَّ ثناؤه الذين يبيِّنون أَمْرَ محمدٍ ﷺ ودينَه، ويتوبونَ مما كانوا عليهِ من الجُحودِ والكتمانِ، فأخرَجَهم من عِدادِ (٣) مَن يَلْعَنُه اللهُ ويَلْعَنُه اللّاعنون، ولم يكنِ العتابُ على ترْكِهم تبْيِينَ التوبةِ بإخلاصِ العملِ.
والذين استثنَى اللهُ مِن الذين يكتُمون ما أنْزَل اللهُ مِن البيناتِ والهدَى مِن بعدِ ما بيَّنه (٤) للناسِ في الكتابِ، عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ وذَوُوه مِن أهلِ الكتابِ الذين أسْلَموا فحسُنَ إسْلامُهم واتَّبعوا رسولَ اللهِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: إنَّ الذين جَحدُوا نبوّةَ محمدٍ ﷺ وكذَّبوا به، مِن اليهودِ والنصارَى وسائرِ أهلِ المللِ، والمشركينَ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.
يعني: وماتوا وهم على جُحُودِهم ذلك وتكذيبِهم محمدًا ﷺ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾.
يعني [بـ ﴿أُولَئِكَ﴾] (١): الذين كفروا وماتوا وهم كفارٌ، ﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾.
يقولُ: أبْعَدَهم اللهُ وأسْحَقَهم مِن رحمتِه، ﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾.
يعني: ولعنَتْهم الملائكةُ والناسُ أجمعون.
ولعنةُ الملائكةِ والناسِ إيَّاهم قولُهم: عليهم لعنةُ اللهِ.
وقد بينَّا معنَى اللعنةِ فيما مضَى قبلُ (٢)، بما أغنَى عن إعادَتِه.
فإن قال قائلٌ: وكيف تكونُ على الذي يموتُ كافرًا بمحمدٍ [لعنةُ جميع الناسِ، وقد عَلِمتَ أنَّ من يَكفُرُ بمحمدٍ] (٣) ﷺ مِن أصنافِ الأُمَمِ، [أكثرُ ممَّن يؤمنُ] (٤) به ويُصدِّقُه؟
قيل: إنّ معنَى ذلك على خلافِ ما ذهبتَ إليه.
وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
أهلَ الإيمانِ به وبرسولِه خاصةً، دونَ سائرِ البشرِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين (٥).
وحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.
يعني بالناسِ أجمعينَ: المؤمنين.
وقال آخرون: بل ذلك يومَ القيامةِ، يُوقَفُ على رءوسِ الأشهادِ الكافرُ، فيَلْعَنُه الناسُ كلُّهم.
ذكرُ من قال ذلك حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أن الكافرَ يُوقَفُ يومَ القيامةِ فيَلْعَنُه اللهُ، ثم يلعنُه الملائكةُ، ثم يلعنُه الناسُ أجمعونَ (١).
وقال آخرون: بل ذلك قولُ القائلِ كائنًا مَنْ كان: لعَن اللهُ الظالمَ.
فيَلْحَقُ ذلك كلَّ كافرٍ؛ لأنه مِن الظَّلَمةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾: فإنه لا يتلاعَنُ اثنانِ مؤمنانِ ولا كافرانِ، فيقولُ أحدُهما: لعنَ اللهُ الظالمَ.
إلّا وجبتْ تلك اللعنةُ على الكافرِ؛ لأنه ظالمٌ، فكلُّ أحدٍ من الخَلْقِ يَلْعَنُه (٢).
وأوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندَنا قولُ مَن قال: عنَى اللهُ بذلك جميعَ الناسِ، بمعنى لَعْنِهم إيّاه (٣) بقولِهم: لعنَ اللهُ الظالمَ أو الظالمين.
فإنَّ كلَّ أحدٍ مِن بني آدمَ لا يَمْتَنِعُ (٤) مِن قِيلِ ذلك كائنًا مَن كان، ومِن أيِّ أهلِ مِلةٍ كان، فيَدخُلُ بذلك في لعنتِه كلُّ كافرٍ كائنًا مَن كان، وذلك بمعنَى ما قاله أبو العاليةِ؛ لأنّ اللهَ جلَّ ثناؤه أخبرَ عمَّن شَهِدهم يومَ القيامةِ أنَّهم يَلعَنُونهم، فقال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وأمّا ما قاله قتادةُ مِن أنه عُنِي به بعضُ الناسِ، فقولٌ ظاهرُ التنزيلِ بخلافِه، ولا برهانَ على حقيقتِه من خبرٍ ولا نظرٍ، فإنْ كان ظَنَّ أنَّ المَعْنِيَّ به المؤمنون، مِن أجلِ أن الكفارَ لا يَلْعَنونَ أنفُسَهم ولا أولياءَهم، فإنَّ اللهَ جلَّ ثناؤه قد أخبرَ أنهم يَلْعَنونهم في الآخرةِ، ومعلومٌ منهم أنهم يَلْعَنون الظَّلَمةَ، وداخلٌ في الظَّلمةِ كلُّ كافرٍ بظُلمِه نفسَه، وجُحودِه نعمةَ ربِّه، ومخالفتِه أمرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: ما الذي نَصَب ﴿خَالِدِينَ﴾؟
قيل: نُصِب على الحالِ، من الهاءِ والميمِ اللَّتيْن في ﴿عَلَيْهِمْ﴾.
وذلك أن معنى قولِه: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ﴾: أولئكَ يَلْعَنهم اللهُ، [فتأويلُ الكلامِ: أولئك يَلْعَنهم اللهُ] (١) والملائكةُ والناسُ أجمعونَ، خالِدِين فيها.
ولذلك قرأَ ذلك: (أولئِك عليهم لعنةُ اللهِ والملائكةُ والناسُ أجمعون) (٢) مَن قَرَأه كذلك، توجيهًا منه إلى المعنَى الذي وَصَفتُ، وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به؛ لأنه خلافُ القراءةِ (٣) لمصاحفِ المسلمين، وما جاء به المسلمون مِن القراءةِ مُستفيضًا [فيهم، وغيرُ] (٤) جائزٍ الاعتراضُ بالشاذِّ من القولِ على ما قد ثَبَتَتْ حُجَّتُه بالنقلِ المستفيضِ.
وأمّا الهاءُ والألفُ اللتان في قوله: ﴿فِيهَا﴾، فإنهما عائدتان على اللعنةِ، والمرادُ بالكلامِ ما صار إليه الكافرُ باللعنةِ مِن اللهِ ومن ملائكتِه ومن النَّاسِ، والذي صار إليه بها، نارُ جهنمَ، فأجْرَى الكلامَ على اللعنةِ؛ والمرادُ بها ما صار إليه الكافرُ، كما قد بيَّنا مِن نظائرِ ذلك فيما مضَى قبلُ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
يقول: خالدين في جهنمَ في اللَّعنةِ (١).
وأما قولُه: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، فإنه خبرٌ من اللهِ عن دوامِ العذابِ لهم (٢) أبدًا مِن غيرِ تَوْقيةٍ (٣) ولا تخفيفٍ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦].
وكما قال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].
وأما قولُه: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾، فإنه يعني: ولا هم ينتظِرون (٤) لمعذرةٍ (٥) يَعْتَذِرُون.
كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
يقولُ: لا ينظرون فيَعْتَذِرون، كقولِه ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٦) [المرسلات: ٣٥، ٣٦].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.
قد بينَّا فيما مضَى معنى الأُلُوهةِ (١)، وأنها اعْتِبادُ الخلقِ، فمعنى قولِه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ والذي يَسْتَحِقُّ عليكم أيها الناسُ الطاعةَ له، ويَسْتَوجِبُ منكم العبادةَ، معبودٌ واحدٌ وربٌّ واحدٌ، فلا تَعْبُدوا غيرَه ولا تُشْرِكُوا معه سِواه، فإن مَن تُشْرِكونَه معه في عبادتِكم إياه هو خلقٌ مِن خلقِ إلهِكم مثلُكم، وإلهُكم واحدٌ، لَا مِثْلَ له ولَا نطيرَ.
واختُلِفَ في معنى وحدانيتِه جلَّ ذِكرُه؛ فقال بعضُهم: معنى وحدانيةِ اللهِ معنى نفيِ الأشباهِ والأمْثالِ عنه، كما يقالُ: فلانٌ واحدُ الناسِ، وهو واحدُ قومِه.
يعني بذلك أنه ليسَ له في الناسِ مِثلٌ، ولا له في قومِه شبيهٌ ولا نظيرٌ.
قالوا (٢): فكذلك معنى قولِنا (٣): اللهُ واحدٌ.
نعْني (٤) به: اللهُ جلَّ ثناؤه لا مِثلَ له ولا نظيرَ.
فزَعمُوا أن الذي دلَّهم على صحةِ تأويلِهم ذلك، أن قولَ القائلِ: "واحدٌ".
اسمٌ (٥) لمعانٍ أربعةٍ: أحدُها، أن يكونَ واحدًا مِن جنسٍ، كالإنسانِ الواحدِ من الإنسِ.
والآخَرُ، أن يكونَ غيرَ مُتَنَصِّفٍ (٦)، كالجزءِ الذي لا يَنْقَسِمُ.
والثالثُ، أن يكونَ معنيًّا به: المِثلُ والاتِّفاقُ، كقولِ القائلِ: هذان الشيئانِ واحدٌ.
يرادُ بذلكَ أنهمَا متشابهانٍ حتى صارَا لاشتباهِهما في المعاني كالشيءِ الواحدِ.
والرابعُ، أن يكون مرادًا به نَفْيُ النظيرِ عنه والشبيهِ (١).
قالوا: فلمّا كانتِ المعاني الثلاثةُ مِن معاني الواحدِ مُنْتَفِيَةً عنه، صحَّ المعنى الرابعُ الذي وَصَفْناه.
وقال آخرون: معنى وحدانيتِه، عزَّ ذِكرُه، معنى انفرادِه مِن الأشياءِ، وانفرادِ الأشياءِ منه.
وقالوا: إنما كان منفردًا وحدَه؛ لأنه غيرُ داخلٍ في شيْءٍ، ولا داخلٍ فيه شيْءٌ.
قالوا: ولا صِفةَ (٢) لقولِ القائلِ: "واحدٌ" مِن جميعِ الأشياءِ، إلَّا ذلكَ.
وأنْكَر قائلو هذه المقالةِ المعانيَ الأربعةَ التي قالها الآخرون.
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإنه خبرٌ منه ﷻ أنْ لا ربَّ للعالمين غيرُه، ولا مُسْتَوْجِبَ (٣) على العبادِ العبادةَ سواه، وأنّ كلَّ ما سواه فهُم خلقُه، والواجبُ على جميعِهم طاعتُه، والانقيادُ لأمرِه، وتركُ عبادةِ ما سواه مِن الأندادِ والآلهةِ، وهجرُ الأوثانِ والأصنامِ؛ لأنَّ جميعَ ذلك خلقُه، وعلى جميعِهم الدَّينُونَةُ له بالوحدانيةِ والأُلوُهَةِ، ولا تنبغي الأُلوهةُ إلا له، إذ كان ما بهم مِن نعمةٍ في الدنيا فمنه، دونَ ما يعبدونَه مِن الأوثانِ ويُشرِكون معه مِن الأشْراكِ (٤)، وما يصيرون إليه مِن نعمةٍ في الآخرةِ فمنه، وأن ما أشركوا معه مِن الأشْراكِ لا يَضُرُّ ولا يَنفَعُ في عاجلٍ ولا آجلٍ، ولا في دنيا ولا آخرةٍ.
وهذا تنبيهٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه أهلَ الشِّركِ به على ضَلالِهم، ودعاءٌ منه لهم إلى الأَوْبَةِ مِن كفرِهم، والإنابةِ من شركِهم، ثم عرَّفهم جلَّ ذكرُه بالآيةِ التي تَتلُوها موضعَ استدلالِ ذوِي الألبابِ منهم، على حقيقةِ ما نَبَّهَهم عليه مِن توحيدِه وحُجَجِه الواضحةِ القاطعةِ عُذرَهم، فقال عزَّ ذِكرُه: أيها المشركون إنْ جَهِلْتم، أو شَكَكْتم في حقيقةِ ما أخبرتُكم مِن الخبرِ؛ من أنّ إلهَكم إلهٌ واحدٌ، دون ما تدَّعون أُلُوهتَه (١) مِن الأنْدادِ والأوثانِ، فتَدَبَّروا حُجَجِي، وفَكِّروا فيها، فإن مِن حججي خَلْقَ السماواتِ والأرضِ، واختلافَ الليلِ والنهارِ، والفُلْكَ التي تجري في البحرِ بما ينفعُ الناسَ، وما أنزلتُ مِن السماءِ مِن ماءٍ فأحييتُ به الأرضَ بعدَ موتِها، وما بَثَثْتُ فيها مِنْ كلِّ دابةٍ، والسحابَ الذي سَخَّرْتُه بينَ السماءِ والأرضِ، فإن كانَ ما تَعْبُدونه مِن الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ وسائرِ ما تُشْرِكون به، إذا اجْتَمَع جميعُه فتَظاهرَ، أو انْفَرَد بعضُه دونَ بعضٍ، يَقْدِرُ على أنْ يَخْلُقَ نظيرَ شيْءٍ مِن خَلْقي الذي سمَّيتُ لكم، فلكم بعبادتِكم ما تَعْبُدون مِن دونِي حينئذٍ عُذرٌ، وإلَّا فلَا عذرَ لكم في اتخاذِ إلهٍ سِوايَ، ولا إلهَ لكم ولما تَعْبدون غَيرِي.
قال أبو جعفرٍ: فلْيَتَدَبَّرْ أولو الألبابِ إيجازَ اللهِ جلَّ ثناؤه، واحتجاجَه على جميعِ أهلِ الكفرِ به، والملحدين في توحيدِه، في هذه الآيةِ وفي التي بعدَها، بأوجزِ كلامٍ وأبلغِ حُجَّةٍ وألطفِ معنًى، يُشْرِفُ بهم على معرفةِ فضلِ حكمةِ اللهِ وبيانِه.
﷽ القولُ في المعنَى الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ علَى نبيِّه ﷺ قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه أنزلَ اللهُ تعالى ذِكرُه هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ؛ فقال بعضُهم: أنزلها جلَّ ثناؤه عليه احتجاجًا له على أهلِ الشركِ به من عَبَدَةِ الأَوثانِ، وذلك أنَّ الله تعالى ذكرُه لما أَنْزَل على نبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.
فتلا ذلك على الصَّحابةِ، وسَمِع به المشركون من عبدةِ الأَوثانِ، قال المشركون: وما الحجةُ والبرهانُ على أنَّ ذلك كذلك، ونحن نُنْكِرُ ذلك، وَنَزْعُمُ أنَّ لنا آلهةً كثيرةً؟
فأنزلَ اللهُ عند ذلك: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ احتجاجًا لنبيِّه ﷺ على الذين قالوا ما ذكرْنا عنهم.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، أنَّ عطاءً قال: نَزَل على النبيِّ ﷺ بالمدينة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فقال كفارُ قريشٍ بمكَّةَ: كيف يَسَعُ الناسَ إلهٌ واحدٌ؟
فأَنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فبهذا تعلمون (١) أنه إلهٌ واحدٌ، وأنه إلهُ كلِّ شيْءٍ، وخالقُ كلِّ شيْءٍ (٢).
وقال آخرون، بل أُنْزِلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ مِن أجلِ أنَّ أهلَ الشركِ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ آيةً (٣)، فأنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ، يُعْلِمُهم فيها أنَّ لهم في خلقِ السماواتِ والأرضِ وسائرِ ما ذُكِر مع ذلك - آيةً بينةً على وحدانيةِ اللهِ، وأنه لا شريكَ له في مُلكِه لمن عَقَل وتَدَبَّر ذلكَ بفهمٍ صحيحٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبيه، عن أبي الضُّحَى، قال: لما نَزَلتْ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ قال المشركون: إنْ كان هذا هكذا فليَأْتِنا بآيةٍ.
فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٤).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ مسروقٍ، عن أبي الضُّحي، قال: لما نَزَلتْ هذه الآيةُ جَعَل المشركون يَعْجَبون ويقُولون: يقولُ: إلهُكم إلهٌ واحدٌ!
فليَأْتِنا (١) بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين.
فأنْزَل اللهُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الآية (٢).
حَدَّثَنِي القاسمُ، قال: حدَّثَنِي الحسينُ، قال: حدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، أنَّ المُشركين قالوا للنبيِّ ﷺ: أرِنا آيةً.
فنَزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: سألتْ قريشٌ اليهودَ، فقالوا: حَدِّثونا عما جاءَكم به موسى مِن الآياتِ.
فحَدَّثوهم بالعصا وبيدِه بَيْضاءَ للناظرين، وسألوا النصارى عما جاءَهم به عيسى مِن الآياتِ، فأحْبَروهم أنه كان يُبرِئُ الأكْمَهَ والأبرصَ ويُحيى الموتى بإذنِ اللهِ، فقالتْ قريشٌ عندَ ذلك للنبيِّ ﷺ: ادعُ اللهَ أن يَجْعَلَ لنا الصَّفا ذهبًا فنَزْدادَ يقينًا، ونَتَقَوَّى به على عدوِّنا.
فسأل النبيُّ ﷺ ربَّه، فأوْحَى إليه: إنِّي مُعْطيهم، [أن أجْعَلَ] (٣) لهم الصَّفا ذهبًا، ولكن إن كذَّبوا بَعْدُ (٤)، عَذَّبْتُهم عذابًا لَمْ أُعَذِّبْه أحدًا مِن العالمين.
فقال النَّبِيُّ ﷺ: "ذَرْنِي وَقَوْمي فأدْعُوَهُمْ يَوْمًا بِيَوْمٍ".
فأنْزَل اللهُ عليه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
إنَّ في ذلك لآيةً لهم، إن كانوا إنما يريدون أن أجْعَلَ لهم الصَّفا ذهبًا ليَزْدادوا يَقينًا، فخَلْقُ (١) السماواتِ والأرضِ، واختلافُ الليلِ والنهارِ، أعظمُ مِن أن أجعلَ لهم الصَّفا ذهبًا (٢).
حدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فقال المشركون للنبيِّ ﷺ: غَيِّرْ لنا الصَّفا ذهبًا إن كنتَ صادقًا، [آيةً منك] (٣).
فقال اللهُ: إنَّ في هذا (٤) لآياتٍ لقومٍ يَعْقِلون وقال: قد سأل الآياتِ قومٌ مِن قَبْلِكم، ثم أصْبَحوا بها كافرين.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه نَبَّه عبادَه على الدَّلالةِ على وحدانيتِه وتَفرُّدِه بالأُلوهةِ، دونَ كلِّ ما سواه مِن الأشياءِ، بهذه الآيةِ.
وجائزٌ أن تكونَ نَزَلَتْ فيما قاله عطاءٌ، وَجائزٌ أن تكونَ نَزَلتْ فيما قاله سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو الضُّحَى، ولا خبرَ عندَنا بتصحيحِ قولِ أحدِ الفريقين يَقْطَعُ العذرَ، فيجوزَ أن يَقضيَ أحدٌ لأحدِ الفريقين بصحةِ قولِه على الآخَرَين، وأيِّ القولَينْ كان صحيحًا، فالمرادُ مِن الآيةِ ما قلنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعني تعالى جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إن في إنشاءِ اللهِ السماواتِ والأرضَ وابْتدَاعِهما.
ومعنى خَلْقِ اللهِ الأشياءَ: ابتداعُه لإيجادُه إيَّاها بعدَ أن لَمْ تكل موجودةً.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على المعنى الذي مِن أجلِه قيلَ: الأرض.
ولم تُجْمَعْ كما جُمِعَتِ السماواتُ، فأغْنَى ذلك عن إعادَتِهِ (١).
فإن قال لنا قائلٌ: وهل للسماواتِ والأرضِ خَلْقٌ هم غيرُها، فيقالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾؟!
قيل: قد اخْتُلِف في ذلك؛ فقال بعضُ الناسِ: لها خلقٌ هو غيرُها.
واعْتَلُّوا في ذلك بهذه الآيةِ، وبالتي في سورةِ "الكهفِ": ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١]، وقالوا: لَمْ يخْلُقِ اللهُ شيئًا إلَّا واللهُ له مريدٌ.
قالوا: فالأشياءُ كانت، بإرادةِ اللهِ، والإرادةُ خَلْقٌ لها.
وقال آخرون: خلْقُ الشيءِ صفةٌ لهُ، لَا هِي هُو، ولَا هي (٢) غيرُه.
وقالوا: لو كان غيرَه لوَجَب أن يكونَ مِثْلُه موصوفًا.
قالوا: ولو جازَ أن يكونَ خَلْقُه غيرَه وأن يكونَ موصوفًا لوَجَب أن تكون له صفةٌ هي له خَلْقٌ، ولو وَجَب ذلك كذلكَ، لَمْ يكنْ لذلك نهايةٌ.
قالوا: فكان معلومًا بذلك أنه صفةٌ للشيْءِ.
قالوا: فخَلْقُ السماواتِ والأرضِ صفةٌ لهما، على ما وَصَفْنا.
واعْتَلُّوا أيضًا بأن للشيْءِ خلقًا ليس هو به، من كتابِ اللهِ بنَحْوِ الذي اعْتَلَّ به الأَوَّلون.
وقال آخرون: خَلْقُ السماواتِ والأرضِ، وخلقُ كلِّ مخلوقٍ، هو ذلك الشيْءُ بعينِه لا غيرُه.
فمعنى قولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: إنَّ في السماواتِ والأرضِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
يعنِي جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾: وتَعاقُبِ الليلِ والنهارِ عليكم أيها، الناسُ، وإنَّما الاختلافُ في هذا الموضِعِ الافْتِعالُ، مِن خُلُوفِ كلِّ واحدٍ منهما الآخرَ، كما قال عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَخْلُفُ مكانَ صاحبِه، إذا ذهبَ الليلُ جاء النهارُ بعدَه، وإذا ذهبَ النهارُ جاء الليلُ خِلَافَه (١).
ومِن ذلك قيل: خَلَف فلانٌ فلانًا في أهلِه بسوءٍ.
ومنه قولُ زُهيرٍ (٢): بها العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً … وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ (٣) وأما "الليلُ" فإنه جمعُ لَيْلَةٍ، نظيرُ التَّمْرِ الذي هو جمعُ تَمْرَةٍ، وقد تُجمَعُ "ليالٍ"، فيَزِيدون في جمعِها ما لَمْ يكنْ في واحِدَتِها، وزيادتُهم الياءَ في ذلك نظيرُ زيادَتِهم إيَّاها في رَباعِيَةٍ وثَمانِيَةٍ وكَراهِيَةٍ.
وأما "النهارُ" فإنه لا تكادُ العربُ تَجْمَعُه؛ لأنه بمنزلةِ الضَّوْءِ، وقد سُمِع في جمعِه "النُّهُر"، قال الشاعرُ (٤): لَوْلا الثَّرِيدانِ هَلَكْنا بالضُّمُرْ … ثَريدُ لَيْلٍ وثَريدٌ بالنُّهُرْ ولو قِيل في جمعِ قليلِه: أنْهِرَةٌ.
كان قياسًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.
يعني جل ثناؤُه: وإنَّ في الفُلكِ التي تجري في البحرِ.
والفُلكُ هو السُّفنُ، واحدُه وجمعُه بلفظٍ واحدٍ، ويُذكَّرُ ويُؤنَّثُ، كما قال جلَّ ثناؤه في تذكيرِه في آيةٍ أُخرى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ (١) فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذَكَّرَه، وقد قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾.
[وإنما قِيل: تَجْري في البحرِ] (٢).
وهي مُجْراةٌ؛ لأنَّها إذا أُجْرِيَتْ فهي الجاريةُ، فأُضِيف إليها مِن الصِّفةِ ما هو لها.
وأما قولُه: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فإنَّ معناه: بنَفْعِ (٣) الناسِ.
[فتأويلُ الكلامِ: وإنَّ في جَرْيِ الفُلكِ بنَفْعِ الناسِ] (٢) في البَحرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
يعني جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾: وفيما أنزَل اللهُ مِن السماءِ من ماءٍ؛ وهو المطرُ الذي يُنزِلُه اللهُ مِن السماءِ.
وقولُه: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
وإحياؤُها: عِمارتُها وإخراجُ نباتِها.
والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على "الماءِ"، والهاءُ والألفُ في قولِهِ: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ على الأرضِ.
وموتُ الأرضِ: خرابُها ودُثُورُ عمارتِها، وانقطاعُ نباتِها الذي هو للعبادِ أقْواتٌ، وللأنامِ أرزاقٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾.
يعني بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾: وإنَّ فيما بَثَّ في الأرضِ من دابةٍ.
ومعنى قوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا﴾: وفَرَّقَ فيها، مِن قولِ القائلِ: بَثَّ الأميرُ سَراياه.
يعني: فَرَّقَ.
والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ عائدَتانِ على "الأرضِ".
والدَّابَّةُ: الفاعِلَةُ، من قولِ القائلِ: دَبَّتِ الدَّابَّةُ تَدِبُّ دَبيبًا فهي دابَّةٌ.
والدَّابَّةُ اسمٌ لكلِّ ذي رُوحٍ كان غيرَ طائرٍ بِجَناحٍ؛ لدَبِيبهِ على الأرضِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.
يعني بقولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وفي تصريفه الرياحَ.
فأسْقَطَ ذكْرَ الفاعلِ وأضاف الفِعلَ إلى المفعولِ، كما يقال: يُعْجِبني إكرامُ أخيك.
يُرادُ: إكرامُك أخاك.
وتصريفُ اللهِ إيَّاها أن يُرْسِلهَا مرةً لَواقِحَ، ومرةً يَجْعَلُها عَقِيمًا، ويَبْعَثُها عذابًا تُدّمِّرُ كلَّ شيْءٍ بأمرِ ربِّها.
كما حَدَّثَنَا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾ قال: قادرٌ واللهِ ربُّنَا على ذلك، إذا شاءَ جَعَلَها عذابًا ريحًا عَقيمًا لا تُلْقِحُ، إنما هي عذابٌ على من (١) أُرسِلَتْ عليه (١).
وزَعم بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) أنَّ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾.
أنَّها تأتي مرَّةً جنوبًا، وشمالًا، وقبولًا، ودَبورًا.
ثم قال: وذلك تصريفُها (٣).
وهذه الصفةُ التي وصَف الرياحَ بها صفةُ تَصَرُّفِها لا صفةُ تَصْرِيفها؛ لأنَّ تصريفَها تصريفُ اللهِ لها، وتصرُّفَها اختلافُ هُبُوبِها.
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾: وتصريفِ اللهِ هبوبَ الرياحِ باختلافِ مَهابِّها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.
يعني بقوله: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ﴾: وفي السحاب المُسخَّرِ.
و"السحابُ" جمعُ سحابةٍ.
يَدُلُّ علَى ذلك قولُه جل ذكرُه: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ﴾ [الرعد: ١٢].
ووحَّدَ المُسخَّرِ وذَكَّره، كما يُقالُ: هذه تمرةٌ، وهذا تمرٌ كثيرٌ، في جمعِه، وهذه نخلةٌ، وهذا نخلٌ.
وإنما قيل للسحاب: سحابٌ - إنْ شاء اللهُ - لجرِّ بعضِه بعضًا، وسَحْبِه إيَّاهُ.
مِن قولِ القائلِ: مَرَّ فلانٌ يَسْحَبُ (١) ذيلَه.
[بمَعْنى: يَجُرُّه] (٢).
فأمّا معنى قولِه: ﴿لَآيَاتٍ﴾: فإنه: علاماتٍ ودلالاتٍ على أنَّ خالقَ ذلك كلِّه ومُنْشِئَه إلهٌ واحدٌ.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ لمن عَقَل مواضعَ الحُجَجِ، وفَهِم عن اللهِ أدِلَّتَه على وحدانيَّتِه.
فأعلَم عزّ ذِكرُه عبادَه بأنَّ الأدلةَ والحُجَجَ إنما وُضعتْ مُعْتبَرًا لذوِي العقولِ والتمييزِ، دونَ غيرِهم مِن الخلْقِ، إذ كانوا هم المخصوصين بالأمرِ والنهيِ، والمُكَلَّفين الطاعةِ والعبادةَ، ولهم الثوابُ، وعليهم العقابُ.
فإن قال قائلٌ: وكيف احْتَجَّ على أهلِ الكفرِ بقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.
في توحيدِ اللهِ، وقد عَلِمْتَ أن أصنافًا من أصنافِ الكُفْرِ (٣) تَدْفَعُ أن تكونَ السماواتُ والأرضُ وسائرُ ما ذُكِر في هذه الآيةِ مخلوقةً؟
قيل: إنَّ إنكارَ مَن أنْكَر ذلك غيرُ دافعٍ أن يكونَ جميعُ ما ذَكَر جل ثناؤُه في هذه الآيةِ دليلًا على خالقِه وصانعِه، وأنَّ له مُدَبِّرًا لا يُشبِهُه، وبارئًا لا مِثْلَ له، وذلك وإن كان كذلك، فإن اللهَ إنما حاجَّ بذلكَ قومًا كانوا مُقِرِّين بأن اللهَ خالِقُهم، غيرَ أنهم كانوا يُشرِكون في عبادَتِه عبادةَ الأصنامِ والأوثانِ، فحاجَّهم تعالى ذِكرُه فقال - إذ أنكروا قولَه: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.
وزَعَموا أنَّ له شركاءَ مِن الآلِهةِ -: إنّ إلهَكم الذي خَلَق السماواتِ والأرضَ، وأجْرَى فيها الشمسَ والقمرَ لكم بأرزاقِكم دائِبَيْن في سيرِهما - وذلك هو معنى اختلافِ الليلِ والنهارِ -[وحَمَلَكم في البَرِّ والبحرِ] (١) - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ - وأنْزَل لكم الغيثَ مِن السماءِ، فأخْصَب به جَنابَكم (٢) بعدَ جُدُوبِه، وأَمْرَعَه (٣) بعدَ دُثُورِه، فنَعَشَكم (٤) به بعدَ قُنوطِكم - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ - وسخَّر لكم الأنعامَ فيها لكم مطاعِمُ ومآكلُ، ومنها جَمالٌ ومَراكِبُ، ومنها أثاثٌ وملابسُ - وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ - وأرسلَ لكم الرِّياحَ لَواقِحَ لأشجارِ ثمارِكم وغذائِكم وأقْواتِكم، وسَيَّر لكم السحابَ الذي بوَدْقِه (٥) حياتُكم، وحياةُ نَعَمِكم ومواشِيكم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.
فأخْبَرَهم أن إلهَهم هو اللهُ الذي أنْعَم عليهم بهذه النِّعمِ، وتَفَرَّد لهم بها، ثم قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠]، فتُشْرِكوه في عبادتِكم إياي، وتَجْعلوه لي نِدًّا وعِدْلًا؟
فإنْ لَمْ يكنْ مِن شركائكم مَن يَفْعَلُ من ذلكم مِن شيْءٍ، ففي الذي عدَدْتُ عليكم مِن نِعْمتي، وتَفَرَّدتُ لكم بأياديَّ دَلالاتٌ لكم إنْ كنتم تَعْقِلون مواقعَ الحقِّ والباطلِ، والجَوْرِ والإنصافِ، وذلك أنِّي لكم بالإحسانِ إليكَم مُتفرِّدٌ دونَ غيري، وأنتم تَجْعَلون لي في عبادتِكم إيَّايَ أنْدادًا.
فهذا هو معنى الآيةِ.
والذين، ذُكِّروا بهذه الآيةِ، واحْتُجَّ عليهم بها، هم القومُ الذين، وَصَفْتُ صفتَهم دونَ المعطِّلةِ والدَّهْرِيةِ، وإن كان في أصغرٍ ما عدَّد اللهُ في هذه الآيةِ مِن الحُجَجِ البالغةِ، المَقْنَع لجميعِ الأنامِ، تَرَكْنا البيانَ عنه كراهةَ إطالةِ الكتابِ بذِكرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلُّ ثناؤُه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
يعني جلُّ ثناؤُه بذلك أنَّ مِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أندادًا الله.
وقد بَيَّنَا فيما مضَى أن النِّدَّ العِدْلُ: بما يَدُلُّ على ذلك مِنْ الشواهدِ، فكَرِهْنا إعادتَه (١)، وأنَّ الذين اتَّخذوا هذه الأندادَ مِن دونِ اللهُ، يُحِبون أندادَهم كحبِّ المؤمنين اللهَ، ثم أخْبَرَهم أن المؤمنين أشدُّ حبًّا للهِ من متَّخذِي هذه الأندادِ لأندادِهم.
واختلَف أهلُ التأويلِ في "الأندادِ" التي كان القومُ اتَّخذوها، وما هي؟
فقال بعضُهم: هي آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدونها مِن دون اللهِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: من الكفارِ لأوثانِهم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾: مباهاةً ومضاهاةً للحقِّ بالأندادَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن الكفارِ لآلهتِهم (١).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾.
قال: هي الآلهةُ التي تُعْبَدُ مِن دونِ اللهِ، يقولُ: يُحِبُّون أوثانَهم كحبِّ اللهِ.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
أي: مِن الكفارِ لأوثانِهم (٢).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾.
قال: هؤلاءِ المشركون، أندادُهم آلهتُهم التي عَبَدوا مع الله، يُحِبُّونهم كما يُحِبُّ الذين آمنوا اللهَ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهم همْ آلهتَهم (٣).
وقال آخرون: بل الأندادُ في هذا الموضعِ إنما هم سادَتُهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ تعالى.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي موسى، قال: [حدَّثنا عمرٌو، قال] (١) ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾.
قال.
الأندادُ مِن الرجالِ، يُطيعونهم كما يطيعون اللهَ، إذا أمروهم أطاعوهم وعَصَوُا اللهَ (٢).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿كَحُبِّ اللهِ﴾؟!
وهل يحبُّ اللهُ الأندادَ؟!
أو هل كان مُتَّخِذو الأندادِ يُحِبون اللهَ فيقالَ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾؟!
قيل: إنَّ معنى ذلك بخلافِ ما ذَهَبْتَ إليه، وإنما نَظيرُ ذلك قولُ القائِلِ: بِعتُ غلامِي كبَيْعِ غلامِك.
بمعنى: بِعْتُه كما بِيعَ غُلامُك، وكبَيْعِك غلامَك.
واسْتَوْفَيْتُ حقِّي منه استِيفاءَ حقِّك.
بمعنى: استيفائِك حقَّكَ.
فتَحْذِفُ مِن الثاني كنايةَ اسمِ المخاطَبِ اكتفاءً بكنايتِه في "الغلامِ" و"الحقِّ"، كما قال الشاعرُ (٣): فلستُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حَيًّا … على زَيْدٍ بتَسْلِيمِ الأميرِ يعني بذلك: كما يُسَلَّمُ على الأميرِ.
فمعنى الكلامِ إذن: ومِن الناسِ مَن يَتَّخِذُ - أيها المؤمنون - مِن دونِ اللهِ أندادًا يُحِبُّونهم كحُبِّكم (٤) اللهَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى (٥) الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾.
اخْتَلَفَتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقَرَأتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (وَلَوْ تَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) بالتاءِ، (إذْ يَرَون العذابَ) بالياءِ، (أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (١) بفتح "أنَّ" و"أنَّ" كلتيهما بمعنى: ولوْ تَرى يا محمدُ الذين كفروا وظلَموا أنْفُسَهم حينَ يَرَوْن عذابَ اللهِ ويُعايِنُونه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ.
ثم في نَصْبِ "أنّ" و"أنَّ" في هذه القراءةِ وجهانِ: أحدُهما، أن تُفْتَحَ بالمحذوفِ مِن الكلامِ الذي هو مطلوبٌ فيه.
فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينَئذٍ: ولو ترى يا محمدُ الذين ظَلَموا إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ لَأَقَرُّوا.
ومعنى (تَرَى).
معنى: تُبصِرُ أن القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ.
ويكونُ الجوابُ حينئذٍ - إذا فَتَحْتَ "أنَّ" على هذا الوجْهِ - متروكًا قد اكْتُفِيَ بدَلالةِ الكلامِ عليه، ويكونُ المعنى ما وَصَفْتُ.
فهذا أحدُ وَجْهَي فَتْحِ "أنّ" على قراءةِ من قرَأ: (وَلَوْ تَرَى) بالتاءِ.
والوجهُ الآخرُ في الفتحِ، أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ إذ يَرى الذين ظلَموا عذابَ اللهِ؛ لأنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ الله شديدُ العذابِ، لَعَلِمْتَ مبلغَ عذابِ اللهِ.
ثم تُحْذَفُ اللامُ، فتُفتَحُ بذلك المعنى، لدلالةِ الكلامِ عليها.
وقَرَأ ذلك آخرون مِن سَلَفِ القَرَأةِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ إنَّ القوةَ للهِ جميعًا وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ) (٢).
بمعنى: ولو تَرَى يا محمدُ الذينَ ظلَمُوا حينَ يعاينُونَ عذابَ اللهِ، لَعَلِمتَ الحالَ التي يَصيرون إليها.
ثم أخْبَر جل ثناؤُه خبرًا مُبْتَدأً عن قدرتِه وسلطانِه بعدَ تمامِ الخبرِ الأوَّلِ، فقال: إنَّ القوةَ للهِ جميعًا في الدنيا والآخرةِ، دونَ مَن سواه مِن الأندادِ والآلهة، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ لمن أَشْرَك به، وادَّعَى معه شِرْكًا (١)، وجَعَل له نِدًّا.
وقد يَحْتَمِلُ وجهًا آخرَ في قراءةِ من كَسَر "إنَّ" [وقَرَأ] (٢) بالتاء، وهو أن يكونَ معناه: ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَموا إذ يَرَوْن العذابَ، يقولون: إنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وإنَّ اللهَ شديدُ العذابِ.
ثم يُحْذَفُ القولُ ويُكْتَفَى منه بالمقولِ.
وقَرَأ ذلك آخرون: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياء، ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بفتحِ الألفِ من ﴿أَنَّ﴾ و ﴿أَنَّ﴾ (٣)، بمعنى: ولو يَرَى الذين ظلَموا عذابَ الله الذي أُعِدَّ لهم في جهنمَ، لعَلِموا حينَ يَرَوْنَه فيُعايِنونَه، أنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، إذ يَرَوْن العذابَ.
فتكونُ ﴿أَنَّ﴾ الأُولَى منصوبةً لتَعَلُّقِها بجوابِ ﴿وَلَوْ﴾ المحذوفِ، ويكونُ الجوابُ متروكًا، وتكونُ الثانيةُ معطوفةً على الأُولى.
وهذه قراءةُ عامَّةِ القَرَأةِ الكوفيين والبصريين وأهلِ مكَّةَ.
وقد زعم بعضُ نَحْويِّى أهلِ البصرة أن تأويلَ قراءةِ مَن قَرَأَ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ بالياءِ في ﴿يَرَى﴾ وفَتْحِ الألفينِ في ﴿أَنَّ﴾ وَ ﴿أَنَّ﴾: ولو يَعْلَمون؛ لأنَّهم لَمْ يكونوا عَلِموا قَدْرِ ما يُعايِنون مِن العذابِ، وقد كان النبيُّ ﷺ عَلِم.
فإذا قال: (ولو تَرَى).
فإنما يُخاطِبُ النَّبِيَّ ﷺ.
قال: ولو كُسِرَتْ "إنَّ" على الابتداءِ إذا قال: (ولو يَرَى).
جاز؛ لأنَّ (لو يَرَى): لو يَعْلَمُ.
وقد يكون "لو يعلمُ" في معنًى لا يَحتاجُ معها إلى شيْءٍ، تقولُ للرجلِ: أمَا واللهِ لو تَعْلَمُ، ولو يَعلَمُ.
كما قال الشاعرُ (١): إنْ يَكُنْ طِبُّك (٢) الدلالَ فلَوْ في … سَالِفِ الدَّهْرِ والسِّنِينَ الخَوَالي هذا ليس له جوابٌ إلَّا في المعنى.
وقال الشاعرُ (٣): وبحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ ولا تَذْ … هَبْ بَكِ التُّرَّهاتُ في الأهْوالِ فأضْمَر: عِيشي.
قال: وقال بعضُهم: (ولو تَرَىَ).
وفَتَح (أنّ) على (تَرَى)، وليس ذلك؛ لأن النَّبيَّ ﷺ (٤) يَعْلَمُ، ولكن أرادَ أن يَعْلَمَ ذلك الناسُ، كما قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ٣] ليُخْبِرَ (٥) الناسَ عن جهلِهم، وكما قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].
قال أبو جعفرٍ: وأنْكَر قومٌ أن تكونَ "أنَّ" عاملًا فيها قولُه: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾.
وقالوا: إنَّ الذين ظلَموا قد علِموا حينَ يَرَوْن العذابَ أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، فلا وجهَ لقولِ مَن تَأَوَّل ذلك: ولو يَرَى الذين ظلمُوا أنَّ القوةَ للهِ.
وقالوا: إنما عَمِل في "أنَّ" جوابُ "لو" الذي هو بمعنى العِلْمِ، لتقدُّمِ العلمِ الأولِ.
وقال بعضُ نَحْوِيِّى الكوفةِ: مَن نَصَب ﴿أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ﴾، ﴿وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ممَّن قرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى﴾ بالياءِ، فإنّما نَصَبها بإعمالِ الرؤيةِ فيها، وجَعَل الرؤيةَ واقعةً عليه.
وأمَّا مَن نَصَبها مِمَّن قرأَ: (ولو تَرَى) بالتاء؛ فإنه نَصَبها على تأويلِ: لأنَّ القوّةَ للهِ جميعًا؛ ولأنّ اللهَ شديدُ العذابِ.
قال: ومَن كَسَرهما ممن قرأَ بالتاءِ، فإنه يَكْسِرُهما على الخبرِ.
وقال آخرون منهم (١): فتْحُ "أنَّ" في قراءةِ مَن قَرَأ: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالياءِ، بإعمالِ "يَرَى"، وجوابُ الكلامِ حينئذٍ متروكٌ، كما تُرِك جوابُ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ [الرعد: ٣١].
لأنَّ معنَى الجَنَّةِ والنارِ مُكرَّرٌ معروفٌ.
وقالوا: جائزٌ كسرُ "إنَّ" في قراءةِ من قرأَ بالياءِ، وإيقاعُ الرؤيةِ على "إذْ" في المعنى.
وأجازوا نَصْبَ "أنَّ" على قراءةِ مَن قَرَأ ذلك بالتاءِ، بمعنى (٢) نيةِ فعلٍ آخرَ، وأن يكونَ تأويلُ الكلامِ: ولو تَرَى الذين ظلَموا إذ يَرَون العذابَ يَرَوْن (٣) أن القوةَ للهِ جميعا.
وزَعَموا أنَّ كَسْرَ "إنَّ" الوجهُ، إذا قُرِئَتْ (ولو تَرَى) بالتاءِ على الاستئنافِ؛ لأنَّ قولَه: (ولو تَرى) قد وَقَع على (الذين ظَلموا).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ عندَنا في ذلك: (ولو تَرَى الذين ظلَموا).
بالتاءِ مِن (تَرَى)، (إذ يرون العذابَ أن القوَّةَ للهِ جميعًا وأن اللهَ شديدُ العذابِ).
بمعنى: لرَأَيْت أنَّ القوَةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ.
فيكونُ قولُه: لَرَأَيْتَ.
الثانيةُ محذوفًا مُستَغْنًى بدلالةِ قولِه: (ولو تَرَى الذينَ ظلمُوا).
عن ذكرِه، وإن كان جوابًا لـ "لو"، ويكونُ الكلامُ وإن كانَ مَخرَجُه مَخْرَجَ الخطابِ لرسولِ اللهِ ﷺ، مَعْنِيًّا به غيرُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان لاشكَّ عالمًا بأنَّ القوةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، ويكونُ ذلك نظيرَ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧].
وقد بَيَّنْتُه في موضعِه (٤).
وإنما اخْتَرْنا ذلك على قراءةِ الياءِ؛ لأنَّ القومَ إذا رَأَوُا العذابَ فقد أيْقَنوا أنَّ القوَّةَ للهِ جميعًا، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ، فلا وجهَ لأنَّ يُقالَ: لو يَرَوْن أن القوَّةَ للهِ جميعًا.
حينئذٍ؛ لأنه إنما يقالُ: لو رَأَيْتَ.
لمن لَمْ يَرَ.
فأمَّا مَن قد رآه، فلا معنَى لأنَّ يُقالَ له: لو رأيتَ.
ومعنى قولِه: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾: إذ يُعايِنون العذابَ.
كما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ يقولُ: لو قد عايَنوا العذابَ (١).
وإنما عَنَى جل ثناؤُه بقولِه: (ولو ترى الذين ظَلَموا): ولو تَرَى يا محمدُ الذين ظلَمُوا أنفسَهم، فاتَّخَذوا مِن دُوني أندادًا يُحِبونهم كحُبِّكم إيَّايَ، حينَ يُعايِنون عذابِي يومَ القيامةِ الذي أعْدَدْتُ لهم، لَعَلِمْتم أنَّ القوَّةَ كلَّها لي دونَ الأندادِ والآلهةِ، وأنَّ الأندادَ والآلهةَ لا تُغنِي عنهم هنالك شيئًا، ولا تَدْفَعُ عنهم عذابًا أحْلَلْتُ بهم، وأيْقَنتم أنِّي شديدٌ عذابي لمن كَفَر بي، وادَّعَى معي إلهًا غيري.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾.
يعني بقولِه جل ذكرُه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: [وأنَّ اللهَ شديدُ العقابِ] (٢) إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذين اتَّبَعوا.
ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
فقال بعضُهم بما حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: وهم الجبابرةُ والقادةُ والرءوسُ في الشِّركِ [والشَّرِّ] (١)، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وهم الأتباعُ الضعفاءُ، ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
قال: تَبَرَّأَتِ القادةُ مِن الأتباعِ يومَ القيامةِ (٣).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال (٤): قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قال: تَبَرَّأ رؤساؤُهم وقادتُهم وسادَتُهم من الذين اتَّبَعوهم (٥).
وقال آخرون بما حدَّثني به موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: أمّا الذين اتُّبِعوا فهم الشياطينُ، تَبَرَّءُوا من الإنْسِ (٦).
والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَرَ أنَّ المتَّبَعِين على الشِّرْكِ باللهِ يَتَبَرَّءُون مِن أتباعِهم حينَ يُعايِنون عذابَ اللهِ، ولم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، بل عَمَّ جميعَهم، فداخِلٌ (١) في ذلك كلُّ متبوعٍ على الكفرِ باللهِ والضلالِ، أنه يَتَبَرَّأُ مِن تُبّاعِه الذين كانوا يَتَّبِعونه على الضلالِ في الدنيا، إذ عاينوا عذابَ اللهِ في الآخرِة.
وأمّا دَلالةُ الآيةِ في مَن عَنَى بقولِه: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾.
فإنها إنما تَدُلُّ على أنَّ الأندادَ الذين اتَّخَذَهم مِن دونِ اللهِ مَن وَصَف جل ذكرُه صفتَه بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾.
هم الذين يَتَبَرَّءون مِن أتْباعِهم.
وإذ كانتِ الآيةُ على ذلك دَالَّةً، صحَّ التأويلُ الذي تَأَوَّلَه السُّدِّيُّ (٢) في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾.
أنَّ "الأنْدادَ" في هذا الموضعِ إنما أُرِيد بها الأندادُ مِن الرجالِ الذين يُطيعونهم فيما أمَروهم به مِن أمرٍ، ويَعْصُون اللهَ في طاعتِهم إيَّاهم، كما يُطِيعُ اللهَ المؤمنون ويَعْصُون غيرَه - وفَسَد تأويلُ قولِ مَن قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ أنهم الشياطينُ تَبَرَّءوا مِن أوليائِهم مِن الإنسِ؛ لأنَّ هذه الآيةَ إنما هي في سياقِ الخبرِ عن مُتَّخذي الأندادِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك، وأنَّ اللهَ شديدُ العذابِ إذ تَبَرَّأ الذين اتُّبِعوا مِن الذِين اتَّبَعوا، وإذ تَقَطَّعَتْ بهم الأسبابُ.
ثم اخْتَلَف أهل التأويلِ في معنى "الأسبابِ"؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به يحيى ابنُ طلحةَ اليَرْبُوعِيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الوِصالُ الذي كان بينَهم في الدنيا (١).
حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عُبيدٍ المكتِبِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: تَواصُلُهم في الدنيا (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عُبيدٍ المُكْتِبِ، عن مجاهدٍ بمثلِه.
حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المَوَدَّةُ (٣).
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثني الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: تَواصُلٌ كان بينهم بالمودَّةِ في الدنيا.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، قال: أخبرني قيسُ ابنُ سعدٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: المودَّةُ (١).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾: أسبابُ الندامةِ يومَ القيامةِ، وأسبابُ المُواصَلَةِ التي كانت بينَهم في الدنيا يَتَواصَلون بها، ويَتخالُّون (٢) بها، فصارتْ عليهم عَداوةً يومَ القيامةِ ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: [العنكبوت: ٢٥] ويَتَبَرَّأُ بعضُكم مِن بعضٍ (٣).
وقال اللهُ: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] فصارتْ كلُّ خُلَّةٍ عداوةً على أهلِها، إلا خُلَّةَ المتقين.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: هو الوَصْلُ الذي كان بينَهم في الدنيا (٤).
وحُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
يقولُ: أسبابُ (٥) النّدامةِ (٦).
وقال بعضُهم: بل معنى الأسبابِ: المنازلُ التي كانت لهم مِن أُهلِ الدنيا، ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يقولُ: تقطَّعت بهم المنازلُ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، عن أبي جعفرٍ الرازِيِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾.
قال: الأسبابُ: المنازلُ (٢).
وقال آخرون: الأسبابُ: الأرْحامُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ (٣)، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: الأرحامُ (٤).
وقال آخرون: الأسبابُ: الأعمالُ التي كانوا يَعْمَلُونها في الدنيا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمّا ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ فالأعمالُ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ، وهبٍ: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ قال: أسبابُ أعمالِهم؛ فأهلُ التقوَى أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم (١) وثيقةً فيَأْخُذون بها فيَنْجُون، والآخرون أُعْطُوا أسبابَ أعمالِهم الخبيثةِ فتَتَقَطَّعُ (٢) بهم فيَذْهَبونَ في النارِ (٣).
قال: والأسبابُ: الشيْءُ يُتَعَلَّقُ به.
قال: والسببُ: الحبلُ.
والأسبابُ: جمعُ سببٍ، وهو كل ما تَسَبَّبَ به الرجلُ إلى طَلِبَتِه وحاجَتِه، فيقالُ للحبلِ: سببٌ؛ لأنه يُتَسبَّبُ بالتَّعَلُّقِ به إلى الحاجةِ التي لا يُوصَلُ إليها إِلَّا بالتعلُّقِ به.
ويقالُ للطريقِ: سببٌ؛ للتَّسَبُّبِ برُكوبِه إلى ما لا يُدرَكُ إلَّا بقَطْعِه.
وللمُصاهَرَةِ: سببٌ؛ لأنها سببٌ للحُرْمَةِ.
وللوسِيلةِ: سببٌ؛ للوصولِ بها إلى الحاجةِ.
وكذلك كلُّ ما كان به إدراكُ الطَّلِبَةِ، فهو سببٌ لإدراكِها.
فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ من القولِ في في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ أن يقالَ: إنَّ اللهَ أخْبَرَ أنَّ الذين ظَلَموا أنفسَهم من أهلِ الكُفرِ الذين ماتوا وهم كفارٌ، يتبَرَّأُ عندَ مُعاينَتهِم عذابَ اللهِ المَتبوعُ مِن التابعِ، وتَتَقَطَّعُ بهم الأسبابُ، وقد أَخْبَر اللهُ جل ثناؤُه في كتابِه أن بعضَهم يَلْعَنُ بعضًا، وأخْبَر عن الشيطانِ أنه يقولَ لأوليائِه: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وأخْبَر جل ثناؤُه أنَّ الأخِلَّاءَ يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلَّا المتقين، وأن الكافرين لا يَنْصُرُ يومئذٍ بعضُهم بعضًا، فقال تعالى ذِكرُه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤، ٢٥].
وأن الرجلَ منهم لا يَنْفَعُه نَسِيبُه ولا ذو رَحِمِه، وإن كان نَسيبُه للهِ وليًّا، فقال جل ثناؤُه في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
وأخبر جل ذِكرُه أن أعمالَهم تَصيرُ عليهم حسراتٍ.
وكلُّ هذه المعاني أسبابٌ يُتَسبَّبُ في الدنيا بها إلى مطالبَ، فقَطَع اللهُ منافعَها في الآخرةِ عن الكافرين به [في الدنيا] (١)؛ لأنها كانت بخلافِ طاعتِه ورضاه، فهي منقطعةٌ بأهلِها، فلَا خِلالُ بعضِهم بعضًا نَفَعهم عند وُرودهِم على ربِّهم، ولا عِبادتُهم أَنْدادَهم، ولا طاعتُهم شياطِينَهم، ولا دافَعَتْ عنهم أرحامٌ فنَصَرَتْهم مِن انتقامِ اللهِ منهم، ولا أغنَتْ عنهم أعمالُهم، بل صارتْ عليهم حسراتٍ، فكلُّ أسبابِ الكفارِ منقطعةٌ، فلَا معنى أبلغُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ مِن صفةِ اللهِ، وذلك ما بيَّنَّا مِن جميعِ أسبابِهم دونَ بعضِها، على ما قلنا في ذلك.
ومن ادَّعَى أن المَعْنيَّ بذلك خاصٌّ مِن الأسبابِ، سُئِل البُرهانَ (٢) على دعواه مِن أصلٍ لا تَنازُعَ فيه، وعُورِضَ بقولِ مخالِفِه فيه، فلن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه لقولِه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾: وقال تُبَّاعُ الرجالِ الذين كانوا اتَّخَذوهم أندادًا من دونِ اللهِ، يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، ويَعْصُون ربَّهم في طاعتِهم، إذ يَرَوْن عذابَ اللهِ في الآخرةِ: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾.
يعني بالكَرَّةِ: الرَّجْعَةَ إلى الدنيا.
مِن قولِ القائلِ: كررتُ على القومِ أَكُرُّ عليهم (١) كَرًّا [ومَكَرًّا] (٢).
والكرَّةُ: المَرَّةُ الواحدةُ.
وذلك إذا حَمَل عليهم راجعًا بعدَ الانصرافِ عنهم، كما قال الأخْطَلُ (٣): ولقد عَطَفْنَ على فزَارَةَ عَطْفَةً … كَرَّ المَنيحِ (٤) وجُلْنَ ثَمَّ مَجَالَا وكما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ أي (٥): رجعةً إلى الدنيا (٦).
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ قال: قالت الأتْباعُ: لو أن لنا كرةً إلى الدنيا فنَتَبَرَّأَ منهم كما تَبَرَّءُوا منا (٧).
وقولُه: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ منصوبٌ؛ لأنه جوابٌ للتَّمَنى بالفاءِ؛ لأنَّ القومَ تَمَنَّوا رجعةً إلى الدنيا ليَتَبَرَّءُوا مِن الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ، كما تَبَرَّأ منهم رؤساؤُهم الذين كانوا في الدنيا، المَتْبوعون فيها على الكفرِ باللهِ، إذ عاينُوا عظيمَ النازلِ بهم مِن عذابِ اللهِ، فقالوا: يا ليتَ لنا كَرَّةً إلى الدنيا، فنَتَبَرَّأَ منهم، و ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.
ومعنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
يقولُ: كما أراهم العذابَ الذي ذَكَره في قولِه: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ الذي كانوا يُكَذِّبون به في الدنيا، فكذلك يُريهم أيضًا أعمالَهم الخبيثَةَ التي اسْتَحَقُّوا بها العقوبةَ مِن اللهِ ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نَداماتٍ.
والحَسَراتُ جمعُ حَسْرَةٍ، وكذلك كلُّ اسمٍ كان واحِدُه على "فَعْلَةٍ" مفتوحُ الأوَّلِ ساكِنُ الثاني، فإنَّ جمعَه على "فَعَلاتٍ"، مثل: شَهْوَةٍ وتَمْرةٍ، تُجْمَعُ: شَهَواتٍ وتَمَراتٍ.
مُثَقَّلَةُ الثَّواني مِن حروفِها.
فأمَّا إذا كان نعتًا فإنَّك تَدَعُ ثانِيَه ساكنًا، مِثلَ: ضَخْمةٍ، تَجْمَعُها: ضَخْماتٍ، وعَبْلَةٍ تَجْمعُها عَبْلاتٍ.
وربما سُكِّن الثاني في الأسماءِ، كما قال الشاعرُ (١): عَلَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أو دُولاتِها (٢) … يُدِلْنَنا اللَّمَّةَ مِن لَماَّتِها فتَسْتَرِيحَ النَّفْسُ مِن زَفْرَاتِها فسَكَّن الثاني مِن "الزَّفْراتِ" وهي اسمٌ.
وقيل: إنَّ الحسرةَ أشَدُّ الندامةِ.
فإن قال لنا قائلٌ: فكيف يَرَوْن أعمالَهم حسراتٍ عليهم، وإنما يَتَنَدَّمُ (١) المُتنَدِّمُ على تَرْكِ الخيراتِ وفَوْتِها إيَّاه، وقد عَلِمْتَ أنَّ الكفارَ لم يكنْ لهم مِن الأعمال ما يتَنَدَّمون على تركِهم الازديادَ منه، فيُريَهم اللهُ قليلَةً، بل كانت أعمالُهم كلُّها معاصيَ للهِ، ولا حسرةَ عليهم في ذلك، وإنما الحسرةُ عليهم فيما لم يَعْملوا مِن طاعةِ اللهِ؟
قِيل له: إنَّ أهلَ التأويلِ في تأويلِ ذلك مُخْتَلِفون، فنَذْكُرُ في ذلك ما قالوا، ثم نُخْبِرُ بالذي هو أوْلَى بتأويلِه إن شاء اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم التي فَرَضها عليهم في الدنيا، فضَيَّعوها ولم يَعْملوا بها، حتى اسْتَوْجَب ما كان اللهُ أعَدَّ [له - لو كان عمِل بها في حياتِه] (٢)، مِن المساكنِ والنِّعَمِ - غيرُه (٣) بطاعتِه ربَّه، فصار ما فاته (٤) مِن الثوابِ - الذي كان اللهُ أعدَّه [له عندَه، لو كان أطاعه في الدنيا، إذ عاينه] (٥) عندَ دخولِ النارِ، أو قبلَ ذلك - أسًى وندامةً وحسرةً عليه (٦).
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾.
زَعَم أنه تُرْفَعُ لهم الجنةُ، فيَنْظُرون إليها وإلى بيوتِهم فيها، لو أنَّهم أطاعوا اللهَ، فيقالُ لهم: تلك مساكنكم لو أطَعْتم اللهَ.
ثم تُقَسَّمُ بينَ المؤمنين، فيَرِثُونهم، فذلك حينَ يَنْدَمون (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعْراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذَكَرها فقال: فليس نفسٌ إلَّا وهي تَنْظُرُ إلى بيتٍ في الجَنَّةِ وبيتٍ في النارِ، وهو يومُ الحسرةِ.
قال: فيَرَى أهلُ النارِ [البيتَ الذي] (٢) في الجنَةِ، فيقالُ لهم: لو عَمِلْتم؟
فتَأْخُذُهم الحسرةُ.
قال: ويرَى أهلُ الجَنَّةِ البيتَ الذي في النارِ، فيقالُ: لولا أن مَنَّ اللهُ عليكم (٣).
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ مضافًا إليهم من العمل مالم يَعْمَلوه على هذا التأويلِ؟
قِيل: كما يُعْرَضُ على الرجلِ العملُ، فيقالُ قبلَ أن يَعْمَلَه: هذا عملُك.
يعني: هذا الذي يَجبُ عليك أن تَعْمَلَه.
كما يقالُ للرجلِ يَحْضُرُ غداؤُه قبلَ أن يَتَغَدَّى به: هذا غَداؤك اليومَ.
يَعْني به: هذا ما تتَغَدَّى به اليومَ.
فكذلكَ قولُه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ يعني: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم التي كان لازمًا لهم العملُ بها في الدنيا، حسراتٍ عليهم.
وقال آخرون: كذلك يُريهم اللهُ أعمالَهم السيئةَ حسراتٍ عليهم: لم عَمِلوها؟
وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها مما يُرْضِي اللهَ تعالى؟
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: فصارتْ أعمالُهم الخبيثةُ حسرةً عليهم يومَ القيامةِ (١).
حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ قال: أو ليسَ أعمالُهم الخبيثةُ التي أدْخَلَهم اللهُ بها النارَ حسراتٍ عليهم؟
قال: وجَعَل أعمالَ أهلِ الجَنَّةِ لهم.
وقَرَأ قولَ اللهِ: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤].
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى التأويليْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾: كذلك يُرِي اللهُ الكافرين أعمالَهم الخبيثةَ حسراتٍ عليهم، لم عَمِلوا بها؟
وهَلَّا عَمِلوا بغيرِها؟
فَندِموا على ما فَرَط منهم مِن أعمالِهم الرَّديئةِ إذ (٢) رَأَوْا جزاءَها مِن اللهِ وعقابَها؛ لأنَّ اللهَ أخْبر أنه يُرِيهم أعمالَهم نَدمًا عليهم.
فالذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما دلَّ عليه الظاهرُ دونَ ما احْتَمَلَه الباطنُ الذي لا دَلالةَ على أنه المَعْنِيُّ بها.
والذي قاله السُّدِّيُّ في ذلك، وإن كان مَذهبًا تَحْتَمِلُه الآيةُ، فإنه مَنْزَعٌ بعيدٌ، ولا أثرَ بأنَّ ذلك كما ذكَر تقومُ له حجةٌ فيُسَلَّمَ له (١)، ولا دلالةَ في ظاهرِ الآيةِ أنه المرادُ بها، فإذ (٢) كان الأمرُ كذلك لم يُحَلْ ظاهرُ تنزيلٍ إلى باطنِ تأويلٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.
يعني جل ذِكرُه بذلك: وما هؤلاءِ الذين وَصَف صفتَهم مِن الكفارِ - وإن نَدِموا بعدَ مُعايَنتِهم ما عايَنوا من عذابِ اللهِ، فاشْتَدَّتْ نَدامَتُهم على ما سَلَف منهم مِن أعمالِهم الخبيثةِ، وتَمَنَّوْا إلى الدنيَا كَرَّةً لِيُنيبوا فيها، ويَتَبَرَّءُوا مِن مُضِلِّيهم وسادَتِهم الذين كانوا يُطيعونهم في معصيةِ اللهِ فيها - بخارجين من النارِ التي أَصْلاهُموها اللهُ بكفرِهم به في الدنيا، ولا نَدَمُهم فيها بمُنْجِيهم مِن عقاب اللهِ حينئذٍ، ولكنهم فيها مُخلَّدون.
وفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ على تكذيبِ اللهِ الزاعمين أنَّ عذابَ اللهِ أهلَ النارِ مِن أهلِ الكفرِ به مُنْقَضٍ، وأنه إلى نهايةٍ، ثم هو بعدَ ذلك فانٍ؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه أخْبَرَ عن هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، ثم خَتَم الخبرَ عنهم بأنَّهم غيرُ خارجين من النارِ، بغيرِ استثناءٍ منه وقتًا دونَ وقتٍ، فذلك إلى غيرِ حدٍّ ولا نهايةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾.
يعني بذلك جلّ ثناؤه: يا أيها الناسُ كلُوا ممَّا أحَللْتُ لكم مِن الأطعمةِ على لسانِ رسولِي محمدٍ ﷺ، فَطَيَّبْتُهُ لكُمْ، مما تُحرِّمُونَه على أنْفُسِكم من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ، وما أشبهَ ذلك مما لم أحرِّمْهُ علَيْكم، دونَ ما حرَّمْتُه عليكُم مِن المطاعمِ والمآكلِ فنجَّستُه، من مَيْتةٍ ودمٍ ولحمِ خنزيرٍ، وما أُهِلَّ به لِغيرِي، ودَعُوا خطواتِ الشيطانِ التي تُوبِقُكُم فتُهلِكُكم وتُورِدُكُم مواردَ العَطَبِ، وتُحرِّمُ عليكم أموَالَكم فلا تَتَّبِعُوها ولا تَعمَلُوا بها.
﴿إِنَّهُ﴾ يَعنِي بقولِه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ الشيطانَ، والهاءُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ﴾ عائدةٌ على الشيطانِ ﴿لَكُمْ﴾ أيها الناسُ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يعني جلّ ثناؤه أنه قد أبانَ لكم عدَاوَتَه بإبائِه (١) السجودَ لأبيكم وغُرورِه إيَّاه حتى أخرجَه من الجَنَّةِ واستزَلّهُ بالخطيئة، وأكَل من (٢) الشجرةِ.
يقولُ جلّ ثناؤُه: فلا تَنْتَصِحُوه أيها الناسُ مع إِبانتِه لكم العداوةَ، ودعُوا ما يأمرُكُم به، والزَمُوا طاعَتي فيما أمرْتُكم به ونَهيتُكُم عنه مما حلّلْتُه لكم، وحرَّمتُه عليكُم، دونَ ما حرَّمتُمُوه أنتم علَى أنفُسِكم وحلَّلْتمُوه طاعةً منكُم للشيطانِ واتباعًا لأمرِه.
ومعنَى قولِه: ﴿حَلَالًا﴾: طِلْقًا، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد حلَّ لكَ هذا الشيْءُ.
أي: صارَ لك مُطْلَقًا، فهو يَحِلُّ لك حلَالًا وحِلًّا.
ومن كلامِ العربِ: هو لكَ حِلٌّ بِلٌّ طِلْقٌ.
وأمّا قولُه: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنه يعني به: طاهرًا غيرَ نجِسٍ ولا مُحرَّمٍ.
وأما "الخُطواتُ" فهي جمعُ خُطوةٍ، والخُطوةُ بُعدُ ما بينَ قدمَي الماشِي، والخَطوةُ بفتحِ الخاءِ: الفَعلةُ الواحدةُ، من قولِ القائلِ: خطوتُ خَطْوةً واحدةً.
وقد تُجمعُ الخُطوةُ خُطًا، والخَطوة تُجمعُ خَطَوَاتٍ وخِطاءً.
والمعنى في النهي عن اتباعِ خُطواتِه، النهيُ عن طريقهِ وأثرِه فيما دعا إليه مما هو خلافُ طاعةِ اللهِ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الخُطواتِ؛ فقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ عملُه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يقولُ: عملُه (١).
وقال بعضُهم: خُطواتُ الشيطانِ (٢): خَطاياه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قالَ: خطيئَتُه (٣).
حدثني المُثَنَّى، قالَ: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قالَ: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ، قال: خَطاياهُ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: خَطاياه (٤).
حدثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: خَطايا الشيطانِ التي يأمرُ بها.
وقال آخرون: خطواتُ الشيطانِ: طاعتُه.
ذكرُ من قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ يقولُ: طاعتُه (١).
وقال آخرون: خُطواتُ الشيطانِ: النذورُ في المعاصِي.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن سليمانَ، عن أبي مِجلَزٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قال: هي النذورُ في المعاصِي (٢).
وهذه الأقوالُ التي ذكرناهَا عمَّن ذكرْنَاها عنه في تأويلِ قولِه: ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ قريبٌ معنَى بعضِها من بعضٍ؛ لأنّ كلَّ قائلٍ منهم قولًا في ذلك فإنه أشارَ إلى نَهْي اتباعِ الشيطانِ في آثارِه وأعمالِه، غيرَ أن حقيقةَ تأويلِ الكلمةِ هو ما بَيَّنْتُ من أنها بُعْدُ ما بينَ قدَميه، ثم تُستعملُ في جميعِ آثارِه وطُرُقِه على ما قد بَيَّنْتُ.
القول في تأويل قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ﴾: الشيطانُ، ﴿بِالسُّوءِ﴾.
والسوءُ الاسمُ (١) مثلُ الضُّرِّ من قولِ القائلِ: ساءك هذا الأمرُ يسوءُك سُوءًا.
وهو ما يسوءُ الفاعلَ.
وأما الفحشاءُ فهي مصدرٌ مثلُ السرّاءِ والضرّاءِ، وهي كلُّ ما اسْتُفْحِشَ ذِكرُه وقَبُحَ مَسموعُه.
وقيلَ: إنّ السوءَ الذي ذكرَه اللهُ هو معاصِي اللهِ.
فإن كان ذلك كذلك، فإنّما سماها اللهُ سوءًا؛ لأنّها تَسوءُ صاحبَها بسوءِ عاقِبتِها له عندَ اللهِ.
وقيل: إنّ الفحشاءَ الزنا.
فإنْ كان ذلك كذلك، فإنما [سمِّى بذلك] (٢) لِقُبْحِ مَسمُوعِه، ومكرُوهِ ما يُذكرُ به فاعلُه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾: أما "السوءُ" فالمعصيةُ، وأما "الفحشاءُ" فالزنا (٣).
وأما قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فهو ما كانوا يُحرِّمون من البحائرِ والسوائبِ والوصائلِ والحوامِي، ويَزعُمون أنّ اللهَ حرّمَ ذلك، فقال جلّ ثناؤه لهم: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ [المائدة: ١٠٣] وأخبَرهم جلّ ثناؤه في هذه الآيةِ أنّ قِيلَهُم: إن اللهَ حرَّم هذا.
من الكذبِ الذي يأمرُهم به الشيطانُ، وأنه قد أحلَّه لهم وطَيَّبه، ولم يحرِّمْ أكلَه عليهم، ولَكِنَّهم يقولونَ على اللهِ ما لا يعلمونَ حقيقتَه، طاعةً منهم للشيطانِ، واتباعًا منهم خُطواتِه، واقتفاءً منهم آثارَ أسلافِهم الضُّلَّالِ، وآبائِهم الجهّالِ، الذين كانوا باللهِ وبما أنزَل على رسلِه جُهّالًا، وعن الحقِّ ومنهاجِه ضُلَّالًا، وانصرافًا (١) منهم عمّا أنزلَ الله في كتابِه على رسولِه ﷺ، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾.
في هذه الآيةِ وجهان من التأويلِ؛ أحدُهما، أن تكونَ الهاءُ والميمُ من قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ عائدةً على ﴿مَن﴾ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا﴾.
فيكونُ معنى الكلامِ: ومن الناسِ مَن يتخذُ من دونِ اللهِ أندادًا، وإذا قيلَ لهم: اتّبعوا ما أنزَلَ اللهُ، قالوا: بلْ نتبعُ ما ألفينا عليه آباءَنا.
والآخرُ، أن تكونَ الهاءُ والميمُ اللتان في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ من ذكرِ "الناسِ" الذين في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ فيكونُ ذلك انصرافًا من الخطابِ إلى الخبرِ عن الغائبِ، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
وأشبهُ عندِي وأوْلَى بالآيةِ أن تكونَ الهاءُ والميمُ في ﴿لَهُمُ﴾ من ذكرِ "الناسِ" [في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾] (١)، وأن يكونَ ذلك رجوعًا من الخطابِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنَّ ذلك عَقيبَ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ فَلأنْ يكون خبرًا عنهم أوْلَى مِن أنْ يكونَ خبرًا عن الذين أخبَر عنهم (٢) أنّ منهم مَن يَتخِذُ من دونِ اللهِ أندادًا، معَ ما بينَهما من الآياتِ وانقطاعِ قَصَصِهم بقصَّةٍ مُستأنَفةٍ غيرِها، وإنما نزَلتْ في قومٍ من اليهودِ قالوا ذلك إذ دُعوا إلى الإِسلامِ.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: دعَا رسولُ الله ﷺ اليهودَ من أهلِ الكتابِ إلى الإِسلامِ ورغَّبهم فيه، وحذَّرَهم عذابَ (٣) اللهِ ونِقمتَه، فقال له رافعُ بنُ خارجةَ ومالكُ بنُ عَوفٍ: بل نتَّبِعُ ما وجَدْنا (٤) عليه آباءَنا، فهم (٥) كانوا أعلمَ وخيرًا منَّا.
فأنزَل اللهُ [في ذلك من قولِهما] (٦): ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ (٧).
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدثني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ مِثلَه، إلا أنه قال: فقال له أبو رافعِ بنُ خارجةَ وخالدُ بنُ عوفٍ.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ﴾ فإنه: اعمَلوا بما أنزَل اللهُ في كتابِه على رسولِه، فأَحِلُّوا حلالَه وحرِّمُوا حرامَه، واجعلوه لكم إمامًا تأتُّمونَ به، وقائدًا تتَّبِعون أحكامَه.
وقولُه: ﴿أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ يعني: وجَدْنا.
كما قال الشاعرُ (١): فألْفَيْتُهُ غيرَ مُسْتَعْتِبٍ (٢) … وَلا ذَاكرِ اللهَ إلَّا قلِيلا يعني: وجدْتُه.
وكما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ أي: ما وجدْنا عليه آباءَنا (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٤).
فمعنى الآيةِ: وإذا قيلَ لهؤلاءِ الكفارِ: كُلُوا مما أحَلَّ الله لكم ودَعُوا خطواتِ الشيطانِ وطريقَه، واعمَلُوا بما أنزَل اللهُ علَى نبيِّه في كتابِه، استكبَرُوا عن الإذعانِ للحقِّ، وقالوا: بل نأتمُّ بآبائِنا، فنتَّبعُ ما وجدناهُم عليه من تحليلِ ما كانوا يُحِلُّون، وتَحريمِ ما كانوا يحُرِّمون.
قال اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ يعني آباءَ هؤلاءِ الكافرين الدين مضَوا على كفرِهم باللهِ العظيمِ ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ من دينِ اللهِ وفرائضِه وأمرِه ونهيِه، فيُتَّبَعوا على ما سلَكُوا من الطريقِ ويُؤتَمَّ بهم في أفعالِهم، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ لرُشدٍ فيَهتدِيَ بهم غيرُهم، ويقتدِيَ بهم مَن طلَبَ الدِّينَ، وأراد الحقَّ والصوابَ!
يقولُ جلّ ثناؤه لهؤلاء الكفارِ: فكيفَ أيها الناسُ تتبِعون ما وجَدتُم عليه آباءَكم فتترُكونَ ما يأمرُكم به ربُّكم، وآباؤكم لا يعقِلون من أمرِ اللهِ شيئًا، ولا هم مُصيبون حقًّا ولا مُدرِكون رُشدًا، وإنما يتَّبعُ المتَّبعُ ذا المعرفةِ بالشيْءِ المستعملَ له في نفْسِه، فأما الجاهلُ فلا يتّبعُه فيما هو به جاهلٌ إلَّا مَن لا عقلَ له ولا تمييزَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: مثلُ الكافرِ في قلَّةِ فَهمِه عن اللهِ ما يُتلَى عليه من (١) كتابِه، وسوءِ قبولِه لما يُدعَى إليه من توحيدِ الله، ويوعَظُ به - مثلُ البهيمةِ التي تسمعُ الصوتَ إذا نُعِقَ بها ولا تعقِلُ ما يقالُ لها.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: مثلُ البعيرِ أو مثلُ الحمارِ تدْعُوه فيسمَعُ الصوتَ ولا يفقَهُ ما تقولُ (٢).
حدثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ (١)، [قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ] (٢)، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال: هو مثلُ (٣) الشاةِ ونحوِ ذلك (٤).
حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: كمثلِ البعيرِ والحمارِ والشاةِ، إن قلتَ لبعضِها: كُلْ.
لا يعلَمُ ما تقولُ غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك، كذلك الكافرُ إن أمرْتَه بخيرٍ أو نهيتَه عن شرٍّ أو وعَظْتَه لم يعقِلْ ما تقولُ، غيرَ أنه يسمَعُ صوتَك (٥).
حدثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: مثلُ الدابةِ تُنادَى فتسمَعُ ولا تعقِلُ ما يُقالُ لها، كذلك الكافرُ يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ (٦).
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ قال: مَثَلُ الكافرِ مَثلُ البهيمةِ تسمَعُ الصوتَ ولا تعقِلُ (٧).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾: مَثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ يسمَعُ ما يُقالُ له ولا يَعقِلُ، كمَثلِ البهيمةِ تسمَعُ النَّعيقَ ولا تعِقلُ.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ (١): مثلُ الكافرِ كمثلِ البعيرِ والشاةِ، تَسمَعُ الصوتَ (٢) ولا تدرِي (٣) ما عُنِي به.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: هو مَثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ، يقولُ: مَثلُ هذا الكافرِ مَثلُ هذه البهيمةِ التي تسمَعُ الصوتَ ولا تدرِي ما يقالُ لها، فكذلك الكافرُ [يُقال له و] (٤) لا يَنْتفِعُ بما يُقالُ له (٥).
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: هو مثلُ الكافرِ يسمَعُ الصوتَ ولا يعقِلُ ما يقالُ له (٦).
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: وسألتُ عطاءً، ثم قلتُ له: يُقالُ: لا تعقِلُ، يعني البهيمةَ، إلّا أنها تسمَعُ دعاءَ الرَّاعِي (٧) حين يَنعِقُ بها، فهُم كذلك لا يعقِلون، وهم يسمعون؟!
فقال: كذلك.
قال: وقال مجاهدٌ: ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الراعِي، يَنعِقُ (٨) ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ من البهائمِ (١).
حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾: الراعِي: ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ البهائمُ.
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾: لا يعقِلُ ما يقالُ له، إلا أن تُدعَى فتأتيَ، أو ينادَى بها فتذهَبَ، وأما ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فهو الراعِي الغنمَ، كما ينعِقُ الراعِي ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ ما يُقالُ له، إلَّا أن يُدعَى أو يُنادَى، فكذلك محمدٌ ﷺ يدعُو من لا يسمعُ إلّا حَويرَ (٢) الكلامِ، يقولُ اللهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ (٣).
ومَعْنَى قائلِي هذا القولِ في تأويلِهم ما تأوَّلوُا على ما حكيتُ عنهم: ومَثَلُ وعْظِ الذين كفَروا وواعظِهم، كمثَلِ نَعْقِ الناعِقِ بغنمِه ونَعيقِه به (٤).
فأُضيف المثَلُ إلى الذين كفَروا، وترَك ذكرَ الوعظِ والواعظِ، لدلالةِ الكلامِ على ذلك، كما يقالُ: إذا لقِيتَ فلانًا فعظِّمْه تعظيمَ السلطانِ.
يرادُ به: كما تُعظِّمُ السلطانَ.
وكما قال الشاعرُ (٥): فَلَسْتُ مُسَلِّمًا ما دُمْتُ حيًّا … علَى زَيْدٍ بِتَسْلِيمِ الأمِيرِ يرادُ به: كما يُسلَّمُ على الأميرِ.
وقد يَحتمِلُ أن يكونَ المعنَى على هذا التأويلِ الذي تأوَّله هؤلاءِ: ومَثلُ الذين كفَرُوا في قلّةِ فَهمِهم عن اللهِ وعن رسولهِ كمَثلِ المنْعوقِ به من البهائمِ الذي لا يفقَهُ من الأمرِ والنَّهْىِ غيرَ الصوتِ؛ وذلك أنه لو قيلَ له: اعْتلِفْ.
أو: رِدِ الماءَ.
لم يدرِ ما يقالُ له غيرَ الصوتِ الذي يسمَعُه من قائلِه، فكذلك الكافرُ، مَثلُه في قلَّةِ فَهمِه لما يُؤمرُ به ويُنهَى عنه، بسوءِ تدَبُّرِه إيَّاه، وقلةِ نظرِه وفكرِه فيه، مَثلُ هذا المنعوقِ به فيما أُمِرَ به ونُهِيَ عنه، فيكونُ المعنى للمنعوقِ به، والكلامُ خارجٌ على الناعقِ، كما قال نابغةُ بني ذُبيانَ (١): وَقَدْ خِفْتُ حتَّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي … على وَعِلٍ في ذِي المَطارَةِ (٢) عاقِلٍ (٣) والمعنَى: حتى ما تَزيدُ مخافةُ الوعِلِ على مخافتِي.
وكما قال الآخرُ (٤): كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كمَا … كانَ الزِّناءُ فَريضَةَ الرَّجْمِ والمعنى: كما كان الرجمُ فريضةَ الزِّنا.
فجعلَ الزِّنا فريضةَ الرَّجْمِ لوضوحِ معنى الكلامِ عندَ سامعِيه (٥)، وكما قال الآخرُ (٦): إنَّ سِرَاجًا لَكَريمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُهْ (٧) والمعنى: يَحْلى بالعينِ.
فجعلَه: تحْلَى به العينُ.
ونظائرُ ذلك من كلامِ العربِ أكثرُ من أن تُحصى، مما تُوَجِّهُه العربُ من خبرِ ما تخبِرُ عنه إلى ما صاحَبَه؛ لظهورِ معنى ذلك عند سامعِيه (١)، فتقولُ: اعرضِ الحوضَ على الناقةِ.
وإنما تُعرَضُ الناقةُ على الحوضِ، وما أشبهَ ذلك من كلامِها.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومثلُ الذين كفَروا في دعائِهم آلهتَهم وأوثانَهم التي لا تسمَعُ ولا تعقِلُ، كمثلِ الذي يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إلا دعاءً ونداءً، وذلك الصَّدَى الذي يُسمَعُ صوتُه، ولا يُفْهِمُ [عن الناعقِ به] (٢) شيئًا.
فتأويلُ الكلامِ على قولِ قائلِ ذلك: ومثَلُ الذين كفَروا وآلهتِهم في دعائِهم إيّاها وهي لا تفقَهُ ولَا تعقِلُ، كمَثلِ الناعقِ بما لا يَسْمَعُه الناعقُ إلا دعاءً ونداءً.
أي: لا يسمعُ منه الناعقُ إلا دعاءَه [ونداءَه] (٣).
ذِكرُ من قال ذلك حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ قال: الرجلُ الذي يصيحُ في جوفِ الجبالِ فيجيبُه فيها صوتٌ يراجعُه يقالُ له: الصَّدَى.
فمثلُ آلهةِ هؤلاءِ لهم، كمَثلِ الذي يُجيبُه بهذا الصّوتِ ولا ينفعُه؛ لا يسمعُ إلّا دعاءً ونداءً.
قال: والعربُ تسمِّي ذلك الصَّدَى.
وقد تَحتمِلُ الآيةُ على هذا التأويلِ وجهًا آخرَ غيرَ ذلك، وهو أن يكونَ معناها: ومَثلُ الذين كفَروا في دعائِهم آلهتَهم التي لا تفقَهُ دعاءَهم، كمَثلِ الناعقِ بغنمٍ له من حيثُ لا تسمَعُ صوتَه غنمُه، فلا تَنتفعُ من نَعيقِه (١) بشيْءٍ، غيرَ أنه في عَناءٍ من دعاءٍ ونداءٍ، فكذلك الكافرُ في دعائِه آلهتَه، إنما هو في عَناءٍ من دُعائِه إيَّاها وندائِه لها، ولا تنفعُه شيئًا (٢).
وأوْلى التأويلَيْن (٣) عندي بالآيةِ التأويلُ الأولُ الذي قاله ابنُ عباسٍ ومَنْ وافَقه عليه، وهو أن معنى الآيةِ: ومَثلُ وَعْظِ الكافِر وَوَاعِظِه، كمثلِ الناعِقِ بغنمِه ونعيقِه، فإنه يسمَعُ نعيقَه ولا يعقِلُ كلامَه.
على ما قد بينَّا قبلُ.
فأما وجْهُ جوازِ حذفِ الوعظِ اكتفاءً بالمثَلِ منه، فقد أتينَا على البيانِ عنه في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وفي غيرِه من نظائرِه من الآياتِ بما فيه الكفايةُ عن إعادَتِه.
وإنما اختَرنا هذا التأويلَ؛ لأن هذه الآيةَ نزَلت في اليهودِ، وإيّاهُم عَنَى اللهُ بها، ولم تكنِ اليهودُ أهلَ أوثانٍ يَعبدونها ولا أهلَ أصنامٍ يُعظِّمونَها، ويَرجونَ نَفْعَها أو دفعَ ضُرِّها، فلا وجهَ، إذْ كان ذلكَ كذلكَ، لتأويلٍ من تأوَّلَ ذلك أنه بمعنى: مَثَلُ الذين كفَروا في ندائِهم الآلهةَ ودُعائِهم إيّاها.
فإن قال قائلٌ: وما دليلُك على أن المقصودَ بهذه الآيةِ اليهودُ؟
قيل: دليلُنا على ذلك ما قبْلَها من الآياتِ وما بعدَها، [وأنهم] (٤) هم المعنيُّون به، فكان ما بينَهما بأن يكونَ خبرًا عنهم أحقَّ وأوْلَى من أن يكونَ خبرًا عن غيرِهم، حتى تأتيَ الأدلةُ واضحةً بانصرافِ الخبرِ عنهم إلى غيرِهم، هذا مع ما قد ذكَرنا من الأخبارِ عمَّن ذكَرناها عنه أنها فيهم نزَلتْ، والروايةِ التي روَينا عن ابنِ عباسٍ أن الآيةَ التي قبلَ هذه الآيةِ نزَلتْ فيهم.
وبما قلنا من أن هذه الآيةَ معنىٌّ بها اليهودُ، كان عطاءٌ يقولُ.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ في هذه الآيةِ: هم اليهودُ الذين أنزَل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ (١).
وأما قولُه: ﴿يَنْعِقُ﴾.
فإنه: يُصوِّتُ بالغنمِ، [يُقالُ لتصويتِ الراعي بالغنمِ] (٢): النَّعيقُ والنُّعَاقُ.
ومنه قولُ الأخطلِ (٣): فانعِقْ بضَأْنِكَ ياجَريرُ فإنَّما … مَنَّتْكَ نفسُكَ في الخلاءِ ضَلَالا يعني: صوِّتْ به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿صُمٌّ﴾: هؤلاءِ الكفارُ الذين مَثلُهم كمثَلِ الذي يَنْعِقُ بما لا يسمَعُ إلّا دعاءً ونداءً صُمٌّ عن الحقِّ فهم لا يسمَعونه ﴿بُكْمٌ﴾ يعني: خُرْسٌ عن قيلِ الحقِّ والصوابِ، والإقرارِ بما أمرَهم اللهُ أن يُقِرُّوا به، وتَبْيينِ ما أمرَهم اللهُ تعالى ذكرُه أن يُبيِّنوه من أمرِ محمدٍ ﷺ للناسِ، فلا ينطِقُون به ولا يقُولونه ولا يبيِّنونه للناسِ، ﴿عُمْيٌ﴾ عن الهدَى وطريقِ الحقِّ لا يُبصِرونه.
كما حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
يقولُ: صمٌّ عن الحقِّ فلا يسمَعونَه ولا ينتفِعونَ به ولا يعقِلونَه، عُميٌ عن الحقِّ والهدَى فلا يبصِرُونه، بكمٌ عن الحقِّ فلا ينطِقونَ به (١).
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
يقولُ: عن الحقِّ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
يقولُ: لا يَسمَعون الهدَى ولا يُبصِرونَه ولا يَعقِلونَه (٢).
وأما الرفعُ في قولِه: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
فإنه أتاه من قِبَلِ الابتداءِ والاستئنافِ، يدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ كما يقالُ في الكلامِ: هو أصمُّ فلا يسمَعُ، وهو أبكمُ فلا يتكلَّمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللهَ ورسولَه، وأقَرُّوا للهِ بالعبودةِ (٣)، وأذعَنوا له بالطاعةِ.
كما حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
يقولُ: صدَّقوا (٤).
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يعني: اطْعَموا من حلالِ الرزقِ الذي أحلَلْناه لكُم، فطابَ لكم بتحليلي إيَّاه لكم مما كنتم تُحَرِّمونه أنتم ولم أكنْ حرَّمْتُه عليكم، من المطاعم والمشاربِ، ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ يقولُ: وأَثنُوا على اللهِ جلّ ثناؤه بما هو [أهلٌ منكم] (١)، على النِّعمِ التي رزَقكم، وطيَّبها لكُمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ يقولُ: إن كنتم منقادِين لأمرِه سامعِين له مطيعِين، فكلوا مما أباحَ لكم أكلَه وحلَّله وطيَّبه لكم، ودَعوا في تحريمِه خطواتِ الشيطانِ.
وقد ذكَرنا بعضَ ما كانوا في جاهليتِهم يحرِّمونه من المطاعمِ، وهو الذي ندَبهم إلى أكلِه، ونهاهُم عن اعتقادِ تحريمِه، إذْ كان تحريمُهم إيَّاه كان في الجاهليةِ طاعةً منهم للشيطانِ، واتباعًا لأهلِ الكفرِ منهم باللهِ من الآباءِ والأسلافِ.
ثم بيَّن لهم جلّ ثناؤه ما حرَّم عليهم، وفصَّله (٢) لهم مفسَّرًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
يعني جلّ ثناؤه بذلك: لا تحرِّموا على أنفُسِكم ما لم أحرِّمْه عليكم أيها المؤمنون باللهِ وبرسولِه من البحائرِ والسوائبِ ونحوِ ذلك، بل كُلُوا ذلك، فإني لم أحرِّمْ عليكم غيرَ المَيْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِي.
ومعنى قولِه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾: ما حرَّم عليكم إلّا الميْتةَ.
و ﴿إِنَّمَا﴾ حرفٌ واحدٌ، ولذلك نُصِبت "الميتةُ والدمُ"، وغيرُ جائزٍ في "الميتةِ" إذا جعَلتَ "إنما" حرفًا واحدًا إلا النصبُ، ولو كانت "إنما" حرفين، [فكانت "ما"] (١) منفصلةً من "إنّ" لكانت "الميتةُ" مرفوعةً وما بعدَها، وكان تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: إن الذي حرَّم اللهُ عليكم من المطاعمِ الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزيرِ لا غيرُ ذلك.
وقد ذُكِر عن بعضِ القرَأةِ أنه قرَأ ذلك كذلك على هذا التأويلِ (٢)، ولستُ للقراءةِ به مُستجيزًا، وإن كان له في التأويلِ والعربيةِ وجهٌ مفهومٌ؛ لاتفاقِ الحجةِ من القرأةِ على خلافِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ الاعتراضُ عليهم فيما نقَلوه مجمِعين عليه، ولو قُرِئ (٣) (حُرِّم) (٤) بضمِّ الحاءِ من ﴿حَرَّمَ﴾ لكان في "الميتةِ" وجهانِ من الرفعِ؛ أحدُهما، من أن الفاعلَ غيرُ مسمًّى، و "إنما" حرفٌ واحدٌ.
والآخَرُ: أنّ "إنّ" و "ما" في معنى حرفيْن، و"حُرِّم" من صلةِ "ما"، و"الميتة" خبرُ "الذي" مرفوعٌ على الخبرِ.
ولستُ - وإن كان لذلك أيضًا وجهٌ - مُستجيزًا القراءةَ به؛ لما ذكرتُ.
وأما ﴿الْمَيْتَةَ﴾، فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِها، فقرَأها بعضُهم بالتَّخفيفِ (٥)، ومعناه فيها التشديدُ، ولكنه يُخفِّفُها كما يخفِّفُ القائلون: هو هيْن ليْن، الهيِّنُ الليِّنُ.
كما قال الشاعرُ (٦): ليسَ مَن مات فاسْتَراح بمَيْتٍ … إنَّما الميتُ مَيِّتُ الأحياءِ فجمَع بين اللُّغتين في بيتٍ واحدٍ، في معنًى واحدٍ.
وقرَأها بعضُهم بالتشديدِ وحمَلوها على الأصلِ، وقالوا: إنما هو "مَيْوِت"، "فَيْعِل"، من الموتِ، ولكنَّ الياءَ الساكنةَ والواوَ المتحركةَ لماّ اجتمعتَا، والياءُ مع سكونِها متقدِّمةٌ، [قُلبتِ الواوُ ياءً و] (١) شُدِّدَتْ، فصارَتَا ياءً مشدَّدَةً، كما فعَلوا ذلك بـ "سيِّد وجيِّد".
قالوا: ومَن خفَّفَها فإنما طلَب الخِفَّةَ، والقراءةُ بها على أصلِها الذي هو أصلُها أوْلَى.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن التَّشديدَ والتَّخفيفَ في ياءِ "الميتة" لغتان [وقراءتان] (٢) معروفتان في القراءةِ وفي كلامِ العربِ، فبأيِّهما قرَأ ذلكَ القارئُ فمصيبٌ، لانّه لا اختلافَ في مَعْنَيَيْهما.
وأما قولُه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
فإنه يعني به: وما ذُبِح للآلهةِ والأوثانِ، فسُمِّي عليه غيرُ اسمِه، أو قُصِد به غيرُه من الأصنامِ.
وإنما قيلَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ لأنهم كانوا إذا أرادُوا ذبْحَ ما قرَّبوه لآلهتِهم، سمَّوُا اسمَ آلهتِهم التي قرَّبوا ذلك لها، وجهَروا بذلكَ أصْواتَهم، فجرَى ذلك من أمرِهم على ذلك، حتى قيل لكلِّ ذابحِ ذبْحٍ (٣)، سَمَّى أو لم يُسمِّ، جهَر بالتسميةِ أو لم يَجهَرْ: مُهِلٌّ.
فرفْعُهم أصواتَهم بذلك هو الإهلالُ الذي ذكَره اللهُ ﷻ فقال: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ ومن ذلك قيلَ للمُلَبِّي في حَجةٍ أو عمرةٍ: مُهِلٌّ.
لرَفْعِه صوتَه بالتلْبيةِ.
ومنه استهلالُ الصَّبِيِّ، إذا صاحَ عند سقوطِه من بطنِ أمِّهِ، واستهلالُ المطرِ، وهو صوتُ وقوعِه على الأرضِ، كما قال عَمرُو بنُ قَمِيئةَ (١): ظَلَم البِطاحَ له انْهِلالُ حَرِيصَةٍ … فَصَفا النِّطافُ له بُعَيْدَ المُقْلَعِ واختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: وما ذُبح لغيرِ اللهِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ماذُبح لغيرِ اللهِ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: ما ذُبح لغيرِ اللهِ مما لم يُسمَّ عليه (٢).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾: ما ذُبح لغيرِ اللهِ (٣).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
قال: ذُبح (٤).
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
قال: ما أُهِلَّ به للطواغيتِ (١).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
يعني: ما أُهِلَّ للطواغيتِ كُلِّها (٢).
يعنِي: ما ذُبحَ لغيرِ اللهِ من أهلِ الكفرِ غيرَ اليهودِ والنصارَى.
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ قال: هو ما ذُبح لغيرِ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذُكِرَ عليه غيرُ اسمِ اللهِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
يقولُ: ما ذُكر عليه غيرُ اسمِ اللهِ (٣).
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ - وسألتُه عن قولِ اللهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ - قال: ما يُذبَحُ لآلهتِهم، الأنصابُ التي يعبُدونها، و (٤) يُسمُّون أسماءَها عليها.
قال: يقولون: باسمِ فلانٍ.
كما تقولُ أنت: باسمِ اللهِ.
قال: فذلك ما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ.
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عُقبةَ بنِ مُسلمٍ التُّجِيبيِّ وقيسِ بنِ رافعٍ الأشْجعيِّ، أنهما قالَا: أُحِلَّ لنا ما ذُبحَ لعيدِ الكنائسِ، ومَا أُهدِيَ لها مِن خبزٍ أو لحمٍ، فإنما هو طعامُ أهلِ الكتابِ.
قال حَيوةُ: فقلتُ: أرأيتَ قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾.
قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثانِ والمشركون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن حلّتْ به ضرورةُ مجاعةٍ إلى ما حرَّمتُ عليكم، من الميْتةِ والدمِ ولحمِ الخنزيرِ وما أُهِلَّ به لغيرِ اللهِ، وهو بالصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا إثمَ عليه في أكْلِه إن أكَلَه.
وقولُه: ﴿اضْطُرَّ﴾: افتُعِل، من الضرورةِ.
و: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نَصْبٌ على الحالِ مِن "مَن"، كأنه قيلَ: فمنِ اضْطُرَّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكَلَه، فهو له حلالٌ.
وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: فمن أُكرِه على أكْلِه فأكَله، فلَا إثْمَ عليه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
قال: الرجلُ يأخذُه العدوُّ فيدْعُونَه إلى معصيةِ اللهِ.
وأما قولُه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ في تأْويلِه مختلِفون؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غيرَ خارجٍ على الأُمَّةِ (١) بسيفِه، باغيًا عليهم بغيرِ حَقٍّ (١)، ولا عاديًا عليهم بحربٍ [ظُلمًا وعُدْوانًا] (٢)، فمُفْسدٌ عليهم السبيلَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعِ سبيلٍ، ولا مفارقِ جماعةٍ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: لا قاطعًا للسبيلِ، ولا مفارِقًا للأئمةِ، ولا خارجًا في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ، ومَن خرَج باغيًا أو عاديًا، أو (٤) في معصيةِ اللهِ، فلا رخصةَ له وإنِ اضطُرَّ إليه (٥).
حدثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
قال: هو الذي يقطعُ الطريقَ، فليس له رخصةٌ إذا جاعَ أن يأكُلَ الميْتةَ، وإذا عَطِشَ أن يشرَبَ الخمرَ (٦).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شَرِيكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
قال: الباغِي العادِي الذي يقطَعُ الطريقَ، فلا رخصةَ له ولا كرامةَ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: إذا خرَج في سبيلٍ من سُبلِ اللهِ فاضْطُرَّ إلى (١) الخمرِ شَرِب، وإذا اضْطُرَّ إلى الميتةِ أكَل، وإذا خرَج يقطَعُ الطريقَ فلَا رخصةَ له.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حفصُ بنُ غياثٍ، عن الحجّاجِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: على الأئمةِ، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ قاطعُ السبيلِ (٢).
حدثنا هنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ قاطعٍ السبيلَ، ولا مفارقٍ الأئمةَ، ولا خارجٍ في معصيةِ اللهِ، فله الرخصةُ (٣).
حدثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الحجّاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ على الأئمةِ، ولا عادٍ على ابنِ السبيلِ.
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ الحرامَ في أكْلِه، ولا مُعتدٍ الذي أبيحَ له منه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: غيرَ باغٍ في أكْلِه، ولا عادٍ أن يتعدَّى حلَالًا إلى حرامٍ، وهو يجدُ عنه مندوحةً (١).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ قال: غيرَ باغٍ فيها، ولا معتدٍ فيها، يأكُلُها وهو غنيٌّ عنها.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عمّن سمِعَ الحسنَ يقولُ ذلك (٢).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُمَيْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ ييتغِيه، ﴿وَلَا عَادٍ﴾ يتعدَّى على ما يُمسِكُ نفْسَه.
وحُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يقولُ: مِن غيرِ أن يبتغِيَ حرامًا ويتعدَّاه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧، المعارج: ٣١].
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾.
قال: غيرَ (١) أن يأكُلَ ذلك بغْيًا وتعدِّيًا عن الحلالِ إلى الحرامِ، ويتركَ الحلالَ وهو عندَه، ويتعدَّى بأكلِ هذا الحرامِ؛ هذا التعدِّي.
يُنكِرُ أن يكونا مختلِفَيْن، ويقولُ: هذا وهذا واحدٌ.
وقال آخرون: تأويلُ ذلك: فمن اضطُرَّ غيرَ باغٍ في أكلِه شهوةً، ولاعادٍ فوقَ ما لابدَّ له منه.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: أما "باغ" فيبتغِي (٢) فيه شهوتَه، وأما "العادي"، فيتعدَّى في أكلِه، يأكُلُ حتى يشبَعَ، ولكن يأكُلُ منه قوتًا (٣)، ما يُمسِكُ به نفْسَه حتى يبلُغَ حاجتَه (٤).
وأوْلى هذه الأقاويلِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: فَمَن اضْطُرَّ غيرَ باغٍ بأكلِه ما حُرِّم عليه من أكلِه، ولا عادٍ في أكلِه، وله عن تركِ أكلِه - بوجودِه (٥) غيرَه مما أحلَّه اللهُ له - مندوحةٌ وغنًى؛ وذلك أن اللهَ لم يرخِّصْ لأحدٍ في قتلِ نفسِه بحالٍ.
فإذْ كان ذلك كذلكَ، فلا شكَّ أن الخارجَ على الإمامِ والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيَا ما حرَّمَ اللهُ عليهما - من خروجِ هذا على من خرَج عليه، وسَعْي هذا بالإفسادِ في الأرضِ - فغيرُ مُبيحٍ لهما فِعلُهما ما فعَلا - مما حرَّمَ اللهُ عليهما - ما كان حرامًا (٦) عليهما قبلَ إتيانِهما ما أتيَا من ذلك، من قتلِ أنفسِهما، بل ذلك مِن فعلِهما، [إذ لم يَزِدْهما لمحارمِ] (١) اللهِ عليهما تحريمًا، فغيرُ مُرَخِّصٍ لهما ما كان عليهما قبلَ ذلك حرامًا.
فإذْ كان ذلك كذلك، فالواجبُ على قُطَّاعِ الطرقِ، والبُغاةِ على الأئمةِ العادلةِ، الأوبةُ إلى طاعةِ اللهِ، والرجوعُ إلى ما ألزَمهم (٢) اللهُ الرجوعَ إليه، والتوبةُ مِن معاصِي اللهِ، لا قتلُ أنفسِهما بالمجاعةِ، فيزدَادَانِ إلى إثمِهما إثمًا، وإلى خِلافِهما أمرَ اللهِ خِلافًا.
وأما الذي وجَّهَ تأويلَ ذلك إلى أنه غيرُ باغٍ في أكلِه شهوةً، فأكَل ذلك شهوةً لا لدفعِ الضرورةِ المَخُوفِ منها الهلاكُ، مما قد دخَل فيما حرَّمه اللهُ عليه، فهو بمعنى ما قلنا في تأويلِه، وإن كان للفظِه مُخالِفًا.
فأما توجيهُه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: ولا آكلٍ منه شِبَعَه، ولكن ما يُمسِكُ به نفسَه.
فإن ذلك بعضُ معاني الاعتداءِ في أكلِه، ولم يَخْصُصِ اللهُ ﷿ من معاني الاعتداءِ في أكْلِه معنًى فيقالَ: عنَى به بعضَ معانيه.
فإذ كان ذلك كذلك، فالصَّوابُ من القولِ ما قلنا من أنه الاعتداءُ في كلِّ معانيه المحرَّمةِ.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْه﴾.
يقولُ: مَن أكَل ذلك على الصِّفةِ التي وصَفْنا، فلا تَبِعةَ عليه في أكلِه ذلك كذلك ولا حرجَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾: إن اللهَ غفورٌ - إن أطَعتم اللهَ في إسلامِكم، فاجْتنَبتم أكْلَ ما حرَّم عليكم، وترَكْتم اتباعَ الشيطانِ فيما كنتم تحرِّمونه في جاهليَّتِكم؛ طاعةً منكم للشيطانِ واقتفاءً منكم خُطواتِه، مما لم (١) أُحرِّمْه عليكم - لما سلَف منكم في كفرِكم، وقبلَ إسلامِكم في ذلك، من خطأٍ وذنبٍ ومعصيةٍ، فَصافِحٌ عنكم، وتاركٌ عقوبتَكم عليه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم إن أطَعتمُوه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أحبارَ اليهودِ الذين كتَمُوا الناسَ أمرَ محمدٍ ونبوَّتَه، وهم يجِدونَه مكتوبًا عندَهم في التوراةِ، برِشًا كانوا أُعطوها على ذلك.
كما حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية كلها: هم أهلُ الكتابِ، كتَمُوا ما أنزَل اللهُ عليهم وبيَّن لهم من الحقِّ والهدَى، من نعتِ (٢) محمدٍ ﷺ وأمرِه (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
قال: هم أهلُ الكتابِ، كتَموا ما أنزَل اللهُ عليهم من الحقِّ والإسلامِ وشأنِ محمدٍ ﷺ (٤).
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾: فهؤلاء اليهودُ، كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ (١) حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾ والتي في "آل عمرانَ": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزَلتا جميعًا في يهودَ (٢).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ فإنه يعني: يَبْتاعون به.
والهاءُ التي في ﴿بِهِ﴾ من ذِكرِ الكتمانِ.
فمعناه: ويبتاعون (٣) بكتمانِهم ما كتَمُوا الناسَ من أمرِ محمدٍ ﷺ وأمرِ نبوَّتِه ثمنًا قليلًا.
وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَون على تحريفِهم كتابَ اللهِ، وتأوُّلِهمُوه على غيرِ وجْهِه، وكتمانِهم الحقَّ في ذلك، اليسيرُ من عرَضِ الدنيا.
كما حدثنا موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال (٤): كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ، وأخَذوا عليه طمعًا قليلًا، فهو الثمنُ القليلُ (٥).
وقد بينتُ فيما مضَى معنى (٦) اشترائِهم ذلك، بما أغنَى عن إعادتِه (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاءِ الذين يكتُمون ما أنزَل اللهُ من الكتابِ في شأنِ محمدٍ ﷺ، بالخسيسِ من الرِّشوةِ يُعْطَوْنَها، فيحرِّفون لذلك آياتِ اللهِ، ويُغيّرونَ معانِيَها، ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ بأكلِهم ما أكَلُوا من الرِّشَا على ذلك والجَعالةِ (١)، وما أخَذُوا عليه من الأجرِ، ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ يعني: إلا ما يُورِدُهم النارَ ويُصْلِيهمُوها.
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠].
معناه: ما يأكُلون في بطونِهم إلّا ما يُورِدُهم النارَ بأكْلِهم.
فاستغنَى بذكرِ النارِ وفَهمِ السامعين معنَى الكلامِ، من (٢) ذكرِ ما يُوردُهم أو يُدخِلُهم.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ يقولُ: ما أخَذُوا عليه من الأجرِ (٣).
فإن قال قائلٌ: وهل يكونُ الأكْلُ في غيرِ البطنِ فيُقالَ: ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾؟
قيلَ له: قد تقولُ العربُ: جُعتُ في غيرِ بطنِي، وشبِعتُ في غير بطنِي.
فقيلَ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ لذلك، كما يقالُ: فعَل فلانٌ هذا نفسَه.
وقد بينَّا ذلك في غيرِ هذا الوضعِ فيما مضَى (١).
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يقولُ: ولا يكلِّمُهم بما يُحبُّون ويَشْتَهون، فأمَّا بما يسوءُهم ويَكرَهون، فإنه سيكلِّمُهم، لأنّه قد أخبَر جلّ ثناؤه أنه يقولُ لهم - إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ (٢) -: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧، ١٠٨] الآيتين.
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ فإنه يعني: ولا يطهِّرُهم من دَنسِ ذُنوبِهم وكفرِهم، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعنِي: موجِعٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾: أولئك الدين أخَذُوا الضّلالَة وترَكُوا الهدَى، وأخَذوا ما يوجِبُ لهم عذابَ اللهِ يومَ القيامةِ، وترَكوا ما يوجِبُ لهم غُفرانَه ورِضوانَه.
فاستغنَى بذكرِ العذابِ والمغفرةِ من ذكرِ السببِ الذي يُوجِبُهما؛ لفَهْمِ سامعِي ذلكَ لمعناه والمرادِ منه.
وقد بينّا نظائرَ ذلك فيما مضَى، وكذلك بينَّا وجْهَ اشتراءِ الضَّلالَةِ بالهُدَى، باختلافِ المختلِفينَ، [والأدلةَ الشاهدةَ لما] (٣) اختَرنا من القولِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادتَه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: فما أجرأَهم على العملِ الذي يقرِّبُهم إلى النارِ!
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: فما أجْرَأَهم عليها (١)!
حدثني (٢) المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يُونُسَ (٣)، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: واللهِ ما لهم عليها من صبرٍ، ولكن ما أجْرَأَهم على النارِ (٤)!
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبيريُّ، قال: ثنا مِسعرٌ، وحدثني المُثَنَّى، قال: ثنا [ابنُ دُكينٍ] (٥)، قال: ثنا مِسعرٌ، عن حمادٍ، عن مجاهدٍ، أو سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو بعضِ أصحابِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: ما أجْرَأَهم (٦)!
حُدثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما أجْرَأَهم وأصْبَرَهم على النارِ (١)!
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعْملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بالباطلِ (٢).
حدثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
واختلفوا في تأويلِ "ما" الذي في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ﴾.
فقال بعضُهم: هو بمعنى الاستفهامِ، وكأنه قال: فما الذي صَبَّرهم؟
أيُّ شيْءٍ صبَّرهم؟.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾: هذا على وجهِ الاستفهامِ، يقولُ: ما الذي أصْبَرهم على النارِ (٣)؟
حدثنا العباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ الأعْورُ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ يقولُ: ما يُصبِّرُهم على النارِ حينَ ترَكوا الحقَّ واتَّبَعوا الباطلَ (٣)؟
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: سُئل أبو بكرِ بنُ عياشٍ عن قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: هذا استفهامٌ، ولو كانت من الصَّبْرِ قال: فما أصْبَرُهم.
رفعًا.
قال: يقالُ للرجلِ: ما أصبَرَكَ؟
ما الذي فعَل بكَ هذا؟
حدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: هذا استفهامٌ، يقولُ: ما هذا الذي صَبَّرهم علي النارِ حتى جَرَّأهم فعمِلوا بهذا؟
وقال آخرون: هو تعجُّبٌ، بمعنى: فما أشدَّ جُرْأتَهم على النارِ لعَملِهم أعمالَ أهلِ النار!
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ قال: ما أعملَهم بأعمالِ أهلِ النارِ (١)!
وهو قولُ الحسنِ البصريِّ وقتادةَ، وقد ذكَرناه قبلُ.
فمَن قال: هو تعجُّبٌ.
وجَّه تأويلَ الكلامِ إلى: أولئك الذين اشترَوُا الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما أشدَّ جُرْأتَهم بفعلِهم ما فعَلُوا من ذلك، على ما يوجِبُ لهم النارَ!
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧].
تَعجُّبًا من كفرِه بالذي خلَقه وسوَّى خلْقَه.
فأما الذين وجَّهوا تأويلَه إلى الاستفهامِ فمعناهم (٢): هؤلاء الذين اشترَوُا الضلالَةَ بالهدَى والعذابَ بالمغفرةِ، فما الذي (١) أصبرَهم على النارِ؟
والنارُ لا صبرَ عليها لأحدٍ، حتى استبدَلُوها بمغفرةِ اللهِ فاعتاضُوها منها بدلًا.
وأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: ما أجْرَأَهُم على النارِ!
بمعنى: ما أجرَأَهم على عذابِ النارِ، وأعملَهم بأعمالِ أهلِها!
وذلك أنه مسموعٌ من العربِ: ما أصبَرَ فلانًا على اللهِ!
بمعنى: ما أجرَأَ فلانًا على اللهِ!
وإنما يُعجِّبُ جلّ ثناؤه خَلْقَه بإظهارِه الخبرَ عن القومِ الذين يكتُمون ما أنزَل اللهُ ﵎ من أمرِ محمدٍ ﷺ ونبوَّتِه، باشترائِهم (٢) - بكتمانِ ذلك - ثمنًا قليلًا، من السُّحتِ والرِّشَا التي أُعطُوها، على وجهِ التعحبِ من تقدُّمِهم على ذلك، مع علمِهم بأن ذلك مُوجِبٌ لهم سَخطَ اللهِ ﵎ وأليمَ عقابِه.
وإنما معنى ذلك: فما أجرَأَهُم على عذابِ النارِ.
ولكن اجْتُزِئَ بذكرِ النارِ من ذكرِ عذابِها، كما يقالُ: ما أشبهَ سخاءَك بحاتمٍ.
بمعنى: ما أشبَهَ سخاءَك بسخاءِ حاتمٍ، وما أشبَهَ شَجاعتَكَ بعنترةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.
أما قولُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: فإنه اخْتُلِفَ في المعنيِّ بـ ﴿ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ﴿ذَلِكَ﴾: فعلُهم هذا الذي يفعَلون - مِن جُرأتِهم على عذابِ النارِ في مخالفتِهم أمرَ اللهِ، وكتمانِهم الناسَ ما أَنْزلَ اللهُ في كتابِه وأمرَهم ببيانِه لهم من أمرِ محمدٍ ﷺ، وأمرِ دينهِ - من أجلِ أنَّ اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ، وتنزيلُه الكتابَ بالحقِّ هو خبرُه عنهم في قولِه لنبيِّه محمدٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٦، ٧] فهم - مع ما قد أخبرَ اللهُ عنهم من أنهم لا يؤمنون - لا يكون منهم غيرُ اشتراءِ الضلالةِ بالهدَى والعذابِ بالمغفرةِ.
وقال آخرون: معنى ﴿ذَلِكَ﴾: معلومٌ لهم بأن اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ؛ لأنَّا قد أُخْبِرْنا في الكتابِ أن ذلك لهم، والكتابُ حقٌّ.
كأن قائِلِي هذا القولِ كان تأويلُ الآيةِ عندَهم: ذلك العذابُ - الذي قال اللهُ ﷿: فما أَصْبرَهم عليه - معلومٌ أنه لهم؛ لأن اللهَ ﵎ قد أَخْبَر في مواضعَ من تنزيلِه أن النارَ للكافرين، وتنزيلُه حقٌّ، فالخبرُ عن ذلك عندَهم مُضمرٌ.
وقال آخرون: معنى ﴿ذَلِكَ﴾ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه وصَف أهلَ النارِ، فقال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّار﴾.
ثم قال: هذا العذابُ بكفرِهم.
و"هذا" ههنا عندَهم هي التي يجوزُ مكانَها "ذلك"، كأَنَّه قال: فعَلْنا ذلك بأن اللهَ نزَّل الكتابَ بالحقِّ فكفَروا به.
قالوا (١): فيكونُ ﴿ذَلِكَ﴾ - إذا كان ذلك معناه - نصبًا، ويكونُ رفعًا بالباءِ (٢).
وأولى الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ عندِي أنّ اللهَ جلَّ ثناؤُه أشارَ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى جميعِ ما حواه قولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ﴾.
إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ من خبرِه عن أفعالِ أحبارِ اليهودِ وذكْرِه ما أعَدَّ لهم جلَّ وعزَّ منَ العقابِ عليه (١) على ذلك، فقال: هذا الذي فعَلَتْه هؤلاءِ الأحبارُ من اليهودِ بكتمانِهمُ الناسَ ما كتَمُوا من أمرِ محمدٍ ونبوَّتِه، مع علمِهم به، طلبًا منهم لعرَضٍ من الدنيا خَسيسٍ، وبخلافِهم أمرِي وطاعتي، وذلك من ترْكِي تطهيرَهم وتزكيتَهم وتكليمَهم، وإعدادِي لهمُ العذابَ الأليمَ بأنِّي أنزلتُ كتابي بالحقِّ فكفَروا به واخْتَلفوا فيه.
فيكونُ في ﴿ذَلِكَ﴾ حينَئذٍ!
وجهان من الإعرابِ: رفعٌ، ونصبٌ، فالرفعُ بالباءِ، والنصبُ بمعنى: فعَلتُ ذلك بأنِّي أنزَلتُ كتابي بالحقِّ، فاخْتَلفُوا فيه وكفَروا به.
وترَك ذكْرَ: فكفَروا به، واخْتَلفوا.
اجتزاءً بدلالةِ ما ذكَر من الكلامِ عليه.
وأمّا قولُه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني بذلك اليهودَ والنصارَى، اخْتَلفوا في كتابِ اللهِ، فكفَرتِ اليهودُ بما قصَّ اللهُ ﵎ فيه من قَصصِ عيسى ابنِ مريمَ وأمِّه، وصدَّقتِ النصارَى ببعضِ ذلك وكفَروا ببعضِه، وكفَروا جميعًا بما أنْزَل اللهُ فيه من الأمرِ بتصديقِ محمدٍ ﷺ، فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنّ هؤلاء الذين اخْتَلفوا فيما أنزلتُ عليك (٢) يا محمدُ لفِي مُنازعةٍ ومُفارقةٍ للحقِّ، بعيدةٍ من الرُّشدِ والصوابِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة: ١٣٧].
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمزو بنُ حمادٍ، قال حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يقولُ: همُ اليهودُ والنصارَى، يقولُ: هم في عداوةٍ بعيدةٍ (٣).
وقد بيَّنتُ معنى "الشِّقاقِ" فيما مضَى (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ (٢) أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصَّلاةُ وحدَها، ولكنَّ البرَّ الخصالُ التي أُبَيِّنُها لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمِّي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
يعني الصلاةَ، يقوْلُ: ليسَ البِرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا، فهذا منذُ تحوَّلَ من مكَّةَ إلى المدينةِ، ونَزلتِ الفرائضُ، وحُدَّ الحدودُ، فأمرَ اللهُ بالفرائِضِ، وعُمِل (٣) بها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: ولكنَّ البرَّ ما ثَبَت في القلوبِ من طاعةِ اللهِ (٥).
حدثني المُثَنَّى (١)، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثني القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: هذه الآيةُ نزَلت بالمدينةِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
يعني الصلاةَ، يقولُ: ليس البرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا غيرَ ذلك.
قال ابنُ جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾: يعني السجودَ.
ولكنَّ البرَّ ما ثبَت في القلبِ من طاعةِ اللهِ (٢).
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنا أبو تُميْلةَ، عن عُبيدِ بنِ سليمانَ، عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ أنه قال فيها، قال: يقولُ: ليس البرَّ أن تصلُّوا ولا تعمَلُوا غيرَ ذلك، وهذا حينَ تحوَّل من مكَّةَ إلى المدينةِ، فأَنْزَلَ اللهُ الفرائضَ وحدَّ الحدودَ بالمدينةِ، وأمرَ بالفرائضِ أن يُؤخذَ بها (٣).
وقال آخرون: عنَى اللهُ بذلك اليهودَ والنصارَى، وذلك أن اليهودَ تُصلِّي فتتوجَّهُ قِبلَ الغرِبِ، والنصارَى تصلِّي فتتوجَّهُ قِبلَ المشرقِ، فأَنْزَلَ اللهُ فيهم هذه الآيةَ يُخْبرُهم فيها أن البرَّ غيرُ العملِ الذي يعمَلُونه، ولكنَّه ما بيَّنه (٤) في هذه الآيةِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معْمرٌ، عن قتادةَ، قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبلَ المغربِ، والنصارَى تصلِّي قِبلَ المشرقِ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: ذُكرَ لنا أنّ رجلًا سأل نبيَّ اللهِ ﷺ عن البرِّ، فأَنْزَلَ اللهُ هذه الآيةَ.
وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ دعا الرجلَ فتَلاها عليه، وقد كان الرجلُ قبلَ الفرائضِ إذا شهِدَ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، ثم مات على ذلك يُرجَى له ويُطمعُ له في خيرٍ.
فأَنْزلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
وكانتِ اليهودُ تَوجَّهتْ قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: كانتِ اليهودُ تصلِّي قِبلَ المغربِ، والنصارَى قِبلَ المشرقِ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (٣).
وأوْلى هذين القولَين بتأويلِ الآيةِ القولُ الذي قاله قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ أن يكونَ عَنَى بقولِه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
اليهودَ والنصارَى؛ لأن الآياتِ قبلَها مَضَتْ بتوبيخِهم ولوْمِهم، والخبرِ عنهم وعمَّا أُعِدَّ لهم من أليمِ العذابِ، وهذه في سياقِ ما قبلَها - فتأويلُها (٤) إذْ كان الأمرُ كذلك - ليس البرَّ أيُّها اليهودُ والنصارَى أن يُولِّيَ بعضُكم وجهَه قِبلَ المشرقِ، وبعضُكم قِبلَ المغربِ، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ برُّ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ﴾ الآية.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾.
وقد علِمتَ أن "البر" فعلٌ (١)، و "مَنْ" اسمٌ، فكيفَ يكونُ الفعلُ هو الإنسانُ؟
قيل: إن معنى ذلك على غيرِ ما توهَّمْتَه، وإنما معناه: ولكنَّ البرَّ [برُّ مَن] (٢) آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ.
فوضَع "مَن" موضعَ الفعلِ اكتفاءً بدَلالِته ودلالَةِ صِلَتِه التي هي له صِفةٌ، مِن الفعلِ المحذوفِ، كما تفعَلُه العربُ، فتضعُ الأسماءَ مواضعَ أفعالِها التي هي بها مشهورَةٌ فتقولُ: الجودُ حاتمٌ، والشجاعةُ عنترةُ (٣).
ومعناها: الجودُ جودُ حاتمٍ، والشجاعةُ شجاعةُ عنترةَ.
فتستغنِي بذكرِ حاتمٍ - إذْ كان معروفًا بالجودِ - مِن إعادةِ ذكرِ الجودِ بعدَ الذي قد ذكرتَه فتضعُه موضعَ جودِه، لدلالةِ الكلامِ على ما حذَفتَه؛ استغناءً بما ذكَرتَه عما لم تذكُرْه، كما قيل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢] والمعنى: أهلَ القريةِ.
وكما قال الشاعرُ، وهو ذو الخِرَقِ الطُّهَوِيُّ (٣): حَسِبْتَ بُغامَ رَاحِلَتي عَناقًا … ومَا هِيَ وَيْبَ غَيرِك بالعَناقِ يريدُ: بُغامَ عَناقٍ أو صوتَ.
كما تقولُ: حَسبتَ صياحِي أخاكَ.
يعني به: حَسبتَ صياحِي صياحَ أخيك.
وقد يجوزُ أن يكونَ معنى الكلامِ: ولكنَّ البارَّ مَن آمَن باللهِ.
فيكونُ "البرّ" مصدرًا وُضِع موضعَ الاسمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: وأعطَى مالَه في حينِ محبَّتِه إيَّاه وضَنِّه به وشُحِّه عليه.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ وأبو السائبِ، قالا: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن زُبيدٍ، عن مُرَّةَ بنِ شراحيلَ البَكِيليِّ، عن عَبدِ الله بنِ مسعودٍ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾: أن (١) يُؤتِيَه وهو صحيحٌ شحيحٌ يأمُلُ العيشَ ويخشَى الفقرَ.
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قالَا جميعًا عن سفيانَ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
قال: وأنتَ شحيحٌ (٢) تأمُلُ العيشَ وتخشَى الفقرَ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّي، قال حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن زُبيدٍ الياميِّ، [عن مرةَ] (١) عن عبدِ اللهِ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
قال: وأنتَ حريصٌ صحيحٌ (٢) تأمُلُ العيشَ (٣) وتخشَى الفقرَ (٤).
حدثني أحمدُ بنُ نُعمةَ المصريُّ (٥)، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، قال حدثنا إبراهيمُ بنُ أعينَ، عن شعبةَ بنِ الحجاجِ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ الهمْدَانيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾.
قال: حريصًا شحيحًا يأمُلُ العيشَ (٣) ويخشَى الفقرَ.
حدثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالَا: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعبيِّ سمِعتُه سُئِل: هل على الرجلِ حقٌّ في مالِه سوَى الزكاةِ؟
قال: نَعمْ.
وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (٦).
حدثنا أبو كُريبٍ، قال حدثنا سويدُ بنُ عَمرٍو الكلبيُّ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا أبو حمزةَ، قال: قلتُ للشعبيِّ: إذا زكَّى الرجلُ مالَه أيطيبُ له مالُه؟
فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾.
إلى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
إلى آخرِها.
ثم قال: حدَّثتني فاطمةُ بنتُ قيسٍ أنها قالت: يا رسولَ اللهِ، إن لي سبعين مِثقالًا من ذهبٍ، فقال: "اجْعَلِيها في قرابتِك" (١).
حدَّثنا الربيعُ، قال: حدثنا أسدُ بنُ موسى، قال: حدثنا شَريكُ (٢) بنُ عبدِ اللهِ، عن أبي حمزةَ، عن عامرٍ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "في المالِ حَقٌّ سوَى الزَّكاةِ".
وتلا هذه الآيةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ آدمَ، عن شَريكٍ، قال: حدثنا أبو حمزةَ - فيما أعلمُ - عن عامرٍ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ أنها سمِعَتْه يقولُ: "إنَّ في المالِ لحقًّا سوَى الزكاةِ" (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُليةَ، عن أبي حيانَ، قال: حدثني مزاحمُ بنُ زُفَرَ، قال: كنتُ جالسًا عندَ عطاءٍ، فأتاه أعرابيٌّ فقال له: إنّ لِي إبلًا، فهل عليَّ فيها حقٌّ بعدَ الصَّدقةِ؟
قال: نعم.
قال: ماذا؟
قال: عاريَّةُ الدَّلوِ (١)، وطَرْقُ (٢) الفحلِ، والحلَبُ.
حدثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ، ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، في: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود: تُعطيهِ وأنتَ صحيحٌ شحيحٌ تُطيلُ الأملَ وتخافُ الفقرَ (٣).
وذكر أيضًا عن السُّدِّيِّ أن هذا شيْءٌ واجبٌ في المالِ حقٌّ على صاحبِ المالِ أن يفعَلَه سوَى الذي عليه من الزكاةِ.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن زُبيدٍ الياميِّ، عن مُرَّةَ ابنِ شَراحيلَ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ في قولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
قال: أن يُعطِيَ الرجلُ وهو صحيحٌ شحيحٌ (٤) يأمُلُ العيشَ ويخافُ الفقرَ.
فتأويلُ الآيةِ: وأعطَى المالَ - وهو له محبٌّ حريصٌ [على جمعِهْ] (٥) شحيحٌ به - ذوِي قرابَتِه، فوصَل به أرحامَهم.
وإنما قلتُ: عنَى بقولِه: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾.
ذوِي قرابةِ مُؤتِي المالَ على حُبِّه؛ للخبرِ الذي رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ [الذي ذكَرناه عنه] (١)، من أمرِه فاطمةَ بنتَ قيسِ، وقولِه ﷺ حينَ سُئِل: أيُّ الصدقةِ أفضلُ؟
قال: "جُهْدُ المُقلِّ على ذِي القرابةِ الكاشحِ" (٢).
وأما ﴿الْيَتَامَى﴾ و ﴿الْمَسَاكِينَ﴾، فقد بيَّنا معناهما فيما مضَى (٣).
وأما ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ فإنه المجتازُ بالرَّجلِ.
ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في صفتِه؛ فقال بعضُهم: هو الضيفُ [ينزلُ بالرّجلِ] (٤).
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
قال: هو الضيفُ (٥).
قال: وذُكرَ لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "من كان يؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ [فلْيُكرمْ ضيفَه، ومَن كان يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ] (٦) فَلْيقلْ خيرا أو لِيسكتْ" (٧).
قال: وكان يقالُ (٨): حقُّ الضيافةِ ثلاثُ ليالٍ، فكلُّ شيْءٍ أصابه (١) بعد ذلك صدقةٌ (٢).
وقال بعضُهم: هو المسافرُ يمرُّ عليك.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
قال: المجتازُ مِن أرضٍ إلى أرضٍ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، وقتادةَ في قولِه: ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾.
قال: الذي يَمرُّ عليكَ وهو مسافرٌ (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عمَّن ذَكَره، عن ابنِ [أبي نَجيحٍ] (٥)، عن مجاهدٍ، وقتادةَ مثلَه (٦).
وإنما قيل للمسافرِ: ابنُ السبيلِ.
لملازَمتِه الطريقَ، والطريقُ هو السبيلُ، فقيل لملازمتِه إيَّاه في سفرِه: ابنُه.
كما يقالُ لطيرِ الماءِ: ابنُ الماء.
لملازمتِه إيَّاه، وللرجلِ الذي قد أتَت عليه الدهورُ: ابنُ [الأيامِ والليالي] (٧).
ومنه قولُ ذِي الرُّمَّةِ (١): وَرَدْتُ (٢) اعْتِسافًا (٣) والثُّرَيَّا كأنَّها … على قمةِ الرأسِ ابْنُ ماءٍ مُحَلِّقُ وأمَّا قولُه: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾.
فإنه يعني به: المسْتطْعِمِين الطالبِينَ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن حُصينٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَالسَّائِلِينَ﴾.
قال: السائلُ (٤) الذي يسألُكَ (٥).
وأما قولُه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
فإنه يعني بذلك جلَّ ذكرُه: وفي فكِّ الرقابِ من العبودةِ، وهمُ المُكاتَبون الذين يَسعَوْن في فكِّ رقابِهم من العبودَةِ بأداءِ كتاباتِهم التي فارَقوا عليها سادتَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾: أدامَ العملَ بها بحدودِها.
وبقولِه جلَّ ذكْرُه: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾: أعطاها على ما فرَضها اللهُ عليه.
فإن قال قائلٌ: وهل من حقٍّ يجبُ في المالِ إيتاؤُه فرضًا غيرَ الزكاةِ؟
قيل: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوَى الزكاةِ.
واعْتلُّوا لقولِهم ذلك بهذه الآيةِ.
وقالوا: لماّ قالَ اللهُ ﵎: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾.
ومَن سمَّى اللهُ معهم، ثم قال بعدَ ذلك: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
علِمنا أن المالَ الذي وصَف المؤمنين به أنهم يُؤتُونه ذوِي القُرْبى ومَن سمَّى معهم، غيرُ الزكاةِ التي ذَكَر أنهم يُؤْتونها؛ لأنَّ ذلك لو كان مالًا واحدًا لم يكنْ لتكريرِه معنًى مفهومٌ.
قالوا: فلمَّا كان غيرَ جائزٍ أن يقولَ جلَّ ثناؤُه قولًا لا معنى له، علِمنا أن حكمَ المالِ الأوَّلِ غيرُ الزكاةِ، وأن الزكاةَ التي ذكَرها (١) بعدَه غيرُه.
قالوا: وبعدُ، فقد أبانَ تأويلُ أهلِ التأويلِ صحةَ ما قلنا في ذلك.
وقال آخرون: بل المالُ الأولُ هو الزكاةُ، ولكنَّ اللهَ وصَف إيتاءَ المؤمنين من آتَوْه ذلك في أولِ الآيةِ، فعرَّف عبادَه بوصْفِه ما وصَف مِن أمرِهم، المواضعَ التي يجبُ عليهم أنْ يضَعوا فيها زكَوَاتِهم، ثم دلَّهم بقولِه بعدَ ذلك: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾.
أن المالَ الذي آتاه القومُ هو الزكاةُ المفروضةُ كانت عليهم، إذْ كان أهلُ سُهْمانِهم الذين أَخْبَر في أولِ الآيةِ أن القومَ آتَوْهم أموالَهم.
وأما قولُه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
فإنه يعني جلَّ ثناؤُه: والذين لا ينقُضون عهدَ اللهِ بعدَ المعاهدَةِ، ولكن يُوفون به ويتمِّمونه على ما عاهدوا عليه مَن عاهَدُوه عليه.
كما حُدِّثت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾.
قال: فمَنْ أعطَى عهدَ اللهِ ثم نقضَه، فاللهُ ينتقِمُ منه، ومن أعطَى ذِمّةَ النبيِّ ﷺ ثم غدَرَ بها، فالنبيُّ ﷺ خَصْمُه يومَ القيامةِ (٢).
وقد بيَّنتُ معنى "العهدِ" فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (١).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قد بيَّنا تأويلَ "الصَّبرِ" فيما مضَى قَبلُ (٢).
فمعنى الكلامِ: والمانِعين أنفسَهم في البأساءِ والضرَّاءِ وحينَ البأسِ مما يكْرَهُه اللهُ لهم، والحابِسيها على ما أمَرهم به من طاعتِه.
ثم قال أهلُ التأويلِ في معنى ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، بما حدثني به الحسينُ بنُ عَمرِو بنِ محمدٍ العَنْقزيُّ، قال: حدثنا أبي، وحدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قالَا جميعًا: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ الهَمدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال: أمَّا البأساءُ فالفقرُ، وأمَّا الضرَّاءُ فالسُّقْمُ (٣).
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ قال: حدثنا أبي، وحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحِمَّانيُّ، قالَا جميعًا: حدثنا شَريكٌ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
قال: البأساءُ الجوعُ، والضراءُ المرضُ (٤).
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا شَريكٌ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: البأساءُ الحاجةُ، والضرَّاءُ المرضُ.
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كنا نتحدَّثُ أن البأساء البؤسُ والفقرُ، وأن الضرَّاء السُّقْمُ، وقد قال نبيُّ اللهِ أيوبُ ﷺ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١) [الأنبياء: ٨٣].
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
قال: البؤسُ الفاقةُ والفقرُ، والضرَّاءُ في النفسِ من وجعٍ أو مرضٍ يُصيبُه في جسدِه (٢).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
قال: البأساءُ البؤسُ، والضراءُ الزَّمانةُ في الجسدِ (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ، قال: البأساءُ الفقرُ (٤)، والضراءُ المرضُ.
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
قال: البأساءُ البؤسُ والفقرُ، والضراءُ السُّقْمُ والوجَعُ.
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ الطُّفَيلِ أبو سِيدانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال: البأساءُ الفقرُ، والضراءُ المرضُ (١).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في ذلك؛ فقال بعضُهم: البأساءُ والضرَّاءُ مصدرٌ جاءَ على "فَعْلاء" ليس له "أَفعل"؛ لأنه اسمٌ، كما قد جاء "أفعل" في الأسماءِ ليس له "فَعْلاء"، نحو "أحمد".
وقد قالوا في الصِّفةِ: "أفعل" ولم يجئْ له "فَعْلاء"، فقالوا: أنتَ من ذلك أَوْجلُ.
ولم يقولوا: "وجْلاء".
وقال بعضُهم: هو اسمٌ للفعلِ، كأنَّ (٢) البأساءَ البؤسُ، والضراءَ الضُّرُّ، وهو اسمٌ يقعُ إن شئتَ لمؤنثٍ، وإن شئتَ لمذكرٍ، كما قال زهيرٌ (٣): فتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمانَ أشْأمَ كُلُّهُمْ … كأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فتَفْطِمِ يعني: فتُنْتَجْ لكم غلمانَ شُؤْمٍ.
وقال بعضُهم: لو كان ذلك اسمًا يجوزُ صرفُه إلى مؤنثٍ ومُذكرٍ، لجازَ إجراءُ "أَفْعل" في النكرةِ، ولكنه اسمٌ قام مقامَ المصْدَرِ، والدليلُ على ذلك قولُهم: لئن طلبتَ نُصرتَهم لَتجِدنَّهمْ غيرَ أبعدَ.
بغيرِ إجراءٍ.
قال: وإنما كان اسمًا للمصدرِ؛ لأنه إذا ذُكر عُلمَ أنه يُرادُ به المصدرُ.
وقال غيرُهم: لو كان ذلك مصدرًا فوقَع بتأنيثٍ لم يقعْ بتذكيرٍ، ولو وقَع بتذكيرٍ لم يقعْ بتأنيثٍ؛ لأن من سُمِّيَ "بأفعل" لم يُصرفْ إلى "فُعْلَى"، ومن سُمِّيَ "بفُعْلَى" لم يُصرَفْ إلى "أفعل"؛ لأن كلَّ اسمٍ يَبْقى بهيئتِه لا يُصرفُ إلى غيرِه، ولكنهما لغتان، فإذا وقَع التذكيرُ، كان: بأمرٍ أَشْأمَ، وإذا وقَع البأساءُ والضرَّاءُ، وقَع الخَلَّةُ البأساءُ، والخَلَّةُ الضرَّاءُ، وإنْ كان لم يُبنَ على الضرَّاءِ "الأضرّ"، ولا على الأشأم "الشَّأْماء"؛ لأنه لم يرِدْ مِن تأنيثِه التذكيرُ، ولا مِن تَذْكيرِه التأنيثُ، كما قالوا: امرأةٌ حسناءُ.
ولم يقولوا: رجلٌ أحسنُ.
وقالوا: رجلٌ أمردُ.
ولم يقولوا: امرأةٌ مَرْداءُ.
فإذا قيلَ: الخَصْلةُ الضرَّاءُ.
والأمرُ الأَشْأمُ.
دلَّ على المصدرِ، ولم يحتجْ إلى أن يكونَ اسمًا، وإن كان قد كفَى من المصدرِ.
وهذا قولٌ مخالفٌ تأويلَ مَنْ ذكَرْنَا تأويلَه من أهلِ العلمِ في تأويلِ: ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وإن كان صحيحًا على مذهبِ العربيةِ، وذلك أن أهلَ التأويلِ تأولوا البأساءَ بمعنَى البؤسِ، والضرَّاءَ بمعنى الضُّرِّ في الجسدِ، وذلك من تأويلِهم يُنبئُ عن أنهم وجَّهوا البأساءَ والضراء إلى أسماءِ الأفعالِ دونَ صفاتِ الأسماءِ ونُعوتِها، فالذي هو أوْلَى بـ ﴿الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ على قولِ أهلِ التأويلِ، أن تكونَ البأساءُ والضَّرَّاءُ أسماءَ أفعالٍ، فتكونَ البأساءُ اسمًا للبؤسِ، والضراءُ اسمًا للضُّرِّ.
وأمّا ﴿الصَّابِرِينَ﴾ فنصبٌ، وهو من نعتِ ﴿مَنْ﴾ على وجْهِ المدحِ؛ لأنَّ مِن شأنِ العربِ إذا تطاولت صفةُ الواحدِ الاعتراضَ بالمدحِ والذمِّ بالنّصبِ أحيانًا، وبالرفعِ أحيانًا، كما قال الشاعرُ (١): إلى الملِكِ القَرْمِ (٢) وابنِ الهُمامِ … وليثَ الكتيبةِ في المُزْدَحَمْ وذا الرأْيِ حينَ تُغَمُّ الأمورُ … بذاتِ الصَّليلِ وذاتِ اللُّجُمْ فنصَب "ليثَ الكتيبة"، و"ذَا الرأي" على المدحِ، والاسمُ قبلَهما مخفوضٌ؛ لأنه من صفةِ واحدٍ، ومنه قولُ الآخرِ (١): فلَيْتَ التي فيها النُّجومُ تَوَاضَعت (٢) … على كلِّ غَثٍّ منهمُ وسَمِينِ غيوثَ الحَيَا (٣) في كلِّ مَحْلٍ ولَذْبةٍ (٤) … أسُودَ الشَّرَى يَحْمِين كلَّ عَرينِ وقد زعَمَ بعضُهم أن قولَه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾.
نصبٌ عطفًا على ﴿السَّائِلِينَ﴾.
كأنَّ معنى الكلامِ عندَه: وآتَى المالَ على حبِّه ذوِي القُرْبَى واليتامَى والمساكينَ وابنَ السبيلِ والسائلين والصابرين في البأساءِ والضراءِ.
وظاهرُ كتابِ اللهِ يدلُّ على خطأِ هذا القولِ، وذلك أن الصابرين في البأساءِ والضراءِ هم أهلُ الزَّمانَةِ في الأبدانِ، وأهلُ الإقتارِ مِن (٥) الأموالِ، وقد مضَى وصفُ القومِ بإيتاءِ مَن كان ذلك صِفتَه المالَ في قولِه: ﴿وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ﴾.
وأهلُ الفاقةِ والفقرِ هم أهلُ البأساءِ والضرَّاءِ، لأنَّ مَن لم يكنْ مِنْ أهلِ الضَّراءِ ذا بأساءَ، لم يكنْ ممَّن لهُ قَبولُ الصدقةِ، وإنما له قَبولُها إذا كان جامعًا إلى ضرَّائِه بأساءَ، وإذا جمَع إليها بأساءَ كان من أهل المَسْكنَةِ الذين قد دخَلوا في جملةِ المساكين الذين قد مضَى ذكرُهم قبلَ قولِه: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾.
وإذا كان ذلك كذلك، ثم نصَبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾.
كان الكلامُ تكريرًا بغيرِ فائدةِ معنًى، كأنه قيلَ: وآتى المالَ على حُبِّه ذوِي القُرْبَى واليتامى والمساكينَ [والمساكينَ] (٦).
واللهُ يتعالى عن أن يكونَ ذلك في خطابِه عبادَه، ولكن معنى ذلك: ولكنَّ البرَّ مَن آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ (١)، الموفون بعهْدِهم إذا عاهَدوا، والصابرين في البأساءِ والضراءِ.
و ﴿الْمُوفُونَ﴾ رفعٌ؛ لأنه من صفةِ ﴿مَنْ﴾، و ﴿مَنْ﴾ رفعٌ، فهو معربٌ بإعرابِه، و ﴿الصَّابِرِينَ﴾ نصبٌ - وإن كان من صفتهِ - على وجهِ المدحِ الذي وصَفنا قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
يعني جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: والصابرين في وقتِ البأسِ.
وذلك وقتُ شدةِ القتالِ في الحربِ.
كما حدثني الحسينُ بنُ عمرِو بنِ محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال حدثنا أبي، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ في قولِه ﵎: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قال.
حينَ القتالِ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: القتالِ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
أي: عندَ مَواطنِ القتالِ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: القتالِ (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾: عندَ لقاءِ العدوِّ (٢).
حدثني المُثَنَّى قال: حدثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
القتالُ.
حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ الطُّفيلِ أبو سِيدانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾.
قال: القتالِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.
من آمَن باللهِ واليومِ الآخرِ، ونَعتَهم النعتَ الذي نعَتَهم به في هذه الآيةِ، يقولُ: فمن فعَل هذه الأشياءَ فهم الذين صدَقوا اللهَ في إيمانِهم به، وحقَّقوا قولَهم بأفعالِهم، لا مَن ولَّى وجهَه قِبلَ المشرقِ والمغربِ وهو يُخالِفُ اللهَ في أمرِه، وينقُضُ عهدَه وميثاقَه، ويكتُمُ الناسَ وإنَ ما أمَره بِبَيانِه ويكذِّبُ رسلَه.
وأما قولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
فإنه يعني: أولئك هم الذين اتَّقَوا عقابَ اللهِ، فتجنَّبوا عصيانَه، وحذِروا وعيدَه (١)، فلم يتعدَّوا حدودَه، وخافوه فقاموا بأداءِ فرائضِه.
وبمثلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.
كان الربيعُ بنُ أنسٍ يقولُ.
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، بن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾.
قال: فتكلَّموا بكلامِ الإيمانِ، فكانت حقيقَتُه العملَ، صدَقوا اللهَ.
قال: وكان الحسنُ يقولُ: هذا كلامُ الإيمانِ، وحقيقتُه العملُ، فإن لم يكنْ مع القولِ عملٌ فلا شيْءَ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
يعني جلَّ ذِكرُه بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾: فُرِض عليكم.
فإن قال قائلٌ: أَفرضٌ على وليِّ القتيلِ القِصاصُ مِن قاتِل وَلِيِّه؟
قيل: لَا، ولكنَّه مباحٌ له ذلك، والعفوُ، وأخذُ الدِّيَةِ.
فإن قال: وكيفَ قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾؟
قيل: إن معنَى ذلك على خلافِ ما ذهَبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمَنوا كُتب عليكم في القتْلَى قِصاصٌ؛ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأُنْثى كفْءُ الأنثى.
أي أن الحرَّ إذا قتَل الحرَّ، فدمُ القاتلِ كفءٌ لدمِ القتيلِ بالقِصاصِ (٣) منه دونَ غيرِه مِن الناسِ، ولا تُجاوِزوا بالقتلِ إلى غيرِه ممن لم يقتُلْ؛ فإنه حرامٌ عليكم أن تقتُلوا بقتيلِكم غيرَ قاتلِه.
والفرضُ الذي فرَضه اللهُ علينا في القِصاصِ هو ما وصَفتُ، من تَرْكِ المجاوزةِ بالقِصاصِ قتلَ القاتلِ بقتيلِه إلى غيرِه، لا أنه وجَب علينا القِصاصُ فرضًا، وجوبَ فرضِ الصلاةِ والصيامِ، حتى لا يكونَ لنا تركُه، ولو كان ذلك فرضًا لا يجوزُ لنا تركُه لم يكنْ لقولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
معنًى مفهومٌ؛ لأنه لا عفوَ بعدَ القِصاصِ فيقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
وقد قيل: إن معنى القِصاصِ في هذه الآيةِ مُقاصَّةُ دِياتِ بعضِ القتْلَى بدِياتِ بعضٍ.
وذلك أن الآيةَ عندَهم نزَلتْ في حزبين تحاربوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقتَل بعضُهم بعضًا، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يُسقِطَ (١) ديَاتِ نساءِ أحدِ الحزبين بدياتِ نساءِ الآخرين، ودياتِ رجالِهم بدياتِ رجالِهم، ودياتِ عبيدِهم بدياتِ عبيدِهم، قِصاصًا.
فذلك عندَهم مَعنى القِصاص في هذه الآيةِ.
فإن قال قائلُ: فإنّه جلَّ ثناؤُه قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
أفما لنا أن نقتصَّ للحُرِّ إلَّا من الحُرِّ، ولَا للأُنثى إلَّا من الأُنثى؟
قيل: بلى (٢)، لنا أن نقتصَّ للحرِّ من العبدِ، وللأنثى من الذكرِ، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣].
وبالنقلِ المستفيضِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "المؤمنون (١) تتكافأُ دماؤُهم" (٢).
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما وجهُ تأويلِ هذه الآيةِ؟
قيل: اخْتَلفَ أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا إذا قتَل الرجلَ منهم عبدُ قومٍ آخرين، لم يرضَوْا من قتيلِهم بدمِ قاتلِه، من أجلِ أنه عبدٌ حتى يقتُلُوا به سيدَه، وإذا قتَلتِ المرأةُ من غيرِهم رجلًا منهم، لم يرضَوْا بالقِصاصِ (٣) بالمرأةِ القاتلةِ حتى يقتُلوا رجلًا من رهطِ المرأةِ وعشيرَتِها، فأَنْزَل اللهُ جلَّ وعزَّ هذه الآيةَ، فأَعْلَمهم أن الذي فُرِض لهم من القِصاصِ أن يقتُلوا بالرجلِ الرجلَ القاتلَ دونَ غيرِه، وبالأُنثى الأُنثى القاتلةَ دونَ غيرِها من الرجالِ، وبالعبدِ العبدَ القاتلَ دونَ غيرِه من الأحرارِ، ونهاهم أن يتعدَّوا القاتلَ إلى غيرِه في القِصاصِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، وحدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قالَا جميعًا: حدثنا حمادٌ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال: نزَلت في قبيلتين من قبائِلِ العربِ اقْتتلَتا قتالَ عِمِّيَّةٍ (٤)، فقالوا: نقتُلُ بعبدِنا فلانَ بنَ فلانٍ، وبفلانةَ فلانَ بنَ فلانٍ.
فأَنْزَل اللهُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٥).
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وكان أهل الجاهليةِ فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطانِ، فكان الحيُّ إذا كان فيهم عزةٌ (١) ومنَعةٌ، فقتَل عبدُ قومٍ آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حُرًّا.
تَعزُّزًا، لفضلِهم على غيرِهم في أنفسِهم، وإذا قُتِلتْ لهم امرأةٌ قتَلتْها امرأةُ قومٍ آخرين، قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا.
فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ يُخْبرُهم أن العبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البَغْيِ، ثم أَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه في سورةِ "المائدة" بعدَ ذلك فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢) [المائدة: ٤٥].
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ قال: لم يكنْ لمن قبلَنا دِيةٌ، إنما هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ مِن غيرِهم، وكانوا إذا قُتِل من الحيِّ الكثيرِ عبدٌ قالوا: لا نقتُلُ به إلَّا حرًّا.
وإذا قُتلتْ منهم امرأةٌ قالوا: لا نقتُلُ بها إلَّا رجلًا.
فأَنْزَل اللهُ تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حدثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال: إنما ذلك في قتالِ عِمِّيةٍ، إذا أُصِيبَ مِن هؤلاءِ عبدٌ ومن هؤلاءِ عبدٌ تَكافَأ (١)، وفي المرأتين كذلك، وفي الحُرَّين كذلك، هذا معناه إن شاء اللهُ.
وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قد دخَل في قولِ اللهِ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الرجلُ بالمرأةِ، والمرأةُ بالرجلِ.
وقال عطاءٌ: ليس بينَهما فَضلٌ (٢).
وقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في فريقين كان بينَهم قتالٌ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقُتل مِن كلَا الفريقين جماعةٌ من الرجالِ والنساءِ، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، بأن يجعَلَ ديَاتِ النساءِ من كلِّ واحدٍ من الفريقين قِصاصًا بدياتِ النساءِ من الفريقِ الآخرِ، ودياتِ الرجالِ بالرجالِ، ودياتِ العبيدِ بالعبيدِ، فذلك معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: حدثنا عمرُو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال: اقتتَل أهلُ ماءين (٣) من العربِ، أحدُهما مسلمٌ والآخرُ مُعاهَدٌ، في بعضِ ما يكونُ بينَ العربِ من الأمرِ، فأَصْلحَ بينَهم النبيُّ ﷺ وقد كانوا قَتَلوا الأحرارَ والعبيدَ والنساءَ - على أن يؤدِّيَ الحرُّ ديةَ الحرِّ، والعبدُ ديةَ العبدِ، والأنثى ديةَ الأنثى، فقاصَّهم بعضَهم مِن بعضٍ (٤).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان بينَ حَيَّيْن من الأنصارِ قتالٌ، كان لأحدِهما على الآخرِ الطَّوْلُ، فكأنَّهم طلَبوا الفضلَ، فجاء النبيُّ ﷺ ليصلِحَ بينَهم، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
فجعَل النبيُّ ﷺ الحرَّ بالحرِّ، والعبدَ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى (١).
حدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن شعبةَ، عن أبي بشرِ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيَّةٍ - قال شعبةُ: كأنَّه في صلحٍ - قال: اصْطَلحُوا على هذا (٢).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال.
حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، قال: سمِعتُ الشَّعْبيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال: نزَلتْ في قتالِ عِمِّيةٍ، قتالٌ (٣) كان على عهدِ النبيِّ ﷺ.
وقال آخرون.
بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بمقاصَّةِ ديةِ الحرِّ وديةِ العبدِ، وديةِ الذكرِ وديةِ الأُنثى، في قتلِ العمدِ، إن اقتُصَّ للقتيلِ من القاتلِ، والتراجعِ بالفضلِ والزيادةِ بين ديتيِ القتيلِ والمقتصِّ منه.
ذِكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
قال: حُدِّثنا عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ أنه كان يقولُ: أيُّما حرٍّ قتَل عبدًا فهو به قَوَدٌ، فإن شاءَ موالى العبدِ أن يقتُلوا الحرَّ قتَلوه وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ من دِيةِ الحرِّ، وأدَّوا إلى أولياءِ الحرِّ بقيةَ دِيَتِه، وأيُّ (١) عبدٍ قتَل حرًّا فهو به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلوا العبدَ وقاصُّوهم بثمنِ العبدِ، وأخَذوا بقيةَ ديةِ الحرِّ، وإن شاءُوا أخَذُوا الديةَ كلَّها واستحيَوُا العبدَ، وأيُّ حرٍّ قتَل امرأةً فهو بها قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ المرأةِ قتَلُوه وأدَّوا نصفَ الديةِ إلى أولياءِ الحُرِّ، وأيُّ (١) امرأةٍ قتَلتْ حرًّا فهي به قَوَدٌ، فإن شاء أولياءُ الحرِّ قتَلُوها وأخَذوا نصفَ الديةِ، وإن شاءوا أخَذوا الديةَ كلَّها واسْتحْيَوْها، وإن شاءُوا عفَوْا (٢).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: حدثنا حمادُ ابنُ سلَمةَ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، أن عليًّا قال في رجلٍ قتَل امرأتَه، قال: إن شاءُوا (٣) قتَلوه وغَرِموا نصفَ الديَةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ (٤) سعيدٍ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: لا يُقتَلُ الرجلُ بالمرأةِ حتى يُعطُوا نصفَ الديَةِ (٥).
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن سماكٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال في رجلٍ قتَل امرأتَه عمدًا، فأتَوا به عليًّا، فقال: إن شئتُم فاقتُلوه وردُّوا فضلَ ديةِ الرجلِ على ديَةِ المرأةِ (١).
وقال آخرون: بل نزَلتْ هذه الآيةُ في حالِ ما نزَلتْ والقومُ لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكنهم كانوا يقتُلونَ الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، حتى سوَّى اللهُ بين حكمِ جميعِهم بقولِه: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
فجعَل جميعَهم قَوَدًا بعضَهم ببعضٍ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾: وذلك أنهم كانوا لا يقتُلون الرجلَ بالمرأةِ، ولكن يقتُلون الرجلَ بالرجلِ، والمرأةَ بالمرأةِ، فأَنْزَل اللهُ سبحانه: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
فجعَل الأحرارَ في القِصاصِ سواءً فيما بينَهم في العمدِ، رجالُهم ونساؤُهم، في النفسِ وما دونَ النفسِ، وجعَل العبيدَ مُستوين فيما بينَهم في العمدِ، في النفسِ وما دونَ النفسِ، رجالُهم ونساؤُهم (٢).
قال أبو جعفرٍ: فإذا كان مُختَلَفًا الاختلافُ الذي وصَفتُ فيما نزَلتْ فيه (٣) هذه الآيةُ، فالواجبُ علينا استعمالُها فيما دلَّت عليه من الحكمِ بالخبرِ القاطِعِ العذرَ.
وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالنقلِ العامِّ أن نفْسَ الرجلِ الحرِّ قوَدٌ قِصاصًا بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ.
فإذ كان ذلك كذلك - وإن كانت الأمَّةُ مختلفةً في التراجُعِ بفضلِ ما بينَ ديةِ الرجلِ والمرأةِ، على ما قد بيَّنا من قولِ عليٍّ وغيرِه - وكان واضحًا فسادُ قولِ من قالَ بالقِصاصِ في ذلك، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ الدِّيتين، بإجماعِ جميعِ أهلِ الإسلامِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يُتلِفَ من جسدِه عضوًا بعوضٍ يأخُذُه على إتلافِه - [فدعْ ما] (١) جميعَه - وعلى أن حرامًا على غيرِه إتلافُ شيْءٍ منه - مثلَ الذي حُرِّمَ من ذلك عليهِ بعوضٍ يُعطيه عليه - فالواجبُ أن تكونَ نفسُ الرجلِ الحرِّ بنفسِ المرأةِ الحرَّةِ قوَدًا.
وإذا كان ذلك كذلك، كان بَيِّنًا بذلك أنه لم يُرِدْ بقولِه: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾.
ألا يُقادَ العبدُ بالحرِّ، ولا (٢) ألا تُقتلَ الأُنثى بالذَّكرِ، ولا الذَّكرُ بالأُنثى.
وإذا كان كذلك، كان بَيِّنًا - [على ما ذكَرنا] (٣) - أن الآيةَ معنيٌّ بها أحدُ المعنيين الآخرين؛ إمّا [ما قلنا] (٤) من ألا يُعَدَّى بالقِصاصِ إلى غيرِ القاتلِ والجانِي، فيُؤخذَ بالأنثى الذكرُ، وبالعبدِ الحرُّ.
وإما القولُ الآخرُ، وهو أن تكونَ الَايةُ نزَلتْ في قومٍ بأعْيانِهم خاصَّةً، أُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يجعَلَ دياتِ قتلَاهم قِصاصًا.
بعضُها من بعضٍ، كما قاله السُّديُّ ومَن ذكَرنا قولَه.
وقد أجْمع الجميعُ - لا خلافَ بينَهم - على أن المقُاصَّةَ في (٥) الحقوقِ غيرُ واجبةٍ، وأَجْمعوا على أنَّ اللهَ ﷿ لمْ يقضِ في ذلك قضاءً ثم نسَخه.
وإذا كان كذلك، وكان قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
ينبئُ على (١) أنه فرضٌ، كان معلومًا أن القولَ خلافُ ما قالَه قائلُ هذه المقالَةِ؛ لأنَّ ما كان فرضًا على أهلِ الحقوقِ أن يفعَلوه، فلا خِيارَ لهم فيه، والجميعُ مجمِعون على أن لأهلِ الحقوقِ الخِيارَ في مقاصَّتِهم حقوقَهم بعضَها من بعضٍ.
فإذْ تبيَّن فسادُ هذا الوجهِ الذي ذكَرنا، فالصحيحُ من القولِ في ذلك هو ما قلنا.
فإن قال قائلٌ: إذ ذكَرتَ أن معنى قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
بمعنى: فُرِضَ عليكم القِصاصُ.
ولا يُعرفُ لقولِ القائلِ: كتَب.
معنًى إلَّا بمعنى.
خطَّ ذلك ورسَم خطًّا وكتابًا، فما برهانُك على أن معنَى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾: فُرِض؟
قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ، وفي أشعارِهم مستفيضٌ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): كُتِب القتلُ والقتالُ علينا … وعلى المحصناتِ جرُّ الذيولِ وقولُ نابغةِ بني جَعْدةَ (٣): يا بنتَ عمِّي كتابُ اللهِ أَخْرَجني … [عنكم فهل] (٤) أمنعَنَّ اللهَ ما فعَلا وذلك أكثرُ في أشعارِهم وكلامِهم من أن يُحصَى.
غيرَ أن ذلك وإن كان بمعنى "فُرِض"، فإنه عندِي مأخوذٌ من الكتابِ الذي هو رسمٌ وخطٌّ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد كتَبَ جميعَ ما فَرَض على عبادِه، وجميعَ ما هُم عامِلوه في اللوحِ المحفوظِ، فقال جلَّ ذكرُه في القرآنِ: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١، ٢٢].
وقال: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧، ٧٨].
[فأَخْبرَ أن القرآنَ في اللَّوحِ المحفوظِ، وفي كتابٍ مكنونٍ] (١).
فقد تبينَ بذلك أن كلَّ ما فرَضَه علينا في (٢) اللوحِ المحفوظِ مكتوبٌ.
فمعنى قولِه - إذ كان ذلك كذلك -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾: كُتب عليكم في اللوحِ المحفوظِ القِصاصُ في القتلَى فرضًا، ألا تقْتُلوا بالمقتولِ غيرَ قاتلِه.
وأما "القِصاصُ"، فإنه من قولِ القائلِ: قاصصْتُ فلانًا حَقِّي قِبَلَه من حقِّه قِبَلي، [وقاصَّني] (١) قِصاصًا ومُقاصَّةً.
فقَتلُ القاتِلِ بالذي قتَله قِصاصٌ به (٣)؛ لأنه مفعولٌ به مثلُ الذي فعَل مِن (٤) قتلِه، وإن كان أحدُ الفعلين عُدوانًا والآخرُ حقًّا، فهما وإن اخْتَلفا من هذا الوجهِ، فهما متَّفِقانِ في أن كلَّ واحدٍ قد فعَل بصاحبِه مثلَ الذي فعَل صاحبُه به.
وجعَل فعْلَ وليِّ القتيلِ الأولِ إذا قتَل قاتلَ ولِيِّه قِصاصًا، إذ كان بسببِ قتيله (٥) استحقَّ قتلَ مَن قتَلَه، فكأنَّ وليَّه المقتولَ هو الذي وَلِي قتلَ قاتلِه، فاقتصَّ منه.
وأمَّا "القتلَى" فإنها جمعُ قتيلٍ، كما الصرعَى جمعُ صَريعٍ، والجرحَى جمعُ جريحٍ.
وإنما يُجمعُ الفَعِيلُ على الفَعْلَى ما (٦) كان صفةً للموصوفِ به، بمعنى الزَّمانةِ والضررِ الذي لا يقدِرُ معه صاحبُه على البَراحِ من موضِعِه ومصرَعِه، نحوُ: القتلى في معاركِهم، والصرْعَى في أماكِنِهم (١)، والجرحَى، وما أشبهَ ذلك.
فتأويلُ الكلامِ إذن: فُرِض عليكم أيها المؤمنون القِصاصُ في القَتلَى، أن يقتصَّ الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبدِ، والأنثى بالأنثى.
ثم ترَك ذكْرَ "أن يقتصَّ"، اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
عليه [من ذكرِه] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فمَن تُرِك له من القَتَلةِ (٣) ظُلمًا من الواجبِ كان لأخيه عليه من القِصاصِ - وهو الشيْءُ الذي قال اللهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ - فاتِّباعٌ بالمعروفِ من العافِي للقاتلِ بالواجبِ له قِبَلَه من الديةِ، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسانٍ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولَابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ بنُ عُيينةَ، عن عمرٍو، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فالعفوُ أن يقبَلَ الدِّيةَ في العمدِ، واتباعٌ بالمعروفِ، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ (٤).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا حجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، قال: أخبَرنا عَمرُو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فقال: هو العمدُ يَرْضَى أهلُه بالديةِ، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أُمِر به الطالبُ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من المطلوبِ (١).
حدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، وحدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قالا جميعًا: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ: عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الذي يقبَلُ الديةَ ذلك منه (٢) عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروفِ، ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسانٍ (٣).
حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: وهي الديةُ، أن يُحسِنَ الطالبُ الطلبَ، ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو أن يحسِنَ المطلوبُ الأداءَ.
حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفو عن الدَّمِ ويأخذُ الدِّيةَ (١).
حدثني سفيانُ، قال: حدثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
قال: الديةُ.
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ (٢) إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: على هذا الطالبِ أن يطلُبَ بالمعروفِ، وعلى هذا المطلوبِ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ (٣).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾: والعَفُوُّ الذي يعفُو عن الدَّمِ ويأخُذُ الديةَ.
حدثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو الوليدِ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ ابنِ أبي هندٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: هو العمدُ يَرضَى أهلُه بالدِّيةِ (٤).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن داودَ، عن الشعبيِّ مثلَه.
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
يقولُ: من قَتَل عمدًا فعُفي عنه، وقُبِلت منه الديةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فأمَر المتَّبِعَ أن يتَّبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ، فالعمدُ قَودٌ إليه قِصاصٌ، لا عَقْلَ (١) فيه، إلَّا أن يرضَوْا بالديةِ، فإن رَضُوا بالديةِ فمائةُ خَلِفةٍ (٢)، فإن قالوا: لا نرضَى إلَّا بكذَا وكذَا.
فذلك لهم.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: يَتَّبعُ (٣) الطالبُ بالمعروفِ، ويؤدِّي المطلوبُ بإحسانٍ (٤).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
يقولُ: فمن قتَل عمدًا فعُفِيَ عنه، وأُخذتْ منه الدِّيةُ، يقولُ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
أمَر صاحبَ الدِّيةِ الذي (٥) يأخُذُها أن يتبِعَ بالمعروفِ، وأمَر المؤدِّيَ أن يؤدِّيَ بإحسانٍ (٦).
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: ذلك إذا أخَذ الدِّيةَ، فهو عَفوُه (١).
[حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ] (٢)، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني القاسمُ.
بنُ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ، قال: إذا قبِل الديةَ فقد عفَا عن القِصاصِ، فذلك قولُه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني الأعرجُ، عن مجاهدٍ مثلَ ذلك، وزادَ فيه: فإذا قبِل الديةَ فإنَّ عليه أن يتَّبعَ بالمعروفِ، وعلى الذي عُفِيَ عنه أن يؤدِّيَ بإحسانٍ.
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقيلٍ، قال: قال الحسنُ: أخذُ الديةِ عفوٌ حسنٌ (٣).
حدثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: أنت أيها المعفوُّ عنه (٣).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾: فمَن فضَل له فضْلٌ، وبقِيتْ له بقيَّةٌ.
وقالوا: معنى قولِه: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ (٤) جراحتِه، فاتباعٌ منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بقِيَ ذلك قِبَلَه بمعروفٍ، وأداءٌ من القاتلِ أو الجارحِ إليه ما بقِي قِبَلَه له من ذلك بإحسانٍ.
وهذا قولُ من زعَم أن هذه الآيةَ نزَلتْ - أعني قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ - في الذين تحارَبوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُصلِحَ بينَهم، فَتُقاصَّ دياتُ بعضِهم من بعضٍ، ويُردَّ بعضُهم على بعضٍ بفضلٍ إن بقِيَ لهم قِبلَ الآخرين.
وأحسَبُ أن قائِلي هذا القولِ وجَّهوا تأويلَ العفوِ في هذا الموضعِ إلى الكثرةِ، من قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥].
فكأنَّ معنى الكلامِ عندَهم: فمن كثُر له قِبلَ أخيه القاتلِ شيْءٌ (١).
ذِكرُ من قال ذلك حدثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
يقولُ: بقِيَ له من ديةِ أخيه شيْءٌ، أو من أَرْشِ جراحتِه، فلْيتَّبعْ بمعروفٍ، ولْيؤدِّ إليه الآخرُ بإحسانٍ (٢).
والواجبُ على تأويلِ القولِ الذي رَوَينا عن عليٍّ والحسنِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
أنه بمعنى: مُقاصَّةِ ديةِ نفسِ الذَّكرِ مِن ديةِ نفسِ الأنثى، والعبدِ من الحرِّ، والتراجعِ بفضلِ ما بينَ ديتى أنفُسِهما - أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن عُفي له منَ الواجبِ لأخيه عليه من قِصاصِ ديةِ نفسِ (١) أحدِهما بديةِ نفسِ الآخرِ، إلى الرضَا بديةِ نفسِ المقتولِ، فاتباعٌ من الوليِّ بالمعروفِ، وأداءٌ من القاتلِ إليه بإحسانٍ.
وأوْلى الأقوالِ عندي بالصوابِ في قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾: فمَن صُفِح له مِن الواجِبِ كان لأخيه عليه من القَوَدِ، عن شيْءٍ من الواجبِ على ديةٍ يأخُذُها منه، فاتباعٌ بالمعروفِ من العافي عن الدَّمِ الراضِي بالدِّيةِ من دمِ ولِيِّه، وأداءٌ إليه من القاتلِ (١) بإحسانٍ.
لما قد بيَّنَّا من العللِ فيما مضَى قبلُ، من أنَّ معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾.
إنما هو القِصاصُ من النفوسِ القاتلةِ أو الجارحةِ والشَّاجَّةِ عمدًا، فكذلك العفوُ أيضًا عن ذلك.
وأما معنَى قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فإنه يعني: فاتباعٌ على ما أوجبَه اللهُ له من الحقِّ قِبَلَ [قاتلِ وَليِّه] (٢)، من غيرِ أن يزدادَ عليه ما ليس له عليه في أسنانِ الفرائضِ أو غيرِ ذلك، أو يكلِّفَه ما لم يوجِبْه اللهُ له عليه.
كما حدثني بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: بلَغنا عن نبيِّ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن زاد أو ازداد بعيرًا - يعني في إبلِ الدِّياتِ وفرائضِها - فمِن أمرِ الجاهليةِ".
وأما إحسانُ الآخرِ في الأداءِ، فهو أداءُ ما لزِمَه بقتلِه لوليِّ القتيلِ، على ما ألزمَه اللهُ وأوجَبه عليه، من غيرِ أن يبخَسَه حقًّا له قِبَلَه بسببِ ذلك، أو يُحوِجَه إلى اقتضاءٍ ومطالبةٍ.
فإن قال لنا قائل: وكيف قِيلَ: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
ولم يقلْ: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءً إليه بإحسانٍ.
كما قال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]؟
قيلَ: لو كان التنزيلُ جاءَ بالنصبِ، وكان: فاتباعًا بالمعروفِ وأداءٌ إليه بإحسانٍ.
كان جائزًا في العربيةِ صحيحًا على وجهِ الأمرِ، كما يقالُ: ضربًا ضربًا، وإذا لقيتَ فلانًا فتبجيلًا وتعظيمًا.
غيرَ أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصحُ في كلامِ العربِ من نصبِه.
وكذلك ذلك في كلِّ ما كانَ نظيرًا له، مما يكونُ فرضًا عامًّا - في مَن قد فَعَل، وفي من لم يفعَلْ إذا فعَل - لا ندبًا وحثًّا.
ورفعُه على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ، فالأمرُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ، وأداءٌ إليه بإحسانٍ.
أو: فالقضاءُ والحكمُ فيه اتباعٌ بالمعروفِ.
وقال بعضُ أهلِ العربيةِ (١): رفعُ ذلك على معنى: فمَن عُفي له من أخيه شيْءٌ فعلَيه اتباعٌ بالمعروفِ.
وهذا مذهبٌ (٢)، والأولُ الذي قلناه هو وجهُ الكلامِ.
وكذلك كلُّ ما كان من نظائرِ ذلك في القرآنِ، فإن رفعَه على الوجهِ الذي قلناه، وذلك مثلُ قولِه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
وأما قولُه: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾.
فإن الصوابَ فيه النصبُ، وهو وجهُ الكلامِ؛ لأنه على وجهِ الحثِّ من اللهِ عبادَه على القتلِ عندَ لقاء العدوِّ، كما يقالُ: إذا لقِيتم العدوَّ فتكبيرًا وتهليلًا.
على وجهِ الحضِّ على التكبيرِ، لا على وجهِ الإيجابِ والإلزامِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي حكَمتُ به وسَنَنتُه لكم، من إباحتي لكم أيتها الأمةُ العفوَ عن القصاصِ من قاتلِ قَتيلِكم، على ديةٍ تأخُذونها، فتملِكُونها مِلكَكم سائرَ أموالِكم، التي كنتُ منَعتُها من قبْلَكم من الأممِ السالفةِ، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يقولُ: تخفيفٌ مني لكم مما كنتُ ثَقَّلتُه على غيرِكم، بتحريمِ ذلك عليهم، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ منى بكم.
كما حدثنا أبو كُريبٍ وأحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قالا: حدثنا سفيانُ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان في بني إسرائيلَ القِصاصُ، ولم تكنْ فيهم الدِّيةُ، فقال اللهُ في هذه الآيةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
إلى قولِه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
فالعفوُ أن يقبَلَ الديةَ في العمدِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
[يقولُ: خفَّفَ عنكم ما كان] (١) على من كان قبلَكم، أن يطلُبَ هذا بمعروفٍ، ويؤدِّيَ هذا بإحسانٍ (٢).
حدثنا محمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسنِ بنِ شقيقٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ مُسلمٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَن قبلَكم يقتُلون القاتلَ بالقتيلِ لَا تُقبلُ منهم الديةُ، فأنْزلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يقولُ: خفَّفَ عنكم ما (٣) كان على من قبلَكم؛ أي (٤) الديةُ، لم تكنْ تُقبلُ، فالذي يَقبَلُ الديةَ ذلك منه عَفوٌ (٢).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، قال: أخبَرنا عمرٌو بنُ دينارٍ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: مما كان على بني إسرائيلَ.
يعني: من تَحريمِ الديةِ عليهم (٢).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان على بني إسرائيلَ قِصاصٌ في القتلى، ليسَ بينَهم ديةٌ في نفسٍ ولا جُرحٍ، وذلك قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية كلها [المائدة: ٤٥].
وخفَّف اللهُ عن أمةِ محمدٍ ﷺ، فقبِل منهمُ الديةَ في النفسِ وفي الجراحةِ، وذلك قولُه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بينَكم (١).
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾: وإنما هي رحمةٌ رحِمَ اللهُ بها هذه الأمةَ، أَطْعَمهم الديةَ، وأحلَّها لهم، ولم تحِلَّ لأحدٍ قبلَهم، وكان أهلُ التوراةِ إنما هو قِصاصٌ أو عفوٌ، ليس بينَهم (٢) أرْشٌ، وكان أهلُ الإنجيلِ إنما هو عفوٌ أُمِروا به، وجعَلَ اللهُ لهذه الأمةِ القوَدَ والعفوَ، والديةَ إن شاءوا، أحلَّها لهم، ولم تكنْ لأمةٍ قبلَهم (٣).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بمثلِه سواءً، غيرَ أنه قال: ليس بينَهما شيْءٌ (٤).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
قال: لم تكنْ لمن قبلَنا ديةٌ، إنما هو القتلُ أو العفوُ إلى أهلِه، فنزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا أكثرَ من غيرِهم (١).
حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: وأخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن بني إسرائيلَ كان كُتِب عليهمُ القِصاصُ، وخُفِّف عن هذه الأمةِ.
وتلا عمرُو بنُ دينارٍ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢).
وأما على قولِ من قال: القِصاصُ في هذه الآيةِ معناه قِصاصُ الدِّياتِ بعضِها من بعضٍ.
على ما قاله السُّديُّ، فإنه ينبغي أن يكونَ تأويلُه: هذا الذي فعَلتُ بكم أيها المؤمنون من قصاصِ دياتِ قتلَى بعضِكم بدياتِ بعضٍ، وتَركِ إيجابِ القَودِ من (٣) الباقين منكم بقتيلِه الذي قتلَه أو (٤) أخذِه بديتِه، تخفيفٌ منِّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكم من حكمي عليكم بالقوَدِ أو الديةِ، ورحمةٌ منِّي لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾.
يعني بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فمن تَجاوز ما جعَله اللهُ له بعدَ أخذِه الديةَ، اعتداءً وظلمًا، إلى ما لم يَجْعلِ اللهُ له من قتلِ قاتلِ وليِّه وسفكِ دمِه، فله بفعلِه ذلك، [وتقدُّمِه على] (٥) ما قد حرمتُه عليه، عذابٌ أليمٌ.
وقد بَيَّنتُ معنى الاعتداءِ فيما مضَى بما أغنَى عن إعادَتِه (٦).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: فقتَل، ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
حدثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿فَمَنِ اعْتَدَى﴾: بعد أخذِ الديةِ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه] (٢): ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ فقَتَلَ، فله عذابٌ أليمٌ.
قال: وقد ذُكِر لنا أن رسولَ الله ﷺ كان يقولُ: "لا أُعافي رجلًا قتَل بعدَ أخذِه الديةَ" (٣).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
قال: هو القتلُ بعدَ أخذِ الديةِ.
يقولُ: مَن قتَل بعدَ أن يأخُذَ الديةَ فعليه القتلُ، لَا تُقبَلُ منه الديةُ (١).
حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يقولُ: فمن اعتدَى بعد أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ (٢).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ إذا قتلَ قتيلًا في الجاهليةِ فرَّ إلى قومِه، فيجئُ قومُه فيصالحون عنه بالديةِ.
قال: فيخرُجُ الفارُّ وقد أمِنَ على نفسِه.
قال: فيقتَلُ ثم يُرْمَى إليه بالديةِ، فذلك الاعتداءُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مُسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا أبو عَقيلٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
قال: القاتلُ إذا طُلِب فلم يُقدَرْ عليه، وأُخِذ من أوليائِه الديةُ، ثم أَمِن، فأُخِذ فقُتِل.
قال الحسنُ: ما أكَل عُدوانٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ (٤)، قال: قلت لعكرمةَ: مَن قتَل بعد أخذِه الديةَ؟
قال: إذن يُقتلَ، أما سمِعتَ اللهَ يقولُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).
حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: بعد ما يأخُذُ الديةَ، فيَقْتُلُ ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
يقولُ: فمن اعتدى بعدَ أخذِه الديةَ، فله عذابٌ أليمٌ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: أخَذَ العقلَ، ثم قتَل بعدَ أن أخَذ العقلَ قاتلَ قتيلِه، فله عذابٌ أليمٌ.
واخْتَلفوا في معنى "العذاب الأليم" الذي جعَله اللهُ لمن اعْتَدى بعد أخذِه الديةَ من قاتلِ وليِّه؛ فقال بعضُهم: ذلك العذابُ هو القتلُ، بمَن (٣) قتَله بعدَ أخذِه الديةَ منه وعفوِه عن القِصاصِ منه بدمِ وليِّه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقيُّ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: يُقتلُ، وهو العذابُ الأليمُ.
يقولُ: العذابُ المُوجِعُ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدثني هشيمٌ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال ذلك (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا القاسمُ، قال: حدثنا هارونُ بنُ سلمانَ (٢)، عن عكرمةَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
قال: القتلُ (٣).
وقال بعضُهم: ذلك العذابُ عقوبةٌ يعاقبُه بها السلطانُ على قدرِ ما يرى من عقوبتِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبرني إسماعيلُ بنُ أميةَ، عن الثَّبَتِ (٤) - غيرَ أنه لم ينسِبْه، وقال: ثقةٌ - أن النبيَّ ﷺ أَوْجب بقَسَمٍ أو غيرِه ألا يُعفَى عن رجلٍ عفا عن الدَّمِ، وأخذَ الديةَ، ثم عدَا فقتَل.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: في كتابٍ لعمرَ عن النبيِّ ﷺ قال: "والاعتداءُ الذي ذكَر اللهُ أن الرجلَ يأخُذُ العقلَ، أو يقتصُّ، أو يقضي السلطانُ فيما بينَ الجرحِ، ثم يعتدي بعضُهم من بعدِ أن يستوعبَ حقَّه، فمن فعَل ذلك فقد اعتدَى، والحكمُ فيه إلى السلطانِ بالذي يرَى فيه من العقوبةِ.
قال: ولو عفَا عنه لم يكنْ لأحدٍ من طلبةِ الحقِّ أن يَعْفُوَ (٥)، إنَّ (١) هذا من الأمرِ الذي أنزَل اللهُ فيه قولَه: فإن اختَلَفتم (٢) في شيْءٍ فردُّوه إلى اللهِ وإلى (٣) الرسولِ وإلى أُولي الأمرِ منكم".
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ، في رجلٍ قَتَل فأُخِذتْ منه الديةُ، ثم إن وَليَّه قتلَ به القاتلَ؟
قال الحسنُ: تُؤخذُ منه الديةُ التي أخَذ ولا يُقتلُ به (٤).
وأولى التأويلين بقولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
تأويلُ مَن قال: فمن اعتدَى بعدَ أخذِه الديةَ، فقتَل قاتلَ وليِّه، فله عذابٌ أليمٌ في عاجلِ الدنيا، وهو القتلُ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كلِّ قتيلٍ ظُلمًا السلطانَ على قاتلِ وَليِّه، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣].
فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ العلمِ مُجمعين على أن مَن قتَل قاتلَ وليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه منه ديةَ قتيلِه، أنه بقتلِه إيَّاه له ظالمٌ في قتلِه - كان بيِّنًا أن (٥) يُولَّى من قتَله ظلمًا كذلك السلطانَ عليه في القصاصِ والعفوِ وأخذِ الديةِ، أيَّ ذلك شاء.
وإذا كان ذلك كذلك كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أُقيم عليه حدُّه في الدنيا كان ذلك عقوبتَه مِن ذنبِه، ولم يكنْ به مُتَّبعًا في الآخرةِ، على ما قد ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ (٦).
وأما ما قاله ابنُ جُريجٍ، من أن حكمَ من قتَل قاتلَ وَليِّه بعدَ عفوِه عنه، وأخذِه ديةَ وليِّه المقتولِ، إلى الإمامِ دونَ أولياءِ المقتولِ - فقولٌ خلافٌ لما دلَّ عليه ظاهرُ كتابِ اللهِ، وأَجْمع عليه علماءُ الأمةِ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل لوليِّ كُلِّ مقتولٍ ظلمًا السلطانَ دونَ غيرِه، مِن غيرِ أن يخصَّ من ذلك قتيلًا دونَ قتيلٍ، فسواءٌ كان ذلكَ قتيلَ وليِّ مَن قتَله أو غيرَه، ومن خصَّ من ذلك شيئًا سُئِل البرهانَ عليه من أصلٍ أو نظيرٍ، وعُكِس عليه القولُ فيه، ثم لن يقولَ في شيْءٍ من ذلك قولًا إلَّا أُلزِم في الآخَرِ مثلَه.
ثم في إجماعِ الحجةِ على خلافِ ما قال في ذلك مُكتفًى من (١) الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾: ولكم يا أُولي العقولِ فيما فرَضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضِكم على بعضٍ، من القِصاصِ في النفوسِ والجراحِ والشِّجاجِ، ما مَنع (٢) بعضَكم مِن قتلِ بعضٍ، [ووزَع] (٣) بعضَكم عن بعضٍ، فحَيِيتم بذلك، فكان لكم في حكمِي بينَكم بذلك حياةٌ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك، فقال بعضُهم في ذلك نحوَ الذي قلنا فيه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
قال: نَكالٌ، تَناهٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال: نَكالٌ، تَناهٍ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾: جعَل اللهُ هذا القِصاصَ حياةً ونكالًا وعظةً لأهل السَّفهِ والجهلِ من الناسِ، وكم من رجلٍ قد همَّ بداهيةٍ لولَا مخافةُ القِصاصِ لوقَع بها، ولكنَّ اللهَ حجَز بالقِصاصِ بعضَهم عن بعضٍ، وما أمَر اللهُ بأمرٍ قطُّ إلَّا وهو أمرُ صلاحٍ في الدنيا والآخرةِ، ولا نهَى اللهُ عن أمرٍ إلَّا وهو أمرُ فسادٍ في الدنيا والدِّينِ، واللهُ كان أعلمَ بالذي يُصلِحُ خلْقَه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال: جعَل اللهُ في القِصاصِ حياةً، إذا ذكَره الظالمُ المعتدي (٣) كفَّ عن القتلِ (٤).
حُدِّثت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية.
يقولُ: جعَل اللهُ هذا القِصاصَ حياةً وعبرةً لكم، كم من رجلٍ قد همَّ بداهيةٍ فمنَعه مخافةُ القصاصِ أن يقعَ بها، وإنَّ اللهَ قد حجَز عبادَه بعضَهم عن بعضٍ بالقِصاصِ (١).
حدَّثنا القاسم، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال: نكالٌ، تَناهٍ.
قال ابنُ جُريجٍ: حياةٌ، مَنعةٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال: حياةٌ، تَقيَّةٌ (٢)، إذا خافَ هذا أن يُقتلَ بي، كَفَّ عنِّي، لعله يكونُ عدوًّا لي يريدُ قتلِي، فيتذكرُ أنه يُقتلُ بالقصاصِ، فخشِي أنْ يُقتَلَ بِي، وكفَّ بالقِصاصِ الذي خاف أن يُقتلَ، لولا ذلك قتَل هذا.
حُدِّثت عن يعلَى بنِ عُبيدٍ، قال: حدثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
قال: بقاءٌ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولكم في القصاصِ من القاتِل بقاءٌ لغيرِه؛ لأنه لا يُقتلُ بالمقتولِ غيرُ قاتلِه في حكمِ اللهِ، وكانوا في الجاهليةِ يقتُلون بالأنثى الذكورَ (٤)، وبالعبدِ الحرَّ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾.
يقولُ: بقاءٌ، لا يُقتلُ إلا القاتلُ بجنايتِه (١).
وأما تأويلُ قوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
فإنه: يا أولي العقولِ.
والألبابُ جمعُ اللُّبِّ، واللبُّ العقلُ.
وخصَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه بالخطابِ أهلَ العقولِ؛ لأنهم هم الذين يعقِلون عن اللهِ أمرَه ونهيَه، ويتدبَّرون آياته وحُججَه دونَ غيرِهم.
وتأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي: تتقون القِصاصَ فتنتهون عن القتلِ.
كما حدثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
قال: لعلك تتَّقي أن تقتُلَه فتُقتلَ به (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: فُرِض عليكم أيها المؤمنون الوصيةُ، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ والخيرُ المالُ، ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الذين لا يرِثونه، ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو ما أذِن اللهُ فيه وأجازه في الوصيةِ، مما لم يجاوزِ الثلثَ، ولم يتعمَّدِ الموصِي ظلمَ ورَثتِه ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يعني بذلك: فَرَض عليكم هذا وأوجَبه، وجعَله حقًّا واجِبًّا على من اتقى اللهَ فأطاعَه أن يعمَلَ به.
فإن قال قائلٌ: أَوَ فرضٌ على الرجلِ ذِي المالِ أن يوصِيَ لوالديه وأقربيه الذين لا يرِثونه؟
قيل: نعم.
فإن قال: فإن هو فرَّط في ذلك فلم يوصِ لهم، أيكونُ مُضيِّعًا فرضًا يَحرَجُ بتضييعه؟
قيل: نعَم.
فإن قال: وما الدلالةُ على ذلك؟
قيل: قولُ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
فأَعْلَمنا أنه قد كتَبه علينا وفرَضه، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
فلا خلافَ بين الجميعِ أن تاركَ الصيامِ وهو عليه قادرٌ، مُضيِّعٌ بتركِه فرضًا للهِ عليه، فكذلك هو بتركِ الوصيةِ لوالديه وأقربيه وله ما يُوصى لهم فيه، مُضيِّعًا فرضًا للهِ.
فإن قال قائلٌ (١): قد علِمتَ أن جماعةً من أهلِ العلمِ قالوا: الوَصِيَّةُ للوالِدَين والأقربين منسوخةٌ بآيةِ الميراثِ؟
قيل له: وخالَفهم جماعةٌ غيرُهم فقالوا: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.
وإذْ كان في نسخِ ذلك تنازعٌ بيَنَ أهلِ العلمِ، لم يَكُنْ لنا القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ إذ كان غيرَ مستحيلٍ اجتماعُ حكمِ هذه الآيةِ وحكمِ آيةِ المواريثِ في حالٍ واحدةٍ على صحة، بغيرِ مدافعةِ حكمِ إحداهما حكمَ الأخرى - وكان الناسخُ والمنسوخُ هما المعنيَانِ اللَّذان لا يجوزُ اجتماعُ حكمِهما على صحةٍ في حالٍ واحدةٍ، لنفْي أحدِهما صاحبَه.
وبما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من المتقدِّمين والمتأخِّرين.
ذِكرُ بعضِ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا هُشيمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ أنه كان يقولُ: من مات ولم يُوصِ لذي (١) قرابتِه، فقد ختَم عملَه بمعصيةٍ (٢).
حدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائيُّ، قال: حدثنا أبو معاويةَ، عن الأعمش، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، أنه حضَر رجلًا يُوصِي (٣) بأشياءَ لا تنبَغي، فقال له مسروقٌ: إن اللهَ قد قسَم بينكم فأحسنَ القَسْمَ، وإنه مَن يرغَبْ برأيِه عن رأي اللهِ يَضِلّ (٤)، أوصِ لذي قرابتِك ممن لا يرِثُك، ثم دَعِ المالَ على ما قسَمه اللهُ عليه (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا أبو تُميلةَ يحيى بنُ واضِحٍ، قال: حدثنا عُبيدٌ، عن الضحاكِ، قال: لا تجوزُ وصيةٌ لوارثٍ، ولا يُوصِي إلُّا لذِي قرابةٍ، فإن أوصَى لغير ذِي قرابةٍ فقد عمِل بمعصيةٍ، إلَّا أن لا يكونَ قرابةٌ، فيوصِيَ لفقراءِ المسلمين.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: العجَبُ لأبي العاليةِ؛ أَعْتقتْه امرأةٌ من بني رِياحٍ، وأوصَى بماله لبني هاشمٍ (٦)!
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن رجلٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: لم يكنْ له ذاك (١)؛ ولا كرامةَ (٢) حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: قال [عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ] (٣) بنِ معمرٍ في الوصيةِ: من سمَّى جعَلناها حيث سَمَّى، ومن قال: حيثُ أمَر اللهُ.
جعَلناها في قرابتِه (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانيُّ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: حدثنا عِمرانُ بنُ حُديرٍ (٥)، قال: قلت لأبي مجْلَزٍ: الوصيةُ على كلِّ مسلمٍ (٦)؟
قال: على من ترَك خيرًا (٧).
حدَّثنا سَوّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: حدثنا عِمرانُ بنُ حُديرٍ (٥)، قال: قلتُ للاحِقِ بنِ حُميدٍ: الوصيةُ (٨) على كلِّ مسلمٍ؟
قال: هي حقٌّ على من ترَك خيرًا.
واخْتَلف أهلُ العلمِ في حكمِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: لم ينسخِ اللهُ شيئًا من حكمِها، وإنما هي آيةٌ ظاهرُها ظاهرُ عمومٍ في كلِّ والدٍ ووالدةٍ وقريبٍ، والمرادُ بها في الحكمِ البعضُ منهم دونَ الجميعِ، وهو مَن لا يرثُ منهم الميتَ دونَ من يرثُ.
وذلك قولُ من ذكَرتُ قولَه، وقولُ جماعةٍ أُخَرَ غيرِهم معهم.
ذِكرُ قولِ من لم نذكُرْ قولَه منهم في ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثني أبي، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، في رجلٍ أوصَى لغيرِ ذِي قرابةٍ، وله قرابةٌ محتاجون، قال: يُرَدُّ ثُلثَا (١) الثُّلثِ عليهم، وثلثُ (٢) الثلثِ لمن أوصَى له به.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا معاذٌ، قال: حدثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ وجابرِ بن زيدٍ وعبدِ الملكِ بنِ يعلى، أنهم قالوا في الرجلِ يُوصِي لغير ذِي قرابتِه، وله قرابةٌ ممن لا يرثُه، قال: كانوا يجعَلون ثلثي الثلثِ لذوي القرابةِ، وثلثَ الثلثِ لمن أوصَى له به (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُميدٌ، عن الحسنِ أنه كان يقولُ: إذا أوصَى الرجلُ لغير ذِي قرابتِه بثلثِه، فلهم ثلثُ الثُّلثِ، وثُلثَا الثلثِ لقرابتِه (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: من أوصَى لقومٍ وسمَّاهم وترَك ذوِي قرابتِه مُحتاجينَ، انتُزِعتْ منهم ورُدَّت إلى ذَوِي قرابتِه (١) وقال آخرون: بل هي آيةٌ قد كان الحكمُ بها وجَب، وعُمِل به بُرهةً، ثم نسَخ اللهُ منها بآيةِ المواريثِ الوصيةَ لوَالدَي الموُصِي وأقربائهِ الذين يرِثُونه، وأقرَّ فرضَ الوصيةِ لمن كان منهم لا يرِثُه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فجُعلت الوصيةُ للوالدين والأقربين، ثم نُسِخ ذلك بعدَ ذلك، فجُعِل لهما نصيبٌ مفروضٌ، فصارت الوصيةُ لذوي القرابةِ الذين لا يَرِثون، وجُعِل للوالدين نصيبٌ معلومٌ، فلا تجوزُ وصيةٌ لوارِثٍ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: نُسِخ الوالدان منها، وتُرِك الأقربون ممن لا يرِثُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: نسَخ من يرثُ، ولم ينسَخِ الأقربين الذين لا يرثون (١).
حدَّثنا بحرُ (٢) بنُ نصرٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ حسانَ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: كانت الوصيةُ قبلَ الميراثِ للوالدَين والأقربين، فلما نزَل الميراثُ، نسَخَ الميراثُ مَن يَرِثُ، وبَقِيَ مَن لا يرثُ، فمن أوصى [لذي قرابتِه لم تجُزْ وصيتُه] (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: حدثنا ابنُ المباركِ، عن إسماعيلَ المكِّيِّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: نسَخ الوالدَين، وأثبتَ الأقربين الذين يُحرَمون ولا يرثون (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن المباركِ بنِ فَضَالةَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: للوالدَينِ منسوخةٌ، والوصيةُ للقرابةِ وإن كانوا أغنياءَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فكان لا يرِثُ مع الوالدَين غيرُهم، إلا وصيةً، إن كان، للأقربين، فأَنْزل اللهُ بعدَ هذا: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء:١١].
فبيَّنَ اللهُ سبحانَه ميراثَ الوالدَين، وأقرَّ وصيةَ الأقربين في ثلثِ مالِ الميتِ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
فنسَخ من الوصيةِ الوالدَين، فجعَل لهما الميراثَ، وأثبتَ الوصيةَ للأقربينَ الذين لا يرِثون.
وحُدِّثت عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: كان هذا من قبلِ أن تَنْزِلَ سورةُ "النساء"، فلمَّا نزَلتْ آيةُ الميراثِ نسَخ شأنَ الوالدين، فألْحَقهما بأهلِ الميراثِ، وصارت الوصيةُ لأهلِ القرابةِ الذين لا يرِثون (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المنِهالِ، قال: حدثنا حمادُ بنُ سلَمةَ، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ أبي ميمونةَ، قال: سألتُ مُسلمَ بنَ يسارٍ والعلاءَ بنَ زيادٍ عن قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قالَا: في القرابةِ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن إياسِ بنِ معاويةَ، قال: في القرابةِ (٤).
وقال آخرون: بل نُسِخ ذلك كلُّه بآيةِ الفرائضِ والمواريثِ، فلَا وصيةَ تجبُ لأحدٍ على أحدٍ قريبٍ ولا بعيدٍ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية.
قال: فنسَخ اللهُ ذلك كلَّه، وفرَض الفرائضَ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا ابنُ عُلَيةَ، عن يونسَ، عن ابنِ سيرينَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قام فخطَب الناسَ ههُنا، فقرأ عليهم سورةَ "البقرةِ" يبيِّنُ لهم منها، فأتى على هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
فقال: نُسِخت هذه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبي، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: نسَخت الفرائضُ التى للوالدين والأقربين الوصيةَ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قال: حدثنا سفيانُ، عن جَهْضَمٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ بدرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: نسَختها آيةُ الميراثِ (١).
قال ابنُ بشارٍ: قال عبدُ الرحمنِ: فسألتُ جَهْضمًا عنه فلم يحفَظْه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بن واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: فكانت الوصية كذلك حتى نسَختها آيةُ الميراثِ (٢).
حدَّثنى أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ أبى، قال: زعَم قتادةُ عن شُريحٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: كان الرجلُ يوصِي بمالِه كلِّه حتى نزَلتْ آياتُ المواريثِ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ المقدامِ، قال: حدثنا المعتمرُ، قال: سمعت أبى، قال: زعَم قتادةُ أنه نَسَختْ آيتا المواريثِ في سورةِ "النساءِ" الآيةَ في سورةِ "البقرةِ" في شأنِ الوصيةِ (٤).
حدَّثنى محمدُ بن عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: كان الميراثُ للولدِ، والوصيةُ للوالدين والأقربين، وهى منسوخةٌ (٥).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان الميراثُ للولدِ، والوصيةُ للوالدينِ والأقربين، وهى منسوخةٌ، نسَختها آيةٌ في سورةِ "النساءِ": ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١].
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: أما "الوالدين والأقربين" فيومَ نزَلتْ هذه الآيةُ كان الناسُ ليس لهم ميراثٌ معلومٌ، إنما يُوصِى الرجلُ لوالدِه ولأهلِه فيُقْسَمُ بينَهم، حتى نسَخَتْها "النساءُ"، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: حدثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن ابنَ عُمرَ لم يُوصِ، وقال: أمَّا مالى، فاللهُ أعلمُ ما كنتُ أصنَعُ فيه في الحياةِ، وأمَّا رِباعِى (٢)، فما أُحبُّ أن يَشْرَكَ ولدى فيها أحدٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقلانيُّ، قال: حدثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال سفيانُ: عن نُسيرِ (٣) بنِ ذُعْلوقٍ، قال: قال عَزْرةُ (٤) -يعنى ابنَ ثابتٍ- لربيعِ بنِ خُثَيمٍ (٥): أوْصِ لي بمصحفِك.
قال: فنظَر إلى ابنِه (٦) فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٧) [الأنفال: ٧٥، الأحزاب: ٦].
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: حدثنا زيدٌ (١)، عن سفيانَ، عن الحسنِ بنِ [عبيدِ اللهِ] (٢)، عن إبراهيمَ، قال: ذكَرنا له أن زبيرًا (٣) وطلحةَ كانا يُشدِّدان في الوصيةِ، فقال: ما كان عليهما أن لا (٤) يفعَلا، مات النبيُّ ﷺ ولم يُوصِ، وأوصى أبو بكرٍ، أىَّ ذلك فعلتَ فحسنٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا الثورىُّ، عن الحسنِ (٥) بنِ [عُبيدِ اللهِ] (٢) عن إبراهيمَ، قال: ذُكِر عنده طلحةُ وزبيرٌ (٣).
فذكَر مثلَه (٦).
وأما "الخيرُ" الذى إذا ترَكه التاركُ وجَبت عليه الوصيةُ فيه لوالديه، أقربيه الذين لا يرِثونه، فهو المالُ.
كما حدثنى المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، عن معاويةَ بنِ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: يعنى مالًا (٧).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾: مالًا (٨).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا [أبو حذيفةَ] (١)، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
كان يقولُ: الخيرُ في القرآنِ كلِّه مالٌ؛ ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨].
الخيرُ المالُ.
و ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢] المالُ، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣].
المالُ، و ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾: مالًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾.
أى: مالًا (٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عَمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾: أما ﴿خَيْرًا﴾ فالمالُ (٤).
حُدِّتْت عن عمارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
قال: إن ترَك مالًا (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
قال: الخيرُ المالُ (٦).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنى ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾.
قال: المالُ، ألا ترى أنه يقولُ: قال شعيبٌ لقومِه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود:٨٤].
يعنى: الغِنى (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرنى محمدُ بنُ عَمرٍو اليافِعيُّ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
قال عطاءٌ: الخيرُ فيما يُرى (٢) المالُ (١).
ثم اخْتَلفوا في مبلغِ المالِ الذى إذا ترَكه الرجلُ كان ممن لزِمه حكمُ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: ذلك ألفُ درهمٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدثنا همامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ في هذه الآيةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾.
قال: الخيرُ ألفٌ فما فوقَه (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، قال: أخبرنا هشامُ ابنُ عروةَ، عن عروةَ، أنَّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ دخَل على ابنِ عمٍّ له يعودُه، فقال: إنى أريدُ أن أُوصِىَ؟
فقال عليٌّ: لا توصِ؛ فإنك لم تترُكْ خيرًا فتوصِىَ.
قال: وكان ترَك مِن السَّبعِمائة إلى التسعِمائة (٤).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: حدثنى عثمانُ بنُ الحكمِ الجُذامىُّ (٥) وابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن علىِّ بنِ أبي طالبٍ، أنه دخَل على رجلٍ مريضٍ، فذكَر له الوصيةَ؟
فقال: لا توصِ، إنما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
وأنت لم تترُكْ شيئًا (١).
قال ابنُ أبى الزِّنادِ فيه: فدعْ مالَك لبنيك (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن منصورِ ابنِ صفيَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ [عتبةَ أو غَنيَّةَ] (٣) -الشكُّ منى- أن رجلًا أرادَ أن يُوصِىَ وله ولدٌ كثيرٌ، وترَك أربَعَمائةِ دينارٍ، فقالتْ عائشةُ: ما أرَى فيه فضلًا (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: دخل علىٌّ على مولًى لَهم في الموتِ، وله سبعُمائةِ درهمٍ أو ستُّمائةِ درهمٍ، فقال: ألَا أُوصِى؟
فقال: لَا، إنما قال اللهُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
وليس لك كثيرُ مالٍ (٥).
وقال بعضُهم: ذلك ما بينَ الخَمسِمائة الدرهمِ إلى الألفِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن أبانٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعىِّ] (١) في قولِه: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾.
قال: ألفُ درهمٍ إلى خَمسِمائة درهمٍ (٢).
وقال بعضُهم: الوصيةُ واجبةٌ من قليلِ المالِ وكثيرِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهرىِّ، قال: جعَل اللهُ الوصيةَ حقًّا، مما قلَّ منه وممَّا كثُر (٣).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾.
ما قال الزُّهرىُّ؛ لأنَّ قليلَ المالِ وكثيرَه يقعُ عليه اسمُ (٤) "خيرٍ"، ولم يحُدَّ اللهُ ذلك بحدٍّ، ولا خصَّ شيئًا فيجوزَ أن يُحالَ ظاهرٌ إلى باطنٍ، فكلُّ مَن حضَرتْه منيَّتُه وعندَه مالٌ، قلَّ أو كثُرَ، فواجبٌ عليه أن يُوصِىَ منه لمن لا يرِثُه من آبائِه وأمهاتِه وأقربائِه الذين لا يرِثونَه، بالمعروفِ، كما قال اللهُ جلَّ ثناؤُه وأمَرَ به.
القولُ في تأويلِ قولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن غيَّر ما أوصَى به الموصِى من وصيَّتِه بالمعروفِ لوالديه أو أقربيهِ الذين لا يَرثونه بعدَ ما سمِع الوصيةَ، فإنما إثمُ التبديلِ على من بدَّلَ وصيَّتَه.
فإن قال لنا قائلٌ: وعلامَ عادت الهاءُ التى في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾؟
قيل: على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ، وذلك هو أمرُ الميتِ وإيصاؤُه مَن أوصَى إليه، بما أوصَى به، لمن أوْصَى له.
ومعنى الكلامِ: كُتِب عليكم إذا حضَر أحدَكم الموتُ إن ترَك خيرًا الوصيةُ للوالدين والأقْرَبين بالمعروفِ حقًّا على المتَّقين، فأوْصُوا لهم، فمن بدَّل ما أَوْصيتُم به لهم بعدَ ما سَمِعكم توصونَ لهم، فإنما إثمُ ما فعَل من ذلك عليه دُونَكم.
وإنما قلنا: إن الهاءَ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ عائدةٌ على محذوفٍ من الكلامِ يدلُّ عليه الظاهرُ؛ لأن قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ من قولِ اللهِ، وإنّ تبديلَ المبُدِّلِ إنما يكونُ لوصيةِ الموصِى، فأما أمرُ اللهِ بالوصيةِ فلَا يقدِرُ هو ولا غيرُه أن يُبدِّلَه فيجوزَ أن تكونَ الهاءُ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾ عائدةً على الوصيةِ.
وأما الهاءُ في قولِه: ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ فعائدةٌ على الهاءِ الأُولى في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ﴾.
وأما الهاءُ التى في قولِه: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ﴾ فإنها مَكنىُّ "التبديل"، كأنه قال: فإنما إثمُ ما بدَّلَ من ذلك على الذين يُبدِّلونَه.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
قال: الوصيةُ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: وقد وقَع أجرُ الميِّتِ (٢) على اللهِ وبرِئَ من إثْمِه، وإن كان أوصَى في ضِرارٍ لم تجُزْ وصيَّتُه، كما قال: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
قال: من بدّلَ الوصيةَ بعدَ ما سمِعها فإثمُ ما بدَّلَ عليه (٤).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: فمن بدّلَ الوصيةَ التى أوْصَى بها وكانت بمعروفٍ، فإنما إثمُهَا على من بدَّلَها؛ أنه قد ظلَم.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ مِنهالٍ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، أن عطاءَ بنَ أبى رباحٍ قال في قولِه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
قال: تُمْضَى (١) كما قال.
حدَّثنى سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنى أبى، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
قال: مَن بدَّل وصيَّةً بعدَ ما سمِعها (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
قال: هذا في الوصيةِ، مَن بدَّلها مِن بعدِ ما سمِعها، فإنما إثمُه على مَن بدَّل.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ وابنُ المُثَنَّى، قالَا: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن قتادةَ، عن عطاءٍ وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أنهم قالوا: تُمْضَى الوصيَّةُ لمن أوْصَى لَه به.
إلى ههنا انتهى حديثُ ابنِ المُثَنَّى، وزادَ ابنُ بشَّارٍ في حديثِه: قال قتادةُ: وقال [عبيدُ اللهِ بنُ عبيدِ اللهِ] (٣) بنِ مَعْمَرٍ: أعجبُ إلىَّ لو أوْصَى لذوِى القرابةِ، وما يُعْجِبُنى أنْ أنْزِعَه مِمن أوْصَى له به.
قال قتادةُ: وأعجبُه إلىَّ لمن أوْصَى له به، قال اللهُ: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن اللهَ سميعٌ لوَصيَّتِكم التى أمَرتُكم أن تُوصوا لآبائِكم وأمهاتِكم وأقربائِكم حينَ تُوصُون لهم بها؛ أَتَعْدِلون فيها على ما أذِنتُ لكم مِن فعلِ ذلك بالمعروفِ، أم تَحِيفون فتَمِيلونَ عن الحقِّ وتَجُورون عن القصدِ، عليمٌ بما تُخْفِيه صدورُكم مِن الميلِ إلى الحقِّ والعدلِ، أم إلى الجَوْرِ والحَيْفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُها: فمَن حضَر مريضًا وهو يُوصِى عندَ إشرافِه على الموتِ، فخاف أن يُخْطِئَ في وصيَّتِه فيَفْعَلَ ما ليس له، أو أن يَعْمَدَ جورًا فيها، فيَأْمُرَ بما ليس له الأمرُ به، فلا حرجَ على مَن حضَره فسمِع ذلك منه أن يُصْلِحَ بينَه وبينَ ورثتِه، بأن يَأْمُرَه بالعدلِ في وصيَّتِه، وأنْ يَنْهاهم عن منعِه ممَّا أذِن اللهُ له فيه وأباحه له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: هذا حينَ يُحْضَرُ الرجلُ وهو يموتُ، فإذا أسْرَف أمَروه بالعدلِ، وإذا قصَّر قالوا: افْعَلْ كذا، أعطِ فلانًا كذا (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: هذا حينَ يُحْضَرُ الرجلُ وهو في الموتِ، فإذا أشرفَ على الموتِ أمَروه بالعدلِ، وإذا قصَّر عن حقٍّ قالوا: افْعَلْ كذا، أعطِ فلانًا كذَا.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فمَن خاف -مِن أوصياءِ ميتٍ، أو والِى أمرِ المسلمين- مِن موصٍ جنفًا في وصيَّتِه التى أوْصَى بها الميتُ، فأصْلَحَ بينَ ورثتِه وبينَ الموصَى لهم بما أوْصَى لهم به، فردَّ الوصيةَ إلى العدلِ والحقِّ، فلا حرَج عليه (١) ولا إثمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: حدثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾: يعنى إثمًا، يقولُ: إذا أخطَأ الميتُ في وصيَّتِه، أو حاف فيها، فليس على الأولياءِ حرجٌ أن يرُدُّوا خطأَه إلى الصوابِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: هو الرجلُ يُوصِى فيَجْنَفُ (٣) في وصيَّتِه، فيَرُدُّها الوالى إلى الحقِّ والعدلِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
وكان قتادةُ يقولُ: مَن أوْصَى بجوْرٍ أو جَنَفٍ (٥) في وصيَّتِه، فردَّها ولىُّ المتوفَّى إلى كتابِ اللهِ وإلى العدلِ فذاكَ له، أو إمامٌ من أئمةِ المسلمين (٦).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ فمَن أوْصَى بوصيَّةٍ بجوْرٍ فردَّه الوصيُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال عبدُ الرحمنِ في حديثهِ: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: ردَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه فلا إثمَ عليه (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
قال: ردَّه إلى الحقِّ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ، عن إبراهيمَ، قال: سألتُه عن رجلٍ أوْصَى بأكثرَ مِن الثلثِ، قال: ارْدُدْها (٣).
ثم قرَأ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤْلؤِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازىُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: رَدَّه الوصىُّ إلى الحقِّ بعدَ موتِه فلا إثمَ على الوصيِّ.
وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: فمَن خاف من موصٍ جنَفًا أو إثمًا في عطيتِه عندَ حضورِ أجلِه بعضَ ورثتِه دونَ بعضٍ، فلا إثمَ على مَن أصْلَح بينَهم، يعنى: بينَ الورثةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: ذاك الرجلُ يَجْنَفُ (١) أو يَأْثَمُ عندَ موتِه، فيُعْطِى ورثتَه بعضَهم دونَ بعضٍ، يقولُ اللهُ: فلا إثمَ على المصلحِ بينَهم.
فقلتُ لعطاءٍ: أله أن يُعْطِىَ وارثَه عندَ الموتِ، إنما هى وصيةٌ، ولا وصيةَ لوارثٍ؟
قال: ذلك فيما يَقْسِمُ بينَهم.
وقال آخَرون: معنى ذلك: فمَن خافَ مِن موصٍ جنفًا أو إثمًا في وصيَّتِه لمن لا يَرِثُه بما يَرْجِعُ نفعُه على مَن يَرِثُه، فأصْلَح بينَ ورثتِه فلا إثمَ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرَنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: جنفُه: [تَوْليجُه، وتَوْليجُه] (٢): أن يُوصِىَ الرجلُ لبنى ابنِه؛ ليكونَ المالُ إلى أبيهم، وتُوصِىَ المرأةُ لزوجِ ابنتِها؛ ليكونَ المالُ لابنتِها، وذو الوارثِ الكثيرِ والمالُ قليلٌ، فيُوصِى بثلثِ مالِه كلِّه، فيُصْلِحُ بينَهم الوصىُّ (٣) أو الأميرُ.
قلتُ: أفى حياتِه أم بعدَ موتِه؟
قال: ما سمِعْنا أحدًا يقولُ إلا بعدَ موتِه، وإنه ليُوعَظُ عندَ ذلك.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه في قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: هو الرجلُ يُوصِى لولدِ ابنتِه (٤).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فمَن خاف مِن موصٍ لآبائِه وأقربائِه جَنَفًا على بعضِهم لبعضٍ، فأصْلَح بينَ الآباءِ والأقرباءِ، فلا إثمَ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: أما ﴿جَنَفًا﴾: فخَطأً في وصيَّتِه؛ وأما ﴿إِثْمًا﴾: فعمدًا؛ يعْمِدُ في وصيتِه الظلمَ، فإن هذا أعظمُ لأجرِه ألا يُنْفِذَها، ولكن يُصْلِحُ بينهم على ما يَرَى أنه الحقُّ، يَنْقُصُ بعضًا ويَزِيدُ بعضًا.
قال: ونزَلت هذه الآيةُ في الوالدينِ والأقربينَ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولهِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: الجنَفُ أن يَجْنَفَ (٢) لبعضِهم على بعضٍ في الوصيةِ، والإثمُ أن يكونَ قد أثِم في أَثَرَتِه (٣) بعضَهم على بعضٍ، ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ الموُصَى إليه بينَ الوالدين وبينَ (٤) الابنِ، والبنون هم الأقربون، فلا إثمَ عليه.
فهذا الوصيُّ (٥) الذى أوصِى إليه بذلك، وجُعِل إليه، فرأى هذا قد جنِف (٦) لهذا على هذا، فأصْلَح بينَهم، فلا إثمَ عليه، فعجَز الموصِى أن يوصِىَ كما أمَره اللهُ، وعجَز الموصَى إليه أن يُصْلِحَ، فانْتَزع اللهُ ذلك منه (٧) ففرَض الفرائضَ.
وأوْلى الأقوالِ بتأويل هذه الآيةِ أن يكونَ تأويلُها: فمَن خاف مِن موصٍ [حضَرته الوفاةُ] (١) جنفًا أو إثمًا، وهو أن يَمِيلَ إلى غيرِ الحقِّ خطأً منه، أو يَتَعَمَّدَ إثمًا في وصيَّتِه بأنْ يُوصِىَ لوالدَيْه وأقربيه الذين لا يَرِثُونه بأكثرَ مما يَجُوزُ له أن يُوصِىَ لهم به مِن مالِه، وغيرِ ما أذِن اللهُ له به مما جاوَز الثلثَ، أو بالثلثِ كلِّه، وفى المالِ قِلَّةٌ، أو (٢) في الورثةِ كثرةٌ، فلا بأسَ على مَن حضَره أن يُصْلِحَ بينَ الذين يُوصَى لهم وبينَ ورثةِ الميتِ وبينَ الميتِ، بأن يَأْمُرَ الميِّتَ في ذلك بالمعروفِ، ويُعَرِّفَه ما أباح اللهُ له في ذلك، فأذِن له فيه مِن الوصيةِ في مالِه، وينهاه أن يُجَاوِزَ في وصيتِه المعروفَ الذى قاله جلَّ ثناؤُه في كتابه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وذلك هو الإصلاحُ الذى قال جل ثناؤه: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
وكذلك إن كان في المالِ فضلٌ وكثرةٌ وفى الورثةِ قلَّةٌ فأراد أن يَقْصِرَ في وصيَّتِه لوالدَيْهِ وأقربيه عن ثلثِه، فأصْلَح مَن حضَره بينَه وبينَ ورثتِه، وبينَ والديه وأقربيه الذين يُرِيدُ أن يُوصِىَ لهم، بأن يَأْمُرَ المريضَ أن يَزِيدَ في وصيَّتِه لهم، ويَبْلُغَ بها ما رخَّص اللهُ فيه مِن الثلثِ، فذلك أيضًا هو مِن الإصلاحِ بينَهم بالمعروفِ.
وإنما اختَرْنا هذا القولَ، لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
يعنى بذلك: فمَن خاف مِن موصٍ أن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ، فخوفُ الجنفِ والإثمِ مِن الموُصِى إنما هو كائنٌ منه قبلَ وقوعِ الجنفِ والإثمِ، فأمّا بعدَ وجودِه منه فلا وجهَ للخوفِ منه بأن يَجْنَفَ أو يَأْثَمَ، بل تلك حالُ مَن قد جنِف أو أثِم، ولو كان ذلك معناه لقيلَ: فمَن تبيَّن مِن موصٍ جنفًا أو إثْمًا، أو أيْقَن أو علِم، ولم يَقُلْ: فمَن خاف منه جَنفًا.
فإن أشْكَل ما قلنا مِن ذلك على بعضِ الناسِ فقال: فما وجهُ الإصلاحِ حينئذٍ، والإصلاحُ إنما يكونُ بين المختلفين في الشيءِ؟
قيل: إن ذلك -وإن كان مِن معانى الإصلاحِ- فمِن الإصلاحِ بينَ فريقين (١) فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلافِ بينَهم فيه بما يُؤْمَنُ معه حدوثُ الاختلافِ؛ لأن الإصلاحَ إنما هو الفعلُ الذى يكونُ معَه صلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فسواءٌ كان ذلك الفعلُ الذى يكونُ معه صلاحُ ذاتِ البينِ قبلَ وقوعِ الاختلافِ أو بعدَ وقوعِه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
ولم يَجْرِ للورثةِ ولا للمختلفين أو الخوفِ اختلافُهم ذكرٌ؟
قيل: بل قد جرَى ذكرُ الذين أمَر جلَّ ثناؤُه بالوصيَّةِ لهم، وهم والدَا المُوصِى وأقرَبُوه، والذين أُمِروا بالوصيَّةِ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ثم قال جلَّ ذكرُه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾.
لمن أمَرته بالوصيَّةِ له - ﴿جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ وبيْنَ مَن أَمرتُه بالوصيةِ له ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
والإصلاحُ بينَه وبينَهم هو إصلاحٌ بينَهم وبينَ ورثةِ المُوصِى.
وقد قُرِئ قولُه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ بالتخفيفِ في الصادِ والتسكين في الواوِ (٢)، و (٣) بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ (٤).
فمَن قرَأ ذلكَ بتخفيفِ الصادِ وتسكين الواوِ فإنما قرَأه بلغةِ مَن قال: أوْصَيتُ فلانًا بكذا.
ومَن قرَأ بتحريكِ الواوِ وتشديدِ الصادِ قرَأه بلغةِ مَن يقول: وصَّيتُ فلانًا بكذا.
وهما لغتان للعربِ مشهورتان: وصَّيتُك.
و: أَوْصَيتُك.
وأما الجَنَفُ فهو الجَوْرُ والعدولُ عن الحقِّ، في كلامِ العربِ، ومنه قولُ الشاعر (١): همُ المَوْلى (٢) وقَدْ (٣) جنِفوا علينا … وَإنَّا مِن لقائِهمُ لَزُورُ (٤) يقالُ منه: جنِف الرجلُ على صاحبِه يَجْنَفُ، إذا مال عليه وجارَ، جَنفًا.
فمعنى الكلامِ: فمَن خاف من موصٍ جنفًا له بموضعِ الوصيةِ، ومَثلًا عن الصوابِ فيها، وجورًا عن القصدِ و (٥) إثْمًا، بتعمدِه ذلك على علمٍ منه بخطأِ ما يأتى مِن ذلك، فأصْلَح بينَهم - فلا إثمَ عليه.
وبمثلِ الذى قلنا في معنى الجنَفِ والإثمِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾: يعنى بالجنفِ الخطأَ (٦).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾.
قال: مَيْلًا (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ ويزيدُ بنُ هارونَ، قالا: ثنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ (٣) مثلَه.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾: أمَّا ﴿جَنَفًا﴾: فخطأً في وصيتِه؛ وأمّا ﴿إِثْمًا﴾: فعَمْدًا؛ يَعْمِدُ في وصيتِه الظلمَ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾.
قال: حَيْفًا ﴿أَوْ إِثْمًا﴾ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: الجنَفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (١).
حدَّثنا عَمْرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا خالدُ بنُ يزيدَ صاحبُ اللؤلؤِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبيصةُ، عن سفيانَ، عن أبيه، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾.
قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾.
قال: خطأً، أو إثمًا: مُتعمَّدًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن ابنِ عُيَيْنةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾.
قال: مَيْلًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿جَنَفًا﴾.
[قال: ميلًا] (٢)، والإثمُ: ميلُه لبعضِهم على بعضٍ، وكلُّه يَصِيرُ إلى واحدٍ، كما يكونُ عفوًّا غفورًا، وغفورًا رحيمًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ (٣).
حُدِّثت عن الحسينِ (١) بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ، قال: الجنفُ الخطأُ، والإثمُ العمدُ.
وأمَّا قولُه ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يعنى: واللهُ غفورٌ للموصِى فيما كان حدَّث به نفسَه من الجنفِ والإثمِ، إذا ترَك أن يَجْنَفَ ويَأْثَمَ في وصيَّتِه، فتجاوز له عما كان حدَّثَ به نفسَه من الجوْرِ؛ إذْ (٢) لم يُمْضِ ذلك فيَفْعَلَ، أنْ يُؤَاخِذَه به، رحيمٌ بالمُصْلِحِ بينَ الموصِى وبينَ مَن أراد أن يَجْنَفَ (٣) عليه لغيرِه أو يَأْثَمَ فيه له.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيها الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، وصدَّقوا بهما وأقرُّوا.
ويعنى بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فُرِض عليكم الصيامُ.
والصيامُ مصدرٌ من قولِ القائلِ: صمتُ عن كذا وكذا -يعنى: كفَفْتُ عنه- أصومُ عنه صومًا وصيامًا.
ومعنى الصيامِ الكفُّ عما أَمَر اللهُ بالكفِّ عنه.
ومن ذلك قيل: صامت الخيلُ.
إذا كفَّتْ عن السيرِ، ومنه قولُ نابغةِ بنى ذُبيانَ (٤): خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غيرُ صَائمَةٍ … تحتَ العَجاجِ (٥) وأخْرَى (٦) تَعْلُكُ اللُّجُما (٧) ومنه قول اللهِ: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦].
يعنى: صَمْتًا عن الكلامِ.
وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فإنه يعنى به: فُرِض ذلك عليكم مثلَ الذى فُرِض على الذين مِن قبلِكم.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
وفى المعنى الذى وقَع فيه التشبيهُ بينَ فَرضِ صومِنا وصومِ الذين مِن قبلِنا؛ فقال بعضُهم: الذين أخبرَنا اللهُ عن الصومِ الذى فرَضه علينا أنه علينا مثلَ الذى كان عليهم، هم النصارَى.
وقالوا: التشبيهُ الذى شُبِّه من أجلِه أحدُهما بصاحبِه هو اتفاقُهما في الوقتِ والمقدارِ الذى هو لازمٌ لنا اليومَ فَرْضُه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن يحيى بنِ زيادٍ، عن محمدِ بنِ أبانٍ، عن أبي أُميةَ الطَّنافِسيِّ، عن الشَّعبيِّ أنه قال: لو صمْتُ السَّنَةَ كلَّها لأفطرْتُ اليومَ الذى يُشَكُّ فيه فيقالُ: مِن شعبانَ.
ويقالُ: من رمضانَ.
وذلك أن النصارَى فُرِض عليهم شهرُ رمضانَ كما فُرِض علينا فحوَّلوه إلى الفصلِ، وذلك أنهم كانوا رُبّما صامُوه في القيظِ يعدُّون ثلاثين يومًا، ثم جاء بعدَهم قرنٌ منهم فأخَذوا بالثِّقةِ في (١) أنفسِهم فصامُوا قبلَ الثلاثينَ يومًا وبعدَها يومًا، ثم لم يزَلِ الآخِرُ يَسْتَنُّ سُنةَ القرنِ الذى قبلَه، حتى صارتْ إلى خمسينَ، فذلك قولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢).
وقال آخرون: بل التشبيهُ إنما هو من أجلِ أنّ صومَهم كان من العشاءِ الآخِرةِ إلى العشاءِ الآخِرةِ، وذلك كان فرضَ اللهِ على المؤمنين في أوَّلِ ما افترضَ عليهم الصومَ.
ووافقَ قائلُو هذا القولِ القائلى القولِ الأولِ في أن الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
النصارَى.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أما الذين مِن قَبلِنا: فالنصارَى، كُتِب عليهم رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا يشرَبوا بعدَ النومِ، ولا يَنكِحوا النساءَ شهرَ رمضانَ، فاشتدَّ على النصارَى صيامُ رمضانَ، وجعَل يُقَلَّبُ عليهم في الشتاءِ والصيفِ، فلمَّا رأوْا ذلك اجتمعُوا فجعَلوا صيامًا في الفصلِ بينَ الشتاءِ والصيفِ، وقالوا: نَزيدُ عشرينَ يومًا نُكفِّرُ بها ما صنَعْنا.
فجعَلوا صيامَهم خمسينَ يومًا، فلم يَزَلِ المسلمونَ على ذلك يصنَعونَ كما تصنعُ النصارَى، حتى كان من أمرِ أبي قَيسِ بنِ صِرمَةَ وعُمرَ بنِ الخطابِ ما كان، فأحلّ اللهُ لهم الأكلَ والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
قال: كُتِب عليهم الصومُ مِن العتَمةِ إلى العتمَةِ (٢).
وقال آخرون: الذين عنَى اللهُ بقولِه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أهلَ الكتابِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: أهلُ الكتابِ (١).
وقال بعضُهم: بل ذلك كان على الناسِ كلِّهم.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
قال: كُتِب شهرُ رمضانَ على الناسِ كما كُتِب على الذين مِن قبلِهم.
قال: وقد كتَب اللهُ على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ صومَ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: رمضانَ كتَبه اللهُ على مَن كان قبلَهم.
وأوْلى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى الآيةِ: يا أيها الذين آمنوا فُرِض عليكم الصيامُ كما فُرِض على الذين مِن قبلِكم مِن أهلِ الكتابِ أيَّامًا معدوداتٍ، وهى شهرُ رمضانَ كلُّه؛ لأنّ مَن بعدَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه كان مأمورًا باتباعِ إبراهيمَ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه كان جعَله للناسِ إمامًا، وقد أخبرنا اللهُ أن دينَه كان الحنَيفيَّةَ المسلمةَ، وأُمِرَ نبيُّنا محمدٌ ﷺ [مِن اتِّباعِه] (١) بمثلِ الذى أُمِرَ به مَنْ قبلَه مِن الأنبياءِ.
وأمَّا التشبيهُ فإنما وقَع على الوقتِ، وذلك أنَّ مَنْ كان قَبْلَنا إنما كان فُرِض عليهم صومُ شهرِ رمضانَ، مثلَ الذى فُرِض علينا سواءً.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإنه يعنى به: لِتتقُوا أكلَ الطعامِ وشربَ الشرابِ وجِماعَ النساءِ فيه.
يقولُ: فرَضتُ عليكم الصومَ والكفَّ عما تكونون بتركِ الكَفِّ عنه مُفطرِين؛ لتتَّقُوا ما يُفْطِرُكُم في وقتِ صومِكم.
وبمثلِ الذى قُلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أما قولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
يقولُ: فتتقونَ مِن الطعامِ والشّرابِ والنساءِ مثلَ ما اتقَوْا.
يعنى: مثلَ الذى اتقى النصارَى قَبلَكم (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: كُتِب عليكم أيها الذين آمنوا الصيامُ أيامًا معدوداتٍ.
ونصَب ﴿أَيَّامًا﴾ بمضمرٍ من الفعلِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ كما كُتب على الذين مِن قبلِكم، أن تصومُوا أيامًا معدوداتٍ.
كما يقالُ: أعجبَنى الضربُ زيدًا.
وقولُه: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ من صلةِ (١) الصيامِ، كأنه قيل: كُتِب عليكم الذى هو مثلُ الذى كُتِب على الذين مِن قبلِكم أن تصوموا أيامًا معدوداتٍ.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ فيما عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: الأيامُ المعدوداتُ صومُ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ.
قال: وكان ذلك الذى فُرِض على الناسِ من الصيامِ قبلَ أن يُفرضَ عليهم شهرُ رمضانَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان عليهم الصيامُ ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ -ولم يُسَمَّ الشهرُ- أيامًا معدوداتٍ.
قال: وكان هذا صيامَ الناسِ قبلَ ذلك، ثم فرَض اللهُ ﷿ على الناسِ شهرَ رمضانَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمى، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾: وكان ثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم نُسِخ ذلك بالذى أَنزلَ اللهُ من صيامِ رمضانَ، فهذا الصومُ الأولُ من العتَمَةِ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يونسُ (٢) بنُ بُكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ فصام يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم أنزَل اللهُ جلَّ وعزَّ فَرضَ شهرِ رمضانَ، فأنزَل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (٣)﴾ (٤).
حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قد كتَب اللهُ تعالى ذكرُه على الناسِ قبلَ أن يُنزِلَ رمضانَ، صومَ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ (٥).
وقال آخرون: بلِ الأيامُ الثلاثةُ التى كان رسولُ اللهِ ﷺ يصومُها قبلَ أن يُفْرَضَ شهرُ رمضانَ، كان تطوُّعًا صوْمُهُنَّ، وإنما عنَى اللهُ جلَّ وعزَّ بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ - ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامَ شهرِ رمضانَ، لا الأيامَ التى كان يصومُهنَّ قبلَ وجوبِ فرضِ صيامِ شهرِ رمضانَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا، أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم، أمَرهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوُّعًا لا فريضةً، قال: ثم أُنْزِلَ صيامُ رمضانَ (١).
قال أبو موسى (٢): قولُه: قال عَمرُو بنُ مُرَّةَ: حدثنا أصحابُنا.
يريدُ ابنَ أبى ليلَى، كأنَّ ابنَ أبى ليلَى القائلُ: حدَّثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرةَ، قال: سمعتُ ابنَ أبى ليلَى.
فذكَر نحوَه.
وقد ذكَرنا قولَ من قال: عنَى بقولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ شهرَ رمضانَ.
وأوْلَى ذلك بالصوابِ عندِى قولُ من قال: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامَ شهرِ رمضانَ، وذلك أنه لم يأتِ خبرٌ تقومُ به حجةٌ بأن صومًا فُرِض على أهلِ الإسلامِ غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ، ثم نُسِخ بصومِ شهرِ رمضانَ، وبأن اللهَ تعالى قد بيَّنَ في سياقِ الآيةِ أن الصيامَ الذى أوجَبه علينا، هو صيامُ شهرِ رمضانَ دونَ غيرِه من الأوقاتِ، بإبانتِه عن الأيامِ التى أخبَرنا أنه كتَب علينا صوْمَها بقولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
فمن ادّعى أن صومًا كان قد لزِم المسلمينَ فَرضُه غيرَ صومِ شهرِ رمضانَ الذى هم على وجوبِ فرضِ صومِه مُجْمِعون، ثم نُسِخ ذلك - سُئِل البرهانَ على ذلك من خبرٍ تقومُ به حجةٌ، إذْ كان ذلك لا يُعْلَمُ إلا بخبرٍ يَقْطَعُ العذرَ.
وإذا كان الأمرُ في ذلك على ما وصفْنا للذى بيَّنَّا، فتأويلُ الآيةِ: كُتِب عليكم أيها المؤمنون الصيامُ كما كُتِب على الذين من قبلِكم، لعلكُم تتقونَ، أيامًا معدوداتٍ، هن شهرُ رمضانَ.
وجائزٌ أيضا أن يكونَ معناهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: كُتِب عليكم شهرُ رمضانَ.
وأما "المعدوداتُ" فهى التى تُعدُّ مبالِغُها وساعاتُ أوقاتِها.
ويعنى بقولِه ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾: مُحصَيَاتٍ.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ ممن كُلِّف صومَه، أو (١) كان صحيحًا غيرَ مريضٍ و (٢) كان على سفرٍ، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقولُ: فعليه صومُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها في مرضِه أو في سفرِه ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يعنى: من أيامٍ أُخرَ غيرِ أيامِ مرضِه أو سفرِه [إن هو أفطر في مرضِه أو سفرِه] (٣).
والرفعُ في قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نظيرُ الرفعِ في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وقد مضَى بيانُ ذلك هنالك بما أغنَى عن إعادتِه (١).
وأما قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن قراءةَ كَافَّةِ المسلمين ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ وعلى ذلك خطوطُ مصاحفِهم، وهى القراءةُ التى لا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ خلافُها، لنقلِ جميعِهم تصويبَ ذلك قرنًا عن قرنٍ، وكان ابنُ عباسٍ يقرؤُها فيما رُوِى عنه: (وعَلى الذين يُطَوَّقونه).
ثم اختلَف قرأةُ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ في معناه، فقال: بعضُهم: كان ذلك في أوَّلِ ما فُرِض الصومُ، وكان مَن أطاقَه من المقيمين صامَه إن شاءَ، وإن شاءَ أفطرَه وافْتدَى، فأطعمَ لكلِّ يومٍ أفطرَه مسكينًا حتى نُسِخ ذلك.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا يونسُ بنُ بكيرٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن عَمرِو بني مُرةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى ليلى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصامَ يومَ عاشوراءَ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، ثم إنَّ اللهَ فرَض شهرَ رمضانَ، فأنزلَ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، ثم إن اللهَ أوْجَبَ الصيامَ على الصحيحِ المقيمِ، وثبَت الإطعامُ للكبيرِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن عمرِو ابنِ مُرَّةَ، قال: حدثنا أصحابُنا أن رسولَ اللهِ ﷺ لما قدِمَ عليهم أمَرَهم بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ تطوعًا غيرَ فريضةٍ.
قال: ثم نزَل صيامُ رمضانَ.
قال: وكانوا قومًا لم يتعوَّدُوا الصيامَ.
قال: وكان يشتدُّ عليهم الصومُ.
قال: فكان مَن لم يَصُمْ أطعَم مِسكينًا، ثم نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فكأنما الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، وأُمِرنا بالصيامِ (١).
قال محمدُ بنُ المثنَّى: قولُه: قال عَمرٌو: حدثنا أصحابُنا.
يريدُ ابنَ أبى ليلى، كأن ابنَ أبى ليلى القائلُ: حدثنا أصحابُنا.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: حدثنا أبو داودَ، قال: حدثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ مُرَّةَ، قال: سمِعتُ ابنَ أبي ليلى.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كان من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ نصفَ صاعٍ مسكينًا، فنسَخها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بنحوِه، وزادَ فيه قال: فنَسختْها هذه الآيةُ، وصارت الآيةُ الأولى للشيخِ الذى لا يستطيعُ الصومَ، يتصدَّقُ مكانَ كلِّ يومٍ على مسكينٍ نصفَ صاعٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُمَيْلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصرىِّ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان مَن شاءَ منهم أن يصومَ صامَ، ومن شاء منهم أن يفتدِىَ بطعامِ مسكينٍ افتدَى وتمَّ له صومُه، ثم قال: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
ثم استثنَى من ذلك فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، قال: سألتُ الأعمشَ عن قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فحدثنا عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: نَسخَتْها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ المثنى، قال: حدثنا عبدُ الوهاب، قال: حدثنا عبيدُ (٣) اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: نسَختْ هذه الآيةَ، يَعْنى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ التى بعدها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ الأعمشَ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: نَسختْها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
حدثنا الوليدُ بنُ شجاعٍ أبو همامٍ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان الرجلُ يُفطِرُ فيتصدَّقُ عن كلِّ يومٍ على مسكينٍ طعامًا، ثم نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافِرِ (١).
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ للناس عامة: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
وكان الرجلُ يُفْطِرُ ويتصدَّقُ بطعامِه على مسكينٍ، ثم نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال: فلم تَنْزِلِ الرخصةُ إلَّا للمريضِ والمسافرِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: دخلتُ على عطاءٍ وهو يأكُلُ في شهرِ رمضانَ فقال: إنى شيخٌ كبيرٌ، إن الصومَ نزَل، فكان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر وأطعَم مسكينًا، حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فوجَب الصومُ على كلِّ أحدٍ إلا مريضٍ أو مسافرٍ أو شيخٍ كبيرٍ مثلى يَقْتدِى (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
قال ابنُ شهابٍ: كتَب اللهُ الصيامَ علينا، فكان من شاءَ افتدَى ممن يُطيقُ الصيامَ من صحيحٍ أو مريضٍ أو مسافرٍ، ولم يكنْ عليه غيرُ ذلك، فلما أوجَب اللهُ على من شهِد الشهرَ الصيامَ، فمن كان صحيحًا يُطيقُه وضَع عنه الفديةَ، وكان مَن كان على سفرٍ أو كان مريضًا فعدةٌ من أيامٍ أخرَ.
قال: وبقِيت الفديةُ التى كانت تُقبلُ قبلَ ذلك للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، والذى يَعرِضُ له العطشُ أو العِلَّةُ التى لا يستطيعُ معها الصيامَ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل اللهُ في الصومِ الأولِ فديةً طعامَ مِسكينٍ (٢)، فمن شاءَ مِن مُسافرٍ أو كل مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفْطِرَ، كان ذلك رخصةً له، فأنزل اللهُ في الصومِ الآخرِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخرِ فديةً طعامَ مسكينٍ (٢)، فنُسِخَتْ الفديةُ، وثبَت في الصومِ الآخرِ، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وهو الإفطارُ في السفرِ، وجعْلُه عدةً من أيامٍ أُخَر (٣).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: أخبَرنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى عَمرُو بنُ الحارثِ، [عن بُكَيرِ] (٤) بنِ عبدِ اللهِ، عن يزيدَ مولى سَلَمةَ بنِ الأكوعِ، عن سلمةَ بنِ الأكوعِ أنه قال: كنا في عهدِ رسولِ اللّهِ ﷺ مَن شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطَر وافتدى بطعامِ مسكينٍ (٥)، حتى أُنزلتِ الآيةُ: ﴿فَمَنْ شَهِد مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشعبىِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: كانت للناسِ كلِّهم، فلمَّا نزلتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أُمِروا بالصومِ والقضاءِ، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (٢).
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسهِرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: نسَخَتْها الآيةُ التى بعدها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن محمدِ بنِ سُلَيمٍ (٣)، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: نَسخَتْها الآيةُ التى تَليها: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ (٥) بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: حدثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ الآية: فُرِض الصومُ مِن العَتَمةِ إلى مِثلِها مِن القابلةِ؛ فإذا صلَّى الرجلُ العَتَمةَ حرُمَ عليه الطعامُ والجماعُ إلى مثلها من القابلَةِ، ثم نزَل الصومُ الآخِرُ بإحلالِ الطَّعامِ والجِماعِ بالليلِ كلِّه، وهو قولُه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ إلى قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وأحَلَّ الجِماعَ أيضًا فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
وكان في الصومِ الأولِ الفديةُ، فمن شاءَ مِن مسافرٍ أو مقيمٍ أن يُطعِمَ مسكينًا ويُفطِرَ، فعَل ذلك، ولم يذكرِ اللهُ في الصومِ الآخِرِ الفديةَ، وقال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
فنسَخ هذا الصومُ الآخِرُ الفديةَ.
وقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ حُكمًا خاصًّا للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ اللَّذَيْن يُطيقان الصومَ، كان مرخَّصًا لهما أن يَفْدِيا صومَهما بإطعامِ مسكينٍ ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
فلزِمهما من الصومِ مثلُ الذى لزِم الشابَّ، إلَّا أن يَعْجِزَا عن الصومِ فيكونَ ذلك الحكمُ الذى كان لهما قبلَ النسخِ ثابتًا لهما حينَئذٍ بحالِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حدثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ وهما يُطيقان الصومَ رُخِّص لهما أن يُفطرَا إن شاءَا ويُطعِما لكلِّ يومٍ مسكينًا، ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وثبَت للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ إذا كانا لا يطيقان الصومَ، وللحُبْلَى والمُرضِعِ إذا خافَتَا (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (١)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ والعجوزُ الكبيرةُ.
ثم ذكَر مثلَ حديثِ بشرٍ، عن يزيدَ.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: حدثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: كان الشيخُ والعجوزُ لهما الرخصةُ أن يُفْطِرا ويُطعِما بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: فكانت لهم الرخصةُ، ثم نُسِخت بهذه (٢) الآيةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
فنسِخت الرخصةُ عن الشيخِ والعجوزِ إذا كانا يطيقان الصومَ، وبقِيت الحاملُ والمرُضِعُ أنْ تُفْطِرَا وتُطعِمَا (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا حجاجُ بن المنهالِ، قال: حدثنا همَّامُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: كان فيها رخصةٌ للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، وهما يُطيقانِ الصومَ، أن يُطعِما مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ويُفْطِرَا، ثم نُسِخ ذلك في الآيةِ التى بعدَها فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ نسَختْها هذه الآيةُ.
فكان أهل العلمِ يرَون ويَرجُون الرُّخصةَ ثبتت (٤) للشيخِ الكبيرِ والعجوزِ الكبيرةِ، إذا لم يُطيقا الصومَ أن يُفْطِرَا ويُطعِما عن كلِّ يومٍ مسكينًا، وللحُبلَى إذا خشِيتْ على ما في بطنها، وللمُرضعِ إذا ما خشِيتْ على ولدِها (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: فكان الشيخُ والعجوزُ يُطيقانِ صومَ رمضانَ، فأحلَّ اللهُ لهما أن يُفْطِراه إنْ أرادا ذلك، وعليهما الفديةُ لكلِّ يومٍ [يُفطران فيه] (٢)؛ طعامُ مسكينٍ، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه بعدَ ذلك فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
وقال آخرون ممن قرَأ ذلك: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: لم يُنسخْ ذلك ولا شيءٌ منه، وهو حُكمٌ مُثبَتٌ من لَدُنْ نزَلتْ هذه الآيةُ إلى قيام الساعةِ.
وقالوا: إنما تأويلُ ذلك: [وعلى الذين كانوا يُطيقونه في حالِ شبابِهم] (٣) وحداثَتِهم، وفى حالِ صحتِهم وقوتِهم، إذا مرِضوا أو (٤) كَبِروا فعجَزوا من الكِبَرِ عن الصومِ - فديةٌ طعامُ مسكينٍ، لا أن القومَ كان رُخِّص لهم في الإفطارِ وهم على الصومِ قادرون إذا افْتدَوا.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال: أما ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ فالرجلُ كان يُطيقُه وقد صام قبلَ ذلك، ثم يَعْرِضُ له الوَجَعُ أو العَطَشُ أو المرضُ الطويلُ، أو المرأةُ المرضِعُ لا تستطيعُ أن تصومَ، فإن أولئك عليهم مكانَ كلِّ يومٍ إطعامُ مسكينٍ، فإنْ أطعم مسكينيْن (١) فهو خيرٌ له، ومَن تكلَّف الصيامَ فصامه فهو خيرٌ له.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدَّثنا عبدةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن عَزْرَةَ (٢)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا خافت الحاملُ على نفسِها والمرضِعُ على ولدِها في رمضانَ، قال: تُفْطِران وتُطْعِمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، ولا تقضيان صومًا (٣).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، [عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن عَزْرةَ] (٤)، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه رأى أمَّ ولدٍ له حاملًا أو مُرضِعًا، فقال: أنتِ بمنزلةِ الذى لا يُطيقُه، عليك أن تُطْعِمى مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا ولا قضاءَ عليك.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدةُ، عن سعيدٍ، عن [علىِّ بنِ ثابتٍ، عن نافعٍ] (٥)، عن ابنِ عمرَ مثلَ قولِ ابنِ عباسٍ في الحاملِ والمرضِعِ (٦).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ قال لأمِّ ولدٍ له حُبْلَى أو مُرضِعٍ: أنتِ بمنزلةِ الذين لا يُطِيقونه، عليك الفداءُ ولا صومَ عليك.
هذا إذا خافت على نفسِها.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: هو الشيخُ الكبيرُ كان يُطِيقُ صومَ شهرِ رمضانَ وهو شابٌّ، فكبِر وهو لا يَسْتَطِيعُ صومَه، فَلْيَتَصَدَّقْ على مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أفْطَره، حينَ يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ (١).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ (٢)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه، غيرَ أنه لم يَقُلْ: حين يُفْطِرُ وحين يَتَسَحَّرُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ حَرْمَلَةَ، عن سعيدِ بنِ المسُيَّبِ أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: هو الكبيرُ الذى كان يصومُ فكبِر وعجَز عنه، وهى الحاملُ التى ليس عليها الصيامُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهما طعامُ مسكينٍ، مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لكلِّ يومٍ حتى يَنْقَضِىَ رمضانُ (٣).
وقرَأ ذلك آخَرون: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه (٤) فديةٌ طعامُ مسكينٍ) وقالوا: إنه الشيخُ الكبيرُ والمرأةُ العجوزُ اللذان قد كبِرا عن الصومِ، فهما يُكَلَّفانِ الصومَ ولا يُطِيقانِه، فلهما أن يُفْطِرا ويُطْعِما مكانَ كلِّ يومٍ أفْطَراه مسكينًا.
وقالوا: الآيةُ ثابتةُ الحكمِ منذُ أُنْزِلت لم تُنْسَخْ.
وأنْكَروا قولَ مَن قال: إنها منسوخةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها: (يُطَوَّقُونَه) (١) حدَّثنا هنَّادٌ، قال: حدثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونَه فِدْيَةٌ طعامُ مسكينٍ).
قال: فكان يقولُ: هى للناسِ اليومَ قائمةٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرؤها: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه فديةٌ طَعامُ مسكينٍ).
[هو الشيخُ الكبيرُ يُفطِرُ ويُطعِمُ] (٢).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا قَبيصَةُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَقْرأُ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) ويقولُ: هو الشيخُ الكبيرُ [يُفطِرُ و] (١) يُطْعمُ عنه.
[حدثنا محمدُ بن بَشَّارٍ، قال: حدثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدثنا أيوبُ، عن عِكْرِمَةَ أنه قال في هذه الآيةِ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) -وكذلك كان يَقْرَؤُها-: إنها ليست منسوخةً، كُلِّف الشيخُ الكبيرُ أن يُفْطِرَ ويُطْعِمَ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا] (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قرَأ: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه) (٣) حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: يصومُونَه، ولكن (الذين يُطوَّقونه) يعجِزون عنه (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: حدثنى محمدُ بنُ عبادِ بنِ جعفرٍ، عن أبى عَمرٍو مولى عائشةَ، أن عائشةَ كانت تَقْرَأُ: (يُطَّوَّقُونَه) (٥).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كان، يَقْرَؤُها: (يُطَّوّقُونَه).
قال ابنُ جُريجٍ: وكان مجاهدٌ يَقْرَؤُها كذلك (١).
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: حدثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن عكرمةَ (وعلى الذين يطيقُونَه) قال: قال ابنُ عباسٍ: هو الشيخُ الكبيرُ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسَى السُّدِّىُّ، قال: أخبرنا شريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: (وَعلى الّذين يُطَوَّقُونَه).
قال: يتجشّمونه، يَتكلّفُونَه (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدثنا ابنُ إدريسَ، عن مسلمٍ المُلائىِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ).
قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطيقُ فيُفْطِرُ ويُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ (وعلى الذين يَطيقونه) قال: يُكلَّفونه، (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، قال: فهذه [ليست بمنسوخةٍ] (٤) لا يرخّصُ فيها إلا للكبيرِ الذى لا يُطيقُ الصيامَ، أو مريضٍ يعلمُ أنه لَا يُشْفَى.
[هذا عن مجاهدٍ] (٥).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (الذين يَطيقُونه) يتكلَّفونه (فديةٌ طعامُ مسكينٍ) واحدٍ، ولم يُرخَّصْ هذا إلا للشيخ الكبيرِ (١) الذى لا يُطِيقُ الصومَ، أو المريضِ الذى يعلمُ أنه لا يُشْفَى (٢).
هذا عن مجاهدٍ (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ، ليستْ بمنسوخةٍ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) يقولُ: من لم يُطقِ الصومَ إلَّا على جَهدٍ فله أن يُفطِرَ ويُطعِمَ كلَّ يومٍ مسكينًا، والحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ والذى به سقمٌ دائمٌ (٤).
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا عَبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هو الشيخُ الكبيرُ [أو المرأةُ] (٥) الذى كان يصومُ فى شبابِه، فلما كَبِر ضعُف (٦) عن الصومِ قبلَ أن يموتَ، فهو يُطعِمُ كلَّ يومٍ مسكينًا.
قال هنادٌ: قال عَبيدةُ: فقلتُ (٧) لمنصورٍ: الذى يُطعَمُ كلَّ يومٍ نصفُ صاعٍ؟
قال: نعم.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، قال: سألتُ مجاهدًا عن امرأةٍ لى وافقَ تاسِعُها شهرَ رمضانَ، ووافق حرًّا شديدًا، فأمرنى أن تُفْطِرَ وتُطعِمَ.
قال: وقال مجاهدٌ: وتلك الرخصةُ أيضًا في المسافرِ والمريضِ، فإن اللهَ يقولُ: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) (١).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحاملُ والمرضعُ والشيخُ الكبيرُ الذى لا يَسْتَطيعُ الصومَ يُفْطِرون فى رمضانَ، ويُطْعِمون عن كلِّ يومٍ مسكينًا.
ثم قرَأ: (وعَلى الَّذينَ يُطوَّقُونَهُ (٢) فدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ" (٣).
حدَّثنا علىُّ بنُ سعيدٍ (٤) الكِندىُّ، قال: حدثنا حفصٌ، عن حجاجٍ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ في قولِه: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يستطيعُ الصومَ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا (٥).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (وعلى الذين يَطيقُونه فديةٌ طعامُ مسكينٍ) قال: هم الذين يَتكلّفونَه (٦) ولا يُطيقونه، الشيخُ والشيخةُ (٧).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن أبى إسحاقَ، عن الحارثِ، عن علىٍّ، قال: هو الشيخُ والشيخةُ.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن عمرانَ بنِ حُديرٍ، عن عكرمةَ أنه كان يَقْرَؤُها: (وعلى الذين يطيقُونه) فأفطر (١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن عاصمٍ، عمن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ، قال: هى مثبتةٌ للكبيرِ والمرضعِ والحاملِ وعلى الذين يُطيقُون الصيامَ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال، أخبرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: (وعلى الذين يطيقُونه)؟
قال: بلَغنا أن الكبيرَ إذا لم يَسْتَطِع الصومَ يَفتدِى من كلِّ يومٍ بمسكينٍ.
قلت: الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُ الصومَ، أو الذى لا يَسْتَطيعُه إلا بالجَهْدِ؟
قال: بل الكبيرُ الذى لا يَسْتَطِيعُه بجهدٍ ولا بشيءٍ، فأما من استطاع بجَهدٍ فليصُمْه ولا عذرَ له فى ترْكِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرنى عبيدُ (٣) اللهِ بنُ أبى يزيدَ: (وعلى الذين يطيقُونه) الآية.
كأنه يعنى الشيخَ الكبيرَ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه أنه كان يقولُ: نزَلت في الكبيرِ الذى لا يستطيعُ صيامَ رمضانَ، فيفتدِى من كلِّ يومٍ بطعامِ مسكينٍ.
قلتُ له: كمْ طعامُه؟
قال: لا أدرى، غيرَ أنه قال: طعامُ يومٍ (١).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: الشيخُ الكبيرُ الذى لا يُطِيقُ الصومَ يُفطِرُ ويُطعِمُ عن (٢) كلِّ يومٍ مسكينًا.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ منسوخٌ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؛ لأن الهاءَ التى في قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ من ذكرِ "الصيامِ".
ومعناه: وعلى الذين يُطِيقونَ الصيامَ فديةٌ طعامُ مسكينٍ.
فإذا كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجْمعينَ على أن مَن كان مُطِيقًا من الرجالِ الأصحَّاءِ المقيمينَ غيرِ المسافرينَ صومَ شهرِ رمضانَ، فغيرُ جائزٍ له الإفطارُ فيه والافتداءُ منه بطعامِ مسكينٍ، كان معلومًا أن الآيةَ منسوخةٌ، هذا مع ما يُؤيدُ هذا القولَ من الأخبارِ التى ذكرناها آنفًا عن معاذِ بنِ جبلٍ وابنِ عمرَ وسلَمةَ بنِ الأكوعِ، من أنهم كانوا بعدَ نزولِ هذه الآيةِ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى صومِ شهرِ رمضانَ بالخيارِ بينَ صومِه وسقوطِ الفديةِ عنهم، وبينَ الإفطارِ والافتداءِ من إفطارِه بإطعامِ مسكينٍ لكلِّ يومٍ أفطَره، وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزَلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فأُلْزِموا فرضَ صومِه، وبطَل الخيارُ والفديةُ.
فإن قال قائلٌ: وكيفَ تدَّعى إجماعًا من أهلِ الإسلامِ على أنَّ من أطاقَ صومَه وهو بالصِّفةِ التى وصَفْتَ فغيرُ جائزٍ له إلَّا صومُه، وقد علمتَ قولَ مَن قال: للحاملِ والمرضعِ إذا خافتا على أولادِهما لهما الإفطارُ، وإن أطاقتا الصومَ بأبدانِهما، مع الخبرِ الذى رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى حدثنا به هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: حدثنا قبيصةُ، عن سفيانَ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، عن أنسٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو يتغدَّى فقال: "تعَالَ أُحَدِّثْكَ؛ إن اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والحاملِ والمُرْضِعِ الصومَ وشَطْرَ الصَّلاةِ" (١).
قيل: إنّا لم ندَّعِ إجماعًا في الحاملِ والمرضعِ، وإنما ادَّعينَا في الرجالِ الذين وصفْنَا صِفَتَهم.
فأما الحاملُ والمرضعُ فإنما علِمْنا أنهنَّ غيرُ مَعنياتٍ بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ إذ (٢) خَلَا الرجالُ أن يكونوا معنيِّينَ به؛ لأنهنَّ لو كنَّ مَعنياتٍ بذلك دونَ غيرِهنَّ من الرجالِ لقيل: وعلى اللواتِى يُطِقْنه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن ذلك كلامُ العربِ إذا أُفرِد الكلامُ بالخبرِ عنهن دونَ الرجالِ، فلمّا قيل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ كان معلومًا أنَّ المعنىَّ به الرجالُ دونَ النساءِ، أو الرجالُ والنساءُ، فلمَّا صحَّ بإجماعِ الجميعِ على أنَّ من أطاقَ من الرجالِ المقيمينَ الأصِحّاءِ صومَ شهرِ رمضانَ فغيرُ مرخَّصٍ له في الإفطارِ والافتداءِ، فخرَج الرجالُ من أن يكونوا معنيِّين بالآيةِ، وعُلِمَ أن النساءَ لم يُرَدْنَ بها؛ لما وصَفْنا من أن الخبرَ عن النساءِ إذا انفَرد الكلامُ بالخبرِ عنهن: وعلى اللواتى يُطِقْنَه.
والتنزيلُ بغيرِ ذلك.
وأما الخبرُ الذى رُوى عنِ النبىِّ ﷺ، فإنه إن كان صحيحًا، فإنما معْناه أنه وُضِع عن الحاملِ والمرضعِ الصومُ ما دامتا عاجزتينِ عنه حتى تُطِيقَا فتَقْضِيَا، كما وُضِع عن المسافرِ في سفرِه حتى يقيمَ فيقضيَه، لا أنهمَا أُمِرَتَا بالفديةِ والإفطارِ بغيرِ وجوبِ قضاءٍ، ولو كان في قولِ النبىِّ ﷺ: "إنَّ اللهَ وضَع عن المُسافِرِ والمُرْضِعِ والحامِلِ الصومَ".
دَلالةٌ على أنه ﷺ إنما عنَى أنَّ اللهَ تعالى ذكرُه وضَع عنهم بقولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ لوجَبَ ألا يكونَ على المسافرِ إذا أفطرَ في سفرِه قضاءٌ، وألا يَلْزَمَه بإفطارِه ذلك إلا الفديةُ؛ لأن النبىَّ ﷺ قد جمَع بينَ حكمِه وبينَ حُكمِ الحاملِ والمرضِعِ، وذلك قولٌ إن قاله قائلٌ خلافٌ لظاهرِ كتابِ اللهِ، ولِمَا أجمَع عليه جميعُ أهلِ الإسلامِ.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ أنّ معْنى قولِه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾: وعلى الذين يُطيقونَ الطعامَ.
وذلك تأويلٌ لتأويلِ أهلِ العلمِ مخالفٌ.
وأمّا قراءةُ مَن قرَأ ذلك: (وعلى الذين يُطَوَّقُونه).
فقراءةٌ لمصاحفِ أهلِ الإسلامِ خلافٌ (١)، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ من أهلِ الإسلامِ الاعتراضُ بالرأىِ على ما نقَله المسلمونَ وراثةً عن نبِّيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذرِ؛ لأن ما جاءت به الحجَّةُ من الدينِ هو الحقُّ الذى لا شكَّ فيه أنه من عندِ اللهِ، ولا يُعْتَرَضُ على ما قد ثبَت وقامتْ به حجةٌ أنه مِن عندِ اللهِ بالآراءِ والظنونِ والأقوالِ الشاذَّةِ.
وأمّا معْنى "الفديةِ" فإنه الجزاءُ، من قولِك: فديتُ هذا بهذا.
أى: جَزيتُه به، وأعطتُه بدلًا منه.
ومعْنى الكلامِ: وعلى الذين يُطيقونَ الصيامَ جزاءُ طَعامِ مسكينٍ منه؛ لكلِّ يومٍ أفطرَه من أيامِ صيامِه الذى كُتِب عليه.
وأمّا قولُه: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فإن القرأةَ مختلفةٌ في قراءتِه؛ فبعضٌ يقرأُ بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، وخفضِ "الطعامِ"، وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ المدينةِ (١)، بمعْنى: وعلى الذين يُطيقونه أنْ يَفدُوه طعامَ مسكينٍ.
فلمَّا جعَل مكانَ "أنْ يفديَه" "الفديةَ" أُضيفَت إلى "الطعامِ"، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةُ درهمٍ لك.
بمعنى: لزمنى أنْ أَغرَم لك درهمًا.
وآخرون يقرَءونه بتنوينِ "الفديةِ" ورفعِ "الطعامِ"، بمعنى الإبانةِ بالطعامِ (٢) عن معنى الفديةِ الواجبةِ على مَن أفطر في صومِه الواجبِ، كما يقالُ: لزِمَتْنى غرامةٌ درهمٌ لك.
فيُبينُ بالدرهم عن معنى الغرامةِ؛ ما هى وما حدُّها.
وذلك قراءةُ عُظْمِ قرأةِ أهلِ العراقِ (٣).
وأوْلَى القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرأ: (فِدْيَةُ طَعَامِ) بإضافةِ "الفديةِ" إلى "الطعامِ"، [وتركِ تنوينِها وخفضِ "الطعامِ"] (٤)؛ لأن الفديةَ اسمٌ للفعلِ، وهى غيرُ الطعامِ المَفْدِىِّ به الصومُ، وذلك أن الفديةَ مصدرٌ من قولِ القائلِ: فديتُ صومَ هذا اليومِ بطعامِ مسكينٍ، أَفديه فِدْيةً.
كما يقالُ: جلستُ جِلسَةً، وَمَشَيْتُ مِشيةً.
[فالفديةُ "فِعلةٌ"] (٥)، والطعامُ غيرُها.
فإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ (٦) أنَّ أصحَّ القراءتين إضافةُ الفديةِ إلى الطعامِ.
وواضحٌ خطأُ قولِ مَن قال: إن تَرْكَ إضافةِ الفديةِ إلى الطعامِ أصحُّ في المعنَى، من أجْلِ أن الطعامَ عندَه هو الفديةُ.
فيقالُ لقائلِ ذلك: قد علِمْنا أنّ الفديةَ مُقتضيةٌ مُفدِيًا ومُفْدًى به وفديةً، فإنْ كان الطعامُ هو الفديةَ، والصومُ هو المفدَى به، فأين اسمُ فعلِ المفتدِى (١) الذى هو فديةٌ؟
إنّ هذا القولَ بَيِّنٌ خطؤُه غيرُ مُشكلٍ.
وأما "الطعامُ" فإنه مضافٌ إلى "المسكينِ".
والقرأةُ في قراءةِ ذلك مختلِفون؛ فقرَأه بعضُهم بتوحيدِ المسكينِ (٢)، بمعنَى: وعلى الذين يُطِيقونه فديةُ طعامِ مسكينٍ واحدٍ لكلِّ يومٍ أَفْطَره.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا حسينٌ الجُعْفىُّ، عن أبى عَمرٍو أنه قرَأ: ﴿فِدْيَةٌ﴾ رفعٌ منونٌ، ﴿طَعَامُ﴾ رفعٌ بغير تنوينٍ ﴿مِسْكِينٍ﴾.
وقال: عن كلِّ يومٍ مسكينٌ.
وعلى ذلك عُظْمُ قرأةِ أهلِ العراقِ.
وقرَأه آخرون بجمعِ المساكينِ: (فديةُ طعام مساكينَ) (٣).
بمعنى: وعلى الذين يُطيقونه فديةُ طعامِ مساكينَ عنِ الشهرِ إذا أفطرَ الشهرَ كلَّه.
كما حدَّثنى أبو هشامٍ محمدُ بنُ يزيدَ الرفاعىُّ، قال: حدثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن عَمرٍو، عن الحسنِ: طعامُ مساكينَ عنِ الشهرِ كلِّه.
وأَعجبُ القراءتينِ إلىَّ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ: ﴿طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
على الواحدِ، بمعنى: وعلى الذين يُطيقونَه عن كلِّ يومٍ أفطروه فديةٌ طعامُ مسكينٍ؛ لأن في إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وُصُولًا إلى معرفةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ، وليس في إبانةِ حُكمِ المفطرِ جميعَ الشهرِ وصولٌ إلى إبانةِ حكمِ المفطرِ يومًا واحدًا وأيّامًا هى أقلُّ من أيامِ جميعِ الشهرِ، وأنّ كلَّ واحدٍ يُترجِمُ عن الجميعِ، وأن الجميعَ لا يُترْجَمُ به عنِ الواحدِ، فلذلك اخترْنا قراءةَ ذلك بالتوحيدِ.
واختلفَ أهلُ العلمِ في مبلغِ الطعامِ الذى كانوا يُطعِمون في ذلك إذا أَفطَروا؛ فقال بعضُهم: كان الواجبُ من طعامِ المسكينِ لإفطارِ اليومِ الواحدِ نصفَ صاعٍ من قمحٍ.
وقال بعضُهم: كان الواجبُ (١) مُدًّا من قمحٍ ومن سائرِ أقواتِهم.
وقال بعضُهم: كان ذلك نصفَ صاعٍ من قمحٍ أو صاعًا من تمرٍ أو زبيبٍ.
وقال بعضُهم: ما كان المفطِرُ يَتَقَوَّتُه يومَه الذى أفطَره.
وقال بعضُهم: كان ذلك سَحورًا وعَشاءً يكونُ للمسكين إفطارًا.
وقد ذكَرنا بعضَ هذه المقالاتِ فيما مضَى قبلُ، فكرِهنا إعادةَ ذِكرِها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
اختَلفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فزادَ طعامَ مسكينٍ آخرَ فهو خيرٌ له، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٢) حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عَمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١).
حدَّثنا هنادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: مَن أَطْعَمَ المسكينَ صاعًا (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ قال: إطعامُ مساكينَ عن كلِّ يومٍ فهو خيرٌ له (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حنظلةَ، عن طاوسٍ نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قال: طعامُ مسكينَيْنِ (٤).
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ، قال: حدثنا حمادٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ مثلَه.
[حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ مثلَه] (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ هارونَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه قرَأ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ بالتاءِ، خفيفةً (١) ﴿خَيْرًا﴾.
قال: زاد على مسكينٍ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
فإن أطعَم مسكينَيْنِ فهو خيرٌ له (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرنى ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.
قال: من أطعَم مسكينًا آخرَ (٣).
وقال آخرون: معْنى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فصامَ مع الفديةِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾: يريدُ أنَّ مَن صامَ مع الفديةِ فهو خيرٌ له (٤).
وقال آخرون: معنَى ذلك: فمن تطوَّع خيرًا فزادَ المسكينَ على قدرِ طعامِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ.
قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾.
فزاد طعامًا ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه عمَّ بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فلمْ يَخْصُصْ بعضَ معانى الخيرِ دونَ بعضٍ، وجمعُ الصومِ مع الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، وزيادةُ مسكينٍ على جزاءِ الفديةِ من تطوُّعِ الخيرِ، [وزيادةُ المسكينِ على قدرِ قوتِ يومِه مِن تطوُّعِ الخيرِ] (٢).
وجائزٌ أن يكونَ جلَّ ثناؤُه عنَى بقولِه: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أىَّ هذه المعانِى تطوَّع به المفتدِى مِن صومِه ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾؛ لأنّ كلَّ ذلك من تطوُّعِ الخيرِ ونوافلِ الفضلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأن تَصوموا ما كُتِب عليكم من صومِ (١) شهرِ رمضانَ خيرٌ لكم مِن أن تُفطِروه وتَفْتدُوا.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: ومَن تكلَّفَ الصيامَ فصامَه فهو خيرٌ له.
حدَّثنى المثنى، قال: حدثنا أبو صالحٍ، قال: حدثنى الليثُ، قال: حدثنى يونسُ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أى: إن الصيامَ خيرٌ لكم مِن الفديةِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: وأنْ تَصُومُوا هو (١) خَيْرٌ لكمْ (٢).
وأما قولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فإنه يعنى: إن كنتم تعلَمون خيرَ الأمرَين لكم أيّها الذين آمنوا؛ من الإفطارِ والفديةِ أو الصومِ على ما أمرَكم اللهُ به.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والشهرُ فيما قيلَ مأخوذٌ (٣) أصلُه من الشُّهرةِ، يقالُ منه: قد شَهَر فلانٌ سيفَه.
إذا أخرَجه من غِمدِه فاعترَض به مَن أراد ضربَهُ، يَشْهَرُه شَهْرًا.
وكذلك: شهَر الشهرُ.
إذا طلَعَ هلالُه، وأشهَرْنا نحن، إذا دخَلنا في الشهرِ.
وأما "رمضانُ"، فإن بعضَ أهلِ المعرفةِ بلغةِ العربِ كان يزعُمُ أنه سُمِّى بذلك لشدةِ الحرِّ الذى كان يكونُ فيه حتى تَرمَضَ فيه الفِصالُ، كما قيل للشهرِ الذى يُحَجُّ: ذو الحِجةِ.
والذى يُرتَبَعُ فيه: رَبيعٌ الأولُ وربيعٌ الآخرُ.
وأما مجاهدٌ فإنه كان يَكْرَهُ أن يقالَ: رمضانُ.
ويقولُ: لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعيم، قال: ثنا سفيانُ، عن مجاهدٍ أنه كرِه أن [يقول: رمضانُ] (٤).
لعله اسمٌ من أسماءِ اللهِ، ولكن يقولُ كما قال اللهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ (١).
وقد بينتُ فيما مضَى (٢) أن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ مرفوعٌ على قولِه: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هنَّ شهرُ رمضانَ.
وجائزٌ أن يكونَ رفعُه بمعنى: ذلك شهرُ رمضانَ.
وبمعنى: كُتِبَ عليكم شهرُ رمضانَ.
وقد قرأه بعضُ القرأةِ: (شَهْرَ رمضانَ) نصبًا (٣)، بمعنى: كُتِبَ عليكم الصيامُ أنْ تصوموا شهرَ رمضانَ.
وقرَأه بعضُهم نصبًا بمعنى: وأنْ تصوموا شهرَ رمضانَ خيرٌ لكم إن كنتم تعلَمون.
وقد يجوزُ أيضًا نصبُه على وجهِ الأمرِ بصومِه، كأنه قيل: شهرَ رمضانَ فصومُوه.
وجائزٌ نصبُه على الوقتِ، كأنه قيلَ: كُتِب عليكم الصيامُ في شهرِ رمضانَ.
وأما قولُه: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
فإنه ذُكِر أنه نزَل في ليلةِ القدرِ من اللوحِ المحفوظِ إلى السماءِ الدنيا، في ليلةِ القدرِ من شهرِ رمضانَ، ثم أُنزِل إلى محمدٍ ﷺ على ما أراد اللهُ إنزالَه إليه.
كما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن الأعمشِ، عن حسانَ [بنِ أبى الأَشْرَسِ] (٤)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أُنزِلَ القرآنُ جملةً مِن الذكرِ في ليلةِ أربعٍ (١) وعشرين من رمضانَ، فجُعِل في بيتِ العزَّةِ (٢).
قال أبو كريبٍ: قال أبو بكرٍ: وقال ذلك السُّدِّىُّ.
حدَّثنى عيسى بنُ عثمانَ، قال: ثنا يحيى بنُ (٣) عيسى، عن الأعمشِ، عن حسانَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً في ليلةِ القدرِ في شهرِ رمضانَ، فجُعِل في السماءِ الدنيا (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا عمرانُ القطانُ، عن قتادةَ، عن ابنِ أبى المليحِ، عن واثِلةَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: "نزَلتْ صحفُ إبراهيمَ أولَ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ، وأُنزِلتِ التوراةُ لستٍّ مضَينَ من رمضانَ، وأُنزِل الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ خلتْ، وأُنزل القرآنُ لأربعٍ وعشرين من رمضانَ" (٥).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾: أما ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.
فإن ابنَ عباسٍ قال: شهرُ رمضانَ، والليلةُ المباركةُ: ليلةُ القدرِ، فإن ليلةَ القدرِ هى الليلةُ المباركةُ، وهى في رمضانَ، نزَل القرآنُ جملةً واحدةً من الزُّبُرِ إلى البيتِ المعمورِ، وهو موقعُ (١) النجومِ في السماءِ الدنيا، حيث وقَع القرآنُ، ثم نُزِّل على محمدٍ ﷺ بعد ذلك في الأمرِ والنَّهىِ، وفى الحروبِ (٢) رَسَلًا (٣) رَسَلًا (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أنزَل اللهُ القرآنَ إلى السماءِ الدنيا في ليلةِ القدرِ، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُوحِىَ منه شيئًا أوْحاهُ، فهو قولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٥) [القدر: ١].
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عدىٍّ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، فذكرَ نحوَه.
وزاد فيه: فكان بين أولِه وآخرِه عشرون سنةً (٦).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ كلُّه جملَةً واحدةً في ليلةِ القدرِ، في رمضانَ إلى السماءِ الدنيا، فكان اللهُ إذا أرادَ أن يُحدِثَ في الأرضِ شيئًا أنزَله منه حتى جمعَه (٧).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن حكيمِ بنِ جُبيرٍ (١)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: نزَل القرآنُ في ليلةِ القدرِ من السماءِ العُلْيا إلى السماءِ جملةً واحدةً، ثم فُرِّقَ في السنين بعدُ.
قال: وتلا ابنُ عباسٍ هذه الآيةَ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] قال: نزَل مُتفرِّقًا (٢).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: بلَغنا أن القرآنَ نزَل جملةً واحدةً إلى السماءِ الدنيا.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قراءةً (٣) عن (٤) ابنِ جُريجٍ في قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ قال: قال ابنُ عباسٍ: نزَل القرآنُ جملةً واحدةً على جبريلَ في ليلةِ القدرِ، فكان لا يُنزِلُ منه إلا [ما أُمِر] (٥).
قال ابنُ جُريجٍ: كان يُنزَّلُ من القرآنِ في ليلةِ القدرِ كلُّ شيءٍ يُنزَّلُ من القرآنِ في تلك السنةِ، فيتنَزّلُ (٦) ذلك من السماءِ السابعةِ على جبريلَ في السماءِ الدنيا، فلا يُنزِّلُ جبريلُ مِن ذلك علَى محمدٍ إلَّا ما أمَرهُ به ربُّه، ومثلُ ذلك: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
و: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (٧) [الدخان: ٣].
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن السُّدىِّ، عن محمدِ بنِ أبى المجالدِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال له رجلٌ: إنه قد وقَع في قلبى الشكُّ من قولِه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
وقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
وقد أنزَل اللهُ في شوالٍ وذى القَعدةِ وغيرِه.
قال: إنما نزَل في رمضانَ في ليلةِ القدرِ، وليلةٍ مباركةٍ جملةً واحدةً، ثم أُنزِل على مواقعِ النجومِ رَسَلًا في الشهورِ والأيامِ (١).
وأما قولُه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعنى: رشادًا للناسِ إلى سبيلِ الحقِّ وقَصدِ المنهجِ.
وأما قولُه: ﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾ فإنه يعنى: واضحاتٍ، ﴿مِنَ الْهُدَى﴾ يعنى: من البيانِ الدالِّ على حدودِ اللهِ وفرائضِه وحلالِه وحرامِه.
وقولُه: ﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ يعنى: والفَصلِ بين الحقِّ والباطلِ.
كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ فبيناتٍ من الحلالِ والحرامِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في معنى شهودِ الشهرِ؛ فقال بعضُهم: هو مُقامُ المقيمِ في دارِه.
قالوا: فمن دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مقيمٌ في دارِه، فعليه صومُ الشهرِ كلِّه، غابَ بعدُ فسافرَ أو أقام فلم يَبْرَحْ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ حُميدٍ ومحمدُ بنُ عيسى الدَّامَغانىُّ، قالا: ثنا ابنُ المباركِ، عن الحسنِ بنِ يحيى، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: هو إهلالُه بالدَّارِ.
يريدُ إذا هَلَّ وهو مقيمٌ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حصينٌ، عمّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فإذا شهِده وهو مقيمٌ فعليه الصومُ، أقامَ أو سافرَ، وإن شهِده وهو في سفرٍ، فإن شاء صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في الرجل يُدركُه رمضانُ ثم يسافِرُ، قال: إذا شهِدتَ أولَه فَصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)؟
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ القُرْدوسيِّ (٤)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن رجلٍ أدرَك رمضانَ وهو مقيمٌ، قال: من صامَ أولَ الشهرِ فلْيصُمْ آخرَه، ألا تراه يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾؟
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، أما: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.
فمن دخَل عليه رمضانُ وهو مقيمٌ في أهلِه فلْيصُمْه، فإن خرَج فيه فلْيَصُمْه، فإنه دخَل عليه وهو في أهلِه (١).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حجاجٌ قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرَنا قتادةُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، عن عليٍّ -فيما يحسَبُ حمادٌ- قال: مَن أدرَكه (٢) رمضانُ وهو مقيمٌ لم يخرُجْ فقد لزِمه الصومُ، لأن اللهَ جلّ وعزّ يقولُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣).
حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرىِّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (٤)، عن إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: من كان مقيمًا فلْيصُمْه، ومن أدْرَكَه ثم سافرَ فيه فلْيصُمْهُ.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: من شهِد أولَ رمضانَ فليصمْ آخرَهُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدَةُ، عن سعيدِ بنِ أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، أن عليًّا كان يقولُ: إذا أدرَكه رمضانُ وهو مقيمٌ ثم سافرَ فعليه الصومُ (٥).
حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عُبيدَةَ الضبيِّ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقولُ: إذا أدْرَكَك رمضانُ فلا تسافِرْ فيه، فإن صُمتَ فيه يومًا أو اثنين ثم سافرتَ فلا تُفطِرْه، صُمْهُ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بنِ مُرّةَ، عن أبى البَخْترىِّ، قال: كنا عند عَبيدةَ فقرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قال: مَن صام شيئًا منه في المصرِ فلْيَصُمْ بقيتَه إذا خرَج.
قال: وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: إن شاءَ صامَ، وإن شاءَ أفطرَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبى يزيدَ، عن أمِّ ذَرَّةَ (٣)، قالتْ: أتيتُ عائشةَ في رمضانَ، قالت: من أين جئتِ؟
قلتُ: من عند أخى حُنينٍ.
قالت: ما شأنُه؟
قلتُ: ودَّعْتُه يريدُ يرتحِلُ.
قالت: فأقرئيه السلامَ ومُرِيه فلْيُقِمْ، فلو أدرَكنى رمضانُ وأنا ببعضِ الطريقِ لأَقَمْتُ له (٤).
حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ عيسى، عن أفلحَ، عن عبدِ الرحمنِ، قال: جاءَ إبراهيمُ بنُ طلحةَ إلى عائشةَ يسلِّمُ عليها (٥)، قالت: وأين تريدُ؟
قال (٦): أرَدتُ العمرةَ.
قالت: فجلَستَ حتى إذا دخَل عليك الشهرُ خرجتَ فيه!
قال: قد خرَج ثَقَلِى (١).
قالت: اجلِسْ حتى إذا أفطرتَ فاخرُجْ.
يعنى شهرَ رمضانَ (٢).
وقال آخرون: معنى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾: فمن شهِدَ منكم الشهرَ فليصُمْ ما شهِدَ منه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبى إسحاقَ، أن أبا مَيسرةَ خرَج في رمضانَ حتى إذا بلَغ القنطرةَ دعا بماءٍ فشرِب.
حدَّثنا هنادٌ، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، قال: خرَج أبو مَيسرةَ في رمضانَ مسافرًا، فمرّ بالفُراتِ وهو صائمٌ، فأخَذ منه كفًّا فشرِبه وأفطَر (٣).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى إسحاقَ، عن مَرثدٍ، أن أبا ميسرةَ سافرَ في رمضانَ فأفطرَ عند بابِ الجسرِ.
هكذا قال هنادٌ: عن مَرثدٍ.
وإنما هو مَزْيَدٌ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبى إسحاقَ، عن مَزيدٍ (٥) أنه خرَج معَ أبى مَيسرةَ في رمضانَ، فلما انتهى إلى الجسرِ أفطرَ.
حدَّثنا هنادٌ وأبو هشامٍ، قالا: ثنا وكيعٌ، عن المسعودىِّ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليٍّ في ضَيعةٍ له على ثلاثٍ من المدينةِ، فخرَجْنا نريدُ المدينةَ في شهرِ رمضانَ وعلىٌّ راكبٌ وأنا ماشٍ، قال: فصام.
قال هنادٌ: وأفطرتُ.
وقال أبو هشامٍ: وأمَرنى فأفطَرتُ (١).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عُتْبةَ، عن الحسنِ بنِ سعدٍ، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليِّ بنِ أبى طالبٍ، وهو جائىٌ (٢) من أرضٍ له، فصامَ وأمَرنى فأفطرتُ، فدخَل المدينةَ ليلًا وكان راكبًا وأنا ماشٍ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن عيسى بنِ أبى عَزَّةَ، عن الشعبيِّ أنه سافر في شهرِ رمضانَ، فأفطرَ عند بابِ الجسرِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: قال لى سفيانُ: أحَبُّ إليَّ أن تُتِمَّه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: سألتُ الحكمَ وحمادًا، وأردتُ أن أسافِرَ في رمضانَ، فقالا: اخْرُجْ.
وقال حمادٌ: قال إبراهيمُ: أما إذا كان العَشْرُ فأحَبُّ إلىَّ أن يقيمَ.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ، قالا: من أدرَكه الصومُ وهو مقيمٌ رمضانَ ثم سافرَ، قالا: إن شاءَ أفطرَ (٤).
وقال آخرون: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ يعنى: فمَن شهِده عاقلًا بالغًا مكلَّفًا فلْيصُمْه.
وممن قال ذلك أبو حنيفةَ وأصحابُه، كانوا يقولُون: من دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو صحيحٌ عاقلٌ بالغٌ فعليه صَومُه، فإن جُنَّ بعدَ دخولِه عليه، وهو بالصفةِ التى وصَفْنا، ثم أفاقَ بعدَ انقضائِه، لزِمه قضاءُ ما كان فيه مِن أيامِ الشهرِ مغلوبًا على عقلِه، لأنه كان ممَّنْ شهِده وهو مِمَّنْ عليه فُرِض.
قالوا: فكذلك لو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ إلا أنه ممَّنْ لو كان صحيحَ العقلِ كان عليه صومُه، [فلم يَنْقَضِ] (١) الشهرُ حتى صَحَّ وبرَأ و (٢) أفاقَ قبل انقضاءِ الشهرِ بيومٍ أو أكثرَ من ذلك، فإن عليه قضاءَ صومِ الشهرِ كلِّه سوى اليومِ الذى صامَه بعد إفاقَتِه، لأنه ممّن قد شهِد الشهرَ.
وقالوا: ولو دخَل عليه شهرُ رمضانَ وهو مجنونٌ فلم يُفِقْ حتى انقضى الشهرُ كلّه ثم أفاق، لم يَلْزَمْه قضاءُ شيءٍ منه، لأنه لم يكن ممّن شهِده مكلَّفًا صومَه.
وهذا تأويلٌ لا معنى له؛ لأن الجنونَ إن كان يُسقِطُ عمّن كان به فرضَ الصومِ من أجلِ فَقْدِ صاحبِه عقلَه جميعَ الشهرِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ ذلك سبيلَ كلِّ من فَقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ.
[وقد أجمَع الجميعُ على أنّ مَن فقَد عقلَه جميعَ شهرِ الصومِ] (٣) بإغماءٍ أو بِرسامٍ (٤)، ثم أفاقَ بعد انقضاءِ الشهرِ، أنّ عليه قضاءَ الشهرِ كلِّه.
لم يخالِفْ ذلك أحدٌ يجوزُ الاعتراضُ به على الأُمّةِ.
وإذا كان ذلك (١) إجماعًا، فالواجبُ أن يكونَ سبيلُ كلِّ مَن كان زائلَ العقلِ جميعَ شهرِ الصومِ سبيل المغمَى عليه.
وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن تأويلَ الآيةِ غيرُ الذى تأوَّلَها به (١) قائلو هذه المقالةِ من أنه شُهودُ الشهرِ أو بعضِه مُكلَّفًا صومَه.
فإذا بطَل ذلك فتأويلُ المتأوِّلِ الذى زعَم أن معناه: فمن شهِد أولَه مقيمًا حاضرًا فعليه صومُ جميعِه.
أبْطَلُ وأفْسَدُ، لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خرَج عامَ الفتحِ من المدينةِ في شهرِ رمضانَ بعد ما صامَ بعضَه فأفطر وأمرَ أصحابَه بالإفطارِ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: سافرَ رسولُ اللهِ ﷺ في رمضانَ من المدينةِ إلى مكةَ، حتى إذا أتى عُسْفانَ (٢) نزَل به، فدعا بإناءٍ فوضَعه على يدِه ليراهُ الناس، ثم شرِبَه ﷺ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ وسفيانُ بنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٤).
حدَّثنا هنادٌ، ثنا عُبيدةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (١).
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا يونسُ بنُ بُكيرٍ، قال: ثنا ابنُ إسحاقَ، قال: وحدثنى الزهرىُّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: مضَى رسولُ اللهِ ﷺ لسفرِه عامَ الفتحِ لعشرٍ مَضَين من رمضانَ، فصامَ رسولُ اللهِ ﷺ، وصام الناسُ معَه، حتى (٢) أتى الكَدِيدَ (٣)، ما بين عُسفانَ وأمَجَ (٤)، ثم (٥) أفطَر (٦).
حدَّثنا هنادٌ وأبو كريبٍ، قالا: ثنا عَبدةُ (٧)، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن الزُّهرِىِّ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عباسٍ قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ لعشرٍ أو لعشرينَ مضَتْ من رمضانَ عامَ الفتحِ، فصام حتى إذا كان بالكَدِيدِ أفطرَ (٨).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا عُمرُ بنُ عامرٍ، عن قتادةَ، عن أبى نضرةَ، عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ، قال: خرَجنا مع النبىِّ ﷺ لثمانِ عشرةَ مضَتْ من رمضانَ، فمِنَّا الصائمُ، ومنَّا المفطرُ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفطرِ، ولا المفطرُ على الصائمِ (١).
[فإذ كان فاسدًا] (٢) هذان التأويلان بما عليه دللنا من فسادِهما، فبَيِّنٌ (٣) أن الصحيحَ من التأويلِ هو الثالثُ، وهو قولُ من قال: فمن شهِد منكم الشهرَ فليصُمْ جميعَ ما شهِد منه مقيمًا، ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: ومن كان مريضًا أو على سفرٍ فى الشهرِ فأفطَر فعليه صيامُ عدَّةِ الأيامِ التى أفطرَها من أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ.
ثم اختلَف أهلُ العلمِ فى المرضِ الذى أباحَ اللهُ به الإفطارَ، وأوجَب معه عدّةً من أيامٍ أُخرَ؛ فقال بعضُهم: هو المرضُ الذى لا يُطيقُ صاحبُه معه القيامَ لصلاتِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا مُعاذُ بنُ شعبةَ البصرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، وإسماعيلَ ابنِ مُسلمٍ، عن الحسنِ، [أنهما قالا] (١): إذا لم يَستطعِ المريضُ أن يُصلِّىَ قائمًا أفطَر (٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ أو عُبيدةَ، عن إبراهيمَ فى المريضِ إذا لم يَسْتَطعِ الصلاةَ قائمًا: فلْيُفطِرْ.
يعنى فى رمضانَ.
حدَّثنا هنّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن إسماعيلَ، قال: سألتُ الحسنَ: متى يفطِرُ الصائمُ؟
قال: إذا جَهَده الصومُ.
قال: إذا لم يَستطعْ أن يصلِّىَ الفرائضَ كما أمِر (٣).
وقال بعضُهم: هو كلُّ مرضٍ كان الأغلَبُ من أمْرِ صاحبِه بالصومِ الزيادةَ فى علَّتِه زيادةً غيرَ المحتمَلةِ.
وذلك هو قولُ محمدِ بنِ إدريسَ الشافعىِّ (٤)، حدثنا بذلك عنه الربيعُ.
وقال آخرون: هو كُلُّ (٥) مرضٍ يسمَّى مرضًا.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا الحسنُ بنُ خالدٍ الربعىُّ، قال: ثنا طريفُ بنُ شهابٍ (١) العُطاردىُّ، أنه دخَل على محمدِ بنِ سيرينَ فى رمضانَ وهو يأكُلُ فلمْ يسألْه، فلمّا فرَغ قال: إنه وَجِعتْ إصبَعى هذه (٢).
والصوابُ من القولِ فى ذلك عندنا أن المرضَ الذى أذِنَ اللهُ ﷿ بالإفطارِ معه فى شهرِ رمضانَ، من كان الصومُ جاهدَه جَهدًا غيرَ مُحتمَلٍ، فكلُّ من كان كذلك فله الإفطارُ، وقضاءُ عدّةٍ من أيامٍ أُخرَ، وذلك أنه إذا بلَغ ذلك الأمرَ، فإن لم يكنْ مأذونًا له فى الإفطارِ فقد كُلِّفَ عُسرًا، ومُنِعَ يُسرًا.
وذلك غيرُ الذى أخبرَ اللهُ أنه أراده بخلقِه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
وأمّا منْ كانَ الصومُ غيرَ جاهدِه، فهو بمعنى الصحيحِ الذى يُطيقُ الصومَ، فعليه أداءُ فَرْضِه.
وأما قولُه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ فإن معناها: أيامًا معدودةً سوى هذه الأيامِ.
وأما "الأُخرُ" فإنها جمعُ "أُخرَى"، كجمعِهم (٣) "الكُبرَى" على "الكُبَرِ"، و"القُربى" على "القُرَبِ".
فإن قال قائلٌ: أو ليست "الأُخرُ" من صفةِ الأيامِ؟
قيل: بلَى.
[فإن قال: أوَليس واحدَ "الأيامِ" يومٌ وهو مذكَّرٌ؟
قيل: بلى] (٤).
فإن قال: فكيف يكون واحدُ "الأُخر" "أخْرى" وهى صفةٌ لليومِ ولم يكُنْ "آخر"؟
قيل: إنّ واحدَ "الأيامِ" وإنْ كان إذا نُعِت بواحدِ "الأُخر" فهو "آخر"، فإنّ الأيامَ فى الجمعِ تصيرُ إلى التأنيثِ، فتصيرُ نعوتُها وصفاتُها كهيئةِ صفاتِ المؤنثِ، كما يقالُ: مضَت الأيامُ جُمعُ.
ولا يقالُ: أجمعاتٌ (١)، ولا: أيامٌ أخرات (٢).
فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلّ ثناؤه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ومعنى ذلك عندك: فعليه عدَّةٌ من أيامٍ أُخرَ.
كما قد وصفتَ فيما مضَى، فإن كان ذلك تأويلَه، فما قولُك فى من كان مريضًا أو على سفرٍ فصامَ الشهرَ وهو ممن له الإفطارُ، أمُجزيه ذلك من صيامِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخَر، أم غيرُ مُجزِيه ذلك؟
وفرضُ صومِ عدَّةٍ من أيامٍ أُخرَ ثابتٌ عليه بهيئتِه وإن صامَ الشهرَ كلَّه؟
وهل لمن كان مريضًا أو على سفرٍ صيامُ شهرِ رمضانَ، أم ذلك محظورٌ عليه، وغيرُ جائزٍ له صومُه؟
والواجبُ عليه الإفطارُ فيه حتى يُقيمَ هذا ويَبرأَ هذا؟
قيل: قد اختلَفَ أهلُ العلمِ فى كلِّ ذلك، ونحن ذاكرُو اختلافِهم فى ذلك، ومخبرونَ بأَوْلاهُ بالصَّوابِ إنْ شاءَ اللهُ؛ فقال بعضُهم: الإفطارُ فى المرضِ عَزْمةٌ من اللهِ واجِبةٌ، وليس بترخيصٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإفطارُ فى السفرِ عزمةٌ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: أخبرَنا شعبةُ (٢)، عن يَعْلَى، عن يوسفَ بنِ الحَكَمِ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ -أو سُئِل- عن الصومِ فى السفرِ، فقال: أرأيت لو تصدّقتَ على رجُلٍ بصدقةٍ فردَّها عليك، ألم تغضَبْ؟
فإنها صدقةٌ مِن اللهِ تصدَّقَ بها عليكم (٣).
حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأودىُّ، قال: ثنا المحاربىُّ، عن عبدِ الملكِ بنِ حُمَيدٍ، قال: قال أبو جعفرٍ: كان أبى لا يصومُ فى السَّفرِ وينهى عنه (٤).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيْدٌ، عن الضَّحَّاكِ أنه كرِه الصومَ فى السفرِ (٥).
وقال أهلُ هذه المقالةِ: مَن صام فى السفرِ فعليه القضاءُ إذا أقام.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا (١) نصرُ بنُ علىٍّ الجَهْضَمِىُّ (٢)، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ ابنُ كُلْثومٍ، عن أبيه، عن رجلٍ، أن عمرَ أمَر الذى صام فى السفرِ أن يُعِيدَ (٣).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبى عَدِىٍّ، عن [شعبةَ، عن] (٤) عمْرِو بنِ دينارٍ، عن رجلٍ مِن بنى تميمٍ، عن أبيه، قال: أمَر عُمرُ رجُلًا صام فى السفرِ أن يُعِيدَ صومَه (٥).
حدَّثنى أبو (٦) حميْدٍ الحِمْصِىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن عُبَيْدِ اللهِ بنِ عمْرٍو، عن عبدِ الكريمِ، عن عطاءٍ، عن المُحَرَّرِ بنِ أبى هريرةَ، قال: كنتُ معَ أبى فى سفرٍ فى رمضانَ، فكنتُ أصومُ ويُفْطِرُ، فقال لى أبى: أمَا إنَّك إذا أقمتَ قضيتَ (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا سليمانُ بنُ داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُرَيْبَةَ، قال: سمِعتُ عروةَ يَأْمُرُ رجلًا صام فى السفرِ أن يَقْضِىَ (٨).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ مولى قُريبةَ أن رجلًا صام في السفرِ فأمَره عروةُ أن يَقضىَ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ صَبِيحٍ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، عن أبيه كلثومٍ أن قومًا قدِموا على عمرَ بنِ الخطابِ، وقد صاموا شهرَ رمضانَ في سفرٍ، فقال لهم: واللهِ، لكَأَنَّكم كنتُم تصومون.
فقالوا: واللهِ يا أميرَ المؤمنين، لقد صُمْنا.
قال: فأطَقْتُموه؟
قالوا: نعم.
قال: فاقْضُوه، فاقضوه، فاقضوه.
وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ أن اللهَ فرَض بقولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ صومَ شهرِ رمضانَ على مَن شهِده مقيمًا غيرَ مسافرٍ، وجعَل على مَن كان مريضًا أو مسافرًا صومَ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ غيرِ أيامِ شهرِ رمضانَ بقولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
قالوا: فكما غيرُ جائزٍ للمقيم إفطارُ أيامِ شهرِ رمضانَ وصومُ عِدَّةِ أيامٍ أُخَرَ مكانَها؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه بشهودِه الشهرَ صومُ الشهرِ دونَ غيرِه، فكذلك غيرُ جائزٍ لمَن لم يَشْهَدْه مِن المسافرينَ مقيمًا صومُه؛ لأن الذى فرَضه اللهُ عليه عِدَّةٌ مِن أيامٍ أُخَرَ.
واعتلُّوا أيضًا مِن الخبرِ بما حدَّثنا به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ الواسطىُّ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ محمدٍ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا عبدُ (١) اللهِ بنُ موسى، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ" (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ (١) اللهِ بنِ سعيدٍ، قال: ثنا [زيدُ، قال: أخبرنا] (٢) يزيدُ بنُ عِيَاضٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "الصّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ" (٣).
وقال آخرون: إباحةُ الإفطارِ في السفرِ رُخْصَةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه رخَّصها لعبادِه، والفرضُ الصومُ، فمَن صام ففَرْضَه (٤) أدَّى، ومَن أفطَر فبرخصةِ اللهِ له أفطَر.
قالوا: وإن صام في سفرِه (٥) فلا قضاءَ عليه إذا أقام.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا أيوبُ، قال: حدّث عُرْوَةُ وسالمٌ أنهما كانا عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ -إذ هو أميرٌ على المدينةِ- فتذاكَروا الصومَ في السفرِ، فقال سالمٌ: كان ابنُ عمرَ لا يصومُ في السفرِ.
قال عروةُ: كانت عائشةُ تصومُ.
فقال سالمٌ: إنما أُحَدِّثُ (٦) عن ابنِ عمرَ.
وقال عروةُ: إنما أُحَدِّثُ (٦) عن عائشةَ.
حتى ارتفَعتْ أصواتُهما، فقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: اللهمَّ غَفْرًا (١)، إذا كان يُسْرًا فصوموا، وإذا كان عُسْرًا فأفْطِروا (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، قال: حدَّثنى رجلٌ، قال: ذُكِر الصومُ في السفرِ عندَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ بَشَّارٍ (٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، ثنا ابنُ إسحاقَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: خرَج عمرُ بنُ الخطابِ في بعضِ أسفارِه في ليالٍ بَقِيتْ من رمضانَ، فقال: إن الشهرَ قد تَسَعْسَعَ (٤) -قال أبو كُرَيْبٍ في حديثه: أو تَسَغْسَغَ (٥)، ولم يَشُكَّ يعقوبُ- فلو صُمْنا!
فصام وصام الناسُ مَعَه، ثم أقبَل مرةً قافلًا حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ (٦) أهلَّ هلالُ شهرِ رمضانَ، فقال: إن اللهَ قد قضَى السفَرَ، فلو صُمْنا ولم نَثلِمْ (٧) شهرَنا!
قال: فصام وصام الناسُ معَه (٨).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: حدَّثنى أبى، وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارَةَ (١)، قال: حدثنا عُبَيْدُ اللهِ، قال: أخبرَنا بَشِيرُ بن سلمانَ، عن خَيْثَمَةَ، قال: سألتُ أنسَ بنَ مالكٍ عن الصومِ في السفرِ، فقال: قد أمَرتُ غلامى أن يصومَ فأبَى، قلتُ: فأين هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال: نزَلت ونحنُ يومئذٍ نَرْتَحِلُ جِياعًا ونَنْزِلُ على غيرِ شِبَعٍ، وإنَّا اليومَ نَرْتَحِلُ شِباعًا، ونَنْزِلُ على شِبعٍ (٢).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بَشيرِ بنِ سلمانَ، عن خَيْثَمَةَ، عن أنسٍ نحوَه.
حدَّثنا هنَّادٌ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن أنسٍ أنه سُئِل عن الصومِ في السفرِ فقال: من أفطَرَ فبرخصةِ اللهِ، ومن صام فالصومُ أفضلُ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أشعثَ بنِ عبدِ الملكِ، عن محمدِ بنِ عثمانَ بنِ أبى العاصِ، قال: الفطرُ في السفرِ رخصةٌ، والصومُ أفضلُ (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو الفَيْضِ، قال: [كان علينا أميرٌ] (٥) بالشامِ، فنهانا عن الصومِ في السفرِ، فسألتُ أبا قِرْصَافَةَ؛ رجُلًا مِن أصحابِ النبى ﷺ مِن بنى ليثٍ -قال عبدُ الصمدِ: سَمِعتُ رجُلًا مِن قومِه يقولُ: إنه واثلةُ بنُ الأسْقَعِ- قال: لو صُمْتُ في السفرِ ما قضيتُ (١).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بِسْطامَ بنِ مسلمٍ، عن عطاءٍ، قال: إن صُمْتُم أجْزَأَ عنكم، وإن أفطَرتم فرُخصةٌ.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن كَهْمَسٍ، قال: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ عن الصومِ في السفرِ، قال: إن صُمْتُم أجزَأَ عنكم، وإن أفطَرْتُم فرُخصةٌ (٢).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن طلحةَ بنِ عمْرٍو، عن عطاءٍ، قال: مَن صام فحقٌّ أدَّاه، ومَن أفطَرَ فرُخصةٌ أخَذ بها.
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: الفطرُ في السفرِ رُخصةٌ، والصومُ أفضلُ (٣).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن حَجَّاجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو تعليمٌ، وليس بعَزْمٍ (٤)، قولُ اللهِ جلّ وعزّ: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إن شاء صام، وإن شاء لم يَصُمْ (٥).
حدَّثنا هنَّادٌ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في الرجلِ يُسافِرُ في رمضانَ، قال: إن شاء صام، وإن شاء أفطَر (١).
حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، قال: ثنا العَوَّامُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: قلتُ لمجاهدٍ: الصومُ في السفرِ؟
قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ فيه ويُفْطِرُ، قال: قلتُ: فأيُّهما أحبُّ إليكَ؟
قال: إنما هى رُخصةٌ، وأن تصومَ رمضانَ أحبُّ إلىَّ (٢).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ (٣)، قال: ثنا شعبةُ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ وإبراهيمَ ومجاهدٍ أنهم قالوا: الصومُ في السفرِ، إن شاء صام، وإن شاء أفطَرَ، والصومُ أحبُّ إليهم (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، [حدثنا أبو داودَ] (٥)، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى إسحاقَ، قال: قال لى مجاهدٌ في الصومِ في السفرِ -يعنى صومَ شهرِ رمضانَ-: واللهِ، ما منهما إلَّا حلالًا (٦)؛ الصومُ والإفطارُ، وما أراد اللهُ بالإفطارِ إلَّا التيسيرَ لعبادِه (٧).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن [الأشعثِ ابنِ سُلَيمٍ] (٨)، قال: صحِبْتُ أبى والأسودَ بنَ يزيدَ وعمْرَو بنَ ميمونٍ وأبا وائلٍ إلى مكةَ، فكانوا (١) يصومون رمضانَ وغيرَه في السفرِ (٢).
حدَّثنى علىُّ بنُ الحسنِ الأزْدِىُّ، قال: ثنا مُعَافَى بنُ عِمرانَ، عن سفيانَ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: الفطرُ في السفرِ رُخصةٌ، والصومُ أفضلُ (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ سعيدٍ الواسطىُّ، قال: ثنا يعقوبُ الزُّهْرِىُّ، قال: ثنا صالحُ بنُ محمدِ بنِ صالحٍ، عن أبيه، قال: قلتُ للقاسمِ بنِ محمدٍ: إنا نُسافِرُ في الشتاءِ في رمضانَ، فإن صمتُ فيه كان أهْوَنَ علىَّ مِن أن أقْضِيَه في الحَرِّ؟
فقال: قال اللهُ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ما كان أيسرَ عليك فافعلْ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ أوْلَى عندنا بالصوابِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن مريضًا لو صام شهرَ رمضانَ -وهو مِمَّن له الإفطارُ لمرضِه- أن صومَه ذلك مُجْزِئٌ عنه، ولا قضاءَ عليه إذا برَأ مِن مرضِه بعدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ، فكان معلومًا بذلك أن حُكْمَ المسافرِ حكمُه في ألا قضاءَ عليه إن صامه في سفرِه؛ لأن الذى جُعِل للمسافرِ مِن الإفطارِ وأُمِر به مِن قضاءِ عِدَّةٍ مِن أيامٍ (٥) أُخَرَ، مثلُ الذى، جُعِلَ مِن ذلك للمريضِ وأُمِر به مِن القضاءِ.
ثم في دلالةِ الآيةِ كفايةٌ مُغْنِيةٌ عن استشهادِ شاهدٍ على صحةِ ذلك بغيرِها، وذلك قولُ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
فلا (١) عُسْرَ أعظمُ مِن أن يُلْزَمَ مَن صامَه في سفرِه عِدَّةً مِن أيامٍ أُخَرَ، وقد تكلَّفَ أداءَ فرْضِه في أثقلِ الحالينِ عليه حتى قضاه وأدَّاه.
فإن ظنَّ ذو غَبَاوةٍ أن الذى صامه لَمْ يكن فَرْضَه الواجبَ، فإنَّ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ ما يُنْبِئُ عن (٢) أن المكتوبَ صومُه مِن الشهورِ على كلِّ مؤمنٍ هو شهرُ رمضانَ، مسافرًا كان أو مقيمًا؛ لعمومِ اللهِ جلّ وعزّ المؤمنين بذلك بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ وأن قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ معناه: ومَن كَان مريضًا أو على سفرٍ فأفطرَ برُخصةِ اللهِ، فعليه صومُ عِدَّةٍ من أيامٍ أُخَرَ مكانَ الأيامِ التى أفطرَ في سفرِه أو مرضِه.
ثم في (٣) تظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بقولِه -إذ (٤) سُئِل عن الصومِ في السفرِ-: "إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وإنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ" الكفايةُ الكافيةُ عن الاستدلالِ على صحَّةِ ما قُلْنا في ذلك بغيرِه.
حَدَّثَنَا هنَّادٌ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ ووكيعٌ وعَبْدَةُ، عن (٥) هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، أن حمزةَ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن الصومِ في السفرِ، وكان يَسْرُدُ الصومَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن شِئْتَ فَصُمْ، وإن شِئْت فأفْطِرْ" (٦).
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ وعُبَيْدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّارىُّ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيه، أن حمزةَ سأل رسولَ اللهِ ﷺ.
فذكَر نحوَه (١).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبو زُرْعَةَ [وهبُ اللهِ] (٢) بنُ راشدٍ، قال (٣): أخبرَنا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخبرَنا أبو الأسودِ، أنه سمِع عروةَ بنَ الزبيرِ يُحَدِّثُ عن أبي مُرَاوحٍ، عن حمزةَ الأسلميِّ صاحبِ رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: يا رسولَ اللهِ، إنى أَسْرُدُ الصيامَ (٤)، فأصومُ في السفرِ؟
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّما هِىَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ للعبادِ، فمَنْ قبِلها (٥) فَحَسَنٌ جميلٌ، ومَن تَرَكَهَا فَلا جُناحَ عليه".
فكان حمزةُ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحَضَرِ، وكان عروةُ بنُ الزبيرِ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحضرِ، حتى إن كان لَيَمْرَضُ فما (٦) يُفْطِرُ، وكان أبو مُراوحٍ يصومُ الدهرَ، فيصومُ في السفرِ والحضرِ (٧).
ففى هذا، مع نظائرِه مِن الأخبارِ التى يطولُ باستيعابِها الكتابُ، الدلالةُ الدالَّةُ على صِحَّة ما قُلنا مِن أن الإفطارَ رُخصةٌ لا عَزْمٌ، والبيانُ الواضحُ على صِحَّةِ ما قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
فإن قال قائلٌ: فإن الأخبارَ بما قلتَ، وإن كانت متظاهرةً، فقد تظاهرتْ أيضًا بقولِه: "لَيْسَ مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ".
قيل: ذلك إذا كان [الصائمُ بمثلِ] (١) الحالِ التى جاء الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال في ذلك لمن قاله (٢) له.
حَدَّثَنِي الحسينُ بنُ يزيدَ السَّبِيعيُّ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ، عن جابرٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ رأَى رجُلًا في سفرٍ (٣)، قد ظُلِّلَ عليه، وعليه جماعةٌ فقال: "ما (٤) هَذَا؟
" قالوا: صائمٌ.
قال: "ليس [مِن البِرِّ] (٥) الصَّوْمُ في السَّفَرِ" (٦).
[قال أبو جعفر: أخشى أن يكونَ هذا الشيخُ غلِط، وبين ابن إدريسَ ومحمدِ ابنِ عبدِ الرحمنِ شعبةُ] (٧).
حَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن [محمدِ بنِ] (٨) عبدِ الرحمنِ بنِ سعدِ بنِ زُرَارَةَ الأنصارىِّ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ الحسنِ بنِ عليٍّ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: رأى رسولُ اللهِ ﷺ رجلًا قد اجْتَمَع الناسُ عليه، وقد ظُلِّلَ عليه، فقالوا: هذا رجلٌ صائمٌ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ليس مِن (١) البِرِّ أن تَصُومُوا في السَّفرِ" (٢).
فمَن بلَغ منه الصومُ ما بلَغ مِن الذى قال له النبيُّ ﷺ ذلك، فليس مِن البرِّ صومُه؛ لأنَّ اللهَ جلّ ثناؤه قد حرَّم على كلِّ أحدٍ تعريضَ نفْسِه لما فيه هلاكُها، وله إلى نجاتِها سَبِيلٌ، فإنما يُطْلَبُ البِرُّ بما ندَب اللهُ إليه، وحضَّ عليه مِن الأعمالِ، لا بما نهَى عنه.
وأَمَّا الأخبارُ التى رُوِيت عنه ﷺ مِن قولِه: "الصَّائِمُ في السَّفَرِ كالمُفْطِرِ في الحَضَرِ".
فقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قِيل لمن بلَغ منه الصومُ ما بلَغ من هذا الذى ظُلِّل عليه، إن كان قيل (٣) ذلك، وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قيلُ ذلك؛ لأنَّ الأخبارَ التى جاءت بذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ واهيةُ الأسانيدِ لا يجوزُ الاحتجاجُ بها في الدِّينِ.
وإن قال قائلٌ: وكيف عطَف على "المريضِ" -وهو اسمٌ- بقولِه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ و"على" صفةٌ لا اسمٌ؟
قِيل: جاز أن يُنْسَقَ [بـ"على"] (٤) على "المريضِ"؛ لأنَّها في معنى الفعلِ، وتأويلُ ذلك: أو مسافرًا.
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [يونس: ١٢] فعطَف بالقاعدِ والقائمِ على اللامِ التى في ﴿لِجَنْبِهِ﴾ لأنَّ معناها الفعلُ، كأنه قال: دعانا مُضْطَجِعًا أو قاعدًا أو قائمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يُرِيدُ اللهُ بكم أيُّها المؤمنون -بترخيصِه لكم في حالِ مرضِكم وسفرِكم في الإفطارِ، وقضاءِ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ مِن الأيامِ التى أفطَرْتُموها بعدَ إقامتِكم وبعدَ بُرْئِكم مِن مرضِكم- التخفيفَ عليكم، والتسهيلَ عليكم؛ لعلمِه بمشقَّةِ ذلك عليكم في هذه الأحوالِ.
﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ يقولُ: ولا يُرِيدُ بكم الشدَّةَ والمشقَّةَ عليكم، فيُكَلِّفَكم صومَ الشهرِ في هذه الأحوالِ، مع علْمِه بشدَّةِ ذلك عليكم، وثِقَلِ حِمْلِه عليكم لو حمَّلكم صومَه.
كما حَدَّثَنِي المثُنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ قال: اليُسْرُ الإفطارُ في السفرِ، والعُسْرُ الصِّيامُ في السفرِ (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الصومِ في السفرِ، فقال: يُسْرٌ وعُسْرٌ، فَخُذْ بيُسرِ اللهِ (٢).
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن شِبْلٍ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ قال: هو الإفطارُ في السفرِ، وجَعْلُ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخَرَ، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: فأريدُوا لأنفسِكم ما (١) أراد اللهُ بكم (٢).
حَدَّثَنَا المُثَنَّي، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا تَعِبْ على مَن صام ولا على مَن أفطَرَ -يعنى في السفرِ في رمضانَ- ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفَضْلُ (٣) بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ فى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾: الإفطارُ في السفرِ، ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾: الصيامُ في السفرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عِدَّةَ ما أفطرْتُم، [من أيامِ شهرِ رمضانَ في سفرِكم أو مرضِكم] (٤)، مِن أيامٍ أُخَرَ، أوْجَبْتُ عليكم قضاءَ عِدَّةٍ مِن أيامٍ أُخرَ بعدَ بُرْئِكم مِن مرضِكم، أو إقامتِكم مِن سفرِكم.
كما حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال: عِدَّةَ ما أفطرَ المريضُ والمسافرُ (١).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ قال: إكمالُ العدةِ أن يصومَ ما أفطَرَ مِن رمضانَ في مرضٍ أو سفرٍ أن يُتِمَّه، فإذا أتمَّه فقد أكمَل العدةَ.
فإن قال لنا قائلٌ: ما الذى عليه بهذه الواوِ التى في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عُطِفَتْ؟
قيل: اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: هى عاطفةٌ على ما قبلَها، كأنه قيل: ويُرِيدُ لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهَ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (٢): هذه اللامُ التى في قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾ لامُ "كى"، لو أُلْقِيتْ كان صوابًا.
قال: والعربُ تُدْخِلُها في كلامِها على إضمارِ فعلٍ بعدَها، ولا يكونُ شرطًا للفعلِ الذى قبلَها وفيها الواوُ، ألا تَرَى أنك تقولُ: جئتُك لتُحْسِنَ إليَّ.
ولا تقولُ: جئتُك وَلِتُحْسِنَ إليَّ.
فإذا قلتَه فأنت تُرِيدُ: ولِتُحْسِنَ جئتُك.
قال: وهذا في القرآنِ كثيرٌ، منه قولُه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ﴾ [الأنعام: ١١٣].
وقولُى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥].
لو لَمْ تكن فيه الواوُ كان شرطًا على قولِك: أرَيْناه ملكوتَ السماواتِ والأرضِ ليكونَ.
فإذا كانت الواوُ فيها فلها فِعلٌ مُضْمَرٌ بعدَها: وليكونَ مِن المُوقِنين أرَيْناه.
وهذا القولُ أوْلَى بالصوابِ فى العربيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ ليس قبلَه لامٌ بمعنى اللامِ التى فى قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ فيعطفَ بقولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عليها، وأن دخولَ الواوِ معَها يُؤْذِنُ بأنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها، إذ كانت الواوُ لو حُذِفت كانت شرطًا لما قبلَها مِن الفعلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
يعنى بذلك: ولِتُعَظِّموا اللهَ بالذكْرِ له بما أنعَمَ عليكم به مِن الهدايةِ التى خذَّل عنها غيرَكم مِن أهلِ المِلَلِ الذين كتَب عليهم مِن صومِ شهرِ رمضانَ مثلَ الذى كتَب عليكم منه (١)، فضلُّوا عنه بإضلالِ اللهِ إيَّاهم، وخصَّكم بكرامتِه فهداكم له، ووفَّقكم لأداءِ ما كتَب عليكم مِن صومِه، وتَشْكُروه على ذلك بالعبادةِ له.
والذكرُ الذى حضَّهم اللهُ جلّ ثناؤه على تعظيمِه به (٢) التكبيرُ يومَ الفطرِ فيما تأوَّله جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نَصْرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن داودَ بنِ قيسٍ، قال: سمِعتُ زيدَ بنَ أسلمَ يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: إذا رُئى (٣) الهلالُ، فالتكبيرُ مِن حين يُرَى الهلالُ حتى يَنْصَرِفَ الإمامُ فى الطريقِ والمسجدِ، إلَّا أنه إذا حضَر الإمامُ كُفَّ فلا يُكَبَّرُ إلَّا بتكبيرِه (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المبُاركِ، قال: سمِعتُ سفيانَ يقولُ: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال: بلَغَنا أنه التكبيرُ يومَ الفطرِ.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: حقٌّ على المسلمين إذا نَظروا إلى هلالِ شَوَّالٍ أن يُكَبِّروا اللهَ حتى يَفْرُغوا مِن عيدِهم؛ لأن اللهَ يقولُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (١).
قال ابنُ زيدٍ: يَنْبَغِى لهم إذا غَدَوْا إلى المُصَلَّى كَبَّروا، فإِذا جلَسوا كبَّروا، فإذا جاء الإمامُ صمَتوا، فإذا كبَّر الإمامُ كبَّروا، لا يُكَبِّرون إذا جاء الإمامُ إلَّا بتكبيرِه، حتى إذا فرَغ وانْقَضَتِ الصلاةُ فقد انقضى العيدُ.
قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ: والجماعةُ عندَنا على أن يَغْدُوا بالتكبيرِ إلى المُصَلَّى.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: ولِتَشْكُروا اللهَ على ما أنعَم به عليكم مِن الهدايةِ والتوفيقِ، وتيسيرِ ما لو شاء عسَّره عليكم.
و"لعلّ" فى هذا الموضعِ بمعنى "كى"، ولذلك عُطِف به على قولِه: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: وإذا سألك يا محمدُ عبادى عنِّى أين أنا؟
فإنى قريبٌ منهم، أَسْمَعُ دعاءهم، وأُجِيبُ دعوةَ الداعى منهم.
وقد اخْتَلَفوا فيما أُنْزِلتْ فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلت فى سائلٍ سأل النبىَّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، أقريبٌ ربُّنا فَنُناجِيَه، أمْ بعيدٌ فَنُنادِيَه؟
فأَنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية.
حدَّثنا بذلك ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عَبْدَةَ السِّجِسْتانِىِّ (١)، عن الصُّلْبِ (٢) بنِ حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: سأل أصحابُ النبىِّ ﷺ النبىَّ ﷺ: أينَ ربُّنا؟
فأنْزَل اللهُ جلّ وعزّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية (٤).
وقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لمسألةِ قومٍ سأَلوا النبىَّ ﷺ: أىُّ ساعةٍ يدعُون اللهَ فيها؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: لماَّ نزَلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال: قالوا: فى أىِّ ساعةٍ؟
قال: فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ إلى قولِه: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قالوا: لو علِمْنا أىَّ ساعةٍ ندعو؟
فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية.
حدَّثنى القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: زعَم عطاءُ بنُ أبى رَبَاحٍ أنه بلَغه لمَّا نزَلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال الناسُ: لو نَعْلَمُ أىَّ ساعةٍ ندعو؟
فنزَلت: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾.
حدّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ قال: ليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يدعُو اللهَ إلَّا اسْتَجَاب له، فإن كان الذى يَدْعو به هو له رزقٌ فى الدنيا أعطاه إياه (٢)، وإن لم يكنْ له رزقًا فى الدنيا ذخَره له إلى يومِ القيامةِ، أو (٣) دفَع به عنه مكروهًا (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: [حدثنا أبو المهنَّا، قال] (٥): ثنا الليثُ بنُ سعدٍ، عن [عبدِ اللهِ] (٥) ابنِ صالحٍ، عمَّن حدَّثه، أنه بلَغه أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ما أُعْطِىَ أَحَدٌ الدُّعاءَ فَمُنِعَ (١) الإجابَةَ؛ لأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٢) [غافر: ٦٠].
ومعنى مُتأوِّلى هذا التأويلِ: وإذا سألك [يا محمدُ] (٣) عبادى عنِّى؛ أىُّ ساعةٍ يدعوننى، فإنى منهم قريبٌ فى كلِّ وقتٍ أُجِيبُ دعوةَ الداعِى إذا دعانِى.
وقال آخَرون: بل نزَلت جوابًا لقولِ قومٍ قالوا -إذ قال اللهُ لهم: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ -: إلى أين نَدْعوه؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟
فنزلتْ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) [البقرة: ١١٥].
وقال آخرون: بل نزَلتْ جوابًا لقومٍ قالوا: كيف ندْعو.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أنه لمَّا أنْزَل اللهُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قال رجالٌ: كيفَ ندعو يا نبىَّ اللهِ؟
فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ إلى قولِه: ﴿يَرْشُدُونَ﴾ (٥).
وأمَّا قولُه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾.
فإنه يعنى به: فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ.
يقالُ منه: استجبتُ له واستجبتُه.
بمعنى: أجبتُه.
كما قال كعبُ بنُ سعدٍ الغَنَوىُّ (١): وَدَاعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدَى … فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عندَ ذَاكَ مُجِيبُ يُرِيدُ: فلم يُجِبْه.
وبنحوِ ما قلنا فى ذلك قال [أهلُ التأويلِ] (٢)؛ مجاهدٌ وجماعةٌ غيرُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ قال: فَلْيُطِيعوا لى.
قال: الاستجابةُ الطاعةُ (٣) حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ عن قولِه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ قال: طاعةُ اللهِ.
وقال بعضُهم: معنى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: فَلْيَدْعُونى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ، قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾: فَلْيَدْعونى.
وأمَّا قولُه: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ فإنه يعنى: وَلْيُصَدِّقوا (٤) -إذا هم استجابوا لى بالطاعة- أنى لهم مِن وراءِ طاعتِهم لى فى الثوابِ عليها وإجزالى الكرامةَ لهم عليها.
وأمَّا الذى تأوَّل قولَه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا﴾ بمعنى: فَلْيَدْعونى.
فإنه كان يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أى: وَلْيُؤْمِنوا بى أنى أَسْتَجِيبُ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى منصورُ بنُ هارونَ، عن أبى رجاءٍ الخُراسانىِّ: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ يقولُ: أنى أَسْتَجِيبُ لهم.
وأمَّا قولُه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ فإنه يعنى: فَلْيَسْتَجِيبوا لى بالطاعةِ، وَلْيُؤْمِنوا بى فَيُصَدِّقوا على طاعتِهم إيَّاى بالثوابِ منِّى لهم؛ ليَهْتَدوا (١) بذلك مِن فعلِهم [ويَرْشُدوا] (٢).
كما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بن سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ يقول: لعلَّهم يَهْتَدون (٣).
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى هذا القولِ مِن اللهِ، فأنت تَرَى كثيرًا مِن البشرِ يَدْعون اللهَ فلا يُستجابُ لهم دعاءٌ، وقد قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؟!
قيل: إن لذلك وجهينِ مِن المعنى؛ أحدُهما: أن يكونَ مَعْنِيًّا بالدعوةِ العملُ بما ندَب اللهُ إليه أو أمَر به، فيكونَ تأويلُ الكلامِ: وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريبٌ ممَّن أطاعنى وعمِل بما أمَرتُه به؛ أُجِيبُه بالثوابِ على طاعتِه إيَّاى إذا أطاعنى.
فيكونُ معنى الدعاءِ مسألةَ العبدِ ربَّه ما وعَد أولياءَه على طاعتِهم بعمَلِه (٤) بطاعتِه، ومعنى الإجابةِ مِن اللهِ التى ضمِنها له الوفاءَ له بما وعَد العاملين له بما أمَرهم به، كما رُوِى عن النبىِّ ﷺ مِن قولِه: "إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ".
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ (١)، عن الأعمشِ، عن ذَرٍّ، عن يُسَيْعٍ (٢) الحَضْرَميِّ، عن النعمانِ بنِ بَشيرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ الدُّعاءَ هُوَ العِبَادَةُ".
ثُمَّ قرَأ: " ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٣).
فأخْبَر ﷺ أن دعاءَ اللهِ إنما هو عبادتُه ومسألتُه بالعملِ له والطاعةِ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك ذُكِر أن الحسنَ كان يقولُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني منصورُ بنُ هارونَ، عن عبدِ اللهِ بنِ المباركِ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن الحسنِ أنه قال فيها: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
قال: اعْمَلُوا وأبْشِروا، فإنه حقٌّ على اللهِ أن يَسْتَجِيبَ للذينَ آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ ويَزِيدَهم مِن فضلِه (٤).
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ معناه: أجِيبُ دعوةَ الداعي إذا دعانِ إن شئتُ، فيكونُ ذلك -وإن كان عامًّا مخرجُه في التلاوةِ- خاصًّا معناه (*).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾: أُطْلِقَ لكم وأُبِيحَ.
ويعنى بقولِه: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾: في ليلةِ الصيامِ.
فأمَّا ﴿الرَّفَثُ﴾ فإنه كنايةٌ عن الجمَاعِ في هذا الموضعِ، يقال: هو الرَّفَثُ والرُّفُوثُ.
وقد رُوِى أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ: (أُحِلَّ لكم ليلةَ الصيامِ الرُّفوثُ إلى نسائِكم) (١).
وبمثلِ الذى قُلْنا في تأويلِ "الرَّفَثِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِى (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّى، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ النكاحُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: الرفثُ غِشيانُ النساءِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
قال: الجِماعُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ هو النكاحُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الكبيرِ البصريُّ، قال: ثنا الضَّحَّاكُ بنُ عثمانَ، قال: سألتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ عن قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
قال: هو الجماعُ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
يقولُ: الجماعُ (٣).
والرفثُ في غيرِ هذا الموضعِ الإفحاشُ في المنطِقِ، كما قال العَجّاجُ (٤): عَنِ اللَّغا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: نساؤُكم لباسٌ لكم، وأنتم لباسٌ لهنَّ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ نساؤُنا لباسًا لنا ونحن لهنَّ لباسًا، واللباسُ إنما هو ما لُبِسَ؟
قيل: لذلك وجهان من المعاني: أحدُهما: أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما جُعِل لصاحبِه لباسًا، لِتخرُّجِهما (١) عندَ النومِ واجتماعِهما في ثوبٍ واحدٍ وانضمامِ جسدِ كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه، بمنزلةِ ما يَلْبَسُه على جسدِه مِن ثيابِه، فقيل لكلِّ واحدٍ منهما: هو لباسٌ لصاحبِه.
كما قال نابغةُ بني جَعْدَةَ (٢): إذَا ما الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَها (٣) … تَدَاعَتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسَا ويُرْوَى: تَثَنَّت.
فكَنَى عن اجتماعِهما مُتَجَرِّدَينِ في فراشٍ واحدٍ باللباسِ، كما يُكْنَى بالثيابِ عن جسدِ الإنسانِ، كما قالت ليلى (٤) وهي تَصِفُ إبِلًا ركِبها قومٌ: رَمَوها بأثْوَابٍ خِفافٍ فلَا تَرَى … لَهَا شَبَهًا إلَّا النَّعامَ المنُفَّرَا يعني: رمَوها بأنفسِهم فركِبوها.
وكما قال الهُذَليُّ (٥): تَبَرَّأُ مِنْ دَمِّ القَتِيلِ وبَزِّه (٦) … وقَدْ عَلِقَتْ دَمَّ القَتِيلِ إزَارُها يعني بـ "إزارُها" نفسَها، وبذلك كان الربيعُ يقولُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
يقولُ: هنَّ لحافٌ لكم، وأنتم لحافٌ لهنَّ (١).
والوجهُ الآخَرُ: أن يكونَ جُعِل كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه لباسًا؛ لأنه سكَنٌ له، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [الفرقان: ٤٧].
يعني بذلك: سكنًا تسكُنون فيه.
وكذلك زوجةُ الرجلِ سَكَنُه، يَسْكُنُ إليها، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
فيكونَ كلُّ واحدٍ منهما لباسًا لصاحبِه، بمعنى سكونِه إليه.
وبذلك كان مجاهدٌ وغيرُه يقولون في ذلك.
وقد يُقالُ لِما ستَر الشيْءَ وواراه عن أبصارِ الناظِرِين إليه: هو لباسُه وغشاؤُه.
فجائزٌ أن يكونَ قيلَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
بمعنى أن كلَّ واحدٍ منكم سِتْرٌ لصاحبِه فيما يكونُ بينَكم مِن الجماعِ عن أبصارِ سائرِ الناسِ.
وكان مجاهدٌ وغيرُه يقولون في ذلك بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ يقولُ: سَكَنٌ لهنَّ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.
قال قتادةُ: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌ لهنَّ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ يقولُ: سَكَنٌ لكم.
﴿وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ يقولُ: سكنٌ لهنَّ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال: المُواقَعَةُ.
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إبراهيمُ، عن يزيدَ، عن عمْرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ قال: هنَّ سَكَنٌ لكم، وأنتم سَكَنٌ لهنَّ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
إن قال لنا قائلٌ: وما هذه الخيانةُ التي كان القومُ يَخْتانونها أنفسَهم التي تاب اللهُ منها عليهم فعفا عنهم؟
قيل: كانت خيانتُهم أنفسَهم، التي ذكَرها اللهُ، في شيئين: أحدُهما، جماعُ النساءِ.
والآخَرُ، المَطْعَمُ والمشرَبُ في الوقتِ الذي كان حرامًا ذلك عليهم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، قال: ثنا ابنُ أبي ليلى، أن الرجلَ كان إذا أفطَر فنام لم يأتِها، وإذا نام لم يَطْعَمْ، حتى جاء عمرُ بنُ الخطابِ يُرِيدُ امرأتَه فقالتِ امرأتُه: قد كنتُ نمتُ.
فظنَّ أنها تَعْتَلُّ فوقَع بها.
قال: وجاء رجُلٌ مِن الأنصارِ فأراد أن يَطْعَمَ فقالوا: نُسَخِّنُ لك شيئًا؟
قال: ثم أُنْزِلَت هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا حُصَيْنُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قال: كانوا يصومون ثلاثةَ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، فلمَّا دخَل رمضانُ كانوا يصومون، فإذا لم يَأْكُلِ الرجلُ عندَ فِطْرِه حتى ينامَ، لم يَأْكُلْ إلى مثلِها، وإن نام أو نامتِ امرأتُه، لم يَكُنْ له أن يأتيَها إلى مثلِها، فجاء شيخٌ مِن الأنصارِ يقالُ له: صِرْمةُ بنُ مالكٍ (٢).
فقال لأهلِه: أطْعِموني.
فقالت: حتى أجْعَلَ لك شيئًا سُخْنًا.
قال: فغلَبتْه عينُه فنام.
ثم جاء عمرُ فقالت له امرأتُه: إني قد نمتُ.
فلم يَعْذِرْها، وظنَّ أنها تَعْتَلُّ فواقَعَها، فبات هذا وهذا يَتَقَلَّبان ليلتَهما ظَهْرًا وبطنًا، فأنْزَلَ اللهُ في ذلك: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
وقال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.
فعفا اللهُ عن ذلك، وكانت سُنَّةً (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيْرٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ [عبدِ اللهِ ابنِ] (٤) عُتبةَ، عن عمْرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن مُعاذِ بنِ جبلٍ، قال: كانوا يأكُلون ويَشْرَبون ويأتون النساءَ ما لم يناموا، فإذا ناموا ترَكوا الطعامَ والشرابَ وإتيانَ النساءِ، فكان رجُلٌ مِن الأنصارِ يُدْعَى أبا صِرْمةَ يَعْمَلُ في أرضٍ له.
قال: فلمَّا كان عندَ فِطْرِه نام، فأصبَح صائمًا قد جهِد، فلمَّا رآه النبيُّ ﷺ قال: "مَا لي أرَى بكَ جَهْدًا؟
" فأخبَرَه بما كان مِن أمْرِه.
واختان رجُلٌ نفسَه في شأنِ النساءِ، فأنزَلَ اللهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ نحوَ حديث ابنِ أبي ليلى [الذي حدَّث به عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى] (٢)، قال: كانوا إذا صاموا ونام أحدُهم لم يَأْكُلْ شيئًا حتى يكونَ مِن الغدِ، فجاء رجلٌ مِن الأنصارِ، وقد عمِل في أرضٍ له، وقد أعْيا وكَلَّ، فغلَبَتْه عينُه فنام، وأصبَح مِن الغدِ مجهودًا، فنزلت هذه الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ إذا كان الرجلُ صائمًا فنام قبلَ أن يُفْطِرَ لم يأكلْ إلى مثلِها، وإن قيسَ بنَ صِرْمةَ الأنصاريَّ كان صائمًا، وكان توجَّه ذلك اليومَ فعمِل في أرضِه، فلمَّا حضَر الإفطارُ أتَى امرأتَه، فقال: هل عندكم طعامٌ؟
قالت: لا، ولكن أَنْطَلِقُ فأَطْلُبُ لك.
فغَلَبَتْه عينُه فنام، وجاءتِ امرأتُه قالت: قد نمتَ؟!
فلم يَنْتَصِفِ النهارُ حتى غُشِىَ عليه، فذكَرت ذلك للنبيِّ ﷺ، فنزَلت فيه هذه الآيةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
إلى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
ففرِحوا بها فرحًا شديدًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليَّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾: وذلك أن المسلمين كانوا في شهرِ رمضانَ إذا صلَّوُا العشاءَ حرُم عليهم النساءُ والطعامُ إلى مثلِها مِن القابلةِ، ثم إن أُناسًا مِن المسلمين أصابوا الطعامَ والنساءَ في رمضانَ بعدَ العِشاءِ، منهم عمرُ بنُ الخطابِ، فشكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.
يعني: انْكِحُوهنَّ، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المبُارَكِ، عن ابنِ (٢) لَهِيعَةَ، قال: حدَّثني موسى بنُ جبيرٍ مولى بني سَلِمةَ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بنَ كعبِ بنِ مالكٍ يُحَدِّثُ عن أبيه، قال: كان الناسُ في رمضانَ إذا صام الرجلُ فأمسى فنام، حرُم عليه الطعامُ والشرابُ والنساءُ حتى يُفْطِرَ مِن الغدِ، فرجَع عمرُ بنُ الخطابِ مِن عندِ النبيِّ ﷺ ذاتَ ليلةٍ وقد سمَر عندَه، فوجَد امرأتَه قد نامت فأرادها، فقالت: إني قد نِمْتُ.
فقال: ما نمتِ.
ثم وقَع بها.
وصنَع كعبُ بنُ مالكٍ مثلَ ذلك، فغدا عمرُ بنُ الخطابِ إلى النبيِّ ﷺ فأخْبَره، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجَّاجُ، قال: ثنا حمّادُ بنُ سلَمةَ، قال: ثَنا ثابتٌ أن عمرَ بنَ الخطابِ واقَع أهلَه ليلةً في رمضانَ، فاشتدَّ ذلك عليه، فأنزَل اللهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ إلى: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾: كان الناسُ أوَّلَ ما أسلَموا إذا صام أحدُهم يَصومُ يومَه، حتى إذا أمسى طعِم مِن الطعامِ فيما بينَه وبينَ العَتَمةِ، حتى إذا صُلِّيَتْ حَرُم عليهم الطعامُ حتى يُمْسِىَ مِن الليلةِ القابلةِ، وإن عمرَ بنَ الخطابِ بينما هو نائمٌ، إذ سوَّلتْ له نفسُه، فأتَى أهلَه لبعضِ حاجتِه، فلمَّا اغْتَسَل أخَذ يَبْكِي ويلومُ نفسَه، كأشدِّ ما رأيت مِن المَلامةِ، ثم أتَى رسولَ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أعْتَذِرُ إلى اللهِ وإليك مِن نفسِي هذه الخاطئةِ، فإنها زيَّنت لي فواقعتُ أهلي، هل تَجِدُ لي مِن رُخصةٍ يا رسولَ اللهِ؟
قال: "لم تَكُنْ حَقِيقًا بذلك يا عُمَرُ".
فلمَّا بلَغ بيتَه، أرسَلَ إليه فأنبأه بعُذْرِه في آيةٍ مِن القرآنِ، وأمَر اللهُ رسولَه أن يَضَعَها في المائةِ الوُسْطى مِن سورةِ "البقرةِ"، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يعني بذلك الذي فعَل عمرُ بنُ الخطابِ، فأنزَل اللهُ عَفْوَه، فقال: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى: ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ فأحَلَّ لهم المُجامعةَ والأكْلَ والشُّربَ حتى يَتَبَيَّنَ لهم الصبحُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قال: كان الرجلُ مِن أصحابِ محمد ﷺ يصومُ الصيامَ بالنهارِ، فإذا أمسَى أكَل وشرِب وجامَع النساءَ، فإذا رقَد حرُم ذلك كلُّه عليه إلى (١) مثلِها مِن القابلةِ، وكان منهم رجالٌ يختانون أنفسَهم في ذلك، فعفا اللهُ عنهم، وأَحَلَّ لهم (٢) بعدَ الرُّقَادِ وقبلَه في الليلِ كلِّه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أصحابُ النبيِّ ﷺ يصومُ الصائمُ في رمضانَ، فإذا أَمْسَى.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدِ بنِ عمْرٍو، وزاد فيه: وكان منهم رجالٌ يَخْتانُون أنفسَهم، وكان عمرُ بنُ الخطابِ ممَّن يَختانُ (٤) نفسَه، فعفا اللهُ عنهم، وأَحَلَّ ذلك لهم بعدَ الرُّقادِ وقبلَه، وفي الليلِ كُلِّه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرني إسماعيلُ بنُ شَرُوسٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أن رجُلًا قد سمَّاه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأنصارِ جاء ليلةً وهو صائمٌ، فقالت له امرأتُه: لا تَنَمْ حتى نَصْنَعَ لك طعامًا.
فنام، فجاءت فقالت: نِمْتَ واللهِ!
قال: لا واللهِ.
قالت: بلى واللهِ.
فلم يَأْكُلْ تلك الليلةَ وأصبَحَ صائمًا، فغُشِيَ عليه وأُنْزِلَت الرُّخصةُ فيه (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾: وكان بدءَ (١) الصيامِ أُمِروا [بصيامِ ثلاثةِ] (٢) أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وركعتين غُدْوَةً، وركعتينِ عشيَّةً، فأحَلَّ اللهُ لهم في صيامِهم في ثلاثةِ أيامٍ، وفي أوَّلِ ما افْتَرَض اللهُ عليهم في رمضانَ إذا أفْطَروا، وكان الطعامُ والشرابُ، وغِشيانُ النساءِ لهم حلالًا ما لم يَرْقُدوا، فإذا رقَدوا حَرُم عليهم ذلك إلى مثلِها مِن القابلةِ، وكانت خيانةُ القومِ أنهم كانوا يُصِيبون، أو يَنالون، مِن الطعامِ والشرابِ وغِشْيانِ النساءِ بعدَ الرقادِ، وكانت تلك خيانةَ القوم أنفسَهم، ثم أحَلَّ اللهُ لهم ذلك الطعامَ والشرابَ وغِشيانَ النساءِ إلى طلوعِ الفجرِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ قال: كان الناسُ قبلَ هذه الآيةِ إذا رقَد أحدُهم مِن الليلِ رقدةً، لم يَحِلَّ له طعامٌ ولا شرابٌ، ولا أن يأتيَ امرأتَه إلى الليلةِ المُقْبِلةِ، فوقَع بذلك بعضُ المسلمين؛ فمنهم مَن أكَل بعدَ هَجْعتِه (٤) أو شرِب، ومنهم مَن وقَع على امرأتِه، فرخَّص اللهُ ذلك لهم (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كُتِبَ على النصارَى رمضانُ، وكُتِب عليهم ألا يأكُلوا ولا يشرَبوا بعد النومِ، ولا يَنكِحوا النساءَ شهرَ رمضانَ، فكُتِب على المؤمنين كما كُتِب عليهم، فلم يَزَلِ المسلمون على ذلك يَصْنَعون كما تصنعُ النصارَى، حتى أقبَلَ رجلٌ مِن الأنصارِ يُقالُ له: أبو قيسِ بنُ صِرْمةَ.
وكان يعمَلُ في حِيطانِ (١) المدينةِ بالأجْرِ، فأتَى أهلَه بتمرٍ، فقال لامرأتِه: استَبدِلي بهذا التمرِ طَحِينًا فاجْعَلِيه سَخينةً (٢) لعلِّي أن آكُلَه، فإن التمرَ قد أحْرَق جَوْفي.
فانْطَلَقَتْ فاسْتَبْدَلتْ له، ثم صنَعتْ، فأبطأتْ عليه فنام، فأيْقَظَتْه، فكرِه أن يَعْصِيَ اللهَ ورسولَه، وأبَى أن يَأكُلَ، وأصبَح صائمًا، فرآه رسولُ اللهِ ﷺ بالعَشِيِّ، فقال: "مَا لَكَ يا أبا قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَلِيحًا (٣)؟
" فقصَّ عليه القصةَ، وكان عمرُ بنُ الخطابِ وقَع على جاريةٍ له في ناسٍ مِن المؤمنين لم يَمْلِكوا أنفسَهم، فلمَّا سمِع عمرُ كلامَ أبي قيسٍ رهِب أن يَنْزِلَ (٤) في أبي قيسٍ شيْءٌ، فتذكَّر هو، فقام فاعْتَذَر إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أَعُوذُ باللهِ، إني وقَعْتُ على جاريتي، ولم أَمْلِكْ نفسي البارحةَ.
فلمَّا تكلَّم عمرُ تكلَّم أولئك الناسُ، فقال النبيُّ ﷺ: "ما كُنْتَ جَدِيرًا بذلك يا بْنَ الخَطَّابِ".
فنُسِخ ذلك عنهم، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ يقولُ: أنكم تَقَعُون عليهنَّ خيانةً، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ.
ورجَع إلى أبي قيسٍ فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
قال: كانوا في رمضانَ لا يَمَسُّون النساءَ ولا يَطْعَمون ولا يَشْرَبون بعدَ أن يَناموا حتى الليلِ مِن القابلةِ، فإن مَسُّوهنَّ قبلَ أن يَناموا لم يَرَوْا بذلك بأسًا، فأصاب رجلٌ مِن الأنصارِ امرأتَه بعدَ أن نام، فقال: قد اخْتَنتُ نفسي.
فنزَل القرآنُ، فأحَلَّ لهم النساءَ والطعامَ والشرابَ حتى يَتَبَيَّنَ لهم الخيطُ الأبيضُ مِن الخيطِ الأسودِ مِن الفجرِ.
قال: وقال مجاهدٌ: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ يَصومُ الصائمُ منهم في رمضانَ، فإذا أمسَى أكَل وشرِب وجامَع النساءَ، فإذا رقَد حَرُم عليه ذلك كلُّه حتى كمثلِها مِن القابلةِ، وكان منهم رجالٌ يَخْتَانون أنفسَهم في ذلك، فعفا عنهم وأَحلَّ لهم بعدَ الرقادِ وقبلَه في الليلِ، فقال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ مثلَ قولِ مجاهدٍ، وزاد فيه أن عمرَ بنَ الخطابِ قال لامرأتِه: لا تَرْقُدِي حتى أَرْجِعَ مِن عندِ رسولِ اللهِ ﷺ.
فرقَدت قبلَ أن يَرْجِعَ، فقال لها: ما أنتِ براقدةٍ.
ثم أصابها حتى جاء إلى النبيِّ ﷺ فذكَر ذلك له، فنزَلت هذه الآيةُ.
قال عكرمةُ: نزَلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ الآية.
في أبي قيسِ بنِ صِرْمةَ مِن بني الخَزْرَجِ أكَل بعدَ الرُّقادِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ يحيى بنِ حِبَّانَ أن صِرْمةَ بنَ أنسٍ أتَى أهلَه ذاتَ ليلةٍ وهو شيخٌ كبيرٌ وهو صائمٌ، فلم يُهَيِّئوا له طعامًا، فوضَع رأسَه فأَغْفَى، وجاءته امرأتُه بطعامِه، فقالت له: كُلْ.
فقال: إني قد نمتُ.
قالت: إنك لم تَنَمْ.
فأصبَح جائعًا مجهودًا، فأنزَل اللهُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١).
فأمَّا المبُاشرةُ في كلامِ العربِ، فإنه مُلاقاةُ بَشَرَةٍ ببَشَرَةٍ، وَبَشَرَةُ الرجلِ: جلدتُه الظاهرةُ.
وإنما كنَى اللهُ بقولِه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ عن الجماعِ، يقولُ: فالآن إذ أحْلَلتُ لكم الرَّفَثَ إلى نسائِكم، فجامِعوهنَّ في ليالي شهرِ رمضانَ حتى يَطْلُعَ الفجرُ.
وهو تَبَيُّنُ الخيطِ الأبيضِ مِن الخيطِ الأسودِ مِن الفجرِ.
وبالذى قُلْنا في المباشرةِ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ (٢)، قال: ثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، وحدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ ابنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ كريمٌ يَكْنِى (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنيِّ، عن ابنِ عباسٍ نحوَه.
حدَّثني (١) المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾: انْكِحُوهنَّ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ النكاحُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ قال: الجماعُ، وكلُّ شيْءٍ في القرآنِ مِن ذكرِ المباشرةِ فهو الجماعُ نفسُه.
وقالها عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ مثلَ قولِ عطاءٍ في الطعامِ والشرابِ والنساءِ.
حدَّثنا حُمَيْدُ (٣) بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ، ولكنَّ اللهَ يَكْنِى ما شاء: بما شاء (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، قال أبو بشرٍ: أُخْبِرْنا عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ يقولُ: جامِعوهنَّ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المباشرةُ الجماعُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المبُارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المُبارَكِ، عن الأَوْزاعيِّ، قال: حدَّثني عَبدَةُ بنُ أبي لُبَابةَ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: المباشرةُ في كتابِ اللهِ: الجماعُ (١).
حدَّثنا ابنُ البَرْقيِّ، ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: قال الأَوْزاعيُّ: ثنا مَن سمِع مجاهدًا يقولُ: المباشرةُ في كتابِ اللهِ الجماعُ.
واخْتَلَفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾، فقال بعضُهم: الولدُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَّارُ البصريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ زيادٍ الكاتبُ، عن شعبةَ، عن الحَكَمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنُّى، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ وأبو داودَ، عن شعبةَ، قال: سمعتُ الحكمَ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
قال: الولدُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيْلَةَ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
قال: الولدُ (١).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، ثنا أبو مودودٍ بحرُ بنُ موسى، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
قال: الولدُ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾: فهو الولدُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عمِّي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾: يعني الولدَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمْرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثني عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ، فإن لم تَلِدْ هذه فهذه (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: هو الولدُ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: مِن الولدِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾.
قال: الجماعُ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ (٢) بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ (٣)، قال، سمِعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِمٍ قولَه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: الولدُ.
وقال بعضُهم: معنى ذلك ليلةُ القدرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثني أبي، عن عمْرِو بنِ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلةُ القدرِ.
قال أبو هشامٍ: هكذا قرَأها معاذٌ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ أبي جعفرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ قال: ليلةُ القدرِ.
وقال آخرون: بل معناه: ما أحلَّه اللهُ لكم ورخَّصه لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ يقولُ: ما أحلَّه اللهُ لكم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال قتادةُ في ذلك: ابتغوا الرُّخصةَ التي كُتِبت لكم (١).
وقرَأ ذلك بعضُهم: (اتَّبِعوا مَا كَتَبَ اللهُ لكم) (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: كيف تُقْرَأُ هذه الآيةُ: ﴿وَابْتَغُوا﴾ أو (واتَّبِعُوا)؟
قال: أيَّتَهما شئتَ.
قال: عليك بالقراءةِ الأولى (٣).
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَابْتَغُوا﴾ بمعنى: اطْلُبوا ما كتَب اللهُ لكم.
يعني الذي قضَى اللهُ تعالى لكم، وإنما يُرِيدُ اللهُ تعالى ذكرُه: اطلُبوا الذي كتَبتُ لكم في اللوحِ المحفوظِ أنه يُباحُ فَيُطْلَقُ لكم، وطلبُ الولدِ إن طلَبه الرجلُ بجماعِه المرأةَ ممَّا كتَب اللهُ له في اللوحِ المحفوظِ، وكذلك إن طلَب ليلةَ القدرِ، فهو ممَّا كتَب اللهُ له، وكذلك إن طلَب ما أحلَّ اللهُ وأباحه، فهو مِمَّا كتَبه اللهُ له في اللوحِ المحفوظِ.
وقد يَدْخُلُ في قولِه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ جميعُ معاني الخيرِ المطلوبةِ، غيرَ أنَّ أشبَهَ المعاني بظاهرِ الآيةِ قولُ مَن قال: معناه: وابْتَغوا ما كتَب اللهُ لكم مِن الولدِ؛ لأنه عَقِيبَ قولِه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.
بمعنى: جامِعوهنَّ.
فلَأَنْ يكونَ قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ بمعنى: وابْتَغوا ما كتَب اللهُ في مباشرتِكم إيَّاهنَّ مِن الولدِ والنسلِ - أشبهُ بالآيةِ مِن غيرِه مِن التأويلاتِ التي ليس على صحَّتِها دلالةٌ مِن ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرٌ عن الرسولِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾: ضوءَ النهارِ.
وبقولِه: ﴿الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾: سوادَ الليل.
فتأويلُه على قولِ قائلي هذه المقالةِ: وكُلُوا بالليلِ في شهرِ صومِكم، واشْرَبوا، وباشِروا نساءَكم، مبتغِين ما كتَب اللهُ لكم مِن الولدِ، مِن أوَّلِ الليلِ إلى أن يَقَعَ (١) لكم ضوءُ النهارِ بطلوعِ الفجرِ مِن ظُلمةِ الليلِ وسوادِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفَةَ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبَادةَ، قال: ثنا أشعثُ، عن الحسنِ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ قال: الليلُ مِن النهارِ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ قال: حتى يَتَبَيَّنَ لكمُ النهارُ مِن الليلِ، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: فهما عَلَمانِ وحدَّان بيِّنان، فلا يَمْنَعْكم أذانُ مُؤَذِّنٍ مُراءٍ أو قليلِ العقلِ مِن سَحورِكم، فإنهم يُؤَذِّنون بهَجيعٍ (١) مِن الليلِ طويلٍ، وقد يُرَى بياضُ ما على السَّحَرِ، يقالُ له: الصبحُ الكاذبُ.
كانت تُسمِّيه العربُ، فلا يَمنعْكم ذلك من سَحورِكم، فإن الصبحَ لا خفاءَ به، طريقةٌ معترِضةٌ في الأفقِ، وكُلُوا واشْرَبوا حتى يتبيَّنَ لكم الصبحُ، فإذا رأيتُم ذلك فأمْسِكوا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ يعني: الليلُ مِن (٢) النهارِ، فأُحِلَّ لكم المجامعةُ والأكلُ والشربُ حتى يتبيَّنَ لكم الصبحُ، فإذا تبيَّنَ الصبحُ حرُم عليهم المجامعةُ والأكلُ والشربُ حتى يُتِمُّوا الصيامَ إلى الليلِ، فأمَر بصومِ النهارِ إلى الليل، وأمَر بالإفطارِ بالليلِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، وقيل له: أرأيتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.
قال: "إنك لعريضُ القَفا".
قال: "هذا ذَهابُ الليلِ ومجيءُ النهارِ".
قيل له: الشَّعْبِيُّ، عن عَدِىِّ بنِ حاتمٍ؟
قال: نعم (١)، حدَّثنا حُصَينٌ (٢).
وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ، وتأوَّلَ الآيةَ هذا التأويلَ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن مجالدِ بنِ سعيدٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، قولُ اللهِ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾؟
قال: "هو بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ" (٣).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ نميرٍ وعبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن مجالدِ بنِ (٤) سعيدٍ، عن عامرٍ، عن عديٍّ بنِ حاتمٍ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فعلَّمنِي الإسلامَ، ونعَت ليَ الصلواتِ كيف أصلِّى كلَّ صلاةٍ لوَقْتِها، ثم قال: "إذا جاء رمضانُ فكُلْ واشرَبْ، حتى يتبيَّنَ لك الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ، ثم أتمَّ الصيامَ إلى الليلِ".
ولمْ أدْرِ ما هوَ، ففتَلْتُ خيطيْنِ من أبيضَ وأسودَ، فنظرَتُ فيهما عندَ الفجرِ، فرأيتُهما سواءً، فأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، كلَّ شيءٍ أوصَيْتَني قد حفِظتُ، غيرَ الخيطِ الأبيضِ من الخيطِ الأسودِ، قال: "وَمَا مَنَعَكَ يا بنَ حاتمٍ؟
" وتبسَّمَ كأنه قد علِم ما فعلتُ.
قلتُ: فتَلْتُ خيطين من أبيضَ وأسودَ، فنظرَتُ فيهما من الليلِ، فوجدتُهما سواءً.
فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ حتى رُئي نواجِذُه، ثم قال: "ألم أقل لك: مِن الفَجْرِ؟
إنما هُوَ ضَوْءُ النَّهارِ وَ (١) ظُلْمَةُ الليْلِ" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا داودُ و (٣) ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن مُطرِّفٍ، عن الشعبيِّ، عن عديِّ بنِ حاتمٍ، قال: قلتُ لرسولِ اللهِ ﷺ: ما الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أهما خيطان أبيضُ وأسودُ؟
فقال: "إنّكَ لَعرِيضُ القفا أنْ أبْصَرْتَ الخيْطَيْن".
ثم قال: "لا، ولَكِنَّهُ سَوَادُ اللَّيْلِ وبيَاضُ النَّهارِ" (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيم البَزقيُّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا أبو غسَّانَ، قال: ثنا أبو حازمٍ، عن سهلِ بنِ سعدٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
فلم ينزِلْ: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ قال: فكان رجالٌ إذا أرادُوا الصومَ ربَطَ أحدُهم في رجلَيْه الخيطَ الأسودَ والخيطَ الأبيضَ، فلا يزالُ يأكُلُ ويشربُ حتى يَتبيَّنَ له، فأنزَل اللهُ بعد ذلك: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ فعلِموا أنما يعني بذلك الليلَ والنهارَ (٥).
وقال متأوِّلُو قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾: إنه بياضُ النهارِ وسوادُ الليلِ: صفةُ ذلك البياضِ أن يكونَ مُنتشرًا مُستفيضًا في السماءِ يملأُ بياضُه وضَوْءُه الطرقَ، فأما الضوءُ الساطعُ في السماءِ، فإن ذلك غيرُ الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: ثنا مُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ عِمرانَ بنَ حُدَيرٍ، عن أبي مِجْلَزٍ: الضوءُ الساطعُ في السماءِ ليس بالصبحِ، ولكنْ ذاك الصبحُ الكاذبُ، إنما الصبحُ إذا انفضَح الأفقُ (١).
حدَّثني سَلْمُ بنُ جُنادةَ السُّوائيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، قال: لم يكونوا يعُدُّون الفجرَ فجْرَكم هذا، كانوا يعُدُّون الفجرَ الذي يملأُ البيوتَ والطُّرُقَ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثامٌ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ: ما كانوا يرَونَ إلَّا أنَّ الفجرَ الذي يستفيضُ في السماءِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: ثنا روحُ بنُ عبادةَ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ أنه سمِعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: هما فَجْرانِ؛ فأمَّا الذي يَسطَعُ في السماءِ فليس يُحِلُّ ولا يُحرِّمُ شيئًا، ولكنَّ الفجرَ الذي يستبينُ على رءوسِ الجبالِ هو الذي يُحرِّمُ الشَّرابَ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ الزِّبرقانِ النَّخعيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن محمدِ بنِ أبي ذئبٍ (٤)، عن الحارثِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثَوْبانَ، قال: الفجرُ فَجْران، فالذي كأنه ذَنَبُ السِّرْحانِ لا يُحرِّمُ شيئًا، وأمّا المستطيرُ الذي يأخُذُ الأفُقَ، فإنه يُحِلُّ الصلاةَ ويُحرِّمُ الطعامَ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ وإسماعيلُ بنُ صَبيحٍ وأبو أسامةَ، عن أبي هلالٍ، عن سَوَادَةَ بنِ حنظلةَ، عن سَمُرةَ بنِ جُندُبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لَا يَمْنَعْكُمْ مِن سَحُورِكم أذَانُ بِلالٍ ولَا، الفَجْرُ المستَطِيلُ، ولكِنِ الفَجْرُ المسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ الأسديُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سوادةَ، قال: سمِعتُ سَمُرةَ بنَ جُندُبٍ يذكُرُ عن النبيِّ ﷺ أنه سمِعَه وهو يقولُ: "لا يَغُرَّنَّكم نِدَاءُ بِلالٍ ولا هذا البياضُ حتى يَبْدُوَ الفَجْرُ وَيَنْفَجِرَ" (٣).
وقال آخَرون: الخيطُ الأبيضُ هو ضَوْءُ الشمسِ، والخيطُ الأسودُ هو سوادُ الليلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنّادُ (١) بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا عَبيدةُ (٢) بنُ حُميدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، قال: سافَر أبي مع حُذيفةَ.
قال: فسارَ، حتى إذا خشِينا أن يَفْجَأَنَا الفجرُ قال: هل منكم من أحدٍ آكلٌ أو شاربٌ؟
قال: قلتُ له: أمَّا مَن يريدُ الصومَ فلَا.
قال: بلى.
قال: ثم سار حتى إذا استَبْطأْنا الصلاةَ نزَل فتسحَّرَ.
حدَّثنا هنَّادٌ وأبو السائبِ، قالَا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ، عن أبيه، قال: خرَجْتُ مع حُذيفةَ إلى المدائنِ في رمضانَ، فلمَّا طلَع الفجرُ، قال: هل منكم مِن أحدٍ آكلٌ أو شاربٌ؟
قلنا: أمَّا رجلٌ يريدُ أن يصومَ فلَا.
قال: لكنِّي.
قال: ثم سِرْنا حتى اسْتَبْطَأْنا الصلاةَ قال: هل منكم أحدٌ يريدُ أن يتسحَّرَ؟
قال: قُلْنا: أمَّا مَن يريدُ الصومَ فلَا.
قال: لكنِّي.
ثم نزَل فتسحَّرَ، ثم صلَّى (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ربَّما شرِبتُ بعدَ قولِ المؤذِّنِ - يعْني في رمضانَ -: قد قامتِ الصلاةُ.
قال: وما رأيتُ أحدًا كان أفعلَ له مِن الأعمشِ، وذلك لِما سمِع قال: حدثنا إبراهيمُ التيميُّ، عن أبيه، قال: كنا مع حُذيفةَ نسيرُ ليلًا، فقال: هل منكم مُتسحِّرٌ الساعةَ؟
قال: ثم سارَ، ثم قال حذيفةُ: هل منكم مُتسحِّرٌ الساعةَ؟
قال: ثم سار حتى اسْتَبطأْنا الصلاةَ، قال: فنزَل فتسحَّرَ.
حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهمْدانيُّ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن هُبيرةَ، عن عليٍّ أنه لمَّا صلَّى الفجرَ، قال: هذا حينُ يَتَبيَّنُ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا [ابنُ الصَّلْتِ] (٢)، قال: ثنا إسحاقُ بنُ حذيفةَ العطارُ، عن أبيه، عن البراءِ، قال: تسحَّرْتُ في شهرِ رمضانَ، ثم خرجتُ فأتيتُ ابنَ مسعودٍ، فقال: اشرَبْ.
فقلت: إني قد تسحَّرْتُ.
فقال: اشرَبْ.
فشرِبْنا ثم خرَجْنا والناسُ في الصلاةِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الشيبانيِّ، عن جَبَلةَ بنِ سُحيمٍ، عن عامرِ بنِ مَطَرٍ، قال: أتيتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ في دارِه، فأخرَج فضْلًا من سَحُورِه، فأكلْنا معه، ثم أُقيمتِ الصلاةُ فخرَجْنا فصلَّيْنا (٣).
حدَّثنا خَلَّادُ بنُ أسلمَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ (٤) اللهِ بنِ معقلٍ، عن سالمٍ مولَى أبي حُذيفةَ، قال: كنتُ أنا وأبو بكرٍ الصديقُ فوق سطحٍ واحدٍ في رمضانَ، فأتيتُ ذاتَ ليلةٍ فقلتُ: ألَّا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ ﷺ؟
فأوْمأَ بيدِه أنْ كُفَّ، ثم أتيتُه مرةً أخرى، فقلتُ له: ألا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟
فأومأَ بيدِه أنْ كُفَّ، ثم أتيتُه مرةً أخرى، فقلتُ: ألا تأكُلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟
فَنَظَرَ إلى الفجرِ ثمَّ أومَأ بيدِه أن كُفَّ، ثمَّ أتيتُه فقلتُ: ألا تأكلُ يا خليفةَ رسولِ اللهِ؟
قال: هاتِ غَداءَك.
قال: فأتيتُه به فأكَلَ ثم صلَّى ركعتين، ثم قام إلى الصلاةِ (١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الوِترُ بالليلِ والسَّحورُ بالنهارِ.
وقد رُوِيَ عن إبراهيمَ غيرُ ذلك.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، قال: السَّحورُ بليلٍ، والوِترُ بليلٍ (٢).
حدَّثنا حَكّامٌ، عن ابنِ (٣) أبي جعفرٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: السَّحورُ والوِترُ ما بينَ التَّثْوِيبِ والإقامةِ.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن شبيبِ بنِ غَرقدَةَ (٤)، عن حبّانَ، قال: تسحَّرنا مع عليٍّ ثم خرجْنا وقد أقيمتِ الصلاةُ فصلَّيْنا (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن شبيبٍ، عن حبّانَ بنِ الحارثِ، قال: مرَرْتُ بعليٍّ، وهو في دَير (٦) أبِي موسى وهو يتسحَّرُ، فلما انتهيتُ الليثِ، عن يزيدَ بنِ الهادِ، عن عبدِ اللهِ بنِ خَبّابٍ (١)، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنه سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "لا تُواصِلُوا، فأيُّكم أراد أن يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ حتَّى السَّحَرِ".
قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّك تواصلُ!
قال: "إنِّي لَسْتُ كهَيْئَتِكُم، إني أبِيتُ لي مُطْعِمٌ يُطْعِمُني وساقٍ يَسْقِيني" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا أبو إسرائيلَ العبسيُّ، عن أبي بكرِ ابنِ حفصٍ، عن أمِّ ولدِ حاطبِ بنِ أبي بلْتَعةَ أنها مرَّتْ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يتسَحَّرُ، فدعاها إلى الطعامِ فقالت: إني صائمةٌ.
قال: "وكيف تَصومين؟
" فذكرَتْ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: "أينَ أنتِ من وصالِ آلِ محمدٍ ﷺ، من السَّحَرِ إلى السَّحَرِ؟
" (٣).
فتأويلُ الآيةِ إذن: ثم أتمُّوا الكفَّ عمَّا أمرَكم اللهُ بالكفِّ عنه، من حيِن يتبيَّنُ لكم الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ من الفجرِ إلى الليلِ، ثم حَلَّ لكم ذلك بعده، إلى مثلِ ذلك الوقتِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
قال: من هذه الحدودِ الأربعةِ.
فقرَأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.
وكان أبي وغيرُه من مَشْيختِنا يقولون هذا ويتلونَه علينا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: لا تجامِعوا نساءَكم.
وبقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
يقولُ: في حالِ عُكُوفِكم في المساجدِ.
وتلك حالُ حَبْسِهم أنفسَهم على عبادةِ اللهِ في مساجدِهم.
و "العكوفُ" أصلُه المُقامُ وحبْسُ النفس على الشيءِ، كما قال الطِّرِمَّاحُ بنُ حَكيمٍ (١): فبات (٢) بناتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا … عُكُوفَ البَواكي بينَهن صَريعُ يعني بقولِه: عكفًا: مقيمةً.
وكما قال الفرزدقُ (٣): ترى حولَهنَّ المُعْتَفِينَ (٤) كأنهم … على صَنمٍ في الجاهليةِ عُكَّفُ وقد اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى "المباشرَةِ" التي نهى اللهُ عنها بقولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك الجماعُ دون غيرِه من معاني المباشرةِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلْحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾: في رمضانَ أو في غيرِ رمضانَ، فحرَّم اللهُ أن يَنكِحَ النساءَ ليلًا ونهارًا حتى يقضيَ اعتكافَه (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: الجماعُ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبِي، عن سفيانَ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن الضحاكِ، قال: كانوا يجامِعون وهم معتكِفون حتى نزلت: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٢).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، [عن سفيانَ] (٣)، عن علقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: كان الرجلُ إذا اعتكَف فخرَج من المسجدِ جامع إن شاء، فقال اللهُ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
يقولُ: لا تقربوهُنَّ ما دُمتم عاكفينَ في مسجدٍ [ولا] (٤) غيرِه (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابنُ المباركِ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ نحوَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: كان أناسٌ يصيبون نساءَهم وهم عاكفونَ (٦)، فنهاهُم اللهُ عن ذلك (٧).
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: كان الرجلُ إذا خرَج من المسجدِ وهو معتكفٌ فلقِي امرأتَه باشرَها إن شاء، فنهاهُم اللهُ ﷿ عن ذلك، وأخبرَهم أن ذلك لا يصلُحُ حتى يقضيَ اعتكافَه (١).
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
.
يقولُ: من اعتكَف فإنه يصومُ ولا يَحِلُّ له النساءُ ما دام معتكفًا (٢).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: الجوارُ، فإذا خرَج أحدُكم من بيتِه إلى بيتِ اللهِ فلا يقرَبِ النساءَ (٣).
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: من خرَج من بيتِه إلى بيتِ اللهِ فلا يقرَبِ النساءَ (٤).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: كان الناسُ إذا اعتكَفوا يخرجُ الرجلُ فيباشرُ أهلَه ثم يرجعُ إلى المسجدِ، فنهاهم اللهُ عن ذلك (١).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كانوا إذا اعتكَفوا فخرَج الرجلُ إلى الغائطِ جامَع امرأتَه ثم اغتسَل، ثم رجَع إلى اعتكافِه، فنُهوا عن ذلك.
قال ابنُ جُريجٍ: قال مجاهدٌ: نُهوا عن جماعِ النساءِ في المساجدِ، حيثُ كانت الأنصارُ تجامِعُ، فقال: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ﴾: قال: ﴿عَاكِفُونَ﴾: الجوارُ.
قال ابنُ جريجٍ: فقلتُ لعطاءٍ: الجماعُ المباشرةُ؟
قال: الجماعُ نفسُه.
فقلتُ له: فالقُبلةُ في المسجدِ واللمسةُ (٢)؟
قال: أمّا الذي حُرِّمَ فالجماعُ، وأنا أكرهُ كلَّ شيءٍ مِن ذلك في المسجدِ (٣).
حُدِّثتُ عن حسينِ بنِ الفرجِ المروزيِّ (٤)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾: يعني الجماعَ (٥).
وقال آخَرون: معنى ذلك على جميعِ معاني المباشرةِ مِن لمسٍ وقُبلةٍ وجماعٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: لا يمَسُّ المعتكِفُ امرأتَه ولا يباشِرُها ولا يتلذَّذُ منها بشيءٍ؛ قُبلةٍ ولا غيرِها (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال: المباشرةُ الجماعُ وغيرُ الجماعِ، كلُّه محرَّمٌ عليه.
قال: المباشرةُ بغيرِ جماعٍ: إلصاقُ الجلدِ بالجلدِ.
وعلةُ من قال بهذا القولِ أن اللهَ تعالى ذِكرُه عمَّ بالنَّهي عن المباشرةِ ولم يَخْصُصْ منها شيئًا دون شيءٍ، فذلك على ما عمَّه حتى تأتيَ حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بأنه عنَى به مباشرةً دون مباشرةٍ.
وأوْلَى التأويلين (١) عندي بالصواب قولُ من قال: معنى ذلك الجماعُ أو ما قام مَقامَ الجماعِ، مما أوجب غُسلًا إيجابُه؛ وذلك أنه لا قولَ في ذلك إلَّا أحدُ قولين؛ إمّا مِن جعلِ حُكْمِ الآيةِ عامًّا، أو جعلِ حُكْمِها في خاصٍّ من معاني المباشرةِ.
وقد تظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أن نساءَه كُنَّ يُرَجِّلْنَه وهو معتكفٌ، فلمّا صحَّ ذلك عنه ﷺ، عُلِم أن الذي عُنِيَ به من معاني المباشرةِ البعضُ دونَ الجميعِ.
حَدَّثَنِي عليُّ بنُ شعيبٍ، قال: ثنا مَعْنُ بنُ عيسى القَزّازُ، قال: أخبَرنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا اعتكَف يُدْنِي إليَّ رأسَه فأُرَجِّلُه (٢).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عروةَ بنِ الزُّبيرِ وعَمْرةَ، أن عائشةَ قالت: إن رسولَ اللهِ ﷺ لم يكنْ يَدخُلُ البيتَ إلَّا لحاجةِ الإنسانِ، وكان يُدْخِلُ عليَّ رأسَه وهو في المسجدِ فأُرَجِّلُه (١).
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يُدْنِي إليَّ رأسَه وهو مجاورٌ في المسجدِ وأنا في حجرتِي وأنا حائضٌ، فأغسلُه وأُرَجِّلُه (٢).
حَدَّثَنَا سُفيانُ بن وكيعٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ ويعلَى بنُ عُبيدٍ، عن الأعمشِ، عن تميمِ بنِ سَلَمةَ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النَّبِيُّ ﷺ يعتكِفُ فيُخرِجُ إليَّ رأسَه مِن المسجدِ وهو عاكفٌ فأغسلُه وأنا حائضٌ (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بن معمرٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا مالكُ بن أنسٍ، عن الزهريِّ وهشامِ بنِ عروةَ، جميعًا عن عروَةَ، عن عائشةَ أن النَّبِيَّ ﷺ كان يُخْرِجُ رأسَه فأرجِّلُه وهو معتكفٌ (٤).
السُّدِّيِّ، قال: أمّا حدودُ اللهِ فشروطُه (١).
وقال بعضُهم: حدودُ اللهِ: معاصِيه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ المروزيِّ، قال: سمِعتُ [أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا] (٢) عُبيدٌ، قال سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾.
يقولُ: معصيةُ اللهِ، يعْني: المباشرةَ في الاعتكافِ (٣).
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: كما بينتُ لكم أيُّها الناسُ واجِبَ فرائِضي عليكُم من الصومِ، وعرَّفْتُكم حدودَه وأوقاتَه، وما عليكم منه في الحضرِ، وما لكم فيه في السفرِ والمرضِ، وما اللازمُ لكم تجنُّبُه في حالِ اعتكافِكُم في مساجدِكم، فأوضحتُ جميعَ ذلك لكم، فكذلك أُبَيِّنُ أحْكامِي وحلَالِي وحرامِي وحدُودِي وأمْرِي ونهْيي في كتابِي وتنزيلي، وعلى لسانِ رسولي للناسِ.
ويعني بقولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ يقول: أُبيِّنُ ذلك لهم ليتَّقوا محارمِي ومعاصيَّ، ويتجنَّبوا سَخطِي وغَضبِي بتركِهم ركوبَ ما أبيِّنُ لهم في آياتِي أنِّي قد حرَّمتُه عليهم، وأمرْتُهم بهجرِه وترْكِه.
القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ولا يأكُلْ بعضُكم مالَ بعضٍ بالباطلِ.
فجعَل تعالى ذكرُه آكِلَ مالِ أخِيه بالباطلِ كالآكلِ مالَ نفسِه بالباطلِ.
ونظيرُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١].
وقولُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
بمعنى: لا يَلْمِزْ بعضُكم بعضًا، ولا يقتُلْ بعضُكم بعضًا؛ لأنّ اللهَ تعالى ذكرُه جعَل المؤمنين إخوةً، فقاتلُ أخيه كقاتلِ نفسِه، ولامِزُه كلامِزِ نفسِه.
وكذلك تفعلُ العربُ، تَكنى عن أنْفُسِها بإخوتِها، وعن إخوتِها بأَنْفُسِها، فتقولُ: أخي وأخوك أيُّنَا أبْطشُ.
يعني: أنا وأنت نصْطَرِعُ فنَنْظُرُ أيُّنَا أشَدُّ.
فيَكنى المتكلمُ عن نفْسِه بأخِيه؛ لأنّ أخَا الرجلِ عندَها كنفسِه، ومِن ذلك قولُ الشاعرِ (١): أخِي وأخُوكَ بِبَطْنِ النُّسَيْـ … ــرِ (٢) لَيْسَ لَنا (٣) مِنْ مَعَدٍّ عَرِيبْ (٤) فتأويلُ الكلامِ: ولا يأكلْ بعضُكُم أموالَ بعضٍ فيما بيْنَكم بالباطلِ.
وأكلُه بالباطلِ: أكلُه مِن غيرِ الوجهِ الذي أباحَه اللهُ تعالى ذكرُه لآكِلِيه.
وأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ فإنه يعني: وتُخاصِمُوا بها، يعني: بأموالِهم (٥) ﴿إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾.
يعني: طائفةً ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
ويعني بقوله: ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بالحرامِ الذي قد حرَّمَه اللهُ عليكم.
﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: وأنتُم تَعَمَّدون أكلَ ذلك بالإثمِ على قَصْدٍ منكم إلى ما حرَّم اللهُ عليكم منه، ومَعرفةٍ بأنّ فِعلَكم ذلك معصيةٌ للهِ وإثمٌ.
كما حَدَّثَنِي المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: فهذا في الرجلِ يكونُ عليه مالٌ وليس عليه فيه بينةٌ، فيجحَدُ المالَ فيخاصِمُهم فيه إلى الحكامِ وهو يعرفُ أنَّ الحقَّ عليه، وهو يعلمُ أنه آثمٌ آكلٌ حرامًا (١).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾.
قال: لا تُخاصِمْ وأنت ظالمٌ (٢).
حدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾: وقد كان يقالُ: من مشَى مع خَصمِه وهو له ظالمٌ فهو آثمٌ حتى يرجِعَ إلى الحقِّ.
واعلمْ يا بنَ آدمَ أنّ قضاءَ القاضِي لا يُحِلُّ لك حرامًا، ولا يُحِقُّ لك باطلًا، وإنما يقضِي القاضِي بنحوِ ما يرَى ويشهَدُ به الشهودُ، والقاضي بشرٌ يخطئُ ويصيبُ.
واعلَموا أنه مَن قد قُضِي له بباطلٍ، فإنَّ خصومتَه لَمْ تنقَضِ حتى يجمَعَ اللهُ بينَهما يومَ القيامةِ، فيقضِيَ على المبطلِ للمحقِّ بأجودَ (١) مما قُضِيَ به للمبطِلِ على المحقِّ في الدنيا (٢).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾.
قال: لَا تُدْلِ بمالِ أخيكَ إلى الحاكمِ وأنت تعَلمُ أنك ظالمٌ، فإنّ قضاءَه لا يُحِلُّ لك شيئًا كان حرامًا عليك (٣).
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أما "الباطلُ"، يقولُ: يظلِمُ الرجلُ منكم صاحبَه، ثم يُخاصِمُه ليقْطعَ مالَه وهو يعلمُ أنه ظالمٌ، فذلك قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٤).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني خالدٌ الواسطيُّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
قال: هو الرجلُ الذي يشترِي السِّلْعةَ فيردُّها ويَردُّ معها درَاهمَ (٥).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾.
قال: يكونُ أجدَلَ منه، وأعرفَ بالحجةِ، فيخاصِمُه في مالِه بالباطلِ، ليأكلَ مالَه بالباطلِ.
وقرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
قال: هذا القِمارُ الذي كان يعملُ به أهلُ الجاهليةِ (١).
وأصلُ "الإدلاءِ" إرسالُ الرَّجُلِ الدَّلوَ في سببٍ (٢) مُتعلقًا به في البئرِ.
فقيل للمُحْتَجِّ لِدَعواهُ (٣): أدْلَى بحجةِ كَيتَ وكَيتَ.
إذ كانت حُجَّتُه التي يحتجُّ بها سبَبًا له هو به مُتعلِّقٌ في خُصومَتِه، كتعلُّقِ المستقِي من بئرٍ بدَلو قد أرسلَها فيها بسبَبِها الذي الدَّلوُ به مُتعلقةٌ، يقالُ فيهما جميعًا - أعني من الاحتجاجِ، ومِن إرسالِ الدَّلوِ في البئرِ بسببٍ -: أدلَى فلانٌ بحجَّتِه فهو يُدْلي بها إدلاءً، وأدْلَى دلْوَه في البئرِ فهو يُدْليها إدلاءً.
وأما قولُه: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾.
فإنّ فيه وجهين من الإعرابِ؛ أحدُهما، أن يكونَ قولُه ﴿وَتُدْلُوا﴾ جَزْمًا عطفًا على قولِه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٤): ولَا تُدلوا بها إلى الحكَّامِ.
وقد ذُكرَ أن ذلك كذلكَ في قراءةِ أُبيٍّ، بتكريرِ حرف النَّهْي: (وَلَا تُدْلوا بها إلى الحكَّامِ) (٥).
والآخرُ منهما، النصبُ على الصرفِ (٦)، فيكونُ معناه حينئذٍ: لا تأكُلوا أموالَكم بينكم بالباطلِ وأنتم تُدلُون بها إلى الحكَّامِ، كما قال الشاعر (١): لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ بمعنى: لا تنْهَ عن خلقٍ وأنت تأتي بمثلِه، عارٌ عليك.
وهو أنْ يكونَ في موضعِ جزمٍ - على ما ذُكرَ من (٢) قراءةِ أُبيٍّ - أحسنُ منه أن يكونَ نصبًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
ذُكرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئلَ عن زيادةِ الأهلَّةِ ونُقصانِها، واختلافِ أحوالِها، فأَنْزَل اللهُ هذه الآيةَ جوابًا لهم فيما سألوا عنه.
ذِكرُ الأخبارِ بذلك حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
قال قتادةُ: سألوا نبيَّ اللهِ ﷺ عن ذلك: لمَ جُعِلتْ هذه الأهلةُ؟
فأنزل اللهُ فيها ما تسمَعون: ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.
فجعَلها لصومِ المسلمِين ولإفطارِهم، ولمناسِكِهم وحَجِّهم، ولعِدَّةِ نسائِهم، ومحِلِّ دَينِهم، و (٣) في أشياءَ، واللهُ أعلمُ بما يُصلحُ خلقَه (٤).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكرَ لنا أنهم [سألوا النَّبِيَّ] (١) ﷺ: لَمْ خُلقتِ الأهلةُ؟
فأنزل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
جعلَها اللهُ مواقيتَ لصومِ المسلمِين وإفطارِهم، ولحجِّهم ومناسِكِهم، ولعدَّةِ نسائهِم، وحَلِّ ديونِهم (٢).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.
قال: هي مواقيتُ لهم (٣) في حجِّهم وصوْمِهم وفطرِهم ونُسكِهم (٤).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال الناسُ: لِمَ [جعِلت هذه] (٥) الأهلةُ؛ فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾؛ لصومِهم وإفطارِهم، وحجِّهم ومناسِكِهم.
قال: قال ابنُ عباسٍ: ووقتِ حجِّهم، وعِدَّةِ نسائِهم، وحَلِّ ديونِهم (٦).
حَدَّثَنِي موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: فهي مواقيتُ للطلاقِ والحيضِ والحجِّ (٧).
وحدِّثتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: ثنا الفضلُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ يعْني: حَلَّ دَيْنِهم، ووقتَ حجِّهم، وعِدَّةَ نسائهم (١).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: سأل الناسُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الأهلةِ، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾: يعلَمون بها حَلَّ دَيْنِهم، وعِدَّةَ نسائِهم، ووقتَ حجِّهم (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ نجيٍّ (٣)، عن عليٍّ أنه سُئلَ عن قولِه: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.
قال: هي مواقيتُ الشهرِ هكذا وهكذا وهكذا - وقبَض إبهامَه - فإذا رأيتمُوه فصوموا، وإذا رأيتموه فأَفطِرُوا، فإنْ غُمَّ عليكم فأتِمُّوا ثلاثِين (٤).
فتأويلُ الآيةِ - إذا كان الأمرُ على ما ذكَرناه عمَّن ذكَرنَا عنه قولَه في ذلك -: يسألُونك يا محمدُ عن الأهلةِ ومحاقِها (٥) وسِرَارِها وتمامِها واستوائِها وتغيرِ أحوالِها بزيادةٍ ونقصانٍ ومُحاقٍ واسْتِسرارٍ، وما المعنى الذي خالفَ بينَه وبينَ الشمسِ التي هي دائمةٌ أبدًا على حالٍ واحدةٍ لا تتغيرُ بزيادةٍ ولا نقصانٍ؟
فقلْ يا محمدُ: خالفَ بينَ ذلك ربُّكم ﷿ لتصييرِه الأهلةَ - التي سألتم عن أمرِها ومخالفةِ ما بينَها وبينَ غيرِها فيما - خالف بينَها وبينَه - مواقيتَ لكم ولغيرِكم من بني آدمَ في معايشِهم، تُوَقِّتون (٦) بزيادتِها ونقصانِها ومحاقِها واسْتسرارِها وإهلالِكم إيَّاها، أوقاتَ حَلِّ ديونِكم، وانقضاءِ مدةِ إجارةِ من استأجَرْتُموه [مِن أُجَرائِكم] (١)، وتَصرُّمِ عِدةِ نسائِكم، ووقتَ صومِكم وإفطارِكم، فجعَلَها مواقيتَ للناسِ.
وأمّا قولُه: ﴿وَالْحَجِّ﴾ فإنه يعني: وللحجِّ.
يقولُ: وجعَلها أيضًا ميقاتًا لحجِّكم تعرِفون بها وقتَ مناسكِكم وحَجِّكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.
قيل: نزَلتْ هذه الآيةُ في قومٍ كانوا لا يدخُلون إذا أحْرَمُوا بُيوتَهم من قِبلِ أبوابِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المثنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ يقولُ: كانت الأنصارُ إذا حَجُّوا فرجَعوا، لَمْ يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِها.
قال: فجاءَ رجلٌ من الأنصارِ فدخَل من بابِه، فقيل له في ذلك، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٢).
حدَّثني سفيانُ بنُ وكيع، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كانوا في الجاهليةِ إذا أحرَموا أتَوا البيوتَ من ظهورِها، ولم يأتُوا من أبوابِها، فنزَلت: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ داودَ، عن قيسِ بنِ جُبَيْرٍ (٢) أنّ الناسَ كانوا إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا حائطًا من بابِه ولا دارًا من بابِها أو بيتًا، فدخَل رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه دارًا، وكان رجلٌ من الأنصارِ يقالُ له: رفاعةُ بنُ تابوتٍ.
فجاء فتسوَّرَ الحائطَ، ثمَّ دخَل على رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا خرَج من بابِ الدارِ - أو قال: بابِ البيتِ - خرَج معه رِفاعةُ.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما حَمَلك على ذلك"؟
قال: يا رسولَ اللهِ، رأيتُك خرَجتَ منه فخرَجتُ منه.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: " إنِّي رَجلٌ أحْمَسُ (٣) ".
فقال: إن تكنْ رجلًا أحْمسَ، فإنّ دِينَنا واحدٌ.
فأنزل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
يقولُ: ليس البرُّ بأن تأتُوا البيوتَ من كَوّاتٍ (١) في ظهورِ البيوتِ، وأبوابٍ في جُنُوبها، تجعَلُها أهلُ الجاهليةِ، فنُهوا أن يَدْخُلوا منها، وأُمروا أنْ يدخُلوا من أبوابِها (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ الحجازِ إذا أحْرَمُوا لم يدخُلوا من أبوابِ بيوتِهم ودخَلوا من ظُهورِها، فنزَلت: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الآية (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا﴾.
قال: كان المشركون إذا أحْرمَ الرجُلُ منهم نَقَب كَوَّةً في ظهرِ بيتِه فجعَل سُلَّمًا، فجعَل يدخُلُ منها.
قال: فجاء رسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يومٍ ومعه رجلٌ من المشركين.
قال: فأتى البابَ ليدخُلَ (٤) منه.
قال: فانطَلق الرجلُ ليدخلَ من الكَوَّةِ.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما شأنُكَ؟
" قال: فقال: إني أحْمسُ.
فقال رسولُ اللهِ: "وأنا أحْمَسُ" (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، قال: كان ناسٌ من الأنصارِ إذا أهلُّوا بالعمرةِ لم يَحُلْ بينَهم وبينَ السماءِ شيْءٌ، يتحرَّجُون من ذلك.
وكان الرجلُ يخرُجُ مُهِلًّا بالعُمرةِ، فتبدُو له الحاجةُ بعدَ ما يخرُجُ من بيتِه، فيرجِعُ ولا يدخُلُ من بابِ الحجرةِ من أجلِ سقفِ البابِ أن يحولَ بينَه وبين السماءِ، فيفتحُ الجدارَ من ورائِه، ثم يقومُ في حجرتِه فيأمرُ بحاجَتِه، فتُخرَجُ إليه من بيتِه، حتى بلغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أهلَّ زمنَ الحديْبِيةِ بالعُمرةِ، فدخَل حجرةً، فدخَل رجلٌ على أثَرِه من الأنصارِ من بني سَلِمةَ، فقال له النبيُّ ﷺ: "إنِّي أحْمَسُ" - قال الزهريُّ: وكانت الحُمْسُ لا يبالون ذلك - فقال الأنصاريُّ: وأنا أَحْمسُ.
يقولُ: وأنا على دينِك.
فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ الآية كلّها.
قال قتادةُ: كان هذا الحيُّ من الأنصارِ في الجاهليةِ إذا أهلَّ أحدُهم بحجٍّ أو عمرةٍ لا يدخُلُ دارًا من بابِها إلَّا أن يتسوَّرَ حائطًا تسوُّرًا، وأسلَمُوا وهم كذلك، فأنزَل اللهُ في ذلك ما تسمَعون، ونهاهُم عن صنيعِهم ذلك، وأخبرَهم أنه ليس من البرِّ صنيعُهم ذلك، وأمَرَهُم أن يأتُوا البيوتَ من أبوابِها (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾: فإنَّ ناسًا من العربِ كانوا إذا حَجُّوا لم يدخُلوا بيوتَهم من أبوابِها، كانوا يَنْقُبونَ في أدْبارِها، فلما حجَّ رسولُ اللهِ ﷺ حجةَ الوداعِ، أقبلَ يَمشِي ومعه رجلٌ من أولئك وهو مسلمٌ، فلما بلَغ رسولُ اللهِ ﷺ بابَ البيتِ، احتبسَ الرجلُ خلْفَه وأبَى أنْ يَدخُلَ، قال: يا رسولَ اللهِ، إني أحْمسُ.
يقولُ: إني مُحرِمٌ - وكان أولئك الذين يفعَلون ذلك يُسمَّون الحُمسَ - قال رسولُ اللهِ ﷺ: "وأنا أيْضًا أحْمَسُ، فادْخُلْ".
فدخَل الرجلُ، فأنزل اللهُ: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾: وإن رجالًا من أهلِ المدينةِ كانوا إذا خاف أحدُهم من عَدوِّه شيئًا أحرَم فأمِنَ، فإذا أحْرَمَ لم يَلِجْ من بابِ بيتِه، واتخذَ نَقْبًا من ظهرِ بيتِه، فلمَّا قدِم رسولُ الله ﷺ المدينةَ، كان بها رجلٌ محرمٌ كذلك.
وإنَّ أهلَ المدينةِ كانوا يُسمُّون البستانَ الحُشَّ.
وإنّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَل بستانًا، فدخَله من بابِه، ودخَل معه ذلك المحرِمُ، فناداه رجلٌ من ورائِه: يا فلانُ، إنك محرمٌ وقد دخلْتَ [مع الناسِ] (٢).
فقال: أنا أحمسُ.
[وقال] (٣): يا رسولَ اللهِ، إنْ كنتَ محرمًا فأنا محرمٌ، وإنْ كنتَ أحْمسَ فأنا أحْمسُ.
فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
فأحلَّ اللهُ للمؤمنين أن يدخُلوا من أبوابِها (٤).
حدثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾.
قال: كان أهلُ المدينةِ وغيرُهم إذا أحرَمُوا لم يدْخُلوا البيوتَ إلَّا من ظُهورِهَا، وذلك أن يَتَسَوَّرُوها، فكان إذا أحرَم أحدُهم لا يدخُلُ البيتَ إلَّا أن يتَسوَّرَه من قِبلِ ظهرِه، وأنّ النبيَّ ﷺ دخَل ذاتَ يومٍ بيتًا لبعضِ الأنصارِ، فدخَل رجلٌ على أثَرِه ممّنْ قد أَحْرَمَ، فأنكَروا ذلك عليه، وقالوا: هذا رجلٌ فاجرٌ فقال النبيُّ ﷺ: "لِمَ دَخَلْتَ مِنَ البابِ وَقَدْ أحْرَمْتَ؟
" قال: رأيتُكَ يا رسولَ اللهِ دخلتَ فدخلتُ على أثَرِكَ.
فقال النبيُّ ﷺ: "إنِّي أحْمَسُ" - وقريشٌ يومَئذٍ تُدعَى الحُمْسَ - فلمَّا أن قال ذلك النبيُّ ﷺ، قال الأنصاريُّ: إنّ دِيني دِينُك.
فأنزَل اللهُ: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قلتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾.
قال: كان أهلُ الجاهليةِ يأْتونَ البيوتَ من ظهورِها ويَروْنه بِرًّا، فقال: "البرُّ"، ثم نعَت "البرَّ"، وأَمرَ أنْ يأتُوا البيوتَ من أبوابِها.
قال ابنُ جُريجٍ: وأخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ أنه سمِعَ مجاهدًا يقولُ: كانت هذه الآيةُ في الأنصارِ يأتُونَ البيوتَ من ظهورِها يتبرَّرُون بذلك.
فتأويلُ الآيةِ إذن: وليس البرُّ أيُّها الناسُ بأن تأتُوا البيوتَ في حالِ إحرامِكم من ظُهورِها، ولكن البرَّ من اتقى اللهَ ﷿ فخافَه، وتجنَّبَ مَحارمَه فأطاعَهُ بأداءِ فرائضِه التي أمرَه بها.
فأما إتيانُ البيوتِ من ظهورِها فلا برَّ للهِ فيه، فأْتوهَا من حيثُ شئتُم مِن أبوابِها وغيرِ أبوابِها، ما لم تعتقِدوا تحريمَ إتيانِها من أبوابِها في حالٍ من الأحوالِ، فإنّ ذلك غيرُ جائزٍ لكم اعتقادُه؛ لأنَّه مما لم أحرِّمْه عليكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.
يعني بذْلك جلَّ ثناؤُه: واتقُوا اللهَ أيّها الناسُ، فاحذَرُوه وارهَبُوه، بطاعتِه فيما أمَركم به من فرائضِه، واجتنابِ ما نهاكم عنه؛ لتفلِحُوا فتُنْجِحُوا في طَلِباتِكم لديه، وتُدرِكُوا به البقاءَ في جِنانِه، والخلودَ في نَعيمِه.
وقد بينَّا معنى "الفلاحِ" فيما مضَى قَبلُ بما يدلُّ عليه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هذه الآيةُ هي أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في أمْرِ المسلمين بقتالِ المشركين.
وقالوا: أُمِر فيها المسلمون بقتالِ مَن قاتَلَهم من المشركينَ، والكَفِّ عمَّن كفَّ عنهم منهم (٢)، ثم نُسِخَتْ بعدُ بـ "براءةَ".
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
قال: هذه أوّلُ آيةٍ نزَلتْ في القتالِ بالمدينةِ، فلمَّا نزَلتْ كان رسولُ اللهِ ﷺ يقاتِلُ من قاتَله (٣)، ويكفُّ عمَّن كفَّ عنه، حتى نزَلتْ "براءةُ".
قال: ولم يَذكُرُ عبدُ الرحمنِ المدينةَ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: قد نُسِخَ هذا.
وقرأ قولَ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وهذه الناسخةُ.
وقرأ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾.
حتى بلَغ: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) [التوبة: ١ - ٥].
وقال آخَرون: بل ذاك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه المسلمين بقتالِ الكفارِ لم يُنْسَخْ، وإنما الاعتداءُ الذي نهاهُم اللهُ عنه، هو نهيُه عن قتلِ النساءِ والذَّرَارِيِّ.
قالوا: والنهيُ عن قتلِهم ثابتٌ حكمُه اليومَ.
قالوا.
ولا شيْءَ نُسِخَ من حكمِ هذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن صَدقةَ الدمشقيِّ، عن يحيى بنِ يحيى الغسانيِّ، قال: كتبتُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أسألُه عن قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
قال: فكتَب إليَّ أَنَّ ذلك في النساءِ والذُّرِّيةِ، [ومن] (٣) لمْ يَنْصِبْ لك الحربَ منهم (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسَى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾: لأصحابِ محمدٍ ﷺ أُمِرُوا بقتالِ الكفارِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
يقولُ: لا تقتُلوا النساءَ والصبْيانَ والشيخَ الكبيرَ، ولا مَنْ ألْقَى إليكم السَّلَمَ وكفَّ يدَه، فإنْ فعلتُم (٢) فقد اعتديتُم (٣).
حدَّثني ابنُ البرْقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: كتَب عُمرُ بنُ عبدِ العزيز إلى عديٍّ بنِ أرطاةَ: إنِّي وجَدتُ آيةً في كتابِ اللهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
أي: لا تقاتِلْ من لا يُقاتلُ (٤).
يعني النساءَ والصبيانَ والرهبانَ.
وأوْلَى هذين القولين بالصوابِ القولُ الذي قاله عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ؛ لأن دَعوَى المدَّعِي نَسْخَ آيةٍ مُحْتملٍ أن تكونَ غيرَ منسوخةٍ، بغيرِ دَلالةٍ على صحَّةِ دعْواه - تَحكُّمٌ، والتحَكُّمُ لَا يَعجِزُ عنه أحدٌ.
وقد دلَّلنَا على معنى "النسخِ"، والمعنى الذي من قِبَلِه ثبَتت صحةُ النَّسخِ، بما قد أغنَى عن إعادَتِه في هذا الموضعِ (١).
فتأويلُ الآيةِ - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا -: وقاتلُوا أيُّها المؤمنون في سبيلِ اللهِ.
وسَبيلُه: طريقُه الذي أوضحَه، ودينُه الذي شرَعَه لعبادِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه.
وقاتلوا في طاعتِي، وعلى ما شرَعتُ لكم من دينِي، وادْعُوا إليه مَن وَلَّى عنه واستكبرَ، بالأيدِي والألسنِ، حتى يُنِيبُوا إلى طاعتِي، أو يُعطوكم الجزيةَ صَغارًا إنْ كانوا أهلَ كتابٍ.
وأمَرهم جلَّ ثناؤُه بقتالِ مَن كان فيه قتالٌ من مُقاتِلةِ أهلِ الكفرِ، دونَ مَن لم يكنْ فيه قِتالٌ، من نسائِهم وذَراريِّهم، فإنهم أموالٌ وخَوَلٌ لهم، إذا غُلبَ المقاتلون منهم فقُهِرُوا.
فذلك معنى قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [لا أنه] (٢) أباح الكفَّ عمَّنْ كفَّ فلم يقاتلْ مِن مشركِي أهلِ الأوثانِ، أو (٣) الكافِّينَ عن قتالِ المسلمينَ مِن كفارِ أهلِ الكتابِ على غير (٤) إعطاءِ الجزيةِ صَغارًا.
فمعنى قولِه: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾: لا تقتُلوا وليدًا ولا امرأةً، ولا مَن أعطاكُم الجزيةَ مِن أهلِ الكتابيْن والمجوسِ، ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، الذين يتجاوزون حدودَه، فيَسْتحلُّون ما حرَّمه عليهم من قَتلِ هؤلاءِ الذين حرَّمَ قتلَهم، من نساءِ المشركين وذَرارِيِّهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
يعنِي بذلك جلَّ ثناؤه: واقتُلوا أيُّها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مَقاتلَهم (١)، وأمكَنكم قتلُهم، وذلك هو معنى قولِه: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
ومعنى الثَّقافةِ (٢) بالأمرِ: الحِذْقُ به والبصرُ، يقالُ: إنَّه لثَقِفٌ لَقِفٌ.
إذا كان جَيِّدَ الحذرِ في القتالِ، بصيرًا بمواضِعِ (٣) القَتلِ.
وأمّا التَّثقيفُ فمعنًى غيرُ هذا، وهو التقويمُ.
فمعنى ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: اقتُلوهم في أيِّ مكانٍ تَمكَّنتُم من قتلِهم، وأبصرْتُم مَقاتلَهم.
وأما قولُه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ فإنه يعني بذلك المهاجرين الذين أُخرِجُوا من ديارِهم ومنازِلهم بمكّةَ، فقال لهم جلَّ ثناؤُه: وأَخرِجُوا هؤلاء الذين يقاتلونَكم وقد أخْرجوكم مِن ديارِكم، مِن مساكنِهم وديارِهم كما أخرَجوكم منها.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾: والشركُ باللهِ أشدُّ مِن القتلِ.
وقد بيَّنتُ فيما مضَى أن أصلَ الفتنةِ الابتلاءُ والاختبارُ (٤).
فتأويلُ الكلامِ: وابتلاءُ المؤمنِ في دينِه حتى يرجِعَ عنه فيصيرَ مشركًا بالله مِن بعدِ إسلامِه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتلَ مقيمًا على دينِه، مُتمسِّكًا بمِلَّتِه (١) محقًّا فيه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: ارتدادُ المؤمنِ إلى الوَثنِ أشدُّ عليه من [أنْ يُقْتلَ] (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يقولُ: الشِّرْكُ أشدُّ من القتلِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادة مثلَه (٣).
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثَنَا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يقول: الشركُ أشدُّ من القتلِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: الشركُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: الفتنةُ الشركُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: الشركُ أشدُّ من القتلِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: فتنةُ الكفرِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١)﴾ والقرأةُ مختلفةٌ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه عامّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٢).
بمعنى: ولا تَبْدءوا أيُّها المؤمنون المشركينَ بالقتالِ عندَ المسجدِ الحرامِ حتى يَبدَءوكم به، فإن بَدءوكم به هنالِك عندَ المسجدِ الحرامِ في الحَرَمِ فاقتلُوهم، فإن اللهَ ﷿ جعَل ثوابَ الكافرينَ على كفرِهم وأعمالِهم السيئةِ القتلَ في الدنيا، والخزيَ الطويلَ في الآخرةِ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزِيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: كانوا لا يُقاتِلون فيه حتى يُبدَءُوا بالقتالِ، ثم نسَخَ بعدُ ذلكَ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ حتى لا يكونَ شركٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يُقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
عليها قاتَل نبيُّ اللهِ، وإليها دَعَا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾: فأمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ألا يقاتلَهم عندَ المسجدِ الحرامِ، إلا أن يُبدَءُوا فيه بقتالٍ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بقولَه: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
فأمَر اللهُ نبيَّه إذا انقضَى الأجلُ أن يُقاتِلَهُم في الحِلِّ والحرمِ، وعند البيتِ، حتى يَشهدوا أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ (٢).
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبد اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه، ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾: فكانوا لا يقاتِلونَهم فيه، ثم نسَخَ ذلك بَعدُ، فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣).
وقال بعضُهم: هذه آيةٌ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ﴾: في الحرمِ، ﴿فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ لا تقاتِلْ أحدًا فيه أبدًا، فمن عدَا عليكَ فَقاتَلكَ فقاتِلْه كما يُقاتِلُك (١).
وقرَأ ذلك عُظْمُ قَرأةِ الكوفيِّينَ: (ولَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسْجِدِ الحرامِ حتى يَقْتُلُوكم فيه فإنْ قَتَلُوكم (٢) فاقْتُلُوهم) (٣).
بمعنى: ولا تبدَءوهُم بقتلٍ حتى يبدَءوكم به.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ.
(٤)، عن حمزةَ الزياتِ، قال: قلتُ للأعمشِ: أرأيتَ قراءَتَك: (وَلَا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المسجِدِ الحَرَامِ حتَّى يَقْتُلوكم فيه فإن قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذلِكَ جَزَاءُ الكافِرِينَ فإِنِ انْتَهَوْا فإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إذا قتَلوهم كيف يقتُلونَهم؟
قال: إنَّ العربَ إذا قُتل منهم رجلٌ (٥) قالوا: قُتِلنا.
وإذا ضُرب منهم رجلٌ قالوا: ضُربنَا (٦).
وأوْلَى هاتين القراءتين بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾؛ لأن اللهَ جل ثناؤه لم يأمرْ نبيَّه وأصحابَه في حالٍ - إذا قاتلَهم المشركون - بالاستسلامِ لهم حتى يَقتُلوا منهم قتيلًا، بعدَ ما أذِن له ولهم بقتالِهم، فتكونَ القراءةُ بالإذنِ بقتلِهم بعدَ أنْ يَقتُلوا منهم، أوْلى من القراءةِ بما اختَرنا.
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنه قد كان جلَّ ثناؤُه أذِن لهم بقتالِهم، إذا كان ابتداءُ القتالِ من المشركين قبلَ أن يَقتلُوا منهم قتيلًا، وبعدَ أنْ يقتُلوا (١).
وقد نسَخ اللهُ هذه الآيةَ بقولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
وقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ونحو ذلك من الآياتِ.
وقد ذكَرنا قولَ بعضِ من قال: هي منسوخةٌ.
وسنذكُرُ قولَ من حضَرَنا ذكرُه ممَّن لَمْ نذكُرْه.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا معمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ قال: نسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾.
قال: حتى يبدَءوكم، كان هذا قد حُرِّم، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه ذلك له، فلم يزَلْ ثابتًا حتى أمَره اللهُ ﵎ بقتالِهم بعدُ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢)﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن انتهى الكافرون الذين يُقاتلونكم عن قتالِكم وكُفرِهم باللهِ، فتَركوا ذلك وتابوا، فإن اللهَ غفورٌ لذنوبِ مَن آمَن منهم وتابَ من شِرْكِه، وأنابَ إلى اللهِ مِن معاصِيه التي سلَفتْ منه، وآثامِه (٤) التي مَضتْ، رحيمٌ به في آخرتِه بتفَضُّلِه (١) عليه، وإعطائِه ما يُعْطِي أهلَ طاعتِه مِن الثوابِ بإنابتِه إلى محبتِه من مَعصيتِه.
كما حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن تابوا، ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وقاتِلُوا المشركين الذين يقاتِلونكُم ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
يعني: حتى لا يكونَ شركٌ باللهِ، وحتى لا يُعبدَ دونَه أحدٌ، وتَضْمحِلَّ عبادةُ الأوثانِ والآلهةِ والأندادِ، وتكونَ العبادةُ والطاعةُ للهِ وحدَه دونَ غيرِه من الأصنامِ والأوثانِ.
كما قال قتادةُ فيما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شركٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: حتى لا يكونَ شِركٌ (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قال: الشركُ، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السَّدِّيِّ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قال: أمّا الفتنةُ فالشِّركُ (١).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمِّي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
يقولُ: قاتلِوا حتى لا يكونَ شِركٌ (٢).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
أي: شِركٌ (٣).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال: ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قال: حتى لا يكونَ كفرٌ.
وقرَأ: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٤) [الفتح: ١٦].
حَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن ابنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
قال: شِركٌ (٥).
وأما "الدِّينُ" الذي ذكَره اللهُ في هذا الموضعِ، فهو العبادةُ والطاعةُ للهِ في أمرِه ونهيِه، مِن ذلك قولُ الأعْشَى (١): هُوَ دَانَ الرِّبابَ (٢) إذْ كَرِهُوا الدِّيـ … ــنَ دِرَاكًا بغزْوَةٍ وَصِيالِ يعني بقولِه: [إذ كرِهوا الدِّينَ] (٣): إذ كرِهوا الطاعةَ وأبَوْها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾.
يقولُ: حتى لا يُعبدَ إلَّا اللهُ، وذلك: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
عليه قاتل النبيُّ ﷺ، وإليه دعَا، فقال النبيُّ ﷺ: "إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ.
ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، فإذَا فَعَلُوا ذلك فَقَدْ عَصَمُوا (٤) دِماءَهم وأمْوالَهم إلَّا بِحَقِّها، وَحِسابُهم على اللهِ" (٥).
حَدَّثَنَا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾: أن يقالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ.
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ اللهَ أمَرَنِي أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلَّا اللهُ" (٦).
ثم ذكرَ مثلَ حديثِ الربيعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾.
يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾: فإن انتهَى الذين يقاتِلونَكم من الكفارِ عن قتالِكم، ودخَلُوا في ملّتِكم، وأقرُّوا بما أَلْزَمهم (١) اللهُ تعالى ذكرُه من فرائضِه، وترَكوا ما هم عليه من عبادةِ الأوثانِ، فدَعُوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجِهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدَى إلَّا على الظالمين، وهم المشركون باللهِ، الذين ترَكوا عبادةَ ربِّهم، وعبَدوا غيرَ خالقِهم.
فإن قال قائلٌ: وهل يجوزُ الاعتداءُ على الظالمِ، فيقالَ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾؟
قيل: إن المعنى في ذلك غيرُ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما ذلك على وجهِ المجازاةِ لما كان من المشركين من الاعتداءِ.
يَقولُ: افعَلوا بهم مثلَ الذي فعلُوا بكم.
كما يقالُ: إن تعاطيتَ منِّي ظلمًا تعاطيتُه منكَ: والثاني ليس بظلمٍ، كما قال عَمرُو ابنُ شأسٍ الأسديُّ (٢): جَزَيْنا ذَوي العُدْوَانِ بالأمسِ قَرْضَهُمْ … قِصَاصًا سَوَاءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بالنَّعْلِ وإنما (٣) ذلك نظيرُ قولِه: ﴿اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩].
وقد بينَّا وجهَ ذلك ونظائرَه فيما مضَى قبلُ (٤).
وبالذى قلنا في ذلك من التأويلِ قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: والظالمُ الذي أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ (١).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قال: هم المشركون (٢).
حَدَّثَنِي ابنُ (٣) المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عثمانُ (٤) بنُ غِياثٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ في هذه الآيةِ: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قال: هم مَن أبَى أن يقولَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ".
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فلا تُقاتِلْ إلَّا مَنْ قاتلَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك (٥).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ: لا تُقاتلُوا إلَّا مَن قاتلَكم (٦).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: فإن اللهَ لَا يحبُّ العدوانَ على الظالمين ولا على غيرِهم، ولكن يقولُ: اعتدُوا عليهم بمثلِ ما اعتدَوْا عليكم (١).
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ في قوله: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾: لا يجوزُ أن يقولَ: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾.
إلَّا وقد علِمَ أنهم لا ينتَهُونَ إلَّا بعضَهم.
قال: فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم فلا عدوانَ إلَّا على الظالمين منهم.
فأَضْمرَ كما قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يريدُ: فعليه ما اسْتيسرَ.
وكما تقولُ إلى مَن تقصِدُ: أقصِدُ.
يعني: إليه.
وكان بعضُهم يُنكِرُ الإضمارَ في ذلك ويتأوّلُه: فإن انْتهَوْا فإنّ اللهَ غفورُ رحيمٌ لمن انتهَى، فلا عُدوانَ إلَّا على الظالمين الذين لَمْ يَنْتَهوا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
يعني بقولِه جَلَّ ثناؤُه؛ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ذا القَعدةِ، وهو الشهرُ الذي كان رسولُ اللهِ ﷺ اعتمرَ فيه عمرةَ الحديبيةِ، فصدَّه مُشركو أهلِ مكةَ عن البيتِ ودخولِ مكّةَ، وكان ذلك سنةَ ستٍّ من هجرتِه، وصالَح رسول اللهِ ﷺ المشركين في تلك السنةِ على (٢) أن يعودَ من العامِ المقبلِ، فيدخُلَ مكَّةَ ويقيمَ ثلاثًا، فلمَّا كان من العامِ المقبلِ، وذلك سنةَ سبعٍ من هجرَتِه، خرَج مُعتمرًا هو وأصحابُه في ذي القَعدةِ - وهو الشهرُ الذي كان المشركون صَدُّوه عن البيتِ فيه في سنةِ ستٍّ - وأخلَى له أهلُ مكةَ البلدَ، حتى دخَلها رسولُ اللهِ ﷺ، فقضَى حاجتَه منها، وأتمَّ عُمرتَه، وأقامَ بها ثلاثًا، ثم خرَج منها مُنصرِفًا إلى المدينةِ، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه وللمسلمين معه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ يعْني ذا القَعدةِ الذي أوْصلَكم اللهُ فيهِ إلى حرمِه وبيتِه على كراهةِ مُشركِي قُرَيْشٍ ذلك حتى قَضَيْتم منه وطرَكم، ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الذي صدَّكم مُشركو قُريشٍ العامَ الماضي قبلَه فيه، حتى انصرفتُم على كُرْهٍ منكم عن الحرمِ، فلم تدْخُلوه ولم تَصِلُوا إلى بيتِ اللهِ، فأقَصَّكُم اللهُ أيُّها المؤمنون مِن المشركين بإدخالِكم الحرمَ في الشهرِ الحرامِ على كُرْهٍ منهم لذلك، بما كان منهم إليكم في الشهرِ الحرامِ من الصَّدِّ والمنعِ من الوصولِ إلى البيتِ.
كما حدَّثني محمد بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ، يعني ابنَ خالدٍ السَّمْتيَّ (١)، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قال: هم المشركونَ، حَبَسُوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ، فرجَعة اللهُ في ذي القَعدةِ، فأَدخلَه البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (٢).
حدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قال: فَخَرَت قريشٌ بردِّها رسولَ اللهِ ﷺ يومَ الحُديبيةِ محرِمًا في ذي القَعدةِ عن البلدِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ مكةَ في العامِ المقبلِ في ذي القَعدةِ، فقضَى عُمرَته، وأقَصَّه بما حِيلَ بينَه وبينَه (٣) يومَ الحُدَيبيةِ (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم نبيُّ اللهِ ﷺ على أن يرجِعَ من عامِه ذلك، حتى يرجِعَ من العامِ المقبلِ، فيكونَ بمكةَ [ثلاثَ ليالٍ] (١)، ولا يَدْخُلَها إلَّا بسلاحِ راكبٍ، ولا يخرُجَ بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَروا الهديَ بالحديبيةِ، وحلَقُوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانَ من العامِ المقبلِ، أقبلَ نبيُّ اللهِ وأصحابُه حتى دخَلوا مكّةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ، فأقاموا بها ثلاثَ ليالٍ.
فكان المشركون قد فَخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فأقَصَّه اللهُ منهم، فأدخلَه مكّةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه؛ في ذي القَعدةِ، فقال اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعن عثمانَ، عن مِقْسَمٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قالا: كان هذا في سَفَرِ الحديبيةِ، صَدَّ المشركون النبيَّ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ في الشهرِ الحرامِ، فقاضُوا المشركين يومَئذٍ قضيةً: إنَّ لكم أن تعتمِرُوا في العام المقبِلِ؛ في هذا الشهرِ الذي صدُّوهم فيه.
فجعَل اللهُ تعالى ذكرُه لهم شهرًا حرامًا يعتمِرونَ فيه مكانَ شهرِهم الذي صُدُّوا، فلذلك قال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قال: لما اعتمَر رسولُ اللهِ ﷺ عُمرةَ الحُديبيةِ في ذي القَعدةِ سنةَ ستٍّ من مُهاجَرِه صدَّه المشركون، وأبَوْا أن يَتركوه، ثم إنهم صالحُوه في صلْحِهم على أن يُخلُّوا له مكةَ في عامِ قابلٍ ثلاثةَ أيامٍ يَخْرجُونَ ويَتركونَه فيها، فأتاهُم رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ فتحِ خيبرَ في السنةِ السابعةِ، فَخَلَّوْا له مكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ونكَح في عُمرتِه تلكَ مَيمونةَ بنتَ الحارثِ الهلاليةَ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: وأَحْصَرُوا النبيَّ ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ الحرامِ، فأدخلَه اللهُ البيتَ الحرامَ العامَ المقبلَ، واقتصَّ له منهم، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: أقبلَ نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه، فأحْرمُوا بالعمرةِ في ذي القَعدةِ ومعهم الهديُ، حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صَدَّهم المشركون، فصالحَهم رسولُ اللهِ ﷺ أن يرجِعَ ذلك العامَ حتى يرجِعَ العامَ المقبلَ، فيقيمَ بمكةَ ثلاثةَ أيامٍ، ولا يخرُجَ معه بأحدٍ من أهلِ مكةَ، فنحَرُوا الهدْيَ بالحديبيةِ، وحلَقوا وقصَّرُوا، حتى إذا كانوا من العامِ المقبلِ، أقبلَ النبيُّ ﷺ [وأصحابُه] (٣) حتى دخَلوا مكةَ، فاعتمَرُوا في ذي القَعدةِ وأقاموا بها ثلاثةَ أيامٍ، وكان المشركون قد فخَروا عليه حينَ ردُّوه يومَ الحديبيةِ، فقصَّ اللهُ له منهم، وأدخلَه مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه في ذي القَعدةِ، قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾: فهم المشركون، كانوا حبَسوا محمدًا ﷺ في ذي القَعدةِ عن البيتِ، ففخَروا عليه بذلك، فرجَعه اللهُ في ذي القَعدةِ، فأدْخَله البيتَ الحرامَ، فاقتصَّ له منهم (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ حتى فرَغ من الآيةِ.
قال: هذا كلُّه قد نُسِخَ، أمَره أن يجاهِدَ المشركين.
وقرَأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].
وقرَأ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] العربَ، فلمّا فرَغ منهم قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
حتى بلَغ قولَه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
قال: وهم الرومُ.
قال: فوجَّه إليهم رسولُ اللهِ ﷺ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثقفيُّ، قال: ثنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قال: أمرَكم اللهُ بالقصاصِ، ويأخُذُ منكم العُدْوانَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ وسألتُه عن قولِه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾.
قال: نزَلتْ في الحديبيةِ، مُنِعوا في الشهرِ الحرامِ، فنزَلتْ ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾: عُمرةٌ في شهرٍ حرامٍ بعمرةٍ في شهرٍ حرامٍ (١).
وإنما سمَّى اللهُ جلَّ ثناؤُه ذا القَعدةِ الشهرَ الحرامَ؛ لأنّ العربَ في الجاهليةِ كانت تُحرِّمُ فيه القتالَ والقتلَ، وتضَعُ فيه السلاحَ، فلا يقْتُلُ فيه أحدٌ أحدًا، ولَو لقِيَ الرجلُ قاتلَ أبيه أو ابنِه، وإنما كانُوا سمَّوْه ذا القَعدةِ، لقُعودِهم فيه عن المغازِي والحروبِ، فسمَّاه اللهُ بالاسمِ الذي كانت العربُ تُسمِّيه به.
وأما الحرماتُ فإنها جمعُ حُرمةٍ، كما الظُّلُماتُ جمعُ ظُلْمةٍ، والحجُراتُ جمعُ حُجرَةٍ.
وإنما قال ﵎: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ فجمَع، لأنه أرادَ الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ وحُرمةَ الإحرامِ.
فقال جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ والمؤمنين معه: دخولُكم الحرمَ، بإحرامِكم هذا في شهرِكم الحرامِ، قصاصٌ مما مُنِعتم مِن مثلِه عامَكم الماضي.
وذلك هو الحرماتُ التي جعلَها اللهُ قصاصًا.
وقد بينَّا أن القصاصَ هو المجازاةُ من جهةِ الفعلِ أو القولِ أو البدَلِ (٢)، وهو في هذا الوضعِ من جهةِ الفعلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ فيما نزَل فيه قولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ ابنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فهذا ونحوُه نزَل بمكةَ والمسلمونَ يومَئذٍ قليلٌ، ليسَ لهم سلطانٌ يَقهَرُ المشركينَ، وكان المشركونَ يَتعاطَوْنهم بالشَّتْمِ والأذَى، فأمرَ اللهُ المسلمين مَن يُجازِي منهم أن يُجازِيَ بمثلِ ما أُتِي إليه أو يصبِرَ، أو يَعفُوَ فهو أمثلُ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وأعزَّ اللهُ سلطانَه، أمَر المسلمين أن يَنتهُوا في مظالِمهم إلى سُلطانِهم، وألا يعدوَ بعضُهم على بعضٍ كأهلِ الجاهليةِ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن قاتلَكم أيُّها المؤمنون من المشركين، فقاتِلوهم كما قاتَلوكُم.
وقالوا: نزَلتِ الآيةُ علَى رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ وبعدَ عُمرةِ القَضِيَّةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾: فقاتِلوهم فيه كما قاتَلوكم (٢).
وأشبهُ التأويليِن بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ القولُ الذي حُكِي عن مجاهدٍ؛ لأنّ الآياتِ قبلَها إنما هي أمرٌ من اللهِ للمؤمنِين بجهادِ عدوِّهم علَى صفةٍ، وذلك قولُه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ والآيات بعدَها، وقولُه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ إنّما هو في سياقِ الآيات التي فيها الأمرُ بالقتالِ والجهادِ، واللهُ إنما فرَض القتالَ على المؤمنين بعدَ الهجرةِ.
فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ مدنيٌّ لا مكيٌّ، إذْ كَان فرضُ قتالِ المشركين لم يكنْ وجَب علَى المؤمنين بمكةَ، وأنّ قولَه: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ نظيرُ قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ وأن معناه: فمن اعتدَى عليكم في الحرمِ فقاتَلكم فاعتَدُوا عليه بالقتالِ نحوَ اعتدائِه عليكم بقتالِه إيَّاكم؛ لأني قد جعَلتُ الحرماتِ قصاصًا، فمَن استحلَّ منكم أيُّها المؤمنون من المشركين حُرْمةً في حَرَمى، فاستحِلُّوا منه مثلَه فيه.
وهذه الآيةُ منسوخةٌ بإذنِ اللهِ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ بقتالِ أهلِ الحرمِ ابتداءً في الحرمِ، وقولُه: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ على نحوِ ما ذكَرنا [من القولِ في ذلك عن ابنِ زيدٍ.
وأما قولُه: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإنّ فيه وجهَين مِن التأويلِ؛ أحدُهما، ما قد ذكَرنا قبلُ] (١) مِن أنه بمعنَى المجازاةِ وإتباعِ لفظٍ لفظًا وإنِ اختلَف معنياهما، كما قال: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] وما أشبهَ ذلك مما أَتْبَع لفظٌ لفظًا واختلفَ المعْنيانِ.
والآخرُ، أن يكونَ بمعْنى العَدْوِ الذي هو شدٌّ ووثوبٌ، من قولِ القائلِ: عدَا الأسدُ على فريستِه.
فيكونُ معنى الكلامِ: فمَن عدَا عليكم، أيْ: فمَن شدَّ عليكم ووثَب بظلمٍ، فاعْدُوا عليه، أيْ: فشُدُّوا عليه وثِبوا بحقٍّ (١)؛ قِصاصًا لما فعَل بكم لا ظلمًا.
ثم تَدْخُلُ التاءُ في "عَدا"، فيقالُ: افتعَل مكانَ "فعَل"، كما يقالُ: اقترَب هذا الأمرُ.
بمعنى: قرُب، واجتلَب كذا.
بمعْنى: جلَب، وما أشبَهَ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واتّقُوا اللهَ أيُّها المؤمنونَ في حُرُماتِه وحدودِه أن تعَدَّوا فيها، فتَتَجاوَزُوا فيها ما بَيَّنَه وحدَّه لكم، واعلَمُوا أنَّ اللهَ يحِبُّ المتقين الذين يَتَّقونه بأداءِ فرائضِه وتجنُّبِ محارمِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، ومَن عُنِي بقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾.
وسبيلُ اللهِ طريقُه الذي أمَر أن يُسْلَكَ فيه إلى عدوِّه مِن المشركِين لجهادِهم وحربِهم، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
يقولُ: ولا تَتْرُكُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ، فإنَّ اللهَ يعوِّضُكم منها أجرًا، ويَرزُقُكم عاجلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ والحسنُ بنُ عرفةَ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن شقيقٍ (٢)، عن حذيفةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: يَعْني في تركِ النفقةِ [في سبيلِ اللهِ] (١)، حدَّثني محمدُ بنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن حذيفةَ، وحدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الأعمشِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، جميعًا عن شَقيقٍ، عن حذيفةَ، قال: هو تَركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٢).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ أنَّه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: تُنْفِقُ في سبيلِ اللهِ وإن لم يَكُنْ لك إلَّا مِشقَصٌ (٣) أو سهمٌ (٤).
شعبةُ الذي يَشُكُّ في ذلك.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ الذي كان يحدِّثُ عنه الكلبيُّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن لم يَكُنْ لك إلا سهمٌ أو مِشْقَصٌ أنفِقْه (١).
حدَّثني ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيىَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: في النفقةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ.
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: ليسَ التَّهْلُكةُ أن يُقْتَلَ الرجلُ في سبيلِ اللهِ، ولكنِ الإمساكُ عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن عِكْرمةَ، قال: نزَلتْ في النفقاتِ في سبيلِ اللهِ.
يعْني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صَخْرٍ، عن محمدِ ابنِ كَعْبٍ القُرظيِّ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: كان القومُ في سبيلِ اللهِ، فيتَزوَّدُ الرجلُ، فكان أفضلَ زادًا من الآخَرِ، أنفَق البائسُ مِن زادِه حتى لا يبقَى مِن زادِه شيْءٌ، أحبَّ أن يُواسِيَ صاحبَه، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ خلَفٍ العَسقلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شَيْبانُ، عن منصورِ بنِ المُعْتَمِرِ، عن أبي صالحٍ مولى أُمِّ هانئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: لا يَقولَنَّ أحدُكم: إنِّي لا أجِدُ شيئًا.
إن لم يَجِدْ إلا مِشْقَصًا فلْيَجَّهَّزْ (١) به في سبيلِ اللهِ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ - يعني ابنَ أبي هندٍ - عن عامرٍ أن الأنصارَ كان احْتَبَس عليهم بعضُ الرزقِ، وكانوا قد أنفَقوا نفقاتٍ.
قال: فساء ظنُّهم وأمسَكوا.
قال: فأنزَل اللهُ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: وكانت التَّهْلُكةُ سوءَ ظنِّهم وإمساكَهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: [لا تَمْنَعنَّكم] (٤) نفقةً في حقِّ خِيفَةُ العَيْلةِ (٥).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: كان قتادةُ يُحَدِّثُ أنَّ الحسنَ حدَّثه أنَّهم كانوا يسافِرون ويَغْزُون ولا يُنْفِقُون مِن أموالِهم.
أو قال: لا يُنْفِقون في ذلك، فأمرَهم اللهُ أن يُنْفِقُوا في مغازِيهم في سبيلِ اللهِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ يَقولُ: لا تُمْسِكوا بأيدِيكم عن النفقةِ في سبيلِ اللهِ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾.
يقولُ: أنْفِقْ في سبيلِ اللهِ ولو عِقالًا، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ تقولُ: ليس عندي شيْءٌ" (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو غَسّانَ، قال: ثنا زُهَيرٌ، قال: ثنا خُصَيفٌ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: لما أمَر اللهُ بالنفقةِ فكانوا أو بعضُهم يقولون: نُنْفِقُ فيَذْهَبُ مالُنا ولا يَبقَى لنا شيْءٌ (٤)؟
قال: فقال: أنْفِقُوا ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكةِ.
قال: أنفِقُوا وأنا أرزُقُكم.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: نزَلت في النفقةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا أبوْ (٥) هَمّامٍ الأهوازيُّ، قال: أخبَرَنا يونسُ، عن الحسنِ في التَّهْلُكةِ، قال: أمَرهم اللهُ بالنفقةِ في سبيلِ اللهِ، وأخبَرهم أنَّ تَرْكَ النفقةِ في سبيلِ اللهِ التَّهْلُكَةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: سأَلتُ عطاءً عن قوله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: يقولُ: أنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ما قلَّ وكثُر.
قال: وقال لي عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ: نزَلت في النفقةِ في سبيلِ اللهِ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يَقولَنَّ الرجلُ: لا أجِدُ شيئًا، قد هلَكتُ.
فَلْيتَجَهَّزْ ولو بمِشْقَصٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنِي عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
يقولُ: أنْفِقُوا ما كان مِن قليلٍ أو كثيرٍ، ولا تَسْتَسْلِموا ولا تُنْفِقوا شيئًا فتَهلِكوا.
حدَّثني المثُنَىَّ، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ، قال: التَّهْلُكةُ أن يُمْسِكَ الرجلُ نفسَه ومالَه عن النفقةِ في الجهادِ في سبيلِ اللهِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، عن يونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
[قال: أمَر أن تُنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، وقال: لا تُلقُوا بأيديكم إلى التهلُكةِ] (٣)، فَتَدَعُوا النفقةَ في سبيلِ اللهِ.
[حدَّثنا ابنُ سِنانٍ القزَّازُ، قال: نا الحسينُ بنُ الحسنِ الأشقرُ، قال: أنا أبو حذيفةَ، عن عَطَاءٍ، عن سعيدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: ليس في القتالِ، ولكنْ حَبْسُكَ النَّفقةَ في سبيلِ اللهِ؛ لأنه عُرْضَةُ تَهْلُكةٍ] (١).
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ؛ عن أبي صالحٍ مَوْلَى أُمِّ هانِئٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: إن لم تجِدْ شيئًا إلا مِشْقَصًا فلْتَجَّهَّزْ به في سبيلِ اللهِ، ولا تقولَنّ: لا أجِدُ شيئًا قد هلكتُ] (٢).
وقال آخرون ممن وجَّه (٣) تأويلَ ذلك إلى أنه معنيةٌ به النفقةُ: معنى ذلك: وأنفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بأيدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، فتَخْرُجوا في سبيلِ اللهِ بغيرِ نفقةٍ ولا قُوَّةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زَيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: إذا لم يَكُنْ عندَك ما تُنْفِقُ، فلا تَخْرُجْ بنفسِك بغيرِ نفقةٍ [وقوةٍ] (٤)، فَتُلْقِيَ بيدَيك إلى التهلكةِ.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عَبْدُ اللهِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وذلك أنّ رجالًا كانوا يَخرُجون في بُعوثٍ يَبْعَثُها رسولُ اللهِ ﷺ بغيرِ] (٢) [نفَقَةٍ فإمّا يُقْطَعُ بهم، وإمّا كانوا عيالًا، فأمَرهم اللهُ أن يَستَنْفِقُوا مما رزَقهم اللهُ ولا يُلْقوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكَةِ؛ [والتَّهْلُكَةُ] (١): أن يَهْلِكَ رجالٌ مِن الجُوعِ والعَطَشِ، أو مِن المشي، وقال لمن بيدِه فضلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢).
وقال آخرون: بل معناه: أنْفِقوا في سبيلِ اللهِ، ولا تُلْقُوا بأيدِيكم فيما أصَبْتُم مِن الآثامِ إلى التَّهْلُكَةِ، فتَأيسُوا مِن رحمةِ اللهِ، ولكنِ ارْجُوا رحمتَه، واعمَلوا الخيراتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبيدٍ المحُاربِيُّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن أبي إسحاقَ، عن البرَاءِ بنِ عازِبٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: هو الرجلُ يصيبُ الذنوبَ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكةِ، يقولُ: لا توبةَ لي (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيّاشٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البرَاءِ، قال: سأَله رجلٌ: أَحْمِلُ على المشركين وَحْدِي فيَقْتُلوني، أَكنتُ ألقَيْتُ بيَدِي إلى التَّهْلُكةِ؟
فقال: لا، إنما التَّهْلُكةُ في النفقةِ، بعَث اللهُ رسولَه، فقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ (٤) [النساء: ٨٤].
حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرَفةَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعُ بنُ الجَرّاحِ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، عن البراءِ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيقولُ: لا يَغْفِرُ اللهُ لي (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البراءَ وسأَله رجلٌ فقال: يا أبا عُمارةَ، أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: أهو الرجلُ يَتَقَدَّمُ فيُقاتِلُ حتى يُقْتَلَ؟
قال: لا، ولكنَّه الرجلُ يَعْمَلُ بالمعاصي، ثم يُلْقِي بيدِه ولا يَتوبُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البَراءَ وسأَله رجلٌ، فقال: الرجلُ يَحْمِلُ على كتيبةٍ وحدَه فيُقاتِلُ، أهو ممن ألْقَى بيدِه إلى التهلكةِ؟
قال: لا، ولكنَّ التَّهْلُكةَ أن يُذْنِبَ الذَّنْبَ فيُلْقِيَ بيدِه، فيَقولَ: لا تُقْبَلُ لي توبةٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكّامٌ، عن الجَرّاحِ، عن أبي إسحاقَ، قال: قلتُ للبَراءِ بنِ عازبٍ: يا أبا عُمارةَ، الرجلُ يَلْقَى ألفًا مِن العدوِّ فيَحْمِلُ عليهم وإنَّما هو وحدَه، أفيكونُ ممن قال اللهُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾؟
فقال: لا، لِيُقَاتِلْ حتى يُقْتَلَ، قال اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامٌ، وحدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية.
فقال عَبيدةُ: كان الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ - قال: حسِبتُه قال: العظيمَ - فيُلْقِي بيدِه فيَسْتَهْلِكُ، زاد يعقوبُ في حديثِه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ، قال: سأَلتُ عَبيدةَ السلمانيَّ عن ذلك، فقال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ فيُلْقِي بيدِه إلى التَّهلُكةِ، ويقولُ: لا توبةَ له.
يعني قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: كان الرجلُ يُصيبُ الذنبَ فيُلْقِي بيدِه.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ عَونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: القُنوطُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن يونسَ وهشامٍ عن ابنِ سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: هو الرجلُ يُذْنِبُ الذنبَ فيَسْتَسْلِمُ، يقولُ: لا توبةَ لي.
فيُلْقِي بيدِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن ابنِ سِيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: هي في الرجلِ يصيبُ الذنبَ العظيمَ، فيُلْقِي بيَدِه ويَرَى أنَّه قد هلَك (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنْفِقُوا في سبيلِ اللهِ ولا تَتْرُكوا الجهادَ في سبيلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرَني حَيْوَةُ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أسلمَ أبي عِمرانَ، قال: غزَوْنا المدينةَ، يُرِيدُ القُسْطَنْطينيَّةَ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ خالدِ بنِ الوليدِ.
قال: فصفَفْنا صَفَّين، لم أرَ صفَّين قَطُّ أعرَضَ ولا أطوَلَ منهما، والرومُ مُلصِقون ظُهورَهم بحائطِ المدينةِ.
قال: فحمَل رجلٌ منا على العدوِّ، فقال الناسُ: مَهْ!
لا إلهَ إلا اللهُ، يُلْقِي بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: إنما تَأوَّلون هذه الآيةَ هكذا أنْ حمَل رجلٌ (٢) يُقاتِلُ يَلْتَمِسُ الشهادةَ أو يُبْلِي مِن نفسِه، إنما نزَلت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لماّ نصَر اللهُ نبيَّه، وأظهرَ الإسلامَ، قلنا بينَنا معشرَ الأنصارِ خَفِيًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ: إنّا قد كنّا ترَكنا أهلَنا وأموالَنا أنْ نُقيمَ فيها ونُصْلِحَها حتى نصَر اللهُ نبيَّه، هَلُمَّ نقيمُ في أموالِنا ونُصْلِحُها.
فأنزَل اللهُ الخبرَ مِن السماءِ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ الآية.
والإلقاءُ بالأيدي إلى التَّهْلُكَةِ أن نُقيمَ في أموالِنا ونُصْلِحَها، ونَدَعَ الجهادَ.
قال أبو عِمرانَ: فلم يَزَلْ أبو أيوبَ يُجاهدُ في سبيلِ اللهِ حتى دُفِن بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ وعبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قالا: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ (١) عبدُ الله بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني حَيْوةُ وابنُ لَهيعةَ، قالا: ثنا يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ، قال: حدَّثني أسلمُ أبو عِمرانَ مولى تُجَيبَ (٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعلى أهلِ مصرَ عُقْبةُ بنُ عامرٍ الجُهَنيُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ، وعلى أهلِ الشامِ فَضالةُ بنُ عُبَيدٍ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ، فخرَج مِن المدينةِ صفٌّ عظيمٌ مِن الرومِ.
قال: وصفَفْنا صفًّا عظيمًا مِن المسلِمينَ، فحمَل رجلٌ مِن المسلِمينَ على صفِّ الرومِ حتى دخَل فيهم، ثم خرَج إلينا مُقبِلًا، فصاح الناسُ وقالوا: سبحانَ اللهِ، ألْقَى بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ!
فقام أبو أيوبَ الأنصاريُّ صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: أيُّها الناسُ، إنكم تتَأوَّلون هذه الآيةَ على هذا التأويلِ، وإنَّما أُنْزِلَت هذه الآيةُ فينا معشرَ الأنصارِ، إنا لما أعزَّ اللهُ دينَه وكثَّر ناصرِيه، قلنا فيما بينَنا بعضُنا لبعضِ سِرًّا مِن رسولِ اللهِ ﷺ: إنَّ أموالَنا قد ضاعت، فلو أنَّا أَقَمْنا فيها فأصْلَحْنا ما ضاع منها.
فأنزَل اللهُ في كتابِه يَرُدُّ علينا ما همَمْنا به، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
بالإقامةِ التي أرَدْنا أن نُقِيمَ في الأموالِ ونُصْلِحَها، فأمرَنا بالغزوِ.
فما زال أبو أيوبَ غازيًا في سبيلِ اللهِ حتى قبَضه اللهُ (٣).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يُقالَ: إن اللهَ جلَّ ثناؤُه أمَر بالإنفاقِ في سبيلِه بقولِه.
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وسبيلُه: طريقُه الذي شرَعه لعبادِه وأوضَحَه لهم.
ومعنى ذلك: [﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾] (١): وأنْفِقوا في إعزازِ دينِي الذي شرَعْتُه لكم بجهادِ عدوِّكم النّاصِبينَ لكم الحربَ على الكفرِ بي.
ونهاهم أن يُلْقُوا بأيدِيهم إلى التَّهْلُكةِ، فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
وذلك مَثَلٌ، والعربُ تقولُ للمُسْتَسْلمِ للأمرِ: أعطَى فلانٌ بيَدَيْه.
وكذلك يُقالُ للمُمَكِّنِ مِن نفسِه مما أُرِيد به: أعطَى بيدَيْه.
فمعنى قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: ولا تَسْتَسْلِموا للهَلَكَةِ فتُعْطُوها أَزِمَّتَكم فتَهْلِكوا، والتاركُ النفقةِ في سبيلِ اللهِ عندَ وجُوبِ ذلك عليه مُسْتَسْلِمٌ للهَلَكَةِ بتركِه أداءَ فرضِ اللهِ عليه في مالِه، وذلك أنَّ اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل أحدَ سِهامِ الصدقاتِ المفروضاتِ الثمانيةِ في سبيلِه، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠].
فمن ترَك إنفاقَ ما لزِمه مِن ذلك في سبيلِ اللهِ على ما لزِمه كان للهَلَكَةِ مستسلِمًا، وبيدَيْه للتَّهْلُكةِ مُلْقِيًا، وكذلك الآيِسُ مِن رحمةِ اللهِ لِذنبٍ سلَف منه مُلْقٍ بيدَيه إلى التَّهْلُكةِ؛ لأنَّ اللهَ قد نَهى عن ذلك فقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
وكذلك التاركُ غزوِ المشركين وجهادِهم في حالِ وُجوبِ ذلك عليه في حالِ حاجةِ المسلمين إليه، مُضَيِّعٌ فرضًا، مُلْقٍ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ.
فإذا كانت هذه المعاني كلُّها يَحْتَمِلُها قولُه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ولم يكنِ اللهُ ﷿ خصَّ منها شيئًا دون شيْءٍ، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إنَّ اللهَ تعالى ذكرُه نهى عن الإلقاءِ بأيدِينا لِما فيه هلاكُنا والاستسلامِ للهَلَكَةِ - وهي العذابُ - بتركِ ما لزِمَنا مِن فرائضِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ منا الدخولُ في شيْءٍ يَكْرَهُه اللهُ منا مما نَسْتَوْجِبُ بدُخولِنا فيه عذابَه، غيرَ أنَّ الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّ الأغلبَ مِن تأويلِ الآيةِ: وأنْفِقُوا أيها المؤمنون في سبيلِ اللهِ، ولا تَتْرُكوا النفقةَ فيها فتَهْلِكُوا باستحقاقِكم بتركِكم ذلك عذابي.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.
قال: التَّهْلُكةُ عذابُ اللهِ (١).
فيكونُ ذلك إعلامًا منه لهم، بعد أمرِه إياهم بالنفقةِ، ما لمن ترَك النفقةَ المفروضةَ عليه في سبيلِه مِن العقوبةِ في المعادِ.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ إدخالِ الباءِ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ وقد علِمتَ أنَّ المعروفَ مِن كلامِ العربِ: ألقَيتُ إلى فلانٍ درهمًا.
دونَ: ألقَيتُ إلى فلانٍ بدرهمٍ؟
قيل: قد قِيل: إنها زِيدت نحوَ زيادةِ القائلِ (٢) الباءَ في قولِه: جذَبتُ الثوبَ، وجذَبتُ بالثوبِ، وتعَلَّقْتُ به، وتعلَّقتُه، و ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].
وإنما هو: تُنبِتُ الدُّهْنَ.
وقال آخرون: الباءُ في قولِه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أصلٌ للكَلِمةِ؛ لأنَّ كلَّ فعلٍ واقعٍ (١) كُنِي عنه فهو مُضْطرٌّ إليها، كنحوِ قولِك في رجلٍ كلَّمتَه، فأرَدتَ الكنايةَ عن فعلِه، فإذا أرَدتَ ذلك، قلتَ: فعلتُ به.
قالوا؛ فلما كانت الباءُ هي الأصلَ جاز إدخالُ الباءِ وإخراجُها في كلِّ فعلٍ سبيلُه سبيلُ كَلِمَتِه.
وأمّا التَّهْلُكةُ، فإنها التَّفْعُلةُ مِنْ الهلاكِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾: أحسِنوا أيُّها المؤمنون في أداءِ ما ألزَمْتُكم مِنْ فرائضي، وتَجَنُّب ما أمَرتُكم بتَجَنُّبِه مِنْ معاصيَّ، وفي (٢) الإنفاقِ في سبيلي، وعَوْدِ القويِّ فيكم (٣) على الضعيفِ ذي الخَلَّةِ (٤)، فإني أُحبُّ المحسنين في ذلك.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ، قال: أخبَرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ مِنْ الصحابةِ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال: أداءُ الفرائضِ (٥).
وقال بعضُهم: معناه: أحسِنوا الظنَّ باللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا حفصُ بنُ عمرَ، عن الحَكَمِ ابنِ أبانٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال: أحسِنوا الظنَّ باللهِ [يَبَرَّ بكم] (١).
وقال آخرون: أحسِنوا بالعَوْدِ على المحتاجِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: عُودُوا على مَن ليس بيدِه شيْءٌ.
[حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرَني عبدُ اللهِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: قال لِمَن في يدِه فضْلٌ: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، فقال بعضُهم: معنى ذلك: أتمُّوا الحجَّ بمناسكِه وسننِه، وأتمُّوا العمرةَ [إلى البيتِ] (٣) بحدودِها وسننِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ نُمَيرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: هي في قراءةَ عبدِ اللهِ: (وأتِمُّوا (١) الحجَّ والعمرةَ إلى البيتِ) قال: لا تَجاوَزوا بالعمرةِ البيتَ.
قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قرَأ: (وأقِيمُوا (٣) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ) (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقَمةَ أنه قرَأ: (وأتِمُّوا (١) الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ فليس له أن يَحِلَّ حتى يُتِمَّها، تمامُ الحجِّ يومُ النحرِ، إذا رمَى جمرةَ العقبةِ وزارَ البيتَ، فقد حلَّ مِن إحرامِه كلِّه، وتمامُ العُمرةِ إذا طاف بالبيتِ والصفا والمروةِ، فقد حَلَّ (٥).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: ما أُمِروا فيهما (١).
حُدِّثْتُ عن عمّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: قال إبراهيمُ، عن عَلْقَمةَ بنِ قَيْسٍ، قال: الحجُّ: مناسكُ الحجِّ، والعمرةُ لا تُجاوِزْ بها البيتَ (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: تقضى مناسكَ الحجِّ؛ عرفةَ والمزدلِفَةَ ومواطنَها، والعمرةُ للبيتِ [إنما هي تَطَّوَّفُ] (٣) بالبيتِ وبينَ الصفا والمروةِ ثم تَحِلُّ.
وقال آخرون: تمامُهما أن تُحْرِمَ بهما مفردَينِ من دُوَيرةِ أهلِك.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، عن عليٍّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: أن تُحرِمَ مِن دُوَيرةِ أهلِك (٤).
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسةَ، عن شعبةَ، عن عمرو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ بنِ سلمةَ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: أرأيتَ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: أن تُحرِمَ من دُوَيرَةَ أهلِك.
حَدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: من تمامِ العُمرةِ أن تُحرِمَ من دُوَيرَةِ أهلِك (١).
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ثَوْرِ بنِ يزيدَ، عن سليمانَ بنِ موسَي، عن طاوسٍ، قال: تمامُهما إفرادُهما مُؤْتَنَفَيْنِ (٢) مِن أهلِك.
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا [أبو نُعيمٍ الفَضْلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا] (٣) سفيانُ، عن ثورٍ، عن سليمانَ بنِ موسَى، عن طاوسٍ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: تُفْرِدُهما مُؤْتَنَفَين (٤) مِن أهلِك، فذلك تمامُهما (٥).
وقال آخرون: تمامُ العُمرةِ أن تُعْمَلَ في غيرِ أشهرِ الحَجِّ، وتمامُ الحجِّ أن يُؤْتَى بمناسِكِه كلِّها حتى لا يَلْزَمَ عاملَه دمٌ بسببِ قِرانٍ ولا مُتعةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: تمامُ العُمرةِ ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وما كان في أشهرِ الحجِّ، ثم أقامَ حتى يَحُجَّ فهي مُتْعةٌ، عليه فيها الهَدْيُ إن وجَدَ، وإلا صامَ ثلاثةَ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةً إذا رجَع (١).
حَدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: ما كان في غيرِ أشهرِ الحجِّ فهي عُمرةٌ تامَّةٌ، وما كان في أشهرِ الحجِّ فهي مُتْعةٌ وعليه الهَدْيُ.
حَدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابنِ عَونٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنَّ العُمرةَ في أشهرِ الحجِّ ليست بتامَّةٍ.
قال: فقيل له: العُمرةُ في المُحرَّمِ؟
قال: كانوا يَرَوْنَها تامَّةً (٢).
وقال آخرون: إتمامُهما أن تَخْرُجَ مِن أهلِك ولا تُريدُ غيرَهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني رجلٌ، عن سفيانَ، قال: هو - يعني تمامَهما - أن تَخْرُجَ مِن أهلِك لا تريدُ إلا الحجَّ والعُمرةَ، وتُهِلَّ مِن الميقاتِ، ليس أن نَخْرُجَ لتجارةٍ ولا لحاجةٍ، حتى إذا كُنْتَ قريبًا مِن مكةَ قلتَ: لو حَجَجْتُ أو اعتَمَرْتُ.
وذلك يُجزِئُ، ولكنَّ التَّمامَ أن تَخْرُجَ له لا تَخْرُجُ لغيرِه (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أتمُّوا الحَجَّ والعُمرةَ للَّهِ إذا دخَلتم فيهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ليست العُمرةُ واجبةً على أحدٍ مِن الناسِ.
قال: فقلتُ له: قولُ اللَّهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: ليس مِن الخَلقِ أحدٌ ينبَغي له [إذا دخَلَ] (١) في أمرٍ إلا أن يُتِمَّه، فإذا دخَل (٢) فيها لَمْ يَنْبَغِ له أن يُهِلَّ يومًا أو يومَين ثم يَرْجِعَ، كما لو صامَ يومًا لَمْ يَنْبَغِ له أن يُفْطِرَ في نصفِ النهارِ.
وكان الشعبيُّ يَقْرَأُ ذلك رفعًا (٣): حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي بُرْدةَ، أن الشعبيَّ وأبا بُرْدةَ تذاكرَا العُمرةَ، قال: فقال الشعبيُّ: تَطوُّعٌ: (وأتموا الحَجَّ والعُمْرةُ للهِ).
وقال أبو بُرْدَةَ: هي واجبةٌ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ عَونٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَقْرؤُها: (وأتمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةُ لِلَّهِ) (٥).
وقد روِي عن الشعبيِّ خلافُ هذا القولِ، وإن كان المشهورُ عنه مِن القولِ هو هذا.
وذلك ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن الشعبيِّ، قال: العُمرةُ واجبةٌ (٦).
فقراءةُ مَن قال: العُمرةُ واجبةٌ.
نَصْبُها بمعنى: أَقِيمُوا فرضَ الحجِّ والعُمرةِ.
كما حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يَقُولُ: سمِعتُ مَسروقًا يقولُ: أُمِرْتم في كتابِ اللَّهِ بأربعٍ؛ بإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، والعمرةِ.
قال: ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (وأتموا الحج والعمرة إلى البيت) (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ لَيْثًا يَرْوِي عن الحسنِ، عن مَسروقٍ، قال: أُمِرنا بإقامةِ أربعةٍ؛ الصلاةِ، والزكاةِ، والعمرةِ، والحجِّ، فنُزِّلَت العُمرةُ مِن الحجِّ منزلةَ الزكاةِ مِن الصلاةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عليُّ بنُ حسينٍ وسعيدُ بنُ جُبيرٍ، وسئِلا: أواجبةٌ العُمرةُ على الناسِ؟
فكلاهما قال: ما نَعْلَمُها إلا واجبةً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، قال: سأَل رجلٌ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن العُمرةِ فريضةٌ هي أم تَطَوُّعٌ؟
قال: فريضةٌ.
قال: فإن الشعبيَّ يقولُ: هي تطوُّعٌ.
قال: كذَب (٤) الشعبيُّ.
وقرَأ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، وعمّن سمِع عطاءً يَقُولُ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
قال: هما واجبانِ؛ الحجُّ والعُمرةُ (١).
فتأويلُ هؤلاءِ في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ في أنهما واجِبانِ: أمَر (٢) اللَّهُ بإقامتِهما كما أَمر بإقامِ الصلاةِ، وأنهما فريضتان، وأوجَبَ العُمرةَ وجوبَ الحجِّ.
وهم عددٌ كثيرٌ مِن الصحابةِ والتابِعين، ومَن بعدَهم مِن الخالفِين كرِهنا تطويلَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ الرواياتِ عنهم.
وقالوا: معنى قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: وأَقِيمُوا الحَجَّ والعُمرةَ.
ذكرُ بعضِ مَن قال ذلك حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
يقولُ: أقِيموا الحجَّ والعُمرةَ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: (وأقيمُوا الحجَّ والعُمْرَةَ للبيْتِ): ثم هي واجبةٌ مِثلُ الحجِّ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُويرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: (وَأَقيمُوا الحجَّ والْعُمْرَةَ إلى الْبَيْتِ).
ثم قال عبدُ اللَّهِ: لولا التَّحَرُّجُ وأني لم أَسْمَعْ مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ فيها شيئًا، لقُلتُ: إن العُمرةَ واجبةٌ مثلُ الحجِّ (٥).
وكأنهم عَنَوا بقولِهم: (وأقيموا الحجَّ والعُمرةَ): ائْتوا بهما بحدودِهما وأحكامِهما على ما فُرِضَ عليكم.
وقال آخرون ممن قرَأ قراءةَ هؤلاءِ بنصبِ العُمرةِ: العُمرةُ تطوُّعٌ.
ورأوْا أنه لا دَلالةَ على وُجوبِها في نصبِهم العُمرةَ في القراءةِ، إذ كان مِن الأعمالِ ما قد يَلْزَمُ العبدَ عملُه، وإتمامُه بدخولِه فيه، ولم يَكُنِ ابتداءُ الدخولِ فيه فرضًا عليه، وذلك كالحَجِّ التطوُّعِ، لا خلافَ بين الجميعِ فيه أنه إذا أحرَم به أنَّ عليه المُضِيَّ فيه وإتمامَه، ولم يكنْ فرضًا عليه ابتداءُ الدخولِ فيه.
وقالوا: فكذلك العُمرةُ غيرُ فرضٍ واجبٍ الدخولُ فيها ابتداءً، غيرَ أنَّ على مَن دخَل فيها وأوجَبها على نفسِه إتمامَها بعدَ الدخولِ فيها.
قالوا: ليس في أمرِ اللَّهِ بإتمامِ الحجِّ والعمرةِ دَلالةٌ على وجوبِ فرضِهِما (١).
قالوا: وإنما أوجَبنا فَرْضَ الحَجِّ بقولِ اللَّهِ تعالى ذِكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
وممن قال ذلك جماعةٌ مِن الصحابةِ والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين.
ذكرُ بعضِ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: الحجُّ فريضةٌ، والعُمرةُ تطوُّعٌ (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن النَّخَعِيِّ، عن ابنِ مسعودٍ مثلَه.
وحدَّثنا ابنُ بَشارٍ، قال: ثنا ابنُ عَثْمَةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: العُمرةُ ليستْ بواجبةٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن سماكٍ (١)، قال: سألتُ إبراهيمَ عن العُمرةِ فقال: سنةٌ حسنةٌ (٢).
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحَجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَونٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: العُمرةُ تطوُّعٌ (٣).
فأما الذين قرَءوا ذلك برفعِ "العُمرةِ"، فإنَّهم قالوا: لا وَجْهَ لنصبِها؛ لأنَّ العُمرةَ إنما هي زيارةُ البيتِ، ولا يكونُ مستحِقًّا اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا وهو له زائِرٌ.
قالوا: وإذا كان لا يَسْتَحِقُّ اسمَ مُعْتَمِرٍ إلا بزيارتِه - وهو متى بلَغه فطاف به وبالصفا والمروةِ، فلا عَملَ يبقى بعدَه يُؤمَرُ بإتمامِه بعدَ ذلك، كما يُؤمَرُ الحاجُّ بعدَ بُلوغِه والطوافِ به وبالصفا والمروةِ بإتيانِ عرفةَ والمُزدَلِفةِ، والوقوفِ بالمواضعِ التي أُمِر بالوقوفِ بها، وعَمَلِ سائِرِ أعمالِ الحجِّ الذي هو مِن تمامِه بعدَ إتيانِ البيتِ - لم يكنْ لِقولِ القائلِ للمعتمرِ: أَتِمَّ عُمرتَك.
وجهٌ مفهومٌ.
قالوا (١): وإذا لم يَكُنْ له وَجْهٌ مفهومٌ، فالصوابُ مِن القراءةِ في "العُمرةِ" بالرفعِ على أنها (٢) من أعمالِ البرِّ للَّهِ، فتكونُ مَرفوعةً بخبرِها الذي بعدَها، وهو قولُه: ﴿لِلَّهِ﴾.
وأَوْلى القِراءَتين بالصوابِ في ذلك عندَنا قراءةُ مَن قرَأ بنصبِ "العُمرةِ" على العطفِ بها على "الحجِّ"، بمعنى الأمرِ [بإتْمامِها للَّهِ] (٣)، ولا معنى لاعتلالِ من اعتَلَّ في رفعِها بأنَّ العمرةَ زيارةُ البيتِ، وأن (٤) المُعْتَمِرَ متى بلَغه فلا عمَل بقِي عليه يؤمَرُ بإتمامِه؛ وذلك أنه إذا بلَغ البيتَ، فقد انْقَضَتْ زيارتُه وبقِي عليه تمامُ العمَلِ الذي أمَره اللَّهُ به في اعتمارِه وزيارتِه البيتَ، وذلك هو الطوافُ بالبيتِ، والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ، وتَجَنُّبُ ما أمَر اللَّهُ بتَجَنُّبِه إلى إتمامِه ذلك.
وذلك عمَلٌ - وإن كان مما لزِمه بإيجابِه (٥) الزيارةَ على نفسِه - غيرُ الزيارةِ.
هذا، مع إجماعِ الحجةِ على قراءةِ "العمرةِ" بالنصبِ، ومخالفةِ جمبعِ قرأةِ الأمصارِ قراءةَ مَن قرَأ ذلك بالرفعِ، ففي ذلك مُسْتَغْنًى عن الاستشهادِ على خطإِ قِراءةِ (٦) مَن قرَأ ذلك رفعًا.
وأما أَولى القولين اللذين ذكَرنا بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على قراءةِ مَن قرَأ ذلك نصبًا، فقولُ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ومَن قال بقولِه، من أن معنى ذلك: وأتموا الحجَّ والعمرةَ للَّهِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِكم إياهما.
لا أنَّ ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ بابتداءِ عملِهما والدخولِ فيهما وأداءِ عملِهما بتمامِه بهذه الآيةِ؛ وذلك أن الآيةَ مُحْتَمِلةٌ المعنيين اللذين وصَفنا؛ من أن يكون أمرًا مِن اللَّهِ بإقامتِهما بتَمامِهما (١) ابتداءً، وإيجابًا منه على العبادِ فرضَهما.
وأن يكونَ أمرًا منه بإتمامِهما بعد الدخولِ فيهما، وبعد إيجابِ موجبِهما على نفسِه.
فإذا كانت الآيةُ مُحْتَمِلةً المعنيين اللذين وصَفنا، فلا حجةَ فيها لأحدِ الفريقين على الآخَرِ، إلا وللآخَرِ عليه فيها مثلُها.
وإذا كان ذلك (١) كذلك ولم يكنْ بإيجابِ فرضِ العُمرةِ خبرٌ عن الحجةِ للعذرِ قاطعًا، وكانت الأمةُ في وجوبِها متنازعةً، لم يكنْ لقولِ قائلٍ: هي فرضٌ.
بغيرِ برهانٍ دالٍّ على صحةِ قولِه - معنًى، إذ كانت الفروضُ لا تَلْزَمُ العبادَ إلا بدلالةٍ على لزومِها إياهم واضحةٍ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنها واجبةٌ وُجوبَ الحجِّ، وأنَّ تأويلَ مَن تأوَّل قولَه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
بمعنى: أقِيمُوا حدودَهما وفُروضَهما.
أولى مِن تأويلِنا، لما (٢) حدَّثني به حاتمُ بنُ بكرٍ (٣) الضبيُّ، قال: ثنا أشهلُ بنُ حاتمٍ الأرطبانيُّ (٤)، قال: ثنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بنِ جُحادةَ، عن رجلٍ، عن زميلٍ له، عن أبيه - وكان أبوه يُكنَى أبا المُنْتَفِقِ - قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ بعرفةَ، فدنَوتُ منه، حتى اختلَفَت عنقُ راحِلَتي وعنقُ راحلتِه، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أنْبِئْني بعملٍ يُنْجِيني مِن عذابِ اللَّهِ ويُدْخِلُني جنتَه؟
قال: "اعْبُدِ اللَّهَ ولَا تُشْرِكْ به شيئًا، وأقمِ الصلاةَ المكتوبةَ، وأدِّ الزكاةَ المفروضةَ، وحُجَّ واعْتَمِرْ" - قال أشهلُ: وأظنُّه قال: "وصُمْ رمضانَ" - "وانْظُرْ ما تُحِبُّ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فافْعَلْه بهم، وما تَكْرَهُ مِن الناسِ أن يَأْتُوه إليك فذَرْهُم منه" (١).
وما حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ (٢)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ ومحمدُ بنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن النعمانِ بنِ سالمٍ، عن عمرِو بنِ أوسٍ، عن أبي رَزينٍ العُقَيليِّ، رجلٍ مِن بني عامرٍ، قال: قلت يا رسولَ اللَّهِ، إن أبي شيخٌ كبيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعْنَ، وقد أدرَكَه الإسلامُ، أفأَحُجُّ عنه؟
قال: "حُجَّ عن أبيك واعْتَمِرْ" (٣).
وما حدَّثني به يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ خطَب فقال: "اعْبُدُوا اللَّهَ ولَا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا، وأقِيمُوا الصلاةَ، وآتُوا الزكاةَ، وحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا، واسْتَقِيموا يَسْتَقِم لكم" (٤).
وما أشبَهَ ذلك مِن الأخبارِ.
فإنَّ هذه أخبارٌ لا يَثْبُتُ بمثلِها في الدينِ حُجَّةٌ لوَهْيِ أسانيدِها، وأنها مع وَهْيِ أسانيدِها لها مِن (١) الأخبارِ أشكالٌ تُنْبئُ عن أنَّ العُمرةَ تَطَوُّعٌ، لا فرضٌ واجبٌ.
وهو ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيدٍ ومحمدُ بن عيسى الدَّامَغانيُّ، قالا: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُبَارَكِ، عن الحَجَّاجِ بنِ أرْطاةَ، عن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنه سُئِل عن العُمرةِ أواجبةٌ هي؟، فقال: "لا، وأن تَعْتَمِروا خيرٌ لكم" (٢).
حدَّثنا ابنُ حَمْيدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، وحدَّثني يحيى بنُ طَلْحَةَ اليربوعِيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن مُعاويةَ بنِ إسحاقَ، عن أبي صالحٍ الحنفيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "الحَجُّ جهادٌ، والعُمرةُ تَطَوُّعٌ" (٣).
وقد زعَم بعضُ أهلِ الغباءِ أنه قد صَحَّ عندَه أنَّ العُمرةَ واجبةٌ؛ بأنه لم يَجِدْ تَطَوُّعًا إلا وله إمامٌ مِن المكتوبةِ، فلما صَحَّ أن [للعُمْرَةِ تَطَوُّعًا] (٤) وجَب أن يَكُونَ لها فرضٌ؛ لأن الفرضَ إمامُ التطوُّعِ في جميعِ الأعمالِ.
فيقالُ لقائلِ ذلك: قد جُعِل للاعتكافِ (٥) تطوُّعٌ، فما الفرضُ منه (٦) الذي هو إمامُ تَطوُّعِه (١)؟
ثم يُسْأَلُ عن الاعتكافِ أواجبٌ هو أم غيرُ واجبٍ؟
فإن قال: واجبٌ.
خرَج مِن قولِ جميعِ الأمةِ.
وإن قال: تَطَوُّعٌ.
قيل: فما الذي أوجَب أن يكونَ الاعتِكافُ تَطَوُّعًا والعُمرةُ فرضًا مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له؟
فلن يَقُولَ في أحدِهما قَولًا (٢) إلا أُلزِم في الآخَرِ مِثلَه.
[وبما اسْتَشْهَدْنا مِن الأدلَّةِ، فإنَّ] (٣) أولى القراءَتين بالصوابِ في "العُمرةِ" قراءةُ مَن قرَأها نصبًا.
وأن أولى التأويلين في قولِه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.
تأويلُ ابنِ عباسٍ الذي ذكَرناه عنه مِن روايةِ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنه، مِن أنه أمْرٌ مِن اللَّهِ جلّ ثناؤُه بإتمامِ أعمالِهما بعدَ الدخولِ فيهما وإيجابِهما، على ما أَمَر به مِن حدودِهما وسُنَنِهما.
وأنَّ أولى القولين في العُمرةِ بالصوابِ قولُ مِن قال: هي تَطَوُّعٌ لا فرضٌ.
وأنَّ معنى الآيةِ: وأتمُّوا أيُّها المؤمنون الحجَّ والعمرةَ للَّهِ بعدَ دخولِكم فيهما وإيجابِكموهما على أنفسِكم على ما أمَركم اللَّهُ به مِن حدودِهما.
وإنما أنزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ على نبيِّه ﷺ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ التي صُدَّ فيها عن البيتِ، [مُعَرِّفَه والمؤمنين] (٤) فيها ما عليهم في إحرامِهم إن خُلِّيَ بينَهم وبينَ البيتِ، ومبيِّنًا لهم فيها ما المَخرجُ لهم مِن إحرامِهم إن أُحْصِروا (٥) فصُدُّوا عن البيتِ، وبذكرِ اللازمِ لهم مِن الأعمالِ في عُمْرَتِهم التي اعْتَمَرُوها عامَ الحُديبيةِ وما يَلْزَمُهم فيها بعدَ ذلك في عُمَرِهم وحجِّهم افتَتَح قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وقد دلَّلنا فيما مضى على معنى "الحجِّ" و"العمرةِ" بشواهدِ ذلك، فكرِهْنا تطويلَ الكتابِ بإعادتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في "الإحصارِ" الذي جعَل اللَّهُ على مَن ابتُلِي به في حجِّه وعُمرتِه ما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ فقال بعضُهم: هو كلُّ مانعٍ و (١) حابسٍ منَع المحرِمَ وحبَسه عن العملِ الذي فرَضه اللَّهُ عليه في إحرامِه ووصولِه إلى البيتِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: الحَصْرُ الحبسُ كلُّه.
يقولُ: أيُّما رجلٍ اعتُرِض له في حجتِه أو عمرتِه فإنه يَبْعَثُ بهديِه مِن حيثُ يُحْبَسُ.
قال: وقال مجاهدٌ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن أحصِرتُم: يَمْرَضُ إنسانٌ أو يُكْسَرُ أو يَحْبِسُه أمرٌ فغَلَبَه، كائنًا ما كان، فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَرَ مِن الهَديِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النحرِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الإحصارُ مِن (١) كلِّ شيءٍ يَحْبِسُه (٢).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال في المُحصَرِ: هو الخوفُ والمرضُ والحابسُ، إذا أصابه ذلك بَعث بهديِه، فإذا بلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّه حَلَّ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: نا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ أو مرضٌ أو حابسٌ حبَسه عن البيتِ، يَبْعَثُ بهَدْيِه، فإذا بلَغ مَحِلَّه صار حلالًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كلُّ شيءٍ حبَس المُحرِمَ فهو إحصارٌ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن إبراهيمَ - قال أبو جعفرٍ: أحسَبُه عن شريكٍ، عن إبراهيمَ بنِ المهاجرِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
قال: مرضٌ أو كَسْرٌ أو خَوْفٌ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
يَقُولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعُمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرضٍ يُجْهِدُه، أو عذرٍ يَحْبِسُه، فعليه قضاؤُها (١).
وعِلَّةُ مَن قال بهذه المقالةِ أن الإحصارَ معناه في كلامِ العربِ منعُ العِلةِ من المرضِ وأشباهِه غيرِ القهرِ والغلبةِ من قاهرٍ أو غالبٍ، إلا غلبةَ علةٍ من مرضٍ أو لدغٍ أو جِراحٍ، أو ذَهابِ نفقةٍ، أو كسرِ راحلةٍ.
فأما منعُ العدوِّ، وحبسُ حابسٍ في سجنٍ، وغلبةُ غالبٍ حائلٍ بينَ المحرمِ والوصولِ إلى البيتِ من سلطانٍ أو إنسانٍ قاهرٍ مانعٍ، فإن ذلك إنما تُسَمِّيه العربُ حصْرًا لا إحصارًا.
قالوا: ومما يَدُلُّ على ذلك قولُ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨].
يعني به: حاصرًا، أي: حابسًا.
قالوا: ولو كان حبسُ القاهرِ الغالبِ مِن غيرِ العللِ التي وصَفنا يُسَمَّى إحصارًا، لوجَب أن يُقالَ: قد أُحْصِرَ العدوُّ.
قالوا: وفي اجتماعِ (٢) لغاتِ العربِ على: حوصِر العدوُّ، والعدوُّ محاصَرٌ، دون: أُحْصِر العدوُّ، فهم (٣) مُحصَرون، وأُحصِر الرجلُ بالعلةِ من المرضِ والخوفِ - أكبرُ الدَّلالةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: بمرضٍ أو خوفٍ أو علةٍ مانعةٍ.
قالوا: وإنما جعَلْنا حبْسَ العدوِّ ومنعَه المُحرمَ مِن الوصولِ إلى البيت بمعنى حَصْرِ المرضِ، قياسًا على ما جعَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه من ذلك للمريضِ الذي منعَه المرضُ من الوُصولِ إلى البيتِ، لا بدَلالةِ ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
إذ كان حبسُ العدوِّ والسلطانِ والقاهرِ عِلَّةً مانعةً، نظيرةَ العلةِ المانعةِ مِن المرضِ والكَسْرِ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإن حبَسكم عدوٌّ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أو حابسٌ قاهرٌ مِن بني آدمَ.
قالوا: فأما العللُ العارضةُ في الأبدانِ؛ كالمرضِ والجراحِ وما أشبَهها، فإن ذلك غيرُ داخلٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
ذِكرُ مَنْ قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فَيَبْعَثُ الرجلُ بهَدْيَتِه، فإن كان لا يَسْتَطِيعُ أن يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَدَ مَن يُبَلِّغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ - قال محمدُ بنُ عمرٍو: قال أبو عاصِمٍ: لا ندري، قال: يُحْرِمُ أو يَحِلُّ - مِن يومِ يُواعِدُ فيه صاحبَ الهَدْيِ إذا اشترى، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ و (١) يَعْتَمِرَ، فإذا أصابه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، فإن كان معه هَدْيٌ فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بعَث به فليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا، ولا يَعْتَمِرَ إلا أن يَشاءَ (٢).
حدِّثتُ عن أبي عبيدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصْرَ إلا من حبْسِ عدوٍّ (٣).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن ابن عباسٍ، وابنِ طاوُسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحَصْرُ حَصْرُ العدوِّ، فأما مَن أصابه مرضٌ أو ضلالٌ أو كَسْرٌ، فلا شيءَ عليه، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
فلا يكونُ الأمنُ إلا مِن الخوفِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ، إلا أنه قال: يَبْعَثُ بها ويُحْرِمُ مِن يومِ واعَد فيه صاحبَ الهَدْيَةِ إذا اشْتَرَى.
ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.
وقال مالكُ بنُ أنسٍ (١): بلغني أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحُدَيْبِيَةِ، فنَحَرُوا الهَدْيَ، وحلَقوا رُءوسَهم، وحلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه ولا ممن كان معه أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودوا لشيءٍ.
حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ عنه.
قال: وسئل مالكٌ عمَّن أُحصِر بعدوٍّ وحيلَ بينَه وبينَ البيتِ؟
فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِسَ (٢)، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ.
قال: والأمرُ عندَنا في من أُحْصِر بغيرِ عدوٍّ، بمرضٍ أو ما أشبَهَه، أن يَتَداوَى (٣) بما لا بدَّ له (٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم يَجْعَلَها عُمْرةً، ويحجَّ عامًا قابَلا ويُهْدِيَ (١).
وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أَعْنِي مَن قال قولَ مالكٍ - أَنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في حَصْرِ المشركينَ رسولَ اللَّهِ ﷺ وأصحابَه عن البيتِ، فأمَر اللَّهُ جل ثناؤُه نبيَّه ﷺ ومَن معه بنَحْرِ هداياهم والإحلالِ.
قالوا: فإنما أنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ في حصرِ العدوِّ، فلا يَجُوزُ أن يُصْرَفَ حُكْمُها إلى غيرِ المعنى الذي نَزَلت فيه.
قالوا: وأما المريضُ فإنه إذا لم يُطِقْ لمرضِه السيرَ حتى فاتَتْه عرفةُ، فإنما هو رجلٌ فاتَه الحَجُّ، عليه الخُروجُ مِن إحرامِه بما يَخْرُجُ به مَن فاته الحَجُّ، وليس مِن مَعْنى المحصَرِ الذي نزَلت هذه الآيةُ [فيه في شيءٍ] (٢).
وأولى التأويلين بالصوابِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ تأويلُ مَن تأوَّلَه بمعنى: فإن أحصَرَكم خوفُ عدوٍّ أو مرضٌ أو علةٌ عن الوُصولِ إلى البيتِ، أي: صيَّرَكم خوفُكم أو مرضُكم تَحْصُرون أنَفُسَكم فتَحْبِسُونها عن النُّفوذِ لِما أوْجَبْتُموه على أنْفُسِكم مِن عملِ الحجِّ والعمرةِ؛ فلذلك قيل: ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾.
لمّا أسقَط ذكرَ الخوفِ والمرضِ، يقالُ منه: أحصَرني خَوْفي مِن فلانٍ عن لقائِك، ومَرَضي عن فُلانٍ.
يرادُ به: جَعَلَني أَحْبِسُ نفسي عن ذلك.
فأما إذا كان الحابسُ الرجلَ والإنسانَ، قيل: حصَرني فلانٌ عن لقائِك.
بمعنى: حبَسني عنه.
فلو كان معنى الآيةِ ما ظنَّه المتأوّلُ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: فإن حبَسكم حابسٌ مِن العدوِّ عن الوُصولِ إلى البيتِ.
لوجَب أن يكونَ: فإن حصِرتم.
ومما يُبَينُ صحةَ ما قلناه مِن أن تأويلَ الآيةِ مرادٌ بها إحصارُ غيرِ العدوِّ، وأنه إنما يُرادُ بها الخوفُ مِن العدوِّ قولُه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
والأمنُ إنما يكونُ بزَوالِ الخوفِ: وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الإحصارَ الذي عنَى اللَّهُ في هذه الآيةِ هو الخوفُ الذي يكونُ بزوالِه الأمنُ.
وإذ كان ذلك كذلك، لم يَكُنْ حَبْسُ الحابسِ الذي ليس مع حَبْسِه خوفٌ على النفسِ من حَبْسِه داخلًا في حكمِ الآيةِ بظاهرِها المتلوِّ، وإن كان قد يُلحقُ حُكْمُه عندَنا بحكمِه مِن وجهِ القياسِ مِن أجلِ أن حَبْسَ مَن لا خوفَ على النفسِ مِن حَبسِه - كالسلطانِ غيرِ المَخُوفةِ عقوبتُه، والوالدِ وزوجِ المرأةِ، وإن كان منهم أو مِن بعضِهم حبسٌ، ومَنْعٌ عن الشخوصِ لعملِ الحجِّ، أو الوُصولِ إلى البيتِ بعدَ إيجابِ الممنوعِ الإحرامَ (١) - غيرُ داخلٍ في ظاهرِ قولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
لِما وصَفنا مِن أن معناه: فإن أحصَركم خوفُ عدوٍّ.
بدَلالةِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
وقد بَيَّنَ الخبرُ الذي ذكَرناه آنفًا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الحصرُ حصرُ العدوِّ.
وإذ كان ذلك أولى التأويلين بالآيةِ لِما وصَفنا، وكان ذلك منعًا مِن الوُصولِ إلى البيتِ، فكلُّ مانعٍ عرَضَ للمحرمِ فصدَّه عن الوُصولِ إلى البيتِ، فهو نظيرٌ له في الحُكمِ.
ثم اختلَف أهلُ العلمِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؛ فقال بعضُهم: هو شاةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ السَّبيعيِّ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٢) حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، قالا: ثنا سفيانُ، عن حبيب، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ شاةٌ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ.
حدَّثنا ابنُ المُثَنّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زِيادٍ] (٢)، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: تَمَتَّعتُ فسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ.
قال: قلتُ: شاةٌ؟
قال: شاةٌ (٣).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن النعمانِ بنِ مالكٍ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ؟
قال: مِن الأزواجِ الثمانيةِ؛ مِن الإبلِ والبقرِ والمَعْزِ والضَّأْنِ (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: مِن الغنمِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ مِن الأزواجِ الثمانيةِ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا خالدٌ، قال: قيل للأشعثِ: ما قولُ الحسنِ فيما (٣) اسْتَيْسر من الهديِ؟
فقال: شاةٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ (٥)، عن قتادةَ، قال: أعلاه بَدَنَةٌ، وأوسَطُه بقرةٌ، وأخَسُّه شاةٌ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه، إلا أنه قال (٦): كان يقالُ: أعلاه بَدَنَةٌ.
ثم ذكَر سائرَ الحديثِ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن زُرارةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما (٧) اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهّابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي جمرةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٨).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: شاةٌ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ نُفَيعٍ (٢)، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثنا موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: المُحصَرُ يَبْعثُ بشاةٍ (٣) فما فوقَه (٤).
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبَّاريُّ، قال: ثنا ابنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسَر مِن الهَدْيِ؛ شاةٍ.
قال: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ، فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (٥).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ما استيسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ فما فوقَها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العَسْقلانيُّ، عن شعبةَ، قال: ثنا أبو جَمْرةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ جَزُورٌ أو بقرةٌ أو شاةٌ أو شِرْكٌ في دمٍ (٦).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إنّ ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن الشاةَ ما استيْسَر مِن الهَدْيِ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: ما استيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: شاةٌ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن دَلْهَمِ بنِ صالحٍ، قال: سَأَلتُ أبا جعفرٍ عن قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فقال: شاةٌ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ كان يقولُ: ما استَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُطرِّفُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ مثلَه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عباسٍ كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكٌ: وذلك أحبُّ إليّ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فيما (٢) استَيسَرَ مِن الهديِ، قال: عليه - يعني المُحْصَرَ - هَدْيٌ، إن كان موسِرًا فمِن الإبلِ، وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنمِ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن شعبةَ مولى ابنِ عباسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ، وما عَظَّمْتَ شعائرَ اللَّهِ فهو أفضلُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا أشهبُ، قال: أخبَرَني ابنُ لَهيعةَ، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ حدَّثه، أنَّ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ شاةٌ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سهلُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا حميدٌ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عُمَيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الهديُ شاةٌ.
فقيل له: [لا يكونُ] (٤) دونَ بقرةٍ.
قال: فأنا أقرأُ عليكم من كتابِ اللَّهِ ما تُصدِّقون (٥) أن الهدْيَ شاةٌ، ما في الظبيِ؟
قالوا: شاةٌ.
قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦) [المائدة: ٩٥].
وقال آخرون: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ مِن الإبلِ والبقرِ، سنٌّ دونَ سنٍّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ عُبَيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر من الهَدْيِ، البقرةُ دونَ البقرةِ، والبعيرُ دونَ البعيرِ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، قال: سأَل رجلٌ ابنَ عمرَ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟
قال: أتَرْضَى شاةً؟
كأنه لا يَرْضَاه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ ونافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ناقةٌ أو بقرةٌ.
فقيل له: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؟
قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ.
حدَّثني [ابنُ المُثنَّى] (٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، أنه قال فيما (٣) اسْتَيْسَر من الهدْيِ، قال: جَزورٌ أو بقرةٌ (٤).
حدَّثنا أبو كُريب ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشيمٌ، قال: الزهريُّ أخبَرَنا - وسُئِل عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ - قال: قال ابنُ عمرَ: مِن الإبلِ والبقرِ (٥).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: أخبَرنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال: الناقةُ دونَ الناقةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن القاسمِ، عن ابنِ عمرَ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال: الإبلُ والبقرُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعائشةُ يَقولان: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، مِن الإبلِ والبقرِ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا الوليدُ بنُ أبي هشامٍ، عن زيادِ بنِ جُبيرٍ، عن أخيه عبدِ اللَّهِ أو عُبيدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن المتعةِ عن (٢) الهَدْيِ؟
فقال: ناقةٌ.
قلت: ما تَقولُ في الشاةِ؟
قال: أكلُّكم شاةٌ؟
أكلُّكم شاةٌ (٣)؟
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ، قالا: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال: في قولِ ابنِ عمرَ بقرةٌ فما فوقَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى أبو مَعْشَرٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بَدنةٌ أو بقرةٌ، فأما شاةٌ فإنما هي نُسُكٌ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، عن أبيه، قال: البدنةُ دونَ البدنةِ، والبقرةُ دونَ البقرةِ، وإنما الشاةُ نُسُكٌ.
وقال: تكونُ البقرةُ بأربعين وبخمسينَ (١).
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، كان يقولُ: ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى أسامةُ بنُ زيدٍ، أن سعيدَ بنَ أبي هندٍ حدَّثه قال: رأيتُ ابنَ عمرَ وأهلُ اليمنِ يَأْتُونه فيَسْأَلُونه عمَّا اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ ويقولون: [الشُّوهُ؟
الشُّوهُ] (٢)؟، قال: فيردُّ عليهم: [الشُّوهُ!
الشُّوهُ] (٣)!
[يَحْكِيهم، لأن] (٤) الجزورَ دونَ الجزورِ، والبقرةَ دونَ البقرةِ، ولكن ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ بقرةٌ.
وأولى القولين بالصوابِ قولُ مَن قال: ما استَيْسر مِن الهَدْيِ شاةٌ؛ لأن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه (٥) أوجَب ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، فذلك على كلِّ ما تَيَسَّر للمُهْدِي أن يُهْدِيَه، كائنًا ما كان ذلك الذي يُهْدَى، إلا أن يكونَ اللَّهُ - جلَّ وعَزَّ - خَصَّ مِن ذلك شيئًا، فيكونَ ما خَصَّ مِن ذلك خارجًا مِن جملةِ ما احتمَله ظاهرُ التنزيلِ، ويكونَ سائِرُ الأشياءِ غيرُه مُجْزِئًا إذا أهداه المُهْدِي، بعد أن يَسْتَحِقَّ اسمَ هَدْىٍ.
فإن قال قائلٌ: فإنَّ الذين أبَوا أن تَكُونَ الشاةُ مما اسْتَيْسَر مِن الهديِ؛ لأنه (١) لا يَسْتَحِقُّ اسمَ هَدْيٍ، كما أنه لو أهدَى دجاجةً أو بيضةً لم يكن مُهْدِيًا هَدْيًا مُجْزِئًا؟
قيل: لو كان في المُهْدِي الدجاجةَ والبيضةَ مِن الاختلافِ نحوُ الذي في المُهْدِي الشاةَ، لكان سبيلُهما واحدةً، في أن كلَّ واحدٍ منهما قد أدَّى ما عليه بظاهرِ التنزيلِ، إذا لم يكنْ أحدُ المُهْدَيَيْنِ (٢) يُخْرِجُه مِن أن يكونَ مؤدِّيًا (٣) - بإهدائِه ما أَهْدَى مِن ذلك - ما (٤) أوجَبَه اللَّهُ عليه [في إحصارِه] (٥)، ولكن لمّا أَخْرَج المُهْدِي ما دونَ الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ من المَعْزِ والإبلِ والبقرِ فصاعدًا مِن الأسنانِ، من أن يَكُونَ مُهْدِيًا ما أوجَبه اللَّهُ عليه في إحصارِه أو (٦) مُتْعتِه - الحُجَّةُ (٧) القاطعةُ العذرَ، نقلًا عن نبيِّها (٨) ﷺ وِراثةً، كان ذلك خارجًا مِن أن يكونَ مرادًا بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وإن كان مما اسْتَيْسَر لنا مِن الهَدَايا.
ولمّا اخْتُلِف في الجَذَعِ مِن الضأنِ، والثَّنِيِّ مِن المعْزِ، كان مُجْزِئًا ذلك عن مُهدِيه؛ لظاهرِ التنزيلِ، لأنه مما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ.
فإن قال قائلٌ: ما مَحَلُّ "ما" التي في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾؟
قيل: رَفْعٌ.
فإن قال: بماذا؟
قيل: بمَتْروكٍ، وذلك: فعليه.
لأن تأويلَ الكلامِ: وأتمُّوا الحَجَّ والعمرةَ للَّهِ أيُّها المؤمنون، فإنْ حبَسكم عن إتمامِ ذلك حابسٌ مِن مرضٍ أو كسرٍ أو خوفِ عدوٍّ، فعليكم لإحلالِكم إن أَرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم - ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ.
وإنما اخْتَرْنا الرفْعَ في ذلك؛ لأن أكثرَ القرآنِ جاء برفعِ نظائرِه؛ وذلك كقولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾.
وكقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
وما أشْبَه ذلك، مما يَطُولُ بإِحصائِه الكتابُ، تَرَكْنا ذِكْرَه استِغْناءً بما ذكَرنا عنه.
ولو قيل: موضعُ "ما" نَصْبٌ، بمعنى: فإن أحصِرتم فأَهْدُوا ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ.
لكان غيرَ مُخْطئٍ قائِلُه.
وأما الهَدْيُ، فإنه جمعٌ، واحدُها هَدْيَةٌ، على تقديرِ جَدْيةِ السَّرْجِ (١)، والجمعُ الجَدْيُ، مخففٌ.
حُدِّثْتُ عن أبي عُبَيْدةَ مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى، عن يونسَ، قال: كان أبو عمرِو بنُ العلاءِ يقولُ: لا أعْلَمُ في الكلامِ حرفًا يُشْبِهُه (٢).
وبتَخفيفِ الياءِ قرَأه القَرأَةُ في كلِّ مِصرٍ، وتسكينِ الدالِ ﴿مِنَ الْهَدْيِ﴾.
إلا ما ذُكِر عن الأعرجِ؛ فإن أبا هشامٍ الرفاعيَّ حدَّثنا، قال: ثنا يعقوبُ، عن بشارٍ، عن أَسِيدٍ (٣)، عن الأعرجِ أنه قرَأ: (هَدِيًّا بالِغَ الكَعْبَةِ).
بكسرِ الدالِ مُثَقَّلًا، وقرَأ: (حتَّى يَبْلُغَ الهَدِيُّ مَحِلَّه) بكسرِ الدالِ [في "الهدِيّ"] (١) مثقَّلةً (٢).
واخْتُلِف في ذلك عن عاصمٍ، فرُوِي عنه موافقةُ الأعرجِ، ومخالفتُه إلى قراءةِ سائرِ القَرَأَةِ (٣).
والهَدْيُ عندَنا إنما سُمِّي هَدْيًا؛ لأنه تقرَّبَ به إلى اللَّهِ تعالى ذكرُه مُهْدِيه، بمنزلةِ الهَدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه مُتَقَرِّبًا بها إليه.
يُقالُ منه: أَهْدَيْتُ الهَدْيَ إلى بيتِ اللَّهِ، فأنا أُهْدِيه إهداءً.
كما يُقالُ في الهدِيَّةِ يُهْدِيها الرجلُ إلى غيرِه: أَهْدَيْتُ إلى فلانٍ هَدِيَّةً، فأنا أُهْدِيها إِهْداءً (٤).
ويُقالُ للبَدَنَةِ: هَدْيةٌ.
ومنه قولُ زُهيرِ بنِ أبي سُلْمَى يَذْكُرُ رجلًا أُسِر، يُشَبِّهُه في حُرْمتِه بالبَدَنَةِ التي تُهْدَى (٥): فلم أرَ مَعْشَرًا أسَرُوا هَدِيًّا … ولم أرَ جارَ بَيْتٍ يُسْتَبَاءُ القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
يعني بذلك جلَّ وعزَّ: فإن أُحْصِرْتم فأرَدْتُم الإحلالَ مِن إحرامِكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا تُحِلُّوا مِن إحرامِكم إذا أُحْصِرتم حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أوجَبْتُه عليكم، لإحْلالِكم مِن إحْرامِكم الذي أُحْصِرْتم فيه، قبلَ تَمامِه وانْقِضاءِ مَشاعرِه ومناسِكِه - مَحِلَّه.
وذلك أنَّ حَلْقَ الرأسِ إحلالٌ مِن الإحرامِ الذي كان المحرِمُ قد أوجَبَه على نفسِه، فنهاه اللَّهُ عن الإحلالِ مِن إحرامِه بحِلاقِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ الذي أباح اللَّهُ له الإحلالَ - جلَّ ثناؤُه - بإهدائِه، مَحِلَّه.
ثم اختلَف أهلُ العلمِ في مَحِلِّ الهَدْيِ الذي عناه اللَّهُ، الذي متى بلَغه كان للمُحْصَرِ الإحلالُ مِن إحرامِه الذي أُحْصِر فيه؛ فقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الذي يَحِلُّ به ويجوزُ له ببُلوغِه إياه حَلْقُ رأسِه، إذا كان إحصارُه مِن خوفِ عدوٍّ منَعه ذَبْحَه، إن كان مما يُذْبَحُ، أو نَحْرَه، إن كان مما يُنْحَرُ - في الحِلِّ، ذبَح أو نَحَر، أو في الحَرَمِ، وإن كان من غيرِ خوفِ عدوٍّ، فلا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويَسْعَى بينَ الصَّفا والمروةِ.
وهذا قولُ مَن قال: الإحصارُ إحصارُ العدوِّ دونَ غيرِه (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، أنه بلَغه أن رسولَ اللَّهِ ﷺ حلَّ هو وأصحابُه بالحديبيةِ، فنحَروا الهَدْيَ، وحَلَقوا رُءوسَهم، وحَلُّوا مِن كلِّ شيءٍ قبلَ أن يَطُوفوا بالبيتِ، وقبلَ أن يَصِلَ إليه الهَدْيُ، ثم لم نَعْلَمْ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَر أحدًا مِن أصحابِه، ولا ممن كان معه، أن يَقْضُوا شيئًا، ولا أن يَعُودُوا لشيءٍ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَني مالكٌ، عن نافعٍ، أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ خرَج إلى مكةَ مُعْتَمِرًا في الفتنةِ (٣)، فقال: إن صُدِدْتُ عن البيتِ صنَعنا كما صنَعْنَا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ.
فأَهَلَّ بعمرةٍ مِن أجلِ أن النبيَّ ﷺ كان أَهَلَّ بعمرةٍ عامَ الحديبيةِ، ثم إن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ نظَر في أمرِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ.
قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: ما أمرُهما إلا واحدٌ، أُشْهِدُكم أني قد أوجَبْتُ الحَجَّ مع العمرةِ.
قال: ثم طاف طَوَافًا واحدًا.
ورأى أن ذلك مُجْزٍ عنه وأَهْدَى (١).
قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وعلى هذا الأمرِ عندَنا في من أُحْصِر بعدوٍّ كما أُحْصِر نبيُّ اللَّهِ ﷺ وأصحابُه، فأما مَن أحصِر بغيرِ عدوٍّ، فإنه لا يَحِلُّ دونَ البيتِ.
قال: وسُئِل مالكٌ عمَّن أُحْصِرَ بعدوٍّ وحِيل بينَه وبينَ البيتِ، فقال: يَحِلُّ مِن كلِّ شيءٍ، ويَنْحَرُ هَدْيَه، ويَحْلِقُ رأسَه حيثُ حُبِس، وليس عليه قضاءٌ، إلا أن يَكُونَ لم يَحُجَّ قَطُّ، فعليه أن يَحُجَّ حَجَّةَ الإسلامِ (٢).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني مالكٌ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ ومرْوانَ بنَ الحَكَمِ وعبدَ اللَّهِ بنَ الزبيرِ أفْتَوْا ابنَ حُزابةَ المَخْزُوميَّ، وصُرِعَ في الحَجِّ ببعضِ الطريقِ، أن يتَداوَى (٣) بما لا بدَّ له (٤)، ويَفْتَدِيَ، ثم يَجْعَلَها عمرةً، ويحُجَّ عامًا قابلًا ويُهْدِيَ (٥).
قال يونسُ: قال ابنُ وهبٍ: قال مالكٌ: وذلك الأمرُ عندَنا في من أُحْصِرَ بغيرِ عدوٍّ.
قال: وقال مالكٌ: وكلُّ مَن حُبِس عن الحجِّ بعدَ ما يُحْرِمُ؛ إما بمرضٍ أو خطإٍ من (٦) العددِ، أو خَفِي عليه الهلالُ، فهو مُحْصَرٌ، عليه ما على المحْصَرِ، يعني مِن المُقامِ على إحرامِه حتى يَطُوفَ و (١) يَسْعَى، ثم الحجُّ مِن قابلٍ والهَدْيُ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعت يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبرَني أيوبُ بنُ موسى، أن داودَ بنَ أبي عاصمٍ أخبرَه أنه حَجَّ مرةً فاشْتَكَى، فرجَع إلى الطائفِ ولم يَطُفْ بينَ الصفا والمروةِ، فكتَب إلى عطاءِ بنِ أبي رباحٍ يَسْأَلُه عن ذلك، وأن عطاءً كتَب إليه: أن أَهْرِقْ دمًا.
وعلَّةُ مَن قال بقولِ مالكٍ في أن مَحِلَّ الهديِ في الإحصارِ بالعدوِّ نَحْرُه حيثُ حُبِس صاحبُه، ما حدَّثنا به أبو كريبٍ ومحمدُ بنُ عُمارةَ الأسَدِيُّ، قالا: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا موسى بنُ عُبيدَةَ، قال: أخبرَني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانئٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: لما كان الهَدْيُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادي الثَّنِيَّةِ، عرَض له المشركون فرَدُّوا وجهَه، قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهَدْيَ حيثُ حبَسوه، وهي الحديبيةُ، وحلَق، وتأسَّى به أناسٌ، فحَلَقُوا حين رَأَوْه حَلَق، وتَرَبَّص آخرون فقالوا: لعلَّنا نَطُوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "رحِم اللَّهُ المُحَلِّقين".
قيل: والمقُصِّرين.
قال: "رحِم اللَّهُ المُحَلِّقِين".
قيل: والمقصرين.
قال: "والمقُصِّرِين" (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المبارَكِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمةَ ومروانَ بنِ الحَكَمِ، قالا: لما كتَب رسولُ اللَّهِ ﷺ كتابَ القَضِيَّةِ بينَه وبين مُشركي قريشٍ، وذلك بالحديبيةِ عامَ الحديبيةِ، قال لأصحابِه: "قُومُوا فانْحَرُوا واحْلِقُوا".
قال: فواللَّهِ ما قام منهم رجلٌ، حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ، فلما لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سَلَمةَ، فذكَر ذلك لها، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم بكلمةٍ حتى تَنْحَرَ بُدْنَك (١)، وتَدْعُوَ حَلَّاقَك فتَحْلِقَ.
فقام فخرَج فلم يُكلِّمْ منهم أحدًا، حتى فعَل ذلك، فلما رَأَوْا ذلك قاموا فنَحَروا، وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غمًّا (٢).
قالوا: فنحَر النبيُّ ﷺ هَدْيَه حين صدَّه المشركون عن البيتِ بالحديبيةِ، وحلَّ هو وأصحابُه.
قالوا: والحديبيةُ ليست مِن الحرمِ.
قالوا: ففي (٣) ذلك دليلٌ واضحٌ على أن معنى قولِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يَبْلُغَ بالذبحِ أو النحرِ مَحِلَّ أكلِه، والانتفاعُ به في مَحِلِّ ذَبْحِه ونحرِه، كما رُوِي عن نبيِّ اللَّهِ ﵊ في نظيرِه، إذ أُتِيَ بلحمٍ أهدَتْه (٤) بَرِيرَةُ مِن صَدَقَةِ كان تُصُدِّقَ بها عليها، فقال: "قَرِّبُوهُ فقد بلَغ مَحِلَّهُ" (٥).
يعني: فقد بلَغ مَحِلَّ طيبِه وحلالِه له بالهدِيَّةِ إليه بعد أن كانت صدقةً على بَريرةَ.
وقال بعضُهم: مَحِلُّ هَدْيِ المُحْصَرِ الحَرَمُ، لا مَحِلَّ له غيرُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، أن عميرَ (١) بنَ سعيدٍ النَّخَعيَّ أهلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ (٢) لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يتشرَّفون (٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم يومَ أمارٍ (٤)، فإذا ذبَح الهَدْيَ فلْيُحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (٥).
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتَصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن سليمانَ بنِ مهرانَ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ وإبراهيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ أنه قال: خرَجنا مُهِلِّين بعمرةٍ، فينا الأسودُ بنُ يزيدَ، حتى نَزَلنا ذاتَ الشُّقوقِ، فلُدِغ صاحبٌ لنا، فشَقَّ ذلك عليه مَشقَّةً شديدةً، فلم ندرِ كيف نَصْنَعُ به، فخرَج بعضُنا إلى الطريقِ، فإذا نحن برَكْبٍ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فقلنا: يا أبا عبدِ الرحمنِ، رجلٌ منا لُدِغ، فكيف نَصْنَعُ به؟
قال: يَبْعَثُ معكم بثمنِ هَدْيٍ، فتَجْعَلونَ بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، فإذا نُحِر الهَدْيُ فلْيُحِلَّ، وعليه عمرةٌ في قابلٍ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ بنِ عُمَيرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: بينَا نحن بذاتِ الشُّقوقِ، فلَبَّى رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فمرَّ علينا عبدُ اللَّهِ فسألناه، فقال: اجعلوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، ويَبْعَثُ بثمنِ الهَدْيِ، فإذا نُحِرَ حلَّ، وعليه العمرةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: سمِعت إبراهيمَ النَّخَعيَّ يُحَدِّثُ عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: أهَلَّ رجلٌ منا بعمرةٍ، فلُدِغ، فاطَّلَع رَكْبٌ فيهم عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، فسأَلوه، فقال: ابعَثُوا (١) بهَدْيٍ، واجْعَلُوا بينَكم وبينَه يومَ أمارٍ، فإذا كان ذلك اليومُ فلْيُحِلَّ.
وقال عُمارةُ بنُ عُمَيرٍ - وكان حَسْبُك به - عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن عبدِ اللَّهِ: وعليه العمرةُ مِن قابلٍ (٢).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن عُمارةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، قال: خرَجْنا عمّارًا، فلما كنا بذاتِ الشُّقوقِ لُدِغ صاحبٌ لنا، فاعترَضْنا الطريقَ لنسأَلَ ما نَصْنَعُ به، فإذا عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ في رَكْبٍ، فقلنا له: لُدِغ صاحبٌ لنا.
فقال: اجعَلُوا بينَكم وبينَ صاحبِكم يومًا، ولْيُرْسِلْ بالهَدْيِ، فإذا نُحِر الهَدْيُ، فلْيَحْلِلْ، ثم عليه العُمْرةُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن الحجاجِ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ الأسودِ، عن أبيه، عن ابنِ مسعودٍ، أنّ عميرَ (١) بنَ سعيدٍ (٢) النَّخَعيَّ أهَلَّ بعمرةٍ، فلما بلَغ ذاتَ الشُّقوقِ لُدِغ بها، فخرَج أصحابُه إلى الطريقِ يَتَشَرَّفون (٣) الناسَ، فإذا هم بابنِ مسعودٍ، فذكَروا ذلك له، فقال: لِيَبْعَثْ بهَدْيٍ، واجعَلوا بينَكم (٤) يومَ أمارٍ، فإذا ذُبِح الهَدْيُ فلْيَحِلَّ، وعليه قضاءُ عمرتِه (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
يقولُ: مَن أحرَم بحجٍّ أو بعمرةٍ، ثم حُبِس عن البيتِ بمرَضٍ يُجْهِدُه، أو عُذْرٍ يَحْبِسُه، فعليه ذَبْحُ ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، شاةٍ فما فوقَها يُذْبَحُ عنه، فإن كانت (٦) حَجَّةَ الإسلامِ، فعليه قضاؤُها، وإن كانت حَجَّةً بعد حَجَّةِ الفريضةِ أو عمرةً، فلا قضاءَ عليه.
ثم قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
فإن كان أحرَم بالحجِّ فمَحِلُّه يومَ النَّحْرِ، وإن كان أحرَم بعمرةٍ فمَحِلُّ هَدْيِه إذا أتى البيتَ (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عَمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فهو الرجلُ مِن أصحابِ محمدٍ ﷺ كان يُحْبَسُ عن البيتِ فيُهْدِي إلى البيتِ ويَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فإذا بلَغ الهَدْيُ مَحِلَّه حلَق رأسَه، فأتمَّ اللَّهُ له حَجَّه.
والإحصارُ أيضًا أن يُحَالَ بينَه وبينَ الحَجِّ، فعليه هَدْىٌ؛ إن كان موسِرًا مِن الإبلِ، وإلا فمِن البقرِ، وإلا فمِن الغنَمِ، ويَجْعَلُ حَجَّه عمرةً، ويَبْعَثُ بهَدْيِه إلى البيتِ، فإذا نُحِرَ الهَدْيُ فقد حَلَّ، وعليه الحَجُّ مِن قابلٍ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: فإذا أُحْصِرَ الحاجُّ بعَث بالهَدْيِ، فإذا نُحِرَ عنه حلَّ، ولا يحِلُّ حتى يُنْحَرَ هَدْيُه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: سمِعت عطاءً يقولُ: مَن حُبِس في عمرتِه، فبعَث بهَدْيَةٍ فاعْتُرِضَ لها، فإنه يَتَصَدَّقُ بشيءٍ أو يَصومُ، ومن اعتُرض لهَدْيَتِه وهو حاجٌّ، فإن محِلَّ الهَدْيِ والإحرامِ (٢) يومُ النَّحْرِ، وليس عليه شيءٌ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: الرجلُ يُحْرِمُ ثم يَخْرُجُ فيُحْصَرُ، إما بلَدْغٍ [وإما بمرضٍ] (٤)، فلا يُطِيقُ السَّيْرَ، وإما تَنْكَسِرُ راحلتُه، فإنه يُقيمُ، ثم يَبْعَثُ بهَدْىٍ، شاةٍ فما فوقَها، فإن هو صحَّ فسار فأدْرَكَ، فليس عليه هَدْيٌ، وإن فاته الحجُّ، فإنها تكونُ عُمرةً، وعليه من قابلٍ حَجَّةٌ، فإن هو رجَع، لم يَزَلْ مُحْرِمًا حتى يُنْحَرَ عنه يومَ النَّحْرِ، فإن هو بلَغه أن صاحبَه لم يَنْحَرْ عنه، عاد مُحْرِمًا، وبعَث بهَدْيٍ آخرَ، فواعَد صاحبَه يومَ يَنْحَرُ عنه (١)، فنَحَرَ عنه بمكةَ، ويَحِلُّ، وعليه مِن قابلٍ حَجَّةٌ وعمرةٌ، ومِن الناسِ مَن يقولُ: عُمرتان.
وإن كان أحْرَم بعمرةٍ، ثم رجَع، وبعَث بهَدْيِه، فعليه مِن قابلٍ عُمْرَتان.
وأناسٌ يَقُولون: لا، بل ثلاثُ عُمَرٍ، نحوًا مما صنَعوا في الحجِّ حين صنَعوا، عليه حَجَّةٌ وعُمْرَتان.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ القَنّادُ، قال: أخبَرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أُحْصِرَ الرجلُ بعَث بهَدْيِه، إذا كان لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَصِلَ إلى البيتِ مِن العدوِّ، فإن وجَد مَن يُبْلِغُها عنه إلى مكةَ، فإنه يَبْعَثُ بها مكانَه، ويُواعِدُ صاحبَ الهَدْيِ، فإذا أمِن فعليه أن يَحُجَّ ويَعْتَمِرَ، فإن أصابَه مَرَضٌ يَحْبِسُه وليس معه هَدْيٌ، فإنه يَحِلُّ حيثُ يُحْبَسُ، وإن كان معه هَدْيٌ، فلا يَحِلُّ حتى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه إذا بعَث به، وليس عليه أن يَحُجَّ قابِلًا ولا يَعْتَمِرَ، إلا أن يَشَاءَ (٢).
وعِلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ - أن مَحِلَّ الهَدَايَا والبُدْنِ الحَرَمُ - أنَّ اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - ذكَر البُدْنَ والهَدَايَا فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٢، ٣٣].
فجعَل مَحِلَّها الحَرَمَ، فلا مَحِلَّ للهَدْيِ دُونَه.
قالوا: وأما ما ادَّعى المُحْتَجُّون بنَحْرِ النبيِّ ﷺ هَدَاياه بالحُدَيْبيةِ حين صُدَّ عن البيتِ، فليس ذلك بالقولِ المُجْتَمَعِ عليه؛ وذلك أن الفضلَ بنَ سهلٍ حدَّثني، قال: ثنا مُخَوَّلُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن مَجْزَأةَ بنِ زاهرٍ الأسْلَمِيِّ، عن أبيه، عن ناجِيَةَ بنِ جُنْدَبٍ الأسْلَمِيِّ، قال: أتَيْتُ النبيَّ ﷺ حين صُدَّ (١) الهَدْيُ، فقلت: يا رسولَ اللَّهِ، ابْعَثْ معي بالهَدْيِ فلْنَنْحَرْه في الحَرَمِ.
قال: "كيف تَصْنَعُ به؟
".
قلتُ: آخُذُ به أوديةً فلا يَقْدِرون عليه.
فانْطَلَقْتُ به حتى نَحَرْتُه بالحَرَمِ (٢).
قالوا: فقد بيَّن هذا الخبرُ أن النبيَّ ﷺ نحَر هدَايَاه في الحرَمِ، فلا حُجَّةَ لمُحْتَجٍّ بنَحْرِه بالحُدَيْبِيةِ في غيرِ الحرَمِ.
وقال آخرون: معنى هذه الآيةِ وتأويلُها على غيرِ هذين الوَجْهَين اللذَيْن وصَفْنا، مِن قولِ الفريقين اللذَيْن ذكَرْنا اختلافَهم على ما ذكَرْنا.
وقالوا: إنما معنى ذلك: فإن أُحْصِرْتم أيها المؤمنون عن حَجِّكم، فمُنِعْتُم مِن المُضِيِّ لإحرامِه؛ بعائقِ مرضٍ أو خوفِ عدوٍّ، وأداءِ اللازمِ لكم في (٣) حَجِّكم، حتى فاتَكم الوقوفُ بعرفةَ - فإن عليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لِما فاتَكم مِن حَجِّكم، مع قضاءِ الحَجِّ الذي فاتَكم.
وقال أهلُ هذه المقالةِ: ليس للمُحْصَرِ في الحجِّ بالمرَضِ والعِلَلِ غيرِه الإحلالُ إلا بالطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ، إن فاتَه الحجُّ.
قالوا: فأما إن أطاقَ شُهودَ المشاهدِ، فإنه غيرُ مُحْصَرٍ.
قالوا: وأما العُمْرةُ، فلا إحصارَ فيها؛ لأن وقتَها موجودٌ أبدًا.
قالوا: والمُعْتَمِرُ لا يَحِلُّ إلا بعملِ آخرِ ما يَلْزَمُه في إحرامِه.
قالوا: ولم يَدْخُلِ المُعْتَمِرُ في هذه الآيةِ، وإنما عُنِي بها الحاجُّ.
ثم اختلَف أهلُ هذه المقالةِ؛ فقال بعضُهم: لا إحصارَ اليومَ بعدوٍّ، كما لا إحصارَ بمرَضٍ يَجُوزُ لمن ناله (١) أن يَحِلَّ مِن إحرامِه قبلَ الطوافِ بالبيتِ والسعْيِ بينَ الصفا والمروةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ [وطاوسٍ، قالا] (٢): قال ابنُ عباسٍ: لا إحصارَ اليومَ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، أن عائشةَ قالت: لا أعْلَمُ المُحْرِمَ يَحِلُّ بشيءٍ دونَ البيتِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا حصرَ إلا مَن حبَسه عدوٌّ، فيحِلُّ بعمرةٍ، وليس عليه حَجٌّ ولا عمرةٌ.
وقال [آخرون منهم] (٥): حِصارُ العدوِّ ثابتٌ اليومَ وبعدَ اليومِ.
على نحوِ ما ذكَرْنا مِن أقوالِهم الثلاثةِ التي حكَيْنا عنهم.
ذكرُ مَن قال ذلك، وقال: معنى هذه الآيةِ: فإن أُحْصِرْتُم عن الحَجِّ حتى فاتَكم، فعليكم ما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ لفَوْتِه إياكم حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: حدَّثني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن سالمٍ، قال: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ يُنْكِرُ الاشْتِراطَ في الحَجِّ، ويقولُ: أليس حَسْبُكم (١) سنةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ!
إن حُبِس أحدُكم عن الحَجِّ، طاف بالبيتِ وبالصفا والمروةِ، ثم حلَّ مِن كلِّ شيءٍ حتى يَحُجَّ عامًا قابِلًا، ويُهْدِي أو يصومُ إن لم يجِدْ هَدْيًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبَرَنا عبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ من شيءٍ حتى يَبْلُغَ البيتَ، ويُقيمُ على إحرامِه كما هو، إلا أن تُصِيبَه جِراحةٌ أو جُرْحٌ، فيتَداوى بما يُصْلِحُه ويفتَدِيَ، فإذا وصَل إلى البيتِ، فإن كانت عمرةً قضاها، وإن كانت حَجَّةً فسَخها بعمرةٍ، وعليه الحجُّ مِن قابِلٍ والهَدْيُ، فمن (٣) لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسبعةٍ إذا رجَع.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرَني نافعٌ، أن ابنَ عمرَ مرَّ على ابنِ حُزابةَ وهو بالسُّقْيا، فرَأى به كَسْرًا فاسْتَفْتَاه، فأمَرَه أن يَقِفَ كما هو، ولا يَحِلَّ مِن شيءٍ حتى يَأْتِيَ البيتَ، إلا أن يُصِيبَه أذًى فيَتَداوى، وعليه ما اسْتَيْسَر مِن الهدْيِ.
وكان أهَلَّ بالحَجِّ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليْثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بحَجٍّ، فحبَسه خوفٌ أو مرَضٌ، أو ضَلَّ (١) له ظَهْرٌ يَحْمِلُه، أو شيءٌ مِن الأمورِ كلِّها، فإنه يَتَعَالَجُ (٢) بحبسِه (٣) ذلك بكلِّ شيءٍ لا بدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ مِن النساءِ والطيبِ، ويَفْتَدي بالفِدْيةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فإن فاتَه الحَجُّ وهو بمحبَسِه ذلك، أو فاتَه أن يَقِفَ بمواقفِ (٤) عرفةَ قبلَ الفجرِ مِن ليلةِ المُزْدَلِفةِ، فقد فاتَه الحجُّ، وصارَت حَجَّتُه عمرةً؛ يَقْدَمُ مكةَ، ويَطُوفُ بالبيتِ وبالصفا والمَرْوَةِ، فإن كان معه هَدْيٌ نحَره بمكةَ قريبًا مِن المسجدِ الحرامِ، ثم حلَق رأسَه أو قصَّر، ثم حلَّ مِن النساءِ والطِّيبِ وغيرِ ذلك، ثم عليه أن يَحُجَّ قابلًا ويُهْدِيَ ما اسْتَيْسر مِن الهَدْيِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بنُ أنسٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، أنه قال: المُحْصَرُ لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بالبيتِ وبين الصفا والمروةِ، وإن اضْطُرَّ إلى شيءٍ من لُبسِ الثيابِ التي لا بُدَّ له منها أو الدواءِ، صنَع ذلك وافْتَدَى (٥).
فهذا ما رُوِي عن ابنِ عمرَ في الإحصارِ بالمرضِ وما أشبَهَه.
وأما في الحَصْرِ (٦) بالعدوِّ، فإنه كان يقولُ فيه بنحوِ القولِ الذي ذكَرْناه قبلُ عن مالكِ بنِ أنسٍ أنه كان يقولُه (١).
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُمَيرٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ أراد الحَجَّ حين نزَل الحَجّاجُ بابنِ الزبيرِ، فكلَّمه ابناه سالمٌ وعبدُ (٢) اللَّهِ، فقالا: لا يَضُرُّك ألا تَحُجَّ العامَ، إنا نَخافُ أن يكونَ بينَ الناسِ قِتالٌ، فيُحالَ بينَك وبينَ البيتِ.
قال: إن حِيلَ بيني وبينَ البيتِ، فَعَلْتُ كما فعَلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ حال (٣) كفارُ قريشٍ بينَه وبينَ البيتِ، فحلَق ورجَع (٤).
وأما ما ذكَرْنا عنهم في العمرةِ مِن قولِهم: إنه لا إحصارَ فيها ولا حَصْرَ.
فإنه حدَّثني به يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الشِّخِّيرِ، أنه أهلَّ بعُمْرةٍ فأُحْصِر، قال: فكتَب إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ، فكتَبا إليه أن يَبْعَثَ بالهَدْيِ، ثم يُقيمَ حتى يَحِلَّ مِن عُمْرتِه.
قال: فأقام ستةَ أشهرٍ أو سبعةَ أشهرٍ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ (٥)، عن أبي العَلاءِ بنِ الشِّخِّيرِ، قال: خرَجتُ مُعْتَمِرًا فصُرِعتُ عن بعيرِي فكُسِرَت رِجْلي، فأَرْسَلْنا إلى ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ [من سَأَلهما] (٦)، فقالا: إن العمرةَ ليس لها وقتٌ كوقتِ الحجِّ، لا تَحِلَّ حتى تَطُوفَ بالبيتِ.
قال: فأقَمتُ بالدثينَةِ (١) أو قريبًا منه سبعةَ أشهرٍ أو ثمانيةَ أشهرٍ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، عن أيوبَ بنِ أبي تَمِيمةَ السَّخْتِيانيِّ، عن رجلٍ مِن أهلِ البصرةِ كان قديمًا، أنه قال: خرَجتُ إلى مكةَ، حتى إذا كُنْتُ ببعضِ الطريق كُسِرَت فَخِذي، فأرْسَلْتُ إلى مكةَ (٣) وبها عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ والناسُ، فلم يُرَخِّصْ لي أحدٌ منهم (٤) أن أَحِلَّ، فأقَمتُ على ذلك الماءِ (٥) سبعةَ أشهرٍ حتى أَحْلَلْتُ بعمرةٍ (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ شهابٍ، في رجلٍ أصابَه كَسْرٌ وهو مُعْتَمِرٌ، قال: يَمْكُثُ على إحرامِه حتى يَأْتِيَ البيتَ فيَطُوفَ به وبالصفا والمروةِ، ويَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وليس عليه شيءٌ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنَّ اللَّهَ عَنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ كلَّ مُحْصَرٍ في كلِّ (٧) إحرامٍ، بعمرةٍ كان إحرامُ المُحْصَرِ أو بحَجٍّ، وجعَل مَحِلَّ هَدْيِه الموضِعَ الذي أُحْصِرَ فيه، وجعَل له الإحلالَ مِن إحرامِه ببُلوغِ هَدْيِه مَحِلَّه.
وتأوَّل بالمَحِلِّ المَنْحَرَ أو المذبحَ، وذلك حين حلَّ نَحْرُه أو ذَبْحُه، في حَرَمٍ كان أو في حِلٍّ، وألزَمَه قضاءَ ما حَلَّ منه مِن إحرامِه قبلَ إتمامِه إذا وجَد إليه سبيلًا، وذلك لتَواتُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه صُدَّ عامَ الحُدَيْبِيةِ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ وأصحابُه بعمرةٍ، فنحَر هو وأصحابُه بأمرِه الهَدْيَ، وحَلُّوا مِن إحرامِهم قبلَ وُصولِهم إلى البيتِ، ثم قضَوا إحرامَهم الذي حلُّوا منه في العامِ الذي بعدَه، ولم يَدَّعِ أحدٌ مِن أهلِ العلمِ بالسِّيَرِ ولا غيرِهم أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ولا أحدًا مِن أصحابِه أقام على إحرامِه انتظارًا للوُصولِ إلى البيتِ، والإحلالِ بالطَّوافِ به، والسعيِ بينَ الصفا والمروةِ، ولا على (١) وُصولِ هَدْيِه إلى الحَرَمِ.
فأولى الأفعالِ أن يُقْتَدَى به فِعْلُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، إذ لم يَأْتِ بحَظْرِه خبرٌ، ولم تَقُمْ بالمنعِ منه حُجَّةٌ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مُخْتَلِفِين فيما اخْتَرْنا مِن القولِ في ذلك؛ فمِن متأوِّلٍ معنى الآيةِ تأويلَنا، ومِن مخالِفٍ ذلك، ثم كان ثابتًا بما قُلْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ النقلُ - كان الذي نُقِل عنه أولى الأمورِ بتأويلِ الآيةِ، إذ كانت هذه الآيةُ لا يَتَدافعُ أهلُ العلمِ أنها يومئذٍ نزَلت، [وفي] (٢) حكمِ صَدِّ المشركين إياه عن البيتِ أُوحِيَتْ.
وقد رُوِي بنحوِ الذي قُلْنا في ذلك خبرٌ.
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدثني الحجاجُ بنُ أبي عثمانَ، قال: حدَّثني يحيى بنُ أبي كثيرٍ، أن عِكْرِمةَ مولى ابنِ عباسٍ حدَّثه، قال: حدَّثني الحجاجُ بنُ عمرٍو الأنصاريُّ، أنه سمِع رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَن كُسِر أو عَرِج فقد حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أُخرى".
قال: فحَدَّثْتُ ابنَ عباسٍ وأبا هريرةَ بذلك فقالا: صدَق (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا مروانُ، قال: ثنا حجّاجٌ الصوَّافُ، وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن الحجاجِ الصوَّافِ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن عِكْرِمةَ، عن الحجاجِ بنِ عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ نحوَه، وعن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ (١).
ومعنى هذا الخبرِ في (٢) الأمرِ بقضاءِ الحَجَّةِ التي حَلَّ منها [النبيُّ ﷺ] (٣)، نظيرَ فعلِ النبيِّ ﷺ وأصحابِه في قضائِهم عمرتَهم التي حَلُّوا منها عامَ الحُدَيبيةِ مِن القابلِ، في عامِ عُمرةِ القضيةِ.
ويُقالُ لمن زعَم أن الذي حَصَرَه عدوٌّ، إذا حَلَّ مِن إحرامِه التطوُّعِ فلا قضاءَ عليه، وأن المُحْصَرَ بالعِللِ عليه القضاءُ: ما العلةُ التي أوجَبَت على أحدِهما القضاءَ وأسْقَطَت عن الآخرِ، وكلاهما قد حلَّ مِن إحرامٍ كان عليه إتمامُه لولا العلةُ العائقةُ؟
فإن قال: لأن الآيةَ إنما نَزَلَت في الذي حصَره العدوُّ، فلا يَجُوزُ لنا نَقلُ حُكْمِها إلى غيرِ ما نزَلت فيه.
قيل له: قد دافَعك عن ذلك جماعةٌ مِن أهلِ العلم، غيرَأنا نُسَلِّمُ لك ما قُلْتَ في ذلك، فهلَّا كان حُكْمُ المنعِ بالمرضِ والإحصارِ به (٤) حُكْمَ المنعِ بالعدوِّ، إذ هما مُتَّفِقان في المنعِ مِن الوُصولِ إلى البيتِ وإتمامِ عملِ إحرامِهما (١)، وإن اختلَفت أسبابُ منعِهما، فكان أحدُهما ممنوعًا بعلَّةٍ في بَدَنِه، والآخرُ بمنعِ مانعٍ؟
ثم يُسَأَلُ عن الفرقِ بينَ ذلك مِن أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا (٢) إلا أُلزِم في الآخرِ مِثلَه.
وأما الذين قالوا: لا إحصارَ في العمرةِ.
فإنه يُقالُ لهم: قد علِمتم أن النبيَّ ﷺ إنما صُدَّ عن البيتِ وهو مُحرِمٌ بالعُمْرةِ، فحَلَّ مِن إحرامِه، فما بُرهانُكم على [ألا إحصارَ] (٣) فيها؟
أوَ رأَيتم إن قال قائلٌ: لا إحصارَ في حَجٍّ، وإنما فيه فَوْتٌ، وعلى الفائتِ الحَجَّ المُقامُ على إحرامِه حتى يَطُوفَ بالبيتِ ويسعى بينَ الصفا والمروةِ؛ لأنه لم يَصِحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه سَنَّ في الإحصارِ في الحجِّ سُنَّةً - فقد قال ذلك جماعةٌ مِن أئمةِ الدينِ - فأما العمرةُ فإنَّ النبيَّ ﷺ قد سَنَّ فيها ما سَنَّ، وأنزَل اللَّهُ في حُكْمِها ما بيَّن مِن الإحلالِ والقضاءِ الذي فعَله رسولُ اللَّهِ ﷺ، ففيها الإحصارُ دونَ الحجِّ، هل بينَها (٤) وبينَه فرقٌ؟
ثم يُعْكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يَقولَ في أحدِهما شيئًا إلا أُلزِم في الآخرِ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: فإن أُحْصِرْتم فما اسْتَيْسر من الهدْيِ، ولا تحْلِقُوا رءُوسَكم حتى يَبْلُغَ الهدْيُ محِلَّه، إلا أنْ يُضْطَرَّ إلى حَلْقِه منكم مُضْطَرٌّ؛ إما لمرَضٍ، وإما لأذًى برأسِه، من هوامَّ أو غيرِها، فيَحْلِقَ هنالك للضرورةِ النازلةِ به وإن لم يَبْلُغِ الهَدْيُ مَحِلَّه (١)، فيَلْزَمَه بحِلاقِه رأسَه وهو كذلك فديةٌ مِن صيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما ﴿أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾؟
قال: القَمْلُ وغيرُه، الصُّداعُ (٢) وما كان في رأسِه (٣).
وقال آخرون: لا يَحْلِقُ إن أراد أن يَفْتَدِيَ (٤) بالنَّسْكِ أو الإطعامِ إلا بعدَ التكفيرِ، وإن أراد أن يَفْتَدِيَ بالصَّومِ، حلَق ثم صامَ.
ذكرُ مَن قال ذلك [حُدِّثتُ عن] (٥) عُبيدِ اللَّهِ بنِ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ، قال: إذا كان بالمُحرِمِ أذًى مِن رأسِه، فإنه يَحْلِقُ حينَ يَبْعَثُ بالشاةِ أو يُطْعِمُ المساكينَ، وإن كان صومٌ، حلَق ثم صامَ بعدَ ذلك (٦).
حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحْصِر، بعَث بما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ؛ شاةٍ، فإن عجّل قبلَ أن يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه، فحلَق رأسَه، أو مَسَّ طِيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ.
قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال: مَن أُحْصِر بمرَضٍ أو كَسْرٍ فلْيُرْسِلْ بما اسْتَيْسَر مِن الهَدْيِ، ولا يَحْلِقْ رأسَه، ولا يَحِلَّ حتى يومِ النَّحْرِ، فمَن كان مريضًا، أو اكْتَحَل، أو ادَّهَن، أو تَداوَى، أو كان به أذًى مِن رأسِه، فحلَق، ففِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: هذا إذا كان قد بعَث بهَدْيِه، ثم احتاج إلى حَلْقِ رأسِه مِن مَرَضٍ، وإلى طِيبٍ، وإلى ثوبٍ يَلْبَسُه؛ قميصٍ أو غيرِ ذلك، فعليه الفِدْيةُ.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ كاتبُ الليثِ، قال: حدَّثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شهابٍ، قال: مَن أُحْصِرَ عن الحجِّ فأصابه في حَبْسِه (٣) ذلك مَرَضٌ أو أذًى برأسِه، فحلَق رأسَه في مَحْبَسِه ذلك، فعليه فِدْيَةٌ مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرَني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أنّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ قال: مَن أُحْصِرَ بعدَ أن يُهِلَّ بالحَجِّ، فحبَسه مَرَضٌ أو خوفٌ، فإنه يَتَعالجُ في حَبْسِه ذلك بكلِّ شيءٍ لا بُدَّ له منه، غيرَ أنه لا يَحِلُّ له النساءُ والطِّيبُ، ويَفْتَدِي بالفديةِ التي أمَر اللَّهُ بها؛ صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ (١).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عمرِو بنِ مرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِل عليٌّ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: هذا قبلَ أن يُنْحَرَ الهَدْيُ، إن أصابه شيءٌ فعليْه الكفارةُ.
وقال آخرون: معنَى ذلك: فمَن كان منكم مريضًا أو به أذًى مِن رأسِه، فعليه فِدْيةٌ مِن صيامٍ أو صدقَةٍ أو نُسُكٍ، قبلَ الحِلاقِ إذا أراد حِلاقَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: فمَن اشْتَدَّ مرَضُه أو آذاه رأسُه وهو مُحْرِمٌ، فعليْه صيامٌ أو إطعامٌ أو نُسُكٌ، ولا يَحْلِقُ رأْسَه حتى يُقَدِّمَ فِدْيَتَه قبلَ ذلك (٢).
وعلَّةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا به المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يعقوبَ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
فقال: إنَّ كعبَ بنَ عُجْرةَ مرَّ بالنبيِّ ﷺ وبرأسِه مِن الصِّئْبانِ (١) والقَمْلِ كثيرٌ، فقال له النبيُّ ﵊: "هل عندَك شاةٌ؟
".
فقال كعبٌ: ما أجدُها.
فقال له النبيُّ ﷺ: "إن شِئْتَ فأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، وإن شِئْتَ فصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، ثم احْلِقْ رأسَك" (٢).
فأما المرضُ الذي أُبِيحَ له معه العلاجُ بالطِّيبِ وحَلْقِ الرأسِ، فكلُّ مرضٍ كان صلاحُه بحَلْقِه؛ كالبِرْسامِ (٣) الذي يكونُ من صلاحِ صاحبِه حلقُ رأسِه، وما أشبهَ ذلك، والجِراحاتِ التي تكونُ بجسَدِ الإنسانِ، التي يُحتاجُ معها إلى العلاجِ بالدواءِ الذي فيه الطِّيبُ، ونحوِ ذلك من القروحِ والعِلَلِ العارِضَةِ للأبدانِ.
وأما الأذَى الذي يكونُ - إذا كان برأسِ الإنسانِ خاصةً - له حَلْقُه، فنحوُ الصُّداعِ والشَّقيقةِ (٤)، وما أشبهَ ذلك، وأن يكثُرَ صِئبانُ الرأسِ، وكلِّ ما كان للرأسِ مُؤذيًا، مما في حَلْقِه صلاحُه، ودفْعُ المضرَّةِ الحالَّةِ به، فيكونُ ذلك له بعمومِ قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾.
وقد تَظاهرتِ الأخبارُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنّ هذه الآيةَ نزَلَتْ عليه بسببِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، إذْ شَكَا كثْرةَ أذًى برأسِه من صِئْبانِه، وذلك عامَ الحُدَيبيةِ.
ذِكرُ الأخبارِ التي ذُكِرت (٥) في ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشَّواربِ وحُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قالا: ثنا يزيدُ ابنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرّ بيَ النَّبِيُّ ﷺ بالحديبيَةِ، ولِي وَفْرةٌ (١) فيها هوامُّ، ما بينَ أصلِ كلِّ شعَرةٍ إلى فَرْعِها قَمْلٌ وصِئبَانٌ، فقال: "إن هذا لَأذًى".
قلتُ: أجل يا رسولَ اللَّهِ، شديدٌ.
قال: "أمعك دَمٌ؟
".
قلتُ: لا.
قال: "فإنْ شِئْتَ فصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وإن شِئْتَ فتَصَدَّقْ بثَلاثَةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ على سِتَّةِ مَسَاكِينَ، على كُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ" (٢).
حدَّثني إسحاقُ بنُ شاهينَ الواسِطيُّ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الطحّانُ، عن داودَ، عن عامرٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسدُ بنُ عَمرٍو، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: خرَجتُ مع النبيِّ ﷺ زمنَ الحديبِيَةِ، ولِي وَفْرةٌ مِن شعَرٍ قد قَمِلتْ، وأكلَني الصِّئبانُ، فرآني رسولُ اللَّه ﷺ فقال: "احْلِقْ".
ففعلتُ، فقال: "هل لك هَدْيٌ؟
".
قلتُ: ما أَجِدُ.
فقال: "إنَّه ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ".
فقلتُ ما أجِدُ.
فقال: "صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ".
قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١).
وهذا الخبرُ يُنْبئُ عن أنّ الصحيحَ من القولِ أنّ الفِديةَ إنما تجِبُ على الحالقِ بعدَ الحلْقِ، وفسادِ قولِ مَن قال: يَفْتَدِي ثم يَحلِقُ.
لأن كعبًا يُخبِرُ أن النبيَّ ﷺ أمرَه بالفديةِ بعدَما أمرَه بالحلْقِ فحلَق.
حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقلٍ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: أمَرني رسولُ اللَّهِ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو فَرَقٍ من طعامٍ بينَ ستَّةِ مساكينَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عبدِ اللَّه بنِ مَعقلٍ، قال: قعَدتُ إلى كعبٍ وهو في المسجدِ، فسألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
فقال كعبٌ: نزَلتْ فيَّ؛ كان بي أذًى من رأسِي، فحُمِلتُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ والقملُ يتناثرُ علَى وجْهِي، فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ الجَهْدَ بَلَغَ (٣) مِنْكَ ما أرَى، أتجِدُ شاةً؟
".
فقلتُ: لَا، فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: فنزَلتْ فيَّ خاصةً، وهي لكم عامَّةً (٤).
حدَّثني تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَريكٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ معقلٍ المُزَنيَّ (١) يقولُ: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: حجَجْتُ مع نبيِّ اللَّهِ ﵇ فقَمِلَ رأسِي ولحيَتي وشارِبي وحاجبَيَّ، فذُكِرَ ذلك للنبيِّ ﷺ، فأرسَلَ إليَّ فقال: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ هَذَا أصَابَكَ".
ثم قال: "ادْعُوا لي حَلَّاقًا".
فدعَوْه، فحلَقَنِي، ثم قال: "أعنْدَكَ شيءٌ تَنْسُكُه عنك؟
".
قال: قلتُ: لَا.
قال: "فَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ".
قال كعبٌ: فنزَلتْ هذه الآيةُ فيَّ خاصةً: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
ثم كانت للناسِ عامَّةً (٢).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: حدَّثني أيوبُ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، قال: مَرَّ بيَ النبيُّ ﷺ وأنا أُوقِدُ تحتَ قِدْرٍ، والقَمْلُ يتَناثرُ على وجْهِي، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأْسِكَ؟
".
قال: قلتُ: نَعم.
قال: "احْلِقْه وصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ، أو اذْبَحْ شاةً" (٣).
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا أيوبُ بإسنادِه عن النبيِّ ﷺ مثلَه، إلّا أنه قال: والقمْلُ يَتناثرُ عليَّ.
أو قال: علَى حاجِبَيَّ.
وقال أيضًا.
"أو انْسُكْ نَسيكَةً (١) ".
قال أيوبُ: لا أدرِي بأيَّتِهنَّ بدَأَ (٢).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عَوْنٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبٍ، قال: فيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ.
قال: فقال لي: "ادْنُه".
فدنَوْتُ [فقال لي: "ادْنُ".
فدنوْتُ] (٣)، فقال: "أيُؤْذيكَ هوامُّك؟
".
قال: أظُنُّه قال: نَعم.
قال: [فأمَرني بصيامٍ أو صَدقةٍ، أو] (٤) نَسْكِ ما تيسَّرَ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن صالحٍ (٦) أبي الخليل، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن النَّبِيَّ ﷺ أتَى عليه زمنَ الحديبيةِ وهو يُوقِدُ تحتَ قِدرٍ له، وهوامٌ رأسِه تَتَناثَرُ علَى وجهِه، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟
".
قال: نعَم.
قال: "احْلِقْ رأسَكَ، وعليك فِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ، تَذبَحُ ذَبِيحَةً، أو تَصُومُ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو تُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ".
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن (٧) أبي الخليلِ، عن عبدِ الرحمن بنِ أبي ليلَى، قال: ذُكِرَ لنا أنَّ نبيَّ اللَّهِ ﷺ أَتَى علَى كعبِ بنِ عُجرةَ زمنَ الحديبيةِ.
ثم ذكرَ نحوَه (١).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: وأخبرَني سيفٌ، عن مُجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلي، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا بالحديبيةِ، ورأسِي يتَهافَتُ قملًا، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟
".
قال: فقلتُ: نَعم.
قال: "فاحْلِقْ".
قال: ففيَّ نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ وأيوبَ السَّخْتِيانيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال: مرَّ بي رسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ الحديبيةِ وأنا أُوقِدُ تحتَ قدرٍ، والقمْلُ يتهافَتُ عليَّ، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟
".
قال: قلتُ: نعم.
قال: "فاحْلِقْ، وانْسُكْ نَسِيكَةً، أو صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مسَاكِينَ".
قال: قال أيوبُ: "انسُكْ نسيكةً".
وقال ابنُ أبي نَجيحٍ: "اذبحْ شاةً".
قال سفيانُ: والفَرَقُ ثلاثةُ آصُعٍ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ رآه وقمْلُه يسقُطُ علَى وجْهِهِ، فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟
".
قال: نعم.
فأمَره أن يحلِقَ وهو بالحديبيةِ، [ولم] (١) يتبيَّنْ لهم أنهم يحِلُّون بها، وهم على طمَعٍ أن يدخُلوا مكَّةَ، فأنزَلَ اللَّهُ ﵎ الفديةَ، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُطعِمَ فَرَقًا بينَ ستةِ مساكينَ، أو يُهدِيَ شاةً، أو يصومَ ثلاثةَ أيامٍ (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ ونحن محرمون، وقد حَصَرَنا المشركون، قال: وكانت لي وفرةٌ، فجعَلت الهوامُّ تَساقَطُ علَى وجهِي، فمرّ بي النبيُّ ﷺ فقال: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رأسِكَ؟
".
قال: قلتُ: نعم.
قال (٣): ونزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجرَةَ، قال: لَفِيَّ نَزَلتْ، وإيّايَ عُني بها: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: قال النبيُّ ﷺ وهو بالحديبيةِ، وهو عندَ الشجرةِ، وأنا محرِمٌ: "أيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ (٥)؟
".
قلتُ: نعم - أو كلمةً لا أحفظُها عنَى بها ذاكَ - فأنزَل اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: والنُّسُكُ شاةٌ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن مغيرةَ، عن مجاهدٍ، قال: قال كعبُ بنُ عُجْرَةَ: والذي نفسِي بيدِه، لَفيَّ نزَلت هذه الآيةُ، وإيايَ عُنِي بها.
ثم ذكَر نحوَه.
قال: وأمرَه أنْ يحلِقَ رأسَه (١).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن عبدِ الكريمِ بنِ مالكٍ الجَزَرِيِّ، عن مجاهدٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أنه كان مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، فآذاه القملُ في رأسِه، فأمَره رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يحلِقَ رأسَه وقال: "صُمْ ثلاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكلِّ إنْسانٍ، أو انْسُكْ بشاةٍ، أيَّ ذلك فعلتَ أَجزأَ عنك" (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن حُميدِ بنِ قيسٍ، عن مجاهدٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرَةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال له: "لَعَلَّه آذَاكَ هَوَامُّكَ؟
".
يعني القمْلَ.
قال: قلتُ: نَعم يا رسولَ اللَّهِ.
فقال رسولُ اللَّهِ: "احْلِقْ رأسَكَ، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، أو انْسُكْ بِشاةٍ" (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثه عن عطاءِ بنِ عبدِ اللَّهِ الخُراسانيِّ، أنه قال: أخبرني شيخٌ بسوقِ البُرَمِ بالكوفةِ، عن كعبِ بنِ عُجرةَ، أنه قال: جاءَني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأنا أنفُخُ تحتَ قِدْرٍ لأصحابي، وقد امتلأَ رأْسِي ولحيتي قمْلًا، فأخَذ بجبْهَتي ثم قال: "احْلِقْ هذا، وصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ".
وقد كان رسولُ اللَّهِ ﷺ عَلِمَ أنه ليس عندي ما أَنسُكُ به (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرني ابنُ نافعٍ، قال: أخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، قال كعبٌ: أمَرني النبيُّ ﷺ حين آذاني القملُ أن أحلِقَ رأسِي، ثم أصومَ ثلاثةَ أيامٍ، أو أطعِمَ ستةَ مساكينَ، وقد علِمَ أنه ليس عندي ما أنسُكُ منه (٢).
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا روحٌ، عن أسامةَ بنِ زيدٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: سمِعتُ كعبَ بنَ عُجرةَ يقولُ: أمرَنِي - يعني رسولَ اللَّهِ ﷺ أن أحلِقَ وأَفتديَ بشاةٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن الزبيرِ بنِ عديٍّ، عن أبي وائلٍ شقيقِ بنِ سلَمةَ، قال: لقِيتُ كعبَ بنَ عُجْرَةَ في هذه السوقِ، فسألتُه عن حلْقِ رأسِه، فقال: أحرَمْتُ فآذاني القملُ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فأتانِي وأنا أطبخُ قِدرًا لأصحابي، فحَكَّ بأُصبُعِه رأسِي فانْتَثَرَ منه القملُ، فقال النبيُّ ﷺ: "احْلِقْه، وأطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ" (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخْبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرني عطاءٌ، أن النبيَّ ﷺ لما (٢) كان بالحديبيةِ عامَ حُبسوا بها، وقَمِل رأسُ رجلٍ منهم (٣) من أصحابِه، يقالُ له: كعبُ بنُ عُجْرةَ.
فقال له النبيُّ ﷺ: "أتُؤْذِيكَ هذه الهَوَامُّ؟
".
قال: نعم.
قال: "فاحْلِقْ وَاجْزُزْ، ثُمَّ صُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ؛ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ".
قال: قلتُ: أَسَمَّى النبيُّ ﷺ مُدَّين مُدَّينِ؟
قال: نعم.
كذلك بلَغنا أن النبيَّ ﷺ سمَّى ذلك لكعبٍ، ولم يسمِّ النسُكَ.
قال: وأخبَرني أن النبيَّ ﷺ أخبَر كعبًا بذلك في الحديبيةِ، قبلَ أن يؤذَنَ للنبيِّ ﷺ وأصحابِه بالحلقِ والنحرِ، لا يدرِي عطاءٌ كمْ بينَ الحلْقِ والنَّحرِ.
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ وهبٍ، قال: ثنى عَمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرني الليثُ، عن ابنِ مُسافرٍ، عن ابنِ شهابٍ، عن فضالةَ بنِ محمدٍ الأنصاريِّ، أنه أخبَره من (٤) لا يَتَّهمُ من قومِه، أنّ كَعبَ بنَ عُجرةَ أصابَه أذًى في رأسِه، فحلَقَ قبلَ أن يبلُغَ الهديُ مَحِلَّه، فأمَره النبيُّ ﷺ بصيامِ ثلاثةِ أيامٍ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو الأسودِ، قال: أخبرني ابنُ لَهيعةَ، عن مَخْرمَةَ، عن أبيه، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شُعيبٍ يقولُ: سمِعتُ شُعيبًا يحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ لكعبِ بنِ عُجرةَ: "أَيُؤْذِيكَ دَوَابُّ رأسِكَ؟
".
قال: نَعم.
قال: "فاحْلِقْهُ، وَافْتَدِ؛ إمَّا بصَوْمِ (١) ثَلاثَةِ أيَّامٍ، وإمَّا أنْ تُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوْ نَسْكِ شاةٍ".
ففعَلَ (٢).
وقد بيَّنا قبلُ معنى "الفديةِ"، وأنها بمعنى الجزاءِ والبدلِ (٣).
واختلَف أهلُ العلمِ في مبلغِ الصيامِ والطعامِ اللَّذَين أوجَبهما اللَّهُ على من حلَق شعرَه من المحْرِمِين في حالِ مرضِه، أو مِن أذًى برأسِه؛ فقال بعضُهم: الواجبُ عليه من الصيامِ ثلاثةُ أيامٍ، ومن الطعامِ ثلاثةُ آصُعٍ بينَ ستةِ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ.
واعتلُّوا بالأخبارِ التي ذكرْناها قبلُ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن عثمانَ بنِ الأسودِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبرإهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ، أنهما قالا في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أشعثَ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ، عن كعبِ بنِ عُجْرةَ، أنه قال في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والطعامُ إطعامُ ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ فصاعدًا.
إلَّا أنه قال في إطعامِ المساكينِ: ثلاثةُ آصُعٍ مِن تَمرٍ بين ستةِ مساكينَ (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾: إن صنَع واحدًا فعليه فديةٌ، وإن صنَع ثنتين فعليه فديتان، وهو مخيَّرٌ أن يصنَعَ أيَّ الثلاثةِ شاءَ؛ أما الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما الصدَقةُ فستةُ مساكينَ؛ لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، وأما النسُكُ فشاةٌ فما فوقَها، أُنزِلتْ هذه الآيةُ في كعبِ بنِ عُجْرةَ الأنصاريِّ، كان أُحصِرَ، فقمِلَ رأسُه فحلَقه.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾: أو اكتحَلَ، أو ادَّهنَ، أو تداوَى ﴿أَوْ﴾ كان ﴿بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ مِن قملٍ فحلَقَ، ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ ثلاثةِ أيامٍ، ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ فَرَقٍ بينَ ستةِ مساكينَ، ﴿أَوْ نُسُكٍ﴾ والنسكُ شاةٌ (٣).
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
قال: فإن عجّلَ من (١) قبلِ أن يبلُغَ الهديُ محلَّه، فحلَق، ففديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ.
قال: فالصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ طعَامُ ستةِ مساكينَ؛ بينَ كلِّ مسكينيْنِ (٢) صاعٌ، والنسُكُ شاةٌ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: يصومُ صاحبُ الفديةِ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا.
قال: مُدًّا لطعامِه، ومُدًّا لإدَامِه (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ بإسنادِه مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّريِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ عن قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: الصيامُ ثلاثةُ أيام، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ، عن حربِ بنِ قيسٍ مَولَى يحيى بنِ (٥) طلحةَ، أنه سمِعَ محمدَ بنَ كعبٍ وهو يذكرُ الرجلَ الذي أُنزِلَتْ فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾.
قال: فأَفتاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أمَّا الصيامُ فثلاثةُ أيامٍ، وأما المساكينُ فستةٌ، وأمّا النُّسُكُ فشاةٌ".
حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: إذا أهَلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ، بعَث بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإنْ عجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ مَحِلَّه؛ حلَقَ رأسَه، أو مَسّ طيبًا، أو تَداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، والصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ، والنُّسكُ شاةٌ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ ومجاهدٍ قولَه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قالا: الصيامُ ثلاثةُ أيامٍ، والصدقةُ ثلاثةُ آصُعٍ على ستةِ مساكينَ، والنُّسكُ شاةٌ (٢).
وقال آخرون: الواجبُ عليه إذا حلَقَ رأسَهُ من أذًى، أو تَطيَّبَ لعلةٍ من مرضٍ، أو فعَل ما لم يكنْ له فعلُه في حالِ صحتِه، وهو محرمٌ، من الصومِ؛ صيامُ عشرةِ أيامٍ، ومن الصدقةِ؛ إطعامُ عشرةِ مساكينَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ أبي عمرانَ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ معاذٍ، عن أبيه، عن أشعثَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: إذا كان بالمحْرِمِ أذًى مِن رأسِه، حلَقَ وافتدَى بأيِّ هذه الثلاثةِ شاءَ؛ فالصيامُ عشَرةُ أيامٍ، والصدقةُ على عشَرةِ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ مكُّوكَين (٣)؛ مكُّوكًا من تمرٍ، ومكوكًا مِن بُرٍّ، والنُّسكُ شاةٌ (١).
حدَّثني عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشِيُّ، قال: ثنا بشرٌ بنُ عمرَ (٢)، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعِكرمةَ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال: إطعامُ عشَرةِ مساكينَ (٣).
وقاسَ قائلُو هذا القولِ كلَّ صيامٍ وجَبَ على مُحْرِمٍ أو صدقةِ جزاءٍ، مِن نقصٍ دخَلَ في إحرامِه، أو فِعلِ ما لمْ يكنْ له فعلُه، بدَلًا من دَمٍ، على ما أوجبَ اللَّهُ ﵎ على المتمتعِ من الصومِ إذا لم يجدِ الهدْيَ.
وقالوا: جعَلَ اللَّهُ على المُتمتعِ صيامَ عشَرَةِ أيامٍ مكانَ الهدْيِ إذا لمْ يَجدْه.
قالوا: فكلُّ صومٍ وجَبَ مكانَ دمٍ فمثلُه.
قالوا: وإذا لم يصُمْ فأرادَ الإطعامَ، فإن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه أقامَ إطعامَ مسكينٍ مكانَ صومِ يومٍ لمن عجَزَ عن الصومِ في رمضانَ.
قالوا: فكلُّ مَن جُعِلَ الإطعامُ له مكانَ صومٍ لَزِمَه، فهو نَظيرُه.
فلذلك أوجَبوا إطعامَ عشَرةِ مساكينَ في فديةِ الحلْقِ.
وقال آخرون: بل الواجبُ على الحالقِ النُّسكُ، شاةٌ إن كانتْ عندَه، فإن لم تكنْ عندَه، قُوِّمتِ الشاةُ دراهمَ، والدراهمُ طعامًا، فتصدَّق به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، قال: ذَكَر الأعمشُ قال: سألَ إبراهيمُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
فأجابَه: يقولُ (١): يُحكَمُ عليه طعامٌ، فإن كان عندَه اشترَى شاةً، فإن لم يكنْ، قُوِّمتِ الشاةُ دراهِمَ، فجُعِلَ مكانَه طعامٌ فتَصدّقَ به، وإلَّا صامَ لكلِّ نصفِ صاعٍ يومًا.
فقال إبراهيمُ: كذلك سمِعتُ علقمةَ يَذكُرُ.
قال: لما قامَ قال لي سعيدُ بنُ جبيرٍ: مَن (٢) هذا؟
ما أظرفَه!
قال: قلتُ: هذا إبراهيمُ.
فقال: ما أظرفَه، كان يُجالِسُنَا.
قال: فذكرتُ ذلك لإبراهيمَ.
قال: فلمَّا قلتُ: يُجالسُنا.
انْتفضَ منها (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: يُحكَمُ علَى الرجلِ في الصيدِ، فإن لم يجِدْ جزاءَه قُوِّمَ طعامًا، فإن لم يكنْ طعامٌ، صامَ مكانَ كلِّ مُدَّينِ يومًا، وكذلِك الفديةُ (٤).
وقال آخرون: بل هو مخيَّرٌ بينَ الخِلالِ الثلاثِ يَفتدِي بأيِّها شاءَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثَنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سيفِ بنِ سليمانَ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أوْ، أوْ".
فهو بالخيارِ، مثلُ الجرابِ فيه الخيطُ الأبيضُ والأسودُ، فأيُّهما خرَجَ أخذْتَه (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أوْ، أوْ".
فصاحبُه بالخيارِ، يأخُذُ [الأوَّلَ فالأوَّلَ] (١).
حدَّثنا أبو كريب، قال: تنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليْثًا، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ما كان في القرآنِ: "كذا، فمن لم يجِدْ فكذَا".
فالأوَّلَ الأوَّلَ، [وما] (٢) كان في القرآنِ: "أوْ كذا، أو كذا".
فهو فيه بالخيارِ.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المحارِبيُّ، عن يحيى بنِ أبي أُنيسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وسُئِلَ عن قولِه: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
فقال مجاهدٌ: إذا قال اللَّهُ ﵎ لشيءٍ: "أو، أو".
فإن شِئتَ فخُذْ بالأوَّلِ، وإن شئْتَ فخُذْ بالآخرِ.
حدّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ و (٣) عَمرُو بن دينارٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قالا: له أيَّتُهُنَّ شاءَ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابن جُريجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ "أو، أو".
فلصاحبِه أن يختارَ أيَّه شاءَ.
قال: قال ابنُ جُريجٍ: وقال لي عَمرُو بن دينارٍ: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو".
فلصاحبِه أن يأخُذَ بما شاءَ (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ، أنهما قالا: ما كانَ في القرآنِ: "أو كذا، أو كذا".
فصاحبُه بالخيارِ، أيَّ ذلك شاءَ فعَلَ.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدٌ (١)، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن (٢) مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو".
فهو مُخَيَّرٌ فيه، فإن كان: "فمَن، فمَن".
فالأولَ فالأولَ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ القرشيُّ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآنِ: "أو، أو".
فلْيتخَيَّرْ أيَّ الكفاراتِ شاءَ، فإذا كان: "فمَن لم يجِدْ".
فالأولَ فالأولَ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: نُبِّئْتُ عن عطاءٍ، قال: كلُّ شيء في القرآنِ: "أو، أو".
فهو خيارٌ.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا ما ثبَتَ به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وتظاهرَتْ به عنه الروايةُ، أنه أَمَر كعبَ بنَ عُجرَةَ بحلْقِ رأسِه من الأذَى الذي كان برأسِه، ويفْتدِي إن شاءَ؛ بنسكٍ شاةٍ، أو صيامِ ثلاثةِ أيامٍ، أو إطعامِ فَرَقٍ من طعامٍ (٥) ستةَ مساكينَ؛ كلَّ مسكينٍ نصفَ صاعٍ.
وللمفتدِي الخيارُ بين أيِّ ذلك شاءَ؛ لأنَّ اللَّهَ لمْ يحصُرْه على واحدةٍ منهن بعينِها فلا يجوزَ له أن يعدُوَها إلى غيرِها، بل جعَلَ إليه فعْلَ أيِّ الثلاثِ شاءَ.
ومَن أبَى ما قُلنا في (١) ذلك، قيلَ له: ما قلتَ في المكفِّرِ عن يمينِه، أمخيَّرٌ إذا كان موسِرًا في أن يكفِّرَ بأيِّ الكفاراتِ الثلاثِ شاءَ؟
فإن قال: لَا.
خرَج من قولِ جميعِ الأُمةِ.
وإن قال: بلَى.
سُئلَ الفَرْقَ بينَه وبينَ المفتدِي مِن حلْقِ رأسِه وهو مُحْرِمٌ من أذًى به، ثم لن يقولَ في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِمَ في الآخرِ مثلَه.
على أن ما قلنا في ذلك إجماعٌ من الحُجَّةِ، ففي ذلك مُستَغنًى عن الاستشهادِ على صحتِه بغيرِه.
وأمَّا الزاعمون أن كفارةَ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ، فإنه يقالُ لهم: أخبِرونا عن الكفارةِ للمُتَمتِّع، قبلَ التَّمتعِ أو بعدَه؟
فإن زَعَموا أنها قبلَه، قيل لهم: وكذلك الكفارةُ عن اليميِن قَبلَ اليمينِ.
فَإن زعَموا أن ذلك كذلك، خرَجُوا من قولِ الأُمةِ.
وإن قالوا: ذلك غيرُ جائز.
قيل لهم: وما الوجهُ الذي من قِبَلِه وجَب أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ قبلَ الحلْقِ وهدْيُ المتعةِ قبلَ التَّمتُّعِ، ولم يَجِبْ أن تكونَ كفارةُ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وهل بينَكم وبينَ مَن عكَس عليكم الأمرَ في ذلك، فأوجَبَ كفارةَ اليمينِ قبلَ اليمينِ، وأبطلَ أن تكونَ كفارةُ الحلْقِ كفارةً له إلَّا بعدَ الحلقِ - [فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ] (٢)؟
فلن يقولوا (٣) في أحدِهما شيئًا إلَّا أُلزِموا (٤) في الآخرِ مثلَه.
فإن اعتَلَّ في كفارةِ اليمينِ قبلَ اليمينِ أنها غيرُ مجزئةٍ قبلَ الحلف بإجماعِ الأمةِ، قيل له: فَرُدَّ الأخرى قياسًا عليها إذ (١) كان فيها اختلافٌ.
وأما القائلونَ: إن الواجب على الحالقِ رأسَه من أذًى؛ من الصيامِ عشَرةُ أيامٍ، ومن الإطعامِ عشَرةُ مساكينَ.
فمخالفون نصَّ الخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، فيقالُ لهم: أرأيتم مَن أصاب صيدًا فاختارَ الإطعامَ أو الصيامَ، أتسوُّون بينَ جميعِ [ما يجِبُ عليه] (٢) بقتْلِه الصيدَ صغيرَه وكبيرَه من الإطعامِ والصومِ، أم تفرِّقون بين ذلك على قدرِ افتراقِ المقتولِ من الصيدِ في الصِّغرِ والكِبرِ؟
فإنْ زعَمُوا أنهم يسوُّون بينَ جميعِ ذلك، سوَّوا بين ما يجِبُ على مَن قتَلَ بقرةً وحشِيَّةً وبين ما يجِبُ على مَن قتَلَ وَلدَ ظَبيةٍ، من الإطعامِ والصيامِ.
وذلك قولٌ - إن قالوه - لقولِ الأُمةِ مخالفٌ.
فإن قالوا: بل نُخالِفُ (٣) بينَ ذلك، فنوجِبُ ذلك عليه على قدرِ قيمةِ المصابِ من الطعامِ والصيامِ.
قيل لهم: فكيف ردَدتُم الواجبَ على الحالقِ رأسَه مِن أذًى من الكفارةِ، على الواجبِ على المتَمتِّعِ من الصومِ، وقد علِمتم أنَّ المتمتِّعَ غيرُ مُخَيَّرٍ بينَ الصيامِ والإطعامِ والهدْيِ، ولا هو مُتلِفٌ شيئًا وجبَت عليه منه كفارةٌ، وإنما هو تاركٌ عملًا من الأعمالِ، وترَكتم رَدَّ الواجبِ عليه وهو مُتلِفٌ، بحلْقِه رأسَه، ما كان ممنوعًا من إتلافِه، ومُخيَّرٌ بين الكفاراتِ الثلاثِ، نظيرَ المصيبِ الصيدَ، الذي هو بإصابتِه إياه له متلِفٌ ومخيَّرٌ في تكفيرِه بين الكفاراتِ الثلاثِ، وهل بينَكم وبينَ مَن خالفَكم في ذلك، وجعَل الحالقَ قياسًا لمُصيبِ الصيدِ، وجمَع بينَ حُكميْهِما لاتفاقِهما في المعاني التي وصَفْنا، وخالَفَ بينَ حكمه وحكمِ المتمتعِ في ذلك لاختلافِ أمرِهما فيما وصَفْنا - فرقٌ من أصلٍ أو نظيرٍ؟
فلن يقولوا في ذلك قولًا إلَّا أُلزِمُوا في الآخَرِ مثلَه، مع أن في اتفاقِ الحجةِ على تخطئةِ قائلِ هذا القولِ في قولِه هذا، كفايةً عن الاستشهادِ على فسادِه بغيرِه، فكيف وهو مع ذلك خلافٌ لما جاءتْ به الآثارُ عن رسولِ الله ﷺ، والقياسُ عليه بالفسادِ شاهدٌ.
واختلف أهلُ العلمِ في الموضعِ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ أن يَنسُكَ نُسُكَ الحلْقِ، ويُطعِمَ فديتَه؛ فقال بعضُهم: النُّسُكُ والإطعامُ بمكةَ، لا يُجزِئُ بغيرِها من البلدانِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ، قال: ما كان من دمٍ أو صدقةٍ فبمكةَ، وما سوَى ذلكَ حيثُ شاءَ.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ شيءٍ من الحجِّ فبمكةَ، إلَّا الصومَ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن النُّسُكِ، قال: النُّسُكُ بمكةَ لا بُدَّ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسَةَ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن عطاءٍ، قال: الصدقةُ والنُّسكُ في الفديةِ بمكةَ، والصومُ حيثُ شئتَ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا ليثٌ، عن طاوسٍ، أنه كان يقولُ: ما كان مِن دمٍ أو طعامٍ فبمكةَ، وما كان مِن صيامٍ فحيثُ شاءَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا (٢) عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النسكُ بمكةَ أو بمنًى (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: النُّسكُ بمكةَ أو بمنًى، والطعامُ بمكةَ.
وقال آخرون: النُّسكُ في الحلْقِ والإطعامُ والصومُ حيثُ شاءَ المفْتدِي.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدٍ، قال: أخبَرني أبو أسماءَ مَولَى ابنِ جعفرٍ، قال: حَجَّ عثمانُ بنُ عفانَ ومعه عليٌّ والحسينُ بنُ عليٍّ، فارتَحلَ عثمانُ - قال أبو أسماءَ: وكنتُ معَ ابنِ جعفرٍ - قال: فإذا نحن برجلٍ نائمٍ وناقتُه عندَ رأسِه.
قال: فقلنا له: أيُّها النَّئُومُ (٤).
فاسْتيقَظَ، فإذا الحسينُ بنُ عليٍّ.
قال: فحمَلَه ابنُ جعفرٍ حتى أتَى به السُّقيَا.
قال: فأرسَل إلى عليٍّ، فجاء ومعه أسماءُ بِنتُ عُميسٍ.
قال: فمرَّضْناه نحوًا من عشرينَ ليلةً.
قال: فقال عليٌّ للحسينِ: ما الذي تجِدُ؟
قال: فأَومَأَ إلى رأسِه.
قال: فأَمَرَ به عليٌّ فحُلِق رأسُه، ثم دعَا ببدَنةٍ فنحَرَها (٥).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى (١)، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يعقوبَ بنِ خالدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ المسيَّبِ المخزوميِّ، أخبرَه أنه سمِعَ أبا أسماءَ مَولَى عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يحدِّثُ أنه خرَج مع عبدِ اللَّهِ بنِ جعفرٍ يريدُ مكةَ مع عثمانَ، حتى إذا كنا بينَ السُّقيا والعَرْجِ (٢) اشتكَى الحسينُ بنُ عليٍّ، فأصبَح في مَقيلِه الذي قالَ فيه بالأمسِ.
قال أبو أسماءَ: فصحِبتُه أنا وعبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ، وإذا راحلةُ حسينٍ قائمةٌ وحسينٌ مُضطجعٌ، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ جعفرٍ: إنّ هذه لراحِلَةُ حُسينٍ.
فلمَّا دنا منه قال له: أيها النَّئُومُ.
وهو يظُنُّ أنه نائمٌ، فلمَّا دَنا منه وجَده يَشْتكِي، فحمَله إلى السُّقيا، ثم كتَب إلى عليٍّ، فقدِم إليه إلى السقيا، فمرَّضَه قريبًا من أربعين ليلةً، ثم إن عليًّا قيل له: هذا حسينٌ يشيرُ إلى رأسِه.
فدعا عليٌّ بجزورٍ فنحَرها [في الماءِ] (٣)، ثم حلَق رأسَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أقبلَ حُسينُ بنُ عليٍّ مع عثمانَ حرامًا، حسِبتُ أنه اشْتكَى بالسُّقيا، فذُكِرَ ذلك لعليٍّ، فجاء هو وأسماءُ بنتُ عميسٍ، فمرَّضوه عشرينَ ليلةً، وأشارَ حُسينٌ إلى رأسِه، فحلَقه ونحَر عنه جَزُورًا.
قلتُ: فرجَع به؟
قال: لا أَدْرِي.
وهذا الخبرُ يحتَمِلُ أن يكونَ ما ذُكِر فيه مِن نحرِ عليٍّ عن الحسينِ الناقةَ قبلَ حلْقِه رأسَه، ثم حلْقِه رأسَه بعدَ النحرِ - إن كان على ما رواه مجاهدٌ، عن يزيدَ - كان على وجْهِ الإحلالِ من الحسينِ من إحرامِه للإحصارِ عن الحجِّ بالمرضِ الذي أصابه.
وإن كان على ما رواه يعقوبُ، عن هُشيمٍ من نحرِ عليٍّ عنه الناقةَ بعدَ حلْقِه رأسَه، أن يكونَ على وجهِ الافتداءِ من الحلْقِ، وأن يكونَ كان يرَى أنَّ نُسُكَ الفديةِ يُجزِئُ نحرُه دونَ مكةَ والحرَمِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفديةُ حيثُ شئتَ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن الحَكمِ، عن إبراهيمَ في الفديةِ؛ في الصدقةِ والصومِ والدمِ: حيثُ شاءَ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عَبِيدةُ، عن إبراهيمَ، أنه كان يقولُ.
فذكَر مثلَه.
وقال آخرون: ما كان من دمِ نُسكٍ فبمكةَ، وما كان من إطعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ المفْتَدِي.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ وعبدُ الملكِ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: ما كان من دمٍ فبمكةَ، وما كان من طعامٍ وصيامٍ فحيثُ شاءَ.
وعلةُ مَن قال: الدمُ والإطعامُ بمكةَ.
القياسُ على هَدْيِ جزاءِ الصّيدِ، وذلك أن اللَّهَ ﵎ شَرَط في هدْيِه بلوغَ الكعبةِ فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
قالوا: فكلُّ هَدْيٍ وجَبَ مِن جزاءٍ أو فديةٍ في إحرامٍ، فسبيلُه سبيلُ جزاءِ الصيدِ في وجوبِ بُلوغِه الكعبةَ.
قالوا: وإذا كان ذلكَ حكمَ الهدْيِ، كان حُكمُ الصدقةِ مثلَه؛ لأنها واجبةٌ لمن وجَب عليه (١) الهدْيُ، وذلك أن الإطعامَ فديةٌ وجزاءٌ كالدَّمِ، فحكمُهما واحدٌ.
وأمَّا عِلَّةُ مَن زعَمَ أن للمُفْتدِي أن يَنسُكَ حيثُ شاءَ ويتصدَّقَ ويصومَ، أن اللَّهَ ﵎ لم يشترِطْ على الحالِقِ رأسَه من أذًى هَدْيًا، وإنما أوجَب عليه نُسُكًا أو إطعامًا أو صيامًا، وحيثما نَسَكَ أو أطعَم أو صام فهو ناسِكٌ ومُطْعِمٌ وصائمٌ.
وإذا دخَلَ في عدادِ من يستحِقُّ ذلك الاسمَ، كان مؤدِّيًا ما كلَّفه اللَّهُ ﷿؛ لأنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه لو أراد من إلزامِ الحالقِ رأسَه في نُسكِه بلوغَ الكعبةِ لشرَطَ ذلك عليه كما شرَط في جزاءِ الصيدِ، وفي تركِ اشتراطِ ذلك عليه دليلٌ واضحٌ أنه حيثُ نَسَكَ أو أطعَم أجزأَ.
وأما عِلّةُ مَن قال: النُّسُكُ بمكَّةَ، والصيامُ والإطعامُ حيثُ شاءَ.
[فإنّ النُّسُكَ] (٢) دمٌ كدمِ الهَدْيِ، فسبيلُه سبيلُ هدْيِ قاتلِ الصَّيدِ.
وأما الإطعامُ، فلم يَشترطِ اللَّهُ تعالى ذكرُه في (٣) أن يُصرفَ إلى أهلِ مسكنةِ مكانٍ دونَ مكانٍ، كما شرَطَ في هدْيِ الجزاءِ بلوغَ الكعبةِ، فليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ذلك لأهلِ مكانٍ دونَ مكانٍ، إذا لم يكنِ اللَّهُ تعالى ذكرُه شرَطَ ذلكَ لأهلِ مكانٍ بعينِه، كما ليس لأحدٍ أن يدَّعِيَ أن ما جعَله اللَّهُ مِن الهَدْيِ لساكنِي الحرمِ لغيرِهم، إذ كان اللَّهُ ﵎ قد خَصَّ بأنّ ذلك لمن به مِن أهلِ المسكنةِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن اللَّهَ - جلَّ وعزَّ - أوجَبَ على حالقِ رأسِه من أذًى من المحرِمين فِديةً مِن صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، ولم يشترِطْ أنّ عليه ذلك بمكانٍ دونَ مكانٍ، بل أَبْهمَ ذلك وأطلَقَه، ففي أيِّ مكانٍ نَسَكَ أو أَطْعَم أو صام فيُجْزِئُ عن المفتدِي؛ وذلك لقيامِ الحُجَّةِ على أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إذ حرَّم أمهاتِ نسائِنا فلم يَحصُرْهُنَّ علَى أنهنَّ أمهاتُ النساءِ المدخولِ بهنَّ، لم يجِبْ أن يكُنَّ مَردُوداتِ الأحكامِ على الربائبِ المحصوراتِ على أن المحرَّمةَ منهن المدخولُ بأمِّها.
فكذلك كلُّ مُبهَمةٍ في القرآنِ، غيرُ جائزٍ ردُّ حُكمِها على المفسَّرةِ قياسًا.
ولكنَّ الواجبَ أن يُحكَمَ لكلِّ واحدةٍ منهما بما احتمَلَه ظاهرُ التنزيلِ، إلَّا أن يأتيَ في بعضِ ذلك خبرٌ عن الرسولِ ﷺ بإحالةِ حكمِ ظاهرِه إلى باطنِه، فيجِبَ التسليمُ حينئذٍ لحكمِ الرسولِ ﷺ، إذ كان هو المبيِّنَ عن مرادِ (١) اللَّهِ تعالى ذكرُه.
وأجمَعوا على أنَّ الصيامَ مُجْزِئٌ عن الحالقِ رأسَه من أذًى، حيث صام من البلادِ.
واختلَفوا فيما يجِبُ أن يُفعلَ بنُسُكِ الفديةِ من الحلْقِ، وهل يجوزُ للمفتدِي الأكلُ منه أم لا؟
فقال بعضُهم: ليس للمفتدِي أن يأكُلَ منه، ولكن عليه أن يتصدَّقَ بجميعِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عبدَ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: ثلاثةٌ لَا يؤكلُ منهنَّ؛ جزاءُ الصيدِ، وجزاءُ النُّسُكِ، ونَذْرُ المساكينِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن فديةٍ، ولا من جزاءٍ، ولا من نَذْرٍ، وكُلْ مِن المتعةِ، ومن الهدْيِ التَّطَوُّعِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا (١) هارونُ، عن عَنْبسةَ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ، قال: جزاءُ الصيدِ والفديةُ والنَّذرُ لا يأكُلُ منها صاحبُها، ويأكُلُ من التطوُّعِ والتَّمتُّعِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن الحجاجِ، عن عطاءٍ، قال: لا تأكُلْ مِن جزاءٍ، ولا من فديةٍ، وتَتَصدَّقُ به.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لا يأكلُ مِن بدَنتِه الذي يُصيبُ أهلَه حرامًا، والكفاراتُ كذلك (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ والحجاجُ وغيرُهما، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ: لا يؤكلُ مِن جزاءِ الصيدِ، ولا مِن النَّذرِ، ولا مِن الفديةِ، ويُؤكلُ مما سوَى ذلك (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم قالوا: لا يؤكلُ من الفديةِ - وقال مرّةً: من هدْيِ الكفارةِ - ولا من جزاءِ الصيدِ (٤).
وقال بعضُهم: له أن يأكُلَ منه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيدِ اللَّهِ، قال: أخبَرني نافعٌ، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا يُؤكَلُ من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ، ويؤكَلُ مما سوَى ذلك (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلى، قال: كلْ (٢) من الفديةِ وجزاءِ الصيدِ والنذْرِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، قال: الشاةُ بينَ ستةِ مساكينَ، يأكُلُ منه إن شاءَ، ويتصدَّقُ على ستةِ مساكينَ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرني عبدُ الملكِ، قال: ثنى مَن سمِعَ الحسنَ يقولُ: كُلْ مِن ذلكَ كلِّه.
يعني: من جزاءِ الصيدِ والنذْرِ والفديةِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ، أنه كان لا يرَى بأسًا بالأكلِ من جزاءِ الصيدِ ونذْرِ المساكينِ.
وعلةُ مَن حظَرَ على المفتدِي الأكلَ مِن فديةِ حِلَاقِه، وفديةِ ما لزِمَتْه منه الفديةُ، أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على الحالقِ والمتطيِّبِ ومَن كان بمثلِ حالِهم، فديةً من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، فلن يخلُوَ ذلكَ الذي أوجَبه اللَّهُ عليه من الإطعامِ والنُّسُكِ من أحدِ أمرَيْن؛ إمَّا أن يكونَ أوجَبه عليه لنفسِه أو لغيرِه، أو له ولغيرِه؛ فإن كان أوجَبه لغيرِه، فغيرُ جائزٍ له أن يأكُلَ منه؛ لأنَّ ما لَزِمه لغيرِه فلا يُجزِئُه فيه إلا الخروجُ منه إلى مَن وجَب له.
أو يكونَ له وحدَه، وما وجَبَ له فليسَ عليه؛ لأنه غيرُ مفهومٍ في لغةٍ أن يقالَ: وجَبَ على فلانٍ لنفسِه دينارٌ أو درهمٌ أو شاةٌ.
وإنما يجِبُ له على غيرِه، فأمَّا على نفسِه فغيرُ مفهومٍ وجوبُه.
أو يكونَ وجَبَ عليه له ولغيرِه، فنصيبُه الذي وجَبَ من ذلكَ غيرُ جائزٍ أن يكونَ عليه؛ لما وصَفْنا.
وإذا كانَ ذلك كذلكَ، كان الواجبُ عليه ما هو لغيرِه، وما هو لغيرِه بعضُ النُّسكِ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنما وجَبَ عليه بعضُ النُّسُكِ لا النُّسكُ كلُّه.
قالوا: وفي إلزامِ اللَّهِ جلَّ ثناؤه إيَّاه النسكَ تامًّا ما يَبِينُ (١) عن فسادِ هذا القولِ.
وعلةُ من قال: له أن يأكُلَ من ذلك.
أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على المفْتدِي نُسكًا، والنُّسكُ في معاني الأضاحِي، وذلك هو ذَبْحُ ما يُجزِئُ في الأضاحِي من الأزواجِ الثمانيةِ.
قالوا: ولم يأمُرْه اللَّهُ ﵎ بدفعِه إلى المساكينِ.
قالوا: فإذا ذبَح فقد نَسَك، وفعَل ما أمَرَه اللَّهُ جل ثناؤُه، وله حينئذٍ الأكلُ منه، والصدقةُ منه بما شاءَ، وإطعامُ ما أحَبَّ منه مَن أحبَّ، كما له ذلك في أُضْحِيَتِه.
والذي نقولُ به في ذلك أن اللَّهَ جل ثناؤُه أوجَبَ على المفتدِي النُّسُكَ إن اختارَ التكْفيرَ بالنُّسكِ، ولن يَخلوَ الواجبُ عليه في ذلك مِن أن يكونَ ذَبْحَه دونَ غيرِه، أو ذبْحَه والصدقةَ (٢) به؛ فإن كان الواجبُ عليه في ذلك ذبْحَه، فالواجبُ أن يكونَ إذا ذبَح نُسكًا فقد أدَّى ما عليه وإنْ أكَل جميعَه ولم يُطعِمْ مِسكينًا منه شيئًا، وذلك ما لا نعلَمُ أحدًا من أهلِ العلمِ قاله.
أو يكونَ الواجبُ عليه ذَبْحَه والصدقةَ به؛ فإنْ كان ذلك عليه، فغيرُ جائزٍ له أكْلُ ما عليه أن يتصدَّقَ به، كما لو لَزِمتْه زكاةٌ في مالِه، لم يكنْ له أن يأكُلَ منها، بل كانَ عليه أن يُعطيَها أهلَها الذين جعلَها اللَّهُ لهم، ففي إجماعِهم على أن ما ألزمَه اللَّهُ من ذلك، فإنَّما ألزَمه لغيرِه - دَلالةٌ واضحةٌ على حكمِ ما اختلَفوا فيه من غيرِه.
ومعنى النُّسكِ الذَّبحُ للَّهِ ﵎ في لغةِ العربِ، يقالُ: نسَكَ فلانٌ للَّهِ نَسيكةً - بمعنَى: ذبَح للَّهِ ذبيحةً - ينسُكها نَسْكًا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: النُّسكُ أن يذبَحَ (١) شاةً (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فإذا برَأْتُم من مرَضِكم الذي أحْصَرَكم عن حجِّكم أو عُمرتِكم.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علْقمةَ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا برَأْتُم (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
يقولُ: إذا أَمِنتَ حينَ تُحصَرُ، إذا أَمِنْتَ مِن كسرِك ومِن وجَعِكَ، فعليك أنْ تأتيَ البيتَ فتكونَ لك متعةٌ، فلا تَحِلَّ حتى تأتيَ البيتَ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: فإذا أمنْتُم من (٥) خوفِكم.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: لِتعلَموا أنّ القومَ كانوا خائفين يومئذٍ (١).
حدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
قال: إذا أمِنَ من خوفِه، وبَرَأَ من مَرضِه.
وهذا القولُ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ الأمنَ هو خلافُ الخوفِ، لا خلافُ المرضِ، إلَّا أن يكونَ مرضًا مَخُوفًا منه الهلاكُ، فيقالَ: فإذا أمِنتم الهلاكَ من خوفِ المرضِ وشِدَّتِه.
وذلك معنًى بعيدٌ.
وإنما قلنا: إن معناه الخوفُ من العدوِّ؛ لأنّ هذه الآياتِ نزَلتْ على رسولِ اللَّهِ ﷺ أيامَ الحديبيةِ، وأصحابُه من العدوِّ خائفونَ، فعرَّفَهم اللَّهُ ﵎ بها ما عليهم إذا أحْصَرَهم خوفُ عدوِّهم عن الحجِّ، وما الذي عليهم إذا هم أَمِنوا من ذلك، فزالَ منهم (٢) خَوْفُهم.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
يعني بذلك جَلَّ ثناؤُه: فإن أُحصِرْتُم أيُّها المؤمنون، فما استيسَرَ مِن الهدْيِ، فإذا أمِنتُم فزالَ عنكم خوفُكم من عَدُوِّكم، أو هلاكِكم من مَرضِكم، فتمتَّعتُم بعُمرتِكم إلى حجِّكم، فعليكم ما استيسَرَ من الهَدْيِ.
ثم اختلفَ أهلُ التأويلِ في صفةِ التَّمتُّعِ الذي عنَى اللَّهُ جل ثناؤُه بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يَحصُرَه خَوفُ العدوِّ وهو مُحْرمٌ بالحجِّ، أو مرضٌ، أو عائقٌ من العِلَلِ، حتى يفوتَه الحجُّ، فيَقدَمَ مكةَ، فيخرُجَ من إحرامِه بعملِ عمرتِه (١)، ثم يحِلَّ فيستمتِعَ بإحلالِه من إحرامِه ذلكَ إلى السنةِ المسْتقبلةِ، ثم يَحُجَّ ويُهْدِيَ، فيكونَ متمتِّعًا بالإحلالِ من لَدُنْ يحِلُّ من إحرامِه الأوَّلِ إلى إحرامِه الثاني من القابِلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى البصريُّ، قال: ثنا عبدُ الوارث بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُويدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ الزُّورِ وهو يخطُبُ، وهو يقولُ: يا أيُّها النَّاسُ، واللَّهِ ما التمتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ كما تصنَعون، إنما التمتُّعُ أنْ يُهِلَّ الرجلُ بالحجِّ فَيحصُرَه عدوٌّ أو مرضٌ أو كَسْرٌ، أو يحبِسَهُ أمرٌ، حتى تذهبَ أيامُ الحجِّ، فيقدَمَ فيجعلَها عمرةً، فيتمتَّعَ بحِلِّه إلى العامِ المقبلِ، ثم يحُجَّ ويُهدِيَ هدْيًا، فهذا التمتعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: المتعةُ لمَن أُحصِرَ.
قال: وقال ابنُ عباسٍ: هي لمَن أُحصِرَ و (٣) خُلِّيتْ (٤) سبيلُه (٥).
حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرَني ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: كان ابنُ الزبيرِ يقولُ: إنما المتعةُ للمُحْصَرِ، وليست لمن خُلِّيَ سبيلُه (١).
وقال آخرون (٢): معنى ذلك: فإن أُحصِرتُم في حَجِّكُم، فما استيسَرَ من الهدْيِ، فإذا أمِنتم وقد حلَلْتُم مِن إحرامِكُم، ولم تَقضُوا عمرةً تخرُجون بها من إحرامِكم لحجِّكم (٣)، ولكن حلَلْتُم حينَ أُحصِرْتُم بالهدْيِ، وأَخَّرْتُم العمرةَ إلى السنةِ القابلةِ، فاعتمَرتُم في أشهرِ الحجِّ، ثم حلَلْتُم فاستمتعتُم بإحلَالِكم إلى حجِّكم، فعلَيكم ما استيسرَ مِن الهدْيِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبيدُ بنُ إسماعيلَ الهبّاريُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن (٤) علقمةَ: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.
قال: إذا أهلَّ الرجلُ بالحجِّ فأُحصِرَ.
قال: يبعَثُ بما استيسرَ من الهدْيِ؛ شاةٍ، فإن عَجَّلَ قبلَ أن يبلُغَ الهدْيُ محلُّه؛ حلَقَ (٥) رأسَه، أو مسَّ طِيبًا، أو تداوَى، كان عليه فديةٌ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نسكٍ، ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: فإذا بَرَأَ فمضَى من وجهِه ذلك حتى أتى البيتَ، حَلَّ من حجِّه بعمرةٍ، وكان عليه الحجُّ من قابِلٍ، وإنْ هو رجعَ ولم يُتِمَّ إلى البيتِ مِن وجْههِ ذلك، فإنَّ عليه حَجَّةً وعمرةً، ودمًا لتأخيرِه العمرةَ، فإن هو رجَعَ مُتمتِّعًا في أشهرِ الحجِّ، فإنّ عليه ما استيسرَ من الهدْيِ شاةً، فإن (٦) لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَع.
قال إبراهيمُ: فذكَرتُ ذلك لسعيدِ بنِ جُبيرٍ فقال: كذلك قال ابنُ عباسٍ في ذلك كلِّه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: هذا رجلٌ أصابه خوفٌ، أو مرضٌ، أو (٢) حابسٌ حبَسه (٣)، يبعثُ بهدْيِه، فإذا بلَغتْ محِلَّها صارَ حلالًا، فإنْ أمِنَ أو بَرَأَ ووصَلَ إلى البيتِ، فهي له عمرةٌ، وأحَلَّ، وعليه الحجُّ عالمًا قابلًا، فإن هو لم يصِلْ إلى البيتِ حتى يرجِعَ إلى أهلِه، فعليه عُمرةٌ وحَجةٌ وهَدْيٌ.
قال قتادةُ: والمتعةُ التي لا يتعاجَمُ (٤) النَّاسُ فيها أن أصلَها كانَ هكذا (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ إلى ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ قال: هذا المحصَرُ إذا أمِنَ فعليه المتعةُ [والحجُّ] (٦)، وهدْيُ المتمتِّعِ، فإن لم يجِدْ فالصيامُ، فإن عَجَّلَ العمرةَ قبلَ أشهرِ الحجِّ، فعليه فيها هَدْيٌ (٧).
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن شعبةَ، عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلِمةَ، عن عليٍّ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: فإن أخّرَ العمرةَ حتى يجمَعَها مع الحجِّ فعليه الهدْيُ (٨).
وقال آخرون: عنَى بذلكَ المحصَرَ وغيرَ المحصَرِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: أخبَرنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: أخبرني ابنُ جُريجٍ، قال: أخبَرني عطاءٌ أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: المتعةُ لمن أُحصِرَ، ولمن خُلِّيت (١) سبيلُه.
فكان (٢) ابنُ عباسٍ يقولُ: أصابتْ هذه الآيةُ المحصرَ ومن خُلِّيتْ سبيلُه (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: فمن فَسَخ حجَّه بعمرةٍ، فجعَلَه عمرةً، واستَمتعَ بعمرتِه إلى حَجِّه، فعليه ما استيسَرَ من الهدْيِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾: أما المتعةُ، فالرجلُ يُحرِمُ بحَجَّةٍ، ثم يَهدِمُها بعمرةٍ، وقد خرَجَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمسلمين حاجًّا، حتى إذا أتوْا مكةَ، قال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "من أحَبَّ منكم أن يَحِلَّ فَلْيَحِلَّ".
قالوا: فما لك يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "أنَا مَعِي الهدْيُ".
وقال آخرون: بل ذلك الرجلُ يقدَمُ مُعتمرًا من أُفقٍ من الآفاقِ في أشهرِ الحجِّ، فإذا قضَى عُمرتَه، أقامَ حلالًا بمكةَ حتى يُنشئَ منها الحجَّ، فيحُجَّ من عامِه ذلك، فيكونَ مُسْتمتِعًا بالإحلالِ إلى إحرامِه بالحجِّ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾: مِن يومِ الفطرِ إلى يومِ عرفةَ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثني يعقوبُ ابنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قدِمَ ابنُ عُمرَ مرَّةً في شوالٍ، فأقمنا حتى حجَجْنا، فقال: إنكم قد استمتَعتُم إلى حجِّكم بعمرةٍ، فمَن وجَد منكم أن يُهدِيَ فلْيُهدِ، ومَن لا، فليَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ، وسبعةً إذا رجَعَ إلى أهلِه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ وعبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ [السُّكَّريُّ، قالا: حدَّثنا] (٣) يزيدُ، قال: أخبَرني يحيى بنُ سعيدٍ، عن نافعٍ، أنه أخبَره أنه خرَجَ مع ابنِ عمرَ مُعْتمرَيْن في شوالٍ، فأدْرَكَهُما الحجُّ وهما بمكَّةَ، فقال ابنُ عمرَ: مَن اعتمرَ معنا في شوالٍ ثم حجَّ فهو متمتعٌ، عليه ما استيسَر من الهدْيِ، فمن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَعَ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ في رجلٍ اعتمرَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، فساق هديًا تطوُّعًا، فقدِمَ مكةَ في أشهرِ الحجِّ، قال: إن لم يكُنْ يريدُ الحجَّ، فلْيَنحَرْ هدْيَه، ثم ليرْجِعْ إن شاءَ، فإنْ هو نحَر الهديَ وحَلَّ، ثم بدَا له أن يُقيمَ حتى يحُجَّ، فلينْحَرْ هدْيًا آخرَ لمُتعتِه (١)، فإن لَمْ يجِدْ فلْيصُمْ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عنبسةَ، عن ابنِ أبي ليلَى مثلَ ذلك.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا يحيَى بنُ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ أنه كان يقولُ: مَن اعتمرَ في شوّالٍ أو في ذي القَعدةِ، ثم أقامَ بمكةَ حتى يحُجَّ، فهو مُتمتعٌ، عليه ما علَى المتمتعِ (٣).
[حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ مثلَه] (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ مثلَ ذلك.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال: مَن أحرَم بالعمرةِ في أشهرِ الحجِّ، فما استيسرَ من الهدْيِ (٥).
حدَّثنا ابنُ البرقيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: أخبَرنا نافعٌ، قال: أخبَرني ابنُ جُريجٍ، قال: كان عطاءٌ يقولُ: المتعةُ لخلقِ اللَّهِ أجمعينَ؛ الرجلِ والمرأةِ، والحرِّ والعبدِ، هي لكلِّ إنسانٍ اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ ثم أقامَ ولم يبرَحْ حتى يحُجَّ، ساقَ (١) هديًا مقلَّدًا أو لم يَسُقْ، وإنما سُمِّيتِ المتعةَ مِن أجلِ أنه اعتمرَ في شهورِ الحجِّ، فتمَتَّعَ بعمرةٍ إلى الحجِّ، ولم تُسَمَّ المتعةَ من أجلِ أنه يَحِلُّ بتمتُّعِ النِّساءِ (٢).
وأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عنَى بها: فإن أُحْصِرتُم أيها المؤمنون في حَجِّكم، فما استيسرَ من الهديِ، فإذا أمِنتُم، فمن تمتَّعَ ممن حَلَّ من إحرامِه بالحجِّ - بسببِ الإحْصارِ بعمرةٍ اعتمرَها، لفَوْتِه الحجَّ في السنةِ القابلةِ في أشهرِ الحجِّ - إلى قضاءِ الحَجَّةِ التي فاتَتْه حينَ أُحْصِرَ عنها، ثم [حَلَّ مِن] (٣) عُمرتِه فاستمتعَ بإحلَالِه من عُمرتِه إلى أن يحُجَّ، فعليه ما استيسرَ من الهدْيِ.
وإن كان قد يكونُ متمتِّعًا مَن أنشأَ عمرةً في أشهرِ الحجِّ وقضاها، ثم حَلَّ من عُمرتِه وأقامَ حلَالًا بمكةَ (٤) حتى حجَّ من عامِه.
غيرَ أن الذي هو أولَى بالذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ هو ما وصَفنا، من أجلِ أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عما على المحصَرِ عن الحجِّ والعمرةِ من الأحكامِ في إحصارِه، فكان مما أخبَر ﷻ أنه عليه - إذا أمِنَ مِن إحصارِه، [إن تمتَّع] (٥) بالعمرةِ إلى الحجِّ - ما استيسرَ من الهدْيِ، فإن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ.
فكان معلومًا بذلك أنه معنِيٌّ به اللازمُ له - عندَ أمْنِه من إحصارِه - من العملِ بسببِ الإحلالِ الذي كان منه من (١) حجِّه الذي أُحصِر فيه، دونَ المتمتِّعِ الذي لَمْ يتَقدَّمْ عُمرتَه ولا حجَّه إحصارُ مرضٍ ولا خوفٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: [فعليه ما] (٢) استيسرَ من الهدْيِ، يُهْدِيه جزاءً لاستمتاعِه بإحلالِه من إحرامِه الذي حَلَّ منه حينَ عادَ لقضاءِ حَجَّتِه التي أُحصِر فيها، وعمرتِه التي كانت لزِمته بفوتِ حجَّتِه.
فإن لم يجِدْ هَدْيًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ في حَجِّه، وسبعةِ أيامٍ (٣) إذا رجَعَ إلى أهلِه.
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في الثلاثةِ الأيامِ التي أوجَبَ اللَّهُ عليه صومَهنَّ في الحجِّ؛ أىُّ أيامِ الحجِّ هُنَّ؟
فقال بعضُهم: هُنَّ ثلاثةُ أيامٍ مِن أيامِ حَجِّه (٤)، أيَّ أيامٍ شاءَ، بعدَ ألا يُجاوِزَ بآخرِهن يومَ عَرفةَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذّارعُ، قال: ثنا حُميدُ بنُ الأسودِ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عليٍّ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: قبلَ التَّرويةِ يومًا، ويومَ التَّرْويةِ، ويومَ عرفةَ (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ، عن ابنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: الصيامُ للمتمتِّعِ ما بينَ إحرامِه إلى يومِ عرفَةَ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: يومٌ قبلَ الترويةِ، ويومُ الترويةِ، ويومُ عرفةَ، وإذا فاتَه صيامُها (٢) صامَها أيامَ مِنًى (٣).
حدَّثني الحسينُ بنُ محمدٍ الذارعُ، قال: ثنا حُميدُ بنُ الأسودِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن عروةَ، قال: المتمتعُ يصومُ قبلَ الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ قال: آخِرُهنَّ يومُ عرفةَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، قال: سألتُ الحكمَ عن صومِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: يصومُ قبلَ الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ (٤).
حدَّثني عُبيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبّارِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نميرٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
أنه قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (٥).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ (١)، قال: أخبَرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال في المتمتعِ إذا لم يجدِ الهدْيَ: صامَ يومًا قبلَ (٢) الترويةِ، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفَةَ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامُ بنُ سَلْمٍ وهارونُ، عن عَنبسَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ المتمتعُ الثلاثةَ الأيامِ لمتعتِه في العشرِ إلى يومِ عرفَةَ.
قال: وسمِعتُ مجاهدًا وطاوسًا يقولان: إذا صامَهنَّ في أشهرِ الحجِّ أجزأهُ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ وهارونُ، عن عَنبسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صومُ ثلاثةِ أيامٍ للمتمتِّعِ إذا لم يجِدْ ما يُهدِي، يصومُ في العشرِ إلى يومِ عرفةَ، متى ما (٥) صامَ أجزأهُ، فإن صامَ الرجلُ في شوّالٍ أو ذي القَعدَةِ أجزأَه (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: ثنى يعقوبُ بنُ عطاءٍ، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ كان يقولُ: مَن استطاعَ أن يصُومَهُنّ فيما بينَ أوَّلِ يومٍ من ذي الحِجَّةِ إلى يومِ عرفةَ فلْيصُمْ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: آخرُها يومُ عرفَةَ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، عن داودَ، وحدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: قبلَ (٢) الترويةِ يومًا، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾: آخرُهنَّ يومُ عرفةَ مِن ذِي الحِجَّةِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾: كان يقالُ: عرفةُ وما قبلَها يومين من العشْرِ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: آخرُها يومُ عرفةَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فِطْرٌ، عن عطاءٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: آخرُها يومُ عرفةَ (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: عرفةُ وما قبلَها من العشرِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيمَ، قالَا: صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ (٢)، آخِرُهنَّ عرفةُ (٣).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ خُمَيرٍ (٤)، قال: سألتُ طاوسًا عن صيامِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: آخرُهنَّ يومُ عرفةَ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ إلى ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: وهذا على المتمتِّعِ بالعمرةِ إذا لَمْ يجِدْ هدْيًا، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ قبلَ يومِ عَرفَةَ، فإنْ كان يومُ عرفةَ الثالثَ، فقد تمَّ صومُه، وسبعةٍ إذا رجَعَ إلى أهلِه (٦).
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا زيادُ بنُ المنذرِ، عن أبى جعفرٍ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: آخِرُها يومُ عرفةَ (١).
وقال آخرون: بل آخِرُهُنَّ انقضاءُ أيامِ (٢) مِنًى.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، أن عليًّا كان يقولُ: مَن فاتَه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، صامَهنَّ أيامَ التشريقِ (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ ابنُ أخِي ابنِ وهبٍ، قال: ثنى عَمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وهبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: قالت عائشةُ: يصُومُ المتمتِّعُ الذي يَفُوتُه الصيامُ أيامَ مِنًى (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: مَن فاتَه صيامُ الثلاثةِ الأيامِ في الحجِّ، فليَصُمْ أيامَ التشريقِ، فإنَّهنَّ مِن الحجِّ (٥).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرني ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا عُمرُ بنُ محمدٍ، أن نافعًا حدَّثه، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عُمرَ قال: من اعتمرَ في أشهرِ الحجِّ فلم يكنْ معه هدْيٌ، ولم يَصُمِ الثلاثةَ الأيامِ قبلَ أيامِ التشريقِ، فلْيصُمْ أيامَ مِنًى.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عيسى بنِ أبي ليلى يُحدِّث عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، وعن سالمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ، أنهما قالا: لم يُرخَّصْ في أيامِ التشريقِ أن يصُومَ إلَّا لمن لم (١) يجِدْ هدْيًا (٢).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن عُبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إذا لَمْ يَصُمِ الثلاثةَ الأيامِ قبلَ النحرِ صام أيامَ التشريقِ، فإنها من أيامِ الحجِّ.
وذكَره (٣) هشامُ [بنُ عروةَ، عن أبيه] (٤)، عن عائشةَ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه في هذه الآيةِ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: هي أيامُ التشريقِ (٦).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن يونسَ [بنِ أبي] (٧) إسحاقَ، عن وَبَرةَ، عن ابنِ عمرَ، قال: يصومُ يومًا قبلَ الترويةِ، ويومَ الترويةِ، ويومَ عرفةَ.
قال: وقال عُبيدُ بنُ عُميرٍ: يصومُ أيامَ التشريقِ (٨).
وعلةُ من قال: آخرُ الثلاثةِ الأيامِ التي أوجبَ اللَّهُ صومَهنَّ (٩) على من لم يجِدِ الهدْيَ من المتمتِّعينَ، يومُ عرفةَ.
أن اللَّهَ ﵎ أوجبَ صومَهنَّ في الحجِّ بقولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قالوا: وإذا انقضَى يومُ عرفةَ فقد انقضَى الحجُّ؛ لأنَّ يومَ النحرِ يومُ إحلالٍ من الإحرامِ.
قالوا: وقد أجمَع الجميعُ أنه غيرُ جائزٍ له صومُ يومِ النحرِ.
قالوا: فإنْ يكنْ إجماعُهم على أن ذلك له غيرُ جائزٍ من أجلِ أنه ليس من أيامِ الحجِّ، فأيامُ التشريقِ بعدَه أحْرَى ألا تكونَ من أيامِ الحجِّ؛ لأن أيامَ الحجِّ متى انقضَتْ من سنةٍ، فلن تعودَ إلى سنةٍ أُخرَى بعدَها، أو يكونَ إجماعُهم على أن ذلكَ له غيرُ جائزٍ من أجلِ أنه يومُ عيدٍ، فأيامُ التشريقِ التي بعدَه في معناه؛ لأنها أَيامُ عيدٍ، وأن النبيَّ ﷺ قد نهَى عن صومِهنَّ (١)، كالذي (٢) نهَى عن صومِ يومِ النَّحرِ.
قالوا: وإذا كان يفُوتُ صومُهنّ بمضيِّ يومِ عرفَةَ، لم يكنْ إلى صيامِهنَّ في الحجِّ سبيلٌ؛ لأنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه شرَطَ صومَهنَّ في الحجِّ، [فلن يُجْزِئَ] (٣) عنه إلا الهدْيُ الذي فوضَه اللَّهُ عليه لتمتُّعِه (٤).
وعلَّةُ مَن قال: آخرُ الأيامِ الثلاثةِ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه انقضاءُ آخرِ أيامِ منًى.
أن اللَّهَ ﵎ أوجَبَ على المتمتعِ ما استَيسَر من الهدْيِ، ثم الصيامَ إن لم يجِدْ إلى الهدْيِ سبيلًا.
قالوا: وإنما يجِبُ عليه نحْرُ هدْيِ المتعةِ يومَ النحرِ ولو كان له واجدًا قبلَ ذلك.
قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فإنما رُخِّصَ له في الصومِ يومَ يلزَمُه نحرُ الهدْيِ فلا يجِدُ إليه سبيلًا.
قالوا: والوقتُ الذي يلزَمُه فيه نحْرُ الهديِ يومُ النحرِ، والأيامُ التي بعدَه من أيامِ النحرِ، فأما قبلَ ذلك فلم [يكنْ عليه نحرٌ] (٥).
قالوا: فإذا كان النحرُ لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وإنما لزِمَه يومَ النحرِ، فإنما لَزِمَه الصومُ يومَ النحرِ، وذلك حينَ عَدِمَ الهدْيَ فلم يجِدْه، فوجَب عليه الصومُ.
قالوا: وإذا كان (١) كذلك، فالصومُ إنما يلزَمُه أولُه في اليومِ الذي يلي يومَ النحرِ، وذلك أن النحرَ إنما كان لزِمَه من بعدِ طلوعِ الفجرِ، ومن ذلك الوقتِ إذا لم يجِدْه يكونُ له الصومُ.
قالوا: وإذا طلَعَ فجرُ يومٍ ولم يلزَمْه صومُه قبلَ ذلك - إذ كان الصومُ لا يكونُ في بعضِ نهارِ يومٍ في واجبٍ - عُلِمَ أن الواجبَ عليه من (٢) الصومِ، من اليومِ الذي يَليه إلى انقضاءِ الأيامِ الثلاثةِ بعدَ يومِ النحرِ من أيامِ التشريقِ.
قالوا: ولا معنى لقولِ القائلِ: إنَّ أيامَ مِنًى ليستْ من أيامِ الحجِّ؛ لأنهنّ يُنسَكُ فيهنَّ بالرميِ والعكوفِ على عَملِ الحجِّ، كما يُنسَكُ غيرُ ذلك من أعمالِ الحجِّ في الأيامِ قبلَها.
قالوا: وهذا مع شهادةِ الخبرِ الذي حدَّثني به محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سلَّامٍ، أن شعبةَ حدَّثه عن ابنِ أبي ليلَى، عن الزهريِّ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللَّهِ ﷺ للمتمتِّع إذا لم يجِدِ الهدْيَ ولم يَصُمْ حتى فاتَته أيامُ العشرِ، أن يَصومَ أيامَ التشريقِ مكانَها (٣).
بصحةِ ما قلنا في ذلك من القولِ، وخطإِ قولِ مَن خالفَ قولَنا فيه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، عن سفيانَ بنِ حُسينٍ، عن الزهريِّ، قال: بعَث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنَّ هذه أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكرِ اللَّهِ، إلَّا مَن كان عليه صومٌ من هدْيٍ" (١).
واختلَف أهلُ العلمِ في أولِ الوقتِ الذي يجِبُ على المتمتِّعِ الابتداءُ في صومِ الأيامِ الثلاثةِ التي قال اللَّهُ ﵎: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والوقتِ الذي يجوزُ له فيه صومُهنَّ، وإن لم يكنْ واجبًا عليه فيه صومُهنَّ؛ فقال بعضُهم: له أن يصومَهنَّ من أولِ أشهرِ الحجِّ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وطاوسٍ أنهما كانا يقولان: إذا صامَهنَّ في أشهرِ الحجِّ أجزأه.
قال: وقال مجاهدٌ: إذا لم يجِدِ المتَمتعُ ما يُهدِي، فإنه يصومُ في العشْرِ إلى يومِ عَرفةَ، متى ما صامَ أجزَأَه، فإن صامَ الرجلُ في شوّالٍ أو ذِي القَعدَةِ أجْزأَه (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ أبو المغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الطائفيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: مَن صام يومًا في شوَّالٍ، ويومًا في ذي القَعدةِ، ويومًا في ذي الحِجةِ، أجزأَه عنه مِن صومِ التَّمتُّعِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء صام أوّلَ يومٍ من شوّالٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: إن شاء صامها في العشرِ، وإن شاء في ذِي القَعدةِ، وإن شاء في شوّالٍ (٢).
وقال آخرون: يصومُهنَّ في عَشْرِ ذي الحِجَّةِ دونَ غيرِها.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ وهارونُ، عن عَنْبَسةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ المُتمتِّعُ (١) الثلاثةَ الأيامِ لمتعتِه في العشرِ إلى يومِ عرفةَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: حدَّثني يعقوبُ [بنُ عطاءٍ] (٣)، أن عطاءَ بنَ أبي رباحٍ كان يقولُ: مَن استطاعَ أن يصومَهنّ فيما بينَ أوَّلِ يومٍ من ذي الحِجةِ إلى يومِ عرفةَ فليصُمْ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأْسَ أن يَصومَ المتمتِّعُ في العشْرِ وهو حَلالٌ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو شهابٍ، عن الحجاجِ، عن أبي جَعفرٍ، قال: لا يُصامُ إلَّا في العشْرِ.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا الربيعُ، عن عطاءٍ أنه كان يقولُ في صيامِ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، قال: في تسعٍ من ذي الحِجةِ، أيَّها شئتَ، فمن صام قبلَ ذلك في شوّالٍ وفي ذي القَعدةِ، فهو بمنزلةِ مَن لَمْ يَصُمْ.
وقال آخرون: له أن يَصومَهنَّ قبلَ الإحرامِ بالحجِّ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخبرنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: إذا خَشِي أَلا يُدْرِكَ الصومَ بمكةَ، صام بالطريقِ يومًا أو يوميْن (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: لا بأسَ أن تَصُومَ الثلاثةَ الأيامِ في المتعةِ وأنت حَلالٌ.
وقال آخرون: لا يجوزُ له أن يَصومَهنَّ إلَّا بعدَ ما يُحرِمُ بالحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا يَصومُهُنَّ إلَّا وهو حَرامٌ (٢).
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ، عن ابنِ أبي حَبِيبةَ، عن داودَ بنِ حُصينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: الصيامُ للمتمتِّعِ ما بينَ إحرامِه إلى يومِ عرفةَ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: لا يُجزئُه صومُ ثلاثةِ أيامٍ وهو مُتمتعٌ إلَّا أنْ يُحرِمَ.
وقال مجاهدٌ: يُجزِئُه إذا صام في ذي القَعدةِ (٤).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن للمتمتِّعِ أن يصومَ الأيامَ الثلاثةَ التي أوجَبَ اللَّهُ عليه صومَهنَّ لمتعتِه إذا لم يَجِدْ ما استيسرَ من الهدْيِ، من أولِ إحرامِه بالحجِّ بعدَ قضاءِ عمرتِه واستمتاعِه بالإحلالِ إلى حجِّه، إلى انقضاءِ آخرِ عملِ حجِّه، وذلك (١) انقضاءُ أيامِ مِنًى سوَى يومِ النحرِ، فإنه غيرُ جائزٍ له صومُه، ابتدَأَ صومَهُنَّ قبلَه، أو ترَكَ صومَهنَّ فأخَّره (٢) حتى انقضاءِ يومِ عرفةَ.
وإنما قلنا: له صومُ أيامِ التشريقِ؛ لما ذكَرنا من العلَّةِ لقائلي (٣) ذلك قبلُ (٤).
فإن صامَهنّ قبلَ إحرامِه بالحجِّ، فإنه غيرُ مُجزِئٍ صومُه ذلك من الواجبِ عليه، من الصومِ الذي فرَضه اللَّهُ عليه لمتعتِه، وذلك أنَّ اللَّهَ جلَّ ثناؤُه إنما أوجَبَ الصومَ على من لم يجِدْ هدْيًا، ممن استمتَعَ بعمرتِه إلى حجِّه، فالمعتمرُ قبلَ إحلالِه من عُمرتِه وقبلَ دخولِه في حَجِّه غيرُ مُستحقٍّ اسمَ متمتعٍ بعمرتِه (٥) إلى حجِّه، وإنما يُقالُ له قبلَ إحرامِه: معتمِرٌ.
حتى يدخُلَ بعدَ إحلالِه في الحجِّ قبلَ شُخوصِه عن مكةَ، فإذا دخَل في الحجِّ محرِمًا به بعدَ قضاءِ عُمرتِه في أشهرِ الحجِّ ومُقامِه بمكةَ بعدَ قضاءِ عُمرتِه حَلالًا حتى يَحُجَّ (٦) من عامِه، سُمِّي مُتمتِّعًا، فإذا استحَق اسمَ مُتمتِّعٍ لزِمه الهدْيُ، وحينئذٍ يكونُ له الصومُ بِعدَمِه الهدْيَ إن عدِمَه فلم يجِدْه.
فأمَّا إن صامه قبلَ دخولِه في الحجِّ، وإن كان من نيتِه الحجُّ، فإنما هو رجلٌ صام صومًا ينوي به قضاءً عما عسَى أن يلزمَه أو لا يلزمَه، فسبيلُه سبيلُ رجلٍ مُعسرٍ صام ثلاثةَ أيامٍ ينوِي بصومِهنَّ كفارةً (١) ليمينٍ يريدُ أن يَحلِفَ بها ويَحنَثَ فيها، وذلك ما لا خلافَ بينَ الجميعِ أنه غيرُ مُجزِئٍ من كفارةِ يمينٍ (٢)، إن حلَفَ بها بعدَ الصومِ فحنِثَ.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أنّ صومَ المعتمرِ بعدَ إحلالِه من عُمرتِه، أو قبلَه وقبلَ دخولِه في الحجِّ - مُجزِئٌ عنه من الصومِ الذي أوجَبه اللَّهُ عليه، إن تمتعَ (٣) بعمرتِه إلى الحجِّ، نظيرَ ما أجزَأ الحالفَ بيمينٍ إذا كفَّرَ عنها قبلَ حِنثِه فيها بعدَ حَلِفِه بها، فقد ظَنَّ خطأً؛ لأنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه جعَلَ لليمينِ تحليلًا هو غيرُ تكفيرٍ، فالفاعلُ فيها قبلَ الحِنْثِ فيها ما يفعَلُه المُكَفِّرُ بعدَ حِنْثِه فيها، مُحلِّلٌ غيرُ مُكفِّرٍ، والمتمتعُ إذا صام قبلَ تمتُّعِه، صائمٌ تكفيرًا لما يَظُنُّ أنه يلزَمُه ولَمَّا يلزمْه، فهو كالمكفِّرِ عن قتلِ صيدٍ يريدُ قتْلَه وهو مُحرمٌ قبلَ قتلِه، وعن تَطيُّبٍ قبلَ تَطيُّبِه.
ومَن أبَى ما قلنا في ذلك، ممن زعَمَ أن للمعتمرِ الصومَ قبلَ إحرامِه بالحجِّ، قيلَ له: ما قلتَ في مَن كفَّرَ مِن المحرِمينَ عن الواجبِ علَى مَن ترَكَ رمْيَ الجمراتِ أيامَ مِنًى يومَ عرفةَ، وهو ينوِي تركَ رَمْيِ (٤) الجمراتِ، ثم أقامَ بمنًى أيامَ مِنًى حتى انقضَتْ تاركًا رَمْيَ الجمراتِ، هل يُجزِئُه تكفيرُه ذلكَ عن الواجبِ عليه في تركِه ما ترَك من ذلك؟
فإن زعَمَ أن ذلك يُجزِئُه، سُئلَ عن مثلِ ذلكَ في جميع مناسِكِ الحجِّ التي (٥) أوجَبَ اللَّهُ في تضييعِها (٦) على المحْرِمِ أو في فعلِه كفارةً، فإن سوَّى بين جميعِ ذلك قادَ (١) قولُه، وسُئِلَ عن نظيرِ ذلك في العازمِ على أن يُجامِعَ في شهرِ رمضانَ وهو مقيمٌ صحيحٌ، إذا كفَّرَ قبلَ دخولِ الشهرِ، ثم (٢) دخَلَ الشهرُ ففعَلَ ما كان عازمًا عليه، هل تُجزئُه كفارَتُه التي كفَّرَ عن الواجبِ مِن وَطْئِه ذلك؟
وكذلك يُسئلُ عمن أرادَ أنْ يُظاهِرَ من امرأتِه، فإنْ قاد (١) قولُه في ذلك، خرَجَ من قولِ جميعِ الأمَّة.
وإن أبَى شيئًا من ذلك، سُئِلَ الفرْقَ بينَه وبينَ الصائمِ لمتعتِه قبلَ تمتعِه وقَبلَ إحرامِه بالحجِّ، ثم عُكِسَ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا (٣) إلَّا أُلزِمَ في الآخرِ مثلَه.
القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: فمَن لم يجِدْ ما استَيْسرَ من الهدْيِ، فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في حَجِّه، وصيامُ سبعةِ أيامٍ إذا رجَعَ إلى أهلِه ومِصْرِه.
فإن قال لنا قائلٌ: أوَ ما يجِبُ عليه صومُ السبعةِ الأيامِ بعدَ الأيامِ الثلاثةِ التي يَصومُهنَّ في الحجِّ إلَّا بعدَ رُجوعِه إلى مِصرِه وأهلِه؟
قيلَ: بلى (٤)، قد وجَب (٥) عليه صومُ الأيامِ العشرةِ بعدَمِ ما اسْتَيْسرَ من الهدْيِ لمتعتِه، ولكنَّ اللَّهَ ﵎ رأفةً منه بعبادِه رخَّص لمن أوجَبَ ذلك عليه [أن يُؤَخِّرَ صَوْمَ الأيامِ السبعةِ إلى رُجوعِه إلى منزلِه؛ تَيْسِيرًا منه عليه] (٦)، كما رخَّصَ للمسافرِ والمريضِ في شهرِ رمضانَ الإفطارَ وقضاءَ عدَّةِ ما أفطرَ من الأيامِ من أيامٍ أُخَرَ، ولو تحمَّلَ المتمتعُ فصامَ الأيامَ السبعةَ في سفَرِه قبلَ رُجوعِه إلى وطَنِه، أو صامَهنَّ بمكةَ، كان مؤدِّيًا ما عليه من فرضِ الصومِ في ذلك، وكان بمنزلةِ الصائمِ شهرَ رمضانَ في سفَرِه أو مرَضِه، مختارًا للعسرِ على اليسرِ.
وبالذي قلنا في ذلك قالت علماءُ الأمةِ.
ذِكرُ بعضِ (١) من قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: هي رُخْصَةٌ، إن شاءَ صامها في الطريقِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: هي رُخصةٌ، إن شاءَ صامَها في الطريقِ، وإن شاءَ صامَها بعدَ ما يرجِعُ إلى أهلِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: إن شاءَ صامَها في الطريقِ، وإنما هي رُخصةٌ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شئتَ صُمْتَ (١) السبعةَ في الطريقِ، وإن شئتَ إذا رجَعتَ إلى أهلِك.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن فِطرٍ، عن عطاءٍ، قال: يصومُ السبعةَ إذا رجَعَ إلى أهلِه أَحَبُّ إليَّ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: إن شِئتَ في الطريقِ، وإن شِئتَ بعدَ ما تَقدَمُ (٣).
فإن قال قائلٌ (٤): وما برهانُك على أن معنى قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: إذا رجَعتم إلى أهلِيكم وأمصارِكم.
دونَ أن يكونَ معناه: إذا رجَعتم من مِنًى إلى مكةَ؟
قيل: إجماعُ جميعِ أهلِ العلمِ على أن معناه ما قلنا دونَ غيرِه.
ذِكرُ بعضِ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: إذا رجَعْتَ إلى أهلِك.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾: إذا رجَعتُم إلى أمْصارِكُم (٥).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٦).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
قال: إلى أهلِك (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿كَامِلَةٌ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فصيامُ الثلاثةِ الأيامِ في الحجِّ، والسبعةِ الأيامِ بعد ما يرجِعُ إلى أهلِه، عشَرةٌ كاملةٌ من الهدْيِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن عَبّادٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
قال: كاملةٌ من الهدْيِ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبّادٍ، عن الحسنِ مثلَه.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: كَمَّلَتْ لكم أجرَ مَن أقام على إحرامِه، فلم يَحِلَّ ولم يتمتَّعْ تَمتُّعَكُم بالعمرَةِ إلى الحجِّ.
وقال آخرون: معنَى ذلك الأمرُ وإن كان مُخرجُه مُخرجَ الخبرِ، وإنما عنَى بقولِه: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: تلك عشَرةُ أيامٍ فأَكْمِلُوا صومَها لا تُقصِّرُوا عنها؛ لأنه فرضٌ عليكم صومُها.
وقال آخرون: بل قولُه: ﴿كَامِلَةٌ﴾.
توكيدٌ للكلامِ، كما يقولُ القائلُ: سَمِعتُه بأُذُنِي، ورأيتُه بعينِي.
وكما قال: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦].
ولا يكونُ الخَرُّ إلَّا من فوقٍ، فأمّا مِن موضعٍ آخرَ، فإنما يجوزُ على سَعَةِ الكلامِ.
وقال آخرون: إنما قال: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.
وقد ذكَرَ سبعةً وثلاثةً؛ لأنه إنما أخبَر أنها مُجزِئةٌ وليس يُخبرُ عن عدَّتِها.
وقالوا: ألا ترَى أن قولَه: ﴿كَامِلَةٌ﴾ إنما هو: وافيةٌ.
وأوْلى هذه الأقوالِ عندي بالصوابِ (١) قولُ من قال: معنَى ذلك: تِلكَ عشَرةٌ كاملةٌ عليكم فَرْضُ (٢) إكمالِها.
وذلك أنه جلّ ثناؤُه قال: فمن لم يجِدِ الهدْيَ فعليه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ في الحجِّ، وسبعةٍ إذا رجَعْتُم (٣).
ثم قال: تلك عَشَرةُ أيامٍ عليكم إكمالُ صومِها لتَمتُّعِكم بالعمرةِ إلى الحجِّ.
فأخرَجَ ذلك مُخرَجَ الخبرِ، ومعناه الأمرُ بها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يعني جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ (٤): التمتُّعُ بالعمرةِ إلى الحجِّ لمن لم يكنْ أهلُه حاضرِي المسجدِ الحرامِ.
كما حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يعني: المتعةَ أنها لأهلِ الآفاقِ، ولا تصلُحُ لأهلِ مكةَ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: إنما (٢) هذا لأهلِ الأمصارِ؛ ليكونَ عليهم أيْسرَ من أنْ يَحُجَّ أحدُهم مرةً ويعتمِرَ أخرَى، فيَجْمَعَ حَجَّتَه وعمرتَه في سنةٍ واحدةٍ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في من عنَى بقولِه: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
بعد إجماع جميعِهم على أن أهلَ الحرَمِ معنيُّونَ به، وأنه لَا مُتعةَ لهم؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك أهلَ الحرمِ خاصةً دونَ غيرِهم.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: هم (٣) أهلُ الحرَمِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: أهلُ الحرَمِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، قال: بلَغنا عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: هم أهلُ الحرمِ والجماعةُ عليه (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال قتادةُ: ذُكِرَ لنا أن (١) ابنَ عباسٍ كان يقولُ: يا أهلَ مكةَ، إنه لا متعةَ لكم، أُحِلَّت لأهلِ الآفاقِ وحُرِّمت عليكم، إنما يقطعُ أحدُكم واديًا - أو قال: يجعَلُ بينَه وبينَ الحرمِ واديًا - ثم يُهلُّ بعمرةٍ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، أن أهلَ مكَّةَ كانوا يَغزُون ويَتَّجِرونَ، فيقدَمون في أشهرِ الحجِّ ثم يَحُجُّون، ولا يكونُ عليهم الهدْيُ ولا الصيامُ، أرْخصَ لهم في ذلك؛ لقولِ اللَّهِ - جلَّ وعزَّ -: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: أهلُ الحرمِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: المتعةُ للناس، إلا لأهلِ مكةَ ممن (٥) لم يكنْ أهلُه من الحرَمِ، وذلك قولُ اللَّهِ ﵎: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: وبلَغني عن ابنِ عباسٍ مثلُ قولِ طاوسٍ (٦).
وقال آخرون: بل عنَى بذلك أهلَ الحرمِ ومَن كان منزلُه دونَ المواقيتِ إلى مكةَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن مكحولٍ [في قولِه] (١): ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: مَن كان دونَ المواقيتِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ بإسنادِه مثلَه، إلَّا أنه قال: ما كانَ دونَ المواقيتِ إلى مكةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن رجلٍ، عن عطاءٍ، قال: من كان أهلُه مِن دونِ المواقيتِ، فهو كأهلِ مكةَ لا يتمتَّعُ.
وقال بعضُهم: بل عنَى بذلك أهلَ الحرمِ ومَن قَرُب منزِلُه منه (٣).
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: عرَفةُ (٤)، وعُرَنةُ (٥)، والرجيعُ (٦)، وضَجَنانُ (٧)، ونخلتانِ (٨).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفَاريُّ والمثنَّى، قالا: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: عرفةُ، ومَرٌّ (١)، وعُرَنَةُ، وضَجَنانُ، والرجيعُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مَعمرٍ، عن الزهريِّ في هذه الآيةِ، قال: اليومَ واليومين (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمَرٌ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ: مَن كان أهلُه على يومٍ أو نحوِه تمتَّعَ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ، أنه جعَل أهلَ عرفةَ من أهلِ مكةَ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: أهلُ مكةَ وفَجٍّ (٤) وذي طُوًى (٥)، وما يلي ذلك فهو مِن مكةَ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ عندَنا قولُ من قال: إن حاضِري المسجدِ الحرامِ مَن هو حولَه ممن بينَه وبينَه من المسافةِ ما لا تُقْصَرُ إليه الصلاةُ؛ لأن الحاضِرَ الشيءِ في كلامِ العربِ هو الشاهدُ له بنفْسِه.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان لا يَستحِقُّ أن يُسمَّى غائبًا إلَّا مَن كان مسافرًا شاخصًا عن وطنِه، وكان المسافرُ لا يكونُ مسافرًا إلَّا بشخوصِه عن وطنِه إلى ما تُقصَرُ في مثلِه الصلاةُ، وكان مَن لم يكنْ كذلكَ لا يَستحِقُّ اسمَ غائبٍ عن وطنِه ومنزِلِه، كان كذلك مَن لم يكنْ من المسجدِ الحرامِ على ما تُقصَرُ إليه الصلاةُ غيرَ مُستحِقٍّ أن يقالَ: هو من غيرِ حاضرِيه.
إذ كان الغائبُ عنه هو مَن وصَفْنا صِفتَه.
وإنما لم تكنِ المتعةُ لمن كان من حاضرِي المسجدِ الحرامِ، من أجلِ أن التَّمتعَ إنما هو الاستمتاعُ بالإحلالِ من الإحرامِ بالعمرةِ إلى الحجِّ، مرتفِقًا في ترْكِ العودِ إلى المنزلِ والوطنِ، بالمقامِ بالحرَمِ حتى يُنشِئَ منه الإحرامَ بالحجِّ، وكان المعتمرُ متى قضَى عُمرتَه في أشهرِ الحجِّ، ثم انصرَفَ إلى وطنِه، أو شَخَص عن الحرمِ إلى ما تُقصَرُ فيه الصلاةُ، ثم حَجَّ من عامِه ذلك، بطَل أن يكونَ مُسْتَمْتِعًا؛ لأنه لم يَسْتَمْتِعْ بالمِرْفَقِ الذي جُعِل للمُستمتِعِ؛ مِن ترْكِ العَوْدِ إلى الميقاتِ، والرجوعِ إلى الوطنِ، بالمُقامِ في الحرَمِ، وكان المكِّيُّ [ومَن هو] (١) من حاضرِي المسجدِ الحرامِ لا [مَرْفِقَ له في ذلك] (٢) من أجلِ أنه متى قضَى عُمْرَتَه أقام في وطنِه بالحرمِ، فهو غيرُ مُرْتَفِقٍ بشيءٍ مما يَرْتَفِقُ به مَن لَم يكنْ أهلُه من حاضِرِي المسجدِ الحرامِ، فيكونَ [مُسْتَمْتِعًا به بإحلالِه] (٣) من عمرتِه إلى حجِّه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾.
يعني بذلك جل ثناؤُه: واتقُوا اللَّهَ بطاعتِه فيما أَلزَمَكم من (١) فرائضِه وحدودِه، واحْذَرُوا أن تَعْدُوا (٢) ذلك، [وأن] (٣) تَتجاوزوا ما (٤) بَيَّن لكم في (٥) مناسكِكم، فتَسْتَحِلُّوا ما حَرَّم فيها عليكم، واعلَموا فتيقَّنوا (٦) أنه تعالى ذِكْرُه شديدٌ عقابُه لمَن عاقَبه على ما انتَهك مِن محارمِه، ورَكِب مِن معاصِيه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: وقتُ الحجِّ أشهرٌ معلوماتٌ.
فـ "الأشهرُ" مرفوعاتٌ بـ "الحَجِّ"، وإن كنَّ (٧) له وقتًا لا صفةً ونعتًا، إذ (٨) لم تكنْ محصوراتٍ بتعريفٍ، بإضافةٍ إلى معرفةٍ أو معهودٍ، فصار الرفعُ فيهن كالرفعِ في قولِ العربِ في نظيرِ ذلك من المَحِلِّ: المسلمون جانبٌ، والكفارُ جانبٌ.
برفعِ الجانبِ إذ (٩) لم يكنْ محصورًا على حدٍّ معروفٍ.
ولو قيل: جانبَ أرضِهم أو بلادِهم.
لكان النصبُ هو الكلامَ.
ثم اختلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾؛ فقال بعضُهم: يعني بالأشهرِ المعلوماتِ، شوَّالًا، وذا القَعدةِ، وعشرَ (١٠) ذي الحِجةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّه قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحجةِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ وشَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن خُصَيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ نصرٍ السُّلَميُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ حُصَينٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: أشهرُ الحجِّ، شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ (٤) ذي الحِجةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: وهنَّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ (٤) ذي الحِجةِ، جعَلَهُنَّ اللَّهُ سبحانه للحجِّ، وسائرَ الشهورِ للعُمْرَةِ، فلا يَصلُحُ أن يُحْرِمَ أحدٌ بالحَجِّ إلا في أشهرِ الحَجِّ، والعمرةُ يُحرَمُ بها في كلِّ شهرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرٌ من (١) ذي الحِجةِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ وأبو عامرٍ، قالا: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا أبو عَوَانةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ مثلَه (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: [حدَّثنا أبو أحمدَ، قال] (٥): حدَّثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ وإسرائيلُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ مثلَه (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا الحجاجُ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال (٢)، وأخبرَنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، وأخبرَنا يونسُ، عن الحسنِ، وأخبرَنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، وأخبرَنا حجاجٌ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ.
في: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ (١) عن الضحاكِ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ الخُراسانيُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ.
فذكَر مثلَه.
وقال آخرون: بل يعني بذلك شوَّالًا وذا القَعدةِ، وذا الحِجةِ كلَّه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال: قلت لنافعٍ: أكان عبدُ اللَّهِ يُسمَّى أشهرَ الحجِّ؟
قال: نعم؛ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، قال: قلت لنافعٍ: أسمِعتَ ابنَ عمرَ يُسمِّي أشهرَ الحجِّ؟
قال: نعم، كان يُسمِّي شوالًا، وذا القَعدةِ، وذا الحِجةِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: قال عطاءٌ: فهي شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾: أشهرُ الحجِّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ.
وربما قال: وعشرٌ من (٢) ذي الحِجةِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
قال: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه مثلَه (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أشهرُ الحجِّ شوالٌ، وذو القَعدةِ، وذو الحِجةِ (٦).
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ قولِ (٧) قائلي هذه المقالةِ، وقد علِمتَ أن عملَ الحجِّ لا يُعمَلُ بعدَ تقضِّي أيامِ مِنًى؟
قيل: إن معنى قولِهم ذلك غيرُ الذي توهَّمتَه، وإنما عَنَوا بِقيلِهم: الحجُّ ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ.
أنهُنَّ أشهرُ الحجِّ لا أشهرُ العمرةِ، وأن أشهرَ العمرةِ سِواهنَّ من شهورِ السنةِ.
ومما يدُلُّ على أنَّ ذلك معناهم في قِيلِهم ذلك ما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، قال: قال عمرُ (١): أن تفصِلوا بينَ (٢) الحجِّ والعمرةِ، فتجعَلوا العمرةَ في غيرِ أشهرِ الحجِّ، [أتمُّ لحجِّ] (٣) أحدِكم، وأتمُّ لعمرتِهِ (٤).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: أخبرَني أبي، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: ما لَقِيني أيوبُ - أو قال: ما لقِيتُ أيوبَ - إلا سألني عن حديثِ قيس بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: قلتُ لعبدِ اللَّهِ: امرأةٌ منا قد حجَّت، و (٥) هي تريدُ أن تحُجَّ، أفتجعلُ مع حجِّها عمرةً؟
فقال: ما أُرى هؤلاء الأشهرَ (٦) إلا هي (٦) أشهرَ الحجِّ.
قال: فيقولُ لي أيوبُ: ومن عندَه مثلُ هذا الحديثِ، حدَّثك قيسُ بنُ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، أنه سأل عبدَ اللَّهِ (٧)!
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن ابنِ عونٍ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: إن العمرةَ في أشهرِ الحجِّ ليست بتامةٍ.
قال: فقيل له: العمرةُ في المحرَّمِ؟
فقال: كانوا يَرَونها تامَّةً (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن ابنِ عونٍ، قال: سألتُ القاسمَ بنَ محمدٍ عن العمرةِ في أشهرِ الحجِّ، قال: كانوا لا يَرَونها تامَّةً.
حدَّثنا ابنُ بَيَانٍ الواسطيُّ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ أنه كان يَسْتحبُّ العمرةَ في المحرَّمِ، قال: تكونُ في [غيرِ أشهرِ الحجِّ] (٢).
حدَّثنا ابنُ بَيَانٍ الواسطيُّ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: قال ابنُ عمرَ للحكمِ بنِ الأعوجِ أو غيرِه: إن أطعتَني انتظَرْتَ حتى إذا أهلَلْتَ (٣) المحرَّمَ خرَجتَ إلى ذاتِ عِرْقٍ (٤) فأهلَلْتَ منها بعمرةٍ.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي يَعْفُورٍ (٥)، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: لَأنْ أعتمِرَ في عشرِ ذي الحِجةِ أحبُّ إليَّ من أن أعتمِرَ في العشرين.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن طارقِ بنِ شهابٍ، قال: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن امرأةٍ منا أرادت أن تجمَعَ مع حَجِّها عمرةً، فقال: أسمَعُ اللَّهَ يقولُ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
ما أراها إلا أشهرَ الحَجِّ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا حَزْمٌ (٢) القُطَعِيُّ، قال: سمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ: ما أحدٌ من أهلِ العلمِ شكَّ (٣) أن عمرةً في غيرِ أشهرِ الحجِّ أفضلُ من عمرةٍ في أشهرِ الحجِّ (٤).
ونظائرُ ذلك مما يطولُ باستيعابِ ذكرِه الكتابُ، مما يدُلُّ على أن معنى قِيلِ مَن قال: وقتُ الحجِّ ثلاثةُ أشهرٍ كواملَ.
أنهنَّ من غيرِ شهورِ العمرةِ، وأنهنّ شهورٌ لعملِ الحجِّ دونَ عملِ العمرةِ، وإن كان عملُ الحجِّ إنما يُعمَلُ في بعضِهنَّ لا في جميعِهنَّ.
وأمَّا الذين قالوا: تأويلُ ذلك: شوالٌ، وذو القَعدةِ، وعشرُ ذي الحِجةِ.
فإنهم قالوا: إنما قصَد اللَّهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
إلى تعريفِ خلقِه ميقاتَ حجِّهم، لا الخبرَ عن وقتِ العمرةِ.
قالوا: فأما العمرةُ، فإن السَّنةَ كلَّها وقتٌ لها؛ لتَظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه اعتمَرَ في بعضِ شهورِ الحجِّ، ثم لم يصِحَّ عنه بخلافِ ذلك خبرٌ.
قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان عملُ الحجِّ ينقضي وقتُه بانقضاءِ العاشرِ مِن أيامِ ذي الحِجةِ، عُلِم أن معنى قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
إنما هو: ميقاتُ الحجِّ شهران وبعضُ الثالثِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا قولُ من قال: إن معنى ذلك: الحجُّ شهران وعشرٌ من الثالثِ.
لأن ذلك من اللَّهِ خبرٌ عن ميقاتِ الحَجِّ، ولا عملَ للحَجِّ يُعملُ بعد انقضاءِ أيامِ مِنًى، فمعلومٌ أنه لم يَعْنِ بذلك جميعَ الشهرِ الثالثِ.
وإذا لم يكنْ معنيًّا به جميعُه، صحَّ قولُ من قال: وعشرُ ذي الحجةِ.
فإن قال قائلٌ: فكيف قيل: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
وهو شهران وبعضُ الثالثِ؟
قيل: إن العربَ لا تمتنِعُ - خاصةً في الأوقاتِ - من استعمالِ مثلِ ذلك، فتقولُ: له اليومَ يومان منذ لم أرَه.
وإنما يَعني بذلك يومًا وبعضَ آخرَ، وكما قال جل ثناؤُه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وإنما يَتَعجَّلُ في يومٍ ونصفٍ.
وقد يفعلُ الفاعلُ منهم الفعلَ في الساعةِ، ثم يُخْرِجُه عامًّا على (١) السَّنةِ والشهرِ، فيقولُ: زرتُه العامَ وأتيتُه اليومَ.
وهو لا يريدُ بذلك أنَّ فعلَه أخَذ من أولِ الوقتِ الذي ذكَره إلى آخرِه، ولكنه يعني أنه فعَله إذ ذاك، وفي ذلك الحينِ، [فلذلك قيل] (٢): ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ والمرادُ منه: الحجُّ.
شهران وبعضُ آخرَ.
فمعنى الآيةِ إذن ميقاتُ حَجِّكم أيُّها الناسُ شهران وبعضُ الثالثِ، وهنَّ (٣) شوالٌ وذو القَعدةِ وعشرُ ذي الحِجةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فمن أوجَب الحجَّ على نفسِه، وألزَمها إياه فيهنَّ، يعني في الأشهرِ المعلوماتِ التي بيَّنَّاها (١).
وإيجابُه إياه على نفسِه العزْمُ على عملِ جميعِ ما أوجَب اللَّهُ على الحاجِّ عَمَلَه، وتَرْكِ جميعِ ما أمَره اللَّهُ بتركِه.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي يكونُ به الرجلُ فارضًا الحَجَّ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى الفرضِ الإيجابُ والإلزامُ؛ فقال بعضُهم: فرْضُ الحجِّ الإهلالُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا ورقاءُ المدائنيُّ (٢)، عن عبدِ اللَّهِ (٣) بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ قولَه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: من أهَلَّ بحَجٍّ (٤).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، [عن سفيانَ] (٥)، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن العلاءِ بنِ المسيَّبِ، عن عطاءٍ، قال: التَّلْبيةُ (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: حدَّثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ الثوريِّ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: فالفريضةُ الإحرامُ، والإحرامُ التَّلْبيةُ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: [حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قال] (٢): حدَّثنا ورقاءُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ قال: أهَلَّ (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الفرضُ التلبيةُ، ويَرجِعُ إن شاء ما لم يُحرِمْ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن إبراهيمَ - يعني ابنَ مهاجرٍ - عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: الفريضةُ التلبيةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: الفرضُ الإهلالُ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: التلبيةُ (٦).
حدَّثني إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: حدَّثنا أبو عمرَ (٧) الضريرُ، قال: أخبرَنا حمادُ ابنُ سَلَمةَ، عن جَبْرِ بنِ حبيبٍ، قال: سألتُ القاسمَ بنَ محمدٍ عمن فرَض فيهنَّ الحجَّ، قال: إذا اغتسَلتَ ولبِستَ ثَوبَيْكَ (١) ولبَّيْتَ، فقد فرَضتَ الحَجَّ (٢).
وقال آخرون: فرضُ الحَجِّ [الإحرامُ به] (٣).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثَني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: يقولُ: من أحرَم بحَجٍّ أو عمرةٍ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قالوا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فمن أحرَم (٥).
واللفظُ لحديثِ ابنِ بشارٍ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ والحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، قال: الفرضُ الإحرامُ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: حدَّثنا الحجاجُ، عن عطاءٍ، وبعضُ أشياخِنا، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قالا: فرضُ الحجِّ الإحرامُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: فهذا عندَ الإحرامِ.
حدَّثنا أحمدُ بن حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عُقَيلٍ، عق الضحاكِ (١)، قال: الفرضُ الإحرامُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ الخراسانيُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ.
فذكَر مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، قال: أخبرَني المغيرةُ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾.
قال: من أحرَم.
وهذا القولُ الثاني يحتمِلُ أن يكونَ بمعنى ما قلنا من أن يكونَ الإحرامُ كان عندَ قائلِه الإيجابَ بالعزمِ ويحتملُ أن يكونَ كان [عندَ الإيجابِ] (٣) بالعزمِ والتلبيةِ، كما قال القائلو القولِ الأولِ.
وإنما قلنا: إن فرْضَ الحَجِّ الإحرامُ؛ لإجماعِ الجميعِ على ذلك.
وقلنا: إن الإحرامَ هو إيجابُ الرجلِ ما يَلْزَمُ المحرمَ أن يوجِبَه على نفسِه، على ما وصَفنا آنفًا؛ لأنه لا يخلو القولُ في ذلك من أحدِ أمورٍ ثلاثةٍ: إما أن يكونَ الرجلُ غيرَ حرمٍ إلا بالتلبيةِ، وفعلِ جميعٍ ما يجِبُ على المُوجِبِ الإحرامَ على نفسِه فعلُه، فإن يكنْ ذلك كذلك، فقد يجِبُ ألا يكونَ محرِمًا إلا بالتجرُّدِ للإحرامِ، وأن يكونَ من لم يكنْ له متجرِّدًا فغيرُ محرمٍ.
وفي إجماعِ الجميعِ على أنه قد يكونُ محرِمًا، وإن لم يكنْ متجرِّدًا من ثيابِه، بإيجابِه الإحرامَ، ما يدلُّ على أنه قد يكونُ محرِمًا وإن لم يُلَبِّ، إذ كانت التلبيةُ بعضَ مشاعرِ الإحرامِ، كما التجرُّدُ له بعضُ مشاعرِه.
وفي إجماعِهم على أنه قد يكونُ محرِمًا بترْكِ بعضِ مشاعرِ حَجِّه، ما يدلُّ على أن حكمَ غيرِه من مشاعرِه حكمُه.
أو يكونَ - إذ فسَد هذا القولُ - قد يكونُ محرِمًا وإن لم يُلَبِّ ولم يتجرَّدْ ولم يَعزِمِ العزمَ الذي وصَفنا.
وفي إجماعِ الجميعِ على أنه لا يكونُ محرِمًا من لم يعزِمْ على الإحرامِ ويوجِبْه على نفسِه، إذا كان من أهلِ التكليفِ، ما يُنْبِئُ عن فسادِ هذا القولِ.
وإذ فسَد هذان الوجهان، فبيِّنَةٌ صحةُ الوجهِ الثالثِ، وهو أن الرجلَ قد يكونُ محرمًا بإيجابِه الإحرامَ بعزمِه، على سبيلِ ما بيَّنَّا، وإن لم يظهَرْ ذلك بالتجرُّدِ والتلبيةِ وصُنْعِ (١) بعضِ ما عليه عملُه من مناسكِه.
وإذا صحَّ ذلك، صحَّ ما قلنا من أن فرضَ الحَجِّ هو ما [وصَفْنا من] (٢) إيجابِه بالعزمِ على نحوِ ما قد (٣) بيَّنَّا قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الرَّفَثِ" في هذا الموضعِ، فقال بعضُهم: هو الإفحاشُ للمرأةِ في الكلامِ، وذلك [نحو أن] (٤) يقولَ: إذا أحلَلْنا فعلتُ بكِ كذا (٥).
ولا يَكْنى عنه، وما أشبَهَ ذلك.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ ويونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قالا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الرَّفَثِ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: هو التعريضُ بذكرِ الجماعِ، وهي العَرابةُ (١) في (٢) كلامِ العربِ، وهو أدنى الرَّفَثِ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن رَوْحِ بنِ القاسمِ، عن ابنِ طاوسٍ، [عن أبيه] (٤)، في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرَّفَثُ العَرابةُ؛ التعريضُ (٥) للنساءِ بالجماعِ (٦).
حدَّثنا ابنُ بشارِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن عوفٍ (٧)، قال: حدَّثني زيادُ بنُ حُصَينٍ، قال: حدَّثني أبي حصينُ بنُ قيسٍ، قال: أصْعَدتُ (٨) مع ابنِ عباسٍ في الحاجِّ، وكنتُ خليلًا له، فلما كان بعد ما أحرَمنا، قام (٩) ابنُ عباسٍ فأخَذ بذَنَبِ بعيرِه، فجعَل يَلويه، وهو يرتجزُ ويقولُ (١): وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا (٢) إن تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا (٣) قال: فقلت: أترفُثُ وأنت مُحرِمٌ؟!
قال: إنما الرفثُ ما قيل عند النساءِ (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن رجلٍ، عن أبي العاليةِ الرِّياحِيِّ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يحْدُو وهو محرمٌ، ويقولُ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسَا إن تَصْدُقِ الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا قال: قلتُ: تكلَّمُ بالرَّفَثِ وأنت مُحرِمٌ؟!
قال: إنما الرَّفَثُ ما قيل عند النساءِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ، أن نافعًا أخبرَه أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الرَّفَثُ إتيانُ النساءِ، والتكلُّمُ بذلك للرجالِ والنساءِ، إذا ذكَروا ذلك بأفواهِهم (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ مثلَه (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيحِلُّ للمحرمِ أن يقولَ لامرأتِه: إذا حللتُ أصبتُكِ؟
قال: لا، ذلك الرفَثُ.
قال: وقال عطاءٌ: الرفَثُ ما دونَ الجماعِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: الرفَثُ الجماعُ، وما دونَه من قولِ الفحشِ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولُ الرجلِ لامرأتِه: إذا حللتُ أصبتُكِ.
قال: ذلك الرفَثُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ حُصَينٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كنتُ أمشي مع ابنِ عباسٍ وهو مُحرِمٌ، وهو يرتجزُ ويقولُ: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسا إنْ تَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسا قال: قلتُ: أترفُثُ يا ابنَ (٤) عباسٍ وأنت محرمٌ؟!
فقال: إنما الرفثُ ما روجِع به النساءُ (٥).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سفيانُ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني أبو (١) الزبيرِ إيايَّ (٢)، وعطاءٌ، أنه سمِع طاوسًا قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: لا يحِلُّ للمُحرِمِ الإعرابةُ.
فذكَرْتُه لابنِ عباسٍ، فقال: صدَق.
فقلت لابنِ عباسٍ: وما الإعرابُ؟
قال: التعريضُ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ مسلمٍ، عن طاوسٍ أنه كان يقولُ: لا يحِلُّ للمحرمِ الإعرابةُ.
قال طاوسٌ: والإعرابةُ أن يقولَ وهو محرمٌ: إذا حللتُ أصبتُكِ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا فِطْرٌ، عن زيادِ بنِ حصينٍ، بن أبي العاليةِ، قال: لا يكونُ رفَثٌ إلا ما واجَهتَ به النساءَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن عطاءٍ، قال: كانوا يكرَهون الإعرابةَ - يعني التعريضَ بذكرِ الجماعِ - وهو محرمٌ (٥).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ أنه سمِع أباه أنه كان يقولُ: لا تحِلُّ الإعرابةُ.
والإعرابةُ التعريضُ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال (١): الرفَثُ الذي ذُكِر ههنا ليس بالرفَثِ الذي ذكِر في (٢): ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومن الرفَثِ التعريضُ بذكرِ الجماعِ، وهي الإعرابةُ [في كلامِ] (٣) العربِ (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حدَّثنا ابنُ جريجٍ، عن عطاءٍ أنه كرِه التعريبَ للمحرمِ (٥).
حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو عاصم، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني ابنُ طاوسٍ أن أباه كان يقولُ: الرفثُ الإعرابةُ [فما وَرّاه] (٦) من شأنِ النساءِ، والإعرابةُ الإفصاحُ (٧) بالجماعِ.
حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن ابنِ جريجٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ مسلمٍ أنه سمِع طاوسًا يقولُ: لا يحِلُّ للمحرمِ الإعرابةُ.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرفَثُ غشيانُ النساءِ، والقُبَلُ، والغَمْزُ، وأن يعرِّضَ لها بالفُحْشِ من الكلامِ، ونحوُ ذلك (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان ابنُ عمرَ يقولُ للحادِي: لا تعرِّضْ بذكرِ النساءِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ وابنُ جريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ في الصيامِ الجماعُ، والرفَثُ في الحَجِّ الإعرابةُ.
وكان يقولُ: الدخولُ والمسيسُ [والجماعُ] (٣).
وقال آخرون: الرفَثُ في هذا الموضعِ الجماعُ نفسُه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، [عن ابنِ عباسٍ] (٤)، قال: الرفَثُ الجماعُ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٦).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ إتيانُ النساءِ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الرفَثِ، فقال: الجماعُ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ هو الجماعُ، ولكنّ اللَّهَ كريمٌ يَكْنِي عما شاء (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن الأعمشِ، عن زيادِ بنِ حُصَينٍ، عن أبي العاليةِ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ يرتجِزُ وهو محرمٌ، يقولُ: خرَجْنَ يَسْرينَ بنا هَمِيسا إنْ تَصْدُقِ الطَّيرُ (٢) - قال شريكٌ: ألا إنه لم يَكْنِ عن الجماعِ - لَمِيسا.
فقلتُ: أليس هذا الرفثَ؟
قال: لا، إنما الرفثُ إتيانُ النساءِ والمجامعةُ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن عوفٍ (٣)، عن زيادِ بنِ حصينٍ، عن أبي العاليةِ، عن ابنِ عباسٍ بنحوِه، إلَّا أن عوفًا (٤) صرَّح به.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفثُ الجماعُ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ قولَه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ إتيانُ النساءِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بن مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الرفَثُ الجماعُ فما دونَه من شأنِ النساءِ (٣).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ بنحوِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرفَثُ الجماعُ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: كان قتادةُ يقولُ: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ.
حدَّثنا بشرٌ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن الحسنِ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الرفَثُ المجامعةُ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾: فلا جماعَ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرفَثُ الجماعُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: جِماعُ النساءِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: حدَّثنا حمَّادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الرفَثُ الجماعُ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، عن عكرمةَ قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثني أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ، عن عكرمةَ، قال: الرفَثُ الجماعُ (٢).
حدَّثني ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن حسينِ بنِ عُقَيلٍ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نعيمٍ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قالا (٣): أخبَرنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ، قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
قال: وأخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ.
وأخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قالا مثلَ ذلك (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ (١)، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الرفَثُ النكاحُ (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدَّثنا إسرائيلُ، قال: حدَّثني ثُوَيرٌ (٣)، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرفَثُ غِشْيانُ النساءِ.
قال معمرٌ: وقال مثلَ ذلك الزهريُّ [وقتادةُ] (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: الرفَثُ إتيانُ النساءِ.
وقرَأ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾.
قال: الرفَثُ الجماعُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن اللَّهَ جل ثناؤُه نهَى مَن فرَض الحجَّ في أشهرِ الحجِّ عن الرفَثِ، فقال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾.
والرفَثُ في كلامِ العربِ أصلُه الإفحاشُ في المنطقِ، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى (١)، ثم تستعْمِلُه في الكنايةِ عن الجماعِ.
فإذ (٢) كالن ذلك كذلك، وكان أهلُ العلمِ مختلفِين في تأويلِه، وفي هل (٣) النهْيُ من اللَّهِ عن بعض معاني الرفَثِ، أم عن جميعِ معانيه؟
وجَب أن يكونَ على جميعِ معانيه؛ إذ لم يأتِ خبرٌ بخصوصِ الرفَثِ الذي هو بالمنطقِ عندَ النساءِ، من سائرِ معاني الرفَثِ يجِبُ التسليمُ له، إذ كان غيرَ جائزٍ نقْلُ حكمِ ظاهرِ آيةٍ إلى تأويلٍ باطنٍ إلا بحجةٍ ثابتةٍ.
فإن قال قائلٌ: فإن حكمَها من عمومِ ظاهرِها إلى الباطنِ من تأويلِها منقولٌ بإجماعٍ، وذلك أن الجميعَ لا خلافَ بينَهم في أن الرفثَ عند غيرِ النساءِ غيرُ محظورٍ على مُحْرِمٍ، فكان معلومًا بذلك أن الآيةَ معنيٌّ بها بعضُ الرفثِ دونَ بعضٍ، وإذا كان ذلك كذلك، وجَب ألا يَحرُمَ من معاني الرفثِ على المُحرِمِ شيءٌ، إلا ما أُجمِع على تحريمِه عليه، أو قامت بتحريمِه حجةٌ يجبُ التسليمُ لها؟
قيل: إن ما خُصَّ من الآيةِ فأُبِيح خارجٌ من التحريمِ، والحظرُ ثابتٌ لجميعِ ما لم تَخْصُصْه الحُجَّةُ من معنى الرفثِ بالآيةِ، كالذي كان عليه حكمُه لو لَمْ يُخَصَّ منه شيءٌ؛ لأنَّ ما خُصَّ من ذلك فأخرِج من عصومِه إنما لزِمَنا إخراجُ حكمِه من الحظرِ بأمرِ من لا يجوزُ خلافُ أمرِه، فكان حكمُ ما شمِله معنى الآيةِ - بعدَ الذي خُصَّ منها - على الحكمِ الذي كان يَلْزَمُ العبادَ فرضُه بها، لو لَمْ يُخْصَصْ منها شيءٌ؛ لأن العلةَ فيما لم يُخْصَصْ منها بعدَ الذي خُصَّ منها، نظيرُ العلةِ فيه قبل أن يُخَصَّ منها شيءٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الفسوقِ" التي نهَى اللَّهُ عنها في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هي المعاصي كلُّها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ المعاصي (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفُسوقُ المعاصي.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ بكرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جريجٍ، قال: قال عطاءٌ: الفسوقُ المعاصي كلُّها، قال اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: حدَّثنا إسحاقُ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ مَسْعدةَ، قال: حدَّثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ المعاصي (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قال: الفسوقُ المعصيةُ (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: ثنا إسحاقُ، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي كلُّها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ (١)، عن روحِ بنِ القاسمِ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ المعاصي.
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ المعاصي كلُّها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، جميعًا عن سعيدِ بنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ المعاصي (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: المعاصي (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الفسوقُ المعاصي.
قال: وقال مجاهدٌ مثلَ قولِ سعيدٍ.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ عصيانُ اللَّهِ.
حدَّثني ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ المعاصي (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الفسوقُ المعاصي.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، وقتادةَ، وابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا الحجاجُ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: المعاصي.
قال: وأخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٣).
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النضرِ بنِ عَرَبِيٍّ، عن عكرمةَ مثلَه (٥).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ معصيةُ اللَّهِ، لا صغيرَ من معصيةِ اللَّهِ.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ معاصي اللَّهِ كلُّها (١).
حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، وعن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الفسوقُ المعاصي.
وقال مثلَ ذلك الزهريُّ وقتادةُ (٢).
وقال آخرون: بل الفسوقُ في هذا الموضعِ ما عُصِي اللَّهُ به في الإحرامِ مما نهَى عنه فيه من قتْلِ صيدٍ، وأخْذِ شعَرٍ، وقَلْمِ ظُفُرٍ، وما أشبَهَ ذلك مما خصَّ اللَّهُ به الإحرامَ، وأمَر بالتَّجنُّبِ منه في حالِ (٣) الإحرامِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ أن نافعًا أخبَره أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الفسوقُ إتيانُ معاصي اللَّهِ في الحرَمِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الفسوقُ ما أصيبَ من معاصي اللَّهِ به؛ صيدٍ أو غيرِه (٥).
وقال آخرون: بل الفسوقُ في هذا الموضعِ السِّبابُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن إبراهيمَ بنِ مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الفسوقُ السِّبابُ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ السِّبابُ.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا ثُوَيرٌ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: الفسوقُ السِّبابُ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ السِّبابُ (٢).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: أمَّا الفسوقُ فهو السِّبابُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الفسوقُ السِّبابُ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مُعَلّى، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن موسى بنِ عقبةَ، قال: سمعتُ عطاءَ بنَ يسارٍ يحدِّثُ نحوَه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا يونسُ، عن الحسنِ (١).
وأخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قالا: الفسوقُ السِّبابُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفسوقُ السِّبابُ (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ السِّبابُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
وقال آخرون: الفسوقُ الذَّبحُ للأصنامِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ (٤): الفسوقُ الذَّبحُ للأنصابِ.
وقرَأ: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
فقُطِع ذلك أيضًا.
يعني (٥): قُطِع الذَّبحُ للأنصابِ بالنبيِّ ﷺ حينَ حجَّ البيتَ (٦) فعَلَّم أمَّتَه المناسكَ (٧).
وقال آخرون: الفسوقُ التَّنابُزُ بالألقابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن حسينِ بنِ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
قال: الفسوقُ التنابزُ بالألقابِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ.
فذكَر مثلَه.
وأولى الأقوالِ التي ذكَرنا بتأويلِ الآيةِ في ذلك قولُ من قال: معنى قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾: النهيُ عن معصيةِ اللَّهِ في إصابةِ الصيدِ، وفعلِ ما نهَى اللَّهُ المُحرِمَ عن فعلِه في حالِ إحرامِه؛ وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾.
يعني بذلك: فلا يَرفُثْ، ولا يَفْسُقْ، أي: لا يفعلْ ما نهاه اللَّهُ عنه (٢)، ولا يخرجْ عن طاعةِ اللَّهِ في إحرامِه.
وقد علِمنا أن اللَّهَ قد حرَّم معاصيَه على كلِّ أحدٍ، مُحْرِمًا كان أو غيرَ مُحْرِمٍ، وكذلك حرَّم التنابُزَ بالألقابِ في حالِ الإحرامِ وغيرِها بقولِه: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١].
وحرَّم على المسلمِ سِبابَ أخيه في كلِّ حالٍ، فرَضَ الحجَّ أو لم يفرِضْه.
فإذ كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن الذي نهَى اللَّهُ عنه العبدَ من الفسوقِ في حالِ إحرامِه وفَرْضِه الحجَّ، هو ما لم يكنْ فسوقًا في حالِ إحلالِه، وقبلَ إحرامِه بحجِّه، كما أن الرفَثَ الذي نهاه عنه في حالِ فَرْضِه الحجَّ، هو الذي كان له مطلقًا قبلَ إحرامِه؛ لأنه لا معنى لأن يقالَ - فيما قد حرَّم اللَّهُ على خلقِه في كلِّ الأحوالِ -: لا يفعَلنَّ أحدُكم في حالِ الإحرامِ ما هو حرامٌ عليه فعلُه في كلِّ حالٍ.
لأنَّ خصوصَ حالِ الإحرامِ به لا وجهَ له، وقد عُمَّ به جميعُ الأحوالِ من الإحلالِ والإحرامِ.
فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذي نُهِي عنه المُحرِمُ من الفسوقِ - فخُصَّ به حالَ إحرامِه، وقيل له: إذا فرَضتَ الحجَّ فلا تفعَلْه - هو الذي كان له مطلقًا قبلَ حالِ فَرْضِه الحجَّ، وذلك هو ما وصَفنا وذكَرنا، أن اللَّهَ خَصَّ بالنهيِ عنه المُحرِمَ في حالِ إحرامِه، مما نهاه عنه؛ من الطِّيبِ واللباسِ والحلقِ وقصِّ الأظفارِ وقَتلِ الصيدِ، وسائرِ ما خصَّ اللَّهُ بالنهيِ عنه المُحرِمَ في حالِ إحرامِه.
فتأويلُ الآيةِ إذن: فمن فرَض الحجَّ في أشهرِ الحَجِّ فأحرَمَ فيهن، فلا يرفُثْ عند النساءِ، فيُصرِّحَ لهن بجماعِهن، ولا يجامِعْهن (١)، ولا يفسُقْ (٢) بإتيانِ ما نهاه اللَّهُ عنه (٣) في حالِ إحرامِه لحجِّه (٤)؛ من قتلِ صيدٍ، وأخْذِ شعَرٍ، وقَلْمِ ظُفُرٍ، وغيرِ ذلك مما حرَّم اللَّهُ عليه فعلَه وهو محرِمٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك النهيُ عن أن يجادِلَ المحرِمُ أحدًا.
ثم اختلَف قائلو هذا القولِ؛ فقال بعضُهم: نُهِي عن أن يجادِلَ صاحبَه حتى يُغضِبَه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأَحْوَصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الجدالِ، فقال: المِراءُ (٢)؛ تمارِي صاحبَك حتى تُغضِبَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: الجدالُ أن يمارِيَ الرجلُ أخاه حتى يُغضِبَه (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: أن تَمْحَكَ (٦) صاحبَك حتى تُغضِبَه (٧).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن (١) شعيبِ بنِ خالدٍ، عن سَلَمةَ بنِ كُهَيلٍ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: الجدالُ هو أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: الجدالُ المراءُ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تجادِلَ صاحبَك حتى تغضِبَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: الجدالُ أن تَصْخَبَ على (٥) صاحبِك.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: المراءُ (٦).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قالا (١): ثنا حسينُ بنُ عُقَيلٍ، عن الضحاكِ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا واقدٌ الخُلْقَانِيُّ، عن عطاءٍ، قال: أما الجدالُ فتُمارِي صاحبَك حتى تُغضِبَه.
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الجدالُ المِراءُ؛ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى بنُ أسدٍ، قال: ثنا خالدٌ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال (٤): الجدالُ المراءُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا المُعَلَّى، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، عن موسى بنِ عُقبةَ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ يسارٍ يحدِّثُ نحوَه (٥).
حدَّثني ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ (٦) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثلِه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن الحجاجِ، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: الجدالُ أن يمارِيَ بعضُهم بعضًا حتى يَغْضَبوا (٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بِشرٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: الجدالُ الغضبُ؛ أن تُغضِبَ عليك مسلمًا، إلا أن تستعتبَ مملوكًا فتَعِظَه من غيرِ أن تَضرِبَه (١)، [فلا بأسَ] (٢) عليك في ذلك إن شاء اللَّهُ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن النضرِ بنِ عربيٍّ، عن عِكرمةَ، قال: والجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى يُغضِبَك أو تُغضِبَه (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ، قالا: الجدالُ هو الصَّخَبُ والمِراءُ وأنت مُحرِمٌ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثني محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: الجدالُ ما أغضَبْتَ (٦) صاحبَك من الجدالِ.
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: الجدالُ المِراءُ والملاحاةُ حتى تُغضِبَ أخاك وصاحبَك، فنهَى اللَّهُ عن ذلك (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ أن تمارِيَ صاحبَك حتى تُغضِبَه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الجدالُ المراءُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ وقتادةَ قالا: هو الصَّخَبُ والمِراءُ وأنت مُحرِمٌ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: كانوا يكرَهون الجدالَ (٤).
وقال آخرون منهم: الجدالُ في هذا الموضعِ معناه السِّبابُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، أن نافعًا أخبَره، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يقولُ: الجدالُ في الحجِّ السِّبابُ والمراءُ والخصوماتُ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الجدالُ السِّبابُ والمنازعةُ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجدالُ السِّبابُ.
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: الجدالُ السِّبابُ (١).
وقال آخرون منهم: بل عُنِي بذلك خاصٌّ من الجدالِ والمِراءِ، وإنما عُنِي به (٢) الاختلافُ في من هو أتمُّ حَجًّا من الحجَّاجِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني أبو صَخرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: الجدالُ؛ كانت قريشٌ إذا اجتَمعت بمِنًى قال هؤلاء: حَجُّنا أتمُّ مِن حَجِّكم.
وقال هؤلاء: حَجُّنا أتمُّ مِن حَجِّكم (٣).
وقال آخرون منهم: بل ذلك اختلافٌ كان يكونُ بينَهم في اليومِ الذي فيه الحَجُّ، فنُهُوا عن ذلك.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا الحجاجُ بنُ المِنهالِ، قال: حدَّثنا حمادٌ، عن جَبْرِ بنِ حبيبٍ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ أنه قال: الجدالُ في الحَجِّ أن يقولَ بعضُهم: الحجُّ اليومَ.
ويقولَ بعضُهم: الحَجُّ غدًا (٤).
وقال آخرون: بل ذلك اختلافُهم في (١) مَواقفِ الحَجِّ أيُّهم المصيبُ مَوْقفَ إبراهيمَ ﵇.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: كانوا يَقِفون مواقفَ مختلفةً يتجادَلون، كلُّهم يدَّعي أن موقفَه مَوْقفُ إبراهيمَ، فقطَعه اللَّهُ حينَ أعلَم نبيَّه ﷺ بمناسكِهم (٢).
وقال آخرون: بل قولُه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
خبرٌ من اللَّهِ تعالى عن استقامةِ وقتِ الحَجِّ على ميقاتٍ واحدٍ لا يَتقدَّمُه ولا يتأخرُه، وبُطولِ فعْلِ النَّسيءِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ رُفَيعٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: قد استقام الحجُّ فلا جدالَ فيه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: لا شهرَ يُنسَأُ، ولا شكَّ في الحَجِّ، قد بُيِّنَ.
كانوا يُسقِطون المُحرَّمَ ثم يقولون: صَفَرانِ.
لصفرٍ وشهرِ ربيعٍ الأولِ.
ثم يقولون: شَهْرا ربيعٍ.
لشهرِ ربيعٍ الآخرِ وجُمادى الأُولى.
ثم يقولون: جُماديانِ.
لجُمادى الآخرةِ ولرجبٍ.
ثم يقولون لشعبانَ: رجبٌ.
ثم يقولون لرمضانَ: شعبانُ.
ثم يقولون لشوّالٍ: رمضانُ.
ويقولون لذي القَعدةِ: شوَّالٌ.
ثم يقولون لذي الحِجةِ: ذو القَعدةِ.
ثم يقولون للمُحرَّمِ: ذو الحِجةِ.
فيحُجُّون في المحرَّمِ، ثم يأتَنِفون، فيَحسُبُون على ذلك عِدَّةً مُستقبَلَةً على وجهِ ما ابتَدءُوا، فيقولون: المحرَّمُ، وصفرٌ، وشهرا ربيعٍ.
فيحُجُّون في المحرَّمِ ليحجُّوا في كلِّ سنةٍ مرَّتَين، [ثم يُسقِطون] (١) شهرًا آخرَ، فيَعُدُّون على العِدَّةِ الأُولى، فيقولون: صَفرانِ وشَهْرا ربيعٍ.
نحوَ عِدَّتِهم في أولِ ما أسقَطوا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: صاحبُ النَّسيءِ (٣) الذي يَنسأُ لهم أبو ثمامةَ (٤)، رجلٌ من بني كِنانةَ (٥).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ (٦)، عن أبي بشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: لا شبهةَ في الحَجِّ، قد بَيَّنَ اللَّهُ أمرَ الحَجِّ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: قد استقام أمرُ الحجِّ فلا تجادِلوا فيه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: لا شهرَ يُنسَأُ، ولا شكَّ في الحجِّ، قد بُيِّنَ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن العلاءِ بنِ عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: قد عُلِم وقتُ الحَجِّ فلا جدالَ فيه، ولا شكَّ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ والعلاءِ، عن مجاهدٍ، قال: هو شهرٌ معلومٌ لا ينازَعُ (٤) فيه.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: لا شكَّ في الحَجِّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا حَجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: المِراءُ [في الحَجِّ] (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾: قد تبيَّنَ الحَجُّ.
قال: كانوا يحجُّون في (١) ذي الحِجةِ عامين، وفي المحرَّمِ عامين، ثم حجُّوا في صَفرٍ عامين، وكانوا يحجُّون في كلِّ سنةٍ في كلِّ شهرٍ عامين، حتى (٢) وافَقتْ حَجَّةُ أبي بكرٍ من العامَين في ذي القَعدةِ قبلَ حَجةِ النبيِّ ﷺ بسَنةٍ، ثم حجَّ النبيُّ ﷺ مِن قابلٍ في ذي الحِجَّةِ، فذلك حينَ يقولُ رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إن الزَّمانَ قد استَدارَ كهَيئَتِه يومَ خلَق اللَّهُ السماواتِ والأرضَ" (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
قال: بيَّن اللَّهُ أمرَ الحَجِّ ومعالِمَه، فليس فيه كلامٌ.
وأولى هذه الأقوالِ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: قد بطَل الجدالُ في الحَجِّ ووقتِه، واستقام أمرُه ووقتُه على وقتٍ واحدٍ، ومناسكَ مُتفِقةٍ غيرِ مختلِفةٍ، فلا (٤) تنازُعَ فيه ولا مِراءَ.
وذلك أن اللَّهَ أخبَر أن وقتَ الحَجِّ أشهُرٌ معلوماتٌ، ثم نفَى عن وقتِه الاختلافَ الذي كانتِ الجاهليةُ في شِرْكِها تختلِفُ فيه.
وإنما اخترنا هذا التأويلَ في ذلك ورأيناه أولى بالصوابِ مما خالَفه؛ لِما قد قدَّمنا من البيانِ آنفًا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾.
مِن (٥) أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللَّهُ خصَّ بالنهيِ [عنه عن معنى حالِ الإحرامِ وحالِ فرضِ الحاجِّ الحجَّ، إلا وذلك الذي خَصَّ بالنهيِ] (٦) عنه في تلك الحالِ مُطْلقٌ مباحٌ، في الحالِ التي يخالفُها، وهي حالُ الإحلالِ، وذلك أن حكمَ ما خُصَّ به مِن ذلك (١) حالَ الإحرامِ، إن كان سواءً فيه حالُ الإحرامِ وحالُ الإحلالِ، فلا وجهَ لخصوصِه به حالًا دونَ حالٍ وقد عمَّ به جميعَ الأحوالِ.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان لا معنى لقولِ القائلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
أن تأويلَه: لا تُمارِ صاحبَك حتى تُغضِبَه.
إلا أحدَ معنيَين: إما أن يكونَ أراد: لا تُمارِه بباطلٍ حتى تُغضِبَه.
فذلك ما لا وجهَ له؛ لأن اللهَ ﷿ قد نهَى عن المِراءِ بالباطلِ في كلِّ حالٍ؛ محرِمًا كان المُمارى أو مُحِلًّا، فلا وجهَ لخصوصِ حال الإحرامِ بالنهيِ عنه؛ لاستواءِ حالِ الإحرامِ والإحلالِ في نهيِ اللَّهِ عنه.
أو أن يكونَ أراد: لا تمارِه بحقٍّ.
وذلك أيضًا ما لا وجهَ له؛ لأن المحرمَ لو رأى رجلًا يرومُ فاحشةً، كان الواجبُ عليه مِراءَهُ في دفعِه عنها، أو رآه يُحاولُ ظلمَه والذهابَ منه بحقٍّ له قد غصَبه عليه، كان عليه مِراؤُه فيه وجدالُه حتى يَتخلَّصَه منه.
والجدالُ والمراءُ لا يكونُ بينَ الناس إلا من أحدِ وجهين: إما من قِبَلِ ظلمٍ، وإما من قِبَل حقٍّ.
فإذا كان من أحدِ وجهَيْه غيرَ جائزٍ فعلُه بحالٍ، ومن الوجهِ الآخرِ غيرَ جائزٍ تركُه بحالٍ، فأيُّ وجوهِه التي خُصَّ بالنهيِ عنه حالَ الإحرامِ؟
وكذلك لا وجهَ لقولِ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى السِّبابِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه قد نهَى المؤمنين بعضَهم عن سِبابِ بعضٍ على لسانِ رسولِه ﷺ في كلِّ حالٍ، فقال ﷺ: "سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ، وقِتالُه كُفْرٌ" (٢).
فإذ كان المسلمُ عن سبِّ المسلمِ مَنْهِيًّا في كلِّ حالٍ من أحوالِه، مُحْرِمًا كان أو غيرَ مُحْرِمٍ، فلا وجهَ لأنْ يقالَ له: لا تَسُبَّه في حالِ الإحرامِ إذا أحرَمتَ.
وفيما رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ من الخبرِ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رَجَع (١) مثلَ يومِ وَلدَتْه أُمُّه" (٢).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا حجّاجٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنُوبِه كيومِ وَلَدتْه أُمُّه".
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ.
وذكَر (٣) مثلَ حديثِ ابنِ المثنى، عن وهبِ بنِ جريرٍ (٤).
حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه أيضًا (٥).
حدَّثني ابنُ المثنَّى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني منصورٌ، قال: سمِعتُ أبا حازمٍ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ عبيدِ اللَّهِ، عن الأعمشِ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خرَج مِن ذنونِه كما ولدَتْه أمُّه" (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ وأبو أسامةَ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال: رسولُ اللَّهِ ﷺ.
فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: "رجَع كما ولَدتْه أُمُّه" (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن شعبةَ، عن سَيّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ [أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال] (٣).
فذكَر نحوَه، إلا أنه قال: "رجَع إلى أهلِه مثلَ يومِ ولَدتْه أُمُّه".
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (٤)، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن منصورٍ، عن هلالِ بنِ يِسَافٍ (٥)، عن أبي حازمٍ (٦)، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن حَجَّ هذا البيتَ - يعني الكعبةَ - فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كيومِ ولَدتْه أمُّه" (٧).
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشيمُ بنُ بَشيرٍ، عن سَيَّارٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن حجَّ للَّهِ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، رجَع كهيئةِ يومِ (١) ولَدتْه أمُّه" (٢).
دلالةٌ واضحةٌ (٣) على أن قولَه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
بمعنى النَّفْيِ عن الحَجِّ أن يكونَ [فيه و] (٤) في وقتِه جدالٌ ومِراءٌ، دونَ النهيِ عن جدالِ الناسِ بينَهم فيما يَعْنِيهم من الأمورِ أو لا يَعْنِيهم، وذلك أنه ﷺ أخبرَ أن (٥) مَن حَجَّ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق، استحقَّ مِن اللَّهِ مِن (٦) الكرامةِ ما وصَف أنه استحقَّه بحجِّه، تاركًا للرفثِ والفسوقِ اللَّذَينِ نهَى اللَّهُ الحاجَّ عنهما في حجِّه مِن غيرِ أن يَضُمَّ إليهما الجدالَ.
فلو كان الجدالُ الذي ذكَره اللَّهُ في قولِه: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
مما نهاه اللَّهُ عنه بهذه الآيةِ على نحوِ الذي تأوَّل ذلك مَن تأوَّله مِن أنه المِراءُ والخصوماتُ، أو السِّبابُ وما أشبَه ذلك، لمَا كان ﷺ لِيخُصَّ باستحقاقِ الكرامةِ التي ذُكِر أنه يستحقُّها الحاجُّ الذي وصَف أمرَه باجتنابِ خَلَّتَين مما نهاه اللَّهُ عنه في حجِّهِ دونَ الثالثةِ التي هي مقرونةٌ بهما.
ولكن لما كان معنى الثالثةِ مخالفًا معنى صاحبتَيها في أنها خبرٌ على المعنى الذي وصَفنا، وأن الأُخريَين بمعنى النهيِ (١)، أخبَر النبيُّ ﷺ أن مُجْتَنِبَهما في حجِّه مستوجبٌ ما وصَف من إكرامِ اللَّهِ إياه بما (٢) أخبَر أنه مُكْرِمُه به، إذ كانتا بمعنى النهْيِ، وكان المُنتهِي عنهما للَّهِ مُطِيعًا بانتهائِه عنهما، وترَك ذِكْرَ الثالثةِ معهما (٣)، إذ لم تكنْ في معناهما، وكانت مخالِفةً سبيلُها سبيلَهما.
فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بالقراءةِ من القراءاتِ، المخالَفَةُ بينَ إعرابِ "الجدالِ"، وإعرابِ "الرَّفَثِ" و"الفسوقِ"؛ ليعلمَ سامعُ ذلك - إذا كان من أهلِ الفهمِ باللغاتِ - أن الذي من أجلِه خُولِف بينَ إعرابَيهما اختلافُ مَعْنَيَيْهما، وإن كان صوابًا قراءةُ جميعِ ذلك باتفاقِ إعرابِه على اختلافِ معانِيه، إذ كانت العربُ قد تُتْبِعُ بعضَ الكلامِ بعضًا بإعرابٍ، مع اختلافِ المعانِي، وخاصّةً في هذا النوعِ من الكلامِ.
فأعجَبُ القراءاتِ في ذلك عندي - إذ كان الأمرُ على ما وصَفتُ - قراءةُ من قرَأ: (فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحجِّ).
برفعِ "الرَّفَثِ" و"الفسوقِ" وتنوينِهما، وفتحِ الجدالِ بغيرِ تنوينٍ، وذلك هو قراءةُ جماعةِ البصريين، وكثيرٍ من أهلِ مكةَ؛ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، وأبو عمرِو بنُ العلاءِ (٤).
وأما قولُ من قال: معناه النهيُ عن اختلافِ المختلِفين في أتَمِّهم حجًّا.
والقائلين: معناه النهيُ عن قولِ القائلِ: غدًا الحَجُّ.
مخالِفًا به قولَ الآخرِ: اليومَ الحجُّ.
فقولٌ في حكايتهِ الكفايةُ عن الاستشهادِ على وَهائِه وضعفِه، وذلك أنَّه قولٌ لا تُدْرَكُ صحَّتُه إلا بخبرٍ مستفيضٍ، أو (١) خبرٍ صادقٍ يوجِبُ العلمَ أن ذلك كان كذلك، فنزلت الآيةُ بالنهيِ عنه، أو أن معنى ذلك في بعضِ معاني الجدالِ دون بعضٍ، ولا خبرَ بذلك بالصفةِ التي وصَفنا.
وأما دَلالتُنا على ما قلنا - من أنه نَفْيٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عن شهورِ الحَجِّ - الاختلافُ الذي كانت الجاهليةُ تختلفُ فيها (٢) بينَها قبلُ كما وصَفنا.
وأما دَلالتُنا على أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، فالخبرُ المستفيضُ في أهلِ الأخبارِ أن الجاهليةَ كانت تفعلُ ذلك، مع دَلالةِ قولِ اللَّه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ الآية [التوبة: ٣٧].
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: افعَلوا أيُّها المؤمنون ما أمَرتُكم به في حَجِّكم من إتمامِ مناسكِكم فيه، وأداءِ فرْضِكم الواجبِ عليكم في إحرامِكم، وتجنُّبِ ما أمرتُكم بتجنُّبِه من الرفَثِ والفسوقِ في حجِّكم؛ لتَستوجِبوا به الثوابَ الجزيلَ منِّي (٣)، فإنكم مهما تفعَلوا من ذلك وغيرِه من خيرٍ وعملٍ صالحٍ، ابتغاءَ مرضاتي وطلبَ ثوابي، فإنِّي به عالمٌ، ولجميعِه مُحْصٍ حتى أوفِّيَكم أجرَه، وأجازِيَكم عليه، فإني لا تخفَى عليَّ خافيةٌ، ولا يَنكتِمُ عني ما أردتُم بأعمالِكم؛ لأني مُطَّلِعٌ على سرائرِكم، وعالمٌ بضمائرِ نفوسِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا يحُجُّون بغيرِ زادٍ، وكان بعضُهم إذا أحرَم رمَى بما معه من الزادِ، واستأنَف غيرَه من الأَزْوِدَةِ، فأمَر اللَّهُ مَن لم يكنْ يتزوَّدُ منهم بالتزوُّدِ لسفرِه، ومَن كان منهم ذا زادٍ أن يَتحفَّظَ بزادِه ولا يَرميَ به.
ذكرُ الأخبارِ التي رُوِيَت بذلك حدَّثني الحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ عبدِ الغفارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كانوا إذا أحرَموا ومعهم أَزْوِدَةٌ رمَوا بها، واستأنَفوا زادًا آخرَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾، فنُهوا عن ذلك وأمِروا أن يتزوَّدوا الكعكَ والدقيقَ والسَّوِيقَ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّمِيُّ (٢)، قال: ثنا شَبابةُ بنُ سَوّارٍ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدُون، فنزَلت: ﴿اوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: الكعكُ والزيتُ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن ابنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الكعكُ والسَّويقُ (٢).
حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكْرمةَ، قال: كان أناسٌ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ عطاءٍ، كُوفيٌّ (٤)، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ عُيَينةَ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: التمرُ والسَّويقُ (٥).
حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا حنظلةُ، قال: سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ واللحمُ والتمرُ.
قال عمرٌو: وسمِعتُ أبا عاصمٍ (٦) مرةً يقولُ: ثنا حنظلةُ، سُئل سالمٌ عن زادِ الحاجِّ، فقال: الخبزُ والتمرُ (٧).
حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن هُشيمٍ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: كان ناسٌ من الأعرابِ يحُجُّون بغيرِ زادٍ ويقولون: نتوكَّلُ على اللَّهِ.
فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الحاجُّ منهم لا يتزوَّدُ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يسافِرون ولا يتزوَّدون، فنزَلت: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
وقال الحسنُ بنُ يحيى في حديثِه: كانوا يحُجُّون ولا يتزوَّدون (٢).
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن عمرَ بنِ ذرٍّ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا عمرُ بنُ ذرٍّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يحدِّثُ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا إسحاقُ، عن أبي بِشرٍ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى الحَجِّ يَتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، يقولون: نحن مُتوَكِّلون.
فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾.
قال: كان أهلُ الآفاقِ يخرُجون إلى (١) الحجِّ يتوصَّلون بالناسِ بغيرِ زادٍ، فأُمِروا أن يتزوَّدُوا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كان أهلُ اليمنِ [يقولون: لا (٣) نتَزوَّدُ.
فيتوكَّلونَ] (٤)، يتوصَّلون بالناسِ، فأُمِروا أن يتزوَّدوا، ولا يستَغنِموا (٥).
قال: وخيرُ الزادِ التقوى.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كانوا لا يتزوَّدون، فأُمِروا بالزادِ، وخيرُ الزادِ التقوى.
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
فكان الحسنُ يقولُ: إن ناسًا مِن أهلِ اليمنِ كانوا يحُجُّون ويسافِرون ولا يتزوَّدُون، فأمَرهم اللَّهُ بالزادِ والنفقةِ في سبيلِ اللَّهِ، ثم أنبَأَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (٦).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بنِ أبي عَرُوبةَ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: قال قتادةُ: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ بِشرٍ، عن يزيدَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كان ناسٌ من أهلِ اليمنِ يخرُجون بغيرِ زادٍ إلى مكةَ، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأخبرَهم أن خيرَ الزادِ التقوى (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كان أناسٌ يخرُجون من أهلِيهم ليست معهم أزْوِدَةٌ، يقُولون: نَحُجُّ بيتَ اللَّهِ ولا يُطْعِمُنا؟
فقال اللَّهُ: تَزوَّدوا ما يكُفُّ وجوهَكم عن الناسِ (٢).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: أخبرنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: فكان ناسٌ باليمنِ يحُجُّون ولا يتزوَّدون، فأمَرهم اللَّهُ أن يتزوَّدوا، وأنبَأ أن خيرَ الزادِ التقوى (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ قال: السَّويقُ والدقيقُ والكعكُ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: الخُشْكَنَانجُ (١) والسَّويقُ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ عطاءٍ البَكّائِيِّ (٣)، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: هو الطعامُ، وكان يومَئذٍ الطعامُ قليلًا.
قال: قلتُ: وما الطعامُ؟
قال: التمرُ والسَّويقُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾: وخيرُ زادِ الدنيا المنفعةُ من [الحَمولةِ و] (٥) اللباسِ والطعامِ والشرابِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كان ناسٌ يتزوَّدون إلى عقبةٍ، فإذا انتَهَوا إلى تلك العقبةِ، توكَّلوا ولم يتزوَّدوا [طعامًا، فأُمِروا أن يَتَزَوَّدوا] (٦).
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ، قال: قال سفيانُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: أُمِروا بالسَّويقِ والكعْكِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَني أبي، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾.
قال: هو السَّويقُ والدقيقُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: كانت قبائلُ مِن العربِ يُحَرِّمون الزادَ إذا خرَجوا حُجَّاجًا وعُمَّارًا؛ [إلا أن] (٢) يَتضيَّفوا الناسَ، فقال اللَّهُ لهم: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُليُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن عِكرمةَ، قال: كان الناسُ يقدَمون مكةَ بغيرِ زادٍ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٤).
فتأويلُ الآيةِ إذن: فمَن فرَض في أشهرِ الحَجِّ الحَجَّ فأحرَم فيهن، فلا يَرْفُثَنَّ ولا يَفْسُقَنَّ، فإنَّ أمْرَ الحَجِّ قد استقام لكم، وعرَّفكم ربُّكم ميقاتَه وحدودَه، فاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمَركم به ونَهاكم عنه من أمرِ حَجِّكم ومناسكِكم، فإنكم مهما تفعَلوا من خيرٍ أمَركم به، أو ندَبكم إليه يعلَمْه، وتزوَّدوا من أقواتِكم ما فيه بلاغُكم إلى أداءِ فرضِ ربِّكم عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم؛ فإنَّه لا بِرَّ للهِ في تركِكم التزوُّدَ لأنفسِكم ومسألتِكم الناسَ، ولا في تَضْييعِ أقواتِكم وإفسادِها، ولكنَّ البرَّ في تقوى ربِّكم باجتنابِ ما نهاكم عنه في سفرِكم لحَجِّكم، وفعلِ ما أمَركم فيه (٥)، فإنه خيرُ الزادِ، فمنه تزوَّدُوا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك رُوِي الخبرُ عن الضحاكِ بنِ مُزاحمٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.
قال: والتقوى عملٌ بطاعةِ اللَّهِ.
وقد بيَّنا معنى "التقوى" فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: اتقونِ يا أهلَ العقولِ والأفهامِ، بأداءِ فرائضِي عليكم التي أوجبتُها عليكم في حَجِّكم ومناسكِكم، وغيرِ ذلك من دِيني الذي شرَعتُه لكم، وخافُوا عقابي باجتنابِ محارمي التي حرَّمتُها عليكم - تَنْجُوا بذلك مما تخافُون من غضبي عليكم وعقابي، وتُدركوا [به ما تَأمُلُون وتَرجُون مِن رِضايَ عنكم وجزيلِ ثوابي لكم، وتُدرِكوا] (٢) ما تطلُبون من الفوزِ بجنَّاتي.
وخَصَّ جلَّ ذِكرُه بالخطابِ بذلك أُولي الألبابِ؛ لأنهم أهلُ التمييزِ بينَ الحقِّ والباطلِ، وأهلُ الفكرِ الصحيحِ والمعرفةِ بحقائقِ الأشياءِ التي بالعقولِ تُدْرَكُ، وبالألبابِ تُفْهَمُ، ولم يَجعلْ لغيرِهم من أهلِ الجهلِ في الخطابِ بذلك حظًّا، إذ كانوا أشباحًا كالأنعامِ، وصُوَرًا كالبهائمِ، بل هم منها أضلُّ سبيلًا.
والألبابُ: جمعُ لُبٍّ، وهو العقلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ليس عليكم أيُّها المؤمنون جُناحٌ.
والجُنَاحُ الحَرَجُ.
كما حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: وهو لا حَرَجَ عليكم في الشراءِ والبيعِ قبلَ الإحرامِ وبعدَه (١).
وقولُه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعني: أن تَلْتَمِسوا فضلًا من عندِ ربِّكم.
يقالُ منه: ابْتَغَيْتُ فضلًا من اللَّهِ، ومن فضلِ اللَّهِ، أبتَغِيه ابتغاءً، إذا طلبتَه والتمستَه، وبَغَيتُه أبغِيه بُغَاءً (٢).
كما قال عبدُ بني الحَسْحاسِ (٣): بَغاكَ وما تَبْغيه حتى (٤) وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أمسِ مَوْعِدا يعني: طَلَبَك والتمسَكَ.
وقيل: إن معنى ابتغاءِ الفضلِ من اللَّهِ، التماسُ رزقِ اللَّهِ بالتجارةِ، وإن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ كانوا لا يَرَوْن أن يَتَّجِروا إذا أَحرَموا، يَلْتَمِسون البِرَّ بذلك، فأَعلَمهم جلَّ ثناؤُه إلا بِرَّ في ذلك، وأنَّ لهم التماسَ فضلِه بالبيعِ والشراءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْدِيُّ، قال: ثنا المُحارِبيُّ، عن عمرَ بنِ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يَحُجُّون ولا يتَّجِرون، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: في المواسمِ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال: سمعتُ مجاهدًا يُحدِّثُ، قال: كان ناسٌ لا يتَّجِرون أيامَ الحَجِّ، فنزَلت فيهم: ﴿[لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ] (١) أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا أبو ليلي، عن بُرَيدةَ (٣) في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: إذا كنتم مُحْرِمِين أن تَبِيعوا وتَشْتَروا.
حدَّثني طَلِيقُ بنُ محمدٍ الواسِطيُّ، قال: أخبرَنا أسباطُ، قال: أخبرَنا الحسنُ (٤) بن عمرٍو، عن أبي أُمَامةَ التيْميِّ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ: إنّا قومٌ نُكْرِي (٥)، فهل لنا حَجٌّ؟
قال: أليس تَطوفون بالبيتِ، وتأتون المُعَرَّفَ (٦)، وتَرْمون الجِمارَ، وتحلِقُون رُءوسَكم؟
فقلنا: بلى.
قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عن الذي سألتَني عنه، فلم يَدْرِ ما يقولُ له، حتى نزَل جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ.
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
فقال النبيُّ ﷺ: "أنتم حُجَّاجٌ" (٧).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوهابِ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن عكرمةَ، قال: كانت تُقرَأُ هذه الآيةُ: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن منصورِ بنِ المُعْتمرِ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: هو التجارةُ في البيعِ والشراءِ، والبيعُ والاشتراءُ لا بأسَ به (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا من ربِّكم في مواسمِ الحجِّ) (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عليِّ بنِ مُسْهِرٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليةِ عُكاظٌ وذو المَجازِ (٤)، فلمَّا جاء الإسلامُ كأنهم كرِهوا ذلك، حتى أنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ عرفةَ، قال: حدَّثنا شَبابةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن أبي أُمَيمةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ، وسُئِل عن الرجلِ يَحُجُّ ومعه تحارةٌ، فقرَأ ابنُ عمرَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، وحدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: حدثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا لا يَتَّجِرون في أيامِ الحَجِّ، فنزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال: (ليس عليكم جُناحٌ أن تَبْتَغُوا فضلًا من ربِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدَّثنا طلحةُ بنُ عمرٍو الحَضْرَميُّ، عن عطاءٍ قولَه: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسمِ الحَجِّ).
هكذا قرَأها ابنُ عباسٍ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: التجارةُ في الدنيا، والأجرُ في الآخرةِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: التجارةُ في المواسمِ، أُحِلَّت لهم في المواسمِ.
قال: فكانوا لا يَبِيعون أو يَبْتَاعون في الجاهليةِ بعرفةَ [ولا بمنًى] (١).
حدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفةَ، قال: حدثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ ولا على ضالَّةٍ [ليلةَ النَّفْرِ] (٢)، وكانوا يُسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ (٣)، ولا يطلُبون فيها تجارةً ولا بيعًا، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه للمؤمنين، أن يُعَرِّجوا على حوائجِهم، ويَبْتَغوا من فضلِ ربِّهم (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، قال: سمِعتُ ابنَ الزبيرِ يقولُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ عُيَينةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كانت ذو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرًا للناسِ في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ ترَكوا ذلك حتى نزَلت: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: كان بعضُ (٢) الحَاجِّ يُسَمَّوْن الدَّاجَّ (٣)، فكانوا ينزِلون في الشِّقِّ الأيسرِ من مِنًى، وكان الحَاجُّ ينزِلون عندَ مسجدِ مِنًى، فكانوا لا يتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فحَجُّوا.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، عن مجاهدٍ، قال: كان الناسُ يَحُجُّون ولا يَتَّجِرون، حتى نزَلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فرُخِّص لهم في المَتْجَرِ والرُّكوبِ والزادِ (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾: هي التجارةُ، يقولُ: اتَّجِرُوا في الموْسمِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عمي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: كان الناسُ إذا أحرَموا لم يَتبايَعوا حتى يَقضُوا حَجَّهم، فأحَلَّه اللَّهُ لهم (١).
حدَّثني المثنى، قال: حدثنا أبو نُعَيمٍ، قال: حدثنا سفيانُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانوا يَتَّقُون البيوعَ والتجارةَ أيامَ المَوسمِ، يقولون: أيامُ ذِكْرٍ.
فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
فحَجُّوا (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقرَؤُها: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُم في مواسمِ الحَجِّ) (٣).
حدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحِمَّانيُّ، قال: حدثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا بأسَ بالتجارةِ في الحَجِّ.
ثم قرَأ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١).
حُدِّثتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ قولَه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال: كان هذا الحيُّ من العربِ لا يُعَرِّجون على كسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، ولا ينتظِرون لحاجةٍ، وكانوا يسمُّونها ليلةَ الصَّدَرِ، ولا يطْلُبون فيها تجارةً، فأحلَّ اللَّهُ ذلك كلَّه أن يُعرِّجوا على حاجتِهم (١)، وأن يَبْتَغُوا (٢) فضلًا مِن ربِّهم (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مَنْدَلٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ المُهاجِرِ، عن أبي صالحٍ مولى عمرَ، قال: قلتُ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، كنتم تَتَّجِرون في الحَجِّ؟
قال: وهل كانت معايِشُهم إلا في الحَجِّ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن العلاءِ بنِ المُسيَّبِ، عن رجلٍ من بني تَيمِ اللَّهِ، قال: جاء رجلٌ إلى عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، فقال: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنَّا قومٌ نُكْرِي، فيزعُمون أنَّه ليس لنا حَجٌّ!
قال: ألسْتم تُحرِمُون كما يُحرِمُون، وتَطوفون كما يَطوفون، وتَرْمون كما يَرْمون؟
قال: بلى.
قال: فأنتم (٥) حاجٌّ؛ جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فسأله عما سألتَ عنه، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا إذا أفاضوا من عرفاتٍ لم يَتَّجِروا بتجارةٍ، ولم يُعَرِّجوا على كَسيرٍ، ولا على ضالَّةٍ، فأحلَّ اللَّهُ ذلك، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت عُكاظٌ ومَجَنَّةُ (٢) وذو المَجازِ أسواقًا في الجاهليةِ، فكانوا يَتَّجِرون فيها، فلمَّا كان الإسلامُ كأنهم تأثَّمُوا منها، فسألوا النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللَّهُ: (ليس عليكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم في مواسمِ الحَجِّ) (٣).
القولُ في تأويلِ قولهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾: فإذا رجَعتم من حيثُ بدَأتُم.
ولذلك قيل للذي يضرِبُ القِداحَ بينَ الأَيْسارِ (٤): مُفِيضٌ.
لجمعِه القداحَ، ثم إفاضتِه إياها بينَ الياسِرين (٥).
ومنه قولُ بشرِ بنِ أبي خازمٍ (٦) الأسديِّ (٧): فَقُلتُ لها رُدِّي إليه (١) حَياتَه (٢) … فَرَدَّتْ كما رَدّ المَنِيحَ (٣) مُفِيضُ ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في "عرفاتٍ"، والعلةِ التي من أجلِها صُرِفت وهي مَعْرِفةٌ، وهل هي اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ، أم هي لجماعةِ بِقاعٍ؟
فقال بعضُ نحويِّي البصريين (٤): هي اسمٌ كان لجماعةٍ مثل مُسلماتٍ ومُؤمناتٍ، سُمِّيَت به بُقعةٌ واحدةٌ، فَصُرِفت لمَّا سُمِّيَت به البقعةُ الواحدةُ، إذ كان مصروفًا قبلَ أن تسمَّى به البقعةُ، ترْكًا منهم له على أصلِه؛ لأن التاءَ فيه صارت بمنزلةِ الياءِ والواوِ في "مسلمين ومسلمون"؛ لأنه تذكيرُه، فصار التنوينُ بمنزلةِ النونِ، فلمَّا سُمِّي به تُرِك على حالِه، كما يُترَكُ "مسلمون" إذا سُمِّي به على حالِه.
قال: ومِن العربِ مَن لا يصرِفُه إذا سمَّى به، ويشبِّهُ "التاءَ" بهاءِ التأنيثِ، وذلك قبيحٌ ضعيفٌ.
واستَشهد بقولِ الشاعرِ (٥): تَنَوَّرْتُها مِن أذْرِعاتٍ (٦) وأهْلُها … بيَثربَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عَالِ قال: ومنهم مَن لا يُنوِّنُ "أذرِعات"، وكذلك "عانات" (٧)، وهو مكانٌ.
وقال بعضُ نحويِّي الكوفيين: إنما انصرَفت عرفاتٌ؛ لأنهن على جماعٍ مؤنثٍ بـ "التاءِ".
قال: وكذلك ما كان على (١) جماعٍ مؤنثٍ بـ "التاءِ"، ثم سَمَّيتَ به رجلًا أو مكانًا أو أرضًا أو امرأةً، انصرَفتْ.
قال: ولا تكادُ العربُ تُسمِّي شيئًا من الجماعِ إلا جِماعًا، ثم تجعلُه بعدَ ذلك واحدًا.
وقال آخرُ (٢) منهم: ليست عرفاتٌ حكايةً، ولا هي اسمٌ منقولٌ، ولكنَّ الموضعَ سُمِّي هو وجوانبُه بعرفاتٍ، ثم سُمِّيت بها البُقْعةُ، فهي (٣) اسمٌ للموضعِ، لا ينفردُ واحدُها.
قال: وإنما يجوزُ هذا في الأماكنِ والمواضعِ، ولا يجوزُ ذلك في غيرِها من الأشياءِ.
قال: ولذلك نَصَبتِ العربُ "التاءَ" في ذلك؛ لأنه موضعٌ، ولو كان مَحْكِيًّا لم يكنْ ذلك فيه جائزًا؛ لأنَّ مَن سَمَّى رجلًا بـ "مسلماتٍ" أو "مسلمين" لم يَنقُلْه في الإعرابِ عمَّا كان عليه في الأصلِ، فلذلك خالَف "عاناتٍ" و"أذرِعاتٍ" ما سُمِّي به من الأسماءِ على وجْهِ الحكايةِ.
واختلَف أهلُ العلمِ في المعنى الذي مِن أجلِه قيل لعرفاتٍ: عرفاتٌ؛ فقال بعضُهم: قِيل لها ذلك مِن أجلِ أنَّ إبراهيمَ خليلَ الرحمنِ لمَّا رآها عرَفها بنعتِها الذي كان لها عندَه، فقال: قد عَرَفتُ.
فسُمِّيت عرفاتٍ بذلك.
وهذا القولُ مِن قائلِه يدلُّ على أنَّ عرفاتٍ اسمٌ للبُقْعةِ، وإنما سمِّيتْ بذلك لنفسِها وما حولَها، كما يقالُ: ثوبٌ أخلاقٌ، وأرضٌ سَباسبُ (٤).
فتُجمَعُ بما حولَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لما أذَّن إبراهيمُ في الناسِ بالحَجِّ، فأجابُوه بالتلبيةِ، وأتاه مَن أتاه، أمَره اللَّهُ أن يخرُجَ إلى عرفاتٍ، ونعَتَها، فخرَج، فلما بلَغ الشجرةَ عندَ العقبةِ، استقبَله الشيطانُ يرُدُّه، فرماه بسبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حصاةٍ، فطار فوقَع على الجمرةِ الثانيةِ، فصدَّه أيضًا، فرَماه وكبَّر، فطار فوقَع على الجمرةِ الثالثةِ، فرماه وكبَّر، فلما رأى أنَّه لا يطيعُه، فلم يدْرِ إبراهيمُ أين يذهَبُ، فانطلَق حتى أتَى ذا المَجازِ، فلمَّا نظَر إليه فلم يعرِفْه، جاز، فلذلك سُمِّي ذا المَجازِ، ثم انطلَق حتى وقَع بعرفاتٍ، فلما نظَر إليها عَرَف النَّعتَ، قال: قد عَرَفتُ.
فسُمِّي عرفاتٍ.
فوقَف إبراهيمُ بعرفاتٍ، حتى إذا أمسَى ازدَلف إلى جَمْعٍ، فسمِّيَت المُزْدَلِفةَ، فوقَف بجمعٍ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن سليمانَ التَّيميِّ، عن نُعَيمِ بنِ أبِي هندٍ، قال: لما وقَف جبريلُ بإبراهيمَ ﵉ بعرفاتٍ، قال: عَرَفتُ.
فسُمِّيت عَرفاتٍ لذلك (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قال ابنُ المُسَيَّبِ: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: بعَث اللَّهُ جبريلَ إلى إبراهيمَ فحَجَّ به، حتى إذا أتَى عرفةَ، قال: قد عَرَفتُ.
وكان قد أتاها مرَّةً قبلَ ذلك، ولذلك سُمِّيت عَرَفةَ (١).
وقال آخرون: بل سُمِّيت بذلك بنفسِها، وببقاعٍ أُخَرَ سواها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا وَكيعٌ، [عن الربيعِ] (٢) بنِ مسلمٍ القُرَشيِّ، عن ابنِ (٣) طِهْفةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن ابنِ عباسٍ قال: إنما سُمِّيت عرفاتٍ؛ لأن جبريلَ كان يقولُ لإبراهيمَ: هذا موضعُ كذا، وهذا موضعُ كذا.
فيقولُ: قد عَرَفتُ، [قد عرَفتُ] (٤).
فلذلك سُمِّيت عَرفاتٍ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عطاءٍ، قال: إنما سُمِّيت عَرفةَ أن جبريلَ كان يُرِي إبراهيمَ المناسكَ، فيقولُ: عَرَفتُ، عَرَفتُ.
فسُمِّي عَرفاتٍ (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: أصلُ الجبلِ الذي يلي عُرَنَة (٧) وما وراءَه موقفٌ، حتى يأتيَ الجبلَ جبلَ عَرفةَ (٨).
وقال ابنُ أبي نجيحٍ: عرفاتٌ: [النَّبْعَةُ والنُّبَيْعَةُ] (١)، وذاتُ النابتِ، وذلك قولُ اللَّهِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾.
وهو الشِّعْبُ الأوسطُ.
وقال زكريا: ما سال مِن الجبلِ الذي يقِفُ عليه الإمامُ إلى عَرَفةَ، فهو مِن عَرَفةَ، وما دَبَرَ ذلك الجبلِ فليس من عَرفةَ.
وهذا القولُ يدلُّ على أنها سمِّيت بذلك نظيرَ ما يُسمَّى الواحدُ باسمِ الجماعةِ المختلفةِ الأشخاصِ.
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندي أن يقالَ: هو اسمٌ لواحدٍ سُمِّي بجماعٍ، فإذا صُرِف ذُهِب به مَذْهبَ الجِماعِ الذي كان له في الأصلِ، وإذا تُرِك صَرْفُه ذُهِب به إلى أنه اسمٌ لبقعةٍ واحدةٍ معروفةٍ، فتُرِك صَرْفُه كما يُترَكُ صرفُ أسماءِ الأمصارِ والقرَى المعارفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بذلك: فإذا أفضْتُم فَكَرَرْتُم راجِعين مِن عَرفةَ إلى حيثُ بدأتُم الشخوصَ إليها منه ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
يعني بذلك الصلاةَ والدعاءَ عندَ المَشْعرِ الحرامِ.
وقد بيَّنا قبلُ أن المشاعرَ هي المعالمُ، من قولِ القائلِ: شَعَرتُ بهذا الأمرِ.
أي: علِمتُ (٢).
والمَشْعَرُ هو المَعْلمُ، سُمِّي بذلك لأن الصلاةَ عندَه والمُقَامَ والمَبِيتَ والدُّعاءَ مِن معالمِ الحَجِّ وفروضِه التي أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه، وقد حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن زكريا، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، قال: يُستحبُّ للحاجِّ أن يُصلِّيَ في منزلِه بالمُزْدلفةِ إن استطاع، وذلك أن اللَّهَ قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
فأما المَشْعَرُ، فإنه هو ما بينَ جَبلي (١) المُزْدلفةِ من [حدِّها إلى مُفْضَى] (٢) مَأْزِمَيْ (٣) عَرفةَ إلى مُحَسِّرٍ، وليس مَأْزِمَا عَرفةَ من المشعرِ.
وبالذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: حدثنا إسرائيلُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رأى ابنُ عمرَ الناسَ يزدَحِمون على الجُبيلِ بجَمْعٍ، فقال: أيُّها الناسُ، إن جَمْعًا كلَّها مَشْعَرٌ (٤).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حجاجٌ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سُئِل عن قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
قال: هو الجبلُ وما حولَه (٥).
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، عن حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، [عن سعيدِ بنِ جبيرٍ] (١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما بينَ الجبلَين اللذيْن بجَمْعٍ مَشْعَرٌ (٢).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، وحدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: سألتُه عن المشعرِ الحرامِ، فقال: ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: المَشعرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها (٥).
قال مَعْمرٌ: وقاله قتادةُ (٦).
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: عن سفيانَ، عن السُّدِّيِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾.
قال: ما بينَ جَبلي المُزْدَلفةِ هو المشعرُ الحرامُ (٧).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبرَنا [أبي، عن] (٨) أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمروٍ (١) عن المشعرِ الحرامِ، فقال: إنِ انطلقتَ معي أعلمْتُكَه.
قال: فانطلقتُ معه، فوقَفنا، حتى إذا أفاض الإمامُ سار وسِرْنا معه، حتى إذا هبَطَت أيدي الرِّكابِ وكُنا في أقصى الجبالِ مما يلي عرفاتٍ قال: أين السائل عن المشعرِ الحرامِ؟
أخذتَ فيه؟
قلتُ: ما أخذتُ فيه.
قال: كلُّها مَشاعِرُ إلى أقصى الحَرَمِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا إسرائيلُ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بنِ ميمونٍ الأوْدِيِّ، قال: سألتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو عن المشعرِ الحرامِ، قال: إن تَلْزَمْني أُرِكَه قال: فلما أفاضَ الناسُ من عَرفةَ، تَهَبَّطَتْ (٢) أيدي الرِّكابِ في أدنى الجبالِ، قال: أين السائلُ عن المشعرِ الحرامِ؟
قال: قلتُ: ها أنا ذا (٣).
قال: أخذتَ فيه؟
قلتُ: ما أخذتُ فيه.
قال: حينَ تَهَبَّطَتْ (٢) أيدي الركابِ في أدنى الجبالِ، فهو مَشْعَرٌ إلى مكةَ (٤).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عُمارةَ بنِ زاذانَ، عن مكحولٍ الأزْدِيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ يومَ عرفةَ عن المَشْعَرِ الحرامِ؟
فقال: الْزَمْنِي.
فلما كان من الغدِ وأتَينا المُزْدَلفةَ، قال: أين السائلُ عن المشعَرِ الحرامِ؟
هذا المشعَرُ الحرامُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال ثنا ابن أبِي زائدةَ، قال: أخبَرَنا داودُ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: المشعرُ الحرامُ المزْدَلفةُ كلُّها.
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: أخبَرنا (١) ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أين المُزْدَلفةُ؟
قال: إذا أفَضتَ من مَأْزِمَي عَرفةَ، فذلك إلى مُحَسِّرٍ.
قال: وليس المَأْزِمان مَأْزِما عَرفةَ مِن المُزْدَلفةِ، ولكن مُفْضَاهما (٢).
قال: فقِفْ بينَهما (٣) إنْ شئتَ، وأحبُّ إليَّ أنْ تَقِفَ دونَ قُزَحَ (٤)، هلُمَّ إلينا من أجلِ طريقِ الناسِ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: رَآهم ابنُ عمرَ يزدَحمون على قُزَحَ، فقال: علامَ يزدَحِمُ هؤلاء؟
كلُّ (٦) ما ههنا مَشْعَرٌ (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المشعَرُ الحرامُ المُزْدَلفةُ كلُّها.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وذلك ليلةُ جَمْعٍ.
قال قتادةُ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ما بينَ الجبلَين مَشْعَرٌ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: المشعَرُ الحرامُ هو ما بينَ جبالِ المزدَلفةِ، ويقالُ: هو قَرْنُ قُزَحَ.
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾: وهي المُزْدَلفةُ، وهي جَمْعٌ.
وذُكِر عن عبدِ الرحمن بنِ الأسودِ ما حدَّثنا به هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، قال: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال.
ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّدِّيِّ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: المَشْعَرُ الحرامُ ما بينَ جبلي المُزْدَلفةِ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا قيسٌ، عن حكيمِ بنِ جُبَيرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن المشعَرِ الحرامِ؟
فقال: ما أدري.
وسألتُ ابنَ عباسٍ، فقال: ما بينَ الجبلَين.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ قال: الجبيلُ وما حولَه مشاعِرُ (١).
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، قال: وقَفتُ مع مجاهدٍ على الجُبَيلِ، فقال: هذا المشعَرُ الحرامُ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبِي إسحاقَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: الجُبَيلُ وما حولَه مشاعِرُ.
قال أبو جعفر: وإنما جعَلْنا أوَّلَ حدِّ المشعَرِ مما يلي مِنًى مُنْقطعَ وادي مُحَسِّرٍ مما يلي المُزْدَلفةَ؛ لأن المثنى حدَّثني، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "عَرَفةُ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا عُرَنَةَ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ إلا مُحَسِّرًا" (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هُشَيمٌ، عن حَجَّاجٍ، عن ابن أبي مُلَيكَةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ الزبيرِ أنه قال: كلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ إلا واديَ مُحَسِّرٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حَجاجٍ، قال: أخبرَني مَن سمِع عُرْوةَ بنَ الزبيرِ يقولُ مثلَ ذلك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن سفيانَ، عن هشامِ بنِ عُرْوةَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ الزبيرِ في خطبتِه: تَعَلَّمُنَّ أن عرفةَ كلَّها مَوْقِفٌ إلا بطنَ عُرَنَةَ، تَعَلَّمُنَّ أن المُزْدَلفةَ كلَّها مَوقِفٌ إلا بطنَ مُحَسِّرٍ (٤).
غيرَ أن ذلك وإن كان كذلك فإني أختارُ للحَاجِّ أنْ يجعَلَ وقوفَه لذكْرِ اللَّهِ من المشعَرِ الحرامِ على قُزَحَ وما حولَه؛ لأن أبا كريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ المخزوميِّ، عن زيدِ بنِ عليٍّ، [عن أبيه] (١)، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ (٢)، عن عليٍّ، قال: لما أصبَح رسولُ اللَّهِ ﷺ بالمُزْدَلفةِ، غدا فوقَف على قُزَحَ، وأردَف الفضلَ (٣)، ثم قال: "هذا الموقِفُ، وكلُّ مُزْدَلفةَ مَوقِفٌ" (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: أخبَرنا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ عليِّ بنِ الحسينِ، عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ أبي رافعٍ، عن أبي رافعٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا هَنَّادٌ وأحمدُ بنُ حَمّادٍ الدُّولابيُّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ المُنْكَدِرِ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَرْبوعٍ، عن ابنِ (٥) الحويرثِ، قال: رأيتُ أبا بكرٍ واقِفًا على قُزَحَ وهو يقولُ: أيُّها الناسُ، أصْبِحوا، أيُّها الناسُ، أصْبِحوا.
ثم دفَع (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عثمانَ، عن يوسفَ بنِ مَاهَكَ، قال: حَجَجْتُ مع ابنِ عمرَ، فلما أصبَح بجَمْعٍ صلَّى الصُّبْحَ، ثم غدَا وغدَونا معه حتى وقَف مع الإمامِ على قُزَحَ، ثم دفَع الإمامُ، فدفَع بدَفْعتِه.
وأمَّا قولُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو (١) حينَ صار بالمُزْدَلفةِ: هذا كلُّه مشاعِرُ إلى مكةَ.
فإن معناه أنها معالِمُ من معالِمِ الحَجِّ، يُنْسَكُ في كلِّ بقعةٍ منها بعضُ مناسكِ الحَجِّ، لا أن كلَّ ذلك المشعَرُ الحرامُ الذي يكونُ الواقفُ حيثُ وقَف منه إلى بطنِ مكةَ قاضِيًا ما عليه من الوقوفِ بالمشعَرِ الحرامِ من جَمْعٍ.
وأما قولُ عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن المشعَرِ الحرامِ.
فإنه يَحتملُ أن يكونَ أراد: لم أجِدْ أحدًا يُخبِرُني عن حدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخِرِه على حقِّه وصِدْقِه؛ لأن حدودَ ذلك على صحتِها حتى لا يكونَ فيها زيادةٌ ولا نقصانٌ لا يحيطُ بها إلا القليلُ من أهلِ المعرفةِ بها، غيرَ أن ذلك وإن لم يقِفْ على حَدِّ أوّلِه ومُنْتَهَى آخرِه وقوفًا لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ إلا مَن ذكرتُ، فموضِعُ الحاجةِ للوقوفِ لا خفاءَ به على كبيرِ (٢) أحدٍ من سكانِ تلك الناحيةِ وكثيرٍ مِن غيرِهم، وكذلك سائرُ مشاعرِ الحَجِّ والأماكنِ التي فرَض اللَّهُ على عبادِه أن يَنْسُكوا عندَها كعرفاتٍ ومِنًى والحَرَمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون عندَ المشعرِ الحرامِ بالثناءِ عليه، والشكرِ له على أياديه عندَكم، وليكنْ ذكرُكم إياه بالخضوعِ لأمرِه، والطاعةِ له، والشكرِ له على ما أنعَم عليكم من التوفيقِ، لِما وفَّقكم له من سننِ إبراهيمَ خليلِه، بعدَ الذي كنتم (١) فيه مِن الشركِ والحَيْرةِ والعمَى عن طريقِ الحقِّ، وبعدَ الضلالةِ، كذكرِه إيَّاكم بالهدَى، حتى اسْتَنْقَذَكم من النارِ به، بعدَ أن كنتم على شفا حُفرةٍ منها، فنَجَّاكم منها، وذلك هو معنى قولِه: ﴿كَمَا هَدَاكُمْ﴾.
وأما قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾.
فإن من أهلِ العربيةِ مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى (٢) "ما"، وتأويلَ اللامِ التي في ﴿لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ إلى "إلا".
فتأويلُ الكلامِ على هذا المعنى: وما كنتم من قبلِ هدايةِ اللَّهِ إيَّاكم لِما هداكم له من ملةِ خليلِه إبراهيمَ التي اصطفاها لمَنْ رضِي عنه من خلْقِه إلا من الضالين.
ومنهم مَن يوجِّهُ تأويلَ "إن" إلى "قد"، فمعناه على قولِ قائلي (٣) هذه المقالةِ: واذكُروا اللَّهَ أيُّها المؤمنون كما ذكَركم بالهدَى، فهداكم لِما رضِيَه من الأديانِ والمِلَلِ، وقد كنتم من قبلِ ذلك مِن الضالين.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك، ومَن المَعْنِيُّ بالأمرِ بالإفاضةِ من حيثُ أفاض الناسُ؟
ومَن الناسُ الذين أُمِروا بالإفاضةِ مِن مَوْضعِ إفاضتِهم؟
فقال بعضُهم: المَعْنِيُّ بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾: قريشٌ ومَن ولَدَته قريشٌ، الذين كانوا يُسَمَّون في الجاهليةِ الحُمْسَ، أُمِروا في الإسلامِ أن يُفيضوا من عرفاتٍ، وهي البقعةُ (١) التي أفاض منها سائرُ الناسِ غيرَ الحُمْسِ، وذلك أن قريشًا ومَن ولَدَته قريشٌ، كانوا يقولون: لا نخرُجُ من الحرَمِ.
فكانوا لا يشهَدون مَوقِفَ الناسِ بعَرفةَ معهم، فأمرَهم اللَّهُ بالوقوفِ معهم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصنعانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الطُّفاويُّ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ ومَن كان على دينِها، وهم الحُمْسُ، يقِفون بالمُزْدَلفةِ، يقولون: نحن قَطِينُ اللَّهِ (٢).
وكان مَن سِواهم يقِفُون بعَرفةَ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (٣).
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ بنِ عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا أبانٌ، قال: ثنا هشامُ بنُ عُرْوةَ، عن عُرْوةَ أنه كتَب إلى عبدِ الملكِ بنِ مروانَ: كتبتَ إليَّ في قولِ النبيِّ ﷺ لرجلٍ من الأنصارِ: "إني أحْمَسُ".
وإني لا أدري أقالها النبيُّ أم لا؟
غيرَ أني سمِعتُها تُحدَّثُ عنه.
والحُمْسُ ملةُ قريشٍ، وهم مشركون، ومَن ولَدَت قريشٌ من (١) خُزاعةَ، وبنو (٢) كِنانةَ، كانوا لا يدفَعون من عَرفةَ، إنما كانوا يدفَعون من المُزْدَلفةِ، وهو المشعَرُ الحرامُ، وكانت بنو عامرٍ حُمْسًا، وذلك أن قريشًا ولَدَتهم، ولهم قيل: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
وأن العربَ كلَّها كانت تُفِيضُ من عَرفةَ إلا (٣) الحُمْسَ، وكانوا يدفَعون إذا أصبَحوا من المُزْدَلفةِ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا أبو تَوْبةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزاريُّ، عن سفيانَ، عن حسينِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت العربُ تَقِفُ بعَرفةَ، وكانت قريشٌ تقفُ دون ذلك بالمزدَلفةِ، فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
فرفَع النبيُّ ﷺ الموقفَ إلى مَوْقِفِ العربِ بعَرفةَ (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال.
ثنا حَكَّامٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
[قال: كان جماعةُ الناسِ يُفيضون من عرفاتٍ، ويقولُ أهلُ الحرمِ: إنا حُمْسٌ.
فكانوا يُفيضون من جمعٍ، فقال اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾] (٦): من حيثُ يُفِيضُ جماعةُ الناسِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن [عبدِ اللَّهِ بنِ أبي المُجالِدِ] (١)، عن مجاهدٍ، قال: إذا كان يومُ عَرفةَ، هَبَط اللَّهُ إلى السماءِ الدنيا في الملائكةِ، فيقولُ: هلمَّ إليَّ عبادي، آمَنوا بوَعدي، وصدَّقوا رسلي.
فيقولُ: ما جزاؤُهم؟
فيقالُ: أن تغفِرَ لهم.
فذلك قولُه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
قال: عَرفةُ.
قال: كانت قريشٌ تقولُ: نحن الحُمْسُ أهلُ الحرمِ، ولا نخلِفُ (٣) الحرمَ (٤) المزدلفةَ.
فأُمِروا أن يبلغُوا عَرفةَ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
قال قتادةُ: وكانت قريشٌ وكلُّ حَليفٍ لهم وبَني أختٍ لهم لا يُفِيضون من عرفاتٍ، إنما يُفِيضون من المُغَمَّسِ (٦)، ويقولون: إنما نحن أهلُ اللَّهِ فلا نخرُجُ من حَرمِه.
فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ من عرفاتٍ، وأخبَرهم أن (٧) سُنَّةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ هكذا الإفاضةُ من عرفاتٍ (٨).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
قال: كانت العربُ تَقِفُ بعرفاتٍ، فتُعظِمُ قريشٌ أن تَقِفَ معهم، فتَقِفُ قريشٌ بالمزدلفةِ، فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا مع الناسِ من عرفاتٍ.
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
قال: كانت قريشٌ وكلُّ ابنِ أختٍ وحليفٍ لهم لا يُفِيضون مع الناسِ من عرفاتٍ، يَقِفون في الحرَمِ ولا يخرُجون منه، يقولون: إنما نحن أهلُ حرَمِ اللَّهِ، فلا نخرُجُ من حرَمِه.
فأمَرهم اللَّهُ أن يُفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، وكانت سنةُ إبراهيمَ وإسماعيلَ الإفاضةَ من عرفاتٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي نجيحٍ، قال: كانت قريشٌ - لا أدري قبلَ الفيلِ أم بعدَه - ابتَدعَت أمْرَ الحُمْسِ رأيًا رأوه بينَهم، قالوا: نحن بنو إبراهيمَ، وأهلُ الحَرَمِ (١)، وولاةُ البيتِ، وقاطِنو مكةَ وساكِنوها، فليس لأحدٍ من العربِ مثلُ حقِّنا، ولا مثلُ مَنْزِلتِنا (٢)، ولا تعرِفُ له العربُ مثلَ ما تَعرِفُ لنا، فلا تُعَظِّموا شيئًا من الحِلِّ كما تُعَظِّمون الحرَمَ، فإنكم إن فعلْتُم ذلك استَخفَّت العربُ بحُرمِكم، وقالوا: قد عظَّموا من الحِلِّ مثلَ ما عظَّموا من الحَرَمِ.
فتَرَكوا الوقوفَ على عَرفةَ والإفاضةَ منها، وهم يعرِفون ويُقِرُّون أنها من المشاعِرِ والحَجِّ ودينِ إبراهيمَ، ويَرون لسائرِ العرب (٣) أن يَقِفوا عليها وأن يُفِيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهلُ الحرَمِ، فليس ينبغي لنا أن نخرُجَ من الحُرْمةِ، ولا نُعظِّمَ غيرَها كما نُعظِّمُها نحن الحُمْسَ - والحُمْسُ أهلُ الحرَمِ - ثم جعَلوا لمَن ولَدوا من العربِ من ساكِني الحِلِّ مثلَ الذي لهم بولادتِهم إياهم، فيَحِلُّ لهم ما يَحِلُّ لهم، ويَحْرُمُ عليهم ما يَحْرُمُ عليهم، وكانت كِنانةُ وخُزاعةُ قد دخلوا معهم في ذلك.
ثم ابتَدعوا في ذلك أمورًا لم تكنْ، حتى قالوا: لا ينبغي للحُمْسِ أن يَأْتَقِطُوا (١) الأقِطَ، ولا يَسلَئُوا السَّمْنَ وهم حُرُمٌ، ولا يَدخُلوا بيتًا من شَعَرٍ، ولا يستَظِلُّوا إن استظلُّوا إلا في بيوتِ الأدَمِ ما كانوا حُرُمًا (٢).
ثم رفَعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهلِ الحِلِّ أن يأكُلوا من طعامٍ جاءوا به معهم من الحِلِّ في الحَرَمِ، إذا جاءوا حُجَّاجًا أو عُمَّارًا، ولا يطوفوا بالبيتِ إذا قدِموا أوَّلَ طوافِهم إلا في ثيابِ الحُمْسِ، فإن لم يَجِدوا منها شيئًا طافوا بالبيتِ عُراةً.
فحمَلوا على ذلك العربَ فدانَت به، وأخَذوا بما شرَعوا لهم من ذلك، فكانوا على ذلك حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فأنزَل اللَّهُ حينَ أحكَم له دينَه، وشرَع له حَجَّتَه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
يعني قريشًا، والناسُ العربُ، فرفَعهم في سُنَّةِ الحَجِّ إلى عرفاتٍ والوقوفِ عليها والإفاضةِ منها، فوضَع اللَّهُ أمرَ الحُمْسِ، وما كانت قريشٌ ابتَدعَت منه عن الناسِ بالإسلامِ حينَ بعَث اللَّهُ رسولَه ﷺ (٣).
حدَّثنا بحرُ بنُ نصرٍ الخَوْلانيُّ (٤)، قال: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَنا أبنُ أبي الزنادِ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشة [أنها قالت] (٥): كانت قريشٌ تَقِفُ بقُزَحَ، وكان الناسُ يَقِفون بعَرفةَ.
قالت: فأنزَل اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ (١).
وقال آخرون: المخاطبون بقولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ المسلمون كلُّهم، والمَعْنِيُّ بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ مِن جَمْعٍ، وبالناسِ إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ ﵇.
ذكرُ منَ قال ذلك حُدِّثتُ عن القاسمِ بنِ سلَّامٍ، قال: ثنا مروانُ (٢) بنُ معاويةَ الفَزاريُّ، عن أبي بِسْطامَ، عن الضَّحاكِ، قال: هو إبراهيمُ (٣).
قال أبو جعفرٍ: والذي نراه صَوابًا في تأويلِ هذه الآيةِ [التأويلُ الذي رُوِي عن عائشةَ وابنِ عباسٍ] (٤)، أنه عُنِي بهذه الآيةِ قريشٌ ومَن كان مُتَحَمِّسًا معها من سائرِ العربِ؛ لإجماعِ الحُجَّةِ من أهلِ التأويلِ على أن ذلك تأويلُه.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: فمَن فرَض فيهن الحَجَّ فلا رَفَثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالَ في الحَجِّ، ثم أفِيضوا من حيثُ أفاض الناسُ، واستغفِروا اللَّهَ إن اللَّهَ غفورٌ رحيمٌ، وما تَفعَلوا من خيرٍ يعلَمْه اللَّهُ.
وهذا إذ كان ما وصَفْنا تأويلَه، فهو مِن المُقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، والمؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ، على نحوِ ما تقدَّم بيانُناه في مثلِه، ولولا إجماعُ مَن (٥) وصَفتُ إجماعَه على أن ذلك تأويلُه، لقلتُ: أولى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ ما قاله الضَّحاكُ، من أن اللَّهَ عنَى بقولِه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾: من حيثُ أفاض إبراهيمُ؛ لأن الإفاضةَ من عرفاتٍ لا شَكَّ أنها قبلَ الإفاضةِ من جَمْعٍ، وقبلَ وجوبِ الذِّكْرِ عندَ المشعرِ الحرامِ.
وإذ كان ذلك لا شكَّ كذلك، وكان اللَّهُ ﷿ إنما أمَر بالإفاضةِ من الموضعِ الذي أفاض منه الناسُ بعدَ انقضاءِ ذِكْرِ الإفاضةِ من عرفاتٍ، وبعدَ أمْرِه بذكرِه عندَ المشعرِ الحرامِ [بقولِه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾] (١).
ثم قال بعدَ ذلك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ - كان معلومًا بذلك أنه لم يأمُرْ بالإفاضةِ إلا من الموضعِ الذي لم يُفِيضوا منه دونَ الموضعِ الذي قد أفاضوا منه، إذ (٢) كان الموضعُ الذي قد أفاضوا منه، فانقضَى وقتُ الإفاضةِ منه، لا وجهَ لأنْ يقالَ: أفِضْ منه.
فإذ كان لا وجهَ لذلك، وكان غيرُ جائزٍ أن يأمُرَ اللَّهُ - جل وعز - بأمرٍ لا معنى له، كانت بيِّنةً صحةُ ما قاله من التأويلِ في ذلك، وفسادُ ما خالَفه، لولا الإجماعُ الذي وصَفناه، وتظاهرُ الأخبارِ بالذي ذكَرنا عمن حكَينا قولَه من أهلِ التأويلِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يجوزُ أن يكونَ ذلك معناه، والناسُ جماعةٌ، وإبراهيمُ واحدٌ، واللَّهُ تعالى ذكرُ يقولُ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾؟
قيل: إن العربَ تفعَلُ ذلك كثيرًا، فَتدُلُّ بذكرِ الجماعةِ على الواحدِ [وبذكرِ الواحدِ على الجماعةِ] (٣)، ومن ذلك قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
والذي قال ذلك واحدٌ، وهو - فيما تظاهَرَت به الروايةُ من أهلِ السِّيَرِ - نُعَيمُ بنُ مسعودٍ الأشجعيُّ.
ومنه قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١].
قيل: عُنِي بذلك النبيُّ ﷺ.
ونظائرُ ذلك في كلامِ العربِ أكثرُ مِن أن تُحْصَى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾.
يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا أفَضْتُم من عَرَفاتٍ مُنصرِفِين إلى مِنًى، فاذْكُروا اللهَ عندَ المشْعَرِ الحرامِ، وادعوه واعبُدوه عندَه، كما ذكَركم بهدايتِه، فوفَّقكم لِما ارتَضَى لخليلِه إبراهيمَ، فهَداه له من شريعةِ دينهِ بعدَ أن كنتم ضُلَّالًا عنه.
وفي ﴿ثُمَّ﴾ في قولِه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ من التأويلِ وجهان: أحدُهما: ما قاله الضحاكُ من أن معناه: ثم أفيضوا فانصرِفوا راجِعين إلى مِنًى من حيثُ أفاض إبراهيمُ خليلي من المشعَرِ الحرامِ، وسَلوني المغفرةَ لذنوبِكم؛ فإني لها غفورٌ، وبكم رحيمٌ.
كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ سيفٍ العجليُّ، قال: ثنا عبدُ القاهرِ بنُ السِّرِيِّ السُّلَمِيُّ، قال: حدَّثني ابنٌ لكِنانةَ (١) - ويُكْنَى أبا كِنانةَ - عن أبيه، عن العباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمِيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "دعَوتُ اللَّهَ يومَ عَرَفةَ أن يَغْفِرَ لأمَّتي ذنوبَها، فأجابَني: إني (٢) قد غَفَرتُ، إلا ذنوبَها بينَها وبينَ خَلْقي.
فأعَدتُ الدعاءَ يومَئذٍ، فلم أُجَبْ بشيءٍ، فلما كان غداةَ المُزْدَلفةِ قلتُ: يا ربِّ، إنك قادرٌ أن تُعَوِّضَ هذا المظلومَ مِن ظُلامتِه، وتَغْفِرَ لهذا الظَّالمِ.
فأجابني: إني (٢) قد غفرتُ".
قال: فضحِك رسولُ اللَّهِ ﷺ.
قال: فقلنا: يا رسولَ اللَّهِ، رأيناك تضحَكُ في يومٍ لم تَكُنْ تضحَكُ فيه.
قال: "ضحِكتُ مِن عدوِّ اللَّهِ إبليسَ لمَّا سمِع بما سمِع، أهوى (١) يَدْعُو بالوَيلِ والثُّبورِ، ويَضَعُ الترابَ على رأسِه" (٢).
حدَّثني مسلمُ بنُ حاتمٍ الأنصاريُّ، قال: ثنا بَشَّارُ بنُ بُكَيرٍ الحنفيُّ، قال (٣): ثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي رَوَّادٍ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: خطَبَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ عَشيَّةَ عَرفةَ، فقال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقَبِل مِن مُحْسِنِكم، وأعطَى مُحْسِنَكم ما سأل، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم إلا التَّبِعاتِ فيما بينَكم، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ".
فلما كان غداةَ جَمْعٍ قال: "أيُّها الناسُ، إن اللَّهَ قد تَطَوَّلَ عليكم في مَقامِكم هذا، فقبِل من مُحسِنِكم، ووَهَب مُسِيئَكم لمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ بينَكم عَوَّضها من عندِه، أفِيضوا على اسمِ اللَّهِ".
فقال أصحابُه: يا رسولَ اللَّهِ، أفَضتَ بنا بالأمسِ كئيبًا حزينًا، وأفَضتَ بنا اليومَ فَرِحًا مسرورًا.
قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إني سألتُ ربِّي بالأمسِ شيئًا لم يَجُدْ لي به؛ سألتُه التَّبِعاتِ فأبَى عليَّ، فلمَّا كان اليومُ أتاني جبريلُ، وقال: إن ربَّك [يَقْرأُ عليك] (٤) السلامَ، ويقولُ: التَّبِعاتُ ضَمِنتُ عِوَضَها من عندي" (١).
فقد بيَّن هذان الخبران أن غفرانَ اللَّهِ التَّبِعاتِ التي بينَ خلقِه فيما بينَهم، إنما هو غداةَ جَمْعٍ، وذلك في الوقتِ الذي قال جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾.
لذنوبِكم؛ فإنه غفورٌ لها حينَئذٍ، تَفَضُّلًا منه عليكم، رحيمٌ بكم.
والآخرُ منهما: ثم أفِيضوا من عَرفةَ إلى المشعَرِ الحرامِ، فإذا أفَضْتم إليه منها، فاذكُروا اللَّهَ عندَه كما هداكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
يعني جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾: فإذا فرَغتم من حَجِّكم، فذبَحتم نَسائِكَكم فاذْكُروا اللهَ.
يقالُ منه: نَسَك الرجلُ يَنْسُكُ نُسْكًا ونُسُكًا ونَسِيكةً ومَنْسَكًا.
إذا ذبَح نُسُكَه.
والمَنْسِكُ اسمٌ مثلُ المشرقِ والمغربِ.
فأما النُّسْكُ في الدِّينِ، فإنه يقالُ منه: ما كان الرجلُ نَاسِكًا، ولقد نَسَك ونَسُك نَسْكًا ونِسْكًا ونَساكةً.
وذلك إذا تَقَرَّأ (٢).
وبمثلِ الذي قلنا في معنى المناسكِ في هذا الموضعِ قال مجاهدٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثني أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.
قال: إِهْراقَةُ الدِّماءِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأما قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في صفةِ ذكْرِ القومِ آباءَهم الذين أَمَرهم اللَّهُ أن يجعَلوا ذكْرَهم إياه كذكرِهم إياهم (٢) أو أشدَّ ذكرًا؛ فقال بعضُهم: كان القومُ في جاهليتِهم بعدَ فراغِهم من حَجِّهم ومناسكِهم يجتَمعون فيتَفاخَرون بمآثرِ آبائِهم، فأمَرهم اللَّهُ في الإسلامِ أن يكونَ ذكْرُهم بالثناءِ والشكرِ والتعظيمِ لربِّهم دونَ غيرِه، وأن يُلْزِموا أنفسَهم من الإكثارِ من ذكرِه نظيرَ ما كانوا ألزَموا أنفسَهم في جاهليتِهم من ذكرِ آبائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ يوسفَ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ في هذه الآيةِ، قال: كانوا يذكُرون آباءَهم في الحَجِّ، فيقولُ بعضُهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ.
ويقولُ بعضُهم: كان أبي يَضرِبُ بالسيفِ.
ويقولُ بعضهم: كان أبي جَزَّ نواصِيَ بني فلانٍ (٣).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ العزيزِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يقولون: كان آباؤُنا ينحَرون الجُزُرَ، ويفعَلون كذا.
قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال: كان أهلُ الجاهليةِ يذكُرون فَعَالَ آبائِهم (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ إذا فرَغوا من الحَجِّ قاموا عندَ البيتِ، فيذكُرون آباءَهم وأيامَهم: كان أبي يُطْعِمُ الطعامَ، وكان أبي يفعَلُ.
فذلك قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟
قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَني حجاجٌ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجَمرةِ، فذكَروا آباءَهم، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم.
قال: فنزَلت هذه الآيةُ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم وقَفوا عندَ الجمرةِ، وذكَروا أيامَهم في الجاهليةِ وفَعالَ آبائِهم.
قال: فنزلت هذه الآيةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال: تفَاخَرَت العربُ بينَها بفعلِ آبائِها يومَ النحرِ حينَ فرَغوا، فأُمرُوا بذكْرِ اللَّهِ مكانَ ذلك (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال قتادةُ: كان أهلُ الجاهليةِ إذا قَضَوا مناسكَهم بمِنًى قعَدوا حِلَقًا، فذكَروا صنيعَ آبائِهم في الجاهليةِ وفَعالَهم، به يخطُبُ خطيبُهم، ويُحدِّثُ محدِّثُهم، فأمَر اللَّهُ ﷿ المسلمين أن يذكُروا اللَّهَ كذكرِ أهلِ الجاهليةِ آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال: كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم اجتمَعوا فافتَخروا وذكَروا آباءَهم وأيامَها، فأُمِروا أن يجعَلوا مكانَ ذلك ذكْرَ اللَّهِ، يذكُرونه كذكرِهم آباءَهم أو أشدَّ ذكرًا (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ وعِكْرمةَ، قالا: كانوا يذكُرون فعلَ آبائِهم في الجاهليةِ إذا وقَفوا بعَرفةَ، فنزلَت هذه الآيةُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (٢)، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ذلك يومَ النحرِ حينَ ينحَرون.
قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال: كانت العربُ يومَ النحرِ حينَ يفرُغون يَتفاخَرونَ بفَعَالِ آبائِها، فأُمِروا بذكرِ اللَّهِ ﷿ مكانَ ذلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فاذكُروا اللَّهَ كذكرِ الأبناءِ والصِّبيانِ الآباءَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عثمانَ بنِ أبي رَوَّادٍ، عن عطاءٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
قال: هو قولُ الصبيِّ: [يا أباه] (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو (٤) زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني بالذِّكْرِ ذكرَ الأبناءِ الآباءَ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال لي عطاءٌ: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: أبَهْ أُمَّهْ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا صالحُ بنُ عمرَ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كالصبيِّ يَلْهَجُ [بأبيه وأمِّه] (٢).
حدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
يقولُ: كذكرِ الأبناءِ الآباءَ أو أشدَّ ذِكْرًا (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
يقولُ: كما يذكُرُ الأبناءُ الآباءَ (٤).
حدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾: يعني ذكْرَ الأبناءِ الآباءَ.
وقال آخرون: بل قيل لهم: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾.
لأنهم كانوا إذا قَضَوا مناسكَهم فدَعَوا ربَّهم، لم يذكُروا غيرَ آبائِهم، فأُمِروا من ذكرِ اللَّهِ نظيرَ ذكْرِ آبائِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال: كانت العربُ إذا قضَت مناسكَها وأقاموا بمِنًى، يقومُ الرجلُ فيسألُ اللَّهَ ويقولُ: اللهمَّ إن أبي كان عظيمَ الجَفْنةِ، عظيمَ القُبَّةِ، كثيرَ المالِ، فأعطِني مثلَ ما أعطيتَ أبي.
ليس يذكُرُ اللَّهَ، إنما يذكُرُ آباءَه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (١).
والصوابُ من القولِ عندي في تأويلِ ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤه أمَر عبادَه المؤمنين بذكرِه بالطاعةِ له و (٢) الخضوعِ لأمرِه والعبادةِ له بعدَ قضاءِ مناسكِهم، وذلك الذكرُ جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي أمَر به جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
الذي أوجَبه على مَن قضَى نُسُكَه بعدَ قضائِه نُسُكَه، فألزَمه حينَئذٍ مِن ذكْرِه ما لم يكنْ له لازمًا قبلَ ذلك، وحَثَّ على المحافظةِ عليه محافظةَ الأبناءِ على ذكرِ الآباءِ في الإكثارِ منه، بالاستكانةِ له، والتَّضَرُّعِ إليه بالرغبةِ منهم إليه في حوائجِهم، تَضَرُّعَ الولدِ لوالدَيه، والصبيِّ لأمِّه وأبيه، أو أشدَّ من ذلك، إذ كان ما كان بهم وبآبائِهم مِن نعمةٍ فمنه، وهو وَلِيُّه.
وإنما قلنا: الذِّكْرُ الذي أمَر اللَّهُ جل ثناؤه به الحاجَّ بعدَ قضاءِ مناسكِه بقولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
جائزٌ أن يكونَ هو التكبيرَ الذي وصَفنا؛ من أجلِ أنه لا ذكرَ للَّهِ أمَر العبادَ به بعدَ قَضاءِ مناسكِهم لم يكنْ عليهم من فرضِه قبلَ قضائِهم مناسكَهم، سوى التكبيرِ الذي خصَّ اللَّهُ به أيامَ مِنًى.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أنه جل ثناؤه قد أوجَب على خلقِه بعدَ قضائِهم مناسكَهم من ذكرِه ما لم يكنْ واجبًا عليهم قبلَ ذلك، وكان لا شيءَ من ذكرِه خَصَّ به ذلك الوقتَ سوى التكبيرِ الذي ذكَرناه، كانت بَيِّنةً صحةُ ما قلنا في تأويلِ ذلك على ما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾.
يعني جل ثناؤه بذلك: فإذا قَضَيتُم مناسِكَكم أيها المؤمنون، فاذْكُروا اللهَ كذِكْرِكم آباءَكم أو أشدَّ ذكرًا، وارغَبوا إليه فيما لديه من خيراتِ الدنيا والآخرةِ بابتهالٍ وَتَمَسْكُنٍ، واجعَلوا أعمالَكم لوجهِه خالصًا ولطلبِ مرضاتِه، وقولوا: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ.
ولا تكونوا كمَن اشترى الحياةَ الدنيا بالآخرةِ، فكانت أعمالُهم للدنيا وزينتِها، فلا يسألون ربَّهم إلا متاعًا (١)، ولا حظَّ لهم في ثوابِ اللَّهِ، ولا نصيبَ لهم في جِنانِه وكريمِ ما أعدَّ لأوليائِه.
كما قال في ذلك أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾: هَبْ لنا غَنَمًا، هَبْ لنا إبلًا، ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: كانوا في الجاهليةِ يقولون: هَبْ لنا غَنَمًا (٢).
ثم ذكَر مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ عياشٍ يقولُ (٣) في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: كانوا - يعني أهلَ الجاهليةِ - يقِفُون - يعني بعدَ قضاءِ مناسكِهم - فيقولون: اللهمَّ ارزقْنا إبلًا، اللهمَّ ارزقْنا غَنمًا.
فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال أبو كُرَيبٍ: قلتُ ليحيى بنِ آدمَ: عمَّن هو؟
قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ (٤).
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنْتصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن القاسمِ بنِ عثمانَ، عن أنسٍ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً فيَدْعُون فيقولون: اللهمَّ اسقِنا المطرَ، وأعطِنا على عدوِّنا الظَّفَرَ، ورُدَّنا صالحِين إلى صالحِين (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حَدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾: نصرًا ورزقًا، ولا يَسألون لآخرتِهم شيئًا (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نوَى الدنيا؛ لها عمِل ولها نَصِب (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال: كانت العربُ إذا قَضَت مناسكَها وأقامت بمِنًى، لا يذكُرُ اللَّهَ الرجلُ منهم، إنما يذكُرُ أباه، ويسألُ أن يُعْطَى في الدنيا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾.
قال: كانوا أصنافًا ثلاثةً في تلك المواطنِ يومَئذٍ؛ رسولُ اللَّهِ ﷺ، وأهلُ الكفرِ، وأهلُ النفاقِ، فمِن الناسِ مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يريدون الآخرةَ ولا يؤمنون بها، ومنهم مَن يقولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية.
قال: والصنفُ الثالثُ وهو: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية (٤).
وأما معنى "الخَلَاقِ" فقد بيَّناه في غيرِ هذا الموضعِ، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في تأويلِه، والصحيحَ لَدينا من معناه بالشواهدِ من الأدلةِ، وأنه النصيبُ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الحسنةِ" التي ذكَر اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: يعني بذلك: ومِن الناسِ مَن يقولُ: ربَّنا أَعْطِنا عافيةً في الدنيا، وعافيةً في الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾.
قال: في الدنيا عافيةً، وفي الآخرةِ عافيةً.
قال قتادةُ: وقال رجلٌ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبِي به في الآخرةِ فعجِّلْه لي في الدنيا.
فمَرِض مرضًا شديدًا (٢)، حتى أَضْنَى على فراشِه، فذُكِر للنبيِّ ﷺ شأنُه، فأتاه النبيُّ ﷺ، فقيل له: إنه دعا بكذا وكذا.
فقال النبيُّ ﷺ: "إنَّه لا طاقةَ لأحدٍ بعُقُوبةِ اللَّهِ، ولكن قُلْ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ".
قال (٢): فقالها، فما لَبِث إلا أيامًا أو يسيرًا حتى بَرَأ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سعيدُ بنُ الحكمِ، قال: أخبرَنا يحيى بنُ أيوبَ، قال: ثنى حُميدٌ، قال: سمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: عاد رسولُ اللَّهِ ﷺ رجلًا قد صار مثلَ الفَرْخِ المَنْتوفِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هل كنتَ تَدعُو اللَّهَ بشيءٍ، أو تَسألُ اللَّهَ شيئًا؟
".
قال: قلتُ: اللهمَّ ما كنتَ مُعاقِبي به في الآخرةِ فعاقِبْني به في الدنيا.
قال: "سبحانَ اللَّهِ!
هل يَستطيعُ ذلك أحدٌ أو يُطيقُه، فهَلَّا قُلْتَ: اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ؟
" (١).
وقال آخرون: بل عَنَى اللَّهُ بالحسنةِ في هذا الموضعِ؛ في الدنيا العلمَ والعبادةَ، وفي الآخرةِ الجنةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عَبّادٌ، عن هشامِ بنِ حسانَ، عن الحسنِ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾.
قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنةُ (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
قال: العبادةُ في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ واقدٍ العطّارُ، قال: ثنا عبّادُ بنُ العوَّامِ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾.
قال: الحسنةُ في الدنيا الفهمُ في كتابِ اللَّهِ والعلمُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يقولُ في (١) هذه الآيةِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾.
قال: الحسنةُ في الدنيا العلمُ والرزقُ الطيّبُ، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: الجنةُ (٢).
وقال آخرون: الحسنةُ في الدنيا المالُ، وفي الآخرةِ الجنةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
قال: فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمنون (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: هؤلاء المؤمنون، أما حسنةُ الدنيا فالمالُ، وأما حسنةُ الآخرةِ فالجنةُ (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤُه أخبَر عن قومٍ من أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، ممن حجَّ بيتَه، أنهم (٢) يَسألُون ربَّهم الحسنةَ في الدنيا، والحسنةَ في الآخرةِ، وأن يَقِيَهم عذابَ النارِ.
وقد تَجْمَعُ الحسنةُ من اللَّهِ ﷿ العافيةَ في الجسمِ والمعاشِ والرزقِ، وغيرِ ذلك، والعلمَ والعبادةَ.
وأما في الآخرةِ فلا شكَّ أنها الجنةُ؛ لأن مَن لم يَنَلْها يومَئذٍ، فقد حُرِم جميعَ الحسناتِ، وفارَقَ جميعَ معانِي العافيةِ.
وإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللَّهَ ﷿ لم يَخْصُصْ بقولِه مُخْبِرًا عن قائلِ ذلك من معاني الحسنةِ شيئًا، ولا نَصَب على خصُوصِه دَلالةً دالَّةً على أن المرادَ من ذلك بعضٌ دونَ بعضٍ، فالواجبُ من القولِ فيه ما قلنا، من أنه لا يجوزُ أن يُخَصَّ من معاني ذلك شيءٌ، وأن يُحْكَمَ له (٣) بعمومِه على ما عمَّه اللَّهُ.
وأما قولُه: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
فإنه يَعني بذلك: اصْرِفْ عنّا عذابَ النارِ.
يقالُ منه: وَقَيْتُه كذا أَقِيه وِقايةً ووَقايةً (٤)، ووِقاءً ممدودًا.
ورُبَّما قالوا: وقَاك اللَّهُ وَقْيًا.
إذا دافعتَ عنه أذًى أو مكروهًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾.
الذين يقولون بعدَ قضاءِ مَناسِكِهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
رغبةً منهم إلى اللَّهِ جل ثناؤُه فيما عندَه، وعِلمًا منهم بأن الخيرَ كلَّه من عندِه، وأن الفضلَ بيدِه يُؤْتِيه مَن يشاءُ.
فأَعْلَمَ جل ثناؤُه أن لهم نصيبًا وحظًّا من حَجِّهم ومناسِكِهم، وثوابًا جزيلًا على عملِهم الذي كسَبوه وباشَرُوا معاناتِه بأموالِهم (١) وأنفسِهم، خاصًّا ذلك لهم دونَ الفريقِ الآخرِ الذين عانَوْا ما عانَوْا من نَصَبِ أعمالِهم وتَعَبِها، وتكَلَّفوا ما تَكَلَّفوا من أسفارِهم بغيرِ (٢) رغبةٍ منهم فيما عندَ ربِّهم من الأجرِ والثوابِ، ولكن رجاءَ خَسِيسٍ من عَرَضِ الدنيا، وابتغاءَ عاجلِ حُطامِها.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: فهذا عبدٌ نَوَى الدنيا، لها عَمِلَ ولها نَصِب.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا﴾.
أي: حظٌّ من أعمالِهم (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾: إنما حَجُّوا للدنيا والمسألةِ، لا يُريدُون الآخرةَ ولا يُؤمِنون بها.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
قال: فهؤلاء النبيُّ ﷺ والمؤمِنون.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾: لهؤلاء الأجرُ بما عَمِلوا في الدنيا.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
فإنه يَعني جل ثناؤُه أنه مُحيطٌ بعملِ الفريقَيْن كلَيْهما اللذَيْن مِن مسألةِ أحدِهما: ربَّنا آتِنا في الدنيا.
ومن مسألةِ الآخَرِ: ربَّنا آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرةِ حسنةً، وقِنا عذابَ النارِ.
فمُحْصٍ له بأسرعِ الحسابِ، ثم إنه مُجازٍ كلا الفريقَيْن على عملِه.
وإنما وصَف جل ثناؤُه نفسَه بسرعةِ الحسابِ؛ لأنه جل ذكرُه يُحْصِي ما يُحْصِي من أعمالِ عبادِه بغيرِ عقدِ أصابعَ ولا فكرٍ ولا رَوِيّةٍ، فِعْلَ العَجَزةِ الضَّعَفةِ من الخلقِ، ولكنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كلِّ ذلك، فلذلك امْتَدَح بسرعةِ الحسابِ، وأخْبَرَ خَلْقَه أنه ليس لهم بمثلٍ فيَحتاجَ في حسابِه إلى عقدِ كفٍّ أو وَعْيِ صَدْرٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
يعني جل ثناؤُه: اذكُرُوا اللَّهَ بالتوحيدِ والتعظيمِ في أيامٍ مَحْصِيّاتٍ، وهُنَّ أيامُ رَمْيِ الجِمارِ، أمَر عبادَه يومئذٍ بالتكبيرِ أدبارَ الصلَواتِ، وعندَ الرَّمْيِ مع كلِّ حصاةٍ من حَصَى الجِمارِ يُرْمى بها جَمْرةٌ من الجِمارِ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال: أيامُ التشريقِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ نافعٍ البصريُّ، قال: أخبرنا غُنْدَرٌ، قال: أخبرنا شعبةُ، عن هُشَيمٍ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني بالأيامِ المعدوداتِ أيامَ التشريقِ، وهي ثلاثةُ أيامٍ بعدَ النَّحْرِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مَخْلَدٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن ابنِ عباسٍ سمِعه يومَ الصَّدَرِ بعدَما صدَر يُكَبِّرُ في المسجدِ، ويَتَأَوَّلُ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: يعني أيامَ التَّشْريقِ.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ السُّكَّريُّ، قال: أخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن أبي إسحاقَ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال: هي أيامُ التَّشْريقِ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن طَلْحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ، مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال: أيامُ التشريقِ بمنًى.
حدَّثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، قالا: هي أيامُ التشريقِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مَنْصورٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: الأيامُ المعْدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا يونُسُ، عن الحسنِ، قال: الأيامُ المعدوداتُ الأيامُ بعدَ النَّحْرِ (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سأَلْتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ، فقال: أيامُ التَّشْريقِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها أيامُ التَّشْريقِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال: هي أيامُ التشريقِ (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما الأيامُ المعدوداتُ فهي أيامُ التشريقِ (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٥).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، قال: الأيامُ المعدوداتُ ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يومِ النحرِ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال: أيامُ التشريقِ الثلاثةُ (٢).
حدَّثني ابنُ البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلَمةَ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن الأيامِ المعدوداتِ والأيامِ المعلوماتِ، فقال: الأيامُ المعدوداتُ أيامُ التَّشْريقِ، والأيامُ المعلوماتُ يومُ عرَفةَ، ويومُ النحرِ، وأيامُ التَّشْريقِ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وإنما قلْنا: إن الأيامَ المعدوداتِ هي أيامُ مِنًى، وأيامُ رَمْيِ الجِمارِ؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه كان يقولُ فيها: إنها أيامُ ذِكْرِ اللَّهِ.
ذكرُ بعضِ الأخبارِ التي رُوِيَتْ بذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وخَلّادُ بن أَسلمَ، قالا (٤): ثنا هُشَيمٌ، عن عمرَ بنِ أبي سلَمةَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "أيامُ التَّشْريقِ أيامُ طُعْمٍ وذِكْرٍ" (٥).
حدَّثنا خَلَّادٌ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا صالحٌ، قال: ثنى ابنُ شِهابٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ يطوفُ في مِنًى: "لا تَصُومُوا هذه الأيامَ؛ فإنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ" (١).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، قالا (٢) جميعًا: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي المَلِيحِ، عن نُبَيْشةَ (٣)، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "إنَّ هذه الأيامَ أيّامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ" (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيم، عن ابنِ أبي ليلَى، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: نَهَى رسولُ اللَّهِ ﷺ عن صومِ أيّامِ التشريقِ، وقال: "هي أيّامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرِ اللَّهِ" (٥).
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبي سليمانَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ بعَث بشرَ بنَ سُحَيْمٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنَّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وَشُربٍ وذكرِ اللَّهِ" (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن سفيانَ بنِ حسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: بعث رسولُ اللَّهِ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ حُذافةَ بنِ قيسٍ، فنادَى في أيامِ التشريقِ، فقال: "إنّ هذه الأيامَ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ، إلّا مَن كان عليه صَوْمٌ مِنْ هَدْيٍ" (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن حَكيمِ بنِ حَكيمٍ، عن مسعودِ بنِ الحكمِ الزُّرَقِيِّ، عن أمِّه، قالت: لَكأنِّي أَنظُرُ إلى عليٍّ، على بغلةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ البيضاءِ حينَ وقَف على شِعْبِ الأنصارِ وهو يقولُ: "أيُّها الناسُ، إنَّها ليستْ بأيامِ صيامٍ، إنَّما هي أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ" (٣).
فإن قال قائلٌ: إن النبيَّ ﷺ إذ قال في أيامِ مِنًى: "إنها أيامُ أكْلٍ وشُربٍ وذِكْرِ اللَّهِ".
لم يُخْبِرْ أُمّتَه أنها الأيامُ المعدوداتُ التي ذكَرها اللَّهُ في كتابِه، فما تُنْكِرُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ عَنَى بقولِه: "وذكرِ اللَّهِ" (١).
الأيامَ المعلوماتِ؟
قيل: غيرُ جائزٍ أن يكونَ عَنَى اللَّهُ ذلك؛ لأن اللَّهَ لم يكنْ يُوجبُ في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه فيها ما أَوْجب في الأيامِ المعدوداتِ، وإنما وصَف المعلوماتِ جل ذكرُه بأنها أيامٌ يُذْكَرُ فيها اسمُ اللَّهِ على بهائمِ الأنعامِ، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨].
فلم يُوجب في الأيامِ المعلوماتِ مِن ذِكْرِه كالذي أَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ مِن ذِكْرِه، بل أَخبَر أنها أيامُ ذكرِه على بهائمِ الأنعامِ، فكان معلومًا - إذ قال ﷺ لأيامِ التشريقِ: "إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ".
فَأَخرَج قولَه: "وذكرِ اللَّهِ".
مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ ولا إضافةٍ إلى أنه الذكرُ على بهائمِ الأنعامِ - أنه عَنَى بذلك الذكرَ الذي ذكَره اللَّهُ في كتابِه، فأَوْجَبه على عبادِه مُطْلَقًا بغيرِ شرطٍ، ولا إضافةٍ إلى معنًى في الأيامِ المعدوداتِ، وأنه لو كان أرادَ بذلك ﷺ وَصْفَ الأيامِ المعلوماتِ به، لوَصَل قولَه: "وذكرٍ".
إلى أنه ذِكْرُ اسمِ (٢) اللَّهِ على ما رزَقنا من بهائمِ الأنعامِ، كالذي وصَفَ اللَّهُ به ذلك، ولكنه أَطلَقَ ذلك باسمِ الذكْرِ من غيرِ وَصْلِه بشيءٍ، كالذي أَطْلَقه ﵎ باسمِ الذكرِ، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
فكان ذلك من أوضحِ الدليلِ على أنه عَنَى بذلك ما ذكَره اللَّهُ في كتابِه وأَوْجَبه في الأيامِ المعدوداتِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فمن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيام التَّشْريقِ، فَنَفَر في اليومِ الثاني، فلا إِثْمَ عليه في نَفْرِه وتَعَجُّلِه في النَّفْرِ، ومن تأخَّر عن النَّفْرِ في اليومِ الثاني مِن أيامِ التَّشْريقِ إلى اليومِ الثالثِ حتى يَنْفِرَ في اليومِ الثالثِ، فلا إثْمَ عليه في تأخُّرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرِيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ (١)، عن عطاءٍ، قال: لا إثمَ عليه في تعجيلِه، ولا إثمَ عليه في تأخيرِه (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عن الحسنِ مثلَه (٣).
حدثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن عكرمةَ مثلَه (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: يوم النَّفْرِ ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا حرَجَ عليه ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: أمّا ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ﴾.
يقولُ: مَن نَفَر في يومَيْن فلا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر فنَفَر في الثالثِ فلا جُناحَ عليه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
أي: من أيامِ التشريقِ فلا إثمَ عليه، ومَن أَدركَه الليلُ بمِنًى من اليومِ الثاني من قبلِ أن يَنْفِرَ، فلا نَفْرَ له حتى تزولَ الشمسُ من الغدِ، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: مَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: رخَّص اللَّهُ في أن يَنْفِرُوا في يومَيْن منها إن شاءوا، ومَن تأخَّر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: في تَعْجِيلِه (٣).
حدَّثنا هَنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: لا إثمَ (٤) على مَن تَعَجَّل، ولا إثمَ على مَن تأخَّر.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: هذا في التعجيلِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ وإسرائيلُ، عن زيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عمرَ يقولُ: حلَّ النَّفْرُ في يومَيْن لمن اتَّقَى (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن ابنِ أبي ليلَى، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تعجيلِه (٢)، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخيرِه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أَلِلْمَكِّيِّ أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأولِ؟
قال: نعم، قال اللَّهُ ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.
فهي للناسِ أجمعين (٤).
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: ليس عليه إثمٌ.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾: بعدَ يومِ النَّحْرِ، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: مَن نفَر مِن مِنًى في يومَيْن بعدَ النَّحْرِ فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (١): فلا حرَجَ عليه (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
في تَعَجُّلِه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: في تأخُّرِه.
وقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن فهو مغفورٌ له لا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فكذلك (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن ثُوَيرٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: ليس عليه إثمٌ.
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ (٤)، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي: غُفِر له، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: غُفِر له (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ نحوَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، جميعًا عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: قد غُفِر له.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن سفيانَ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: قد غُفِر له (١).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حَمّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: بَرِئَ من الإثمِ.
حدَّثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن الحسنِ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: رجَع مغفورًا له (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابنُ عُلَيّةَ، عن لَيثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: قد غُفِر له (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن أبي عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: قد غُفِر له، إنهم يَتأوَّلُونها على غيرِ تأويلِها، إن العُمرةَ لَتُكَفِّرُ ما معها من الذنوبِ، فكيف بالحجِّ (٢)؟
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي حَصينٍ، عن إبراهيمَ وعامرٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قالا: غُفِر له (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: ثنى مَن أصدِّقُه، عن ابنِ مسعودٍ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: خرَج من الإثْمِ كلِّه.
﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: بَرِئَ من الإثمِ كلِّه، وذلك في الصَّدَرِ عن الحجِّ.
قال ابنُ جريجٍ: وسَمِعْتُ رجلًا يُحدِّثُ (٤) عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، أنه قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: غُفِر له ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: غُفِر له (٥).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا [أسودُ بنُ سَوادةَ] (٦) القَطّانُ، قال: سمِعتُ معاويةَ بنَ قُرَّةَ قال: خرَج مِن ذنوبِه (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن فلا إثمَ عليه، ومَن تأخَّر فلا إثمَ عليه فيما بينه وبين السَّنةِ التي بعدَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسحاقُ (٢) بنُ يحيى بنِ طلحةَ، قال: سألتُ مجاهدًا عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: لمَن في الحجِّ، ليس عليه إثمٌ حتى الحجِّ من عامِ قابلٍ (٣).
وقال آخرون: بل معناه: فلا إثمَ عليه إن اتَّقَى اللَّهَ فيما بَقِيَ من عُمُرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: ذهَب إثمُه كلُّه إن اتَّقَى فيما بَقِيَ (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ مثلَه.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
قال: لمن اتَّقَى، بشرطٍ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا جُناحَ عليه، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلا جُناحَ عليه لمن اتَّقَى.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: وَدِدْتُ أنِّي من هؤلاء ممن يُصيبُه اسمُ التَّقْوَى.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: هي في مصحفِ عبدِ اللَّهِ: (لمَن اتَّقَى اللهَ) (١).
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه.
يقولُ: لمن (٢) اتَّقَى معاصيَ اللَّهِ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمَن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ التَّشْريقِ فلا إثمَ عليه.
أي: فلا حَرَجَ عليه في تعجيلِه النَّفْرَ إن هو اتَّقَى قتلَ الصيدِ حتى يَنْقَضِيَ اليومُ الثالثُ، ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ فلم يَنْفِرْ، فلا حرَجَ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ أبي صالحٍ: لمن اتَّقَى أن يُصِيبَ شيئًا من الصيدِ حتى يَمْضِيَ اليومُ الثالثُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: ولا يحِلُّ له أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تَخْلُوَ أيامُ التَّشْريقِ.
وقال آخرون: بل معناه: فمَن تَعَجَّلَ في يومَيْن من أيامِ التشريقِ فنفَر فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، ومَن تأخَّر فنفَر في اليومِ الثالثِ فلا إثمَ عليه، أي: مغفورٌ له، إن اتَّقَى على حَجِّه أن يُصيبَ فيه شيئًا نهاه اللَّهُ عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
قال: يقولُ: لمن اتَّقَى على حَجِّه.
قال قتادةُ: ذُكِر لنا أن ابنَ مسعودٍ كان يقولُ: مَن اتَّقَى في حَجِّه غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبِه، أو ما سلَف من ذنبِه (١).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: تأويلُ ذلك: فمن تَعَجَّل في يومَيْن من أيامِ مِنًى الثلاثةِ، فنفَر في اليومِ الثاني، فلا إثمَ عليه لِحَطِّ اللَّهِ ذنوبَه، إن كان قد اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه، فاجتنَب فيه ما أمَره اللَّهُ باجتنابِه، وفعَل فيه ما أمَره اللَّهُ بفعلِه، وأطاعَه بأدائِه على ما كَلَّفه من حدودِه.
ومَن تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ منهن، فلم يَنْفِرْ إلى النَّفْرِ الثاني حتى نفَر من غدٍ النَّفْرَ الأولَ، فلا إثمَ عليه لتكفيرِ اللَّهِ له ما سلَف من آثامِه وأجرامِه، إن كان اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه بأدائِه بحدودِه.
وإنما قلْنا: إن ذلك أَوْلَى تأويلاتِه به؛ لتظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "مَن حَجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ، خَرَجَ مِن ذُنُوبِه كيومِ وَلَدَتْه أُمُّه" (١).
وأنه قال ﷺ: "تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرَةِ، فإنهما يَنْفِيان الذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ".
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن شَقيقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "تابِعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّهما يَنْفِيان الفَقرَ وَالذُّنُوبَ كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحديدِ والذهبِ والفِضَّةِ، وليس للحَجَّةِ المَبْرُورةِ ثوابٌ دُونَ الجَنَّةِ" (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، عن عمرِو بنِ قيسٍ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا الفضلُ بنُ الصّبّاح، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللَّهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، عن عمرَ يَبْلُغُ به النبيَّ ﷺ قال: "تابعُوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّ [المتابعةَ بينهمَا] (١) ينفيان (٢) الفَقْرَ والذُّنوبَ كما يَنفِي الكِيرُ الخَبثَ، أوْ خبثَ الحديدِ" (٣).
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا ابنُ أبي الزِّنادِ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن صالحٍ مولى التَّوْأمةِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إذا قَضَيْتَ حَجَّكَ فأنتَ مِثْلُ ما وَلَدَتْكَ أُمُّكَ".
وما أَشبهَ ذلك من الأخبارِ التي يطولُ بذكرِ جميعِها الكتابُ، مما يُنْبِئُ عن أنَّ مَن حجَّ فقضاه بحدودِه على ما أمَره اللَّهُ، فهو خارجٌ مِن ذنوبِه، كما قال جل ثناؤه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٤) في حجِّه، فكان في ذلك من قولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يُوَضِّحُ عن أن معنَى قولِه - جل وعز -: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنه خارجٌ من ذنوبِه، محطوطةٌ عنه آثامُه، مغفورةٌ له أَجرامُه.
و [أنه لا] (٥) معنى لقولِ مَن تأوَّل قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَج عليه في نَفْرِه في اليومِ الثاني، ولا حرَجَ عليه في مُقامِه إلى اليومِ الثالثِ؛ لأن الحرَجَ إنما يُوضَعُ عن العاملِ فيما كان عليه تَركُ عملِه، فيُرَخَّصُ له في عملِه بوضعِ الحَرَجِ عنه في عملِه، أو فيما كان عليه عملُه، فيُرَخَّصُ له في تركِه بوضعِ الحرجِ عنه (٦).
فأما ما كان على العاملِ عملُه، فلا وَجْهَ لوضعِ الحرَجِ عنه فيه إن هو عَمِله، وفرضُه عملُه؛ لأنه محالٌ أن يكونَ المؤدِّي فرضًا عليه حَرِجًا بأدائِه، فيجوزَ أن يقالَ: قد وضَعْنا عنك فيه الحَرجَ.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الحاجُّ لا يخلُو عندَ مَن تأوَّلَ قولَه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حَرَجَ عليه، أو فلا جُناحَ عليه؛ من أن يكونَ فرضُه النَّفْرَ في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ، فوُضِع عنه الحرَجُ في المُقامِ، أو أن يكونَ فرضُه المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نفرِه في اليومِ الثاني، فإن يَكُنْ فرضُه في اليومِ الثاني من أيامِ التشريقِ المُقامَ إلى اليومِ الثالثِ منها، فوُضِع عنه الحَرجُ في نَفْرِه في اليومِ الثاني منها، وذلكَ هو التَّعَجُّلُ الذي قيل: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
فلا معنى لقولِه على تأويلِ مَن تأوَّلَ ذلك: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا جُناحَ عليه، ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن المتأخِّرَ إلى اليومِ الثالثِ إنما هو متأخِّرٌ عن (١) أداءِ فرضٍ عليه، تاركٌ قَبولَ رخصةِ النَّفْرِ، فلا وجهَ لِأَنْ يُقالَ: لا حرَجَ عليك في مُقامِك على أداءِ الواجبِ عليك.
لما وصَفْنا قبلُ، أو يكونَ فرضُه في اليومِ الثاني النَّفْرَ، فرُخِّص له في المُقامِ إلى اليومِ الثالثِ، فلا معنى أن يُقالَ: لا حرَجَ عليك في تَعَجُّلِكَ النَّفْرَ الذي هو فَرَضُك وعليك فعلُه.
للذي قَدَّمْنا من العِلّةِ.
وكذلك لا معنى لقولِ مَن قال: معناه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا حرَجَ عليه في نَفْرِه ذلك، إن اتَّقَى قتلَ الصيدِ إلى انقضاءِ اليومِ الثالثِ؛ لأن ذلك لو كان تأويلًا مسلَّمًا لقائلِه، لكان في قولِه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
ما يُبْطِلُ دَعْواه؛ لأنه لا خلافَ بينَ الأُمّةِ في أن الصيدَ للحاجِّ بعدَ نَفْرِه من مِنًى في اليومِ الثالثِ حلالٌ، فما الذي من أجلِه وُضِع عنه الحرَجُ بقولِه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
إذا هو تأخَّر إلى اليومِ الثالثِ ثم نَفَر، هذا معَ إجماعِ الحُجَّةِ على أن المُحْرمَ إذا رمَى وذبَح وحلَق وطاف بالبيتِ فقد حَلَّ له كلُّ شيءٍ، وتَصْريحُ الروايةِ المرويَّةِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بنحوِ ذلك، التي حدَّثنا بها هَنّادُ بنُ السَّريِّ الحَنْظَلِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن حَجّاجٍ، عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، عن عَمرةَ، قالت: سألتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، متى يُحِلُّ المُحْرِمُ؟
فقالت: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إذا رَمَيْتُمْ، وذَبَحْتُم وحَلَقْتُم حَلَّ لكم كُلُّ شيءٍ إلا النساءَ" (١).
قال: وذكَر الزُّهْرِيُّ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه (٢).
وأما الذي تأوَّل ذلك أنه بمعنى: فلا إثمَ عليه إلى عامِ قابلٍ.
فلا وجهَ لتحديدِ ذلك بوقتٍ، وإسقاطِه الإثمَ عن الحاجِّ سنةً مستقبَلَةً، دونَ آثامِه السالفةِ؛ لأنَّ اللَّهَ جل ثناؤُه لم يَحْصُرْ ذلك على نَفْيِ إثمِ وقتٍ مستقبَلٍ بظاهرِ التنزيلِ، ولا على لسانِ الرسولِ ﵊، بل دَلالةُ ظاهرِ التنزيلِ تُبِينُ عن أنَّ المتعجِّلَ في اليومَيْن والمتأخِّرَ لا إثمَ على كلِّ واحدٍ منهما في حالِه التي هو بها دونَ غيرِها من الأَحوالِ، والخبرُ عن النبيِّ ﷺ يُصرِّحُ بأنه بانقضاءِ حجِّه على ما أُمِر به خارجٌ من ذنوبِه كيومِ ولَدَتْه أمُّه.
ففي ذلك من دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ، وصريحِ قولِ الرسولِ ﷺ دلالةٌ واضحةٌ على فسادِ قولِ من قال: معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: فلا إثمَ عليه من وقتِ انقضاءِ حجِّه إلى عامِ قابلٍ.
فإن قال لنا قائلٌ: ما الجالبُ للَّامِ في قولِه: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟
قيل: الجالبُ لها معنى قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لأن في قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معنى: حطَطْنا ذُنوبَه وكفَّرْنا آثامَه، فكان في ذلك معنى: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ لمن اتَّقَى اللَّهَ في حجِّه.
فتُرك ذِكْرُ: جعَلْنا تكفيرَ الذنوبِ.
اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه كأنه إذا ذكَر هذه الرخصةَ فقد أخبَر عن أمرٍ، فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا لمن اتَّقَى.
وأنكَرَ بعضُهم ذلك من قولِه، وزعَم أن الصفةَ (١) لا بدَّ لها من شيءٍ تَتَعلَّقُ به؛ لأنها لا تقومُ بنفسِها، ولكنها فيما زعَم من صلةِ قولٍ متروكٍ، فكان معنى الكلامِ عنده (٢): قلْنا: مَن تأخَّر فلا إثمَ عليه لمن اتَّقَى.
وقام قولُه: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مَقامَ القولِ.
وزعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن موضعَ طَرْحِ الإثمِ في المتعجِّلِ، فجُعِل في المتأخِّرِ - وهو الذي أَدَّى ولم يُقَصِّرْ - مثلُ ما جُعِل على المقصِّرِ، كما يقالُ في الكلامِ: إن تصدَّقْتَ سرًّا فحَسَنٌ، وإن أظْهرْتَ فحَسَنٌ.
وهما مختلِفان؛ لأن المتصدِّقَ علانيةً إذا لم يَقْصِدِ الرياءَ فحَسَنٌ، وإن كان الإسرارُ أحسنَ، وليس في وصفِ حالتَيِ المتصدِّقَيْن بالحُسْنِ وصفُ إحداهما بالإثمِ، وقد أخبرَ اللَّهُ ﷿ عن النافرَيْن بنفيِ الإثمِ عنهما، ومُحالٌ أن يَنْفِيَ عنهما إلا ما كان في تَرْكِه الإثمُ، على ما تأوَّله قائلو هذه المقالةِ.
وفي إجماعِ الجميعِ على أنهما جميعًا لو تَرَكا النَّفْرَ، وأقاما بمِنًى لم يكونا آثمَيْن، ما يدُلُّ على فسادِ التأويلِ الذي تأوَّلَه مَن حَكَيْنا عنه هذا القولَ.
وقال أيضًا: وفيه وجهٌ آخرُ، وهو معنى نَهْيِ الفريقَيْن عن أن يُؤثِّمَ أحدُ الفريقَيْن الآخرَ، كأنه أراد بقولِه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾: لا يَقُلِ المتعجِّلُ للمتأخِّرِ: أنتَ آثمٌ.
ولا المتأخِّرُ للمتعجِّلِ: أنتَ آثمٌ.
بمعنى: فلا يُؤَثِّمَنّ أحدُهما الآخرَ.
وهذا أيضًا تأويلٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ مخالِفٌ، وكَفَى بذلك شاهدًا على خَطَئِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾.
يعني بذلك جل ثناؤُه: واتقوا اللَّهَ أيها المؤمنون فيما فرَض عليكم مِن فرائضِه، فخافُوه في تَضْيِيعِها والتفريطِ فيها، وفيما نهاكم عنه في حَجِّكم ومَناسِكِكم أن تَرْتَكِبُوه أو تَأْتُوه، وفيما كَلَّفكم في إحرامِكم لحجِّكم أن تُقَصِّرُوا في أدائِه والقيامِ به، واعلَموا أنكم إليه تُحشَرون، فمُجازِيكم هو بأعمالِكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمُسِيءَ بإساءتِه، ومُوَفٍّ كلَّ نفسٍ منكم ما عَمِلتْ وأنتم لا تُظْلَمون.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
وهذا نعتٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه للمنافقِين، يقولُ جلَّ ثناؤُه: ومن الناسِ مَن يُعجِبُك يا محمدُ ظاهرُ قولِه وعلانيتُه، ويَستشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه، وهو ألدُّ الخصامِ، جَدِلٌ بالباطلِ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزَلتْ في الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ، قَدِم على النبيِّ ﷺ، فزعَم أنه يريدُ الإسلامَ، وحلَف أنه ما قَدِم إلا لذلك، ثم خرَج فأفسدَ أموالًا من أموالِ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ قال: نزَلتْ في الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، وهو حليفٌ لبني زُهْرةَ، وأقبَلَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، فأظهَر له الإسلامَ، فأعجَب النبيَّ ﷺ ذلك منه، وقال: إنما جئتُ أريدُ الإسلامَ، واللَّهُ يعلَمُ أني صادقٌ.
وذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
ثم خرَج من عندِ النبيِّ ﷺ، فمرَّ بزَرْعٍ لقومٍ من المسلمين وحُمُرٍ، فأَحرَقَ الزرعَ، وعقَر الحُمُرَ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
وأما ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: فأعْوَجُ (١) الخِصامِ، وفيه نزَل: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١].
ونزَلتْ فيه: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ إلى (٢) ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٣) [القلم: ١٠ - ١٣].
وقال آخرون: بل نزَل ذلك في قومٍ من أهلِ النفاقِ، تكلَّموا في السَّرِيّةِ التي أُصِيبتْ لرسولِ اللَّهِ ﷺ بالرَّجِيعِ.
ذكر مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو (١) عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصِيبت هذه السَّرِيةُ، أصحابُ خُبَيْبٍ، بالرَّجيعِ بينَ مكةَ والمدينةِ، قال (٢) رجالٌ من المنافقِين: يا ويحَ هؤلاء المقتولِين الذين هَلَكوا هكذا، لا هم قعَدوا في بيوتِهم، ولا هم أدَّوْا رسالةَ صاحبِهم.
فأَنزل اللَّهُ في ذلك من قولِ المنافقِين، وما أصاب أولئك النَّفَرَ من الشهادةِ والخيرِ من اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾: أي: بما (٣) يُظهِرُ بلسانِه من الإسلام، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ أي: من النفاقِ، ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجَعَك، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ أي: خرَج من عندِك، ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ أي: لا يُحِبُّ عملَه ولا يرضاه، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
الذين شَرَوْا أنفسَم للَّهِ بالجهادِ في سبيلِه، والقيامِ بحقِّه حتى هلَكوا على ذلك؛ يعني هذه السَّرِيةَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ أبي محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، عن عكرمةَ مولى ابنِ عباسٍ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما أُصيبتِ السَّريةُ التي كان فيها عاصمٌ ومَرثدٌ بالرَّجيعِ، قال رجالٌ من المنافقِين.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبي كُريبٍ (١).
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك جميعَ المنافقِين، وعَنَى بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
اختلافَ سَريرتِه وعَلانيتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ أبي مَعْشَرٍ، قال: أخبرَني أبي أبو مَعْشَرٍ نَجيحٌ، قال: سَمِعْتُ سعيدًا المَقْبُرِيَّ يُذاكرُ محمدَ بنَ كعبٍ، فقال سعيدٌ: إن في بعضِ الكتبِ أن للَّهِ عبادًا ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقُلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، لَبِسوا لِباسَ (٢) مُسُوكِ (٣) الضَّأنِ من اللِّينِ، يَجْتَرُّون الدنيا بالدينِ، قال اللَّهُ: أعليَّ يَجْتَرِئُون، وبي يَغْتَرُّون؟
وعِزَّتي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ منهم حيرانَ.
فقال محمدُ بنُ كعبٍ: هذا في كتابِ اللَّهِ.
فقال سعيدٌ: وأين هو من كتابِ اللَّهِ؟
قال: قولُ اللَّهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
فقال سعيدٌ: قد عرَفْتُ في مَن أُنزِلتْ هذه الآيةُ.
فقال محمدُ بنُ كعبٍ: إن الآيةَ تَنزِلُ في الرجلِ، ثم تكونُ بعدَه عامّةً (٤).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرَني الليثُ بنُ سعدٍ، عن خالدِ بنِ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن القُرَظِيِّ، عن نَوْفٍ، وكان يقرأُ الكتبَ، قال: إني لأَجِدُ صفةَ ناسٍ من هذه الأُمّةِ في كتابِ اللَّهِ المنزَّلِ، قومٌ يحتالون الدنيا بالدينِ، ألسنتُهم أحلى من العسلِ، وقلوبُهم أمرُّ من الصَّبِرِ، يَلْبَسون (١) لباسَ مُسُوكِ الضّأنِ، وقلوبُهم قلوبُ الذئابِ، فعليَّ يَجْتَرِئون، وبي يَغْتَرُّون؟
حلَفْتُ بنفسي لأَبْعَثَنَّ عليهم فتنةً تترُكُ الحليمَ فيها (٢) حيرانَ.
قال القُرَظِيُّ: تَدَبَّرْتُها في القرآنِ فإذا هم المنافقون، فوجَدْتُها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ (٣) [الحج: ١١].
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
قال: هو المنافقُ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾.
قال: علانيتُه في الدنيا، ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ﴾ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ (٥).
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
قال: هذا عبدٌ كان حسنَ القولِ سيِّئَ العملِ، كان (١) يَأْتِي رسولَ اللَّهِ ﷺ فيُحسِنُ له القولَ، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
قال: يقولُ قولًا، في قلبِه غيرُه، واللَّهُ يعلَمُ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: وفي قولِه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ وجهان مِن القراءةِ؛ فقرأته عامةُ القرأةِ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
بمعنى أن المنافقَ الذي يُعْجِبُ رسولَ اللَّهِ ﷺ قولُه، يَسْتَشْهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه أن قولَه موافقٌ اعتقادَه، وأنه مؤمنٌ باللَّهِ ورسولِه، وهو كاذبٌ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾: كان رجلٌ (٣) يَأتِي إلى النبيِّ ﷺ، فيقولُ: أَيْ رسولَ اللَّهِ، أَشهدُ أنك جئتَ بالحقِّ والصدقِ من عندِ اللَّهِ.
قال: حتى يُعْجَبَ النبيُّ ﷺ بقولِه، ثم يقولُ: أما واللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ، إن اللَّهَ ليَعلمُ أن ما في قلبي مثلُ ما نطَق به لساني.
فذلك قولُه: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
قال: هؤلاء المنافقون.
وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾.
حتى بلَغ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
بما يَشْهَدُون أنك رسولي (١).
وقال السديُّ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
يقولُ: اللَّهُ يَعلَمُ أني صادقٌ، أني أريدُ الإسلامَ.
حدَّثني بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عنه (٢).
وقال مجاهدٌ: ويُشهِدُ اللَّهَ في الخصومةِ أنما يريدُ الحقَّ.
حدَّثني بذلك محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عنه (٣).
وقرأ ذلك آخرون: (وَيَشْهَدُ اللَّهُ على ما في قلبه).
بمعنى: واللَّهُ يَشْهَدُ على الذي في قلبِه من النفاقِ، وأنه مُضْمِرٌ في قلبِه غيرَ الذي يُبدِيه بلسانِه، وعلى كذبِه في قيلِه (٤).
وهو قراءةُ ابنِ مُحَيْصِنٍ (٥).
وعلى ذلك المعنى تأوَّله ابنُ عباسٍ، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك فيما مضى في حديثِ أبي كُريبٍ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ الذي ذكَرْناه آنفًا.
والذي نختارُ في ذلك من القراءةِ (١) قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ﴾.
بمعنى: يَسْتشهِدُ اللَّهَ على ما في قلبِه؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾.
والأَلَدُّ من الرجالِ: الشديدُ الخصومةِ، يقالُ في "فعَلْتَ" منه: قد لَدِدْتَ يا هذا ولم تكنْ أَلَدَّ، فأنت تَلَدُّ لَدَدًا ولَدادةً.
فأما إذا غلَب مَن خاصمَه، فإنما يقالُ فيه: لدَدْتَ يا فلانُ فلانًا فأنتَ تلُدُّه لَدًّا، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): ثُمَّ [ارْدِ بي وبهما] (٣) مَنْ تُرْدِي نَلُدُّ (٤) أَقْرانَ الخُصُومِ اللُّدِّ واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه أنه ذو جِدالٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
أي: ذو جدالٍ إذا كلَّمَك وراجعَك (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
يقولُ: شديدُ القسوةِ في معصيةِ اللَّهِ، جَدِلٌ بالباطلِ، إذا شِئْتَ رأيتَه عالمَ اللسانِ، جاهلَ العملِ، يتكلَّمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالخطيئةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
قال: جَدِلٌ بالباطلِ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه غيرُ مستقيمِ الخصومةِ ولكنه مُعْوَجُّها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾.
قال: ظالمٌ لا يَستقيمُ (٣).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: "الأَلَدُّ الخصامِ": الذي لا يستقيمُ على خصومةٍ (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: أَعْوَجُ الخصامِ (٥).
قال أبو جعفرٍ: وكلا هذين القولين متقارِبُ المعنى؛ لأنَّ الاعوجاجَ في الخصومةِ من الجدالِ واللَّدَدِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو كاذبٌ في قولِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن الحسنِ، قال: "الأَلَدُّ الخِصامِ": الكاذبُ القولِ (١).
وهذا القولُ يَحتمِلُ أن يكونَ معناه معنى القولَيْن الأَوَّلَيْن، إن كان أراد به قائلُه أنه يُخاصِمُ بالباطلِ من القولِ والكذبِ منه؛ جدَلًا واعْوِجاجًا عن الحقِّ.
وأما الخِصامُ، فهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: خاصَمْتُ فلانًا خِصامًا ومُخاصمةً.
وهذا خبرٌ من اللَّهِ ﵎ عن المنافقِ الذي أخبَر نبيَّه محمدًا ﷺ أنه يُعجِبُه - إذا تكلَّمَ - قيلُه ومَنْطِقُه، ويَسْتشهِدُ اللَّهَ على أنه مُحِقٌّ في قيلِه ذلك؛ بشدةِ خصمومتِه وجدلِه بالباطلِ والزُّورِ من القولِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى﴾: وإذا أَدْبَر هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ مُنْصَرِفًا عنك.
كما حدَّثنا به ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾.
قال: يعني: وإذا خرَج من عندِك سَعَى (٢).
وقال بعضُهم: معناه: وإذا غَضِب.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾.
قال: إذا غَضِب.
فمعنى الآيةِ: وإذا خرَج هذا المنافقُ من عندِك يا محمدُ غَضْبانَ، عَمِل في الأرضِ بما حرَّم اللَّهُ عليه، وحاول فيها معصيةَ اللَّهِ، وقَطْعَ الطريقِ، وإفسادَ السُّبلِ على عبادِ اللَّهِ، كما قد ذكَرْنا آنفًا من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ الثَّقَفِيِّ، الذي ذكَر السدِّيُّ أن فيه نزلَتْ هذه الآيةُ؛ من إحراقِه زُروعَ المسلمِين وقَتْلِه حُمُرَهم.
والسَّعْيُ في كلامِ العربِ: العملُ، يقالُ منه: فلانٌ يَسْعَى على أهلِه.
يعني به: يعْمَلُ فيما يعودُ عليهم نفعُه.
ومنه قولُ الأعشى (١): وسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غيرِ مُوَاكِلٍ … قَيْسٌ فضَرَّ عَدُوَّها وبَنَى لهَا يعني بذلك: عَمِل لها في المكارمِ.
وكالذي قلْنا في ذلك كان مجاهدٌ يقولُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: عَمِل (٢).
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الإفسادِ الذي أضافَه اللَّهُ إلى هذا المنافقِ؛ فقال بعضُهم: تأويلُه ما قلْنا فيه من قَطْعِه الطريقَ وإخافتِه السبيلَ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ من فعلِ الأخنسِ بنِ شَرِيقٍ.
وقال بعضُهم: بل معنى ذلك: قَطْعُ الرَّحِمِ وسَفْكُ دماءِ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ في قولِه: ﴿سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾: قَطَعَ الرَّحِمَ، وسَفَكَ الدماءَ؛ دماءَ المسلمين، فإذا قيل: لِمَ تَفعلُ كذا وكذا؟
قال: أَتقرَّبُ به إلى اللَّهِ.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف هذا المنافقَ بأنه إذا تولَّى مُدبِرًا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ عَمِل في أرضِ اللَّهِ بالفسادِ، وقد يَدخُلُ في الإفسادِ جميعُ المعاصي، وذلك أن العملَ بالمعاصي إفسادٌ في الأرضِ، ولم يَخْصُصِ اللَّهُ وصْفَه ببعضِ معاني الإفسادِ دونَ بعضٍ.
وجائزٌ أن يكونَ ذلك الإفسادُ منه كان بمعنى قَطْعِ الطريقِ، [وجائزٌ أن يكونَ كان يقطَعُ الرحمَ ويسفِكُ الدماءَ] (١)، وجائزٌ أن يكونَ كان غيرَ ذلك، وأيُّ ذلك كان منه فقد كان إفسادًا في الأرضِ؛ لأن ذلك كان منه للَّهِ معصيةٌ، غيرَ أن الأَشبهَ بظاهرِ التنزيلِ أن يكونَ كان يقطعُ الطريقَ، ويُخِيفُ السبيلَ؛ لأن اللَّهَ وصَفَه في سياقِ الآيةِ بأنه يسعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فيها، ويُهلِكَ الحرثَ والنَّسْلَ، وذلك بفعلِ مُخيفي السُّبُلِ، أشبهُ منه بفعلِ قُطّاعِ الرَّحِمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في وجهِ إهلاكِ هذا المنافقِ - الذي وصَفَه اللَّهُ بما وصَفَه به من صفتِه (١) - الحرثَ والنسلَ؛ فقال بعضُهم: كان ذلك منه إحراقًا لزرعِ قومٍ من المسلمين، وعَقْرًا لحُمُرِهم.
حدَّثني بذلك موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ (٢).
وقال آخرون بما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عَثّامٌ، قال: ثنا النَّضْرُ بنُ عَرَبيٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ الآية.
قال: إذا ولَّى (٣) سعى بالعَدَاءِ (٤) والظلمِ، فيَحبِسُ اللَّهُ بذلك القطرَ، فيُهْلِكُ الحرثَ والنسلَ، واللَّهُ لا يحبُّ الفسادَ.
قال: ثم قرأ مجاهدٌ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
قال: ثم قال: أَمْ (٥) واللَّهِ ما هو بَحْرَكم هذا، ولكنْ كلُّ قريةٍ على ماءٍ جارٍ فهو بَحْرٌ (٦).
والذي قاله مجاهدٌ وإن كان مذهبًا من التأويلِ تَحتمِلُه الآيةُ، فإن الذي هو أشبهُ بظاهرِ التنزيلِ من التأويلِ ما ذكَرْنا عن السدِّيِّ، فلذلك اخترْناه.
وأما الحرثُ فإنه الزرعُ، والنسلُ: العَقِبُ والولَدُ، وإهلاكُه الزرعَ: إحراقُه.
وقد يجوزُ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ باحتباسِ القطرِ من أجلِ معصيتهِ ربَّه، وسَعْيِه بالإفسادِ في الأرضِ.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ كان بقَتْلِه القُوَّامَ به والمتعاهدِين له، حتى فسَد فهلَك.
وكذلك جائزٌ في معنى إهلاكِه النسلَ أن يكونَ كان بقَتْلِه أُمّهاتِه أو آباءَه التي منها يكونُ النسلُ، فيكونُ في قتلِه الآباءَ والأمهاتِ انقطاعُ نسلِهما.
وجائزٌ أن يكونَ كما قال مجاهدٌ، غيرَ أن ذلك وإن كان محتمِلتُه الآيةُ، فالذي هو أَوْلَى بظاهرِها ما قاله السديُّ، غيرَ أن السديَّ ذكَر أن الذي نزلتْ فيه هذه الآيةُ إنما نزَلتْ فيه (١) في قتلِه حُمُرًا لقومٍ مسلمين، وإحراقِه زرعًا لهم.
وذلك وإن كان جائزًا أن يكونَ كذلك، فغيرُ فاسدٍ أن تكونَ الآيةُ نزَلتْ فيه والمرادُ بها كلُّ مَن سلَك سبيلَه في قَتْلِ كلِّ ما قَتَل من الحيوانِ الذي لا يَحِلُّ قتلُه بحالٍ، والذي يحِلُّ قتلُه في بعضِ الأحوالِ، إذا قتَله بغيرِ حقٍّ، بل ذلك كذلك عندي؛ لأن اللَّهَ لم يَخْصُصْ من ذلك شيئًا دونَ شيءٍ، بل عَمَّه.
وبالذي قلْنا في عمومِ ذلك قالتْه جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التَّميمِيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
قال: [الحرثُ الحرثُ، والنسلُ] (٢) نَسْلُ كلِّ دابّةٍ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ، قال: قلتُ: أرأيتَ قولَه: ﴿الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾؟
قال: الحرثُ حرثُكم، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن الحرثِ والنسلِ، فقال: الحرثُ مما تَحرُثُون، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن مُطرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن رجلٍ من تميمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾: أمَّا النسلُ، فنَسْلُ كلِّ دابّةٍ، والناسِ أيضًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾.
قال: نباتَ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: مِن كلِّ شيءٍ (٢) من الحيوانِ، من الناسِ والدوابِّ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ قال: [الحرثُ الحرثُ] (٤)، والنّسلُ نسلُ كلِّ شيءٍ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ، قال: الحرثُ النباتُ، والنسلُ نسلُ كلِّ دابّةٍ.
حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ﴾.
قال: الحرثُ الذي يَحْرُثُه الناسُ؛ نباتُ الأرضِ، ﴿وَالنَّسْلَ﴾: نسلُ كلِّ دابّةٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
قال: الحرثُ الزرعُ، والنَّسلُ من الناسِ والأنعامِ.
قال: يَقتُلُ نسلَ الناسِ والأنعامِ (٢).
قال: وقال مجاهدٌ: يَبْتَغِي في الأرضِ هلاكَ الحرثِ؛ نباتِ الأرضِ، والنسلِ مِن كلِّ شيءٍ من الحيوانِ (٣).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾.
قال: الحرثُ الأصل، والنسلُ نسلُ (٤) كلِّ دابّةٍ، والناسُ منهم (٥).
حدَّثني ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو (٦) بنُ أبي سلَمةَ، قال: سُئل سعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ عن فسادِ الحرثِ والنسلِ، وما هما، و (٧) أيُّ حرثٍ وأيُّ نسلٍ؟
قال سعيدٌ: قال مكحولٌ: الحرثُ ما تحرُثون، وأما النسلُ فنسلُ كلِّ دابةٍ (٨).
وقد قرأ بعضُ القرأةِ: (ويُهْلِكُ الحَرْثَ والنَّسْلَ) (١) برفعِ "يُهْلِكُ" بمعنى: ومن النَّاسِ مَنْ يُعجِبُك قولُه فِي الحياةِ الدُّنيا، ويُشهِدُ اللَّهَ على ما فِي قلبِه وهو ألَدُّ الخصامِ، ويُهْلِكُ الحرثَ والنَّسلَ، وإذا تولَّى سعَى في الأرضِ ليُفسِدَ فِيها، واللَّهُ لا يُحِبُّ الفسادَ.
فيَرُدُّ "وَيُهْلِكُ" على ﴿وَيُشْهِدُ﴾ عطفًا به عليه.
وذلك قراءةٌ عندي غيرُ جائزةٍ وإن كان لها مَخرجٌ في العربيةِ؛ لمخالفتِها ما عليه الحجةُ مُجمِعةٌ من القراءةِ في ذلك (٢)، وأن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بنِ كعبٍ ومُصْحفِه فيما [ذُكِر لنا] (٣): (ليُفْسِدَ فيها ولِيُهْلِكَ الحرثَ والنسلَ) (٤).
وذلك من أدلِّ الدليلِ على تصحيحِ قراءةِ من قرَأ ذلك: ﴿وَيُهْلِكَ﴾ بالنصبِ عطفًا به على ﴿لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: واللَّهُ لا يحبُّ المعاصيَ، وقطعَ السبلِ، وإخافةَ الطرقِ، [والفسادَ] (٥).
والفسادُ: مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فسَد الشيءُ يفسُدُ.
نظيرُ قولِهم: ذهَب يَذهَبُ ذَهابًا.
ومن العربِ مَن يجعَلُ مصدرَ "فسَد" فُسُودًا، ومصدرَ "ذَهَب يَذهَبُ" ذُهوبًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: وإذا قيل لهذا المنافقِ الذي نَعَت نعتَه لنبيِّه ﷺ، وأخبرَه أنه يُعجِبُه قولُه في الحياةِ الدنيا: اتَّقِ اللَّهَ، وخَفْه في إفسادِك في أرضِ اللَّهِ، وسَعْيِك فيها بما حرَّم اللَّهُ عليك من معاصِيه، وإهلاكِك حُروثَ المسلمين ونسلَهم.
اسْتَكْبرَ ودخلَتْه عِزَّةٌ وحَمِيّةٌ بما حرَّم اللَّهُ عليه، فتمادَى في غَيِّه وضلالِه.
قال اللَّهُ جل ثناؤُه: فكفاه عقوبةً من غَيِّه وضلالِه صِلِيُّ نارِ جهنمَ، وبئسَ المِهادُ هي لصالِيها.
واختلَف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عَنَى بها كلَّ فاسقٍ (١) منافقٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا بِسْطامُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو رَجاءٍ العُطارِديُّ، قال: سمِعتُ عليًّا في هذه الآيةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
قال عليٌّ: اقْتَتَلا وربِّ الكعبةِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
قال: كان عمرُ بنُ الخطابِ إذا صلّى السُّبْحَةَ (٣) وفرَغ، دخَل مِرْبَدًا (١) له، فأَرْسَل إلى فتيانٍ قد قرَءوا القرآنَ، منهم ابنُ عباسٍ وابنُ أخي عُيَيْنَةَ.
قال: فيَأْتُون فيَقْرَءون القرآنَ وَيَتدارَسونه، فإذا كانت القائلةُ انْصَرف.
قال: فمرُّوا بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
قال ابنُ زيدٍ: وهؤلاء المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ.
فقال ابنُ عباسٍ لبعضِ مَن كان إلى جنبِه: اقْتَتَل الرجلان.
فسمِع عمرُ ما قال، فقال: وأيَّ شيءٍ قلتَ؟
قال: لا شيءَ يا أميرَ المؤمنين.
قال: ماذا قلتَ: اقْتَتل الرجلان؟
قال: فلمَّا رأَى ذلك ابنُ عباس قال: أَرَى ههنا مَن إذا أُمِر بتقوى اللَّهِ أخَذتْه العِزَّةُ بالإثمِ، وأَرَى مَن يَشْرِي نفسَه ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، يَقومُ هذا فَيأْمُرُ هذا بتقوى اللَّهِ، فإذا لم يَقْبَلْ وأخَذتْه العزَّةُ بالإثمِ، قال هذا: وأنا أَشْرِي نفسي.
فقاتَلَه، فاقْتَتَل الرجلان.
فقال عمرُ: للَّهِ تِلادُك (٢) يابنَ عباسٍ (٣).
وقال آخَرون: بل عنَى بها الأخنسَ بنَ شَرِيقٍ، وقد ذكَرْنا مَن قال ذلك فيما مضَى.
وأمَّا قولُه: ﴿وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، فإنه يعني به: لبِئسَ الفِراشُ والوِطاءُ جهنَمُّ التي أَوْعَدها جلَّ ثناؤُه هذا المنافقَ، ووطَّأها لنفسِه بنفاقِه وفجورِه وتمرُّدِه على ربِّه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: ومِن الناسِ مَن يبيعُ نفسَه بما وعَد اللَّهُ المجاهدين في سبيلِه، وابتاع به أنفسَهم بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] وقد دلَّلْنا على أن معنى "شرَى": "باع"، في غيرِ هذا الموضعِ بما أغنَى عن إعادتِه (١).
وأمَّا قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
فإنه يعني أن هذا الشاريَ يَشْرِي إذا شرَى، طلَبَ مرضاةِ اللَّهِ.
ونُصِب قولُه: ﴿ابْتِغَاءَ﴾ بقولِه: ﴿يَشْرِي﴾.
كأنه قال: ومِن الناسِ مَن يَشْرِي مِن أجلِ ابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ.
ثم ترَك "من أجلِ" وعمِل فيه الفعلُ.
وقد زَعم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه نصَب ذلك على الفعلِ (٢) على ﴿يَشْرِي﴾.
كأنه قال: لابتغاءِ مرضاةِ اللَّهِ.
فلمَّا نزَع اللامَ عمِل الفعلُ.
قال: ومثلُه: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ١٩].
قال: وقال الشاعرُ وهو حاتمٌ (٣): وأَغْفِرُ عَوْرَاءَ الكَرِيمِ ادِّخَارَهُ … وَأُعْرِضُ عَنْ قَوْلِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما وقال: لمَّا أذْهَب اللامَ أعْمَل فيه الفعلَ.
وقال بعضُهم: [إنما ذلك] (٤) مصدرٌ وُضِع موضعَ الشرطِ وموضعَ "أن"، فيَحْسُنُ فيها الباءُ واللامُ، فيقولُ: أتيتُك مِن خوفِ الشرِّ، ولخوفِ الشرِّ، وبأن خِفتُ الشرَّ.
فالصفةُ غيرُ معلومةٍ، فحُذِفت وأقِيمَ المصدرُ مُقامَها.
قال: ولو كانت الصفةُ حرفًا واحدًا بعينِه لم يَجُزْ حذفُها، كما غيرُ جائزٍ لمَن قال: فعلتُ هذا لك ولفلانٍ.
أن يُسْقِطَ اللامَ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن نزَلت هذه الآيةُ فيه ومَن عُنِي بها؛ فقال بعضُهم: نزَلت في المهاجرين والأنصارِ، وعُنِي بها المجاهدون في سبيلِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال: هم المهاجرون والأنصارُ (١).
وقال بعضُهم: بل نزَلت في رجالٍ مِن المهاجرين بأعيانِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْحٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال: أُنْزِلت في صُهَيْبِ بنِ سِنَانٍ وأبي ذرٍّ الغفاريِّ جُنْدُبِ بن السَّكَنِ، أخَذ أهلُ أبي ذَرٍّ أبا ذَرٍّ، فانْفَلت منهم، فقدِم على النبيِّ ﷺ، فلمّا رجَع مُهاجِرًا عرَضُوا له، وكانوا بِمَرِّ الظَّهرانِ، فانفلَت أيضًا حتى قَدِمَ على النبيِّ ﷺ، وأمَّا صُهَيْبٌ فأخَذه أهلُه، فافْتَدى منهم بمالِه، ثم خرَج مهاجرًا فأدركَه قُنفذُ (٢) بنُ عُمَيرِ بنِ جُدْعَانَ، فخرَج له ممّا بقِي من مالِه، وخلَّى سبيلَه (٣).
حُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال: كان رجلٌ مِن أهلِ مكةَ أسْلَمَ، فأراد أن يأتيَ النبيَّ ﷺ ويُهَاجرَ إلى المدينةِ، فمنَعوه وحبَسوه، فقال لهم: أُعْطِيكم داري ومالي وما كان لي من شيءٍ فخَلُّوا عنِّي، فأَلْحَقَ بهذا الرجلِ.
فأبَوْا، ثم إن بعضَهم قال لهم: خُذوا منه ما كان له مِن شيءٍ، وخَلَّوا عنه.
ففعَلوا، فأعطاهم دارَه ومالَه، ثم خرَج فأنْزَل اللَّهُ على النبيِّ ﷺ بالمدينةِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية.
فلمَّا دنا مِن المدينةِ تلقَّاه عُمرُ في رجالٍ، فقال له عُمرُ: ربِح البيعُ.
قال: وبيعُك فلا يَخْسَرُ، وما ذاك؟
قال: أنْزَل اللَّهُ فيك كذا وكذا (١).
وقال آخَرون: بل عُنِي بذلك كلُّ شارٍ نفسَه في طاعةِ اللَّهِ وجهادٍ في سبيلِه، أو أمرٍ بمعروفٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: حدثني حسينُ بنُ الحسنِ أبو عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى خرَقه، فقالوا: أَلْقَى بيدِه.
فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدَامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن طارقِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن المغيرةِ، قال: بعَث عمرُ جيشًا فحاصَروا أهلَ حصنٍ، فتقدَّم رجلٌ مِن بَجيلةَ فقَاتَلَ، فقُتِل، فأكثَرَ الناسُ فيه؛ يقولون: أَلْقَى بيدِه إلى التهلُكةِ.
قال: فبلَغ ذلك عمرَ بنَ الخطابِ، فقال: كذَبوا، أليس اللَّهُ يقولُ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (١)؟.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، قال: حمَل هشامُ بنُ عامرٍ على الصفِّ حتى شقَّه، فقال أبو هريرةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّه العَنْبَرِيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيِّ، قال: ثنا حزمُ (٢) بنُ أبي حزمٍ، قال: سمِعتُ الحسنَ قرَأ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
أَتدرون فيمَ أُنْزِلت؟
أنْزِلت في أن المسلمَ لقِي الكافرَ فقال له: قلْ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، فإذا قلتَها عصَمتَ دمَك ومالَك إلَّا بحقِّهما.
فأبَى أن يقولَها، فقال المسلمُ: واللَّهِ، لَأشْرِيَنَّ نفسي للَّهِ.
فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا زيادُ بنُ أبي مسلمٍ، عن أبي الخليلِ، قال: سمِع عمرُ إنسانًا قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
قال: اسْترجَعَ عمرُ فقال: إنا للَّهِ وإنَّا إليه راجعون، قام رجلٌ يأمُرُ بالمعروفِ ويَنْهَى عن المنكرِ فقُتِل (١).
والذي هو أولى بظاهر هذه الآيةِ مِن التأويلِ ما رُوِي عن عمرَ بنِ الخطابِ وعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عباسِ، رحمةُ اللَّهِ عليهم، مِن أن يكونَ عُنِي بها الآمِرُ بالمعروفِ، والناهي عن المنكرِ، وذلك أن اللَّهَ وصَف صفةَ فريقين؛ أحدُهما منافقٌ يقولُ بلسانِه خلافَ ما في نفسِه، وإذا اقْتَدَر على معصيةِ اللَّهِ ركِبها، وإذا لم يَقْتَدِرْ رامَها، وإذا نُهِي أخَذتْه العزةُ (٢) بما هو به آثمٌ، والآخرُ منهما بائعٌ نفسَه طلبَ رضا اللَّهِ.
فكان الظاهرُ مِن التأويلِ أن الفريقَ الموصوفَ بأنه شرَى نفسَه للَّهِ، وطلَب رضاه، إنما شراها للوثوبِ بالفريقِ الفاجرِ طلبَ رضا اللَّهِ، فهذا هو الأغلبُ الأظهرُ مِن تأويلِ الآيةِ.
وأمَّا ما رُوِي مِن نزولِ الآيةِ في أمرِ صُهَيْبٍ، فإن ذلك غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، إذ كان غيرَ مدفوعٍ جوازُ نزولِ آيةٍ من عندِ اللَّهِ على رسولِ اللَّهِ ﷺ بسببٍ مِن الأسبابِ، والمعنيُّ بها كلُّ مَن شمِله ظاهرُها.
فالصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللَّهَ وصَف شاريًا نفسَه ابتغاءَ مرضاتِه، فكلُّ مَن باع نفسَه في طاعتِه حتى قُتل فيها، أو (٣) اسْتَقْتَل وإن لم يُقْتَلْ، فمَعْنيٌّ بقولِه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
في جهادِ عدوِّ المسلمين كان ذلك منه، أو في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)﴾.
قد دلَّلْنا فيما مضَى على معنى الرأفةِ بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، وأنها رِقَّةُ الرحمةِ (١).
فمعنى ذلك: واللَّهُ ذو رحمةٍ واسعةٍ بعبدِه الذي شرَى نفسَه له في جهادِ مَن حادَّه في أمرِه، مِن أهلِ الشركِ والفسوقِ، وبغيرِه مِن عبادِه المؤمنين في عاجلِهم وآجلِ مَعَادِهم، فمُجزلٌ لهم الثوابَ على ما أبْلَوْا في طاعتِه في الدنيا، ومُسْكِنُهم جِنانَه على ما عمِلوا فيها مِن مرضاتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى السِّلْمِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه: الإسلامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: ادْخُلوا في الإسلامِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: ادْخُلوا في الإسلام (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
قال: السِّلْمُ الإسلامُ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
يقولُ: في الإسلامِ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن النَّضْرِ بنِ عَرَبيٍّ، عن مجاهدٍ: ادْخُلُوا في الإسلامِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
قال: السِّلمُ الإسلامُ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾: في الإسلامِ (٤).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ادْخُلوا في الطاعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
يقولُ: ادْخُلوا في الطاعةِ (٥).
وقد اختَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك، فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ: (ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ) بفتحِ السينِ.
وقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ الكوفيين بكسرِ السينِ (١).
فأمَّا الذين فتَحوا السينَ مِن "السَّلْمِ"، فإنهم وجَّهوا تأويلَها إلى المسالمةِ، بمعنى: ادْخُلوا في الصلحِ والمسالمةِ (٢) وترْكِ الحربِ بإعطاءِ الجزيةِ.
وأما الذين قرَءوا ذلك بالكسرِ مِن السينِ فإنهم مختلِفون في تأويلِه؛ فمنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الإسلامِ، بمعنى: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّة.
ومنهم مَن يُوَجِّهُه إلى الصلحِ، بمعنى: ادخلوا في الصلحِ.
ويَسْتَشْهِدُ على أن السينَ تُكْسَرُ وهي بمعنى الصلحِ، بقولِ زُهَيْرِ بنِ أبي سُلْمَى (٣): وَقَدْ قُلْتُما إنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا … بِمَالٍ وَمَعْروفٍ مِنَ الأَمْرِ نَسْلَمِ وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
قولُ مَن قال: معناه: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّةً.
وأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ (٤) في قراءةِ ذلك، فقراءةُ مَن قرَأ بكسرِ السينِ؛ لأن ذلك إذا قُرِئ كذلك وإن كان قد يَحْتَمِلُ معنى الصلحِ، فإن معنى الإسلامِ ودوامِ الأمر الصالحِ عندَ العربِ عليه أغلبُ مِن الصلحِ والمسالمةِ، ويُنْشَدُ بيتُ أخي كِنْدَةَ (٥): دَعَوْتُ عَشِيرَتي للسِّلْمِ لمَّا … رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينا بكسرِ السينِ، بمعنى: دعوتُهم للإسلامِ لمَّا ارتدُّوا.
وكان ذلك حينَ ارتدَّت كندةُ مَع الأشعثِ بعدَ وفاةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.
وقد كان أبو عَمرِو بنُ العلاءِ يقرأُ سائرَ ما في القرآنِ مِن ذكْرِ "السلمِ" بالفتحِ، سوى هذه التي في سورةِ "البقرةِ"، فإنه كان يَخُصُّها بكسرِ سينِها، توجيهًا منه لمعناها إلى الإسلامِ دونَ ما سواها.
وإنما اختَرْنا مما اخْتَرنا مِن التأويلِ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
وصرَفْنا معناه إلى الإسلامِ؛ لأن الآيةَ مخاطَبٌ بها المؤمنون، فلن يعدوَ الخطابُ - إذ كان خطابًا للمؤمنين - مِن أحدِ أمرينِ؛ إمَّا أن يكونَ خطابًا للمؤمنين بمحمدٍ المُصَدِّقين به وبما جاء به، فإن يكنْ كذلك، فلا معنى لأن يقالَ لهم وهم أهلُ إيمانٍ: ادْخُلوا في صلحِ المؤمنين ومُسالمتِهم.
لأن المسالمةَ والمصالحةَ إنما يُؤْمَرُ بها مَن كان حَرْبًا بتركِ الحربِ.
فأمَّا الوليُّ فلا يجوزُ أن يقالَ له: صالِحْ فلانًا.
ولا حربَ بينَهما ولا عداوةَ.
أو يكونَ خطابًا لأهلِ الإيمانِ بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الأنبياءِ، المصدِّقين بهم وبما جاءوا به مِن عندِ اللَّهِ، المنكرين محمدًا ﷺ ونُبُوَّتَه، فقيل لهم: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾.
يعني به الإسلامَ لا الصلحَ؛ لأن اللَّهَ إنما أمَر عبادَه بالإيمانِ به وبنبيِّه محمدٍ ﷺ وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دونَ المسالمةِ والمصالحةِ، بل نهَى نبيَّه ﷺ في بعضِ الأحوالِ عن دعاءِ أهلِ الكفرِ إلى السَّلْمِ (١)، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
وإنما أباح له ﷺ في بعضِ الأحوالِ إذا دعَوْه إلى الصلحِ ابتداءً المصالحةَ، فقال له - جلَّ وعزَّ -: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
فأمَّا دعاؤُهم إلى الصلحِ ابتداءً فغيرُ موجودٍ في القرآنِ، فيجوزَ توجيهُ قولِه: (ادْخُلُوا في السَّلْمِ) إلى ذلك.
فإن قال قائلٌ: فأيَّ هذين الفريقينِ دعَا إلى الإسلامِ كافَّةً؟
قيل: قد اخْتُلِف في (١) ذلك؛ فقال بعضُهم: دُعِي إليه المؤمنون بمحمدٍ ﷺ وما جاء به.
وقال آخَرون: قيل: بل دُعِى إليه المؤمنون بمَن قبلَ محمدٍ ﷺ مِن الأنبياءِ، المُكَذِّبون بمحمدٍ ﷺ.
فإن قال: فما وجهُ دعاءِ المؤمنين (٢) بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به إلى الإسلامِ؟
قيل: وجهُ دعائِه إلى ذلك الأمرُ له بالعملِ بجميعِ شرائعِه، وإقامةِ جميعِ أحكامِه وحدودِه، دونَ تضييعِ بعضِه والعملِ ببعضِه، وإذا كان ذلك معناه، كان قولُه: ﴿كَافَّةً﴾ مِن صفةِ السِّلْمِ، ويكونُ تأويلُه: ادْخُلوا في العملِ بجميعِ معاني السلمِ، ولا تُضَيِّعوا شيئًا منه يا أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به.
وبنحوِ هذا المعنى كان يقولُ عكرمةُ في تأويلِ ذلك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: نزَلت في ثَعْلَبَةَ وعبدِ اللَّه بنِ سَلَامٍ وابنِ يَامِينَ وأسدِ وأُسَيْدِ ابْنَيْ كعبٍ وسَمْيَةَ (٣) بنِ عمرٍو (٤) وقيسِ بنِ زيدٍ، كلُّهم مِن يهودَ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، يومُ السبتِ يومٌ كنَّا نُعَظِّمُه، فدَعْنا فَلْنَسْبِتْ فيه، وإن التوراةَ كتابُ اللَّهِ، فدَعْنا فَلْنَقُمْ بها بالليلِ.
فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (١).
فقد صرَّح عكرمةُ بمعنى ما قلنا في ذلك مِن أن تأويلَ ذلك دعاءٌ للمؤمنين إلى رفضِ جميعِ المعاني التي ليست مِن حكمِ الإسلامِ، والعملِ بجميعِ شرائعِ الإسلامِ، والنهيِ عن تضييعِ شيءٍ مِن حدودِه.
وقال آخَرون: بل الفريقُ الذي دعَا إلى السِّلْمِ فقيل لهم: ادْخُلوا فيه.
بهذه الآيةِ، هم أهلُ الكتابِ، أُمِروا بالدخولِ في الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
يعني: أهلَ الكتابِ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: يعني أهلَ الكتابِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أن يقالَ: إن اللَّهَ جل ثناؤُه أمَر الذين آمَنوا بالدخولِ في العملِ بشرائعِ الإسلامِ كلِّها، وقد يَدْخُلُ في الذين آمَنوا المُصَدِّقون بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به، والمصدِّقون بمَن قبلَه مِن الأنبياءِ والرسلِ وما جاءوا به، وقد دعا اللَّهُ كلا الفريقينِ إلى العملِ بشرائعِ الإسلامِ وحدودِه، والمحافظةِ على فرائضِه التي فرَضها، ونهاهم عن تضييعِ شيءٍ من ذلك، فالآيةُ عامةٌ (١) لكلِّ مَن شمِله اسمُ الإيمانِ، فلا وجهَ لخصوصِ بعضٍ بها دونَ بعضٍ.
وبمثلِ التأويلِ الذي قلنا في ذلك كان مجاهدٌ يقولُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: ادْخُلوا في الإسلامِ كافَّةً، ادْخُلوا في الأعمالِ كافَّةً (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كَافَّةً﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿كَافَّةً﴾: عامَّةً جميعًا.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: جميعًا (٣).
حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: جميعًا (٤).
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: جميعًا (١).
وعن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجَرَّاحِ، عن النَّضْرِ، عن مجاهدٍ: ادخلوا في الإسلامِ ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال ابنُ عباسٍ: ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿كَافَّةً﴾: جميعًا.
وقرَأ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾: جميعًا.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ يقولُ: أخبرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾.
قال: جميعًا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك: اعمَلُوا أيُّها المؤمنون بشرائعِ الإسلامِ كلِّها، وادْخُلوا في التصديقِ به قولًا وعملًا، ودَعُوا طريقَ الشيطانِ وآثارَه أن تَتَّبِعوها، فإنه لكم عدوٌّ مُبِينٌ لكم عداوتَه.
وطريقُ الشيطانِ الذي نهاهم أن يَتَّبعوه هو ما خالَف حكمَ الإسلامِ وشرائعَه، ومنه تسبيتُ السبتِ وسائرُ سُنَنِ أهلِ المِلَلِ التي تُخَالِفُ ملَّةَ الإسلامِ، وقد بيَّنْتُ معنى الخطواتِ بالأدلَّةِ الشاهدةِ على صحَّتِه فيما مضَى، فكرِهْتُ إعادتَه في هذا المَوضِعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بذلك: فإن أخْطَأتم الحَقَّ، فضَلَلْتُم عنه، وخالَفتم الإسلامَ وشرائعَه، مِن بعدِ ما جاءتكم حُجَجي وبيِّنَاتُ هدايَ، واتَّضَحت لكم صحةُ أمرِ الإسلامِ بالأدلةِ التي قطَعت عذرَكم أيُّها المؤمنون، فاعْلَموا أن اللَّهَ ذو عزَّةٍ، لا يمنعُه مِن الانتقامِ منكم مانعٌ، ولا يَدْفَعُه عن عُقوبتِكم على مخالفتِكم أمرَه ومعصيتِكم إيَّاه دافعٌ، حكيمٌ فيما يفعلُ بكم مِن عقوبةٍ، على معصيتِكم إيَّاه بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليكم، وفي غيرِه مِن أمورِه.
وقد قال عددٌ مِن أهلِ التأويلِ: إن البيناتِ هي محمدٌ ﷺ والقرآنُ.
وذلك قريبٌ مِن الذي قلنا في تأويلِ ذلك؛ لأن محمدًا ﷺ والقرآنَ مِن حُجَجِ اللَّهِ على الذين خُوطِبوا [بهذه الآيةِ] (٢)، غيرَ أن الذي قلناه في تأويلِ ذلك أَوْلَى بالحقِّ؛ لأن اللَّهَ قد احتجَّ على مَن خالَف الإسلامَ مِن أحبارِ أهلِ الكتابِ، بما عهِد إليهم في التوراةِ والإنجيلِ، وتقدَّمَ إليهم على ألسُنِ أنبيائهم بالوَصاةِ به، فذلك وغيرُه مِن حُجَجِ اللَّهِ عليهم مع ما لزِمهم مِن الحُجَّةِ بمحمدٍ ﷺ وبالقرآنِ، فلذلك اختَرنا ما اختَرنا مِن التأويلِ في ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ أقوالِ القائلين في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾ حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾.
يقولُ: فإن ضلَلتُم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ﴾.
قال: والزللُ الشركُ (٢).
ذكرُ أقوالِ القائلين في تأويلِ قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يقولُ: مِن بعدِ ما جاءكم محمدٌ ﷺ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
قال: الإسلامُ والقرآنُ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
يقول: عزيزٌ في نِقْمتِه، حكيمٌ في أمرِه (٤).
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك: هل يَنْظُرُ المكذِّبون بمحمدٍ ﷺ وما جاء به، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ والملائكةُ.
ثم اخْتَلَفت القَرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأ بعضُهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ؛ عطفًا بالملائكةِ على اسمِ اللَّهِ (١)، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، عن أبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيهم اللَّهُ والمَلَائِكَةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ).
قال: يأتي الملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، ويأتي اللَّهُ فيما شاء (٣).
وقد حُدِّثْتُ هذا الحديثَ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية.
وقال أبو جعفرٍ الرازيُّ: وهي في بعضِ القراءةِ: (هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ والملائكةُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ).
كقولِه: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥].
وقرَأ ذلك آخَرون: (هل ينظُرون إلا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ والملائكةِ) بالخفضِ؛ عطفًا بالملائكةِ على الظُّللِ، بمعنى: هل ينظرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ.
وكذلك اختلَفت القَرأةُ في قراءةِ ﴿ظُلَلٍ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾.
وبعضُهم: (في ظلالٍ) (١).
فمَن قرَأها: ﴿فِي ظُلَلٍ﴾.
فإنه وجَّهها إلى أنها جمعُ (٢) ظُلَّةٍ، والظُّلَّةُ تُجْمَعُ ظُلَل وظلال، كما تُجْمَعُ [الحُلةُ حُلل] (٣)، [والجُلة جِلال] (٤) وأمَّا الذي قرَأها: (في ظِلالٍ).
فإنه جعَلها جمعَ ظُلَّةٍ، كما ذكَرْنا مِن جمعِهم [الجُلة جِلالًا] (٥).
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ قارئُه كذلك وجَّهه إلى أن ذلك جمعُ ظِلٍّ؛ لأن الظُّلَّةَ والظِّلَ قد يُجْمعانِ جميعًا: ظِلال.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
لخبرٍ رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إن مِن الغمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا" (٦).
فدَلَّ بقولِه: "طاقاتٍ".
على أنها ظُلَلٌ لا ظِلالٌ؛ لأن واحدَ الظُّلَلِ (١) ظُلَّةٌ، وهي الطاقُ، واتِّباعًا لخطِّ المصحفِ، وكذلك الواجبُ في كلِّ ما اتَّفَقت معانيه واخْتَلَفت في قراءتِه القَرأةُ، ولم يكنْ على إحدى القراءتينِ دلالةٌ تَنفَصِلُ بها مِن الأخرى غيرَ اختلافِ خطِّ المصحفِ، فالذي ينبغي أن تُؤْثَرَ قراءتُه منها (٢) ما وافقَ رسمَ المصحفِ.
وأمَّا الذي هو أَوْلَى القراءتينِ في: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [بالصوابِ، فالرفعُ] (٣)، عطفًا بها على اسمِ اللَّهِ، على معنى: هل ينظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ، وإلَّا أن تأتيَهم الملائكةُ.
على ما رُوِي عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ؛ لأن اللَّهَ جل ثناؤُه قد أخبَر في غيرِ موضعٍ مِن كتابِه أن الملائكةَ تأتيهم، فقال جل ثناؤُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].
وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
فإن أشْكَل على امرئٍ قولُ اللَّهِ جل ثناؤه: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.
فظنَّ أنه مخالفٌ معناه معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
إذ كان قولُه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ في هذه الآيةِ بلفظِ جمعٍ، وفي الأخرى بلفظِ الواحدِ، فإن ذلك خطأٌ مِن الظَّنِّ (٤)، وذلك أن الملَكَ في قولِه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الجميعِ ومعنى الملائكةِ، والعربُ تَذْكُرُ الواحدَ بمعنى الجميعِ، فتقولُ: فلانٌ كثيرُ الدرهمِ والدينارِ.
يُرادُ به الدراهمُ والدنانيرُ.
و: هلَك البعيرُ والشاةُ.
بمعنى جماعةِ الإبلِ والشاءِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَالْمَلَكُ﴾ بمعنى الملائكةِ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
وهل هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ جل ثناؤه، أوْ مِن صلةِ فعلِ الملائكةِ، ومَن الذي يَأتي فيها؟
فقال بعضُهم: هو مِن صلةِ فعلِ اللَّهِ، ومعناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ من الغمامِ وأن يأتيَهم الملائكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
قال: هو غيرُ السَّحابِ، لم يكنْ إلَّا لبني إسرائيلَ في تِيهِهم حينَ تاهوا، وهو الذي يأتي اللَّهُ فيه يومَ القيامةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
قال: يأتيهم اللَّهُ وتأتيهم الملائكةُ عندَ الموتِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال عكرمةُ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
قال: طاقاتٌ مِن الغمامِ، والملائكةُ حولَه.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال غيرُه: والملائكةُ بالموتِ (٣).
وقولُ عكرمةَ هذا وإن كان موافقًا قولَ مَن قال: إن قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
مِن صلةِ فعلِ الربِّ ﵎ الذي قد تقدَّم ذكْرُناه، فإنه له مخالِفٌ في صفةِ الملائكةِ، وذلك أن الواجبَ مِن القراءةِ على تأويلِ قولِ عكرمةَ هذا في الملائكةِ الخفضُ؛ لأنه تأوَّلَ الآيةَ: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ وفي الملائكةِ.
لأنه زعَم أن اللَّهَ تعالى يأتي في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ حولَه.
هذا إن كان وجَّهَ قولَه: والملائكةُ حولَه.
إلى أنهم حولَ الغمامِ، وجعَل الهاءَ في "حولَه" مِن ذكرِ الغمامِ.
وإن كان وجَّه قولَه: والملائكةُ حولَه.
إلى أنهم حولَ الربِّ ﵎، وجعَل الهاءَ في قولِه (١) مِن ذكرِ الربِّ ﷿، فقولُه نظيرُ قولِ الآخَرين الذين قد ذكَرْنا قولَهم، غيرُ مخالفِهم في ذلك.
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
من صلةِ فعلِ الملائكةِ، وإنما تأتي الملائكةُ فيها، فأمَّا الربُ تعالى ذكرُه فإنه يأتي فيما شاء.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية.
قال: ذلك يومَ القيامةِ، تأتيهم الملائكةُ في ظُلَلٍ من الغمامِ.
قال: الملائكةُ يجيئون في ظللٍ مِن الغمامِ، والربُّ ﵎ يجيءُ فيما شاء.
وأوْلى التأويلينِ بالصوابِ في ذلك تأويلُ مَن وجَّه قولَه: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾.
إلى أنه مِن صلةِ فعلِ الربِّ، وأن معناه: هل يَنْظُرون إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُللٍ مِن الغمامِ وتأتيَهم الملائكةُ؛ لِما حدَّثنا به محمدُ بنُ حُمَيْدٍ الرازيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ المختارِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن زَمْعَةَ بنِ صالحٍ، عن سلَمةَ بنِ وَهْرَامَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "إن مِن الغَمامِ طاقاتٍ يأتي اللَّهُ فيها محفوفًا".
وذلك قولُه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ (١).
وأمَّا معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ فإنه: ما يَنْظُرون.
وقد بيَّنَّا ذلك بعِلَلِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ.
ثم اخْتُلِف في صفةِ إتيانِ الربِّ ﵎ الذي ذكَره في قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾.
فقال بعضُهم: لا صفةَ لذلك غيرُ الذي وصَف به نفسَه ﷿ مِن المجيءِ والإتيانِ والنزولِ، وغيرُ جائزٍ، تكلُّفُ القولِ في ذلك لأحدٍ إلَّا بخبرٍ مِن اللَّهِ ﷻ، أو مِن رسولٍ مُرسلٍ.
فأمَّا القولُ في صفاتِ اللَّهِ وأسمائِه، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ مِن جهةِ الاستخراجِ إلَّا بما ذكَرْنا.
وقال آخَرون: إتيانُه جلَّ ذكرُه نظيرُ ما يُعْرَفُ مِن مجيءِ الجائي مِن موضعٍ إلى موضعٍ، وانتقالِه مِن مكانٍ إلى مكانٍ.
وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾.
يعني به: هل يَنْظُرونَ إلَّا أن يأتيَهم أمرُ اللَّهِ، كما يقالُ: قد خشِينا أن تأتيَنا بنو أميَّةَ.
يُرادُ به: حُكْمُهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: هل يَنْظُرون إلا أن يأتيَهم ثوابُه وحسابُه وعذابُه، كما قال ﷿: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: ٣٣].
وكما يقالُ: قطَع الوالي اللِّصَّ أو ضرَبه.
وإنما قطَعه أعوانُه.
وقد بيَّنَّا معنى "الغمامِ" فيما مضَى مِن كتابِنا هذا قبلُ، فأغْنَى ذلك عن تكريرِه؛ لأن معناه ههنا هو معناه هنالك (١).
فمعنى الكلام إِذن: هل ينتظِرُ التاركون الدخولَ في السِّلْمِ كافَّةً، والمُتَّبِعون خُطواتِ الشيطانِ، إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظللٍ من الغمامِ، فيَقْضِيَ في أمرِهم ما هو قاضٍ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحاربيُّ، عن إسماعيلَ بنِ رافعٍ المَدَنيِّ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "تُوقَفون مَوْقِفًا واحدًا يومَ القيامةِ مقدارَ سبعين عامًا، لا يُنْظَرُ إليكم، وَلا يُقْضَى بينكم، قد حُصِر عليكم، فتَبْكون حتى يَنْقَطِعَ الدمعُ، ثم تدمَعون دمًا، وتبكون حتى يبلُغَ ذلك منكم الأذقانَ، أو يُلْجِمَكم فتَضِجُّون (٢)، ثم تقولون: مَن يَشْفَعُ لنا إلى ربِّنا فيَقضِيَ بيننا؟
فيقولون: مَن أحقُّ بذلك مِن أبيكم آدمَ؛ جبَل اللَّهُ تربتَه (٣)، وخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه مِن رُوحِه، وكلَّمه قِبَلًا.
فيُؤْتَى آدمُ، فيُطْلَبُ ذلك إليه، فيَأْبَي، ثم يَسْتَقْرِئون الأنبياءَ نبيًّا نبيًّا، كلَّما جاءوا نبيًّا أبَى".
قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "حتى يأتوني، فإذا جاءوني خرَجتُ حتى آتِيَ الفَحْصَ".
قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللَّهِ، وما الفَحْصُ؟
قال: "قُدَّامُ العرشِ، فأَخِرَّ ساجدًا، فلا أزالُ ساجدًا حتى يبعثَ اللَّهُ إليَّ مَلَكًا، فيأخُذَ بعَضُدِي فيَرْفَعَني، ثم يقولُ اللَّهُ لي: يا (٤) محمدُ.
فأقولُ: نعم - وهو أعلمُ - فيقولُ: ما شأنُك؟
فأقولُ: يا ربِّ، وعَدتَني الشفاعةَ، فشَفِّعْنِي (١) في خلقِك فاقضِ بينهم.
فيقولُ: قد شفَّعْتُك، أنا آتيكم فأقْضِي بينَكم".
قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فأَنْصَرِفُ حتى أَقِفَ معَ الناسِ، فبَيْنما (٢) نحنُ وُقُوفٌ سمِعْنا حسًّا مِن السماءِ شديدًا، فهَالَنا، فنزَل أهلُ السماءِ الدنيا بمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرضِ أشْرَقتِ الأرضُ بنورِهم (٣)، وأخَذوا مصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟
قالوا: لا، وهو آتٍ.
ثم نزلَ أهلُ السماءِ الثانيةِ بمِثْلَيْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن فيها مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم (٣)، وأخَذوا مَصافَّهم، فقلنا لهم: أفيكم ربُّنا؟
قالُوا: لا، وهو آتٍ.
ثم نزَل أهلُ السماءِ الثالثةِ بمِثْلَيْ مَن نزَل مِن الملائكةِ، وبمِثْلَيْ مَن في الأرضِ مِن الجنِّ والإنسِ، حتى إذا دَنَوْا مِن الأرْضِ أشْرَقت الأرضُ بنورِهم، وأخَذوا مَصافَّهم، وقلنا لهم: أَفيكم رُّبنا؟
قالوا: لا، وهو آتٍ.
ثم نزَل أهلُ السماواتِ على قدرِ (٤) ذلك مِن التضعيفِ، حتى نزَل الجبَّارُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ والملائكةُ ولهم زَجَلٌ مِن تسبيحِهم، يقولون: سبحانَ ذي المُلْكِ و (٥) الملكوتِ، سبحانَ ربِّ العرشِ ذي الجبروتِ، سبحان الحيِّ الذي لا يموتُ، سبحانَ الذي يُمِيتُ الخلائقَ ولا يموتُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ، قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ، سبحانَ ربِّنا الأعلى، سبحانَ ذي السلطانِ والعظمةِ، سبحانَه أبدًا أبدًا.
فيَنْزِلُ ربُّنا ﵎ يَحْمِلُ عرشَه يومئذٍ ثمانيةٌ، وهم اليومَ أربعةٌ؛ أقدامُهم على تُخُومِ الأرضِ السفلَى، والسماواتُ إلى حُجَزِهم، والعرشُ على مناكبِهم، فوضَع اللَّهُ ﵎ عرشَه حيثُ شاء مِن الأرضِ، ثم يُنادِي مُنادٍ نداءً يُسْمِعُ الخلائقَ، فيقولُ: يا معشرَ الجنِّ والإنسِ، إني قد أنْصَتُّ منذُ يومِ خلَقتُكم إلى يومِكم هذا، أسمَعُ كلامَكم، وأُبْصِرُ أعمالَكُم، فأَنْصِتوا إليَّ، فإنما هي صُحُفُكم وأعمالُكم تُقْرَأُ عليكم، فمَن وجَد خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَد غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ (١) إلَّا نفسَه.
فيَقْضِي اللَّهُ ﵎ بينَ خلقِه الجنِّ والإنسِ والبهائمِ، فإنه لَيُقِيدُ (٢) يومئذٍ للجمَّاءِ مِن ذَاتِ القَرْنِ" (٣).
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على خطإِ قولِ قتادةَ في تأويلِه قولَه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾.
أنه معنيٌّ به: و (٤) الملائكةُ تأتيهم عندَ الموتِ؛ لأنه ﷺ ذكَر أنهم يأتونهم بعدَ قيامِ الساعةِ في موقفِ الحسابِ حينَ تَشَقَّقُ السماءُ.
وبمثلِ ذلك رُوِي الخبرُ عن جماعةٍ مِن الصحابةِ والتابعين، كرِهنا إطلالةَ الكتابِ بذكرِهم وذكرِ ما قالوا في ذلك.
ويُوَضِّحُ أيضًا صحَّةَ ما اخترْنا [مِن القراءةِ في] (١) قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ بالرفعِ على معنى: وتأتيهم الملائكةُ.
ويُنبِئُ (٢) عن خطإِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالخفضِ؛ لأنه أخْبَر ﷺ أن الملائكةَ تأتي أهلَ القيامةِ في موقفِهم حينَ تَفَطَّرُ السماءُ قبلَ أن يأتيَهم ربُّهم في ظُلَلٍ مِن الغمامِ، إلَّا أن يكونَ قارئُ ذلك ذهَب إلى أنه تعالى ذكرُه عنَى بقولِه ذلك: إلَّا أن يأتيَهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ.
وفي الملائكةِ الذين يأتون أهلَ الموقفِ حينَ يأتيهم اللَّهُ في ظُلَلٍ مِن الغمامِ.
فيكونُ ذلك وجهًا مِن التأويلِ وإن كان بعيدًا مِن قولِ أهلِ العلمِ ودلالةِ الكتاب وآثارِ رسولِ اللَّهِ ﷺ الثابتةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.
يعني جل ثناؤه بذلك: وفُصِل القضاءُ بالعدلِ بينَ الخلقِ، على ما قد ذكَرْنا قبلُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ مِن أخذِ الحقِّ لكلِّ مظلومٍ مِن كلِّ ظالمٍ، حتَّى القصاصِ للجمَّاءِ مِن القرناءِ مِن البهائمِ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
فإنه يعني: وإلى اللَّهِ يئولُ القضاءُ بينَ خلقِه يومَ القيامةِ والحكمُ بينهم في أمورِهم التي جرَت بينهم في الدنيا، مِن ظلمِ بعضِهم بعضًا، واعتداءِ المعتدِي منهم حدودَ اللَّهِ، وخلافِ أمرِه، وإحسانِ المحسنِ منهم، وطاعتِه إيَّاه فيما أمَره [ونهاه] (٣)، فيفصلُ بينَ المتظالمين، ويُجازِي أهلَ الإحسانِ بالإحسانِ، وأهلَ الإساءةِ بما رأى، أو (٤) يتَفَضَّلُ على مَن لم يكنْ منهم كافرًا به فيعفو.
ولذلك قال جل ثناؤه: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾.
وإن كانت أمورُ الدنيا كلُّها والآخرةِ مِن عندِه مَبْدَؤُها وإليه مصيرُها، إذ كان خلقُه في الدنيا يتظالمون، ويَلِي النظرَ بينهم أحيانًا في الدنيا بعضُ خلقِه، والحكمَ (١) بينهم بعضُ عبيدِه، فيَجورُ بعضٌ، ويَعْدِلُ بعضٌ، ويُصِيبُ واحدٌ، ويُخْطِئُ آخرُ، ويُمْكِنُ (٢) تنفيذُ الحكمِ على بعضٍ، ويَتَعذَّرُ ذلك على بعضٍ لمَنَعَةِ جانبِه وغَلَبتِه بالقوةِ.
فأعْلَم عبادَه تعالى ذكرُه أن مرجعَ ذلك كلِّه إليه في موقفِ القيامةِ، فيُنْصِفُ كُلًّا من كلٍّ، ويُجَازِي حقَّ الجزاءِ كلًّا، حيثُ لا ظُلمَ ولا مُمْتَنَعَ مِن نفوذِ حكمِه عليه، وحيثُ يَسْتوِي الضعيفُ والقويُّ، والفقيرُ والغنيُّ، ويَضْمحِلُّ الظلمُ، ويَنزِلُ سلطانُ العدلِ.
وإنما أدْخَل - جل وعز - الألفَ واللامَ في "الأمورِ"؛ لأنه جل ثناؤُه عنَى بها جميعَ الأمورِ، ولم يَعْنِ بها بعضًا دونَ بعضٍ، فكان ذلك بمعنى قولِ القائلِ: يُعْجِبُني العسلُ.
و: البغلُ أقوى مِن الحمارِ.
فيُدْخِلُ فيه الألفَ واللامَ؛ لأنه لم يَقْصِدْ به قَصْدَ بعضٍ دونَ بعضٍ، وإنما يُرادُ به العمومُ والجمعُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك: سل يا محمدُ بني إسرائيلَ الذين لا يَنْتظِرون بالإنابةِ إلى طاعتِي والتوبةِ إليَّ بالإقرارِ بنبوتِك وتصديقِك فيما جِئتَهم به مِن عندِي، إلا أن آتيَهم في ظُللٍ مِن الغمامِ وملائكتِي، فأفْصِلَ القضاءَ بينَك وبينَ مَن آمَن بك وصدَّقك بما أنزَلتُ إليك مِن كُتبِي، وفرضْتُ عليك وعليهم مِن شرائعِ دينِي، وبينَهم - كم جِئتُهم به مِن قبلِك مِن آيةٍ وعلامةٍ على ما فرَضتُ عليهم مِن فرائضِي، وأمَرتُهم به مِن طاعتِي، وتابعتُ عليهم مِن حُجَجِي على أيدي أنبيائي ورسلي مِن قبلِك، مؤيِّدةً (١) لهم على صدقِهم، بيِّنةً أنها مِن عندِي، واضحةً أنها مِن أدلتِي على صدقِ نُذرِي ورسلي فيما افترَضتُ عليهم مِن تصديقِهم وتصديقِك، فكفروا حُججِي، وكذَّبوا رسلي، وغَيَّروا نِعَمِي قبلَهم، وبدَّلوا عهدِي ووصيتي إليهم.
وأما الآيةُ فقد بيَّنتُ تأويلَها فيما مضَى مِن كتابِنا بما فيه الكفايةُ (٢)، وهي ههنا ما حدَّثنا به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾: ما ذكَر اللَّهُ في القرآنِ وما لم يذكُرْ، وهم يهودُ (٣).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾.
يقولُ: آتاهم اللَّهُ آياتٍ بيناتٍ؛ عصا موسى، ويدَه، وأقْطَعَهم البحرَ، وأغرَق عدوَّهم وهم ينظُرون، وظلَّلَ عليهم الغَمامَ، وأنزَل عليهم المَنَّ والسَّلْوَى (٤).
وذلك مِن آياتِ اللَّهِ التي آتَى بني إسرائيلَ في آياتٍ كثيرةٍ غيرِها، خالَفوا معها أمرَ اللَّهِ، وقتَلوا أنبياءَه ورسلَه، وبدَّلوا عهدَه ووصيتَه إليهم، قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
وإنما سلَّى (١) اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ بهذه الآيةِ (٢)، فأمَره بالصبرِ على مَن كذَّبه واسْتَكبَر على ربِّه، وأخبَره أن ذلك فِعلُ مَن قبلَه مِن سُلَّافِ الأممِ قبلَهم بأنبيائِهم، مع مُظاهرتِه عليهم الحُجَجَ، وأن مَن هو بينَ أظهُرِهم مِن اليهودِ إنما هم مِن بقايا مَن جَرَت عاداتُهم مِمن (٣) قصَّ عليه قصصَهم مِن بني إسرائيلَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١)﴾.
يعني جل ثناؤُه بالنعمةِ (٤): الإسلامَ وما فرَض مِن شرائعِ دينِه، ويعني بقولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾: ومَن يُغيِّرْ ما عهِد (٥) اللَّهُ في نعمتِه التي هي الإسلامُ مِن العمل به (٦) والدخولِ فيه فيَكْفرْ به، فإنه معاقبُه بما أوعَد على الكفرِ به مِن العقوبةِ، واللَّهُ شديدٌ عقابُه، أليمٌ عذابُه.
فتأويلُ الآيةِ إذن: يا أيها الذين آمنوا بالتوراةِ فصدَّقوا بها، ادْخُلوا في الإسلامِ جميعًا ودَعُوا الكفرَ، وما دعاكم إليه الشيطانُ مِن ضَلالتِه، وقد جاءتكم البيناتُ مِن عندِي بمحمدٍ، وما أظْهَرتُ على يديه لكم من الحُججِ والعِبَرِ، ولا تُبدِّلوا عهدِي إليكم فيه، وفيما جاءكم به مِن عندِي في كتابِكم بأنه نبيِّي ورسولي، فإنه مَن يبدِّلْ ذلك منكم فيُغيِّرْه، فإني له مُعاقبٌ بالأليمِ من العقُوبةِ.
وبمثلِ الذي قُلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾.
قال (١) أهلُ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ﴾.
قال: يَكْفرْ بها (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مِثلَه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾.
قال: يقولُ: مَن يُبَدِّلْها كُفرًا (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: ومَن يَكْفُرْ نعمتَه مِن بعدِ ما جاءته (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
يعني جل ثناؤُه بذلك: زُيِّنَ للذين كفروا حبُّ الحياةِ [العاجلةِ في الدارِ الدنيا] (٥)، فهم يَبْتَغون فيها المُكاثرةَ والمُفاخرةَ، ويَطْلُبون فيها الرياساتِ والمُباهاةَ، ويَسْتكبِرون عن اتِّباعِك يا محمدُ والإقْرارِ بما جئْتَهم (١) به مِن عندِي؛ تَعظُّمًا منهم على مَن صدَّقك واتَّبعك، ويَسْخرون ممن يَتَّبِعُك مِن أهلِ الإيمانِ والتصديقِ بك، في تركِهم المُكاثرةَ والمُفاخرةَ بالدنيا وزينتِها مِن الرِّياشِ والأموالِ وطلبِ الرياساتِ، وإقبالِهم على طلبِهم ما عندِي برفضِ الدنيا وتَرْكِ زينتِها.
والذين عَمِلوا لي وأقْبَلوا على طاعتِي، ورفَضوا لذَّاتِ الدنيا وشهواتِها، اتِّباعًا لك وطلبًا لما عندِي، واتِّقاءً منهم لي بأداءِ فرائضِي وتَجنُّبِ معاصيَّ - فوقَ الذين كفروا يومَ القيامةِ، بإدخالِي المتقين الجنةَ، وإدخالِي الذين كفروا النارَ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك مِن التأويلِ قال جماعةٌ [من أهلِ التأويلِ] (٢).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ قولَه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾.
قال: الكفارُ يَبْتغون الدنيا ويَطْلُبونها، ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في طلبِهم الآخرةَ.
قال ابنُ جريجٍ: و (٣) لا أحسبُه إلا عن عِكرمةَ، قال: قالوا: لو كان محمدٌ نبيًّا كما يقولُ، لاتَّبَعه أشرافُنا وساداتُنا، واللَّهِ ما اتَّبعَه إلا أهلُ الحاجةِ مِثلُ ابنِ مسعودٍ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ﴾.
قال: فوقَهم في الجنةِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ يُعْطِي الذين اتقَوا يومَ القيامةِ مِن نعمِه وكراماتِه وجزيلِ عطاياه، بغيرِ محاسبةٍ منه له (٢) على ما منَّ به عليه (٣) مِن كرامتِه.
فإن قال لنا قائلٌ: وما في قولِه: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ من المَدْحِ؟
قيل: المعنى الذي فيه مِن المدحِ، الخبرُ عن أنه غيرُ خائفٍ نَفادَ خَزائنِه، فيحتاجَ إلى حسابِ ما يَخرجُ منها، إذ كان الحسابُ مِن المُعْطِي إنما يكونُ ليَعْلمَ قَدْرَ العطاءِ الذي يَخْرجُ مِن مِلْكِه إلى غيرِه، لئلا يَتجاوزَ في عطاياه إلى ما يُجْحِفُ به، فرَبُّنا تعالى ذكرُه غيرُ خائفٍ نَفادَ خزائنِه، ولا انتقاصَ شيءٍ مِن مِلكِه بعطائِه ما يُعطِي عبادَه، فيحتاجُ إلى حسابِ ما يُعطِي، وإحصاءِ ما يُبقِي، فذلك المعنى الذي في قولِه: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [من المدحِ] (٤).
القولُ في تأويل قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى الأمةِ في هذا الموضعِ، وفي الناسِ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم كانوا أمَّةً واحدةً؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلَفوا بعدَ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، [عن قتادةَ] (١)، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ، كلُّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين.
قال: وكذلك هي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمةً واحدةً فاختَلفوا) (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
فكان أولَ نبيٍّ بُعِثَ نوحٌ (٣).
فتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذي ذَكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّبْيانيُّ (٤): حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً … وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ يعني ذا الدينِ.
فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولِ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ (١) ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرين ومُنْذِرين.
وأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتمِعُ على دينٍ واحدٍ، ثم يُكْتفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن (٢) الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨].
يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.
فوجَّه ابنُ عباسٍ في تَأويلِه قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا.
وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِه، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين في ولدِه.
ووَجَّهوا معنى الأُمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠].
يعني بقولِه: ﴿أُمَّةً﴾: إمامًا في الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَّبعُ عليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: آدمُ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: آدمُ.
قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرِين ومُنذرِين، [يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِيِّينَ مُبشِّرِين ومنذرِين] (١).
قال مجاهدٌ: آدمُ أُمةٌ واحدةٌ.
وكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةَ (٢) الواحدِ باسمِ الجماعةِ، لاجْتماعِ خِلالِ (٣) الخيرِ التي (٤) تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ.
كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه.
بمعنى أنه] (٥) يَقومُ مَقامَ الأُمةِ.
وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجْتماعِ الأشتاتِ (٦) مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (٣) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماعِ مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالِ اخْتِلافِهم، سمَّاه بذلك أُمةً.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان الناسُ أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيةَ آدمَ مِن صلبِه، فعرَضهم على آدمَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
وعن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، ففَطَرهم (١) اللَّهُ (٢) يومَئذٍ على الإسلامِ، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أُمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم ثم اخْتلَفوا مِن بعدِ آدمَ، فكان أُبيٌّ يقرَأُ: (كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلَفوا فبعَث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين) إلى (فيما اختلفوا فيه) وأنّ اللَّهَ إنما بعَث الرسلَ، وأنزَل الكتبَ عندَ الاختلافِ (٣).
حدّثني يونُسُ، قالَ: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
قال: هذا حين تَفرَّقتِ الأُممُ (٤).
وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلِ (٥) مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ.
وقد بيَّنا معناه هنالك، إلا أن الوقتَ الذي كان الناسُ فيه أُمةً واحدةً مُخالفٌ الوقتَ الذي وَقَّتَه ابنُ عباسٍ.
وقال آخرون بخلافِ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: [كان الناسُ أُمةً واحدةً على الكفرِ باللَّهِ] (٦)، فبَعث اللَّهُ النَّبِيين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ: [كانوا كفارًا] (١)، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ (٢).
وأوْلَى التأويلاتِ في هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ ﷿ أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾.
يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينِ آدمَ، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبيُّ بنُ كعبٍ.
وكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (اخْتلَفوا [عنه): عن] (٣) الإسلامِ (٤).
قال أبو جعفر: فاختلَفوا في دينِهم، فبعَث اللَّهُ عندَ اختلافِهم في دينِهم النَّبِيينَ مُبشرينَ ومُنذرين، وأنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلَفوا فيه، رحمةً منه جل ذِكْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم.
وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذي كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى (١) عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ.
[وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ] (٢).
وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عرَض على آدمَ خلقَه.
وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك في وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دَلالةَ من كتاب اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أيِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك.
فغيرُ جائزٍ أن نقولَ (٣) فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ.
ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتِ ذلك، كما لا يَنفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةً، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فإن دليلَ القرآنِ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمةً واحدةً على الإيمانِ ودينِ الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قال في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "يُونسُ": ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
فتَوعَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونِهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ كان على الكفرِ، ثم كان الاختلافُ (٤) بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أوْلَى بحكمتِه جل ثناؤه في ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ؛ لأنها حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتوعَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ.
وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾.
فإنه يعني أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ.
ويعني بقولِه: ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ في النارِ، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
يعني بذلك: ليَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتلَف المُختلِفون فيه.
فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ، وأنه الذي يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِيين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِيين والمُرسلين بحُكمٍ (١)، إنما يَحكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذي أنزَله اللَّهُ ﵎، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلَّ (٢) على صِحَّتِه من الحُكْمِ، حاكمًا بينَ الناسِ، وإن كان الذي يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به (٣) غيرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: وما اخْتَلَف في الكتابِ الذي أنزَله وهو التوراةُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، يعني بذلك اليهودَ مِن بني إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها.
والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾ (٤).
عائدةٌ على الكتابِ الذي أنزلَه اللَّهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يعني بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه.
فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكمَ (١) التوراةِ، واخْتلَفوا فيه على علمٍ منهم بخطإٍ (٢) ما يَأتُون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و (٣) حكمِ كتابِه.
ثم أخْبَر جل ثناؤُه أن تَعمُّدَهم الخطيئةَ التي أتَوها (٤)، ورُكوبَهم المعصيةَ التي رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينَهم.
والبغيُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًا.
إذا طَغَى واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجُرحِ إذا [اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِي بَغْيًا] (٥)، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى.
كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه.
فمعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ في كتابي الذي أنزَلتُه مع نبيٍّ عن جهلٍ منهم به، بل كان اختلافُهم فيه وخلافُ حُكمِه مِن بعدِ ما ثَبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بني إسرائيلَ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾.
يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: بغيًا على الدنيا، وطَلَبَ مُلْكِها وزُخْرفِها وزينتِها، أيُّهم يكونُ له الملكُ والمَهابةُ في الناسِ، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، [وضرَب] (١) بعضُهم رقابَ بعضٍ (٢).
ثم اخْتلَف أهلُ العربيةِ في ﴿مِنْ﴾ التي في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما حكمُها ومعناها؟
وما المعنى [المستثْنى من] (٣) قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؟
فقال بعضُهم: المستثنى (٤) مِن ذلك الذين (٥) أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له.
غيرَ أنه زعَم أن معنى الكلامِ: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًا بينهم مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
وقد أنكَر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْديمِ البَغْيِ قبلَ ﴿مِنْ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إن (٦) كان الجالِبُ لها البَغْيَ، فخطأٌ أن يتقدَّمَه (٧)؛ لأن البغيَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه.
وزعَم منكِرُ ذلك أن ﴿الَّذِينَ﴾ مُسْتَثْنًى، وأن ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
مُسْتَثنًى، [وأن ﴿بَغْيًا﴾ مستثنًى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنًى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ] (١)، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه (٢) إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
فكأنه كرَّر الكلامَ توكيدًا.
وهذا القولُ الثاني أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدِ قيامِ الحجةِ عليهم ومجيءِ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ، وكذلك لم يختلِفوا إلا بغيًا.
فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾: فوفَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه.
وكان اختِلافُهم الذي خذَلهم اللَّهُ فيه، وهدَى له الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ، فوفَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرضَتْ عليهم كالذي فُرضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال ﷺ: "نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا (٣) اليومُ الذي اخْتَلَفوا فيه، فهدانا اللَّهُ له، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ".
حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ] (٤)، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ.
فذكَر الحديثَ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
قال: قال النبىُّ ﷺ: "نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذى هدانا اللهُ له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى" (٢).
وكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
للإسلامِ، واختلفوا في الصلاةِ، فمنهم مَن يُصَلِّى إلى المشرقِ، ومنهم مَن يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فهدانا اللهُ للقِبْلةِ.
واخْتلَفوا في الصيامِ، فمنهم مَن يَصومُ بعضَ يومٍ، وبعضُهم بعضَ ليلةٍ، وهدانا اللهُ له.
واخْتلَفوا في يومِ الجُمعةِ، فأخَذت اليهودُ السبتَ وأخَذت النصارَى الأحدَ، فهدانا اللَّهُ له.
واخْتلَفوا في إبراهيمَ، فقالت اليهودُ: كان يهوديًّا.
وقالت النصارى: كان نصرانيًّا.
فبَرَّأه اللهُ مِن ذلك، وجعَله حنيفًا مسلمًا، [فهدَى اللهُ أمةَ محمدٍ ﷺ للحقِّ من ذلك، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا] (١) وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ.
واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه.
فهذا الذى قال اللهُ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (٢).
قَال (٣): فكانت هدايةُ اللهِ جل ثناؤُه الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بني إسرائيلَ الذين أوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإِذنِه، أن وَفَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفين الذين وصَف اللهُ صِفتَهم في هذه الآيةِ إذ كانوا أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً (٤) وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: فهداهم اللهُ عندَ الاختلافِ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ، أقاموا على الإخلاصِ لِلَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذى كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ، وقومِ شعيبٍ، وآلِ فرعونَ، أن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم (١).
وهى في (٢) قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] (٣) شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ).
فكان أبو العاليةِ يقولُ: في هذه الآيةِ المَخْرجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ (٤).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
يقولُ: اختَلف الكفارُ فيه، فهدَى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك.
وهى في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فهدَى اللهُ الذين آمنوا لِما اختلَفوا [عنه): عنْ] (٥) الإسلامِ (٦).
وأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه [بهم لِما] (٧) هداهم له.
وقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا (٨) كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا (٩).
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
فإنه يعنى به: واللهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويمِ، على الحقِّ الذى لا اعوجاجَ فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه.
وفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ في دينِهم أو دنياهم، فمِن اللهِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟
فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهَبْتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مما (١) اختلف فيه مِن كتابِ اللهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم، وثبَت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها، فهدَى اللهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرَّفوا الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ.
قال أبو جعفرٍ: فإن أشْكَل ما قُلْنا على ذى غَفْلةٍ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و ﴿مِنَ﴾ إنما هي في كتابِ اللهِ في ﴿الْحَقِّ﴾، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟
قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللهُ ﵎ إنما خاطَبهم بمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعر (٢): كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كما … كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ وإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخرُ (١): إنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى (٢) به العَينُ إذا ما تجْهَرُهْ وإنما السِّراجُ الذى يَحْلَى (٢) بالعين، لا العينُ بالسراجِ (٣).
وقد قال بعضُهم: إن معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلَفوا، فكفَر بعضُهم بكتابِ بعضٍ، وهي كلٌّ (٤) مِن عندِ اللهِ، فهدَى اللهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ للتصديقِ بجميعِها.
وذلك قولٌ، غيرَ أن الأولَ أصحُّ القولين؛ لأن اللهَ إنما أخبَر باختلافِهم في كتابٍ واحدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾.
أما قولُه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾.
فإنه (٥) اسْتَفهم بـ "أَمْ" في ابتداءٍ لم يَتقدَّمْه حَرْفُ اسْتِفهامٍ، لسُبوقِ (٦) كلامٍ هو به مُتصِلٌ، ولو لم يَكُنْ قبلَه كلامٌ يكونُ به متصلًا وكان ابتداءً، لم يكن إلا بحرفٍ مِن حروفِ الاستفهامِ؛ لأن قائلًا لو كان قال مبتدِئًا كلامًا لآخرَ: أم عندَك أخوك.
لكان قائلًا ما لا معنى له، ولكن لو قال: أنت رجلٌ مُدِلٌّ بقُوتِك أم عندَك أخوك ينصُرُك.
كان مُصِيبًا.
وقد بيَّنا بعضَ هذا المعنى فيما مضَى مِن كتابِنا هذا بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (١).
فمعنى الكلامِ: أحسِبتم أنكم أيُّها المؤمنون باللهِ ورسولِه (٢) تَدْخلون الجنةَ ولم يُصِبْكم مِثْلُ ما أصاب مَن قبلَكم مِن أتباعِ الأنبياءِ والرسلِ مِن الشدائدِ والمحنِ والاخْتبارِ، فتُبْتَلُوا بما ابْتُلوا واخْتُبِروا به مِن البأساءِ، وهي شدَّةُ الحاجةِ والفاقةِ، والضراءِ، وهى العِلَلُ والأوصابُ، ولم تُزلزَلوا زلزالَهم.
يعني: ولم يُصِبْهم مِن أعدائِهم مِن الخوفِ والرُّعْبِ شِدةٌ وجَهدٌ شديدٌ حتى يَسْتبطئَ القومُ نصرَ اللهِ إياهم، فيقولوا: متى اللهُ ناصرُنا.
ثم أخبَرهم اللهُ أن نصرَه منهم قريبٌ، وأنه مُعْلِيهم على عدوِّهم، ومُظْهِرُهم عليه، فنجَز (٣) لهم ما وعدَهم، وأعْلَى كلمتَهم، وأطفأ نارَ حربِ الذين كفروا.
وهذه الآيةُ -فيما يَزْعُمُ أهلُ التأويلِ- نزَلت يومَ الخندقِ، حين لَقِى المؤمنون ما لَقُوا مِن شِدَّةِ الجَهْدِ، مِن خوفِ الأحزابِ، وشدةِ أذى البردِ، وضيقِ العَيْشِ الذي كانوا فيه يومئذٍ، يقول اللهُ جل وعز للمؤمنين مِن أصحابِ رسولِه ﷺ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٩ - ١١].
عملِ "حتى" عنه، وذلك كقولِ القائلِ: قُمْتُ إلى فلانٍ حتى أضربُه.
فالرفعُ هو الكلامُ الصحيحُ في "أضربُه"، إذا أراد: قُمْتُ إليه حتى ضَربتُه.
إذا كان الضربُ قد كان وفُرِغَ منه، وكان القيامُ غيرَ مُتَطاولِ المُدةِ.
فأما إذا كان ما قبلَ "حتى" مِن الفعلِ على لفظِ "فعَل" متَطاولَ المُدةِ، وما بعدَها مِن الفعلِ على لفظٍ غيرِ مُنْقَضٍ، فالصحيحُ مِن الكلامِ نَصْبُ "يفعل" وإعمالُ "حتى"، وذلك نحوُ قولِ القائلِ: ما زال فلانٌ يَطْلُبُك حتى يُكَلِّمَك، وجعَل يَنظُرُ إليك حتى يُثْبتَك.
فالصحيحُ (١) مِن الكلامِ الذي لا يَصِحُّ غيرُه النَّصْبُ بـ "حتى"، كما قال الشاعرُ (٢): مَطَوْتُ بِهِمْ حتى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ … وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرْسانِ فنَصَب "تَكِلَّ" والفعلُ الذي بعد "حتى" ماضٍ، لأن الذي قبلَها مِن المَطْوِ مُتَطاوِلٌ.
والصحيحُ مِن القراءةِ (٣) -إذ كان ذلك كذلك-: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾.
بنَصْبِ (٤) ﴿يَقُولَ﴾، إذ كانت الزَّلزلةُ فِعلًا مُتطاوِلًا، مِثْلَ المَطْوِ بالإبلِ، وإنما الزَّلزلةُ في هذا الوضعِ الخوفُ مِن العدوِّ، لا زلزلةُ الأرضِ، فلذلك كانت مُتطاولةً، وكان إلنصبُ في ﴿يَقُولَ﴾، وإن كان بمعنى "فعل"، أفْصَحَ وأصحَّ مِن الرفعِ فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)﴾ يعنى جل ثناؤُه بذلك: يسألُك أصحابُك يا محمدُ، أيُّ شيءٍ يُنْفقون مِن أموالِهم فيتَصدقون به، وعلى مَن يُنْفِقونه، و (١) فيما يُنْفقون ويَتَصدقون به؟
فقُلْ لهم: ما أنْفَقتم مِن أموالِكم وتَصدَّقتم به فأنْفِقُوه وتَصدَّقوا به واجعَلوه لآبائِكم وأمهاتِكم وأقْرَبِيكم، ولليتامى منكم والمساكينِ وابنِ السبيلِ، فإنكم ما تَأْتوا مِن خيرٍ وتَصْنعوه إليهم، فإن اللهَ به عليمٌ، وهو مُحْصِيه لكم حتى يُوفيَكم أجورَكم عليه يومَ القيامةِ، ويُثيبَكم على ما أطَعْتموه [باحتسابِكم في نفقتِكم عليهم] (٢).
والخيرُ الذى قال جل ثناؤُه في قولِه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
هو المالُ الذى سأل رسولَ الله ﷺ أصحابُه عن (٣) النفقةِ منه، فأجابهم اللهُ ﵎ عنه بما أجابَهم به في هذه الآيةِ.
وفى قولِه: ﴿مَاذَا﴾ وجهان مِن الإعرابِ، أحدُهما، أن يكونَ ﴿مَاذَا﴾ بمعنى: أيَّ شيءٍ؟
فيكونَ نصبًا بقولِه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: يسألونك أيَّ شيءٍ يُنْفِقون؟
ولا يُنْصَبُ بـ ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾.
والآخرُ منهما، الرفعُ.
وللرفعِ في ذلك وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ "ذا" الذى مع "ما" بمعنى الذي، فُترفَعُ "ما" بـ "ذا"، و "ذا" بـ "ما"، و "يُنْفِقون" مِن صلةِ "ذا"، فإن العربَ قد تَصِلُ "ذا" و "هذا"، كما قال الشاعرُ (٤): عَدَسْ (١)!
ما لِعَبَّادٍ عليكِ إمارَةٌ … أمِنْتِ وهَذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ فـ "تحملين" مِن صلةِ "هذا".
فيكونُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: يَسْألونك ما الذى يُنْفِقون.
والآخرُ مِن وَجْهَىِ الرفع، أن تَكونَ ﴿مَاذَا﴾ بمعنى: أىُّ شيءٍ؟
فيُرفَعَ ﴿مَاذَا﴾ وإن كان قولُه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ واقعًا عليه، إذ كان العاملُ فيه وهو ﴿يُنْفِقُونَ﴾ لا يَصْلُحُ تَقديمُه قبلَه، وذلك أن الاستفهامَ لا يجوزُ تَقْديمُ الفعلِ فيه قبلَ حرفِ الاستفهامِ، كما قال الشاعرُ (٢): ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ … أنَحْبٌ (٣) فيُقْضَى أم ضلالٌ وباطلُ وكما قال الآخرُ (٤): وقالوا تَعَرَّفْها المنَازِلَ مِن مِنًى … وما كُلُّ مَنْ يَغْشَى (٥) مِنًى أنا عارفُ فرفَع "كل" ولم يَنْصِبْه بـ "عارف"، إذ كان معنى قولِه: وما كلُّ مَن يَغْشَى مِنًى أنا عارفٌ.
جحودَ معرفةِ مَن يَغْشَى منًى، فصار في معنى: ما أحدٌ.
وهذه الآيةُ فيما ذُكِر نزَلت قبلَ أن يَفْرِضَ اللهُ [الزكاةَ في] (٦) الأموالِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ لم تَكُنْ زكاةٌ، و (١) هى النفقةُ يُنفِقُها الرجلُ على أهلِه، والصدقةُ يَتَصدَّقُ بها، فنَسَختها الزكاةُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: سأل المؤمنون رسولَ اللهِ ﷺ أين يَضَعون أموالَهم، فنزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
فذلك النفقةُ في التطوُّعِ، والزكاةُ سِوى ذلك كلِّه (٣).
قال: وقال مجاهدٌ: سألوا فأفتاهم في ذلك: ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
وما ذُكِرَ معهما (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، قال: سمِعت ابنَ أبي نجيحٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
قال: سألوه فأفتاهم في ذلك: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ وما ذُكِرَ معهما (٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ وسألتُه عن قولِه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
قال: هذا (٥) مِن النوافلِ.
قال (٦): يقولُ: هم أحقُّ بفضلِك مِن غيرِهم.
وهذا الذى قاله السُّدِّيُّ مِن أنه لم تَكُنْ يومَ نزَلَت هذه الآيةُ زكاةٌ، وإنما كانَت نفقةٌ (١) يُنْفِقُها الرجلُ على أهلِه، وصدقةٌ يَتَصَدَّقُ بها، ثم نسَخَتْها الزكاةُ -قولٌ مُمكِنٌ أن يَكونَ كما قال، ومُمْكِنٌ غيرُه، ولا دَلالةَ في الآيةِ على صحةِ ما قال؛ لأنه ممكنٌ أن يَكونَ قولُه: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية.
حَثًّا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه على الإنفاقِ على مَن كانت نفقتُه غيرَ واجبةٍ مِن الآباءِ والأمهاتِ والأقْرباءِ، ومَن سمَّى معهم في هذه الآيةِ، وتَعْرِيفًا مِن اللهِ عبادَه مَواضعَ الفضلِ التى تُصْرَفُ فيها النَّفَقاتُ، كما قال في الآيةِ الأُخرى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وهذا القولُ الذى قلْناه هو (٢) قولُ ابنِ جُرَيْجٍ الذى حكَيْناه.
وقد بيَّنَّا معنى المَسْكنةِ، ومَن ابنُ السبيلِ فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه ههنا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾: فُرِض عليكم القِتالُ.
يعنى قتالَ المشركين، ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
واخْتَلَف أهلُ العلمِ في الذين عُنُوا بفرضِ القتالِ، فقال بعضُهم: عُنى بذلك أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ خاصةً دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألْتُ عطاءً قلتُ له: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ أواجبٌ الغَزْوُ على الناسِ مِن أجلِها؟
قال: لا، كُتِب على أولئك حينَئذٍ (١).
[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدثنا خالدٌ، عن حسينِ بنِ قيسٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
قال: نسَخَتْها: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (٢).
وهذا قولٌ لا معنى له؛ لأن نسخَ الأحكامِ مِن قِبَلِ اللهِ جل وعز لا مِن قِبَلِ العبادِ، وقولُه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
خبرٌ مِن اللهِ عن عبادِه المؤمنين، وأنهم قالوه، لا نسخٌ منه] (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا معاويةُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو إسحاقَ الفَزَاريُّ، قال: سأَلْتُ الأوْزاعيَّ عن قولِه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
أواجبٌ الغَزْو على الناسِ كلِّهم؟
قال: لا أَعْلَمُه، ولكن لا يَنْبَغى للأئمةِ والعامَّةِ تَرْكُه، فأما الرجلُ في خاصةِ نفسِه فلا.
وقال آخَرون: هو على كلِّ أحدٍ حتى يَقومَ به مَن في قيامِه به الكِفايةُ، فيَسْقُطُ فرضُ ذلك حينئذٍ عن باقي المسلمين، كالصلاةِ على الجنائزِ، ودفنِ الموتى، وغسلِهم.
وهذا قولُ عامةِ علماءِ المسلمين.
وذلك هو الصوابُ عندَنا؛ لإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، ولقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥].
فأخْبَر جلَّ ثناؤُه أن الفضلَ للمُجاهِدِين، وأن لهم وللقاعِدِين الحُسْنَى، ولو كان القاعدون مُضَيِّعين فرضًا، لَكان لهم السُّوأَى لا (١) الحُسْنَى.
وقال آخَرون: هو فرضٌ واجبٌ على المسلمين إلى قيامِ الساعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُبَيْشُ (٢) بنُ مُبشِّرٍ (٣)، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن داودَ بنِ أبي عاصمٍ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المسيبِ: قد أعْلَمُ أن الغَزْوَ واجبٌ على الناسِ.
فسكَت، وقد أعْلَمُ أن لو أنكَر ما قلتُ لبيَّن لى.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى معنى قولِه: ﴿كُتِبَ﴾ بما فيه الكِفايةُ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وهو ذو كُرْهٍ لكم.
فترَك ذكرَ "ذو" اكْتِفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿كُرْهٌ لَكُمْ﴾ عليه، كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وبنحوِ الذى قلْنا في ذللث رُوِى عن عطاء في تأويلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾.
قال: كُرِّهَ إليكم حينَئذٍ.
والكُرْهُ بالضمِّ هو ما حمَل الرجلُ نفسَه عليه مِن غيرِ إكْراهِ أحدٍ إياه عليه، والكَرْهُ بفتحِ الكافِ هو ما حمَله عليه غيرُه فأدْخَله عليه كَرْهًا.
وممَّن حُكِى عنه هذا القولُ مُعاذُ بنُ مُسْلِمٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن مُعاذِ بنِ مسلمٍ، قال: الكُرْهُ المَشَقَّةُ، والكَرْهُ الإجْبارُ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: الكُرْهُ والكَرْهُ لغتان بمعنًى واحدٍ، مثلَ الغُسْلِ والغَسْلِ، والضُّعْفِ، والضَّعْفِ، والرُّهْبِ والرَّهْبِ.
وقال بعضُهم: الكُرْهُ بضمِّ الكافِ اسمٌ، والكَرْهُ بفتحِها مصدرٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا تَكْرَهوا القِتالَ، فإنكم لعلكم أن تَكْرَهوه وهو خيرٌ لكم، ولا تُحِبُّوا تَرْكَ الجهادِ، فلعلكم أن تُحِبُّوه وهو شرٌّ لكم.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾: وذلك لأن المسلمين كانوا يَكْرَهون القِتالَ، فقال: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: إن (١) في القتالِ الغَنيمةَ والظُّهورَ والشَّهادةَ، ولكم في القعودِ ألا تَظْهَروا على المشركين، ولا تَسْتَشْهِدوا، ولا تُصِيبوا شيئًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَمِيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ محمدِ بنِ مجاهدٍ، قال: أخْبَرنى عبيدُ اللهِ بنُ أبي هاشمٍ الجُعْفِيُّ، قال: أخْبَرني عامرُ بنُ وَاثِلةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: كنتُ رِدْفَ النبىِّ ﷺ، فقال: "يا بنَ عباسٍ، ارْضَ عن اللهِ بما قدَّرَ، وإن كان خِلافَ هواك، فإنه مُثْبَتٌ في كتابِ اللهِ".
قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فأين وقد قرأت القرآنَ؟
قال: "في قولِه: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ " (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واللهُ يعلمُ ما هو خيرٌ لكم مما هو شرٌّ لكم، فلا تَكْرهوا ما كتبتُ عليكم مِن جهادِ عدوِّكم، وقتالِ مَن أمرْتُكم بقتالِه، فإنى أعلمُ أنّ قتالَكم إياهم هو خيرٌ لكم في عاجلِكم ومعادِكم، وتركَكم قتالَهم شرٌّ لكم، وأنتم لا تعلمون مِن ذلك ما أعلمُ.
يَحُضُّهم جلَّ ذكرُه بذلك على جهادِ أعدائِه، ويُرغِّبُهم في قتالِ مَن كفَر به.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: يسألُك يا محمدُ أصحابُك عن الشهرِ الحرامِ -وذلك رجبٌ- عن قتالٍ فيه.
وخفضُ "القتالِ" على معنى تَكْريرِ "عن" عليه.
وكذلك كانت قراءةُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فيما ذُكِرَ لنا (١).
وقد حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾.
قال: يقولُ: يسألونك عن قتالٍ فيه.
قال: وكذلك كان يقرؤُها: (عن قتالٍ فيه) (٢).
قال أبو جعفرٍ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾ يعنى: فى الشهرِ الحرامِ، ﴿كَبِيرٌ﴾ أى: عظيمٌ عندَ اللهِ استحلالُه، وسفكُ الدماءِ فيه.
ومعنى قولِه: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾: قُل: القِتالُ فيه كبيرٌ.
وإنما قال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ لأن العربَ كانت لا تَقْرعُ فيه الأسِنَّةَ، فيَلْقَى الرجلُ قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فلا يَهِيجُه؛ تعظيمًا له، وتُسَمِّيه مُضَرُ الأصمَّ، لسُكوتِ (٣) أصواتِ السلاحِ وقَعْقَعتِه فيه.
وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصْرىُّ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنا أبو (٤) الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَغْزو فى الشهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى، أو يَغْزوَ حتى إذا حضَر ذلك أقام حتى يَنْسَلِخَ (١).
وقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
ومعنى الصدِّ عن الشئِ: المنعُ منه والدَّفْعُ عنه.
ومنه قيل: صدَّ فلانٌ بوجهه عن فلانٍ.
إذا أَعْرَض عنه فمنَعه من النظرِ إليه.
وقولُه: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾.
يعنى: وكفرٌ باللهِ.
والباءُ فى ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللهِ الذى فى ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾.
وتأويلُ الكلامِ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ به، وعن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ -وهم أهلُه وولاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ.
فـ "الصدُّ عن سبيلِ اللهِ" مرفوعٌ بقولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ عطفٌ على "الصدِّ".
ثم ابْتَدأ الخبرَ عن الفِتْنةِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
يعنى: الشركُ أعظمُ وأكبرُ مِن القتلِ.
يعنى: مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَمىِّ الذى اسْتَنْكرتم قتلَه فى الشهرِ الحرامِ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يَزْعُمُ أن قولَه: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
معطوفٌ على "القتالِ"، وأن معناه: يَسْألونك عن الشهرِ الحرامِ، عن قتالٍ فيه، وعن المسجدِ الحرامِ.
فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ.
وهذا القولُ مع خروجِه مِن أقوالِ أهلِ العلمِ، قولٌ لا وجهَ له؛ لأن القومَ لم يكونوا فى شكٍّ مِن عظيمِ ما أتَى المشركون إلى المسلمين فى إخراجِهم إياهم مِن منازلِهم بمكةَ، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن إخراجِ المشركين إياهم مِن منازلِهم، وهل ذلك كان لهم، بل لم يَدَّعِ ذلك عليهم أحدٌ مِن المسلمين، ولا أنهم سألوا رسولَ ﷺ عن ذلك.
وإذا كان ذلك كذلك، فلم (١) يكنِ القومُ سألوا رسولَ الله ﷺ إلا عما ارتابوا بحُكْمِه، كارتيابِهم فى أمرِ قتلِ ابنِ الحَضْرَمِىِّ، إذ ادَّعَوا أن قاتلَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قتلَه فى الشهرِ الحرامِ، فسألوا عن أمرِه لارتيابِهم فى حُكْمِه، فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلامِ مِن (٢) المسجدِ الحرامِ، فلم يكنْ فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه.
ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ جميعًا أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ فى سببِ قتلِ ابنِ الحَضْرمىِّ وقاتِلِه.
ذِكْرُ الرِّوايةِ عمَّن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ بن رُومانَ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، قال: بعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ ابنَ جَحْشٍ فى رَجَبٍ مَقْفَلَه مِن بدرٍ الأُولى، وبعَث معه بثمانيةِ رَهْطٍ مِن المهاجرين، ليس فيهم مِن الأنصارِ أحدٌ، وكتَب له كتابًا، وأمرَه ألا يَنْظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومين، ثم يَنْظُرَ فيه فيَمْضِىَ لما أمَره، ولا يَسْتكرِهَ مِن أصحابِه أحدًا.
وكان أصحابُ عبدِ اللهِ ابنِ جحشٍ مِن المهاجرينِ؛ مِن بنى عبدِ شمس: أبو حُذَيفَةَ بنُ [عُتْبَةَ بنِ] (٣) ربيعةَ (١) بنِ عبدِ شمسٍ، ثم مِن حلفائِهم: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشِ بنِ ريابٍ، وهو أميرُ القومِ، وعُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنِ بنِ حُرْثانَ، أحدُ بنى أسدِ بنِ خُزَيمَةَ، ومِن بنى نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ: عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ، حليفٌ لهم، ومِن بنى زُهْرةَ بنِ كلابٍ: سعدُ بنُ أبى وَقاصٍ، ومِن بنى عدىِّ بنِ كعبٍ: عامرُ بنُ ربيعةَ، حليفٌ لهم، ووَاقِدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ [منافِ بن عَرِينِ] (٢) بنِ ثَعْلَبةَ بنِ يَرْبوعِ بنِ حنظلةَ، وخالدُ بنُ البكيرِ أحدُ بنى سعدِ بن ليثٍ، حليفٌ لهم، ومِن بنى الحارثِ بنِ فهرٍ: سُهَيلُ ابنُ بيضاءَ.
فلما سار عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ يومين فتَح الكتابَ ونظَر فيه، فإذا فيه: "إذا نظَرت فى (٣) كتابى هذا، فَسِرْ حتى تنزِلَ نَخْلَةَ بينَ مكةَ والطائفِ، فتَرصُدَ بها قريشًا، وتَعلَمَ لنا مِن أخبارِهم".
فلما نظَر عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ فى الكتابِ قال: سمعًا وطاعةً.
ثم قال لأصحابِه: قد أمَرنى رسولُ اللهِ ﷺ أن أمْضِىَ إلى نَخْلةَ فأرْصُدَ بها قريشًا، حتى آتيَه منهم بخَبرٍ، وقد نهانى أن أسْتَكرِهَ أحدًا منكم، فمَن كان منكم يُريدُ الشَّهادةَ ويَرغبُ فيها فلْيَنْطلِقْ، ومَن كَرِه ذلك فلْيَرجِعْ، فأما أنا فماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ.
فمضَى ومضَى أصحابُه معه، فلم يتخلَّفْ عنه أحدٌ، وسلَك على الحجازِ، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوقَ الفُرْعِ، يقالُ له: بُحْرانُ (٤).
أضلَّ سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعتبةُ بنُ غَزْوانَ بعيرًا لهما (٥) كانا عليه يَعْتَقِبانه، فتخلَّفا عليه فى طلبِه، ومضَى عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وبقيةُ أصحابِه حتى نزَل بنَخْلةَ، فمرَّت به عِيرٌ لقريشٍ تَحمِلُ زبيبًا وأدَمًا وتجارةً مِن تجارةِ قريشٍ، فيها منهم: عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ، وعثمانُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، وأخوه نَوفلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، المَخْزوميان، والحكمُ بنُ كَيْسانَ مولى هشامِ بنِ المُغيرةِ.
فلما رآهم القومُ هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشْرَف لهم عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، وقد كان حلَق رأْسَه، فلما رأَوه أمِنوا وقالوا: عُمَّارٌ، فلا بأسَ علينا منهم.
وتشَاور القومُ فيهم، وذلك فى آخرِ يومٍ مِن جُمادَى (١)، فقال القومُ: واللهِ لئن تَركْتُم القومَ هذه الليلةَ ليَدْخُلُنَّ الحَرَمَ فليَمْتنعُنَّ به منكم، ولئن قَتلتُموهم لتَقْتُلُنَّهم فى الشهرِ الحرامِ.
فتَردَّد القومُ فهابوا الإقدامَ عليهم، ثم شجّعوا (٢) عليهم، وأجْمَعوا على قتلِ مَن قَدَروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم، فرمَى واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيمىُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ بسهمٍ فقَتَله، واسْتَأْسَر عثمانَ بنَ عبدِ اللهِ والحكمَ ابنَ كيسانَ، وأفْلَت نَوْفلُ بنُ عبدِ اللهِ فأعْجَزَهم، وقَدِم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وأصحابُه بالعِيرِ والأسيرَيْنِ حتى قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ.
وقد ذَكَر بعضُ آلِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ قال لأصحابِه: إن لرسولِ اللهِ ﷺ مما غَنِمْتم الخُمُسَ.
وذلك قبلَ أن يُفْرَضَ الخُمُسُ مِن الغَنائِمِ، فعزَل لرسولِ اللهِ ﷺ خُمُسَ العِيرِ، وقسَم سائرَها بينَ (٣) أصحابِه، فلما قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ قال: "ما أَمَرْتُكم بقِتالٍ فى الشهرِ الحرامِ".
فوقَف العِيرَ والأسِيرَيْن، وأَبَى أَن يَأْخُذَ مِن ذلك شيئًا، فلما قال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك، سُقِط فى أَيْدِى القومِ، وظَنُّوا أنهم قد هلَكوا، وعَنَّفَهم المُسْلِمون فيما صَنَعوا، وقالوا لهم: صَنَعتم ما لم تُؤْمروا به، وقاتَلْتم فى الشهرِ الحرامِ ولم تُؤمروا بقتالٍ.
وقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُه الشهرَ الحرامَ، فسَفَكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموالَ، وأسَروا (١).
فقال مَن يَرُدُّ ذلك عليهم مِن المسلمين ممن كان بمكةَ: إنما أصابوا ما أصابوا فى جُمادَى (٢).
وقالت يهودُ -تَتَفاءلُ (٣) بذلك على رسولِ اللهِ ﷺ-: عمرُو بنُ الحَضْرَمىِّ قتَله وَاقِدُ بنُ عبدِ اللهِ؛ عمرٌو: عَمَرتِ الحربُ، والحَضْرَمِىُّ: حَضَرت الحربُ، وواقدُ بنُ عبدِ اللهِ: وَقَدتِ الحربُ.
فجعَل اللهُ عليهم ذلك [وبهم] (٤).
فلما أَكْثَر الناسُ فى ذلك، أنزَل اللهُ جل وعز على رسولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أى: عن قتالٍ فيه، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
أى: إن كنتم قتَلتم فى الشهرِ الحرامِ فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللهِ، مع الكفرِ به، وعن المسجدِ الحرامِ.
وإخراجُكم عنه -إذ أنتم أهلُه ووُلاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مَن قَتَلتُم منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
أى: قد كانوا يَفْتِنون المسلمَ عن دينِه حتى يَردُّوه إلى الكفرِ بعدَ إِيمانِه، وذلك أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتلِ، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه، غيرَ تائبين ولا نازِعِين.
فلما نزَل القرآنُ بهذا مِن الأمرِ، وفَرَّج اللهُ عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَقِ (٥)، قَبَض رسولُ اللهِ ﷺ العِيرَ والأسِيرَيْن (٦).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث سَرِيَّهً وكانوا سبعةَ نَفَرٍ (١)، عليهم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ الأسَدِىُّ، وفيهم عَمارُ بنُ ياسرٍ، وأبو حُذَيفةَ بنُ عُتْبةَ بنِ رَبيعةَ، وسعدُ بنُ أبى وقاصٍ، وعُتْبةُ ابنُ غَزْوانَ السُّلَمِىُّ، حَليفٌ لبنى نَوْفلٍ، وسُهَيلُ ابنُ بَيْضَاءَ، وعامرُ بنُ فُهَيرةَ، ووَاقدُ ابنُ عبدِ اللهِ اليَرْبوعِىُّ، حليفٌ لعمرَ بنِ الخطابِ.
وكتَب مع ابنِ جَحْشٍ كتابًا، وأمَره ألا يَقْرأَه حتى ينزِلَ بطنَ (٢) مَلَلٍ، فلما نزَل ببَطنِ مَلَلٍ فتَح الكتابَ، فإذا فيه: "أَنْ سِرْ حتى تَنزِلَ بَطْنَ نَخْلةَ".
فقال لأصحابِه: مَن كان يُريدُ الموتَ فلْيَمضِ ولْيُوصِ، فإنى مُوصٍ وماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ.
فسار، وتَخلَّف عنه سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعُتبةُ بنُ غَزْوانَ، أضلَّا (٣) رَاحلةً لهما، فأَتَيا بُحْرانَ (٤) يَطْلُبانها، وسار ابنُ جَحْشٍ إِلى بَطْنِ نَخْلَةَ، فإذا هم بالحكمِ بنِ كَيْسانَ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، والمُغيرةِ بنِ عثمانَ، وعمرِو بنِ الحَضْرمىِّ، فاقْتَتَلوا، فأَسَروا الحَكَمَ بنَ كَيْسانَ وعبدَ اللهِ بنَ المُغيرةِ، وانْفَلَت المُغيرةُ، وقُتِلَ عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ؛ قتَله واقدُ بنُ عبدِ اللهِ، فكانت أوَّلَ غَنيمةٍ غَنِمها أصحابُ محمدٍ ﷺ.
فلما رجَعوا إلى المدينةِ بالأسيرَيْن وما غَنِموا مِن الأموالِ، أراد أهلُ مكةَ أن يُفَادوا بالأسيرَيْن، فقال النبيُّ ﷺ: "حتى نَنْظُرَ ما فعَل صاحبانا".
فلما رجَع سعدٌ وصاحبُه فادَى بالأسيرين، ففَجَر (١) عليه المشركون وقالوا: محمدٌ يَزْعُمُ أنه يَتَّبعُ طاعةَ اللهِ، وهو أوَّلُ مَن اسْتحلَّ الشهرَ الحرامَ، وقَتَل صاحبَنا في رجبٍ.
فقال المسلمون: إنما قَتَلناه في جُمادَى -وقيلَ: في أوَّل ليلةٍ من رَجَبٍ، وآخرِ ليلةٍ مِن جُمَادَى- وغَمَد (٢) المسلمون سُيوفَهم حينَ (٣) دخَل رَجَبٌ، فأنزَل اللهُ جلَّ وعز يُعَيِّرُ أهلَ مكةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يَحِلُّ، وما صَنَعتم -أنتم يا معشرَ المشركين- أكبرُ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ، حين كفَرتم باللهِ، وصَدَدْتم عنه محمدًا وأصحابَه.
وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ منه -حينَ أخْرجوا محمدًا- أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ.
والفِتْنَةُ -هى الشركُ- أعظمُ عندَ اللهِ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ.
فذلك قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: ثنا المُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ التَّيْمِيُّ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبي السَّوَّارِ، يُحدِّثُه عن جُنْدَبِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه بعَث رَهْطًا، فبعَث عليهم أبا عُبَيدةَ، فلما أخَذ لينْطلِقَ بكَى صَبابةً إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فبعَث رجلًا مكانَه يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ.
وكتَب له كتابًا، وأمَره ألَّا يَقْرأَ الكتابَ حتى يَبْلُغَ كذا وكذا، "ولا تُكْرِهَنَّ أحدًا مِن أصحابِك على السيرِ معك".
فلما قرَأ الكتابَ اسْتَرْجَع وقال: سمعًا وطاعةً لأمرِ اللهِ ورسولِه.
فخَبَّرهم الخبرَ، وقرَأ عليهم الكتابَ، فرجَع رجلان ومضَى بقيتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرمىِّ فقَتَلوه، ولم يَدْروا ذلك اليومُ من رجبٍ أو مِن (١) جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: فَعلتم كذا وكذا في الشهرِ الحرامِ.
فأَتَوا النبيَّ ﷺ فحدَّثوه الحديثَ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ والفتنةُ هى الشركُ.
وقال بعضُ الذين -أظُنُّه قال-: كانوا في السَّرِيَّةِ: واللهِ ما قتَله إلا واحدٌ.
فقال: إن يَكُنْ خيرًا فقد وَلِيتُ، وإن يَكُنْ ذنبًا فقد عَمِلْتُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾.
قال: إن رجلًا من بنى تميمٍ أرسَله النبيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ، فمرّ بابنِ الحَضْرميِّ يَحْمِلُ خَمْرًا مِن الطائفِ إلى مكةَ، فرَماه بسَهْمٍ فقَتله، وكان بينَ قريشٍ ومحمدٍ عَقْدٌ، فقتَله في آخرِ يومٍ من جُمادَى الآخرةِ، وأولِ يومٍ من رجبٍ، فقالت قريشٌ: في الشهرِ الحرامِ، ولنا عهدٌ؟!
فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وصدٌّ عن ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ، أكبرُ مِن هذا كلِّه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهرىِّ وعثمانَ الجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ مَوْلَى ابنِ عباسٍ، قال: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ عمرَو بنَ الحَضْرَميِّ في أوَّل ليلةٍ من رجبٍ، وهو يَرَى أنه مِن جُمادَى، فقَتَله، وهو أوَّلُ قتيلٍ مِن المشركين، فعَيَّر المشركون المسلمين فقالوا: أتَقْتلون في الشهرِ الحرامِ؟
فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
يقولُ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكُفْرٌ باللهِ ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: وصدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من قتلِ عمرِو بنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾.
يقولُ: الشركُ الذى أنتم فيه أكبرُ مِن ذلك أيضًا.
قال الزهرىُّ: وكان النبيُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ ثم أُحِلَّ (٢) بَعْدُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن المشركين صدُّوا رسولَ اللهِ ﷺ وردُّوه عن المسجدِ الحرامِ في شهرٍ حرامٍ، ففتَح اللهُ على نبيِّه في شهرٍ حرامٍ مِن العامِ المقبلِ، فعابَ المشرِكون على رسولِ اللهِ ﷺ القِتالَ في شهرٍ حرامٍ، فقال اللهُ جل وعز: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتلِ فيه.
وإن محمدًا بعَث سَرِيَّةً، فلَقُوا عمرَو بنَ الحَضْرميِّ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائفِ آخرَ ليلةٍ مِن جُمادَى، وأوَّلَ ليلةٍ مِن رَجبٍ، وإنَّ أصحابَ محمدٍ ﷺ كانوا يَظُنون أن تلك الليلةَ مِن جُمادَى، وكانت أوَّلَ رجبٍ ولم يَشْعُروا، فقَتَله رجلٌ منهم واحدٌ، وإن المشركين أرْسَلوا يُعَيِّرونه بذلك، فقال اللهُ جل وعز: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ أكبرُ مِن الذى أصاب (١) أصحابُ (٢) محمدٍ، والشِّرْكُ باللهِ أشَدُّ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
استكبَروه (٤)، فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: الشِّرْكُ الذى أنتم عليه مُقِيمون ﴿أَكْبَرُ﴾ مما اسْتكبرتم.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ الغفاريِّ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ في جيشٍ، فلَقِىَ ناسًا مِن المشركين ببَطْنِ نَخْلةَ، والمسلمون يَحْسَبون أنه آخرُ يومٍ مِن جُمادَى، وهو أولُ يومٍ مِن رجبٍ، فقَتَلَ المسلمون ابنَ الحَضْرميِّ، فقال المشركون: ألستم تَزْعُمون أنكم تُحَرِّمون الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ، وقد قَتَلتم في الشهرِ الحرامِ؟
فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى قولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من الذى اسْتَكْبرتم (١) مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ التى أنتم عليها مُقِيمون، يعنى الشركَ، ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال -وكان يُسَمِّيهما (٣) - يقولُ: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيميُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ ببَطْنِ نَخْلَةَ فقتَله.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ في مَن نزَلت؟
قال: لا أدْرِى.
قال ابنُ جُرَيجٍ: وقال عِكْرمةُ ومجاهدٌ: في عمرِو بنِ الحَضْرَمِيِّ.
قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخْبَرنا ابنُ أبي حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ (٤) ذلك أَيضًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال مُجاهدٌ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
قال: يقولُ: صدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخْراجُ أهلِه منه، فكلُّ هذا أكبرُ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ أكبرُ مِن هذا كلِّه.
حُدِّثْتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفَضْلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قَتَلوا ابنَ الحَضْرمىِّ في الشهرِ الحرامِ، فعَيَّرَ المشركون المسلمين بذلك، فقال اللهُ: قتالٌ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكفرٌ به وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ.
وهذان الخبران اللذان ذَكَرناهما عن مجاهدٍ والضحاكِ يُنْبِئان عن صِحَّةِ ما قُلْنا في رفعِ "الصدّ" به (١)، وأن رافِعَه ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
وهما يُؤكِّدان صحةَ ما روَينا في ذلك عن ابنِ عباسٍ، ويَدُلَّان على خطأِ من زعَم أنه مرفوعٌ على العطفِ على "الكبير".
وقولِ مَن زعَم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ.
وزعَم أن قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
خَبرٌ مُنْقطِعٌ عما قبلَه مبتدأٌ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال.
ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
قال: يعنى به الكُفْرَ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ذلك.
ثم عَيَّر المشركين بأعمالِهم أعمالِ السُّوءِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
أى: الشركُ باللهِ أكبرُ مِن القتلِ (٢).
وبمثلِ الذى قُلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قتَلَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمرَو بنَ الحَضْرميِّ في آخرِ ليلةٍ مِن جُمادَى وأوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، أرسَل المشركون إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُعَيِّرونه بذلك، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ (١) محمدٍ ﷺ (٢).
وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في الذى ارْتَفَع به قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
فقال بعضُ نَحْويِّي الكوفيين (٣): في رفعِه وجهان: أحدُهما، أن يكونَ "الصدّ" مَرْدودًا على "الكبير"، تُريدُ: قل: القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكُفْرٌ به.
وإن شِئْتَ جعَلت الصدَّ كبيرًا، تُريدُ به: قُل: القتالُ فيه كبيرٌ، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيلِ اللهِ والكفرُ به.
قال: فأخطأ -يعنى الفَرَّاءَ- في كلا تَأْويليه، وذلك أنه إذا رفَع "الصدّ" عطفًا به على ﴿كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ باللهِ.
وذلك مِن التأويلِ خلافُ ما عليه أهلُ الإسلامِ جميعًا؛ لأنه لم يدَّعِ أحدٌ أن اللهَ ﵎ جعَل القتالَ في الأشهرِ الحرمِ كُفرًا باللهِ، بل ذلك غيرُ جائزٍ أن يُتَوهَّمَ على عاقلٍ يَعْقِلُ ما يقولُ أن يقولَه، وكيف يجوزُ أن يقولَه ذو فِطرةٍ صحيحةٍ، واللهُ جلَّ ثناؤُه يقولُ في أثرِ ذلك: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
فلو كان الكلامُ على ما رآه جائزًا في تأويلِه هذا، لوجَب أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ في أثَرِه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
وفى قيامِ الحُجَّةِ بأن لا شيءَ أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، ما يُبِينُ عن خطأِ هذا القولِ.
وأما إذا رفع "الصدّ" بمعنى ما زعَم أنه الوجهُ الآخرُ -وذلك رفعُه بمعنى: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ.
ثم قيل: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرامِ.
ومُتأوِّلُ ذلك كذلك داخَلَ مِن الخَطأِ مثلَ الذى دخَل فيه القائلُ القولَ الأوَّلَ؛ مِن تَصْييرِه بعضَ خِلالِ الكُفرِ أعظَمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ بعينِه، وذلك مما لا يُخِيلُ (١) على أحدٍ خَطؤُه وفسادُه.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ القولَ الأوَّلَ في رفعِ "الصدّ"، ويَزْعُمُ أنه معطوفٌ به على "الكبير"، ويجعَلُ قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾.
مرفوعًا على الابتداءِ.
وقد بينَّا فسادَ ذلك وخطأَ تأويلِه.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكمِ؟
فقال بعضُهم: هو منسوخٌ بقولِ اللهِ جل وعز: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أحَلَّ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ في "براءة" قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾.
يقول: فيهن وفى غيرِهن (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: كان النبىُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثم أُحِلَّ بعدُ (٢).
وقال آخرون: بل ذلك حكمٌ ثابتٌ لا يَحِلُّ القتالُ لأحدٍ في الأشهرِ الحُرُمِ بهذه الآيةِ؛ لأن اللهَ جعَل القتالَ فيه كبيرًا.
ذِكرُ مَن من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، [عن مجاهدِ] (٤)، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
قُلْتُ: ما لهم!
وإذ ذاك لا يَحِلُّ لهم أن يَغْزوا أهلَ الشركِ في الشهرِ الحرامِ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ: ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ.
قال: ولا يُدْعَون إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقَاتَلوا، ولا إلى الجِزيةِ، تركوا ذلك (٥).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله عطاءُ بنُ مَيْسرةَ، مِن أن النَّهْىَ عن قتالِ المشركين في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنْسوخٌ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التربة: ٣٦] وإنما قلنا: ذلك ناسخٌ لقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لتَظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه غَزا هوازنَ بحُنَينٍ، وثقيفًا بالطائفِ، وأرْسَل أبا عامرٍ إلى أوطاسٍ لحربِ مَن بها مِن المشركين في بعضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذلك في شوالٍ وبعضِ ذى القَعدةِ، وهما (١) مِن الأشهرِ الحُرُمِ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ الناسِ مِن فعلِه ﷺ.
وأُخْرَى، أن جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ اللهِ ﷺ لا تَتدافعُ أن بيعةَ الرِّضْوانِ على قتالِ قريشٍ كانت في (٢) ذى القَعْدةِ، وأنه ﷺ إنما دعا أصحابَه إليها يومَئذٍ، لأَنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ قتلَه المشركون إذ أرْسَله إليهم بما أرسلَه به مِن الرسالةِ، فبايَع ﷺ على أن يُناجِزَ القومَ الحربَ ويُحاربَهم، حتى رجَع عثمانُ بالرسالةِ، وجرَى بينَ النبيِّ ﷺ وقريشٍ الصُّلْحُ، فكفَّ عن حربهم حينئذٍ وقتالِهم، وكان ذلك في ذى القَعْدةِ، وهو مِن الأشْهُرِ الحُرُمِ.
فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
وأنه مَنْسوخٌ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن النهىَ عن القتالِ في الأشهرِ الحرمِ كان بعدَ استحلالِ النبيِّ ﷺ إياهنَّ؛ لما وَصَفنا من حُروبِه، فقد ظنَّ جهلًا، وذلك أن هذه الآيةَ -أعْنِى قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ - في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأصحابِه، و (٣) ما كان مِن أمرِهم وأمرِ القَتيلِ الذى قتَلوه، فأنزَل اللهُ في أمرِه هذه الآيةَ في آخرِ جُمادَى الآخرةِ مِن السنةِ الثانيةِ مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ وهِجْرتِه إليها، وكانت وَقْعةُ حُنَينٍ والطائفِ في شوَّالٍ مِن سنةِ ثمانٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ وهجرتِه إليها، وبينهما مِن المدةِ ما لا يخْفَى على أحدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
يَعْنِى تعالى ذِكْرُه: ولا يَزالُ مُشْركو قريشٍ يُقاتلونكم حتى يَردُّوكم عن دينِكم إن قدَرُوا على ذلك.
كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه غيرَ تائبين ولا نازعين.
يعنى: على أن يَفْتِنوا المسلمين عن دينِهم حتى يَرُدُّوهم إلى الكفرِ، كما كانوا يَفْعلون بمن قَدَروا عليه منهم قبلَ الهِجْرةِ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
قال: كفارُ قريشٍ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] يعنى بقولِه: ﴿فَارْتَدَّا﴾: رجَعا.
ومِن ذلك قيل: اسْتَردَّ فلانٌ حقَّه مِن فلانٍ.
إذا اسْتَرجعه منه.
وإنما أظْهَر التَّضْعيفَ في قولِه: ﴿يَرْتَدِدْ﴾؛ لأن لامَ الفعلِ ساكنةٌ بالجزمِ، وإذا سُكِّنت فالقياسُ تركُ التَّضْعِيفِ، وقد تُضَعَّفُ وتُدْغَمُ وهى ساكنةٌ، بِناءً على التثنيةِ والجمع.
وقولُه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾.
يقولُ: مَن يرجعْ عن دينِه، دينِ الإسلامِ، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت أعمالُهم.
يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت.
وبُطُولُها ذهابُ ثوابِها، وبُطُولُ الأجرِ عليها والجزاءِ في دارِ الدنيا والآخرةِ.
وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعنى: الذين ارْتَدُّوا عن دينِهم فماتوا على كفرِهم، هم أهلُ النارِ المُخلَّدون فيها.
وإنما جعَلهم أهلَها؛ لأنهم لا يَخْرجون منها، فهم سكانُها المُقيمون فيها، كما يقالُ: هؤلاء أهلُ مَحَلَّةِ كذا.
يعنى: سكانُها المُقيمون فيها.
ويعنى بقولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم فيها لابِثون لُبثًا مِن غيرِ أمدٍ ولا نهايةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾.
يعنى بذلك جل ذِكْرُه: إن الذين صدَّقوا باللهِ وبرسولِه وبما جاء به.
وبقولِه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا﴾: الذين هجَروا مُساكنةَ المشركين في أمصارِهم، ومُجاورتَهم في ديارِهم، فتَحوَّلوا عنهم وعن جوارِهم وبلادِهم إلى غيرِها، هجرةً لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه.
وأصلُ المهاجَرةِ المفاعلةُ؛ من هجرةِ الرجلِ الرجلَ للشَّحْناءِ تكونُ بينهما، ثم تُسْتَعْمَلُ في كلِّ مَن هجَرَ شيئًا لأمرٍ كرِهه منه.
وإنما سُمِّى المهاجرون مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مهاجرين؛ لما وصَفنا من هجرتِهم دُورَهم ومنازلَهم -كراهةً منهم النزولَ بين أظهرِ المشركين وفى سلطانِهم، بحيثُ لا يَأْمَنون فتنتَهم على أنفسِهم في ديارِهم- إلى الموضعِ الذى يأمنون ذلك.
وأمَّا قوله: ﴿وَجَاهَدُوا﴾ فإنه يعنى: وقاتَلوا وحارَبوا.
وأصلُ المجاهدةِ المفاعلةُ؛ من قولِ الرجلِ: قد جهَد فلانٌ فلانًا على كذا -إذا كرَبه وشقَّ عليه- يَجْهَدُه جَهْدًا.
فإذا كان الفعلُ من اثنين، كلُّ واحدٍ منهما يُكابدُ من صاحبِه شدَّةً ومشقَّةً، قيل: فلانٌ يُجَاهِدُ فلانًا.
يعنى أن كلَّ واحدٍ منهما يَفْعَلُ بصاحبِه ما يَجْهَدُه ويَشُقُّ عليه، فهو يُجاهِدُه مجاهدةً وجهادًا.
وأَمَّا سبيلُ اللهِ: فطريقُه ودينُه.
فمعنى قولهِ إذن: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّه﴾: والذين تحوَّلوا من سلطانِ أهلِ الشركِ؛ هجرةً لهم، وخوفَ فتنتِهم على أديانِهم، وحارَبوهم في دينِ اللهِ لِيُدْخِلوهم فيه، وفيما يُرْضِى اللهَ، ﴿أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ﴾.
أى: يَطْمَعون أن يَرْحَمَهم اللهُ فيُدْخِلَهم جنَّتَه بفضلِ رحمتِه إيَّاهم، ﴿وَاللَّهُ غَفُور﴾.
أى: ساترٌ ذنوبَ عبادِه بعفوِه عنها، متفضلٌ عليهم بالرحمةِ.
وهذه الآيةُ أيضًا ذُكرَ أنها نزَلتْ في عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبى السَّوَّارِ، يُحَدِّثُه عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: لمّا كان من أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه، وأمرِ ابنِ الحضْرَميِّ ما كان، قال بعضُ المسلمين: إن لم يكونوا أصابوا في سفرِهم -أظنُّه قال: - وِزْرًا، فليس لهم فيه أجرٌ.
فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ ابنُ رومانَ، عن عروةَ بنِ الزبيرِ، قال: أنزَل اللهُ ﷿ القرآنَ بما أنزَل من الأمرِ، وفرّجَ اللهُ عن المسلمينَ في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه -يعنى في قتلِهم ابنَ الحَضْرميِّ- فلمَّا تجلَّى عن عبدِ اللهِ بنِ جحشٍ وأصحابِه ما كانوا فيه حين نزَل القرآنُ، طَمِعُوا في الأجرِ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، أنطمعُ أن تكونَ لنا غزوةً نُعْطَى فيها أجرَ المجاهدين؟
فأنزَل اللهُ ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فوَقَفهم (٢) اللهُ من ذلكَ على أعظمِ الرجاءِ.
(٣).
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أثنَى اللهُ على أصحابِ نبيِّهِ محمدٍ ﷺ أحسنَ الثناءِ، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
هؤلاء خيارُ هذه الأمةِ، ثم جعَلهمُ اللهُ أهلَ رَجاءٍ كما تسمعون (١)، وإنه مَن رَجَا طلَب، ومَنْ خاف هرَب (٢).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣).
القول في تأويل قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: يسألك أصحابُك يا محمدُ عن الخمرِ وشُرْبِها.
والخمرُ كلُّ شرابٍ خامَر العقلَ فستَره وغَطَّى عليه، وهو من قولِ القائلِ: خمَرْتُ الإناءَ.
إذا غطَّيتَه.
وخَمِرَ الرجلُ.
إذا دخلَ في الخَمَرِ (٤).
ويقالُ: هو في خُمارِ النَّاسِ وغُمارِهم.
يرادُ به: دخَل في عُرْضِ الناسِ.
ويقالُ للضَّبعِ: [خامرِى أمَّ عامرٍ] (٥).
أي: استترِى (٦).
وما خامَر العقلَ من دَاءٍ وسُكْرٍ فخالَطه وغمَره فهو خَمْرٌ، ومن ذلك أيضًا خِمارُ المرأةِ، وذلك لأنها تسترُ به (٧) رأسَها فتغطِّيه.
ومنه يقال: هو يمشي لك الخمَرَ.
أي مُستخْفِيًا، كما قال العجاجُ (٨): في لامعِ العِقْبانِ لا يأتي الخَمَرْ يُوجِّهُ الأرْضَ (١) ويَشتاقُ الشَّجَرْ ويعنى بقولِه: لا يأتي الخمَر: لا يأتي مُستخفيًا ولا مُسارقَةً، ولكن ظاهرًا براياتٍ وجيوشٍ.
والعِقبانُ جمعُ عُقابٍ، وهي الراياتُ.
وأما الميسرُ فإنها الفعِلُ، من قولِ القائلِ: يَسَر لي هذا الأمرُ.
إذا وجَب لي، فهو يَيْسِرُ لي يَسَرًا ومَيسِرًا.
والياسرُ الواجبُ، بقداحٍ وجَبَ ذلك أو مباحهِ (٢) أو غيرِ ذلك.
ثم قيل للمُقامرِ: ياسرٌ ويَسَرٌ.
كما قال الشاعرُ (٣): فَبِتُّ كأنَّنِى يَسَرٌ غَبِينٌ … يُقَلِّبُ بعدَ ما اخْتُلِعَ (٤) القِدَاحا وكما قال النابغةُ (٥): أَوْ ياسِرٌ ذَهَبَ القِداحُ بوَفْرِه (٦) … أسِفٌ تآكَلُه (٧) الصَّديقُ مُخَلَّعُ يعني بالياسرِ المقامِرَ.
وقيل للقِمارِ: مَيسِرٌ.
وكان مجاهدٌ يقولُ نحوَ ما قلنا في ذلك.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾.
قال: القِمارِ، وإنما سُمّىَ الميسرَ، لقولِهم: أيْسِرُوا واجزُرُوا.
كقولِك: ضعْ كذَا وكذَا (١).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ القمارِ من الميسرِ، حتى لَعِبُ الصبيانِ بالجوْزِ (٢).
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ الملكِ ابنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، قال: قال عبدُ اللهِ: إياكم وهذه الكِعابَ (٣) الموسومةَ التى تزجُرُون (٤) زجرًا، فإنهنَّ من الميْسِرِ (٥).
حدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ مثلَه.
حدثنا محمدُ بنُ المثني، قال: ثنا محمدُ بنُ نافعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ أنه قال: إياكم وهذه الكِعابَ التى تزْجُرون (١) زَجرًا، فإنها مِن الميسرِ (٢).
حدثني عليُّ بنُ سعيد الكِندىُّ، قال: ثنا علي بنُ مُسهِرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: القمارُ ميسرٌ (٣).
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ شيءٍ له خَطَرٌ (٤)، أو فى خَطَرٍ -أبو عامرٍ شكّ- فهو من الميسرِ (٥).
حدثنا الوليدُ بنُ شجاعٍ أبو همامٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ مُسهرٍ، عن عاصمٍ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: كلُّ قِمارٍ ميسرٌ، حتى اللعبُ بالنَّردِ على القيامِ، والصياحُ، والريشةُ يجعلُها الرجلُ في رأسِه.
حدثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كلُّ لعبٍ فيه قِمارٌ من شُربٍ أو صِياحٍ أو قيامٍ، فهو من الميسرِ (٦).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا الأشعثُ، عن الحسنِ أنه قال: الميسرُ القمارُ (٧).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ وعطاءٍ، قالا: كلُّ قمارٍ فهو من الميسرِ، حتى لعِبُ الصبيانِ بالكِعابِ والجوْزِ (١).
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: الميسرُ القمارُ (٢).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ بنُ عُميرٍ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ (٣) اللهِ، قال: إيّاكم وهاتينِ الكَعْبتينِ، يُزجرُ بهما زَجرًا، فإنهما من الميسرِ (٤).
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ، عن ابنِ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، قال: أمّا قولُه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾ فهو القمارُ كلُّه (٥).
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ سالمٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ، أنه سمِعَ عُمرَ بنَ عُبيدِ اللهِ يقولُ للقاسمِ بنِ محمدٍ: النَّردُ ميسرٌ، أرأيتَ الشِّطْرَنْجَ مَيسرٌ هو؟
فقال القاسمُ: كلُّ ما ألْهَى عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ فهو (٦) ميسرٌ (٧).
حدثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الميسرُ القمارُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يُخاطرُ على (١) أهلِه ومالِه، فأيُّهما قمَر صاحبَه، ذهَب بأهلِه ومالِه (٢).
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ، قال: الميسرُ القمارُ (٣).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ (٤).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وسعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالا: الميسرُ القمارُ كلُّه، حتى الجوْزُ الذي يلعَبُ به الصبيانُ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: سمِعتُ عُبيدَ بنَ سليمانَ يُحدِّثُ عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَالْمَيْسِرِ﴾.
قال: القمارِ.
حدثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الميسرُ القمارُ.
حدثنا المثني، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو بدرٍ شجاعُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا موسى بنُ عقبةَ، عن نافعٍ، أن ابنَ عُمرَ كان يقولُ: القمارُ من الميسرِ (١).
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: الميسرُ قِداحُ العربِ وكِعابُ فارسَ (٢).
وقال ابنُ جُريجٍ: وزعَم عطاءُ ابنُ ميسرةَ أنَّ الميسرَ القمارُ كلُّه (٣).
حدثنا ابنُ البرقىِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أبي سَلَمةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، قال: قال مكحولٌ: الميسرُ القمارُ.
حدثنا الحسينُ بنُ محمدٍ الذَّارعُ، قال: ثنا الفضلُ بنُ سليمانَ وشجاعُ بنُ الوليدِ، عن موسى بنِ عقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: الميسرُ القمارُ.
وأما قولُه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فإنه يعني بذلك جلّ ثناؤُه: قلْ يا محمدُ لهم: ﴿فِيهِمَا﴾ يعني: في الخمرِ والميسرِ ﴿إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ فالإثم الكبيرُ الذي فيهما ما ذُكِرَ عن السدىِّ فيما حدَّثنى به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما قولُه: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
فإثمُ الخمرِ أن الرجلَ يشرَبُ فيسْكَرُ فيؤذِى الناسَ، وإثمُ الميسرِ أن يُقامرَ الرجلُ فيمنعَ الحقَّ ويظلمَ.
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
قال: هذا أولُ ما عِيبَتْ به الخمرُ (١).
حدثني علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
يعني: ما يَنقُصُ من الدِّينِ عندَ مَن يَشربُها (٢).
والذي هو أوْلى بتأويلِ الآيةِ بالإثمِ (٣) الكبيرِ الذي ذكَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أنَّه في الخمرِ والميسرِ مما (٤) قاله السُّدىُّ، زوالُ عقلِ شاربِ الخمرِ إِذا سكِرَ من شُرْبهِ إيّاها، حتى يَعزُبَ عنه معرفةُ ربِّه، وذلك أعظمُ الآثامِ، وذلك معنى قولِ ابنِ عباسٍ إن شاءَ اللهُ.
وأما في الميسرِ فما فيه من الشُّغُلِ به عن ذكرِ اللهِ وعن الصلاةِ، ووقوعِ العداوةِ والبغضاءِ بين المتياسِرينَ بسبَبِه، كما وصَف ذلك به ربُّنا جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١].
وأما قولُه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
فإنّ منافعَ الخمرِ كانت أثمانَها قبلَ تحرِيمِها، وما يَصِلونَ إليه بشرْبِها من اللذةِ، كما قال الأعشى في صفتِها (٥): لَنا مِن ضُحاها خُبْثُ نَفْسٍ وكأْبةٌ … وذِكْرَى هُمُومٍ ما تَغِبُّ (٦) أذَاتُها وعندَ العَشىِّ (١) طِيبُ نَفْسٍ وَلَذَّةٌ … ومالٌ كَثيرٌ عِدَّةٌ (٢) نشوَاتُها وكما قال حسانُ (٣): فَنَشْرَبُها فتترُكُنا مُلُوكًا … وأُسْدًا ما يُنَهْنِهُنا (٤) اللِّقاءُ وأمَّا منافعُ الميسرِ، فما يصيبون فيه (٥) من أنصباءِ الجَزُورِ، وذلك أنهم كانوا يُياسِرونَ على الجزورِ، وإذا أفلَج (٦) الرجلُ منهم صاحبَه نحرَه، ثمَّ اقْتسموا أعشارًا على عَددِ القِداحِ، وفي ذلك يقولُ أعشى بنى ثعلبةَ (٧): وجَزُورِ أيْسارٍ (٨) دَعَوْتُ [إلى النَّدَى] (٩) … ونِياطُ (١٠) مُقْفِرَةٍ أخافُ ضَلالَهَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: المنافعُ ههنا ما يُصيبون من الجَزُورِ (١١).
حدثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: أما مَنافعُهما، فإن منفعةَ الخمرِ في لذتِه وثمنِه، ومنفعةَ الميسرِ فيما يصابُ من القمارِ.
حدثنا أبو هشامٍ (١) الرفاعىُّ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
قال: منافعُهما قبلَ أن يُحرَّما (٢).
حدثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
قال: يقولُ: فيما يُصيبون من لذَّتِها وفرحِها إذا شَرِبوها (٣).
واختلَف القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه عُظْمُ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين والبصريين: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ بالباءِ، بمعنى: قُلْ: [في شُرْبِ] (٤) هذه، والقمارِ هذا، كبيرٌ من الآثامِ، [أي: عظيمٌ] (٥).
وقرَأه آخرون من أهلِ المِصْرَيْنِ؛ البصرةِ والكوفةِ: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ).
بمعنى الكثرةِ من الآثامِ، وكأنهم رأوْا أنَّ الإثمَ بمعنى الآثامِ، وإنْ كان في اللفظِ واحدًا، فوصفوه بمعناه من الكثْرةِ (٦).
وأوْلى القراءتين في ذلك بالصوابِ (٧) قراءةُ من قرَأه بالباءِ: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾.
لإجماعِ جميعِهم على قولِه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وقراءتِه بالباء، وفي ذلك دلالةٌ بيِّنةٌ على أن الذي وُصف به الإثمُ الأولُ من ذلك هو العِظَمُ والكِبَرُ، لا الكثرةُ في العَدَدِ، ولو كان الذي وُصفَ به من ذلك الكثرةَ، لقيل: وإثمُهما أكثرُ من نفعِهما.
القولُ في تأويل قوله عزَّ ذكرُه: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
يعني بذلك عزَّ ذكرُه: والإثمُ بشُربِ هذه، والقمارُ هذا، أعظمُ وأكبرُ مضرَّةً عليهم من النفْعِ الذي يتناولون بهما.
وإنما كان ذلك كذلك لأنهم كانوا إذا سَكِرُوا وثَب بعضُهم على بعضٍ، وقاتَل بعضُهم بعضًا، وإذا ياسَرُوا وقَع بينهم فيه بسببِه الشّرُّ، فأدّاهم ذلك إلى ما يأثَمون به.
ونزَلت هذه الآيةُ في الخمرِ قبل أن يُصرَّحَ بتحرِيمِها، فأضاف الإثمَ جلّ ثناؤُه إليهما، وإنما الإثمُ بأسبابِهما، إذْ كان عن سبَبِهما يحدُثُ.
وقد قال عَددٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى ذلك: وإثمُهما بعد تحريمِهما أكبرُ من نفعِهما قبلَ تحريمِهما.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾.
قال: منافعُهما قبلَ التّحريمِ، وإثمُهما بعدَ ما حُرِّما (١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَمَنَافِعُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾.
فحرِّمت الخَمرُ عندَ ذلك (١).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ الآية كلها، قال: نُسِختْ ثلاثةً، في سورةِ "المائدةِ"، وبالحدِّ الذى حدَّ النَّبِيُّ ﷺ، وضَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ.
قال: كان النَّبِيُّ ﷺ يضرِبُهم بذلك حدًّا، ولكنه كان يعمَلُ في ذلك برأيِه، ولم يكنْ حدًّا مُسمًّى، وهو حدٌّ.
وقرَأ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
يعنى جلَّ ذكرُه بذلك: ويسأَلُكَ يا محمدُ أصحابُك: أَىَّ شيءٍ ينفِقون من أموالِهم فيتصدَّقون به، فقل لهم يا محمدُ: أنفِقوا منها العفْوَ.
واختلَفَ أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿الْعَفْوَ﴾ فى هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: معناه الفضلُ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا عَمرُو بنُ عليٍّ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابنِ أبى ليلي، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾: ما فضَلَ عن أهلِكَ (٢).
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.
أى: الفضْلَ.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، قال: هو الفضلُ (١).
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿الْعَفْوَ﴾.
قال: الفضلَ (٢).
حَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ، قال: ﴿الْعَفْوَ﴾.
يقولُ: الفضلَ (٣).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: كان القومُ يعملُون في كلِّ يومٍ بما فيه، فإن فضَلَ ذلك اليومَ فضلٌ عن العيالِ قدَّموه، ولا يتركُون عيالَهم جُوَّعًا ويتصدَّقون به على الناسِ.
حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسَنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: هو الفضْلُ، فضْلُ المالِ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: ما كان عَفْوًا لا يَبينُ على مَن أنفقَه أو تصَدَّق به.
ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
يقولُ: ما لا يَتَبيَّنُ في أموالِكم (١).
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ جُريجٍ، عن طاوسٍ في قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: اليسيرَ من كلِّ شيءٍ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: الوسطُ من النَّفقةِ، ما لَمْ يكنْ إسرافًا ولا إقْتارًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزِيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
يقولُ: لا تُجْهِدْ مالَك حتى يَنْفَدَ للناسِ (٣).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: العفوُ في النفقةِ ألا تُجْهِدَ مالَك حتى يَنْفَدَ فتسألَ الناسَ.
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: العفوُ ما لَمْ يُسْرِفوا، ولم يَقْتُروا في الحَقِّ.
قال: وقال مجاهدٌ: العفوُ صدقةٌ عن ظهْرِ غِنًى.
حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: هو ألا تُجْهِدَ مالَك.
وقال آخَرون: معنى ذلك: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾: خُذْ منهم ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلًا أو (١) كثيرًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال؛ ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
يقولُ: ما أتَوْك به مِن شيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ، فاقْبَلْه منهم.
وقال آخَرون: معنى ذلك: ما طاب مِن أموالِكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾.
قال: يقولُ: الطيبَ منه.
يقولُ: أفضلُ مالِك وأطيبَه (٢).
حُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال: كان يقولُ: ﴿الْعَفْوَ﴾: الفضلَ.
يقولُ: أفضلَ مالِك.
وقال آخرون: معنى ذلك: الصدقةُ المفروضةُ.
على أنها جوابُ ما سأل عنه القومُ على وجهِ التعرُّفِ لِمَا فيه للهِ الرضا مِن الصدقاتِ، ولا سبيلَ لمُدَّعى ذلك إلى دلالةٍ تُوجِبُ صحَّة ما ادَّعَى.
وأمَّا القرَأةُ فإنهم اخْتَلفوا في قراءةِ ﴿الْعَفْوَ﴾، فقرَأته عامَّةُ قرَأةِ الحجازِ وقرَأةِ الحَرَميْنِ وعُظْمُ قرَأةِ الكوفيِّين: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾.
نصبًا.
وقرَأه بعضُ قرَأةِ البصريِّين: (قُلِ العَفْوُ).
رفعًا (١).
فمَن قرَأه نصبًا جعَل ﴿مَاذَا﴾ حرفًا واحدًا، ونصَبه بقولِه: ﴿يُنْفِقُونَ﴾.
على ما قد بيَّنتُ قبلُ، ثم نصَب ﴿الْعَفْوَ﴾ على ذلك، فيكونُ معنَى الكلامِ حينئذٍ: ويَسْأَلونك أىَّ شيءٍ يُنْفِقون؟
ومَن قرَأه رفعًا جعَل "ما" مِن صلةِ "ذا"، ورفَعوا "العفو"، فيكونُ معنى الكلام حينئذٍ: ما الذى ينفقون؟
قل: الذى ينفقون العفوُ.
ولو نَصَبَ "العفو"، ثم جَعَلَ "ماذا" حرفين بمعنَى: يسألونك ماذا يُنفِقون؟
قل: يُنفِقون العفوَ.
ورفَع الذين جعلوا "ماذا" حرفًا واحدًا بمعنى: ما ينفقون؟
قل: الذى ينفِقون -خبرًا- كان صوابًا صحيحًا في العربيةِ.
وبأىِّ القراءتينِ قُرِئ ذلك فهو (٢) عندى صوابٌ، لتقارُبِ معنييهما، معَ استفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدةٍ منهما، غيرَ أن أعجبَ القراءتين إليَّ -وإن كان الأمرُ كذلك- قراءةُ مَن قرَأه بالنصبِ، لأن مَن قرَأ به مِن القرأةِ أكثرُ، وهو أعرفُ وأشهرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
يعنى بقولِه عزَّ ذكرُه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾: هكذا يُبَيِّنُ.
أى: كما بيَّنتُ (١) لكم أعلامى وحُجَجى -وهى آياتُه في هذه السورة- وعرَّفتُكم فيها ما فيه خلاصُكم مِن عقابِى، وبيَّنتُ لكم حُدودِى وفَرائِضى، ونبَّهتُكم فيها على الأدلَّةِ على وَحْدانيَّتى، ثم على حُجَجِ رسولى إليكم، فأرْشَدتُكم إلى ظهورِ الهُدَى، فكذلك أُبَيِّنُ لكم في سائرِ كتابى الذى أنْزَلتُه على نبيِّى محمدٍ ﷺ آياتى وحُجَجى، وأُوضِّحُها لكم؛ لِتَتَفَكَّروا في وعْدِى ووعيدى، وثوابى وعِقابى، فتُجاوِزوا (٢) طاعتى التى تَنالون بها ثوابى في الدارِ الآخرةِ، والفوزَ بنعيمِ الأبدِ على القليلِ مِن اللذاتِ، واليسيرِ مِن الشهواتِ، بركوبِ معصيتى في الدنيا الفانيةِ، التى مَن ركِبها كان مَعَادُه إلىَّ، ومصيرُه إلى ما لا قِبَلَ له به مِن عقابى وعذابى.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال: يعنى في زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِها (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
قال: يقولُ: لعلَّكم تَتَفَكَّرون في الدنيا والآخرةِ، فتعرِفون فضلَ الآخرةِ على الدنيا (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
قال: أمَّا الدنيا فتَعْلَمون أنها دارُ بلاءٍ ثم فناءٍ، والآخرةُ دارُ جزاءٍ ثم بقاءٍ، فتَتَفَكَّرون، فتعملون للباقيةِ منهما (١).
قال: وسمِعتُ أبا عاصمٍ يَذْكُرُ نحوَ هذا أيضًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾: وإنه مَن تفكَّر فيهما عرَف فضلَ إحداهما على الأخرى، وعرَف أن الدنيا دارُ بلاءٍ، ثم دارُ فناءٍ، وأن الآخرةَ دارُ جزاءٍ، ثم دارُ بقاءٍ، فكونوا ممن يَصْرِمُ حاجةَ الدنيا لحاجةِ الآخرةِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فيما نزَلت هذه الآيةُ، فقال بعضُهم: نزَلت (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، الإسراء: ٣٤].
عزَلوا أموالَ اليتامى، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ فخالَطوهم (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
انطَلق مَن كان عنده يتيمٌ فعزَل طعامَه مِن طعامِه، وشرابَه مِن شرابِه، فجعَل يَفْضُلُ الشئُ مِن طعامِه، فيُحْبَسُ له حتى يَأْكُلَه أو يَفْسُدَ، فاشتدَّ ذلك عليهم، فذكَروا ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلَطوا طعامهم بطعامِهم، وشرابَهم بشرابِهم (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
قال: [كان يُصنَعُ] (٣) لليتيمِ طعامٌ (٤) فيَفْضُلُ منه الشئُ، فيَتْرُكُونه حتى يَفْسُدَ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٥).
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن ابنِ أبى ليلَى، عن الحكمِ، قال: سُئِل عبدُ الرحمنِ بنُ أبى ليلى عن مالِ اليتيمِ، فقال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اجْتُنِبتْ مُخَالطتُهم، واتَّقَوْا كلَّ شيءٍ، حتى اتَّقَوا المَاءَ، فلمَّا نزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال: فخالَطوهم.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ الآية كلّها.
قال: كان اللهُ أنْزَل قبلَ ذلك في سورةِ "بنى إسرائيلَ": ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخَالِطونهم في مَأْكَلٍ ولا في غيرِه، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنْزَل اللهُ الرُّخصةَ، فقال: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (١).
حدّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ اعْتَزل الناسُ اليتامى فلم يُخالِطوهم في مَأْكَلٍ ولا مَشْرَبٍ ولا مالٍ.
قال: فشقَّ ذلك على الناسِ، فسألُوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية.
قال: فذكِر لنا -واللهُ أعلمُ- أنه أنْزَل في بنى إسرائيلَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فكبُرت عليهم، فكانوا لا يُخالِطونهم في طعامٍ ولا شرابٍ ولا غيرِ ذلك، فاشتدَّ ذلك عليهم، فأنزَل اللهُ الرخصةَ فقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
يقولُ: مخالطتُهم في ركوبِ الدابَّةِ، وشُربِ اللبنِ، وخدمةِ الخادمِ.
يقولُ للولىِّ الذى يَلى أمرَهم: فلا بأسَ عليه أن يَرْكَبَ الدابَّةَ، أو يَشْرَبَ اللبنَ، أو يَخْدُمَه الخادمُ.
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثنى عَمرُو بنُ علىٍّ، قال: ثنا عمرانُ بنُ عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية.
قال: كان يكونُ في حِجْرِ الرجلِ اليتيمُ، فيَعْزِلُ طعامَه وشرابَه وآنيتَه، فشقَّ ذلك على المسلمين، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ فأحلَّ خلطَهم (١).
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
قال: فاجْتَنب الناسُ الأيتامَ، فجعَل الرجلُ يَعْزِلُ طعامَه مِن طعامِه، ومالَه مِن مالِه، وشرابَه مِن شرابِه.
قال: فاشتدَّ ذلك على الناسِ، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ قال الشَّعْبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطَه لِيَأْكُلَ مِن مالِه فلا يَفْعَلْ (٢).
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾: وذلك أن اللهَ لمَّا أنْزَل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ كرِه المسلمون أن يَضُمُّوا اليتامى، وتحرَّجوا أن يُخالِطوهم في شيءٍ، فسألوا رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبى رَبَاحٍ عن قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال: لمَّا نزَلت سورةُ "النساءِ" عزَل الناسُ طعامَهم فلم يُخالِطوهم.
قال: ثم جاءوا إلى النبىِّ ﷺ فقالوا: إنَّا يَشُقُّ علينا أن نَعْزِلَ طعامَ اليتامى وهم يأكُلون معَنا.
فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ (١).
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال مجاهدٌ: عزَلوا طعامَهم عن طعامِهم، وألبانَهم عن ألبانِهم، وأُدْمَهم عن أُدْمِهم، فشقَّ ذلك عليهم، فنزَلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال: مخالطةُ اليتيمِ في المراعِى والأُدْمِ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وقال ابنُ عباسٍ: الألبانِ وخدمةِ الخادمِ وركوبِ الدابَّةِ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وفى المساكنِ.
قال: والمساكنُ يومئذٍ عزيزةٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ الحسنِ الأَشْقَرُ، قال: أخبَرَنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ و: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾.
قال: اجْتَنَب الناسُ مالَ اليتيمِ وطعامَه، حتى كان يَفْسُدُ إن كان لحمًا أو غيرَه، فشقَّ ذلك على الناسِ، فشكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، [أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ] (٢) -شكَّ أبو عاصمٍ- عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال: مخالطةُ اليتيمِ في الرعىِ والأدْمِ (٣).
وقال آخَرون: بل كان اتِّقاءُ مالِ اليتيم واجتنابُه مِن أخلاقِ العربِ، فاستَفْتَوْا في ذلك لمشقَّتِه عليهم، فأُفْتُوا بما بيَّنه اللهُ في كتابِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
قال: كانت العربُ يُشَدِّدون في اليتيمِ حتى لا يَأْكُلوا معَه في قَصْعَةٍ واحدةٍ، ولا يَرْكبوا له بعيرًا، ولا يَسْتَخْدِموا له خادمًا، فجاءوا إلى النبىِّ ﷺ فسألوه عنه، فقال: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ يُصْلِحُ له مالَه وأمرَه له خيرٌ، وإن يُخَالِطْه فيَأْكُلْ معَه ويُطْعِمْه، ويَرْكَبْ راحلتَه ويَحْمِلْه، ويَسْتَخْدِمْ خادمَه ويَخْدُمْه، فهو أجودُ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ إلى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾: وإن الناسَ كانوا إذا كان في حِجْرِ أحدِهم اليتيمُ جعَل طعامَه على ناحيةٍ، ولبنَه على ناحيةٍ، مخافةَ الوِزرِ، وإنه أصاب المؤمنين الجَهْدُ، فلم يكنْ عندَهم ما يَجْعَلون خَدَمًا لليتامى، فقال اللهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ (١) بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾: كانوا في الجاهليةِ يُعَظِّمون (٢) شأنَ اليتيمِ، فلا يَمَسُّون مِن أموالِهم شيئًا، ولا يَرْكَبون لهم دابَّةً، ولا يَطْعَمون لهم طعامًا، فأصابهم في الإسلامِ جَهْدٌ شديدٌ، حتى احتاجوا إلى أموالِ اليتامى، فسألوا نبىَّ اللهِ ﷺ عن شأنِ اليتامى، وعن مُخالطتِهم، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ يعنى بالمخالطةِ ركوبَ الدابَّةِ، وخدمةَ الخادمِ، وشربَ اللبنِ.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن مالِ اليتامى، وخَلْطِهم أموالَهم به في النفقةِ والمُطَاعَمةِ والمُشَارَبةِ والمُسَاكنةِ والخِدمةِ، فقل لهم: تَفَضُّلُكم عليهم -بإصلاحِكم أموالَهم مِن غيرِ مَرْزِئَةِ (٣) شيءٍ مِن أموالِهم، وغيرِ أخْذِ عِوَضٍ مِن أموالِهم على إصلاحِكم ذلك لهم- خيرٌ لكم عندَ اللهِ، وأعظمُ لكم أجرًا؛ لما لكم في ذلك مِن الأجرِ والثوابِ، وخيرٌ لهم في أموالِهم في عاجلِ دنياهم؛ لِما في ذلك مِن توفُّرِ أموالِهم عليهم، وإن تُخالِطوهم فتُشارِكوهم بأموالِكم أموالَهم في نفقاتِكم ومطاعمِكم ومشاربِكم ومساكِنكم، فتَضُمُّوا مِن أموالِهم عِوَضًا مِن قيامِكم بأمورِهم وأسبابِهم وإصلاحِ أموالِهم، فهم إخوانُكم، والإخوانُ يُعِينُ بعضُهم بعضًا، ويَكْنُفُ بعضُهم بعضًا؛ فذو المالِ يُعِينُ ذا الفاقَةِ، وذو القُوَّةِ في الجسمِ يُعِينُ ذا الضعفِ.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأنتم أيُّها المؤمنون وأيتامُكم كذلك إن خالَطْتُموهم بأموالِكم، فخَلَطتُم طعامَكم بطعامِهم، وشرابَكم بشرابِهم وسائرَ أموالِكم بأموالِهم، فأصَبتُم مِن أموالِهم فضلَ مَرْفِقٍ بما كان منكم (١) مِن قيامِكم بأموالِهم ووَلائِهم، ومعاناةِ أسبابِهم على النظرِ منكم (١) لهم نظرَ الأخِ الشفيقِ (٢) لأخيهِ العاملِ فيما بينَه وبينَه بما أوْجَب اللهُ عليه وألزمَه، فذلك لكم حلالٌ؛ لأنكم إخوانٌ بعضُكم لبعضٍ.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾.
قال: قد يُخالِطُ الرجلُ أخاه.
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازم، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى مسكينٍ، عن إبراهيمَ، قال: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ كالعُرَّةِ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامٍ الدَّسْتُوَائىِّ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عائشةَ، قالت: إنى لأَكْرَهُ أن يكونَ مالُ اليتيمِ عندى عُرَّةً حتى أَخْلِطَ طعامَه بطعامى وشرابَه بشرابى (٤).
فإن قال لنا قائلٌ: وكيفَ قال: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فرفَع الإخوانَ، وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]؟
قيل: لافتراقِ (١) معنييْهما، وذلك أن أيتامَ المؤمنين إخوانُ المؤمنين، خالَطَهم المؤمنون بأموالِهم أو لم يُخالِطوهم.
فمعنى الكلامِ: وإن تُخالِطوهم فهم إخوانُكم، و"الإخوانُ" مرفوعون (٢) بالمعنى المتروكِ ذكرُه وهو "هم" لدلالةِ الكلامِ عليه، وأنه لم يُرِدْ بالإخوانِ الخبرَ عنهم أنهم كانوا إخوانًا مِن أجلِ مخالطةِ وُلاتِهم إيَّاهم، ولو كان ذلك المرادَ لكانت القراءةُ نصبًا، وكان معناه حينئذٍ: وإن تُخالِطوهم فخالِطوا إخوانَكم.
ولكنه قُرِئ رفعًا لِمَا وصَفتُ مِن أنهم إخوانٌ للمؤمنين الذين يَلُونهم، خالَطوهم أو لم يُخالِطوهم.
وأمَّا قولُه: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فنُصِب لأنهما حالانِ للفعلِ غيرُ ذاتِيَّين (٣)، ولا يَصْلُحُ معَهما "هو"، وذلك أنك لو أظْهَرت "هو" معَهما لاسْتَحال الكلامُ.
ألا تَرَى أنه لو قال قائلٌ: إن خفتَ مِن عدوِّك أن تُصَلِّىَ قائمًا، فهو راجِلٌ أو راكبٌ.
لبطَل المعنى المرادُ بالكلامِ.
وذلك أن تأويلَ الكلامِ: فإن خِفتُم أن تُصَلُّوا قيامًا مِن عدوِّكم، فصلُّوا رِجالًا أو رُكبانًا، ولذلك نصبَه إجراءً على ما قبلَه مِن الكلامِ، كما تقولُ في نحوِه مِن الكلامِ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضَ.
فتنصِبُه لأنك تُرِيدُ: إن لبِستَ ثيابًا فالْبَسِ البياضَ.
ولستَ تُرِيدُ الخبرَ عن أن جميعَ ما يُلْبَسُ مِن الثيابِ فهو البياضُ، ولو أرَدْتَ الخبرَ عن ذلك لقلتَ: إن لبِستَ ثيابًا فالبياضُ.
رفعًا، إذ كان مَخْرَجُ الكلامِ على وجهِ الخبرِ منك عن اللابسِ أن كلَّ ما يلْبَسُ مِن الثيابِ فبياضٌ؛ لأنك تُرِيدُ حينئذٍ: إن لبِستَ ثيابًا فهى بياضٌ.
فإن قال: فهل يجوزُ النصبُ في قولِه: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾؟
قيل: جائزٌ في العربية فأمَّا في القراءةِ فإنما منَعْناه لإجماعِ القرأةِ على رفعِه.
وأمَّا في العربيةِ فإنما أجَزْناه؛ لأنه يَحْسُنُ معَه تكريرُ ما يُحْمَلُ في الذي قبلَه مِن الفعلِ فيهما: وإن تخالِطوهم فإخوانَكم تُخالِطون.
فيكونُ ذلك جائزًا في كلامِ العربِ.
(*) القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن ربَّكم وإن أذِن لكم في مخالطتِكم اليتامى على ما أذِن لكم به، فاتقوا اللهَ في أنفسِكم أن تُخالِطوهم وأنتم تُرِيدون أكْلَ أموالِهم بالباطلِ، وتجعلون مخالطتَكم إيَّاهم ذريعةً لكم إلى إفسادِ أموالِهم، وأكلِها بغيرِ حقِّها، فتَسْتَوْجِبوا بذلك منه العقوبةَ التى لا قِبَلَ لكم بها، فإنه يَعْلَمُ مَن خالطَ منكم يتيمَه فشارَكَه في مَطْعَمِه ومَشْرَبهِ ومَسْكَنِه وخَدمِه ورُعَاتِه في حالِ مُخالطتِه إيَّاه، ما الذي يَقْصِدُ بمُخالطتِه إيَّاه؛ إفسادَ مالِه وأكلَه بالباطلِ، أم إصلاحَه وتثميرَه؛ [لأنه لا يَخْفَى] (١) عليه منه شيءٌ، ويَعْلَمُ أيَّكم المُرِيدُ إصلاحَ مالِه مِن المُرِيدِ إفسادَه.
كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
قال: اللهُ يَعْلَمُ حينَ تَخْلِطُ مالَك بمالِه أتُرِيدُ أن تُصْلِحَ مالَه أو تُفْسِدَه فتأْكُلَه بغيرِ حقٍّ (٢).
حدَّثنى أبو السائبِ، [قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ] (١)، قال: ثنا أشعثُ، عن الشَّعْبىِّ: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾.
قال الشعبىُّ: فمَن خالَط يتيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عليه، ومَن خالَطه ليَأْكُلَ مالَه فلا يَفْعَلْ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو شاء اللهُ لحرَّم ما أحلَّه لكم مِن مخالطةِ أيتامِكم بأموالِكم أموالَهم، فجهَدَكُم ذلك وشقَّ عليكم، ولم تَقْدِروا على القيامِ باللازمِ لكم مِن حقِّ اللهِ تعالى، والواجبِ عليكم في ذلك من فرضِه، ولكنه رخَّص لكم فيه، وسهَّله عليكم؛ رحمةً منه بكم ورأفةً.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن قيسِ ابنِ سعدٍ -أو عيسى، عن قيسِ بنِ سعدٍ- عن مجاهدٍ -شكَّ أبو عاصمٍ- في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لحرَّم عليكم المَرْعَى والأدْمَ (٢).
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك مجاهدٌ رعىَ مواشى والى اليتيمِ مع مواشى اليتيمِ، والأكلَ مِن إدامِه؛ لأنه كان يتَأَوَّلُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أنه خُلْطَةُ الولىِّ اليتيمَ بالرعىِ والأُدْمِ.
حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
يقولُ: ولو شاء اللهُ لأحرَجَكم، فضيَّق عليكم، ولكنَّه وسَّع ويسَّر، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) [النساء: ٦].
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
يقولُ: لجهَدكم، فلم تقوموا بحقٍّ ولم تُؤَدُّوا فريضةً (٢).
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ نحوَه، إلا أنه قال: فلم تَعْمَلوا بحقٍّ (٣).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾: لشدَّد عليكم.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال: لشقَّ عليكم في الأمرِ؛ ذلك العَنَتُ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
قال: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصَبتم مِن أموالِ اليتامى موبِقًا (٤).
وهذه الأقوالُ التى ذكَرناها عمَّن ذُكِرت عنه، وإن اخْتَلفت ألفاظُ قائلِيها فيها، فإنها مُتقارباتُ المعانى؛ لأن مَن حرُم عليه شيءٌ فقد ضُيِّق عليه في ذلك الشئِ، ومَن ضُيِّق عليه في شيءٍ فقد أُحْرِجَ فيه، ومَن أُحْرِج في شيءٍ أو ضُيِّق عليه فيه فقد جُهِد.
وكلُّ ذلك عائدٌ إلى المعنى الذي وصَفتُ مِن أن معناه الشدَّةُ والمشقَّةُ؛ ولذلك قيل: عَنِتَ فلانٌ (١)، إذا شقَّ عليه (٢) وجهَده، فهو يَعْنَتُ عَنَتًا.
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨].
يعنى: ما شقَّ عليكم وآذاكم وجهَدكم، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٥].
فهذا إذا عنِت العانتُ، فإن صيَّره غيرُه كذلك قيل: أعْنَته فلانٌ في كذا، إذا جهَده وألْزَمه أمرًا جهَده القيامُ به، يُعْنِتُه إعناتًا.
فكذلك قولُه: ﴿لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
معناه: لأوْجَب لكم العَنَتَ بتحرِيمِه عليكم ما يجْهدُكم ويُحْرِجُكم، ممَّا لا تُطِيقون القيامَ باجتنابِه وأداءِ الواجبِ له عليكم فيه.
وقال آخَرون: معنى ذلك: لأوْبَقكم وأهلَكَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قرَأ علينا: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ قال ابنُ عباسٍ: ولو شاء اللهُ لجعَل ما أصبتم مِن أموالِ اليتامى مُوبِقًا.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن فُضَيْلٍ وجريرٍ، عن منصورٍ، وحدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾.
قال: لجعَل ما أصَبتم مُوبِقًا.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن اللهَ عزيزٌ في سلطانِه، لا يَمْنَعُه مانعٌ ممَّا أحلَّ بكم مِن عقوبةٍ، لو أعنَتكم بما يَجْهَدُكم القيامُ به مِن فرائضِه، فقصَّرتُم في القيامِ به، ولا يَقْدِرُ دافعٌ أن يَدْفَعَه عن ذلك ولا عن غيرِه ممَّا يَفْعَلُه بكم وبغيرِكم مِن ذلك، لو فعَله، [ولكنه] (١) بفضلِ رحمتِه منَّ عليكم بتركِ تكليفِه إيَّاكم ذلك، وهو حكيمٌ في ذلك -لو فعَله بكم- وفى غيرِه مِن أحكامِه وتدبيرِه، لا يَدْخُلُ أفعالَه خَلَلٌ ولا نقصٌ ولا وَهْىٌ ولا عيْبٌ؛ لأنه فعلُ ذى الحكمةِ الذى لا يَجْهَلُ عواقبَ الأمورِ، فيَدْخُلُ تدبيرَه مَذَمَّةُ عاقبةٍ، كما يَدْخُلُ ذلك أفعالَ الخلقِ لجهلِهم بعواقبِ الأمورِ، لسوءِ اختيارهم فيها ابتداءً.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في هذه الآيةِ، هل نزَلت مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ، أم مرادًا بحكمِها بعضُ المشركاتِ دونَ بعضٍ؟
وهل نُسِخ منها بعدَ وجوبِ الحكمِ بها شيءٌ أم لا؟
فقال بعضُهم: نزَلت مُرادًا بها تحريمُ نكاحِ كلِّ مشركةٍ على كلِّ مسلمٍ مِن أىِّ (٢) أجناسِ الشركِ؛ كانت عابدةَ وَثَنٍ، أو كانت يهوديَّةً أو نصرانيَّةً أو مجوسيَّةً، أو مِن غيرِهم مِن أصنافِ الشركِ، ثم نُسِخ تحريمُ نكاحِ أهلِ الكتابِ بقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ إلى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٤، ٥].
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي علىُّ بنُ داودَ (٣)، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
ثم اسْتَثنى نساءَ أهلِ الكتابِ فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ حِلٌّ لكم ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا (٢): ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾: فنسَخَ مِن ذلك نساءَ أهلِ الكتابِ، أحلَّهنَّ للمسلمين (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسي، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
قال: نساءُ أهلِ مكةَ ومَن سواهنَّ مِن المشركين، ثم أَحَلَّ منهنَّ نساءَ أهلِ الكتابِ (٤).
حَدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.
إلى قولِه: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
قال: حرَّم اللهُ المشركاتِ في هذه الآيةِ، ثم أنْزَل في سورةِ "المائدةِ"، فاسْتَثنى نساءَ أهلِ الكتابِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١).
وقال آخَرون: بل أُنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بحكمِها مشركاتُ العربِ، لَمْ يُنْسَخْ منها شيءٌ ولم يُسْتَثْنَ، وإنما هى آيةٌ عامٌّ (٢) ظاهرُها، خاصٌّ تأويلُها.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس [لهنَّ كتابٌ يَقْرَأْنَه] (٣).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
قال: المشركاتُ مَن ليس مِن أهلِ الكتابِ، وقد تزوَّج حذيفةُ يهوديةً أو نصرانيةً (٤).
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
يعنى: مشركاتِ العربِ اللاتى ليس لهنَّ كتابٌ يَقْرَأْنَه (٥).
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن حمَّادٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
قال: مشركاتُ أهلِ الأوثانِ (١).
وقال آخَرون: بل أُنْزِلت هذه الآيةُ مُرادًا بها كلُّ مشركةٍ مِن أىِّ أصنافِ الشركِ كانت، غيرُ مخصوصٍ منها مشركةٌ دونَ مشركةٍ، وَثَنيَّةً كانت أو مجوسيَّةً أو كتابيَّةً، ولا نُسِخ منها شيءٌ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا عُبَيْدُ (٢) بنُ آدمَ بنِ أبي إياسٍ العَسْقَلانِيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَهْرامَ الفَزَارىُّ، قال: ثنا شَهْرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعتُ عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ يقولُ: نهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن أصنافِ النساءِ إلَّا ما كان مِن المؤمناتِ المهاجراتِ، وحرَّم كلَّ ذاتِ دينٍ غيرِ الإسلامِ، وقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].
وقد نكَح طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يهوديَّةً، ونكَح حذيفةُ بنُ اليمانِ نصرانيةً، فغضِب عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ غَضَبًا شديدًا، حتى همَّ بأن يَسْطُوَ عليهما، فقالا: نحن نُطَلِّقُ يا أميرَ المؤمنين ولا تَغْضَبْ.
فقال: لئن حلَّ طلاقُهنَّ، لقد حلَّ نِكَاحُهنَّ، ولكن أنْتَزِعُهنَّ منكم صَغَرَةً قِماءً (٣).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله قتادةُ مِن أن اللهَ تعالى ذكرُه عنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ مَن لَمْ يكنْ مِن أهلِ الكتابِ مِن المشركاتِ، وأن الآيةَ عامٌّ ظاهرُها، خاصٌّ باطنُها، لَمْ يُنْسَخْ منها شيءٌ، وأن نساءَ أهلِ الكتابِ غيرُ داخلاتٍ فيها، وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه أحلَّ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ للمؤمنين مِن نكاحِ مُحْصَناتِهنَّ، مثلَ الذى أباح لهم مِن نساءِ المؤمناتِ.
وقد بيَّنَّا في غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِنا هذا (١)، وفى كتابنا "كتابِ اللطيفِ مِن البيانِ" أن كلَّ آيتينِ أو خبَرينِ كان أحدُهما نافيًا حكمَ الآخرِ في فِطرةِ العقلِ، فغيرُ جائزٍ أن يُقْضَى على أحدِهما بأنه ناسخٌ حكمَ الآخرِ إلَّا بحُجَّةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ للعُذْرِ مجيئُه، وذلك غيرُ موجودٍ أن (٢) قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ناسخٌ ما كان قد وجَب تحريمه مِن النساءِ بقولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
فإن لَمْ يكنْ ذلك موجودًا كذلك، فقولُ القائلِ: هذه ناسخةُ هذه.
دعوى لا برهانَ له عليها، والمُدَّعِى دعوى لا برهانَ له عليها مُتَحَكِّمٌ، والتحكُّمُ لا يَعْجِزُ عنه أحدٌ.
وأمَّا القولُ الذى رُوِى عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمرَ ﵁ مِن تفريقِه بينَ طلحةَ وحذيفةَ وامرأتيْهما اللتين كانتا كتابيَّتين - فقولٌ لا معنَى له، لخلافِه ما الأمةُ مجتمعةٌ على تحليلِه بكتابِ اللهِ تعالى ذكرُه وخبرِ رسولِه ﷺ.
وقد رُوِى عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁ مِن القولِ خلافُ ذلك بإسنادٍ هو أصحُّ منه، وهو ما حَدَّثَنِي به موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن زيدِ بنِ وهبٍ، قال: قال عمرُ: المسلمُ يَتَزَوَّجُ النصرانيةَ، ولا يَتَزَوَّجُ النصرانيُّ المسلمةَ (١).
وإنما كرِه عمرُ لطلحةَ وحُذيفةَ، رحمةُ اللهِ عليهم، نكاحَ اليهوديَّةِ والنصرانيّةِ، حَذَرًا مِن أن يَقْتَدِىَ بهما الناسُ في ذلك فيَزْهَدوا في المسلماتِ، أو لغيرِ ذلك من المعاني، فأمَرهما بتخليتِهما.
كما حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا الصَّلْتُ بنُ بَهْرامَ، عن شقيقٍ، قال: تزوَّجَ حذيفةُ يهوديةً، فكتَب إليه عمرُ: خلِّ سبيلَها.
فكتَب إليه: أتَزْعُمُ أنَّها حرامٌ فأُخَلِّىَ سبيلَها؟
فقال: لا أَزْعُمُ أنَّها حرامٌ، ولكن أخافُ أن تَعَاطَوا المُومِساتِ (٢) منهنَّ.
وقد حَدَّثَنَا تميمُ بنُ المُنْتَصِرِ، قال: أخبرَنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ، عن أشعثَ بنِ سَوَّارٍ، عن الحسنِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "نتَزَوَّجُ نِساءَ أهلِ الكتابِ ولا يَتَزَوَّجُون نساءَنا" (٣).
فهذا الخبرُ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فالقولُ به؛ لإجماعِ الجميعِ على صحةِ القولِ به - أولى مِن خبرِ عبدِ الحميدِ بنِ بَهْرَامَ، عن شهرِ بنِ حَوْشَب.
فمعنى الكلامِ إذن: ولا تَنْكِحوا أيُّها المؤمنون مشركاتِ غيرِ أهلِ الكتابِ حتى يُؤْمِنَّ، فيُصَدِّقْنَ باللهِ ورسولِه وما أُنْزِل عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ﴾: باللهِ وبرسولِه وبما جاء به مِن عندِ اللهِ، خيرٌ عندَ اللهِ وأفضلُ مِن حُرَّةٍ مشركةٍ كافرةٍ وإن شرُف نسبُها وكرُم أصلُها.
يقولُ: ولا تَبْتَغوا الناكحَ في ذواتِ الشرفِ مِن أهلِ الشرفِ باللهِ، فإن الإماءَ المسلماتِ عندَ اللهِ خيرٌ مَنْكَحًا منهنَّ.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في رجلٍ نكَح أَمةً، فعُذِل في ذلك، وعُرِضت عليه حُرَّةٌ مشركةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
قال: نزَلت في عبدِ اللهِ بنِ رَوَاحةَ، وكانت له أمَةٌ سوداءُ، وأنه غضِب عليها فلطَمها، ثم فزِع، فأتَى النَّبِيَّ ﷺ فأخبرَه بخبرِها، فقال له النَّبِيُّ ﷺ: "ما هي يا عبدَ اللهِ؟
".
قال: يا رسولَ اللهِ، هى تصومُ وتُصَلِّى وتُحْسِنُ الوُضوءَ، وتَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ.
فقال: "هذه مؤمنةٌ".
فقال عبدُ اللهِ: فوالذى بعَثك بالحقِّ، لأَعْتِقَنَّهَا ولأَتَزَوَّجَنَّها، ففعَل، فطعَن عليه ناسٌ من المسلمين، فقالوا: تزوَّج أمَةً!
وكانوا يُرِيدون أن يَنْكِحوا إلى المشركين ويُنْكِحوهم، رغبةً في أحسابِهم، فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾، ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى الحجَّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ فى قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾.
قال: المشركاتِ لشَرَفِهنَّ حتى يُؤْمِنَّ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وإن أعْجَبتكم المشركةُ مِن غيرِ أهلِ الكتابِ فى الجمالِ والحسَبِ والمالِ، فلا تَنْكِحوها، فإن الأمَةَ المؤمنةَ خيرٌ عندَ اللهِ مِنها.
وإنما وُضِعت "لو" موضعَ "إن"؛ لتقاربِ مخرجيْهما ومعنييْهما، ولذلك تُجابُ كلُّ واحدةٍ منهما بجوابِ صاحبتِها، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ (١).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن اللهَ قد حرَّم على المؤمناتِ أن يَنْكِحْنَ مشركًا، كائنًا مَن كان المشركُ، ومن أىِّ أصنافِ الشركِ كان، فلا تُنْكِحوهنَّ أيُّها المؤمنون منهم، فإن ذلك حرامٌ عليكم، ولأَنْ تُزَوِّجُوهنَّ مِن عبدٍ مؤمنٍ مصدِّقٍ باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ اللهِ، خيرٌ لكم مِن أن تُزَوِّجوهنَّ مِن حُرٍّ مشركٍ ولو شرُف نسبُه وكرُم أصلُه، وإنْ أعجَبَكم حسَبُه ونسَبُه.
وكان أبو جعفرٍ محمدُ بنُ علىٍّ يقولُ: هذا القولُ مِن اللهِ تعالى ذكرُه دَلالةٌ على أن أولياءَ المرأةِ أحقُّ بتزويجِها من المرأةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ أبو هشامٍ الرفاعىُّ، قال: أخبرَنا حَفْصُ بنُ غِياثٍ، عن شيخٍ لم يُسَمِّه، قال أبو جعفرٍ: النكاحُ بولىٍّ فى كتابِ اللهِ.
ثم قرَأ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ برفعِ التاءِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرىِّ فى قولِه: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
قال: لا يَحِلُّ لك أن تُنْكِحَ يهوديًّا أو نصرانيًّا ولا مشركًا من غيرِ أهلِ دينِك (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ لشَرَفِهِم ﴿حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾.
قال: حرَّم المسلماتِ على رجالِهم.
يعنى رجالَ المشركين.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين حرَّمتُ عليكم أيُّها المؤمنون مُناكحتَهم مِن رجالِ أهلِ الشركِ ونسائِهم، يَدْعونكم إلى النارِ.
يعنى: يدعونكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم النارَ، وذلك هو العملُ الذى هم به عاملون مِن الكفرِ باللهِ ورسولِه.
يقولُ: ولا تَقْبَلوا منهم ما يقولون، ولا تَسْتَنْصِحوهم، ولا تَنْكِحُوهم، ولا تُنْكِحوا إليهم، فإنهم لا يَأْلونكم خَبالًا، ولكن اقْبَلوا مِن اللهِ ما أمَركم به، فاعْمَلوا به، وانْتَهوا عمَّا نهاكم عنه، فإنه يَدْعوكم إلى الجنةِ، يعنى بذلك: يَدْعوكم إلى العملِ بما يُدْخِلُكم الجنةَ ويُوجِبُ لكم النجاةَ إن عمِلتم به مِن النارِ، وإِلى ما يَمْحو خطايَاكم [وذنوبَكم] (١) فيَعْفو عنها، ويَسْتُرُها عليكم.
وأمَّا قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
فإنه يعنى أنه يَدْعوكم إلى ذلك بإعلامِه إيَّاكم سبيلَه وطريقَه الذى به الوصولُ إلى الجنةِ والمغفرةِ.
ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: ويُوَضِّحُ حُجَجَه وأدلَّتَه فى كتابِه الذى أنْزَله على لسانِ رسولِه لعبادِه ليَتَذَكَّروا فيَعْتَبِروا، ويَمِيزوا بين الأمريْنِ اللذين أحدُهما، دعاءٌ إلى النارِ والخلودِ فيها، والآخرُ؛ دعاءٌ إلى الجنةِ وغفرانِ الذنوبِ، فيختاروا خيرَهما لهم، ولم يَجْهَلِ التمييزَ بين هاتين إلَّا غبىُّ الرأىِ، مدخولُ العقلِ.
القولُ فى تأويلِ قولهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾: ويَسْألُك يا محمدُ أصحابُك عن الحيضِ (٢).
وقيل: ﴿الْمَحِيضِ﴾.
لأن ما كان مِن الفعلِ ماضيه بفتحِ عينِ الفعلِ وكسرِها فى الاستقبالِ -مثلُ قولِ القائلِ: ضرَب يَضْرِبُ، وحبَس يَحْبِسُ، ونزَل يَنْزِلُ- فإن العربَ تَبنى مصدرَه على المَفْعَل، والاسمَ على المَفْعِل؛ مثلَ المَضْرَبِ والمَضْرِبِ، مِن: ضرَبت، ونزَلت منزَلًا ومنزِلًا.
ومسموعٌ فى ذواتِ الياءِ والألفِ: المَعِيشُ والمعاشُ، والمَعيبُ والمَعابُ، كما قال رُؤْبَةُ فى المعيشِ (٣): إِلَيْكَ أَشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ وَمَرَّ أعْوَامٍ نَتَفْنَ رِيشِى وإنما كان القومُ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ -فيما ذُكِر لنا- عن الحيضِ؛ لأنهم كانوا قبلَ بيانِ اللهِ لهم ما يَتَبَيَّنون من أمرِه لا يُساكِنون حائضًا فى بيتٍ، ولا يُؤاكلونهنَّ فى إِناءٍ، ولا يُشارِبونهنّ، فعرَّفهم اللهُ بهذه الآيةِ أن الذى عليهم فى أيامِ حيضِ نسائِهم أن يتجنَّبوا جماعَهنَّ فقط دونَ ما عدا ذلك من مُضاجعتِهنَّ ومُؤاكلتِهنَّ ومُشَاربتِهنَّ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: فكان أهلُ الجاهليةِ لا تُساكِنُهم حائضٌ فى بيتٍ، ولا تؤاكلُهم فى إِناءٍ، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه فى ذلك، فحرَّم فرجَها ما دامت حائضًا، وأحلَّ ما سوى ذلك؛ أن تَصْبُغَ لك رأسَك، وتؤاكلَك مِن طعامِك، وأن تُضاجعَك فى فِراشِك إذا كان عليها إزارٌ محتجِزةً به دونك (١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٢).
وقد قيل: إنهم سألوا عن ذلك؛ لأنهم كانوا فى أيامِ حيضِهنَّ يجتنِبون إتيانَهنَّ فى مَخرجِ الدَّمِ، ويَأْتونهنَّ فى أدبارِهن، [فنهاهم اللهُ عن أن يَقْرَبوهنَّ فى أيامِ حيضِهنَّ حتى يَطْهُرْنَ، ثم أذِن لهم إذا تطهَّرْنَ مِن حيضِهنَّ فى إتيانِهنَّ مِن حيثُ أمَرهم باعتزالِهنَّ، وحرَّم إتيانَهنَّ فى أدبارِهنَّ بكلِّ حالٍ] (٣) [ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنى مجاهدٌ، قال: كانوا يَجتنبون النساءَ فى المحيضِ، ويأتونَهن فى أدبارِهنَّ] (١)، فسألوا النبىَّ ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ فى الفرجِ (٢) لا تَعْدُوه (٣).
وقيل: إن السائلَ الذى سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك كان ثابتَ بنَ الدَّحْداحِ الأنصارىَّ.
حدَّثنى بذلك موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ (٤).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: قل لمَن سألك مِن أصحابِك يا محمدُ عن المحيضِ: ﴿هُوَ أَذًى﴾.
والأذى هو ما يُؤْذَى به من مكروهٍ فيه، وهو فى هذا الموضعِ يُسَمَّى أذًى لنَتْنِ ريحِه وقَذَرِه ونجاستِه، وهو جامعٌ لمعانٍ شتَّى من خلالِ الأذى غيرِ واحدةٍ.
وقد اختلف أهلُ التأويلِ فى البيانِ عن تأويلِ ذلك على تقارُبِ معانى بعضِ ما قالوا فيه من بعضٍ؛ فقال بعضُهم: قولُه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ قل: هو قَذَرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال: أمّا ﴿أَذًى﴾: فقَذَرٌ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال: قذرٌ (٢).
وقال آخرون: قل: هو دمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
قال: الأذى الدمُ (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾: فاعتزِلوا جماعَ النساءِ ونكاحَهنّ فى محيضِهن.
كما حدَّثنى علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾.
يقولُ: اعتزِلوا نكاحَ فروجِهن (١).
واختَلف أهلُ العلمِ فى الذى يَجِبُ على الرجلِ اعتزالُه من الحائضِ؛ فقال بعضُهم: الواجبُ على الرجلِ اعتزالُ جميعِ بدنِها أن يباشرَه بشيءٍ من بدنِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا حمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ما يَحِلُّ لى من امرأتى إذا كانت حائضًا؟
قال: [اللِّحَافُ واحدٌ، والفِراشُ شتَّى] (٢).
حدَّثنى تَمِيمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: ثنا محمدٌ، عن الزُّهْرىِّ، عن عُرْوَةَ، عن نُدْبَةَ، مولاةِ آلِ عباسٍ، قالت: بعَثتنى ميمونةُ ابنةُ الحارثِ -أو حفصةُ ابنةُ عمرَ- إلى امرأةِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، وكانت بينهما قرابةٌ من قِبَلِ النساءِ، فوجَدتُ (٣) فراشَها معتزِلًا فراشَه، فظنَنْتُ أن ذلك عن الهِجرانِ، فسألتُها عن اعتزالِ فراشِه فراشَها، فقالت: إنى طَامثٌ، وإذا طمَثْتُ اعتزل فراشى.
فرجَعتُ فأخبرتُ بذلك ميمونةَ -أو حفصةَ- فردَّتنى إلى ابنِ عباسٍ: تقولُ لك أمُّك: أرَغِبْتَ (٤) عن سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ!
فواللهِ، لقد كان النبىُّ ﷺ ينامُ معَ المرأةِ من نسائِه، وإنها لحائضٌ، وما بينَه وبينها إلَّا ثوبٌ ما يجاوزُ الركبتين (٥).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟
قال: الفراشُ واحدٌ، واللحافُ شتَّى، فإن لم يَجِدْ إلا أن يَرُدَّ عليها من ثوبه ردَّ عليها منه (١).
واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ بأن اللهَ تعالى ذكرُه أمَر باعتزالِ النساءِ في حالِ حيضِهن، ولم يَخْصُصْ منهنَّ شيئا دونَ شيءٍ، وذلك عامٌّ على جميعِ أجسادِهن، واجبٌ اعتزالُ كلِّ شيءٍ من أبدانِهن في حيضِهن.
وقال آخَرون: بل الذى أمَر اللهُ تعالى ذكرُه باعتزالِه منهنَّ موضعُ الأذى، وذلك موضعُ مَخْرَجِ الدمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُمَيْدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: حدَّثنى عُيَيْنَةُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ جَوْشَنٍ، قال: ثنا مروانُ الأصفرُ (٢)، عن مسروقِ بنِ الأجدعِ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما يَحِلُّ للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟
قالت: كلُّ شيءٍ إلا الجماعَ (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، وحدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا عن (٤) عائشةَ أنها قالت: وأيُّنا (١) كان ذا (٢) الفراشينِ [وذا] (٣) اللحافينِ؟!
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سالمِ ابنِ أبى الجعدِ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: ما يَحْرُمُ على الرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟
قالت: فرجُها.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن كتابِ أبى قلابةَ، أن مسروقًا ركِب إلى عائشةَ، فقال: السلامُ على النبىِّ وعلى أَهْلِه (٤).
فقالت عائشةُ: أبو عائشةَ!
مرحبًا، فَأْذَنوا له.
فدخَل فقال: إنى أُرِيدُ أن أسألَكِ عن شيءٍ وأنا أستحى.
فقالت: إنما أنا أمُّك وأنتَ ابنى.
فقال: ما للرجلِ [من امرأتِه] (٥) وهى حائضٌ؟
قالت له: كلُّ شيءٍ إلا فرجَها (٦).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ميمونِ بنِ مهرانَ، عن عائشةَ، قالت: له ما فوقَ الإزارِ (٧).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن عائشةَ قالت في مضاجعةِ الحائضِ: لا بأسَ بذلك إذا كان عليها إزارٌ (٨).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن أبى معشرٍ، قال: سُئِلت (١) عائشةُ: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟
فقالت: كلُّ شيءٍ إلا الفرجَ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن محمدِ بنِ عَمرٍو، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إذا جعَلت الحائضُ على فرجِها ثوبًا، أو ما يَكُفّ الأذى، فلا بأسَ أن يباشرَ جِلْدَها زوجُها.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا يزيدُ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل: ما للرجلِ من امرأتِه إذا كانت حائضًا؟
قال: ما فوق الإزارِ (٣).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: ثنا الحكمُ بنُ فُضيلٍ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اتَّقِ من الدمِ مثلَ موضعِ النعلِ (٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن عكرمةَ، عن أمِّ سلمةَ، قالت في مضاجعةِ الحائضِ: لا بأسَ بذلك إذا كان على فرجِها خِرْقَةٌ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: للرجلِ مِن امرأتِه كلُّ شيءٍ ما خلا الفرجَ (١).
يعنى وهى حائضٌ.
حدثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدثنا ابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: يَبِيتان في لحافٍ واحدٍ -يعنى الحائضَ- إذا كان على الفرجِ ثوبٌ.
حدَّثنا تَمِيمٌ، قال: أخبرَنا إسحاقُ، عن شَرِيكٍ، عن ليثٍ، قال: تذاكرْنا عندَ مجاهدٍ: الرجلُ يلاعِبُ امرأتَه وهى حائضٌ.
قال: اطعُنْ بذَكَرِك حيثما شئتَ فيما بين الفَخِذَين والأَلْيتَيْنِ والسُّرَّةِ، ما لم يكنْ في الدُّبُرِ أو الحيْضِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن عامرٍ، قال: يُباشِرُ الرجلُ امرأتَه وهى حائضٌ (٢) إذا كَفَّت الأذى (٣).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنى عمرانُ بنُ حُدَيْرٍ، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: كلُّ شيءٍ من الحائضِ لك حلالٌ غيرَ مَجْرَى الدمِ (٤).
وعلةُ قائلِ هذه المقالةِ قيامُ الحجةِ بالأخبارِ المتواترةِ عن رسولِ اللهِ ﷺ وأنه كان يُباشِرُ نساءَه وهنَّ حُيَّضٌ، ولو كان الواجبُ اعتزالَ جميعِهنَّ، لَمَا فعَل ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فلمَّا صحَّ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ، عُلِم أن مُرادَ اللهِ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ هو اعتزالُ بعضِ جسدِها دونَ بعضٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، وجَب أن يكونَ ذلك هو الجماعَ المُجْمَعَ على تحريمِه على الزوجِ في قُبُلِها، دونَ ما كان فيه اختلافٌ من جماعِها في سائرِ بدنِها.
وقال آخرون: بل الذى أمَر اللهُ تعالى ذكرُه باعتزالِه منهن في حالِ حيضِهن، ما بين السُّرَّةِ إلى الركبةِ، وله ما فوقَ ذلكَ ودونَه منها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن ابنِ عونٍ، عن ابنِ سيرينَ، عن شُرَيْحٍ، قال: له ما فوقَ السُّرَّةِ (١).
وذكَر الحائضَ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخبرَنا يزيدُ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن الحائضِ: ما لزوجِها منها؟
فقال: ما فوقَ الإزارِ.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ وابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: قال شُرَيْحٌ: له ما فوقَ سُرَّتِها (١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن شعبةَ، عن واقدِ بنِ محمدِ بنِ زيدِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المُسيَّبِ: ما للرجلِ من الحائض؟
قال: ما فوقَ الإزارِ (٢).
وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ صحةُ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثنى به ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ، قال: ثنا سليمانُ الشيبانيُّ، وحدَّثنى أبو السائبِ، قال: حدَّثنا حفصٌ، قال: ثنا الشيبانيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: سمِعتُ ميمونةَ تقولُ: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا أراد أن يُباشرَ امرأةً من نسائِه وهى حائضٌ أمَرها فاتَّزَرتْ (١).
حدَّثنا ابنُ (٢) المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشيبانيِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ شدَّادٍ، عن ميمونةَ، أن النبيَّ ﷺ كان يُباشِرُها وهى حائضٌ فوقَ الإزارِ (٣).
حدَّثنى سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمَرها فاتَّزرت بإزارٍ ثم يُباشِرُها (٤).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن الشيبانيِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأسودِ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: كانت إحدانا إذا كانت حائضًا أمَرها النبيُّ ﷺ أن تَأْتَزِرَ ثم يباشرُها (٥).
ونظائرُ ذلك من الأخبارِ التى يطولُ باستيعابِ [ذكرِ جميعِها] (٦) الكتابُ.
قالوا: فما فعَل النبيُّ ﷺ من ذلك فجائزٌ، وهو مباشرةُ الحائضِ ما دونَ الإزارِ وفوقَه، وذلك دونَ الركبةِ وفوقَ السُّرَّةِ، وما عدا ذلك من جسدِ الحائضِ، فواجبٌ اعتزالُه لعمومِ الآيةِ.
وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إِنَّ للرجلِ من امرأتِه الحائضِ ما فوقَ المُؤْتَزَرِ ودونَه.
لِما ذكَرنا من العلةِ لهم.
القولُ في تأويلِ قوله جل ذكرُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ بضمِّ الهاءِ وتخفيفِها (١)، وقرَأه آخرون بتشديدِ الهاءِ وفتحِها (٢).
وأمَّا الذين قرَءوه بتخفيفِ الهاءِ وضمِّها، فإنهم وجَّهوا معناه إلى: ولا تَقْرَبوا النساءَ في حالِ حيضِهن حتى ينقطعَ عنهنَّ دمُ الحيضِ يَطْهُرْنَ.
وقال بهذا التأويلِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِيٍّ ومُؤَمَّلٌ، قالا (٣): ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
قال: انقطاعُ الدمِ (٤).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾: حتى ينقطعَ الدمُ عنهنَّ (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ العَتَكيُّ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾.
قال: حتى ينقطعَ الدمُ (١).
وأمَّا الذين قرَءوا ذلك بتشديدِ الهاءِ وفتحِها، فإنهم عَنَوْا به: حتى يَغْتَسِلْنَ بالماءِ.
وشدَّدوا الطاءَ؛ لأنهم قالوا: معنى الكلمةِ: حتى يَتَطَهَّرْنَ.
أُدْغِمت التاءُ فى الطاءِ لتقاربِ مخرجَيْهما.
وأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ (٢) فى ذلك قراءةُ مَن قرَأ: (حتى يَطَّهَّرْنَ) بتشديدِها وفتحِها، بمعنى: حتى يَغْتَسِلْنَ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن حرامًا على الرجلِ أن يَقْرَبَ امرأتَه بعدَ انقطاعِ دمِ حيضِها حتى تَطْهُرَ.
وإنما اخْتُلِفَ فى التطهُّرِ الذى عناه الله تعالى ذكرُه فأحلَّ له جماعَها؛ فقال بعضُهم: هو الاغتسالُ بالماءِ، ولا يَحِلُّ لزوجِها أن يَقْرَبَها حتى تَغْسِلَ جميعَ بدنِها.
وقال بعضُهم: هو الوُضوءُ للصلاةِ.
وقال آخرون: بل هو غَسلُ الفرجِ، فإذا غسَلت فرجَها فذلك تطهُّرُها الذى يَحِلُّ به لزوجِها غشيانُها.
فإذا كان إجماعٌ من الجميعِ أنها لا تَحِلُّ لزوجِها بانقطاعِ الدمِ حتى تَطَّهَّرَ، كان بيِّنًا أن أَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ أنفاهُما لِلَّبْسِ عن فهمِ سامعِها، وذلك هو الذى اخترْنا، إذ كان فى قراءةِ قارئِها بتخفيفِ الهاءِ وضمِّها ما لا يُؤْمَنُ معَه اللَّبْسُ على سامعِها من الخطأِ فى تأويلِها، فيرَى أن لزوجِ الحائضِ غشيانَها بعدَ انقطاعِ دمِ حيضِها عنها، وقبلَ اغتسالِها وتطهُّرِها.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ويسألونك عن المحيضِ، قل: هو أذًى، فاعتزِلوا جماعَ نسائِكم فى وقتِ حيضِهنَّ، ولا تَقْرَبوهنَّ حتى يَغْتَسِلْنَ فيتطهَّرْنَ من حيضِهنَّ بعدَ انقطاعِه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾: فإذا اغتسلْنَ فتطهَّرْن بالماءِ فجامِعوهنَّ.
فإن قال قائلٌ: أففَرْضٌ جماعُهنَّ حينئذٍ؟
قيل: لا.
فإن قال: فما معنى قولِه إذن: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾؟
قيل: ذلك إباحةُ ما كان مُنِع قبلَ ذلك من جماعِهن، وإطلاقٌ لما كان حُظِر فى حالِ الحيضِ، وذلك كقولِه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
وما أشبهَ ذلك.
واختَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك: فإذا اغتَسلْنَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباس: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
يقولُ: فإذا طهرت من الدمِ وتطهَّرت بالماءِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنى [ابنُ مَهْدِىٍّ] (٢) ومُؤَمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغْتَسلْنَ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ العَتَكىُّ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.
يقولُ: اغتَسلْنَ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: إذا اغتَسلْنَ (٣).
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، ثنا عبدُ الوارثِ، ثنا عامرٌ، عن الحسنِ فى الحائضِ ترَى الطُّهرَ، قال: لا يغشاها زوجُها حتى تغتسلَ وتَحِلَّ لها الصلاةُ (٤).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كرِه أن يطَأَها حتى تغتسلَ (٥).
يعنى المرأةَ إذا طهَرت.
وقال آخَرون: معنى ذلك: فإذا تطهَّرْنَ للصلاةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا ليثٌ، عن طاوسٍ ومجاهدٍ أنهما قالا: إذا طهَرت المرأةُ من الدمِ فشاء زوجُها أن يأمُرَها بالوضوءِ قبلَ أن تغتسلَ إذا أدْرَكَه الشَّبَقُ، فَلْيُصِبْ (٦).
وأَوْلَى التأويلين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغْتَسلْنَ؛ لإجماعِ الجميعِ على أنها لا تصيرُ بالوضوءِ بالماءِ طاهرًا الطُّهرَ الذى يَحِلُّ لها به الصلاةُ، وأن القولَ لا يخلو فى ذلك مِن أحدِ أمرين؛ إمَّا أن يكونَ معناه: فإذا تَطهَّرْنَ من النجاسةِ فَأْتُوهنَّ.
وإن كان ذلك معناه، فقد يَنبغى أن يكونَ متى انْقَطع عنها الدمُ فجائزٌ لزوجِها جماعُها إذا لم تكنْ هنالك نجاسةٌ ظاهرةٌ، هذا إن كان قولُه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ جائزًا استعمالُه فى التطهُّرِ من النجاسةِ، ولا أعلمُه جائرًا إلَّا على استكراهِ الكلامِ.
أو يكونَ معناه: فإذا تَطهَّرْنَ للصلاةِ.
و (١) فى إجماعِ الجميعِ من الحجةِ على أنه غيرُ جائزٍ لزوجِها غشيانُها بانقطاعِ دمِ حيضِها، إذا لم يكنْ هنالك نجاسةٌ دونَ التطهُّرِ بالماءِ إذا كانت واجِدَتَه - أدلُّ الدليلِ على أن معناه: فإذا تَطهَّرْنَ الطهرَ الذى يَجْزِيهنَّ به الصلاةُ.
وفى إجماعِ الجميعِ من الأمةِ على أن الصلاةَ لا تَحِلُّ لها إلا بالاغتسالِ، أوضحُ الدَّلالةِ على صحةِ ما قلنا مِن أن غشيانَها حرامٌ إلا بعدَ الاغتسالِ، وأن معنى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾: فإذا اغتَسلْنَ فصِرْنَ طواهرَ الطُّهْرَ الذى يَجْزِيهنَّ به الصلاةُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ذكرُه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فَأتُوا نساءَكم إذا تَطهَّرْنَ من الوجهِ الذى نهيتُكم عن إتيانِهنَّ منه فى حالِ حيضِهنَّ، وذلك الفرجُ الذى أمَر اللهُ بتركِ جماعِهن فيه فى حالِ الحيض.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: ثنى أبانُ بنُ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تعتزِلوهنَّ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية بن صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: فى الفرجِ، لا تَعْدُوه إلى غيرِه، فمَن فعَل شيئًا من ذلك فقد اعْتَدى (٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تَعتزِلوا (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَلىِّ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال: بَيْنَا أنا ومجاهدٌ جالسان عندَ ابنِ عباسٍ أتاه رجلٌ فوقَف على رأسِه، فقال: يا أبا العباسِ -أو يا أبا الفضلِ- ألا تَشْفِينى عن آيةِ المحيضِ؟
قال: بلى.
فقرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ حتى بلَغ آخرَ الآيةِ.
فقال ابنُ عباسٍ: من حيثُ جاء الدمُ، من (٤) ثَمَّ أُمِرتَ أن تأتىَ (٥).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبى زائدةَ، عن عثمانَ (٦)، عن مجاهدٍ، قال: دُبُرُ المرأةِ مثلُه من الرجلِ.
ثم قرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ إلى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من حيثُ أمَركم أن تَعتزِلوهنَّ (٧).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبى نَجيح، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: أُمِروا أن يأتوهنَّ من حيثُ نُهوا عنه (١).
حدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحدِ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنى مجاهدٌ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فى الفرجِ، ولا تَعْدُوه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: إذا تَطهَّرْنَ فَأْتوهنَّ من حيثُ نهَى عنه فى المحيضِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، أو عثمانَ بنِ الأسودِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: باعتزالِهنَّ منه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أى: من الوجهِ الذى يأتى منه المحيضُ طاهرًا غيرَ حائضٍ، ولا تَعْدُوا ذلك إلى غيرِه.
حدّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: طواهرَ من غيرِ جماعٍ، ومن غيرِ حيضٍ، من الوجهِ الذى يأتى المحيضُ، ولا يَتعدَّه (٣) إلى غيرِه (٤).
قال سعيدٌ: ولا أعلمُه إلا عن ابنِ عباسٍ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من حيثُ نُهِيتم عنه فى المحيضِ.
وعن أبيه، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من حيثُ نُهِيتم عنه، واتَّقوا الأدبارَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ أبى، عن يزيدَ بنِ الوليدِ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: فى الفرجِ (١).
وقال آخَرون: معناه: فَأْتُوهنَّ من الوجهِ الذى أمَركم اللهُ فيه أن تأتوهنَّ منه، وذلك الوجهُ هو الطهرُ دونَ الحيضِ.
فكان معنى قائلِ ذلك فى الآيةِ: فأتُوهنَّ من قُبْلِ (٢) طُهرهنَّ لا مِن قُبْلِ حيضِهن.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعنى: أن يأتيَها طاهرًا غيرَ حائضٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبى رَزينٍ فى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الطُّهْرِ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ محببٍ (٥)، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزِينٍ بمثلِه (١) حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَمرٍو، عن منصورٍ، عن أبي رَزينٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: ائتوهنَّ من عندِ الطهرِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ هاشمٍ، عن الزِّبْرِقانِ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الطُّهْرِ، ولا تأتوهنَّ مِن قُبْلِ الحَيْضةِ (٢) حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال؛ ثنا عُبَيْدُ اللهِ العَتَكِيُّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يقولُ: إذا اغتسلْنَ فأتوهنَّ من حيثُ أمَركم اللهُ.
يقولُ: طواهرَ غيرَ حُيَّضٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: يقولُ: طواهرَ غيرَ حُيَّضٍ (٣).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: من الطُّهرِ (٤).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بنِ نُبَيْطٍ، عن الضَّحَّاكِ: فأتوهنَّ طُهَّرًا غيرَ حُيّضٍ.
حُدِّثتُ عن الحسين بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، عن الضحَّاكِ قولَه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: ائتوهنَّ طاهراتٍ غيرَ حُيَّضٍ.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا سلمةُ بنُ نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: طُهَّرًا غيرَ حُيَّضٍ، في القُبُلِ (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فأْتوا النساءَ من قُبْلِ النكاحِ لا من قُبْلِ الفجورِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا إسماعيلُ الأزرقُ، عن أبى عمرَ الأسدىِّ، عن ابنِ الحنفيَّةِ: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قال: من قُبْلِ الحلالِ؛ من قُبْلِ التزويجِ (٢).
وأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأْتُوهنَّ من قُبْلِ طُهرِهنَّ.
وذلك أن كلَّ أمرٍ بمعنًى، فنهىٌ عن خلافِه وضِدِّه، وكذلك النهيُ عن الشيءِ أمرٌ بضدِّه وخلافِه، فلو كان معنى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾: فَأْتُوهنَّ مِن قِبَل مخرجِ الدمِ الذى نهَيتُكم أن تأتوهنَّ من قِبَلِه في حالِ حيضِهنَّ -لوجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تأويلُه: ولا تَقْرَبوهنَّ في مَخْرجِ الدمِ، دونَ ما عدا ذلك من أماكنِ جسدِها، فيكونُ مُطلِقًا في حالِ حيضِها إتيانَهنَّ في أدبارِهنَّ.
وفى إجماعِ الجميعِ على أن اللهَ تعالى ذكرُه لم يُطْلِقْ في حالِ الحيضِ من إتيانِهنَّ في أدبارِهنَّ شيئًا حرَّمه في حالِ الطهرِ، ولا حرَّم مِن ذلك في حالِ الطهرِ شيئًا أحلَّه في حالِ الحيضِ- ما يُعْلَمُ به فسادُ هذا القولِ.
وبعدُ، فلو كان معنى ذلك على ما تأوَّله قائلو هذه المقالةِ، لوجَب أن يكونَ الكلامُ: فإذا تطهَّرْنَ فأتوهنَّ في (١) حيثُ أمَركم اللهُ.
حتى يكونَ معنى الكلامِ حينئذٍ على التأويلِ الذى تأوَّله، ويكونَ ذلك أمرًا بإتيانِهن في فُروجِهن؛ لأن الكلامَ المعروفَ إذا أُرِيد ذلك أن يقالَ: أتَى فلانٌ زوجتَه مِن قِبَلِ فرجِها.
ولا يقال: أتاها من فرجِها.
إلا أن يكونَ أتاها مِن قِبَلِ فرجِها في مكانٍ غيرِ الفرجِ.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن ذلك وإن كان كذلك، فليس معنى الكلامِ: فأتوهنَّ في فروجِهنَّ.
وإنما معناه: فأتوهنَّ مِن قِبَلِ قُبُلِهن في فروجِهن.
كما يُقالُ: أتيتُ هذا الأمرَ من مأتاه.
قيل له: إن كان ذلك كذلك، فلا شكَّ أن مَأْتَى الأمرِ ووجهَه غيرُه، وأن ذلك مطلبُه.
فإن كان ذلك على ما زعَمتم، فقد يَجِبُ أن يكونَ معنى قولِه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.
غيرَ الذى زعَمتم أنه معناه بقولِكم: ائتوهنَّ من قِبَلِ مَخرجِ الدمِ ومن حيثُ أُمِرتم باعتزالِهن.
ولكنَّ الواجبَ أن يكونَ تأويلُه على ذلك: فأتوهنَّ من قِبَلِ وجوهِهنَّ في أقبالِهن.
كما كان قولُ القائلِ: ائتِ الأمرَ مِن مأتاه.
إنما معناه: اطْلُبْه مِن مطلبِه.
ومطلبُ الأمرِ غيرُ الأمرِ المطلوبِ، فكذلك [يَجِبُ أن يكونَ] (٢) مأتى الفرجِ -الذى أمَر اللهُ في قولِهم بإتيانِه- غيرَ الفرجِ.
وإذا كان ذلك (٣) كذلك، وكان معنى الكلامِ عندَهم: فأتوهنَّ مِن قِبَلِ وُجوهِهنَّ في فروجِهنَّ.
وجَب أن يكونَ على قولِهم مُحرَّمًا إتيانُهنَّ في فروجِهن مِن قِبَلِ أدبارِهنَّ، وذلك إن قالوه خرَجَ مَن قاله مِن قِيلِ أهلِ الإسلامِ، وخالفَ نصَّ كتابِ اللهِ تعالى ذكرُه، وقولَ رسولِ الله ﷺ؛ وذلك أن الله يقولُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
وأذِن رسولُ اللهِ ﷺ فى إتيانِهنَّ في فروجِهنَّ من قِبَلِ أدبارِهن.
فقد تبيَّن إذن -إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا- فسادُ تأويلِ مَن قال: معنى (١) ذلك: فأْتوهنَّ في فروجِهن حيثُ نهَيتُكم عن إتيانِهن في حالِ حيضِهن.
وصحةُ القولِ الذى قلناه، وهو أن معناه: فأْتوهن [في فروجِهن] (٢) مِن الوجهِ الذى أذِن الله لكم بإتياتِهن، وذلك حالُ طُهرِهن وتطهُّرِهن، دونَ حالِ حيضِهن.
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: المنُيبين مِن الإدبارِ عن اللهِ وعن طاعتِه إليه وإلى طاعتِه.
وقد بيَّنَّا معنى التوبةِ قبلُ (٣).
واخْتُلِف في معنى قولِه: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ فقال بعضُهم: هم المتطهِّرون بالماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا طلحةُ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ قال: التوَّابين من الذنوبِ، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ قال: المُتَطَهِّرين بالماءِ للصلاةِ.
حدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا طلحةُ، عن عطاءٍ مثلَه (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ عمرٍو، عن عطاءٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: من الذنوبِ لم يُصِيبوها، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ بالماءِ للصلاةِ (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إن اللهَ يُحِبُّ التوَّابين من الذنوبِ، ويُحِبُّ المتطهِّرين من أدبارِ النساءِ أن يأتوها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ سليمًا (٣) مولى أمِّ عليٍّ، قال: سمِعتُ مجاهدًا يقولُ: مَن أتَى امرأتَه في دُبُرِها فليس من المتطهِّرين (٤).
وقال آخَرون: معنى ذلك: ويُحِبُّ المتطهِّرين من الذنوبِ أن يعودوا فيها بعدَ التوبةِ منها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾: من الذنوبِ لم يُصِيبوها، ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ من الذنوبِ، لا يعودون فيها (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: إن اللهَ يُحِبُّ التوَّابين من الذنوبِ، ويُحِبُّ المتطهِّرين بالماءِ للصلاةِ؛ لأن ذلك هو الأغلبُ من ظاهرِ معانيه.
وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه ذكَر أمرَ المحيضِ، فنهاهم عن أمورٍ كانوا يفعلونها في جاهليتِهم؛ مِن تركِهم مُساكنةَ الحائضِ ومُؤاكلتَها ومُشاربتَها، وأشياءَ غيرَ ذلك مما كان تعالى ذكرُه يَكْرَهُها من عبادِه، فلمَّا اسْتَفتى أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ[رسولَ اللهِ] (٢) عن ذلك أوحى اللهُ تعالى إليه في ذلك، فبينَّ لهم ما يَكْرَهُه مما يرضاه ويُحِبُّه، وأخبَرَهم أنه يُحِبُّ مِن خَلقِه مَن أناب إلى رضاه ومحبَّتِه، تائبًا ممَّا يَكْرَهُه، وكان ممَّا بيَّن لهم من (٣) ذلك أنه قد حرَّم عليهم إتيانَ نسائِهم وإن طهُرنَ من حيضِهن حتى يَغْتَسِلْنَ، ثم قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فإن اللهَ يُحِبُّ المتطهِّرين.
يعني بذلك المتطهِّرين من الجنابةِ والأحداثِ للصلاةِ، والمتطهِّراتِ بالماءِ من الحيضِ والنِّفاسِ والجنابةِ والأحداثِ من النساءِ.
وإنما قال: ﴿وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ولم يقل: المتطهراتِ.
وإنما جرَى قبلَ ذلك ذكرُ التطهُّرِ للنساءِ؛ لأن ذلك بذكرِ المتطهرين يَجْمَعُ الرجالَ والنساءَ، ولو ذُكِر ذلك بذكرِ المتطهِّراتِ لم يكنْ للرجالِ في ذلك حظٌّ، وكان للنساءِ خاصَّةً، فذكَر اللهُ تعالى ذكرُه بالذكرِ العامِّ جميعَ عبادِه المُكلَّفين، إذ كان قد تعبَّد جميعَهم بالتطهُّرِ بالماءِ، وإن اخْتَلفت الأسبابُ التى تُوجِبُ التطهُّرَ عليهم بالماءِ في بعضِ المعانى واتَّفقت في بعضٍ.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذِكرُه بذلك: نساؤكم مُزْدَرَعُ أولادِكم، فأْتوا مُزْدَرَعَكم كيف شِئْتُم، وأين شِئْتُم، وإنما عنَى بالحرثِ وهو [الزَّرْعُ، المُحْتَرثَ] (١) والمُزْدَرعَ، ولكنهنَّ لما كنَّ من أسبابِ الحرثِ جُعِلن حرثًا، إذ كان مَفْهومًا معنى الكلامِ.
وبنحوِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عُبَيْدٍ (٢) المُحاربيُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، عن يونسَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾.
قال: مَنْبَتُ الولدِ (٣).
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾: أمَّا الحرثُ فهى مَزْرَعةٌ يُحْرَثُ فيها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فانْكِحوا مُزْدَرَعَ أولادِكم من حيثُ شِئْتُم من وجوهِ المأتَى.
والإتيانُ في هذا الوْضِع كنايةٌ عن اسمِ الجماعِ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال بعضُهم: معنى ﴿أَنَّى﴾: كيفَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ عطيةَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: يأْتِيها كيفَ شاء، ما لم يكنْ يأْتِيها في دُبُرِها أو في الحيضِ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: ائْتِها أنَّى شئت، مُقْبِلةً ومُدْبرةً، ما لم تأتِها في الدُّبُرِ والمحيضِ.
حدَّثنا علىُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: يعنى بالحرثِ الفرجَ، يقولُ: تأْتِيه كيف شِئتَ، مُسْتَقبِلَه ومُسْتَدْبِرَه، وعلى أىِّ ذلك أردتَ، بعدَ ألا تُجَاوِزَ الفرجَ إلى غيرِه، وهو قولُه: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن عكرمةَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: يأْتِيها كيف شاء، ما لم يَعْمَلْ عملَ قومِ لوطٍ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: يأْتِيها كيف شاء، واتَّقِ الدُّبُرَ والحيضَ (١).
حدَّثنى عُبيدُ اللهِ بنُ سعدٍ، قال: ثنا (٢) عمِّى، قال: ثنى أبي (٣)، قال: ثنى يزيدُ، أن ابنَ كعبٍ كان يقولُ: إنما قولُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يقولُ: ائْتِها مُضطجِعةً وقائمةً ومُنحرفةً ومقبِلَةً ومدبِرَةً كيف شِئتَ، إذا كان في قُبُلِها.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرَنا حُصَيْنٌ، عن مُرَّةَ الهَمْدانىِّ، قال: سمِعتُه يُحَدِّثُ أن رجلًا من اليهودِ لقِى رجلًا من المسلمين، فقال له: أيأتِى أحدُكم أهلَه باركًا؟
قال: نعم.
قال: فذُكِر ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، قال: فنزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يقولُ: كيف شاء، بعدَ أن يكونَ في الفرجِ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شئتَ قائمًا أو قاعدًا أو على جَنْبٍ، إذا كان يأْتِيها من الوجهِ الذى يأتى منه المحيضُ، ولا يتعدَّى ذلك إلى غيرِه.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: ائتِ حَرْثَك كيف شِئتَ من قُبُلِها، ولا تأتِها في دُبُرِها.
﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: كيف شِئتم.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَنا عمرو بنُ الحارثِ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ علىٍّ حدَّثه أنه بلَغه أن ناسًا من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ جلَسوا يومًا ورجلٌ من اليهودِ قريبٌ منهم، فجعَل بعضُهم يقولُ: إنِّى لآتى امرأتى وهى مضطجِعَةٌ.
ويقولُ الآخرُ: إنى لآتيها وهى قائمةٌ.
ويقولُ الآخرُ: إنى لآتيها على جَنْبِها و (١) باركةً.
فقال اليهودىُّ: ما أنتم إلا أمثالُ البهائمِ، ولكنَّا إنما نأتيها على هيئةٍ واحدةٍ.
فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.
فهو القُبُلُ (٢).
وقال آخَرون: معنى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: من حيثُ شِئتم، وأىِّ وجهٍ أحْببتُم (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازىُّ، قال: ثنا ابنُ أبي فُدَيْكٍ، عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ أبي حبيبةَ الأشهلِ، عن داودَ بنِ الحُصَينِ (٤)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان يَكرَهُ أن تُؤتَى المرأةُ في دُبُرِها، ويقولُ: إنما المحترثُ (٥) من القُبُلِ الذى يكونُ منه النسلُ والحيضُ.
ويَنْهَى عن إتيانِ المرأةِ في دُبُرِها ويقولُ: إنما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يقولُ: من أىِّ وجهٍ شِئتُم (٦).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ واضحٍ، قال: ثنا العَتَكىُّ، عن عكرمةَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: ظَهْرَها لبَطْنِها غيرَ مُعاجَزَةٍ، يعنى الدُّبُرَ.
حدَّثنا عبيدُ اللهِ بنُ سعدٍ، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن يزيدَ (٧)، عن الحارثِ (١) بنِ كعبٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: إن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: اسْقِ نَباتَك من حيثُ نباتُه (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يقولُ: مِن أين شئْتُم (٣).
ذكِر لنا، واللهُ أعلمُ، أن اليهودَ قالوا: إن العربَ يأتون النساءَ من قِبَلِ أعجازِهنَّ، فإذا فعَلوا ذلك جاء الولدُ أحولَ، فأكْذَب اللهُ أُحْدُوثَتَهم، فقال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: يقولُ: ائتوا النساءَ في غيرِ (٤) أدبارِهن على كلِّ نحوٍ.
قال ابنُ جُريجٍ: سمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ قال: تذاكرْنا هذا عندَ ابنِ عباسٍ، فقال ابنُ عباسٍ: ائْتوهنَّ من حيثُ شِئتُم، مقبِلةً ومدبِرةً.
فقال رجلٌ: كأن هذا حلالٌ!
فأنكر عطاءٌ أن يكونَ هذا هكذا، وأنكره.
كأنه إنما يُرِيدُ الفرجَ، مقبلةً ومدبرةً في الفرجِ.
وقال آخَرون: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: متى شِئتم.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن حسين بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: أخبَرَنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
يقولُ: متى شِئتم (١).
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا أبو صخرٍ، عن أبى معاويةَ البَجَلىِّ، وهو عمّارٌ الدُّهْنِىُّ (٢)، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ أنه قال: بَيْنا أنا ومجاهدٌ جالسان عندَ ابنِ عباسٍ، أتاه رجلٌ فوقَف على رأسِه فقال: يا أبا العباسِ -أو: يا أبا الفضلِ- ألا تَشْفِينى عن (٣) آيةِ المحيضِ؟
فقال: بلى.
فقرَأ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾.
حتى بلَغ آخرَ الآيةِ، فقال ابنُ عباسٍ: من حيثُ جاء الدمُ، مِن ثَمَّ أُمِرتَ أن تأتىَ.
فقال له الرجلُ: يا أبا الفضلِ، كيف بالآيةِ التى تَتْبَعُها ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟
فقال: إى!
ويحَك!
وفى الدبُرِ من حرثٍ؟
لو كان ما تقولُ حقًّا لكان المحيضُ منسوخًا، إذا اشتغَل من ههنا جئتَ من ههنا، ولكن ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ من الليلِ والنهارِ (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أين شئْتُم، وحيث شئْتُم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا [ابنُ عليةَ] (١)، قال: أخبَرَنا ابنُ عونٍ، عن نافعٍ، قال: كان ابن عُمرَ إذا قرَأ القرآنَ لم يتكلَّم.
قال: فقرَأتُ ذاتَ يومٍ هذه الآيةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال: أتدرى في من نزَلت هذه الآيةُ؟
قلت: لا.
قال: نزَلت في إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ (٢).
حدَّثنى إبراهيمُ بن عبدِ اللهِ بنِ مسلمٍ أبو مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ صاحبُ الكَرابِيسىُّ، عن ابنِ عونٍ، عن نافعٍ، قال: كنتُ أُمْسِكُ على ابنِ عمرَ المصحفَ، إذ (٣) تلا هذه الآيةَ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال: أن يأتيَها في دبُرِها (٤).
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ مَسْلَمَةَ، قال: ثنا الدَّرَاوَرْدِىُّ، قال: قيل لزيدِ بنِ أسلمَ: إن محمدَ بنَ المُنْكَدِرِ يَنْهَى عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، فقال زيدٌ: أَشْهَدُ على محمدٍ لأَخْبَرَنى أنه يَفْعَلُه (٥).
حدَّثنى عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبو زيدٍ عبدُ الرحمنِ ابنُ أحمدَ بنِ أبي الغَمْرِ (١)، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ، عن مالكِ بنِ أنسٍ، أنه قيل له: يا أبا عبدِ اللهِ، إن الناسَ يرْوون عن سالمٍ: كذَب العبدُ، أو العِلْجُ، على أبى.
فقال مالكٌ: أَشْهَدُ على يزيدَ بنِ رُومانَ أنه أخبَرنى، عن سالمِ بنِ عبدِ اللهِ، عن ابنِ عمرَ مثلَ ما قال نافعٌ.
فقيل له: فإن الحارثَ بنَ يعقوبَ يروى عن أبي الحبُابِ سعيدِ بنِ يسارٍ أنه سأل ابنَ عمرَ، فقال له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، إنا نشترى الجوارىَ، فنُحَمِّضُ (٢) لهنَّ.
فقال: وما التحميضُ (٣)؟
[فذكر له] (٤) الدُّبُرَ.
فقال ابنُ عمرَ: أفٍّ أفٍّ!
يفعلُ ذلك مؤمنٌ؟
-أو قال: مسلم- فقال مالكٌ: أشهدُ على ربيعةَ لأَخْبَرَنى عن أبي الحُبَابِ، عن ابنِ عمرَ مثلَ ما قال نافعٌ (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: أخبَرَنا عَمرُو بنُ طارقٍ، قال: أخبَرَنا يحيى ابنُ أيوبَ، عن موسي بنِ أيوبَ الغافِقىِّ، قال: قلتُ لأبى ماجدٍ الزِّيَادىِّ: إن نافعًا يُحَدِّثُ عن ابنِ عمرَ فى دُبُرِ المرأةِ.
فقال: كذَب نافعٌ، صحِبتُ ابنَ عمرَ ونافعٌ مملوكٌ، فسمِعتُه يقولُ: ما نظَرتُ إلى فرجِ امرأتى منذُ كذا وكذا.
حدَّثنى أبو قِلابَةَ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال.
ثنى أبى، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: في الدُّبُرِ (١).
حدَّثنى أبو مسلمٍ، قال: ثنا أبو عمرَ الضريرُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ القاسمِ، عن قتادةَ، قال: سُئِل أبو الدرداءِ عن إتيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ، فقال: هل يفعلُ ذلك إلا كافرٌ؟
قال رَوْحٌ: فشهِدتُ ابنَ أبى مُلَيكَةَ يُسألُ عن ذلك، فقال: قد أرَدتُه (٢) من جاريةٍ لى البارحةَ فاعتاص (٣) علىَّ، فاسْتَعنتُ بدُهْنٍ، أَو: بشحمٍ.
قال: فقلتُ له: سبحانَ اللهِ!
أخبَرَنا قتادةُ أن أبا الدرداءِ قال: هل (٤) يفعلُ ذلك إلا كافرٌ (٥)؟
فقال: لعَنك اللهُ ولعَن قتادةَ.
فقلتُ: لا أُحَدِّثُ عنك شيئًا أبدًا، ثم ندِمتُ بعدَ ذلك (٦).
واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ لقولِهم بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ (٧) الحكمِ، قال: أخبَرَنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيْسٍ الأَعْشَى، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن ابنِ عمرَ، أن رجلًا أتَى امرأتَه في دُبُرِها فوجَد في نفسِه من ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٨).
حدَّثنى يونسُ، فال: أخبَرَنى ابنُ نافعٍ، عن هشامِ بنِ سعدٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن عطاءِ بنِ يَسارٍ، أن رجلًا أصاب امرأتَه في دُبُرِها على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأنكر الناسُ ذلك وقالوا: أَثْفَرَها (١)!
فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ الآية (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: ائْتُوا حرثَكم كيف شِئتم؛ إن شِئْتُم فاعْزِلوا، وإن شِئتمُ فلا تَعْزِلوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا الحسنُ بنُ صالحٍ، عن ليثٍ، عن عيسى بن سِنانٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شِئتم فاعْزِلوا، وإن شِئتم فلا تَعْزِلوا (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن يونسَ، عن أبى إسحاقَ، عن زائدةَ بنِ عُميرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إن شِئتَ فاعْزِلْ، وإن شِئتَ فلا تَعْزِلْ (٤).
وأمَّا الذين قالوا: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شِئتم؛ مقبلةً ومدبرةً في الفرجِ والقُبُلِ.
فإنهم قالوا: إن الآيةَ إنما نزَلت في استنكارِ قومٍ من اليهودِ اسْتَنكروا إتيانَ النساءِ في أقْبالهنَّ من قِبَلِ أدْبارِهنَّ.
قالوا: وفى ذلك دليلٌ على صحَّةِ ما قلنا، من أن معنى ذلك على ما قلنا.
واعتلُّوا لقِيلِهم ذلك بما حدَّثنى به أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحارِبىُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن مجاهدٍ، قال: عرَضتُ المصْحفَ على ابنِ عباسٍ ثلاثَ عرَضاتٍ من فاتحتِه إلى خاتمتِه، أُوقِفُه عندَ كلِّ آيةٍ، وأسألُه عنها، حتى انتهى إلى هذه الآيةِ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال ابنُ عباسٍ: إن هذا الحىَّ من قريشٍ كانوا يَشْرَحُون النساءَ بمكةَ، ويتلذَّذون بهنَّ مُقْبلاتٍ ومُدبراتٍ، فلمَّا قدِموا المدينةَ تزوَّجوا في الأنصارِ، فذهَبوا لِيَفعلوا بهنَّ كما كانوا يَفعلون بالنساءِ بمكةَ، فأنكرْنَ ذلك وقُلْنَ: هذا شيءٌ لم نكنْ نُؤْتَى عليه.
فانتشر الحديثُ حتى انتهى إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَل اللهُ تعالى ذكرُه في ذلك: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: إن شئتَ فمقبلةً، وإن شئتَ فمدبرةً، وإن شئتَ فباركةً، وإنما يعنى بذلك موضعَ الولدِ للحرثِ، يقولُ: ائتِ الحرثَ من حيثُ شِئتَ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ بإسنادِه نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن محمدِ بنِ المُنْكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرًا يقولُ: إن اليهودَ كانوا يقولون: إذا جامَعَ الرجلُ أهلَه في فرجِها من ورائِها كان ولدُه أحولَ.
فأنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١).
حدَّثنا (٢) مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا الثورىُّ، عن محمدِ بنِ المُنْكدِرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قالت اليهودُ: إذا أتَى الرجلُ امرأتَه في قُبُلِها من دبُرِها وكان بينَهما ولدٌ كان أحولَ، فأنْزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ (٣) بنُ سليمانَ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى بكرٍ، عن أمِّ سلمةَ زوجِ النبىِّ ﷺ، قالت: تزَوَّج رجلٌ امرأةً، فأراد أن يُجَبِّيَها (٤)، فأبَت عليه وقالت: حتى أسألَ رسولَ اللهِ ﷺ.
قالت أمُّ سلمةَ: فذكَرتْ ذلك لى.
فذكَرتْ أمُّ سلمةَ ذلك لرسولِ اللهِ ﷺ، فقال: "أرْسِلى إليها".
فلمَّا جاءت قرَأ عليها رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، صمامًا (١) واحدًا، صمامًا واحدًا".
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ، عن (٢) عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ، عن [ابنِ سابطٍ] (٣)، عن حفصةَ ابنةِ (٤) عبدِ الرحمنِ بنِ (٥) أبى بكرٍ، عن أمِّ سلمةَ، قالت: قدِم المهاجرون فتزوَّجوا في الأنصارِ، وكانوا يُجَبُّون، وكانت الأنصارُ لا تفعلُ ذلك، فقالت امرأةٌ لزوجِها: حتى آتِىَ النبىَّ ﷺ فأسْألَه عن ذلك.
فأتتِ النبىَّ ﷺ فاسْتَحْيتْ أن تسألَه، فسألتُ أنا، فدعاها رسولُ اللهِ ﷺ، فقرَأ عليها (٦): " ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا".
حدَّثنى أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ ابنِ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ بنتِ عبدِ الرحمنِ، عن أمِّ سلمةَ، عن النبىِّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ وابنُ المُثنَّى، قالا: ثنا ابنُ مَهْدِىٍّ، قال: ثنا شفيانُ الثورىُّ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، عن حفصةَ ابنةِ عبدِ الرحمنِ، عن أمِّ سلمةَ، عن النبىِّ ﷺ قولَه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
قال: "صمامًا واحدًا، صمامًا واحدًا" (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ مَعْمَرٍ البَحْرانىُّ (٢)، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرَمىُّ (٣)، قال: ثنى وُهيبٌ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ، قال: قلتُ لحفصةَ: إنى أُريدُ أن أسألَكِ عن شيءٍ وأنا أسْتَحْيِى منك أن أسألَك.
قالت: سَلْ يا بُنَىَّ عمَّا بدا لك.
قال: قلتُ: أسالُك عن غشيانِ النساءِ في أدبارِهنَّ.
قالت: حدَّثَتنى أمُّ سلمةَ، قالت: كانت الأنصارُ لا تُجَبِّى، وكان المهاجرون يُجَبُّون، فتزوَّج رجلٌ من المهاجرين امرأةً من الأنصارِ.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ أبى كُريبٍ، عن معاويةَ بنِ هشامٍ (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابنِ المنكدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: إن اليهودَ كانوا يقولون: إذا أتَى الرجلُ امرأتَه باركةً جاء الولدُ أحولَ.
فنزَلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (٥).
حدَّثنى محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ اللهِ الطُّوسىُّ، قال: ثنا الحسنُ بنُ موسى، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جاء عمرُ إلى النبىِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، هلَكتُ!
قال: "وما الذى أهْلَكك؟
" قال: حوَّلتُ رحلى الليلةَ.
قال: فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، قال: فأوْحَى اللهُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ هذه الآيةَ ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "أَقْبِلْ وأَدْبِر، واتَّقِ الدُّبُرَ والحيضةَ" (١).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى المصرىُّ، قال: ثنا أبو صالحٍ الحَرّانىُّ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن يزيدَ بنِ أبى حَبيبٍ، أن عامرَ بنَ يحيى أخبَره، عن حَنَشٍ الصنعانىِّ، عن ابنِ عباسٍ، أن ناسًا مِن حِمْيرَ أَتَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ يسأَلونه عن أشياءَ، فقال رجلٌ منهم: يا رسولَ اللهِ، إنى رجلٌ أُجَبِّى (٢) النساءَ، فكيف تَرَى في ذلك؟
فأنْزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في سورةِ "البقرة" بيانَ ما سأَلوا عنه، وأنْزَل فيما سأَل عنه الرجلُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ائْتِها مُقْبِلةً ومُدْبِرَةً إذا كان ذلك في الفَرْجِ" (٣).
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾: من أىِّ وجهٍ شِئتم.
وذلك أن "أنَّى" في كلامِ العربِ كلمةٌ تَدُلُّ -إذا ابْتُدِئ بها في الكلامِ- على المسألةِ عن الوجوهِ والمذاهبِ، فكأنَّ القائلَ إذا قال لرجلٍ: أنَّى لك هذا المالُ؟
يريدُ: من أىِّ الوجوهِ لكَ.
ولذلك يُجِيبُ المجيبُ فيه بأن يقولَ: مِن كذا وكذا.
كما قال تعالى ذِكرُه مخبِرًا عن زكريا في مسألتِه مريمَ: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٧].
وهى مقارِبةٌ "أين"، و "كيف" في المعنى، ولذلك تداخَلَت معانِيها، فأشكلَت "أنى" على سامعِها ومُتأوِّلها حتى تأوَّلها بعضُهم بمعنى "أين"، وبعضُهم بمعنى "كيف"، وآخَرون بمعنى "متى"، وهى مخالفةٌ جميعَ ذلك في معناها، وهنَّ لها مخالفاتٌ؛ وذلك أن "أين" إنما هى حرفُ استفهامٍ عن الأماكنِ والمحالِّ، وإنما يُسْتَدَلُّ على افتراقِ معانى هذه الحروفِ بافتراقِ الأجوبةِ عنها، ألا تَرَى أن سائلًا لو سأل آخرَ فقال: أين مالُك؟
لقال: بمكانِ كذا.
لي لو قال له: أين أخوك؟
لكان الجوابُ أن يقولَ: ببلدةِ كذا.
أو: بموضعِ كذا.
فيُجِيبُه بالخبرِ عن محَلِّ ما سأله عن محَلِّه، فيُعْلَمُ أن "أين" مسألةٌ عن المحَلِّ.
ولو قال قائلٌ لآخرَ: كيف أنت؟
لقال: صالحٌ.
أو: بخيرٍ.
أو: في عافيةٍ.
وأخبَره عن حالِه التى هو فيها، فيُعْلَمُ حينَئذٍ أن "كيف" مسألةٌ عن حالِ المسئولِ عن حالِه.
ولو قال له: أنَّى يُحْيِى اللهُ هذا الميتَ؟
لكان الجوابُ أن يقالَ: مِن وجهِ كذا ووجهِ كذا.
فيَصِفُ قولًا، نظيرَ ما وصَف اللهُ تعالى ذكرُه للذى قال: ﴿أَنَّى يُحْيي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] فعلًا حين بعَثه من بعدِ مماتِه.
وقد فرَّقتِ الشُّعراءُ بينَ ذلك في أشعارِها، فقال الكُمَيْتُ بنُ زيدٍ (١): تَذكَّرَ مِن أنَّى ومن أينَ شُرْبُه … يُؤامِرُ (٢) نَفْسَيْهِ كَذِى الهَجْمَةِ (٣) الأَبِلْ (٤) وقال أيضًا (٥): أنَّى ومِن أين آبَكَ (١) الطَّرَبُ … من حيمثُ لا صَبْوَة ولا رِيَبُ فيُجَاءُ بـ "أنَّى" للمسألِة عن الوجهِ، وبـ "أين" للمسألةِ عن المكانِ، فكأنه قال: مِن أىِّ وجهٍ، ومن أىِّ موضعٍ راجَعك الطربُ؟
والذى يَدُلُّ على فسادِ قولِ مَن تأوَّلَ قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾: كيف شِئتم.
أو تأوَّلَه بمعنى: حيثُ شِئتم.
أو بمعنى: متى شئتم.
أو بمعنى: أين شئتم - أن قائلًا لو قال لآخرَ: أنَّى تأتى أهلَك؟
لكان الجوابُ أن يقولَ: مِن قُبُلِها.
أو: من دُبُرِها.
كما أخبَرَ اللهُ تعالى ذكرُه عن مريمَ إذ سُئِلت: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.
أنها قالت: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وإذ كان ذلك هو الجوابَ، فمعلومٌ أن معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ إنما هو: فائتوا حرثَكم من حيثُ شِئتم من وجوهِ المأتَى.
وأن ما عدا ذلك من التأويلاتِ فليس للآيةِ بتأويلٍ.
وإذ كان ذلك هو الصحيحَ، فبيِّنٌ خطأُ قولِ مَن زعَم أن قولَه: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
دليلٌ على إباحةِ إتيانِ النساءِ في الأدبارِ؛ لأن الدُّبُرَ لا مُحْتَرثَ فيه، وإنما قال تعالى ذكرُه: ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فائتوا الحَرْثَ من أىِّ وجُوهِه شِئتم، وأىُّ مُحْتَرَثٍ في الدبرِ فيقالَ: ائتِه من وجهِه؟!
وبيِّنٌ بما بيَّنَّا صحةُ معنى ما رُوِى عن جابرٍ وابنِ عباسٍ من أن هذه الآيةَ نزَلت فيما كانت اليهودُ تقولُه للمسلمين: إذا أتَى الرجلُ المرأةَ من دُبُرِها في قُبُلِها جاء الولدُ أحولَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قدِّموا لأنفسِكم الخيرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أمَّا قولُه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾، فالخيرَ (١).
وقآل آخَرون: بل معنى ذلك: وقدِّموا لأنفسِكم ذِكْرَ اللهِ عندَ الجماعِ وإتيانِ الحرثِ قبلَ إتيانِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى محمدُ بنُ كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ واقدٍ، عن عطاءٍ، قال: أُرَاه عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
قال: يقولُ: باسمِ اللهِ.
التسميةَ عندَ الجماعِ (٢).
والذى هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما روَيْنا عن السُّدِّىِّ، وهو أن قولَه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه بتقديمِ الخيرِ والصالحِ من الأعمالِ ليومِ مَعَادِهم إلى ربِّهم، عُدَّةً منهم ذلك لأنفسِهم عندَ لقائِه في موقفِ الحسابِ، فإنه قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠، المزمل: ٢٠].
وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ، لأن اللهَ تعالى ذكرُه عقَّب قولَه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ بالأمرِ باتقائِه في ركوبِ معاصيه، فكان الذى هو أَوْلَى بأن يكونَ (٣) قبلَ التهددِ على المعصيةِ عامًّا، الأمرَ بالطاعةِ عامًّا.
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ الأمرِ بالطاعةِ بقولِه: ﴿وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾.
من قولِه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾؟
قيل: إن ذلك لم يُقْصَدْ به ما توهَّمَته، وإنما عُنِى به: وقدِّموا لأنفسِكم من الخيراتِ التى ندَبْناكم إليها بقولِنا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وما بعده من سائرِ ما سأَلوا رسولَ اللهِ ﷺ فأُجِيبوا عنه مما ذكَره اللهُ تعالى ذكرُه في هذه الآياتِ.
ثم قال تعالى ذكرُه: قد بيَّنَّا لكم ما فيه رَشَدُكم وهدايتُكم (١) إلى ما يُرْضِى ربَّكم عنكم، فقدِّموا لأنفسِكم الخيرَ الذى أمَركم به، واتَّخِذوا عنده به عهدًا لِتَجِدوه لديه إذا لَقِيتُموه في معادِكم، واتَّقُوه في معاصيه أن تَقْرَبوها، وفى حدودِه أن تُضَيِّعوها، واعْلَموا أنكم -لا محالةَ- مُلاقُوه في معادِكم، فمُجازى المحسن منكم بإحسانِه، والمسيء بإساءتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه عزَّ ذكرُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾.
وهذا تحذيرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن يأتوا شيئا ممَّا نهاهم عنه من معاصيه، وتخويفٌ لهم عقابَه عند لقائِه، كما قد بيَّنَّا قبلُ (٢)، وأمرٌ لنبيِّه محمدٍ ﷺ أن يُبَشِّرَ مِن عبادِه، بالفوزِ يومَ القيامةِ، وبكرامةِ الآخرةِ، وبالخلودِ في الجنةِ، مَن كان منهم محْسنًا مؤْمنًا (٣) بكُتُبِه ورُسُلِه وبلقائِه، مصدِّقًا إيمانَه قولًا بعملِه ما أمَره به ربُّه، وافْتَرض عليه مِن فرائضِه، [وفيما] (٤) ألزَمه من حقوقِه، وبتجَنُّبِه ما أمَره بتجنُّبِه من معاصيه.
﷽ القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا تَجْعَلوه علَّةً لأيمانِكم، وذلك إذا سُئِل أحدُكم الشيءَ من الخيرِ والإصلاحِ بينَ الناسِ، قال: علىَّ يمينٌ باللهِ ألا أفعلَ (١) ذلك.
أو: قد حلَفتُ باللهِ ألَّا أفعلَه.
فيعتلُّ في تركِه فعلَ الخيرِ والإصلاحِ بينَ الناسِ بالحلِفِ باللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِف على الأمرِ (٢) الذى لا يَصْلُحُ، ثم يَعْتَلُّ (٣) بيَمينِه، يقولُ اللهُ: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾.
يقولُ (٤): هو خيرٌ له من أن يَمْضِيَ على ما لا يَصْلُحُ، وإن حلَفتَ كفَّرتَ عن يمينِك وفعَلتَ الذي هو خيرٌ لك (٥).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه مثلَه، إلا أنه قال: وإن حلَفتَ فكفِّرْ عن يمينِك، وافعلِ الذى هو خيرٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن السُّدِّيِّ، عمَّن حدَّثه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألَّا يُكَلِّمَ قرابتَه ولا يَتصَدَّقَ، أو يكونَ بينه وبين إنسانٍ مُغَاضبةٌ، فيَحْلِفَ لا يُصْلِحُ بينَهما، ويقولَ: قد حلَفتُ.
قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه، ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾.
يقولُ: لا تعتلُّوا باللهِ، أن يقولَ أحدُكم: إنه تَأَلَّى أن لا يَصِلَ رَحِمًا، ولا يسعى في صَلاحٍ، ولا يتصدَّقَ من مالِه.
مهلًا مهلًا!
بارَك اللهُ فيكم، فإن هذا القرآنَ إنما جاء بتركِ أمرِ الشيطانِ، فلا تُطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيءٍ من نُذُورِكم ولا أيْمانِكم (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ لا يُصْلِحُ بينَ الناسِ ولا يَبَرُّ، فإذا قيل له، قال: قد حلَفتُ (٣).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾؟
قال: الإنسانُ يَحْلِفُ ألا يَصْنَعَ (١) الخيرَ، الأمرَ الحسنَ، يقولُ: حلَفتُ.
قال اللهُ: افعلِ الذى هو خيرٌ، وكفِّرْ عن يمينِك، ولا تَجْعَلِ اللهَ عُرْضَةً (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ (٣)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية: هو الرجلُ يُحَرِّمُ ما أحلَّ اللهُ له على نفسِه، فيقولُ: قد حلَفتُ، فلا يَصْلُحُ إلا أن أَبَرَّ يميني.
فأمَرهم اللهُ أن يُكَفِّروا أيْمانَهم، ويأتوا الحلالَ (٤).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: أما ﴿عُرْضَةً﴾؛ فيَعْرِضُ بينَك وبينَ الرجلِ الأمرُ فتَحْلِفُ باللهِ لا تُكَلِّمُه ولا تَصِلُه، وأما ﴿تَبَرُّوا﴾؛ فالرجلُ يَحْلِفُ لا يَبَرُّ ذا رَحِمِه، فيقولُ: قد حلَفْتُ.
فأمَر اللهُ ألا يُعَرِّضَ بيمينِه بينَه وبينَ ذي رَحِمِه، ولْيَبَرَّه ولا يُبالي بيمينِه، وأما ﴿وَتُصْلِحُوا﴾؛ فالرجلُ يُصْلِحُ بينَ الاثنيْن فيَعْصِيانِه، فيَحْلِفُ ألا يُصْلِحَ بينَهما، فيَنْبَغِي له أن يُصْلِحَ ولا يُباليَ بيمينِه، وهذا قبلَ أن تَنْزِلَ الكفَّاراتُ (٥).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن هُشيمٍ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِيَ اللهَ، ولا يَصِلَ رَحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَمْنَعُه يمينُه (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَعْتَرِضوا بالحلفِ باللهِ في كلامِكم فيما بينَكم، فتَجْعَلوا ذلك حُجَّةً لأنفسِكم في تركِ فعلِ الخيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
يقولُ: لا تَجْعَلْني عُرْضَةً ليَمينِك ألا تَصْنَعَ الخيرَ، ولكن كفِّرْ عن يَمينِك واصْنَعِ الخيرَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البرِّ والتَّقْوَى ولا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ قَرابتَه، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين.
يقولُ: فلْيَفْعَلْ ولْيُكفِّرْ عن يمينِه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ، عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
قال: لا تَحْلِفْ ألا تَتَّقىَ اللهَ، ولا تَحْلِفْ ألا تَبَرَّ ولا تَعْمَلَ خيرًا، ولا تَحْلِفْ ألا تَصِلَ، ولا تَحْلِفْ ألا تُصْلِحَ بينَ الناسِ، ولا تَحْلِفْ أن تَقْتُل وتَقْطَعَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخْبَرَنا هُشيمٌ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، ومُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً﴾ الآية.
قالا: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ ولا يَتَّقيَ ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، [وأُمِر أن يَتَّقيَ اللهَ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ] (١)، ويُكَفِّرَ عن يمينِه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ] (١)، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾: فأُمِروا بالصِّلةِ والمعروفِ والإصْلاحِ بينِ الناسِ، فإن حلَف حالفٌ ألا يَفْعَلَ ذلك فلْيَفْعَلْه ولْيَدَعْ يمينَه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية.
قال: ذلك في الرجلِ يَحْلِفُ ألا يَبَرَّ، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، فأمَرَه اللهُ أن يَدَعَ يمينَه، ويَصِلَ رحمَه، ويَأْمُرَ بالمعروفِ، ويُصْلِحَ بينَ الناسِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن أبى الأسودِ، عن عروةَ، عن عائشةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
قالت: لا تَحْلِفوا (٢) باللهِ وإن برَرْتُم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: حُدِّثْتُ أن قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الَاية: نزَلَت في أبي بكرٍ في شأنِ مِسْطَحٍ (٤).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ الآية.
قال: يَحْلِفُ الرجلُ ألا يَأْمُرَ بالمعروفِ، ولا يَنْهَى عن المنكرِ، ولا يَصِلَ رحِمَه.
حدَّثني المثنَّى، ثنا سُويدٌ، أخْبَرنا ابنُ المبُارَكِ، عن هُشيمٍ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: يَحْلِفُ ألا يَتَّقِىَ اللهَ، ولا يَصِلَ رحِمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ اثنين، فلا يَنْفَعُه يمينُه (٥).
حدَّثنى ابنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقىُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبى سلَمةَ، عن سعيدٍ، عن مَكْحولٍ أنه قال فى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو أن يَحْلِفَ الرجلُ ألا يَصْنَعَ خيرًا، ولا يَصِلَ رحمَه، ولا يُصْلِحَ بينَ الناسِ، نهاهم اللهُ عن ذلك (١).
وأولى التأويلَيْن بالآيةِ تأويلُ مَن قال: معنى ذلك: لا تَجْعَلوا الحلفَ باللهِ حُجَّةً لكم فى تركِ فعلِ الخيرِ فيما بينَكم وبينَ اللهِ وبينَ الناسِ.
وذلك أن العُرْضةَ فى كلامِ العربِ القوةُ والشدةُ، يقالُ منه: هذا الأمرُ عُرْضةٌ له (٢).
يعنى بذلك: قوةٌ لك على أسبابِك.
ويقالُ: فلانةُ عُرْضةٌ للنِّكاحِ.
أى: قوةٌ.
ومنه قولُ كعبِ بنِ زُهَيْرٍ فى صفةِ نُوقٍ (٣): مِن كلِّ نَضَّاخةِ (٤) الذِّفْرَى (٥) إذا عَرِقَتْ … عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهولُ يعنى بـ "عرضتُها": قوَّتُها وشدَّتُها.
فمعنى قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ قوةً لأيمانِكم] (٦) فى ألا تَبَرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، ولكن إذا حلَف أحدُكم فرأَى الذى هو خيرٌ مما حلَف عليه؛ مِن تَرْكِ البرِّ والإصْلاحِ بينَ الناس، فلْيَحْنَثْ فى يمينِه، ولْيَبَرَّ، ولْيَتَّقِ اللهَ، ولْيُصْلِحْ بينَ الناسِ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه.
وترَك ذكر "لا" مِن الكلامِ؛ لدَلالةِ الكلامِ عليها، واكْتِفاءً بما ذكَر عما ترَك، كما قال امرؤُ القيسِ (١): فقلتُ يمينَ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا … ولو قَطَّعوا رأْسى لَدَيْكِ وأوْصالى بمعنى: فقلتُ: يمينَ اللهِ لا أَبْرَحُ.
فحذَف "لا" اكْتِفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليها.
وأما قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾.
فإنه اخْتُلِف فى تأويلِ البِرِّ الذى عناه اللهُ تعالى ذكرُه، فقال بعضُهم: هو فعلُ الخيرِ كلِّه.
وقال آخَرون: هو البِرُّ بذى رحمِه.
وقد ذكَرْتُ قائلى ذلك فيما مضَى.
وأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عنَى به فعلَ الخيرِ كلِّه.
وذلك أن أفعالَ الخيرِ كلَّها مِن البرِّ، ولم يَخْصُصِ اللهُ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ معنًى دونَ معنًى مِن معانى البِرِّ، فهو على عمومِه، والبِرُّ بذَوِى القَرابةِ أحدُ معانى البِرِّ.
وأما قولُه: ﴿وَتَتَّقُوا﴾ فإن معناه: أن تَتَّقوا ربَّكم، فتَحْذَروه وتَحْذَروا عِقابَه فى فرائضِه وحُدودِه أن تُضَيِّعوها أو تَتَعَدَّوْها.
وقد ذكَرْنا تأويلَ مَن تأوَّل ذلك أنه بمعنى التَّقْوَى قبلُ.
وقال آخَرون فى تأويلِه بما حدَّثنى به محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾.
قال: كان الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ مِن البِرِّ والتَّقْوَى لا يَفْعَلُه، فنهَى اللهُ ﷿ عن ذلك، فقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية.
قال: ويقالُ: لا يَتَّقِ بعضُكم بعضًا بى، تَحْلِفون بى وأنتم كاذِبون لِيُصَدِّقَكم الناسُ، وتُصْلِحون بينَهم، فذلك قولُه: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية (١).
وأما قولُه: ﴿وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
فهو الإصلاحُ بينَهم بالمعروفِ فيما لا مَأْثَمَ فيه، وفيما يُحِبُّه اللهُ دونَ ما يَكْرَهُه.
وأما الذى ذكَرْنا عن السُّدىِّ مِن أنَّ هده الآيةَ نزَلَت قبلَ نزولِ كفَّاراتِ الأيْمانِ، فقولٌ لا دَلالةَ عليه مِن كتابٍ ولا سنةٍ، والخبرُ عما كان لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ صادقٍ، وإلا كان دعْوَى لا يَتَعَذَّرُ مثلُها وخلافُها على أحدٍ، وغيرُ مُحالٍ أن تكونَ هذه الآيةُ نزَلَت بعدَ بيانِ كفاراتِ الأيْمانِ فى سورةِ "المائدةِ"، واكْتُفِى بذكرِها هناك عن إعادتِها ههنا، إذ كان المُخاطَبون بهذه الآيةِ قد علِموا الواجبَ مِن الكفاراتِ فى الأيْمانِ التى يَحْنَثُ فيها الحالفُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ سميعٌ لما يَقولُه الحالفُ منكم باللهِ إذا حلَف، فقال: واللهِ لا أَبَرُّ، ولا أَتَّقِى، ولا أُصْلِحُ بيَن الناسِ.
ولغيرِ ذلك مِن قِيلِكم وأيْمانِكم، عليمٌ بما تَقْصِدون وتَبتَغون بحَلِفِكم ذلك، الخيرَ تُريدون أم غيرَه؛ لأنى عَلَّامُ الغُيوبِ وما تُضْمِرُه الصُّدورُ، لا تَخْفَى علىَّ خافيةٌ (٢)، ولا يَنْكَتِمُ عنى أمرٌ عَلَن فظهَر، أو خَفِى فبطَن.
وهذا مِن اللهِ تعالى ذكرُه تَهَدُّدٌ ووَعيدٌ.
يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّقُونِ أيُّها الناسُ أن تُظْهِروا بألسنتِكم مِن القولِ، أو بأبدانِكم مِن الفعلِ، ما نهَيْتُكم عنه، أو تُضْمِروا فى أنفسِكم، وتَعْزِموا بقلويكم مِن الإراداتِ والنياتِ فعْلَ ما زجَرْتُكم عنه، فتَسْتَحِقُّوا بذلك منى العُقوبةَ التى قد عرَّفْتُكموها، فإنى مُطَّلعٌ على جَميعِ ما تُعْلِنونه أو تُسِرُّونه.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
وفى معنى "اللَّغْوِ"؛ فقال بعضُهم فى معناه: لا يُؤَاخِذُكمُ اللهُ بما سبَقَتْكم به ألسنتُكم مِن الأيمانِ على عَجَلةٍ وسُرْعةٍ، فيُوجِبَ عليكم به كَفَّارةً إذا لم تَقْصِدوا الحَلِفَ واليَمينَ.
وذلك كقولِ القائلِ: فعَلْتُ هذا واللهِ.
أو: أفْعَلُه واللهِ.
أو: لا أفْعَلُه واللهِ.
على سُبوقِ المتكلمِ بذلك لسانُه بما وصَل به كلامَه مِن اليمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قال: هى: بلى واللهِ، ولا واللهِ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن الزُّهرىِّ، عن القاسمِ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٢).
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ (١)، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ نحوَه] (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن [ابنِ إسحاقَ] (٣)، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: سألْتُ عائشةَ عن لَغْوِ اليمين، قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
ما يَتَراجَعُ به الناسُ (٤).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ وعَبْدةُ وأبو معاويةَ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ فى قولِ اللَّهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
يَصِلُ بها كلامَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُمَيرٍ على عائشةَ، فقال لها: يا أمَّ المؤمنين، قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟
قالت: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
ليس مما عقَّدْتُم الأيمانَ (٦).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ أبى ليلى، عن عطاءٍ، قال: أتَيْتُ عائشةَ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ، فسألها عُبَيدٌ عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
فقالت عائشةُ: هو قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
ما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: انْطَلَقْتُ (١) مع عُبَيدِ بنِ عُمَيْرٍ إلى عائشةَ، وهى مُجاورةٌ فى ثَبِيرٍ (٢)، فسألها عُبَيدٌ عن لَغْوِ اليَمينِ، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ موسى الحَرَشىُّ (٤)، قال: ثنا حسانُ بنُ إبراهيمَ الكِرْمانىُّ، قال: ثنا إبراهيمُ الصائغُ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: قالت عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "هو قولُ الرجلِ فى بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ" (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزهرىِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: هم القومُ يتدارءون فى الأمرِ، فيقولُ هذا: لا واللهِ، وبلى واللهِ، وكلا واللهِ.
يتدارءون فى الأمرِ لا تُعْقَدُ عليه قلوبُهم (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشَّعبىِّ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: قولُ الرجل: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
يَصِلُ به كلامَه، ليس فيه كَفَّارةٌ (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا المُغيرةُ، عن الشعبىِّ، قال: هو الرجلُ يقولُ: لا واللهِ.
وبلى واللهِ.
يَصِلُ حديثَه.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابنُ عونٍ، قال: سأَلْتُ عامرًا عن قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، جَميعًا عن ابن عَوْنٍ، عن الشعبىِّ مثلَه.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، قال: قال أبو قِلابةَ فى: لا واللهِ، وبلى واللهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً (٣).
وقال يعقوبُ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لَغْوًا.
وقال ابنُ وَكيعٍ فى حديثهِ: أرْجُو أن يَكونَ لُغةً.
ولم يَشُكَّ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبى خالدٍ، عن أبى صالحٍ، قال: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكٍ، عن عَطاءٍ، قال: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
[حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مالكِ بنِ مِغْوَلٍ، عن عطاءٍ مثلَه] (١).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو قولُ الناسِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٢).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ وعكرمةَ، قالا: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن عمرٍو، عن عَطاءٍ، قال: دخَلْتُ مع عُبَيدِ بنِ عُميرٍ على عائشةَ، فسألها، فقالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ (٣).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن ابنِ أبى ليلى وأشْعَثَ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبِى وجَريرٌ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
حدّثنا ابنُ وَكيعٍ وهَنَّادٌ، قالا: ثنا يَعْلَى، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: قالت عائشةُ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قالت: هو قولُك: لا واللهِ، وبلى واللهِ، ليس لها عَقْدُ الأيمانِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال.
ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن الشعبىِّ، قال: اللَّغْوُ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
يَصِلُ به كلامَه ما لم يكُ (١) شيئًا يَعْقِدُ عليه قلبَه.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى عمرٌو، أن سعيدَ بنَ أبى هِلالٍ حدَّثه، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ يقولُ: سمِعْتُ عائشةَ تقولُ: لَغْوُ اليَمينِ قولُ الرجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ.
فيما لم يَعْقِدْ عليه قلبَه.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال عمرٌو: وحدَّثنى عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى حُسينٍ النَّوفلىُّ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ بذلك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مُجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: الرجلان يَتَبايَعان، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أبيعُك بكذا وكذا.
ويقولُ الآخرُ؛ واللهِ لا أشْتَرِيه بكذا وكذا.
فهذا اللغوُ لا يُؤَاخَذُ به (٢).
وقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ: اليمينُ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ، وهو يَرَى أنه كما يَحْلِفُ عليه، ثم تَبَيَّن غيرُ ذلك، وأنه بخلافِ الذى حلَف عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنى ابنُ نافعٍ، عن أبى مَعْشَرٍ، عن محمدِ بنِ قيسٍ، عن أبى هريرةَ أنه كان يقولُ: لغوُ اليمينِ حَلِفُ الإنسانِ على الشئِ يَظُنُّ أنه الذى حلَف عليه، فإذا هو غيرُ ذلك (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: واللغوُ أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ يَراه حقًّا وليس بحقٍّ (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: هذا فى الرجلِ يَحْلِفُ على أمْرِ إضْرارٍ (٢) أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلُه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَر (٣) اللهُ أن يُكفِّرَ عن يمينِه ويَأْتىَ الذى هو خيرٌ، ومِن اللغوِ أيضًا أن يَحْلِفَ الرجلُ على أمرٍ لا يَأْلُو فيه الصدقَ، وقد أخْطَأ فى يمينِه؛ فهذا الذى عليه الكفارةُ، ولا إثمَ عليه (٤).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا [أبو داودَ] (٥)، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: خطأٌ غيرُ عمدٍ (٦).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت يُخَيَّلُ إليك أنه كما حلَفْتَ، وليس كذلك، فلا يُؤَاخِذُه اللهُ ولا كفارةَ، ولكنَّ المُؤَاخَذةَ والكفارةَ فيما حلَف عليه على علمٍ (٧).
حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وَكيعٍ، قالا: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا أنه كما حلَف.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ يَرَى أنها كذلك، وليست كذلك.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ وهو يَرَى أنه كذلك، فلا يَكونُ كما قال، فلا كفارةَ عليه.
حدَّثنا هَنَّادٌ وأبو كُرَيْبٍ وابنُ وَكيعٍ، قالوا: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمين لا يَرَى إلا أنها كما حلَف عليه، وليست كذلك (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبى نَجِيحٍ فى قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: مَن حلَف باللهِ ولا يَعْلَمُ إلا أنه صادقٌ فيما حلَف.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: حَلِفُ الرجلِ على الشئِ وهو لا يَعْلَمُ إلا أنه على ما حلَف عليه فلا يَكونُ كما حلَف؛ كقولِه: إن هذا البيتَ لفلانٍ.
وليس له، وإن هذا الثوبَ لفلانٍ.
وليس له (١).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه فيه صادقٌ (٢).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه، فلا يكونُ كذلك، قال: فلا يُؤاخَذُ بذلك.
قال: وكان يُحِبُّ (٣) أن يُكَفِّرَ (٤).
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقىُّ، قال: ثنا الجُعْفىُّ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فذلك اللغوُ لا يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ نحوَه، إلا أنه قال: إن حلَفْتَ على الشئِ وأنت تَرَى أنك صادقٌ، وليس كذلك.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ (٥) إدْريسَ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ أنه قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الأيمانِ وهو يَرَى أنه كما حلَف (١).
حدَّثنى إسحاقُ ابنُ حَبيبِ بنِ الشَّهيدِ، قال: ثنا عَتَّابُ بنُ بَشيرٍ، عن خُصيفٍ، عن زِيادٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على اليمين يَرَى أنه فيها صادقٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحَضْرمىُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ ابنُ أبى السَّمِيطِ (٢)، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ؛ الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، وليس كذلك (٣).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن منصورٍ ويونس، عن الحسنِ، قال: اللغوُ: الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ يَرَى أنه كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ.
حدَّثنا هَنَّادٌ وابنُ وكيعٍ، قال هَنَّادٌ: حدَّثنا وَكيعٌ، وقال ابنُ وَكيعٍ: حدَّثنى أبى، عن عِمْرانَ بنِ حُدَيْرٍ قال: سمِعْتُ زُرارةَ بنَ أوْفَى، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ لا يَرَى إلا (٤) أنها كما حلَف (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ بَشيرٍ، قال: سُئِل عامرٌ عن هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾؟
قال: اللغوُ: أن يَحْلِفَ الرجلُ لا يَألُو عن الحقِّ، فيكونَ غيرَ ذلك، فذلك اللغوُ الذى لا يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فاللغوُ: اليمينُ الخطأُ غيرُ العمدِ؛ أن تَحْلِفَ على الشئِ وأنت تَرَى أنه كما حلَفْتَ عليه ثم لا يَكونُ كذلك، فهذا لا كفارةَ عليه ولا مَأْثَمَ فيه.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: أما اللغوُ: فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين وهو يَرَى أنها كذلك، فلا تَكونُ كذلك، فليس عليه كفارةٌ (١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: اللغوُ: اليمينُ الخطأُ فى غيرِ عمدٍ؛ أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَرَى أنه كما حلَف عليه، وهذا ما ليس عليه فيه كفارةٌ (٢).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوصِ، عن حُصينٍ، عن أبى مالكٍ، قال: أما اليمينُ التى لا يُؤاخَذُ بها صاحبُها، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيها صادقٌ، فذلك اللغوُ.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حُصَينٌ، عن أبى مالكٍ مثلَه، إلا أنه قال: الرجلُ يَحْلِفُ على الأمرِ يَرَى أنه كما حلَف عليه فلا يَكونُ كذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وهو اللغوُ (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى معاويةُ بن صالحٍ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [وعن] (١) ابنِ (٢) أبى طلحةَ -كذا قال [ابنُ أبى جعفرٍ] (٣) - قالا: مَن قال: واللهِ لقد فعَلْتُ كذا وكذا.
وهو يَظُنُّ أن قد فعَلَه، ثم تبَيَّن له أنه لم يَفْعَلْه، فهذا لغوُ اليمينِ وليس عليه فيه كفارةٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الخطأُ غيرُ العمدِ، كقولِ الرجلِ: واللهِ إن هذا لكذا وكذا.
وهو يَرَى أنه صادقٌ، ولا يَكونُ كذلك.
قال مَعْمَرٌ: وقاله قتادةُ أيضًا (٤).
حدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، قال: سُئِل سعيدٌ عن اللغوِ فى اليمينِ، قال سعيدٌ: قال (٥) مكحولٌ: الخطأُ غيرُ العمدِ، ولكنَّ الكفارةَ فيما عقَدَت قلوبُكم (٦).
حدَّثنى ابنُ البَرْقىِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، عن مكحولٍ، أنه قال: اللغوُ الذى لا يُؤاخِذُ اللهُ به أن يَحْلِفَ الرجلُ على الشئِ الذى يَظُنُّ أنه فيه صادقٌ، فإذا هو فيه غيرُ ذلك، فليس عليه فيه كفارةٌ، وقد عفا اللهُ عنه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: إذا حلَف على اليمينِ وهو يَرَى أنه فيه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ به، وإذا حلَف على اليمين وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذلك الذى يُؤاخَذُ به.
وقال آخَرون: بلِ اللغوُ مِن الأيْمانِ التى يَحْلِفُ بها صاحبُها فى حالِ الغضبِ على غيرِ عقدِ قلبٍ ولا عزمٍ، ولكن وُصْلةً للكلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وَكيعٌ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن خالدٍ، عن عطاءٍ، عن وَسيمٍ (١)، عن ابنِ عباسٍ، قال: لغوُ اليمين أن تَحْلِفَ وأنت غَضْبانُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءٍ، عن طاوسٍ، قال: كلُّ يمينٍ حلَف عليها رجلٌ وهو غَضْبانُ، فلا كفارةَ عليه فيها؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣).
وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنى به أحمدُ بنُ منصورٍ المَرْوَزىُّ، قال: ثنا عمرُ ابنُ يونُسَ اليَمامىُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أبى سليمانَ الزُّهْرىُّ، عن يحيى بنِ أبى كَثيرٍ، عن طاوسٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَمينَ فى غضبٍ" (٤).
وقال آخَرون: بل اللغوُ فى اليمينِ الحلفُ على فعلِ ما نهَى اللهُ عنه، وتَرْكِ ما أمَر اللهُ بفعلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو الذى يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يَفِى، ويُكَفِّرُ يمينَه؛ قولُه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبى الشَّوارِبِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: لغوُ اليمينِ أن يَحْلِفَ الرجلُ على المعصيةِ للهِ، لا يُؤاخِذُه اللهُ بإلغائها (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ بنحوِه، وزاد فيه، قال: وعليه كفارتُه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعْلَى ويزيدُ بنُ هارونَ، عن داودَ، عن سعيدٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه ويأتىَ الذى هو خيرٌ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شعبةَ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى هذه الآيةِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَّاحِ البَزَّارُ، قال: ثنا إسحاقُ، عن عيسى ابنِ بنتِ داودَ بنِ أبى هندٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ إلْياسَ، عن أمِّ أبيه، أنها حلَفَت ألا تُكَلِّمَ ابنةَ ابنِها ابنةَ أبى الجَهْمِ، فأتَت سعيدَ بنَ المسيبِ وأبا بكرٍ وعروةَ بنَ الزبيرِ، فقالوا: لا يمينَ فى معصيةٍ، ولا كفارةَ عليها.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها إن ترَكها.
قلتُ: فكيف يَصْنَعُ؟
قال: يُكَفِّرُ عن يمينِه ويَتْرُكُ المعصيةَ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، عن أبى بشير، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الحرامِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِه (٣).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخْبَرَنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال فى لغوِ اليمينِ، قال: هى اليمينُ فى المعصيةِ.
قال: أو لا تَقْرَأُ فتَفْهَمَ، قال اللهُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]؟
قال: فلا يُؤاخِذُه بالإلغاءِ (١)، ولكن يُؤاخِذُه بالتَّمامِ عليها.
قال: وقال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: الرجلُ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فلا يُؤاخِذُه اللهُ بتركِها، ويُكَفِّرُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن الشعبىِّ، عن مسروقٍ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، فقال: أيُكَفِّرُ خُطواتِ الشيطانِ؟
ليس عليه كفارةٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ مثلَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن داودَ، عن الشعبىِّ فى الرجلِ يَحْلِفُ على المعصيةِ، قال: كفارتُها أن يَتُوبَ منها (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا مُغيرةُ، عن الشعبىِّ أنه كان يقولُ: يَتْرُكُ المعصيةَ ولا يُكَفِّرُ، ولو أمَرْتُه بالكفارةِ لأمَرْتُه أن يُتِمَّ على قولِه (٤).
حدَّثنا يحيى بنُ داودَ الواسطىُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن مُجالِدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ قال: كلُّ يمينٍ لا يَحِلُّ لك أن تَفِىَ بها فليس فيها كفارةٌ.
وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن الوليدِ بنِ كثيرٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ الحارثِ، عن عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَن نذَر فيما لا يَمْلِكُ فلا نَذْرَ له، ومَن حلَف على معصيةِ اللهِ فلا يَمينَ له، ومَن حلَف على قَطيعةِ رَحِمٍ فلا يَمينَ له" (١).
حدَّثنى علىُّ بنُ سعيدٍ الكِنْدىُّ، قال: ثنا علىُّ بنُ مُسْهِرٍ، عن حارثةَ بنِ محمدٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن حلَف على يمين قطيعةِ رَحِمٍ أو معصيةٍ للهِ فبِرُّه أن يَحْنَث بها ويَرْجِعَ عن يمينِه" (٢).
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ كلُّ يمينٍ وصَل بها الرجلُ كلامَه على غيرِ قصدٍ منه إيجابَها على نفسِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا هشامٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، قال: لغوُ اليمين أن يَصِلَ الرجلُ كلامَه بالحلفِ؛ واللهِ لَيَأْكُلَنَّ، واللهِ لَيَشْرَبَنَّ، ونحوُ هذا، لا يَتَعَمَّدُ به اليمينَ ولا يُريدُ به حلِفًا، ليس عليه كفارةٌ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائىِّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: لغوُ اليمينِ ما يَصِلُ به كلامَه؛ واللهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللهِ لَتَشْرَبَنَّ.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هما الرجلان يَتَساوَمان بالشئِ، فيقولُ أحدُهما: واللهِ لا أَشْتَرِيه منك بكذا.
ويقولُ الآخرُ: واللهِ لا أَبِيعُك بكذا وكذا (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَنى يونُسُ، عن ابنِ شِهابٍ، أن عروةَ حدَّثه أن عائشةَ زوجَ النبىِّ ﷺ قالت: أيْمانُ اللغوِ ما كان فى الهَزْلِ والمِراءِ والخُصومةِ والحديثِ الذى لا يَعْتَمِدُ (٢) عليه القلبُ (٣).
وعلةُ مَن قال هذا القولَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ موسى الحرشىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ ميمونٍ المُرادىُّ، قال: ثنا عَوْفٌ الأعْرابىُّ، عن الحسنِ بنِ أبى الحسنِ، قال: مرَّ رسولُ اللهِ ﷺ بقومٍ يَنْتَضِلون -يعنى: يَرْمُون- ومع النبىِّ ﷺ رجلٌ مِن أصحابِه، فرمَى رجلٌ مِن القومِ، فقال: أصَبْتُ واللهِ، وأخْطَأْتَ.
فقال الذى مع النبىِّ ﷺ: حنِث الرجلُ يا رسولَ اللهِ.
قال: "كلَّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ، لا كَفارةَ فيها ولا عُقوبةَ" (٤).
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيْمانِ ما كان مِن يمينٍ بمعنى الدعاءِ مِن الحالفِ على نفسِه إن لم يَفْعَلْ كذا وكذا، أو بمعنى الشركِ والكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحَكَمِ المِصْريُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، عن يحيى بنِ أيوبَ، عن محمدِ بنِ عَجْلانَ، عن زيدِ بنِ أسْلَمَ في قولِ اللهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: هو كقولِ الرجلِ: أعْمَى اللهُ بصَرِي إن لم أَفْعَلْ كذا وكذا، أخْرَجَني اللهُ مِن مالى إن لم آتِك غدًا -فهو هذا- ولا يَتْرُكُ اللهُ له مالًا ولا ولدًا.
يقولُ: لو يُؤاخِذُكم اللهُ بهذا لم يَتْرُكْ لكم شيئًا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنى يحيى ابنُ أيوبَ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن زيدِ بنِ أسلمَ بمثلِه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مرزوقٍ، قال: ثنى يحيى بن أيوبَ، أن زيدَ بنَ أسلمَ كان يقولُ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: مثلُ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، وهو مشركٌ.
قال: لا يُؤاخِذُه حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: اللغوُ في هذا: الحلفُ باللهِ ما كان بالألسُنِ، فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ باللهِ، وهو إذَنْ يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا.
فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ في سورةِ "البقرةِ".
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ ما كانت فيه كفارةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾: فهذا في الرجلِ يَحْلِفُ على أمرِ إضْرارٍ أن يَفْعَلَه فلا يَفْعَلَه، فيَرَى الذى هو خيرٌ منه، فأمَرَه اللهُ أن يُكَفِّرَ يمينَه ويَأْتِيَ الذى هو خيرٌ (١).
حدَّثني يحيى بنُ جعفرٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: اليمينُ المُكَفَّرَةُ.
وقال آخَرون: اللغوُ مِن الأيمانِ هو ما حنِثَ فيه الحالفُ ناسيًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنى مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ على الشئِ ثم يَنْساه (٢).
يعنى في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٣).
قال أبو جعفرٍ: واللغوُ مِن الكلامِ في كلامِ العربِ كلُّ كلامٍ كان مَذْمومًا، وفعلًا لا معنى له مَهْجورًا.
يقالُ منه: لغَا فلانٌ في كلامِه يَلْغُو لَغْوًا.
إذا قال قَبيحًا مِن الكلامِ، ومنه قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥].
وقولُه: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢].
ومَسْموعٌ مِن العربِ: لغَيْتُ باسمِ فلانٍ.
بمعنى: أُولِعْتُ بذكرِه بالقبيح.
فمن قال: لغَيْتُ.
قال: ألْغَى لَغًا.
وهى لغةٌ لبعضِ العربِ، ومنه قولُ الراجزِ (١): ورَبِّ أَسرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ فإذ كان اللغوُ ما وصَفْتُ، وكان الحالفُ باللهِ: ما فعَلْتُ كذا.
وقد فعَل، ولقد فعَلْتُ كذا.
وما فعَل، واصِلًا بذلك كلامَه على سبيلِ سُبوقِ لسانِه مِن غيرِ تعمُّدِ إثْمٍ في يمينِه، ولكن لعادةٍ قد جرَت له عندَ عَجَلةِ الكلامِ، والقائلُ: واللهِ إن هذا لَفلانٌ.
وهو يراه كما قال، أو: واللهِ ما هذا فلانًا.
وهو يَراه ليس به، والقائلُ: ليَفْعَلَنَّ كذا واللهِ.
أو: لا يَفْعَلُ كذا واللهِ.
على سبيلِ ما وصَفْنا مِن عَجَلةِ الكلامِ وسُبوقِ اللسانِ للعادةِ، على غيرِ تعمُّدِ حَلِفٍ على باطلٍ، والقائلُ: هو مُشْرِكٌ، أو هو يَهُودىٌّ، أو نَصْرانيٌّ، إن لم يَفْعَلْ كذا، أو إن فعَل كذا.
مِن غيرِ عزمٍ على كفرٍ أو يَهُوديةٍ أو نصرانيةٍ، جميعُهم قائلون هُجْرًا مِن القولِ، وذَميمًا مِن المَنْطِقِ، وحالِفون مِن الأيمانِ بألسنتِهم ما لم تتَعَمَّدْ فيه الإثمَ قلوبُهم، كان معلومًا أنهم لُغاةٌ في أيْمانِهم لا يَلْزَمُهم كفارةٌ في العاجلِ، ولا عقوبةٌ في الآجِلِ؛ لإخبارِ اللهِ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذٍ عبادَه بما لغَوْا مِن أيمانِهم، وأن الذى هو مُؤاخِذُهم به ما تعَمَّدَت فيه الإثمَ قلوبُهم.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن حلَف على يمينٍ فرأَى غيرَها خيرًا منها، فلْيَأْتِ الذى هو خيرٌ، ولْيُكَفِّرْ عن يمينِه" (٢).
فأوْجَب الكفارةَ بإتيانِ الحالفِ ما حلَف ألا يَأْتِيَه، مع وجوبِ إتيانِ الذى هو خيرٌ مِن الذى حلَف عليه ألا يَأْتِيَه، وكانت الغرامةُ في المالِ، أو إلزامُ الجزاءِ مِن المجزيِّ (١) أبدانَ الجازين (٢)، لا شكَّ عقوبةً كبعضِ العقوباتِ التى جعَلها اللهُ تعالى ذكرُه نَكالًا لخلقِه فيما تَعَدَّوْا مِن حُدودِه، وإن كان يَجْمَعُ جميعَها أنها تَمْحيصٌ وكَفَّاراتٌ لمَن عُوقِبَ بها فيما عُوقِبوا عليه - كان بيِّنًا أن مَن أُلْزِم الكفارةَ في عاجلِ دُنْياه فيما حلَف به مِن الأيمانِ فحنِث فيه، وإن كانت كفارةً لذنبِه (٣)، فقد واخَذَه اللهُ بها بإلزامِه إياه الكفارةَ منها، وإن كان ما عجَّل مِن عقوبتِه إياه على ذلك مُسْقِطًا عنه عقوبتَه في آجِلِه.
وإذ كان تعالى ذكرُه قد واخَذَه بها، فغيرُ جائزٍ لقائلٍ أن يقولَ، وقد واخَذَ بها: هى مِن اللغوِ الذى لا يؤاخَذُ به قائله.
فإذ كان ذلك غيرَ جائزٍ، فبيِّنٌ فسادُ القولِ الذى رُوِى عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: اللغوُ: الحلِفُ على المعصيةِ.
لأن ذلك لو كان كذلك لم يَكُنْ على الحالفِ على معصيةِ اللهِ كفارةٌ بحِنْثِه في يمينِه، وفى إيجابِ سعيدٍ عليه الكفارةَ دليلٌ واضحٌ على أن صاحبَها بها مُؤاخَذٌ؛ لما وصَفْنا مِن أن مَن لزِمه الكفارةُ في يمينِه فليس ممَّن لم يُؤاخَذْ بها.
فإذ كان اللغوُ هو ما وصَفْنا مما أخْبَرَنا اللهُ تعالى ذكرُه أنه غيرُ مُؤاخِذِنا به، وكلُّ يمينٍ لزِمَت صاحبَها بحِنْثِه فيها الكفارة في العاجلِ، و (٤) أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه صاحبَها العقوبةَ عليها في الآجِلِ، وإن كان وضَع عنه كفارتَها في العاجلِ -فهى مما كسَبَتْه قلوبُ الحالفِين، وتعَمَّدَت فيه الإثْمَ نفوسُ المُقْسِمِين، وما عدا ذلك فهو اللغوُ وقد بيَّنَّا وُجوهَه.
فتأويلُ الكلامِ إذن: لا تَجْعَلوا اللهَ أيُّها المؤمنون قُوَّةً (١) لأيْمانِكم، وحُجَّةً لأنفسِكم في أقسامِكم في ألَّا تَبَرُّوا ولا تتَّقُوا ولا تُصْلِحوا بينَ الناسِ، فإن اللهَ لا يُؤاخِذُكم بما لغَتْه ألسنتُكم مِن أيمانِكم، فنطَقَت به مِن قَبيحِ الأيْمانِ وذَميمِها، على غيرِ تعمُّدِكم الإثمَ وقصدِكم بعزائمِ صدورِكم إلى إيجابِ عَقْدِ الأيْمانِ التى حلَفْتُم بها، ولكنه إنما يُؤاخِذُكم بما تعَمَّدْتُم فيه عَقْدَ اليمينِ وإيجابَها على أنفسِكم، وعزَمْتُم على الإتمامِ على ما حلَفْتُم عليه بقصدٍ منكم وإرادةٍ، فيَلْزَمُكم حينَئذٍ إمَّا كفارةٌ في العاجلِ، وإما عقوبةٌ في الآجِلِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويل في المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عبادَه أنه مُؤاخِذُهم به؛ بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى قولِه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما تعَمَّدَت.
فقال بعضُهم: المعنى الذى أوْعَد اللهُ عبادَه مُؤاخَذتَهم به هو حَلِفُ الحالفِ منهم على كذبٍ وباطلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا حلَف الرجلُ على اليمينِ وهو يَرَى أنه صادقٌ، وهو كاذبٌ، فلا يُؤاخَذُ بها، وإذا حلَف وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به (٣).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسْروقىّ، قال: ثنا حسينٌ الجُعْفيُّ، عن زائدةَ، عن مَنصورٍ، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
قال: أن يَحْلِفَ على الشئِ وهو يَعْلَمُ أنه كاذبٌ، فذاك الذى يُؤاخَذُ به.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أن تَحْلِفَ وأنت كاذبٌ.
حدَّثني المثنى، [قال: ثنا عبدُ اللهِ بنِ صالحٍ] (١)، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]: وذلك اليمينُ الصَّبْرُ (٢) الكاذبةُ، يَحْلِفُ بها الرجلُ على ظلمٍ أو قَطيعةٍ، فتلك لا كفارةَ لها إلا أن يَتْرُكَ ذلك الظلمَ أو يَرُدَّ ذلك المالَ إلى أهلِه، وهو قولُه تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
إلى قولِه: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: ما عقَدَتْ عليه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: لا تُؤاخَذُ حتى تُصْعِدَ (٤) الأمرَ، ثم تَحْلِفَ عليه باللهِ الذى لا إلهَ إلا هو، فتُعَقِّدَ عليه يمينَك.
والواجبُ على هذا التأويلِ أن يَكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ في الآخِرةِ بما شاء مِن العقوباتِ، وأن تكونَ الكفارةُ إنما تَلْزَمُ الحالفَ في الأيمانِ التى هى لَغْوٌ.
وكذلك رُوى عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان لا يَرَى الكفارةَ إلا في الأيمانِ التى تَكونُ لَغْوًا، فأما ما كسَبَتْه القلوبُ، وعقَدَت فيه على الإثم، فلم يَكُنْ يُوجِبُ فيه الكفارةَ.
وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك فيما مضَى قبلُ (١).
وإذ كان ذلك تأويلَ الآيةِ عندَهم، فالواجبُ على مذهبِهم أن يَكونَ معنى الآيةِ في سورةِ "المائدةِ" (٢): ﴿لا يُؤاخِذُكم اللهُ باللغوِ في أيمانِكم، ولكنْ يُؤاخِذُكم بما عقَّدتُم الأيمانَ، فكفارتُه إطعام عشَرةِ مَساكينَ مِن أوْسطِ ما تُطْعِمون أهْليكم أو كِسوتُهم أو تحريرُ رقبةٍ، فمَن لم يجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ذلك كفارةُ أيْمانِكم إذا حلَفْتُم﴾ ولكن يؤاخِذُكم بما عقَّدْتُم، ﴿واحْفَظوا أيْمانَكم﴾.
وبنحوِ ما ذكَرْناه عن ابنِ عباسٍ مِن القولِ في ذلك كان سعيدُ بنُ جُبيرٍ والضحاكُ ابنُ مُزاحِمٍ وجماعةٌ أُخَرُ غيرُهم يقولون، وقد ذكَرْنا الروايةَ عنهم بذلك آنفًا.
وقال آخَرونَ: المعنى الذى أوْعَد اللهُ تعالى عبادَه المُؤاخَذةَ بهذه الآيةِ، هو حَلِفُ الحالفِ على باطلٍ يَعْلَمُه باطلًا، وبذلك أوْجَب اللهُ عندَهم الكفارةَ دونَ اللغوِ الذى يَحْلِفُ به الحالفُ وهو مُخطِئٌ في حلفِه، يَحْسَبُ أن الذى حلَف عليه كما حلَف، وليس ذلك كذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
يقولُ: بما تعَمَّدَت قلوبُكم، وما تعَمَّدَتْ فيه المأْثَمَ، فهذا عليك فيه الكفارةُ (١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه سواءً (٢).
وكأن قائلى هذه المقالةِ وجَّهوا تأويلَ مُؤاخَذةِ اللهِ عبدَه على ما كسَبه قلبُه مِن الأيمانِ الفاجرةِ، إلى أنها مُؤاخَذةٌ منه له بها (٣) بإلزامِه الكفارةَ فيه.
وقال بنحوِ قولِ قتادةَ جماعةٌ أُخَرُ في إيجابِ الكفارةِ على الحالفِ اليمينَ الفاجرةَ، منهم عطاءٌ والحكَمُ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا حَجَّاجٌ، عن عطاءٍ والحكمِ أنهما كانا يقولان في من حلَف كاذبًا متعمدًا: يُكَفِّرُ (٤).
وقال آخَرون: بل ذلك معنيان؛ أحدُهما مُؤَاخَذٌ به العبدُ في حالِ الدنيا بإلزامِ اللهِ إياه الكفارةَ منه، والآخرُ منهما مُؤاخَذٌ به في الآخِرةِ إلا أن يَعْفُوَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: أما ما كسَبت قلوبُكم، فما عقَدَت قلوبُكم، فالرجلُ يَحْلِفُ على اليمين يَعْلَمُ أنها كاذبةٌ، إرادةَ أن يَقْضِىَ أمرَه.
والأيمانُ ثلاثةٌ، اللغوُ، والعمدُ، والغَموسُ، والرجلُ يَحْلفُ على اليمينِ وهو يُرِيدُ أن يَفْعَلَ، ثم يَرَى خيرًا مِن ذلك، فهذه اليمينُ التى قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
فهذه لها كفارةٌ.
وكأنَّ قائلَ هذه المقالةِ وجَّه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ إلى غيرِ ما وجَّه إليه تأويلَ قولِه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.
وجعَل قولَه: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الغَموسَ مِن الأيمانِ التى يَحْلِفُ بها الحالفُ على علمٍ منه بأنه في حلفِه بها مُبْطِلٌ، وقولَه: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ اليمينَ التى يَسْتَأْنِفُ فيها الحِنْثَ أو البِرَّ، وهو في حالِ حلفِه بها عازمٌ على أن يَبَرَّ فيها.
وقال آخرون: بل ذلك هو اعتقادُ الشركِ باللهِ والكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ مَرْزوقٍ، قال: ثنى يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدٍ -يعنى ابنَ عَجْلانَ- أن زيدَ بنَ أسْلَمَ كان يَقولُ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: مثلَ قولِ الرجلِ: هو كافرٌ، هو مُشْركٌ.
قال: لا يُؤاخِذُه اللهُ حتى يَكونَ ذلك مِن قلبِه (١).
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.
قال: اللغوُ في هذا الحلفُ باللهِ ما كان بالألسنِ.
فجعَله لغوًا، وهو أن يقولَ: هو كافرٌ بالله، وهو إذن يُشْرِكُ باللهِ، وهو يَدْعُو مع اللهِ إلهًا.
فهذا اللغوُ الذى قال اللهُ تعالى في سورةِ "البقرةِ": ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، قال: بما كان في قلوبكم صدقًا واخِذُك به، فإن لم يَكنْ في قلبِك صدقًا لم يُواخِذْك به، وإن أثِمْتَ (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إن اللهَ تعالى ذكرُه أوْعَد عبادَه أن يُؤاخِذَهم بما كَسَبت قلوبُهم مِن الأيمانِ، فالذى تَكْسِبُه قلوبُهم مِن الأيمانِ هو ما قصَدَتْه وعزَمَت عليه، على علمٍ ومعرفةٍ منها بما تَقْصِدُه وتُريدُه، وذلك يَكونُ منها على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ العزمِ على ما يَكونُ به العازمُ عليه في حالِ عزمِه بالعزمِ عليه آثمًا، وبفعلِه مستحِقًّا المؤاخَذةَ مِن اللهِ عليها، وذلك كالحالفِ على الشئِ الذى لم يَفْعَلْه أنه قد فعَله، وعلى الشئِ الذى قد فعَله أنه لم يَفْعَلْه، قاصدًا أصْلَ (٢) الكذبِ، وذاكرًا أنه قد فعَل ما حلَف عليه أنه لم يَفْعَلْه، أو أنه لم يَفْعَلْ ما حلَف عليه أنه قد فعَل، فيكونُ الحالفُ بذلك -إن كان مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه- في مشيئةِ اللهِ يومَ القيامةِ، إن شاء واخَذَه به في الآخِرةِ، وإن شاء عفا عنه بتفضلِه، ولا كفارةَ عليه فيها في العاجلِ؛ لأنها ليست مِن الأيمانِ التى يَحْنَثُ فيها، وإنما الكفارةُ تَجِبُ في الأيمانِ بالحِنْثِ فيها، والحالفُ الكاذبُ في يمينِه ليست يمينُه مما يُبْتَدَأُ فيه الحِنْثُ فتَلْزَمَ فيه الكفارةُ.
والوجهُ الآخرُ منهما: على وجهِ العزمِ على إيجابِ عقدِ اليمينِ في حالِ عزمِه على ذلك، فذلك مما لا يُواخَذُ به صاحبُه حتى يَحْنَثَ فيه بعدَ حلفِه، فإذا حنِث فيه بعدَ حلفِه كان مُواخَذًا بما كان اكْتَسَبه قلبُه -مِن الحلفِ باللهِ على إثمٍ وكذِبٍ- في العاجلِ بالكفارةِ التى جعَلها اللهُ كفارةً لذنبِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: واللهُ غفورٌ لعبادِه فيما لغَوْا مِن أيْمانِهم التى أخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه لا يُواخِذُهم بها، ولو شاء واخَذَهم بها، ولما واخَذَهم بها (١) فكفَّروها في عاجل الدنيا بالتكفيرِ فيه، ولو شاء واخَذَهم في آجِلِ الآخِرةِ بالعقوبةِ عليه، فساترٌ عليهم فيها، وصافِحٌ لهم بعفوِه عن العقوبةِ فيها وغيرِ ذلك مِن ذنويهم، حليمٌ في تركِه مُعاجَلةَ أهلِ معصيتِه العقوبةَ على مَعاصِيهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: للذين يُقْسِمُون أَلِيَّةً.
والأَليةُ الحلفُ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا مَسْلَمةُ بنُ علقمةَ، قال: ثنا داودُ بن أبى هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾: يَحْلِفون (٢).
يقالُ: آلَى فلانٌ يُؤْلِى إيلاءً وأَلِيَّةً.
كما قال الشاعرُ (٣): كفَيْنا مَن تغَيَّب مِن ترابٍ (٤) … وأحْنَثْنا أَلِيَّةَ مُقْسِمِينا ويقالُ: أَلْوَةٌ وأُلْوَةٌ.
كما قال الراجزُ: يا أُلْوَةٌ ما أُلْوَةٌ ما أُلْوَتِي وقد حُكِى عنهم أيضًا أنهم يقولون: إلْوةٌ.
مَكسورةُ الألفِ.
والتربُّصُ النظرُ والتوقفُ.
ومعنى الكلامِ: للذين يُؤْلون أن يَعْتَزِلوا مِن نسائِهم تربُّصُ أربعةِ أشهرٍ.
فترَك ذكرَ "أن يَعْتَزلوا"، اكْتِفاءً بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ عليه.
واخْتَلَف أهلُ التأويل في صفةِ اليمين التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه؛ [فقال بعضُهم: اليمينُ التى يَكونُ بها الرجلُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه] (١)، أن يَحْلِفَ عليها في حالِ غضبٍ على وجهِ الضِّرارِ (٢) لها ألا يُجامِعَها في فرجِها، فأما إن حلَف على غيرِ وجهِ الإضْرارِ [وعلى] (٣) غيرِ غضبٍ فليس هو مُؤلِيًا منها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِىِّ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن سِماكٍ، عن حُرَيْثِ بنِ عَمِيرةَ، عن أمِّ عَطيةَ، قالت: قال جُبيرٌ: أرْضِعى ابنَ أخى مع ابنِكِ.
فقالت: ما أَسْتَطِيعُ أن أُرْضِعَ اثنين.
فحلَف ألا يقرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلما فطَمَتْه مرَّ به على المجلسِ، فقال له القومُ: حَسَنًا ما غذَوْتُموه.
قال جبيرٌ: إنى حلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه.
فقال له القومُ: هذا إيلاءٌ.
فأتَى عليًّا فاسْتَفْتاه، فقال: إن كنتَ فعَلْتَ ذلك غضبًا فلا تَصْلُحُ لك امرأتُك، وإلا فهى امرأتُك (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، أنه سمِع عَطيةَ بنَ جبيرٍ، قال: تُوُفِّيَت أمُّ صبيٍّ نَسِيبةٌ لى، فكانت امرأةُ أبى تُرْضِعُه، فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَه، فلمَّا مضَت أربعةُ أشهرٍ قيل له: قد بانَت منك.
وأَحْسَبُ -شكَّ أبو جعفرٍ- قال: فأتَى عليًّا يَسْتَفْتِيه، فقال: إن كنتَ قلتَ ذلك غضبًا فلا امرأةَ لك، وإلا فهى امرأتُك (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخْبَرَنى سِماكٌ، قال: سمِعْتُ عطيةَ بنَ جُبيرٍ يَذْكُرُ نحوَه عن عليٍّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ بنُ عبدِ المجيدِ، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن رجلٍ مِن بنى عِجْلٍ، عن أبى عطيةَ، أنه تُوُفِّى أخوه، وترَك ابنًا له صغيرًا، فقال أبو عطيةَ لامرأتِه: أَرْضِعِيه.
فقالت: إنى أخشى أن تُغِيلَهما (٢).
فحلَف ألا يَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما، ففعَل حتى فطَمَتْهما، فخرَج ابنُ أخى أبى عطيةَ إلى المجلسِ، فقالوا: لَحُسْنَ ما غَذَا أبو عطيةَ ابنَ أخيه.
قال: كلَّا زعَمَت أمُّ عطيةَ أنى أُغِيلُهما، فحلَفْتُ ألا أَقْرَبَها حتى تَفْطِمَهما.
فقالوا له: قد حرُمَت عليك امرأتُك.
فذكَرْتُ ذلك لعليٍّ، فقال عليٌّ: إنما أرَدْتَ الخيرَ، وإنما الإيلاءُ في الغضبِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سِماكٍ، عن أبى عطيةَ أن أخاه تُوفِّى.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: أخْبَرَنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، أن رجلًا هلَك أخوه، فقال لامرأتِه: أَرْضِعِى ابنَ أخى.
فقالت: أَخافُ أن تَقَعَ علىَّ.
فحلَف ألا يَمَسَّها حتى تَفْطِمَ.
فأمْسَك عنها حتى إذا فَطمَتْه أخْرَج الغلامَ إلى قومِه، فقالوا: لقد أحْسَنْتَ غِذاءَه.
فذكَر لهم شأنَه، فذكَروا امرأتَه، قال: فذهَب إلى عليٍّ، فاسْتَحْلَفه باللهِ: ما أرَدْتَ بذلك -يعنى إيلاءً- قال: فردَّها عليه.
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن أشْعَثَ بنِ سَوَّارٍ، عن سِماكٍ، عن عطيةَ بنِ أبى عَطيةَ، قال: تُوُفِّى أخٌ لى وترَك يَتيمًا له رضيعًا، وكنتُ رجلًا مُعْسرًا، لم يَكُنْ بيدى ما أَسْتَرْضِعُ له.
قال: فقالت لى امرأتى -وكان لى منها ابنٌ تُرْضِعُه-: إن كفَيْتَنى نفسَك كفَيْتُكَهُما.
فقلتُ: وكيف أَكْفِيك نفسى؟
قالت: لا تَقْرَبْنى.
فقلتُ: واللهِ لا أَقْرَبُك حتى تَفْطِميهما.
قال: ففَطمَتهما، وخرَجا على القومِ فقالوا: ما نَراك إلا قد أحْسَنْتَ ولايتَهما.
قال: فقصَصْتُ عليهم القصةَ، فقالوا: ما نَراك إلا آلَيْتَ منها وبانت منك.
قال: فأتَيْتُ عليًّا، فقصَصْتُ عليه القصةَ، فقال: إنما الإيلاءُ ما أُرِيدَ به الإيلاءُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بكرٍ البُرْسانيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ (١).
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضبٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو (٢) وَكيعٍ، عن أبى فَزَارةَ، عن يزيدَ بنِ الأصَمِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا إيلاءَ إلَّا بغضبٍ (١).
حَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي عَطِيةَ، عن عليٍّ، قال: لا إيلاءَ إلا بغضب (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلي، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، أن عليًّا قال: إذا قال الرجلُ لامرأته وهى تُرْضِعُ: واللهِ لا قرَبْتُك حتى تَفْطِمى ولدِى.
يُرِيدُ به صلاحَ ولدِه قال: ليس عليه إيلاءٌ (٣).
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ السَّلُوليُّ، عن محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفيّ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى عليٍّ، فقال: إنى قلتُ لأمرأتى: لا أَقْرَبُها سنتين.
قال: قد آلَيْتَ منها.
قال: إنما قلتُ لأنَّها تُرْضِعُ.
قال: فلا إذَنْ (٤).
حَدَّثَنِي المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ بنِ أبى هندٍ، عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن أبي عطيةَ، عن عليٍّ أنه كان يقولُ: إنما الإيلاءُ ما كان في غضبٍ، يقولُ الرجلُ: واللهِ لا أَقْرَبُكِ، واللهِ لا أَمَسُّكِ.
فأما ما كان في إصلاحٍ من أمرِ الرَّضاعِ وغيرِه، فإنه لا يَكونُ إيلاءً ولا تَبِينُ منه.
حَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، يعنى ابنَ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن حفصٍ، عن الحسنِ أنه سُئِل عنها فقال: لا واللهِ ما هو بإيلاءٍ (١).
حَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا بشرُ بنُ منصورٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا حلَف مِن أجلِ الرَّضاعِ فليس بإيلاءٍ (٢).
حَدَّثَنَا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونُسُ، قال: سأَلْتُ ابنَ شِهابٍ عن الرجلِ يقولُ: واللهِ لا أَقْرَبُ امرأتى حتى تَفْطِمَ ولدِى.
قال: لا أَعْلَمُ الإيلاءَ يَكونُ إلَّا بحلفٍ باللهِ فيما يُريدُ المرءُ أن يُضَارَّ به امرأتَه مِن اعتزالِها، ولا نَعْلَمُ (٣) فريضةَ الإيلاءِ إلَّا على أولئك، فلا نَرَى أن هذا الذى أَقْسَم بالاعتزالِ لامرأتِه حتى تَفْطِمَ ولدَه، أَقْسَم إلَّا على أمرٍ يَتَحَرَّى به فيه الخيرَ، فلا نَرَى وجَب على هذا ما وجَب على المُؤْلِى الذى يُؤلى في الغضبِ (٤).
وقال آخَرون: سواءٌ إذا حلَف الرجلُ على امرأتِه ألا يُجامِعَها في فرجِها، كان حلِفُه في غضبٍ أو غيرِ غضبٍ، كلُّ ذلك إيلاءٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في رجلٍ قال لامرأتِه: إن غَشِيتُك حتى تَفْطِمى ولدَك فأنت طالقٌ.
فترَكها أربعةَ أشهرٍ، قال: هو إيلاءٌ (٥).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الأعْلَي، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن النَّخَعيِّ، قال: كلُّ شيءٍ يَحولُ بينَه وبينَ غِشْيانِها، فترَكها حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فهو داخلٌ عليه.
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا حبانُ (١) بنُ موسي، قال: ثنا ابنُ المبُارَكِ، قال: أخْبَرَنا أبو عَوانةَ، عن المغيرةِ، عن القَعْقاعِ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن رجلٍ تُرْضِعُ امرأتُه صبيًّا فحلَف ألا يَطَأَها حتى تَفْطِمَ ولدَها، فقال: ما أَرَى هذا بغضبٍ، وإنما الإيلاءُ في الغضبِ.
قال: وقال ابنُ سِيرينَ: ما أَدْرِى ما هذا الذى يُحَدِّثون؟
إنما قال اللهُ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
إلى ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فلْيَخْطُئها إن رغِب فيها (٢).
حَدَّثَنَا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن مَنْصورٍ، عن إبراهيمَ في رجلٍ حلَف ألا يُكَلِّمَ امرأتَه، قال: كانوا يَرَوْن الإيلاءَ في الجماعِ (٣).
حَدَّثَنَا أبو السائب، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كلُّ يمينٍ منَعَت جماعًا حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فهى إيلاءٌ (٤).
حَدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ إسماعيلَ وأشْعَثَ، عن الشعبيِّ مثلَه (٥).
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: كلُّ يمينٍ منَعَت جِماعًا فهى إيلاءٌ (١).
وقال آخَرون: كلُّ يمينٍ حلَف بها الرجلُ في مَسَاءةِ امرأتِه فهى إيلاءٌ منه منها؛ على الجِماعِ حلَف أو غيره، في رضًا حلَف أو سُخْطٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن خُصَيفٍ، عن الشعبيِّ، قال: كلُّ يمينٍ حالَت بينَ الرجلِ وبينَ امرأته فهى إيلاءٌ، إذا قال: واللهِ لَأُغْضِبَنَّك، واللهِ لَأَسُوءَنَّك، واللهِ لَأَضْربَنَّك.
وأشباهُ هذا (٢).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنى أبى وشُعَيْبٌ، عن الليثِ، عن يزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن ابنِ أبى ذئبٍ العامرىِّ، أن رجلًا مِن أهلِه قال لامرأتِه: إن كلَّمْتُك سنةً فأنت طالقٌ.
واسْتَفْتَى القاسمَ وسالمًا، فقالا: إن كلَّمْتَها قبلَ سنةٍ فهى طالقٌ، وإن لَمْ تُكَلِّمْها فهى طالقٌ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ.
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: سمِعْتُ حمادًا قال: قلتُ لإبراهيمَ: الإيلاءُ أن يَحْلِفَ ألا يُجامِعَها، ولا يُكَلِّمَها، ولا يَجْمَعَ رأسَه [ورأسَها] (٣)، أو لَيُغْضِبَنَّها، أو لَيَحْرِمَنَّها، أو لَيَسُوءَنَّها، قال: نعم (٤).
حَدَّثَنَا ابنُ المثنَّي، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سألْتُ الحكمَ عن رجلٍ قال لامرأتِه: واللهِ لَأَغِيظَنَّك.
فترَكَها أربعةَ أشهرٍ، قال: هو إيلاءٌ.
حَدَّثَنَا ابنُ المثنَّي، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: سمِعْتُ شعبةَ، قال: سأَلْتُ الحكمَ.
فذكَر مثلَه.
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي الليثُ، [قال: ثنا يونُسُ] (١)، قال: قال ابنُ شِهابٍ: حَدَّثَنِي سعيدُ بنُ المسيِّبِ، أنه إن حلَف رجلٌ ألا يُكَلِّمَ امرأتَه يومًا أو شهرًا.
قال: فإنا نَرَى ذلك يَكُونُ إيلاءً.
وقال: إلَّا أن يَكُونَ حلَف ألا يُكَلِّمَها فكان يَمَسُّها، فلا نَرَى ذلك يَكُونُ مِن الإيلاءِ، والفَىْءُ أن يَفِئَ إلى امرأتِه فيُكَلِّمَها أو يَمَسَّها، فمَن فعَل ذلك قبل أن تَمْضِىَ الأربعةُ أشهُرٍ فقد فاء، ومن فاء بعدَ أربعةِ أشهرٍ وهى في عِدَّتِها فقد فاء وملَك امرأتَه، غيرَ أنه مضَت لها تَطْليقةٌ.
وعلَّةُ مَن قال: إنما الإيلاءُ في الغضَبِ والضِّرارِ.
أن اللهَ تعالى ذكرُه إنما جعَل الأجَلَ الذى أجَّل في الإيلاءِ مَخْرَجًا للمرأةِ مِن عَضْلِ الرجلِ وضِرارِه إياها فيما لها عليه مِن حُسْنِ الصحبةِ والعِشْرةِ بالمعروفِ، وإذا لَمْ يَكُنِ الرجلُ لها عاضِلًا ولا مُضارًّا بيمينِه وحَلِفِه على تَرْكِ جِماعِها، بل كان طالبًا بذلك رِضاها، وقاضيًا بذلك حاجتَها، لَمْ يَكُنْ بيَمينِه تلك مُؤلِيًا؛ لأنه لا معنى هنالك لحِقَ (٢) المرأةَ به مِن قِبَلِ بعلِها مَساءةٌ وسوءُ عشرةٍ، فيَجْعَلَ الأجَلَ الذى جَعَل للمؤلى (٣) لها مخْرجًا منه.
وأما علَّةُ مَن قال: الإيلاءُ في حالِ الغضبِ والرضا سواءٌ.
عُمومُ الآيةِ، وأن اللهَ تعالى ذكرُه لَمْ يَخْصُصْ مِن قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
بعضًا دونَ بعضٍ، بل عمَّ به كلَّ مؤلٍ ومُقْسِمٍ، فكلُّ مُقْسمٍ على امرأتِه ألا يَغْشاها مدةً هى أكثرُ مِن الأجَلِ الذى جعَل اللهُ له تربُّصَه، فمُؤْلٍ مِن امرأتِه عند بعضِهم، وعندَ بعضِهم هو مُؤْلٍ وإن كانت مدةُ يَمينِه الأجلَ الذى جُعِل له تربُّصه.
وأما علةُ مَن قال بقولِ الشَّعبيِّ والقاسمِ وسالمٍ، أن اللهَ تعالى ذكرُه جعَل الأجَلَ الذى حدَّه للمُؤلى مَخْرَجًا للمرأةِ من سوءِ عِشْرةِ (١) بعلِها إياها وضرارِه لها (٢)، وليست اليمينُ عليها بألا يجامِعَها ولا يَقْرَبَها بأولى بأن تَكُونَ مِن معانى سوءِ العشرةِ والضِّرارِ مِن الحلِفِ عليها ألا يُكَلِّمَها أو يَسُوءَها أو يَغِيظَها؛ لأنَّ كلَّ ذلك ضَرَرٌ عليها، وسُوءُ عشرةٍ لها.
وأولى التأويلاتِ التى ذكَرْنا في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: كلُّ يمينٍ منَعت المُقْسِمَ الجماعَ أكثرَ مِن المدةِ التى جعَل اللهُ للمُؤلى تربُّصَها، قائلًا في غضبٍ كان ذلك أو رِضًا.
وذلك للعلةِ التى ذكَرْناها قبلُ لقائِلى ذلك، وقد أتينا على فسادِ قولِ مَن خالَف ذلك في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ" بما فيه الكفايةُ، فكرِهنا إعادتَه في هذا الموضِعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فإن رجَعوا إلى تَرْكِ ما حلَفوا عليه أن يَفْعَلوه بهنَّ مِن تَرْكِ جماعِهن فجامَعوهنَّ وحنِثوا في أيمانِهم، فإن اللهَ غفورٌ لِما كان منهم مِن الكذبِ في أيمانِهم بألَّا يَأْتُوهنَّ ثم أتَوْهُنَّ، ولما (٣) سلَف منهم إليهنَّ مِن اليمينِ على ما لَمْ يَكُنْ لهم أن يَحْلِفوا عليه فحلَفوا عليه، رحيمٌ بهم وبغيرِهم مِن عبادِه المؤمنين.
وأصلُ الفَىْءِ الرُّجوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
إلى قولِه: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩].
يعنى: حتى تَرْجِعَ إلى أمرِ اللهِ.
ومنه قولُ الشاعرِ (١): ففاءَت ولم تَقْضِ الذى [أقبَلَت له] (٢) … ومِن حاجةِ الإنسانِ ما ليس قاضيَا (٣) يقالُ منه: فاء فلانٌ يَفِئُ فَيْئَةً، مثلَ الجَيْئَةِ، وفَيْئًا.
والفَيْئَةُ المرةُ، فأما في الظلِّ، فإنه يقالُ: فاء الظلُّ يَفئُ فُيوءًا وفَيْئًا.
وقد يُقالُ: فُيوءًا.
أيضًا في المعنى الأولِ، لأنَّ الفَىْءَ في كلِّ الأشياءِ بمعنى الرُّجوعِ.
وبمثلِ الذى قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، غيرَ أنهم اختلَفوا فيما يَكُونُ به المُؤْلِى فائيًا، فقال بعضُهم: لا يَكُونُ فائيًا إلَّا بالجِماعِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي ليلي، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ (٤).
حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن يزيدَ بنِ أبي (٥) زيادِ بنِ (٦) عن أبي الجَعْدِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن صاحبٍ له، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبَةَ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن الشعبىِّ، عن مَسْروقٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبى عَدِىٍّ، عن شعبةَ، عن حُصَينٍ، عن الشعبىِّ، عن مَسْروقٍ مثلَه.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيَانٍ، قال: أخبرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، قال: كان عامرٌ لا يَرَى الفَىْءَ إلا الجماعَ (٣).
حدَّثنا تَميمُ بنُ المنُتصِرِ، قال: أخبرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ، عن عامرٍ بمثلِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: الفَئُ الجِماعُ (٤).
حدَّثنا أبو عبدِ اللهِ النَّسائىُّ، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن سفيانَ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ، لا عُذْرَ له إلا أن يُجامِعَ، وإن كان في سجنٍ أو في سَفَرٍ.
سعيدٌ القائلُ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال: لا عذْرَ له حتى يَغْشَى.
حدَّثنى المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حمادٍ وإياسٍ، عن الشعبىِّ، قال أحدُهما: عن مَسْروقٍ، قال: الفَىْءُ الجِماعُ.
وقال الآخرُ: عن الشعبىِّ: الفَىْءُ الجِماعُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في رجلٍ آلَى مِن امرأتِه ثم شغَله مَرَضٌ، قال: لا عُذْرَ له حتى يَغْشَى.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثنى أبى، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في الرجلِ يُؤْلى مِن امرأتِه قبلَ أن يَدْخُلَ بها أو بعدَ ما دخَل بها، فيَعْرِضُ له عارضٌ يَحْبِسُه، أو لا يَجِدُ ما يَسوقُ، أنه إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ أنها أحقُّ بنفسِها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكَمِ والشعبىِّ، قالا: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه ثم أراد أن يَفِئَ، فلا فَىْءَ إلا الجِماعُ (٢).
وقال آخرون: الفَىْءُ المراجعةُ باللسانِ أو القلبِ في حالِ العذرِ، وفى غيرِ حالِ العذرِ الجماعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعكرمةَ أنهما قالا: إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ فذاك له (١).
يعنى في رجلٍ آلَى مِن امرأتِه فشغَله مرضٌ أو طريقٌ فأَشْهَدَ على مراجعةِ امرأتِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن صاحبٍ له، عن الحَكَمِ، قال: تذاكَرْنا أنا والنَّخَعِىُّ ذلك، فقال النَّخَعِىُّ: إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ فقد فاء.
وقلتُ أنا: لا عُذْرَ له حتى يَغْشَى.
فانْطَلَقْنا إلى أبى وائلٍ، فقال: إنى أرجو إذا كان له عُذْرٌ فأَشْهَدَ جاز.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إن آلَى ثم مرِض أو سُجِن أو سافر، فراجَع، فإن له عُذْرًا ألا يجامِعَ.
قال: وسمِعتُ الزهرىَّ يقولُ مثلَ ذلك (٢).
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا حِبانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخبرَنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في النُّفَساءِ يُؤْلِى منها زوجُها، قال: هذه في مُحارِبٍ (٣)، سئِل عنها أصحابُ عبدِ اللهِ، فقالوا: إذا لم يَسْتَطِعْ كَفَّرَ عن يَمينِه، وأَشْهَدَ على الفَىْءِ (٤).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبى الشَّعثاءِ، قال: نزَل به ضيفٌ، فآلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت، فأراد أن يَفِئَ فلم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَبهَا مِن أجلِ نِفاسِها، فأتى علقمةَ فذكَر ذلك له، فقال: أليس قد فِئْتَ بقلبِك ورَضِيت؟
قال: بلى.
قال: فقد فِئْتَ، هى امرأتُك (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الأعمش، عن إبراهيمَ أن رجلًا آلَى مِن امرأتِه، فولَدت قبلَ أن تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، أراد الفَيْئَةَ، فلم يَسْتَطِعْ مِن أجلِ الدمِ حتى مَضَت أربعةُ أشهرٍ، فسأل عنها علقمةَ بنَ قيسٍ، فقال: أليس قد راجَعتَها في نفسِك؟
قال: بلى.
قال: فهى امرأتُك (٢).
حدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبَرنا عامرٌ، عن الحسنِ، قال: إذا آلَى مِن امرأتِه ثم لم يَقْدِرْ أن يَغْشاها مِن عذرٍ، قال: يُشْهِدُ أنه قد فاء، وهى امرأتُه (٣).
حدَّثنا عِمرانُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عامرٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ بمثلِه (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال، وحدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، في قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: إذا آلَى مِن امرأتِه فجهَد أن يَغْشاها فلم يَسْتَطِعْ، فله أن يُشْهِدَ على رَجْعَتِها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ وعكرمةَ أنهما سئِلا عن رجلٍ آلَى مِن امرأتِه فشغَله أمرٌ، فأَشْهَد على مراجعةِ امرأتِه، قالا: إذا كان له عُذْرٌ فذاك له.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، قال: انْطَلَقْتُ أنا وإبراهيمُ إلى أبى الشَّعثاءِ، فحدَّث أن رجلًا مِن بنى سعدِ بنِ هَمّامٍ آلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت فلم يَسْتَطِعْ أن يَقْرَبَها، فسأَل الأسودَ أو بعضَ أصحابِ عبدِ اللهِ، فقال: إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.
حدَّثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ أنه قال: إن كان له عُذْرٌ فأَشْهَد فذلك له.
يَعْنى المُؤْلِىَ مِن امرأتِه (١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ أنه كان يحدِّثُ عن أبى الشَّعثاءِ، عن علقمةَ وأصحابِ عبدِ اللهِ أنهم قالوا في الرجلِ إذا آلَى مِن امرأتِه فنُفِسَت، قالوا: إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، قال: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه ثم فاء فلْيُشْهِدْ على فَيْئِه، وإذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه وهو في أرضٍ غيرِ الأرضِ التى فيها امرأتُه فلْيُشْهِدْ على فَيْئِه، فإن أشْهَد وهو لا يَعْلَمُ أن ذلك لا يُجزئُه مِن وقوعِه عليها، فمضَت أربعةُ أشهرٍ قبل أن يجامِعَها فهى امرأتُه، وإن علِم أنه لا فَىْءَ إلا في الجماعِ في هذا البابِ ففاء وأَشْهَد على فَيْئِه ولم يَقَعْ عليها حتى مضَت أربعةُ أشهرٍ، فقد بانَت منه.
حدَّثَنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: حدَّثنى سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنه إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه، قال: فإن كان به مرَضٌ ولا يَسْتَطِيعُ أن يَمَسَّها، أو كان مسافِرًا فحُبِس، قال: فإذا فاء وكفَّرَ عن يمينِه فأَشْهَد على فَيْئِه قبل أن تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ فلا نَرَاه إلا قد صلَح له أن يُمْسِكَ امرأتَه ولم يَذْهَبْ مِن طلاقِها شَىْءٌ.
قال: وقال ابنُ شهابٍ في رجلٍ يُؤْلِى مِن امرأتِه ولم يَبْقَ لها عليه إلا تَطْليقةٌ، فيُريدُ أن يَفئَ في آخرِ ذلك وهو مريضٌ أو مسافرٌ، أو هى مريضةٌ أو طامثٌ أو غائبةٌ، لا يقدرُ على أن يَبْلُغَها حتى تَمْضِىَ أربعةُ أشهرٍ، أله في شيءٍ مِن ذلك رخصةٌ أن يُكَفِّرَ عن يمينِه، ولم يَقْدِرْ على أن يَطَأَ امرأتَه؟
قال: نرى -واللهُ أعلمُ- إن فاء قبل الأربعةِ الأشهرِ فهى امرأتُه، بعد أن يُشْهِدَ على ذلك ويُكفِّرَ عن يمينِه، وإن لم يَبْلُغْها ذلك مِن فَيئتِه فإنه قد فاء قبلَ أن يَكُونَ طلاقًا.
حُدِّثْت عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: الفَىْءُ الجماعُ، فإن هو لم يَقْدِرْ على المجامَعةِ، وكانت به علةٌ مِن مرَضٍ، أو كان غائبًا، أو كان مُحرِمًا، أو شىْءٌ له فيه عذرٌ، ففاء بلسانِه، وأَشْهَد على الرِّضَا، فإن ذلك له فَئٌ إن شاء اللهُ.
وقال آخرون: الفَىْءُ المراجعةُ باللسانِ بكلِّ حالٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا الضحاكُ بنُ مَخْلَدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ وحماد، عن إبراهيمَ، قال: الفَىْءُ أن يَفِئَ بلسانِه (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن زيادٍ الأعلمِ، عن الحسنِ، قال: الفَىْءُ الإشهادُ (٢).
حدَّثَنى المُثَنَّى، قال: ثنى الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن زيادٍ الأعلمِ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن أبى قِلابةَ، قال: إن فاء في نفسِه أجْزَأَه.
يَقُولُ: قد فاء (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن إسماعيلَ بنِ رجاءٍ، قال: ذكَروا الإيلاءَ عندَ إبراهيمَ، فقال: أرَأَيتَ إن لم يَنْتَشِرْ ذَكَرُه؟
إذا أَشْهَد فهى امرأتُه.
قال أبو جعفرٍ: وإنما اختلَف المختلِفون في تأويلِ الفَىْءِ على قَدْرِ اختلافِهم في معنى اليمين التى تَكُونُ إيلاءً، فمَن كان مِن قولِه: إن الرجلَ لا يَكُونُ مُؤْلِيًا مِن امرأتِه الإيلاءَ الذى ذكَره اللهُ في كتابِه إلا بالحَلِفِ عليها ألا يجامِعَها.
جعَل الفَىْءَ الرجُوعَ إلى فِعْلِ ما حلَف عليه ألا يَفْعَلَه مِن جماعِها، وذلك الجِماعُ في الفَرْجِ إذا قدَر على ذلك وأمْكَنَه، وإذا لم يَقْدِرْ عليه ولم يُمْكِنْه، فإحداثَ (٢) النيةِ أن يَفْعَلَه إذا قدَر عليه وأمْكَنَه، وإبداءَ (٣) ما نوَى مِن ذلك بِلسانِه ليَعْلَمَه المسلمون، في قولِ مَن قال ذلك.
وأما قولُ مَن رأى أن الفَىْءَ هو الجِماعُ دونَ غيرِه، فإنه لم يَجْعَلِ العائقَ له عذرًا، ولم يَجْعَلْ له مَخْرَجًا مِن يمينِه غيرَ الرجُوعِ إلى ما حلَف على تركِه، وهو الجِماعُ.
وأما مَن كان مِن قولِه: إنه قد يَكُونُ مُؤْلِيًا منها بالحلِفِ على تركِ كلامِها، أو على أن يسوءَها، أو يَغيظَها، أو ما أشبَه ذلك مِن الأيمانِ.
فإن الفَىْءَ عندَه الرُّجوعُ إلى تَرْكِ ما حلَف عليه أن يَفْعَلَه مما فيه مَساءتُها بالعزمِ على الرُّجوعِ عنه، [وإبداءُ] (٤) ذلك بلسانِه في كلِّ حالٍ عزَم فيها على الفَىْءِ.
وأولى الأقوالِ بالصحةِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: الفَىْءُ هو الجِماعُ، لأن الرجلَ لا يَكُونُ مُؤْلِيًا عندَنا مِن امرأتِه إلا بالحَلِفِ على تَرْكِ جماعِها المدةَ التى ذكَرْنا؛ للعِلَلِ التى وصَفْنَا قبلُ، فإذ كان ذلك هو الإيلاءَ، فالفَىْءُ الذي يُبْطِلُ حُكْمَ الإيلاءِ عنه، لا شَكَّ أنه غيرُ جائزٍ أن يَكُونَ إلا ما كان للذى (١) آلَى عليه خِلَافًا؛ لأنه لما (٢) جعَل حُكْمَه إن لم يَفِئْ إلى ما آلَى على تَرْكِه، الحُكْمَ الذي بَيَّنَه اللهُ لهم في كتابِه، كان الفَىْءُ إلى ذلك معلومٌ (٣) أنه فعلُ ما آلَى على تركِه إن أطاقَه، وذلك هو الجِماعُ، غيرَ أنه إذا حِيل بينَه وبينَ الفَىْءِ -الذي هو جماعٌ- بعذرٍ، فغيرُ كائنٍ (٤) تاركًا جماعَها على الحقيقةِ؛ لأن المرءَ إنما يَكُونُ تاركًا ما له إلى فعلِه وتركِه سبيلٌ، فأما مَن لم يَكُنْ له إلى فعلِ أمرٍ سبيلٌ، فغيرُ كائنٍ تاركَه.
وإذ كان ذلك كذلك، فإحداثُ (٥) العزمِ في نفسِه علي جِماعِها مُجْزئٌ عنه في حالِ العذرِ، حتى يَجِدَ السبيلَ إلى جِماعِها، وإن أبدى ذلك بلسانِه وأَشْهَد على نفسِه في تلك الحالِ بالأَوْبَةِ والفَىْءِ كان أعجبَ إلىَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فإن اللهَ غفورٌ لكم فيما اجْتَرَمْتُم بفَيْئِكم إليهن مِن الحِنْثِ في اليمينِ التى حَلَفْتم عليهنّ باللهِ ألا تَغْشُوهن، رحيمٌ بكم في تخفيفِه عنكم كفارةَ أيمانِكم التى حلَفتم عليهن ثم حَنِثتم فيها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: لا كفارةَ عليه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا فاء فلا كفارةَ عليه (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حبانُ (٢) بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَرَون في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
أن كفارتَه فَيْؤُه (٣).
وهذا التأويلُ الذي ذكَرنا هو التأويلُ الواجبُ على قولِ مَن زعَم أن كلَّ حانثٍ في يمينٍ هو في المُقامِ عليها حَرِجٌ (٤)، فلا كفارةَ عليه في حِنْثِه فيها، وأن كفارتَها (٥) الحنثُ فيها.
وأما على (٦) قولِ مَن أوجَب على الحانثِ في كلِّ يمينٍ حلَف بها كفارةً (٧)، بِرًّا كان الحِنْثُ فيها أو غيرَ بِرٍّ، فإن تأويلَه: فإن اللهَ غفورٌ للمُؤلِين مِن نسائهم فيما حَنِثُوا فيه مِن إيلائِهم، بأن (٨) فاءوا فكَفَّرُوا أيمانَهم، بما ألزَم اللهُ الحانثين في أيمانِهم من الكفارةِ، رحيمٌ بهم، بإسقاطِه عنهم العقوبةَ في العاجلِ والآجلِ على ذلك، بتكفيرِه إياه بما فرَض عليهم من الجزاءِ والكفارةِ، وبما جعَل لهم مِن المَهْلِ الأشهرَ حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في النُّفَساءِ يُؤْلِى منها زوجُها، قال: هذه في محارِبٍ، سُئِل عنها أصحابُ عبدِ اللهِ، فقالوا: إذا لم يَسْتَطِعْ كفَّر عن يمينِه، وأشْهَد على الفَىْءِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إن فاء فيها كفَّر يمينَه، وهى امرأتُه (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، عن ابنِ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثّامٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في الإيلاءِ، قال: يُوقَفُ قبلَ أن تَمْضِىَ الأربعةُ الأشهرِ، فإن راجَعَها فهى امرأتُه وعليه يمينٌ يكفِّرُها إذا حَنِثَ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ الثانى هو الصحيحُ عندَنا في ذلك؛ لِما قد بيَّنَّا مِن العللِ في كتابِنا "كتابِ الأيمانِ"، من أن الحِنْثَ موجِبٌ الكفارةَ في كلِّ ما ابتُدِئَ فيه الحنثُ مِن الأيمانِ بعد الحَلِفِ، على معصيةٍ كانت اليمينُ أو على طاعةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: للذين يُؤْلُون أن يَعْتَزلوا مِن نسائِهم تَرَبُّصُ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاءوا فرجَعوا إلى ما أوجَب اللهُ لهنَّ من العِشْرَةِ بالمعروفِ في الأشهرِ الأربعةِ التى جعَل اللهُ لهم تَرَبُّصَهم عنهن (١) وعن جِماعِهن وعِشْرَتِهن في ذلك بالواجبِ، فإن اللهَ لهم غفورٌ رحيمٌ، وإن ترَكوا (٢) الفَىْءَ إليهن (٣) في الأشهرِ الأربعةِ التى جعَل اللهُ لهم التَّرَبُّصَ فيهن حتى يَنْقَضِين طُلِّق منهم نساؤُهم اللاتى آلَوا منهن بمُضِيِّهن.
ومُضِيُّهن عندَ قائلى ذلك هو الدّلالةُ على عزمِ المُؤلِى على طلاقِ امرأتِه التى آلَى منها.
ثم اختلَف مُتَأَوِّلو هذا التأويلِ بينَهم في الطلاقِ الذي يَلْحَقُها بمُضِىِّ الأشهرِ الأربعةِ؛ فقال بعضُهم: هو تَطْلِيقةٌ بائنةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن خِلاسٍ أو الحسنِ، عن علىٍّ قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فهى تَطْلِيقةٌ بائنةٌ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبى، عن قتادةَ، أن عليًّا وابنَ مسعودٍ كانا يَجْعَلانِها تَطْلِيقةً، إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى أحقُّ بنفسِها.
قال قتادةُ: وقولُ علىٍّ وعبدِ اللهِ أعجبُ إلىَّ في الإيلاءِ (٤).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أن عليًّا قال في الإيلاءِ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ بانَت بتَطْلِيقةٍ (١).
حدَّثنا ابنُ أبى الشواربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراسانىِّ، عن أبى سلمةَ، أن عثمانَ بنَ عفانَ وزيدَ بنَ ثابتٍ كانا يَقولان: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهى واحدةٌ بائنةٌ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرنا عطاءٌ الخُراسانىُّ، قال: سمِعنى أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ أَسْأَلُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فمرَرتُ به، فقال: ما قال لك ابنُ المسيَّبِ؟
فحَدَّثْتُه بقولِه، فقال: أفلا أُخْبِرُك ما كان عثمانُ بنُ عفانَ وزيدُ بنُ ثابتٍ يَقُولان؟
قُلْتُ: بلى.
قال: كانا يَقُولان: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى واحدةٌ وهى أحقُّ بنفسِها (٣).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ، عن الأوزاعىِّ، عن عطاءٍ الخُراسانىِّ، قال: ثنا أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن عثمانَ بنَ عفانَ قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ مِن يومِ آلَى فتَطْلِيقةٌ بائنةٌ (٤).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن مَعْمَرٍ، أو حُدِّثتُ عنه، عن عطاءٍ الخراسانىِّ، عن أبى سلمةَ، عن عثمانَ وزيدٍ أنهما كانا يَقُولَان: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ.
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنةَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: آلَى عبدُ اللهِ بن أُنَيسٍ مِن امرأتِه، فمكَثَت ستةَ أشهرٍ، فأتَى ابنَ مسعودٍ فسأله، فقال: أعْلِمْها أنها قد ملَكت أمرَها.
فأتاها فأخبَرها، وأصدَقها رَطْلًا مِن وَرِقٍ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ أنه كان يقولُ في الإيلاءِ: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهى تَطْلِيقةٌ بائنةٌ (٢).
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَ ذلك (٣).
حدَّثنى أبو السائبِ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: آلَى عبدُ اللهِ بنُ أُنَيسٍ مِن امرأتِه، قال: فخرَج فغاب عنها ستةَ أشهرٍ، ثم جاء فدخَل عليها، فقيل: إنها قد بانَت منك.
فأتى عبدَ اللهِ فذكَر ذلك له، فقال له عبدُ اللهِ: قد بانَت منك، فأْتِها فأعْلِمْها، واخْطُبْها إلى نفسِها.
فأتاها فأعْلَمَها أنها قد بانَت منه، وخطَبها إلى نفسِها، وأصْدَقها رَطلًا مِن وَرِقٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ (٤) عطاءٍ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، عن ابنِ مسعودٍ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى واحدةٌ بائنةٌ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ أن رجلًا مِنْ بنى هلالٍ يُقالُ له: فلانُ بنُ أُنَيسٍ (٢)، أو: عبدُ اللهِ بنُ أنيسٍ (٢)، أراد مِن أهلِه ما يُريدُ الرجلُ مِن أهلِه، فأبَت، فحلَف ألا يَقْرَبَها، فطرَأ على الناسِ بَعْثٌ مِن الغدِ، فخرَج فغاب ستةَ أشهرٍ، ثم قدِم، فأتى أهلَه ما يرى أن عليه بأسًا، فخرَج إلى القومِ، فحدَّثهم بسَخَطِه على أهلِه حيثُ خرَج، وبرِضاه عنهم حينَ قدِم، فقال القومُ: فإنها قد حَرُمَت عليك.
فأتَى ابنَ مسعودٍ فسأَله عن ذلك، فقال ابنُ مسعودٍ: أمَا علِمتَ أنها حَرُمَت عليك؟
قال: لا.
قال: فانْطَلِقْ فاسْتَأْذِنْ عليها، فإنها ستُنْكِرُ ذلك، ثم أخْبِرْها أن يمينَك التى كُنْتَ حلَفتَ عليها صارَت طلاقًا، وأخْبِرْها أنها واحدةٌ وأنها أمْلَكُ بنفسِها، فإن شاءَت خَطَبْتَها فكانت عندَك على ثِنتين، وإلا فهى أمْلكُ بنفسِها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن أبي عُبَيدةَ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهى تَطْليقةٌ بائنةٌ، وتَعْتَدُّ ثلاثةَ قُروءٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهدىٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ والأعمشِ ومُغيرةَ، عن إبراهيمَ أن عبدَ اللهِ بنَ أُنَيسٍ آلَى مِن امرأتِه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ، ثم جامَعَها وهو نَاسٍ، فأتى علقمةَ، فذهَب به إلى عبدِ اللهِ، فقال عبدُ اللهِ: بانَت منك، فاخْطُبْها إلى نفسِها.
فأصْدَقَها رَطلًا مِن فِضةٍ (١).
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: ثنا أيوبُ، وحدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: حدَّثنا أيوبُ، عن أبى قِلابةَ، أن النعمانَ بنَ بَشيرٍ آلَى مِن امرأتِه، فضرَب ابنُ مسعودٍ فَخِذَه وقال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فاعْتَرِفْ بتَطْلِيقةٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمِرُ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ أن ابنَ مسعودٍ قال في المُؤلى: إذا مضَتْ أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ فقد بانَت منه امرأتُه بواحدةٍ، وهو خاطبٌ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: عَزْمُ الطلاقِ انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٥).
[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال] (١): حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَتْ أربعةُ أشهرٍ فهي واحدةٌ بائِنةٌ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، عن جَعْفرِ بنِ بَرْقانَ، عن عبدِ الأعلى بنِ ميمونِ بنِ مهرانَ، عن عكرمةَ أنه قال: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ.
فذكَر ذلك عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، عن يزيدَ بنِ زيادِ بنِ (٣) أبي الجَعْدِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ قال: عزيمةُ الطلاقِ انقضاءُ الأربعةِ.
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباسٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ (٥)، قال: ثنا الأعمشُ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنَّ أميرَ مكةَ سأَله عن المُؤْلِى، فقال: كان ابنُ عمرَ يَقولُ: إذا مضت أربعةُ أشهرٍ ملَكت أمرَها، وكان ابنُ عباسٍ يَقولُ ذلك (٦).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن الحجاجِ، عن الحَكَمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ (١).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن حجاجٍ، عن سالمٍ المكيِّ، عن ابنِ الحَنَفيةِ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا أبي وشُعيبٌ، عن الليثِ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن أبانِ بنِ صالحٍ، عن ابنِ شهابٍ، أن قَبيصةَ ابنَ ذُؤَيبٍ قال في الإيلاءِ: هي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وتَأْتَنِفُ (٢) العِدَّةَ، وهي أملكُ بأمرِها (٣).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، عن شُريحٍ أنه أتاه رجلٌ فقال: إني آلَيتُ مِن امرأتى، فمضَت أربعةُ أشهرٍ قبلَ أن أفِئَ؟
فقال شُريحٌ: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
لم يَزِدْه عليها، فأتى مَسْروقًا فذكَر ذلك له، فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا أميةَ، لو أنَّا قلنا مثلَ ما قال، لم يُفَرِّجْ أحدٌ عنه، وإنما أتاه ليفرِّجَ عنه.
ثم قال: هي تطليقةٌ بائنةٌ، وأنت خاطبٌ مِن الخُطَّابِ (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُغيرةَ أنه سمِع الشعبيَّ يُحَدِّثُ أنه شَهِد شُرَيْحًا وسأَله رجلٌ عن الإيلاءِ، فقال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية.
قال: فقُمْتُ مِن عندِه، فأتَيْتُ مَسْروقًا، فقُلْتُ: يا أبا عائشةَ، وأخبَرتُه بقولِ شُرَيحٍ، فقال: يَرْحَمُ اللهُ أبا أميةَ، لو أن الناسَ كلَّهم قالوا مثلَ هذا، مَن كان يُفَرِّجُ عنا مثلَ هذا؟
ثم قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي واحدةٌ بائنةٌ (١).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو داودَ، عن جَريرِ بنِ حازمٍ، قال: قرَأتُ في كتابِ أبي قِلابةَ عندَ أيوبَ: سأَلتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ وأبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ فقالا: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تطليقةٌ بائنةٌ (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا أبو داودَ، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن عطاءٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تطليقةٌ بائنةٌ، ويَخْطُبُها في العدةِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، عن أبيه في الرجلِ يَقولُ لامرأتِه: واللهِ لا يَجْمَعُ رأسي ورأسَك شيءٌ أبدًا.
ويَحْلِفُ ألا يَقْرَبَها أبدًا: فإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ كانت تَطْليقةً بائنةً، وهو خاطبٌ، قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ والحسنِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ أنه سُئِل عن رجلٍ قال لامرأتِه: إن قَرِبْتُك فأنت طالقٌ ثلاثًا.
قال: فإذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وسقَط ذلك (٤).
حدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، وحدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، قال: سمِعتُ الحسنَ ومحمدًا في الإيلاءِ قالا: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فقد بانَت بتَطْليقةٍ بائنةٍ، وهو خاطبٌ مِن الخُطَّابِ (١).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ عونٍ، عن محمدٍ، قال: كنا نَتَحَدَّثُ في الأَلِيَّةِ أنها إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ في الإيلاءِ قال: إن مضَت - يَعْنى أربعةَ أشهرٍ - بانَت منه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن النَّخَعِيِّ، قال: إن قَرِبَها قبلَ الأربعةِ الأشهرِ فقد بانَت منه بثلاثٍ، وإن ترَكها حتى تَمْضِىَ الأربعةُ الأشهرِ بانَت منه بالإيلاءِ.
في رجلٍ قال لامرأتِه: أنت طالقٌ ثلاثًا إن قَرِبتُك سنةً.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: أعْتَمَ (٣) عبيدُ اللهِ بنُ زيادٍ عند هندٍ في ليلةِ أمِّ عثمانَ ابنةِ عمرَ بنِ عبيدِ اللهِ، فلما أتاها أمرَت جَواريَها فأَغْلَقْن الأبوابَ دونَه، فحلَف ألا يأتِيَها حتى تَأْتِيَه، فقيل له: إن مضَت أربعةُ أشهرٍ ذهبَت منك.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عوفٌ، قال: بلَغنى أن الرجلَ إذا آلَى مِن امرأتِه فمضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، ويَخْطُبُها إن شاء.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: في الذي يُقْسِمُ، وإن مضَت الأربعةُ الأشهرِ فقد حرُمت عليه، فتَعْتَدُّ عِدَّةَ (١) المطلقةِ، وهو أحدُ الخُطابِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، قال: إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: وهذا في الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه ويَقُولُ: واللهِ لا يَجْتَمِعُ رأسي ورأسُكِ، ولا أَقْرَبُك، ولا أغْشَاك.
فكان أهلُ الجاهليةِ يَعُدُّونَه طلاقًا، فحَدَّ اللهُ لهما أربعةَ أشهرٍ، فإن فاء فيها كفَّر يمينَه وهي امرأتُه، وإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ فهي تَطْليقةٌ بائنةٌ، وهي أحقُّ بنفسِها، وهو أحدُ الخُطابِ.
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
قال: كان ابنُ مسعودٍ وعمرُ بنُ الخطابِ يقولان: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي طالقٌ بائنةٌ، وهي أحقُّ بنفسِها (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو وهبٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ الآية: هو الذي يَحْلِفُ ألا يَقْرَبَ امرأتَه، فإن مضَت أربعةُ أشهرٍ ولم يَفِئْ ولم يُطَلِّقْ، بانَت منه بالإيلاءِ، فإن رجَعت إليه فمَهْرٌ جديدٌ، ونكاحٌ ببَيِّنةٍ، ورِضًا مِن الوليِّ (٤).
وقال آخرون: بل الذي يَلْحَقُها: بمُضىَّ الأربعةِ الأشهرِ تَطْليقةٌ يَمْلِكُ فيها الزوجُ الرَّجْعَةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قالا: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فواحدةٌ وهو أمْلكُ لرَجْعَتِها (١).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مالكٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ يَمْلِكُ الرَّجعةَ (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ أميةَ، عن مكحولٍ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ، يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ (٣).
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: هي واحدةٌ وهو أحَقُّ بها - يعني إذا مضَت الأربعةُ الأشهرِ - وكان الزهريُّ يُفْتى بقولِ أبي بكرٍ هذا (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال ابنُ شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ أنه قال: إذا آلَى الرجلُ مِن امرأتِه فمضَت الأربعةُ الأشهرِ قبلَ أن يَفِيءَ فهي تَطْليقةٌ، وهو أملكُ بها ما كانت في عِدَّتِها.
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو يونسَ القويُّ، قال: قال لي سعيدُ بنُ السيَّبِ: ممن أنت؟
قال: قُلْتُ: من أهلِ العراقِ.
قال: لعلك ممَّن يَقُولُ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فقد بانَت.
لا، ولو مَضَت أربعُ سنينَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حجاجُ بنُ رِشْدين، قال: ثنا عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن ربيعةَ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ فهي تَطْليقةٌ، وتَسْتَقْبِلُ عِدَّتَها، وزوجُها أحَقُّ برجْعَتِها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: كان ابنُ شُبْرُمةَ يَقولُ: إذا مَضَت أربعةُ أشهرٍ فله الرجعةُ.
ويُخاصِمُ بالقرآنِ، ويَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ثم نزع ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: نحنُ في ذلك - يَعْنى في الإيلاءِ - على قولِ أصحابِنا؛ الزهريِّ ومكحولٍ: أنها تَطْليقةٌ - يَعْنى مُضِىَّ الأربعةِ الأشهرِ - وهو أمْلَكُ بها في عِدَّتِها.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ على الاعتزالِ مِن نسائِهم تَّنَظُّرُ أربعةِ أشهرٍ بأمرِه وأمرِها، ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ بعدَ انقِضاءِ الأشهرِ الأربعةِ إليهن، فرجَعوا إلى عِشْرَتِهن بالمعروفِ، وتَرْكِ هِجرانِهن، وأتَوْا إلى غِشْيانِهن وجِماعِهن ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ فأحدَثوا لهنَّ طلاقًا بعدَ الأشهرِ الأربعةِ، ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لطلاقِهم إياهنَّ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بما فعَلوا بهنَّ مِن إحسانٍ وإساءةٍ.
وقال مُتَأوِّلو هذا التأويلِ: مُضِىُّ الأشهرِ الأربعةِ يُوجِبُ للمرأةِ المطالبةَ على زوجِها المُؤْلى منها بالفَيْءِ أو الطلاقِ، ويَجِبُ على السلطانِ أن يَقِفَ الزوجَ على ذلك، فإن فاء أو طلَّق، وإلا طلَّق عليه السلطانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: أخبَرنا المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عمرَ قال في الإيلاءِ: لا شيْءَ عليه حتى يُوقَفَ، فيُطَلِّقَ أوُ يُمْسِكَ.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى بنُ أيوبَ، عن المُثَنَّى، عن عمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عمرَ بنِ الخطابِ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا غُنْدَرٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يُحَدِّثُ عن عمرَ بنِ الخطابِ أنه قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ لم يَجْعَلْه شيئًا (١).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرَّفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيَّ، عن عمرِو بنِ سلمةَ، عن عليٍّ أنه كان يَقِفُ المُؤْلىَ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن الشعبيِّ، عن عمرِو بنِ سلمةَ، عن عليٍّ، قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ (١).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، عن عليٍّ أنه كان يَقِفُه (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن بُكَيرِ بنِ الأخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ أبي ليلى، [عن عليٍّ أنه كان يُوقِفُه] (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مَرْوانَ بنِ الحكمِ، عن عليٍّ، قال: يُوقَفُ المُؤْلِى عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ.
قال أبو كريبٍ، قال ابنُ إدريسَ: وهو قولُ أهل المدينةِ (٤).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا ابنُ فضيلٍ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مروانَ، عن عليٍّ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، مال: ثنا سفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، عن مرْوانَ بنِ الحَكَمِ، عن عليٍّ، قال: المُؤْلى إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (٥).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن مِسْعَرٍ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، أن عثمانَ كان يقِفُ المُؤْلىَ بقولِ أهلِ المدينةِ (٦).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حبيبِ بنٍ أبي ثابتٍ، قال: لقِيتُ طاوسًا فسألتُه، فقال: كان عثمانُ يَأخُذُ بقولِ أهلِ المدينةِ.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ، عن أبي الدرداءِ أنه قال: ليس له أجلٌ، وهي معصيةٌ، يُوقَفُ في الإيلاءِ، فإما أن يُمْسِكَ وإما أن يُطَلِّقَ (١).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أن أبا الدرداءِ قال في الإيلاءِ: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ فإنه يُوقَفُ، إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ، أن أبا الدرداءِ كان يقولُ: هي معصيةٌ، ولا تَحْرُمُ عليه امرأتُه بعدَ الأربعةِ الأشهرِ، ويُجْعَلُ عليها العدةُ بعدَ الأربعةِ الأشهرِ.
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أبا الدرداءِ وسعيدَ بنَ المسيَّبِ قالا: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ، ولا يَزال مُقيمًا على معصيةٍ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، أن أبا الدرداءِ وعائشةَ قالا: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (٢).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي الدرداءِ وسعيدِ بنِ المسيَّبِ نحوَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ (١) إدريسَ، قال: ثنا الحسنُ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، قال: قالت عائشةُ: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.
قال: قُلْتُ: أنتَ سمِعتَها؟
قال: لا تُبَكِّتْنِى (٢).
حدَّثنا [أبو مسلمٍ إبراهيمُ] (٣) بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عمرانُ بنُ ميسرةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا حسنُ بنُ الفراتِ بإسنادِه عن عائشةَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبدُ الجبارِ بن الوَرْدِ، عن ابنِ أبي مُلَيْكَةَ، عن عائشةَ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عُبَيدُ (٤) اللهِ بنُ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ أنها قالت: إذا آلى الرجلُ ألا يمسَّ امرأتَه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أن يُمْسِكَها كما أمَره اللهُ وإما أن يُطَلِّقَها، لا يُوجِبُ عليه الذي صنَع طلاقًا ولا غيرَه (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ وناجيةُ بنُ بكرٍ وابن أبي الزنادِ، عن أبي الزنادِ، قال: أخبَرني القاسمُ بنُ محمدٍ: أن خالدَ بنَ العاصِ المخزوميَّ كانت عندَه ابنةُ أبي سعيدِ بنِ هشامٍ، فكان يَحْلِفُ فيها مِرارًا كثيرةً ألا يَقْرَبَها الزمانَ الطويلَ، قال: فسمِعتُ عائشةَ تَقُولُ له: ألا تَتَّقى اللهَ يا بنَ (١) العاصِ في ابنةِ أبي سعيدٍ؟
أما تَحْرَجُ، أما تَقْرَأُ هذه الآيةَ التي في سورةِ "البقرةِ"؟
قال: فكأنها تُؤَثِّمُه، ولا تَرَى أنه فارَق أهلَه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال في المُؤْلى: لا يَحِلُّ له إلا ما أحَلَّ اللهُ له؛ إما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (٣).
حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ نميرٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ نحوَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: لا يَجُوزُ للمُؤْلِى ألا يَفْعَلَ ما أمَره اللهُ - يَقُولُ: يُبَيِّنُ رَجْعَتَها، أو يُطَلِّقُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهر - يُبَيِّنُ رَجْعَتَها أو يُطَلِّقُ.
قال أبو كريبٍ: قال ابنُ إدريسَ: وزاد فيه: وراجعْتُه فيه، فقال قولًا معناه، أن له الرَّجْعَةَ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، سال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ أن عمرَ قال نحوًا مِن قولِ ابنِ عمرَ (٥).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرنا جَريرُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرنا نافعٌ أن ابنَ عمرَ قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ عندَ الأربعةِ الأشهرِ.
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: إذا آلى الرجلُ ألَّا يَمَسَّ امرأتَه فمضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أنْ يُمْسِكَها كما أمَره اللهُ وإما أن يُطَلِّقَها، ولا يُوجِبُ عليه الذي صنَع طلاقًا ولا غيرَه.
حَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن الإيلاءِ فقال: الأمراءُ يَقْضُون بذلك (١).
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى بعدَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يُطَلِّقَ وإما أن يَفِيءَ (٢).
حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا ابنُ أبي مريمَ، قال: ثنا يحيى ابنُ أيوبَ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عمرَ، عن سهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيه، قال: سأَلتُ اثْنَيْ عشَر رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه، فكلُّهم يَقولُ: ليس عليه شيءٌ حتى تَمْضِيَ الأربعةُ الأشهرِ فيُوقَفَ؛ فإن فاء وإلا طلَّقَ (٣).
حَدَّثَنَا ابنُ المثني، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ في الرجلِ يُؤْلِى مِن امرأتِه، قال: كان لا يَرَى أن تدخُلَ عليه فُرْقَةٌ حتى يُطَلِّقَ (٤).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن داودَ، عن سعيدِ ابنِ المسيَّبِ في الإيلاءِ إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ: إنما جعَله اللهُ وقتًا لا يَحِلُّ له أن يُجَاوِزَ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ، فإن جاوَز فقد عصَى اللهَ، لا تَحْرُمُ عليه امرأتُه.
حَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ فُضَيلٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: إذا مضَت أربعةُ أشهرٍ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا عبدُ الأعلي، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ في الإيلاءِ: يُوقَفُ عندَ انقضاءِ الأربعةِ الأشهرِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ.
حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن معمرٍ، أو حُدِّثتُ (٢) عنه، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، قال: سأَلتُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فقال: يُوقَفُ.
حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ المسيبِ، وعن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، قالا: يُوقَفُ المُؤْلى بعدَ انقضاءِ الأربعةِ، فإما أن يَفِيءَ وإما أن يُطَلِّقَ (٣).
حَدَّثَنَا عليُ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: حَدَّثَنِي مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ وأبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ مثلَ ذلك.
يَعْنِي مثلَ قولِ عمرَ بنِ الخطابِ في الإيلاءِ: لا شيْءَ عليه حتى يُوقَفَ فيُطَلِّقَ أوُ يُمْسِكَ (١).
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في الإيلاءِ: يُوقَفُ (٢).
حَدَّثَني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، وحَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: حَدَّثَنَا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
قال: إذا مَضى أربعةُ أشهرٍ أُخِذَ فيُوقَفُ حتى يُراجِعَ أهلَه أو يُطَلِّقَ (٢).
حَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا ابنُ عُيَيْنةَ (٣)، عن أيوبَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ أن مروانَ وَقَفَه بعدَ ستةِ أشهرٍ (٤).
حَدَّثَنَا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ في الإيلاءِ، قال: يُوقَف عندَ الأربعةِ الأشهرِ حتى يَفِيءَ أو يُطَلِّقَ (٥).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾: هو الرجلُ يَحْلِفُ لامرأتِه باللهِ لا يَنْكِحُها، فَيَتَرَبَّصُ أربعةَ أشهرٍ، فإن هو نَكحها كفَّر عن يمينِه، فإن مضَت أربعةُ أشهرٍ قبلَ أن يَنْكِحَها أجبَره (١) السلطانُ، إما أن يَفِيءَ فيراجِعَ، وإما أن يَعْزِمَ فيُطَلِّقَ، كما قال اللهُ سبحانَه (٢).
حَدَّثَنَا موسى بنُ هارونَ، مَال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية.
قال: كان عليٌّ وابنُ عباسٍ يقولان: إذا آلى الرجلُ مِن امرأتِه، فمضَت الأربعةُ الأشهرِ فإنه يُوقَفُ، فيُقالُ له: أمسَكْتَ أو طَلَّقْتَ؟
فإن أمْسَكَ فهي امرأتُه، وإن طلَّق فهي طالِقٌ (٣).
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾.
قال: هو الرجلُ يَحْلِفُ ألا يُصيبَ امرأتَه كذا وكذا، فجعَل اللهُ له أربعةَ أشهرٍ يَتَرَبَّصُ بها.
وقال: قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
يَتَرَبَّصُ بها، ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
فإذا رفَعَتْه إلى الإمامِ ضرَبَ له أجلَ أربعةِ أشهرٍ، فإن فاء وإلا طَلَّقَ عليه، فإن لَمْ تَرْفَعْه فإنما هو حقٌّ لها تَرَكَتْه.
حَدَّثَنِي يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن مالكٍ، قال: لا يَقَعُ على المُؤْلِى طلاقٌ حتى يُوقَفَ، ولا يَكُونُ مُؤْلِيًا حتى يَحْلِفَ على أكثرَ مِن أربعةِ أشهرٍ، فإذا حلَف على أربعةِ أشهرٍ فلا إيلاءَ عليه؛ لأنَّه يُوقَفُ عندَ الأربعةِ الأشهرِ، وقد سقَطت عنه اليمينُ، فذهَب الإيلاءُ (٤).
حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، عن ابنِ زيدٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: حتى يُرفَعَ إلى السلطانِ، وكان أبي يَقولُ ذلك، ويَقولُ: لا واللهِ وإن مضَت أربعُ سنين حتى يُوقَفَ.
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا فِطْرٌ، قال: قال محمدُ بنُ كعبٍ القُرَظِيُّ وأنا معه: لو أن رجلًا إلى مِن امرأتِه أربعَ سِنينَ لم نُبِنْها (١) منه حتى نَجْمَعَ بينَهما، فإن فاء فاء، وإن عزَم الطلاقَ عزَم (٢).
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ الماجِشونُ، عن داودَ ابنِ الحصيِن، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يَقولُ: يُوقَفُ إذا مضَت الأربعةُ (٣).
وقال آخرون: ليس الإيلاءُ بشيءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال.
سأَلتُ ابنَ المسيَّبِ عن الإيلاءِ، فقال: ليس بشيءٍ (٤).
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: حَدَّثَنِي جعفرُ بنُ بُرْقانَ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: سأَلتُ ابنَ عمرَ عن رجلٍ آلى مِن امرأتِه، فمضَت أربعةُ أشهرٍ فلم يَفِئْ إليها، فتلا هذه الآيةَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
الآية.
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن حبيبِ بنِ أبي ثابتٍ، قال: أرسَلْتُ إلى عطاءٍ أسْأَلُه عن المُؤْلِى، فقال: لا عِلْمَ لي به.
وقال آخرون مِن أهلِ هذه المقالةِ: بل معنى قولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾: وإن امتنعوا مِن الفَيْئَةِ بعدَ استيقافِ الإمامِ إيَّاهم على الفَيْءِ أو الطلاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإن فاء جعَلها امرأتَه، وإن لَمْ يَفِئْ جعَلها تطليقةً بائنةً.
حَدَّثَنَا أبو هشامٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: يُوقَفُ المُؤْلى عندَ انقضاءِ الأربعةِ، فإن لَمْ يَفِئْ، فهي تطليقةٌ بائنةٌ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأشبهُ هذه الأقوالِ بما دلَّ عليه ظاهرُ كتابِ اللهِ تعالى ذكرُه، قولُ عمرَ بنِ الخطابِ وعثمانَ وعليٍّ ﵃ ومَن قال بقولِهم في الطلاقِ، أن قولَه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
إنما معناه: فإن فاءوا بعدَ وَقْفِ الإمامِ إيَّاهم مِن بعدِ انقضاءِ الأشهرِ الأربعةِ، فرجَعوا إلى أداءِ حقِّ اللهِ عليهم لنسائِهم اللاتى آلَوا منهن فإن اللهَ غفورٌ رحيمٌ، وإن عزَموا الطلاقَ فطَلَّقُوهنَّ، فإن اللهَ سميعٌ لطلاقِهم إذا طلقَّوا، عليمٌ بما أتَوا إليهن.
وإنما قلنا: ذلك أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه ذكَر حينَ قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ - ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
ومعلومٌ أن انقضاءَ الأشهرِ الأربعةِ غيرُ مسموعٍ، وإنما هو معلومٌ، فلو كان عَزْمُ الطلاقِ انقضاءَ الأشهرِ الأربعةِ، لَمْ تَكُنِ الآيةُ مختومةً بذكرِ اللهِ الخبرَ عن اللهِ تعالى ذكرُه أنه سميعٌ عليمٌ، كما أنه لَمْ يَخْتِمِ الآيةَ التي ذكَر فيها الفَيْءَ إلى طاعتِه - في مراجعةِ المُؤْلِى زوجتَه التي آلَى منها وأداءِ حقِّها إليها - بذكرِ الخبرِ عن أنه شديدُ العقابِ، إذ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعَ وعيدٍ على معصيةٍ، ولكنه ختَم ذلك بذكرِ الخبرِ عن وصفِه نفسَه، تعالى ذكرُه، بأنه غفورٌ رحيمٌ، إذ كان موضعَ وَعْدِ المنيبِ على إنابتِه إلى طاعتِه، فكذلك ختَم الآيةَ التي فيها ذِكْرُ القولِ والكلامِ بصفةِ نفسِه؛ بأنه للكلامِ سميعٌ وبالفعلِ عليمٌ، فقال تعالى ذكرُه: وإن عزَم المُؤْلُون على نسائِهم على طلاقِ من آلَوا منه مِن نسائِهم، فإن اللهَ سميعٌ لطلاقِهم إيَّاهن إن طلَّقُوهنَّ، عليمٌ بما أتَوا إليهنَّ مما يَحِلُّ لهم ويَحْرُمُ عليهم.
وقد استَقْصَيْنَا البيانَ عن الدَّلالةِ على صحةِ هذا القولِ في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ مِن البيانِ عن أحكامِ شرائِعِ الدينِ" فكرِهنا إعادتَه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
يعني تعالى ذكرُه: والمطلقاتُ اللواتي طُلِّقْن بعدَ ابْتِناءِ أزواجِهن بهنَّ وإفضائِهم إليهن، إذا كُنَّ ذواتِ حيضٍ وطُهْرٍ، يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن عن نكاحِ الأزواجِ ثلاثةَ قُرُوءٍ.
واختلَف أهل التأويل في تأويلِ القُرْءِ الذي عَناه اللهُ بقولِه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فقال بعضُهم: هو الحَيْضُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
قال: حِيَضٍ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ثلاثَ حِيَضٍ، يَقُولُ: تَعْتَدُّ ثلاثَ حِيَضٍ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا همامٌ بن يحيى، قال: سمِعت قتادةَ نى قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
يَقُولُ: جعَل عِدَّةَ المطلقاتِ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم نُسِخَ منها المطلقةُ التي طُلِّقَت قبلَ أن يُدْخَلَ بها (٣)، واللائي يَئِسنَ مِن المحيضِ، واللائي لم يَحِضْنَ، والحاملُ (٤).
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: القُروءُ (٥) الحِيَضُ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
قال: ثلاثَ حِيَضٍ (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عمرُو بنُ دينارٍ: الأقْرَاءُ الحِيَضُ، عن أصحابِ النبيِّ ﷺ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن رجلٍ سمِع عكرمةَ، قال: الأقراءُ الحيَضُ، وليس بالطُّهْرِ، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
ولم يَقُلْ: لقُروئِهنَّ (٢).
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
قال: ثلاثَ حِيَضٍ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾: أما ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فثلاثَ حِيَضٍ (٣).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنه رُفِع إلى عمرَ، فقال لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: لتقولنَّ فيها.
فقال: أنت أحقُّ أن تقولَ.
قال: لتَقُولَنَّ.
قال: أقُولُ: إن زوجَها أحقُّ بها ما لم تَغْتَسِلْ من الحَيْضَةِ الثالثةِ.
قال: ذاك رَأْيِي وَافَقْتَ ما في نَفْسي.
فقضَى بذلك عمرُ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي معْشَرٍ، عن النخعيِّ، عن قتادةَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال لابنِ مسعودٍ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيي، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي معشرٍ، عن النخعيِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ وابنَ مسعودٍ قالا: زوجُها أحقُّ بها ما لم تَغْتَسِلْ.
أو قالا: تَحِلَّ لها الصلاةُ.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ، قال: ثنا مَطَرٌ، أن الحسنَ حَدَّثهم؛ أن رجلًا طلَّق امرأتَه ووكَّل بذلك رجلًا مِن أهلِه، أو إنسانًا مِن أهلِه، فغفَل ذلك الذي وكَّله بذلك حتى دخَلت امرأتُه في الحيضَةِ الثالثةِ، وقرَّبت ماءَها لتَغْتَسِلَ، فانطَلَق الذي وكِّل بذلك إلى الزوجِ، فأقبَل الزوجُ وهي تُريدُ الغسلَ، فقال: يا فلانةُ.
قالت: ما تشاءُ؟
قال: إني قدْ راجعتُك.
قالت: واللهِ ما لكَ ذلك.
قال: بلَى واللهِ.
قال: فارتفعا إلى أبي موسى الأشعريِّ، فأخَذ يمينَها باللهِ الذي لا إلهَ إلا هو: إن كنتِ لقد اغتسلتِ حين ناداكِ؟
قالت: لا واللهِ ما كنتُ فعَلتُ، ولقد قرَّبتُ مائي لأغتسلَ.
فردَّها على زوجِها، وقال: أنتَ أحقُّ ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الحسنِ، عن أبي موسى الأشعريِّ بنحوِه.
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، قال: قال عُمرُ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ، عن يونسَ بنِ جُبيرٍ، أن عُمرَ بنَ الخطابِ طلَّق امرأتَه، فأرادتْ أن تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ، فقال عمرُ بنُ الخطابِ: امرأتي وربِّ الكعبةِ.
فراجَعها.
قال ابنُ بشارٍ: فذكَرتُ هذا الحديثَ لعبدِ الرحمنِ بنِ مهديٍّ، فقال: سمِعتُ هذا الحديثَ من أبي هلالٍ، عن قتادةَ، وأبو هلالٍ لا يَحْتمِلُ هذا.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، قال: كنا عندَ عمرَ بنِ الخطابِ، فجاءت امرأةٌ فقالت: إن زوجى طلَّقني واحدةً أو ثِنتيْن، فجاء وقد وضعتُ مائي، وأغلقتُ بابي، ونزَعتُ ثيابي.
فقال عمرُ لعبدِ اللهِ: ما تَرَى؟
قال: أُراها امرأَتَه ما دونَ أن تَحِلَّ لها الصلاةُ.
قال عمرُ: وأنا أرَى ذلك (٢).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ أنه قال في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه، ثم ترَكها حتى دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، فأرادت أن تغتسلَ، ووضَعتْ ماءَها لِتغتسِلَ، فراجَعها، فأجازَه عمرُ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بمثلِه، إلا أنه قال: ووَضعتِ الماءَ للغُسلِ، فراجعَها، فسُئل (١) عبدُ اللهِ وعمرُ، فقالا (٢): هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قالا: كان عمرُ وعبدُ اللهِ يقولان: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً يَمْلِكُ الرجعةَ، فهو أحقُّ بها ما لم تغتسلْ مِن حيضتِها الثالثةِ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا المُغيرةُ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: إذا طلّقَ الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتيْنِ، فهو أحقُّ برجعتِها وبينهما الميراثُ، ما لم تغتسلْ من الحيضةِ الثالثةِ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّة، عن أيوبَ، عن الحسنِ، أن رجلًا طلَّق امرأتَه تطليقةً أو تطليقتيْنِ ثم وكَّلَ بها بعضَ أهلِه، فغفَل الإنسانُ حتى دخَلت مُغتَسلَها، وقرَّبت غُسلَها، فأتاهُ فآذَنه، فجاء فقال: إني قد راجعتُكِ.
قالت: كلَّا واللهِ.
قال: بلَى واللهِ.
قالت: كلَّا واللهِ.
قال: بلَى واللهِ.
قال: فتحالَفا، فارتفَعا إلى الأشعريِّ، واستحلفَها باللهِ: لقد كنتِ اغتسلتِ وحلَّت لك الصلاةُ؟
فأبَتْ أن تحلِفَ، فردَّها عليه (٥).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا سعيدٌ، عن أبي معشرٍ، عن النَّخَعيِّ، أن عمرَ استشارَ ابنَ مسعودٍ في الذي طلّقَ امرأتَه تطليقةً أو ثِنتيْنِ، فحاضت الحيضةَ الثالثةَ، فقال ابنُ مسعودٍ: أُراهُ أحقَّ بها ما لم تغتسلْ.
فقال عمرُ: وافقتَ الذي في نفسِي.
فردَّها على زوجِها.
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا النعمانُ بنُ راشدٍ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عليًّا كان يقولُ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يقولُ: إذا انقطَعَ الدمُ فلا رجعةَ (٢).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: إذا طلّقَ الرجلُ امرأتَه وهي طاهرٌ اعتدَّت ثلاثَ حِيَضٍ سوى الحيضةِ التي طَهُرَتْ منها.
حدَّثني محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، أن عمرَ سأل أبا موسى عنها، وكان بلَغه قضاؤُه فيها، فقال أبو موسى: قضيتُ أنّ زوجَها أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ.
فقال عمرُ: لو قضيتَ غيرَ هذا لأوجعتُ لكَ رأسَكَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عليَّ بنَ أبي طالبٍ قال في الرجلٍ يتزوَّجُ المرأةَ فيطلِّقُها تطليقةً أو ثِنتيْن، قال: لِزوجِها الرجعةُ عليها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ وتحِلَّ لها الصلاةُ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن زيدِ بنِ رفيعٍ، عن أَبِي عُبيدةَ بنِ (٢) عبدِ اللهِ، قال: أرسَل عثمانُ إلى أبي يسألُه عنها، فقال أبي: وكيف يُفتِي منافقٌ؟
فقال عثمانُ: أُعِيذُكَ باللهِ أن تكونَ منافقًا، ونعوذُ باللهِ أن نُسمِّيَك مُنافقًا، ونُعيذُكَ باللهِ أن يكونَ مثلُ هذا كان في الإسلام ثم تموتَ ولم تُبيِّنْه.
قال: فإني أرى أنه أحقُّ بها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ وتَحِلَّ لها الصلاةُ.
قال: فلا أعلمُ عثمانَ إلا أخذَ بذلك (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ - قاق: وأخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ - قالا: راجَع رجلٌ امرأتَه حين وضَعتْ ثيابَها تريدُ الاغتسالَ، فقال: [١/ ٢٧٧ و] قد راجعتُكِ.
فقالت: كلَّا.
فاغتسَلتْ، ثم خاصَمها إلى الأشعريِّ، فردَّها عليه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن زيدِ ابنِ رفيعٍ، عن مَعبدٍ الجُهنيِّ، قال: إذا غسَلتِ المطلقةُ فرجَها مِن الحيضةِ الثالثةِ بانَتْ منه وحلَّت للأزواجِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ، و (٢) عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أن عمرَ بنَ الخطاب قال: يَحِلُّ لزوجِها الرجعةُ عليها حتى تغتسِلَ من الحيضةِ الثالثةِ ويَحِلَّ لها الصومُ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ المُثَنَّى، قالا: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: هو أحقُّ بها ما لم تغتسِلْ من الحيضةِ الثالثةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، عن سعيدٍ، عن دُرُسْتَ (٤)، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن عليٍّ مثلَه، وقال آخرون: بل القُرءُ الذي أمَر اللهُ تعالى ذكرُه المطلقاتِ أن يعتدِدْنَ به، الطهرُ.
ذِكر من قال ذلك حدثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، قالت: الأقراءُ الأطهارُ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ أنها كانت تقولُ: الأقراءُ الأطهارُ (١).
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عَمرةَ [وعروةَ] (٢)، عن عائشةَ، قالت: إذا دخَلت المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانتْ من زوجِها وحلَّت للأزواجِ.
قال الزهريُّ: قالت عَمرةُ: كانت عائشةُ تقول: القرءُ الطهرُ، وليس بالحيضةِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن أبي بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ مثلَ قولِ زيدٍ وعائشةَ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، مثلَ قولِ زيدٍ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ، عن سعيدِ بنِ المسيّبِ وسليمانَ بنِ يسارٍ، أن زيدَ بنَ ثابتٍ قال: إذا دخَلت المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَت من زوجِها وحلَّت للأزواجِ.
قال مَعمرٌ: وكان الزهريُّ يُفتِي بقولِ زيدٍ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: بلغني أن عائشةَ قالت: إنما الأقراءُ الأطهارُ.
حدَّثنا حميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيّب، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له علَيها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ وعبدُ الأعلَى، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ في رجلٍ طلَّقَ امرأتَه واحدَةً أو ثنتيْنِ، قال: قال زيدُ بنُ ثابتٍ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها.
وزادَ ابنُ أبي عدِىٍّ، قال: قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ: هو أحقُّ بها ما لم تغتسلْ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن ابنِ المسيَّبِ، عن زيدٍ وعليٍّ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزِّنادِ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا ميراثَ لها (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليّةَ، وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ - قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن الأحوصَ - رجلٌ من أشرافِ أهلِ الشامِ - طلّقَ امرأَتَه تطليقةً أو ثِنتيْن، فماتَ وهي في الحيضةِ الثالثةِ، فرُفِعتْ إلى معاويةَ، فلم يُوجَدْ عندَه فيها عِلْمٌ، فسألَ عنها فَضالةَ ابنَ عُبيدٍ ومَن هناك من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فلم يُوجدْ عندهم فيها عِلْمٌ، فبعَث معاويةُ راكبًا إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فقال: لا ترِثُه، ولو ماتتْ لم يرِثْها.
فكان ابنُ عمرَ يَرَى ذلك (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أنّ رجلًا يقالُ له: الأحوصُ - من أهلِ الشامِ - طلَّق امرأتَه تطليقةً، فماتَ وقد دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، فرُفِعَ إلى معاويةَ، فلم يدرِ ما يقولُ، فكتَب فيها إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فكتب إليه زيدٌ: إذا دخَلتِ المطلقةُ في الحيضةِ الثالثةِ فلا ميراثَ بينهما (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن سليمانَ بنِ يسارٍ، أن رجلًا يقالُ له: الأحوصُ.
فذكَر نحوَه عن معاويةَ وزيدٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، قال: قال ابنُ عمرَ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها (٣).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال في المطلَّقةِ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ محمدٍ، أن نافعًا أخبَرَه، عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ (١) وزيدِ بنِ ثابتٍ أنهما كانا يقولان: إذا دخَلتِ المرأةُ في الدّمِ من الحيضةِ الثالثةِ، فإنها لا ترِثُه ولا يرِثُها، وقد بَرِئتْ منه وبرِئَ منها (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: بلَغنِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ قال: إذا طُلّقتِ المرأةُ فدخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ، إنه ليس يينَهما ميراثٌ ولا رجعةٌ.
حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: سمِعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: سمِعتُ سالمَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ مثلَ قولِ زيدِ بنِ ثابتٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: وسمِعتُ يحيى يقولُ: بلَغنى عن أبانِ بنِ عثمانَ أنه كان يقولُ بذلك (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى (٤)، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ، عن زيدِ ابنِ ثابتٍ مثلَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ ربِّه ابنِ سعيدٍ، عن نافعٍ، أن معاويةَ بعَث إلى زيدِ بنِ ثابتٍ، فكتَب إليه زيدٌ: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فقد بانَتْ.
وكان ابن عُمرَ يقولُه (١).
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ وزيدِ بنِ ثابتٍ أنهما قالَا: إذا حاضَتِ الحيضةَ الثالثةَ فلا رجعةَ ولا ميراثَ.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن بُكيرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الأشجِّ، عن زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: إذا طلَّقَ الرجلُ امرأتَه، فرأت الدمَ في الحيضةِ الثالثةِ، فقد انقضَت عِدَّتُها.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن موسى بنِ شدادٍ، عن عُمرَ ابنِ ثابتٍ الأنصارىِّ، قال: كان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ: إذا حاضَتِ المطلقةُ الثالثةَ قبلَ أن يراجِعَها زوجُها فلا يملِكُ رجعتَها (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، عن [سعيدٍ، عن دُرُسْتَ (٣)، عن الزهريِّ، عن] (٤) سعيدِ بنِ المسيَّبِ، أن عائشةَ وزيدَ بنَ ثابتٍ قالا: إذا دخَلتْ في الحيضةِ الثالثةِ فلا رجعةَ له عليها.
قال أبو جعفرٍ: [والقُروءُ في كلامِ العربِ جمعُ قُرءٍ] (٥)، وقد تجمَعُه العربُ أَقْراءً، يقالُ - في "أفعَلَ" منه -: أقرَأتِ المرأةُ.
إذا صارتْ ذاتَ حيضٍ وطهرٍ، فهي تُقْرِئُ إقراءً.
وأصلُ القَرءِ في كلامِ العربِ الوقتُ لمجئِ الشيْءِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلومٍ، ولإدبارِ الشيْءِ المعتادِ إدبارُه لوقتٍ معلومٍ، ولذلك قالت العربُ: أقرَأتْ حاجةُ فلانٍ عندي.
بمعنى: دنا قضاؤها، وجاءَ وقتُ قضائِها.
وأقرَأَ النجمُ، إذا جاء وقتُ أُفُولِه.
وأقرَأ، إذا جاء وقتُ طلوعِه، كما قال الشاعرُ: إذَا ما الثُّرَيَّا وقَدْ أَقْرَأتْ … أحَسَّ السِّما كانِ مِنها أُفُولَا وقيل: أقرأتِ الريحُ.
إذا هبَّتْ لوقتِها، كما قال الهذليُّ (١): شَنِئْتُ العَقْرَ عَقْرَ بنى شُلَيْلٍ … إذَا هَبَّتْ لِقارِئها الرِّيَاحُ (٢) بمعنى: هبَّت لوقتِها وحينَ هُبوبها.
ولذلك سَمَّى بعضُ العربِ وقتَ مَجِيءِ الحيضِ قُرءًا، إذ كان دمًا يُعتادُ ظُهورُه من فرجِ المرأةِ في وقتٍ، وكُمُونُه في آخرَ، فسمِّى وقتُ مَجيئِه قُرءًا، كما سَمَّى الذين سَمَّوا وقتَ مَجِيءِ الريحِ لوقْتِها قُرءًا.
ولذلك قال ﷺ لفاطمةَ بنتِ أبي حُبيشٍ: "دَعِى الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ" (٣).
بمعنى: دعِى الصلاةَ أيامَ إقبالِ دَمِ (٤) حيضِكِ.
وسَمَّى آخرون من العربِ وقتَ مَجِيءِ الطُّهرِ قُرءًا، إذْ كان وقتُ مجيئِه وقتًا لإدبارِ الدمِ دمِ الحيضِ، وإقبالِ الطُّهْرِ المعتادِ مجيئُه لوقتٍ معلومٍ، فقال في ذلك الأعشَى ميمونُ بنُ قيسٍ (٥): وفي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشمُ غَزْوَةٍ … تَشُدُّ لأقصَاها عَزِيمَ عَزائِكَا مُوَرِّثةٍ مالًا وفي الذِّكْرِ رِفعَةً … لِماَ ضاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسائكَا فجعَل القُرءَ وقتَ الطُّهرِ.
ولِمَا وصَفنا من معنى القرءِ أشكَل تأويلُ قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ على أهلِ التأويلِ؛ فرأَى بعضُهم أن الذي أُمِرتْ به المرأةُ المطلقةُ ذاتُ الأقراءِ من الأقراءِ، أقراءُ الحيضِ - وذلك وقت مجيئِه لعادتِه التي تجيءُ فيه - فأَوْجَب عليها تربُّصَ ثلاثِ حِيَضٍ بنفسِها عن خِطبةِ الأزواجِ.
ورأى آخرون أن الذي أُمِرتْ به من ذلك إنما هو أقراءُ الطُّهرِ - وذلك وقت مجيئِه لعادتِه التي تجيءُ فيه - فأوجَب عليها تربُّصَ ثلاثةِ أطهارٍ.
فإذ كان معنى القرءِ ما وصَفْنا لِماَ بيَّنا، وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أمَر المريدَ طلاقَ امرأتِه ألا يُطَلِّقَها إلا طاهرًا غيرَ مُجامَعةٍ، وحرّمَ عليه طلاقَها حَائضًا، وكان اللازمُ المطلقةَ المدخولَ بها - إذا كانت ذاتَ أقراءٍ - تَرَبُّصَ أوقاتٍ محدودةِ المبلغِ بنفسِها عَقيبَ طلاقِ زَوجِها إيّاها؛ أن تنظُرَ إلى ثلاثةِ قروءٍ بين طهرىْ كلِّ قُرءٍ منهنَّ قُرءٌ (١)، وهو خلافُ ما احتَسبتْه لنفسِها قروءًا تتَرَبَّصُهُنَّ (٢)، فإذا انقضَينَ، فقد حلَّت للأزواجِ، وانقضَتْ عِدّتُها، وذلك أنها إذا فَعَلتْ ذلك، فقد دخَلتْ في عِدادِ مَنْ تَربَّصُ ين المطلقاتِ بنفسها ثلاثةَ قروءٍ بين طُهرىْ كلِّ قرءٍ (٣) منهنَّ قرءٌ له مخالفٌ، وإذا فعَلتْ ذلك كانت مؤديةً ما ألزَمها ربُّها تعالى ذكرُه بظاهرِ تنزيلِه.
فقد تبين إذن - إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنَا - أنّ القرءَ الثالثَ من أقرائها - على ما بينَّا - الطهرُ الثالثُ، وأن بانقضائه ومجيءِ قرءِ الحيضِ الذي يتلوه، انقضاءُ عدَّتِها.
فإن ظنّ ذو [غباءٍ - أنّا] (١) إذ كنا قد نُسمِّى وقتَ مجيءِ الطهرِ قرءًا، ووقتَ مَجِيءِ الحيضِ قرءًا - أنه يلْزَمُنا أن نَجعَلَ عدةَ المرأةِ مُنقضيةً بانقضاءِ الطُّهرِ الثاني، إذْ كان الطهرُ الذي طلَّقها فيه، والحيضةُ التي بعدَه، والطهرُ الذي يتلوها أقراءً كلَّها، فقد ظَنَّ جَهْلًا، وذلك أن الحكمَ عندنا في كلِّ ما أنزَله اللهُ في كتابِه على ما احتمَلَه ظاهرُ التنزيلِ، ما لم يُبيِّنِ اللهُ تعالَى ذكرُه لعبادِه أنّ مرادَه منه الخصوصُ؛ إمّا بتنزيلٍ في كتابِه، أو علَى لسانِ رسولِه ﷺ، فإذا خصَّ منه البعضَ، كان الذي خَصَّ من ذلك غيرَ داخلٍ في الجملةِ التي أوجَب الحكمَ بها، و (٢) كان سائرُها على عمومِها، كما (٣) قد بيَّنا في كتابِنا "كتابِ لطيفِ القولِ من البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" وغيرِه من كُتبِنا.
فالأقراءُ التي هي أقراءُ الحيضِ بينَ طُهرىْ أقراءِ الطهرِ غيرُ مُحتسَبةٍ من أقراءِ المتربِّصةِ بنفسِها بعدَ الطلاقِ؛ لإجماعِ الجميعِ من أهلِ الإسلامِ أن الأقراءَ التي أوجبَ اللهُ عليها تربُّصَهنَّ ثلاثةُ قروءٍ، بينَ كلِّ قرءٍ منهنّ أوقاتٌ مخالفاتُ المعنَى لأقرائِها التي تَربَّصُهُنَّ، وإذْ كنَّ مستحقّاتٍ عندنا اسمَ أقراءٍ، فإن ذلك من إجماعِ الجميعِ لم يُجِزْ لها التربُّصَ إلّا على ما وصَفْنا قبلُ.
وفي هذه الآيةِ دليلٌ واضحٌ على خطأَ قولِ مَن قال: إن امرأةَ المُؤلِى التي آلَى مِنها تحِلُّ للأزواجِ بانقضاءِ الأشهرِ الأربعةِ إذا كانت قد حاضتْ ثلاثَ حِيَضٍ في الأشهرِ الأربعةِ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه إنما أوجَب عليها العدةَ بعدَ عزْمِ المُؤلِى على طلاقِها، وإيقاعِ الطلاقِ بها بقولِه: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
فأوجَب تعالى ذكرُه على المرأةِ إذا صارتْ مُطلّقةً تربُّصَ ثلاثةِ قروءٍ، فمعلومٌ أنها لم تكُن مُطلَّقةً يومَ آلَى مِنها زوجُها؛ لإجماعِ الجميعِ على أن الإيلاءَ ليس بطلاقٍ مُوجِبٍ على المُؤْلِى منها العدَّةَ.
وإذْ (١) كان ذلك كذلك، فالعدةُ إنما تلزَمُها بعدَ الطلاقِ، والطلاقُ إنما يلحَقُها بما قد بيَّنَّاه قبلُ.
وأمّا معنى قولِه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ فإنه: والمخلَّيَاتُ السبيلِ غير ممنوعاتٍ بأزواجٍ ولا مخطوباتٍ (٢).
وقولُ القائلِ: فلانةُ مطلقةٌ.
إنما هو "مُفَعَّلة"، من قولِ القائلِ: طلَّق الرجلُ زوجتَه فهي مُطلّقةٌ.
وأما قولُهم: هي طالقٌ.
فمن قولِهم: طلَّقها زوجُها فطَلُقَتْ هي، وهي تَطلُقُ طَلاقًا، وهي طالِقٌ.
وقد حُكِىَ عن بعضِ أحياءِ العربِ أنها تقولُ: طَلَقَت المرأةُ.
وإنما قيلَ ذلك لها إذا خَلَّاها زوجُها، كما يقالُ للنعجةِ المهملةِ بغيرِ راعٍ ولا كالئٍ إذا خرَجتْ وحدَها من أهلِها للرعْىِ مُخلَّاةً سبيلُها: هي طالقٌ.
فَمُثِّلَتِ المرأةُ المخلَّاةُ سبيلُها بها، وسُمِّيت بما سُمِّيتْ به النعجةُ التي وصَفْنا أمرَها.
وأما قولُهم: طُلِقَت المرأةُ.
فمعنًى غيرُ هذا، إنما يقالُ في هذا إذا نُفِسَتْ، هذا من الطَّلْقِ (١)، والأولُ من الطَّلاقِ، وقد بيَّنا أن التربُّصَ إنما هو التوقُّفُ عن النكاحِ، وحبْسُ النَّفسِ عنه، في غيرِ هذا الموضعِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه عزّ ذكرُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ولا يَحِلُّ لهنَّ - يعني للمطلقاتِ - أن يَكتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهن من الحيضِ إذا طُلِّقْنَ؛ حَرَّمَ عَليهنَّ أنْ يَكْتُمنَ أزواجَهنَّ الذين طلَّقوهُنَّ في الطلاقِ الذي لهنَّ عليهم فيه رجعةٌ؛ يبتغينَ بذلك إبطالَ حقوقِهم من الرجعةِ عليهنَّ.
ذِكرُ من قال ذلك حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللهُ تعالى ذِكره: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قال: بلَغَنا أن ما خُلِقَ في أرحامِهنَّ الحملُ، وبلَغَنا أنه الحيضةُ، فلا يحِلُّ لهنَّ أن يَكتُمنَ ذلك لتنقضىَ العدةُ ولا يملِكَ الرجعةَ إذا كانت له (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: الحَيْضُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ قال: أكثرُ (١) ذلكَ الحَيْضُ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرِّفًا، عن الحكمِ، قال: قال إبراهيمُ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: الحَيْضُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: الحَيْضُ.
ثم قال خالدٌ: الدَّمُ (٤).
وقال آخرون: هو الحَيْضُ، غيرَ أن الذي حرَّم اللهُ تعالَى ذِكرُه عليها كتمانَه فيما خلَق في رحمِها من ذلك هو أن تقولَ لزوجِها المطلِّقِ وقد أراد رجْعتَها قبلَ الحيضةِ الثالثةِ: قدْ حِضتُ (٥) الحيضةَ الثالثةَ.
كاذبةً؛ ليَبْطُلَ (٦) حقُّه بِقِيلِها الباطلِ في ذلك.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةَ بنِ مُعَتِّبٍ (١)، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: الحَيْضُ، المرأةُ تعتدُّ قُرءَيْنِ، ثم يريدُ زوجُها أن يراجعَها، فتقولُ: قد حِضتُ الثالثةَ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: أكثَرُ ما عنى به الحَيْضُ (٢).
وقال آخرون: بل المعنى الذي نُهِيتْ عن كتمانِه زوجَها المطلِّقَ الحَبَلُ والحَيْضُ جميعًا.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مسعدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا الأشعثُ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: الحَيْضُ (٣) والحملُ؛ لا يَحِلُّ لها إن كانت حائضًا أن تكتُمَ حيضَها، ولا يَحِلُّ لها إن كانتْ حاملًا أن تكتُمَ حملَها (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ مُطرّفًا، عن الحكَمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: الحمْلُ والحَيْضُ (٥).
قال أبو (١) كُريبٍ: قال ابنُ إدريسَ: هذا أولُ حديثٍ سمِعتُه من مُطرِّفٍ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن مُطرفٍ، عن الحكَمِ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: الحبَلُ.
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى الفَزارِيُّ، قال: حدثنا أبو إسحاقَ الفَزارِيُّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: من الحيضِ والولدِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مسلمُ بنُ خالدٍ الزَّنْجِيُّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: من الحيضِ والولدِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: لا يحلُّ للمطلقةِ أن تقولَ: إني حائضٌ.
وليست بحائضٍ، ولا تقولَ: إني حُبْلَى.
وليستْ بحبلَى، ولا تقولَ: لستُ بحبلَى.
وهي حُبْلَى (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن الحجاجِ، عن مجاهدٍ، قال: الحَيْضُ والحبَلُ.
قال: تفسيرُه: ألا تقولَ: إني حائضٌ.
وليستْ بحائضٍ، ولا: لستُ بحائضٍ.
وهي حائضٌ، ولا: إني حُبْلَى.
وليست بحُبلَى، ولا: لستُ بحُبلَى.
وهي حُبْلَى (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرَنا ابنُ المباركِ، عن الحجاجِ، عن القاسِم بنِ نافعٍ، عن مجاهدٍ نحوَ هذا التفسيرِ في هذه الآيةِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، وزاد فيه: قال: وذلك كلُّه في بُغضِ المرأةِ زوجَها وحُبِّه (٢).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال (٣): لا يحِلُّ لهن أن يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ من الحيضِ والحبَلِ، لا يَحِلُّ لها أن تقولَ: إني قد حضْتُ.
ولم تَحِضْ، ولا يحلُّ لها أن تقولَ: إني لم أَحِضْ.
وقد حاضَتْ، ولا يحلُّ لها أن تقولَ: إني حُبلى.
وليست بحُبْلَى، ولا أن تقولَ: لستُ بحُبْلَى.
وهي حُبْلَى (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية.
قال: لا يَكْتُمْنَ الحَيْضَ ولا الولدَ، ولا يَحِلُّ لها أنْ تكْتُمَه وهو لا يعلَمُ متى تحِلُّ، لئلَّا يَرْتجِعَها؛ تُضارُّهُ (٥).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: يعني الولدَ.
قال: الحَيْضُ والولدُ هو الذي ائتُمِنَ عليه النساءُ (١).
وقال آخرون: بل عنَى بذلك الحبَلَ.
ثم اختلَفَ قائلو ذلك في السببِ الذي من أجلِه نُهيَتْ عن كتمانِ ذلك الرجلَ؛ فقال بعضُهم: نُهيت عن ذلك لئلَّا يَبْطُلَ حقُّ الزوجِ من الرجعةِ إن (٢) أرادَ رجْعَتَها قبلَ وضعِها حملَها.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن قَبَاثِ بنِ رَزِينٍ، عن عُليِّ بنِ رباحٍ أنه حدَّثه أن عُمرَ بنَ الخطابِ قال لرجلٍ: اتْلُ هذه الآيةَ.
فتلَا، فقال: إنّ فلانةَ ممَّن يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهن.
وكانت طُلِّقتْ وهي حُبْلَى، فكتَمتْ حتى وضَعتْ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو تطليقتَيْنِ وهي حاملٌ، فهو (٤) أحقُّ برجْعتِها ما لم تَضَعْ حملَها، وهو قولُه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ بشرٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ: الطلاقُ مرَّتان بينهما رجعةٌ، فإن بدا له أن يطلِّقَها بعدَ هاتين فهي ثالثةٌ، وإن طلَّقها ثلاثًا فقد حَرُمتْ عليه حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، إنما اللّاتي ذُكرنَ في القرآنِ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ هي التي طُلِّقتْ واحدةً أو ثِنتيْنِ، ثم كتَمتْ حملَها لكيْ تَنْجُوَ من زَوجِها، فأمّا إذا أبَتَّ الثلاثَ التطليقاتِ فلا رجعةَ له عليها حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه (١).
وقال آخرون: السببُ الذي من أجلِه نُهينَ عن كتمانِ ذلك أنهنَّ في الجاهليةِ كُنَّ يَكْتُمْنَه أزواجَهنَّ خوفَ مُراجَعتِهم (٢) إياهُنَّ حتى يتزوَّجْنَ غيرَهم، [فيُلْحِقْنَ نسبَ] (٣) الحملِ - الذي هو من الزوجِ المطلِّقِ - بمَن تزوَّجْنَه، فحرَّم اللهُ ذلك عليهن.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا سويدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: كانت المرأةُ إذا طُلِّقت كتَمتْ ما في بطنِها وحملَها؛ لتذهبَ بالولدِ إلى غيرِ أبيه، فكرِه اللهُ ذلك لهنَّ.
حدَّثني محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: علِمَ اللهُ أنّ منهنَّ كواتمَ يَكْتُمْنَ الولدَ، وكان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يُطلِّقُ امرأتَه وهي حاملٌ، فتَكْتُمُ الولدَ، فتذهبُ به إلى غيرِه، وتَكْتُمُ مخافةَ الرجعةِ، فنهَى اللهُ عن ذلك وقدَّمَ فيه (١).
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾.
قال: كانت المرأةُ تَكْتُمُ حملَها حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ منها (٢).
وقال آخرون: بل السببُ الذي من أجلِه نُهينَ عن كتمانِ ذلك، هو أن الرجلَ كانَ إذا أرادَ طلاقَ امرأتِه سألَها، هلْ بها حَملٌ؛ لكيلَا يُطلِّقَها وهي حاملٌ منه، للضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه وولَدَه في فراقِها (٣)، فأُمِرْنَ بالصدقِ في ذلك ونُهينَ عن الكذبِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، [قال: ثنا عمرٌو] (٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾: فالرجلُ يريذ أنْ يُطَلِّقَ امرأتَه فيسألَها: هل بكِ حملٌ؟
فتكتُمُه، إرادةَ أن تُفارقَه، فيطلِّقُها وقد كَتَمتْه حتى تضعَ، وإذا علِمَ بذلك فإنها تُردُّ إليه عُقوبةً لما كتَمَتْه، وزوجُها أحقُّ برجْعتِها (٥).
وأوْلى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: الذي نُهيت المرأةُ المطلَّقةُ عن كِتمانِه زوجَها المطلِّقَها تطليقةً أو تطليقتَين، مما خلَق اللهُ في رحِمِها، الحَيْضُ والحبَلُ؛ لأنه لا خلافَ بين الجميعِ أن العدَّةَ تنقضِي بوضْعِ الولدِ الذي خلَق اللهُ في رحِمِها كما تَنقضِي بالدَّمِ إذا رأتْه بعدَ الطُّهرِ الثالثِ، في قولِ مَن قال: القُرءُ الطهرُ.
وفي قولِ مَن قال: هو الحَيْضُ.
إذا انقطَع من الحيضةِ الثالثةِ، فتَطهَّرتْ بالاغتسالِ (١).
فإذ كان ذلك كذلك، [وكان] (٢) اللهُ تعالَى ذكرُه إنما حرَّم عليهنَّ كتمانَ المطلِّقِ الذي وصَفْنا أمْرَه، ما يكونُ بكتْمانِهن إيَّاهُ لطُولُ حقِّه الذي جعَله اللهُ له بعدَ الطلاقِ عليهنَّ إلى انقضاءِ عِدَدِهنَّ، وكان ذلك الحقُّ يبطُلُ بوضعِهنَّ ما في بطونِهن إن كُنَّ حواملَ، وبانقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كنَّ غيرَ (٣) حواملَ - عُلِم أنَّهنَّ مَنهياتٌ عن كتمانِ أزواجِهنَّ المطلِّقِيهِنَّ (٤) من كلِّ واحدٍ منهما - أعني من الحيضِ والحبَلِ - مثلَ الذي هنَّ مَنهياتٌ عنه من الآخرِ، وألا معنى لخصوصِ من خَصَّ بأن المرادَ بالآيةِ من ذلك أحدُهما دونَ الآخرِ، إذْ كانا جميعًا مما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ، وأنّ في كلِّ واحدٍ منهما من معنى بُطُولِ حقِّ الزوجِ بانتهائِه (٥) إلى غايةٍ مثلَ ما في الآخرِ.
ويُسْألُ مَن خَصَّ ذلك، فجعَلَه لأحدِ المعنييْنِ دونَ الآخرِ، عن البرهانِ على صحةِ دعوَاه من أصلٍ أو حجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها، ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلنْ يقولَ في أحدِهما قولًا إلَّا أُلزم في الآخرِ مثلَه.
وأما الذي قاله السُّديُّ من أنه معنيٌّ به نهيُ النساءِ كتمانَ أزواجِهنَّ الحبَلَ عند إرادتِهم طلَاقَهُنَّ، فقولٌ لِماَ يَدُلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ مخالفٌ؛ وذلك أن اللهَ تعالى ذكرُه قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [بمعنى: ولا يحلُّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ] (١) في (٢) الثلاثةِ القروء إنْ كنَّ يؤمنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ.
وذلك أن اللهَ تعالَى ذكرُه ذكَرَ تحريمَ ذلك عليهنَّ بعدَ وصفِه إياهُنَّ بما وصَفَهنَّ به من فراقِ أزواجِهنَّ بالطَّلاقِ، وإعلامِهِنَّ ما يلزَمُهُنَّ مِن التَّربُّصِ، معرِّفًا لهنَّ بذلك ما يَحْرُمُ عليهنَّ وما يَحِلُّ، وما يَلزمُهنَّ من العِدَّةِ ويجبُ عليهنَّ فيها، فكان مما عرَّفهنَّ أنّ مِن الواجبِ عليهنّ ألا يَكْتُمْنَ أزواجَهنَّ الحيضَ والحبَلَ - الذي يكونُ بوضعِ هذا وانقضاءِ هذا إلى نهايةٍ محدودَةٍ انقطاعُ حقوقِ أزواجِهن - ضِرارًا منهن لهم، فكان نهيُه عمّا نَهاهُن عنه من ذلك بأنْ يَكُونَ مِن صفةِ ما يليه قبلَه ويتلُوه بعدَه، أوْلَى من أن يكونَ مِن صفةِ ما لمْ يَجْرِ له ذِكرٌ قبلَه.
فإن قال قائلٌ: فما معنى قولِه: ﴿إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؟
أَوَ يَحِلُّ لهنّ كتمانُ ذلك أزواجَهن إن كنَّ لا يؤمنَّ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ حتى خَصَّ النهيُ عن ذلك المؤمناتِ باللهِ واليومِ الآخرِ؟
قيلَ: معنى ذلك على غيرِ ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه أن كتمانَ المرأةِ المطلَّقةِ زوجَها المطلِّقَها ما خلَقَ اللهُ في رحِمِها من حيضٍ وولدٍ في أيامِ عدَّتِها من طلَاقِه ضِرارًا له، ليس من فعلِ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ولا من أخلاقِه، وإنما ذلك من فعلِ مَن لا يُؤمِنَّ باللهِ ولا باليومِ الآخرِ وأخلاقِهنَّ من النساءِ الكوافرِ، فلا تَتخلَّقْنَ أيتُها المؤمناتُ بأخلاقِهن، فإن ذلك لا يحِلُّ لَكُنّ إن كنتنَّ تُؤمِنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ، وكنتنَّ من المسلماتِ، لا أنَّ المؤمناتِ هنَّ المخصوصاتُ بتحريمِ ذلك عليهنَّ (٣) دونَ الكوافِرِ، بل الواجبُ على كلِّ مَن لزِمتْه فرائضُ اللهِ من النساءِ اللواتِي لهنَّ أقراءٌ إذا طُلِّقت بعدَ الدخولِ بها في عدَّتِها ألَّا تَكْتُمَ زوجَها ما خلَق اللهُ في رحِمِها من الحيضِ والحبلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
والبُعولَةُ جمعُ بعلٍ، وهو زوجُ المرأةِ، ومنه قولُ جريرٍ (١): أعِدُّوا معَ الحَلْيِ المَلَابَ (٢) فإنّما … جَرِيرٌ لَكُمْ بَعْلٌ وأنْتُمْ حَلائِلُهْ وقد يُجمَعُ البعلُ البعولةَ والبُعولَ، كما يُجمَعُ الفحلُ الفُحُولَ والفُحولَةَ، والذَّكَرُ الذُّكُورَ والذُّكورَةَ، وكذلك ما كان على مثالِ فُعولٍ من الجمعِ، فإنّ العربَ كثيرًا ما تُدْخِلُ فيه الهاءَ، فأمَّا ما كان منها على مثالِ فِعالٍ، فقليلٌ في كلامِهم دخولُ الهاءِ فيه، وقد حُكِيَ عنهم العِظامُ والعِظامَةُ، ومنه قولُ الراجزِ (٣): ثم دفَنْتَ الفَرْثَ والعظامَهْ وقد قيل: الحِجارةُ والحِجارُ، والمِهارةُ والمِهارُ، والذِّكارةُ والذِّكارُ للذكورِ.
وأما تأويلُ الكلامِ فإنه: وأزواجُ المطلقاتِ اللاتِي فرَضْنا عليهنَّ أن يتربَّصْنَ بأنفسِهنَّ ثلاثةَ قروءٍ، وحَرَّمنا عليهنَّ أن يَكْتُمْنَ ما خلَقَ اللهُ في أرحامِهنَّ، أحقُّ وأوْلَى بردِّهن إلى أنفسِهمْ (٤) - في حالِ تربُّصِهنَّ إلى الأقراءِ الثلاثةِ وأيامِ الحبَلِ - وارتجاعِهن إلى حِبالِهم، مِنهنَّ (٥) بأنفسِهنَّ؛ أنْ يَمْنَعْنَهم من أنفسِهنَّ ذلك.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه * ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
يقولُ: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقةً أو ثِنْتَينِ وهي حاملٌ، فهو أحقُّ برجعتِها ما لمْ تَضَعْ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾.
قال: في العِدَّةِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالَا: قال اللهُ ﵎: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾.
وذلك أن الرجلَ كان إذا طلَّق امرأتَه كان أحقَّ برجْعتِها وإنْ طلَّقها ثلاثًا، فنسَخ ذلك فقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (٢).
حدَّثني محمدُ (٣) بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾: في عِدَّتهنَّ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: في العِدَّةِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
أي: في القروءِ، في الثلاثِ حِيَضٍ، أو ثلاثةِ أشهرٍ، أو كانت حاملًا، فإذا طلَّقها زَوجُها واحدةً أو اثنتينِ راجَعها إن شاء ما كانت في عِدَّتِها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
قال: كانت المرأةُ تكتُمُ حملَها حتى تجعلَه لرجلٍ آخرَ، فنهاهُنَّ اللهُ عن ذلك وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
قال قتادةُ: أحقُّ برجْعتِهنَّ في العِدَّةِ (١).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
يقولُ: في العِدّةِ ما لم يُطلِّقْها ثلاثًا (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
يقولُ: أحقُّ برجْعتِها صاغرةً، عقوبةً لما كَتَمتْ زوجَها مِن الحملِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ قال: أحقُّ برجْعتِهن ما لم تنقضِ (٤) العِدَّةُ.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالب، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾.
قال: ما كانتْ في العدَّةِ، إذا أرادَ المراجعةَ.
فإن قال لنا قائلٌ: [أفما لزوجِ المطلَّقةِ] (١) واحدةً أو اثنتينِ بعدَ الإفضاءِ إليها، عليها رجعةٌ في أقرائِها الثلاثةِ، إلَّا أنْ يكونَ مُريدًا بالرجعةِ إصلاحَ أمرِها وأَمرِه؟
قيل: أمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ فغيرُ جائزٍ - إذا أرادَ ضِرارَها بالرجعةِ لا إصلاحَ أمرِها وأمرِه - مراجَعتُها.
وأما في الحكمِ فإنه مَقضيٌّ له عليها بالرجعةِ نظيرَ (٢) حُكْمِنا عليه ببُطُولِ رجعتِه عليها، لو كتَمتْه حملَها الذي خلَقه اللهُ في رحِمِها، أو حيضَها حتى انقضَتْ عدَّتُها ضِرارًا منها له، وقد نهاها (٣) اللهُ عن كتمانِه ذلك، فكان سواءً في الحكمِ - في بُطولِ رجعةِ زوجِها عليها، وقد أثِمتْ في كتمانِها إيّاه ما كتَمتْه مِن ذلك حتى انقضَتْ عدَّتُها - هي والتي أطاعت اللهَ بتركِها كتمانَ ذلك منه، وإن اختلَفتا (٤) في طاعةِ اللهِ في ذلك ومعصيتِه، فكذلك المُراجعُ زوجتَه المطلَّقةَ واحدةً أو اثنتينِ بعدَ الإفضاءِ إليها، وهما حُرّان، وإن أرادَ ضِرارَ المراجعةِ برجعتِه، فمحكومٌ له بالرجعةِ وإن كان آثمًا برَبِّه (٥) في فعلِه، ومُقْدِمًا على ما لم يُبحْه اللهُ له، واللهُ وليُّ مُجازاتِه فيما أتَى من ذلك.
فأما العبادُ فإنهم غيرُ جائزٍ لهم الحوْلُ بينَه وبينَ امرأتِه التي راجَعها بحكمِ اللهِ جلَّ ثناؤُه بأنها حينئذٍ زَوجتُه، فإنْ حاوَل ضِرارَها بعدَ المراجعةِ بغيرِ الحقِّ الذي جعَلهُ اللهُ له، أُخِذ لها بالحقوقِ التي ألزَم اللهُ الأزواجَ للزوجاتِ حتى يعودَ ضُرُّ ما أرادَ من ذلك عليه دونَها.
وفي قولِه: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أبينُ الدلالةِ على صحةِ قولِ مَن قال: إنّ المُؤْلِىَ إذا عَزَم/ الطلاقَ فطلَّقَ امرأتَه التي آلَى منها، أن له عليها الرجعةَ في طلاقِه ذلك، وعلى فسادِ قولِ مَن قال: إن مُضىَّ الأربعةِ الأشهرِ عَزمُ الطلاقِ، وإنه تطليقةٌ بائنةٌ؛ لأن اللهَ جلّ ذكرُه إنما أعلَم عبادَه ما يلزَمُهم إذا آلَوا مِن نسائِهم، وما يلزَمُ النساءَ من الأحكامِ في هذه الآيةِ بإيلاءِ الرجالِ وطلاقِهم، إذا عزَموا ذلك وترَكوا الفيْءَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: ولهنّ مِن حسنِ الصحبةِ والعشرَةِ بالمعروفِ على أزواجِهن مثلُ الذي عليهنَّ لهم من الطاعةِ فيما أوجَب اللهُ تعالَى ذكرُه له عليها.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا أَطَعْنَ اللهَ وأطعنَ أزواجَهنَّ، فعليه أن يُحسنَ صُحبتَها، ويكفَّ عنها أذاه، وينفقَ عليها مِن سَعَتِه (١).
حدَّثني يونسُ قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: يتقونَ اللهَ فيهنَّ، كما عليهنَّ أن يتقينَ اللهَ فيهم (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولهنّ على أزواجِهنَّ من التَّصنُّعِ والمُؤاتاةِ (٣) مثلُ إلذى عليهنَّ لهم من ذلك.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن بَشيرِ (١) بنِ سلمانَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: إني أُحِبُّ أن أَتزيّنَ للمرأةِ، كما أُحِبُّ أن تَتَزَيَّنَ لي؛ لأن اللهَ تعالى ذِكرُه يقولُ: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
والذى هو أولَى بتأويلِ الآيةِ عندي: وللمطلقاتِ واحدةً أو اثْنتينِ، بعدَ الإفضاءِ إليهنَّ، على بُعولتِهنَّ ألا يراجِعوهنَّ (٣) في أقرائِهن الثلاثةِ إذا أرادُوا رَجعَتَهنَّ فيهنَّ إلَّا أن يُريدوا (٤) إصلاحَ أمرِهن وأمرِهم [وألا] (٥) يراجعوهن ضِرارًا، كما عليهنَّ لهم إذا أرادُوا رجعتَهنَّ فيهن ألا يَكْتُمْنَ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ من الولدِ ودمِ الحيضِ ضِرارًا منهنَّ لهم لِيَفُتْنَهمْ (٦) بأنفسِهنَّ.
ذلك أن اللهَ تعالَى ذكرُه نَهَى المطلقاتِ عن كتمانِ أزواجِهنَّ في أقرائِهنَّ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ إن كنَّ يُؤْمِنَّ باللهِ واليومِ الآخرِ، وجعَل أزواجَهنَّ أحقَّ بردِّهنَّ في ذلك إن أرادُوا إصلاحًا، فحرَّم على كلِّ واحدٍ منهما مُضارَّةَ صاحبِه، وعرَّف كلَّ واحدٍ منهما ما له وما عليه من ذلك، ثم عقَّب ذلك بقولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فبيّنَ أن الذي على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه من تركِ مُضارَّتِه مثلُ الذي له على صاحبِه من ذلك.
فهذا التأويلُ هو أشبهُ بدلالةِ ظاهرِ التنزيلِ مِن غيره، وقد يَحتملُ أن يكونَ كلُّ ما على كلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه داخلًا في ذلك، وإن كانت الآيةُ نزَلتْ فيما وَصفْنا؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد جعَلَ لكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ حقًّا، فلكلِّ واحدٍ منهما على الآخرِ من أداءِ حقِّه إليه مثلُ الذي عليه له، فيدخُلُ حينئذٍ في الآيةِ ما قاله الضحاكُ وابنُ عباسٍ وغيرُ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
اختلَفَ أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى الدرجةِ التي جعَل اللهُ للرجالِ على النساءِ، الفضلُ الذي فضَّلهم اللهُ عليهنَّ في الميراثِ والجهادِ وما أشبهَ ذلك.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: فضلُ ما فضَّله اللهُ به عليها من الجهادِ، وفضلُ ميراثِه على ميراثِها، وكلُّ ما فُضِّل به عليها (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: للرجالِ درجةٌ في الفضلِ على النساءِ (٢).
وقال آخرون: بل تلك الدرجةُ الإمْرةُ والطاعةُ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ ما، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن زيدِ بنِ أسلَمَ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: إمارةٌ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: طاعة.
قال: يُطِعْنَ الأزواجُ الرجالَ، وليس الرجالُ يُطيعونَهنَّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أزهرُ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: لا أعلَمُ إلا أن لهنَّ مثلَ الذي عليهنّ إذا عرَفنَ تلك الدرجةَ.
وقال آخرون: تلك الدرجةُ له عليها بما ساقَ إليها من الصَّداقِ، وأنها إذا قذَفتْه حُدَّتْ، وإذا قَذَفَها لاعَنَ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عُبيدةَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: بما أعطاها من صَداقِها، وأنه إذا قذَفَها لاعنَها، وإذا قذَفتْه جُلِدَتْ وأُقِرَّتْ عندَه (٣).
وقال آخرون: تلك الدرجةُ التي له عليها إفضالُه عليها، وأداءُ حقِّها إليها، وصفْحُه عن الواجبِ له عليها أو عن بعضِه.
ذِكر من قال ذلك حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن بَشيرِ (١) بنِ سلمانَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أُحِبُّ أن أسْتَنظِفَ (٢) جميعَ حقِّى عليها؛ لأن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (٣).
[وقال آخرون: بل تلك الدرجةُ التي له عليها أن جعَلَ له لِحْيَةً وحرَمها ذلك.
ذِكر من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا عُبيدُ بن الصبَّاحِ، قال: ثنا حُميدٌ، قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
قال: لِحَيَةٌ (٤)] (٥).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وهو أن الدرجةَ التي ذكَرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذا الموضعِ الصفحُ من الرجلِ لامرأتِه عن بعضِ الواجبِ له عليها، وإغضاؤُه لها عنه، وأداءُ كلِّ الواجبِ لها عليه، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ عَقيبَ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فأخبَر أن على الرجلِ من تركِ ضِرارِها في مراجَعتِه إيَّاهَا في أقرائِها الثلاثةِ وفي غيرِ ذلك من أمورِها وحقوقِها، مثلَ الذي له عليها من ترْكِ ضِرارِه في كتمانِها إيّاه ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ وغيرِ ذلك من حقوقِه.
ثم ندَب الرجالَ إلى الأخذِ عليهنّ بالفضل إذا تَرَكْنَ أداءَ بعضِ ما أوجَب اللهُ لهم عليهنَّ، فقال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ بتَفَضُّلِهم عليهن، وصَفْحِهم لهنَّ عن بعضِ الواجبِ لهم عليهنَّ، وهذا هو المعنى الذي قصَده ابنُ عباسٍ بقولِه: ما أُحِبُّ أن أستنْظِفَ جميعَ حقِّى عليها؛ لأن اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
ومعنى الدرجةِ الرتبةُ والمنزلةُ.
وهذا القولُ من اللهِ جلّ ثناؤه وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ، فمعناه معنى نَدْبِ الرجالِ إلى الأخذِ على النساءِ بالفضلِ ليكونَ لهم عليهنَّ فضلُ درجةٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾.
يعني بذلك جلَّ ثناؤُه: واللهُ عزيزٌ في انتقامِه ممن خالَف أمرَه، وتعدَّى حدودَه، فأتى النساءَ في المحيضِ، وجعَل اللهَ عرضةً لأيمانِه أن يَبَرَّ ويتَّقِىَ ويصلحَ بين الناسِ، وعضَل امرأتَه بإيلائِه، وضارَّها في مراجَعتِه بعدَ طلاقِه، ومِمَّن (١) كتَم من النساءِ ما خلَق اللهُ في أرحامِهنَّ أزواجَهنَّ، ونكَحن في عِدَدِهنَّ، وترَكْنَ التربصَ بأنفُسِهنَّ إلى الوقتِ الذي حدَّه اللهُ لهنَّ، وركِب (٢) غيرَ ذلك من معاصِيه، حكيمٌ فيما دبَّرَ في خلقِه، وفيما حكَم وقضَى بينَهم من أحكامِه.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قولِه: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
يقولُ: عزيزٌ في نقمتِه، حكيمٌ في أمرِه (٣).
وإنما توعَّدَ اللهُ جلَّ ثناؤُه بهذا القولِ عبادَه؛ لتقديمِه قبلَ ذلك بيانَ ما حرَّم عليهم أو نَهاهم عنه من ابتداءِ قولِه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾.
ثم أَتبع ذلك بالوعيدِ ليزدَجِرَ أولُو النُّهَى، وليذَّكرَ أولو الحِجَا، فيتَّقُوا عقابَه، ويحذَرُوا عذابَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: هو دلالةٌ على عَددِ الطلاقِ الذي يكونُ للرجلِ فيه الرجعةُ على زوجتِه، والعدَدِ الذي تَبِينُ به زوجتُه منه.
ذكرُ من قال: إن هذه الآيةَ نزَلتْ لأنَّ أهلَ الجاهليةِ وأهلَ الإسلامِ قبلَ نزولِها لم يكنْ لطلاقِهم نهايةٌ تَبِينُ بالانتهاءِ إليها امرأتُه منه، ما راجَعها في عدَّتِها منه، فجعَل اللهُ لذلك حدًّا حرَّمَ بانتهاءِ الطلاقِ إليه على الرجلِ امرأتَه المطلَّقةَ إلَّا بعدَ زوجٍ، وجعَلها أملَكَ حينئذٍ بنفسِها منه.
ذِكرُ الأخبارِ الواردةِ بما قلنا في ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: كان الرجلُ يطلِّقُ ما شاءَ ثم إنْ راجَعَ امرأتَه قبلَ أن تنقضيَ عدَّتُها كانت امرأتَه، فغضِبَ رجلٌ من الأنصارِ على امرأتِه، فقال لها: لا أقرَبُك ولا تَحِلِّين مِنِّى.
قالت له: كيفَ؟
قال: أُطلِّقُكِ، فإذا (١) دَنَا أجلُكِ راجَعتُك، ثم أُطلِّقُك، فإذا دَنَا أجلُك راجعتُك.
قال: فشكَتْ ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن أبيه، قال: قال رجلٌ لامرأتِه على عهدِ النبيِّ ﷺ: لا أُؤْوِيكِ، ولا أدَعُكِ تَحِلِّين.
فقالت له: كيف تَصنَعُ؟
قال: أُطلِّقُكِ، فإذا دنَا مُضِىُّ عِدَّتِكِ راجعْتُكِ، فمتى تحلِّينَ؟
فأتت النبيَّ ﷺ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ قال: فاستقبلَه الناسُ جديدًا، من كان طلَّقَ ومَن لم يكنْ طلَّق (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ؛ كان الرجلُ يطلِّقُ الثلاثَ والعشرَ وأكثرَ من ذلك، ثم يُراجِعُ ما كانت في العِدّةِ، فجعَل اللهُ جلَّ ثناؤُه حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُطلِّقُ أحدُهم امرأتَه ثم يراجِعُها، لا حدَّ في ذلك، هي امرأتُه ما راجَعها في عِدّتِها، فجعَل اللهُ ﵎ حدَّ ذلكَ يصيرُ إلى ثلاثةِ قُروءٍ، وجعَل حدَّ الطلاقِ ثلاثَ تطليقاتٍ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
قال: كان الطلاقُ، قبلَ أن يجعَلَ اللهُ الطلاقَ ثلاثًا، ليسَ له أمدٌ؛ يطلِّقُ الرجلُ امرأتَه مائةً، ثم إنْ أرادَ أن يُراجِعَها قبلَ أن تَحِلَّ، كان ذلك له، فطلَّقَ رجلٌ امرأتَه حتى إذا كادَتْ أن تحِلَّ ارْتَجَعها، ثم استأنفَ بها طلاقًا بعدَ ذلك يُضَارُّها بتركِها، حتى إذا كان قبلَ انقضاءِ عدَّتِها راجَعَها، وصنَع ذلك مرارًا، فلمَّا علِمَ اللهُ ذلك منه جعَل الطلاقَ ثلاثًا؛ مرَّتين، ثم بعدَ المرتينِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ (١).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أما قولُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فهو الميقاتُ الذي يكونُ عليها فيه الرجعةُ (٢).
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: إذا أرادَ الرجلُ أن يطلِّقَ امرأتَه فيطلِّقَها تَطليقتيْنِ، فإن أرادَ أن يُراجِعَها كانت له عليها رجعةٌ، وإن شاءَ طلَّقها أُخرَى، فلم تحِلَّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه (٣).
فتأويلُ الآيةِ على هذا الخبرِ الذي ذكَرنا: عددُ الطّلاقِ الذي لكم أيُّها الناسُ فيه على أزواجِكم الرجعةُ، إذا كنَّ مَدخولًا بهنّ، تَطليقتان، ثم الواجبُ على من راجَع منكم بعدَ التطليقتيْنِ إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ؛ لأنه لا رجعةَ له بعد التَّطليقتين إنْ سرَّحها فطلَّقها الثالثةَ.
وقال آخرون: إنما أُنزِلتْ هذه الآيةُ علَى نبيِّ اللهِ ﷺ تعريفًا من اللهِ جلّ ثناؤُه عبادَه سُنَّةَ طلاقِهم نساءَهم إذا أرادُوا طلاقَهنَّ، لا دلالةً على العَدَدِ (٤) الذي به تَبِينُ المرأةُ من زوجِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطرِّفٍ، عن أبي (١) إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: يُطلِّقُها بعدَ ما تطْهُرُ مِن قبلِ جماعٍ، ثم يدَعُها حتى تَطْهُرَ مرَّةً أُخرى، ثم يطلِّقُها إن شاءَ، ثم إنْ أرادَ أنْ يُراجِعَها راجَعَها، ثم إنْ شاءَ طلَّقها، وإلَّا ترَكَها حتى تُتِمَّ ثلاث حِيَضٍ، وتَبينَ منهُ به (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه تطليقتَيْنِ، فليتَّقِ اللهَ في التطليقةِ الثالثةِ، فإمَّا (٣) يُمسكُها بمعروفٍ فيُحْسِنُ صَحابتَها، أو يسرِّحُها بإحسانٍ، فلَا يظلِمُها من حقِّها شيئًا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: يُطلِّقُ الرجلُ امرأتَه طاهرًا مِن غيرِ جماعٍ، فإذا حاضَتْ ثم طَهُرتْ فقد تمَّ القرْءُ، ثم يطلِّقُ الثانيةَ كما طلَّق (٥) الأولَى، إن (٦) أحبَّ أنْ يفعَلَ، فإذا طلَّق الثانيةَ ثم حاضت الحيضةَ الثانيةَ فهما تطليقتانِ وقُرْءَان، ثم قال اللهُ ﵎ في الثالثةِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فيطلِّقُها في ذلك القرءِ كلِّه إن شاءَ حينَ تجمَعُ عليها (١) ثيابَها (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلَّا أنه قال: فحاضَت الحيضةَ الثانيةَ، كما طلَّق الأولَى، فهاتان تطليقتانِ وقُرْءانِ، ثم قال: الثالثةُ.
وسائرُ الحديثِ مثلُ حديثِ محمدِ بن عمرٍو، عن أبي عاصمِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِ هؤلاء: سُنَّةُ الطلاقِ التي سَنَنْتُها وأبَحتُها لكم، إذا أردْتم طلاقَ نسائِكم، أن تطلقوهنَّ ثِنتينِ في كلِّ طهرٍ واحدةً، ثم الواجبُ * بعدَ ذلك عليكم، إما أن تمسكوهنّ بمعروفٍ أو تسرِّحوهنَّ بإحسانٍ.
فالذي هو أوْلَى بظاهرِ التنزيلِ ما قاله عُروةُ وقتادةُ ومَن قال مثلَ قولِهما من أنَّ الآيةَ إنما هي دليلٌ على عددِ الطلاقِ الذي يكونُ به التحريمُ وبُطولُ الرجْعةِ فيه، والذى يكونُ فيه الرجعةُ منه، وذلك أن اللهَ تعالى ذِكرُه قال في الآيةِ التي تتلوها: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
فعرَّف عبادَه القدرَ الذي به تحرُمُ المرأةُ على زوجِها إلَّا بعدَ زوجٍ، ولم يبيِّنْ فيها الوقتَ الذي يجوزُ الطلاقُ فيه، والوقتَ الذي لا يجوزُ ذلكَ فيه، فيكونَ موجِّهًا تأويلَ الآيةِ إلى ما رُوى عن ابنِ مسعودٍ ومجاهدٍ ومن قال بمثلِ قولِهما فيه.
وأما قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فإنَّ في تأويلِه وفيما عُنِى به اختلافًا بين أهلِ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ تعالَى ذكرُه بذلك الدلالةَ على اللازمِ للأزواجِ للمطلقاتِ (١) اثنتين بعدَ مُراجعتِهم إياهنَّ من التطليقةِ الثانيةِ من عِشرتِهن بالمعروفِ، أو فراقِهنَّ بطلاقٍ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريج، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾؟
قال: يقولُ: عندَ الثالثةِ إما أن يُمسِكَ بمعروفٍ، وإما أن يُسرِّحَ بإحسانٍ.
وغيرُه (٢) قالها.
قال: وقال مجاهدٌ: الرجلُ أملكُ بامرأتِه في تطليقتين من غيرِه، فإذا تكلَّمَ الثالثةَ فليستْ منه بسبيلٍ، وتَعتدُّ لغيرِه (٣).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، قال: أتى النبيَّ ﷺ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ قولَه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فأين الثالثةُ؟
قال رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " هي الثالثةُ" (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، مَال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مهدىٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بنِ سُميعٍ، عن أبي رزينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
فأين الثالثةُ؟
قال: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، يقولُ اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾، فأين الثالثةُ؟
قال: "التَّسْريحُ بإحسانٍ" (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: في الثالثةِ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، عن مَعمرٍ، عن قتادةَ، قال: كان الطلاقُ ليس له وقتٌ حتى أنزَل اللهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
قال: الثالثةُ ﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٣).
وقال آخرون منهم: بل عنَى اللهُ بذلك الدلالةَ على ما يلزَمُهم لهنَّ بعدَ التطليقةِ الثانيةِ من مُراجعةٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسانٍ، بتركِ رجْعتِهنَّ حتى تنقضيَ عدَّتُهنَّ، فيصِرْنَ أملكَ بأنفُسِهنَّ (٤).
وأنكَروا قولَ الأوَّلين الذين قالوا: إنه دليلٌ على التطيقةِ الثالثةِ.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: إذا طلَّقَ واحدة أو اثنتيْنِ، إما أن يُمسِكَ - ويمسكَ: يراجعَ - بمعروفٍ، وإما سكتَ عنها حتى تنقضيَ عدَّتُها، فتكونَ أحقَّ بنفسِها (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدَّتُها (١).
حدَّثنا يحيى (٢) بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: يعني تطليقتيْنِ بينهما مُراجعةٌ، فأُمِر أنُ يمسِكَ أو يُسرِّحَ بإحسانٍ.
قال: فإنْ هو طلَّقها ثالثةً، فلَا تَحِلُّ له حتى تنكِحَ زوجًا غيرَه.
وكأن قائلي هذا القولِ الذف ذكَرناه عن السُّدِّيِّ والضحاكِ ذهَبوا إلى أن معنى الكلامِ: الطلاقُ مرّتانِ، فإمساكٌ في كلِّ واحدةٍ منهما لهنَّ بمعروفٍ، أو تسريحٌ لهنَّ بإحسانٍ.
وهذا مذهبٌ مما يحتمِلُه ظاهرُ التنزيلِ لولَا الخبرُ الذي ذكَرتُه عن النبيِّ ﷺ، الذي رواه إسماعيلُ بنُ سُميعٍ، عن أبي رَزِينٍ، فإنَّ اتباعَ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أوْلى بنا مِن غيرِه.
فإذ كان ذلك هو الواجبَ، فبيِّنٌ أن تأويلَ الآيةِ: الطلاقُ الذي لأزواجِ النساءِ على نسائِهم (*) فيه الرجعةُ مرتان، ثم الأمرُ بعدَ ذلك إذا راجَعوهُنَّ في الثانيةِ، إما إمساكٌ بمعروفٍ، وإما تسريحٌ منهم لهن بإحسانٍ بالتطليقةِ الثالثةِ حتى يَبِنَّ (١) مِنهم، فيَبطُلَ (٢) ما كان لهم عليهن من الرجْعةِ، ويصِرنَ أملكَ بأنفسِهنَّ (٣) منهم (٤).
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإمساكُ الذي هو بمعروفٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به عليُّ بنُ عبدِ الأعلَى المحاربيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.
قال: المعروفُ أن يُحسنَ صُحبتَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾.
قال: ليتّقِ اللهَ فما التطليقةِ الثالثةِ، فإمّاُ يُمسِكُها بمعروفٍ فيحسِنُ صَحابتَها (٥).
فإن قال: فما التسريحُ الذي هو بإحسانٍ؟
قيل: هو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: أو يُسرِّحُها فلا يظلِمُها من حقِّها شيئًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: هو الميثاقُ الغليظُ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
قال: الإحسانُ أن يوفِّيَها حقَّها، فلا يُؤذِيَها ولا يَشتمَها (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ عبدٍ الأعلَى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾: فالتسريحُ بإحسانٍ أن يدَعَها حتى تمضيَ عِدّتُها، ويُعطيَها مَهرًا إنْ كان لها عليه إذا طلَّقها، فذلك التسريحُ بإحسانٍ، والمتعةُ على قَدْرِ الميسرَةِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] قال: قولُه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢).
بأن قال قائلٌ: فما الرافعُ للإمساكِ والتسريحِ؟
قيل: محذوفٌ اكتُفِيَ بدلالةِ ما ظهَر من الكلامِ مِن ذكرِه، ومعناه: الطلاقُ مرتان، فالأمرُ الواجبُ حينئذٍ (٣) إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسانٍ.
وقد بيَّنَّا ذلك مفسَّرًا في قولِه: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: ولا يَحِلُّ لكم أيُّها الرجالُ أن تأخُذوا مِن نسائِكم - إذا أنتم أردتُم طلاقَهن - لطلاقِكم وفراقِكم إياهنَّ، شيئاً مما أعطيتموهُنَّ من الصّداقِ، وسُقتُم إليهنَّ [من المهرِ] (١)، بل الواجبُ عليكم تسريحُهنَّ بإحسانٍ، وذلك إيفاؤُهنَّ حقوقَهنَّ من الصَّداقِ والمتعةِ وغيرِ ذلك مما يجبُ لهنَّ عليكم إلَّا أن يخافا ألا يُقيما حدودَ اللهِ.
واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
وذلك قراءةُ عُظْمِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ (٢)، بمعنى: إلَّا أن يخافَ الرجلُ والمرأةُ ألا يقيمَا حدودَ اللهِ.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَا يُقيِما حُدودَ اللهِ).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، قال: أخبَرني ثورٌ، عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قال: في حرفِ أُبيٍّ أن الفداءَ تطليقةٌ.
قال (٣): فذكَرتُ ذلك لأيوبَ، فأتينا رجلًا عندَه مصحفٌ قديمٌ لأبيٍّ خرَج من ثقةٍ، فقرَأناه فإذا فيه: (إلَّا أنْ يَظُنَّا ألَّا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإنْ ظَنَّا ألا يُقِيما حُدُودَ اللهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه، لا تحلُّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيرَه) (٤).
والعربُ قد تضعُ الظَّنَّ موضعَ الخوفِ، والخوفَ موضعَ الظنِّ في كلامِها؛ لتقاربِ معنيَيْهما، كما قال الشاعرُ (٥): أتانِي كَلامٌ عنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … ومَا خِفْتُ يا سَلَّامُ أنَّكَ عائبِي بمعنى: وما ظَننتُ.
وقرأه آخرون من أهلِ المدينةِ والكوفةِ: (إلَّا أنْ يُخافا) (١).
فأما قارئُ ذلك كذلك من أهلِ الكوفةِ، فإنه ذُكِر عنه أنه قرَأه كذلك اعتبارًا منه بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، وذُكِرَ أنه في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (إلَّا أنْ تَخافُوا ألَّا يُقِيما حُدُودَ اللهِ) (٢).
وقراءةُ ذلك كذلك اعتبارًا بقراءةِ ابنِ مسعودٍ التي ذُكِرتْ عنه خطأٌ، وذلك أن ابنَ مسعودٍ إن كان قرَأه كما ذُكِرَ عنه، فإنما أعملَ الخوفَ في "أنْ" وحدَها، وذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، كما قال الشاعرُ (٣): إذَا مِتُّ فادْفِنِّي إلى أصْلِ (٤) كَرْمَةٍ … يُرَوِّي عِظامي بَعْدَ مَوتي عُرُوقُها ولَا تَدْفِنَنِّى بالفَلاةِ فإنَّنِي … أخافُ إذَا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقُها فأمّا قارئُه: (إلَّا أن يُخافَا).
بذلك المعنَى، فقد أعمَل الخوفَ (٥) في متروكةٍ (٦) تَسميتُه، وفي "أنْ"، فأعْمَله في ثلاثةِ أشياءَ (٧): المتروكِ الذي هو اسمُ ما لمْ يُسمَّ فاعلُه، وفي "أنْ" التي تنوبُ عن شيئين.
ولا تقولُ العربُ في كلامِها: ظُنّا أنْ يقوما.
لكنّ قراءةَ ذلك كذلك صحيحةٌ على غيرِ الوجهِ الذي قرَأهُ مَنْ ذكَرْنا قراءَتَه كذلك، اعتبارًا بقراءةِ عبدِ اللهِ [التي وصَفْنَاها] (١)، ولكنْ على أن يكونَ مرادًا به إذا قُرئَ كذلك: إلا أن يُخافَا بألا يقيما حدودَ اللهِ.
أو على ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فيكونَ العاملُ في "أن" غيرَ "الخوفِ"، ويكونَ "الخوفُ" عاملًا فيما لم يُسمَّ فاعلُه.
وذلك هو الصوابُ عندَنا من (٢) القراءةِ؛ لدلالةِ ما بعدَه على صحتِه، وهو قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ فكان بيِّنًا أن الأولَ بمعنى: إلَّا أن تَخافوا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: وأيةُ حالٍ الحالُ التي يُخافُ عليهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، حتى يَجوزَ للرجلِ أنْ يأخُذَ حينئذٍ منها ما آتاها؟
قيل: حالُ نُشوزِها وإظهارِها له بِغْضتَه، حتى يُخافَ عليها تركُ طاعةِ اللهِ فيما ألزَمها (٣) لزوجِها من الحقِّ، ويُخافَ على زوجِها بتقصيرِها في أداءِ حقوقه التي ألزَمها اللهُ له تركُه أداءَ الواجبِ لها عليه، فذلك حينَ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حدودَ اللهِ فيُطِيعاه فيما ألزَمَ كلَّ واحدٍ منهما لصاحبِه، والحالُ التي أباحَ النبيُّ ﷺ لثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ أخذَ ما كان آتَى زوجَته إذْ نَشَزتْ عليه بُغضًا منها له.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على فُضيلٍ، عن أبي حَرِيزٍ (٤)، أنه سأل عكرمةَ: هل كان للخُلعِ أصلٌ؟
قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: إنَّ أولَ خُلعٍ كان في الإسلامِ أختُ عبدِ اللهِ بنِ أبَىٍّ؛ أنها أتتْ رسولَ اللهِ ﷺ، فقالت: يا رسولَ اللهِ لا يجمَعُ رأسِي ورأسَه شيْءٌ أبدًا، إني رفَعتُ جانبَ الخِباءِ فرأيتُه أقبَل في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سوادًا، وأقصرُهم قامةً، وأقْبحُهم وجهًا.
قال زوجُها: يا رسولَ اللهِ إني أعطيتُها أفضلَ مالي حديقةً، [فإنْ ردَّتْ] (١) عليَّ حديقتي!
قال: ما تقولين؟
قالت: نَعم، وإن شاءَ زِدْتُه.
قال: ففرّقَ بينهما (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ مَعمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا أبو عَمرٍ والسَّدوسِيُّ، عن عبدِ اللهِ، يعني ابنَ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أن حبيبةَ ابنةَ سهلٍ كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، فضرَبها فكسَر بعضَها (٣)، فأتت رسولَ اللهِ ﷺ بعدَ الصُّبحِ، فاشْتكتْه إليه (٤)، فدعا رسولُ اللهِ ﷺ ثابتًا، فقال: "خُذْ بعضَ مالِها وفارِقْها".
قال: ويصلُحُ ذلك يا رسولَ اللهِ؟
قال: "نعم".
قال: فإني أصدَقْتُها حديقتَيْنِ وهما بيدِها، فقال النبيُّ ﷺ: "خُذْهُمَا وفارِقْهَا".
ففعَل (٥).
حدثنا [ابن بشارٍ] (٦)، قال: ثنا روحٌ، قال: ثنا مالكٌ، عن يحيى، عن عَمْرةَ، أنها أخبرَته عن حبيبةَ ابنةِ سهلٍ الأنصاريةِ أنها كانت تحتَ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ رآها عندَ بابِه بالغَلسِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَنْ هَذِه؟
" قالت: أنا حبيبةُ ابنةُ سهلٍ، لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ.
لزوجِها، فلما جاء ثابتُ بنُ قيسٍ قال له رسولُ اللهِ ﷺ: "هَذِهِ حَبِيبَةُ ابنةُ سَهْلٍ تَذْكُرُ ما شاءَ اللهُ أنْ تَذْكُرَ".
فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللهِ، كلُّ ما أعطانِيه عندي.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "خُذْ مِنْها".
فأخَذ منها وجلَستْ في بيتِها (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ رباحٍ (٢)، عن جميلةَ بنتِ أُبيِّ ابنِ سلولَ، أنها كانت تحت (٣) ثابتِ بنِ قيسٍ فنشَزتْ عليه، فأرسَل إليها النبيُّ ﷺ، فقال: "يا جَمِيلَةُ ما كَرِهْتِ مِنْ ثابِتٍ"؟
قالت: واللهِ ما كرِهتُ منه دِينًا ولَا خُلقًا، إلَّا أني كرِهتُ دَمامَتَه.
فقال لها: "أتَرُدِّين الحَديقَةَ؟
" قالت: نعم.
فرَدَّتِ الحديقةَ، وفرَّق بينهما (٤).
وقد ذُكِرَ أنَّ هذه الآيةَ نزَلتْ في شأنِهما، أعني في شأنِ ثابتِ بنِ قيسٍ وزوجتِه هذه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في ثابتِ بنِ قيسٍ وفي حبيبةَ، قال: وقد كانت اشتكَته إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ: "تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ"؟
فقالت: نعم.
فدعاه النبيُّ ﷺ فذكَر ذلك له.
فقال: ويطيبُ لي ذلك يارسولَ اللهِ؟
قال: "نعم".
قال ثابتٌ: قد فعَلْتُ.
فنزَلتْ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (١).
وأما أهلُ التأويلِ فإنهم اختَلَفوا في معنى الخوفِ منهما ألا يُقِيما حدودَ اللهِ، فقال بعضُهم: ذلك هو أن يظهرَ من المرأةِ سوءُ الخلقِ والعِشرةِ لزوجِها، فإذا ظهَر ذلك منها له، حلَّ له أخذُ ما أعطَتْه من فديةٍ على فراقِها.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: إلَّا أن يكونَ النشوزُ وسوءُ الخلقِ مِن قِبَلِها، فتَدْعوَك إلى أن تَفتديَ منك، فلا جناحَ عليك فيما افتدَتْ به (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: أخبَرني هِشامُ بنُ عروةَ، أن عروةَ كان يقولُ: لا يحِلُّ الفداءُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبَلِها، ولم يكنْ يقولُ: "لا يحِلُّ له" حتى تقولَ: لا أبَرُّ لكَ قَسمًا، ولا أغتسِلُ مِن جنابةٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبَرني عَمرُو بنُ دينارٍ، قال: قال جابرُ بنُ زيدٍ: إذا كان الشَّرُّ (٤) مِن قِبلِها حلَّ الفداءُ (٣).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: حدَّثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ أبي الزِّنادِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه كان يقولُ: إذا كان سوءُ الخلقِ وسوءُ العِشْرَةِ مِن قِبلِ المرأةِ، فذاكَ يُحِلُّ خُلْعَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن حمادٍ، عن هشامٍ، عن أبيه أنه قال: لا يصلُحُ الخُلعُ حتى يكونَ الفسادُ من قِبلِ المرأةِ (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّريُّ (٢)، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في امرأةٍ قالت لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمْرًا، ولا أغتسِلُ لك من جنابةٍ: قال: ما هذا؟
- وحرَّك يدَه - لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا!
إذا كرِهتِ المرأةُ زوجَها فلْيأخُذْ ولْيترُكْها (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ أنه قال في المُختَلِعةِ: يَعِظُها، فإن انتهَتْ وإلا هجرَها، فإن انتهَتْ وإلا ضرَبها، فإن انتهتْ وإلا رفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحكمُ الذي من أهلِها: تفعلُ بها كذا وتفعلُ بها كذا.
ويقولُ الحكَمُ الذي من أهلِه: تفعَلُ به كذا وتفعلُ به كذا.
فأيُّهما كان أظلمَ ردَّه السلطانُ، وأخَذ فوقَ يدِه، وإن كانت ناشزًا أمَره أن يخلَعَ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: إذا كانت المرأةُ راضيةً مُغتبطةً مطيعةً، فلا يحلُّ له أن يضرِبَها حتى تفتديَ منه، فإن أخَذ منها شيئًا على ذلك، فما أخَذ مِنها فهو حرامٌ، وإن كان النشوزُ والبغضُ والظلمُ من قِبَلِها، فقد حلَّ له أن يأخُذَ منها ما افتدتْ به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا مَعمرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ قال: لا يحلُّ للرَّجلِ أن يَخْتلِعَ (١) امرأتَه إلا أن يُؤتَى (٢) ذلك مِنها، فأما أن يكونَ [ذلك منه] (٣)، يُضَارُّها حتى تَختلِعَ، فإن ذلك لا يصلُحُ، ولكن إذا نشَزتْ فأظهَرتْ له البغضاءَ وأساءت عِشْرتَه، فقد حلَّ له خُلْعُها (٤).
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ قال: الصداقُ ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ وحدودُ اللهِ أن تكونَ المرأةُ ناشِزًا، فإن اللهَ أمَر الزوجَ أن يعِظَها بكتابِ اللهِ، فإن قبِلتْ وإلا هجَرها، والهَجْرُ (٥) ألا يُجامِعَها ولا يضاجِعَها على فراشٍ واحدٍ، ويُولِّيَها ظهرَه ولا يكلِّمَها، فإن أبَتْ غلَّظ لها (٦) القولَ بالشَّتيمةِ لترجِعَ إلى طاعتِه، فإن أبتْ فالضربُ (٧)؛ ضربٌ غيرُ مُبرِّحٍ، فإن أبتْ إلا جِماحًا فقد أُحِلَّ له منها الفديةُ (٨).
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك ألا تَبَرَّ له قَسَمًا ولا تطيعَ له أمرًا، وتقولَ: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أُطِيعُ لك أمرًا.
فحينئذٍ يَحِلُّ له عندَهم أَخْذُ ما آتاها على فِراقِه إيّاها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: قال الحسنُ: إذا قالت: لا أغتسِلُ لك من جنابةٍ، ولا أَبَرُّ لك قسمًا، ولا أُطيعُ لك أمرًا.
فحينئذٍ حلَّ الخُلعُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: إذا قالت المرأةُ لزوجِها: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ، ولا أُقيمُ حدًّا من حدودِ اللهِ.
فقد حلَّ له مالُها.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ سالمٍ، قال: سألتُ الشعبيَّ، قلتُ: متى يحلُّ للرجلِ أن يأخُذَ من مالِ امرأتِه؟
قال: إذا أظهرَتْ بُغضَه وقالت: لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ أنه كان يَعْجَبُ من قولِ مَن يقولُ: لا تحلُّ الفديةُ حتى تقولَ: لا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ.
وقال: إن الزانِيَ يَزنِي ثم يغتسِلُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في الناشزِ، قال: إن المرأةَ ربما عصَتْ زوجَها ثم أطاعته، ولكن إذا عصَتْه فلم تَبَرَّ [له قَسَمًا] (١)، فعندَ ذلك تحِلُّ له (٢) الفديةُ (٣).
حَدَّثَنِي [موسى بنُ هارونَ] (٤)، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾: لا يحلُّ له أن يأخُذَ من مهرِها شيئًا إلَّا أن [يكونا يخافان] (٥) ألَّا يُقيما حدودَ اللهِ، فإذا لَمْ يقيما حدودَ اللهِ، فقد حلَّ له الفِدَى (٦)، وذلك أن تقولَ له: واللهِ لا أبرُّ لك قسمًا، ولا أطيعُ لك أمرًا، ولا أُكرِمُ لك نفْسًا.
ولا أغتسِلُ لكَ من جنابةٍ.
فهو حدودُ اللهِ، فإذا قالت ذلك، فقد حلَّ الفِدَى للزوجِ أن يأخُذَه ويطلِّقَها.
حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنبسةُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مِقْسمٍ في قولِهِ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] يقولُ: (إلَّا أن يُفْحِشْن) في قراءةِ ابنِ مسعودٍ (٧).
قال: إذا عصتْكَ وآذَتْكَ، فقد حلَّ لك ما أخَذتَ منها (٨).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.
قال: الخُلعُ.
قال: ولا يحلُّ له إلَّا أن تقولَ المرأةُ: لا أَبَرُّ قسَمَه، ولا أطيعُ أمرَه.
فيقبلَه خيفةَ أن يسيءَ إليها إن أمسَكها ويتعدَّى الحقَّ.
وقال آخرون: بل الخوفُ من ذلك أن [تُبْدِىَ له] (١) بلسانِها قولًا أنَّها له كارهةٌ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكَمِ المصريُّ، قال: ثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن أيوبَ بنِ موسي، عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، قال: يُحِلُّ الخلعَ أن تقولَ المرأةُ لزوجِها: إني لأكرَهُكَ، وما أحبُّكَ، ولقد خشيتُ أن آثَمَ (٢) في جنبِكَ ولا أؤدِّيَ حقَّكَ.
وتطيبَ نَفْسًا (٣) بالخُلعِ.
وقال آخرون: بل الذي يبيحُ له أخذَ الفديةِ أن يكونَ خوفُ ألا يقيما حدودَ اللهِ منهما جميعًا لكراهةِ كلِّ واحدٍ منهما صُحبةَ الآخَرِ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا حُميدُ بنُ مَسعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، وحَدَّثَنِي يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن داودَ، قال: قال عامرٌ: أُحِلُّ له مالَها بنُشوزِه ونُشوزِها (٤).
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال طاوسٌ: يُحِلُّ له الفِدى ما قال اللهُ ﵎ ولم يكن يقولُ قولَ السفهاءِ: لا أبَرُّ لك قسمًا.
ولكن يُحِلُّ الفداءَ ما قال اللهُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ فيما افْتَرَض لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من العِشرةِ والصحبةِ (١).
حَدَّثَنِي يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليةَ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: سمِعتُ القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
قال: فيما افتَرَض اللهُ عليهما في العِشرةِ والصُّحبةِ (٢).
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى ابنُ شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، قال: لا يَحِلُّ الخلعُ حتى يخافا ألا يُقِيما حدودَ اللهِ في العِشرةِ التي بينهما.
وأوْلى هذه الأقوالِ بالصحةِ قولُ من قال: لا يَحِلُّ للرجلِ أخذُ الفديةِ مِن امرأتِه على فراقِه إيَّاها، حتى يكونَ خوفُ معصيةِ اللهِ من كلِّ واحدٍ منهما على نفسِه، في تفريطِه في الواجبِ عليه لصاحبِه منهما جميعًا، على ما ذكرناه عن طاوسٍ والحسنِ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكرُه إنما أباحَ للزوجِ أخذَ الفدية من امرأتِه عندَ خوفِ المسلمين عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وصَفتَ، فالواجبُ أن يكونَ حرامًا على الرجلِ قبولُ الفديةِ منها إذا كان النشوزُ منها دونَه، حتى يكونَ منه من الكراهيةِ لها مثلُ الذي يكونُ منها؟
قيل له: الأمرُ في ذلك بخلافِ ما ظننتَ، وذلك أن في نشوزِها عليه داعيةً له إلى التقصيرِ في واجبِها، ومجازاتِها * بسوء فِعْلِها به، وذلك هو المعنى الذي يوجبُ للمسلمين الخوفَ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ.
فأمَّا إذا كان التفريطُ من كلِّ واحدٍ منهما في واجبِ حقِّ صاحبِه قد وُجدَ، وسوءُ الصحبةِ والعِشرَةِ قد ظهَر للمسلمين، فليس هناك للخوفِ موضعٌ، إذْ كان الخوفُ قد وُجدَ، وإنما يُخافُ وقوعُ الشيءِ قبلَ حُدوثِه، فأما بعدَ حُدوثِه فلا وجهَ للخوفِ مِنه ولا الزيادةِ في مكروهِه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ التي إذا خيفَ من الزوجِ والمرأةِ ألا يُقيماها حَلَّتْ له الفديةُ من أجلِ الخوفِ عليهما تَضْييعَها (١)؛ فقال بعضُهم: هو استخفافُ المرأةِ بحقِّ زوجِها وسوء طاعتِها إيَّاه، وأذاها له بالكلامِ.
ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: هو تركُها إقامةَ حدودِ اللهِ، واستخفافُها بحقِّ زوجِها، وسوءُ خلُقِها، فتقولُ له: واللهِ لا أبَرُّ لك قسمًا، ولا أطأُ لك مَضجَعًا، ولا أطيعُ لك أمرًا.
فإن فعَلتْ ذلك فقد حَلَّ له منها الفديةُ (٢).
حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: إذا قالت: لا أغتسلُ لك من جنابةٍ.
حلَّ له أن يأخُذَ منها (١).
حَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا حبَّانُ بنُ موسي، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا يونسُ، عن الزهريِّ، قال: يَحِلُّ الخلعُ حين يخافان ألا يقيما حدودَ اللهِ وأَداءَ حدودِ اللهِ في العِشرةِ التي بينَهما (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: فإن خفتم ألا يطيعا اللهَ.
ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن عامرٍ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾.
قال: ألا يطيعا اللهَ (٣).
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الحدودُ الطاعةُ.
والصوابُ من القولِ في ذلك: فإن خفتم ألا يُقيما [ما أوجَب] (٤) اللهُ عليهما مِن الفرائضِ، فيما أُلْزِمَ كلُّ واحدٍ منهما من الحقِّ لصاحبِه من العِشرةِ بالمعروفِ، والصُّحبةِ بالجميلِ، فلا جناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به.
وقد يدخلُ في ذلك ما رَوَيْناه عن ابنِ عباسٍ والشعبيِّ، وما رَوَيْنا عن الحسنِ والزهريِّ، لأنَّ من الواجبِ للزوجِ على المرأةِ طاعتَه فيما أوجَب اللهُ طاعتَه فيه، ولا تؤذِيه بقولٍ، ولا تمتنِعُ عليه إذا دعاها لحاجتِه، فإذا خالَفتْ ما أمرَها اللهُ به من ذلك كانت قد ضيَّعتْ حدودَ اللهِ التي أمرَها بإقامتِها (١).
وأما معنى إقامةِ (٢) حدودِ اللهِ، فإنه العملُ بها، والمحافظةُ عليها، وتركُ تضْيِيعِها، وقد بينَّا ذلك فيما مضَى قبلُ مِن كتابِنا هذا، بما يدلُّ على صحتِه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فإن خفتم أيها المؤمنون ألا يقيمَ الزوجان ما حدَّ اللهُ لكلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه من حقٍّ، وألزَمه له مِن فرضٍ، وخَشِيتم عليهما تضييعَ فرضِ اللهِ وتعدِّيَ حدودِه في ذلك، فلا جناحَ حينئدٍ عليهما فيما افتدَتْ به المرأةُ نفسَها من زوجِها، ولا حرجَ عليهما فيما أعطَتْ هذه على فراقِ زوجِها إيّاها (٤)، ولا على هذا فيما أخَذ منها من الجُعلِ والعِوَضِ عليه.
فإن قال قائلٌ: وهل كانت المرأةُ حَرِجةً لو كان الضِّرارُ من الرجلِ بها حتى افتدَتْ به نفْسَها، فيكونَ لا جناحَ عليهما (٥) فيما أعطَتْه من الفديةِ على فِراقِها إذا كان النشوزُ مِن قِبَلِها؟
قيل: لو علِمتْ في حالِ ضِرارِه بها ليأخذَ منها ما آتاها أن ضِرارَه ذلك إنما هو ليأخذَ منها ما حرَّمَ اللهُ عليه أخذَه * على الوجهِ الذي نهاهُ اللهُ عن أخذِه منها، ثم قَدَرتْ أن تمتنِعَ مِن إعطائِه ذلك (٦) بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا خوفَ (١) عليها في ذهابِ حقٍّ لها، لما حلَّ لها إعطاؤُه ذلكَ، إلَّا علَى وجهِ طيبِ النفسِ منها بإعطائِه إيَّاهُ على ما يَحِلُّ له أخذُه منها؛ لأنها متى أعطَتْه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها وهي قادرةٌ على مَنعِه ذلكَ بما لا ضررَ عليها في نفسٍ ولا دينٍ، ولا في حقٍّ لها تخافُ ذهابَه، فقد شارَكَتْه في الإثمِ بإعطائِه ما لا يَحلُّ له أخذُه منها على الوجهِ الذي أعطتْه عليْه، فلذلك (٢) وُضِع عنها الجناحُ إذا (٣) كان النشوزُ من قِبلِها، وأعطَتْه ما أعطَتْه من الفديةِ بطيبِ نفسٍ؛ ابتغاءً منها بذلك سلامتَها وسلامةَ صاحبِها من الوِزْرِ والمأثمِ، وهي - إذا أعطَتْه على هذا الوجهِ - باستحقاقِ الأجرِ والثوابِ من اللهِ أوْلى إن شاءَ اللهُ من الجنُاحِ والحرجِ، ولذلك قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ فوضَع الحرجَ عنها فيما أعطَتْه على هذا الوجهِ من الفديةِ على فِراقِه إيَّاها، وعنه فيما قبَض منها إذ كانت مُعطيةً على المعنى الذي وصَفْنا، وكان قابضًا منها ما أعطتْه من غيرِ ضِرارٍ، بل طلَبَ السلامةِ لنفسِه ولها في [أديانِهما وحذارًا للأوزارِ] (٤) والمأثمِ.
وقد يتَّجِهُ قولُه جلّ ثناؤُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ وجهًا آخرَ من التأويلِ، وهو أنَّها لو بذَلتْ له ما بذَلتْ من الفديةِ على غيرِ الوجهِ الذي أذِن نبيُّ اللهِ ﷺ لامرأةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمَّاسٍ، وذلك لكراهتِها أخلاقَ زوجِها أو دمامةَ خَلْقِه، وما أشبَهَ ذلك من الأمورِ التي يكرهُها الناسُ بعضُهم من بعضٍ، ولكن على الانصرافِ منها بوجْهِها إلى آخرَ غيرِه على وجهِ الفسادِ وما لا يَحِلُّ لها - كان حرامًا عليها أنْ تُعطىَ على مسألتِها إياهُ فِراقَها على ذلك الوجهِ شيئًا؛ لأنَّ مسألتَها إيّاه الفرقةَ على ذلك الوجهِ معصيةٌ منها للهِ، وتلك هي المُخْتلِعةُ - إن خولِعتْ على ذلك الوجهِ - التي رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنه سمَّاها منافقةً.
كما حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن ليثٍ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "أيُّمَا امرأةٍ سأَلَتْ زوجَها الطَّلاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهَا رَائحَةَ الجَنَّةِ".
وقال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المنُافِقَاتُ" (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مُزاحمُ بنُ ذَوَّادِ بنِ عُلْبةَ، عن أبيه، عن ليثِ بنِ أبي سُليمٍ، عن أبي الخطابِ، عن أبي زُرعةَ، عن أبي إدريسَ، عن ثوبانَ مولَى رسولِ اللهِ ﷺ، عن رسولِ اللهِ ﷺ، قال: "المُخْتَلِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا قيسُ بنُ الربيعِ، عن أشعثَ بنِ سَوّارٍ، عن الحسنِ، عن ثابتِ بنِ يزيدَ، عن عقبةَ بنِ عامرٍ الجُهَنيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ المُخْتلِعاتِ المُنْتَزِعاتِ هُنَّ المُنافِقاتُ" (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيةَ، قالا جميعًا: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، عمَّن حدَّثه، عن ثوبانَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أيُّمَا امْرَأةٍ سَأَلَتْ زَوْجَها طَلاقًا من غَيرِ بَأسٍ، فَحَرَامٌ علَيها رَائحَةُ الجَنَّة" (١) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أبي أسماءَ الرحبيِّ، عن ثوبانَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ نحوَه (٢).
فإذ كان من وجوهِ افتداءِ المرأةِ نفسَها من زوجِها ما تكونُ به حَرِجةً، وعليها في افتدائِها نفسَها على ذلك الحَرجُ والجُناحُ، وكان من وجوهِه ما يكونُ الحرجُ والجُناحُ فيه على الرجلِ دونَ المرأةِ، ومنه ما يكونُ عليهما، ومنه ما لا يكونُ عليهما فيه حرجٌ ولا جُناحٌ، قيل في الوجهِ الذي لا حرجَ عليهما فيه: لا جُناحَ إذْ كانا فيما حاولا وقصَدا من افتراقِهما بالجُعْلِ الذي بذَلتْه المرأةُ لزوجِها لا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من الوجهِ الذي أُبيحَ لهما، وذلك أن يخافا ألا يقيما حدودَ اللهِ بمقامِ (٣) كلِّ واحدٍ منهما على صاحبِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ (٤) أن في ذلك وجهين؛ أحدُهما، أن يكونَ مرادًا به: فلا جُناحَ على الرجلِ فيما افتدتْ به المرأةُ، دونَ المرأةِ.
وإن كانا قد ذُكرا جميعًا، كما قال في سورةِ "الرحمنِ": ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.
[وإنَّما يَخْرُجُ - زعَم - اللؤْلُؤُ والمَرْجانُ] (٥) من المِلحِ لا مِن العذْبِ.
قال: ومِثلُه: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وإنما النّاسي صاحبُ موسى وحدَه.
قال: ومِثلُه في الكلامِ أن تقولَ: عندي دابتان أركبُهما وأستَقِي عليهما.
وإنما تَركبُ إحداهما وتَسْتَقِي على الأُخْرى.
قال: وهذا من سَعةِ العربيةِ التي يُحتجُّ بسَعتِها في الكلامِ.
قال: والوجهُ الآخرُ، أن يشترِكا جميعًا في ألا يكونَ عليهما جُناحٌ، إذْ كانت تُعطِي ما قد نُفِيَ عن الزوجِ فيه الإثمُ، اشترَكت فيه؛ لأنها إذا أعطتْ ما يُطرحُ فيه المأثمُ احتاجتْ إلى مثلِ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: فلم يُصِبِ الصوابَ في واحدٍ مِن الوجهين، ولا في احتجاجِه بما احتجَّ به مِن قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾.
فأما قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ فقد بينّا وجهَ صوابِه، وسنُبَيِّنُ وجهَ قولِه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في موضعِه إذا أتينا عليه، إن شاء اللهُ.
وإنما خَطَّأْنا قولَه ذلك؛ لأن اللهَ ﵎ قد أخبرَ عن وضعِه الحرجَ عن الزوجيْنِ إذا افتدت المرأةُ مِن زوجِها على ما أذِنَ، وأخبرَ عن البحرين أن منهما يخرُجُ اللؤلؤُ والمرجانُ، فأضاف الخبرَ (١) إلى اثنيْن.
فلو جازَ لقائلٍ أن يقولَ: إنما أريدَ به الخبرُ عن أحدِهما فيما لم يكنْ مُستحيلًا أن يكونَ عنهما، جازَ في كلِّ خبرٍ كانَ عن اثنينِ - غيرُ مُستحيلةٍ صحتُه أن يكونَ عنهما - أن يقالَ: إنما هو خبرٌ عن أحدِهما.
وذلك قلبُ المفهومِ من كلامِ الناسِ والمعروفِ من استعمالِهم في مخاطباتِهم.
وغيرُ جائزٍ حملُ كتابِ اللهِ ﷿ ووَحْيِه جلَّ ذكرُه على الشواذِّ من الكلامِ، وله في المفهومِ الجارِي بين الناسِ وجهٌ صحيحٌ موجودٌ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
أمَعنيٌّ به أنهما موضوعٌ عنهما الجُناحُ في كلِّ ما افتدتْ به المرأةُ نفسَها من شيءٍ أم في بعضِه؟
فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فلا جناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من صَداقِها الذي كان آتاها زوجُها الذي تختلِعُ منه.
واحتجُّوا في قولِهم ذلك بأن آخرَ الآيةِ مردودٌ على أوَّلِها، وأن معنى الكلامِ: ولا يحِلُّ لكم أن تأخُذوا مما آتَيْتموهنَّ شيئًا إلا أن يَخافا ألا يُقِيما حُدودَ اللهِ، فإن خِفتم ألا يُقيما حُدودَ اللهِ فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به مما آتيتموهنَّ.
قالوا: فالذي أحلّه اللهُ لهما من ذلك عندَ الخوفِ عليهما ألا يقيما حدودَ اللهِ هو الذي كان حظَرَ عليهما قبلَ حال الخوفِ عليهما من ذلك.
واحتجُّوا في ذلك بقصةِ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شَمّاسٍ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ إنما أمَر امرأتَه إذْ نَشَزَت عليه أن تردَّ ما كان ثابتٌ أصْدَقها، وأنها عرَضت الزيادةَ فلم يقبَلْها النبيٌّ ﷺ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، لَال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ أنه كان يقولُ: لا يصلُحُ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما ساقَ إليها.
ويقولُ: إن اللهَ يقولُ: (فَلا جُناحَ عليهما فيما افْتَدَتْ به منه).
يقولُ: من المهرِ، وكذلك كان يَقْرَؤُها: (فيما افتدَتْ به منه) (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ عمرَو بنَ شعيبٍ وعطاءَ بنَ أبي رباحٍ والزهريَّ يقولون في الناشزِ: لا يأخُذُ منها زوجُها (٢) إلا ما ساقَ إليها (٣).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، ثنا أبو عمرٍو، عن عطاءٍ، قال: الناشزُ لا يأخُذُ إلا ما ساق إليها.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عطاءٍ أنه كَرِه أنْ يأخذَ في الخلعِ أكثرَ مما أعطاها (١).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، قال: كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ الرجلُ من المختلِعةِ فوقَ ما أعطاها، وكان يرى أن يأخُذَ دونَ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، مَال: ثنا سفيانُ، عن أبي حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ أنه كان يَكرَهُ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
يعني المختلِعَةَ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ ليثًا، عن الحكمِ بنِ عُتيبَةَ، قال: كان عليٌّ يقولُ: لا يأخذُ من المختلعةِ فوقَ ما أعطاها (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٥)، عن الحَكَمِ أنه قال في المُختلعةِ: أحبُّ إليَّ ألا يَزدادَ (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، أن الحسنَ كان يَكْرَهُ أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها (١).
حدثنا محمدُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، أنه سأل الحسنَ - أو أن الحسنَ سُئِلَ - عن رجلٍ تزوَّج امرأةً على مائتي درهمٍ، فأرادَ أن يخلَعَها، هل له أن يأخذَ أربعَمائةٍ؟
فقال: لا واللهِ، [لا أرَى] (٢) ذاك؛ أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ: لا يأخذُ منها أكثرَ مما أعطاها.
قال مَعمرٌ: وبلَغني عن عليٍّ أنه كان يَرَى ألا يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (٣).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن عبدِ الكريمِ الجَزَرِيِّ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: ما أُحِبُّ أن يأخذَ منها كلَّ ما أعطاها حتى يَدَعَ لها منه ما يُعِيشُها (٤).
حدثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، أن أباه كان يقولُ في المفتديةِ: لا يَحِلُّ له أن يأخذَ منها أكثرَ مما أعطاها (٥).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، قال: لا يَحِلُّ لرجلٍ أن يأخذَ من امرأتِه أكثرَ مما أعطاها (١).
وقال آخرون: بل عنَى بذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدَتْ به من قليلِ ما تملِكُه وكثيرِه.
واحتجُّوا لقولِهم ذلك بعمومِ الآيةِ، وأنه غيرُ جائزةٍ إحالةُ ظاهرٍ عامٍّ إلى باطنٍ خاصٍّ، إلا بحجةٍ يَجبُ التسليمُ لها.
قالوا: ولا حُجَّةَ يجبُ التسليمُ لها بأنَّ الآيةَ مرادٌ بها بعضُ الفديةِ دونَ بعضٍ من أصلٍ أو قياسٍ، فهي على ظاهِرِها وعُمومِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرةَ، أن عُمرَ أُتِي بامرأةٍ ناشزٍ، فأمَرَ بها إلى بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثًا، ثم [دعا بها] (٢) فقال: كيف وجدتِ؟
قالت: ما وجدتُ راحةً منذُ كنتُ عندَه إلا هذه الليالي التي حَبَسْتَنِي.
فقال لزوجِها: اخْلَعْها ولو من قُرْطِها (٣).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن كثيرٍ مولَى سَمُرَة، قال: أخَذ عُمرُ بنُ الخطابِ امرأةً ناشِزًا فوعَظَها، فلم تقبَلْ بخيرٍ، فحبَسها في بيتٍ كثيرِ الزِّبلِ ثلاثةَ أيامٍ.
وذكَر نحوَ حديثِ ابنِ عُلَيَّةَ (١).
حدثنا ابنُ بشارٍ ومحمدُ بنُ يحيى، قالا: ثنا عبدُ الأعلَى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن امراةً أتتْ عُمرَ بنَ الخطابِ فشكَتْ زوجَها، فقال: إنها ناشزٌ.
فأباتَها في بيتِ الزِّبلِ، فلمَّا أصْبَحتْ (٢) قال لها: كيف وجدتِ مكانَكِ؟
قالت: ما كنتُ عندَه ليلةً أقرَّ لعيني من هذه الليلةِ.
فقال: خُذْ ولو عِقاصَها (٣).
حدثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن نافعٍ، أن مولاةً لصفيةَ اختلَعتْ من زوجِها بكلِّ شيءٍ تملِكُه إلا من ثيابِها، فلم يَعِبْ ذلك ابنُ عُمرَ (٤).
حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى ومحمدُ بنُ المثنَّى، قالا: ثنا مُعتمِرٌ، قال: سمِعْتُ عُبيدَ اللهِ يُحدِّثُ عن نافعٍ، قال: ذُكِر لابنِ عمرَ مولاةٌ له اخْتَلَعَتْ من زوجِها بكلِّ مالٍ لها، فلم يَعِبْ ذلك عليها ولم يُنْكِرْه.
حدثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُميدٍ، عن رجاءِ بنِ حَيْوةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ أنه كان لا يَرَى بأسًا أن يأخُذَ منها أكثرَ مما أعطاها.
ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١).
حدثنا ابنُ بشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال في الخُلْعِ: خُذْ ما دونَ عِقاصِ شَعَرِها، وإن كانت المرأةُ لَتَفْتَدِي ببعضِ مالِها (٢).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن مُغِيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخُلْعُ ما (٣) دونَ عِقاصِ الرأسِ (٤).
حدثنا ابنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، عن إبراهيمَ أنه قال في المختلِعةِ: خُذْ منها ولو عِقاصَها.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: الخلعُ بما دون عِقاصِ الرأسِ، وقد تَفْتَدِي المرأةُ ببعضِ مالِها (٥).
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عَقيلٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ ابنةَ مُعَوِّذِ بنِ عفراءَ حدَّثَتْه قالت: كان لي زوجٌ يُقِلُّ عليَّ الخيرَ إذا حضَرني، ويَحْرِمُني إذا غابَ.
قالت: فكانت منِّي زَلَّةٌ يومًا، فقلت: أَخْتَلِعُ منك بكلِّ شيءٍ أَمْلِكُه.
قال: نعم.
قالت (٦): ففعَلْتُ.
قالت: فخاصَم عمِّى معاذُ بنُ عفراءَ إلى عثمانَ بنِ عفّانَ، فأجاز الخُلْعَ وأمَره أن يَأخُذَ عِقاصَ رأسي فما دونَه.
أو قالت: ما دونَ عِقاصِ الرأسِ (١).
حدَّثني ابنُ (٢) المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ (٣) بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا الحسنُ بنُ يحيى، عن الضّحّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا بأسَ بما خَلَعَها به من قليلٍ أو كثيرٍ، ولو عُقُصَها.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا حَجّاجٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن شاء أخَذ منها أكثرَ مما أَعطاها (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُريجٍ، قال: أخبرَني عمرُو بنُ دينارٍ أنه سَمِع عكرمةَ يقولُ: قال ابنُ عباسٍ: لِيَأخُذْ منها حتى قُرْطَها.
يَعني في الخُلْعِ (٥).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُطَرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: أخبرَنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن نافعٍ، عن مولاةٍ لصفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ أنها اختلَعَتْ من زوجها بكلِّ شيءٍ لها، فلم يُنْكِرْ ذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ (٦).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا حمّادٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن رجاءِ بنِ حَيْوَةَ، عن قَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا يزيدُ وسهلُ بنُ يوسفَ وابنُ أبي عديٍّ، عن حُميدٍ، قال: قلتُ لرجاءِ بنِ حَيْوَةَ: إن الحسنَ يقولُ في المختلِعةِ: لا يأخُذُ أكثرَ مما أَعطاها.
ويتأوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ (١) تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾.
قال رجاءٌ: فإنَّ قَبِيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يُرَخِّصُ أن يأخُذَ أكثرَ مما أَعطاها، ويَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢).
وقال آخرون: هذه الآيةُ منسوخةٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا عُقْبةُ ابنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرًا عن المختلِعةِ أيأخُذُ منها شيئًا؟
قال: لا.
وقرَأ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١].
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا الحَجّاجُ، قال: ثنا عُقبةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ، قال: سألتُ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ عن رجلٍ تُريدُ امرأتُه منه الخُلْعَ، قال: لا يَحِلُّ له أن يأخُذَ منها شيئًا.
قلتُ: يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: هذه نُسِخَتْ.
قلتُ: فأَنَّى حُفِظَتْ؟
قال: حُفِظَتْ في سورةِ "النِّساءِ" قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (١).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إذا خِيفَ مِن الرجلِ والمرأةِ ألا يُقيما حُدودَ اللهِ على سبيلِ ما قدَّمْنا البيانَ عنه، فلا حرَج عليهما فيما افْتَدَتْ به المرأةُ نفسَها مِن زوجِها مِن قليلِ ما تَمْلِكُه وكثيرِه مما يجوز للمسلمِين أن يَمْلِكُوه، وإنْ أتَى ذلك على جميعِ مِلْكِها؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه لم يَخُصَّ ما أباحَ لهما من ذلك على حدٍّ لا يُجاوَزُ، بل أطْلَق ذلك في كلِّ ما افتدَتْ به، غيرَ أني أختارُ للرجلِ استحبابًا لا تَحتيمًا (٢) - إذا تَبَيَّنَ من امرأتِه أن افتداءَها منه لغيرِ معصيةٍ للهِ، بل خوفًا منها على دينِها - أن يُفارِقَها بغيرِ فديةٍ ولا جُعْلٍ، فإن شَحَّتْ نفسُه بذلك، فلا يَبْلُغْ بما يأخُذُ منها جميعَ ما آتاها.
فأمّا قاله بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ مِن أنَّ هذا الحكمَ في جميعِ الآيةِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
فقولٌ لا معنى له، فنَتَشاغلَ بالإبانةِ عن خَطَئِه؛ لمعنيَيْن؛ أحدُهما، إجماعُ الجميعِ من الصحابةِ والتابعِين ومَن بعدَهم من المسلمِين على تَخطئتِه وإجازةِ أخذِ الفِدْيةِ من المُفْتَدِيةِ نفسَها لزوجِها، وفي ذلك الكفايةُ عن الاستشهادِ على خطئِه بغيرِه.
والآخرُ، أن الآيةَ التي في سورةِ "النِّساءِ" إنما حرَّم اللهُ فيها على زوجِ المرأةِ أن يأخُذَ منها شيئًا مما آتاها، بأن أراد الرجلُ استبدالَ زوجٍ بزوجٍ من غيرِ أن يكونَ هنالك خوفٌ من المسلمين عليهما مُقامَ أحدِهما على صاحبِه ألا يُقيما حدودَ اللهِ، ولا نشوزٌ من المرأةِ على الرجلِ.
وإذا كان الأمرُ كذلك، فقد ثَبَت (٣) أن أخذَ الزوجِ مِن امرأتِه مالًا على وجهِ الإكراهِ لها والإضرارِ بها، حتى تُعطَيَه شيئًا من مالِها على فِراقها - حرامٌ، ولو كان ذلك حبّةَ فِضّةٍ فصاعدًا.
وأما الآيةُ التي في سورةِ "البقرةِ"، فإنها إنما دَلَّتْ على إباحةِ اللهِ تعالى ذكرُه له أخذَ الفِدْيهَ منها في حالِ الخوفِ عليهما ألا يُقيما حُدودَ اللهِ بنُشوزِ المرأةِ، وطَلَبِها فِرَاقَ الرجلِ، ورغبتِه فيها، فالأمرُ الذي أُذِن به للزوجِ في أخذِ الفديةِ من المرأةِ في سورةِ "البقرةِ" ضدُّ الأمرِ الذي نُهِيَ من أجلِه عن أخذِ الفديةِ في سورةِ "النساءِ"، كما الحَظْرُ في سورةِ "النساءِ" غيرُ الطلاقِ (١) والإباحةِ في سورةِ "البقرةِ"، فإنما يجوزُ في الحُكْمَينْ أن يقالَ: أحدُهما ناسخٌ.
إذا اتفقتْ معاني المحكومِ فيه، ثم خُولِف بينَ الأحكامِ فيه باختلافِ الأوقاتِ والأزمنةِ.
وأما اختلافُ الأحكامِ باختلافِ معاني المحكومِ فيه في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، فذلك هو الحكمةُ البالغةُ، والمفهومُ في العقلِ والفطرةِ، وهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ.
وأما الذي قاله الرَّبيعُ بنُ أنسٍ من أن معنى الآيةِ: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به منه - يعني بذلك: مما آتَيْتُمُوهُنَّ - فنظيرُ قولِ بَكْرٍ في دَعواه نسخَ قولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بقولِه: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ لادِّعائه في كتابِ اللهِ ما ليس موجودًا في مصاحفِ المسلمين رَسْمُه.
ويقالُ لمن قال بقولِه: قد قال مَن قد عَلِمْتَ مِن أئمةِ الدينِ: إنما معنى ذلك: فلا جُناحَ عليهما فيما افتدتْ به من مِلْكِها.
فهل مِن حُجّةٍ [تَبِينُ بها منهم] (٢) غيرُ الدَّعْوَى؟
فقد احتجُّوا بظاهرِ التنزيلِ، وادَّعَيْتَ فيه خُصوصًا.
ثم يُعكَسُ عليه القولُ في ذلك، فلن يقولَ في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه.
وقد بَيّنّا الأدلةَ بالشواهدِ على صحةِ قولِ مَن قال: للزوجِ أن يأخُذَ منها كلَّ ما أَعْطَتْه المُفْتَدِيةُ التي أباحَ اللهُ لها الافتداءَ في كتابِنا "كتابِ اللطيفِ"، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾.
يَعنِي تعالى ذكرُه بذلك: تلك معالمُ فُصولِه بينَ ما أحلَّ لكم وما (١) حرَّم عليكم أيُّها الناسُ، فلا تَعْتَدُوا ما أحلَّ لكم من الأمورِ التي بَيَّنها وفَصَّلَها لكم من الحلالِ (٢)، إلى ما حرَّم عليكم، فتُجاوِزُوا طاعتَه إلى معصيتِه.
وإنما عَنَى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾: هذه الأشياءُ التي بَيَّنْتُ لكم في هذه الآياتِ التي مضَتْ؛ مِن نكاحِ المشركاتِ * الوَثَنِيّاتِ، وإنكاحِ المشركِين المسلماتِ، وإتيانِ النساءِ في المَحِيضِ، وما قد بَيَّنَ في الآياتِ الماضيةِ قبلَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ مما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أمَر ونهَى.
ثم قال لهم: هذه الأشياءُ التي بيَّنتُ لكم حلالَها مِن حرامِها حدودِي.
يَعْنى به معالمَ فصولِ ما بينَ طاعتي ومعصيتي، ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
يقولُ: فلا تَتجاوَزُوا ما أَحْلَلْتُه لكم إلى ما حرَّمْتُه عليكم، ولا ما أمَرْتُكم به إلى ما نَهَيْتُكم عنه، ولا طاعتي إلى معصيتي، فإن مَن تَعَدَّى ذلك - يَعنِي مَن تَخَطّاه وتَجاوزَه إلى ما حرَّمْتُه عليه أو نَهَيْتُه - فإنه هو الظالمُ، وهو الذي فعَل ما ليس له فِعْلُه، ووضَع الشيْءَ في غيرِ مَوْضِعِه.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الظلمٍ وأصلِه بشواهدِه الدالةِ على معناه، فكَرِهْنا إعادتَه في هذا الموضِعِ (١).
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالَفتْ ألفاظُ تأويلِهم ألفاظَ تأويلِنا، غيرَ أن معنى ما قالوا في ذلك آيِلٌ (٢) إلى معنى ما قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾: يعني بالحدودِ الطاعةَ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
يقولُ: مَن طلَّق لغيرِ العِدّةِ فقد اعتدَى وظلَم نفسَه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٣).
وهذا الذي ذُكِر عن الضّحاكِ لا معنى له في هذا الموضعِ؛ لأنه لم يَجْرِ للطلاقِ في العِدَّةِ ذِكْرٌ فيقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾.
وإنما جرَى ذكرُ العَدَدِ الذي يكونُ للمُطَلِّقِ فيه الرَّجعةُ، والذى لا يكونُ له فيه الرَّجعةُ، دون ذكرِ البيانِ عن الطلاقِ للعِدّةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ فيما دلَّ عليه هذا القولُ من اللهِ ﷿؛ فقال بعضُهم: دلَّ على أنه إن طلَّق الرجلُ امرأتَه التطليقةَ الثالثةَ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ ﷿ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
فإن امرأتَه تلك لا تَحِلُّ له من (٤) بعدِ التطليقةِ الثالثةِ حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، يعني به غيرَ المطلِّقِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: جعَل اللهُ حدَّ (١) الطلاقِ ثلاثًا، فإذا طلَّقها واحدةً فهو أحقُّ بها ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ، وعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، فإن انْقَضَتِ العِدَّةُ قبل أن يكونَ راجعَها، فقد بانتْ منه بواحدةٍ (١)، وصارتْ أحقَّ بنفسِها، وصار خاطبًا من الخُطّابِ، فكان الرجلُ إذا أراد طلاقَ أهلِه نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً في قُبْلِ (٢) عِدَّتِها عند شاهدَيْ عدلٍ، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها ما كانت في عِدَّتِها، وإن ترَكها حتى تَنْقَضيَ عِدَّتُها فقد بانتْ منه بواحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها بعد الواحدةِ وهي في عِدَّتِها نظَر حَيْضَتَها، حتى إذا طَهُرَتْ طلَّقها تطليقةً أُخرى في قُبْلِ عِدَّتِها، فإن بدا له مراجعتُها راجعَها، فكانت عنده على واحدةٍ، وإن بدا له طلاقُها طلَّقها الثالثةَ عند طُهْرِها، فهذه الثالثةُ التي قال اللهُ ﷿: [﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾] (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
يقولُ: إن طلَّقها ثلاثًا، فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه (٤).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَين، فله الرجعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
يعني الثالثةَ (١)، فلا رجعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ بنحوِه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
[قال: فإن طلَّقها من] (٢) بعدِ التطليقتَيْن فلا تَحِلُّ له حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه، وهذه الثالثةُ (٣).
وقال آخرون: بل دَلَّ هذا القولُ على ما يَلْزَمُ مُسَرِّحَ امرأتِه بإحسانٍ بعد التطليقتَيْن اللتَيْن قال اللهُ فيهما: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾.
قالوا: وإنّما بَيَّن اللهُ جل ثناؤُه بهذا القولِ عن حُكمِ قولِه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وأَعلَمَ أنه إن سَرَّح الرجلُ المرأةَ بعد التطليقتَيْن بإحسانٍ (٤) فلا تَحِلُّ له المُسَرَّحةُ كذلك إلا بعدَ زوجٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
قال: عاد إلى قولِه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ *، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: والذى قاله مجاهدٌ في ذلك عندنا أوْلَى بالصوابِ؛ للذى ذكَرْنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ في الخبرِ الذي رَوَيناه عنه أنه قال، أو سُئِل فقيل: هذا قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ فأين الثالثةُ؟
قال: " ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ " (٢) فأخبرَ ﷺ أن الثالثةَ إنما هي قولُه: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
فإذ كان التسريحُ بالإحسانِ هو الثالثةَ، فمعلومٌ أن قولَه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
مِن الدَّلالةِ على التطليقةِ الثالثةِ بَمعْزِلٍ، وأنّه إنّما هو بيانٌ عن الذي يَحِلُّ للمُسَرِّحِ بالإحسانِ إن سَرَّح زوجتَه بعد التطليقتَينْ، والذي يَحْرُمُ (٣) عليه منها، والحال التى يجوزُ له نكاحُها فيها، وإعلامٌ عبادَه أنَّ بعدَ التسريحِ - على ما وَصَفْتُ - لا رجعةَ للرجلِ على امرأتِه.
فإن قال قائلٌ: فأيَّ النكاحَينْ عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
النكاحُ الذي هو جماعٌ، أم النكاحُ الذي هو عَقْدُ تزويجٍ؟
قيل: كلاهما؛ وذلك أن المرأةَ [إن نَكَحَتْ رجلًا] (٤) نكاحَ تزويجٍ، ثم (٥) لم عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ في رجلٍ يَتزوَّجُ المرأةَ فيُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها البَتَّةَ، فتَتَزوَّجُ زوجًا آخرَ، فيُطَلِّقُها قبلَ أن يدخُلَ بها، أتَرجِعُ إلى الأوَّلِ؟
قال: "لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (١).
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن رَزينٍ الأَحمريِّ، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِل عن الرجل يُطَلِّقُ امرأتَه ثلاثًا، فيَتَزوَّجُها رجلٌ، فأغلَق البابَ، فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أتَرْجِعُ إلى زوجِها الآخرِ؟
قال: "لا، حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَها" (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ رَزينٍ، عن ابنِ عمرَ أنه سأل (٣) النبيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ، عن رجلٍ طلَّق امرأتَه، فتزوَّجَتْ بعدَه، ثم طلَّقها أو مات عنها، أيَتزوَّجُها الأولُ؟
قال: "لا، حتى تَذُوقَ عُسَيْلَتَه" (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾: فإن طلَّق المرأةَ التي بانتْ مِن زوجِها بآخرِ التطليقاتِ الثلاثِ بعد ما نكحَها مُطَلِّقُها الثاني، زوجُها الذى نكَحَها بعد بَيْنُونَتِها مِن الأوَّلِ، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلا حرَج على المرأةِ التي طلَّقها هذا الثاني من بعدِ بَيْنُونَتِها من الأوَّلِ، وبعد نكاحِه إيّاها، وعلى الزوجِ الأولِ الذي كانت حَرُمَتْ عليه بِبَيْنُونَتِها منه بآخرِ التطليقاتِ، أن يتراجَعا بنكاحٍ جديدٍ.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.
يقولُ: إذا تَزوَّجَتْ بعد الأولِ، فدخَل الآخرُ بها، فلا حَرَجَ على الأولِ أن يَتزوَّجَها إذا طلَّقها (١) الآخرُ، أو مات عنها، فقد حَلَّتْ له (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ (٣)، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضّحّاكِ، قال: إذا طلَّق واحدةً أو ثِنْتَيْن، فله الرَّجْعةُ ما لم تَنْقَضِ العِدَّةُ.
قال: والثالثةُ قولُه: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثةَ، فلا رَجْعةَ له عليها حتى تَنْكِحَ زوجًا غيرَه فيَدْخُلَ (٤) بها، ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هذا الأخيرُ بعدَ ما يدخُلُ بها، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ يعني الأوَّلَ، ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ (٥).
وأما قولُه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
فإن معناه: إن رَجَوَا مَطْمَعًا أن يُقيما حدودَ اللَّهِ.
وإقامتُهما (٦) حدودَ اللَّهِ العملُ بها.
وحدودُ اللَّهِ ما أمَرهما به، وأَوْجَبَ لكلِّ (١) واحدٍ منهما على صاحبِه، وأَلْزَمَ كلَّ واحدٍ منهما بسببِ النكاحِ الذى يكونُ بينهما.
وقد بَيَّنّا معنى الحدودِ ومعنى إقامةِ ذلك، بما أَغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾.
ما حدَّثني به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾: إن ظَنَّا أنَّ نكاحَهما على غيرِ دُلْسةٍ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقد وجَّه بعضُ أهلِ التأويلِ (٤) قولَه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾.
إلى أنه بمعنى: إن أَيْقَنا.
وذلك ما لا وَجْهَ له؛ لأن أحدًا لا يَعلمُ ما هو كائنٌ غيرُ اللَّهِ تعالى ذكرُه.
فإذ كان ذلك كذلك، فما المعنى الذي به يُوقِنُ الرجلُ والمرأةُ أنّهما إذا تراجَعا أقاما حدودَ اللَّهِ؟
ولكنَّ معنى ذلك كما قال تعالى ذكرُه: ﴿إِنْ ظَنَّا﴾.
بمعنى: طَمِعا بذلك ورَجَوَاه.
و ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ يُقِيمَا﴾.
في موضعِ نصبٍ بـ ﴿ظَنَّا﴾، و ﴿أَنْ﴾ التي في: ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾.
جعَلها بعضُ أهلِ العربيةِ في موضعِ نصبٍ بفَقْدِ الخافضِ (١)؛ لأن معنى الكلامِ: فلا جُناحَ عليهما في أن يتراجَعا.
فلمّا حُذِفت "في" التي كانت تَخْفِضُها نَصَبها، فكأنّه قال: فلا جُناحَ عليهما تراجُعَهما.
وكان بعضُهم يقولُ (٢): موضعُه خفضٌ، وإن لم يكنْ معها خافضُها، وإن كان محذوفًا فمعروفٌ موضعُه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾: هذه الأمورُ التي بَيَّنَها لعبادِه في الطلاقِ والرَّجْعةِ والفِدْيةِ والعِدَّةِ والإيلاءِ وغيرِ ذلك، مما يُبَيِّنُه لهم في هذه الآياتِ، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾: معالمُ فُصولِ حلالِه وحرامِه، وطاعتِه ومعصيتِه، ﴿يُبَيِّنُهَا﴾: يُفَصِّلُها، فيُمَيِّزُ بينها، ويُعَرِّفُهم أحكامَها، لقومٍ يَعْلَمونها إذا بَيَّنَها اللَّهُ لهم، فيَعْرِفون أنها مِن عندِ اللَّهِ، فيُصَدِّقُون بها، ويَعمَلون بما أَوْدَعهم اللَّهُ من علمِه، دون الذين قد طبَع اللَّهُ على قلوبِهم، وقضَى عليهم أنهم لا يُؤمِنون بها، ولا يُصَدِّقُون بأنها مِن عندِ اللَّهِ، فهم يَجْهَلون أنها من اللَّهِ، وأنها تنزيلٌ من حَكيمٍ حَميدٍ.
ولذلك خَصَّ القومَ الذين يَعْلَمون بالبيانِ دون الذين يَجْهلون، إذ كان الذين يَجْهَلون أنها من عندِه قد آيسَ نبيَّه محمدًا (٣) ﷺ من (٤) تصديقِ كثيرٍ منهم بها، وإن كان بَيَّنها (١) لهم من وجهِ الحُجّةِ عليهم ولزومِ العملِ لهم بها، وإنما أخرَجَها مِن أن تكونَ بيانًا لهم من وجهِ تركِهم الإقرارَ والتصديقَ به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: وإذا طلَّقْتُم أيُّها الرجالُ نساءَكم، ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾.
يعني مِيقاتَهنَّ الذي وقَّتُّه لهنَّ؛ من انقضاءِ الأقراءِ الثلاثةِ إن كانت من أهلِ القُرْءِ (٢)، وانقضاءِ الأشهرِ إن كانت من أهلِ الشهورِ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾.
يقولُ: فراجِعُوهن إن أردْتُم رَجْعَتَهنَّ في الطَّلْقةِ التي فيها رَجْعةٌ، وذلك إمّا في التطليقةِ الواحدة أو التَّطليقتَيْن، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
وأما قولُه: ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾.
فإنه عنَى: بما أَذِن به من الرَّجعةِ، مِن الإشهادِ على الرَّجعةِ قبلَ انقضاءِ العدةِ، دونَ الرَّجعةِ بالوطءِ والجماعِ؛ لأن ذلك إنما يجوزُ للرجلِ بعد الرَّجعةِ، وعلى الصُّحبةِ مع ذلك والعِشْرةِ بما أمَر اللَّهُ به وبَيَّنه لكم أيُّها الناسُ، ﴿أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
يقولُ: أو خَلُّوهُنَّ يَقْضِين تمامَ عِدَّتِهنَّ، ويَنْقَضِي بقيةُ أجلِهنَّ الذي أَجَّلْتُه لهنَّ لعِدَدِهنَّ، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾.
يقولُ: بإيفائِهنَّ (٣) تمامَ حقوقِهنَّ عليكم، على ما أَلْزَمْتُكم لهنَّ مِن مَهْرٍ ومُتْعةٍ ونفَقةٍ وغيرِ ذلك من حقوقِهنَّ قِبَلَكم، ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
يقولُ: ولا تُراجِعُوهُنَّ (٤) إن راجَعْتُموهنَّ في عِدَدِهنَّ مُضارَّةً (١) لهنَّ، لِتُطَوِّلُوا عليهنَّ مدةَ انقضاءِ عِدَدِهنَّ، أو لِتأخُذُوا منهنَّ بعضَ ما آتيتُمُوهنَّ بطَلبِهنَّ الخُلْعَ منكم لمُضَارَّتِكم (٢) إيَّاهنَّ بإمساكِكم إيّاهنَّ، ومُراجَعَتِكُموهُنَّ ضِرارًا واعتداءً.
وقولُه: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾.
يقولُ: لتَظْلِمُوهنَّ بمُجاوَزَتِكم في أَمْرِهنَّ حدودِي التي بَيَّنْتُها لكم.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾.
قال: يُطَلِّقُها حتى إذا كادت (٣) تَنْقَضِي راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، فيَدَعُها حتى إذا كادت (٣) تَنْقَضِي عِدَّتُها راجَعها، ولا يُريدُ إمساكَها، فذلك الذي يُضارُّ ويَتَّخِذُ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، قال: سُئِل الحسنُ عن قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ، ثم يُراجِعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجِعُها، يُضارُّها، فنَهاهم اللَّهُ عن ذلك (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾.
قال: نهَى (١) عن الضِّرارِ ﴿ضِرَارًا﴾ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه، ثم يُراجعَها عند آخرِ يومٍ يَبْقَى من الأجلِ، حتى يَفِيَ لها تسعةُ أشهرٍ، لِيُضارَّها به (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال: نهَى عن الضِّرارِ، والضِّرارُ في الطلاقِ أن يُطَلِّقَ الرجلُ امرأتَه [ثم يراجعَها] (٣).
وسائرُ الحديث مثلُ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها قبل انقضاءِ عِدَّتِها، ثم يُطَلِّقُها، يَفعلُ ذلك يُضارُّها ويَعْضُلُها، فأَنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً واحدةً ثم يَدَعُها، حتى إذا ما تكادُ تخلُو عِدّتُها راجَعها، ثم يُطَلِّقُها، حتى إذا ما كاد تخلُو عِدَّتُها راجَعها، ولا حاجةَ له فيها، إنما يريدُ أن يُضَارَّها بذلك، فنَهَى اللَّهُ عن ذلك وتَقَدَّمَ فيه، وقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال: قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾: فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وبلَغتْ أجلَها، فَلْيُراجِعْها بمعروفٍ أو لِيُسَرِّحْها بإحسانٍ، ولا يَحِلُّ له أن يُراجعَها ضِرارًا وليست له فيها رَغبةٌ إلا أن يُضَارَّها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
قال: هو في الرجلِ يَحْلِفُ بطلاقِ امرأتِه، فإذا بَقِيَ من عِدَّتِها شيءٌ راجَعها، يُضَارُّها بذلك، ويُطَوِّلُ عليها، فنهاهم اللَّهُ عن ذلك (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيسٍ، عن مالِك بنِ أنسٍ، عن ثَورِ بنِ زيدٍ الدِّيليِّ، أن رجلًا كان يُطَلِّقُ امرأتَه ثم يُراجعُها، ولا حاجةَ له بها، ولا يريدُ إمساكَها، كيما يُطَوِّلُ عليها بذلك العِدَّةَ ليُضَارَّها، فأَنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
يُعَظِّمُ (٣) ذلك (٤).
حدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ الفضلَ بنَ خالدٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه واحدةً، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ثم يُراجعُها، ثم يُطَلِّقُها، ليُضَارَّها بذلك لتَخْتَلِعَ منه (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
قال: نزَلتْ في رجلٍ من الأنصارِ يُدْعَى ثابتَ بنَ يسارٍ (٢) طَلَّق امرأتَه، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها إلا يومَيْن أو ثلاثةً راجَعها، ثم طَلَّقها، ففَعل ذلك بها، حتى مضَتْ لها تسعةُ أشهرٍ، مُضَارَّةً يُضَارُّها، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ (٣).
حدَّثني العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبَرني أبي، قال: سمِعْتُ عبدَ العزيزِ يُسألُ عن طلاقِ الضِّرارِ، فقال: يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، ثم يُطَلِّقُ، ثم يراجِعُ، فهذا الضِّرارُ الذي قال اللَّهُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾.
قال: الرجلُ يُطَلِّقُ المرأةَ تطليقةً، ثم يترُكُها حتى تَحيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ثم يُطَلِّقُها تطليقةً، ثم يُمْسِكُ عنها حتى تَحِيضَ ثلاثَ حِيَضٍ، ثم يراجعُها، ﴿لِتَعْتَدُوا﴾.
قال: لا يُطَاولُ عليهن (٤).
وأَصْلُ التَّسْريحِ مِن: سَرْحِ القومِ، وهو ما أُطْلِقَ من نَعَمِهم للرَّعْيِ.
يقالُ للمواشِي المُرْسَلَةِ للرَّعْيِ: هذا سَرْحُ القومِ.
يرادُ به مواشيهم المُرْسَلةُ للرَّعْيِ.
ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٥، ٦].
يَعني بقولِه: ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾: حين تُرْسِلُونها للرَّعْيِ.
فقيل للمرأةِ إذا خَلَّاها زوجُها فأبانها منه: سَرَّحَها.
تمثيلًا لذلك بتَسْريحِ المُسَرِّحِ ماشيتَه للرَّعْيِ، وتشبيهًا به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
يَعني تعالى ذكرُه بذلك: ومَن يُراجِعِ امرأتَه بعد طلاقِه إيّاها في الطلاقِ الذي له (١) فيه عليها الرَّجعةُ، ضِرارًا بها، ليَعْتَدِيَ حدَّ (٢) اللَّهِ في أمرِها، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
يعني: فأَكْسَبَها بذلك إثْمًا، وأَوجَبَ لها من اللَّهِ عقوبةً بذلك.
وقد بَيَّنّا معنى الظلمِ فيما مضَى، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوْضِعِه، وفعلُ ما ليس للفاعلِ (٣) فعْلُه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
يَعني تعالى ذكرُه: ولا تَتَّخِذُوا أعلامَ اللَّهِ وفُصولَه بين حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهْيِه، في وحْيِه وتنزيلِه، استهزاءً ولَعِبًا، فإنه قد بَيَّنَ لكم في تنزيلِه وآيِ كتابِه ما لكم من الرَّجعةِ على نسائِكم، في الطلاقِ الذي جعَل لكم عليهن فيه الرَّجعةَ، وما ليس لكم منها، وما الوجهُ الجائزُ لكم منها، وما الذي لا يجوزُ، وما الطلاقُ الذي لكم عليهن فيه الرَّجعةُ، وما ليس لكم ذلك فيه، وكيف وجوهُ ذلك؛ رحمةً منه بكم، ونعمةً منه عليكم، ليَجعَلَ بذلك لبعضِكم مِن مكروهٍ - إن كان فيه من صاحبِه مما هو فيه - المخرَجَ والمخلَصَ بالطلاقِ والفِراقِ، وجعَل ما جعَل لكم عليهنَّ من الرَّجعةِ سبيلًا لكم إلى الوصولِ إلى ما نازَعه إليه، ودعاه إليه هواه بعدَ فِراقِه إيّاهن منهن، لتُدْرِكوا بذلك قضاءَ أوطارِكم منهن، إنعامًا منه بذلك عليكم، لا لِتَتَّخِذُوا ما بيَّنْتُ لكم من ذلك في آيِ كتابي وتنزيلي - تَفَضُّلًا مني ببيانِه عليكم، وإنعامًا ورحمةً مني بكم - لَعِبًا وسُخْرِيًّا.
وبمعنى ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أيوبُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ أبى أُوَيسٍ، عن سليمانَ بنِ بلالٍ، عن محمدِ بنِ أبي عَتيقٍ وموسى بنِ عُقبةَ، عن ابنِ شهابٍ، عن سليمانَ بنِ أَرْقمَ، أن الحسنَ حدَّثهم، أن الناسَ كانوا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ يُطَلِّقُ الرجلُ أو يُعْتِقُ، فيقالُ: ما صَنَعْتَ؟
فيقولُ: إنما كنتُ لاعبًا.
قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "مَن طَلَّق لاعِبًا أو أَعْتَقَ لاعِبًا فقد جازَ عليه".
قال الحسنُ: وفيه نزَلتْ: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.
قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه، فيقولُ: إنما طَلَّقْتُ لاعبًا.
ويَتزوَّجُ أو يُعْتِقُ أو يَتَصَدَّقُ فيقولُ: إنما فعلْتُ لاعبًا.
فنُهُوا عن ذلك، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ بنِ حربٍ، عن يزيدَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي العلاءِ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ غَضِب على الأَشْعَريِّينَ، فأتاه أبو موسى فقال: يا رسولَ اللَّهِ، غَضِبْتَ على الأَشْعَرِيِّين!
فقال: "يقولُ أحَدُكُم: قد طَلَّقْتُ، قد راجَعْتُ.
ليس هذا طَلاقَ المُسلِمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ عِدَّتِها" (١).
حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ (٢) بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا أبو غَسّانَ النَّهْدِيُّ، قال: ثنا عبدُ السلامِ بنُ حربٍ، عن يزيدَ (٣) أبي خالدٍ - يعني الدَّالانيَّ - عن أبي العلاءِ الأَوْدِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال لهم (٤): "يَقولُ أحَدُكم لامرأتِه: قد طَلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ.
ليس هذا بطَلاقِ المُسلمِين، طَلِّقُوا المَرأةَ في قُبْلِ طُهْرِها (٥) ".
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: واذكرُوا نعمةَ اللَّهِ عليكم بالإسلامِ الذي أَنعَم عليكم به، فهداكُم له، وسائرَ نِعَمِه التي خَصَّكم بها دونَ غيرِكم من سائرِ خَلْقِه، فاشكُروه على ذلك بطاعتِه فيما أمَركم به [ونَهاكم] (١) عنه، واذكرُوا أيضًا مع ذلك ما أَنزَل عليكم من كتابِه؛ [وذلك] (٢) القرآنُ الذي أَنزَلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، واذكُروا ذلك فاعمَلُوا به، واحفَظُوا حدودَه فيه.
﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ يعني: وما أَنزلَ عليكم من الحكمةِ، وهي السُّننُ التي علَّمَكُموها رسولُ اللَّهِ ﷺ وسَنَّها لكم.
وقد ذكَرْتُ اختلافَ المختلِفين في معنى الحكمةِ فيما مضَى قبلُ في قولِه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ (٣) الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
فأَغْنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾: يَعِظُكم بالكتابِ الذي أَنزَله عليكم.
والهاءُ التي في قولِه: ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الكتابِ.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
يقولُ: وخافُوا اللَّهَ فيما أمَركم به، وفيما نَهاكم عنه، في كتابِه الذي أَنزلَه عليكم، وفيما أَنزلَه فبَيَّنه على لسانِ رسولِه ﷺ لكم، أن تُضَيِّعُوه وتَتَعَدَّوْا حدودَه، فتَسْتَوْجِبُوا ما لا قِبَلَ لكم به من أليمِ عِقابِه، ونَكَالِ عذابِه.
وقولُه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ: واعلَمُوا أيها الناسُ أن ربَّكم الذي حدَّ لكم هذه الحدودَ، وشرَع لكم هذه الشرائعَ، وفرَض عليكم هذه الفرائضَ في كتابِه وفي تنزيلِه على رسولِه محمدٍ ﷺ، بكلِّ ما أنتم عامِلُوه من خيرٍ وشرٍّ، وحسَنٍ وسَيِّئٍ، وطاعةٍ ومعصيةٍ، عالمٌ، لا يَخْفَى عليه من ظاهرِ ذلك وخَفِيِّه، وسِرِّه وجَهْرِه، شيءٌ، وهو مُجازِيكم بالإحسانِ إحسانًا، وبالسَّيِّئِ سَيِّئًا، إلا أن يَعْفُوَ ويَصْفَحَ، فلا تَتَعَرَّضُوا لِعقابِه وتَظْلِمُوا أنفسَكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلتْ في رجلٍ كانت له أختٌ كان زوَّجَها من ابنِ عمٍّ له (١)، فطلَّقَها، وترَكها فلم يُراجِعْها حتى انقضتْ عِدَّتُها، ثم خطَبها منه، فأبَى أن يُزَوِّجَها إيّاه، ومنَعها منه وهي فيه راغبةٌ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في الرجلِ الذي كان فعَل ذلك فنزَلتْ هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك الرجلُ مَعْقِلَ بنَ يَسارٍ المُزَنِيَّ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال: كانت أختُه تحتَ رجلٍ فطلَّقها، ثم خَلا (٢) عنها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها خطَبها، فحَمِيَ مَعْقِلٌ من ذلك أَنَفًا (٣)، وقال: خَلا (٢) عنها وهو يَقْدِرُ عليها.
فحال بينه وبينها، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن الفضلِ بنِ دَلْهَمٍ، عن الحسنِ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، أن أختَه طلَّقها زوجُها، فأراد أن يُراجعَها، فمنعَها مَعْقِلٌ، فأَنزل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المخرِّميُّ (٢)، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبّادُ بنُ راشدٍ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنى مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، قال: كانت لي أختٌ تُخطَبُ وأمنعُها الناسَ، حتى خطَب إليَّ ابنُ عمٍّ لي، فأَنكحْتُها، فاصْطَحَبا ما شاء اللَّهُ، ثم إنه طلَّقها طلاقًا له رجعةٌ، ثم ترَكها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم خُطِبَتْ إليَّ، فأتاني يَخْطُبُها مع الخُطَّابِ، فقلْت له: خُطِبَتْ إليَّ فمنعْتُها الناسَ، فآثرْتُك بها، ثم طَلَّقْتَ طلاقًا لك فيه رجعةٌ، فلمّا خُطِبَتْ إليَّ أتَيْتَنِي تَخطُبُها مع الخُطّابِ!
واللَّهِ لا أُنْكِحُها أبدًا.
قال: ففيَّ نزلتْ هذه الآيةُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: فكفَّرْتُ عن يمينِي وأَنكحْتُها إيّاه (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾: ذُكِر لنا أنَّ رجلًا طلَّق امرأتَه تطليقةً، ثم خَلا عنها حتى انقضَتْ عِدَّتُها، ثم قَرُب بعد ذلك يخطُبُها، والمرأةُ أختُ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، فأَنِف من ذلك مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، وقال: خلَا عنها وهي في عِدَّتِها، ولو شاء راجَعها، ثم يريدُ أن يراجِعَها وقد بانَتْ منه.
فأبَى عليها أن يُزَوِّجَها إيّاه، وذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ لمّا نزَلتْ هذه الآيةُ دعاه فتلاها عليه، فترَك الحَمِيَّةَ واستقادَ لأمرِ اللَّهِ.
حدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونسَ، عن الحسنِ قولَه تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ.
قال الحسنُ: حدَّثني مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أنها نزَلتْ فيه.
قال: زوَّجْتُ أختًا لي من رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضتْ عِدَّتُها جاء يَخْطُبُها، فقلت له: زوَّجْتُكَ، وفَرَشْتُكَ أختي، وأَكْرَمْتُكَ، ثم طَلَّقْتَها، ثم جِئْتَ تخطُبُها!
لا تعودُ إليك أبدًا.
قال: وكان رجلَ صِدْقٍ لا بأسَ به، وكانتِ المرأةُ تُحِبُّ أن تَرْجِعَ إليه، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: فقلتُ: الآنَ أفعلُ يا رسولَ اللَّهِ.
فزوَّجْتُها منه (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَلِيُّ، عن بكرِ بنِ عبدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، قال: كانت أختُ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ تحت رجلٍ فطَلَّقَها، فخطَب إليه، فمنَعها أخوها (٢)، فنزلتْ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾.
إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية.
قال: نزَلتْ في امرأةٍ من مُزَيْنةَ طلَّقها زوجُها وأُبِينَتْ منه، فنكَحها آخرُ، فعَضَلها أخوها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، يُضَارُّها خِيفةَ أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأوَّلِ (٣).
قال ابنُ جريجٍ: وقال عِكْرمةُ: نزَلتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال ابنُ جُريجٍ: أختُه جُمْلُ (١) ابنةُ يَسارٍ، كانت تحت أبي البدَّاحِ، طلَّقها فانقضَتْ عِدَّتُها، فخطَبها، فعَضَلها مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: نزَلتْ في امرأةٍ من مُزَينةَ طلَّقها زوجُها، فعَضَلها أخوها أن تَرجِعَ إلى زوجِها الأولِ، وهو مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ أخوها (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه لم يقلْ فيه: وهو مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، أن فاطمةَ بنتَ يَسارٍ طلَّقها زوجُها، ثم بدا له فخطَبها، فأبَى مَعْقِلٌ، فقال: زوَّجْناكَ فطلَّقْتَها وفعلْتَ.
فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
قالا (٥): نزَلتْ في مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، كانت أختُه تحت رجلٍ فطلَّقها، حتى إذا انقضَتْ عِدَّتُها جاء فخطَبها، فعضَلها مَعْقِلٌ، فأبَى أن يُنْكِحَها إيّاه، فنزَلتْ فيها هذه الآيةُ، يَعني به الأولياءَ، يقولُ: لا تعضُلوهن أن ينكِحْنَ أزواجَهُنَّ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ، قال: كانت أختي عند رجلٍ فطلَّقها تطليقةً بائنةً، فخطَبها، فأبَيْتُ أن أُزوِّجَها منه، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
الآية.
وقال آخرون: كان ذلك (٢) الرجلُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ الأنصاريَّ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: نزَلتْ في جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ الأنصاريِّ، وكانت له ابنةُ عمٍّ فطلَّقها زوجُها تطليقةً، فانقضَتْ عِدَّتُها، ثم رجَع يُريدُ رَجْعَتَها، فأمّا جابرٌ فقال: طَلَّقْتَ ابنةَ عمِّنا ثم تُريدُ أن تَنْكِحَها الثانيةَ!
وكانتِ المرأةُ تُريدُ زوجَها قد راضَتْه، فنزَلتْ هذه الآيةُ (٣).
[وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ] (٤) دَلالةً على نَهْيِ الرجلِ عن مُضَارَّةِ وَلِيَّتِه من النساءِ، يَعْضُلُها عن النكاحِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾: فهذا في الرجلِ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً أو تَطْليقتَيْن، فتَنْقَضِي عِدَّتُها، ثم يَبْدُو له في تزويجِها وأن يُراجِعَها، وتريدُ المرأةُ فيَمْنَعُها أولياؤُها من ذلك، فنَهى اللَّهُ سبحانَه أن يَمْنَعُوها (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه فتَبِينُ منه ويَنْقَضِي أجَلُها، ويريدُ أن يراجِعَها، وتَرْضَى بذلك فيأبَى أهلُها، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابنُ المبارَكِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مَسْروقٍ في قولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
قال: كان الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه، ثم يَبْدُو له أن يَتَزَوَّجَها، فيأبَى أولياءُ المرأةِ أن يُزَوِّجوها، فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن أصحابِه، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
قال: المرأةُ تكونُ عند الرجلِ فيُطَلِّقُها، ثم يريدُ أن يعودَ إليها، فلا يَعْضُلْها وَلِيُّها أن يُنْكِحَها إيّاه حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن يونسَ، عن ابنِ شهابٍ، قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ الآية.
فإذا طلَّق الرجلُ المرأةَ وهو وَلِيُّها، فانقضَتْ عِدَّتُها، فليس له أن يَعْضُلَها حتى يَرِثَها ويَمْنَعَها أن تَسْتَعِفَّ بزوجٍ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: هو الرجلُ يُطَلِّقُ امرأتَه تطليقةً، ثم يَسْكُتُ عنها، فيكونُ خاطبًا من الخُطّابِ، فقال اللَّهُ لأولياءِ المرأةِ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
يقولُ: لا تَمْنَعُوهُنَّ أن يَرْجِعْنَ إلى أزواجِهنَّ بنكاحٍ جديدٍ ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إذا رَضِيَتِ المرأةُ وأرادتْ أن تراجِعَ زوجَها بنكاحٍ جديدٍ.
والصوابُ من القولِ في هذه الآيةِ أن يقالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَنزلَها دَلالةً على تحريمِه على أولياءِ النساءِ مُضَارَّةَ مَن كانوا له أولياءَ من النساءِ؛ بعَضْلِهنَّ عمَّن أردْن نكاحَه من أزواجٍ كانوا لهنَّ، فبِنَّ منهم (١) بما تَبِينُ به المرأةُ من زوجِها، مِن طلاقٍ أو فسخِ نكاحٍ، وقد يجوزُ أن تكونَ نزلتْ في أمرِ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ وأمرِ أختِه، أو في أمرِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ وأمرِ ابنةِ عمِّه، وأيُّ ذلك كان، فالآيةُ دالَّةٌ على ما ذكَرْتُ.
ويَعني بقولِه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لا تُضَيِّقُوا عليهن بمَنْعِكم إياهنَّ أيُّها الأولياءُ من مراجعةِ أزواجِهنَّ بنكاحٍ جديدٍ، تَبتغُون بذلك مُضَارَّتَهن، يقالُ منه: عضَل فلانٌ فلانةَ عن الأزواجِ، يَعْضُلُها عَضْلًا.
وقد ذُكِر لنا أن حيًّا من أحياءِ العربِ مِن لغتِها: عضِل يَعضَلُ.
فمن كان مِن لغتِه "عَضِل"، فإنه إن صار إلى "يفعَلُ"، قال: يَعضَلُ، بفتحِ الضادِ، والقراءة على ضمِّ الضادِ دون كسرها، والضمُّ من لغةِ مَن قال: عضَل.
وأصلُ العَضْلِ: الضِّيقُ.
ومنه قولُ عمرَ رحمةُ اللَّهِ عليه: قد أَعضَل بي أهلُ العراقِ، لا يَرْضَوْنَ عن والٍ، ولا يَرضَى عنهم والٍ (١).
يعني بذلك: حَمَلوني على أمرٍ ضَيِّقٍ شديدٍ لا أُطِيقُ القيامَ به.
ومنه أيضًا: الداءُ العُضالُ.
وهو الداءُ الذي لا يُطاقُ علاجُه لضِيقِه عن العلاجِ وتَجاوزِه حدَّ الأدواءِ التي يكونُ لها علاجٌ.
ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٢): ولم أَقْذِفْ لمُؤْمنةٍ حَصَانٍ … بإذنِ (٣) اللَّهِ مُوجِبةً عُضَالَا ومنه قيل: عَضَّل الفَضاءُ بالجيشِ لكثرتِهم.
إذا ضاق عنهم من كثرتِهم.
وقيل: عضَّلَتِ المرأةُ.
إذا نَشِب الولدُ في رَحِمِها فضاق عليه الخروجُ منها.
ومنه قولُ أوسِ بنِ حُجْرٍ (٤): وليس أخُوكَ الدَّائمُ العَهْدِ بالذي … يَذُمُّكَ إن وَلَّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلَا ولكنَّه النَّائِي إذا كُنْتَ آمِنًا … وصاحبُكَ الأدْنَى إذا الأمْرُ أَعْضَلَا و ﴿أَنْ﴾ التي في قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾.
في موضعِ نصبٍ بقولِه: ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
ومعنى قولِه: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: إذا تراضَى الأزواجُ والنساءُ بما يَحِلُّ ويجوزُ أن يكونَ عِوَضًا مِن أَبْضاعِهنَّ (٥)؛ من المهورِ ونكاحٍ جديدٍ مستأنفٍ.
كما حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عُميرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ الملكِ بنِ المغيرةِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمانيِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْكِحُوا الأَيامَى".
فقال رجلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ما العلائقُ (١) بينهم؟
قال: "ما تَراضَى عليه أهْلُوهُم" (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ البَيْلَمَانِيِّ، عن أبيه، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوٍ منه (٣).
وفي هذه الآيةِ الدَّلالةُ الواضحةُ على صحةِ قولِ مَن قال: لا نكاحَ إلا بوَلِيٍّ مِن العَصَبةِ.
وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه منَع الوَلِيَّ مِن عَضْلِ المرأةِ إن أرادتِ النكاحَ، ونهاه عن ذلك، فلو كان للمرأةِ إنكاحُ نفسِها بغيرِ إنكاحِ وليِّها إيّاها، أو كان لها توليةُ مَن أرادت تَوْلِيَتَه في إنكاحِها، لم يكنْ لنَهْيِ وليِّها عن عَضْلِها معنًى مفهومٌ، إذ كان لا سبيلَ له إلى عَضْلِها؛ وذلك أنها إن كانت متى أرادتِ النكاحَ جاز لها إنكاحُ نفسِها أو إنكاحُ مَن تُوَكِّلُه بإنكاحِها، فلا عَضْلَ هنالك لها مِن أحدٍ فيُنْهَى عاضِلُها عن عَضْلِها.
وفي فسادِ القولِ بأن لا معنَى لنَهْيِ اللَّهِ عمَّا نهَى عنه، صحةُ القولِ بأنَّ لوَلِيِّ المرأةِ في تزويجِها حقًّا لا يَصِحُّ عَقْدُه إلا به، وهو المعنى الذي أمَر اللَّهُ به الوليَّ - مِن تَزويجِها إذا خطَبها خاطبُها ورَضِيَتْ به، وكان رِضًا عند أوليائِها، جائزًا في حُكْمِ المسلمين لمثلِها أن تَنكِحَ مثلَه - ونهاه عن خلافِه مِن عَضْلِها، ومَنْعِها عمّا (٤) أرادتْ من ذلك وتراضَتْ هي والخاطبُ به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾.
ما ذُكِر في هذه الآيةِ من نَهْيِ أولياءِ المرأةِ عن عَضْلِها عن النكاحِ.
يقولُ: فهذا الذي نَهَيْتُكم عنه من عَضْلِهنَّ عن النكاحِ، عِظَةٌ مني مَن كان منكم أيُّها الناسُ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يَعني: يُصَدِّقُ باللَّهِ، فيُوَحِّدُه ويُقِرُّ برُبُوبيَّتِه، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يقولُ: ومَن يؤمنُ باليومِ الآخرِ، فيُصَدِّقُ بالبعثِ للجزاءِ والثوابِ والعقابِ؛ ليتقيَ اللَّهَ في نفسِه فلا يَظْلِمَها بضِرارِ وَلِيَّتِه، ومَنْعِها من نكاحِ مَن رَضِيَتْه لنفسِها ممن أَذِنْتُ لها في نكاحِه.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾.
وهو خطابٌ للجَميعِ، وقد قال مِن قبلُ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؟
وإذ (١) جاز أن يقالَ في خطابِ الجميعِ "ذلك"، أفيجوزُ أن تقولَ لجماعةٍ من الناسِ وأنت تخاطِبُهم: أيُّها القومُ، هذا غلامُك وهذا خادمُك.
وأنت تُريدُ: هذا خادمُكم وهذا غلامُكم؟
قيل: لا، إن ذلك غيرُ جائزٍ مع الأسماءِ الموضوعاتِ؛ لأن ما أُضِيفَ إليه الأسماءُ غيرُها، فلا يَفهَمُ سامعٌ سَمِع قولَ قائلٍ لجماعةٍ: أيُّها القومُ، هذا غلامُك.
أنه عنَى بذلك: هذا غلامُكم.
إلا على اسْتِخْطاءِ الناطقِ في مَنْطِقِه ذلك، فإن طلَب لمَنْطِقِه ذلك وجهًا في [الصوابِ] (٢)، صرَف كلامَه ذلك إلى أنه انْصَرَفَ عن خطابِ القومِ بما أراد خِطابَهم به، إلى خطابِ رجلٍ واحدٍ منهم أو مِن غيرِهم، وترَك محاورةَ (٣) القومِ بما أراد محاورَتَهم (١) به من الكلامِ.
وليس ذلك كذلك في "ذلك"؛ لكثرةِ جَرْيِ ذلك على أَلْسُنِ العربِ في مَنْطِقِها وكلامِها، حتى صارتِ الكافُ التي هي كنايةُ اسمِ المخاطَبِ فيها، كهيئةِ حرفٍ من حروفِ الكلمةِ التي هي متصلةٌ (٢)، وصارتِ الكلمةُ بها كقولِ القائلِ: هذا.
كأنها ليس معها اسمٌ مخاطَبٌ، فمن قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
أَقرَّ الكافَ من ذلك مُوحَّدةً مفتوحةً في خطابِ الواحدةِ من النساءِ، والواحدِ من الرجالِ، والتثنيةِ والجمعِ، ومَن قال: (ذلكم يُوعَظُ به).
كسَر الكافَ في خطابِ الواحدةِ من النساءِ، وفتَح في خطابِ الواحدِ من الرجالِ، [وقال] (٣) في خطابِ الاثنَيْن منهم: ذلكما.
وفي خطابِ الجمعِ: ذلكم.
وقد قيل: إن قولَه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾.
خطابٌ للنبيِّ ﷺ، ولذلك وحَّد (٤)، ثم رجَع إلى خطابِ المؤمنين بقولِه: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾.
وإذا وُجِّهَ التأويلُ إلى هذا الوجهِ لم يكنْ فيه مئونةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: نكاحُ (٥) أزواجِهنَّ لهنَّ، ومراجعةُ أزواجِهنّ إيّاهنّ، بما أباحَ لهنّ من نكاحٍ ومهرٍ جديدٍ ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ أيُّها الأولياءُ والأزواجُ والزوجاتُ.
ويعني بقولِه: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾: أفضلُ وخيرٌ عند اللَّهِ من فُرْقَتِهِنَّ أزواجَهنَّ.
وقد دَلَّلْنا فيما مضَى على معنى الزكاةِ، فأَغنَى ذلك عن إعادتِه (١).
وأما قولُه: ﴿وَأَطْهَرُ﴾.
فإنه يَعني بذلك: أَطْهَرُ لقلوبِكم وقلوبِهِنَّ وقلوبِ أزواجِهن من الرِّيبةِ، وذلك أنهما إذا كان في نفسِ كلِّ واحدٍ منهما - أَعنِي الزوجَ والمرأةَ - علاقةُ حبٍّ، لم يُؤْمَنْ أن يَتجاوزَا ذلك إلى غيرِ ما أحلَّه اللَّهُ لهما، ولم يُؤْمَنْ مِن أوليائِهما أن يَسبِقَ إلى قلوبِهم منهما ما لعلَّهما أن يكونا منه بَرِيئَيْن، فأمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه الأولياءَ، إذا أراد الأزواجُ التراجُعَ بعد البينونةِ بنكاحٍ مُستأنَفٍ في الحالِ التي أَذِن اللَّهُ لهما بالتراجعِ، ألا يَعْضُلَ وَلِيَّتَه عمّا أرادت من ذلك، وأن يُزَوِّجَها؛ لأن ذلك أفضلُ لجميعِهم، وأطهرُ لقلوبِهم مما يُخافُ سُبوقُه إليها من المعاني المكروهةِ.
ثم أخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه يَعلَمُ مِن سرائرِهم وخَفِيّاتِ أمورِهم ما لا يعلَمُه بعضُهم من بعضٍ، ودلَّهم بقولِه لهم ذلك في هذا الموضعِ أنه إنما أمَر أولياءَ النساءِ بإنكاحِ مَن كانوا أولياءَه من النساءِ، إذا تراضتِ المرأةُ والزوجُ الخاطبُ بينهم بالمعروفِ، ونهاهم عن عَضْلِهن عن ذلك، لِمَا عَلِم مما في قَلْبِ الخاطبِ والمخطوبةِ من غَلبةِ الهَوى والميلِ مِن كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه بالمَوَدَّةِ والمحبةِ، فقال لهم تعالى ذكرُه: افعلُوا ما أمَرْتُكم به إن كنتم تُؤمِنون بي وبثَوابِي وبعِقابِي في معادِكم في الآخرةِ، فإني أَعلمُ من قَلبِ الخاطبِ والمخطوبةِ ما لا تَعلَمُونه مِن الهَوى والمحبةِ، وفعلُكم ذلك أفضلُ لكم عند اللَّهِ ولهم، وأَزكَى وأَطهرُ لقلوبِكم وقلوبهِنّ في العاجلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
يَعني تعالى ذكرُه بذلك: والنساءُ اللواتي بِنَّ من أزواجِهنَّ - ولهنّ أولادٌ قد وَلَدْنَهم مِن أزواجِهنَّ قبلَ بَيْنُونَتِهنَّ منهم بطلاقٍ، أو وَلَدْنَهم (١) منهم بعدَ فِراقِهم إيّاهن مِن وطءٍ كان منهم لهن قبلَ البينونةِ - ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾.
يَعني بذلك أنهنَّ أحقُّ برَضاعِهم من غيرِهنَّ.
وليس ذلك بإيجابٍ من اللّهِ تعالى ذكرُه عليهن رَضاعَهم، إذا كان المولودُ له ولدٌ (٢)، حيًّا مُوسِرًا؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال في سورةِ "النساءِ القُصْرَى" (٣): ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
وأخبرَ تعالى ذكرُه أن الوالدةَ والولودَ له إن تعاسرَا في الأُجْرةِ التي تُرضِعُ بها المرأةُ ولدَها، أن أُخرى سواها تُرضِعُه، فلم يُوجِبْ عليها فرضًا رَضاعَ ولدِها، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ دَلالةٌ على مبلغِ غايةِ الرِّضاعِ التي متى اختلَف الوالدان في رَضاعِ المولودِ بعدَه (٤)، جُعِل حدًّا يُفْصَلُ به بينهما، لا دلالةً على أن فرضًا على الوالداتِ رَضاعُ أولادِهنَّ.
وأما قولُه: ﴿حَوْلَيْنِ﴾.
فإنه يعنى به سنتَيْن.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: سنتَيْن (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وأصلُ الحَوْلِ من قولِ القائلِ: حال هذا الشيءُ.
إذا انتقَل.
ومنه قيل: تَحَوَّلَ فلانٌ من مكانِ كذا.
إذا انتقَل عنه.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى ذكرِ ﴿كَامِلَيْنِ﴾ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ بعدَ قولِه: ﴿يُرْضِعْنَ﴾ ﴿حَوْلَيْنِ﴾.
وفي ذكرِه الحَوْلَيْن مُسْتَغْنًى عن ذكرِ الكاملَيْن، إذ كان غيرَ مُشْكِلٍ على سامعٍ سَمِع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ ما يرادُ به، فما الوجهُ الذي مِن أجلِه زِيدَ ذكرُ ﴿كَامِلَيْنِ﴾؟
قيل: إن العربَ قد تقولُ: أقام فلانٌ بمكانِ كذا حَوْلَيْن، أو يومَيْن، أو شهرَيْن.
وإنما أقام به يومًا وبعضَ آخَرَ، أو شهرًا وبعضَ آخَرَ، أو حَوْلًا وبعضَ آخَرَ، فقيل: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ليَعْرِفَ سامِعو (١) ذلك أن الذي أُريدَ به حَوْلان تامّان، لا حَولٌ وبعضُ آخَرَ، وذلك كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
ومعلومٌ أن المُتَعَجِّلَ إنما يَتَعَجَّلُ في يومٍ ونصفٍ، فكذلك ذلك في اليومِ الثالثِ من أيامِ التشريقِ، وأنه ليس منه شيءٌ تامٌّ، ولكنَّ العربَ تَفعَلُ ذلك في الأوقاتِ خاصةً، فتقولُ: اليومُ يومان منذُ لم أرَه.
وإنما تَعنِي (٢) بذلك يومًا وبعضَ آخَرَ، وقد تُوقِعُ الفعلَ الذي تفعلُه (٣) في الساعةِ أو اللحظةِ على العامِ والزمانِ واليومِ، فتقولُ: زُرْتُه عامَ كذا، وقتَل فلانٌ فلانًا زمانَ (٤) صِفِّينَ.
وإنما تفعلُ ذأك لأنها لا تَقْصِدُ بذلك الخبرَ عن عددِ الأيامِ والسنينَ، وإنما تَعْنِي بذلك الإخبارَ عن الوقتِ الذي كان فيه المخبَرُ عنه، فجاز أن يَنْطِقَ بالحَوْلَيْن واليومَيْن على ما وَصَفْتُ قبلُ (١)؛ لأن معنى الكلامِ في ذلك: فعلْتُه إذ ذاك، وفي ذلك الوقتِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
لمّا كان الرَّضاعُ في الحَولَيْن وليسا بالحَوْلَيْن - فكان الكلامُ، لو أُطلِق في ذلك بغيرِ تبيينِ (٢) الحَولَيْن بالكمالِ، وقيل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾.
محتمِلًا أن يكونَ مَعْنِيًّا به حولٌ وبعضُ آخَرَ - نَفَى اللَّبْسَ عن سامِعيه بقولِه: ﴿كَامِلَيْنِ﴾.
أن يكونَ مرادًا به حولٌ وبعضُ آخَرَ، وأُبِين بقولِه: ﴿كَامِلَيْنِ﴾.
عن وقتِ تمامِ حدِّ الرَّضاعِ، وأنه تمامُ الحَولَيْن بانقضائِهما دونَ انقضاءِ أحدِهما وبعضِ الآخرِ.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في الذي دَلَّتْ عليه هذه الآيةُ مَن مبلغِ غايةِ رَضاعِ المولودِين، أهو حدٌّ لكلِّ مولودٍ، أو هو حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ؟
فقال بعضُهم: هو حدٌّ لبعضٍ دونَ بعضٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في التي تَضَعُ لستةِ أشهرٍ أنها تُرضِعُ حَولَيْن كاملَيْن، وإذا وَضَعَت لسبعةِ (٣) أشهرٍ أَرْضَعَتْ ثلاثةً وعشرين لتمامِ ثلاثين شهرًا، وإذا وضعَت لتسعةِ أشهرٍ أَرضعَت واحدًا وعشرين شهرًا (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ بمثلِه، ولم يَرفَعْه إلى ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، [عن أبي عُبيدٍ] (١)، قال: رُفِع إلى عثمانَ امرأةٌ ولَدتْ لستةِ أشهرٍ، فقال: إنها رُفِعَتْ [إليَّ امرأةٌ] (٢)، لا أَراها إلا قد جاءتْ بشَرٍّ - أو نحوَ هذا - ولَدتْ لستةِ أشهرٍ!
فقال ابنُ عباسٍ: إذا أَتمَّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ لستةِ أشهرٍ.
قال: وتلا ابنُ عباس: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
فإذا أتمَّتِ الرَّضاعَ كان الحملُ لستةِ أشهرٍ.
فخلَّى عثمانُ سبيلَها (٣).
وقال آخرون: بل ذلك حدُّ رَضاعِ كلِّ مولودٍ اختلَف والداه في رَضاعِه، فأراد أحدُهما البلوغَ إليه، والآخَرُ التقصيرَ عنه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: فجعَل اللَّهُ سبحانَه الرَّضاعَ حَولَيْن كاملَيْن لمن أراد أن يُتِمَّ الرَّضاعةَ.
ثم قال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ إن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحَولَيْن وبعدَه (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابنُ المبارَكِ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ قال: إن أرادتْ أمُّه أن تُقَصِّرَ عن حَولَيْن كان عليها حقًّا أن تَبْلُغَه، لا أن تَزيدَ عليه إلا أن تشاءَ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ أبي الزَّرْقاءِ، جميعًا عن الثوريِّ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتمامُ الحَوْلَانِ.
قال: فإذا أراد (٢) الأبُ أن يَفْطِمَه قبلَ الحَوْلَيْن ولم تَرْضَ المرأةُ فليس له ذلك، وإذا قالتِ المرأةُ: أنا أَفْطِمُه قبلَ الحَوْلَين.
وقال الأبُ: لا.
فليس لها أن تَفْطِمَه حتى يَرْضَى الأبُ حتى يَجتمِعَا، فإنِ اجتمعا قبلَ الحولَيْن فطَمَاه، وإذا اختلَفا لَمْ يَفْطِماه قبلَ الحَوْلَيْن وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ (٣).
وقال آخرون: بل دلَّ اللَّهُ تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
على ألا رَضاعَ بعدَ الحَوْلَيْن، فإن الرَّضاعَ إنما هو ما كان في الحَولَيْن.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا آدمُ، قال: أخبَرَنا ابنُ أبي ذئبٍ، قال: ثنا الزهريُّ، عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ أنهما قالا: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه يقولُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
ولا نَرَى رَضاعًا بعدَ الحَولَيْن يُحَرِّمُ شيئًا (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ المبارَكِ، عن يونسَ بنِ يزيدَ، عن الزهريِّ، قال: كان ابنُ عمرَ وابنُ عباسٍ يقولان: لا رَضاعَ بعدَ الحَوْلَيْن (١).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن الشَّيبانيِّ، عن (٢) أبي الضُّحَى، عن أبي عبدِ الرحمنِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: ما كان مِن رَضاعٍ بعدَ سنتَيْن أو في الحَوْلَيْن بعدَ الفِطامِ، فلا رَضاعَ (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، أنه رأَى امرأةً تُرضِعُ بعدَ حَوْلَيْن، فقال: لا تُرضِعِيه (٤).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الشَّيبانيِّ، قال: سَمِعْتُ الشعبيَّ يقولُ: ما كان من وَجُورٍ (٥) أو سَعوطٍ (٦) أو رَضاعٍ في الحَوْلين فإنه يُحرِّمُ، وما كان بعد الحَوْلَيْن لَمْ يُحرِّمْ شيئًا (٧).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ أنه كان يُحدِّثُ عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: لا رَضاعَ بعد فِصالٍ أو بعد حَوْلَيْن (٨).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الأعلى، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس يُحرِّمُ مِن الرَّضاعِ بعد التمامِ، إنما يُحرِّمُ ما أَنبتَ اللحمَ وأَنشأ العَظْمَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن عمرِو بنِ دينارٍ، أن ابنَ عباسٍ قال: لا رَضاعَ بعد فِصالِ السنتَيْن (١).
حدَّثنا هلالُ بنُ العَلاءِ الرَّقِّيُّ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن زيد، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي الضُّحَى، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
قال: لا رَضَاعَ إلا في هذين الحولين (٢).
وقال آخرون: بل كان قولُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾.
دلالةً مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه على أن فرضًا على والداتِ المولودِين أن يُرْضِعْنَهم حولين كاملين، ثم خفَّف تعالى ذكرُه ذلك بقولِه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
فجعَل الخِيارَ في ذلك إلى الآباءِ والأمهاتِ، إذا أرادوا الإتمامَ أكْمَلوا حولين، وإن أرادوا قبلَ ذلك فَطْمَ المولودِ كان ذلك إليهم على النظرِ منهم للمولودِ.
ذكرُ مَن قال في لك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: ثم أنْزَل اللَّهُ اليُسْرَ والتَّخْفيفَ بعدَ ذلك، فقال، تعالى ذكرُه: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (٣).
فبالفتحِ لا غيرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾: وعلى آباءِ إلصِّبْيانِ للمَراضِعِ ﴿رِزْقُهُنَّ﴾.
يعني: رزقُ والدتِهن.
ويعني بالرزقِ ما يَقُوتُهن مِن طعامٍ، وما لا بدَّ لهن مِن غِذاءٍ ومَطْعَمٍ.
﴿وَكِسْوَتُهُنَّ﴾.
ويعني بالكِسوةِ المَلْبَسَ.
ويعني بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما يَجِبُ لمثلِها علي مثلِه، إذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد علِم تَفاوُتَ أحوالِ خلقِه بالغنى والفقرِ، وأن منهم المُوسِعَ والمُقْتِرَ وبينَ ذلك، فأمَر كلًّا أن يُنْفِقَ على مَن لَزِمَتْه نفقتُه مِن زوجتِه وولدِه على قدْرِ مَيْسَرتِه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
وكما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِر، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأتَه وهي تُرْضِعُ له ولدًا، فتَراضَيا على أن تُرْضِعَ حولَيْن كامَليْن، فعلى الوالدِ رزقُ المُرْضِعِ (١) والكِسْوةُ بالمعروفِ، على قدرِ المَيْسَرةِ، لا يُكَلِّفُ (٢) نفسًا إلا وُسعَها (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا زيدٌ (١)، وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، جميعًا (٢) عن سُفيانَ قولَه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: والتَّمامُ الحولان، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ على الأبِ طعامُها وكِسْوتُها بالمعروفِ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: على الأبِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿[لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ] (٥) إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: لا تُحَمَّلُ نفسٌ مِن الأمورِ إلا ما لا يَضِيقُ عليها ولا يَتَعَذَّرُ عليها وُجودُه إذا أرادَت.
وإنما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بذلك: لا يُوجِبُ اللَّهُ على الرجالِ مِن نفقةِ مَن أرْضَعَ أولادَهم مِن نسائِهم البائناتِ منهم إلا ما أطاقوه، ووجَدوا إليه السبيلَ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
إلا ما أطاقَت (٦).
والوُسْعُ الفُعْلُ، مِن قولِ القائلِ: وسِعَني هذا الأمرُ، فهو يَسَعُني سَعَةً.
ويقالُ: هذا الذي أعْطَيْتُك وُسْعي.
أى: ما يَتَّسِعُ لي أن أُعْطِيَك فلا يَضِيقُ عليَّ إعطاؤكَه.
و: أعْطَيْتُك مِن جُهْدي.
إذا أعْطَيْتَه ما يُجْهِدُك، فيَضِيقُ عليك إعطاؤُه.
فمعنى قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
هو ما وصَفْتُ مِن أنها لا تُكَلَّفُ إلا ما يَتَّسِعُ لها بَذْلُ ما كُلِّفَت بَذْلَه، فلا يَضِيقُ عليها ولا يَجْهَدُها، لا ما ظنَّه جَهَلةُ أهلِ القدَرِ مِن أن معناه لا تُكَلَّفُ نفسٌ إلا ما قد أُعْطِيَت عليه القدرةَ مِن الطاعاتِ.
لأن ذلك لو كان كما زعَمَت، لكان قولُه تعالى ذكرُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٨، الفرقان: ٩] - إذ كان دالًّا على أنهم غيرُ مُسْتَطِيعي السبيلِ إلى ما كُلِّفوه - واجبًا أن يَكونَ القومُ في حالٍ واحدةٍ قد أُعْطُوا الاسْتِطاعةَ على ما مُنِعوها عليه، وذلك مِن قائلِه، إن قاله، إحالةٌ في كلامِه، ودعْوَى باطلٍ لا يُخِيلُ بُطولُه.
وإذ كان بيِّنًا فسادُ هذا القولِ، فمعلومٌ أن الذي أخْبَر تعالى ذكرُه أنه كلَّف النفوسَ مِن وُسْعِها غيرُ الذي أخْبَر أنه كلَّفَها مما لا تَسْتَطِيعُ إليه السبيلَ.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
اخْتَلَفَتِ القَرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه عامَّةُ قَرأةِ أهلِ الحجازِ والكوفةِ والشامِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾.
بفتحِ الراءِ (١)، بتأْويلِ: لا تُضَارَرْ (٢).
على وجهِ النهيِ، وموضعُه - إذا قرِئ (١) كذلك - جَزْمٌ، غيرَ أنه حُرِّك (٢)، إذ تُرِك التضعيفُ بأخفِّ الحركاتِ وهو الفتحُ، ولو حُرِّك إلى الكسرِ كان جائزًا، إتْباعًا لحركةِ لامِ (٣) الفعلِ حركةَ عينِه، وإن شئتَ فلأنَّ الجزمَ إذا حُرِّك حُرِّك إلى الكسرِ (٤).
وقرَأ ذلك بعضُ أهلِ الحجازِ وبعضُ أهلِ البصرةِ: (لَا تُضَارُّ (٥) والدةٌ بولَدِها) رفعٌ (٦).
ومَن قرَأَه كذلِك لَمْ تَحْتَمِلْ قراءتُه معنى النهيِ، ولكنها تكونُ الخبرَ (٧)، عطفًا بقولِه: ﴿لَا تُضَارَّ﴾ على قولِه: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أن معنى مَن رفَع: (لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها) هكذا في الحكمِ، أنه لا تُضارُّ والدةٌ بولدِها.
أي: ما يَنْبَغي أن تُضارَّ.
فلما حُذِفَت "يَنْبَغِي"، وصار "تُضارُّ" في موضعِه صار على لفظِه.
واستَشْهد لذلك بقولِ الشاعرِ (٨): عَلَى الحَكَمِ المَأْتِيِّ يومًا إذا قضَى … قَضِيَّتَه ألا يَجُورَ ويَقْصِدُ (٩) فزعَم أنه رفَع "يَقْصِدُ" بمعنى "يَنْبَغِي".
والمحكيُّ عن العربِ سَماعًا غيرُ الذي قال، وذلك أنه رُوِي عنهم سَماعًا: فتَصْنَعَ ماذا.
إذا أرادوا أن يقولوا: فتُرِيدُ أن تَصْنَعَ ماذا.
فيَنْصِبونه بنيَّةِ "أن"، وإذا لَمْ يَنْوُوا "أن" ولم يُريدُوها، قالوا: فتُرِيدُ ماذا.
فيَرْفَعون "تُرِيدُ"؛ لأنه لا جالِبَ لـ "أن" قبلَه، كما كان له جالبٌ قبلَ "تَصْنَع".
فلو كان معنى قولِه: (لا تُضارُّ).
إذا قُرِئ رفعًا بمعنى: يَنْبَغي ألا تُضارَّ، أو ما يَنْبَغِي أن تُضارَّ.
ثم حُذِف "يَنْبَغِي" و"أن"، وأُقِيم "تُضارُّ" مُقامَ "يَنْبَغِي"، لكان الواجبُ أن يَقْرَأَ - إذا قُرِئ بذلك المعنى - نصبًا لا رفعًا، ليُعْلَمَ بنصبِه المتروكُ قبلَه المعنيُّ المرادُ، كما فُعِل بقَوْلِهم (١): فتَصْنَعَ ماذا.
ولكن معنى ذلك ما قلنا إذا رُفِع على العطفِ على ﴿لَا تُكَلَّفُ﴾: ليست تُكَلَّفُ نفسٌ إلَّا وُسْعَها، وليست تُضارُّ والدةٌ بولدِها.
يعني بذلك أنه ليس ذلك في دينِ اللَّهِ وحُكْمِه وأخلاقِ المسلمين.
وأولى القراءتيْن بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأ بالنصبِ (٢)؛ لأنَّه نهيٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه كلَّ واحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ عن مُضارَّةِ صاحبِه له، حرامٌ عليهما ذلك بإجماعِ المسلمين، فلو كان ذلك خبرًا لكان حرامٌ عليهما ضِرارَهما به كذلك.
وبما قلْنا (٣) من أن ذلك بمعنى النهيِ، تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَأْبَى أن تُرْضِعَه ليَشُقَّ ذلك على أبيه، ولا يُضَارُّ الوالدُ بولدِه، فيَمْنَعَ أمَّه أن تُرْضِعَهُ ليَحْزُنَها (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ قال: نهَى اللَّهُ تعالى عن الضِّرارِ، وقدَّم فيه، فنهَى اللَّهُ أن يُضَارَّ الوالدُ فيَنْتَزِعَ الولَدَ مِن أمِّه إذا كانت راضيةً بما كان مُسْتَرْضِعًا به غيرَها، ونُهِيَتِ الوالدةُ أن تَقْذِفَ الولدَ إلى أبيه ضِرارًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: تَرْمِي به إلى (١) أبيه ضِرارًا، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ يقولُ: ولا الوالدُ (٢) فيَنْتَزِعُه منها ضِرارًا إذا رَضِيَت مِن أجْرِ الرَّضاعِ ما رضِي به غيرُها، فهي أحقُّ به إذا رضِيَت بذلك (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونُسَ، عن الحسنِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: ذلك إذا طلَّقها، فليس له أن يُضارَّها، فيَنْتَزِعَ الولدَ منها إذا رضِيَت منه بمثلِ ما يَرْضَى به غيرُها، وليس لها أن تُضَارَّه فتُكَلِّفَه ما لا يُطِيقُ إذا كان إنسانًا مسكينًا فتَقْذِفَ إليه ولدَه (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تُضارَّ أمٌّ بولدِها، ولا أبٌ بولدِه، يقولُ: لا تُضارَّ أمٌّ بولدِها فتَقْذِفَه [إليه إذا] (٥) كان الأبُ حيًّا، أو إلى عَصَبتِه إذا (٦) كان الأبُ (١) ميِّتًا، ولا يُضَارَّ الأبُ المرأةَ إذا أحَبَّت أن تُرضِعَ ولدَها ولا يَنْتَزِعْه (٢).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السدىِّ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾.
يقولُ: لا يَنْزِعُ الرجلُ ولدَه مِن امرأتِه فيُعْطِيَه غيرَها بمثلِ الأجرِ الذي تَقْبَلُه هي به، ولا تُضَارُّ (٣) والدةٌ بولدِها فتَطْرَحَ الأمُّ إليه ولدَه تقولُ: لا أَلِيه.
ساعةَ تَضَعُه.
ولكن عليها مِن الحقِّ أن تُرْضِعَه حتى يَطْلُبَ مُرْضِعًا (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ إلى ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
قال ابنُ شِهابٍ: والوالداتُ أحقُّ برَضاعِ أولادِهن ما قبِلْنَ (٥) رَضاعَهن بما يُعْطَى غيرُهن مِن الأجرِ، وليس للوالدةِ أن تُضارَّ بولدِها، فتأْبَى رَضاعَه مُضارَّةً، وهي تُعْطَى عليه ما يُعْطَى غيرُها، وليس للمولودِ له أن يَنْزِعَ ولدَه مِن والدتِه مُضارًّا لها، وهي تَقْبَلُ مِن الأجرِ ما يُعْطاه غيرُها (٦).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحَدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾: لا تَرْمِ بولدِها إلى الأبِ إذا فارَقَها، تُضَارُّه بذلك، ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾: ولا يَنْزِعُ الأبُ منها ولدَها، يُضَارُّها بذلك (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
قال: لا يَنْتَزِعُه منها وهي تحبُّ أن تُرْضِعَه فيُضَارَّها، ولا تَطْرَحُه عليه وهو لا يَجِدُ مَن تُرْضِعُه، ولا يَجِدُ ما يَسْتَرْضِعُه به (٢).
حدَّثنا عمرٌو بنُ عليٍّ الباهليُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنى ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾.
قال: لا تَدَعَنَّه - ورَضاعُه مِن شأنِها - مُضارَّةً لأبيه، ولا يَمْنَعُها الذي عندَه مُضارَّةً لها (٣).
وقال بعضُهم: الوالدةُ التي نهَى الرجلَ عن مُضارَّتِها ظِئْرُ (٤) الصبيِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النحويُّ، قال: ثنا الزبيرُ بنُ الخِرِّيتِ (٥)، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾.
قال: هي الظِّئْرُ.
فمعنى الكلامِ: لا يُضارِرْ والدُ مولودٍ والدتَه بمولودِه منها، ولا والدةُ مولودٍ والدَه بمولودِها منه.
ثم ترَك ذكْرَ الفاعلِ في "يُضارَّ"، فقيل: لا تُضارَرْ والدةٌ بولدِها، ولا مولودٌ له بوَلَدِهِ.
كما يقالُ إذا نُهِي عن إكرامِ رجلٍ بعينِه فيما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يُقْصَدْ بالنهيِ عن إكرامِه قصْدُ شخصٍ بعينِه (١) -: لا يُكْرَمُ عمرٌو، ولا يُجْلَسُ إلى أخيه.
ثم تُرِك التَّضعيفُ فقيل: لا يُضارّ.
فحُرِّكَتِ الراءُ الثانيةُ التي كانت مجزومةً - لو أُظْهِر التضعيفُ - بحركةِ الراءِ الأولى.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنَّها إنما حُرِّكَت إلى الفتحِ في هذا الموضعِ؛ لأنه أخفُّ (٢) الحركاتِ.
وليس للذي (٣) قال مِن ذلك معنًى؛ لأن ذلك إنما كان جائزًا أن يكونَ كذلك لو كان معْنَى الكلامِ: لا تُضارِرْ (٤) والدةٌ بولدِها.
وكان المنهيُّ (٥) عن الضِّرارِ هي الوالدةَ.
على أنَّ معنى الكلامِ لو كان كذلك لكان الكسرُ في "تضار" أفصحَ مِن الفتحِ، والقراءةُ به كانت أصوبَ مِن القراءةِ بالفتحِ، كما أن: مُدَّ بالثوبِ، أفصحُ مِن: مُدَّ به.
وفي إجماعِ القرأةِ على قراءةِ ﴿لَا تُضَارَّ﴾ بالفتحِ دون الكسرِ دليلٌ واضحٌ على إغفالِ مَن حكَيْتُ قولَه مِن أهلِ العربيةِ في ذلك.
فإن كان قائلُ ذلك قاله تَوَهُّمًا منه أن معنى ذلك: لا تضارِرْ (٦) والدةٌ.
وأن "الوالدةَ" مرفوعةٌ بفعلِها، وأن الراءَ الأولى حظُّها الكسرُ، فقد أغْفَل تأويلَ الكلامِ، وخالَف قولَ جميعِ مَن حكَيْنا قولَه مِن أهلِ التأويلِ، وذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه تقَدَّم إلى كلِّ أحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ بالنهيِ عن ضِرارِ صاحبهِ بمولودِهما، لا أنه نَهَى كلَّ واحدٍ منهما عن أن يُضارَّ المولودَ، وكيف يجوزُ أن يَنْهاه ىن مُضارَّةِ الصبيِّ، والصبيُّ - في حالِ ما هو رَضيعٌ - غيرُ جائزٍ أن يكونَ منه ضِرارٌ لأحدٍ، فلو كان ذلك معناه، لكان التَّنْزيلُ: لا تُضَرُّ (١) والدةٌ بولدِها.
وقد زعَم آخَرون مِن أهلِ العربيةِ (٢) أن الكسرَ في ﴿تُضَارَّ﴾ جائزٌ.
والكسرُ في ذلك عندي في هذا الموضعِ غيرُ جائزٍ؛ لأنه إذا كُسِر تغَيَّر معناه عن معنى: لا تضارَرْ (٣)، الذي هو في مذهبِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، إلى معنى: لا تضارِرْ (٤).
الذي هو في مذهبِ ما قد سُمِّي فاعلُه.
فإذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد نهَى كلَّ واحدٍ مِن أبوَيِ المولودِ عن مضارَّةِ صاحبِه بسببِ ولدِهما، فحقٌّ على إمامِ المسلمين - إذا أراد الرجلُ نَزْعَ ولدِه مِن أمِّه بعدَ بَيْنونتِها منه، وهي تَحْضُنُه وتَكْفُلُه وتُرْضِعُه، بما يَحْضُنُه به غيرُها ويَكْفُلُه به ويُرْضِعُه مِن الأُجْرةِ - أن يَأْخُذَ الوالدَ بتسليمِ ولدِها، ما دام مُحْتاجًا الصبيُّ إليها في ذلك، بالأُجرةِ التي يُعْطاها غيرُها.
وحقٌّ عليه إذا كان الصبيُّ لا يَقْبَلُ ثَدْيَ غيرِ والدتِه، أو (٥) كان المولودُ له لا يَجِدُ مَن يُرْضِعُ ولدَه، وإن كان يَقْبَلُ ثَدْيَ غيرِ أمِّه، أو كان مُعْدِمًا لا يَجِدُ ما يَسْتَأْجِرُ به مُرْضِعًا، ولا يَجِدُ من (٦) يَتَبَرَّعُ عليه برَضاعِ مولودِه، أن يَأْخُذَ والدتَه البائنةَ مِن والدِه برَضَاعِه وحَضانتِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه إنْ (٧) حرَّم على كلِّ واحدٍ مِن أبوَيْه ضِرارَ صاحبِه بسببِه، فالإضْرارُ به أحْرَى أن يَكونَ مُحرَّمًا، مع ما في الإضْرارِ به مِن مضارَّةِ صاحبِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الوارثِ الذي عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ وأيُّ وارثٍ هو؟
ووارثُ مَن هو؟
فقال بعضُهم: هو وارثُ الصبيِّ.
وقالوا: معنى الآيةِ: وعلى وارثِ الصبيِّ إذا كان أبوه (١) ميتًا مثلُ الذي كان على أبيه في حياتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ الولدِ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ الولدِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى وارثِ الصبيِّ مثلُ ما على أبيه (٣).
ثم اخْتَلَف قائلو هذه المقالةِ في وارثِ المولودِ الذي ألْزَمه اللَّهُ تعالى ذكرُه مثلَ الذي وصَف، فقال بعضُهم: هو وارثُ الصبيِّ مِن قِبَلِ أبيه مِن عَصَبتِه كائنًا مَن كان؛ أخًا كان أو عمًّا أو ابنَ عمٍّ أو ابنَ أخٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، أن عمرَو بنَ شُعيبٍ أخْبَرَه، أن سعيدَ بنَ المسيبِ أخْبَرَه، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال - وقَف (١) بنى عمِّ (٢) مَنْفوسٍ (٣)؛ [بنى عمِّه] (٤) كَلالةً بالنفقةِ عليه، مثلَ العاقلةِ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، أن الحسنَ كان يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على العَصَبةِ (٦).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ وأبو عاصمٍ، قالا: ثنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: وقَف عمرُ ابنَ عمِّ (١) مَنْفوسٍ كلالةً برَضاعِه (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونُسَ، أن الحسنَ كان يقولُ: إذا تُوُفِّى الرجلُ وامرأتُه حاملٌ، فنفقتُها مِن نصيبِها، ونفقةُ ولدِها مِن نصيبِه مِن مالِه إن كان له، فإن لم يَكُنْ له مالٌ فنفقتُه على عَصَبتِه.
قال: وكان يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ على الرجالِ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: على العَصَبةِ الرجالِ دونَ النساءِ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابنِ سِيرينَ أنه أتَى عبدَ اللَّهِ بنَ عتبةَ مع اليتيمِ وليُّه، ومع اليتيمِ مَن يَتَكَلَّمُ في نفقتِه، فقال لوليِّ اليتيمِ: لو لم يَكُنْ له مالٌ لَقَضَيْتُ عليك بنفقتِه؛ لأن اللَّهَ تعالى يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال (٦): ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، قال: أُتِي عبدُ اللَّهِ بنُ عتبةَ في رَضاعِ صبيٍّ، فجعَل رَضاعَه في مالِه، وقال لوليِّه: لو لم يَكُنْ له مالٌ جعَلْنا رَضاعَه في مالِك، ألا تَراه يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: على الوارثِ ما على الأبِ إذا لم يَكُنْ للصبيِّ مالٌ، وإذا كان له ابنُ عمٍّ أو عَصَبةٌ تَرِثُه، فعليه النفقةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الوليُّ مَن كان.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن أبي بشرٍ وَرْقاءَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخْبَرَنا يعقوبُ - يعني ابنَ القاسمِ - عن عطاءٍ وقتادةَ، في يتيمٍ ليس له شيءٌ: أيُجْبَرُ أولياؤُه على نفقتِه؟
قالا: نعم، يُنْفَقُ عليه حتى يُدْرِكَ (٤).
حُدِّثْتُ عن يعلى بنِ عُبيدٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: إن مات أبو الصبيِّ، وللصبيِّ مالٌ، أُخِذ رَضاعُه مِن المالِ، وإن لم يَكُنْ له مالٌ أُخِذ مِن العَصَبةِ، فإن لم يَكُنْ للعَصَبةِ مالٌ أُجْبِرَت عليه أمُّه (١).
وقال آخَرون منهم: بل ذلك على (٢) وارثِ المولودِ مَن كان؛ مِن الرجالِ والنساءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يَقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على وارثِ المولودِ ما كان على الوالدِ مِن أجرِ الرَّضاعِ، إذا كان الولدُ لا مالَ له؛ على الرجالِ والنساءِ على قَدْرِ ما يَرِثُون (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ أَغْرَم ثلاثةً - كلُّهم يَرِثُ الصبيَّ - أجْرَ رَضاعِه (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سِيرينَ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ عُتْبةَ جعَل نفقةَ صبيٍّ مِن مالِه، وقال لوارثِه: أمَا إنه لو لم يَكُنْ له مالٌ أخَذْناك بنفقتهِ، ألا تَرَى أنه يَقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٥).
وقال آخَرون منهم: هو مِن ورثتِه مَن كان منهم ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ للمولودِ، فأما مَن كان ذا رَحِمٍ منه وليس بمَحْرَمٍ، كابنِ العمِّ والمَوْلَى ومَن أشْبَهَهما، فليس مَن عَناه اللَّهُ بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
والذين قالوا هذه المقالةَ؛ أبو حنيفةَ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ (١).
وقالت فرقةٌ أُخرى: بل الذي عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ المولودُ نفسُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الحكمِ المِصْريُّ، قال: ثنا أبو زُرْعةَ [وَهْبُ اللَّهِ] (٢) بنُ راشدٍ، قال: أخْبَرَنا حَيْوةُ بنُ شُرَيْحٍ، قال: أخْبَرَنا جعفرُ بنُ ربيعةَ، أنَّ [بُشَيْرَ بنَ النَّضْرِ] (٣) المُزَنيَّ - وكان قاضيًا قبلَ ابنِ حُجَيرةَ في زمانِ عبدِ العزيزِ - كان يقولُ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: الوارثُ هو الصبيُّ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يزيدَ المُقْرِئُ، قال: أخْبَرَنا حَيْوةُ، قال: أخْبَرَنا جعفرُ بنُ ربيعةَ، عن قَبيصةَ بنِ ذُؤَيْبٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: هو الصبيُّ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المبارَكِ، عن حَيْوةَ بنِ شُرَيْحٍ، قال: أخْبَرَني جعفرُ بنُ ربيعةَ، أن قَبيصةَ بنَ ذُؤَيْبٍ كان يقولُ: الوارثُ هو الصبيُّ.
يعني قولَه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: يعني بالوارثِ الولدَ الذي يَرْضَعُ (١).
قال أبو جعفرٍ: وتأويلُ ذلك على ما تأوَّله هؤلاء: وعلى الوارثِ المولودِ مثلُ ما كان على المولودِ له.
وقال آخَرون: بل هو الباقي مِن والِدَيِ المولودِ بعدَ وفاة الآخَرِ منهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: أخْبَرَنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، قال: سَمِعْتُ سفيانَ يقولُ في صبيٍّ له عمٌّ وأمٌّ، وهي تُرْضِعُه، قال: يَكونُ رَضاعُه بينَهما، ويُدْفَعُ عن العمِّ بقدرِ ما تَرِثُ الأمُّ؛ لأن الأمَّ تُجْبَرُ على النفقةِ على ولدِها (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وعلى وارثِ الصبيِّ بعدَ وفاةِ أبويه مثلُ الذي كان على والدِه مِن أجرِ رَضاعِه ونفقتِه، إذا لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: على الوارثِ رَضاعُ الصبيِّ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مَنصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: أجرُ الرضاعِ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرضاعُ (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: أجرُ الرضاعِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن أيوبَ، عن محمدِ بنِ سِيرينَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرضاعُ.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُتبةَ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: النفقةُ بالمعروفِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: على الوارثِ ما على الأبِ مِن الرَّضاعِ إذا لم يَكُنْ للصبيِّ مالٌ (٢).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الرَّضاعُ والنفقةُ.
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرَّضاعُ (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، قال: الرَّضاعُ (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُطَرِّفٍ، عن الشعبيِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: أجْرُ الرَّضاعِ.
حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ مثلَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ إدريسَ، قال: سمِعْتُ هشامًا (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: الرَّضاعُ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن هشامٍ وأشْعَثَ، عن الحسنِ مثلَه (٥).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن يونُسَ، عن الحسنِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ يقولُ: في النفقةِ، على الوارثِ إذا لم يَكُنْ له مالٌ (١).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن قيسِ بنِ سعدٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: النفقةُ بالمعروفِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: على الوليِّ كَفْلُه ورَضاعُه إن لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى الوارثِ - مَن كان - مثلُ ما وصَف مِن الرَّضاعِ (٢).
قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾: في الرضاعةِ.
قال (٣): ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: وعلى الوارثِ أيضًا كَفْلُه ورَضاعُه إن لم يَكُنْ له مالٌ، وألا يُضارَّ أمَّه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: نفقتُه حتى يُفْطَمَ إن كان أبوه لم يَتْرُكْ له مالًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: على وارثِ الولدِ ما كان على الوالدِ (٢) مِن أجرِ الرَّضاعِ إذا كان الولدُ لا مالَ له.
حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على وارثِ الصبيِّ مثلُ ما على أبيه، إذا كان قد هلَك أبوه ولم يَكُنْ له مالٌ، فإن على الوارثِ أجْرَ الرَّضاعِ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: إذا مات وليس له مالٌ، كان على الوارثِ رَضاعُ الصبيِّ (٤).
وقال آخَرون: بل تأويلُ ذلك: وعلى الوارثِ مثلُ ذلك ألا يُضَارَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ ومحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن عليِّ بنِ الحَكَمِ، عن الضَّحَّاكِ بنِ مُزاحِمٍ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: ألا يُضَارَّ (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن عاصمٍ الأحْولٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
قال: لا يُضَارُّ، ولا غُرْمَ عليه (١).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: ألا يُضَارَّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قال: الوالداتُ أحقُّ برَضاعِ أولادِهن ما قَبِلْن (٣) رَضاعَهن، بما يُعْطَى غيرُهن مِن الأجرِ، وليس لوالدةٍ أن تُضَارَّ بولدِها، فتَأْبَى رَضاعَه مُضارَّةً، وهي تُعْطَى عليه ما يُعْطَى غيرُها، وليس للمولودِ له أن يَنْتَزِعَ ولدَه مِن والدتِه (٤) ضِرارًا لها وهي تَقْبَلُ مِن الأجرِ ما يُعْطِي غيرَها، ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾: مثلُ الذي على الوالدِ في ذلك (٥).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، عن سفيانَ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: ألا يُضَارَّ، وعليه مثلُ ما على الأبِ مِن النفقةِ والكِسْوةِ.
وقال آخَرون: بل تأويلُ ذلك: وعلى وارثِ المولودِ مثلُ الذي كان على المولودِ له مِن رزقِ والدتِه وكِسْوتِها بالمعروفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على الوارثِ عندَ الموتِ مثلُ ما على الأبِ للمُرْضِعِ (١) مِن النفقةِ والكِسْوةِ.
قال: ويعني بالوارثِ الولدَ الذي يُرْضَعُ؛ أن يُؤْخَذَ مِن مالِه - إن كان له مالٌ - أجْرُ ما أرْضَعَتْه أمُّه، فإن لم يَكُنْ للمولودِ مالٌ ولا لعَصَبتِه فليس لأمِّه أجرٌ، وتُجْبَرُ على أن تُرْضِعَ ولدَها بغيرِ أجرٍ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: على وارثِ الولدِ مثلُ ما على الوالدِ مِن النفقةِ والكِسْوةِ (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: وعلى الوارثِ مثلُ ما ذكَره اللَّهُ تعالى ذكرُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعَطاءٍ: قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ قال: مثلُ ما ذكَر اللَّهُ تعالى ذكرُه (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقْوالِ بالصَّوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
أن يكونَ المعنِيُّ بالوارثِ ما قاله قَبيصةُ بنُ ذُؤَيْبٍ والضَّحَّاكُ بنُ مُزاحِمٍ ومَن ذكَرْنا قولَه آنِفًا، مِن أنه معنيٌّ بالوارثِ المولودُ، وفي قولِه: ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
أن يَكونَ مَعْنيًّا به مثلُ الذي كان على والدِه مِن رزقِ والدتِه وكِسْوتِها بالمعروفِ إن كانت مِن أهلِ الحاجةِ، وهي ذاتُ زَمانةٍ (١) وعاهةٍ، ومَن لا احْترافَ (٢) فيها، ولا زوجَ لها تَسْتَغْنِي به، وإن كانت مِن أهلِ الغِنَى والصحةِ، فمثلُ الذي كان على والدِه لها مِن أجرِ رَضاعِه (٣).
وإنما قلْنا: هذا التأويلُ أولى بالصوابِ مما عداه مِن سائرِ التأويلاتِ التي ذكَرْنا؛ لأنه غيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللَّهِ تعالى ذكرُه قولٌ إلا بحُجَّةٍ واضحةٍ على ما قد بيَّنَّا في أولِ كتابِنا هذا.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان قولُه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾.
مُحْتَمِلًا ظاهرُه: وعلى وارثِ الصبيِّ المولودِ مثلُ الذي كان على المولودِ له.
ومُحْتَمِلًا: وعلى وارثِ المولودِ له (٤) مثلُ الذي كان عليه في حياتِه؛ مِن تركِ ضِرارِ الوالدةِ، ومِن نفقةِ المولودِ.
وغيرَ ذلك مِن التأويلاتِ، على نحوِ ما قد قدَّمْنا ذكرَها (٥)، وكان الجميعُ مِن الحُجَّةِ قد أجْمَعوا على أن مِن وَرَثةِ المولودِ مَن لا شيءَ عليه مِن نفقتِه وأجرِ رَضاعِه، وصحَّ بذلك مِن الدَّلالةِ على أن سائرَ ورثتهِ - غيرَ آبائِه وأمهاتِه وأجْدادِه وجَدَّاتِه مِن قِبَلِ أبيه أو أمِّه - في حُكْمِه؛ في أنهم (٦) لا يَلْزَمُهم له نفقةٌ ولا أجرُ رَضاعٍ، إذ كان مولى النِّعْمةِ مِن ورثتِه، وهو ممَّن لا يَلْزَمُه له نفقةٌ ولا أجرُ رَضاعٍ، فوجَب بإجماعِهم على ذلك أن حُكْمَ سائرِ ورثتِه - غيرَ مَن اسْتُثْنِي - حُكْمُه.
وكان إذا بطَل أن يكونَ معنى ذلك ما وصَفْنا، مِن أنه معنيٌّ به ورثةُ المولودِ، فبُطُولُ القولِ الآخرِ - وهو أنه معنيٌّ به ورثةُ المولودِ له سوى المولودِ - أحْرَى؛ لأن الذي هو أقربُ بالمولودِ قَرابةً (١) ممَّن هو أبعدُ منه إذا لم يَصِحَّ وجوبُ نفقتِه وأجرِ رَضاعِه عليه، فالذي هو أبعدُ منه قَرابةً أحْرَى (٢) ألا يَصِحَّ وجوبُ ذلك عليه.
وأما الذي قلْنا مِن وجوبِ رزقِ الوالدةِ وكِسْوتِها بالمعروفِ على ولدِها - إذا كانتِ الوالدةُ بالصفةِ التي وصَفْنا - على مثلِ الذي كان يَجِبُ لها مِن ذلك على المولودِ له، فما لا خلافَ فيه مِن أهلِ العلمِ جميعًا، فصحَّ ما قلْنا في الآيةِ مِن التأويلِ بالنقلِ المُسْتَفيضِ وراثةً عمَّن لا يَجوزُ خلافُه، وما عدا ذلك مِن التأويلاتِ فمُتنازَعٌ فيه، وقد دلَّلْنا على فَسادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾: إن أراد والدُ المولودِ ووالدتُه فِصالًا.
يعني فِصالَ ولدِهما مِن اللبنِ.
ويعني بالفِصالِ الفِطامَ، وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: فاصَلْتُ فلانًا أُفاصِلُه مُفاصَلةً وفِصالًا.
إذا فارَقه مِن خُلْطةٍ كانتْ بينَهما، فكذلك فِصالُ الفَطِيمِ، إنما هو مَنْعُه اللبنَ (٣) وقطعُه شُرْبَه، وفِراقُه ثَدْيَ أُمِّه (٤)، إلى الاغْتِذاءِ بالأقْواتِ التي يَغْتَذِي بها البالغُ مِن الرجالِ.
وبما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾.
يقولُ: إن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولَيْن (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾: فإن أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولين وبعدَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جَوَيْبِرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ قال: الفِطامَ (٣).
وأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾.
فإنه يعني بذلك: عن تَراضٍ من والدَيِ المولودِ وتَشاوُرٍ منهما.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الوقتِ الذي أسْقَط اللَّهُ الجُناحَ عنهما (٤)، إن فطَماه عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ، وأيِّ الأوقاتِ الذي عَناه اللَّهُ تعالى ذكرُه بِقولِه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك: فإن أرادا فِصالًا في الحولين عن تراضٍ منهما وتشاورٍ، فلا جُناحَ عليهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ يقولُ: إذا (١) أرادا أن يَفْطِماه قبلَ الحولين، فتَراضَيا بذلك، فلْيَفْطِماه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ: إذا أرادَتِ الوالدةُ أن تَفْصِلَ ولدَها قبلَ الحولين، فكان ذلك عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ، فلا بأسَ به (٣).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ قال: التَّشاوُرُ فيما دونَ الحولين، ليس لها أن تَفْطِمَه إلا أن يَرْضَى، وليس له أن يَفْطِمَه إلا أن تَرْضَى (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولَيْن، ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دون الحولَيْن، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾، فإن لم يَجْتَمِعا، فليس لها أن تَفْطِمَه دونَ الحولين (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولين، ليس لها حتى يَجْتَمِعا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى الليثُ، قال: أخْبَرَنا عُقَيلٌ، عن ابنِ شِهابٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾: يَفْصِلان ولدَهما، ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ دونَ الحولَين الكاملَين، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ، قال: التَّشاوُرُ ما دونَ الحولين إذا اصْطَلَحا دونَ ذلك، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾.
فإذا قالتِ المرأةُ: أنا أَفْطِمُه قبلَ الحولين.
وقال الأبُ: لا.
فليس لها أن تَفْطِمَه قبلَ الحولين، وإن لم تَرْضَ الأمُّ فليس له ذلك حتى يَجْتَمِعا، فإن اجْتَمَعا قبلَ الحولين فطَماه، وإذا اخْتَلَفا لم يَفْطِماه قبلَ الحولين، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ [في قولِه] (٣): ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾.
قال: قبلَ السنتَيْن (٤)، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٢) وقال آخَرون: معنى ذلك: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في أيِّ وقتٍ أرادا ذلك، قبلَ الحولين أرادا أمْ بعدَ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: أن يَفْطِماه قبلَ الحولين وبعدَه (١).
ووأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾.
فإنه يعني: عن تَراضٍ منهما وتَشاورٍ فيما فيه مصلحةُ المولودِ لفَطْمِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ قال: غيرَ مُسِيئين (٢) في ظلمِ أنفسِهما، ولا إلى صبيِّهما، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثني أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
وأولى التأويلَيْن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: فإن أرادا فِصالًا في الحولين عن تَراضٍ منهما وتشاورٍ؛ لأن تَمامَ الحولين غايةٌ لتَمامِ الرَّضاعِ وانْقِضائِه، ولا تَشاوُرَ بعدَ انقضائِه، وإنما التشاورُ والتَّراضِي قبلَ انقضاءِ نهايتِه.
فإن ظنَّ ذو غَفْلةٍ أن للتشاورِ بعدَ انقضاءِ الحولين معنًى صحيحًا، إذ كان مِن الصِّبْيانِ مَن تكونُ به علةٌ يَحتاجُ مِن أجلِها إلى ترْكِه [والاغْتِذاءِ] (٤) بلبنِ أمِّه، فإن ذلك إذا كان كذلك، فإنما هو علاجٌ - كالعلاجِ بشُرْبِ بعضِ الأدويةِ - لا رَضاعٌ.
فأما الرَّضاعُ الذي يَكونُ في الفِصالِ مِنه قبلَ انقضاءِ آخرِه تَراضٍ وتشاورٌ مِن والدَيِ الطفلِ الذي أسْقَط اللَّهُ تعالى ذكرُه لفَطْمِهما إياه الجُناحَ عنهما قبلَ انقضاءِ آخرِ مدتِه، فإنما الحدُّ الذي حدَّه اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
على ما قد أتَيْنا على البيانِ عنه فيما مضَى قبلُ.
وأما الجُناحُ فالحرَجُ.
كما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾: فلا حرَجَ عليهما.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: وإن أرَدْتُم أن تَسْتَرْضِعوا أولادَكم مَراضِعَ غيرَ أمهاتِهم، إذا أبَتْ أمهاتُهم أن يُرْضِعْنَهم بالذي يُرْضِعْنَهم به غيرُهن مِن الأجرِ، أو مِن خِيفةِ ضَيْعةٍ منكم على أولادِكم بانقطاعِ ألبانِ أمهاتِهم، أو غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، فلا حرَجَ عليكم في اسْتِرْضاعِهن، إذا سلَّمْتُم ما آتَيْتُم بالمعروفِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾: خِيفةَ الضَّيْعةِ على الصبيِّ فلا جُناحَ عليكم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عثمانَ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، قال: أخْبَرَنا أبو بشرٍ وَرْقاءُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.
إن قالتِ المرأةُ: لا طاقةَ لي به فقد ذهَب لبني.
فتُسْتَرْضَعُ له أُخرى (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحاكِ، قال: ليس للمرأةِ أن تَتْرُكَ ولدَها بعدَ أن يَصْطَلِحا على أن تُرْضِعَ، ويُسَلِّمان ويُجْبَران على ذلك.
قال: فإن تَعاسَروا عندَ طلاقٍ أو موتٍ في الرَّضاعِ، فإنه يُعْرَضُ على الصبيِّ المَراضِعُ، فإن قَبِل مُرْضِعًا صار ذلك وأرْضَعَتْه، وإن لم يَقْبَلْ مُرْضِعًا فعلى أمِّه أن تُرْضِعَه بالأجرِ، إن كان له مالٌ أو لعَصَبتِه، فإن لم يَكُنْ له مالٌ ولا لعصَبَتِه، أُكْرِهَت على رَضاعِه (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: إذا أَبَتِ الأمُّ أن تُرْضِعَه فلا جُناحَ على الأبِ أن يَسْتَرْضِعَ له غيرَها (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: إذا رضِيَتِ الوالدةُ أن تَسْتَرْضِعَ ولدَها، ورضِي الأبُ (٢) أن يَسْتَرْضِعَ ولدَه، فليس عليهما جُناحٌ.
واخْتَلَفوا في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إذا سلَّمْتُم لأمهاتِهم ما فارقْتُموهن عليه مِن الأجرةِ على رَضاعِهن بحسابِ ما اسْتَحَقَّتْه إلى انقطاعِ لبنِها، أو الحالِ التي عُذِر أبو الصبيِّ بطلبِ مُرْضِعٍ لولدِه غيرِ أمِّه واسْتِرْضاعِه له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: حسابُ ما أُرْضِع به الصبيُّ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: حسابُ ما يُرْضَعُ به الصبيُّ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ إن قالت - يعني الأُمَّ -: لا طاقةَ لي به فقد ذهَب لبني.
فتُسْتَرْضَعُ (١) له أُخرى، ولْيُسَلَّمْ لها أجرُها بقدرِ ما أرْضَعَت (٢).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبَارَكِ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ - يعني لعطاءٍ -: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؟
قال: أمُّه وغيرُها.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾.
قال: إذا سلَّمْتَ لها أجْرَها.
﴿مَا آتَيْتُمْ﴾.
قال: ما أعْطَيْتُم (٣).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إذا سلَّمْتُم للاسْتِرْضاعِ عن مَشورةٍ منكم ومِن أمهاتِ أولادِكم الذين تَسْتَرْضِعون لهم، وتَراضٍ منكم ومنهم باسْتِرضاعِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: إذا كان ذلك عن مَشورةٍ ورضًا منهم (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: أخْبَرَني الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهابٍ: لا جُناحَ عليهما أن يَسْتَرْضِعا أولادَهما - يعني أبَويِ المولودِ - إذا سلَّما ولم يَتَضارَّا (١).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: إذا كان ذلك عن مَشورةٍ ورضًا منهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: إذا سلَّمْتُم ما آتيْتُم بالمعروفِ إلى (٢) التي اسْتَرْضَعْتُموها بعدَ إباءِ أمِّ المُرْضَعِ مِن الأُجْرةِ بالمعروفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا سلَّمْتُم إلى هذه التي تَسْتَأْجِرون أجْرَها بالمعروفِ.
يعني: إلى مَن اسْتُرْضِع للمولودِ إذا أبَتِ الأمُّ رَضاعَه (٣).
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك قولُ مَن قال: تأويلُه: وإن أرَدْتُم أن تَسْتَرْضِعوا أولادَكم إلى تَمامِ رَضاعِهن، ولم تَتَّفِقوا أنتم ووالداتُهم على فِصالِهم، ولم تَرَوْا ذلك مِن صلاحِهم، فلا جُناحَ عليكم أن تَسْتَرْضِعوهم ظُؤُورةً إنِ امْتَنَعَت أمهاتُهم مِن رَضاعِهم لعلةٍ بهن أو لغيرِ علةٍ، إذا سلَّمْتُم إلى أمهاتِهم وإلى المُسْتَرْضَعةِ الآخِرةِ حقوقَهن التي آتَيْتُموهن بالمعروفِ.
يعني بذلك المعنى الذي أوْجَبه اللَّهُ لهن عليكم؛ وهو أن يُوَفِّيَهن أجورَهن على ما فارَقَهن عليه في حالِ الاسْتِرْضاعِ ووقتِ عقدِ الإجارةِ.
وهذا هو المعنى الذي قاله ابنُ جُرَيْجٍ ووافَقه على بعضِه مجاهدٌ والسديُّ ومَن قال بقولِهم في ذلك.
وإنما قضَيْنا لهذا التأويل أنه أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن غيرِه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه ذكَر قبلَ قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.
أمْرَ فِصالِهم، وبيَّنَ الحُكْمَ في فِطامِهم قبلَ تَمامِ الحولَيْن الكاملين، فقال: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ في الحولين الكاملين، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾.
فالذي هو أوْلَى بحكمِ الآيةِ - إذ كان قد بيَّن فيها وجْهَ الفِصالِ قبلَ الحولين - أن يكونَ الذي يَتْلُو ذلك حُكْمَ ترْكِ الفِصالِ وإتْمامِ الرَّضاعِ إلى غايةِ (١) نهايتِه، وأن يكونَ، إذ كان قد بيَّن حُكْمَ الأمِّ إذا هي اختارَتِ الرَّضاعَ بما تُرْضِعُ به غيرُها مِن الأجرةِ - أن يكونَ الذي يَتْلُو ذلك مِن الحُكْمِ بيانَ حُكمِها وحُكْمِ الولدِ إذا هي امْتَنَعَت مِن رَضاعِه، كما كان ذلك كذلك في غيرِ هذا الموضعِ مِن كتابِ اللَّهِ تعالى، وذلك في قولِه: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].
فأتْبَع ذكْرَ بيانِ رضا الوالداتِ برَضاعِ أولادِهن ذكْرَ بيانِ امْتناعِهن مِن رَضاعِهن، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾.
وإنما اخْتَرْنا في قولِه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
ما اخْتَرْنا مِن التأويلِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه فرَض على أبي المولودِ تسليمَ حقِّ والدتِه إليها مما آتاها مِن الأجْرةِ على رَضاعِها (٢) له بعدَ بَيْنونتِها منه، كما فرَض عليه ذلك لمَن اسْتَأْجَره لذلك ممَّن ليس مِن مولدِه بسبيلٍ، وأمَرَه بإيتاءِ كلِّ واحدةٍ منهما حقَّها بالمعروفِ على رَضاعِ ولدِه، فلم يَكُنْ قولُه: ﴿إِذَا سَلَّمْتُمْ﴾.
بأن يَكونَ مَعْنِيًّا به: إذا سلَّمْتُم إلى أمهاتِ أولادِكم الذين يُرْضِعون حقوقَهن.
بأوْلَى منه بأن يكونَ مَعْنيًّا به: إذا سلَّمْتُم ذلك إلى المَراضِعِ سِواهن.
ولا الغرائبُ مِن المولودِ بأولى أن يَكُنَّ مَعْنيَّاتٍ بذلك مِن الأمهاتِ، إذ كان اللَّهُ تعالى ذكرُه قد أوْجَب على أبي المولودِ لكلِّ مَن اسْتَأْجَره لرَضاعِ ولدِهِ مِن تسليمِ أجرتِها إليها مثلَ الذي أوْجَب عليه مِن ذلك للأُخرى، فلم يَكُنْ لنا أن نُحِيلَ ظاهرَ تَنْزيلٍ إلى باطنٍ، ولا نقْلَ عامٍّ إلى خاصٍّ، إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها - فصحَّ بذلك ما قلْنا.
وأما معنى قولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾.
فإن معناه: بالإجْمالِ والإحْسانِ وتركِ البَخْسِ والظلمِ فيما وجَب للمَراضِعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: وخافوا اللَّهَ فيما فرَض لبعضِكم على بعضٍ مِن الحقوقِ، وفيما ألْزَم نساءَكم لرجالِكم، ورجالَكم لنسائِكم، وفيما أوْجَب عليكم لأولادِكم، فاحْذَرُوه أن تُخالِفوه فتَعْتَدُوا في ذلك وفي غيرِه مِن فَرائضِه وحقوقِه وحُدُودِه، فتَسْتَوْجِبوا بذلك عقوبتَه، واعْلَموا أن اللَّهَ بما تَعْمَلون مِن الأعمالِ أيُّها الناسُ؛ سرِّها وعَلانيتِها، وخَفِيِّها وظاهرِها، وخيرِها وشرِّها، بصيرٌ يَراه ويَعْلَمُه، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ، ولا يتغيَّبُ (١) عنه منه شيءٌ، فهو يُحْصِي ذلك كلَّه عليكم حتى يُجازِيَكم بخيرِ ذلك وشرِّه.
ومعنى ﴿بَصِيرٌ﴾: ذو إبْصارٍ.
وهو في معنى مُبْصِرٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: والذين يُتَوَفَّوْن منكم مِن الرجالِ أيُّها الناسُ، فيَمُوتُون ويَذَرُون أزْواجًا، يَتَرَبَّصُ (١) أزواجُهن بأنفسِهن.
فإن قال قائلٌ: فأين الخبرُ عن الذين يُتَوَفَّوْن؟
قيل: متروكٌ؛ لأنه لم يَقْصِدْ قَصْدَ الخبرِ عنهم، وإنما قصَد قَصْدَ الخبرِ عن الواجِب على المعْتدَّاتِ مِن العِدَّةِ في وفاةِ أزْواجِهن، فصُرف الخبرُ عن الذين ابْتُدِئ بذكرِهم مِن الأمواتِ إلى الخبرِ عن أزواجِهم والواجبِ عليهن مِن العِدَّةِ، إذ كان مَعْروفًا مفهومًا معنى ما أُرِيدَ بالكلامِ.
وهو نَظيرُ قولِ القائلِ في الكلامِ: بعضُ جُبَّتِك مُتَخَرِّقةٌ.
في تركِ الخبرِ عمَّا ابْتُدئ به الكلامُ إلى الخبرِ عن بعضِ أسْبابِه.
وكذلك الأزْواجُ اللَّواتي عليهن التَّرَبُّصُ؛ لمَّا كان إنما ألْزَمَهن التربصَ بأسبابِ أزواجِهن، صرَف الكلامَ عن خبرِ مَن ابْتُدِئ بذكرِه إلى الخبرِ عمَّن قصَد قصْدَ الخبرِ عنه، كما قال الشاعرُ (٢): لَعَلِّيَ إن مالَتْ بيَ الريحُ مَيْلةً … على ابن أبي ذِبَّانَ (٣) أن يَتَنَدَّمَا فقال: لعلِّي.
ثم قال: أن يَتَنَدَّما.
لأن معنى الكلامِ: لعل ابنَ أبي ذِبَّانَ (٣) أن يَتَنَدَّمَ إن مالتْ بي الريحُ مَيْلةً عليه.
فرجَع بالخبرِ إلى الذي أراد به، وإن كان قد ابْتَدَأ بذكرِ غيرِه.
ومنه قولُ الشاعرِ (٤): ألم تَعْلَموا أن ابنَ قيسٍ وقَتْلَهُ … بغيرِ دمٍ دارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ فأَلْقَى (١) ابنَ قيسٍ وقد ابْتَدَأ بذكرِه، وأخْبَر عن قتلِه أنه ذُلٌّ.
وقد زعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أن خبرَ ﴿الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ﴾ متروكٌ، وأن معنى الكلامِ: والذين يُتَوفَّونَ منكم ويَذَرُون أزواجًا، يَنْبَغي لهن أن يَتَرَبَّصْنَ بعدَ موتِهم.
وزعَم أنه لم يُذْكرْ موتُهم، كما يُحْذَفُ بعضُ الكلامِ، وأنَّ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ رفعٌ؛ إذ وقَع موقعَ "ينبغي"، و"ينبغي" رفعٌ.
وقد دلَّلنا على فسادِ ما (٢) قال في رفعِ ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ بوقوعِه موقعَ "ينبغي" فيما مضَى (٣)، فأغْنَى عن إعادتِه.
وقال آخَرُ (٤) منهم: إنما لم يَذْكُرِ ﴿الَّذِينَ﴾ بشيءٍ؛ لأنه صار "الذين" في خبرِهم مثلَ تأويلِ الجَزاءِ: مَن يَلْقَك منا يُصِبْ خيرًا.
الذي يَلْقاك منا يُصِيبُ خيرًا.
قال: ولا يَجوزُ هذا إلا على معنى الجزاءِ.
وفي البيتين اللذين ذكَرْناهما دلالةٌ واضحةٌ على القولِ في ذلك بخلافِ ما قالا.
وأما قولُه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾.
فإنه يعني به: يَحْتَبِسْنَ بأنفسِهن مُعْتَدَّاتٍ عن الأزواجِ والطِّيبِ والزينةِ والنُّقْلةِ عن المسكنِ الذي كُنَّ يَسْكُنَّه في حياةِ أزْواجِهن - أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا، إلا أن يَكُنَّ حوَاملَ، فيكونَ عليهن مِن التربُّصِ كذلك إلى حينِ وضعِ حَمْلِهن، فإذا وَضَعْن حملَهن انْقَضَت عِدَدُهن حينَئذٍ.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم مثلَ ما قلْنا فيه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: فهذه عِدَّةُ المُتَوَفَّى عنها (١)، إلا أن تَكونَ حاملًا، فعِدَّتُها أن تَضَعَ ما في بطنِها (٢).
حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شِهابٍ في (٣) قولِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال ابنُ شِهاب: جعَل اللَّهُ هذه العِدَّةَ للمُتَوَفَّى عنها زوجُها، فإن كانت حاملًا فيُحِلُّها مِن عدتِها أن تَضَعَ حملَها، وإن اسْتَأْخَر فوقَ الأربعةِ أشهرٍ والعشرِ، فما اسْتَأْخَر لا يُحِلُّها إلا أن تَضَعَ حملَها.
وإنما قلْنا: عنَى بالتربُّصِ ما وصَفْنا؛ لتَظاهُرِ الأخْبارِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بما: حدَّثْنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ وأبو أُسامةَ، عن شعبةَ، وحدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، قال: سمِعْتُ زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ تُحَدِّثُ - قال أبو كُرَيْبٍ: قال أبو أسامةَ: عن أمِّ سلمةَ - أن امرأةً تُوُفِّي عنها زوجُها، واشْتَكَتْ عينُها (٤)، فأتَتِ النبيَّ ﷺ تَسْتَفْتِيه في الكُحْلِ فقال: "لقد كانت إحْداكن تَكونُ في الجاهليةِ في شرِّ (٥) أحْلاسِها (٦)، فتَمْكُثُ في بيتِها حولًا إذا تُوُفِّي عنها زوجُها، فيَمُرُّ عليها الكلبُ فتَرْمِيه بالبَعَرةِ، أفلا أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا!
" (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيَى بنَ سعيدٍ، قال: سمِعْتُ نافعًا، عن صَفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ، أنها سمِعَتْ حَفْصةَ ابنةَ عمرَ زوجَ النبيِّ ﷺ تُحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ، فإنَّها تُحِدُّ عليه أربعةَ أشهرٍ وعشرًا" (٢).
قال يحيى: والإحْدادُ عندَنا ألا تَطَّيَّبَ، ولا تَلْبَسَ ثوبًا مَصْبوغًا بوَرْسٍ ولا زَعْفَرانٍ، ولا تَكْتَحِلَ، ولا تَزَّيَّنَ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا يحيى، عن نافعٍ، عن صفيةَ ابنةِ أبي عُبيدٍ، عن حفصةَ ابنةِ عمرَ، أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ" (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني حُميدُ بنُ نافعٍ، أن زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ أخْبَرَتْه عن أمِّ سلمةَ - أو أمِّ حَبيبةَ - زوجِ النبيِّ ﷺ، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ، فذكَرَتْ أن ابنتَها تُوُفِّي عنها زوجُها، وأنها قد خافَتْ على عينِها.
فزعَم حميدٌ عن زينبَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا (١) ".
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، أنه سمِع زينبَ ابنةَ أمِّ سلمةَ تُحَدِّثُ، عن أمِّ حَبيبةَ أو أمِّ سلمةَ، أنَّها ذكَرتْ أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ قد تُوفِّيَ عنها زوجُها، وقد اشْتَكَت عينُها، وهي تُريدُ أن تَكْحَلَ عينَها، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ بعدَ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشرًا (١) " (٢).
قال ابنُ بشارٍ: قال يَزيدُ: قال يحيى: فسأَلْتُ حُميدًا عن رَمْيِها بالبَعَرةِ.
قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ إذا تُوُفِّي عنها زوجُها عَمَدَتْ إلى شرِّ بيتِها، فقعَدَتْ فيه حولًا، فإذا مرَّتْ بها سنةٌ ألقَتْ بَعَرةً وراءَها.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا شعبةُ، عن يحيى، عن حُميدِ بنِ نافعٍ بهذا الإسنادِ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا [عبدُ اللَّهِ] (٣) بنُ إدريسَ، قال: ثنا ابنُ عُيينةَ، عن أيوبَ بنِ موسى ويحيى بنِ سعيدٍ، عن حُميدِ بن نافعٍ، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ، أن امرأةً أتَتِ النبيَّ ﷺ فقالت: إن ابنتي مات زوجُها، فاشْتَكَتْ عينُها، أفتَكْتَحِلُ؟
فقال: "قد كانت إحْداكن تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي الآن أربعةَ أشهرٍ وعشْرًا (١) ".
قال: قلتُ: وما تَرْمِي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ؟
قال: كان نساءُ أهلِ الجاهليةِ إذا مات زوجُ إحْداهن لَبِسَتْ أطْمارَ (٢) ثيابِها، وجلَسَت في أخَسِّ بيوتِها، فإذا حال عليها الحولُ، أخَذَت بَعَرةً فدحْرَجَتْها على ظهرِ حمارٍ، وقالت: قد حَلَلْتُ (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ يونُسَ، قال: ثنا زُهَيْرُ بنُ مُعاويةَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن حُميدِ بنِ نافعٍ، عن زينبَ ابنةِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّها أمِّ سلمةَ وأمِّ حَبيبةَ زوجَيِ النبيِّ ﷺ، أن امرأةً مِن قريشٍ جاءت إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ فقالت: إن ابنتي تُوِّفِّي عنها زوجُها، وقد خِفْتُ على عينِها، وهي تُرِيدُ الكُحْلَ.
قال: "قد كانت إحْداكن تَرْمي بالبَعَرةِ على رأسِ الحولِ، وإنما هي أربعةَ أشهرٍ وعشرًا (١) ".
قال حُميدٌ: فقلتُ لزينبَ: وما رأسُ الحولِ؟
قالت زينبُ: كانت المرأةُ في الجاهليةِ إذا هلَك زوجُها عمَدتْ إلى أشرِّ بيتٍ لها، فجلَسَتْ فيه، حتى إذا مرَّتْ بها سنةٌ خرَجَتْ، ثم رمَتْ ببَعَرةٍ وراءَها (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا ابنُ المُبارَكِ، عن مَعْمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، عن عائشةَ أنها كانت تُفْتِي المتُوَفَّى عنها زوجُها أن تُحِدَّ على زوجِها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها، ولا تَلْبَسَ ثوبًا مصبوغًا ولا مُعَصْفَرًا، ولا تَكْتَحِلَ بالإِثْمِدِ (١)، ولا بكُحلٍ فيه طِيبٌ وإن وجِعَتْ عينُها، ولكن تَكْتَحِلُ بالصَّبِرِ (٢)، وما بدا لها مِن الأكْحالِ سوى الإثْمِدِ، مما ليس فيه طيبٌ، ولا تَلْبَسَ حَلْيًا، وتَلْبَسَ البَياضَ ولا تلْبَسَ السوادَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ عُقبةَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ في المتوفَّى عنها زوجُها: لا تَكْتَحِلُ، ولا تَطَّيَّبُ، ولا تَبِيتُ عن بيتِها، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مَصْبوغًا، إلا ثوبَ عَصْبٍ (٣) تَجَلْبَبُ به (٤).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا ابنُ جريج، عن عَطاءٍ، قال: بلَغَني عن ابنِ عباسٍ، قال: تُنْهَى المتوفَّى عنها زوجُها أن تَزَّيَّنَ وتَطَّيَّبَ (٥).
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعْلَى، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: إن المتوفَّى عنها زوجُها لا تلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا، ولا تَمَسُّ طِيبًا، ولا تَكْتَحِلُ، ولا تَمْتَشِطُ.
وكان لا يَرَى بأسًا أن تَلْبَسَ البُرْدَ (٤).
وقال آخَرون: إنما أُمِرَتِ المتوفَّى عنها أن تَرَبَّصَ بنفسِها عن الأزواجِ خاصةً، فأما عن الطِّيبِ والزينةِ والمَبيتِ عن المنزلِ، فلم تُنْهَ عن ذلك، ولم تُؤْمَرْ بالتربُّصِ بنفسِها عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ أنه كان يُرَخِّصُ في التزيُّنِ والتَّصَنُّعِ، ولا يَرَى الإحْدادَ شيئًا (١).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: لم يَقُلْ: تَعْتَدُّ في بيتِها.
تَعْتَدُّ حيث شاءت.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: إنما قال اللَّهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: ولم يَقُلْ: تَعْتَدُّ في بيتِها.
فلْتَعْتَدَّ حيث شاءت (٢).
واعْتَلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأنَّ اللَّهَ تعالى ذكرُه إنما أمَر المتوفَّى عنها بالتربُّصِ عن النكاحِ، وجعَلوا حُكمَ الآيةِ على الخصوصِ.
وبما حدَّثني به محمدُ بنُ إبراهيمَ السُّلَميُّ، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، وحدَّثني محمدُ بنُ مَعْمرٍ البَحْرانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن الحكمِ بنِ عُتيْبةَ (١)، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، عن أسماءَ ابنةِ عُمَيسٍ، قالت: لمَّا أُصيب جعفرٌ قال لي رسولُ اللَّهِ ﷺ: "تَسَلَّبي (٢) ثلاثًا، ثم اصْنَعي ما شئتِ" (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ وابنُ الصَّلْتِ، عن محمدِ بنِ طلحةَ، عن الحكمِ بنِ عُتَيْبةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدادٍ، عن أسماءَ، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (٣).
قالوا: فقد بيَّن هذا الخبرُ عن النبيِّ ﷺ [ألا إحْدادَ] (٤) على المتوفَّى عنها زوجُها، وأن القولَ في تأويلِ قولِه: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إنما هو: يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن عن الأزواجِ دونَ غيرِه.
وأما الذين أوْجَبوا الإحْدادَ على المتوفَّى عنها زوجُها، وتركَ النُّقْلةِ عن منزلِها الذي كانت تَسْكُنُه يومَ تُوُفِّي عنها زوجُها، فإنهم اعْتَلُّوا بظاهرِ التَّنْزيلِ، وقالوا: أمَر اللَّهُ المتوفَّى عنها أن تَرَبَّصَ بنفسِها أربعةَ أشهرٍ وعشرًا، فلم يَأْمُرْها بالتربُّصِ بشيءٍ مُسَمًّى في التنزيلِ بعينِه، بل عمَّ بذلك مَعانيَ التربُّصِ.
قالوا: فالواجبُ عليها أن تَرَبَّصَ بنفسِها عن كلِّ شيءٍ، إلا ما أطْلَقَتْه لها حُجَّةٌ يجبُ التسليمُ لها.
قالوا: فالتَّربُّصُ عن الطِّيبِ والزينةِ والنُّقْلةِ مما هو داخلٌ في عمومِ الآيةِ، كما التربُّصُ عن الأزواجِ داخلٌ فيها.
قالوا: وقد صحَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ الخبرُ بالذي قلنا في الزينةِ والطِّيبِ.
وأما في النُّقْلةِ؛ فإن أبا كُريبٍ حدَّثنا، قال: ثنا يونُسُ بنُ محمدٍ، عن فُلَيْحِ بنِ سليمانَ، عن سعدِ (١) بنِ إسحاقَ بنِ كعبِ بنِ عُجْرةَ، عن عمَّتِه، عن (٢) الفُرَيْعةِ ابنةِ مالكٍ أختِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قالت: قُتِل زوجي وأنا في دارٍ، فاستأذنتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في النُّقلةِ، فأذِن لي، ثم ناداني بعدَ أن توَلَّيْتُ، فرجَعْتُ إليه، فقال: "يا فُرَيْعةُ، حتى يَبْلغَ الكتابُ أجلَه" (٣).
قالوا: فبيَّن رسولُ اللَّهِ ﷺ صحةَ ما قلنا في معنى تربُّصِ المتوفَّى عنها زوجُها، [وبطولَ] (٤) ما خالَفه.
قالوا: وأما ما رُوِي عن ابنِ عباسٍ، فإنه لا معنى له؛ بخروجِه عن ظاهرِ التنزيلِ والثابتِ مِن الخبرِ عن الرسولِ ﷺ.
قالوا: وأما الخبرُ الذي رُوِي عن أسماءَ ابنةِ عُمَيْسٍ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْرِه إياها بالتَّسَلُّبِ ثلاثًا، ثم أن تَصْنَعَ ما بدا لها، فإنه غيرُ دالٍّ على ألا حِدادَ على المرأةِ، بل إنما دَلَّ على أمْرِ النبيِّ ﷺ إياها بالتَّسَلُّبِ ثلاثًا، ثم العملِ بما بدا لها مِن لُبْسِ ما شاءت مِن الثيابِ، مما يَجوزُ للمعتدةِ لُبْسُه، مما لَمْ يَكُنْ زينةً ولا تَطَيُّبًا؛ لأنه قد يَكونُ مِن الثيابِ ما ليس بزينةٍ ولا ثيابِ تسَلُّبٍ، وذلك كالذي أذِن ﷺ للمُتوفَّى عنها أن تَلْبَسَ مِن ثيابِ العَصْبِ وبُرودِ اليمنِ، فإن ذلك لا مِن ثيابِ زينةٍ، ولا مِن ثيابِ تسلُّبٍ، وكذلك كلُّ ثوبٍ لَمْ يَدْخُلْ عليه صِبْغٌ بعدَ نَسْجِه مما يَصْبُغُه الناسُ لتزيينِه، فإن لها لُبْسَه؛ لأنها تَلْبَسُه غيرَ متزيِّنةٍ الزينةَ التي يَعْرِفُها الناسُ.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
ولم يُقَلْ: وعشرةً؟
وإذ كان التنزيلُ كذلك، أفبالليالي تَعْتَدُّ المتوفَّى عنها العشرَ، أم بالأيامِ؟
قيل: بل تَعْتَدُّ بالأيامِ بلياليها.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فكيف قيل: ﴿وَعَشْرًا﴾.
ولم يُقَلْ: وعشرةً.
والعشرُ بغيرِ الهاءِ مِن عددِ الليالي دونَ الأيامِ؟
فإن جاز (١) ذلك المعنى فيه ما قلتَ، فهل تُجِيزُ: عندي عشرٌ.
وأنتَ تُرِيدُ عشرةً مِن رجالٍ ونساءٍ؟
قلتُ: ذلك جائزٌ في عددِ الليالي والأيامِ، وغيرُ جائزٍ مثلُه في عددِ بني آدمَ مِن الرجالِ والنساءِ؛ وذلك أن العربَ في الأيامِ والليالي خاصةً، إذا أبْهَمَت العددَ غَلَّبَت فيه الليالي، حتى إنهم فيما رُوِي لنا عنهم لَيَقُولون: صُمْنا عشرًا مِن شهرِ رمضانَ.
لتَغْليبِهم اللياليَ على الأيامِ، وذلك أن العددَ عندَهم قد جرَى في ذلك بالليالي دونَ الأيامِ، فإذا أظْهَروا مع العددِ مُفَسِّرَه، أسْقَطوا مِن عددِ المؤنثِ الهاءَ، وأُثْبَتُوها في عددِ المذكرِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧].
فأسْقَط الهاءَ مِن "سبعٍ"، وأثْبَتَها في "الثمانيةِ".
وأما بنو آدمَ فإن مِن شأنِ العربِ إذا اجْتَمَعَتِ الرجالُ والنساءُ، ثم أَبْهَمَت عددَها، أن تُخْرِجَه على عددِ الذُّكْرانِ دونَ الإناثِ، وذلك أن الذُّكْرانَ مِن بني آدمَ مَوْسومٌ واحدُهم وجمعُه بغيرِ سِمةِ إناثِهم، وليس كذلك سائرُ الأشياءِ غيرِهم، وذلك أن الذكورَ مِن غيرِهم ربما وُسِم بسِمةِ الأنثى، كما قيل للذكرِ والأنثى: شاةٌ.
وقيل للذكورِ والإناثِ مِن البقرِ: بقرٌ.
وليس كذلك في بني آدمَ.
فإن قال: وما معنى زيادةِ هذه العشَرةِ الأيامِ على الأربعةِ (١) الأشهرِ؟
قيل: قد قيل في ذلك ما (٢) حدَّثنا به ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
قال: قلتُ: لمَ صارَتْ هذه العَشْرُ مع الأشهرِ الأربعةِ؟
قال: لأنه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ في العَشْرِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى أبو عاصمٍ (٤)، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: سألْتُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ: ما بالُ العشرِ؟
قال: فيه يُنْفَخُ الرُّوحُ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: فإذا بلَغْنَ الأجلَ الذي أُبِيح لهن فيه ما كان حُظِر عليهن في عِدَدِهن مِن وفاةِ أزْواجِهن - وذلك بعدَ انقضاءِ عِدَدِهن، ومُضِيِّ الأشهُرِ الأربعةِ والأيامِ العشَرةِ - ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: فلا حرَجَ عليكم أيُّها الأولياءُ، أولياءُ المرأةِ، فيما فعَل المُتَوَفَّى عنهن حينَئذٍ في أنفسِهن مِن تَطيُّبٍ وتزيُّنٍ، ونُقْلةٍ مِن المسكنِ الذي كُنَّ يَعْتَدِدْنَ فيه، ونكاحِ مَن يَجوزُ لهن نكاحُه بالمعروفِ.
يعني بذلك: على ما أذِن اللَّهُ لهن فيه وأباحَه لهن.
وقد قيل: إنما عنَى بذلك النكاحَ خاصَّةً.
وقيل: إن معنى قولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ إنما هو النكاحُ الحلَالُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: (١) الحلالُ الطَّيِّبُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: المعروفُ النكاحُ الحلالُ الطيبُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: هو النكاحُ الحلالُ الطيبُ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: هو النكاحُ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابنِ شَهابٍ: ﴿فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: في نكاحِ مَن هَوِيَتْه (٣) إذا كان معروفًا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: واللَّهُ بما تعمَلون أيُّها الأولياءُ في أمرِ مَن أنتم وليُّه مِن نسائِكم؛ مِن عَضْلِهن وإنْكاحِهن ممَّن أرَدْنَ نكاحَه بالمعروفِ، ولغيرِ ذلك مِن أمورِكم وأمورِهم، ﴿خَبِيرٌ﴾.
يعني: ذو خبرةٍ وعلمٍ، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الرجالُ فيما عرَّضْتم به من خِطْبةِ النساءِ، للنساءِ المُعْتَدَّاتِ مِن وفاةِ أزْواجِهن في عِدَدِهن، ولم تُصرِّحوا بعقدِ نكاحٍ.
والتَّعْريضُ الذي أُبِيح في ذلك هو ما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مَنصورٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: التَّعريضُ أن يقولَ: إني أُريدُ التزويجَ، وإني لَأُحِبُّ امرأةً مِن أمرِها وأمرِها.
يُعَرِّضُ لها بالقولِ بالمعروفِ (١).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: إني أُريدُ ان أَتَزَوَّجَ (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مُجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: التَّعْريضُ ما لم يَنْصِبْ (٣) للخِطْبةِ.
قال مجاهدٌ: قال رجلٌ لامرأةٍ في جِنازةِ زوجِها: لا تَسْبِقيني بنفسِك.
قالت: قد سُبِقْتَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: التعريضُ ما لم يَنْصِبْ للخِطبةِ (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: التعريضُ أن يَقولَ للمرأةِ في عِدَّتِها: إني لا أُرِيدُ أن أَتَزَوَّجَ غيرَك إن شاء اللَّهُ، ولَوَدِدْتُ أني وجَدْتُ امرأةً صالحةً.
ولا يَنْصِبُ لها ما دامَت في عدَّتِها (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
يقولُ: يعرِّضُ لها في عدَّتِها، يقولُ لها: إن رأيتِ ألا تَسْبِقِيني بنفسِك، ولودِدتُ أن اللَّهَ قد هيَّأ بيني وبينَك.
ونحو هذا من الكلامِ، فلا حرجَ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقلانِيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: هو أن يقولَ لها في عِدَّتِها: إني أريدُ التزويجَ، وودِدْتُ أنَّ اللَّهَ رزَقني امرأةً.
ونحو هذا، ولا ينصِبُ للخِطبةِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في هذه الآيةِ، قال: يَذْكُرُها إلى وليِّها، يَقولُ: لا تَسْبِقْني بها (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: يقولُ: إنكِ لجَميلةٌ، وإنك لنافقةٌ (٢)، وإنك إلى خيرٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ، أنه كَرِه أن يقولَ: لا تَسْبِقِيني بنفسِك (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: إنك لَجميلةٌ، وإنك لَنافقةٌ، وإنك لَإلى خيرٍ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: يُعَرِّضُ للمرأةِ في عِدَّتِها فيقولُ: واللَّهِ إنك لجميلةٌ، وإن النساءَ لَمِن حاجتي، وإنَّك إلى خيرٍ إن شاء اللَّهُ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: هو قولُ الرجلِ: إني أُرِيدُ أن أَتَزَوَّجَ، وإني إن تَزَوَّجْتُ أحْسَنْتُ إلى امرأتي.
هذا التعريضُ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا شعبةُ، عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: يقولُ: لَأُعْطِيَنَّكِ، لَأُحْسِنَنَّ إليكِ، لَأَفْعَلَنَّ بك كذا وكذا (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ، قال: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ في قولِه: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: قولُ الرجلِ للمرأةِ في عدتِها يُعَرِّضُ بالخِطْبةِ: واللَّهِ إني فيكِ لَراغبٌ، وإني عليكِ لحَريصٌ.
ونحو هذا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ الثَّقَفيُّ، قال: سمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: إنك لَجميلةٌ، وإنك لَنافقةٌ، وإنك إلى خيرٍ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: كيف يقولُ الخاطبُ؟
قال: يُعَرِّضُ تَعْريضًا، ولا يَبوحُ بشيءٍ، يقولُ: إن لي حاجةً وأبْشِرِي، وأنت بحمدِ اللَّهِ نافقةٌ.
ولا يَبوحُ بشيءٍ.
قال عطاءٌ: وتَقولُ هي: قد أَسْمَعُ ما تَقولُ.
ولا تَعِدُه شيئًا، ولا تقولُ: لعلَّ ذاك (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرَنا ابنُ المباركِ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ يقولُ في المرأةِ يُتَوفَّى عنها زوجُها، والرجلُ يُريدُ خِطبتَها، ويُرِيدُ كلامَها، ما الذي يَجمُلُ به مِن القولِ؟
قال: يقولُ: إني فيك لَراغبٌ، وإني عليكِ لَحريصٌ، وإني بكِ لَمُعجَبٌ.
وأشباهَ هذا مِن القولِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: لا بأسَ بالهَدِيَّةِ في تَعريضِ النكاحِ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا مُغيرةُ، قال: كان إبراهيمُ لا يَرَى بأسًا أن يُهدِيَ لها في العِدَّةِ إذا كانت مِن شأنِه.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: يقولُ: إنكِ لَنافقةٌ، وإنك لَمُعجِبةٌ، وإنك لَجميلةٌ، وإن قضَى اللَّهُ شيئًا كان (١).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: كان إبراهيمُ النَّخَعيُّ يقولُ: إنك لمُعجِبةٌ، وإني فيك لَراغبٌ.
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخْبَرَني - يعني شَبِيبًا - عن سعيدٍ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: لا تأْخُذْ (٢) ميثاقَها ألَّا تَنْكِحَ غيرَك (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: كان أبي يقولُ: كلُّ شيءٍ كان دونَ أن يَعزِما (٤) عُقدةَ النكاحِ، فهو ما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: والتعريضُ فيما سمِعْنا أن يقولَ الرجلُ وهي في عِدَّتِها: إنك لَجميلةٌ، إنك إلى خيرٍ، إنك لَنافقةٌ، إنك لَتُعْجِبِيني.
ونحوَ هذا، فهذا التَّعْريضُ (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سليمانَ، عن خالتِه سُكَيْنةَ ابنةِ حَنْظلةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ حَنْظلةَ، قالت: دخَل عليَّ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ وأنا في عِدَّتي، فقال: يا ابنةَ حَنْظلةَ، أنا مَن عَلِمْتِ قَرابتي مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وحقَّ جَدِّي عليٍّ، وقَدَمي في الإسلامِ.
فقلتُ: غفَر اللَّهُ لك يا أبا جعفرٍ، أتَخْطُبُني في عِدَّتي وأنتَ يُؤْخَذُ عنك.
فقال: أو قد فعلتُ!
إنما أخْبَرْتُكِ بقَرابتي مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ومَوْضِعي، قد دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ على أمِّ سلمةَ، وكانت عندَ ابنِ عمِّها أبي سلمةَ، فتُوُفِّي عنها، فلم يَزَلْ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَذكُرُ لها منزلتَه مِن اللَّهِ، وهو مُتَحاملٌ على يدِه، حتى أثَّر الحَصيرُ في يدِه مِن شدةِ تَحامُلِه على يدِه، فما كانت تلك خِطبةً (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، قال: ثنى عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: لا جناحَ على مَن عَرَّض لهنَّ بالخِطبةِ قبلَ أن يَحْلِلْنَ إذا كَنُّوا في أنفسِهم (٣) من ذلك (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخْبَرَني مالكٌ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسمِ، عن أبيه أنه كان يَقولُ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾: أن يَقولَ الرجلُ للمرأةِ وهي في عِدَّةٍ مِن وفاةِ زوجِها: إنك عليَّ لَكريمةٌ، وإني فيك لراغبٌ، وإني سائقٌ إليك خيرًا ورزقًا.
ونحوَ هذا مِن الكلامِ (١).
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في معنى الخِطْبةِ، فقال بعضُهم (٢): الخِطْبةُ: الذِّكْرُ.
والخِطْبةُ: التَّشَهُّدُ (٣).
وكأن قائل هذا القولِ تأوَّل الكلامَ: ولا جناحَ عليكم فيما عرَّضْتُم به مِن ذكرِ النساءِ عندَهن (٤).
وقد زعَم صاحبُ هذا القولِ أنه قال: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
لأنه لمَّا قال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
كأنه قال: اذْكُرُوهن، ولكن لا تُواعِدُوهن سرًّا.
وقال آخَرون منهم: الخِطْبةُ من قولِهم: [خطَب فلانٌ فلانةَ يخْطُبُها] (٥) خِطْبةً وخَطْبًا.
قال: وقولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ﴾ [طه: ٩٥] يقالُ: إنه مِن هذا.
قال: وأما الخُطْبةُ فهو المخطوبُ، مِن قولِهم: خطَب على المِنْبَرِ واخْتَطَب.
قال أبو جعفرٍ: والخِطْبةُ عندي هي الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: خطَبْتُ فلانةَ.
كالجِلْسةِ، مِن قولِه: جلَس.
أو القِعدةِ، مِن قولِه: قعَد.
ومعنى قولِهم: خطَب فلانٌ فلانةَ.
سأَلها خَطْبَه إلَيها في نفسِها، وذلك حاجتُه، من قولِهم: ما خطْبُك؟
بمعنى ما حاجتُك، وما أمرُك؟.
وأما التَّعْريضُ فهو ما كان مِن لَحْنِ الكلامِ الذي يَفْهَمُ به السامعُ الفَهِمُ ما يُفْهَمُ بصريحِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أو أخْفَيْتُم (١) في أنفسِكم فأسْرَرْتُموه مِن خِطْبتِهِن وعَزْمِ نِكاحِهن وهن في عِدَدِهن، فلا جُناحَ عليكم أيضًا في ذلك، إذا لما تَعْزِموا عُقْدةَ النكاحِ حتى يَبْلُغَ الكتابُ أجلَه.
يقالُ منه: أَكَنَّ فلانٌ هذا الأمرَ في نفسِه، فهو يُكِنُّه إكْنانًا، وكنَّه، إذا ستَرَه، يَكُنُّه كَنًّا وكُنونًا، وجلَس في الكِنِّ.
ولم يُسْمَعْ: كَنَنْتُه في نفسِي.
وإنما يقالُ: كَنَنْتُه في البيتِ، أو في الأرضِ.
إذا خبَّأْتَه فيه.
ومنه قولُه تعالى ذكرُه: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩].
أي: مَخْبوءٌ.
ومنه قولُ الشاعرِ (٢): ثلاثٌ مِن ثلاثِ قُدَامَيَاتٍ (٣) … من اللَّائي تَكُنُّ من الصَّقيعِ وتُكِنُّ، بالتاءِ المضمومةِ (٤)، وهو أجودُ، و"تَكُنُّ".
ويُقالُ: أكَنَّتْه ثيابُه مِن البردِ، وأكَنَّه البيتُ مِن الرِّيحِ.
وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
قال: الإكْنانُ ذِكْرُ خِطبتِها في نفسِه، لا يُبْدِيه لها، هذا كلُّه حِلٌّ معروفٌ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
قال: أن يَدْخُلَ فيُسَلِّمَ ويُهْدِيَ إن شاء، ولا يَتَكَلَّمَ بشيءٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ الثَّقَفيُّ، قال: سَمِعْتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: أخْبَرَني عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمِ أنه سمِع القاسمَ بنَ محمدٍ يقولُ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
قال: جعَلْتَ في نفسِك نكاحَها، وأضْمَرْتَ ذلك (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾: أن يُسِرَّ في نفسِه أن يَتَزَوَّجَها.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عَوْفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
قال: أسْرَرْتُم (١).
قال أبو جعفرٍ: وفى إباحةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه ما أباح مِن التَّعْريضِ بنكاحِ المُعْتَدَّةِ لها في حالِ عِدَّتِها وحَظْرِه التصريحَ، ما أبان عن افتراقِ حُكمِ التعريضِ في كلِّ معاني الكلامِ وحُكمِ التصريحِ، منه (٢).
وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن التعريضَ بالقَذْفِ غيرُ التصريحِ به، وأن الحدَّ بالتعريضِ بالقذفِ لو كان واجبًا وجوبَه بالتصريح به، لَوجَب مِن الجُناحِ بالتعريضِ بالخِطْبةِ في العِدَّةِ، نظيرُ الذي يَجِبُ بعزمِ عُقدةِ النكاحِ فيها، وفى تفريقِ اللَّهِ تعالى ذكرُه بينَ حُكْمَيْهِما في ذلك، الدلالةُ الواضحةُ على افتراقِ أحكامِ ذلك في القذفِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: علِمَ اللَّهُ أنكم ستَذْكُرون المُعْتَدَّاتِ في عِدَدِهن بالخِطْبةِ في أنفسِكم وبألسنتِكم.
كما حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ.
﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.
قال: الخِطْبةُ (٣).
حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
قال: ذِكرُك إيَّاها في نفسِك.
قال: فهو قولُ اللَّهِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾.
قال: هي الخِطبةُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى السرِّ الذي نهَى اللَّهُ تعالى عبادَه عن مواعَدةِ المُعْتدَّاتِ به؛ فقال بعضُهم: هو الزنى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا همامٌ، عن صالحٍ الدَّهَّانِ، عن جابرِ بنِ زيدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، عن أبي مجْلَزٍ قولَه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال ثنا يحيى، قال: ثنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ مثلَه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي مِجْلَزٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى.
قيل لسفيانَ: التَّيْميُّ ذكَره؟
قال: نعم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمرُ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن الحسنِ في المُواعَدةِ مثلَ قولِ أبي مجْلَزٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا يَزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن الحسنِ، قال: الزنى.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا أشْعَثُ وعِمْرانُ، عن الحسنِ مثلَه (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، قال: سمِعْتُ إبراهيمَ يقولُ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن يزيدَ بنِ إبراهيمَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الزنى.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمرٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: الفاحشةُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا: إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جويْبرٍ، عن الضحاكِ، وحدثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: السرُّ: الزنى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: فذلك السرُّ: الزَّنْيَةُ (٣)، كان الرجلُ يَدْخُلُ مِن أجلِ الزَّنْيةِ (٣)، وهو يُعَرِّضُ بالنكاحِ، فنهَى اللَّهُ عن ذلك، إلا مَن قال معروفًا (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا منصورٌ، عن الحسنِ، وجُوَيْبرٌ، عن الضحاكِ، وسليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، أنهم قالوا: الزنى.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: الفُحْشُ والخَضْعُ مِن القولِ (١) حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: هو الفاحشةُ (٢).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: لا تَأْخُذوا مِيثاقَهن وعُهودَهن في عِدَدِهن ألا يَنْكِحْنَ غيرَكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
يقولُ: لا تَقُلْ لها: إني عاشقٌ، وعاهِدِيني ألا تَتَزَوَّجي غيري.
ونحوَ هذا (٣).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ] (٤) عن مسلم البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: لا تُقَاصَّها (٥) على كذا وكذا؛ على (٦) ألا تَتَزَوَّجَ غيرَك (٧).
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ ومُجاهدٍ وعكرمةَ، قالوا: لا يَأْخُذُ مِيثاقَها في عدتِها ألا تَتَزَوَّجَ غيرَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، قال: ذُكِر لي عن الشعبيِّ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: لا تَأْخُذْ ميثاقَها ألا تَنْكِحَ غيرَك (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: لا يَأْخُذُ ميثاقَها في ألا تَتَزَوَّجَ غيرَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: سمِعْتُه يقولُ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: لا تَأْخُذْ ميثاقَها ألا تَنْكِحَ غيرَك، ولا تُوجِبِ (٣) العُقْدةَ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: لا يَأْخُذُ عليها ميثاقًا أن لا تَتَزَوَّجَ غيرَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
يقولُ: أمْسِكي عليَّ نفسَكِ فأنا أَتَزَوَّجُك.
ويَأْخُذُ عليها عهدًا؛ ألا تَنْكِحي غيري (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: هذا في الرجلِ يَأْخُذُ عهدَ المرأةِ وهي في عِدَّتِها، ألا تَنْكِحَ غيرَه، فنهَى اللَّهُ عن ذلك، وقدَّم فيه، وأحَلَّ الخِطْبةَ والقولَ المعروفَ (١)، ونهَى عن الفاحشةِ والخَضْعِ مِن القولِ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: أن تُواعِدَها سرًّا على كذا وكذا؛ على ألا تَنْكِحي غيري (٢).
حدَّثني المثنى: قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: مُواعَدةُ السرِّ أن يَأْخُذَ عليها عهدًا وميثاقًا أن تَحْبِسَ نفسَها عليه ولا تَنْكِحَ غيرَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أن يقولَ لها الرجلُ: لا تسبقيني بنفسِك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: قولُ الرجلِ للمرأةِ: لا تَفُوتِيني بنفسِك، فإني ناكحُك.
هذا لا يَحِلُّ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو قولُ الرجلِ للمرأةِ: لا تَفُوتِيني.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: المُواعَدةُ أن يَقولَ: لا تَفُوتِيني بنفسِك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾: أن يقولَ: لا تَفُوتِيني بنفسِك (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ولا تَنْكِحوهن في عدَّتِهنَّ سرًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
يقولُ: لا تَنْكِحوهن سرًّا، ثم تُمسِكُها، حتى إذا حلَّتْ أظهَرتَ ذلك وأدْخَلْتَها (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
قال: كان أبي يقولُ: لا تُواعِدوهن سرًّا، ثم تُمْسِكُها، وقد ملَكْتَ عُقْدةَ نكاحِها، فإذا حلَّتْ أظْهَرْتَ ذلك وأدْخَلْتَها (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك تأويلُ مَن قال: السرُّ في هذا الموضعِ الزنى.
وذلك أن العربَ تُسَمِّي الجِماعَ وغِشْيانَ الرجلِ المرأةَ: سرًّا؛ لأن ذلك مما يَكونُ بينَ الرجالِ والنساءِ في خَفاءٍ، غيرَ ظاهرٍ مطَّلَعٍ عليه، فسُمِّي لخفائِه سرًّا، مِن ذلك قولُ رُؤْبةَ بنِ العَجَّاجِ (١): فعَفَّ عن أسْرارِها بعدَ العَسَقْ (٢) ولم يُضِعْها بينَ فِرْكٍ (٣) وعَشَقْ يعني بذلك: عفَّ عن غِشْيانِها بعدَ طولِ مُلازمتِه ذلك.
ومنه قولُ الحُطَيْئةِ (٤): ويَحْرُمُ سرُّ جارتِهم عليهمْ … ويَأْكُلُ جارُهم أُنُفَ القِصاعِ (٥) وكذلك يُقالُ لكلِّ ما أخْفاه المَرْءُ في نفسِه: سرٌّ.
ويُقالُ: هو في سِرِّ قومِه.
يعني: في خِيارِهم وشرَفِهم.
فلمَّا كان السرُّ إنما يُوَجَّهُ في كلامِها (٦) إلى أحدِ هذه الأوجهِ الثلاثةِ، وكان معلومًا أن أحدَهن غيرُ معنيٍّ به قولُه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾.
وهو السرُّ الذي هو معنى الخِيارِ والشرفِ، فلم يَبْقَ إلا الوجهان الآخَران، وهو السرُّ الذي بمعنى ما أخْفَتْه نفسُ المُواعدِين (٧)، والسرُّ الذي بمعنى الغِشْيانِ والجِماعِ، فلمَّا لم يَبْقَ غيرُهما، وكانت الدَّلالةُ واضحةً على أن أحدَهما غيرُ معنيٍّ به صحَّ أن الآخرَ هو المعنيُّ به.
فإن قال قائلٌ: فما الدَّلالةُ على أن مُواعَدةَ القولِ سرًّا غيرُ معنيِّ به، على ما قال مَن قال: إن معنى ذلك: أخْذُ الرجلِ مِيثاقَ المرأةِ ألا تَنْكِحَ غيرَه.
أو على ما قال مَن قال: قولُ الرجلِ لها: لا تَسْبِقِيني بنفسِك؟
قيل: لأن السرَّ إذا كان بالمعنى الذي تأوَّله قائلو ذلك، فلن يَخْلُوَ ذلك السرُّ مِن أن يَكونَ هو مُواعَدةَ الرجلِ المرأةَ ومسألتَه إياها أن لا تَنْكِحَ غيرَه، أو يَكونَ هو النكاحَ الذي سأَلها أن تُجِيبَه إليه بعدَ انْقضاءِ عدَّتِها، وبعدَ عُقْدةٍ (١) له دونَ الناسِ غيرِه.
فإن كان السرُّ الذي نهَى اللَّهُ الرجلَ أن يُواعِدَ المُعْتَدَّاتِ هو أخْذَ العهدِ عَلَيهن ألا يَنْكِحْن غيرَه، فقد بَطَل أن يكونَ السرُّ معناه ما أُخفِي من الأمورِ في النفوسِ، أو نُطِق به فلم يُطَّلعْ عليه، وصارتِ العلانيةُ من الأمرِ سرًّا، وذلك خلافُ المعقولِ في لغةِ من نزَل القرآنُ بلسانِه.
إلَّا أن يقولَ قائلُ هذه المقالةِ: إنما نهَى اللَّهُ الرجالَ عن مُواعَدتِهن ذلك سرًّا بينَهم وبينَهن، لا أنَّ نفسَ الكلامِ بذلك - وإن كان قد أُعْلِن - سرٌّ.
فيُقالُ له - إن قال ذلك -: فقد يَجِبُ أن تَكونَ جائزةً مُواعَدتُهن النكاحَ والخِطْبةَ صريحًا عَلانيةً، إذ كان المنهيُّ عنه مِن المُواعَدةِ، إنما هو ما كان منها سرًّا.
فإن قال: إن ذلك كذلك.
خرَج مِن قولِ جميعِ الأُمَّةِ، على أن ذلك ليس مِن قِيلِ أحدٍ ممَّن تأوَّل الآيةَ؛ أن السرَّ ههنا بمعنى المُعاهَدةِ ألا تَنْكِحَ غيرَ المُعَاهَدِ.
وإن قال: ذلك غيرُ جائزٍ.
قيل له: فقد بَطَل أن يَكونَ معنى ذلك إسْرارَ الرجلِ إلى المرأةِ بالمُواعَدةِ؛ لأن معنى ذلك لو كان كذلك، لم يُحَرِّمْ عليه مواعدتَها مُجاهَرةً وعَلانيةً.
وفي كونِ ذلك عليه مُحَرَّمًا سرًّا وعَلانيةً، ما أبان أن مَعنَى السرِّ في هذا الموضعِ غيرُ مَعْنَى إسْرارِ الرجلِ إلى المرأةِ بالمُعاهَدةِ ألا تَنْكِحَ غيرَه إذا انْقَضَت عدتُها، أو يَكونُ - إذا بَطَل هذا الوجهُ - معنى ذلك الخِطْبةَ والنكاحَ الذي وعَدَتِ المرأةُ الرجلَ ألا تَعْدُوَه إلى غيرِه، فذلك إذا كان، فإنما يَكونُ بوليٍّ وشهودٍ عَلانيةً غيرَ سرٍّ، وكيف يَجوزُ أن يُسَمَّى سرًّا وهو عَلانيةٌ لا يَجوزُ إسْرارُه؟
وفي بُطولِ هذه الأوجهِ أن تَكونَ تأويلًا لقولِه: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ بما عليه دلَّلْنا مِن الأدلةِ، وضوحُ صحةِ تأويلِ ذلك أنه بمعنى الغِشْيانِ والجِماعِ.
وإذا كان ذلك صحيحًا، فتأويلُ الآيةِ: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما عرَّضْتُم به للمُعْتَدَّاتِ مِن وفاةِ أزْواجِهن، مِن خِطْبةِ النساءِ، وذلك حاجتُكم إليهنَّ، فلم تُصَرِّحوا لهن بالنكاحِ والحاجةِ إليهن، إذ أكْنَنْتُم في أنفسِكم فأسْرَرْتُم حاجتَكم إليهن وخِطْبتَكم إياهن في أنفسِكم، ما دُمْن في عِدَدِهنَّ، علِم اللَّهُ أنكم ستَذْكُرون خِطبتَهن وهن في عِدَدِهن، فأباح لكمُ التَّعْريضَ بذلك لهن، وأسْقَط الحرَجَ عما أضْمَرَتْه نفوسُكم - حُكمٌ (١) منه - ولكن حرَّم عليكم أن تُواعِدوهن جِماعًا في عِدَدِهن؛ بأن يقولَ أحدُكم لإحْداهن في عدَّتِها: قد تزَوَّجْتُكِ في نفسي، وإنما أَنْتَظِرُ انْقضاءَ عدتِك.
فيَسْأَلُها بذلك القولِ إمكانَه مِن نفسِها الجماعَ والمباضَعةَ، فحرَّم اللَّهُ تعالى ذكرُه ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: ثم قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
فاسْتَثْنَى القولَ المعروفَ مما نهَى عنه مِن مُواعَدةِ الرجلِ المرأةَ السرَّ، وهو مِن غيرِ جنسِه، ولكنَّه مِن الاسْتِثْناءِ الذي قد ذكَرْتُ قبلُ، أنه يَأْتِي بمعنًى خلافِ الذي قبلَه في الصفةِ خاصةً، وتَكونُ "إلا" فيه بمعنى "لكن" (١)، فقولُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ منه، ومعناه: ولكن قولوا قولًا معروفًا.
فأباح اللَّهُ تعالى ذكرُه أن يَقولَ لها المعروفَ مِن القولِ في عِدَّتِها، وذلك هو ما أذِن له بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
كما حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن سلَمةَ بنِ كُهَيْلٍ، عن مسلمٍ البَطِينِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: يقولُ: إني فيكِ لَراغبٌ، وإني لَأرْجُو أن نَجْتَمِعَ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: هو قولُه: إن رأيْتِ ألا تَسْبِقِيني بنفسِك (٣).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبَرَنا ابنُ المُباركِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: يعني التَّعْريضَ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: يعني التَّعْريضَ.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ إلى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: هو الرجلُ يدْخُلُ على المرأةِ وهي في عدَّتِها، فيقولُ: واللهِ إنكم لَأَكْفاءٌ كرامٌ، وإنكم لَرِعَةٌ (١)، وإنكِ لَتُعْجِبيني، وإنْ يُقَدَّرْ شيءٌ يَكُنْ.
فهذا القولُ المعروفُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، قالا: قال سفيانُ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال: يقولُ: إني فيكِ لَراغبٌ، وإني لأَرْجُو إن شاء اللَّهُ أن نَجْتَمِعَ (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: يقولُ: إن لكِ عندي كذا، ولكِ عندي كذا، وأنا مُعْطِيكِ كذا وكذا.
قال: هذا كلُّه وما كان قبلَ أن يَعْقِدَ عُقْدةَ النكاحِ، فهذا كلُّه نسَخَه قولُه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: المرأةُ تُطَلَّقُ أو يَموتُ عنها زوجُها، فيَأْتِيها الرجلُ فيقولُ: احْبِسي عليَّ نفسَك، فإن لي بك رغبةً.
فتقولُ: وأنا مثلُ ذلك.
فتتوقُ (٤) نفسُه لها، فذلك القولُ المعروفُ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
يعني تعالى ذكره بقولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾.
ولا تُصَحِّحوا عُقدةَ النكاحِ في عدة المرأةِ المعتدةِ، فتُوجِبُوها بينَكم وبينَهن، وتَعْقِدوها قبلَ انْقضاءِ العدةِ، ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
يعني: يَبْلُغْنَ أجل الكتابِ الذي بيَّنه اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
فجعَل بلوغَ الأجل للكتاب، والمعنى: للمُتناكحين، ألا يَنْكِحَ الرجلُ المرأة المعتدةَ، فيَعْزِمَ عُقْدةَ النكاحِ عليها حتى تَنْقَضِيَ عدتُها، فيَبْلُغَ الأَجلَ الذي أجَّله اللهُ في كتابِه لانقضائِها.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وعمرُو بنُ عليٍّ، قالا: حدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن الثوريِّ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمَّي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (١).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحّاكِ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: لا يَتَزَوَّجُها حتى يَخْلُو أجلُها (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيْبةَ، قال: حدَّثنا يونُسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: مَخافةَ أن تَتَزَوَّجَ المرأةُ قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ (٢).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا مِهْرانُ، وحدَّثني عليٌّ، قال: حدَّثنا زيدٌ، جميعًا عن سُفيانَ قولَه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
قال: حتى تَنْقَضِيَ العدةُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: واعْلَموا أيُّها الناسُ أن اللَّهَ يَعْلَمُ ما في أنفسِكم مِن هَواهُنَّ ونكاحِهن وغيرِ ذلك مِن أمورِكم، ﴿فَاحْذَرُوهُ﴾.
يقولُ: فاحْذَرُوا اللَّهَ واتَّقُوه في أنفسِكم أن تَأْتُوا شيئًا مما نهاكم عنه مِن عزمِ عُقْدَةِ نكاحِهن، أو مُواعَدَتِهِن السرَّ في عِدَدِهن، وغير ذلك مما نهاكم عنه في شأنِهن في حالِ ما هن مُعْتَدَّاتٌ، وفي غير ذلك، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾.
يعني أنه ذو سَتْرٍ لذنوبِ عبادِه، وتَغْطيةٍ عليها فيما تُكِنُّه نفوسُ الرجالِ مِن خِطْبةِ المعتداتِ، وذكرِهم إياهن في حالِ عِدَدِهن، وفي غيرِ ذلك مِن خَطاياهم.
وقولُه: ﴿حَلِيمٌ﴾.
يعني أنه ذو أَناةٍ، لا يَعْجَلُ على عبادِه بعقوبتِهم على ذنوبِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾: لا حرَجَ عليكم، ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
يقولُ: لا حرَجَ عليكم في طلاقِكم نساءَكم وأزواجَكم، ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (١)﴾.
يعني بذلك: ما لم تُجامِعُوهن.
والمُماسَّةُ في هذا الموضعِ كنايةٌ عن اسمِ الجماعِ.
كما حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: المسُّ الجماعُ (٢)، ولكنَّ اللَّهَ يَكْنِي [ما شاء] (٣) بما شاء (١).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: المسُّ النكاحُ (٢).
وقد اخْتَلَفت القرَأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأةِ أهلِ الحجازِ والبصرةِ: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
بفتحِ التاءِ مِن ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾، وبغيرِ ألفٍ (٣)، مِن قولِك: مَسِسْتُه أَمَسُّه مَسًّا ومَسِيسًا ومِسِّيسَى.
مقصورٌ مُشَدَّدٌ غيرُ مُجْرًى.
وكأنهم اخْتاروا قراءةَ ذلك إلحاقًا منهم له بالقراءةِ المُجْتَمَعِ عليها في قولِه: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧، مريم: ٢٠].
وقرَأ ذلك آخَرون: (ما لم تُماسُّوهُنَّ).
بضمِّ التاءِ، والألفِ بعدَ الميمِ (٤)، إلحاقًا منهم ذلك بالقراءةِ المُجتَمعِ (٥) عليها في قولِه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
وجعَلوا ذلك بمعنى فِعْلِ كلِّ واحدٍ مِن الرجلِ والمرأةِ بصاحبِه، مِن قولِك: ماسَسْتُ الشيءَ أُماسُّه (٦) مُماسَّةً ومِساسًا.
والذي نَرَى في ذلك أنهما قِراءتانِ صَحيحتا المعنى، مُتَّفِقَتا التأويلِ، وإن كان في إحْداهما زيادةُ معنًى غيرُ مُوجِبةٍ اختلافًا في الحكمِ والمفهومِ.
وذلك أنه لا يَجْهَلُ ذو فهمٍ إذا قيل له: مَسِسْتُ زوجتي.
أن الممسوسةَ قد لاقَى مِن بدنِها بدنُ الماسِّ ما لاقاه مثلُه مِن بدنِ الماسِّ.
فكلُّ واحدٍ منهما وإن أُفْرِد الخبرُ عنه بأنه الذي مسَّ (١) صاحبَه - معقولٌ بذلك (٢) الخبرِ نفسِه أن صاحبه الممسوسَ قد ماسَّه.
فلا وجهَ للحكمِ لإحدى القراءتين مع اتفاق معانيهما، وكثرةِ القرأةِ (٣) بكلِّ واحدةٍ منهما بأنها أولى بالصوابِ مِن الأخرى، بل الواجب أن يكونَ القارئُ بأيتِهما قرَأ، مُصيبَ الحقِّ في قراءتهِ.
وإنما عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (٤)﴾.
المطلَّقاتِ قبلَ الإفْضاءِ إليهن في نكاحٍ قد سُمِّي لهن فيه الصَّداقُ.
وإنما قلْنا: إن ذلك كذلك، لأن كلَّ مَنْكوحةٍ فإنما هي إحدى اثنتين؛ إما مُسمًّى لها الصداقُ، أو غيرُ مسمًّى لها ذلك، فعلِمْنا بالذي يَتْلُو ذلك مِن قولِه تعالى ذكرُه، أن المعنيةَ بقولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
إنما هي المسمَّى لها؛ لأن المعنيةَ بذلك لو كانت غيرَ المَفْروضِ (٥) لها الصداقُ، لمَا كان لقولِه (٦): ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
معنًى معقولٌ، إذ كان لا معنَى لقولِ قائلٍ: لا جُناحَ عليكم إنْ طلَّقْتُم النساءَ ما لم تَفْرِضوا لهن فريضةً في نكاحٍ (٧) لم تُماسُّوهن فيه، أو ما لم تَفْرِضوا لهن فَريضةً.
فإذ كان لا معنَى لذلك، فمعلومٌ أن الصحيحَ مِن التأويلِ في ذلك: لا جُناحَ عليكم إن طلَّقْتُم المفروضَ لهن مِن نسائِكم الصَّداقُ قبلَ أن تُماسُّوهن، وغيرَ المَفروضِ لهن قبلَ الفرضِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ﴾: أو تُوجِبوا لهن.
وبقولِه: ﴿فَرِيضَةً﴾: صَداقًا واجبًا.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
قال: الفَريضةُ الصَّداقُ (١).
وأصلُ الفرضِ: الواجبُ، كما قال الشاعرُ (٢): كانت فريضةُ ما أَتَيْتَ كما … كان الزِّنَاءُ فَرِيضَةَ الرَّجْمِ يعني: كما كان الرجمُ الواجبَ مِن حدِّ الزِّناءِ.
ولذلك قيل: فرَض السلطانُ لفلانٍ في (٣) ألفين.
يعني بذلك: أوْجَب له ذلك، ورزَقه مِن الدِّيوانِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
يعني تعالى ذكره بقولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: وأعْطُوهن ما يَتَمَتَّعْنَ به مِن أموالِكم على أقدارِكم ومنازلِكم من الغِنَى والإقْتارِ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَبْلَغِ ما أمَر اللَّهُ به الرجالَ مِن ذلك؛ فقال بعضُهم: أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَه الكِسْوةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مُتْعةُ الطلاقِ أعلاه الخادِمُ، ودونَ ذلك الوَرِقُ، ودونَ ذلك الكِسْوةُ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أميةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
قلتُ له: ما أَوْسَطُ متعةِ المُطَلَّقةِ؟
قال: خِمارُها ودِرْعُها وجِلْبابُها ومِلْحَفتُها (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذا الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولم يُسَمِّ لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها مِن قبلِ أن يَنْكِحَها، فأمَر اللَّهُ سبحانَه أن يُمَتِّعَها على قدرِ عُسْرِه ويُسْرِه، فإن كان مُوسِرًا متَّعها بخادِمٍ أو شِبهِ ذلك، وإن كان مُعْسِرًا متَّعها بثلاثةِ أثوابٍ أو نحوِ ذلك (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
قال: قلتُ للشعبيِّ: ما وسَطُ (١) ذلك؟
قال: كِسْوتُها في بيتِها؛ دِرْعُها (٢) وخِمارُها ومِلْحَفتُها وجِلْبابُها.
قال الشعبيُّ: فكان شُرَيْحٌ يُمَتِّعُ بخمسِمائةٍ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن شُريحًا كان يُمَتِّعُ بخمسِمائةٍ.
فقلتُ لعامرٍ: ما وسَطُ ذلك؟
قال: ثيابُها في بيتِها؛ دِرْعٌ وخِمارٌ ومِلْحَفةٌ وجِلْبَابٌ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عامرٍ الشعبيِّ أنه قال: وَسَطٌ مِن المتعةِ ثيابُ المرأةِ في بيتِها؛ دِرْعٌ وخمارٌ ومِلْحَفَةٌ وجِلْبَابٌ.
حدَّثنا عِمْرانُ بن موسى، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، أن شُريحًا متَّع بخمسِمائةٍ.
وقال الشعبيُّ: وَسَطٌ من المتعةِ؛ درعٌ وخِمارٌ وجِلْبابٌ ومِلْحَفَةٌ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
قال: هو الرجلُ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّي لها صَداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها مَتاعٌ بالمعروفِ، ولا صَداقَ لها.
قال: أدْنَى ذلك ثلاثةُ أثوابٍ؛ دِرْعٌ وخمارٌ وجِلْبَابٌ وإزارٌ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: فهذا في الرجلِ يَتَزَوَّجُ المرأةَ ولا يُسَمِّي لها صداقًا، ثم يُطَلِّقُها قبلَ أن يَدْخُلَ بها، فلها مَتَاعٌ بالمعروفِ، ولا فَريضةَ لها.
وكان يُقالُ: إذا كان واجدًا فلا بدَّ مِن مِئْزَرٍ وجِلْبَابٍ ودِرْعٍ وخمارٍ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن صالحِ بن صالحٍ، قال: سُئِل عامرٌ: بكم يُمَتِّعُ الرجلُ امرأتَه؟
قال: على قدْرِ مالِه.
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، قال: سمِعْتُ حميدَ بنَ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ يُحَدِّثُ عن أمِّه قالت: كأنى أَنْظُرُ إلى جاريةٍ سوداءَ حمَّمَها عبدُ الرحمنِ [أمَّ أبي] (٢) سلمةَ حينَ طلَّقَها.
قيل لشعبةَ: ما حمَّمها؟
قال: متَّعها (٣).
حدَّثنا ابن المثنى: قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن حميدِ بن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، عن أمِّه، بنحوِه عن عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرينَ، قال: كان يُمَتَّعُ بالخادِمِ أو بالنفقةِ أو الكِسْوةِ.
قال: ومتَّع الحسنُ بنُ عليٍّ (٤) - أحسَبُه قال: بعشَرةِ آلافٍ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ طلَّق امرأتَه فمتَّعها بالخادمِ (١).
حُدِّثْتُ عن عبدِ اللَّهِ بن يَزِيدَ المُقْرِئِ، عن سعيدِ بن أبي أيوبَ، قال: ثنى عُقَيْلٌ، عن ابن شِهابٍ أنه كان يقولُ في متعةِ المطلَّقةِ: أعْلاه الخادمُ، وأدناه الكِسْوةُ والنفقةُ.
ويَرَى أن ذلك على ما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ (٢).
وقال آخَرون: مَبْلَغُ ذلك إذا اخْتَلَف الزوجُ والمرأةُ فيه - قدْرُ نصفِ صَداقِ مثلِ تلك المرأةِ المنكوحةِ بغيرِ صَداقٍ مُسَمًّى في عقدِه.
وذلك قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله ابن عباسٍ ومَن قال بقولِه مِن أن الواجبَ مِن ذلك للمرأةِ المُطلَّقةِ على الرجلِ، على قَدْرِ عُسْرِه ويُسرِه، كما قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ لا على قَدْرِ المرأةِ.
ولو كان ذلك واجبًا للمرأةِ على قدرِ صَداقِ مثلِها إلى قدرِ نصفِه، لم يَكُنْ لقِيلِه تعالى ذكرُه: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ معنًى مفهومٌ، ولَكان الكلامُ: ومَتِّعُوهن على قَدْرِهن وقدرِ نصفِ صَداقِ أمثالِهِن.
وفي إعْلامِ اللَّهِ تعالى ذكرُه عبادَه أن ذلك على قدْرِ الرجلِ في عُسْرِه ويسرِه، لا على قَدْرِها وقدرِ نصفِ صَداقِ مثلِها، ما يُبِينُ عن صحةِ ما قلْنا وفسادِ ما خالَفَه.
وذلك أن المرأةَ قد يكونُ صَداقُ مثلِها المالَ العظيمَ، والرجلُ في حالِ طلاقِه إياها جميعًا، على ذي السَّعةِ والغِنَى منكم مِن مَتاعِهن حينَئذٍ بقدْرِ غناه وسَعَتِه، وعلى ذي الإقْتارِ والفاقَةِ منكم منه بقدْرِ طاقتِه وإقْتارِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: ومتِّعوهن متاعًا.
وقد يَجوزُ أن يَكونَ ﴿مَتَاعًا﴾ منصوبًا قطعًا (١) مِن "القَدَرِ"؛ لأن "المتاعَ" نكرةٌ، "والقَدَرَ" معرفةٌ.
ويعني بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: بما أمَرَكم اللَّهُ به مِن إعطائكموهن (٢) ذلك بغيرِ ظلمٍ، ولا مُدافعةٍ منكم لهن به.
ويعني بقولِه: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾: متاعًا بالمعروفِ الحقِّ على المحسنين.
فلمَّا دلَّ إدخالُ الألفِ واللامِ على "الحقِّ"، وهو مِن نعتِ "المعروفِ"، و"المعروفُ" معرفةٌ، و"الحقُّ" نكرةٌ، نُصِب على القَطْعِ منه، كما يقالُ: أتاني الرجلُ راكبًا.
وجائزٌ أن يكونَ نُصِب على المصدرِ مِن جملةِ الكلامِ الذي قبلَه، كقولِ القائلِ: عبدُ اللَّهِ عالمٌ حقًّا.
فـ "الحقُّ" منصوبٌ مِن نيةِ كلامٍ المُخْبِرِ، كأنه قال: أُخْبرُكم بذلك حقًّا.
والتأويلُ الأولُ هو وجهُ الكلامِ؛ لأن معنى الكلامِ: فمتَّعوهن متاعًا بمعروفٍ حقٍّ على كلِّ مَن كان منكم محسنًا.
وقد زعَم بعضُهم (٣) أن ذلك منصوبٌ بمعنى: أُحِقُّ ذلك حقًّا.
والذي قاله مِن ذلك بخلافِ ما دلَّ عليه ظاهرُ التلاوةِ؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه جعَل المتاعَ للمطلَّقاتِ حقًّا لهن على أزواجِهن، فزعَم قائلُ هذا القولِ أن معنى ذلك أن اللَّهَ تعالى ذكرُه أَخْبَر عن نفسِه أنه يُحِقُّ أن ذلك على المحسنين.
فتأويلُ الكلامِ إذن - إذ كان الأمرُ كذلك -: ومَتِّعوهن على المُوسِعِ قَدَرُه، وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه، متاعًا بالمعروفِ الواجبِ على المحسنين.
ويعني بقوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾: الذين يُحْسِنون إلى أنفسِهم في المُسارَعةِ إلى طاعةِ اللَّهِ فيما أَلْزَمَهم به، وأدائِهم ما كلَّفَهم مِن فرائضِه.
فإن قال قائلٌ: إنك قد ذكَرْتَ أن الجُناحَ هو الحرجُ، وقد قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
فهل علينا مِن جُناحٍ لو طلَّقْناهن بعدَ المَسِيسِ فيُوضَعَ عنا بطلاقِناهن (١) قبلَ المَسِيسِ؟
قيل: قد رُوِي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: "إن اللَّهَ لا يُحِبُّ الذَّوَّاقِين ولا الذَّوَّاقاتِ (٢) ".
حدَّثنا بذلك ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعْلَى، عن سعيد، عن قتادةَ، عن شَهْرِ بن حَوْشَبٍ، عن النبيِّ ﷺ (٣).
ورُوي عنه ﷺ أنه قال: "ما بالُ أقوامٍ (٤) يَلْعَبون بحدودِ اللَّهِ، يَقُولون: قد طلَّقْتُكِ، قد راجَعْتُكِ، قد طلَّقْتُكِ".
حدَّثنا بذلك ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبيه، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ (١).
فجائزٌ أن يَكونَ الجُناحُ الذي وُضِع عن الناسِ في طلاقِهم نساءَهم قبلَ المَسِيسِ، هو الذي كان يَلْحَقُهم منه بعدَ ذوقِهم إياهن، كما رُوي عن رسولِ اللَّهِ ﷺ.
وقد كان بعضُهم يقولُ: معنى قوله في هذا الموضعِ: ﴿لَا جُنَاحَ﴾: لا سبيلَ عليكم للنساءِ - إن طلَّقْتُموهن مِن قبلِ أن تَمَسُّوهن، ولم تَكونوا فرَضْتُم لهن فريضةً - في إتْباعِكم بصَداقٍ ولا نفقةٍ.
وذلك مذهبٌ، لولا ما قد وصَفْتُ مِن أن المَعْنيَّ بالطلاقِ قبلَ المَسِيسِ في هذه الآيةِ صِنْفان مِن النساءِ؛ أحدُهما المفروضُ لها، والآخرُ غيرُ المفروضِ لها، فإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يُقالَ: لا سبيلَ لهن عليكم في صَداقٍ.
إذا كان الأمرُ على ما وصَفْنا.
وقد يَحْتَمِلُ ذلك أيضًا وجهًا آخرَ، وهو أن يكونَ معناه: لا جُناحَ عليكم إن طلَّقْتُم النساءَ ما لم تمسُّوهن (٢)، في أيِّ وقتٍ شئْتُم طلاقَهن؛ لأنه لا سُنَّةَ في طلاقِهن، فللرجلِ أن يُطَلِّقَهن إذا لم يَكُنْ مسَّهن، حائضًا وطاهرًا، في كلِّ وقتٍ أحَبَّ، وليس ذلك كذلك في المدخولِ بها التي قد مُسَّت؛ لأنه ليس لزوجِها طلاقُها إن كانت مِن أهلِ الأقْراءِ إلا للعدةِ طاهرًا، في طهرٍ لم يُجامِعْ فيه.
فيكونُ الجُناحُ الذي أُسْقِط عن مطلِّقِ التي لم يَمَسَّها (٣) في حالِ حيضِها، هو الجُناحَ الذي كان به مأخوذًا المطلِّقُ بعدَ الدخولِ بها في حالِ حيضِها أو في طُهرٍ قد جامَعَها فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.
وهذا الحكمُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إبانةٌ عن قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وتأويلُ ذلك: لا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ إن طلَّقْتُم النساءَ ما لم تمسُّوهنَّ (١) وقد فرَضْتُم لهن فريضةً، فلهن عليكم نصفُ ما كنتُم فرَضتُم لهن مِن قبلِ طلاقِكم إياهن.
يعني بذلك: فلهن عليكم نصفُ ما أَصْدَقْتُموهن.
وإنما قلْنا: إن تأويلَ ذلك كذلك؛ لِما قد قدَّمنا البيانَ عنه مِن أن قولَه: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
بيانٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لعبادِه حكمَ غيرِ المفروضِ لهن (٢) إذا طلَّقَهن قبلَ المَسِيسِ.
فكان معلومًا بذلك أن حكمَ اللَّواتي عطَف عليهن بـ ﴿أَوْ﴾ غيرُ حكمِ المعطوفِ بهن بها.
وإنما كرَّر تعالى ذكرُه قولَه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وقد مضَى ذكرُهن في قولِه: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾.
لِيَزولَ الشكُّ عن سامِعِيه واللَّبْسُ عليهم، مِن أن يَظُنُّوا (٣) أن التي حكمُها الحكمُ الذي وصَفَه في هذه الآيةِ، هي غيرُ التي ابْتَدَأ بذكرِها وذكرِ حكمِها في الآيةِ التي قبلَها.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾.
فإنه يعني: إلا أن يَعْفُوَ اللَّواتي وجَب لهن عليكم نصفُ تلك الفريضةِ، فيَتْرُكْنه لكم ويَصْفَحْنَ لكم عنه؛ تَفَضُّلًا منهن بذلك التي تَسْتَحِقُّ أن يُوَلى عليها مالُها، إما لصغرٍ وإما لسَفَهٍ، والله تعالى ذكرُه إنما اقتصَّ في الآيتين قصصَ النساءِ المطلقاتِ، لعمومِ الذكرِ دونَ خصوصِه، وجعَل لهن العفوَ بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ - كان معلومًا بقولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ أن المَعْنِياتِ منهن بالآيتين اللتين ذكَرهن فيهما جميعهُن دونَ بعضٍ، إذ كان معلومًا أن عفوَ مَن يُولَّى (١) عليه مالُه منهن باطلٌ.
وإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن التأويلَ في قولِه: أو يَعْفوَ الذي بيدِه عُقْدةُ نكاحِهن.
يُوجِبُ أن يكونَ لأولياءِ النساءِ (٢) الرُّشَّدِ البوالغِ من العفوِ عما وجَب (٣) لهن مِن الصَّداقِ بالطلاقِ قبلَ المَسيسِ، مِثلُ الذي لأولياءِ الأطفالِ الصغارِ المُولَّى عليهن أموالُهن بالسفهِ.
وفى (٤) إنكارِ القائلين: إن الذي بيدِه عقدةُ النكاحِ الوَليُّ.
عفوَ أولياءِ الثيباتِ الرُّشَّدِ البوالغِ على ما وصفنا، وتفريقِهم بينَ أحكامِهم وأحكامِ أولياءِ الأُخرِ - ما أبان عن فسادِ تأويلِهم الذي تأوَّلوه في ذلك.
ويُسألُ القائلون بقولِهم في ذلك الفَرْقَ بينَ ذلك مِن أصلٍ أو نَظيرٍ، فلن يقولوا في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلزِموا في خلافِه مِثْلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن خُوطِبَ بقولِه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فقال بعضُهم: خُوطِبَ بذلك الرجالُ والنساءُ.
والذي هو أوْلَى القولين بتأويل الآيةِ عندِى في ذلك ما قاله ابن عباسٍ، وهو أن معنى ذلك: وأن يَعْفوَ بعضُكم لبعضٍ أيُّها الأزواجُ والزوجاتُ بعدَ فِراقِ بعضِكم بعضًا، عما وجَب لبعضِكم قِبَلَ بعضٍ، فيتْرُكَه له إن كان قد بَقِيَ له قِبَلَه، وإن لم يَكُنْ بَقِيَ له فبأن يُوفيَه بتمامِه، أقربُ لكم إلى تقوى اللهِ.
فإن قال قائلٌ: وما في الصفحِ عن ذلك مِن القُربِ مِن تقوى اللهِ فيُقالَ للصافحِ العافِى عما وجَب له قِبَلَ صاحبِه: فِعْلُكَ ما فَعَلْتَ أَقْربُ لك إلى تقوى اللَّهِ؟
قِيلَ له: الذي في ذلك مِن قُربِه من تقوى اللهِ مسارعتُه في عفوِه ذلك إلى ما ندَبه اللهُ إليه، ودعَاه وحضَّه عليه، فكان فِعلُه ذلك، إذا فَعَلَهِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وإِيثَارَ ما ندَبه إليه على هَوَى نفسِه، معلومًا به إذ كان مُؤثِرًا فِعْلَ ما ندَبه إليه مما لم يَفْرِضْه عليه على هَوَى نفسِه، أنه لِما فرَضَه عليه وأوْجَبه أشدُّ إيثارًا، ولِما نَهاه أشدُّ له تَجنُّبًا.
وذلك هو قُربُه مِن التقوى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ولا تُغْفِلوا أيُّها الناسُ الأخْذَ بالفضلِ، بعضُكم على بعضٍ، فَتترُكوه، ولكن لِيَتَفضَّلِ الرجلُ المُطلِّقُ زوجتَه قبلَ مسيسِها، فيُكْمِلَ لها تمامَ صداقِها إن كان لم يُعْطِها جميعَه، وإن كان قد ساق إليها جميع ما كان فرَض لها فليتفضَّلْ عليها بالعفوِ عما يَجِبُ له ويَجوزُ له الرجوعُ به عليها، وذلك نِصفُه، فإن شحَّ الرجلُ بذلك، وأبَى إلا الرجوعَ بنصفِه عليها، فلتَتفضَّلِ المرأةُ المُطلَّقةُ عليه برَدِّ جميعِه عليه إن كانت قد قَبَضتْه منه، وإن لم تكنْ قَبَضتْه فتَعْفو عن جميعِه.
فإن هما لم يَفْعلا ذلك وشَحَّا وترَكا ما ندَبهما اللهُ إليه - مِن أَخْذِ أحدِهما (١) على صاحبِه حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال: يُعْفِى عن نصفِ الصداقِ أو بعضِه.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ، جميعًا عن سفيانَ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال: حثَّ بعضَهم على بعضٍ في هذا وفي غيرِه، حتى في عفوِ المرأةِ عن الصَّداق، والزوجِ بالإتمامِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ قال: المعروف (١).
حدَّثنا ابن البَرْقِيِّ، قال: ثنا عمرٌو، عن سعيدٍ، قال: سمِعتُ تفسيرَ هذه الآيةِ ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
قال: لا تَنْسَوا الإحسانَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾.
يعنى تعالى ذِكْرُه بذلك: إِنَّ الله بما تعملون أيُّها الناسُ، مما نَدَبكم إليه وحضَّضَكم (٢) عليه؛ مِن عَفْوِ بعضِكم لبعضٍ عما وجَب له قِبَلَه من حقٍّ، بسببِ النكاحِ الذي كان بينَكم وبينَ أزواجِكم، وتَفَضُّلِ بعضِكم على بعضٍ في ذلك، وبغيرِه (٣) مما تأتون وتَذَرون مِن أمورِكم في أنفسِكم وغيرِكم، مما حثَّكم اللهُ عليه وأمرَكم به أو نهاكم عنه، ﴿بَصِيرٌ﴾ يعنى بذلك: ذو بصرٍ لا يخفَى عليه منه شيءٌ مِن ذلك، بل هو يُحصِيه عليكم ويَحفظُه، حتى يجازىَ ذا الإحسانِ منكم على إحسانِه، وذا الإساءةِ منكم على إساءتِه.
يَشْغَلُهم عن سعيِهم في مطالبِهم ومكاسِبِهم، وإن كان قد حَثَّهم في كتابِه وعلى لسانِ رسولِه في ذلك الوقتِ على صلاةٍ، ووَعَدهم عليها الجزيلَ مِن ثوابِه، مِن غيرِ أن يَفْرِضَها عليهم، وهى صلاةُ الضُّحى.
والآخَرُ منهما: آخِرُ النهارِ، وذلك مِن بعد إبْرادِ الناس وإمكانِ التصرفِ وطَلَبِ المعاشِ صيفًا وشتاءً، إلى وقتِ مَغيبِ الشمسِ، وفَرَض عليهم فيه صلاةَ العصرِ، ثم حَثَّ على المحافظةِ عليها لِئَلّا يُضَيِّعُوها؛ لِمَا عَلِم مِن إيثارِ عبادِه أسبابَ عاجلِ دنياهم وطلبَ معايشِهم فيها، على أسبابِ آجلِ آخرَتِهم، بما حَثَّهم به عليه في كتابِه، وعلى لسانِ رسولِه ﷺ.
ووَعَدهم مِن جزيلِ ثوابِه على المحافظةِ عليها، ما قد ذَكَرتُ بعضَه في كتابِنا هذا.
وسنَذْكُرُ باقِيَه في كتابِنا الأكبرِ إن شاء اللهُ مِن كتاب "أحكامِ الشرائعِ".
وإنما قيل لها: ﴿الْوُسْطَى﴾.
لتَوَسُّطِها الصلواتِ المكتوباتِ الخمسَ، وذلك أن قبلَها صلاتَيْن، وبعدَها صلاتَيْن، وهى بين ذلك وُسْطاهُنَّ.
والوُسْطَى الفُعْلَى، مِن قولِ القائلِ: وسَطْتُ القومَ أَسِطُهم سِطَةً ووُسُوطًا.
إذا دَخَلتَ وَسْطَهم.
ويقال للذَّكَرِ فيه: هو أوْسَطُنا.
وللأنثى: هي وُسْطانا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾.
اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنَى قولِه: ﴿قَانِتِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنَى القُنوتِ الطاعةُ.
ومعنى ذلك: وقومُوا للهِ في صلاتِكم، مُطِيعِين له فيما أمَرَكم به فيها، ونهاكم عنه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن ابن عَوْنٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: مُطِيعين (١).
حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن عونٍ، عن الشعبيِّ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو المُنيبِ، عن جابرِ بن زيدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
يقولُ: مُطِيعين (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن عطاءٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: مُطِيعين (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ (٢)، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن [أبي بشرٍ] (٣)، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: مُطِيعينَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الربيعِ بن أبي راشدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أنه سُئل عن القنوتِ، فقال: القنوتُ الطاعةُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ، قال: القنوتُ الذي ذَكَره الله في القرآنِ، إنما يعنى به الطاعةَ.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: إن أهلَ كلِّ دينٍ يقومون للَّهِ عاصِين، فقوموا أنتم للهِ طائعينَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: قوموا للهِ مُطيعين في كلِّ شيءٍ، وأطيعوه في صلاتِكم.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ قال: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: القُنوتُ الطاعةُ.
يقولُ: لكلِّ أهلِ دينٍ صلاةٌ، يقومون في صلاتِهم للهِ عاصِين، فقوموا للهِ مُطيعين.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَانِتِينَ﴾.
يقولُ: مُطيعين (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال (٢): مُطيعين (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنى شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
يقولُ (٤): مُطيعين.
حدَّثني عمرانُ بنُ بَكّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا خطابُ بنُ عثمانَ، قال: ثنا أبو رَوْحٍ عبدُ الرحمنِ بنُ سنانٍ السَّكُونيُّ، حِمْصِيٌّ لَقِيتُه بِأَرْمِينِيَّةَ، قال: سمِعتُ الحسنَ بنَ أبي الحسنِ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: طائعين (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: مُطيعين (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
يقولُ: مُطيعين (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ، قال: كانوا يَأْمُرون في الصلاةِ بحوائجِهم، حتى أُنزِلتُ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فتَرَكوا الكلامَ.
قال: قانِتين: مُطيعين.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبرنا فُضيلٌ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: كانوا يَتَكَلَّمون في الصلاةِ بحوائجِهم، حتى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فتَرَكوا الكلامَ في الصلاةِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
قال: كلُّ أهلِ دينٍ يقومون فيها عاصِين، فقوموا أنتم للَّهِ مُطيعين (٥).
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أسدُ بنُ موسى، قال: ثنا ابن لَهيعةَ، قال: السكوتُ، والقنوتُ الطاعةُ (١).
فجَعَل إبراهيم ومجاهدٌ القنوتَ سكوتًا في طاعةِ اللهِ، على ما قُلْنا في ذلك مِن التأويلِ.
وقد تكونُ الطاعةِ للهِ فيها بالخشوعِ وخفضِ الجَناحِ، وإطالةِ القيامِ، وبالدعاءِ؛ لأن كُلًّا (٢) غيرُ خارج مِن أحدِ مَعْنَيَين؛ مِن أن يكونَ مما أُمِر به المُصَلِّى، أو مما نُدِب إليه.
والعبدُ بكلِّ ذلك للهِ (٣) مطيعٌ، وهو لربِّه فيه قانِتٌ.
والقنوتُ أصْلُه الطاعةُ للهِ، ثم يُسْتَعْمَلُ في كلِّ ما أطاع الله به العبدُ.
فتأويلُ الآيةِ إذن: حافِظوا على الصلواتِ والصلاةِ الوُسْطَى، وقُوموا للهِ فيها مُطيعين، بتَرْكِ بعضِكم (٤) فيها كلامَ بعضٍ وغيرِ ذلك مِن معاني الكلامِ، سوى قراءةِ القرآنِ فيها، أو ذِكِر اللهِ بالذي هو أهلُه، أو دُعائِه فيها، غيرَ عاصِين للَّهِ فيها بتَضْييعِ حُدودِها، والتفريطِ في الواجبِ للهِ عليكم فيها، وفى غيرِها مِن فرائضِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
يعنى تعالى ذِكُره بذلك: وقُوموا للهِ في صلاتِكم مُطيعين له - لما قد بَيَّنَّاهُ من معناه - فإِنْ خِفْتُمْ مِن عدوٍّ لكم أيها الناسُ، تَخشَوْنَهم على أنفسِكم في حالِ التقائِكم معهم، أن تُصَلُّوا قيامًا على أرجلِكم بالأرضِ قانتينَ للَّهِ، فَصَلُّوا رجالًا مُشاةً على أرجُلِكم، وأنتم في حربِكم وقتالِكم وجهادِ عدوِّكم، أو رُكْبانًا على ظُهورِ دَوابِّكم، فإن ذلك يَجزيكُم حينئذٍ مِن القيامِ منكم (٥) قانتينَ.
ولما قلنا مِن أن معنَى ذلك كذلك، جازَ نصبُ "الرجالِ" بالمعنى المحذوفِ، وذلك أن العربَ تفعَلُ ذلك في الجزاءِ خاصةً؛ لأن ثانيه شبيهٌ بالمعطوفِ على أوَّلِه، ويُبَيِّنُ ذلك أنهم يقولون: إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
بمعنى: إن تفعَل خيرًا تُصِبْ خيرًا، وإن تفعَلْ شَرًّا تُصِبْ شرًّا.
فيَعْطِفون (١) الجوابَ على الأولِ لانجزامِ الثاني بجزمِ الأولِ، فكذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾، بمعنى: إنْ خِفْتُم أن تُصلُّوا قيامًا بالأرضِ، فصلُّوا رِجالًا.
والرِّجالُ جمعُ رَاجلٍ ورَجُلٍ.
وأما أهلُ الحجازِ فإنهم يقولون لواحدِ الرِّجالِ: رَجُلٌ.
مسموعٌ منهم: مَشَى فلانٌ إلى بيتِ اللهِ حافيًا رَجُلًا.
وقد سُمِعَ مِن بعضِ أحياءِ العربِ في واحدِهم: رَجُلانُ، كما قال بعضُ بني عُقَيْلٍ (٢): عليَّ إذَا أَبْصَرْتُ لَيْلَى بخَلْوَةٍ … أن ازْدَارَ (٣) بَيْتَ اللَّهِ رَجْلانَ حافِيا فمَن قال: رَجْلان.
للذكَرِ، قال للأنثى: رَجْلَى.
وجاز في جمعِ المذكرِ والمؤنَّثِ فيه أن يُقالَ: أتى القومُ رُجالَى ورَجالى.
مثلُ كُسالى وكَسَالَى.
وقد حُكِىَ عن بعضِهم أنه كان يقرأُ ذلك: (فإنْ خِفْتُمْ فَرجَالًا) (٤) مشدَّدةً.
وعن بعضهم أنه كان يقرأُ: (فَرجَالًا) (٥).
وكلتا (٦) القراءتَيِن غيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندنا؛ لخلافِها (٧) القراءةَ الموروثةَ المستفيضةَ (٨) في أمصارِ المسلمين.
ففصَل النبيُّ ﷺ بينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المسايفةِ والمطاردةِ، وبينَ حكمِ صلاةِ الخوفِ في حالِ شدَّةِ الخوفِ والمسايفةِ، على ما روَيْنا عن ابن عُمرَ، فكان معلومًا بذلك أن قولَه تعالى ذِكُره: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
إنما عنَى به الخوفَ الذي وصَفْنا صفتَه.
وبنحوِ الذي روَى ابن عُمرَ عن النبيِّ ﷺ، رُوِى عن ابن عُمَرَ أنه كان يقولُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن نافعٍ، عن ابن عُمرَ أنه قال في صلاةِ الخوفِ: يُصَلِّي بطائفةٍ مِن القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحْرُسُ، ثم يَنْطَلِقُ هؤلاءِ الذين صلَّى بهم ركعةً حتى يقوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِيءُ أولئك، فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّمُ، وتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى ركعةً.
قال: فإن كان خوفٌ أشدُّ مِن ذلك فرجالًا أو ركبانًا (١).
وأمَّا عددُ الركَعاتِ في تلك الحالِ مِن الصلاةِ، فإنى أُحِبُّ أَلا يَقْصُرَ (٢) مِن عددِها في حالِ الأمنِ، وإن قصَر عن ذلك فصلَّى ركعةً، رأيتُها مُجزئةً؛ لأن بشرَ بنَ مُعاذٍ حدَّثني، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكيرِ (٣) بن الأخنسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فرَض اللهُ الصلاةَ على لسانِ نبيِّكم ﷺ في الحضَرِ أربعًا، وفي السفرِ ركعتَينِ، وفى الخوفِ ركعةً (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾ وتأويلُ ذلك: فإذا أمِنْتُم، أيُّها المؤمنون مِن عدوِّكم أن يَقْدِرَ على قتلِكم في حالِ اشتغالِكم بصلاتِكم التي فرَضها عليكم، ومِن غيرِه ممن كنتم تَخافونَه على أنفسِكم في حالِ صلاتِكم، فاطْمَأَنتُم، فاذْكُرُوا الله، في صلاتِكم وفي غيرِها، بالشُّكرِ له والحمدِ والثناءِ عليه، على ما أَنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لإصابةِ الحقِّ الذي ضلَّ عنه أعداؤكم مِن أهلِ الكفرِ باللهِ، كما ذكَركم بتعليمه إيَّاكم مِن أحكامِه، وحلالِه وحرامِه، وأخبارِ مَن قبلَكم مِن الأممِ السالفةِ، والأنباءِ الحادثةِ (١) بعدَكم في عاجلِ الدنيا وآجلِ الآخرةِ، التي جهِلها غيرُكم، وبصَّركم مِن ذلك وغيره؛ إنعامًا منه عليكم بذلك، فعلَّمكم منه ما لم تكونوا مِن قبل تعليمِه إيَّاكم، تَعْلَمون.
وكان مجاهدٌ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيع، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
قال: خرَجتُم مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ (٢).
وبمثلِ الذي قلنا مِن ذلك قال ابن زيدٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
قال: فإذا أمِنتُم فصلُّوا الصلاةَ كما افتَرَض اللهُ عليكم، إذا جاء الخوفُ كانت لهم رخصةً (٣).
وقولُه ههنا: ﴿فَاذْكُرُوا (٤) اللَّهَ﴾.
قال: الصلاةُ، ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾.
وهذا القولُ الذي ذكَرناه عن مجاهدٍ قولٌ غيرُه أوْلَى بالصوابِ منه؛ لإجماع الجميعِ على أن الخوفَ متى زال فواجبٌ على المصلِّى المكتوبةَ - وإن كان في سفرٍ - أداؤُها بركوعِها وسجودِها وحدودِها، وقائمًا بالأرضِ غيرَ ماشٍ ولا راكبٍ، كالذى يجِبُ عليه مِن ذلك إذا كان مقيمًا في مصرِه وبلدِه، إلا ما أُبيحَ له مِن القصرِ فيها في سفرِه، ولم يَجْرِ في هذه الآية للسفرِ ذكرٌ فيَتَوَجَّهَ قولُه: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ إليه.
وإنما جرَى ذكرُ الصلاةِ في حالِ الأمنِ وحالِ شدَّةِ الخوفِ، فعرَّف اللهُ ﷾ عبادَه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ فيهما، ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فزالَ الخوفُ، فأَقِيموا صلاتَكم وذِكرِى فيها وفي غيرِها، مثلَ الذي أوجبْتُه عليكم قبلَ حدوثِ حالِ الخوفِ.
وبعدُ (١)، فلو (٢) كان جرَى للسفرِ ذِكرٌ، ثم أرادَ اللهُ تعالى ذِكُره تعريفَ خلقِه صفةَ الواجبِ عليهم مِن الصلاةِ بعدَ مُقامِهم لقال: فإِذا أَقَمْتم فاذْكُرُوا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تَعْلَمون.
ولم يَقُلْ: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
وفي قولِه تعالى ذِكُره: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾.
الدَّلالة الواضِحةُ على صحةِ قولِ مِن وجَّه تأويلَ ذلك إلى الذي قلنا فيه، [وخلافِ] (٣) قول مُجاهد.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾.
يعنى تعالى ذِكُره بذلك: والذين يُتَوَّفون منكم أيُّها الرجالُ، ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ يعني زوجاتٍ كُنَّ له نساءً في حياتِه، بنكاحٍ لا مِلْكِ يمينٍ.
ثم صُرِف الخبرُ عن ذكرِ مَن ابْتَدأ الخبرُ بذكرِه، نظير الذي مضَى مِن ذلك في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إلى الخبرِ عن ذكرِ أزواجِهم.
وقد ذكَرنا وجهَ ذلك، ودلَّلْنا على صحةِ القولِ فيه في نظيرِه الذي قد تقدَّم قبلَه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
ثم قال تعالى ذِكُره: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ فَاخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ بعضُهم: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بنصبِ "الوصيةِ"، بمعنى: فَلْيُوصوا وصيةً لأزواجِهم، أو عليهمْ وصيةً لأزواجِهم (٢).
وقرَأ آخَرون: (وصيةٌ لأزواجهم) برفعِ "الوصيةِ" (٣).
ثم اخْتَلف أهلُ العربيةِ في وجهِ رفعِ "الوصية"؛ فقال بعضُهم: رُفِعت بمعنى: كُتبِتْ عليهم الوصيةُ.
واعتلَّ في ذلك بأنها كذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ (٤).
فتأويلُ الكلامِ على ما قاله هذا القائلُ: والذين يُتَوَفَّوْن منكم ويَذَرُون أزواجًا، كُتِب عليهم وصيةٌ لأزواجِهم.
ثم تُرك ذكرُ "كُتِبَ"، ورُفِعت "الوصيةُ" بذلك المعنى، وإن كان متروكًا ذِكرُه.
وقال آخَرون منهم: بل "الوصيةُ" مرفوعةٌ بقولِه: ﴿لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ فتأوَّل (٥): لأزواجِهم وصيَّةٌ.
والقولُ الأولُ أوْلَى بالصوابِ في ذلك، وهو أن تكونَ الوصيةُ - إذا رُفِعت - مرفوعةً بمعنى: كُتِب عليكم وصيةٌ لأزواجِكم.
لأن العربَ تُضْمِرُ النكراتِ مرافعَها قبلَها إِذا أَضْمَرت، فإذا أظهرت بدأَت به قبلَها فتقولُ: جاءني رجلٌ اليومَ.
وإذا قالوا: رجلٌ جاءنى اليومَ.
لم يكادُوا أن يقولوه إلّا والرجلُ حاضرٌ يُشيرون إليه بـ "هذا"، أو غائبٌ قد علِم المخبَرُ عنه خبره، أو بحذفِ "هذا"، وإضمارِه، وإن حذَفوه لمعرفةِ السامعِ بمعنى المتكلِّمِ، كما قال اللهُ تعالى ذِكُره: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١].
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١].
فكذلك ذلك في قولِه: (وَصِيَّةٌ لأَزْوَاجِهِمْ).
وأَولى القراءتينِ بالصوابِ في ذلك عندنا قراءةُ مَن قرأَهُ رفعًا (١)؛ لدَلالةِ ظاهرِ القرآن على أن مُقامَ المتوفَّى عنها زوجُها في بيتِ زوجهِا المتوفَّى حولًا كاملًا، كان حقًّا لها قبلَ نزولِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
وقبلَ نزُولِ آية الميراثِ، ولتظاهُرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ الذي دَلَّ عليه الظاهرُ مِن ذلك، أوصى لهنَّ أزواجُهنَّ بذلك قبلَ وفاتهنَّ أو لم يُوصوا لهنَّ به.
فإن قال قائلٌ: وما الدَّلالةُ على ذلك؟
قيل: لمَّا قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ وكان الموصِى لا شَكَّ إِنما يُوصِى في حياتِه بما يَأْمُرُ (٢) بإنْفاذه بعدَ وفاتِه، وكان مُحالًا أن يُوصِيَ بعدَ وفاتِه، وكان تعالى ذِكُره إنما جعَل لامرأةِ الميتِ سكنَ الحولِ بعد وفاتِه، [عُلِم أنه] (٣) حقٌّ لها وجَب لها (١) في مالِه بغيرِ وصيةٍ منه لها، إذْ (٢) كان الميتُ مُستحيلًا أن يكونَ منه وصيةٌ بعدَ وفاتِه.
ولو كان معنَى الكلامِ على ما تأوَّله مَن قال: فلْيُوصِ وصيةً.
لكان التنزيلُ: والذين يَحْضُرُهم الوفاةُ، ويَذَرُونَ أزواجا وصيةً لأزواجهم، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠].
وبعدُ، فلو كان ذلك واجبًا لهنَّ بوصية مِن أزواجهنَّ المتوفَّينَ، لم يكن ذلكَ حقًّا لهنَّ إذا لم يُوصِ أزواجُهنَّ لهنَّ به (٣) قبلَ وفاتهم، ولكان [قد كان لورثتِهم] (٤) إخراجهنَّ قبلَ الحوْلِ، وقد قال اللهُ تعالى ذِكُره: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ولكن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظنَّه في تأويلِه قارتُه: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ﴾ بمعنى: أن الله تعالى كان أمَر أزواجهنَّ بالوصية لهنَّ، وإنما تأويلُ ذلك: والذين يُتَوفَّون منكم ويَذَرون أزواجًا كَتب اللهُ لأزواجِهم عليكُم وصيةً منه لهنَّ أيُّها المؤمنون، ألا تُخْرِجُوهُنَّ مِن منازلِ أزواجهنَّ حوْلًا.
كما قال تعالى ذِكُره في سورِة "النساءِ": ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٢].
ثم ترَكَ ذكرَ "كتب اللهُ" اكتفاءً بدَلالةِ الكلامِ عليه، ورُفِعت الوصيةُ بالمعنى الذي قلنا قبلُ.
فإن قال قائلٌ: فهل يجوزُ نصبُ الوصيةِ [على الحالِ، بمعنى: مُوصِين] (٥) لهنَّ وصيةً؟
وقد زعم بعضُهم أنه منصوبٌ بمعنى: لا تُخْرِجُوهُنَّ إخراجًا.
وذلك خطأٌ من القول؛ لأنّ ذلك إذا نُصب على هذا التأويل، كان نصبُه من كلامٍ آخر غير الأولِ، وإنما هو منصوبٌ بما نصَب "المتاعَ" على النعتِ له.
القولُ في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك أن المتاعَ الذي جعله الله لهنَّ إلى الحولِ في مالِ أزواجهنَّ بعد وفاتِهم (١) وفى مساكنهم (٢)، ونهى ورثته عن إخراجهنَّ، إنما هو لهنَّ ما أقمْنَ في مساكن أزواجهنَّ، وأن حقوقهنَّ مِن ذلك تَبْطُلُ بِخُروجهنَّ إِن خَرَجْنَ من منازل أزواجهنَّ قبل الحول من قبل أنفسهنَّ بغير إخراج من ورثة الميِّتِ، ثم أخبر تعالى ذكرُه أنه لا حَرَجَ على أولياءِ الميتِ في خروجهنَّ، وتركهنَّ الحداد على أزواجهنَّ؛ لأن المُقام حوْلًا في بيوت أزواجهنَّ والحداد عليه تمام حولٍ كامل لم يكن فرضًا عليهنَّ، وإنما كان ذلك إباحةً مِن الله تعالى ذكرُه لهنَّ إن أقمْنَ تمامَ الحَوْلِ مُحِدَّاتٍ، فأَمَّا إِن خَرَجْنَ، فلا جُناحَ على أولياء الميت ولا عليهنَّ فيما فعَلْنَ في أنفسهنَّ من معروفٍ، وذلك تركُ الحداد.
يقولُ: فلا حرج عليكم في التزيُّن إن تَزَيَنَّ وتَطيَّبْنَ وتَزَوَّجْنَ؛ لأن ذلك لهنَّ.
وإنما قلنا: لا حرج عليهنَّ في خُروجهنَّ.
وإن كان إنما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
لأن ذلك لو كان عليهنَّ فيه جناحٌ، لكان على أولياء الرجل فيه جُناحٌ بتركهم إياهنَّ والخروج، مع قدرتهم على منعهنَّ من ذلك، ولكن لما لم يكُن عليهنَّ جُناحٌ في خُروجهنَّ وترْكِ الحدادِ، وضع عن أولياء الميت وغيرِهم الحرجُ فيما فعَلْنَ من معروفٍ، وذلك في أنفسهنَّ.
وقد مضَت الروايةُ عن أهل التأويل بما قلنا في ذلك قبلُ.
وأمَّا قولُه ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فإنه يعنى تعالى ذكرُه: والله عزيزٌ في انتقامه ممن خالَف أمرَه ونهيَه وتعدَّى حدودَه مِن الرجال والنساء، فمنَع مَن كان مِن الرجال نساءَهم وأزواجهم ما فُرِض لهنَّ عليهم في الآيات التي مضَتْ قبلُ من المتعة والصَّدَاقِ والوصية، وإخراجهنَّ قبل انقضاء الحولِ، وترْك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمَهنَّ (١) الله من التربُّص عند وفاة أزواجهنَّ عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات، حكيمٌ فيما قضَى بينَ عباده من قضاياه التي قد تقدَّمت في الآياتِ قَبلَ قوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
وفى غير ذلك من أحكامه وأقضيته.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ذكرُه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولمن طُلِّق مِن النساء على مُطلِّقِه (٢) من الأزواج متاعٌ.
يعنى بذلك: ما تَسْتَمْتِعُ به من ثيابٍ وكِسوة أو نفقةٍ أو خادمٍ وغير ذلك مما يُسْتَمْتَعُ به.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى ذلك، واختلاف أهل العلم فيه، والصواب من القول في ذلك عندنا بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (٣).
ما كلَّفهم القيام به؛ خشيةً منهم له، ووَجَلًا منهم من عقابه.
وقد تقدَّم بيانُ تأويل ذلك أيضًا (١) بالرواية.
القولُ في تأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: كما بيَّنتُ لكم ما يَلْزَمُكم لأزواجكم، ويَلْزَمُ أزواجكم لكم أيُّها المؤمنون، وعرَّفتُكم أحكامي، والحقَّ الواجب لبعضكم على بعضٍ في هذه الآيات، فكذلك أُبَيِّنُ لكم سائرَ الأحكام في آياتي التي أنْزَلتُها على نبيِّى محمدٍ في هذا الكتابِ؛ لِتَعْقِلوا أيُّها المؤمنون بى وبرسولى حُدُودى، فَتَفْهَموا اللازم لكم مِن فرائضى، وتَعْرِفوا بذلك ما فيه صلاحُ دينِكم ودنياكم، وعاجِلِكم وآجلِكم، فَتَعْمَلُوا به؛ ليصْلُحَ ذاتُ بينكم، وتَنَالوا به الجزيل من ثوابي في معادكم.
القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾.
يعني تعالي ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم تَعْلَمْ يا محمدُ.
وهو من رؤية القلب لا رؤية العين؛ لأن نبيَّنا محمدًا ﷺ لم يُدْرِك الذين أخبر الله عنهم هذا الخبر.
ورُؤيةُ القلب ما رآه: عِلْمُه (٢) به.
فمعنى ذلك: ألم تَعْلَمُ يا محمدُ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفُ.
ثم اخْتَلفَ أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿وَهُمْ أُلُوفٌ﴾.
فقال بعضُهم: في العدَدِ، بمعنى جماع "ألفٍ".
أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾: فرارًا من عدوِّهم، حتى ذاقوا الموت الذي فرُّوا منه، فأمَرهم فرجعوا، وأمَرهم أن يقاتلوا في سبيل الله، وهم الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
وإنما حثَّ الله تعالى ذكرُه عباده بهذه الآية على المواظبةِ على الجهاد في سبيله، والصبر على قتال أعداء دينِه، وشجَّعهم بإعلامه إيَّاهم، وتذكيره لهم أن الإماتة والإحياء بيديه، وإليه دونَ خلقِه، وأن الفرار من القتال والهربَ من الجهادِ ولقاء الأعداء إلى التحصُّن في الحصونِ، والاختباء في المنازل والدورِ، غيرُ مُنْجٍ أحدًا من قضائِه إذا حلَّ بساحته، ولا دافعٍ (٢) عنه أسبابَ مَنيَّتِهِ إِذَا نَزَلَ بِعَقُوتِه (٣)، كما لم يَنْفَعِ الهاربين من الطاعون الذين وصف الله تعالى ذكرُه صفتهم في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ - فرارُهم من أوطانهم، وانتقالُهم من منازلهم إلى الموضع الذي أمَّلُوا بالمصير إليه السلامة، وبالموْئِل النجاة من المنيَّة، حتى أتاهم أمرُ اللهِ، فتركهم جميعًا خُمودًا صَرْعَى، وفى الأرضِ هَلْكَى، ونجا مما حلَّ بهم الذين باشَروا كرْبَ الوباء، وخالطوا بأنفسهم عظيمَ البلاء.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن الله لذو فضلٍ ومَنْ على خلقه؛ بتبصيره إياهم سبيلَ الهُدَى، وتحذيره لهم طرق الرَّدَى، وغير ذلك مِن نِعَمِه التي يُنْعِمُها عليهم في دُنياهم ودينِهم وأنفسِهم وأموالهم، كما أحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حَذَرَ الموتِ بعد إمانَتِه إياهم، وجعَلهم لخلقِه مَثَلًا، وعِظَةً يَتَّعِظُون بهم، وعِبْرةً يَعْتَبرون بهم، وليَعْلَمُوا أن الأمورَ كلَّها بيدِه، فيَسْتَسْلِمُوا لقضائه، ويَصْرِفُوا الرغبةَ كلَّها والرهبة إليه.
ثم أخبرَ تعالى ذكرُه أن أكثرَ (١) مَن يُنْعِمُ عليه من عباده بنِعَمِه الجليلة، ويَمُنُّ عليه بمننه الجسيمةِ، يَكْفُرُ به، ويَصْرِفُ الرغبة والرهبة إلى غيره، ويَتَّخِذُ إلهًا مِن دونِه؛ كُفْرانًا منه لنِعَمِه التي يُوجِبُ أصغرُها عليه من الشكرِ ما يَفْدَحُه (٢)، ومِن الحَمْدِ ما يُثْقِلُه، فقال تعالى ذكره: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
يَقُولُ: لا يَشْكُرون نِعْمَتىَ التي أَنْعَمْتُها عليهم، وفَضْلِيَ الذي تَفَضَّلْتُ به عليهم؛ بعبادتِهم غيرى وصَرْفهم رغبتَهم ورهبتَهم إلى مَن دُونِى ممن لا يَمْلِكُ لهم ضرًّا ولا نَفْعًا، ولا يَمْلِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وقاتلوا أيُّها المؤمنون في سبيل الله - يعني: في دينه الذي هَدَاكم له، لا في طاعةِ الشيطانِ - أعداءَ دينِكم الصَّادِّين عن سبيل ربِّكم، ولا [تحتَموا عن قتالِه عندَ] (٣) لقائِهم، ولا تَجبُنُوا (٤) عن حربهم، فإنَّ بيدى حياتكم وموتَكم، ولا يَمْنَعنَّ أحدَكم مِن لقائِهم وقتالِهم حَذَرُ الموتِ وخَوْفُ المنية على نفسه بقتالهم، فيَدْعوه ذلك إلى التَّعْريدِ (١) عنهم والفرارِ منهم، فتَذِلُّوا، ويَأْتيَكم الموتُ الذي خِفْتُموه في مَأْمَنِكم الذي وَأَلْتُم إليه، كما أتى الذين خرَجوا من ديارهم فرارًا من الموتِ؛ الذين قصَصت عليكم قصتَهم، فلم يُنْجِهم فِرارُهم منه من نزوله بهم، حين جاءَهم أمرى، وحلَّ بهم قضائى، ولا ضرَّ المتُخَلَّفين وراءَهم ما كانوا لم يَحْذَرُوه إذ دافعتُ عنهم مناياهم، وصرَفتُها عن حوبائِهم (٢)، فقاتلوا في سبيل الله من أمرتُكم بقتالِه من أعدائى وأعداءِ دينى، فإن من حَبىَ منكم فأنا أَحْيَيْتُه (٣)، ومن قُتِل منكم فبقَضائى كان قتلُه (٤).
ثم قال تعالى ذكرُه لهم: واعلَموا أيها المؤمنون أن ربَّكم سميعٌ لقول مَن يَقُولُ من منافقيكم لمن قُتل منكم في سبيلى: لو أطاعونا فجلَسوا في منازِلِهم ما قتلوا.
عليمٌ بما تُجِنُّه (٥) صدورُهم من النفاقِ والكفر، وقلَّةِ الشُّكْرِ لنِعْمَتى عليهم، وآلائى لَدَيْهم في أنفسِهم وأهليهم، ولغير ذلك مِن أمورِهم وأمورِ عبادى.
يقولُ تعالى ذكرهُ لعبادِه المؤمنين: فاشكرُونى أنتم بطاعتِى فيما أمَرتُكم من جهادِ عدوِّكم في سبيلى: وغير ذلك مِن أمْرِى ونَهْيِى، إذ كفَر هؤلاء نِعَمِى، واعلَموا أن الله سميعٌ لقولِهم، وعليمٌ بهم وبغيرهم، وبما هم عليه مقيمون من الإيمان والكفر والطاعة والمعصية، محيطٌ بذلك كلِّه، حتى أُجازي كلا بعمله، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًا.
ولا وجه لقولِ مَن زعم أن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أَمرٌ مِنَ اللَّهِ الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ، بالقتال بعدَ ما أحياهم؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لا يخلو إن كان الأمرُ على ما تَأَوَّلوه مِن أحدٍ أمورٍ ثلاثة؛ إما أَن يَكُونَ عطفًا على قوله: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾.
وذلك من المُحالِ أن يميتَهم ويأمرَهم وهم موتى بالقتال في سبيلِه.
أو يَكونَ عطفًا على قوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾.
وذلك أيضًا مما لا معنى له؛ لأن قوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
أمرٌ مِن الله بالقتال، وقوله: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ خبرٌ عن فعلٍ قد مضَى.
وغيرُ فصيحٍ العطفُ بخبر مستقبَلٍ على خبرٍ ماضٍ، لو كانا جميعًا خَبَرين، لاختلافِ معنَيَيْهما، فكيف عطفُ الأمرِ على خبرٍ ماضٍ؟
أو يَكُونَ معناه: ثم أحياهم وقال لهم: قاتلوا في سبيل الله.
ثم أسقَط القول، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة: ١٢].
بمعنى: يقولون: ربَّنا أبصَرْنا وسمِعْنا.
وذلك أيضًا إنما يَجُوزُ في الموضع الذي يَدُلُّ ظاهرُ الكلام على حاجته إليه، ويَفْهَمُ السامعُ أنه مرادٌ به الكلامُ وإن لم يُذْكَرْ، فأما في الأماكن التي لا دَلالة على حاجة الكلام إليه، فلا وجه لدعوى مدَّعٍ أنه مرادٌ فيها.
القولُ في تأويل قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
يعني تعالي ذكرُه بذلك: مَن هذا الذي يُنْفِقُ في سبيل الله، فيُعِينُ مُضْعِفًا (١)، أو يُقَوِّى ذا فاقةٍ أراد الجهادَ في سبيل اللهِ، ويُعْطى منهم مُقْتِرًا.
وذلك هو القَرْضُ الحسَنُ الذي يُقْرِضُ العبدُ ربَّه.
وإنما سمّاه الله تعالى ذكرُه قرضًا؛ لأن معنى [القرض إعطاءُ] (٢) الرجل غيرَه مالَه مُملِّكًا له ليَقْضِيَه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاءُ (٣) من أعطَى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يُعْطِيهم ما يُعْطيهم من ذلك ابتغاءَ ما وعدَه الله عليه من جزيل الثواب عندَه يومَ القيامة، سماه قرضًا، إذ كان معنى القرض في لغة العرب ما وصَفْنا.
وإنما جعَله تعالى ذكرُه حَسَنًا؛ لأن المُعْطِيَ يُعْطِي ذلك عن نَدْبِ اللَّهِ إِياه، وحثِّه له عليه احتسابًا منه، فهو لله طاعةٌ، وللشياطين (١) معصيةٌ، وليس ذلك لحاجةٍ بالله إلى أحدٍ من خلقِه، ولكنَّ ذلك كقول العرب: عندى لك قرضُ صدقٍ وقرضُ سوءٍ.
للأمر تأتى فيه الرجلَ مَسرَّتُه أو مَساءتُه، كما قال الشاعرُ (٢): كلُّ امرئٍ سوفَ يُجْزَى قرضَه حَسَنًا … أو سَيِّئًا ومَدِينًا بالذِي دَانا فقرضُ المرء: ما سلف من صالح عملِه أو سيِّئِه.
وهذه الآية نظيرةُ الآية التي قال (٣) فيها تعالى ذِكرُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وبنحو الذي قُلْنا في ذلك كان ابن زِيدٍ يَقُولُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
قال: هذا في سبيلِ اللَّهِ، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
قال: بالواحد سبعُمائة ضِعْفٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن زيد بن أسلمَ، قال: لما نزَلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
قال: [جاء ابن الدحداحة] (١) إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا نبيَّ الله، أَلَا أَرَى ربَّنا يَسْتَقْرِضُنا مما أعطانا لأنفسنا، وإن لى أرضَيْنِ؛ إحدَاهما بالعالية، والأُخرَى بالسافلِة، وإنِّي قد جعَلتُ خيرَهما صدقةً.
قال: فكان النبيُّ ﷺ يقولُ: "كم من عَذْقٍ مُذَلَّلٍ [لابنِ الدَّحْداحةِ] (٢) في الجَنَّةِ" (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أن رجلًا على عهدِ النبيِّ ﷺ لما سمع بهذه الآية، قال: أنا أُقْرِضُ اللَّهَ.
فعمد إلى خير حائطٍ له فتصدَّق به.
قال: وقال قتادةُ: يَسْتَقْرِضُكم ربُّكم كما تَسْمَعون وهو الوَلِيُّ الحميدُ، ويَسْتَقْرِضُ (٤) عبادَه (٥)!
حدَّثنا محمدُ بن معاويةَ الأنماطيُّ النيسابوريُّ، قال: حدَّثنا خلَفُ بن خليفةَ، عن حميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللهِ بن الحارث، عن عبدِ الله بن مسعودٍ، قال: لما نزَلَت ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.
قال أبو الدَّحْداحِ: يا رسولَ اللهِ، أوَ إِنَّ الله يُريدُ منا القرضَ؟
قال: "نعَمْ يا أبا الدَّحْدَاحٍ".
قال: يدَكَ.
قال (٦): فناوَله يدَه.
قال: فإني قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطى؛ حائطًا فيه ستُّمائة نخلةٍ.
ثم جاء يَمْشي حتى أتى الحائط وأمُّ الدَّحْداحِ فيه في عيالِها، فناداها: يا أمَّ الدحداحِ.
قالت: لبَّيْك.
قال: اخْرُجي، قد أَقْرَضْتُ رَبِّي حائطًا فيه ستُّمائِةِ نخلةٍ (٧).
وأما قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
فإنه عِدَةٌ مِن الله تعالى ذكرُه مُقْرِضَه ومُنْفِقَ ماله في سبيل الله من إضعاف الجزاء له على قَرْضِه ونَفَقَتِه ما لا حدَّ له ولا نهاية.
كما حدَّثني موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
قال: هذا التَّضْعِيفُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (١).
وقد حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، عن ابن عُيَيْنةً، عن صاحبٍ له يَذْكُرُ عن بعضِ العلماء، قال: إن الله أعطاكم الدنيا قرضًا، وسألَكُمُوها قرضًا، فإن أعطَيْتُمُوها طيِّبةً بها أنفُسُكم، ضاعَف لكم ما بينَ الحسنةِ إلى العَشْرِ إلى السبعِمائة، إلى أكثرَ من ذلك، وإن أخَذها منكم وأنتم كارهون، فصبرتُم وأحسنتم، كانت لكم الصلاةُ والرحمةُ، وأوجَب لكم الهُدَى (٢).
وقد اختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: (فَيُضَاعِفُهُ).
بالألف ورفعه (٣)، بمعنى: الذي يُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيُضَاعِفُه (٤) له.
[نَسَقًا بـ "يُضاعِفُ"] (٥) على قوله: "يُقْرِضُ".
وقرأه آخرون بذلك المعنى (فيُضَعِّفُه).
غير أنَّهم قرَءوه بتشديدِ العَين وإسقاطِ الألفِ (١).
وقرأه آخرون ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾.
بإثباتِ الألف في "يُضَاعِفَ" ونَصْبِه، بمعنى الاستفهام (٢)، فكأنهم تأوَّلوا الكلامَ: مَن المُقْرِضُ الله قرضًا حَسَنًا فيضاعفه له؟
فجعَلوا قولَه: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ جوابًا للاستفهام، وجَعَلُوا ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ اسمًا؛ لأنَّ "الذي" وصِلَتَه بمنزلِة "عمرٍو "و" زيدٍ"، فكأنهم وجَّهوا تأويل الكلام إلى قولِ القائلِ: مَن أخوك فنُكْرِمَه.
لأن الأفصَحَ في جوابِ الاستفهام بالفاء - إذا لم يَكُنْ قبله ما يُعْطَفُ به عليه من فعلٍ مستقبلٍ - نَصْبُه.
وأولى هذه القراءاتِ عندنا بالصواب (٣) قراءةُ مَن قرأَ: (فَيُضَاعِفُه له).
بإثباتِ الألفِ ورفع "يُضَاعِفُ"؛ لأنَّ في قوله: (من ذا الذي يُقْرِضُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُه).
[معنى الجزاء] (٤)، والجزاءُ إذا دخَل في جوابِه "الفاءُ"، لم يَكُنْ جوابُه بالفاء إلا (٥) رَفْعًا، فلذلك كان الرفْعُ في "يُضَاعَفُه" أولى بالصوابِ عندَنا من النَّصْبِ، وإنما اختَرْنا الألفَ في "يُضَاعِفُ"، مِن حذفها وتشديد العين؛ لأن ذلك أفصَحُ اللُّغَتَين، وأكثرُهما على ألسنة العرب.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
يعني تعالي ذكرُه بذلك أنه الذي يبدِه قبْضُ أرزاق العبادِ وبَسْطُها دون غيره ممن ادَّعى أهلُ الشرك به أنهم آلهةٌ واتَّخَذوه ربًّا دونَه يَعْبُدُونَه، وذلك نظيرُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ الذي حدَّثنا به محمدُ بنُ المثنى ومحمدُ بن بشارٍ، قالا: ثنا حجاجٌ، وحدَّثني عبدُ الملك بنُ محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: ثنا حجاجٌ وأبو ربيعة، قالا: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ وحميدٍ وقتادةَ، عن أنسٍ، قال: غلا السِّعْرُ على عهدِ رسول الله ﷺ، قال: فقالوا: يا رسول الله، غلا السِّعرُ فَأَسْعِر لنا.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن الله الباسِطُ القابِضُ الرازقُ، وإني لأرجو أن أَلْقَى الله ليس أحدٌ يَطْلُبُنى بمظلِمةٍ في نَفْس ومالٍ" (١).
قال أبو جعفر: يعنى بذلك ﷺ أن الغَلاءَ والرُّخْصَ والسَّعةَ والضِّيقَ بيدِ اللهِ دونَ غيره، فكذلك قوله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾.
يعنى بقوله: ﴿يَقْبِضُ﴾: يُقْتِرُ بِقَبْضِه الرِّزْقَ عمن يَشاءُ من خلقه.
ويَعْنى بقوله: ﴿وَيَبْسُطُ﴾: يُوَسِّعُ ببسطِه الرزقَ على مَن يشاءُ منهم.
وإنما أراد تعالى ذكرُه بقيلِه ذلك حثَّ عبادِه المؤمنين الذين قد بسَط عليهم من فضلِه، فوسَّع عليهم مِن رزقِه على تَقْوية ذوِى الإقتارِ منهم بمالِه، ومعونتِه بالإنفاقِ عليه وحمولته على النُّهوض لقتال عدوِّه من المشركين في سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: مَن يُقَدِّمْ لنفسِه ذُخْرًا عندى بإعطائه ضعفاءَ المؤمنين وأهل الحاجة منهم، ما يَستَعينُ به على القتال في سبيلى، فأضاعف له من ثوابى أضْعافًا كثيرةً مما (٢) أعطاه وقوَّاه به؟
معصيتِه والتَّقَدُّمِ على ما نهاه، فيَسْتَوجِبَ بذلك [منه بمصيرِه] (١) إلى خالقه ما لا قِبَلَ له به من أليمِ عقابِه.
وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: وإلى الترابِ تُرْجَعون.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: مِن الترابِ خلَقهم، وإلى الترابِ يَعُودون (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾: ألم ترَ يا محمدُ بقلبِك، فتعلمَ بخبرى إياك يا محمدُ ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾.
يعنى: إلى وُجوهِ بني إسرائيلَ وأشرافِهم ورؤسائِهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾.
يَقُولُ: مِن بعدِ ما قُبِضَ موسى فمات.
﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
فذُكِر لي أن النبيَّ الذي قال لهم ذلك، شَمْوِيلُ بنُ بالى بن علقمةَ بن يرخامَ (٣) بن أبيهو بن تهو بن صوفَ بن علقمةَ بن ماحثَ بن عموصا بن عزريا بن صفنيةَ (٤) بن علقمةَ بن أبي ياسفَ (٥) بن قارونَ بن يصهرَ بن قاهتَ بن لاوى بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابن (٦) إسحاقَ، عن وهبِ بن منبهٍ.
وحدَّثني أيضًا المثنى بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ أنه سمِع وهبَ بنَ منبهٍ يَقُولُ: هو شمويلُ (١).
ولم يَنْسِبْه كما نسبَه ابن (٢) إسحاقَ.
وقال السديُّ: بل اسمُه شمعونُ.
وقال: إنما سُمَّي شمعونَ لأَنَّ أُمَّه دَعَتِ اللهِ أن يَرْزُقَها غلامًا، فاستجَاب اللهُ لها دعاءَها فرزَقها، فولَدت غلامًا فسمَّته شمعونَ، تَقُولُ: اللهُ تعالى سمِع دعائىَ.
حدَّثني بذلك (٢) موسى، قال: حدَّثنا عمرو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ (٣).
فكأن "شمعون" فعلُون عندَ السُّدِّيِّ مِن قولِها (٤): سمِع اللهُ دعاءَها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾.
قال: شمؤلُ (٥).
وقال آخرون: بل الذي سأَله قومُه من بنى إسرائيلَ أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلون في سبيلِ اللهِ يوشعُ بنُ نونِ بن أفرائيمَ (١) بن يوسفَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ.
حدَّثني بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾.
قال: كان نبيُّهم الذي بعدَ موسى يوشعَ بنَ نونِ، قال: وهو أحدُ الرجلين اللذين أنعَم اللهُ عليهما (٢).
وأما قولُه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
فاختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي مِن أجلِه سأَل الملأُ من بني إسرائيلَ نبيَّهم ذلك؛ فقال بعضُهم: كان سببَ مسألتِهم إياه ما حدَّثنا به محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ قال: خلَف بعدَ موسى في بني إسرائيلَ يوشَعُ بنُ نونٍ يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأَمْرَ اللهِ قبَضَه اللهُ، ثم خلَف فيهم كالبُ بنُ يوفنَّا (٣) يُقِيمُ فيهم التوراةَ وأمْرَ اللهِ حتى قبَضه اللهُ تعالى، ثم خلَف فيهم حزقيلُ بنُ بوزى، وهو ابن العجوزِ، ثم إن الله قبَض حزقيلَ، وعظُمت في بني إسرائيلَ الأحداثُ، ونسُوا ما كان مِن عهدِ اللهِ إليهم، حتى نصَبوا الأوثانَ وعبدوها منَ دونِ اللهِ، فبعَث اللهُ إليهم إلياسَ ابنَ تَسبى (٤) بن فِنحاصَ بن العيزارِ بن هارونَ بن عمرانَ نبيًّا، وإنما كانت الأنبياءُ من بنى إسرائيلُ بعدَ موسى يُبْعَثون إليهم بتجديدِ ما نَسُوا مِن التوراةِ، وكان إلياسُ مع ملِكٍ من ملوكِ بني إسرائيلَ يُقالُ له: أحابُ (١).
وكان يَسْمَعُ منه ويُصَدِّقُه، فكان إلياسُ يُقِيمُ له أمرَه، وكان سائرُ بنى إسرائيلَ قد اتَّخَذُوا صنمًا يَعْبُدونَه مِن دونِ اللهِ، فجعَل إِلياسُ يَدْعُوهم إلى اللهِ، وجعَلوا لا يَسْمَعُون منه شيئًا، إلا ما كان مِن ذلك الملكِ، والملوكُ مُتَفَرِّقةٌ بالشامِ، كلُّ مَلِكٍ له ناحيةٌ منها يَأْكُلُها، فقال ذلك الملكُ الذي كان إلياسُ معه يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَرَاه على هُدًى مِن بين أصحابهِ، يومًا: يا إلياسُ، واللهِ ما أَرَى مَا تَدْعُو إليه الناسَ إِلا باطلًا، واللهِ ما أرى فلانًا وفلانًا - يُعَدِّدُ مُلوكًا مِن ملوكِ بني إسرائيلَ قد عبَدوا الأوثانَ من دونِ اللهِ - إلَّا على مثلِ ما نحن عليه، يَأْكُلُون ويَشْرَبُون ويَتَنَعَّمُون، مُمَلَّكين (٢)، ما يَنْقُصُ مِن دنياهم [أمرُهم الذي تَزْعُمُ أنه باطلٌ] (٣)، وما نَرَى لنا عليهم مِن فضلٍ.
فيَزْعُمون - واللهُ أعْلمُ - أن إلياسَ اسْتَرجع، وقام شعرُ رأسِه وجلدِه، ثم رفَضه وخرَج عنه، ففعَل ذلك الملكُ فِعْلَ أصحابِه، عبَد الأوثانَ، وصنَع ما يَصْنَعون.
ثم خَلَف من بعده فيهم اليَسَعُ، فكان فيهم ما شاء اللهُ أَن يَكُونَ، ثَم قبَضه اللهُ إليه، وخلَفت فيهم الخُلوفُ، وعظُمت فيهم الخطايا، وعندَهم التابوتُ يَتَوارثونه كابرًا عن كابرٍ، فيه السَّكينةُ وبقيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، وكانوا لا يلقاهم عدوٌّ، فيُقَدِّمُون التابوتَ ويَزْحَفُون به معهم، إلا هزَم اللهُ ذلك العدوَّ.
ثم خلَف فيهم ملِكٌ يُقالُ له: إيلاءُ (٤).
وكان اللهُ قد بارَك لهم في جبَلِهم مِن إيلياءَ، لا يَدْخُلُه عليهم عدوٌّ، ولا يحتاجون معه إلى غيرِه، وكان أحدُهم فيما يَذْكُرُون يَجْمَعُ الترابَ على الصخرةِ، ثم يَنْبِذُ فيه الحبَّ، فيُخْرِجُ اللهُ له ما يَأْكُلُ سنتَه هو وعيالُه، ويَكُونُ لأحدِهم الزيتونةُ فيَعْتَصِرُ منها ما يَأْكُلُ هو وعيالُه سنتَه، فلما عظُمت أحداثُهم، وترَكوا عهدَ اللهِ إليهم، نزَل بهم عدوٌّ، فخرَجوا إليه، وأخرَجوا معهم (١) التابوتَ كما كانوا يُخْرِجُونه، ثم زحَفوا به، فقُوتِلوا حتى اسْتُلِب مِن بين أيدِيهم، فأتى مَلِكُهم إيلاءُ، فأُخبِر أن التابوتَ قد أُخِذ واسْتُلِب، فمالت عنقُه، فمات كَمَدًا عليه، فمرَج أمرُهم عليهم، ووَطِئَهم عدوُّهم حتى أُصِيبَ مِن أبنائِهم ونسائِهم، وفيهم نبيٌّ لهم قد كان اللهُ بعَثه إليهم - فكانوا لا يَقْبَلون منه شيئًا - يقالُ له: شَمْوِيلُ، وهو الذي ذكَر الله لنبيِّه محمدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
إلى قوله: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾.
يَقولُ اللهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: قال ابن إسحاقَ: فكان مِن حديثِهم فيما حدَّثني به بعضُ أهلِ العلمِ عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، أنه لما نزَل بهم البلاءُ، ووُطِئَتْ بلادُهم، كلَّموا نبيَّهم شَمْوِيلَ بنَ بالى، فقالوا: ابْعَثْ لنا ملِكًا نُقَاتلْ في سبيلِ اللهِ.
وإنما كان قِوامُ بني إسرائيلَ الاجتماعَ على الملوكِ، وطاعةَ الملوكِ أنبياءَهم، وكان الملِكُ هو يَسيرُ بالجموعِ والنبيُّ يُقَوِّمُ له أمرَه، ويَأْتيه بالخبرِ من ربِّه، فإذا فعَلوا ذلك صلَح أمرُهم، فإذا عَتَتْ مُلوكُهم وترَكوا أمرَ أنبيائِهم فسَد أمرُهم، فكانت الملوكُ إذا تابَعتها الجماعةُ على الضلالةِ تركوا أمرَ الرسلِ؛ ففريقًا يُكَذِّبون فلا يَقْبَلون منه شيئًا، وفريقًا يَقْتُلون، فلم يَزَلْ ذلك البلاءُ بهم حتى قالوا له: ابْعَثْ لنا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ.
فقال لهم: إنه ليس عندَكم وفاءٌ ولا صِدقٌ ولا رَغْبةٌ في الجهادِ.
فقالوا: إنما كنا نَهابُ الجهادَ ونَزْهَدُ فيه أنا كنا ممنوعِين في بلادِنا، لا يَطُؤُها أحدٌ، فلا يَظْهَرُ علينا فيها عدوٌّ، فأما إذ بلَغ ذلك، فإنه لابُدَّ من الجهادِ، فنُطِيعُ ربَّنا في جهادِ عدوِّنا، ونَمْنَعُ أبناءَنا ونساءَنا وذرارِيَّنا (١).
حدِّثت عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
قال الربيعُ: ذكرِ لنا - والله أعلم - أن موسى لما حضَرته الوفاةُ، استخلَف فتاه يُوشَعَ بنَ نونٍ على بنى إسرائيلَ، وأن يُوشَعَ بنَ نونٍ سار فيهم بكتابِ اللهِ - التوراةِ - وسُنَّةِ نبيِّه موسى، ثم إن يُوشعَ بنَ نونٍ تُوفِّى، واستُخْلِفَ فيهم آخرُ، فسار فيهم بكتابِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه موسى ﷺ، ثم استُخْلِف آخرُ، فسار فيهم بسيرةِ صاحبيه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فعرَفوا وأنكَروا، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكرَوا عامةَ أمرِه، ثم اسْتُخْلِف آخرُ فأنكروا أمرَه كلَّه، ثم إن بني إسرائيلَ أتَوا نبيًّا مِن أنبيائِهم حينَ أُوذُوا في نْفُسِهم (٢) وأموالِهم، فقالوا له: سل ربَّك أن يَكْتُبَ علينا القتالَ.
فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾.
قال: قال ابن عباسٍ: هذا حينَ رُفِعَت التوراةُ واسْتُخْرِجَ أَهلُ الإيمانِ، وكانت الجَبَابرةُ قد أخْرَجَتْهم مِن ديارِهم وأبنائِهم (٤).
حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاك يَقُولُ في قولِه: ﴿إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾.
قال: هذا حينَ رُفِعَت التَّوْراةُ واسْتُخْرِج أَهلُ الإيمانِ (١).
وقال آخرون: كان سببَ مسألتِهم نبيَّهم ذلك ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال: كانت بنو إسرائيلَ يُقَاتِلون العمالقَةَ، وكان ملِكَ العمالقةِ جالوتُ، وأنهم ظهَروا على بني إسرائيلَ، فضرَبوا عليهم الجزيةَ، وأخَذوا توراتَهم، وكانت بنو إسرائيلَ يَسْأَلُون الله أن يَبْعَثَ لهم نبيًّا يُقَاتِلون معه، وكان سِبْطُ النبوَّة قد هلَكوا، فلم يَبْقَ منهم إلا امرأةٌ حُبْلَى، فأخَذوها فحبسوها في بيتٍ؛ رهبةَ أن تَلِدَ جاريةً فتُبْدِلَها (٢) بغلامٍ؛ لما تَرَى مِن رغبةِ بني إسرائيلَ في ولَدِها، فجعَلت المرأةُ تَدْعو الله أن يَرْزُقَها غلامًا، فولَدت غُلامًا فسمَّتْه شمعونَ، فكبِر الغلامُ، فَأَسْلَمَتْه (٣) يَتَعَلَّمُ التوراةَ في بيتِ المقدسِ، وكفَله شيخٌ مِن علمائِهم وتَبَنّاه، فلما بلَغ الغلامُ أَن يَبْعَثَهُ اللهُ نبيًّا أتاه جبريلُ والغلامُ نائمٌ إلى جَنْبِ الشيخِ، وكان لا يَتَّمِنُ (٤) عليه أحدًا غيرَه، فدعاه بلَحْنِ الشيخِ: يا شماولُ.
فقام الغلام فزِعًا إلى الشيخِ، فقال: يا أَبَتاه، دعوتَني؟
فكرِه الشيحُ أن يَقُول: لا، فيَفْزَعَ الغلامُ، فقال: يا بُنيَّ، ارْجِعُ فنَمْ.
فرجَع فنام، ثم دعاه الثانيةَ، فأتاه الغلامُ أيضًا، فقال: دعوتَنى.
فقال: ارْجِعْ فنَم، فإن دعوتُك الثالثةَ فلا تُجِبْنى.
فلما كانت الثالثةَ ظهرَ له جبريلُ، فقال: اذْهَبْ إلى قومِك فبلِّغْهم رسالةَ ربِّك، فإِنَّ الله قد بعثَك فيهم نبيًّا.
فلما أتاهم كذَّبوه وقالوا: اسْتَعْجَلْت بالنبوَّةِ ولم تَئِنْ لك.
وقالوا: إن كنْت صادقًا فابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ في سبيلِ اللهِ، آيةً من نبوَّتِك، فقال لهم شمعونُ: عسَى إن كُتِبَ عليكم القتالُ ألا تُقَاتِلوا (١).
قال أبو جعفرٍ: وغيرُ جائزٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: (نُقَتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ).
إذا قُرِئَ بالنونِ غيرُ الجزمِ، على معنى المجازاةِ وشرْطِ الأمرِ.
فإن ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الرَفْعَ فيه جائزٌ وقد قُرِئَ بالنونِ، بمعنى الذي نُقاتِلُ به (٢) في سبيلِ اللهِ.
فإن ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن العرب لا تُضْمِرُ حرفين، ولكنْ لو كان قُرِئ ذلك بالياءِ لجازَ رفعُه؛ لأنه يكونُ لو قُرئَ كذلك صلة لـ "الملكِ"، فيصيرُ تأويلُ الكلامِ حينئذٍ: ابْعَثْ لنا الذي يُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ.
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾.
لأن قولَه: ﴿يَتْلُو﴾ مِن صلةِ "الرسولِ".
القول في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾.
يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: قال النبيُّ الذي سألوه أن يَبْعَثَ لهم ملِكًا يُقَاتِلُوا في سبيلِ اللهِ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ﴾: هل تَعِدُون ﴿إِنْ كُتِبَ﴾ يعنى:: إِن فُرِض عليكم القتالُ، ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ يعنى: ألا تَفُوا بما تعِدون الله من (٣) أنفسِكم مِن الجهادِ في سبيلِه، فإنكم أهلُ نُكْثٍ وغَدْرٍ، وقلَّةِ وفاءٍ بما تَعِدُونَ.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يعنى: قال الملأُ مِن بني إسرائيلَ لنبيِّهم ذلك: وأيُّ شيءٍ يمنعُنا أن نُقَاتِلَ في سبيلِ اللهِ عدوَّنا وعَدُوَّ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ بالقهرِ والغلبةِ؟.
فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ دخولِ "أَنْ" في قولِه: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؟
وحَذْفِه مِن قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾؟
[الحديد: ٨].
قيل: هما لُغتان فصيحتان للعرب، تَحْذِفُ "أن" مرةً مع قولِها (١): ما لك؟
فتقولُ: ما لك لا تَفْعَلُ كذا؟
بمعنى: ما لك غيرُ فاعلِه؟
كما قال الشاعرُ (٢): ما لَكِ تَرْغِينَ ولا تَرْغُو الخَلِفْ (٣) وذلك هو الكلامُ الذي لا حاجةَ بالمتكلمِ به إلى الاستشهادِ على صحتِه لفُشُوِّ ذلك على ألسنِ العربِ.
وتُثْبِتُ "أن" فيه أُخرى؛ توجيهًا لقولِها: ما لك؟
إلى معناه (٤)، إذ كان معناه: ما منَعك؟
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
ثم قال في سورةٍ أُخرى في نظيرِه: ﴿مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢].
فوضَع ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا لَكَ﴾، و ﴿مَا لَكَ﴾ موضعَ ﴿مَا مَنَعَكَ﴾؛ لاتِّفاقِ مَعْنَيَيْهما وإن اختلَفت ألفاظُهما، كما تَفْعَلُ العربُ ذلك في نظائرِه مما تَتَّفِقُ معانيه وتَخْتَلِفُ ألفاظُه، كما قال الشاعرُ (١): يَقُولُ إذا اقْلَوْلَى (٢) عليها وأَقْرَدَتْ (٣) … أَلَا هَلْ أَخو عَيشٍ لَذِيذٍ بدَائمِ؟
فأَدْخَل في "دائم" الباءَ مع "هل" وهى استفهامٌ، وإنما تَدْخُلُ في خبرِ "ما" التي في معنى الجَحْدِ؛ لتقاربِ معنى الاستفهامِ والجَحْدِ.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يَقُولُ (٤): أُدخِلَت "أنْ" في: ﴿أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾؛ لأنه بمعنى قولِ القائلِ: ما لك في ألا تُقاتِلَ؟
ولو كان ذلك جائزًا لجاز أن يقالَ: ما لك أن قُمْتَ؟
وما لك أنك قائمٌ؟
وذلك غيرُ جائزٍ؛ لأَنَّ المنعَ إِنما يَكُونُ للمُسْتَقْبَلِ مِن الأفعالِ، كما يقالُ: منَعتُك أن تقومَ.
ولا يقالُ: منَعتُك أن قمتَ.
فلذلك قيل في ما لك: ما لك ألا تَقُومَ؟
ولم يُقَلْ: مالك أن قُمْتَ؟
وقال آخرون منهم (٥): "أن" ههنا زائدةٌ بعد ["ما لنا" كما تزادُ] (٦) "لما" و "لو" وهى تُزادُ في هذا المعنى كثيرًا.
قال: ومعناه: وما لنا لا تُقَاتِل في سبيلِ اللهِ؟
فأعمَل "أن"، وهى زائدةٌ، وقال الفرزدَقُ (٧): لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذُنوبَ لها … [إليَّ لَامَتْ] (١) ذَوُو أَحْسَابِها عُمَرا والمعنى: لو لم تَكُنْ غَطَفانُ لها ذَنوبٌ، و "لا" زائدةٌ فأعمَلها.
وأنكَر ما قال هذا القائلُ مِن قولِه الذي حكَينا عنه آخرون، وقالوا: غيرُ جائزٍ أن تجعَلَ "أن" زائدةً في الكلامِ وهو صحيحٌ في المعنى، وبالكلامِ إليه الحاجةُ؛ قالوا: والمعنى: ما يمنعُنا ألا تُقَاتِلَ.
فلا وجهَ لدعوى مدَّعٍ أنَّ "أنْ" زائدةٌ وله معنىً مفهومٌ صحيحٌ.
قالوا: وأما قولُه: *لو لم تَكُنْ غَطَفَانٌ لا ذُنوبَ لها* فإنَّ "لا" غيرُ زائدةٍ في هذا الموضِعِ؛ لأنّه جَحْدٌ، والجَحْدُ إذا جُحِد صار إثباتًا.
قالوا: فقولُه: لو لم تَكُنْ غَطَفانٌ لا ذنوبَ لها.
إثباتُ الذنوبِ لها، كما يُقالُ: ما أخوك ليس يقومُ.
بمعنى: هو يقومُ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿مَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾: مالنا ولأن لا نُقَاتلَ.
ثم حُذِفت الواوُ فتُرِكت، كما يُقالُ في الكلامِ: ما لك ولأنْ تذهبَ إلى فلانٍ.
فأُلْقِى منها الواوُ؛ لأن "أنْ" حرفٌ غيرُ مُتَمَكنٍ في الأسماءِ، وقالوا: يُجيرُ أَن يُقالَ: ما لك أن تَقُومَ.
ولا تُجيزُ: ما لك القيامُ؛ لأن القيامَ اسمٌ صحيحٌ.
و "أنْ" اسمٌ غيرُ صحيحٍ، وقالوا: قد تقولُ العربُ: إياك أن تتكلَّمَ.
بمعنى: إياك وأن تَتَكَلَّمَ.
وأنكَر ذلك مِن قولِهم آخرون، وقالوا: لو جاز أن يُقَالَ ذلك على التأويلِ الذي تأوَّله قائلُ مَن حكينا، قولَه، لوَجَب أن يَكُونَ جائزًا: ضرَبتُك بالجاريةِ وأنت كفيلٌ (١).
بمعنى: وأنت كفيلٌ بالجاريةِ.
وأن تَقُولَ: رأيتُك [إيَّانا وتريدُ] (٢).
بمعنى: رأيتُك وإيَّانا تُريدُ.
لأن العربَ تَقُولُ: إياك بالباطلِ أن تَنْطِقَ.
قالوا: فلو كانت الواوُ مُضْمَرةً في "أن" الجاز جميعُ ما ذكَرنا، ولكنَّ ذلك غيرُ جائزٍ؛ لأن ما بعدَ الواوِ مِن الأفاعيلِ غيرُ جائزٍ له أن يَقَعَ على ما قبلَها، واسْتَشْهَدُوا على فسادِ قولِ مَن زعَم أن الواوَ مُضْمَرَةٌ مع "أن" بقولِ الشاعرِ (٣): فَبُحْ بالسَّرائرِ في أهلِها … وإياك في غيرِهم أن تَبُوحا وأنَّ "أنْ تَبوحا" لو كان فيها واوٌ مُضْمَرةٌ لم يَجُزْ تَقْدِيمُ "في (٤) غيرِهم" عليها.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾.
فإنه يعنى: وقد أُخْرِجَ مَن غُلِب عليه مِن رجالِنا ونسائنا مِن ديارِهم وأولادِهم، ومَن سُبِىَ.
وهذا الكلامُ ظاهرُه العمومُ، وباطنُه الخصوصُ؛ لأن الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
كانوا في ديارِهم وأوطانِهم، وإنما كان أُخْرِج مِن دارِه وولده مَن أُسِر وقُهِر منهم.
وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ يَقولُ: فلما فُرِض عليهم قتالُ عدوِّهم والجهادُ في سبيلِه، ﴿تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: أدبَروا مُوَلِّين عن القتالِ، وضيَّعوا ما سأَلوه نبيَّهم مِن فرضِ الجهادِ.
والقليلُ الذي اسْتَثْناهم اللهُ منهم هم الذين عَبروا النهرَ مع طالوتَ، وسَنَذْكُرُ سببَ تَوَلِّى مَن تَوَلَّى منهم، وعبورِ مَن عبرَ منهم النهرَ بعدُ إن شاءَ اللهُ إذا أتَيْنا عليه.
يقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
يعنى: واللهُ ذو علمٍ بمَن ظلَم منهم نفسَه، فأخلَف الله ما وعَده من نفسِه، وخالَف أمرَ ربِّه فيما سأله ابتداءً أن يُوجِبَه عليه.
وهذا من اللهِ تعالى ذكرُه تقريعٌ لليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في تكذيبِهم نبيَّنا محمدًا ﷺ ومخالفتِهم أمرَ ربِّهم.
يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه لهم: إنكم يا معشرَ اليهودِ عصَيتم الله وخالَفتم أمرَه فيما سألتموه أن يفرِضَه عليكم ابتداءً من غيرِ أن يبتدئَكم ربُّكم بفرضِ ما عصَيتموه فيه، فأنتم بمعصيتِه فيما ابتدأكم به من إلزامِ فرضِه أحْرَى.
وفي هذا الكلامِ متروكٌ قد استُغنى بذكرِ ما ذُكِر عما تُرِك منه؛ وذلك أن معنى الكلامِ: قالوا: وما لنا ألا نقاتِلَ في سبيلِ اللهِ وقد أُخْرِجنا من ديارِنا وأبنائِنا.
فسأل نبيُّهم ربَّهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِ اللهِ، فبعث لهم مَلِكًا، وكتَب عليهم القتالَ، فلما كُتبِ عليهم القتالُ تولَّوْا إلا قليلًا منهم، واللهُ عليمٌ بالظالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك: وقال للملإِ من بني إسرائيل نبيُّهم شَمْوِيلُ (١): إِن الله قد أعطاكم ما سألتم، وبعَث لكم طالوتَ مَلِكًا.
فلما قال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ ذلك، قالوا: أنَّى يكونُ لطالوتَ المُلْكُ علينا، وهو من سِبْط بنيامينَ بن يعقوبَ، وسِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطٌ لا مُلْكَ فيهم ولا نُبوَّةَ، ونحن أحقُّ بالمُلْكِ منه؛ لأَنَّا من سِبْطِ يَهوذا بن يعقوبَ.
﴿وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ يعنى: ولم يؤتَ طالوتُ كثيرًا من المالِ؛ لأنه سَقَّاءٌ، وقيل: كان دبَّاغًا.
وكان سببَ تمليكِ اللهِ طالوتَ على بنى إسرائيلَ، وقولِهم ما قالوا لنبيِّهم شَمْوِيلَ: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾ ما حدَّثنا به ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لما قال الملأُ من من بني إسرائيلَ لشَمْوِيلَ بن بالى ما قالوا له، سأل الله نبيُّهم شَمْوِيلُ أن يبعثَ لهم مَلِكًا، فقال اللهُ له: انظرِ القَرْنَ الذي فيه الدُّهْنُ في بيتِك، فإذا دخَل عليك رجلٌ، فَنَشَّ (١) الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فهو مَلِكُ بني إسرائيلَ، فَادْهُنْ رأسَه منه، وملِّكْه عليهم، وأخبِرْه بالذي جاءه.
فأقام يَنتظرُ متى ذلك الرجلُ داخِلًا عليه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا يعمَلُ الأدَمَ، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ بن يعقوبَ، وكان سِبْطُ بِنْيامينَ سِبْطًا لم يكُنْ فيهم نُبَوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فخرج طالوتُ في طلبِ دابةٍ له أضَلَّته، ومعه غلامٌ له، فمرَّا ببيتِ النبيِّ ﵇، فقال غلامُ طالوتَ لطالوتَ: لو دخلتَ بنا على هذا النبيِّ، فسألناه عن أمرِ دابتِنا فيُرشِدَنا، ويدعوَ لنا فيها بخيرٍ؟
فقال طالوتُ: ما بما قلتَ من بأسٍ.
فدخَلا عليه، فبينما هما عندَه يذكُران له شأنَ دابتِهما، ويسألانه أن يدعوَ لهما فيها، إذ نَشَّ الدُّهْنُ الذي في القَرْنِ، فقام إليه النبيُّ ﵇ فأخَذه، ثم قال لطالوتَ: قرِّبْ رأسَك.
فقرَّبه، فدهَنه منه، ثم قال: أنت ملكُ بنى إسرائيلَ الذي أمَرنى اللهُ أن أُمَلِّكَكَ عليهم.
وكان اسمُ طالوتَ بالسُّرْيانيَّةِ شاولَ (١) بن قيسِ بن أبيالِ بن صرارِ بن يحربَ (٢) بن أفيحَ بن آيسَ (٣) بن بنيامينَ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ، فجلَس عندَه، وقال الناسُ: مُلِّكَ طالوتُ.
فأتَتْ عظماءُ بنى إسرائيلَ نبيَّهم وقالوا له: ما شأنُ طالوتَ يُمَلَّكُ علينا وليس في بيتِ النبوَّةِ ولا المملكةِ؟
قد عرَفْتَ أن النبوَّةَ والمُلْكَ في آلِ لاوِى وآلِ يَهوذا.
فقال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٤).
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ (٥) عبد الكريمِ، عن عبدِ الصمدِ بن مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنبِّهٍ، قال: قالت بنو إسرائيلَ لشْمَويلَ (٦): ابعَثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ.
قال: قد كفاكم اللهُ القتالَ.
قالوا: إنا نتخوَّفُ مَن حولَنا، فيكونُ لنا مَلِكٌ نفزَعُ إِليه.
فأوحَى اللهُ إلى شَمْويلَ، أن ابعثْ لهم طالوتَ مَلِكًا، وادهُنْه بدُهْنِ القُدُسِ.
فضلَّت حُمُرٌ لأبي طالوتَ، فأرسَله وغلامًا له يطلُبانها، فجاءوا إلى شَمْويلَ يسألونه عنها، فقال: إن الله قد بعَثك مَلِكًا على بني إسرائيلَ.
قال: أنا؟
قال: نعم.
قال: و (٧) ما عَلِمتَ أن سِبْطى أدنى أسْباطِ بنى إسرائيلَ؟
قال: بلى.
قال: أفما عَلِمتَ أن قبيلتي أدنى قبائلِ سبْطى؟
قال: بلى.
قال: أما علِمتَ أن بيتى أدنى بيوتِ قبيلتي؟
قال: بلى.
قال: فبأيَّة آيةٍ؟
قال: بآيَةِ أنك ترجِعُ وقد وجَد أبوك حُمُرَه، وإذا كنتَ بمكانِ كذا وكذا نزَل عليك الوَحْيُ.
فدهَنه بدُهْنِ القُدُسِ، فقال لبني إسرائيلَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كذّبت بنو إسرائيلَ شَمْعونَ، وقالوا له: إن كنتَ صادِقًا فابَعثْ لنا مَلِكًا نقاتِلْ في سبيلِ اللهِ آيةً من نبوَّتِك.
قال لهم شمعونُ: عسى إن كُتِب عليكم القتالُ ألَّا تقاتِلوا.
﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
دعا الله، فأُتِى بعضًا تكونُ مقدارًا على طولِ الرجلِ الذي يُبْعَثُ فيهم ملكًا، فقال: إن صاحِبَكم يكونُ طولُه طولَ هذه العصا.
فقاسُوا أنفسَهم بها، فلم يكونوا مثلَها، وكان طالوتُ رجلًا سقَاءً يَسْقى على حمارٍ له، فضَلَّ حِمارُه، فانطلَق يطلُبُه في الطريقِ، فلما رأَوْه دعَوه فقاسُوه بها، فكان مثلَها، فقال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
قال القومُ: ما كنتَ قطُّ أكذبَ منك الساعةَ، ونحن من سِبْطِ المملكةِ وليس هو من سِبْطِ المملكةِ، ولم يؤتَ سعةً من المالِ فنتَّبِعَه لذلك.
فقال النبيُّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: حدَّثنا شَريكٌ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرمةَ، قال: كان طالوتُ سقَاءٌ يبيعُ الماءَ (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا، وكان من سِبْطِ بِنْيامينَ سِبْطٌ لم يكنْ فيهم مملكةٌ ولا نبوةٌ، وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ مملكةٍ، وكان سِبْطُ النبوةِ سِبْطَ لاوِى، إليه موسى، وسِبْطُ المملكةِ يهوذا، إليه داودُ وسليمانُ، فلما بُعِث من غيرِ سِبْطِ النبوةِ والمملكةِ أنكَروا ذلك، وعجِبوا منه وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾؟
قالوا: كيف يكونُ له الملكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟
فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾.
قال: وكان من سِبْطٍ لم يكنْ فيهم مُلْكٌ ولا نبوةٌ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾: وكان في بنى إسرائيلَ سِبْطان؛ سبْطُ نُبُوَّةٍ، وسِبْطُ خلافةٍ، فلذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾؟
يقولون: ومن أين يكونُ له المُلْكُ علينا، وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا سِبْطِ الخلافةِ؟
قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
حدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾.
فذكَر نحوَه.
حُدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدَّثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لمَّا قالت بنو إسرائيلُ لنبيِّهم: سَلْ رَبَّك أن يكتُبَ علينا القتالَ.
فقال لهم ذلك النبيُّ: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية.
قال: فبعَث اللهُ طالوتَ مَلِكًا.
قال: وكان في بني إسرائيلَ سِبْطان؛ سِبْطُ نُبوَّةٍ وسِبْطُ مملكةٍ، ولم يكنْ طالوتُ (١) من سِبْطِ النبوَّةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ، فلما بُعِث لهم مَلِكًا أنكَروا ذلك، وعجِبوا وقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟
قالوا: وكيف يكونُ له المُلْكُ علينا وليس من سِبْطِ النبوةِ ولا من سِبْطِ المملكةِ؟
فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: أما ذكْرُ طالوت إذ قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾؟
فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان في بنى إسرائيل سِبْطان؛ كان في أحدِهما النبوةُ، وكان في الآخرِ المُلْكُ، فلا يُبْعَثُ إلا من كان من سِبْطِ النبوةِ، ولا يُمَلَّكُ على الأرضِ أحدٌ إلا مَن كان مِن سِبْطِ المُلْكِ، وإنه ابتَعَث طالوتَ حينَ ابتَعَثه وليس من أحدِ السِّبْطَين، واختاره عليهم، وزادَه بَسْطَةً في العلمِ والجسمِ، ومن أجلِ ذلك قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾، وليس من واحدٍ من السِّبْطَين؟
قال: وقد بيَّنا معنى "أَنَّى" (١)، ومعنى "المُلْكِ" فيما مضَى (٢)، فأغنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: قال نبيُّهم شَمْوِيلُ لهم: إن الله اصطَفاه عليكم.
يعني: اختَاره عليكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنا أبى، قال: حدَّثني عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختارَه عليكم (٣).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: اختاره عليكم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ﴾: اختاره (٤).
وأما قولُه: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ فإنه يعنى بذلك: إن الله بسَط له في العلمِ والجسمِ، وآتاه من العلمِ فضلًا على ما آتَى غيرَه من الذين خُوطِبوا بهذا الخطابِ، وذلك أنه ذكَر أنه أتاه وحْيٌ من اللهِ، وأما في الجسمِ، فإنه فيُنْعِمُ به (١) على مَن أحبَّ، [ويَزِيدُ فيه] (٢) من يشاءُ، عليمٌ بمَن هو أهلٌ لمُلْكِه الذي يؤتيه، وفضْلِه الذي يُعْطِيه، فيُعْطِيه ذلك لعلمِه به، وبأنه لِما أعطاه أهلٌ؛ إما للإصلاحِ به، وإما [لأن يَنْتَفِعَ هو به] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.
وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه عن نبيِّه الذي أخبَر عنه به (٤) دليلٌ على أن الملأَ من بني إسرائيلَ الذين قيل لهم هذا القولُ، لم يُقِرُّوا ببعثةِ اللهِ طالوتَ عليهم مَلِكًا إذ أخبرَهم نبيُّهم بذلك، وعرَّفهم فَضيلتَه التي فضَّله اللهُ بها، ولكنهم سألوه الدَّلالةَ على صدقِ ما قال لهم من ذلك وأخبرَهم به.
فتأويلُ الكلامِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفْنا: والله يُؤتى مُلْكَه مَن يَشَاءُ واللهُ واسعٌ عليمٌ.
فقالوا له: [انْتِ بآيةٍ على ذلك] (٥) إن كنتَ من الصادقين.
قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾.
وهذه القصةُ، وإن كانت خبرًا من اللهِ تعالى ذكرُه عن الملأ من بنى إسرائيلَ ونبيِّهم، وما كان من ابتدائِهم نبيَّهم بما ابتدَءوا به من مسألتِه أن يسألَ الله لهم أن يبعَثَ لهم مَلِكًا يقاتِلون معه في سبيلِه، [ونبأ] (٦) عما كان منهم من تكذيبِهم نبيَّهم بعدَ علمِهم بنُبوَّتِه، ثم إخلافِهم الموعدَ الذي وعَدوا الله ووَعدوا رسولَه من الجهادِ في سبيلِ اللهِ، بالتخلُّفِ عنه حينَ استُنْهِضوا لحربِ مَن استُنْهِضُوا لحربِه، وفتْحِ اللهِ على القليلِ من الفئةِ، مع تخذيلِ الكثيرِ منهم عن مَلِكِهم، وقُعودِهم عن الجهادِ معه؛ فإنه تأديبٌ لمَن كان بينَ ظَهْرانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من ذَرارِيِّهم وأبنائِهمِ يهودِ قُرَيْظَةَ والنَّضيرِ، وأنهم لن يَعْدُوا في تكذيبِهم محمدًا ﷺ فيما أمَرهم به ونَهاهم عنه، مع علْمِهم بصدقِه، ومَعْرِفتِهم بحقيقةِ نُبوَّتِه، بعدَ ما كانوا يَستَنصرون الله به على أعدائِهم قبلَ رسالتِه، وقبلَ بعثةِ اللهِ إِيَّاه إليهم، وإلى غيرِهم أن يكونوا كأسلافِهم وأوائلِهم الذين كذَّبوا نبيَّهم شَمْويلَ بنَ بالى، مع عِلْمِهم بصدقِه، ومعرفتِهم بحقيقةِ نبوَّتِه، وامتناعِهم من الجهادِ مع طالوتَ لمَّا ابتَعَثه اللهُ مَلِكًا عليهم، بعدَ مسألتِهم نبيَّهم ابتعاثَ مَلِكٍ يُقاتِلون معه عدوَّهم، ويجاهِدون معه في سبيلِ ربِّهم، ابتداءً منهم بذلك نبيَّهم، وبعدَ مراجعةِ نبيِّهم شَمْويلَ إياهم في ذلك، وحضٌّ لأهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه من أصحابِ محمدٍ ﷺ على الجهادِ في سبيلِه، وتحذيرٌ منه لهم أن يكونوا في التخلُّفِ عن نبيِّهم محمدٍ ﷺ عندَ لقائِه العدوَّ، ومناهضتِه أهلَ الكفرِ باللهِ وبه، على مِثْلِ الذي كان عليه الملأُ من بني إسرائيلَ في تَخَلُّفهم عن مَلِكهم طالوتَ، إذ زحَف لحربِ عدوِّ اللهِ جالوتَ، وإيثارِهم الدَّعَةَ والخفضَ (١) على مباشرةِ حَرِّ الجهادِ، والقتالِ في سبيلِ اللهِ، وشَحْذٌ منه لهم على الإقدامِ على مُناجزة أهلِ الكفرِ به الحربَ، وتَرْكِ تهيُّبِ قتالِهم أن قلَّ عددُهم، وكَثُر عددُ أعدائِهم، واشتدَّت شَوكتُهم بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
وإعلامٌ منه تعالى ذكرُه عبادَه المؤمنين به أن بيدِه النصرَ والظَّفَرَ والخيرَ والشرَّ.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ﴾ فإنه يعنى: للملإِ من بني إسرائيلَ الذين قالوا لنبيِّهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: إن علامةَ مُلْكِ طالوتَ التي سأَلْتُمونيها دَلالةً على صدقي في قوله: إن الله بعَثه عليكم مَلِكًا، وإن كان من غير سِبْطِ المملكةِ ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ وهو التابوتُ الذي كانت بنو إسرائيل إذا لَقُوا عدوًّا لهم قَدَّمُوه أمامَهم، وزحَفوا معه، فلا يَقومُ لهم معه عدوٌّ، ولا يَظهَرُ عليهم أحدٌ ناوَأَهم، حتى منَعوا أمرَ اللهِ، وكَثُر اختلافُهم على أنبيائِهم، فسَلَبهم اللهُ إِيَّاه مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، يَرُدُّه إليهم في كلِّ ذلك، حتى سَلَبَهم آخِرَ مرَّةٍ، فلم يرُدَّه عليهم، [ولن يُرَدَّ] (١) إليهم آخرَ الأبدِ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في سَببِ مجئِ التابوتِ الذي جعَل اللهُ مَجيئَه إلى بني إسرائيلَ آيةً لصدقِ نبيِّهم شَمْويلَ على قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
وهل كانت بنو إسرائيلَ سُلِبُوه قبلَ ذلك فردَّه اللهُ عليهم حينَ جعَل مجيئَه آيةً لمُلْكِ طالوتَ؟
أولم يكونوا سُلِبوه قبلَ ذلك، ولكنَّ الله ابتَدَأهم به ابتداءً؟
فقال بعضُهم: بل كان ذلك عندَهم من عهدِ موسى وهارونَ يَتَوارثونه، حتى سَلَبهم إياه مُلوكٌ من أهلِ الكفرِ به، ثم ردَّه اللهُ عليهم آيةً لمُلْكِ طالوتَ.
وقال في سببِ ردِّه عليهم ما أنا ذاكِرُه، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: حدَّثني عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ قال: كان لعيلى الذي ربَّى شَمْويلَ ابنان شابان أحدَثا في القُربانِ شيئًا لم يكنْ فيه، كان مِسْوَطُ (٢) القُرْبانِ الذي كانوا يَسُوطونه (١) به كُلَّا بَيْن (٢)، فما أخرَجا كان للكاهنِ الذي يسُوطُه (٣)، فجعَل ابناه كَلاليبَ، وكانا إذا جاء النساءُ يُصَلِّينَ فِي القُدْسِ يَتَشَبَّثان بهن، فبينا شَمْويلُ نائمٌ قِبَلَ البيتِ الذي كان ينامُ فيه عيلى، إذ سمع صوتًا يقولُ: أشَمْويلُ.
فوَثَب إلى عِيلى، فقال: لبَّيك، ما لَكَ دعَوتَني؟
فقال: لا، ارجِعْ فنَمْ.
فرجَع فنام، ثم سمِع صوتًا آخَرَ يقولُ: أَشَمُويلُ.
فَوَثَب إلى عِيلى أيضًا، فقال: لبيك، ما لَكَ دعوتَنى؟
فقال: لم أفعلْ، ارجِعْ فنَم، فإن سمِعتَ شيئًا فقل: لبَّيك، مكانَك، مُرْنى فأفعلَ.
فرجَع فنام، فسمع صوتًا أيضًا يقولُ: أَشَمُويلُ.
فقال: لبَّيك، أنا هذا، مُرْنى أَفعَلْ.
قال: انطلِقْ إلى عِيلى، فقُلْ له: مَنَعه حُبُّ الولدِ أَن يَرْجُرَ ابنَيْه أَن يُحْدِثا في قُدْسى وقُرْبانى، وأن يَعصِيَانى، فلأنزِعَنَّ منه الكِهانة ومِن وَلدِه، ولأُهلِكنَّه وإياهما.
فلما أصبَح سأله عيلى، فأخبرَه، ففزِع لذلك فَزَعًا شديدًا.
فسار إليهم عدوٌّ مِمَّن حولَهم، فأمَر ابنَيه أن يخرُجا بالناسِ فيُقاتلا ذلك العدوَّ، فخَرَجا وأخرَجا معهما التابوتَ الذي كان فيه اللَّوْحان وعصا موسى ليُنْصَرُوا به، فلما تهَيَّئوا للقتالِ هم وعدوُّهم، جعَل عيلى يتوقَّعُ الخبرَ؛ ماذا صنَعوا؟
فجاءه رجلٌ يخبِرُه وهو قاعدٌ على كُرسيِّه: إن ابنَيك قد قُتِلا، وإن الناسَ قد انهزَموا.
قال: فما فعل التابوتُ؟
قال: ذهَب به العدوُّ.
قال: فشَهِق ووقَع على قَفاه من كُرسيِّه فمات.
وذهَب الذين سَبَوا التابوتَ حتى وضَعوه في بيتِ آلهتِهم ولهم صَنمٌ يعبُدُونه، فوضَعوه تحتَ الصَّنمِ، والصَّنمُ من فَوقِه، فأصبَح من الغدِ والصَّنمُ تحتَه وهو فوقَ الصَّنَمِ، ثم أخَذوه فوضَعوه فوقه وسمَّروا قدَمَيْه في التابوتِ، فأصبَح من الغدِ قد قُطِعت يدَا الصنمِ ورجلاه، وأصبَح ملقًى تحتَ (١) التابوتِ، فقال بعضُهم لبعضٍ: قد عَلِمتُم أن إلهَ بنى إسرائيلَ لا يقومُ له شيءٌ، فأخرِجوه من بيتِ آلهِتَكم.
فأخرَجوا التابوتَ فوضَعوه في ناحيةٍ من قريتِهم، فأخَذ أهلَ تلك الناحيةِ التي وضَعوا فيها التابوتَ وجَعٌ في أعناقِهم، فقالوا: ما هذا؟
فقالت لهم جاريةٌ كانت عندَهم من سَبْيِ بنى (٢) إسرائيلَ: لا تزالون ترَون ما تكرَهون ما كان هذا التابوتُ فيكم، فأخرِجُوه من قريتِكم.
قالوا: كَذَبْتِ.
قالت: إن آيةَ ذلك أن تأتُوا ببقَرَتَين لهما أولادٌ، لم يُوضَعْ عليهما نِيرٌ (٣) قطُّ، ثم تضَعوا وراءَهما (٤) العَجَلَ، ثم تضَعوا التابوتَ على العَجَلِ وتُسَيِّروهما، وتحبِسوا أولادَهما؛ فإنهما تنطلِقان به مُذْعِنَتَين، حتى إذا خرَجتا من أرضِكم ووَقَعتا في أرضِ بني إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما.
ففعَلوا ذلك، فلما خرَجتا من أرضِهم ووَقَعَتا في أدنى أرضِ بنى إسرائيلَ، كسَرَتا نِيرَهما، وأقبَلتا إلى أولادِهما، ووَضَعَتاه في خَرِبةٍ فيها حَصادٌ (٥) من بني إسرائيلَ، ففَزِع إليه بنو إسرائيلَ وأقبَلوا إليه، فجعَل لا يدنو منه أحدٌ إلا مات، فقال لهم نبيُّهم شَمْوِيلُ: اعترِضُوا، فمن آنَس من نفسه قوَّةً فليَدْنُ منه.
فعرَضوا عليه الناسَ، فلم يَقدِرْ أحدٌ يدنو منه إلا رجلان من بني إسرائيل أُذِن لهما بأن يحمِلاه إلى بيتِ أمِّهما، وهى أرْمَلَةٌ، فكان في بيتِ أمِّهما حتى مَلَك طالوتُ، فصَلَح أمرُ بنى إسرائيلَ مع شَمْويلَ (١).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العِلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: قال شَمْويلُ لبنى إسرائيلَ لمَّا قالوا له: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ﴾.
قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، و ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾: وإن تَمْليكَه من قِبَلِ اللهِ، ﴿أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾، فيَرِدَ عليكم الذي فيه من السكينةِ، وبقية مما ترَك آل موسى وآلُ هارونَ، وهو الذي كنتم تَهْزِمون به مَن لَقِيَكم (٢) من العدوِّ، وتَظْهَرُون به عليه.
قالوا: فإن جاءنا التابوتُ، فقد رضِينا وسلَّمنا.
وكان العدوُّ الذين أصابوا التابوتَ أسفلَ من الجبلِ، جبل إيلِيَا.
فيما بينَهم وبينَ مصرَ، وكانوا أصحابَ أوثانٍ، وكان فيهم جالوتُ، وكان جالوتُ رجلًا قد أُعْطِيَ بسطةً في الجسمِ، وقوةً في البَطْشِ، وشدَّةً في الحربِ، مَذكورًا بذلك في الناس، وكان التابوتُ حينَ اسْتُبِى قد جُعِل في قريةٍ من قُرَى فِلَسْطينَ، يقالُ لها: أزدودَ (٣).
فكانوا قد جعَلوا التابوتَ في كنيسةٍ فيها أصنامُهم، فلما كان من أمر النبيِّ ﵇ ما كان من وعْدِ بنى إسرائيلَ أن التابوتَ سيأتِيهم، جَعَلت أصنامُهم تُصبِحُ في الكنيسةِ مُنَكَّسَةً على رءوسِها، وبعَث اللهُ على أهلِ تلك القريةِ فَأْرًا (٤)، تُبَيِّتُ (٥) الفَأرةُ الرجلَ، فيُصبِحُ مَيِّتًا قد أكَلَت (١) في جوفِه من دُبُرِه.
قالوا: تعلَمون واللهِ، لقد أصابَكم بلاءٌ ما أصاب أُمَّةً من الأممِ قبلَكم (٢)، وما نعلَمُه أصابنا إلا مُذْ كان هذا التابوتُ بينَ أظْهُرِنا، مع أنكم قد رأيتُم أصنامَكم تُصْبِحُ كلَّ غداةٍ مُنَكَّسَةً، شيءٌ (٣) لم يكُنْ يُصنَعُ بها حتى كان هذا التابوتُ معها، فأخرِجُوه من بين أظْهُرِكم.
فدَعَوا بعَجَلةٍ، فحمَلوا عليها التابوتَ، ثم علَّقُوها بثَوْرين، ثم ضَرَبوا على جُنوبِهما، وخرَجَت الملائكةُ بالثَّوْرَين تسوقُهما، فلم يَمُرَّ التابوتُ بشيءٍ من الأرضِ إلا كان قُدْسًا، فلم يَرُعْهم إلا التابوتُ على عجلةٍ يَجُرُّها الثَّوْرَان، حتى وقَف على بنى إسرائيلَ، فكبَّروا وحمِدوا الله، وجَدُّوا في حربِهم واسْتَوسَقوا (٤) على طالوتَ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: لمَّا قال لهم نبيُّهم: إن الله اصْطَفَى طالوتَ عليكم، وزادَه بَسْطةً في العلمِ والجسمِ (٦).
أبوا أن يُسَلِّموا له الرِّياسةَ، حتى قال لهم: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فقال لهم: أرأيتُم إن جاءَكم التابوتُ فيه سكينةٌ مِن ربِّكم وبقيَّةٌ مما ترك آل موسى وآلُ هارونَ تحمِلُه الملائكةُ؟
وكان موسى حينَ ألْقَى الألواحَ تَكسَّرَت ورُفِع منها، فنزَل فجمع ما بَقِى فجعَله في ذلك التابوتِ.
قال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، أنه لم يَبْقَ من الألواحِ إلا سُدُسَها.
قال: وكانت العمالِقةُ قد سَبَت ذلك التابوتَ - والعمالِقَةُ فِرْقةٌ من عادٍ كانوا بأريحا (١) - فجاءت الملائكةُ بالتابوتِ تحمِلُه بينَ السماءِ والأرضِ، وهم ينظُرُون إلى التابوتِ حتى وضَعَته عندَ طالوتَ، فلما رَأَوا ذلك قالوا: نعم.
فسلَّموا له ومَلَّكوه، قال: وكانت الأنبياءُ إذا حضَروا قِتالًا، قدَّموا التابوتَ بين أيديهم ويقولون: إن آدَمَ نزل بذلك التابوتِ وبالرُّكْنِ.
وبلَغنى أن التابوتَ وعصا موسى في بُحَيرةِ طَبَرِيَّةَ، وأنهما يَخْرُجان قبل يومِ القيامةِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سَمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: إن أرميا لمَّا خُرِّب بيتُ المَقدسِ، وحُرِّقَتِ (٢) الكُتُبُ، وقَف في ناحية الجَبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
ثم ردَّ اللهُ مَن ردَّ من بني إسرائيلَ على رأسِ سبعين سنةً من (٣) حينَ أماته، يَعْمُرونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ، فلما ذهَبَت المائةُ، ردَّ اللهُ إليه روحَه وقد عَمَرَت، فهى على حالِها الأولى.
[قال: فجعَل يَنْظُرُ إلى العظام كيف يَلْتَئِمُ بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ تُكْسَى عَصَبًا ولحمًا، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
فقال: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩].
قال: وكان طعامُه تِينًا فِي مِكْتَلِ، وقُلَّةً فيها ماءٌ.
قال: ثم سلَّط الله عليهم الوَصَبَ] (٤)، فلما أراد أن يَرُدُّ عليهم التابوتَ، أوحى الله إلى نبيٍّ من أنبيائهم - إمَّا دانيالُ وإما غيرُه -: إن كنتم تُريدون أن يُرْفَعَ عنكم وأولى هذه الأقوال بالحقِّ في معنى "السَّكِينَةِ"، ما قاله عطاءُ بن أبى رباحٍ، من الشئِ تَسْكُنُ إليه النُّفوسُ من الآياتِ التي تَعرِفونها، وذلك أن السَّكينةَ في كلامِ العربِ الفَعِيلةُ من قولِ القائلِ: سَكَن فلانٌ إلى كذا وكذا.
إذا اطمأنَّ إليه وهَدَأت عندَه نَفْسُه، فهو يسكُنُ سُكُونًا وسَكِينةً، مثل قولك: عَزَم فلانٌ على هذا الأمرِ عَزْمًا وعزيمةً، وقضَى الحاكمُ بين القوم قضاءً وقضيَّةٌ.
ومنه قولُ الشاعرِ (١): للهِ قَبْرٌ غالَها ماذا يُجِنُّ؟
… لقد أجَنَّ سَكِينةً ووَقارَا وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفتُ، فجائزٌ أن يكون ذلك على ما قاله عليُّ بنُ أبى طالبٍ على ما رَوَينا عنه، وجائزٌ أن يكونَ ذلك على ما قاله مجاهدٌ على ما حَكَينا عنه، وجائزٌ أن يكون ما قاله وَهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ، وما قاله السُّدِّيُّ؛ لأن كلَّ ذلك آياتٌ كافياتٌ تَسْكُنُ إليهنَّ النُّفوسُ، وتَثْلَجُ بهنَّ الصدورُ، وإذا كان معنى السَّكينة ما وصَفنا، فقد اتَّضَح أن الآيةَ التي كانت في التابوتِ التي كانت النفوسُ تَسكُنُ إليها لمعرفتِها بصِحَّةِ أمْرِها إنما هي مُسَمَّاةٌ بالفعلِ وهى غيرُه، لدَلالة الكلام عليه.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ﴾ (٢): الشئُ الباقى، من قولِ القائلِ: قد بقِى من هذا الأمر بَقِيَّةٌ.
وهى فَعِيلةٌ منه، نظيرُ السَّكِينَةِ مِن "سَكَن".
وقولُه: ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾.
يعني به: مِن تَرِكَةِ آلِ موسى وآلِ هارونَ.
ذكرُ من قال ذلك حُدثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾: يعني بالبَقِيَّةِ القتالَ في سبيل الله، وبذلك قاتلوا مع طالوت، وبذلك أُمروا (١).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبرَ عن التابوتِ الذي جعَله آيةً لصدقِ قول نبيِّه ﵇ [الذي قال] (٢) لأُمَّتِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
أن فيه سَكِينةً منه، وبَقِيةٌ [مِن تَرَكَةِ] (٣) آلِ موسى وآل هارونَ.
وجائزٌ أن [تكون تلك] (٤) البَقيةُ العصا، وكِسَرَ الألواحِ، والتوراةَ أو بعضَها، والنَّعْلَين، والثيابَ، والجهادَ في سبيل الله.
وجائزٌ أن يكونَ بعضَ ذلك، وذلك أمرٌ لا يُدْرَكُ عِلْمُه من جهةِ الاستخراج ولا اللغة (٥)، ولا يُدْرَكُ علمُ ذلك إلا بخَبرٍ يوجِبُ عنه العِلمَ، ولا خبرَ عندَ أهلِ الإسلامِ في ذلك للصِّفة (٦) التي وصَفنا.
وإذ كان كذلك (٧)، فغير جائزٍ فيه تصويبُ قولٍ وتضعيفُ آخَرَ غيرِه، إذ كان جائزًا فيه ما قلنا من القولِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قال: ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
ولم يَقُلْ: تأتى به الملائكةُ.
وما جرَّتْه البَقَرُ (١) على عَجَلٍ، وإن كانت الملائكةُ هي سائِقَتَها، فهي غيرُ حاملته؛ لأن الحملَ المعروفُ هو مباشرةُ الحاملِ بنفسِه حَمْلَ ما حمَل، فأما ما حمَله على غيرِه، وإن كان جائزًا في اللغةِ أن يقال (٢): حَمَلَه، بمعنى مَعونتِه الحاملَ، أو بأنّ حَمْلّه كان عن سبِبِه، فليس سبيلُه سبيلَ ما باشَر حَمْلَه بنفسِه في تَعارُفِ الناسِ إِيَّاه بينَهم.
وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشْهَرِ من اللغاتِ، أولى من توجيهِه إلى الأنكرِ (٣)، ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك أن نبيَّه شَمْوِيلَ قال لبني إسرائيلَ: إن في مَجِيئِكم التابوتُ فيه سكينةٌ من ربِّكم، وبَقِيةٌ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، حامِلَته الملائكةُ ﴿لَآيَةً لَكُمْ﴾ يعنى: لعلامةً لكم ودَلالةً أيُّها الناسُ على صدْقى فيما أخبَرْتُكم، أن الله بعث لكم طالوتَ مَلِكًا، أن كنتم قد كذَّبتمونى فيما أخبَرْتُكم به من تمليك الله إياه عليكم، واتَّهَمْتمونى في خبرى إياكم بذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
يعنى بذلك: إن كنتم مُصَدِّقيَّ عند مجئ الآية التي سألتُمونيها على صدقى فيما أخبرتكم به من أمر طالوت ومُلكه.
وإنما قلنا: ذلك معناه؛ لأن القومَ قد كانوا كفَروا بالله في تكذيبهم نبيَّهم، وردِّهم عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ بقولهم: هو ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾.
وفى مسألِتهم إيّاه الآيةَ على صِدْقِه.
فإذ (١) كان ذلك منهم كُفْرًا، فغيرُ جائزٍ أن يقالَ لهم وهم كفارٌ: لكم في مَجِيءِ التابوتِ آيةٌ إن كنتم من أهلِ الإيمان بالله ورسولِه.
وليسوا من أهلِ الإيمانِ بالله ولا برسولِه.
ولكنَّ الأمرَ في ذلك على ما وصَفنا من معناه؛ لأنهم سألوا الآية على صدقِ خبرهِ إياهم ليُقِرُّوا بِصِدْقِه، فقال لهم: في مجئِ التابوتِ - على ما وصَفَه لهم - آيةٌ لكم إن كنتم عندَ مجيئِه كذلك مُصَدِّقيَّ بما قلتُ لكم وأخبَرْتكم به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
وفى هذا الخبرِ من اللهِ تعالى ذكرُه متروكٌ قد استُغْنِي [بدَلالتِه على] (٢) ما ذُكِر عليه عن ذكرِه.
ومعنى الكلامِ: إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربِّهم و بَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، تَحمِلُه الملائكةُ، فصدَّقوا عندَ ذلك نبيَّهم، وأَقَرُّوا بأن الله قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له بذلك.
يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾.
وما كان ليَفصِلَ بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ (٣) على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا.
وأما قولُه: ﴿فَصَلَ﴾.
فإنه يعنى به: شخَص بالجُنُدِ ورحَل بهم.
وأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجل من موضعِ كذا وكذا - يعنى الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه.
وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه.
بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ولمَّا برَز طالوتُ وجنودُه لجالوتَ وجنودِه.
ومعنى قولِه: ﴿بَرَزُوا﴾: صاروا بالبَرَازِ من الأرضِ، وهو ما ظهَر منها واستَوى، ولذلك قيل للرجلِ القاضي حاجتَه: تَبَرَّزَ؛ لأنَّ الناسَ قديمًا في الجاهليةِ إنما كانوا يَقْضُون حاجتَهم في البرَازِ من الأرضِ، فقيل: قد تَبرَّزَ فلانٌ.
إذا خرَج إلى البَرَازِ من الأرضِ لذلك، كما قيل: تَغَوَّط.
لأنهم كانوا يَقْضُون حاجتَهم في الغائطِ من الأرضِ، وهو المُطْمَئِنُّ منها، فقيل للرجلِ: تَغَوَّط.
أي: صار إلى الغائطِ من الأرضِ.
وأما قولُه: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾.
فإنه يعنى أن طالوتَ وأصحابَه قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾.
يعنى: أنزِلْ علينا صبرًا.
وقولُه: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾.
يعنى: وقَوِّ قلوبَنا على جهادِهم؛ لتَثْبُتَ أقدامُنا فلا نَنْهِزِمَ عنهم، ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين كفَروا بك فجَحَدوك إلهًا، وعَبَدوا غيرَك، واتَّخَذوا الأوثانَ أرْبابًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
يعنى (١) تعالى ذكرُه بذلك (٢): فهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوتَ، وقتَل داودُ جالوتَ.
وفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: ولمَّا برَزوا لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أفرِغْ علينا صبرًا وثبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا على القومِ الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثبَّتَ أقدامَهم ونصَرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللهِ.
ولكنه ترَك ذكْرَ ذلك اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
على أن الله قد أجاب دعاءَهم الذي دَعَوه به.
ومعنى قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم (١) بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى.
﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
وداود هذا، هو داودُ بنُ إيشى (٢) نبيُّ اللهِ ﵇.
وكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا خرَج - أو قال: لمَّا بَرَز - طالوتُ الجالوتَ، قال جالوتُ: أبْرِزوا لى مَن يُقاتِلُنى، فإن قتَلنى فلكم مُلْكِى، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم.
فأُتِى بداودَ إلى طالوتَ، فَقاضاه إن قتَله أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه في مالِه، فألبَسه طالوتُ سلاحًا، فكَرِه داودُ أن يقاتِلَه بسلاحٍ (٣)، وقال: إنِ اللهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلاحُ.
فخرَج إليه بالمِقْلاعِ وبمِخْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟
قال داود: نعم.
قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] (١) إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ!
لأُبَدِّدَنَّ (٢) لَحْمَك، ولأُطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ.
فقال له داودُ: بل أنت عدوُّ اللهِ شرٌّ من الكلبِ.
فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاعِ، فأصابه (٣) بينَ عَيْنَيه حتى نفَذ (٤) في دِماغِه، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجَعوا إلى طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشئِ من سلاحِه أو جسدِه، وخَبَّأ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذي قتَله.
فجاء به داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى.
فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ (٥) من أعدائِنا.
وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ، فغَزا داودُ، وأسَر منهم ثلاثَمائةٍ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه، ثم أدرَكَته النَّدامةُ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ فحاصَره، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه، فهَبَط إليهم داودُ، فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذي كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأُ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا من هُدْبِ ثيابِه، ثم رجَع داودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] (٦) حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن (٧) أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] (٨) هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك وهُدْبِ ثيابِك.
وبعَث به (١) إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتَله، فعطَفه ذلك عليه، فأمَّنَه وعاهَده باللهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان في آخِرِ أمرِ طالوتَ أنه كان يَدُسُّ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إِلا هُزِم، حتى مات.
قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟
فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ (٢).
يُوحَى إليه، وهو الذي مَلَّك طالوتَ (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان داودُ النبيُّ وإخوةٌ له أربعةٌ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين إخوتِه في غَنَمِ أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرَج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ، فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابن إسحاقَ: وكان داودُ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ (٤)، قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّه (٥) - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا.
فقال: أفعَلُ.
فخرَج وأخَذ معه ما عُمِل (٦) لإخوتِه، ومعه مِخْلاتُه التي يَحْمِلُ فيها الحجارةَ، ومِقْلاعُه الذي كان يَرْمى به عن غَنَمِه، حتى إذا فصَل من عندِ أبيه، فمرَّ بحَجَرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حَجَرُ يعقوبَ.
فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، [ثم مضَى] (١)، فبَيْنا هو يمشِى إذ مرَّ بحجَرٍ آخَرَ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إسحاقَ.
فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى، فبَيْنا هو يمشى إذ مرَّ بحجرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إبراهيمَ.
فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى بما معه حتى انتهى إلى القومِ، فأعطَى إخوتَه ما بُعِث إليهم معه، وسَمِع في العسكرِ خَوْضَ (٢) الناسِ بذكرِ جالوتَ، وعِظَمِ شأنِه فيهم، وبهيبةِ الناسِ إيَّاه، ومما يُعَظِّمُون من أمرِه، فقال لهم: واللهِ إنكم لتعظِّمون من أمرِ هذا العدوِّ شيئًا ما أدرى ما هو، واللهِ لو أراه لقتَلتُه، فأدْخِلونى على المَلِكِ.
فأُدْخِل على الملكِ طالوتَ، فقال: أيُّها الملِكُ، إنى أراكم تُعَظِّمون شأنَ هذا العدوِّ، واللَّهِ إنى لو أراه لقتَلْتُه.
فقال: فآتِنى (٣) ما عندَك من القوَّةِ على ذلك، وما (٤) جرَّبْتَ من نفسِك.
قال: قد كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ من غَنِمى، فأُدْرِكُه فآخُذُ برأسِه، فأفُكُّ لَحْيَيهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْعٍ حتى أُلْقِيَها عليَّ.
فأُتِى بدِرْعٍ فقَذَفها على (٥) عُنُقِه، ومَثَل (٦) فيها فملأَ (٧) عينَ طالوتَ ونفسَه ومَن حضَره من بنى إسرائيلَ، فقال طالوتُ: واللهِ، لعسى اللهُ أن يُهْلِكَه به.
فلما أصبَحوا رجَعوا إلى جالوتَ (٨)، فلما التقَى الناسُ قال داودُ: أَرُونى جالوتَ.
فأرَوه إيَّاه على فرسٍ عليه لأْمَتُه، فلما رَآه جعَلَت الأحجارُ الثلاثةُ تَواثبُ مِن مِخْلاتِه، فيقولُ هذا: خُذْنى.
ويقولُ هذا: خُذْنى.
ويقولُ هذا: خُذْنى.
فأخَذ أحدَها، فجعَله في مِقلاعِه (١)، ثم فَتَله به، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فَدَمَغه، وتَنَكَّس عن دابتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه، وقال الناسُ: قتَل داودُ جالوتَ.
وخُلِع طالوتُ، وأقبَل الناسُ على داودَ مكانَه، حتى لم يُسْمَعْ لطالوتَ بذكرٍ، إلا أن أهلَ الكتابِ يزعُمون أنه لمَّا رأى انصرافَ بنى إسرائيلَ عنه إلى داودَ، هَمَّ بأن يَغْتالَ داودَ، وأراد (٢) قتلَه، فصَرَف اللهُ ذلك عنه وعن داودَ، وعَرَف خطيئتَه، والتَمَس التوبةَ منها إلى اللهِ (٣).
وقد رُوِى عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في أمرِ طالوتَ وداودَ قولٌ خلافُ الرِّوايتَين اللَّتين ذكَرتُ قبلُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا سَلَّمَت بنو إسرائيلَ المُلْكَ لطالوتَ، أوحَى اللهُ إلى نبيِّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ: فلْيَغْزُ أهلَ مَدْينَ، فلا يَترُكْ فيها حَيًّا إلا قتَله، فإنى سأُظهِرُه عليهم.
فخَرَج بالناسِ حتى أتَى مَدْينَ، فقتَل مَن كان فيها إلا مَلِكَهم، فإنه أسَرَه، وساق مواشِيَهم، فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ: ألا تَعْجَبُ من طالوتَ إذ أمَرتُه بأمرِى (٤) فاختار (٥) فيه، فجاء بمَلِكِهم أسيرًا، وساق مواشِيَهم، فالْقَه فقلْ له: لأَنزِعَنَّ المُلْكَ من بيتِه، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ؛ فإنى إنما أُكْرِمُ مَن أطاعنى، وأُهِينُ مَن هانَ عليه أمرى.
فلَقِيه، فقال له: ما صنَعتَ!
لِمَ جِئْتَ بمَلِكِهم أسيرًا، ولِمَ سُقْتَ مواشِيَهم؟
قال: إنما سُقْتُ المواشىَ لأُقرِّبَها.
قال له أشمويلُ: إن اللَّهَ قد نزَع من بيتِك المُلْكَ، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ.
فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه، فادْهُنِ الذي آمُرُك بدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ.
فانطلَق حتى أتَى إيشى، فقال: اعرِضْ عليَّ بَنِيك.
فدَعا إيشى أكبرَ ولدِه، فأقبَل رجلٌ جَسيمٌ، حسنُ المنظرِ، فلما نظَر إليه أشمويلُ أعجَبه، فقال: الحمدُ للهِ، إن الله بصيرٌ بالعبادِ.
فأوحَى اللهُ إليه: إن عَيْنَيك تُبْصِران ما ظهَر، وإنى أَطَّلِعُ على ما في القلوبِ، ليس بهذا.
[فقال: ليس بهذا] (١)، اعرِضْ عليَّ غيرَه.
فعَرَض عليه ستةً (٢)، في كلِّ ذلك يقولُ: ليس بهذا.
فقال: هل لك من ولدٍ غيرُهم.
فقال: بلى (٣)، لى غلامٌ أمغَرُ (٤)، وهو راعٍ في الغنمِ.
فقال: أرسِلْ إليه.
فلما أن جاء داودُ جاء غلامٌ أمغرُ (٥)، فدَهَنه بدُهْنِ القُدْسِ، وقال لأبيه: اكتُمْ هذا، فإن طالوتَ لو يطَّلِعُ عليه قتَله.
فسار جالوتُ في قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكَر، وسار طالوتُ بينى إسرائيلَ وعسكَر، وتهيَّئُوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى (٦) وقومُك؟
ابرُزْ لى، أو أبرِزْ لى مَن شئتَ، فإن قتَلتُك كان المُلْكُ لى، وإن قتَلْتَنى كان المُلْكُ لك.
فأرسَل طالوتُ في عسْكرِه صائحًا: مَن يبرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله فإن المَلِكَ يُنْكِحُه ابنتَه، ويُشْرِكُه في مُلْكِه؟
فأرسَل إيشى (١) داودَ إلى إخوتِه - [قال الطبَريُّ: هو إيشى، ولكن قال المحدِّثُ: إيشى] (٢) - وكانوا في العسكرِ، فقال: اذهَبْ فزوِّدْ (٣) إخوتَك، وأخِبرْنى خبرَ الناسِ ماذا صنَعوا.
فجاء إلى إخوتِه، وسمِع صوتًا: إن المَلِكَ يقولُ: مَن يَبْرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله أنكَحَه المَلِكُ ابنتَه؟
فقال داودُ لإخوتِه: ما منكم رجلٌ يبرُزُ لجالوتَ فيقتُلَه ويَنكِحَ ابنةَ المَلِكِ؟
فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقيِة الجبَّارِين!
فلما لم يَرَهم رَغِبوا في ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه.
فانتَهَروه وغَضِبوا عليه، فلما غَفَلوا عنه، ذهَب حتى جاء الصائحَ، فقال: أنا أبرُزُ لجالوتَ.
فذَهَب به إلى المَلِكِ، فقال له: لم يُجِبْنى أحدٌ إلا غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ هو هذا.
قال: يا بُنَيَّ، أنت تَبْرُزُ لجالوتَ فتُقاتِلُه؟
قال: نعم.
قال: وهل آنَسْت من نفسِك شيئًا؟
قال: نعم، كنتُ راعيًا في الغنمِ، فأغارَ عليَّ الأسدُ، فأخَذتُ بلَحْيَيْه ففَكَكْتُهما.
فدَعا له بقوسٍ وأداةٍ كاملةٍ، فلَبِسها وركِب الفرسَ، ثم سار منهم قريبًا، ثم صرَف فرسَه، فرَجَع إلى المَلِكِ، فقال الملكُ ومَن حولَه: جَبُن الغلامُ.
فجاء فوَقَف على المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟
قال داودُ: إِنْ لم يقتُلْه اللهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلاحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ.
فقال: نعم يا بُنَيَّ.
فأخَذ داودُ مِخْلاتَه فتقَلَّدها، وألقَى فيها أحجارًا، وأخَذ مِقْلاعَه الذي كان يَرْمى (٤) به، ثم مضَى نحوَ جالوتَ، فلما دَنا من عسكرِه قال: أين جالوتُ يبرُزُ لى؟
فبرَز له على فرسٍ عليه السلاحُ كلُّه، فلما رآه جالوتُ قال: إليك أبرُزُ؟
قال: نعم.
قال: فأتَيتَنى بالمِقْلاعِ والحَجَرِ كما يُؤتَى إلى الكلبِ!
قال: هو ذاك.
قال: لا جَرَمَ أنى سوف أُقسِّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ.
قال داودُ: أو يُقَسِّمُ اللَّهُ لحمَك.
فوَضَع داودُ حجرًا في مِقْلاعِه، ثم دوَّره، فأرسَله نحوَ جالوتَ، فأصابَ أنفَ البَيْضةِ التي على جالوتَ حتى خالَط دماغَه، فوقَع من فرسِه، فمضَى داودُ إليه، فقطَع رأسَه بسيفِه، فأقبَل به في مِخْلاتِه، وبسَلَبِه يجُرُّه حتى ألقاه بينَ يَدَى طالوتَ، ففَرِحوا فرحًا شديدًا، وانصرَف طالوتُ، فلما كان داخلَ المدينةِ، سمِع الناسَ يذكُرون داودَ، فوَجَد في نفسِه، فجاءه داودُ، فقال: أعطِنى امْرأتى.
فقال: أتريدُ ابنةَ المَلِكِ بغيرِ صَداقٍ؟
فقال داودُ: ما اشتَرطْتَ عليَّ صَداقًا، وما لي من شيءٍ.
قال: لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرئٌ، وفى جبالِنا هذه جَراجِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ (١) وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ، فائْتِنى بغُلَفِهم.
فجعَل كلما قتَل منهم رجلًا نظَم غُلْفَتَه في خيطٍ، حتى نظَم مائتى غُلْفةٍ، فأَتَى (٢) إلى طالوتَ، فألقَى (٣) إليه، فقال: ادفَعْ إلى امرأتى، قد [جئتُ بما اشتَرطْتَ.
فزوَّجه ابنتَه] (٤).
وأكثَر الناسُ ذكرَ داودَ، وزادَه (٥) عندَ الناسِ عَجَبًا، فقال طالوتُ لابنِه: لَتَقْتُلَنَّ داودَ.
قال: سبحانَ اللهِ، ليس بأهلٍ لذلك منك.
قال: إنك غلامٌ أحمقُ، ما أُرَاه إلا سوف يُخرِجُك وأهلَ بيتِك من المُلْكِ.
فلما سمِع ذلك مِن أبيه، انطَلَق إلى أختِه، فقال لها: إنى قد خِفْتُ أباك أن يقتُلَ زوجَك داودَ، فمُرِيه أن (٦) يأخُذَ حِذْرَه، ويَتغيَّبَ منه.
فقالت له امرأتُه ذلك فتَغيَّبَ، فلما أصبَح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له داودَ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائمِ ولَحَّفَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟
ليُجِبِ (١) المَلِكَ.
فقالت له: باتَ شاكِيًا ونام الآنَ، تَرَوْنه على الفراشِ.
فرجَعوا إلى طالوتَ، فأخبرُوه ذلك، فمكَث ساعةً، ثم أرسَل إليه، فقالت: هو نائمٌ لم يستيقِظْ بعدُ.
فرَجَعوا إلى المَلِكِ فقال: ائتونى به وإن كان نائمًا.
فجاءوا إلى الفِراشِ، فلم يَجِدوا عليه أحدًا، فجاءوا (٢) المَلِكَ فأخبَروه، فأرسل إلى ابنتِه فقال: ما حَمَلك على أن تكْذِبينِ (٣)؟
قالت: هو أمَرنى بذلك، وخِفْتُ إن لم أفعَلْ أمرَه أن (٤) يقتُلَنى.
وكان داودُ فارًّا في الجبلِ حتى قُتِل طالوتُ، ومُلِّك داودُ بعدَه (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان طالوتُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: [ماذا لى فأقتُلَ] (٦) جالوتَ؟
قال: لكَ ثُلُثُ مالى (٧)، وأُنكِحُك ابنتى.
فأخَذ مِخْلاتَه، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سَمَّى حجارتَه تلك إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ثم أدخَل يدَه فقال: باسمِ إلهى وإلِه آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
فخَرَج على إبراهيمَ، فجعَله في مِرْجمتِه، فخَرَقَت ثلاثًا وثلاثين بَيْضةً عن رأسِه، وقتَلَت ثلاثين ألفًا من ورائِه (٨).
حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: عَبَر يومَئذٍ النهرَ مع طالوتَ أبو داودَ في مَن عَبَر، مع ثلاثةَ عشَرَ ابنًا له، وكان داودُ أصغرَ بَنِيه، فأتاه ذاتَ يومٍ، فقال: يا أبتاه، ما أرْمى بقَذَّافتى شيئًا إلا صرَعتُه، فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن الله قد جعَل رزقَك في قَذَّافتِك.
ثم أتاه مرةً أخرى، فقال: يا أبتاه، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا، فركِبتُ عليه، فأخَذتُ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْنى.
فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ يُعْطِيكَه اللهُ.
ثم أتاه يومًا آخَرَ، فقال: يا أبَتاه، إنى لأمشى بينَ الجبالِ فأُسَبِّحُ، فما يبقَى جبلٌ إلا سَبَّح معى.
فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ أعطاكَهُ اللهُ.
وكان داودُ راعِيًا، وكان أبوه خلَّفَه يأتى إليه وإلى إخوتِه بالطعامِ، فأتَى النبيُّ بقَرْنٍ فيه دُهْنٌ وثوبٍ (١) من حديدٍ، فبعَث به إلى طالوتَ، فقال: إن صاحِبَكم الذي يقتُلُ جالوتَ يُوضَعُ هذا القَرْنُ على رأسِه، فيَغْلى حتى يَدَّهِنَ منه، ولا يسيلُ على وجهِه، يكونُ على رأسِه كهيئةِ الإكليلِ، ويدخُلُ في هذا الثوبِ فيَمْلؤُه.
فدَعَا طالوتُ بنى إسرائيلَ فجرَّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبى داودَ: هل بَقِى لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا؟
قال: نعم، بَقِى ابنى داودُ، وهو يأتِينا بطعامٍ (٢).
فلما أتاه داودُ، مَرَّ في الطريقِ بثلاثةِ أحجارٍ، فكَلَّمَنه وقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ تقتُلْ بنا جالوتَ، قال: فأخَذَهن فجَعَلهن في مِخْلاتِه.
وكان طالوتُ قال: مَن قتَل جالوتَ زوَّجتُه ابنتى، وأجرَيتُ خاتمَه في مُلْكِى.
فلما جاء داودُ وضَعوا القَرْنَ على رأسِه، فَغَلى حتى ادَّهَن منه، ولبِس الثوبَ فملأه، وكان رجلًا مِسْقامًا (٣) مُصْفارًّا (٤)، ولم يَلبَسْه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلما لَبِسه داودُ تَضايقَ الثوبُ عليه حتى تَنَقَّضَ (١)، ثم مشى إلى جالوتَ، وكان جالوتُ من أجسمِ الناس وأشَدِّهم (٢)، فلما نظَر إلى داودَ قُذِف في قلبِه الرُّعْبُ منه، فقال له: يا فتى، ارجِعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك.
قال داودُ: لا، بل أنا أقتُلُك.
فأخرَج الحجارةَ، فجعَلها في القَذَّافةِ، كلما رفَع حجرًا سمَّاه، فقال: هذا باسمِ أبى إبراهيمَ، والثانى باسمِ أبى إسحاقَ، والثالثُ باسمِ أبى إسرائيلَ.
ثم أدار القَذَّافةَ، فعادَت الأحجارُ حَجَرًا واحدًا، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فنَقَبت رأسَه فقتَله، ثم لم تَزَلْ تقتُلُ كلَّ إنسانٍ تُصِيبُه، تَنْفُذُ منه حتى لم يكُنْ بحيالِها أحدٌ، فهزَموهم عندَ ذلك، وقتَل داودُ جالوتَ، ورجَع طالوتُ، فأنكَح داودَ ابنتَه، وأجرَى خاتَمه في مُلْكِه، فمال الناسُ إلى داودَ فأحَبُّوه، فلما رأى ذلك طالوتُ وجَد في نفسِه وحسَده، فأراد قتْلَه، فعلِم به داودُ أنه يُريدُ به ذلك، فسَجَّى له زِقَّ (٣) خَمرٍ في مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامِ داودَ وقد هرَب داودُ، فضرَب الزِّقَّ ضرْبةً فخرَقه، فسالَت الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ في فِيه، فقال: يَرحَمُ اللَّهُ داودَ، ما كان أكثرَ شربِه للخمرِ!
ثم إن داودَ أتاه من القابلةِ في بيتِه وهو نائمٌ، فوضَع سهمَين عندَ رأسِه، وعندَ رجلَيه وعن يمينِه وعن شمالِه سهمَين (٤)، فلما استيقظ طالوتُ بَصُر بالسهامِ فعرَفها، فقال: يرحَمُ اللهُ داودَ، هو خيرٌ مِنِّي، ظَفِرتُ به فقتَلتُه، وظَفِر بى فكَفَّ عنى.
ثم إنه ركِب يومًا فوجَده يمشى في البَرِّيَّةِ، وطالوتُ على فرسٍ، فقال طالوتُ: اليومَ أقتُلُ داودَ.
وكان داودُ إذا فَزِع لا يُدرَكُ، فركَض على أثرِه طالوتُ، ففَزِع داودُ، فاشتدَّ، فدخَل غارًا، وأوحَى اللهُ إلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ، فقال: لو كان دخَل (١) ههنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ.
فخُيِّل إليه فترَكَه (٢).
حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن داودَ حينَ أتاهم كان قد جعَل معه مِخْلاةً فيها ثلاثةُ أحجارٍ، وأن جالوتَ برَز لهم فنادَى: ألا رجلٌ لرجلٍ؟
فقال طالوتُ: مَن يبرُزُ له، وإلا برَزتُ له؟
فقام داودُ فقال: أنا.
فقال (٣) له طالوتُ فشَدَّ عليه درعَه، فجعَل يراه يشخَصُ فيها ويرتفِعُ، فعجِب من ذلك طالوتُ، فشَدَّ عليه أداتَه كلَّها، وأن داودَ رماهم بحَجَرٍ من تلك الحجارةِ، فأصاب في القومِ، ثم رمَى الثانيةَ بحَجَرٍ، فأصاب فيهم، ثم رمَى الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فآتاه اللهُ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدثني ابن زيدٍ، في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقَرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
قال: أوحَى اللهُ إلى نبيِّهم أن في ولدِ فلانٍ رجلًا يَقتُلُ اللهُ به جالوتَ، ومن علامتِه هذا القَرْنُ، تَضَعُه على رأسِه فيَفِيضُ ماءً.
فأتاه فقال: إن الله أو حَى إليَّ أنَّ في ولدِك (٥) رجلًا يقتُلُ اللهُ به جالوتَ.
فقال: نعم يا نبيَّ اللهِ.
قال: فأخرَج له اثنى عشَرَ رجلًا أمثالَ السَّوارى، وفيهم رجلٌ بارعٌ (١) عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا، فيقولُ لذلك الجَسيمٍ: ارجِعْ.
فيُردِّدُه عليه.
فأوحَى اللهُ إليه: إنا لا نأخُذُ الرجالَ على صُوَرِهم، ولكنًّا نأخُذُهم على صَلاحِ قلوبِهم.
قال: يا ربِّ، قد زعَم أنه ليس له ولدٌ غيرُه.
فقال: كذَب.
فقال: إن ربى قد كذَّبَك، وقال: إن لك ولدًا غيرَهم.
فقال: قد صدَق يا نبيَّ اللهِ، لى ولدٌ قصيرٌ، استَحْييتُ أن يَراه الناسُ، فجعَلتُه في الغنمِ.
قال: فأين هو؟
قال: في شِعْبِ كذا وكذا، من جبل كذا وكذا.
فخرَج إليه، فوجَد الوادىَ قد سال بينَه وبينَ البقعةِ (٢) التي كان يُرِيحُ (٣) إليها، قال: وَوَجَده يحمِلُ شاتَيْنِ شاتَين (٤) يُجِيزُ بهما، ولا يخوضُ بهما السَّيلَ، فلما رآه قال: هذا هو لا شكَّ فيه، هذا يرحَمُ البهائمَ، فهو بالناسِ أرحمُ.
قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض.
فقال له: ابنَ أخى، هل رأيتَ ههنا من شيءٍ يُعْجِبُك؟
قال: نعم، إذا سبَّحتُ سبَّحَت معى الجبالُ، وإذا أتَى النَّمِرُ أو الذئبُ أو السَّبُعُ أخَذ شاةً، قُمْتُ إليه، فأفتَحُ لَحْيَيه عنها، فلا يَهِيجُنى.
قال: وألفَى معه صُفْنَه (٥).
قال: فمر بثلاثةِ أحجارٍ يَنْتَزى (٦) بعضُها على بعضٍ، كلُّ واحدٍ منها يقولُ: أنا الذي يأخُذُ.
ويقولُ هذا: لا، بل إياى يأخُذُ.
ويقولُ الآخرُ مثلَ ذلك.
قال: فأخَذهنَّ جميعًا، فطَرَحهن (٧) في صُفْنِه، فلما جاء مع النبيِّ ﵇ وخرَجوا، قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾.
فكان من قصةِ نبيِّهم وقصتِهم ما ذكَر اللهُ في كتابِه.
وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
قال: واجتَمع أمرُهم وكانوا جميعًا.
وقرَأ: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
وبرَز جالوتُ على بِرْذَونٍ له أبْلَقَ، في يدِه قوسُ (١) نُشَّابٍ، فقال: مَن يَبْرُزُ؟
أبْرِزوا إليَّ رأسَكم.
قال: ففَظِع به طالوتُ.
قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: مَن رجلٌ يكفِينى اليومَ جالوتَ؟
فقال داودُ: أنا.
فقال: تعال.
قال: فنزَع دِرْعًا له، فألبَسه إياها.
قال: ونفَخ اللهُ من (٢) روحِه فيه حتى ملأه، قال: فرمَى بنُشَّابَةٍ فوضَعها في الدِّرعِ.
قال: فكسَرها داودُ ولم تَضُرَّه شيئًا، ثلاثَ مراتٍ، ثم قال له: خُذِ الآنَ.
فقال داودُ: اللهمَّ اجعَلْه حجرًا واحدًا.
قال: وسَمَّى واحدًا إبراهيمَ، وآخرَ إسحاقَ، وآخَرَ يعقوبَ.
قال: فجَمَعهنَّ جميعًا فكُنَّ حجرًا واحدًا.
قال: فأخَذَهنَّ، وأخَذ مِقْلاعًا، فأدارَها ليَرمىَ بها، فقال: أتَرْمِينى كما يُرْمَى السَّبُعُ والذئبُ؟
ارْمِنى بالقوسِ.
فقال: لا أرْمِيك اليومَ إلا بها.
فقال له مثلَ ذلك أيضًا، فقال: نعم، وأنت أهونُ عليَّ من الذئب.
فأدارها وفيها أمرُ اللهِ وسلطانُ اللَّهِ.
قال: فخَلَّى سبيلَها مأمورةً، قال: فجاءت مُظِلَّةً (٣)، فضرَبت بينَ عينَيه حتى خرَجت من قَفاه، ثم قتَلَت من أصحابِه وراءَه كذا وكذا، وهزَمهم اللهُ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما قطَعوا ذلك يعنى النهرَ الذي قال اللهُ فيه مُخْبِرًا عن قِيلِ طالوتَ لجنودِه (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتالُه، فقال طالوتُ للناسِ: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذي يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه.
فبعَث اللهُ داودَ، وداودُ يومَئذٍ في الجبلِ رَاعِى غنمٍ، وقد غَزا مع طالوتَ تسعةُ إخوةٍ لداودَ، وهم أبدُّ (١) منه، وأغْنى (٢) منه، وأعرَفُ في الناسِ منه، وأوْجَهُ عندَ طالوتَ منه، فغزوا (٣) وترَكوه في غنمِهم، فقال داودُ حينَ ألقَى اللَّهُ في نفسِه ما ألقَى وأكرَمه: لأستَودِعنَّ ربِّي غَنمى اليومَ، ولآتينَّ الناسَ، فلأنظُرَنَّ ما الذي بلَغنى من قولِ المَلِكِ لَمن قتَل جالوتَ.
فأتَى داودُ إخوتَه، فلامُوه حين أتاهم، فقالوا: لِمَ جئتَ؟
قال: لأقتُلَ جالوتَ، فإن (٤) الله قادرٌ أن أقتُلَه.
فسَخِروا منه، قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كان بعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ.
قال ابن جريجٍ: قالوا: وهو ضعيفٌ رثُّ الحالِ.
فمَرَّ بثلاثةِ أحجارٍ فقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ فقاتِلْ بنا جالوتَ.
فأخَذهنَّ داودُ وألْقاهُنَّ في مِخْلاتِه، فلما ألْقاهُنَّ سمِع حجرًا منهنَّ يقولُ لصاحبِه: أنا حجرُ هارونَ الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا.
وقال الثاني: أنا حجرُ موسى الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا.
وقال الثالثُ: أنا حجرُ داودَ الذي أقتُلُ جالوتَ.
فقال الحجران: يا حجرَ داودَ، نحن أعوانٌ لك.
فصِرْنَ حجرًا واحدًا.
وقال الحجرُ: يا داودُ، اقذِفْ بى، فإنى سأستَعينُ بالريحِ - وكانت بَيضتُه فيما يقولون واللهُ أعلمُ فيها ستُّمائةِ رَطْلٍ - فأقَع في رأسِ جالوتَ فأقتُلُه - قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ، والآخرَ يعقوبَ.
وقال: باسمِ إلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وجعَلهنَّ في مِرْجَمتِه.
قال ابن جريجٍ: فانطلَق حتى نفَذ إلى طالوتَ، فقال: إنك قد جعَلت لمَن قتلَ جالوت نصفَ مُلْكِك، ونصفَ كلِّ شيءٍ تَملِكُه، أفَلِى ذلك إن قتَلتُه؟
قال: نعم.
والناسُ يستهزئون بداودَ، وإخوةُ داودُ أشدُّ مَن هنالك عليه، وكان طالوتُ لا يَنتَدِبُ إليه أحدٌ زعَم أنه يقتُلُ جالوتَ إلا ألبَسه دِرْعًا عندَه، فإذا لم تكنْ قَدْرًا عليه نزَعها عنه، وكانت دِرْعًا سابِغةً من دورعِ طالوتَ، فألبَسها داودَ، فلما رأى قَدْرَها عليه أمَره أن يتقدَّمَ، فتقدَّم داودُ، فقام مَقامًا لا يقومُ فيه أحدٌ، وعليه الدِّرْعُ، فقال له جالوتُ: وَيُحك، مَن أنتَ؟
إنى أرحَمُك، ليَتقدَّمْ إليَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ.
فقال داودُ: أنا الذي أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ، ولن أرجِعَ حتى أقتُلَك.
فلما أبَى داودُ إلا قتالَه، تقدَّم جالوتُ إليه ليأخُذه بيدِه مُقْتدِرًا عليه، فأخرَج الحجَرَ من المِخْلاةِ، فدَعا ربَّه، ورَماه بالحجرِ، فألقَت الريحُ بَيضتَه عن رأسِه، فوقَع الحجرُ في رأسِ جالوتَ حتى دخَل في جوفِه، فقتَله.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: لمَّا رمَى جالوتَ بالحجَرِ، خرَق ثلاثًا وثلاثين بيضةً عن رأسِه، وقتَلَت من ورائِه ثلاثين ألفًا.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
فقال داودُ لطالوتَ: وفِّ لى بما جعلْتَ.
فأبَى طالوتُ أن يُعطِيَه ذلك، فانطلَق داودُ فسكَن مدينةً من مدائنِ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبيٌّ.
قال اللهُ: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وأعطَى اللَّهُ داودَ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ.
والهاءُ في قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾.
عائدةٌ على داودَ.
والمُلْكُ السلطانُ، والحكمةُ النبوَّةُ.
غيرَه عن شيءٍ، [فمُدافِعُه عنه] (١) بشيءٍ دافعٌ، ومتى امتَنَع المدفوعُ من الاندفاعِ، فهو لدافِعه (٢) مُدافِعٌ، ولا شكَّ أن جالوتَ وجنودَه كانوا بقتالِهم (٣) طالوتَ وجنودَه، مُحاولِين مغالبةَ حزبِ اللهِ وجندِه، وكان في مُحاولتِهم ذلك محاولةُ مغالبةِ اللَّهِ ودفاعِه، عما قد تَضمَّن لهم من النُّصْرةِ، وذلك هو معنى مُدافعةِ اللَّهِ عن الذين دافَع اللهُ عنهم بمَن قاتَل جالوتَ وجنودَه من أوليائِه.
فبيِّنٌ (٤) إذن أن سواءً قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
وقراءةُ مَن قرَأ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ).
في التأويلِ والمعنى.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾: هذه الآياتُ التي اقتَصَّ اللهُ فيها أمْرَ الذين خرَجوا من ديارِهم وهم ألوفٌ حذرَ الموتِ، وأمْرَ الملأ من بنى إسرائيلَ من بعدِ موسى الذين سألوا نبيَّهم أن يبعَثَ لهم طالوتَ مَلِكًا، وما بعدَها من الآياتِ إلى قولِه: ﴿[وَلَكِنَّ اللَّهَ] (٥) ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿آيَاتُ اللَّهِ﴾: حُجَجُه وأعلامُه وأدِلَّتُه.
يقولُ اللهُ تعالى ذكرُه: فهذه الحُجَجُ التي أخبرْتُك بها يا محمدُ وأعلَمتُك - من قُدْرتى على إماتةِ مَن هرَب من الموتِ في ساعةٍ واحدةٍ وهم ألوفٌ، وإحيائى إياهم بعدَ ذلك، وتَمْليكى طالوتَ أمرَ بنى إسرائيلَ، بعد إذ كان سقَّاءً أو دَبَّاغًا من غيرِ أهلِ بيتِ المملكةِ، وسلبى ذلك إياه بمعصيته أمْرى، وصَرْفى مُلْكَه إلى داودَ لطاعتِه إياىَ، ونُصْرَتى أصحابَ طالوتَ مع قِلَّةِ عددِهم وضَعفِ شوكتِهم، على جالوتَ وجندِه مع كثرةِ عددِهم وشدةِ بَطشِهم - حُجَجى (١) على مَن جَحَد نِعْمَتى، وخالَف أمرى، وكفَر برسولى من أهلِ الكتابَين التوراةِ والإنجيلِ، العالمين بما اقتَصَصْتُ عليك من الأنباءِ الخَفيَّةِ، التي يعلَمون أنها من عندى لم تَتَخرَّصْها، ولم تَتقوَّلْها أنت يا محمدُ؛ لأنك أُمِّيٌّ ولستَ ممن قرَأ الكتبَ فيَلْتبِسَ عليهم أمرُك ويَدَّعوا أنك قرأتَ ذلك فعَلِمتَه من بعضِ أسفارِهم، ولكنه حُجَجى عليهم أتلُوها عليك يا محمدُ بالحقِّ اليقينِ كما كان، لا زيادةَ فيه ولا تحريفَ، ولا تغييرَ شيءٍ منه عما كان، ﴿وَإِنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
يقولُ: إنك لَمُرسلٌ مُتَّبِعٌ في طاعتى وإيثارِ مَرْضاتى على هَواك، فسَالكٌ في ذلك من أمرِك سبيلَ مَن قبلَكَ من رُسلى الذين أقاموا على أمرى، وآثَروا رِضاى على هواهم، ولم تُغَيِّرْهم الأهواءُ ومَطامعُ الدنيا، كما غيَّر طالوتَ هواه وإيثارُه مُلْكَه على ما عندى لأهلِ وِلايتى، ولكنَّك مُؤثِرٌ أمرى كما آثَره المُرسلون الذين قبلَك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾.
الذين قصَّ اللهُ قَصَصَهم في هذه السورةِ؛ كموسى بن عِمرانَ، وإبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، وشمويلَ، وداودَ، وسائر مَن ذكَر نبأَهم في هذه السورةِ.
يقولُ تعالى ذِكرُه: هؤلاءِ رسُلى فَضَّلْتُ بعضَهم على بعضٍ، فكَلَّمْتُ بعضَهم، والذي كَلَّمْتُه منهم موسى ﵇، ورفَعْتُ بعضَهم درجاتٍ على بعضٍ، بالكرامةِ ورفعةِ المنزلةِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
قال: يقولُ: منهم من كلَّم اللهُ، ورفَع بعضَهم على بعضٍ درجاتٍ.
يقولُ: كلَّم اللهُ موسى، وأرسل محمدًا إلى الناسِ كافّةً (١).
حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
ومما يدلُّ على صحةِ ما قلْنا في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ: "أُعْطيتُ خمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبلى؛ بُعِثْتُ إلى الأحمرِ والأسودِ، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ؛ فإِنَّ العَدُوَّ لَيُرْعَبُ مِنى على مَسيرةِ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ لىَ الأرضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُحِلَّتْ لىَ الغَنائمُ، ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان قَبْلى، وقيل لى: سَلْ تُعْطَه.
فاخْتبَأتُها شفَاعَةً لأُمَّتِى، فهى نائلَةٌ مِنكم إن شاء اللَّهُ مَن لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا" (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾: وآتيْنا عيسى ابنَ مريمَ الحُججَ والأدلةَ على نبوتِه؛ من إبراءِ الأَكْمَةِ والأَبْرصِ، وإحياءِ الموتى، وما أشبهَ ذلك، مع الإنجيلِ الذي أنزَلْتُه إليه، فبَيَّنْتُ فيه ما فرَضْتُ عليه.
ويعنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾: وقوَّيْناه وأعنَاه.
﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ يعنى: برُوحِ اللهِ، وهو جِبريلُ.
وقد ذكرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ في معنى "رُوحِ القُدُسِ"، والذي هو أوْلَى بالصوابِ من القولِ في ذلك فيما مضى قبلُ، فأَغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولو أراد اللهُ ما اقْتَتل الذين من بعدِهم (٢).
يعنى: من بعدِ الرسلِ الذين وصفَهم بأنه فَضَّل بعضَهم على بعضٍ، ورفَع بعضَهم درجاتٍ، وبعدِ عيسى ابن مريمَ، وقد جاءهم من الآياتِ بما فيه مُزْدَجَرٌ لمن هداه اللهُ ووفَّقَه.
ويَعنى بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يعنى: من بعدِ ما جاءَهم مِن أنهم [أَتَوْا ما أَتَوْا] (١) من الكفرِ والمعاصى بعدَ علمِهم بقيامِ الحجةِ عليهم بأنَّهم على خطأ، تَعَمُّدًا منهم للكفرِ باللهِ وآياتِه.
ثم قال تعالى ذكرُه لعبادِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾.
يقولُ: ولو أراد اللهُ أن يَحْجُرَهم بعِصْمَتِه وتوفيقِه إيَّاهم عن معصيتِه فلا يَقْتَتِلُوا، ما اقْتَتَلُوا ولا اختلَفوا، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بأن يُوَفِّقَ هذا لطاعتِه والإيمانِ به، فيُؤْمِنَ به ويُطِيعَه، ويَخْذُلَ هذا فيَكْفُرَ به ويَعْصِيَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: يأيُّها الذين آمنوا أنفِقوا في سبيلِ اللهِ مما رزَقْناكم من أموالِكم، وتصَدَّقُوا منها، وآتُوا منها الحقوقَ التي فَرَضْناها عليكم.
وكذلك كان ابن جُريجٍ يقولُ فيما بلَغنا عنه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريج قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
قال: من الزكاةِ والتَّطَوُّعِ (٣).
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ يقولُ: ادَّخِروا لأنفسِكم عندَ اللهِ في دنياكم من أموالِكم؛ بالنفقةِ منها في سبيلِ اللهِ، والصدقةِ على أهلِ المَسْكنةِ والحاجةِ، وإيتاءِ ما فرَض اللهُ عليكم فيها، وابْتاعُوا بها ما عندَه مما أعدَّه لأوليائِه من الكرامةِ، بتقديمِ ذلك لأنفسِكم، ما دام لكم السبيلُ إلى ابْتياعِه، بما نَدَبْتُكم إليه وأمَرْتُكم به من النفقةِ من أموالِكم، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ يعني: من قبلِ مجيءِ يومٍ ﴿لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾.
يقول: لا تَقْدِرون فيه على ابْتِياعِ ما كنتم على ابْتياعِه بالنفقةِ من أموالِكم التي أمَرْتُكم بها (١) و (٢) نَدَبْتُكم إليها (٣) في الدنيا قادِرين؛ لأنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ وعِقابٍ، لا يومُ عملٍ واكتسابٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ، فيكونَ لهم إلى ابْتِياعِ منازلِ أهلِ الكرامةِ بالنفقةِ حينَئذٍ، أو بالعملِ بطاعةِ اللهِ، سبيلٌ.
ثم أَعلَمهم تعالى ذِكرُه أن ذلك اليومَ - مع ارتفاع العملِ الذي يُنالُ به رضا اللهِ، أو الوصولُ إلى كرامتِه بالنفقةِ من الأموالِ، إذ كان لا مالَ هنالك يمكنُ إدراكُ ذلك به - يومٌ لا مُخالَّةَ فيه نافعةٌ، كما كانت في الدنيا، فإن خليلَ الرجل في الدنيا قد كان يَنْفَعُه فيها بالنُّصْرةِ له على من حاولَه بمكروهٍ وأرادَه بسُوءٍ، والمظاهرةِ له على ذلك.
فآيَسَهم تعالى ذكرُه أيضًا من ذلك؛ لأنه لا أحدَ يومَ القيامةِ يَنْصُرُ أحدًا من اللهِ، بل الأَخِلَّاءُ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه (٤).
وأخبرَهم أيضًا أنهم يومئذٍ - مع فقدِهم السبيلَ إلى ابتْياعِ ما كان لهم إلى ابْتياعِه سبيلٌ في الدنيا بالنفقةِ من أموالِهم والعملِ بأبدانِهم، وعَدَمِهم النُّصَراءَ من الخُلّانِ، والظُّهَراءَ من الإخوانِ - لا شافعَ لهم يَشْفَعُ عند اللهِ، كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضُهم يَشْفَعُ في الدنيا لبعضٍ بالقرابةِ والجِوارِ والخُلّةِ، وغير ذلك من الأسبابِ، فبطَل ذلك كلُّه يومئذٍ، كما أخبَرَ تعالى ذكرُه عن قيلِ أعدائِه من أهلِ الجحيمِ في الآخرةِ إذا صارُوا فيها: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١].
وهذه الآيةُ مَخْرَجُها في الشفاعةِ عامٌّ، والمرادُ بها خاصٌّ، وإنما معناه: من قبْلِ أن يَأْتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه ولا خُلّةٌ، ولا شفاعةٌ لأهلِ الكفرِ باللهِ؛ لأنَّ أهلَ وِلايةِ اللهِ والإيمانِ به يَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ.
وقد بَيَّنَّا صحةَ ذلك بما أَغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾: قد عَلِمَ اللهُ أن ناسًا يَتحابُّون في الدنيا، ويَشْفَعُ بعضُهم لبعضٍ، فأمّا يومُ القيامةِ فلا خُلَّةَ إِلا خُلَّةَ المتقين (٢).
وأما قولُه: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فإنه يعنى تعالى ذكره بذلك: والجاحِدون للهِ المُكَذِّبُون به وبرسلِه ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، يقولُ: هم الواضِعون جُحودَهم في غيرِ مَوْضِعِه، والفاعلُون غير ما لهم فعلُه، والقائلون ما ليس لهم قولُه.
وقد دلَّلْنا على معنى الظلمِ بشواهدِه فيما مضَى قبلُ بما أَغنَى عن إعادتِه (٣).
وفي قولِه تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْناه، وأن قولَه: وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾.
إنما هو مرادٌ به أهلُ الكفرِ، فلذلك أتْبَعَ قولَه ذلك: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فدلَّ بذلك على أن معنى ذلك: حَرَمْنا الكفّارَ النُّصْرَةَ من الأخِلَّاءِ، والشَّفاعةَ مِن الأولياءِ والأقرباءِ، ولم نكنْ لهم في فعلِنا ذلك بهم ظالمِين، إذ كان ذلك جزاءً منَّا لما سلَف منهم من الكفر باللهِ في الدنيا، بل الكافرون هم الظالِمُون أَنفسَهم، بما أَتَوْا مِن الأفعالِ التي أَوجبوا لها العقوبةَ من ربِّهم.
فإن قال قائلٌ: وكيف صرَف الوعيدَ إلى الكفارِ والآيةُ مبتدَأةٌ بذكرِ أهلِ الإيمانِ؟
قيل له: إنَّ الآية قد تقدَّمها ذِكرُ صِنْفَين من الناسِ؛ أحدُهما أهلُ كفرٍ، والآخرُ أهلُ إيمانٍ، وذلك قولُه: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾.
ثم عقَّبَ اللهُ تعالى ذكرُه الصِّنْفَين بما ذكَرهم به، بحَضِّ (١) أهلِ الإيمانِ به على ما يُقَرِّبُهم إليه من النفقةِ في طاعتِه، وفى جهادِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، قبلَ مجيءِ اليومِ الذي وصَف صِفَتَه، وأخبرَ فيه عن حالِ أعدائِه من أهلِ الكفرِ به، إذ كان قتالُ أهلِ الكفرِ به في مَعْصِيَتِه، ونفقتُهم في الصدِّ عن سبيلِه، فقال تعالى ذكرُه: يأيها الذين آمَنوا أنفِقوا أنتم مما رَزَقْناكم في طاعتي، إذ كان أهلُ الكفرِ بي يُنْفِقُون في مَعْصِيَتِى من قبلِ أن يأتيَ يومٌ لا بيعٌ فيه، فَيُدْرِكَ أهلُ الكفرِ فيه ابتياعَ ما فَرَّطُوا في ابتياعِه في دنياهم، ولا خُلَّةٌ لهم يومئذٍ تَنْصُرُهم منى، ولا شافعٌ لهم يَشْفَعُ عندى فتنجِّيَهم شَفَاعَتُه لهم من عِقابي، وهذا يومئذٍ فعلى (٢) بهم جزاءً لهم على كفرِهم، وهم الظالمون أنفسَهم دونى؛ لأنى غيرُ ظلَّامٍ لعَبِيدى.
وقد حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الرَّحيمِ، قال: ثني عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ، قال: سَمِعْتُ عمر بن سليمانَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن دينارٍ، أنه قال: الحمدُ للهِ الذي قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
ولم يَقُل: الظَّالمون هم الكافِرون (٣).
القولُ في تأويل قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
قد دلَّلْنا فيما مضى على تأويلِ قولِ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ﴾ (١).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
فإن معناه النَّهيُ عن أن يُعبدَ شيءٌ غيرُ اللهِ الحيِّ القَيُّومِ، الذي صفَتُه ما وصَف به نفسَه تعالى ذكرُه في هذه الآيةِ، يقولُ: اللهُ الذي له عبادةُ الخلقِ، الحيُّ القيومُ، لا إلهَ سواه، لا معبودَ سواه.
يعني: فلا تعبُدوا شيئًا سوى (٢) الحيِّ القيُّومِ الذي لا تأخُذُه سِنةٌ ولا نومٌ، والذي صفتُه ما وصَف في هذه الآيةِ.
وهذه الآيةُ إبانةٌ من اللهِ جلّ ثناؤه للمؤمنين به وبرسولِه، عما جاءتْ به (٣) المختلِفين (٤) البيناتُ من بعدِ الرسلِ التي (٥) أخبَرَنا تعالى ذكرُه أنه فضَّل بعضَهم على بعضٍ.
واختلَفوا فيه، فاقتتلُوا فيه كفرًا به من بعضٍ، وإيمانًا به من بعضٍ، فالحمدُ للهِ الذي هدانا للتصديقِ به، ووفَّقَنا للإقرارِ به.
وأما قولُه: ﴿الْحَيُّ﴾.
فإنه يَعنِي: الذي له الحياةُ الدائمةُ، والبقاءُ الذي لا أوّلَ له بحَدٍّ (٦)، ولا آخرَ له بأمدٍ (٧)، إذ كلُّ ما سواه فإنه وإنْ كان حيًّا فلِحياتِه أَوَّلٌ محدودٌ، وآخرٌ مَمْدودٌ (٨)، يَنْقَطِعُ بانقطاعِ أمدِها، وينقَضِى بانقضاءِ غايتِها.
وبما قلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
الضَّحَّاكِ: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: القائمُ الدائمُ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾.
يعني بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا يَأْخُذُه نُعاسٌ فيَنْعَسَ، ولا نَوْمٌ فيَسْتَثْقِلَ نومًا.
والوَسَنُ خُثورةُ النومِ (٢)، ومنه قولُ عديِّ بن الرِّقاعِ (٣): وشنانُ أقْصَدَهُ النُّعاسُ فَرنَّقَتْ (٤) … في عَيْنِه سِنَةٌ وليس بنائمِ ومن الدليلِ على ما قلْنا، من أنها خُثورةُ النومِ في عينِ الإنسانِ، قولُ الأَعْشَى ميمونِ بن قَيْسٍ (٥): تُعاطِى الضَّجِيعَ إذا اسْتامَها (٦) … بُعَيْدَ [الرُّقَادِ وعندَ] (٧) الوَسَنْ [وقولُه الآخرُ] (٨): باكَرَتْها الأغْرابُ (٩) في سِنَةِ النَّوْ … مِ فتَجْرِى خِلالَ شَوْكِ السَّيَالِ (١٠) ضرَبه اللهُ تعالى ذكرُه يقولُ: فكذلك السماواتُ والأرضُ في يديْه (١).
حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن أُمَيَّةَ بن شِبْلٍ، عن الحَكَمِ بن أبانٍ، عن عكرمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَحْكى عن موسى على المنبرِ، قال: "وقَع في نَفْسِ موسى: هل ينامُ اللهُ؟
فأرسلَ اللهُ إليه مَلَكًا، فأَرَّقَه ثلاثًا، ثم أعطاهُ قارُورَتَين؛ في كُلِّ يدٍ قارورةٌ، وأمَره أن يَحْتَفِظَ بهما.
قال: فجعَل ينامُ وتكادُ يداهُ تَلْتَقيان، ثم يَسْتَيْقِظُ فيحْبِسُ إحداهما عن الأُخرى، ثم نام نَوْمةً فاصْطَفَقَتْ يداه فانْكَسَرتِ القارُورتان.
قال: ضرَب الله له مَثَلًا، أن الله لو كان ينامُ لم تَسْتَمْسِكِ السماءُ والأرضُ" (٢).
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.
أنه مالكُ جميعِ ذلك بغيرِ شريكٍ ولا نديدٍ، وخالقُ جميعِه دونَ كلِّ آلهةٍ ومعبودٍ.
وإنما يعنى بذلك أنه لا تَنْبَغِى العبادةُ لشيءٍ سواه؛ لأن المملوكَ إنما هو طوعُ يدِ مالكِه، وليس له خدمةُ غيرِه إلا بأمرِه.
يقولُ: فجميعُ ما في السماواتِ والأرضِ مِلْكِى وخَلْقِي، فلا يَنبغِي أن يُعْبَدَ أحدٌ من خلقى غيرى وأنا مالكُه؛ لأنه لا ينَبِغي للعبدِ أن يَخْدُم (١) غيرَ مالكِه، ولا يُطيعَ سوى مولاه.
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.
فإنه يعنى بذلك: من ذا الذي يَشْفَعُ لمماليكِه إن أراد عقوبتَهم إلا أن يُخلِّيَه ويَأذنَ له بالشفاعةِ لهم.
وإنما قال ذلك جل ثناؤه لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثانَنا هذه إلا ليُقَرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى (٢).
فقال اللهُ لهم: لى ما في السماواتِ وما في الأرضِ مع السماواتِ والأرضِ مِلْكًا، فلا تَنبغِى العبادةُ لغيرِى، فلا تَعبُدوا الأوثانَ التي تزعُمون أنها تُقَرِّبُكم منى زُلْفَى، فإنها لا تنفَعُكم عندى، ولا تُغْنِى عنكم شيئًا، ولا يَشْفَعُ عندى أحدٌ لأحدٍ إلا بتَخْلِيَتى إيَّاه والشفاعةَ لمن يَشْفَعُ له مِن رُسُلى وأوليائى وأهلِ طاعتِى.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك أنه المحيطُ بكلِّ ما كان وبكلِّ ما هو كائنٌ علمًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن الحَكَمِ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى من الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من الآخرةِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ قولَه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾: ما مضَى أمامَهم مِن الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكونُ بعدَهم من الدنيا والآخرةِ (٢).
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال: أما (٣) ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ فالدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ فالآخرةُ (٤).
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فإنه يَعْنِى تعالى ذكره أنه العالِمُ الذي لا يخفى عليه شيءٌ، محيطٌ بذلك كلِّه، مُحْصٍ له دون سائرِ مَن دونَه، وأنه لا يعلَمُ أحدٌ سواه شيئًا إلا ما شاء هو أن يُعْلِمَه [وأراده] (٥) فعَلِمه.
وإنما يَعْنِى بذلك أن العبادةَ لا تَنبغِى لمن كان بالأشياءِ جاهلًا، فكيف يُعْبَدُ مَن لا يَعْقِلُ شيئًا البَتَّةَ مِن وَثَنٍ وصَنَمٍ؟
يقولُ: فَأَخْلِصُوا العبادةَ لمن هو مُحيطٌ بالأشياءِ كلِّها، يَعْلَمُها، لا يَخْفَى عليه صغيرُها وكبيرُها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ يقولُ: لا يَعْلَمُون بشيءٍ من عِلْمِهِ إِلا بما شاء هو أن يُعْلِمَهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في معنى "الكُرْسيِّ" الذي أخبرَ اللهُ في هذه الآيةِ أنه وَسِع السماواتِ والأرضَ؛ فقال بعضُهم: هو عِلْمُ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ وسَلْمُ بنُ جُنادةَ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن مُطَرِّفٍ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قال: كُرْسِيُّه عِلْمُه (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرَنا مُطَرِّفٌ، عن جعفرِ بن أبي المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه، وزاد فيه: ألا تَرَى إلى قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ (٣)؟
وقال آخرون: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَين.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ مُسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبد الوارثِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ جُحَادةَ، عن سلَمةَ بن كُهَيلٍ، عن عُمارةَ بن عُميرٍ، عن أبي موسى، قال: الكُرْسيُّ مَوْضِعُ القدَمين، وله أَطِيطٌ كَأَطِيطِ الرَّحْلِ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ﴾: فإن السماواتِ والأرضَ في جوفِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ بين يَدَيِ العَرْشِ، وهو مَوْضِعُ قَدَميْه (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قولَه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: كُرْسِيُّه الذي يُوضَعُ تحتَ العَرْشِ الذي يَجْعَلُ الملوكُ عليه أقدامَهم (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، عن سفيانَ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن مسلمٍ البَطِينِ، قال: الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القدمَيْن (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال: لما نَزَلَتْ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قال أصحابُ النبيِّ ﷺ: يا رسول اللهِ، هذا الكُرْسِيُّ وَسِعَ السماواتِ والأَرضَ، فكيف العَرْشُ؟
فأَنزل اللهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١) [الزمر: ٦٧].
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
قال: قال ابن زيدٍ: فحدَّثنى أبي، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما السماواتُ السَّبْعُ في الكُرسيِّ إلا كدراهمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ".
قال: وقال أبو ذَرٍّ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ما الكُرسيُّ في العَرشِ إلا كحَلْقَةٍ من حديدٍ أُلْقِيَتْ بينَ ظَهْرَى فَلَاةٍ مِن الأَرضِ" (٢).
وقال آخرون: الكُرْسِيُّ العَرْشُ نفسُه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ (٣)، قال: كان الحسنُ يقولُ: الكُرْسِيُّ هو العَرْشُ (٤).
قال أبو جعفر: لكلِّ قولٍ من هذه الأقوالِ وجهٌ ومَذْهَبٌ، غيرَ أن الذي هو أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ ما جاء به الأثرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهو ما حدَّثني به عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ القَطَوَانيُّ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فقالت: ادْعُ الله أن يُدْخِلَنى الجنةَ.
فعظَّم الربَّ ﷿، ثم قال: "إِنَّ كُرسِيَّه وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ، وإنَّه لَيَقْعُدُ عليه فما يَفْضُلُ منه مِقدارُ أربعِ أصابعَ".
ثم قال بأصابعِه فجمَعها: "وإنَّ له أَطِيطًا كأَطِيطِ الرَّحْلِ الجَديدِ إِذَا رُكِبَ؛ مِن ثِقَلِه" (١).
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ (٢)، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خليفةَ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣).
حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن خَليفةَ، قال: جاءتِ امرأةٌ.
فذكَر نحوَه (٤).
وأما الذي يدلُّ على صحتِه ظاهرُ القرآنِ، فقولُ ابن عباسٍ الذي رواه جعفرُ بن أبي المغيرِة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ عنه، أنه قال: هو عِلْمُه (٥)، وذلك لدَلالةِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
على أن ذلك كذلك، فأخبَرَ أنه لا يَئُودُه حفظُ ما عَلِم وأحاط به مما في السماواتِ والأرضِ، وكما أخبَر عن ملائكتِه أنهم قالوا في دعائِهم: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
فأخبر تعالى ذكرُه أن علمه وسِع كلَّ شيءٍ، فكذلك قولُه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾.
وأصلُ "الكُرْسِيِّ" العلمُ، ومنه قيل للصحيفةِ يكونُ فيها علمٌ مكتوبٌ: كُرّاسةٌ.
ومنه قولُ الراجزِ في صفةِ قانصٍ: حتى إذَا ما اختارهَا (١) تَكَرَّسا يعنى: عَلِم.
ومنه يقالُ للعلماءِ: الكَراسيُّ.
لأنهم المعتمَدُ عليهم، كما يقالُ: أوتاد الأرضِ.
يعنى بذلك أنهم العلماءُ الذين تَصْلُحُ بهم الأرضُ، ومنه قولُ الشاعرِ (٢): تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوهِ وعُصْبَةٌ … كَرَاسِيُّ بالأحْداثِ حينَ تَنُوبُ يعني بذلك: علماءُ بحوادثِ الأمورِ ونوازلِها.
والعربُ تسمِّى أصلَ كلِّ شيءٍ الكِرْسَ، يقال منه: فلانٌ كريمٌ الكِرْسِ.
أي: كريمُ الأصلِ، قال العَجَّاجُ (٣).
قد علِم القُدُّوسُ موْلَى القُدْسِ أن أبا العباسِ أوْلَى نَفْسِ بمَعْدِنِ المُلْكِ القديمِ (٤) الكِرْسِ يعنى بذلك الكريمَ الأصل.
ويُرْوَى: في مَعْدِنِ العِزِّ الكريمِ الكِرْسِ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: ولا يَشُقُّ عليه ولا يُثْقِلُه، يقالُ منه: قد آذَنِى هذا الأمرُ، فهو يَئودُنى أوْدًا وإيادًا.
ويقالُ: ما آدَك فهو لي آئِدٌ.
يَعنِي بذلك: ما أَثْقَلَك فهو لي مُثْقِلٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾: لا يَثْقُلُ عليه ولا يُجْهِدُه حِفْظُهما.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى: قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قالا: لا يَثْقُلُ عليه شيءٌ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال: لا يَنْقُلُ عليه حِفْظُهما.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، وحدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قالا جميعًا: أخبرنا جُويبرٌ، عن الضَّحاكِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ قال: لا يَثْقُلُ عليه حِفْظُهما (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن عُبيدٍ، عن الضّحاكِ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعْتُه - يعني خَلّادًا - يقولُ: سمِعْت أبا عبدِ الرحمنِ المدينيَّ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال: لا يَكْبُرُ (٣) عليه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، قال: لا يَكْرُثُه (٤).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال: لا يَثْقُلُ عليه (٥).
حدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
يقولُ: لا يَثْقُلُ عليه حفظُهما (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
قال: لا يَعِزُّ عليه حِفْظُهما.
قال أبو جعفرٍ: والهاءُ والميمُ والألفُ من قولِه: ﴿حِفْظُهُمَا﴾.
من ذِكْرِ السماواتِ والأرضِ.
فتأويلُ الكلامِ: وَسِع كُرْسِيُّه السماواتِ والأَرضَ، ولا يَثْقُلُ عليه حِفْظُ السماواتِ والأرضِ.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾.
فإنه يَعنِي: واللهُ العَلِيُّ.
والعليُّ: الفَعِيلُ، من قولِك: علا يعلُو عُلُوًّا، إذا ارتفَع، فهو عالٍ وعَلِيٌّ: والعَلِيُّ: ذو العُلُوِّ والارتفاعِ على خَلقِه بقُدرتِه.
وكذلك قولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾: ذو العَظَمةِ، الذي كلُّ شيءٍ دونَه، فلا شيءَ أعظمُ منه.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿الْعَظِيمُ﴾: الذي قد كَمُل في عظمتِه (٢).
واختلَف أهلُ البحثِ في معنى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ عن النُّظَراءِ والأَشْباهِ.
وأنكَروا أن يكونَ معنى ذلك: وهو العَلِيُّ المكانِ.
وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يخلُوَ منه مكانٌ، ولا معنى لوصفِه بعُلُوِّ المكانِ؛ لأن ذلك وصفُه بأنه في مكانٍ دونَ مكانٍ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وهو العَلِيُّ على خَلْقِه، بارتفاعِ مكانِه عن أماكنِ خَلْقِه؛ لأنه تعالى ذكرُه فوقَ جميع خَلقِه، وخَلقُه دونَه، كما وصَف به نفسَه أنه على العرشِ، فهو عالٍ بذلك عليهم.
وكذلك اختلَفوا في معنى قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
فقال بعضُهم: معنى "العظيمِ" في هذا الموضِعِ المُعَظَّمُ، صُرِف المُفَعَّلُ إلى فَعِيلٍ، كما قيل للخَمرِ المُعَتَّقَةِ: خمرٌ عتيقٌ.
كما قال الشاعرُ (١): وكأنَّ الخَمْرَ العَتِيقَ من الإسْـ … ـــــــفِنْطِ (٢) ممْزُوجَةً بِمَاءٍ زُلالِ وإنما هي مُعَتَّقَةٌ، قالوا: فقولُه: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
معناه: المعظَّمُ الذي يُعَظِّمُه خَلْقُه، ويَهابُونه ويتَّقُونه.
قالوا: وإنّما يحتمِلُ قولُ القائلِ: هو عَظيمٌ.
أحدَ معنَيْين؛ أحدُهما: ما وصَفْنا من أنه مُعَظَّمٌ.
والآخرُ: أَنه عَظِيمٌ في المساحةِ والوزنِ.
قالوا: وفي بُطولِ القولِ بأن يكونَ معنى ذلك أنه عَظيمٌ في المساحةِ والوزنِ، صحةُ القولِ بما قُلْنا.
وقال آخرون: بل تأويلُ قولِه: ﴿الْعَظِيمُ﴾.
هو أن له عظمةً هي له صفةٌ.
وقالوا: لا نَصِفُ عَظمتَه بكَيْفِيّةٍ، ولكنّا نُضِيفُ ذلك إليه من جهةِ الإثباتِ، ونَنْفِى عنه أن يكونَ ذلك على معنى مشابهةِ العِظَمِ المعروفِ من العبادِ؛ لأن ذلك تشبيهٌ له بخَلقِه، وليس كذلك.
وأنكَر هؤلاءِ ما قاله أهلُ المَقالةِ التي قدَّمنا ذكرَها، وقالوا: لو كان معنى ذلك أنه مُعَظَّمٌ، لوجَب أن يكونَ قد كان غيرَ عظيمٍ قبلَ أن يَخلُقَ الخلْقَ، وأن يَبْطُلَ معنى ذلك عندَ فَناءِ الخَلقِ؛ لأنه لا مُعَظِّمَ له في هذه الأحوالِ.
وقال آخرون: بل قولُه: إنه العظيمُ.
وَصْفٌ منه نفسَه بالعِظَمِ، وقالوا: كلُّ ما دونَه من خلقِه بمعنى الصِّغَرِ؛ لصِغَرِهم عن عِظَمِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصارِ - أو في رجلٍ منهم - كان لهم أولادٌ قد هَوَّدُوهم أو نَصَّرُوهم، فلما جاء اللهُ بالإسلامِ أرادوا إكراهَهم عليه، فنهاهم اللهُ عن ذلك حتى يكونوا هم يختارُون الدخولَ في الإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلاتًا، فتجعلُ على نفسِها إن عاش لها ولدٌ أن تُهَوِّدَه؛ فلما أجْلِيَتُ بنو النَّضيرِ كان فيهم من أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لا ندَعُ أبناءَنا، فأنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).
حدَّثنا ابن بَشّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ (٢)، عن أبي بِشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، [عن ابن عباسٍ] (٣)، قال: كانت المرأةُ تكونُ مِقْلًى؛ لا يعيشُ لها ولدٌ - قال شعبةُ: وإنما هي مِقْلاتٌ - فتجعلُ عليها إن بَقِى لها ولدٌ لَتُهَوِّدَنَّه، قال: فلمّا أُجليَتْ بنو النَّضيرِ كان فيهم منهم، فقالت الأنصارُ: كيف تَصنعٌ بأبنائِنا؟
فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
قال: من شاء أن يُقِيمَ أقام، ومن شاء أن يَذهَبَ ذَهَب (١).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ، وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيّةَ، عن داودَ، عن عامرٍ، قال: كانت المرأةُ من الأنصارِ تكونُ مِقْلاتًا؛ لا يعيشُ لها ولدٌ، فتنذِرُ إن عاش ولدُها أن تجعلَه مع أهلِ الكتابِ على دينِهم، فجاء الإسلامُ وطوائفُ من أبناءِ الأنصارِ على دينِهم، فقالوا: إنما جعَلْناهم على دينِهم ونحن نَرى أن دينَهم أفضلُ من دينِنا، وإذ جاء اللهُ بالإسلامِ فَلَنُكْرِهَنَّهم.
فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
فكان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهوديةَ والإسلامَ، فمَن لَحِق بهم اختارَ اليهوديةَ، ومن أقام اختارَ الإسلامَ.
واللفظُ لحديثِ حُمَيدٍ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ داودَ، عن عامرٍ بنحوِ معناه، إلا أنه قال: فكان فصلَ ما بينَهم إجلاءُ رسولِ اللهِ ﷺ بنى النَّضيرِ، فلَحِق بهم من كان يهوديًّا ولم يُسْلِمْ منهم، وبَقِيَ مَن أَسلمَ (٢).
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ بنحوِه، إلا أنه قال: إجلاءُ النَّضيرِ إلى خيبَرَ، فمن اختارَ الإسلامَ أقامَ، ومن كَرِه لَحِق بخيبرَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن (٣) إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ الحَرَشيُّ (١) مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ من بنى سالمِ بن عوفٍ، يقالُ له: الحُصَينُ.
كان له ابنان نَصْرانيّان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبيِّ ﷺ: ألا أَسْتَكْرِهُهما، فإنهما قد أبَيَا إلا النصرانيةَ؟
فأَنزل اللهُ فيه ذلك (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا حَجّاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن أبي بشرٍ، قال: سألْتُ سعيد بنَ جُبيرٍ عن قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: نزَلتْ هذه في الأنصارِ، قال: قلتُ: خاصةً؟
قال: خاصةً.
قال: كانت المرأةُ في الجاهليةِ تَنذِرُ إن ولَدت ولدًا أن تجعلَه في اليهودِ، تَلْتَمِسُ بذلك طولَ بقائِه.
قال: فجاء الإسلامُ وفيهم منهم؛ فلمَّا أُجْلِيَت النضيرُ قالوا: يا رسولَ اللهِ، أبناؤُنا وإخوانُنا فيهم.
قال: فسكَت عنهم رسولُ اللهِ ﷺ، فَأَنزل اللهُ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قد خُيِّرَ أصحابُكم، فإن اختارُوكم فهم منكم، وإن اختاروهم فهم منهم".
قال: فأجلَوهم معهم (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ إلى ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.
قال: نزَلَتْ في رجلٍ من الأنصارِ يقالُ له: أبو الحُصَينِ.
كان له ابنان، فقَدِم تُجّارٌ من الشامِ إلى المدينةِ يحمِلون الزيتَ، فلما باعُوا وأرادُوا أن يَرجِعوا، أتاهم ابنا أبى الحُصينِ.
فدعَوْهما إلى النصرانيةِ فتَنَصَّرا، ورجَعا إلى الشامِ معهم، فأتى أبوهما إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: إن ابنيَّ تَنَصَّرا وخَرَجا، فاطْلُبُهما.
فقال: " ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ".
ولم يُؤْمَرْ يومئذٍ بقتالِ أهلِ الكتابِ.
وقال: "أَبعَدَهما اللهُ، هما أَوَّلُ مَن كفَر".
فوجَد أبو الحصينِ في نفسِه على النبيِّ ﷺ حين لم يَبْعَثْ فِي طَلَبِهما، فأَنزَل اللهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
ثم إنه نُسِخ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
فأُمِر بقتالِ أهلِ الكتابِ (١) في سورةِ "براءة" (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ.
عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: [كانت النَّضِيرُ يهودًا] (٣) أَرضَعوا رجالًا من الأوسِ، فلما أُمِر النبيُّ ﷺ بإجلائهم، قال أبناؤُهم من الأوسِ: لتذْهَبَنَّ معهم، ولَندِينَنَّ بدينِهم، فمنَعهم أهلُوهم، وأَكْرَهُوهم على الإسلامِ، ففيهم نزَلتْ هذه الآيةُ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: كان ناسٌ من الأنصارِ مُسْتَرضَعِين في بني قُريظةَ، فأرادُوا أن يُكْرِهوهم على الإسلامِ، فنزَلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجّاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ: كانت النَّضيرُ يهودًا، فَأَرْضَعُوا.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدٍ بن عمرٍو، عن أبي عاصمٍ.
قال ابن جُريجٍ: وأخبَرَنى عبدُ الكريمِ، عن مجاهدٍ أنهم كانوا قد دانوا (٢) بدينهم أبناءُ الأَوْسِ؛ دانُوا بدينِ النَّضيرِ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ ابن أبي هندٍ، عن الشعبيِّ أن المرأةَ من الأنصارِ كانت تَنْذِرُ إِن عاش ولدُها لَتَجْعَلَنَّه في أهل الكتابِ، فلمّا جاء الإسلامُ قالت الأنصارُ: يا رسولَ اللهِ، ألا نُكْرِهُ أولادَنا الذين هم في يهودَ على الإسلامِ، فإنَّا إِنَّما جعَلْناهم فيها ونحن نَرى أن اليهوديةَ أفضلُ الأديانِ، [فأما إذ] (٤) جاء اللهُ بالإسلامِ، أفلا نُكْرِهُهم على الإسلامِ؟
فَأَنزل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٥).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن داودَ، عن الشعبيِّ بمثلِه، وزاد فيه: قال: كان فصلَ ما بينَ مَن اختارَ اليهودَ منهم، وبينَ مَن اختارَ الإسلامَ، إجلاء بني النَّضيرِ، فمَن خرَج مع بنى النَّضيرِ كان منهم، ومن ترَكهم اختارَ الإسلامَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
إلى قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
قال: هذا منسوخٌ (١).
حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، ووائلٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا من الأنصارِ كانوا مُسترضَعِين في بني النَّضيرِ، فلما أَجْلُوا، أراد أهلُوهم أن يُلْحِقُوهم بدينِهم، فنزلتْ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يُكْرَهُ أهلُ الكتابِ على الدينِ إذا بذَلوا الجِزْيةَ، ولكنّهم يُقَرُّون على دينِهم.
وقالوا: الآيةُ في خاصٍّ من الكفارِ، ولم يُنْسَخْ منها شيءٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: أُكْرِهَ عليه هذا الحيُّ من العربِ؛ لأنهم كانوا أُمَّةً أُمِّيّةً ليس لهم كتابٌ يَعرِفُونه، فلم يُقْبَلْ منهم غيرُ الإسلامِ، ولا يُكرَهُ عليه أهلُ الكتابِ إذا أقرُّوا بالجِزْيةِ أو بالخَراجِ ولم يُفْتَنُوا عن دينِهم، فخُلِّيَ (٣) عنهم (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: هو هذا الحيُّ من العرب أُكْرِهوا على الدين، لم يُقْبَلْ منهم إلا القتلُ أو الإسلامُ، وأهلُ الكتابِ قُبِلَتْ منهم الجِزْيةُ ولم يُقْتَلُوا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: أُمِر رسولُ اللهِ ﷺ أن يُقاتِلَ جزيرة العربِ من أهلِ الأوثانِ، فلم يَقْبَلْ منهم إلا لا إلهَ إلا اللهُ أو السيفَ، ثم أُمِر في من سواهم بأن يَقْبَلَ منهم الجِزْيةَ، فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: كانت العربُ ليس لها دِينٌ، فأُكْرِهوا على الدينِ بالسيفِ.
قال: ولا يُكْرَهُ اليهودُ والنصارَى والمجوسُ إذا أعطَوُا الجِزْيةَ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عُيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سَمِعْتُ مجاهدًا يقولُ لغلامٍ له نصرانيٍّ: يا جريرُ أَسْلِمْ.
ثم قال: هكذا كان يقالُ لهم (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ قال: فذلك لمّا دخَل الناسُ في الإسلامِ، وأَعْطَى أهلُ الكتابِ الجِزْيةَ (١).
وقال آخرون: هذه الآية منسوخةٌ، وإنَّما نزَلتُ قبلَ أَن يُفْرَضَ القتالُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يعقوبُ بن عبدِ الرحمنِ الزُّهْرِيُّ، قال: سألتُ زيدَ بن أَسلمَ عن قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بمكة عشر سنينَ لا يُكْرِهُ أحدًا في الدينِ، فأبى المشرِكون إلا أن يُقاتِلُوهم، فاستأْذَنَ الله في قتالِهم، فأَذِن له (٢).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في خاصٍّ من الناسِ.
وقال: عنَى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
أهلَ الكتابَين والمجوسَ، وكلَّ مَن جاز (٣) إقرارُه على دينِه المخالفِ دينَ الحقِّ، وأَخْذُ الجزيةِ منه.
وأنكَر (٤) أن يكونَ منها شيءٌ منسوخٌ (٥).
وإنّما قلْنا: هذا القولُ أَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ؛ لما قد دَلَّلْنا عليه في كتابِنا "اللطيف من البيانِ عن أُصولِ الأحكامِ"، من أنَّ الناسخ غيرُ كائنٍ ناسخًا إلا ما نَفَى حكمَ المنسوخِ، فلم يَجُزِ اجتماعُهما [فيما قد] (١) كان ظاهرُه العمومَ من الأمرِ والنَّهْيِ وباطنُه الخصوصَ، فهو من الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مستحيلٍ أن يقالَ: لا إكراةَ لأحدٍ ممن أُخِذَتْ منه الجِزْيةُ في الدينِ.
ولم يكنْ في الآيةِ دليلٌ على أن تأويلَها بخلافِ ذلك، وكان المسلمون جميعًا قد نَقلُوا عن نبيِّهم ﷺ أنه أَكْرَه على الإسلامِ قومًا، فأبَى أن يَقْبَلَ منهم إلا الإسلامَ وحَكَم بِقَتْلِهِم إِن امتنعُوا منه، وذلك كعَبَدةِ الأوثانِ من مشرِكي العربِ، وكالمرتدِّ عن دينِه، دينِ الحقِّ، إلى الكفرِ، ومَن أَشبَههم، وأنه ترَك إكراهَ آخرِين على الإسلامِ بقَبُولِه الجِزْيةَ منه، وإقرارِه على دينِه الباطلِ، وذلك كأهلِ الكتابَيْن [والمجوسِ] (٢) ومَن أَشبَههم - كان بيِّنًا بذلك أن معنَى قولِه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
إنما هو: لا إكراهَ في الدينِ لأحدٍ من حَلَّ قبولُ الجِزْيةِ منه، بأدائِه الجِزيةَ، ورضاه بحكمِ الإسلامِ، وألا معنَى لقولِ مَن زعَم أن الآيةَ منسوخةُ الحكمِ بالإذنِ بالمحاربةِ.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما رُوِى عن ابن عباسٍ وعمَّن رَوى عنه، من أنّها نزَلتْ في قومٍ من الأنصارِ أرادُوا أن يُكْرِهوا أولادَهم على الإسلامِ؟
قلْنا: ذلك غيرُ مدفوعةٍ صحتُه، ولكنَّ الآيةَ قد تَنزِلُ في خاصٍّ من الأمرِ، ثم يكونُ حُكْمُها عامًّا في كلِّ ما جانَس المعنَى الذي أُنزِلتُ فيه، فالذين أُنزِلتُ فيهم هذه الآيةُ، على ما ذكَر ابن عباسٍ وغيرُه، إنما كانوا قومًا دانُوا بدينِ أهلِ التوراةِ، قبلَ ثُبوتِ عَقْدِ أهلِ الإسلامِ لهم، فنَهَى اللَّهُ تعالى ذكرُه عن إكراهِهم على الإسلامِ، وأَنزَل بالنَّهْيِ عن ذلك آيةً يَعُمُّ حُكْمُها كلَّ مَن كان في مثلِ معناهم ممن كان على دينٍ من الأديانِ التي يجوزُ أخذُ الجِزْيةِ من أهلِها، وإقرارُهم عليها على النحوِ الذي قلْنا في ذلك.
ومعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا يُكْرَهُ أحدٌ في دينِ الإسلامِ عليه.
وإنما أُدْخِلَت الألفُ واللامُ في الدينِ تَعْريفًا (١) للدينِ الذي عنَى اللَّهُ بقولِه: لا إكراهَ فيه.
وأنه هو الإسلامُ.
وقد يَحتمِلُ أن تكونا (٢) أُدْخِلنَا عَقِيبًا من الهاءِ المَنْوِيَّةِ في "الدينِ"، فيكونُ معنى الكلامِ حينئذٍ: وهو العليُّ العظيمُ، لا إكراهَ في دينِه، قد تَبَيَّنُ الرُّشْدُ مِن الغَيِّ.
وكان هذا القولَ أشبهُ بتأويلِ الآيةِ عندي.
وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾.
فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: رَشَدْتُ فأنا أَرْشُدُ رُشْدًا ورشَدا ورَشَادًا، وذلك إذا أصاب الحقَّ والصوابَ.
وأما "الغَيُّ"، فإنه مصدرٌ من قولِ القائلِ: قد غَوَى فلانٌ فهو يَغْوِى غَيًّا وغَوايةً.
وبعضُ العربِ يقولُ: غَوِيَ فلانٌ يَغْوَى.
والذي عليه قراءةُ القرأةِ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].
بالفتحِ، وهي أفصحُ اللُّغَتَين، وذلك إذا عدا الحقَّ وتجاوزَه فضَلَّ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: قد وَضَح الحقُّ من الباطلِ، واستبان لطالبِ الحقِّ والرَّشادِ وجهُ مَطْلَبِه، فتَمَيَّزَ من الضَّلالةِ والغَوايةِ، فلا تُكْرِهُوا أحدًا (٣) من أهلِ الكتابَين ومَن أَبَحْتُ لكم أَخْذَ الجِزْيةِ منه، على دينِكم دينِ الحقِّ، فإنَّ مَن حادَ عن الرَّشادِ بعدَ استبانتِه له، فإلى ربِّه أمرُه، وهو وليُّ عُقوبتِه في مَعادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "الطاغوتِ"؛ فقال بعضُهم: هو الشيطانُ.
ذكرُ من قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ العَبْسِيِّ (١) قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: الطاغوتُ الشيطانُ (٢).
حدثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثني [ابن أبي عديٍّ] (٣)، عن شعبةَ، عن أبي إسحاقَ، عن حسانَ بن فائدٍ، عن عمرَ مثلَه (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٥).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريَّا، عن الشَّعبيِّ، قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٦).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: الطاغوتُ الشيطانُ (٦).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: الطاغوتُ الشيطانُ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾.
قال: بالشيطانِ (٢).
وقال آخرون: الطاغوتُ هو الساحرُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودٌ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ (٣).
وقد خُولِف عبدُ الأعلى في هذه الروايةِ، وأنا ذاكرٌ الخلافَ بعدُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا حمادُ (٤) بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال: الطاغوتُ الساحرُ (٥).
وقال آخرون: بل الطاغوتُ الكاهنُ (٦).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: حدَّثنا شعبةُ (٧)، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (١).
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الطاغوتُ الكاهنُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ قال: كُهَانٌ تَنَزَّلُ عليها شياطينُ، يُلْقُون على ألسنتِهم وقلوبِهم، أخبرَني أبو الزبيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ أنه سمِعه يقولُ - وسُئِل عن الطواغيتِ التي كانوا يَتحاكَمُون إليها - فقال: كان في جُهينةَ واحدٌ، وفي أَسلمَ واحدٌ، وفى كلِّ حَيٍّ واحدٌ، وهى كُهَانٌ يَنزِلُ عليها الشيطانُ (٣).
والصوابُ من القولِ عندي في الطاغوتِ أنه كلُّ ذي طُغْيانٍ طغى على اللَّهِ فعُبِد مِن دونِه، إمَّا بقَهْرٍ منه لمن عبَده، وإما بطاعةٍ ممن عبَده له؛ إنسانًا كان ذلك المعبودُ، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صَنَمًا، أو كائنًا ما كان من شيءٍ.
وأَرى أن أصلَ الطاغوتِ: الطَّغَوُوتُ، من قولِ القائلِ: طغَا فلانٌ يَطْغُو.
إذا عدَا قَدْرَه، فتجاوَز حدَّه، كالجَبَروتِ من التَّجَبُّرِ، [والخَلَبُوتِ من الخَلْبِ] (٤)، ونحوِ ذلك من الأسماءِ التي تأتِى على تقديرِ "فَعَلُوت" بزيادةِ الواوِ والتاءِ، ثم نُقِلَتْ لامُه - أَعْنِى لامَ الطغَوُوتِ - فجُعَلَتْ له عَينًا، وحُوِّلَتْ عَينُه، فجُعِلَت مكانَ لامِه، كما قيل: جَبَذ وجَذَب، وجابِدٌ وجاذِبٌ، وصاعِقةٌ وصاقِعةٌ.
وما أَشبه ذلك من الأسماءِ التي تأتى على هذا المثالِ.
فتأويلُ الكلام إذن: فمن يَجْحَدُ رُبوبِيَّةَ كلِّ معبودٍ من دونِ اللَّهِ، فيَكْفُرْ به ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ يقولُ: ويُصدِّقْ باللَّهِ أنه إلهُه وربُّه ومعبودُه [دونَ غيرِه] (١)، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ يقولُ: فقد تمسَّك بأَوثقِ ما يَتَمَسَّكُ به مَن طلَب الخلاصَ لنفسِه مِن عذابِ اللَّهِ وعقابِه.
كما حدَّثني أحمدُ بنُ سعيدِ بن يعقوبَ الكنديُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، عن حُميدِ بن عُقبةَ، عن أبي الدَّرْداءِ، أنه عاد مريضًا من جِيرتِه، فوجَده في السَّوْقِ (٢) وهو يُغَرْغِرُ، لا يَفْقَهون ما يريدُ، فسألهم: يريدُ أن يَنْطِقَ؟
قالوا: نعم، يريدُ أن يقولَ: آمنْتُ باللَّهِ، وكفَرْتُ بالطاغوتِ.
قال أبو الدَّرْداءِ: وما عِلْمُكم بذلك؟
قالوا: لم يَزَلْ يُرَدِّدُها حتى انكسَر لسانُه، فنحن نعلمُ أنه إنّما يريدُ أن يَنْطِقَ بها.
فقال أبو الدَّرْداءِ: أفلَح صاحبُكم، إن اللَّهَ يقولُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
والعُرْوةُ في هذا المكانِ مَثَلٌ للإيمانِ الذي اعْتَصَم به المؤمنُ، فشَبَّهه فِي تَعَلُّقِه به وتَمَسُّكِه، بالمُتَمَسِّكِ بعُروةِ الشيءِ الذي له عُروةٌ يُتَمَسَّكُ بها، إذ كان كلُّ ذى عُروةٍ فإنَّما يَتَعَلَّقُ مَن أرادَه بعُروتِه.
وجعَل جل ثناؤه الإيمانَ الذي تَمَسَّكَ به الكافرُ بالطاغوتِ المؤمنُ باللَّهِ، مِن أَوْثَقِ عُرَى الأشياءِ بقولِه: ﴿الْوُثْقَى﴾.
و "الوُثْقَى" فُعْلَى، مِن الوَثاقِة، يقالُ في الذكَرِ: هو الأَوْثَقُ.
وفى الأنثى: هي الوُثْقَى.
كما يقالُ: فلانٌ الأفضلُ، وفلانةُ الفُضْلَى.
وبنحوِ ما قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ [في قولِه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [(١).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.
قال: الإيمانُ (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: العُرْوةُ الوُثْقَى هو الإسلامُ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ، عن جعفرٍ - يَعْنِى ابنَ أبي المغيرةِ - عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: لا إلهَ إِلا اللَّهُ (٤).
حدثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي السوداءِ النَّهْدِيِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ مثلَه.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [قال: لا إلهَ إلا اللَّهُ] (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾: لا انكسارَ لها.
والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿لَهَا﴾ عائدةٌ على "العُروةِ".
ومعنى الكلامِ: فمن يَكفُرْ بالطاغوتِ ويؤمنْ باللَّهِ، فقد اعتصَم مِن طاعةِ اللَّهِ بما لا يُخْشَى مع اعتصامِه به (٢) خذْلانُه إيَّاه، وإسلامُه عندَ حاجتِه إليه في أهوالِ الآخرةِ، كالمُسْتَمْسكِ بالوثيقِ مِن عُرَى الأشياءِ التي لا يُخشَى انكسارُ عُراها.
وأصلُ الفَصْمِ: الكَسْرُ، ومنه قولُ أعشَى بني ثعلبةَ (٣): ومَبْسِمَها عن شَتِيتِ (٤) النَّبا … تِ غيرِ أَكَسَّ (٥) ولا مُنْفَصِمْ (٦) وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾.
قال: لا يُغَيِّرُ اللَّهُ ما بقومٍ حتى يُغَيِّرُوا ما بأنفسِهم (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ قال: لا انقطاعَ لها (٢).
القول في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾.
يَعنى جل ثناؤُه: واللَّهُ سميعٌ إيمانَ المؤمنِ باللَّهِ وحدَه، الكافرِ بالطاغوتِ عندَ إقرارِه بوَحْدانيَّةِ اللَّهِ جلَّ ذكرُه، وتَبَرُّئِه من الأندادِ والأوثانِ التي تُعبَدُ من دونِ اللَّهِ، عليمٌ بما عزَم عليه مِن توحيدِ اللَّهِ وإخلاصِ رُبوبيَّتِه قلبُه، وما انْطَوَى عليه من البَراءةِ مِن الآلهةِ والأصنامِ والطَّواغيتِ، ضميرُه، وبغيرِ ذلك مما أخْفَتْه نفسُ كلِّ أحدٍ مِن خلقِه، لا يَنْكَتِمُ عنه سرٌّ، ولا يَخْفَى عليه أمرٌ، حتى يُجازيَ كلًّا يومَ القيامةِ بما نطَق به لسانُه، وأَضْمَرَتْه نفسُه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
يَعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: نَصِيرُهم وظَهِيرُهم، يَتَوَلّاهم بعَوْنِه وتوفيقِه، ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يَعنى بذلك: يُخْرِجُهم من ظُلُماتِ الكفرِ إلى نورِ الإيمانِ.
وإنما عنَى بالظُّلُماتِ في هذا الموضعِ الكفرَ، وإنما جعَل الظُّلُماتِ للكفرِ مَثَلًا؛ لأن الظُّلُمَاتِ حاجبةٌ للأبصارِ عن إدراكِ الأشياءِ وإثباتِها، وكذلك الكفرُ حاجبٌ أبصارَ القلوبِ عن إدراكِ حقائقِ الإيمانِ، والعلمِ بصحتِه وصحةِ أسبابِه، فأخبَر تعالى ذكرُه عبادَه أنه وَلِيُّ المؤمنين، ومُبَصِّرُهم حقيقةَ الإيمانِ وسُبُلَه وشرائعَه وحُجَجَه، وهادِيهم، فمُوَفِّقُهم لأَدِلَّتِه المُزِيلةِ عنهم الشكوكَ، بكَشْفِه عنهم دواعِىَ الكفرِ وظُلَمَ سواترِه (١) أبصارَ القلوبِ.
ثم أخبَر تعالى ذكرُه عن أهلِ الكفرِ به، فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعنى الجاحدِين وَحْدانِيَّتَه ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ﴾ يعنى: نُصَراؤُهم وظُهَراؤُهم الذين يَتَوَلَّوْنهم ﴿الطَّاغُوتُ﴾ يعنى: الأندادُ والأوثانُ الذين يَعْبُدُونهم من دونِ اللَّهِ، ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يَعنى بالنورِ الإيمانَ، على نحوِ ما بَيَّنَّا ﴿إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ويَعنى بالظُّلُماتِ ظُلُماتِ الكفرِ وشكوكَه الحائلةَ دونَ إبصارِ القلوبِ، ورؤيةِ ضياءِ الإيمانِ، وحقائقِ أَدِلَّتِه وسُبُلِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
يقولُ: مِن الضَّلالةِ إلى الهُدَى، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾: الشيطانُ ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
يقولُ: من الهُدَى إلى الضَّلالةِ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾: الظُّلُمات الكفرُ، والنورُ الإيمانُ، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾: يُخرِجونَهم من الإيمانِ (٢) إلى الكفرِ (٣).
حدَّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا ابنَ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
يقولُ: من الكفرِ إلى الإيمانِ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ يقولُ: من الإيمانِ إلى الكفرِ (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن عَبْدَةَ (٥) بن أبي لُبابةَ، عن مجاهدٍ، أو مِقْسَمٍ في قولِ اللَّهِ جلَّ وعز: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
قال: كان قومٌ آمَنوا بعيسى، وقومٌ كفَروا به، فلما بَعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ آمَن به الذين كفَروا بعيسى، وكفَر به الذين آمنوا بعيسى، [فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُخرِجُهم مِن كُفْرِهم بعيسى] (٦) إلى الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ آمنوا بعيسى وكفَروا بمحمدٍ، ﷺ، قال: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١).
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا المُعْتَمرُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ منصورًا، عن رجلٍ، عن عَبْدَةَ بن أبي لُبابةَ قال في هذه الآيةِ: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ إلى ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
قال: هم أناسٌ كانوا آمَنوا بعيسى ابن مريمَ، فلما جاءهم محمدٌ ﷺ كفروا (٢) به، وأُنزِلتْ فيهم هذه الآيةُ (٣).
وهذا القولُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ وعَبْدةَ بن أبي لُبابةَ، يَدُلُّ على أن الآيةَ معناها الخصوصُ، وأنها، إن كان الأمرُ كما وصَفْنا، نزلَتْ في مَن كفَر مِن النَّصارَى بمحمدٍ ﷺ، وفى مَن آمَن بمحمدٍ ﷺ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، الذين لم يكونوا مُقِرِّين بنبوَّةِ عيسى ﵇، ومن سائرِ المللِ التي كان أهلُها يُكَذِّبُ بعيسى.
فإن قال قائلٌ: أو كانت النَّصارَى على حقٍّ قبلَ أن يُبْعَثَ محمدٌ ﷺ، فيُكذَّبوا به؟
قيل: مَن كان منهم على مِلَّةِ عيسى ابن مريمَ صلَواتُ اللَّهِ عليه فكان على حقٍّ، وإياهم عنَى اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
فإن قال قائلٌ: فهل يَحمِلُ قولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
أن يكونَ مَعْنِيًّا به غيرُ الذين ذكَر مجاهدٌ [وعبْدةُ] (١)، أنهم عُنُوا به من المؤمِنين بعيسى، أو غيرُ أهلِ الرِّدَّةِ عن (٢) الإسلامِ؟
قيل: نعم، يَحتمِلُ أن يكونَ معنى ذلك: والذين كفَروا أولياؤُهم الطاغوتُ، يَحُولون بينَهم وبينَ الإيمانِ، ويُضِلُّونهم فيَكْفُرون، فيكونُ تَضْلِيلُهم إيَّاهم حتى يَكفُروا إخراجًا منهم لهم مِن الإيمانِ، بمعنى صدِّهم إيّاهم عنه، وحِرْمانِهم إياهم خيْرَه، وإن لم يكونوا كانوا فيه قطُّ، كقولِ الرجلِ: أَخْرَجني والدِي من ميراثِه.
إذا ملَّك ذلك في حياتِه غيرَه، فحَرَمه منه حَظَّه (٣)، ولم يَمْلِكْ ذلك القائلُ هذا الميراثَ قطُّ فيَخْرُجَ منه، ولكنّه لمّا حُرِمَه، وحِيلَ بينَه وبينَ ما كان يكونُ له لو لم يُحْرَمْه، [قيل: أخرَجَه] (٤) منه.
وكقولِ القائلِ: أَخْرَجَني فلانٌ مِن كَتِيبتِه.
يَعنى: لم يَجْعَلْني مِن أهلِها، ولم يكنْ فيها قَطُّ قبلَ ذلك، فكذلك قولُه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾.
مُحْتَمِلٌ (٥) أن يكونَ إخراجُهم إيَّاهم من الإيمانِ إلى الكفرِ على هذا المعنى، وإن كان الذي قاله مجاهدٌ [وعَبْدةُ] (٦) أَشبهَ بتأويلِ الآيةِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ﴾ فجمَع خبرَ الطاغوتِ بقولِه: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾.
والطاغوتُ واحدٌ؟
قيل: إن الطاغوتَ اسمٌ لجماعٍ وواحدٍ، وقد يُجْمَعُ "طَواغيت".
وإذا جُعِل واحدُه وجَمْعُه بلفظٍ واحدٍ كان نظيرَ قولِهم: رجلٌ عَدْلٌ، وقومٌ عَدْلٌ.
ورجلٌ فِطْرٌ.
وقومٌ فِطْرٌ (١).
وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي يأتي مُوَحَّدًا في اللفظِ واحدُها وجمعُها، وكما قال العباسُ بنُ مِرْداسٍ (٢): فَقُلْنا أَسْلِمُوا إِنَّا أخُوكُمْ … فقد بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ (٣) الصُّدورُ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾.
يعنى جل ثناؤه بذلك: هؤلاءِ الذين كفَروا أصحابُ النارِ الذين يُخَلَّدُون فيها - يَعنى: في نارِ جهنمَ - دونَ غيرِهم من أهلِ الإيمانِ، إلى غيرِ غايةٍ ولا نهايةِ أبدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾: ألم ترَيا محمدُ بقلبِك إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟
يَعنى الذي خاصَم إبراهيمَ - يعنى إبراهيمَ نبيَّ اللَّهِ ﷺ في ربِّه؛ ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.
يعنى بذلك: حاجَّه فخاصمَه في ربِّه؛ لأنَّ اللَّهَ آتاه الملكَ.
وهذا تَعْجِيبٌ من اللَّهِ تعالى ذكرُه نبيَّه محمدًا ﷺ مِن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه، ولذلك أُدْخِلَت ﴿إِلَى﴾ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾.
وكذلك تفعلُ العربُ إذا أرادتِ التَّعْجِيبَ من رجلٍ في بعضِ ما أَنكرَتْ مِن فَعْلِه، قالوا: أَمَا ترَى إلى هذا؟
والمعنى: هل رأيتَ مثلَ هذا، أو كهذا؟
وقيل: إن الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه جَبّارٌ كان يبابِلَ، يقالُ له: نُمْروذُ (١) بنُ كَنْعانَ بن كُوشِ (٢) بن سامِ بن نوحٍ، وقيل: إِنه نُمْرُوذُ بنُ فالَخَ بن عابَرَ بن شالَخَ (٣) بن أَرْفَخْشدَ (٤) بن سامِ بن نوحٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.
قال: هو نُمْرُوذُ بنُ كَنْعانَ (٥).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثني أبو نُعيمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن النَّضْرِ بن عَرَبيٍّ (١)، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
قال: كُنّا نُحَدَّثُ أنه مَلِكٌ يقالُ له: نُمروذُ.
هو أولُ مَلِكٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: هو جبّارٌ (٣) اسمُه نُمْرُوذُ، وهو أولُ من تجَبَّرَ في الأرضِ، حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾.
قال: ذُكِر لنا أن الذي حاجَّ إبراهيمَ (٥)، كان مَلِكًا يقالُ له: نُمْرُوذُ.
وهو أولُ جَبَّارٍ تَجَبَّرَ في الأرضِ، وهو صاحبُ الصَّرْحِ ببابِلَ (٦).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هو نُمْرُوذُ بن كَنْعَانَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: هو نُمْرُوذُ (٧).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ مثلَه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبَرني زيدُ بنُ أسلمَ بمثلِه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ كَثيرٍ أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: هو نُمْرُوذُ.
قال ابن جُريجٍ: هو نُمْرُوذُ، ويقالُ: إنه أولُ مَلِكٍ في الأرضِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨)﴾.
يَعنى جلّ ثناؤه بذلك: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه حينَ قال له إبراهيمُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
يعنى بذلك: رَبِّيَ الذي بيدِه الحياةُ والموتُ، يُحْيي مَن يشاءُ، ويُمِيتُ مَن أراد بعدَ الإحياءِ.
قال: أنا أفعلُ ذلك، فأُحْيِي وأُمِيتُ، أَسْتَحْيِي مَن أُرِيدُ (٤) قتْلَه، فلا أَقتُلُه، فيكونُ ذلك منى إحياءً له - وذلك عندَ العربِ يُسَمَّى إحياءً، كما قال اللَّهُ: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] - وأَقْتُلُ آخَرَ، فيكونُ ذلك منى إِماتةً له.
قال إبراهيمُ له: فإن اللَّهَ الذي هو ربِّي يَأْتِي بالشمسِ من مَشْرقِها، فأْتِ بها، إن كنتَ صادقًا أنك إلهٌ، مِن مَغْرِبِها.
قال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
يَعنى: انْقَطَع وبَطَلَتْ حُجَّتُه.
يقالُ منه: بُهِتَ يُبْهَتُ بَهْتًا.
وقد حُكِى عن بعضِ العربِ أنها تقولُ بهذا المعنى: بَهَتَ.
ويقالُ: بَهَتُّ الرجلَ.
إذا افْتَرَيْتَ عليه كَذِبًا، بَهْتًا وبُهْتَانًا وَبَهَاتةً.
وقد رُوِيَ عن بعضِ القرأةِ أنه قرَأ: (فَبَهَت الذي كَفَر) (١).
بمعنى: فَبهَتَ إبراهيمُ الذي كفَر.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾: وذُكِر لنا أنه دَعا برجلَين، فقتَل أحدَهما، واسْتَحْيَا الآخرَ، فقال: أنا أُحيِى [وأُمِيتُ؛ إني] (٢) أَسْتَحْيِي مَن شِئْتُ، وأَقتُلُ مَن شِئْتُ.
قال إبراهيمُ عندَ ذلك: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾.
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ أقتُلُ مَن شِئْتُ، وأَسْتَحْيِي مَن شِئْتُ؛ أَدَعُه حَيًّا فَلا أقتُلُه.
وقال: مَلَكَ الأَرضَ مَشْرِقَها ومَغْرِبَها أربعةُ نَفَرٍ، مؤمِنان وكافِران؛ فالمؤمِنان سليمانُ بن داودَ وذو القَرْنَين؛ والكافران: بُخْتُنَصَّرَ ونُمْرُوذُ بنُ كَنْعَانَ، لم يَمْلِكُها غيرُهم (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن زيدِ بن أسلمَ: إنَّ (٢) أولَ جَبَّارٍ كان في الأرضِ نُمْرُوذُ، وكان الناسُ يَخرُجُون فيَمْتارُون (٣) من عندِه الطعامَ، فخرَج إبراهيمُ يَمْتارُ مع مَن يَمْتارُ، فإذا مَرَّ به ناسٌ قال: مَن ربُّكم؟
قالوا: أنت.
حتى مرَّ إبراهيمَ، قال: مَن ربُّك؟
قال: الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ.
قال: أنا أُحْيي وأُميتُ.
قال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال: فردَّه بغيرِ طعامٍ، فرجَع إبراهيمُ إلى (٤) أهلِه، فمرَّ على كَثيبٍ (٥) أعفرَ، فقال: ألَّا آخُذُ مِن هذا فأتِيَ به أهلى، فتَطِيبَ أنفسُهم حينَ أدخُلُ عليهم.
فأخَذَ منه فأتَى أهلَه، قال: فوضَع متاعَه ثم نام، فقامتِ امرأتُه إلى متاعِه، ففَتَحَتْه، فإذا هي بأجودِ طعامٍ [رآه أحدٌ] (٦)، فصَنَعَتْ له منه، فقرَّبَتْه إليه - [وكان عهدِ أهلَه ليس عندَهم طعامٌ] (٧) - فقال: من أين هذا؟
قالت: من الطعامِ الذي جِئْتَ به.
فعَلِم أن اللَّهَ رزَقه، فحَمِد اللَّهَ، ثم بعَث اللَّهُ إلى الجَبَّارِ مَلَكًا أنْ آمِنْ بى وأَترُكَكَ على مُلْكِك.
قال: وهل ربٌّ غيرِى؟
فجاءه الثانيةَ، فقال له ذلك، فأبَى عليه، ثم أتاه الثالثةَ، فأبى عليه، فقال له المَلَكُ: اجْمَعُ جُموعكَ إلى ثلاثةِ أيامٍ، فجمَع الجبارُ جُموعَه، فأمَر اللَّهُ الملَكَ، ففتَح عليه بابًا من البَعوضِ، فطلَعتِ الشمسُ فلم يَرَوْها من كَثْرتِها، فبعَثها اللَّهُ عليهم، فأكلَتْ لُحومَهم، وشَرِبَت دماءَهم، فلم يَبْقَ إلا العِظامُ، والملِكُ كما هو لم يُصِبْه من ذلك شيءٌ، فبعَث اللَّهُ عليه بَعوضةً، فدخَلت في مَنْخَرِه، فمكَث أربعَمائةِ سنةٍ يُضْرَبُ رأسُه بالمَطارقِ، وأَرْحمُ الناسِ به من جمَع يدَيْه وضَرَب بهما رأسَه، وكان جبارًا أربعَمائةِ عامٍ، فعذَّبه اللَّهُ أربعَمائةِ سنةٍ كمُلكِه (١)، وأماتَه اللَّهُ، وهو الذي بني صرحًا إلى السماءِ، فأتى اللَّهُ بنيانَه مِن القواعدِ، وهو الذي قال اللَّهُ: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ (٢) [النحل: ٢٦].
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
قال: هو نُمْروذُ بنُ كَنْعانَ، كان بالمَوْصلِ والناسُ يَأْتُونه، فإذا دخَلوا عليه، قال: مَن ربُّكم؟
فيَقُولون: أنتَ.
فيقولُ: أمِيرُوهم (٣).
فلما دخَل إبراهيمُ ومعه بعيرٌ خرَج يَمْتازُ به لولدِه، قال: فعرَضهم كلَّهم، فيَقُولُ: مَن ربُّكم؟
فيَقُولون: أنتَ.
فيَقولُ: أمِيروهم.
حتى عرَض إبراهيمَ مرتين، فقال: مَن ربُّك؟
قال: ربيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ.
قال: أنا أُحْيى وأُمِيتُ؛ إن شِئْتُ قَتَلْتُك فأَمَتُّك، وإن شِئْتُ اسْتَحْيَيْتُك.
فقال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
قال: أخرِجوا هذا فلا تُمِيرُوه شيئًا.
فخرَج القومُ كلُّهم قد امتاروا، وجُوالقَا (١) إبراهيمَ يَصْطَفِقان (٢).
قال (٣): حتى إذا نظَر إلى سوادِ جبالِ أهلِه، قال: لَيحْزُنُني صبييَّ (٤) إسماعيلُ وإسحاقُ، لو أنى ملأتُ هذين الجُوالِقَين مِن هذه البطحاءِ فذهَبْتُ بهما، قَرَّتْ عَيْنا صبييَّ، حتى إذا كان الليلُ أَهْرَقْتُه.
قال: فمَلأهما ثم خَيَّطَهما، ثم جاء بهما، [فنَزا عليه] (٥) الصبيَّان فَرَحًا، وألْقى رأسَه في حَجْرِ سارةَ ساعةً، ثم قالت: ما يُجْلِسُني؟
قد جاء إبراهيمُ تَعِبًا لَغِبًا (٦)، لو قُمْتُ فصنَعت له طعامًا إلى أن يَقُومَ!
قال: فأخَذَتْ وِسادةً، فأدْخَلَتْها مكانَها، وانْسَلَّت قليلًا قليلًا لئلّا تُوقِظَه، قال: فجاءَت إلى إحدى الغِرارَتين (٧) فقَتَقَتْها، فإذا حُوَّارَى (٨) من النَّقيِّ، لم يَرَوْا مثلَه عندَ أحدٍ قَطُّ، فأخَذتْ منه، [فعجنَتْه وصنعَتْه] (٩)، فلما أتَت تُوقِظُ إبراهيمَ، جاءَته حتى وضعَتْه بين يَدَيْه، فقال: أيُّ شيءٍ هذا يا سارَةُ.
قالت: من جُوالِقِكَ، لقد جئتَ وما عندَنا قليلٌ ولا كثيرٌ.
قال: فذهَب يَنْظُرُ إلى الجُوالِقِ الآخَرِ، فإذا هو مثلُه، فعرَف مِن أين ذاك (١٠).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: لمّا قال له إبراهيمُ: ربيَ الذي يُحْيِي ويُميتُ.
قال هو - يعنى نُمْروذَ -: فأنا أُحْيِي وأُمِيتُ.
فدعا برجلين، فاسْتَحْيَا أحدَهما وقتَل الآخَرَ.
قال: أنا أُحْيِي وأُمِيتُ؛ إني (١) أسْتَحْيِي مَن شِئْتُ.
فقال إبراهيمُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما خرَج إبراهيمُ مِن النارِ، أدخَلوه على الملكِ، ولم يَكُنْ قبلَ ذلك دخَل عليه، فكلَّمه، وقال له: من ربُّك؟
قال: ربيَ الذي يُحْيِي ويُمِيتُ.
قال: نُمْروذُ: أنا أحْيِي وأُمِيتُ؛ أنا آخُذُ (٣) أربعةَ نفَرٍ فأُدخِلُهم (٤) بيتًا، فلا يُطْعَمُون ولا يُسقَوْن، حتى إذا هلَكوا مِن الجوعِ أطْعَمْتُ اثنين وسَقَيْتُهما فعاشَا، وتَرَكْتُ اثنين فماتَا.
فَعرَفَ إبراهيمُ أن له قدرةً بسلطانِه ومُلكِه على أن يَفْعَلَ ذلك، قال له إبراهيمُ: فإن اللَّهَ (٥) يأتى بالشمسِ مِن المشْرقِ، فأتِ بها مِن المغربِ.
فبُهِت الذي كفَر، وقال: إن هذا إنسانٌ مجنونٌ، فأخْرِجوه، ألا تَرَوْن أنه مِن جنونِه اجْتَرأ على آلهتِكم فكسَرها، وأن النارَ لم تَأْكُلْه.
وخشِي أن يَفْتَضِحَ في قومِه، [أعنى نُمْروذَ] (٦)، وهو قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].
وكان يَزْعُمُ أنه ربٌّ، فأمَر بإبراهيمَ فأُخْرِج (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يَقُولُ: قال: أنا أحْيِي وأُمِيتُ: أُحْيِي فلا أَقْتُلُ، وأُمِيتُ مَن قَتَلْتُ.
قال ابن جُريجٍ: كان أُتِي برجلين، فقَتَل أحدَهما وترَك الآخرَ، فقال: أنا أُحْيِي وأُمِيت.
قال: أقْتُلُ فأُمِيتُ مَن قَتَلْتُ، وأُحْيِي.
قال: أَسْتَحْيِي فلا أقْتُلُ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ذُكِر لنا، واللَّهُ أعلمُ، أن نُمْروذَ قال لإبراهيمَ فيما يَقُولُ: أرَأيْت إلهَك هذا الذي تَعْبُدُه، وتَدْعو إلى عبادتِه، وتَذْكُرُ مِن قدرتِه التي تعَظِّمُه بها على غيرِه ما هو؟
فقال له إبراهيمُ: ربِّيَ الذي يُحْيِي ويُمِيتُ.
قال: نُمروذُ: فأنا أُحْيِي وأُمِيتُ.
فقال له إبراهيمُ: كيف تُحْيي وتُمِيتَ؟
قال: آخُذُ الرَّجُلَين قد اسْتَوجَبا القتلَ في حُكْمِي، فأقْتُلُ أحدَهما، فأكونُ قد أمَتُّه، وأعْفُو عن الآخرِ، فأتْرُكُه، فأكونُ قد أحْيَيْتُه.
فقال له إبراهيمُ عندَ ذلك: فإن اللَّهَ يَأتى بالشمسِ من المشرقِ، فأْتِ بها مِن المغربِ أعْرِفْ أنه كما تَقوُلُ.
فبُهِتَ عندَ ذلك نُمْروذُ، ولم يَرْجِعْ إليه شيئًا، وعرَف أنه لا يُطيقُ ذلك.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
يَعْنى: وقَعت عليه الحجةُ، يَعْنى نُمْروذَ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
يعنِى جلَّ ثناؤه بذلك: واللَّهُ لا يَهْدى أهلَ الكُفْرِ به إلى حجةٍ يَدْحَضُون بها حُجَجَ (١) أهلِ الحقِّ عندَ المحاجة والمخاصمةِ؛ لأن أهلَ الباطلِ حُجَجُهم داحضةٌ.
وقد بيَّنا أن معنى الظلمِ وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه (٢)، والكافرُ وضَع جُحُودَه ما جحَد في غيرِ موضعِه، فهو بذلك مِن فعلِه ظالمٌ لنفسِه.
وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال ابن إسحاقَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا يَهْديهم في الحُجَّةِ عندَ الخصومةِ لما هم عليه مِن الضلالِة (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
يَعْنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
نظيرَ الذي عَنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
مِن تَعْجيبِ محمدٍ ﷺ منه.
وقولُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
عطفٌ على قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
وإنما عطَف بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي﴾ على قولِه: ﴿إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾.
وإن اختلَف لفظاهما؛ لتشابهِ مَعْنَيَيْهما؛ لأن قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾.
بمعنى: هل رأَيتَ يا محمدُ كالذى حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟
ثم عطَف عليه بقولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
[كأَنَّه قال: هل رأيتَ كالذى حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه؟
أو كالذى مرَّ على قريةٍ] (٤)؟
لأن مِن شأنِ العربِ العَطْفَ بالكلامِ على معنًى نظيرٍ له قد تَقَدَّمَه، وإن خالَف لفظُه لفظَه.
وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن الكافَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾؟
زائدةٌ، وأن المعنى: ألم تَرَ إلى الذي حاجَّ إبراهيمَ؟
أو الذي (١) مَرَّ على قريةٍ.
وقد بَيَّنا فيما مَضَى قَبْلُ أنه غيرُ جائزٍ أن يَكُونَ في كتابِ اللَّهِ شيءٌ لا معنى له، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذي مَرَّ على قريةٍ وهى خاويةٌ على عُروشِها؛ فقال بعضُهم: هو عُزَيرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن ناجيةَ بن كعبٍ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
قال: عُزَيرٌ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو خُزَيمةَ، قال: سمِعتُ سليمانَ بنَ بُريدةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قال: هو عُزَيرٌ (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: ذُكِرُ لنا أنه عُزَيرٌ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (١).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه قولَه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قال: قال الربيعُ: ذكِر لنا، واللَّهُ أَعْلَمُ، أن الذي أتَى على القريةِ هو عُزَيرٌ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
قال: عُزَيرٌ (٢).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قال: عُزَيرٌ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يَقُولُ: أخبَرنا عُبيدُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: يقالُ (٣): إنه عُزَيرٌ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: قال لنا سَلْمٌ (٤) الخواصُ: كان ابن عباسٍ يَقُولُ: هو عُزَيرٌ (٥).
وقال آخرون: بل هو إِرْمِيَا (١) بنُ حَلْقِيَّا.
وزعَم محمدُ بنُ إسحاقَ أن إِرْمِيَا هو الخَضِرُ.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: حدَّثني ابن إسحاقَ، قال: اسمُ الخَضِرِ، فيما كان وهبُ بنُ مُنَبِّهٍ يَزْعُمُ عن بني إسرائيلَ، إِرْمِيَا بنُ حَلْقِيَّا، وكان مِن سِبطِ هارونَ بن عمرانَ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: إن إِرْمِيَا لما خُرِّب بيتُ المقدِس وحُرِّقتِ الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: هو إِرْمِيَا (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ [سَهْلِ بن] (٥) عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: سمِعت عبدَ الصمدِ بنَ مَعْقِلٍ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ مثلَه (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدِ بن عميرٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ قال: كان نبيًّا وكان اسمُه إِرْمِيَا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عبيدٍ، مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ (٣)، قال: يَقُولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه إرْمِيَا (٤).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقَالَ: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه عجَّب نبيَّه ﷺ ممن قال، إذ رأى قريةً خاويةً على عُروشِها: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
مع علمِه أنه ابتدَأ خَلْقَها مِن غيرِ شيءٍ، فلم يُقْنِعْه عِلمُه بقُدْرتِه على ابتدائِها، حتى قال: أنى يُحْيِيها اللَّهُ بعدَ موتِها؟
ولا بيانَ عندَنا مِن الوجهِ الذي يَصِحُّ مِن قِبَلِه البيانُ عن (٥) اسمِ قائلِ ذلك، وجائزٌ أن يكونَ عُزَيرًا، وجائزٌ أن يكونَ إِرْمِيَا، ولا حاجةَ بنا إلى معرفةِ اسمِه، إذ لم يكنِ المقصودُ بالآيةِ تعريفَ الخَلْقِ اسمَ قائلِ ذلك، وإنما المقصودُ بها تعريفُ المنكِرين قدرةَ اللَّهِ على إحيائِه خلقَه بعدَ مماتِهم، وإعادتِه إيّاهم بعدَ فنائِهم، وأنه الذي بيَدِه الحياةُ والموتُ، مِن قريشٍ ومَن كان يُكَذِّبُ بذلك مِن سائرِ العربِ، وتثبيتُ الحجةِ بذلك على مَن كان بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن يهودِ بني إسرائيلَ، بإطلَاعِه نبيَّه محمدًا ﷺ على ما يُزِيلُ شكَّهم في نبوَّتِه، ويَقْطَعُ عذرَهم في رسالتِه، إذ كانت هذه الأنباءُ التي أوحاها اللَّهُ إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ في كتابِه، مِن الأنباءِ التي لم يكنْ يَعْلَمُها محمدٌ ﷺ وقومُه، ولم يَكنْ علْمُ ذلك إلا عندَ أهلِ الكتابِ، ولم يكنْ محمدٌ ﷺ وقومُه منهم، بل كان أمِّيًّا، وقومُه أُمَّيُّون، فكان معلومًا بذلك - عندَ أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ الذين كانوا بينَ ظَهْرَانَيْ مُهاجَرِه - أن محمدًا ﷺ لم يَعْلَمْ ذلك إلا بوحيٍ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه إليه.
ولو كان (١) المقصودُ بذلك الخبرَ عن اسمِ قائلِ ذلك، لكانتِ الدَّلالةُ منصوبةً عليه نصبًا يَقْطَعُ العذرَ، ويُزيلُ الشكَّ، ولكنَّ القصدَ كان إلى ذمِّ قِيلِه، فأبان ذلك جلّ ثناؤه لخَلْقِه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في القريةِ التي مرَّ عليها القائلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
فقال بعضُهم: هي بيتُ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سهلِ بن عسكرٍ ومحمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قالا: ثنا إسماعيلُ بن عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لما رأى إِرمِيَا هَدَمَ (٢) بيتِ المقدسِ كالجبلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ معقلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ، قال: هي بيتُ المقدسِ (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ ذلك (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذكِر لنا أنه بيتُ المقدسِ، أتَى عليه عُزَيرٌ بعدَما خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ البابِليُّ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: إنه مَرَّ على الأرضِ المقدسةِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عِكْرِمةَ في قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ بها عُزَيرٌ بعدَ إِذ حَرَّبها بُخْتُنَصَّرَ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال: القريةُ بيتُ المقدسِ، مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خَرَّبَها بُخْتُنَصَّرَ (٣).
وقال آخرون: بل هي القريةُ التي كان اللَّهُ أهلَك فيها الذين خرَجوا مِن ديارِهم وهم ألوفٌ حذَرَ الموتِ، فقال لهم اللَّهُ: مُوتوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾.
قال: قريةٌ كانت (١) نزل بها الطاعونُ.
ثم اقْتَصَّ قصتَهم التي ذكَرناها في موضعِها عنه، إلى أن بلَغ.
﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]: في المكانِ الذي ذهَبوا يَبْتَغون فيه الحياةَ، فماتوا، ثم أحياهم اللَّهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣].
قال: ومَرَّ بها رجلٌ وهى عظامٌ تلوحُ، فوقَف يَنْظُرُ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ إلى قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك كالقولِ في اسمِ القائلِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
سواءٌ لا يَخْتَلِفان.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
يَعْنِى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾: وهي خاليةٌ مِن أهلِها وسكانِها، يقالُ مِن ذلك: خَوَت الدارُ تَخْوِى خَوَاءٌ وخُوِيًّا، وقد يُقالُ للقريةِ: خَوِيَت.
والأول أعْرَبُ وأفْصَحُ.
وأما في المرأةِ إذا كانت نُفَساءَ فإنه يقالُ: خَوِيت تَخْوَى? خَوًى.
مَنْقُوصًا، وقد يُقالُ فيها: خَوَتْ تَخْوِى.
كما يُقالُ في الدارِ، وكذلك: خَوَى الجَوفُ يَخْوِى خوًى (١) شديدًا.
ولو قِيل في الجوفِ ما قِيل في الدارِ، وفي الدارِ ما قِيل في الجَوْفِ، كان صوابًا، غيرَ أن الفصيحَ ما ذكَرتُ.
وأما العُروشُ، فإنها الأبنيةُ والبيوتُ، واحدُها عَرْشٌ، وجَمْعُ قليلِه أَعْرُشٌ، وكلُّ بناءٍ فإنه عَرْشٌ، ويُقالُ: [عَرَش فلانٌ، إذا بنَى - يَعْرِشُ ويَعرُشُ - عرشًا] (٢)، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] يعنِي: يَبْنُون.
ومنه قِيل: عَريشُ مكةَ، يعنِى به خيامَها وأبنيتَها.
وبمثلِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿خَاوِيَةٌ﴾: خرابٌ.
قال ابن جريجٍ: بلَغنا أن عُزَيرًا حرَج، فوقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بُخْتُنَصَّرَ، فوقَف فقال: أبْعدَ ما كان لك (٣) مِن المقدسِ والمُقاتِلةِ والمالِ ما كان!
فحزِن (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
قال: هي خرابٌ (٥).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَرَّ عليها عُزَيرٌ وقد خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يقولُ: ساقِطةٌ على سُقُفِها (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.
ومعنَى ذلك فيما ذُكِر (٣)، أن قائلَه لما مَرَّ ببيتِ المقدسِ، أو بالموضعِ الذي ذكَر اللَّهُ أنه مَرَّ به خرابًا بعدَ ما عهِده عامِرًا، قال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بَعْدَ خرابِها؟
(٤).
فقال بعضُهم: كان قِيلُه ما قال مِن ذلك شَكًّا في قدرةِ اللَّهِ على إحيائِه، فأراه اللَّهُ قدرتَه على ذلك، بضَرْبِه المَثَلَ له في نفسِه، ثم أراه الموضعَ الذي أنكَر قدرتَه على عِمارتِه وإحيائِه أحيا (٥) ما أراه (٦) قبلَ خرابِه، وأعْمَرَ ما كان قبلَ خرابِه، وذلك أن قائلَ ذلك كان - فيما ذُكِر لنا - عهِده عامرًا بأهلِه وسُكّانِه، ثم رآه خاويًا على عُرُوشِه، قد باد أهلُه، وشَتَّتَهم القتلُ والسَّباءُ، فلم يَبْقَ منهم بذلك المكانِ أحدٌ، وخَرِبت منازلُهم ودُورُهم، فلم يَبْقَ فيها إلا الأثرُ، فلمّا رآه كذلك بعدَ الحالِ التي عهِده عليها، قال: على أيِّ وجهٍ يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ خرابِها فيَعْمُرُها؟
استنكارًا - فيما قاله بعضُ أهلِ التأويلِ - فأراه اللَّهُ كيفيةَ إحيائِه ذلك، بمثَلٍ (١) ضرَبه له في نفسِه، وفيما كان [مِن إداوَتِه] (٢) وطعامِه، ثم عرَّفه قدرتَه على ذلك وعلى غيرِه، [بإظهارِ إحيائِه] (٣) ما كان عجبًا عندَه في قدرةِ اللَّهِ إحياؤُه لرأْيِ عينِه، حتى أبصَرَه ببصرِه، فلمّا رأَى ذلك، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وكان سببَ قِيلِه ذلك كالذى حدَّثني به ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهمُ، عن وهْبِ بن مُنَبِّهٍ اليمانيِّ أنه كان يَقُولُ: قال اللَّهُ لإرْمِيَا حينَ بعَثه نبيًّا إلى بني إسرائيلَ: يا إِرْمِيَا، مِن قبلِ أَن أَخْلُقَكَ اخْتَرْتُك، ومِن قبلِ أن أُصَوِّرَك في رَحِم أُمِّك قدَّسْتُك، ومِن قبلِ أن أُخْرِجَك مِن بطنِها طَهَّرْتُكَ، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ السعىَ نَبَّيْتُك (٤)، ومِن قبلِ أن تَبْلُغَ الأشُدَّ اختَرتُك (٥)، ولأمرٍ عظيمٍ اجْتَبَيْتُك.
فبعَث اللَّهُ ﵎ إِرْمِيَا إلى ملِكِ بني إسرائيلَ، يسدِدُه ويُرْشِدُه، ويأتيه بالخبرِ مِن اللَّهِ فيما بينَه وبينَه.
قال: ثم عَظُمت الأحداثُ في بنى إسرائيلَ، وركِبوا المعاصيَ، واستحَلُّوا المحارمَ، ونسُوا ما كان اللَّهُ صنَع بهم، وما نجّاهم مِن عدوِّهم سَنْحاريبَ، فأوحَى اللَّهُ ﷿ إلى إرميا: أنِ ائْتِ قومَك مِن بني إسرائيلَ، فاقْصُصْ عليهم ما آمُرُك به، وذَكِّرْهم نعمتى عليهم وعَرِفْهم إحداثَهم.
ثم ذكَر ما أرسَل اللَّهُ به إرْمِيا إلى قومِه مِن بنى إسرائيلَ، قال: ثم أوحَى اللَّهُ جلّ ثناؤه إلى إِرْمِيَا: إنى مُهْلِكٌ بني إسرائيلَ بيافِثَ.
ويافثُ أهلُ بابلَ، وهم [مِن ولدِ] (١) يافِثَ بن نوحٍ.
فلما سمِع إِرْمِيَا وَحْىَ ربِّه، صاح وبكَى وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرَّمادَ على رأسِه، فقال: ملعونٌ يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ لُقِّيتُ التوراةَ، ومِن شرِّ أيامي يومٌ ولِدتُ فيه، فما أُبقِيتُ آخِرَ الأنبياءِ إلا لما هو شرٌّ عليَّ، لو أراد بي خيرًا ما جعَلني آخرَ الأنبياءِ مِن بني إسرائيلَ، فمِن أجلى تصيبُهم الشِّقوةُ والهلاكُ.
فلما سمِعَ اللَّهُ تَضَرُّعَ الخَضِرِ وبكاءَه وكيف يَقُولُ، ناداه: يا إِرْمِيَا، أشَقَّ عليك ما أَوْحَيتُ إليك؟
قال: نعم يا ربِّ، أهلِكني [قبلَ أن أرى] (٢) في بني إسرائيلَ ما لا أُسَرُّ به.
فقال اللَّهُ ﵎: وعزَتي العزيزةِ لا أُهلِكُ بيتَ المقدسِ وبنى إسرائيلَ حتى يكونَ الأمرُ مِن قِبَلِك في ذلك.
ففرِح عندَ ذلك إِرْمِيا لِمَا قال له ربُّه، وطابَت نفسُه، وقال: لا والذي بعَث موسى وأنبياءَه بالحقِّ، لا آمُرُ ربي بهلاكِ بنى إسرائيلَ أبدًا.
ثم أتَى مَلِكَ بنى إسرائيلَ، وأخَبَره بما أوحَى اللَّهُ إليه، ففرِح واسْتَبْشَر، وقال: إن يعذِّبْنا ربُّنا فبذُنوبٍ كثيرةٍ قدَّمْناها لأنفسِنا، وإن عفا عنا فبقدرتِه.
ثم إنهم لبِثوا بعدَ هذا الوحي ثلاثَ سنين لم يَزْدادوا إلا معصيةً، وتماديًا (٣) في الشرِّ، وذلك حينَ اقترَب هلاكُهم، فقلَّ الوحيُ حينَ (٤) لم يَكُونوا يَتَذَكَّرون الآخرةَ، وأُمْسِك عنهم حينَ ألهَتْهم الدنيا وشأنُها، فقال لهم ملِكُهم: يا بنى إسرائيلَ، انْتَهوا عما أنتم عليه قبلَ أن يَمَسَّكم بأسُ اللَّهُ، وقبلَ أن يُبْعَثَ عليكم ملوكٌ لا رحمةَ لهم بكم، فإن ربَّكم قريبُ التوبةِ، مبسوطُ اليدين بالخيرِ، رحيمٌ بمن تاب إليه.
فأبَوْا عليه أن يَنْزِعوا عن شيءٍ مما هم عليه.
وإن اللَّهَ ﷿ الْقَى في قلبِ بُخْتِنَصَّرَ بن نَبُوزرادانَ (١) أن يسيرَ إلى بيتِ المقدسِ، ثم يَفْعَلَ فيه ما كان جدُّه سَنْحاريبُ أراد أن يَفْعَلَه، فخرَج في ستِّمائةِ ألفِ رايةٍ، يُريدُ أهلَ بيتِ المقدسِ؛ فلما فصَل سائرًا، أتيَ مَلِكَ بني إسرائيلَ الخبرُ أن بُخْتَ نَصَّرَ قد أقبَل هو وجنودُه يُريدُكم، فأرسَل الملِكُ إِلى إِرْمِيَا، فجاءه فقال: يا إِرْمِيَا، أين ما زعَمتَ لنا أن ربَّنا أوحَى إليك ألا يُهلِكَ أهلَ بيتَ المقدسِ حتى يَكُونَ منك الأمرُ في ذلك؟
فقال إِرْمِيا للملِكِ: إن ربي لا يُخْلِفُ الميعادَ، وأنا به واثقٌ.
فلمّا اقترَب الأجلُ ودنا انقطاعُ مُلْكِهم، وعزَم اللَّهُ على هلاكِهم، بعَث اللَّهُ مَلَكًا مِن عندِه، فقال: اذْهَبْ إلى إِرْمِيَا فاسْتَفْتِه، وأمَره بالذي يَسْتَفْتِيه فيه، فأقبل الملَكُ إلى إرْمِيَا، وقد تمثَّلَ له رجلًا مِن بنى إسرائيلَ، فقال له إرميا: مَن أنت؟
قال: أنا رجلٌ مِن بني إسرائيلَ، أسْتَفْتِيك في بعضِ أمرِى.
فأذِن له، فقال له الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ أتَيْتُك أسْتَفْتِيك في أهلِ رَحِمي، وصَلتُ أرحامَهم بما أمَرني اللَّهُ به، لم آتِ إليهم إلا حُسْنًا، ولم آلُهم كرامةً، فلا تَزيدُهم كرامتي إياهم إلا إسْخاطًا لى، فأفْتِني فيهم يا نبيَّ اللَّهِ.
فقال له: أحسِنْ فيما بينَك وبينَ اللَّهِ، وصِلْ ما أمَرك اللَّهُ به أن تَصِلَ، وأبْشِرْ بخيرٍ.
فانصرَف عنه المَلَكُ، فمكَثَ أيامًا، ثم أقبَل إليه في صورةِ ذلك الرجلِ الذي كان (١) جاءه، فقعَد بينَ يدَيْه، فقال له إرْميا: مَن أنت؟
قال: أنا الرجلُ الذي أَتَيْتُك أستفتِيك (١) في شأنِ أهلي.
فقال له نبيُّ اللَّهِ ﵇: أوَ ما طَهُرَت لك أخلاقُهم بعدُ، ولم تَرَ منهم الذي تُحِبُّ؟
فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، والذي بعثَك بالحقِّ ما أعْلَمُ كرامةً يَأْتيها أحدٌ مِن الناسِ إلى أهلِ رَحِمِه إلا وقد أتَيْتُها إليهم، وأفضلَ مِن ذلك.
فقال النبيُّ: ارْجِعْ إلى أهلِك، فأَحسِنْ إليهم، أسألُ اللَّهَ الذي يُصْلِحُ عبادَه الصالحين، أن يُصْلِحَ ذاتَ بينِكم، وأن يَجْمَعَكم على مَرضاتِه، ويُجَنِّبَكُم سَخَطَه.
فقام الملَكُ مِن عندِه، فلبِث أيامًا، وقد نزَل بُخْتُ نَصَّرَ وجنودُه حولَ بيتِ المقدسِ بأكثرَ مِن الجرادِ، ففزِع منهم بنو إسرائيلَ فزَعًا شديدًا، وشَقَّ ذلك على ملِكِ بني إسرائيلَ، فدعا إرْمِيَا، فقال: يا نبيَّ اللَّهِ، أين ما وعدَك اللَّهُ؟
فقال: إني بربِّي واثقٌ.
ثم إن الملَكَ أقبَل إلى إرمِيَا وهو قاعدٌ على جدارِ بيتِ المقدسِ يَضْحَكُ ويَسْتَبْشِرُ بنصرِ ربِّه الذي وعدَه، فقعَد بينَ يديْه، فقال له إرميا: مَن أنت؟
قال: أنا الذي كُنْتُ أتَيْتُكَ في شأنِ أهلي مرتَين.
فقال له النبيُّ: أو لم يأْنِ لهم أن يُفِيقُوا مِن الذي هم فيه؟
فقال الملَكُ: يا نبيَّ اللَّهِ، كلُّ شيءٍ كان يُصِيبُني منهم قبلَ اليومِ كُنْتُ أصبِرُ عليه، وأعْلَمُ [أنّ ما بهم] (٢) في ذلك سَخَطى، فلما أتَيْتُهم اليومَ رَأَيْتُهم في عملٍ لا يُرْضِى اللَّهَ، ولا يُحِبُّه اللَّهُ.
فقال له النبيُّ: على أيِّ عملٍ رَأَيْتَهم؟
قال: يا نبيَّ اللَّهِ، رَأَيْتُهم على عملٍ عظيمٍ مِن سَخَطِ اللَّهِ، فلو كانوا على مثلِ ما كانوا عليه قبلَ اليومِ لم يَشْتَدَّ عليهم غضَبِي، وصبَرتُ لهم ورجَوتُهم، ولكنِّى غضِبتُ اليومَ للَّهِ ولك، فأتَيْتُك لأُخبِرَك، خبرَهم، وإنى أسألُك باللَّهِ الذي هو (١) بعثَك بالحقِّ إلا ما دعَوتَ عليهم ربَّك أن يُهْلِكَهم.
فقال إِرْمِيا: يا مَلِكَ السماواتِ والأرضِ، إن كانوا على حقٍّ وصوابٍ فأبْقِهم، وإن كانوا على سَخَطِك وعملٍ لا ترضاه فأهلِكْهم.
فلما خرَجتِ الكلمةُ مِن في إِرْمِيا أرسَلَ اللَّهُ صاعقةً مِن السماءِ في بيتِ المقدسِ، فالتهَب مكانُ القُربانِ، وخُسِف بسبعةِ أبوابٍ مِن أبوابِها.
فلما رأى ذلك إِرْمِيا صاح وشَقَّ ثيابَه، ونبَذ الرمادَ على رأسِه، فقال: يا مَلِكَ السماءِ، ويا أرحمَ الراحمين، أين ميعادُك الذي وعَدتَني؟
فنودِى: إرميا، إنه لم يُصِبْهم الذي أصابَهم إلا بفُتْياك التي أفْتيتَ بها رسولَنا.
فاسْتَيقَن النبيُّ أنها فُتياه التي أفْتَى بها ثلاثَ مراتٍ، وأنه رسولُ ربِّه، فطار إِرْمِيا حتى خالَط الوُحوشَ.
ودخَل بُخْتُنَصَّرَ وجنودُه بيتَ المقدسِ، فوطِئ الشامَ، وقتَل بني إسرائيلَ حتى أفناهم، وخرَّب بيتَ المقدسِ، ثم أمَر جنودَه أن يَمْلأَ كلُّ رجلٍ منهم تُرسَه ترابًا، ثم يَقْذِفَه في بيتِ المقدسِ، فقذَفوا فيه الترابَ حتى ملَئوه، ثم انصرَفَ راجعًا إلى أرضِ بابلَ، واحتمَل معه سبايا بني إسرائيلَ، وأمَرهم أن يَجْمَعُوا مَن كان في بيتِ المقدسِ كلَّهم، [فاجتمَع عندَه] (٢) كلُّ صغيرٍ وكبيرٍ مِن بني إسرائيلَ، فاختار منهم [سبعين ألفَ صبيٍّ] (٣)، فلما خرَجت غنائمُ جندِه، وأراد أن يَقْسِمهم فيهم، قالت له الملوكُ الذين كانوا معه: أيُّها الملِكُ، لك غنائمُنا كلُّها، واقْسِمُ بينَنا هؤلاء الصبيانَ الذين اخْتَرْتَهم مِن بنى إسرائيلَ.
ففعَل، فأصاب كلُّ واحدٍ منهم أربعةَ غِلْمةٍ، وكان مِن أولئك الغلمانِ: دانِيالُ وحَنَانْيا ومِيشايل (١) وعزَارْيَا.
وجعَلهم بُخْتُ نَصَّرَ ثلاثَ فِرَقٍ، فثُلُثًا أقرَّ بالشامِ، وثلثًا سبَى، وثُلُثًا قتَل، وذهَب بآنيةِ (٢) بيتِ المقدسِ حتى أقدَمها بابلَ، وذهَب بالصبيانِ السبعين (٣) الألفَ حتى أقدَمهم، بابلَ، فكانت هذه الوقعةَ الأُولى التي أنزَل (٤) اللَّهُ [ببني إسرائيلَ] (٥) بإحداثِهم وظلمِهم.
ولمّا ولَّى بُخْتُنَصَّرَ عنهم (٦) راجعًا إلى بابلَ بمن معه مِن سبايا بني إسرائيلَ، أقبَل إرْمِيَا على حمارٍ له، ومعه عصيرٌ مِن عنبٍ في زُكْرَةٍ (٧)، وسَلَّةُ تينٍ، حتى غَشِي (٨) إيلياءَ، فلما وقَف عليها، ورأى ما بها مِن الخرابِ دخَله شكٌّ، فقال: أنّى يُحيى هذه اللَّهُ بعد موتها؟
فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ وحمارَه، وعصيرُه وسلةُ تينِه عندَه حيثُ أماته اللَّهُ وأمات (٩) حمارَه معه، وأعمَى اللَّهُ عنه العُيونَ فلم يرَه أحدٌ، ثم بعَثه اللَّهُ تعالى فقال له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ يقولُ: لم يَتَغَيَّرُ.
﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ (١) بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف كسى ذلك منه اللحم حتى استوَى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حينَ وضَعه لم يَتَغيرُ.
فلمّا عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم عمرُ.
ثم عمر اللَّهُ إرميا بعد ذلك، فهو الذي يُرى بفَلَواتِ الأرضِ والبُلْدانِ (٢).
وحدَّثني محمدُ بنُ عَسْكَرٍ وابنُ زَنْجُويَه، قالا: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبد الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: أَوحَى اللَّهُ إِلَى إِرْمِيا وهو بأرضِ مصرَ: أن الْحَقْ بأرضِ إيلياءَ؛ فإن هذه ليست لك بأرضِ مُقامٍ.
فركِب حمارَه، حتى إذا كان ببعضِ الطريقِ، ومعه سَلَّةٌ مِن عنبٍ وتينٍ، وكان معه سِقاءٌ جديدٌ، فملأَه ماءً، فلما بدَا له شخصُ بيتِ المقدسِ وما حولَه مِن القرى والمساجدِ، ونظَر إلى خرابٍ لا يُوصَفُ، فلما رأى هَدَمَ بيتِ المقدسِ كالجَبَلِ العظيمِ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
وسار حتى تَبوَّأَ منها منزِلًا، فربَط حمارَه بحبلٍ جديدٍ، وعلَّق سِقاءَه، وألقَى اللَّهُ عليه السُّباتَ، فلمّا نام نزَع اللَّهُ رُوحَه مائةَ عامٍ، فلما مرَّت مِن المائةِ سبعون عامًا، أرسَل اللَّهُ مَلَكًا إلى ملِكٍ مِن ملوكِ فارسَ عظيمٍ، يقالُ له: يُوشَكُ (١).
فقال له: إنّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَن تنفِرَ بقومِك فتُعمِّرَ بيتَ المقدسِ وإيلياءَ وأرضَها، حتى تَعُودَ أعْمَرَ ما كانت، فقال له الملِكُ: أنْظِرْني ثلاثةَ أيامٍ حتى أتَأَهَّبَ لهذا العملِ ولما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ.
فأنْظَرَه ثلاثةَ أَيامٍ، فانتدَب ثلاثَمائةِ قَهرمانَ (٢)، ودفَع إلى كلِّ قَهرمانَ ألفَ عاملٍ وما يُصْلِحُه مِن أداةِ العملِ، فسار إليها قَهارِمتُه ومعهم ثلاثُمائةِ ألفِ عاملٍ، فلما وقَعوا في العملِ ردَّ اللَّهُ رُوحَ الحياةِ في عينِ إِرْمِيَا، [وآخِرُ جسدِه ميتٌ] (٣)، فنظَر إلى إيِلياءَ وما حولَها مِن المدينةِ (٤) والمساجد، والأنهارُ والحُرُوثُ تُعْمَلُ وتُعَمَّرُ وتُجَدَّدُ، حتى صارَت كما كانت، وبعدَ ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ ردَّ اللَّهُ إليه الرُّوحَ، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومِ ربَطه لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبُ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ (٥) في عنقِ الحمارِ لم تَتَغَيرْ جديدةً، وقد أتَى على ذلك ريحُ مائةِ عامٍ، وبردُ مائةِ عامٍ، وحرُّ مائةِ عامٍ، لم تَتَغَيرْ، ولم تُنتَقصْ شيئًا، وقد نَحَل جسمُ إِرْمِيَا مِن البِلَى، فأنْبَت اللَّهُ له لحمًا جديدًا، ونشَز عظامَه وهو يَنْظُرُ، فقال له اللَّهُ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصّمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنبِّهٍ يَقُولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: إِنَّ إِرْمِيا لما خُرِّب بَيتُ المقدسِ، وحُرِّق (١) الكتبُ، وقَف في ناحيةِ الجبلِ، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾.
ثم ردَّ اللَّهُ (٢) مَن ردَّ مِن بنِي إسرائيلَ على رأسِ سبعينَ سنةً مِن حينَ أماته، يَعمُرُونها ثلاثين سنةً تمامَ المائةِ؛ فلما ذهَبَتِ المائةُ ردَّ اللَّهُ إليه رُوحَه، وقد عُمِّرت على حالِها الأُولَى، فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيف تلتامُ (٣) بعضُها إلى بعضٍ، ثم نظَر إلى العظامِ كيف تُكسَى عصبًا ولحمًا، فَلَمَّا تَبَيَّن له ذلك قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ (٤).
قال: فكان طعامُه تينًا في مِكْتَلٍ (٥)، وقُلَّةً فيها ماءٌ (٦).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾: وذلك أنّ عُزَيرًا مرَّ جائيًا مِن الشام على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعنبٌ وتينٌ، فلما مرَّ بالقريةِ فرآها، وقَف عليها وقلَّب يدَه وقال: كيف يُحْيِي هذه اللَّهُ بعدَ موتِها؟
تكذيبًا (١) منه وشكًّا، فأماته اللَّهُ وأمات حمارَه، فهلَكا ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ، ثم إن اللَّهَ ﷿ أحيا عُزَيرًا فقال له: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قِيل له: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ﴾ مِن التينِ والعنبِ ﴿وَشَرَابِكَ﴾ مِن العصيرِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ الآية (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: ثم أثارَه حيًّا مِن بعدِ مماتِه.
وقد دلَّلْنا على معْنى البعثِ فيما مضَى قبلُ (٣).
وأما معْنى قولِه: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾.
فإن "كم" استفهامٌ في كلامِ العربِ عن مَبْلَغِ العددِ، وهو في هذا الموضعِ نَصْبٌ به ﴿لَبِثْتُ﴾.
وتأويلُه: قال اللَّهُ له: كم قدرُ الزمانِ الذي لبِثْتَ ميتًا قبلَ أن أبعثَك من مماتِك حيًّا؟
قال المبعوثُ بعدَ مماتِه: لبِثتُ ميتًا إلى أن بَعَثْتَنِي حيًّا يومًا واحدًا أو بعضَ يومٍ.
وذكِر أن المبعوثَ، وهو إرْمِيَا أو عُزَيرٌ، أو مَن كان ممّن أخبَرَ اللَّهُ عنه هذا الخبرَ، إنما قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ كان قبَض رُوحَه أوّلَ؛ النهارِ، ثم ردَّ إليه رُوحَه آخِرَ النهارِ بعدَ المائةِ العامِ، فقيل له: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟
فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فكان ذلك عندَه يومًا؛ لأنَّه ذكِر أنه قُبِض رُوحُه أولَ النهارِ.
وسُئِل عن مقدارِ لُبثِه ميتًا آخِرَ النهارِ، وهو يَرَى أن الشمسَ قد غرَبت، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
ثم رأى بقيةً مِن الشمسِ قد بَقِيت لم تَغْرُبُ، فقال: ﴿ا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
بمعْنى: بل بعضَ يومٍ.
كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧].
بمعْنى: بل يَزِيدُون.
فكان قولُه: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ رُجوعًا منه عن قولِه: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، ثم بُعِث (١) قبلِ غَيْبوبةِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾، ثم التفَت فرأى بقيةً مِن الشمسِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
فقال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
قال: مَرَّ على قريةٍ خَربةٍ (٣) فتعجَّب، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
فأماته اللَّهُ أَوَّلَ النهارِ، فلبِث مائةَ عامٍ، ثم بعثَه في آخِرِ النهارِ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ قال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (١).
وحدَّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، قال: قال الربيعُ: أماته اللَّهُ مائةَ عامٍ، ثم بعثَه، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟
قال: ﴿قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
[وذلك أنه بُعِث فيما ذكِر لنا قبلَ غروبِ الشمسِ، فقال: ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾.
ثم التفت فرأى بقيةً من الشمسِ من ذلك اليومِ، فقال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾] (٢).
قال: ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: لما وقَف على بيتِ المقدسِ وقد خرَّبه بخْتُنَصَّرَ، قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾: كيفَ يعيدُها كما كانت؟
﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ﴾ قال: ذكِر لنا أنه مات ضُحًى، وبُعِث قبلَ غروبِ الشمسِ بعدَ مائةِ عامٍ، فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾؟
قال: ﴿يَوْمًا﴾.
فلما رأى الشمسَ، قال: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يعْنى تعالى ذكرُه بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تُغَيِّره السِّنونَ التي أتَت عليه.
وكان طعامُه فيما ذكَر بعضُهم سلةَ تينٍ وعنبٍ، وشرابُه قلةَ ماءٍ.
وقال بعضُهم: بل كان طعامُه سَلَّةَ عنبٍ وسلةَ تينٍ، وشرابُه زِقًّا مِن عصيرٍ.
وقال آخَرون: بل كان طعامُه سلةَ تينٍ، وشرابُه دَنَّ خمرٍ أو زُكرةَ خمرٍ.
وقد ذكَرنا فيما مضَى قولَ بعضِهم في ذلك، ونَذْكُرُ ما فيه فيما يُسْتَقْبَلُ إِن شاء اللَّهُ.
وفي قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ وجْهانِ مِن القراءةِ: أحدُهما، (لم يَتَسَنَّ).
بحذفِ الهاءِ في الوصلِ وإثباتِها في الوقفِ (١)، ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ زائدةً صِلةً، كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وجعَل "تَفعَّلْتُ" (٢) منه: تَسَنَّيتُ تسنِّيًا.
واعتلَّ في ذلك بأنّ السَّنَةَ تُجْمَعُ سنواتٍ، فيكونُ تَفَعَّلْتُ على صحَّةٍ (٣)، ومن قال في السَّنِة: سُنينةٌ.
فجائزٌ على ذلك وإن كان قليلًا، أن يَكُونَ "تَسنَّيْتُ" (٤) "تَفَعَّلْتُ"؛ بُدِّلَتِ النونُ ياءً لمّا كثُرت النوناتُ، كما قالُوا: تَظَنَّيتُ وأصلُه الظنُّ.
وقد قال قومٌ: هو مأخوذٌ مِن قولِه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣].
وهو المتغيرُ.
وذلك أيضًا إذا كان كذلك، فهو أيضًا مما بُدِّلَتْ نونُه ياءً وهى قراءةُ عامةِ قَرَأةِ الكوفةِ.
والآخرُ منهما، إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ.
ومَن قرَأه كذلك فإنه يَجْعَلُ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ لامَ الفعلِ، ويَجْعَلُها مجزومةً بـ "لم"، ويَجْعَلُ، "فَعَّلْت" منه: تَسَنَّهْتُ.
و "يُفَعِّل": أَتَسَنَّهُ تَسَنُّهًا.
وقال في تصغيرِ السَّنةِ: سُنَيهةٌ [وسُنيَّةٌ: أسْنَيْتُ عندَ القومِ، وأَسْنَهْتُ] (١) عندَهم: إِذا أقَمتَ سنةً.
وهذه قراءةُ عامةِ قرأةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندي (٢) إثباتُ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ؛ لأنَّها مُثْبتةٌ في مصحفِ المسلمين، ولإثباتِها وجهٌ صحيحٌ في كلتا الحالتين؛ [وذلك أن يكونَ معْنى] (٣) قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم تأتِ عليه السِّنون فيَتَغَيَّرُ.
على لغةِ مَن قال: أَسْنَهْتُ عندَكم أُسْنِهُ.
إذا أقام سنةً، وكما قال [شاعرُ الأنصارِ] (٤): ولَيْسَتْ بِسنَهَاءٍ (٥) ولَا رُجَّبِيَّةٍ (٦) … ولكنْ عَرَايا (٧) في السِّنِينَ الجوائحِ (٨) فجعَل الهاءَ في السنةِ أصلًا، وهى اللغةُ الفُصحى، وغيرُ جائزٍ حذفُ حرفٍ مِن كتابِ اللَّهِ، في حالِ وقفٍ أو وصلٍ، [ولإثباتِه وجهٌ في كلامِ العربِ صحيحٌ، كما غيرُ جائزٍ إثباتُ ما ليس منه، ولحذفِه] (١) وجهٌ معروفٌ في كلامِها.
فإنِ اعتلَّ معتلٌّ بأنّ المصحفَ قد أُلْحِقَت فيه حروفٌ هنَّ زوائدُ على نيةِ الوقفِ، والوجهُ في الأصلِ عندَ القرأةِ حذفُهنَّ، وذلك كقولِه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠].
وقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥].
فإنّ ذلك هو مما (٢) لم يَكُنْ فيه شَكٌّ أنه مِن الزوائدِ، وأنه أُلْحِق علَى نيةِ الوقفِ.
فأمّا ما كان مُحْتَمِلًا أن يَكُونَ أصلًا للحرفِ غيرَ زائدٍ، فغيرٌ جائزٍ - وهو في مُصحفِ المسلمين مثبتٌ - صرفُه إلى أنه مِن الزوائدِ والصِّلَاتِ، على أنّ ذلك وإن كان زوائدَ (٣) فيما لا شكَّ أنه مِن الزوائدِ، فإن العربَ قد تَصِلُ الكلامَ (٤)، فتَنْطِقُ به على نحوِ منطقِها به في حالِ القطعِ، فيكونُ وصلُها إياه وقَطْعُها سواءً، وذلك مِن فِعلِها دَلالةٌ على صحةِ قراءةِ مِن قرَأ جميعَ ذلك بإثباتِ الهاءِ في الوصلِ والوقفِ، غيرَ أنّ ذلك وإن كان كذلك، فلِقولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ حكمٌ مفارقٌ حكمَ ما كان هاؤُه [زائدةً، لا يُشَكُّ في زيادتِها] (٥) فيه.
ومما يَدُلُّ على صحةِ ما قُلنا، مِن أنّ الهاءَ في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ مِن لغةِ مَن قال: قد أسنهتُ، وهى (٦) المسانهةُ، ما حُدِّثت به عن القاسمِ بن سلَّامٍ، قال: ثنا ابن مهديٍّ، عن أبي الجراحِ، عن سليمانَ بن عُميرٍ، قال: ثنِي هانئٌ مولَى عثمانَ، قال: كُنْتُ الرسولَ بيَن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، فقال زيدٌ: سَلْهُ عن قولِه: لم (يَتسَنَّ)، أو ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾؟
فقال عثمانُ: اجعلوا فيها هاءً (١).
[وحدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ] (٢)، عن القاسمِ، وحدَّثنا محمدُ بنُ محمدٍ العطارُ، قالا: ثنا ابن مهديٍّ، عن ابن المباركِ، قال: ثنِي أبو وائلٍ؛ شيخٌ مِن أهلِ اليمنِ، عن هانِئ البربريِّ، قال: كنتُ عندَ عثمانَ وهم يَعْرِضون المصاحفَ، فأرْسَلَني بكَتِفِ شاةٍ إلى أبيِّ بن كَعْبٍ، فيها: (لم يتسنّ).
و (فأمْهلِ الكافرين).
و (لا تَبْدِيلَ للخلقِ).
قال: فدَعا بالدواةِ، فمحَا إحدَى اللامَين، وكتَب ﴿لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠].
ومحا (فأمهِلْ)، وكتَب ﴿فَمَهِّلِ﴾ [الطارق: ١٧].
وكتب: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
ألْحَق فيها الهاءَ (٣).
ولو كان ذلك مِن "تسنَّى" أو "تسنَّن"، لَما ألْحَق فيه أبيٌّ هاءً، [ولا موضعَ للهاءِ فيه] (٤)، ولا أمَر عثمانُ بإلحاقِها فيه (٥).
وقد رُوِىَ عن زيدِ بن ثابتٍ في ذلك نحوُ الذي رُوِى فيه (٦) عن أُبيِّ بن كعبٍ (٧).
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
فقال بعضُهم بمثلِ الذي قُلنا فيه من أنّ معْناه: لم يَتغيَّرْ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ (١)، عن محمدِ بن إسحاقَ، عمَّن لا يُتَّهَمُ، عن وَهبِ بن مُنَبِّهٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَتَغَيَّرْ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾، أي (٣): لم يَتَغيّرْ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤).
حدَّثني موسَى بنَ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يقولُ: فانظُرْ إلى طعامِك مِن التينِ والعنبِ، وشرابِك مِن العصيرِ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يقولُ: لم يَتغيّرْ فيَحْمُضَ التينُ والعنبُ، ولم يَخْتَمِرِ العصيرُ، هما حُلوان كما هما، وذلك أنه مرَّ جائيًا مِن الشامِ على حمارٍ له، معه عصيرٌ وعِنَبٌ وتِينٌ، فأماتَه اللَّهُ، وأمات حمارَه، ومرَّ عليهما مائةُ سنةٍ (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه ﵎: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يقولُ: لم يَتغيّرْ، وقد أتَى عليه مائةُ عامٍ (١).
حدَّثني المُثَنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويْبرٍ، عن الضحاكِ بنحوِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهُ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ (٢).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن النّضرِ، عن عكرمةَ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيَّرْ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يتغيّرْ في مائةِ سنةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ (٤)، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتُبِ أن إرْميا كان بإيلياءَ حين خرَّبها بُخْتُنَصَّرَ، فخرَج منها إلى مِصرَ فكان بها، فأوحَى اللَّهُ إليه: أنِ اخرُجْ منها إلى بيتِ المقدسِ.
فأتاها فإذا هي خَرِبةٌ، فنظَر إليها فقال: أنَّى يُحْيِي هذه اللَّهُ بعد موتِها؟
فأماته اللَّهُ مائةَ عامٍ ثم بعثَه، فإذا حمارُه حيٌّ قائمٌ (١) على رِباطهِ، وإذا طعامُه سَلُّ عنبٍ وسَلُّ تينٍ، لم يَتغيرْ عن حالِه (٢).
قال يونسُ: قال لنا سَلْمٌ (٣) الخواصُ: كان طعامُه وشرابُه سَلَّ عنبٍ وسَلَّ تينٍ وزِقَّ عصيرٍ.
وقال آخَرونَ: معْنى ذلك: لم يَنْتِنْ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾: لم يَنْتِنْ (٤).
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٥)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾.
قال: سَلُّ تينٍ، ﴿وَشَرَابِكَ﴾: دَنُّ خَمْرٍ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يقولُ: لم يَنْتِنْ (٦).
[حدِّثت عن عمّارٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
يقولُ: لم يَنْتِنْ] (٧).
وأحْسَبُ أنّ مجاهدًا والربيعَ ومَن قال في ذلك بقولِهما، رَأوْا أن قولَه: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾.
مِن قولِ اللَّهِ تعالى ذِكْرُه: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٨، ٣٣].
بمعْنى المُتغيرِ الريحِ بالنَّتَنِ، مِن قولِ القائلِ: تَسَنَّن.
وقد بَيَّنتُ الدَّلالةَ فيما مضَى على أنّ ذلك ليس كذلك (١).
فإن ظنَّ ظانٌّ أنه مِن الأسَنِ (٢)، مِن قولِ القائلِ: أَسِنَ هذا الماءُ يَأْسَنُ أسَنًا.
كما قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥].
فإن ذلك لو كان كذلك، لكان الكلامُ: فانظُر إلى طعامِك وشرابِك لم يَتأَسَّنُ.
ولم يكنْ ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.
[فإن قال] (٣): فإنه منه، غيرَ أنه تُرِكَ همزُه، قيل: فإنه وإن تُرِكَ همزُه فغيرُ جائزٍ تشديدُ نونِه؛ لأن النونَ [من "يتَأسَّنُ"] (٣) غيرُ مُشَددةٍ، وهي في ﴿يَتَسَنَّهْ﴾.
مشددةٌ، ولو نُطِق مِن "يَتأسنُ" بتركِ هَمْزِه (٤)، لقِيل: "لم يَتَسَّنْ" (٥)، بتخفيفِ نونِه بغيرِ هاءٍ تلْحَقُ فيه.
ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن الأسَنِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾؛ فقال بعضُهم: معْنى ذلك: وانظُرْ إلى إحيائِى حمارَك، وإلى عظامِه كيف أُنشْزِهُا، ثم أكْسُوها لحمًا.
ثم اختلف مُتأوِّلو (٦) هذا التأويلِ؛ فقال بعضُهم: قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه له ذلك بعدَ أن أحْياه خلقًا سَوِيًّا، ثم [أراه كيف] (١) يُحْيِي حمارَه؛ تعريفًا منه تعالى ذِكْرُه له كيفيةَ إحيائِه القريةَ التي رآها خاويةً على عُرُوشِها، فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مُسْتَنكِرًا إحياءَ اللَّهِ إيَّاها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وَهْبٍ بن مُنَبِّهٍ، قال: بعثَه اللَّهُ فقال: ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾.
إلى قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
قال: فنظَر إلى حمارِه يَتّصِلُ (٢) بعضٌ إلى بعضٍ - وقد كان مات معه - بالعروقِ والعَصَبِ، ثم كيف (٣) كُسى ذلك منه اللحمُ حتى اسْتَوى، ثم جرَى فيه الروحُ، فقام يَنْهَقُ، ونظَر إلى عصيرِه وتينِه، فإذا هو على هيئتِه حين وضعَه لم يَتغَيّرْ، فلما عايَن مِن قدرةِ اللَّهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
حدَّثني موسَى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ثم إنّ اللَّهُ ﵎ أحيا عُزَيرًا، فقال: كم لبثتَ؟
قال: لبِثْتُ يومًا أو بعضَ يومٍ.
قال: بل لبِثْتَ مائةَ عامٍ، فانظُرْ إلى طعامِك وشرابِك لم يَتَسنَّهْ، وانظُرْ إلى حمارِك قد هَلَك، وبَلِيَت عظامُه، وانظُرْ إلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا.
فبعَث اللَّهُ ﵎ ريحًا، فجاءت بعظامِ الحمارِ مِن كلِّ سَهْلٍ وجَبَلٍ ذهَبت به الطيرُ والسِّباعُ، فاجْتَمَعت، فرَكَّب بعضَها في بعضٍ وهو يَنظُرُ، فصار حمارًا مِن عظامٍ، ليس له لحمٌ ولا دمٌ، و (١) إن اللَّهَ ﷻ كسَا العظامَ لحمًا ودمَا، فقام حمارًا مِن لحمٍ ودَمٍ وليس فيه روحٌ، ثم أقبَل مَلَكٌ يَمشِى حتى أخذَ بِمِنْخَرِ الحمارِ، فنفَخ فيه، فنَهَق الحمارُ.
فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
فتأويلُ الكلامِ على ما تأوَّله قائلُ هذا القولِ: وانظُر إلى إحيائِنا حمارَك، وإلى عظامِه كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا، ولِنَجْعَلَك آيةً للناسِ.
فيكونُ في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾.
متروكٌ مِن الكلامِ، اسْتُغْنِى بدَلالةِ ظاهرِه عليه مِن ذِكْرِه، وتكونُ الألفُ [واللامُ] (٣) في قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ بدلًا مِن الهاءِ المُرادةِ في المعْنى؛ لأن مَعْناه: وانظر إلى عظامِه.
يَعْنِى: إلى عظامِ الحمارِ.
وقال آخرون منهم: بل قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه ذلك له بعدَ أن نفَخ الروحَ في عيْنَيْه (٤).
قالوا: وهى أولُ عُضْوٍ مِن أعضائِه نفَخ اللَّهُ فيه الروحَ، وذلك [قبلَ أن يُسوِّيَه] (٥) خلقًا سويًا، وقبلَ أن يُحْيِيَ حمارَه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان هذا رجلًا مِن بنى إسرائيلَ نُفِخَ الروحُ في عَينيْه، فنظَر إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يُحيِيه اللَّهُ، وإلى حمارِه حينَ يُحييه اللَّهُ (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني القاسمُ، قال: حدثني الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: بدأ بعينَيْه فنفَخ فيهما الروحَ، ثم بعظامِه فأنْشَزها، ثم وصَل بعضَها إلى بعضٍ، ثم كساها العصبَ، ثم العُروقَ، ثم اللحمَ، ثم نظَر إلى حمارِه، فإذا حمارُه قد بَلِى وابْيَضَّتْ عظامُه، في المكانِ الذي ربطَه فيه، فنُودِى: يا عِظامُ اجْتَمِعي، فإِن اللَّهَ مُنْزِلٌ عليكِ رُوحًا.
فسَعَى كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، فوصَل العظامَ، ثم العصبَ، ثم العروقَ، ثم اللحمَ، ثم الجِلْدَ، ثم الشَّعَرَ، وكان حمارُه جَذَعًا (١)، فأحياه اللَّهُ كبيرًا قد تَشَنَّن (٢)، فلم يَبْقَ منه إلا الجِلدُ مِن طولِ الزمنِ، وكان طعامُه سَلَّ عنبٍ، وشرابُه دَنَّ خَمْرٍ.
قال ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: نفَخ الروحَ في عينَيْه، ثم نظَر بهما إلى خَلْقِه كلِّه حينَ يَنْشُرُه اللَّهُ، وإلى حمارِه حين يُحيِيه اللَّهُ.
وقال آخَرون: بل جعَل اللَّهُ الروحَ في رأسِه وبصرِه، وجسَدُه ميتٌ، فرأَى حمارَه قائمًا كهيئتِه يومَ ربَطه، وطعامِه وشرابَه كهيئتِه يومَ حلَّ البُقْعَةَ، ثُم قال اللَّهُ له: انظُر إلى عظامِ (٣) نفسِك كيف نُنْشِزُها (٤).
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سهلٍ بن عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصَّمَدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبهٍ يقولُ: ردَّ اللَّهُ روحَ الحياةِ في عينِ إرميا، وآخِرُ جسدِه ميتٌ (١)، فنظَر إلى طعامِه وشرابِه لم يَتَسَنَّهْ، ونظَر إلى حمارِه واقفًا كهيئتِه يومَ ربطَه، لم يَطْعَمْ ولم يَشْرَبْ، ونظَر إلى الرُّمَّةِ في عُنُقِ الحمارِ لم [تَتَغيّرْ، جديدةً] (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ (٣)، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا قد مكَث مائةَ عامٍ، وإلى طعامِه لم يَتَغيرْ، قد أتَى عليه مائةُ عامٍ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾، فكان أوَّلَ شيءٍ أحيا اللَّهُ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى سائرِ خَلقِه يُخلَقُ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾: فنظَر إلى حمارِه قائمًا، وإلى طعامِه وشرابِه لم يَتَغيرْ، فكان أوَّلَ شيءٍ خُلِقَ منه رأسُه، فجعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إلى بعضٍ، فلمّا تَبَيَّن له، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أنه أولُ ما خُلِق منه رأسُه، ثم رُكِّبتْ فيه عيناه، ثم قيل له: انْظُرُ.
فجعَل يَنْظُرُ، فجَعَلتْ عِظامُه تَواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وبعينِ (١) نبيِّ اللَّهِ ﵇ كان ذلك، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
حُدِّثتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: وكان حمارُه عندَه كما هو، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ قال الربيع: ذُكِرَ لنا - واللَّهُ أعلمُ - أنه أولُ ما خُلِقَ منه عَيْناه، ثم قيل: انْظُرْ.
فجعَل يَنْظُرُ إلى العِظامِ يَتَواصلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعَيْنيه، فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ في (٤) قوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾: واقفًا عليك منذُ مائةِ سنةٍ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾.
يقولُ: وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُحْيِيها حينَ سَأَلْتنا كيف نُحْيِي هذه (٥).
قال: فجعَل اللَّهُ الروحَ في بصرِه وفى لسانِه، ثم قال: ادْعُ الآن بلسانِك الذي جعَل اللَّهُ فيه الروحَ، وانظُرْ ببصرِك.
قال: فكان يَنظُرُ إلى الجُمْجُمَةِ.
قال: فنادَى: لِيَلْحَقُ كلُّ عَظْمٍ بأَلِيفِه.
قال: فجاء كلُّ عَظْمٍ إلى صاحبِه، حتى اتَّصَلَتْ وهو يراها، حتى إن الكِسْرَةَ (١) مِن العظمِ لتَأْتِى إلى المَوْضعِ الذي انْكَسَرت منه، فتَلْصَقُ به، حتى وصَل إلى جُمْجُمَتِه وهو يرَى ذلك، فلما اتَّصَلت شدَّها بالعَصَبِ والعرُوقِ، وأجْرَى عليها اللحْمَ والجِلْدَ، ثم نفَخ فيها الروحَ، ثم قال: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال: ثم أُمِر فنادَى تلك العِظامَ التي قال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
كما نادَى عِظامَ نفسِه، ثم أحياها اللَّهُ كما أحياه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني بكرُ بنُ مُضَرَ، قال: يَزْعُمون في بعضِ الكتبِ أنّ اللَّهَ ﵎ أمات إرميا (٣) مائةَ عامٍ، ثم بعثَه فإذا حمارُه حيٌّ قائمٌ على رِباطِه.
قال: وردَّ اللَّهُ إليه بصرَه، وجعَل الروحَ فيه قبلَ أن يُبْعثَ بثلاثين سنةً، ثم (٤) نظَر إلى بيتِ المقدسِ وكيفَ عُمِرَ وما حولَه.
قال: فيقولون، واللَّهُ أعلمُ: إنه الذي قال اللَّهُ تعالى ذِكْرُه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾.
الآية (٥).
ومعنَى الآيةِ على تأويلِ هؤلاء: وانْظُرْ إلى حمارِك [لم يتسنَّهْ] (٦)، ولنَجعَلَك آيةً للناسِ، وانظُرْ إلى عظامِك كيف نُنْشِزُها بعدَ بِلاها، ثم نَكْسوها لحمًا، فنُحْيِيها بحياتِك، فتَعْلمَ كيف يُحْيِي اللَّهُ القُرَى وأَهْلَها بعدَ مماتِها.
وأَوْلَى الأقوالِ في هذه الآيةِ بالصوابِ قولُ مَن قال: إِن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه بعَث قائلَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ مِن مماتِه، ثم أراه نَظِيرَ ما اسْتَنْكَر مِن إحياءِ اللَّهِ القريةَ التي مرَّ بها بعدَ مماتِها، عِيانًا مِن نفسِه وطعامِه وحمارِه، فجعَل تعالى ذِكْرُه ما أرَاه مِن إحيائِه نفسَه وحمارَه مَثَلًا لما اسْتَنْكَر مِن إحيائِه أهلَ القريةِ التي مرَّ بها خاويةً على عُروشِها، وجعَل ما أرَاه مِن العِبرةِ في طعامِه وشرابِه عِبرةً له وحُجةً عليه في كيفيةِ إحيائِه منازلَ القريةِ وجنانَها، وذلك هو معنَى قولِ مجاهدٍ الذي ذكَرناه قَبْلُ.
وإنما قلنا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن قولَه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾.
إنما هو بمعنَى: وانْظُرْ إلى العظامِ التي تراها ببصرِك كيف نُنْشِزُها، ثم نَكْسوها لحمًا.
وقد كان حمارُه أدْرَكه مِن البِلَى - في قولِ أهلِ التأويلِ جميعًا - نَظِيرُ الذي لَحِقَ عِظامَ مَن خُوطِبَ بهذا الخطابِ، فلم يُمْكِنْ (١) صَرْفُ معنى قولِه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾.
إلى أنه أمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ الحمارِ دونَ عِظامِ المأمورِ بالنظرِ إليها، ولا إلى أنه أَمرٌ له بالنَّظرِ إلى عظامِ نفسِه دونَ عظامِ الحمارِ.
وإذ (٢) كان ذلك كذلك - وكان البِلَى قد لَحِقَ عِظامَه وعِظامَ حمارِه - كان الأوْلَى بالتأويلِ أن يكونَ الأمرُ بالنظرِ إلى كلِّ ما أَدْرَكه طَرفُه، مما قد كان البِلَى لَحِقَه؛ لأن اللَّهَ تعالى ذِكْرُه جعَل جميعَ ذلك عليه حُجةً، وله عِبرةً وعِظةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولِنجعَلَك آيةً للناسِ؛ أمَتْناك مائةَ عامٍ ثم بَعَثْناك.
وإنما أُدْخِلتِ الواوُ مع اللامِ التي في قولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾.
وهي (١) بمعنى "كى"؛ لأن في دخولِها في "كى" وأخواتها دَلالةً على أنها شرطٌ لفعلٍ بعدَها، بمعنى: ولنجْعَلَك كذا وكذا فعَلنا ذلك.
ولو لم تكنْ قبلَ اللامِ - أعنى لامَ "كى" - واوٌ، كانتِ اللامُ شرطًا للفعلِ الذي قبْلَها، وكان يكونُ معناه: وانظُرْ إلى حمارِك لنجعَلَك (٢) آيةً للناسِ.
وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: ولنَجْعَلَكَ حُجةً على مَن جَهِل قُدْرتي، وشكَّ في عَظَمتى، وأنى (٣) القادِرُ على فعلِ ما أشاءُ مِن إماتةٍ وإحياءٍ، وإفناءٍ وإنشاءٍ، وإنعامٍ وإذلالٍ، وإقتارٍ وإغناءٍ، بيدى ذلك كلُّه، لا يملكُه أحدٌ دونِى، ولا يقدِرُ عليه غَيرِى.
وكان بعضُ أهلِ التأويلِ يقولُ: كان آيةً للناس بأنه جاء بعدَ مائةِ عامٍ إلى ولدِه وولدِ ولدِه شابًّا وهم شُيوخٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا قَبِيصةُ بن عُقْبَةَ، عن سفيانَ، قال: سمعِتُ الأعمشَ يقولُ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾: قال: جاء شابًّا وولدُه شُيوخٌ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك أنه جاء وقد هلك مَن يَعْرِفُه، فكان آيةً لمَن قَدِم عليه مِن قومِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: رجَع إلى أهلِه، فوجَد دارَه قد بيعتْ وبُنِيت، وهَلَك مَن كان يَعْرِفُه، فقال: اخْرجُوا مِن دارِى.
قالوا: ومَن أنتَ؟
قال: أنا عُزَيْرٌ.
قالوا: أليس قد هلَك عُزَيرٌ منذُ كذا وكذا؟
قال: فإن عُزَيرًا أنا هو، كان مِن حالى وكان.
فلمّا عرفوا ذلك، خرَجوا له مِن الدارِ، ودفَعُوها إليه (١).
والذي هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ مِن القولِ أن يقالَ: إن الله تعالى ذِكْرُه أخبرَ أنه جعَل الذي وصَف صفته في هذه الآيةِ [آيةً و] (٢) حُجةً للناسِ، فكان كذلك (٣) حجةً على مَن عرَفه مِن ولدِه وقومِه ممن عَلِم موتَه وإحياءَ اللَّهِ إِيَّاه بعد مماتِه، وعلى مَن بُعِثَ إليه منهم.
القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن العِظامَ التي أُمِرَ بالنظَرِ إليها هي عظامُ نفسِه وحمارِه، وذكَرنا اختلافَ المُختلفين في تأويلِ ذلك، وما يَعْنى كلُّ قائلٍ فيما قاله في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه.
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾، فإن القرأةَ اخْتَلَفت في قراءتِه؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
بضمِ النونِ و الزايِ (١)، وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ الكوفيين (٢)، على معنى: وانظْرْ إلى العظامِ كيف نُرَكِّبُ بعضَها على بعضٍ، ونَنْقُلُ ذلك إلى مَواضِعِه (٣) مِن الجسمِ.
وأصلُ النَّشَزِ الارتفاعُ، ومنه قيل: قد نشَزَ الغلامُ، إِذا ارْتَفَع طوله وشبَّ، ومنه نشوزُ المرأةِ على زوجِها، ومِن ذلك قيل للمكانِ المرتفعِ مِن الأرضِ: نَشْزٌ، ونَشَزٌ، ونَشَازٌ.
فإذا أردتَ أنك رفَعْتَه، قلت: أنْشَزْتُه إنشازًا، ونَشَز هو، إذا ارْتَفَع.
فمعنى قوله: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ - في قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالزايِ -: كيف ترفَعُها مِن أماكنِها مِن الأرضِ، فنردها إلى أماكنِها مِن الجسدِ.
وممن تأوّل ذلك هذا التأويلِ جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: حدثني عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
يقولُ: نُحرِّكها (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾.
قال: نُخْرِجُها (٥).
وقرَأ ذلك آخرون: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِرُها) (٦).
بضمِّ النونِ، وبالراءِ، مِن قولِ القائلِ: أَنْشَرَ اللهُ الموتَى، فهو يُنْشِرُهم إنشارًا.
وذلك قراءةُ عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ، بمعنى: وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُحيِيها ثم نَكْسوها لحمًا.
ذِكْرُ مَن [تأوَّل ذلك كذلك] (١) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: (كَيْفَ نُنْشِرُها).
قال: نظر إليها حينَ يُحْيِيها اللهُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (وانظُرْ إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها).
قال: كيف نُحْيِيها (٤).
واحتجَّ بعضُ قَرأةِ ذلك بالراءِ وبضمِّ نونِ أولِه، بقولِه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢].
فرأى أن الصوابَ إلحاق قولِه: (وانظر إلى العظامِ كيف نُنْشِرُها): به.
وقرَأ ذلك بعضُهم: (وَانْظُرْ إِلى العِظامِ كَيْفَ نَنْشُرُها).
بفتح النونِ مِن أُولِه وبالراءِ (١)، كأنه وجَّه ذلك إلى مثلِ معنَى نَشْرِ الشيءِ وطَيِّه، وذلك قراءةٌ غيرُ مَحمودةٍ؛ لأن العربَ لا تقولُ: نَشَر الله الموتَى.
وإنما تقولُ: أنشَر اللهُ الموتَى، فَنَشروا هم.
بمعنى: أحياهم اللهُ فحَيُوا هم.
يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾.
وقولُه: ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١].
وعلى أنه إذا أُرِيد به: حَيِىَ المَيْتُ وعاش بعدَ مَماتِه، قيل: نَشَر.
قولُ الأعشى مِن بني ثعلبة (٢).
حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مما رَأَوْا … يا عجبًا لِلْمَيِّتِ النَّاشِرِ وروى سماعًا مِن العرب: كان به جَرَبٌ فَنَشَر.
إذا عاد وحَيِيَ (٣).
والقولُ في ذلك عندِى أنّ معنَى الإنشارِ ومعنى الإنشازِ متقاربان؛ لأن معنى الإنشازِ التركيبُ والإنباتُ (٤)، وردُّ العظام مِن [الترابِ إلى الأجسادِ، وأن معنى الإنشارِ الإحياءُ والإعادةُ.
وإحياءُ] (٥) العظامِ وإعادتُها لا شكَّ أنه ردُّها إلى أماكنِها ومواضِعِها مِن الجسدِ بعد مفارقتِها إياها.
فهما وإنِ اخْتَلَفا في اللفظِ، فمُتقاربا المعنى.
وقد جاءت بالقراءةِ بهما الأمةُ مجيئًا يقطَعُ العذرَ، ويُوجِبُ الحُجةَ، فبأيِّهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ، لاتفاقِ (٦) مَعْنيَيْهما، وألا حُجةَ تُوجِبُ لإحداهما مِن القضاءِ بالصوابِ على الأُخْرى.
فإن ظنَّ ظانٌّ أنّ الإنشارَ إذا كان إحياءً فهو بالصوابِ أوْلَى؛ لأن المأمورَ بالنظرِ إلى العِظامِ وهى تُنْشَرُ، إنما أُمِرَ به ليَرَى عِيانًا ما أَنْكَره بقولِه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
فإن إحياءَ العظامِ لا شكَّ في هذا الموضعِ إنما عُنى به ردُّها إلى أماكنِها مِن جسدِ المنظورِ إليه وهو يحْيَا، لا إعادةَ الروحِ التي كانت فارقَتْها عندَ المماتِ.
والذي يدلُّ على ذلك قولُه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
ولا شكَّ أنَّ الروحَ إنما نُفِخَتْ في العظامِ التي أُنْشِرت بعد أن كُسِيتِ اللحمَ.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان معنى الإنْشاز تركيبُ العظامِ وردُّها إلى أماكنِها مِن الجسدِ، وكان ذلك معنى الإنشارِ، كان معلومًا استواءُ مَعْنَيَيهما، وأنهما مُتَّفقا المعنى لا مُخْتَلِفاه، ففى ذلك إبانةٌ عن صحةِ ما قلنا فيه.
فأمَّا القراءةُ الثالثةُ فغيرُ جائزةٍ القراءةُ بها عندى، وهى قراءةُ مَن قرأَ: (كيف نَنْشُرُها).
بفتحِ النونِ وبالراءِ؛ لشُذوذها عن قراءةِ المسلمين، وخروجِها عن الصحيحِ الفصيحِ من كلامِ العربِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾.
يعنِى بذلك تعالى ذِكْرُه: ثم نَكْسو العظامَ لحمًا.
والهاءُ التي في قولِه: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا﴾.
مِن ذكرِ العظامِ، ومعنى ﴿نَكْسُوهَا﴾.
نُلْبِسُها ونُوارِيها به كما يُوارِى جسدَ الإنسانِ كسوتُه التي يَلْبَسُها.
وكذلك تفعَلُ العرب، تجعَلُ كلَّ شيءٍ غطَّى شيئًا وواراه لباسًا له وكسوةً، ومنه قولُ النابغةِ الجَعْديِّ (١): فالحَمْدُ للهِ إِذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي … حتى اكْتَسَيْتُ منَ الإسْلامِ سِرْبالا فجعَل الإسلامَ - إذ غطَّى الذي كان عليه، فواراه وأذهَبه - كسوةً له وسِرْبالًا.
القولُ في تأويلِ قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾: فلمَّا اتَّضَح له عِيانًا ما كان مستنكَرًا في (١) قدرةِ اللهِ وعظمتهِ عندَه قبلَ عِيانِه ذلك، قال: أَعْلَمُ الآنَ - بعدَ المعاينةِ والاتضاحِ والبيانِ - أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ثم اختلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾؛ فقرَأه بعضُهم: (قال اعْلَمْ).
على معنى الأمرِ، بوصلِ الألفِ مِن "اعْلَم"، وجزمِ الميمِ منها.
وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ أهلِ الكوفةِ (٢)، ويذكرون أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (قيل اعْلَمْ).
على وجهِ الأمرِ من اللهِ للذى أُحْيِي بعدَ مماتِه، فأُمِر بالنظرِ إلى ما يُحْيِيه اللهُ بعدَ مماتِه.
وكذلك رُوى عن ابن عباسٍ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ يوسفَ التَّغْلَبِيُّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ سلَّامٍ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن هارونَ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قيل اعلمْ أن الله).
على وجهِ الأمرِ (٣).
حدَّثني الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه - قال الطبريُّ: أحسَبُه قال: - سمِعتُ ابنَ عباسٍ يقرأُ: (فلمّا تبيَّن له قال اعْلَمْ).
قال: إنما قيل ذلك له (١).
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا - واللهُ أعلُم - أنه قيل له: انْظُرْ.
فجعَل يَنْظُرُ إلى العظامِ كيفَ يتواصَلُ بعضُها إلى بعضٍ، وذلك بعينيه، فقيل له: (اعلمْ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ).
فعلى هذا القولِ تأويلُ ذلك: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن أمرِ اللهِ وقدرتِه، قال اللهُ ﷿ له: اعلم الآن أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ولو صرَف مُتَأَوِّلٌ قولَه: (قال اعلم) - وقد قرَأه على وجهِ الأمرِ - إلى أنه مِن قِبَلِ المخبَرِ عنه بما اقتصَّ اللهُ في هذه الآية مِن قصَّتِه، كان وجهًا صحيحًا، وكان ذلك كما يقولُ القائلُ: اعلمْ أن كان كذا وكذا.
على وجهِ الأمرِ منه لغيرِه، وهو يعنى به نفسَه.
وقرَأ ذلك آخَرون: ﴿قَالَ أَعْلَمُ﴾ (٢).
على وجهِ الخبرِ عن نفسِه للمتكلِّمِ به، بهمزِ ألفِ ﴿أَعْلَمُ﴾ وقطعِها، ورفعِ الميمِ، بمعنى: فلمَّا تبيَّن له ما تبيَّن مِن قدرةِ اللَّهِ وعظيمِ سلطانِه بمعاينتِه ما عاينه، قال المتبيِّن (٣) ذلك: أعلمُ الآن أنا أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
وبذلك قرَأت عامةِ قَرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ أهلِ العراقِ.
وبذلك مِن التأويلِ تأوَّله جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمَّن لا يَتَّهَمُ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا عايَنَ مِن قدرةِ اللهِ ما عايَن، قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقِلٍ، أنه سمِع وهبَ بنَ مُنَبِّهٍ يقولُ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: بعَيْنِ (٢) نبيِّ اللهِ ﵇ كان (٣) - يعني إنشارَ العظامِ - فقال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤).
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: قال عُزَيْرٌ عندَ ذلك - يعنى عندَ معاينتِه إحياءِ اللهِ حمارَه -: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: جعَل يَنْظُرُ إلى كلِّ شيءٍ منه يُوصَلُ بعضُه إِلى بعضٍ، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ نحوَه.
وأَوْلَى القراءتينِ في ذلك بالصوابِ (١) قراءةُ مِن قرأَ: (اعْلَمْ).
بوصلِ الألفِ، جزمِ الميمِ، على وجهِ الأمرِ من اللهِ جلَّ ثناؤُه للذى أحياه بعدَ مماتِه، بالأمرِ بأن يَعْلَمَ أن الله الذي أراه بعينَيْه ما أراه مِن عظيمِ قدرتِه وسلطانِه؛ مِن إحيائه إيَّاه وحمارَه بعد موتٍ مائةَ عامٍ وبَلائِه، حتى عادا كهيئتهما يومَ قَبْضِ أرواحِهما، وحِفْظه عليه طعامَه وشرابَه مائةَ عامٍ، حتى ردَّه كهيئتِه يومَ وضَعه، غيرَ مُتَغَيِّرٍ - على كلِّ شيءٍ قادرٌ كذلك.
وإنما اخْتَرْنَا قراءة ذلك كذلك، وحَكَمْنا له بالصوابِ دونَ غيرِه؛ لأن ما قبلَه مِن الكلامِ أمرٌ من اللهِ؛ قولًا للذى أحياه اللهُ بعدَ مماتِه، وخطابًا له به، وذلك قولُه: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ - ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ (٢).
فلمَّا تبيَّن ذلك له جوابًا عن مسألتِه ربَّه: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
قال اللهُ ﵎ له: اعلمْ أن الله الذي فعل هذه الأشياءَ على ما رأيتَ، على غير ذلك مِن الأشياء قديرٌ، كقدرتِه على ما رأيتَ وأمثالِه، كما قال لخليلِه إبراهيمَ صلى الله عليه، بعدَ أن أجابه عن مسألتِه إيَّاه في قولِه: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
فأمَر إبراهيمَ بأن يَعْلَم بعدَ أن أَراه كيفيَّةَ إحيائِه الموتى أنه عزيزٌ حكيمٌ، وكذلك أمَر الذي سأل فقال: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بعدَ أن أَراه كيفيةَ إحيائِه إيَّاها، أن يَعْلَمَ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
يعنِى بذلك جلَّ ثناؤُه: أوَ لم تَرَ إذ قال إبراهيمُ: ربِّ أَرِنى.
وإنما صلَح أن يُعْطَفَ بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ على قولِه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾.
وقولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾؛ لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ليس معناه: ألم تَرَ بعينَيْك.
وإنما معناه: ألم تَرَ بقلبِك.
فمعناه: ألم تَعْلَمُ فَتَذْكُرَ (١)، وإن كان لفظُه لفظ الرؤيةِ، فيُعْطَفُ عليه أحيانًا بما يُوافِقُ لفظَه من الكلامِ، وأحيانًا بما يُوافِقُ معناه.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في سببِ مسألةِ إبراهيمَ ربَّه أن يُرِيَه كيف يُحْيِي الموتى؛ فقال بعضُهم: كانت مسألتُه ذلك ربَّه، أنه رأى دابَّةً قد تقسَّمتْها السِّباعُ والطيرُ، فسأل ربَّه أن يُرِيَه كيفيةَ إحيائه إيَّاها، معَ تفرُّقِ لحمِها (٢) في بطونِ طيرِ الهواءِ وسباعِ الأرضِ؛ ليرَى ذلك عِيانًا، فيزدادَ يقينًا برؤيته ذلك عِيانًا، إلى علمِه به خبرًا، فأراه اللهُ جلّ ثناؤُه ذلك مثلًا بما أَخْبَر أنه أمره به.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾: ذُكر لنا أن خليلَ الله إبراهيمَ أتَى على دابَّةٍ توزَّعتْها الدوابُّ والسباعُ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟
قال: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ (١)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بنُ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
قال: مرَّ إبراهيم على دابَّةٍ ميتٍ قد بلى وتقسَّمته الرياحُ والسباعُ، فقام (٢) ينظُرُ، فقال: سبحانَ اللَّهِ!
كيفَ يُحْيِي اللَّهُ هذا؟
وقد علِم أن الله قادرٌ على ذلك، فذلك قولُه: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ (٣)؟
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: بلَغنى أن إبراهيمَ بَيْنَا هو يسيرُ في الطريقِ، إذا هو بجِيفةِ حمارِ عليها السباعُ والطيرُ، قد توزَّعت (٤) لحمها وبقى عظامُها، فلمَّا دنا (٥) ذهَبت السباعُ، وطارت الطيرُ على الجبالِ والآكامِ، (٦) فوقَف فعَجِب (٧)، ثم قال: ربِّ، قد علمتُ لتَجْمَعَنَّها من بطونِ هذه السباعِ والطيرِ، ربِّ، أرنى كيف تحيي الموتى.
قال: أو لم تُؤمنْ؟
قال: بلى، ولكن ليس الخبرُ كالمعاينةِ (٨).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: مرَّ إبراهيمُ بحوتٍ نصفَه في البَرِّ ونصفُه في البحرِ، فما كان منه في البحرِ فدوابُّ البحرِ تأكُلُه، وما كان منه في البرِّ فالسباعُ ودوابُّ البرِّ تأكُلُه، فقال له الخبيثُ (٩): يا إبراهيمُ، متى يَجْمَعُ اللَّهُ هذا (١) مِن بطونِ هؤلاءِ؟
فقال: يا ربِّ، أَرِني كيف تُحْيِي الموتى.
قال: أوَلم تُؤمن؟
قال: بلى ولكن لِيَطْمَئِنَّ قلبى (٢).
وقال آخرون: بل كان سببَ مسألتِه ربَّه ﵎ ذلك المناظرةُ والمحاجَّةُ التي جرَت بينه وبين نُمْرُوذَ في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثني ابن إسحاقَ، قال: لمَّا جرَى بينَ إبراهيمَ وبينَ قومِه ما جرى بينَهم، ممَّا قصَّه اللَّهُ في سورةِ "الأنبياء" (٣)، قال نُمْرُوذُ - فيما يذكُرون - لإبراهيمَ: أرأيتَ إلهَك هذا الذي تَعْبُدُ وتدعُو إلى عبادتِه، وتَذْكُرُ مِن قدرتِه التي تُعَظِّمُه بها على غيرِه، ما هو؟
قال له إبراهيمُ: ربيَ الذي يُحيِى ويُميت.
قال نُمْرُوذَ: أنا أُحْيى وأُمِيتُ.
فقال له إبراهيمُ: كيف تحيى وتُمِيتُ؟
ثم ذَكر ما قصَّ اللهُ مِن محاجَّتِه إِيَّاه، قال: فقال إبراهيمُ عندَ ذلك: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
عن غيرِ شَكٍّ فِي اللَّهِ تعالى ذكرُه ولا في قدرته، ولكنه أحبَّ أن يَعْلَمَ ذلك، وتاق إليه قلبُه، فقال: لِيَطْمَئِنَّ قلبي.
أيْ: ما تاق إليه إذا هو علمه.
وهذان القولان - أعنِى الأولَ وهذا الآخرَ - مُتَقاربا المعنى، في أن مسألةَ إبراهيمَ ربَّه ﵎ أن يُرِيَه كيفَ يحيِى الموتى، كانت ليَرَى عِيانًا ما كان عندَه من علمِ ذلك خبرًا.
وقال آخرون: بل كانت مسألتُه ذلك ربَّه عند البشارةِ التي أتَته من اللهِ جلّ ثناؤُه بأنه قد اتَّخَذه خليلًا، فسأَل ربَّه أن يُريَّه عاجلًا مِن العلامةِ له على ذلك، ليَطْمَئِنَّ قلبُه بأنه قد اصطفاه لنفسِه خليلًا، ويكونَ ذلك لما عندَه من اليقينِ مُؤَيِّدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا اتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا، سأل ملَكُ الموتِ ربَّه أن يَأْذَنَ له فَيُبَشِّر إبراهيمَ بذلك، فأذِن له، فأتَى إبراهيمَ وليس في البيتِ، فدخَل دارَه، وكان إبراهيمُ أغيرَ الناسِ، إذا خرَج أغْلَق البابَ، فلمَّا جاء وجَد في دارِه رجلًا، ثار (١) إليه ليأخُذه، وقال: مِن أذِن لك أن تدخُلَ دارى؟
قال ملَكُ الموتِ: أذِن لي ربُّ هذه الدارِ (٢).
قال إبراهيمُ: صدَقتَ.
وعرَف أنه ملَكُ الموتِ، قال: مَن أنت؟
قال: أنا ملَكُ الموتِ، جئتُك أُبَشِّرُك بأن الله قد اتَّخَذك خليلًا.
فحمِد الله وقال: يا ملَكُ الموتِ، أرِنى الصورةَ التي تَقْبِضُ فيها أنفاسَ الكفارِ، قال: يا إبراهيمُ، لا تُطِيقُ ذلك.
قال: بلى.
قال: فأَعْرِضْ، فأعرَضَ إبراهيمُ، ثم نظَر إليه، فإذا هو برجلٍ أسوَدَ يَنالُ رأسه السماءَ، يَخْرُجُ مِن فيهِ (٣) لهبُ النارِ، ليس مِن شعرةٍ في جسدِه إلا في صورةِ رجلٍ أسودَ يَخْرُجُ مِن فيه ومسامعِه لَهبُ النارِ، فغُشِيَ على إبراهيم، ثم أفاق وقد تحوَّل ملَكُ الموتِ في الصورةِ الأوُلى، فقال: يا ملَكَ الموتِ، لو لم يَلْقَ الكافرُ عندَ الموتِ مِن البلاءِ والحُزْنِ إلا صورتَك لكفاه، فأَرِى كيفَ تَقْبِضُ أنفاسَ المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ، فَأَعْرَضَ إبراهيمُ ثم التفتَ، فإذا هو برجلٍ شابٍّ أحسنِ الناسِ وجهًا، وأطيبِه رِيحًا، في ثيابٍ بِيضٍ، فقال: يا ملَكَ الموتِ، لو لم يكنِ للمؤمنِ عندَ موتِه (٤) مِن قُرَّةِ العَينِ والكرامةِ إلا صورتُك هذه لكان يَكفِيه.
فانطلَق ملَكُ الموتِ، وقام إبراهيمُ يدعُو ربَّه يقولُ: ربِّ، أرنى كيف تحيي الموتى حتى أَعلمَ أنِّي خَلِيلُكَ.
قال: أو لم تؤمن بأَنِّي خَلِيلُك؟
يقولُ: تُصَدِّقُ.
قال: بلى، ولكن ليطمئنَّ قلبي بخُلُولَتِكَ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ ثابتٍ، عن أبيه، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: بالخُلَّةِ (٢).
وقال آخرون: سأل ذلك ربَّه لأنه شكّ في قدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيِى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ في قولِه: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: قال ابن عباسٍ: ما في القرآنِ آيةٌ أَرْجَى عندى منها (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعْتُ زيدَ بنَ عليٍّ يُحدِّثُ عن رجلٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: اتَّعَدَ عبدُ اللَّهِ بن عباسٍ وعبدُ اللهِ بنُ عمرٍو أن يَجتمِعا، قال: ونحن يومئذٍ شبَبَةٌ، فقال أحدُهما لصاحبه: أيُّ آيةٍ في كتابِ اللهِ أَرْجَى لهذه الأُمَّةِ؟
فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] حتى ختَم الآية.
فقال ابن عباسٍ: أمَّا إن كنتَ تقولُ: إِنَّها، وإِنَّ أَرْجَى منها لهذه الأمةِ (١) قولُ إبراهيمَ ﷺ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءَ بنَ أبي رَباحٍ عن قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾.
قال: دخَل قلبَ إبراهيمَ بعضُ ما يَدْخُلُ قلوبَ الناسِ، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾.
قال: ﴿بَلَى﴾.
قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾؛ لِيُرِيَهُ (٣).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبانٍ المصريُّ، قال: ثنا سعيدٌ بنُ تَلِيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ القاسمُ، قال: ثنى بكرُ بنُ مُضَرَ، عن عمرِو بن الحارثِ، عن يونسَ بن يزيدَ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرَنى أبو سلَمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، عن أبي هُريرةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "نحن أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبراهيمَ، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، [عن أبي سلمةَ] (١) وسعيدِ بن المسيَّبِ، عن أبي هريرةَ، أن رسولِ اللهِ ﷺ قال.
فذكَر نحوَه (٢).
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويلِ الآيةِ ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قاله، وهو قولُه: "نحنُ أحقُّ بالشَّكِّ مِن إبراهيمَ، قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ ".
وأن تكونَ مسألتُه ربَّه ما سأَله أن يُرِيَه مِن إحيائِه الموتى؛ لعارضٍ مِن الشيطانِ عرَض في قلبِه، كالذى ذكَرْنا عن ابن زيدٍ آنفًا، مِن أن إبراهيمَ لمّا رأَى الحوتَ الذي بعضُه في البرِّ وبعضُه في البحرِ، قد تَعاوَرَه دوابُّ البَرِّ ودوابُّ البحرِ وطيرُ الهواءِ، أَلْقَى الشيطانُ في نفسِه فقال: متى يَجمعُ اللَّهُ هذا مِن بطون هؤلاءِ؟
فسأل إبراهيمُ حينئذٍ ربَّه ﷻ أن يُرِيَه كيف يُحْيِي الموتى؛ ليُعايِنَ ذلك عِيانًا، فلا يَقْدِر بعدَ ذلك الشيطانُ أن يُلْقِيَ في قلبِه مثلَ الذي ألْقَى فيه عندَ رؤيتِه ما رأى مِن ذلك، فقال له ربُّه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾؟
يقول: أولم تُصَدَّق يا إبراهيمُ بأنِّى على ذلك قادرٌ؟
قال: بلى يا ربِّ، ولكني سألْتُك أن تُرِيَنى ذلك ليَطْمَئِنَّ قلبي، فلا يَقْدِرَ الشيطانُ أن يُلْقِيَ في قلبي مثلَ الذي فعَل عندَ رؤيتي هذا الحوتَ.
حدَّثني بذلك يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، عن ابن زيدٍ.
ومعنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليَسْكُنَ ويَهْدَأَ باليقينِ الذي يَسْتَيْقِنُه.
وهذا التأويلُ الذي قلْناه في ذلك هو تأويلُ الذين وجَّهوا معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ إلى أنه: ليزدادَ إيمانًا.
أو إلى أنه: لِيُوقِنَ (٣).
ذكرُ مِن قال: معنى (١) ذلك: لِيُوقنَ (٢).
أو لِيزدادَ يقينًا أو إيمانًا حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: لِيُوقِنَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، وحدَّثنا أحمدُ بن إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: ليزدادَ يَقِيني (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
يقولُ: ليزدادَ يقينًا.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ،، عن قتادةَ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: وأراد نبيُّ اللهِ إبراهيمُ: ليزدادَ يقينًا إلى يقينِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيِى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال مَعْمَرٌ: وقال قتادةُ: ليزدادَ يقينًا (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: أراد إبراهيمُ أن يزدادَ يقينًا (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ البصريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: ليزدادَ يَقِيني (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الفضلُ بنُ دُكَينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: ليزدادَ يقينًا.
حدَّثنا صالحُ بنُ مِسمارٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحُبابِ، قال: ثنا خلَفُ بنُ خليفةَ، قال: ثنا ليثُ بنُ أبى سُلَيمٍ، عن مجاهدِ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: لأَزدادَ إيمانًا مع إيماني (٢).
حدَّثنا صالحُ بنُ مِسمارٍ، قال: ثنا زيدُ بنُ الحبابِ، قال: أخبَرَنا زيادُ بنُ (٣) عبدِ اللهِ العامريُّ، قال: ثنا الليثُ، عن أبي الهيثمِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِ اللهِ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: لأَزدادَ إيمانًا مع إيماني.
وقد ذكَرْنا فيما مضَى قولَ مِن قال: معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: بأنِّي خَلِيلُكَ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: لأعلَمَ أنك تُجيبنُى إذا دَعَوْتُك، وتُعْطيني إذا سألْتُك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
قال: أعلمُ أنك تُجيِبُنى إذا دَعَوْتُك، وتُعْطِيني إذا سألْتُك (١).
وأمّا تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾.
فإنه: أوَ لم تُصَدِّقُ؟
كما حدَّثني (٢) موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾.
قال: أوَ لمْ توقنْ بأنِّى خليلُك (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قولَه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾.
قال: أوَ لمْ تُوقِنُ بأنِّى خَلِيلُك (٤)؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾.
قال: أوَ لمْ تُوقِنُ بأنِّى خليلك؟
القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾.
يعنِى بذلك جلَّ ثناؤُه: قال اللهُ له: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ.
فذُكِر أن الأربعة مِن الطيرِ: الديكُ، والطاوُسُ، والغرابُ، والحمامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن أهلَ الكتابِ الأولِ يَذكُرُون أنه أخَذ طاوسًا، وديكًا، وغرابًا، وحمامًا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأربعةُ مِن الطير: الديكُ، والطاوسُ، والغرابُ، والحمامُ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾.
قال ابن جُريج: زعَمُوا أنه ديكٌ، وغرابٌ، وطاوسٌ، وحمامةٌ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةً، وغرابًا، وديكًا، مخالفةً أجناسُها وألوانُها (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
اختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والحجازِ والبصرةِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
بضمِّ الصادِ (٤)، مِن قولِ القائلِ: صُرْتُ إلى هذا الأمرِ، إذا مِلْتَ إليه، أَصورُ صَوَرًا.
ويقال: إنى إليكم لأَصْوَرُ.
أي: مشتاقٌ مائلٌ.
ومنه قولُ الشاعر (١): اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّا فِي تَلَفُّتِنا … يومَ الفراقِ إلى جيرانِنا (٢) صُورُ وهو جمعُ أَصْوَرَ وصَوْراءَ وصُورٍ، مثلُ أَسودَ وسوداءَ وسودٍ.
ومنه قولُ الطِّرِمَّاحِ بن حكيمٍ (٣): عَفائفُ إلَّا ذاك أوْ أن يَصُورَها … هوًى والهوَى للعاشقِينَ صَرُوعُ يعنَى بقولِه: أو أن يصورَها هَوًى: يُمِيلَها هوًى فمعنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: فَاضْمُهُنَّ إليك، ووَجِّهُهُنَّ نحوَك، كما يقالُ: صُرْ وجهَك إليَّ.
أي: أَقْبِلْ به إليَّ.
ومَن وجَّه قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ إلى هذا التأويلِ، كان في الكلامِ عندَه متروكٌ قد تُرِك ذكرُه؛ استغناء بدَلالة الظاهرِ عليه، ويكونُ معناه حينئذٍ عندَه: قال: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم قَطِّعْهنّ، ثم اجعَلْ على كلِّ جَبَلٍ منهنَّ جزءًا.
وقد يَحتَمِلُ أن يكون معنى ذلك إذا قُرِئَ كذلك بضمِّ الصادِ: قَطِّعْهِنَّ.
كما قال تَوْبَةُ بنُ الحُميِّرَ (٤): فلمَّا جذَبْتُ الحَبْلَ أَطَّتْ نُسوعُهُ … بأطرافِ عِيدانٍ شَديدٍ أُسُورُها (٥) فَأَدْنَتْ لتي الأسبابَ حتى بَلَغْتُها … بنَهْضِى وقد كاد (٦) ارتقائِى يَصُورُها يعْني: يَقْطَعُها.
وإذا كان ذلك تأويلَ قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
كان في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، ويكونُ معناه: قال: فخُذْ أربعةً مِن الطيرِ إليك فصُرْهنَّ.
ويكونُ ﴿إِلَيْكَ﴾ مِن صلةِ ﴿فَخُذْ﴾.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن أهلِ الكوفةِ: (فصِرْهُنَّ إليك).
يعنِى: قَطِّعُهُنَّ (١).
وقد زعَم جماعةٌ مِن نحويِّي الكوفةِ (٢) أنهم لا يَعْرِفون (فصِرْهُنَّ)، ولا ﴿فَصُرْهُنَّ﴾.
بمَعْنى (٣): قَطِّعْهُنَّ، في كلامِ العربِ، وأنهم لا يَعرِفون كسرَ الصادِ وضمَّها في ذلك إلا بمعنًى واحدٍ، وأنهما جميعًا لُغتان بمعنى الإمالةِ، وأن كسرَ الصادِ منها لغةٌ في هُذَيْلٍ وَسُلَيْمٍ، وأَنشَدُّوا لبعضِ بني سُلَيمٍ: وفَرْعِ يَصِيرُ الجيدَ وَحْفٍ كَأَنَّهُ … على اللِّيتِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِحُ (٤) يعنَى بقولِه: يَصِيرُ: أي: يُميلُ.
وأن أهلَ هذه اللغة يقُولون: صارَه، وهو يَصِيرُه صَيْرًا، وصِرْ وجْهَكَ إِليَّ.
أي: أَمِله.
كما يقالُ: صُرْه.
وزعم بعضُ نحوييِّ الكوفةِ أنه لا يَعِرفُ لقولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾.
ولا لقراءةِ من قرَأ (فَصِرْهُنَّ) بضمِّ الصادِ أو (٥) كسرها وجهًا في التَّقْطِيع، إلا أن يكونَ: (فَصِرْهُنَّ إليك) - في قراءةِ مَن قرَأه بكسرِ الصادِ - مِن المقلوبِ، وذلك أن تكونَ لامُ فِعْلِه جُعِلتْ مكانَ عينِه، وعينُه مكانَ لامِه، فيكونُ مِن: صرَى يَصْرِى صَرْيًا.
فإن العربَ تقولُ: بات يَصْرِى في حَوْضِه، إذا استَقَى، ثم قَطَع واستَقَى.
ومن ذلك قولُ الشاعرِ (١): صرَت نظرةً لو صادفت جَوْزَ دارعٍ … غدًا والعواصِي مِن دمِ الجوفِ تَنْعَرُ (٢) يعني: قَطَعَتْ نظرةً.
ومنه قولُ الآخرِ (٣): يقولون إن الشامَ يَقْتُلُ أَهلَهُ … فَمَنْ ليَ إنْ (٤) لم آتِهِ بخلودِ تَعَرَّبَ آبائي فهلَّا صِرَاهُمُ … مِن الموت أن لم يَذْهَبُوا وجُدُودِى يعنِى: قَطَعَهم.
ثم نُقِلت ياؤُها التي هي لامُ الفعلِ فجُعِلَتْ عينًا للفعلِ، وحُوِّلتْ عينُها فجُعِلتْ لامها، فقيل: صار يَصِيرُ.
كما قِيل: عَثِى يَعْثَى عَثًا.
ثم حُوِّلت لامُها، فجُعِلتْ عينها، فقيل: عاث يَعِيثُ.
وأما نحويُّو البصرة فإنهم قالوا: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ سواءٌ معناه إِذا قُرِئَ بالضمِّ مِن الصادِ وبالكسرِ، في أنه مَعْنِيٌّ به في هذا الموضعِ التقطيعُ.
قالوا: وهما لغتان: إحداهما، صارَ يصُورُ، والأخرَى، صار يَصِيرُ.
واستشهدُوا على ذلك ببيتٍ تَوْبَةَ بن الحُمَيِّرِ الذي ذكرناه قبلُ، وببيت المُعَلَّى بن جمَّالٍ (٥) العبديِّ: وجاءَتْ خُلْعَةٌ دُهْسٌ صَفَايَا … يَصُورُ عُنُوقَها أَحْوَى زَنِيمُ (٦) يعني: يُفَرِّقُ عُنوقها ويُقَطِّعُها، وبيتِ خَنْساءَ (١): * لَظَلَّتِ الشُّمُّ منها وَهْيَ تَنْصارُ (١) * تَعْنى بالشُّمِّ: الجبالَ، أنها تتَصدَّعُ وتَتَفرَّقُ.
وببيتِ أبي ذُؤَيبٍ (٢): فانْصَرْنَ مِن فَزَعٍ وسَدَّ فُرُوجَهُ … غُبْرٌ ضَوارٍ وافيانِ وأَجْدَعُ (٣) قالوا: فلِقول القائلِ: صُرْتُ الشيء.
معْنيان: أَمَلْتُه، وقَطَّعْتُه، وحَكَوْا سماعًا: صُرْنا به الحُكْمَ: فَصَلْنا به الحكم.
وهذا القولُ الذي ذكرْناه عن البَصْريِّين - مِن أن معنى الضَّمِّ في الصادِ مِن قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ والكسرِ سواءٌ بمعنًى واحدٍ، وأنهما لُغتان معْناهما في هذا الموضعِ: فقَطِّعْهنَّ، وأن معنى ﴿إِلَيْكَ﴾ تقديُمها قبلَ ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ مِن أجلِ أنها صلةٌ لقولِه: ﴿فَخُذْ﴾ - أَوْلَى بالصوابِ مِن قولِ الذين حكَيْنا قولَهم مِن نحويِّي الكوفيِّين، الذين أنكَرُوا أن يكونَ للتقطيعِ في ذلك وجهٌ مفهومٌ، إلا على معنى القلبِ الذي ذكرْتُ؛ لإجماعِ جميع أهلِ التأويلِ على أن معنى قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ غيرُ خارجٍ مِن أحدِ معنيَين: إما: قَطِّعْهُنَّ.
وإما: اضْمُمُهُنَّ إليك.
بالكسرِ قُرِئ ذلك أو بالضَّمِّ، ففى إجماعِ جميعِهم على ذلك - على غير مراعاةٍ منهم كسرَ الصادِ وضمَّه، ولا تفريقٍ منهم بين معنيَى القراءتَين - أَعنى الكسرَ والضمَّ - أوضحُ الدليلِ على صحةِ قولِ القائلين مِن نحويِّى أهلِ البصرةِ في ذلك، ما حكَيْنا عنهم من القولِ، وخطأ قوِل نحويِّى الكوفيِّين؛ لأنهم لو كانوا إنَّما تأوَّلُوا قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾.
بمعنى: فقَطِّعْهنَّ.
على أن أصلَ الكلامِ فاصْرِهنَّ.
ثم قُلِبَتْ فقيل: فصِرهنَّ.
بكسرِ الصادِ؛ لتحوُّلِ ياءِ "فاصْرِهِنَّ" مكانَ رائِه، وانتقاِل رائِه مكان يائِه لكان لا شكَّ مع معرفتِهم بلُغتِهم، وعلمِهم بمَنْطِقِهم، قد فصَلُوا بينَ معنى ذلك إذا قُرِئَ بكسرِ صادِه، وبينَه إذا قُرِئَ بضمِّها، إذ كان غيرَ جائزٍ لمن قلَب "فاصْرِهُنَّ" إلى "فَصِرْهنَّ"، أَن يَقْرَأَه "فصُرْهُنَّ" بضمِّ الصادِ، وهم معَ اختلافِ قراءتِهم ذلك كذلك، قد تأوَّلوه تأويلًا واحدًا على أحدِ الوجهَيْن اللذَيْن ذكَرْنا، ففى ذلك أوضحُ الدليلِ على خطأ قولِ من قال: إنّ ذلك إذا قُرِئَ بكسر الصادِ بتأويلِ التقطيعِ، مقلوبٌ مِن: صرَى يَصْرِى.
إلى: صارَ يَصِيرُ.
وجهلِ مَن زعم أن قول القائلِ: صار يصُورُ، وصار يصِيرُ، غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ بمعْنى: قَطَّعَ.
ذكرُ مَن حضَرَنا قولُه في تأويلِ قولِ اللَّهِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾.
أنه بمعنى: فَقَطِّعْهُنَّ.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجَبَّارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَيْنةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾.
قال: هي نَبَطِيَّةٌ: فَشَقِّقْهُنَّ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي جَمْرَة (٢)، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآية: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: إنما هو مَثَلٌ.
قال: قَطِّعْهِنَّ ثم اجعلهنَّ في أرباعِ الدنيا؛ رُبعًا ههنا، وربعًا ههنا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِلَيْكَ﴾ يقولُ: قَطِّعْهُنَّ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: يقولُ: قَطِّعْهنَّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيِى بنُ اليمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: قال: جَناحُ ذِه عندَ رأْسِ ذِه، ورأسُ ذِه عندَ جَناحِ ذِه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم أبو عمرٍو، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: قال عكرمةُ: بالنَّبَطِيَّةِ: قَطِّعْهُنَّ (٤).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا إسرائيلُ، عن [أبي يحيِى] (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: قَطِّعْهُنَّ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: انتِفْهنَّ بريشِهنَّ ولحُومهنَّ تمزيقًا (٢)، ثم اخْلِطْ لحومَهنَّ بريشِهنَّ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ.
عن مجاهدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: انتِفْهنَّ بريشهنَّ ولحُومِهنَّ تمزيقًا.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أمَر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يأخُذَ أربعة مِن الطيرِ فَيَذْبَحَهُنَّ، ثم يَخْلِطَ بِينَ لحومِهِنَّ وريشِهنَّ ودمائِهنَّ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: فمَزِّقُهُنَّ.
قال: أُمِر أَن يَخْلِطَ الدماءَ بالدماءِ، والريشِ بالريشِ، ثم جعَل على كلِّ جبل منهن جزءًا (٥).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضَّحَّاكَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: شَقِّقْهنَّ، وهو بالنَّبَطِيَّةِ: صرِّى، وهو التشقيقُ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: قَطِّعْهنَّ (٢).
حُدِّثتُ عن عمّار بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: قَطِّعْهِنَّ إليك، ومَزِّقْهُنَّ تمزيقًا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
أَيْ: قَطِّعْهُنَّ.
وهو الصَّوْرُ في كلامِ العربِ (٣).
ففيما ذكَرْنا مِن أقوالِ مَن رَوَيْنا قوله في تأويلِ قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
أنه بمعنَى: فقَطِّعْهِنَّ إليك.
دَلالةٌ واضحةٌ على صحةِ ما قلْنا في ذلك، وفسادِ قولِ مَن خالفَنا فيه، وإذ كان ذلك كذلك، فسواءٌ قرَأ القارئُ ذلك بضمِّ الصادِ: ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أو بكسرِها: (فَصِرْهُنَّ).
[إذ كانتا لغتين] (٤) معروفتَين بمعنًى واحدٍ، غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن أحبَّهما إليَّ أن أقرأَ به: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ بضمِّ الصادِ؛ لأنها أعلَى اللغتيَن وأشهرُهما، وأكثرهما في أحياءِ العربِ.
وقد تأوَّلُ قولَه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
أنه بمعنى: ضُمَّهنَّ إليك.
مِن أهلِ التأويلِ نفر قليلٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: صُرْهُنَّ: أَوثَقْهُنَّ (١) حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلْتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ قال: اضْمُهُهُنَّ إِليك (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾.
قال: اجْمَعْهُنَّ (٣).
القولُ في تأويلِ قِوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: ثم اجْعَلْ على كلِّ رُبُعٍ مِن أرباعِ الدنيا جزءًا منهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [محمدُ بنُ المُثَنَّى] (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي جمرةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ قال: اجْعَلْهُنَّ في أرباعِ الدنيا؛ رُبُعًا ههنا، ورُبُعًا ههنا (٥)، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
قال: لمَّا أَوثَقَهُنَّ ذَبَحَهُنَّ، ثم جعَل على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِر نبيُّ اللَّهِ أَن يأخُذَ أربعةً من الطيرِ فيَذْبَحَهنَّ، ثم يَخْلِطَ بينَ لحومِهنَّ وريشهنَّ ودمائِهنَّ، ثم يُجَزِّئَهنَّ على أربعةِ أَجْبُلٍ.
فذُكِر لنا أنه شكَّل (٢) على أجنحتِهنَّ، وأَمسكَ رءوسَهنَّ بيدِه، فجعَل العَظْمُ يَذْهَبُ إلى العَظْمِ، والريشةُ إلى الريشةِ، والبَضْعةُ (٣) إلى البَضْعةِ، و (٤) بعينِ خليلِ اللَّهِ إبراهيمَ، ثم دعاهنَّ فَأَتَيْنَه سعيًا على أرجلِهنَّ، ويُلَقَّى كلُّ طيرٍ برأسِه.
وهذا مَثَلٌ أراه (٥) الله جلّ وعزّ إبراهيمَ، يقولُ: كما بعَث هذه الأطيارَ مِن هذه الأَجْبُلِ الأربعةِ، كذلك يَبعثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباعِ الأرضِ ونواحِيها.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذَبَحهنَّ، ثم قَطَّعهنَّ، ثم خلَط بينَ لحومِهنَّ وريشِهن، ثم قَسَمهنَّ على أربعةِ أجزاءٍ، فجعَل على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا، فجعَل العظمُ يَذهبُ إلى العظمِ، والريشةُ إلى الريشةِ، والبَضْعةُ إلى البَضْعةِ، وذلك بعينِ خليلِ الله إبراهيمَ، ثم دَعاهُنَّ فَأَتَيْنَه سعيًا.
يقولُ: شدًّا على أرجلِهن.
وهذا مَثَلٌ أراه اللَّهُ إبراهيمَ.
يقولُ: كما بُعِثَتْ هذه الأطيارُ من هذه الأَجْبُلِ الأربعةِ، كذلك يَبعَثُ اللَّهُ الناسَ يومَ القيامةِ مِن أرباعِ الأرضِ ونواحِيها.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن بعضِ أهلِ العلمِ، أن أهلَ الكتابِ يذكُرون أنه أخَذ الأطيارَ الأربعةَ، ثم قطَّع كلَّ طيرٍ بأربعةِ أجزاءٍ، ثم عَمَد إلى أربعةِ أجبالٍ، فجعَل على كلِّ جبلٍ رُبُعًا مِن كلِّ طائرٍ، فكان على كلِّ جبلٍ رُبُعٌ من الطاوسِ، ورُبعٌ من الديكِ، ورُبُعٌ من الغُرابِ، ورُبُعٌ من الحمامِ، ثم دَعاهُنَّ فقال: تعالَين بإذنِ اللَّهِ كما كنتُنَّ.
فوثَب كلُّ رُبعٍ منها إلى صاحبِه، حتى اجتمعْنَ، فكان كلُّ طائرٍ كما كان قبلَ أن يُقَطِّعَه، ثم أقبلْن إليه سعيًا، كما قال اللَّهُ ﷿، وقيل: يا إبراهيمُ، هكذا يَجمَعُ اللَّهُ العبادَ، ويُحْيِي الموتى للبعثِ، من مَشارقِ الأرضِ ومغاربِها، وشامِها ويَمَنِها.
فأراه الله إحياءَ الموتى بقُدْرتِه، حتى عرَف ذلك بغيرِ ما قال نُمْرُوذُ من الكذبِ والباطلِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
قال: فأخَذ طاوسًا، وحمامةً، وغرابًا، وديكًا، ثم قال: فرِّقهنَّ؛ اجعلْ رأسَ (١) واحدٍ وجُؤْشُوشَ (٢) الآخرِ وجناحَى الآخرِ ورجلَى الآخرِ معه.
فقَطَّعَهنَّ وفَرَّقَهنَّ أرباعًا على الجبالِ، ثم دَعاهُنَّ فَجِئْنَه جميعًا، فقال اللَّهُ ﷿: كما ناديْتَهُنَّ فَجِئْنَكَ، وكما أَحْيَيْتُ هؤلاءِ وجمَعْتُهنَّ بعدَ هذا، فكذلك أَجمَعُ هؤلاء أيضًا.
يعنِى الموتى.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم اجعَلْ على كلِّ جبلٍ من الأجبالِ التي كانت الأطيارُ والسِّباعُ التي كانت تأكُلُ من لحمِ الدابةِ التي رآها إبراهيمُ ميِّتةً، فسأل إبراهيمُ عندَ رؤيتِه إيَّاها أن يُرِيَه كيفَ يُحيِيها وسائرَ الأمواتِ غيرَها.
وقالوا: كانت سبعةَ أجبالٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: لمَّا قال إبراهيمُ ما قال - عندَ رؤيتِه الدابةَ التي تفرَّقت الطيرُ والسباعُ عنها حين دنا منها - وسأل ربَّه ما سأل، قال: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾.
قال ابن جريجٍ: فذبَحها ثم خلَط بيَن دمائِهن وريشِهن ولحومِهن، ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
حيثُ رأيتَ الطيرَ ذهبتْ والسباعُ.
قال: فجعَلَهن سبعةَ أجزاءٍ، وأمسكَ رُءُوسَهنَّ عندَه، ثم دعاهنّ بإذنِ اللَّهِ، فنظَر إلى كلِّ قطرةٍ من دمٍ تَطيرُ إلى القطرةِ الأخرى، وكلِّ ريشةٍ تطيرُ إلى الريشةِ الأخرى، وكلِّ بَضْعةٍ وكلِّ عظمٍ يطيرُ بعضُه إلى بعضٍ من رءوسِ الجبالِ، حتى لَقِيَتْ كلُّ جُثّةٍ بعضُها بعضًا في السماءِ، ثم أقبلْنَ يسعَين، حتى وَصَلَتْ رأسَها (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: فخُذْ أربعةً من الطيرِ فصُرْهُنَّ إليك، ثم اجعَلْ على سبعةِ أَجْبالٍ، فاجعلْ على كلِّ جبلٍ منهن جزءًا، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا.
فأخَذ إبراهيمُ أربعةً من الطيرِ، فقطَّعهنَّ أعضاءً، لم يَجعلْ عضوًا من طيرٍ معَ صاحبِه، ثم جعَل رأسَ هذا مع رجْلِ هذا، وصدرَ هذا مع جَناحِ هذا، وقَسَمَهنَّ على سبعةِ أَجْبَالٍ، ثم دعاهنَّ فطار كلُّ عضوٍ إلى صاحبِه، ثم أقبلْنَ إليه جميعًا.
وقال آخرون: بل أمَره اللَّهُ جلّ ثناؤُه أن يجعَلَ ذلك على كلِّ جبلٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ.
عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
قال: ثم بَدِّدُ (١) على كلِّ جبلٍ، يأتينَك سعيًا، وكذلك يُحيى اللَّهُ الموتى (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ثم اجعلْهنَّ أجزاءً على كلِّ جبلٍ، ثم ادْعُهنَّ يأتينَك سعيًا، كذلك يُحيى اللَّهُ الموتى.
هو مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لإبراهيمَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ، قال مجاهدٌ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾، ثم بَدِّدُهُنَّ أجزاءً على كلِّ جبلٍ، ثم ادْعُهنَّ: تَعالَيْن بِإِذنِ اللَّهِ.
فكذلك يُحيِي اللَّهُ الموتى.
مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ تعالى ذكرُه لإبراهيمَ ﷺ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنى إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: أمَره أن يخالفَ بين قوائِمِهنَّ ورُءُوسِهِنَّ وأجنحتِهنَّ، ثم يَجْعَلَ على كلِّ جبلٍ منهنَّ جزءًا.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخَبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعْتُ الضَّحّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾: فخالفَ إبراهيمُ بين قوائمِهنَّ وأجنحتِهنَّ.
وأَوْلَى التأويلات بالآيةِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أن اللَّهَ ﵎ أمَر إبراهيمَ ﵇ بتفريقِ أعضاءِ الأطيارِ الأربعةِ - بعد تقطيعِه إيّاهنَّ - على جميعِ الأَجْبالِ التي كان يَصِلُ إبراهيمُ في وقتِ تكليفِ اللهِ إيّاه تفريقَ ذلك وتبديدَها عليها أجزاءً؛ لأن اللَّهَ تعالى ذكرُه قال له: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾.
و "الكُلُّ" حرفٌ يدلُّ على الإحاطةِ بما أُضِيفَ إليه، [والجبلُ لفظُه لفظُ] (١) واحدٍ ومعناه الجمعُ.
فإذ كان ذلك كذلك، فلن يجوزَ أن تكونَ الجبالُ التي أُمِرَ إبراهيمُ بتفريقِ أجزاءِ الأطيارِ الأربعةِ عليها خارجةً من أحدٍ معنيَين: إمّا أن تكونَ بعضًا أو جميعًا، فإن كانت بعضًا فغيرُ جائزٍ أن يكونَ ذلك البعضُ إلا ما كان لإبراهيمَ السبيلُ إلى تفريقِ أعضاء الأطيارِ الأربعةِ عليه، أو يكونَ جميعًا، فيكونَ أيضًا كذلك، وقد أخبرَ الله تعالى ذكرُه أنه أمَره بأن يجعلَ ذلك على كلِّ جبلٍ، وذلك إما كلُّ جبلٍ قد (٢) عرَفهنَّ إبراهيمُ بأعيانِهنَّ، وإما كلُّ (٣) ما في الأرضِ من الجبالِ.
فأما قولُ مَن قال: إن ذلك أربعةُ أَجْبُلٍ.
وقولُ مَن قال: هنَّ سبعةٌ.
فلا دلالةَ عندَنا على صحةِ شيءٍ من ذلك فنَسْتَجِيزَ القولَ به، وإنما أمَر اللَّهُ جلّ ثناؤُه إبراهيمَ ﷺ أن يجعَلَ الأطيارَ الأربعةَ أجزاءً مُفَرَّقةً على كلِّ جبلٍ؛ ليُرِىَ جلّ ثناؤُه إبراهيمَ ﵇ قدرتَه على جمعِ أجزائهنَّ وهُنَّ متفرِّقاتٌ متبدِّداتٌ في أماكنَ مختلفةٍ شَتَّى، حتى يُؤَلِّفَ بعضَهن إلى بعضٍ، فيَعُدْنَ كهيئتِهنَّ قبلَ تقطيعِهنَّ وتمزِيقِهنَّ، وقبلَ تفريقِ أجزائِهنَّ على الجبالِ، أطيارًا أحياءً يَطِرْنَ، فيَطمَئِنَّ قلبُ إبراهيمَ، ويعلَمَ أنَّ كذلك جَمْعَ اللَّهِ أوصالَ الموتى لبعثِ القيامةِ، وتأليفَه أجزاءَهم بعدَ البِلَى، وردَّ كلِّ عضوٍ من أعضائِهم إلى موضعِه، كالذي كان قبلَ الرَّدَى (١).
والجزءُ من كلِّ شيءٍ هو البعضُ منه، كان مُنْقَسِمًا جميعُه عليه على صحةٍ أو غيرَ مُنْقَسِمٍ، فهو بذلك من معناه مخالفٌ معنى السهمِ؛ لأن السهمَ من الشئِ هو البعضُ منه المنقسِمُ عليه جميعُه على صحةٍ، ولذلك كَثُر استعمالُ الناسِ في كلامِهم عندَ ذكرِهم أنصباءَهم من المواريثِ، السهامَ دونَ الأجزاءِ.
وأمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ فإن معناه ما ذكَرْتُ آنفًا عن مجاهدٍ أنه قال: هو أنه أُمِر أن يقولَ لأجزاءِ الأطيارِ بعدَ تفريقِهنَّ على كلِّ جبلٍ: تعالَين بإذنِ اللَّهِ.
فإن قال قائلٌ: أَ أُمِر إبراهيمُ أن يَدْعُوَهنَّ وهن مُمزَّقاتٌ أجزاءً على رءوسِ الجبالِ أمواتًا، أم بعدَ ما أُحْيِينَ؟
فإن كان أُمِر أن يَدْعُوَهنَّ وهَنَّ ممزَّقاتٌ لا أرواحَ فيهِنَّ، فما وجهُ أَمْرٍ مَن لا حياةَ فيه بالإقبالِ؟
وإن كان أُمِر بدعائِهنَّ بعدَ ما أُحْيِينَ، فما كانت حاجةُ إبراهيمَ إلى دعائِهنَّ وقد أَبصرَهنَّ يُنْشَرْنَ على رءوسِ الجبالِ؟
قيل: إنَّ أَمْرَ اللَّهِ ﵎ إبراهيمَ ﷺ بدعائِهن وهنَّ أجزاءٌ متفرِّقاتٌ إنَّما هو أمرُ تكوينٍ - كقولِ اللَّهِ ﵎ للذين مسَخهم قِردةً بعدَ ما كانوا إنسًا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] - لا أمرُ عبادةٍ، فيكونَ محالًا إلا بعدَ وجودِ المأمورِ المتعبِّدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.
يَعنى تعالى ذكرُه بذلك: واعلَمْ يا إبراهيمُ أن الذي أحيا هذه الأطيارَ - بعدَ تمزيقِك إيَّاهنَّ، وتفريقِك أجزاءَهن على الجبالِ - فجمَعَهنَّ وردَّ إليهن الروحَ، حتى أعادَهنَّ كهيئتِهنَّ قبلَ تمزيقِكهنَّ، عزيزٌ في بطشِه، إذا بطَش بمن بطَش من الجبابرةِ والمتكبِّرَةِ الذين خالَفُوا أمرَه، وعَصَوْا رُسُلَه، وعبَدُوا غيرَه، وفي نِقْمَتِه حتى يَنتقِمَ منهم، حكيمٌ في أمرِه.
كما (١) حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
قال: عزيزٌ في بطشِه، حكيمٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في نقمتِه ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.
وهذه الآيةُ مردودةٌ إلى قولِه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾.
والآياتُ التي بعدَها إلى قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مِن قَصَصِ بنى إسرائيلَ وخبرِهم مع طالوتَ وجالوتَ، وما بعدَ ذلك مِن نبأَ الذي حاجَّ إبراهيمَ مع إبراهيمَ، وأمرِ الذي مرَّ على القريةِ الخاويةِ على عُروشِها، وقصةِ إبراهيمَ ومسألتِه ربَّه ما سأل، مما قد ذكَرْناه قبلُ - اعتراضٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه بما اعتَرض به مِن قَصصِهم بينَ ذلك، احتجاجًا منه ببعضِه على المشركين الذين كانوا يُكَذِّبون بالبعثِ وقيامِ الساعةِ، وحضًّا منه ببعضِه المؤمنين على الجهادِ في سبيلِه، الذي أمرَهم به في قولِه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، يُعرِّفُهم فيه أنه ناصرُهم وإن قلَّ عددُهم، وكثُر عددُ عدوِّهم، ويَعِدُهم النُّصْرةَ عليهم، ويُعْلِمُهم سُنَّتَه في من كان على مِنهاجِهم من ابتغاءِ رضوانِه، أنه مُؤَيِّدُهم، وفى من كان على سبيلِ أعدائِهم من الكفارِ، بأنه خاذلُهم، ومُفَرِّقُ جمعِهم، ومُوهِنُ كيدِهم، وقطعًا منه ببعضِه عذرَ اليهودِ الذين كانوا بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ الله ﷺ، بما أَطلَع نبيِّه عليه من خَفِيِّ أمورِهم، ومكتومِ أسرارِ أوائلِهم وأسلافِهم، التي لم يكنْ يَعْلَمُها سواهم، ليَعْلَمُوا أن ما أتاهم به محمدٌ ﷺ من عندِ اللَّهِ، وأنه ليس بتَخَرُّصٍ ولا اختلاقٍ، وإعذارًا منه به إلى أهلِ النفاقِ منهم؛ ليَحْذَرُوا - بشكِّهم في أمرِ محمدٍ ﷺ - أن يُحِلُّ أن يُحِلُّ بهم مِن بأسِه وسطوتِه، مثلَ [التي أحلّها] (١) بأسلافِهم، الذين كانوا في القريةِ التي أهلكَها، فترَكها خاويةً على عُروشِها.
ثم عاد جلّ ثناؤُه إلى الخبرِ عن الذي يُقْرِضُ اللَّهَ قرضًا حسنًا، وما عندَه له من الثوابِ على قرضِه، فقال جلّ ثناؤُه: هو ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: مثلُ المنفقين أموالَهم على أنفسِهم في جهادِ أعداءِ الله بأنفسِهم وأموالِهم، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ مِن حباتِ الحنِطةِ و (٢) الشعيرِ، أو غيرِ ذلك من نباتِ الأرضِ، التي [يُسَنْبِلُ رَيْعُها] (٣)، بذَرها زارعٌ، فـ ﴿أَنْبَتَتْ﴾ يعنِى: فأخرَجتْ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.
يقولُ: فكذلك المُنْفِقُ مالَه على نفسِه في سبيلِ اللَّهِ، له أجرُه بسبعِمائةِ ضِعْفٍ على الواحدِ من نفقتِه.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾: فهذا لمن أَنفق في سبيل اللَّهِ، فله أجرُه بسبعِمائة مرةٍ (١).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: هذا الذي يُنفِقُ على نفسِه في سبيلِ اللَّهِ وَيَخرُجُ.
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾.
الآيةَ: فكان مَن بايع النبيَّ ﷺ على الهجرةِ، ورابَط مع النبيِّ ﷺ بالمدينةِ، ولم يكفَّ (٢) وجهًا إلا بإِذنِه، كانت الحسنةُ له بسبعِمائةِ ضعفٍ، ومَن بايَع على الإسلامِ كانت الحسنةُ له عشرَ أمثالِها (٣).
فإن قال قائلٌ: وهل رأيتَ سُنبلةً فيها مائةُ حبةٍ، أو بلَغَتْك فيُضْرَبَ بها مثَلُ المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ مالَه؟
قيل: إن يكنْ ذلك موجودًا فهو ذاك (٤)، وإلا فإنه جائزٌ أن يكونَ معناه: كمَثَلِ سُنبلةٍ أَنبتتْ سبعَ سنابلَ في كلِّ سُنبلةٍ مائةُ حبةٍ، إن جعل الله ذلك فيها.
ويحتمل أن يكون معناه: في كل سنبلة مائة حبةٍ.
يعنى أنها إذا هي بُذِرَتْ أنبتتْ مائةَ حبةٍ.
فيكونَ ما حدَث عن البَذْرِ الذي كان منها من المائةِ الحبةِ مضافًا إليها؛ لأنه كان عنها.
وقد تأوَّل ذلك على هذا الوجهِ بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾.
قال: كلُّ سنبلةٍ أنبتتْ مائةَ حبةٍ، فهذا لمن أَنفقَ في سبيلِ الله، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ فقال بعضُهم: واللَّهُ يُضاعِفُ لمن يشاءُ مِن عبادِه أجرَ حسناتِه، بعدَ الذي أَعطى المنفِقَ في سبيلِه من التضعيفِ، على (٢) الواحدةِ سبعَمائةٍ، فأمَّا المنفِقُ في سبيلِه، فلا يَنْقُصُه (٣) وعدَه مِن تضعيفِ السبعِمائة بالواحدةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ، قال: هذا يضاعَفُ لمن أَنفَق في سبيلِ اللَّهِ - يعنِى السبعَمائة - ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: واللَّهُ يضاعِفُ لمن يشاءُ مِن المُنْفِقِين في سبيلِه على السبعِمائة إلى ألفَىْ ألفِ ضِعْفٍ.
وهذا قولٌ ذُكِر عن ابن عباسٍ من وجهٍ لم أَحْمَدُ (١) إسنادَه فتركْتُ ذكرَه.
والذي هو أَوْلَى بتأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾: يُضَاعِفُ على السبعِمائة إلى ما يشاءُ من التضعيفِ، لمن يشاءُ من المُنْفِقِين في سبيلِه؛ لأنه لم يَجْرِ ذكرُ الثوابِ والتضعيفِ لغيرِ المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ فيجوزَ لنا توجيهُ (٢) ما وعَد جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ من التضعيفِ، إلى أنه عِدَةٌ منه على العملِ على غيرِ النفقة في سبيلِ اللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واللَّهُ واسعٌ أن يَزِيدَ مَن يَشَاءُ من خلقِهِ المُنْفِقِين في سبيلِه، على أضعافِ السبعِمائة التي وعَده أن يَزِيدَه، عليمٌ بَمَن (٣) يستحقُّ منهم الزيادةَ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
قال: ﴿وَاسِعٌ﴾ أن يَزِيدَ مِن سَعَتِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ عالمٌ بَمَن يَزِيدُه (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: واللَّهُ واسعٌ لتلك الأضعافِ، عليمٌ بما يُنْفِقُ الذين يُنْفِقُون أموالَهم في طاعةِ اللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه المُعْطِىَ مالَه المجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ؛ معونةً لهم على جهادِ أعداءِ اللَّهِ.
يقولُ تعالى ذكرُه: الذين يُعِينُون المجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ بالإنفاقِ عليهم، وفى حُمُولاتِهم وغيرِ ذلك من مُؤَنِهم، ثم لم يُنْبِعْ نفقَتَه التي أَنفقَها عليهم مَنًّا عليهم بإنفاقِ ذلك عليهم، ولا أذًى لهم، [فأمّا منُّه] (١) به عليهم، فأن يُظْهِرَ لهم أنه قد اصطَنع إليهم - بفعلِه وعطائِه الذي أَعطاهُمُوه تقويةً لهم على جهادِ عدوِّهم - معروفًا، ويُبْدِيَ ذلك إمّا بلسانٍ أو فعلٍ.
وأمّا الأذَى فهو شِكايتُه إيّاهم - سببِ ما أَعطاهم وقوَّاهم من النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ - أنهم لم يَقُوموا بالواجبِ عليهم في الجهادِ، وما أَشبهَ ذلك من القولِ الذي يُؤْذِى به من أَنفَقَ عليه.
وإنما شَرَط ذلك في المُنْفِقِ في سبيلِ اللَّهِ، وأَوجبَ الأجرَ لمن كان غيرَ مانٍّ ولا مُؤْذٍ مَن أَنفَقَ عليه في سبيلِ اللَّهِ؛ لأن النفقةَ التي هي في سبيلِ اللَّهِ، ما (٢) ابْتُغِى به وجهُ اللَّهِ، وطُلِب به ما عنده، فإذا كان معنى النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ هو ما وصَفْنا، فلا وجهَ لمَنَّ المُنْفِقِ على مَن أَنفقَ عليه [على ذلك الوجهِ، ولا إيذائِه إيَّاه بسبب إنفاقِه ما أنْفَق عليه] (٣)؛ لأنه لا يَدَ له قِبَلَه، ولا صنيعةَ يستحقُّ بها عليه - لم يُكافِئْه عليها - المنَّ والأذَى، إذ كانت نفقتُه ما أَنفقَ عليه احتسابًا، وابتغاء ثوابِ اللَّهِ، وطلبَ مَرْضاتِه، وعلى اللَّهِ مَثوبتُه دون مَن أَنفقَ ذلك عليه.
وبنحوِ المعنى الذي قلْنا في ذلك قال جماعةُ (١) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: علِم اللَّهُ ﵎ أن أُناسًا يَمُنُّون بعَطِيَّتِهم، فكرِه ذلك وقَدَّم فيه، فقال: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: قال للآخرين - يعنى قال اللَّهُ للآخَرين، وهم الذين لا يَخْرُجون في جهادِ عدوِّهمَ -: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾.
قال: فشرَط عليهم.
قال: والخارجُ لم يَشْرُطْ عليه قليلًا ولا كثيرًا.
يعنى بالخارجِ: الخارجَ في الجهادِ الذي ذكَره اللَّهُ ﷿ في قولِه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ الآية.
قال ابن زيدٍ: وكان أبي يقولُ: إن أُذِن لك أن تُعْطِىَ مِن هذا شيئًا، أو تُقَوِّىَ، فَقَوِّه (٣) في سبيلِ اللَّهِ، فَظَنَنْتَ أَنه يَثْقُلُ عليه سلامُك، فكُفَّ سلامَك عنه.
قال ابن زيدٍ: فشيءٌ (٤) خيرٌ مِن السلامِ!
قال: وقالتِ امرأةٌ لأبى: يا أبا أسامةَ، تَدُلُّنِى على رجلٍ يَخرُجُ في سبيلِ اللَّهِ حقًّا، فإنهم لا يَخرُجُون إلا ليأكُلُوا الفواكَه، عندى جَعْبةٌ (٥) وأَسْهُمٌ فيها.
فقال لها: لا بارَكَ اللَّهُ لَكِ فِي جَعْبَتِكِ ولا في أَسْهُمِكِ، فقد آذَيْتِهم قبلَ أن تُعْطِيهم.
قال: وكان رجلٌ يقولُ لهم: اخرُجُوا وكلُوا الفواكهَ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ قولَه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾.
قال: ألا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ مِن أن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه مَنَّا وأَذًى.
وأمّا قولُه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
فإنه يعنى: للذين يُنْفِقُون أموالَهم في سبيلِ اللَّهِ على ما بَيَّنَ.
والهاءُ والميمُ في ﴿لَهُمْ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِينَ﴾.
ومعنى قولِه: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: لهم ثوابُهم وجزاؤُهم على نفقتِهم التي أَنفقُوها في سبيلِ اللَّهِ، ثم لم يُتبِعوها مَنًّا ولا أذًى.
وقولُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
يقولُ: وهم مع ما لَهم من الجزاءِ والثوابِ على نفقتِهم التي أنفقُوها على ما شرَطْنَا، لا خوفٌ عليهم عندَ مَقْدَمِهم على اللَّهِ جلَّ ثناؤه، وفِراقِهم الدنيا، ولا في أهوالِ القيامةِ، أن (٢) ينالَهم من مَكارِهِها، أو يُصيبَهم فيها من عقابِ اللَّهِ، ولا هم يَحزنُون على ما خلَّفُوا وراءَهم في الدنيا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾: قولٌ جميلٌ، ودعاءُ الرجلِ لأخيه المسلمِ، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ يعنى: وسترٌ منه عليه، لما عَلِم مِن خلَّتِه (١) وسوءِ حالتِه، ﴿خَيْرٌ﴾ عندَ اللهِ ومَن صَدَقَةٍ يَتَصَدَّقُها عليه.
﴿يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ يعنى: يَشْتَكِيه عليها، ويُؤْذِيه بسببِها.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحّاكِ قولَه: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ يقولُ: أن يُمْسِكَ مالَه خيرٌ مِن أن يُنْفِقَ مالَه ثم يُتْبِعَه مَنًّا وأذًى.
وأمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾.
فإنه يعنى: واللَّهُ غنيٌّ عمّا يَتَصَدَّقُون به، حليمٌ حين لا يَعْجَلُ بالعقوبةِ على من يَمُنُّ بصدقتِه منكم، ويُؤْذِى فيها مَن يَتَصَدَّقُ بها عليه.
ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثنا به المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: الغَنِيُّ: الذي قد كَمُل في غِناه، والحليمُ: الذي قد كَمُلَ في حِلْمِه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ويَتَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: يأيها الذين (٣) صَدَّقُوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ يقولُ: لا تُبْطِلُوا أجورَ صدَقاتِكم بالمنِّ والأذَى، كما أَبطل كفرُ الذي يُنْفِقُ مالَه رِئَاءَ الناسِ، وهو مراءاتُه إيَّاهم بعملِه، وذلك أَن يُنْفِقَ مالَه فيما يَرَى الناسُ في الظاهرِ أنه يُريدُ اللَّهَ به، فيَحْمَدُوه عليه، وهو [غيرُ مريدٍ به الله] (١)، ولا طالبٌ منه الثوابَ، وإنما يُنْفِقُه كذلك ظاهرًا؛ ليَحْمَدَه الناسُ عليه، فيقولوا: هو سَخِيٌّ كريمٌ، وهو رجلٌ صالحٌ.
فيُحْسِنُوا عليه به الثناءَ، وهم لا يعَلَمون ما هو مُستبطِنٌ من النيةِ في إنفاقِه ما أَنفقَ، ولا يَدْرُون ما هو عليه من التكذيبِ باللَّهِ واليومِ الآخرِ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
فإن معناه: ولا يُصدِّقُ بوحدانيةِ اللَّهِ وربُوبيتِه، ولا بأنه مبعوثٌ بعد مماتِه فمُجازًى على عملِه، فيَجعلَ نفقتَه (٢) لوجهِ اللَّهِ جلّ ثناؤه، وطلبِ ثوابِه وما عندَه في معادِه، وهذه صفةُ المنافقِ، وإنما قلْنا: إنه منافقٌ.
لأن المُظْهِرَ كفرَه والمُعْلِنَ شِرْكَه، معلومٌ أنه لا يكونُ بشيءٍ من أعمالِه مُرائيًا؛ لأن المُرائىَ هو الذي يُرائِى الناسَ بالعملِ الذي هو في الظاهرِ للَّهِ، وفى الباطنِ [من نِيَّةِ] (٣) عاملِه مرادٌ (٤) به حمدُ الناسِ عليه، والكافرُ لا يخِيلُ على أحدٍ أمرُه، أَنَّ أفعالَه كلَّها إنَّما هي للشيطانِ - إذا كان معلنًا كفرَه - لا للَّهِ، ومَن كان كذلك فغيرُ كائنٍ مرائيًا بأعمالِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني أبو هانيء الخَوْلانيُّ، عن عمرِو بن حُريثٍ، قال: إن الرجلَ يَغْزُو، لا (١) يَسْرِقُ ولا يَزْنِى ولا يَغُلُّ، [ولا] (٢) يَرْجِعُ بالكَفافِ.
فقيل له: لماذا (٣)؟
قال: إن الرجلَ لَيَخْرُجُ، فإذا أصابه مِن بلاءِ اللَّهِ الذي قد حكَم عليه، سبَّ ولعَن إمامَه، ولعَن ساعةً غَزَا، وقال: لا أعودُ لغَزْوةٍ معه أبدًا، فهذا عليه، وليس له، مِثْلَ النفقةِ في سبيلِ اللَّهِ يُتبعُها مَنًّا (٤) وأَذًى، فقد ضرَب اللَّهُ مَثَلَها في القرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
حتى ختَم الآيةَ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: فمَثَلُ هذا الذي يُنْفِقُ مالَه رِئاءَ الناسِ، ولا يُؤْمِنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ - والهاءُ في قولِه: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائدةٌ على ﴿الَّذِي﴾ - ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾.
والصَّفْوانُ واحدٌ وجميعٌ (٦)، فمن جعَله جميعًا (٧) فالواحدةُ صَفْوانةٌ، بمنزلةِ تمرةٍ وتمرٍ، ونخلةٍ ونخلٍ، ومن جعَله واحدًا جمعَه: صِفْوانٌ وصُفِيٌّ وصِفِيٌّ، كما قال الشاعرُ (٨): * مَوَاقِعُ الطَّيْرِ على الصُّفِيِّ * والصَّفْوانُ هو الصَّفَا، وهى الحجارةُ المُلْسُ.
وقولُه: ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾.
يعنى: على الصفوانِ ترابٌ ﴿فَأَصَابَهُ﴾ له يعنى: أَصاب الصَّفْوانَ ﴿وَابِلٌ﴾، وهو المطرُ الشديدُ العظيمُ، كما قال امرؤُ القيسِ (١): ساعَةً ثم انْتَحاها وابلٌ … ساقِطُ الأكْنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ يقالُ منه: وبَلَتِ السماءُ فهى تَبِلُ وَبُلًا، وقد وُبِلَتِ الأرضُ، فهى تُوبَلُ.
وقولُه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾.
يقولُ: فترَك الوابلُ الصَّفوانَ صَلْدًا.
والصَّلْدُ من الحجارةِ: الصُّلْبُ الذي لا شيءَ عليه مِن نباتٍ ولا غيرِه، وهو من الأرَضِين: ما لا يَنْبُتُ فيه شيءٌ، وكذلك من الرءوسِ، كما قال رُؤْبةُ (٢): لَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ المُمَوَّهِ (٣) … بَرَّاقَ أَصْلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ (٤) ومن ذلك يقالُ للقِدرِ الثَّخِينةِ البطيئةِ الغَلْى: قِدْرٌ صَلُودٌ.
وقد صلَدَتْ تَصْلُدُ صُلُودًا، ومنه قولُ تَأَبَّطَ شَرًّا (٥): ولستُ بجِلْبٍ [جِلْبِ رَعْدٍ] (١) وقِرَّةٍ (٢) … ولا بصَفًا صَلْدٍ عن الخيرِ أَعْزَلِ ثم رجَع جلّ ذكرُه إلى ذكرِ المنافقِين الذين ضرَب المثلَ لأعمالِهم، فقال: فكذلك أعمالُهم بمنزلةِ الصَّفْوانِ الذي كان عليه ترابٌ، فأصابه الوابلُ من المطرِ، فذهَب بما عليه من الترابِ، فترَكه نَقِيًّا لا ترابَ عليه ولا شيءَ، يَراهم المسلمون في الظاهرِ أن لهم أعمالًا، كما يُرَى الترابُ على هذا الصَّفْوانِ، بما يُراءُونهم به، فإذا كان يومُ القيامةِ وصارُوا إلى اللَّهِ ﷻ اضْمَحَلَّ ذلك كلُّه؛ لأنه لم يكنْ للَّهِ، كما أذهَب الوابلُ من المطرِ ما كان على الصَّفْوانِ مِن الترابِ، فترَكه أملسَ لا شيءَ عليه، فذلك قولُه: ﴿يَقْدِرُونَ﴾ يعنى به الذين يُنْفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ، ولا يُؤْمِنون باللَّهِ ولا باليومِ الآخرِ.
يقولُ: لا يَقْدِرُون يومَ القيامةِ على ثوابِ شيءٍ مما كسَبوا في الدنيا؛ لأنهم لم يَعملُوه (٣) لمَعادِهم، ولا طلبِ (٤) ما عند اللَّهِ في الآخرةِ، ولكنهم عمِلوه رِئَاءَ الناسِ، وطلبَ حَمْدِهم، فإنما حظُّهم من أعمالِهم ما أرادُوه وطلَبُوه بها، ثم أخبرَ جلّ ثناؤه أنه ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ يقولُ: لا يُسَدِّدُهم لإصابةِ الحقِّ في نَفَقاتِهم وغيرِها، فيُوَفِّقَهم لها، وهم للباطلِ عليها مُؤْثِرون، ولكنه يترُكُهم (٥) في ضَلالتِهم يَعْمَهُون، فقال جل ثناؤُه للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقِين الذين هذا المَثَلُ صفةُ أعمالِهم، فتُبْطِلُوا أجورَ صدَقاتِكم، بمنِّكم على من تصدَّقْتُم بها عليه، وأذاكم لهم، كما بطَل أجرُ نفقةِ المنافِقِ الذي أَنفقَ مالَه رِئاءَ الناسِ، وهو غيرُ مؤمنٍ باللَّهِ واليومِ الآخرِ عند اللَّهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
فقرأ حتى بلَغ: ﴿عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: فهذا مَثَلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكفارِ يومَ القيامةِ، يقولُ: لا يَقْدِرُون على شيءٍ مما كسَبوا يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفَاةَ الحجَرَ ليس عليه شيءٌ، أنقَى ما كان عليه (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إلى قولِه: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾: هذا مثلٌ ضرَبه اللَّهُ لأعمالِ الكافرِين يومَ القيامةِ، يقولُ: لا يَقْدِرُون على شيءٍ مما كسَبوا يومئذٍ، كما ترَك هذا المطرُ الصَّفا نَقِيًّا لا شيءَ عليه (٢).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ إلى قولِه: ﴿عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾: أمّا الصَّفْوانُ الذي عليه ترابٌ فأصابه المطرُ فذهَب ترابُه فترَكه صَلْدًا، فكذلك هذا الذي يُنْفِقُ مالَه رياءَ الناسِ، ذهَب الرياءُ بنفقتِه، كما ذهَب هذا المطرُ بترابِ هذا الصَّفا، فترَكه نَقِيًّا، فكذلك ترَكه الرياءُ لا يَقْدِرُ على شيءٍ مما قدَّم، فقال للمؤمنين: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فتَبْطُلَ كما بطَلتْ صدقةُ الرياءِ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحّاكِ، قال: ألَّا يُنْفِقَ الرجلُ مالَه خيرٌ من أن يُنْفِقَه ثم يُتْبِعَه منًّا وأَذًى، فضرَب اللَّهُ مثلَه كمَثَلِ كافرٍ أَنفقَ مالَه، لا يُؤْمِنُ باللَّهِ ولا باليومِ الآخِرِ، فضرَب اللَّهُ مثَلَهما جميعًا: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ فكذلك مَن أَنفق مالَه ثم أَتْبَعَه منًّا وأذًى.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾ إلى: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ، وكذلك المنافقُ يومَ القيامةِ لا يَقْدِرُ على شيءٍ مما كسَب.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قال: يَمُنُّ بصدقتِه، ويُؤذِيه فيها حتى يُبْطِلَها.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾.
فقرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ حتى بلَغ ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ ثم قال: أترى الوابلَ يَدَعُ من الترابِ على الصَّفْوانِ شيئًا؟
فكذلك مَنُّك وأَذاك لم يَدَعْ مما أَنفَقْتَ شيئًا.
وقرَأ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.
وقرأ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ فقرأ حتى بلَغ: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿صَفْوَانٍ﴾.
قد بيّنّا معنى الصَّفْوانِ بما فيه الكفايةُ، غير أنّا أرَدْنا ذكرَ من قال مثلَ قولِنا في ذلك من أهلِ التأويلِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: كمثَلِ الصفاةِ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾: والصَّفْوانُ: الصَّفَا.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أمّا ﴿صَفْوَانٍ﴾، فهو الحَجَرُ الذي يُسَمَّى الصَّفاةَ (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿صَفْوَانٍ﴾: يعنى الحجَرَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾.
قد مضى البيانُ عنه، وهذا ذكرُ من قال قولَنا فيه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: أمّا ﴿وَابِلٌ﴾: فمطرٌ شديدٌ (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾: الوابلُ: المطرُ الشديدُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، مثلَه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾.
ذكرُ من قال نحوَ ما قلْنا في ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾.
يقولُ: نَقِيًّا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قال: ترَكَها نَقِيَّةً، ليس عليها شيءٍ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ قال: ليس عليه شيءٌ (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: فترَكه جَرْدًا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ (٣).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾: ليس عليه شيءٌ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: ومثَلُ الذين يُنْفقون أموالَهم فيَصَّدَّقُون بها، ويَحْمِلون عليها في سبيلِ اللَّهِ، ويُقَوُّون بها أهلَ الحاجةِ من الغُزاةِ والمجاهدِين في سبيلِ اللَّهِ، وفى غير ذلك من طاعاتِ اللَّهِ، طَلَبَ [مرضاتِ اللَّهِ، ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعنى بذلك: وتثبيتًا من أنفسِهم لهم] (٥) على إنفاقِ ذلك في طاعةِ اللَّهِ وتحقيقًا.
من قولِ القائلِ: ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمرِ: إذا صحَّحْتَ عزمَه وحقَّقْتَه وقَوَّيْتَ فيه رأْيَه، أُثَبِّتُه تثبيتًا، كما قال ابن رَوَاحةَ (١): فَثَبَّتَ اللَّهُ ما آتاكَ مِنْ حَسَنٍ … تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالَّذِى نُصِرُوا وإنما عنَى اللَّهُ جل ثَناؤُه بذلك أن أنفسَهم كانت مُوقِنةً مُصَدِّقةً بوعدِ اللَّهِ إيَّاها فيما أَنفقتْ في طاعتِه بغيرِ منٍّ ولا أذًى، فثبَّتُّهم في إنفاقِ أموالِهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ، وصحَّحتُ عَزْمَهم وآراءَهم يقينًا منها بذلك، وتصديقًا بوعدِ اللَّهِ إيَّاها ما وعَدها.
ولذلك قال مَن قال مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾: وتصديقًا.
ومن قال منهم: ويقينًا؛ لأن تثبيتَ أنفسِ المنفِقين أموالَهم ابتغاءَ مرضاةِ اللَّهِ إيَّاهم، إنما كان عن يقينٍ منها، وتصديقٍ بوعدِ اللَّهِ جلّ وعزّ.
ذِكرُ من قال ذلك من أهلِ التأويلِ حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: تصديقًا وتَيْقينًا (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازيُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي موسى، عن الشعبيِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
قال: وتصديقًا من أنفسِهم.
[حدثنا موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾] (١): ثباتٌ ونصرةٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
قال: [ثقةً من أنفسِهم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾] (١): يقينًا من أنفسِهم.
قال: التثبيتُ اليقيُن (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا عليُّ بنُ مَعْبَدٍ، عن أبي معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
قال: يقينًا من عندِ أنفسِهم (٤).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
أنهم كانوا يَتَثَبَّتون في الموضعِ الذي يَضَعُون فيه صدقاتِهم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
قال: يَتَثَبَّتُون أَين يَضَعُون أموالَهم.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المبارَكِ، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
فقلت له: ما ذلك التثبيتُ؟
قال: يَتَثَبَّتون أين يَضَعُون أموالَهم (١).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عثمانَ بن الأسودِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يَتَثَبَّتون أين يَضَعُونها.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عليّ بن عليّ بن رِفاعةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كانوا يتَتَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم.
يعنى زكاتَهم.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المبارَكِ، عن عليّ بن عليٍّ، قال: سمِعْتُ الحسنَ قرَأ: ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ قال: كان الرجلُ إذا هَمَّ بصدَقةٍ تَثَبَّتَ، فإن كان للَّهِ مضَى، وإن خالَطه شكٌّ أَمْسَك (٢).
وهذا التأويلُ الذي ذكَرْناه عن مجاهدٍ والحسنِ تأويلٌ بعيدُ المعنى مما يدلُّ عليه ظاهرُ التلاوةِ، وذلك أنهم تأوَّلُوا قولَه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾.
بمعنى: وتثبُّتًا.
فزعَموا أن ذلك إنما قيل كذلك لأن القومَ كانوا يَتَثَبَّتُون أين يَضَعُون أموالَهم.
ولو كان التأويلُ (٣) كذلك لكان: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم؛ لأن المصدرَ من الكلامِ إذا (٤) كان على "تَفَعَّلْتُ" التَّفَعلُ، فيقالُ: تَكَرَّمْتُ تَكَرُّمًا، وتَكَلَّمْتُ تَكَلُّمًا.
وكما (٥) قال جلّ ثناؤُه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧].
من قولِ القائلِ: تخوَّفَ فلانٌ هذا الأمرَ تَخَوُّفًا.
فكذلك قولُه: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾ لو كان مِن تَثَبُّتِ القومِ في وَضْعِ صدَقاتِهم مواضعَها، لكان الكلامُ: وتَثَبُّتًا من أنفسِهم.
لا: ﴿وَتَثْبِيتًا﴾.
ولكنَّ معنى ذلك ما قُلْنا مِن أنه: وتَثْبِيتٌ من أنفسِ القومِ إيَّاهم بصحةِ العزمِ، واليقيِن بوعدِ اللَّهِ تعالى ذكرُه.
فإن قال قائلٌ: وما تُنْكِرُ أن يكونَ ذلك نظيرَ قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].
ولم يقلْ: تَبتُّلًا.
قيل: إن هذا مخالفٌ لذلك، وذلك أن هذا إنّما جاز أن يقالَ فيه: ﴿تَبْتِيلًا﴾.
لظهورِ ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فكان في ظهورِه دَلالةٌ على متروكٍ من الكلامِ الذي (١) منه قيل: ﴿تَبْتِيلًا﴾ [وذلك المتروكُ هو: وتَبَتَّلْ] (٢) فيُبتِّلَك اللَّهُ إليه تَبْتيلًا.
وقد تفعلُ العربُ مثلَ ذلك (٣)، تُخْرِجُ المصادرَ على غيرِ ألفاظِ الأفعالِ التي تَقَدَّمَتْها، إذا كانت الأفعالُ المتقدِّمةُ لها (٤) تَدلُّ على ما أُخْرِجَتْ منه، كما قال جلّ وعزّ: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].
وقال: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧].
فالنباتُ مصدرُ نَبَتَ، وإنما جاز ذلك لمجئِ "أَنبتَ" قبلَه، فدلَّ على المتروكِ الذي منه قيل: نَبَاتًا.
والمعنى: واللَّهُ أَنبتَكم فنَبَتُّمْ من الأرضِ نَباتًا.
وليس قبلَ (٥) قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ كلامٌ يجوزُ أن يكونَ متوهَّمًا به أنه معدولٌ عن بنائِه، وأنَّ معنى (٦) الكلامِ: ويَتَثَبَّتُون في وضعِ الصدقاتِ مواضعَها، فيُصْرَفَ إلى المعانى التي صُرِف إليها قولُه: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾.
وما أَشبهَ ذلك من المصادرِ المعدولةِ عن الأفعالِ التي هي ظاهرةٌ قبلَها.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾: واحتسابًا من أنفسِهم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ يقولُ: احتسابًا من أنفسِهم (١).
وهذا القولُ أيضًا قولٌ (٢) بعيدُ المعنى من معنى التثبيتِ (٣)؛ لأن التثبيتَ لا يُعْرَفُ في شيءٍ من الكلامِ بمعنى الاحتسابِ، إلا أن يكونَ أرادَ مفسِّرُه كذلك أن أَنفُسَ المنفقين كانت مُحتسبةً في تثبيتِها أصحابَها، فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلامِ، فليس الاحتسابُ بمَعْنًى حينئذٍ للتثبيتِ فيُتَرْجَمَ عنه به.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ومثلُ الذين يُنفِقون أموالَهم فيَتَصَدَّقُون بها، ويُسَبِّلُونها في طاعةِ اللَّهِ بغيرِ منٍّ على من تَصَدَّقُوا بها عليه، ولا أذًى منهم لهم بها؛ ابتغاءَ رضوانِ اللَّهِ، وتصديقًا من أنفسِهم بوعدِه، ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ - والجنةُ البستانُ، وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أن الجنةَ البستانُ، بما فيه الكفايةُ إعادتِه (٤) - ﴿بِرَبْوَةٍ﴾، والربوةُ من الأرضِ: ما نشَز منها، فارتفَع عن المَسيلِ (٥).
وإنما وصَفها بذلك جل ثناؤُه؛ لأن ما ارتفَع من الأرضِ (١) عن المسايلِ والأوديةِ أَغْلَظُ، وجِنانُ ما غلُظ من الأرضِ أحسنُ وأَزْكَى ثَمَرًا وَغَرْسًا وزَرْعًا مما رَقَّ منها، ولذلك قال أعشى بنى ثعلبةَ في وصفِ رَوْضةٍ (٢): ما رَوْضَةٌ من رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ … خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ فوصَفها بأنها من رياضِ الحَزْنِ؛ لأن الحُزُونَ عُروسُها ونباتُها أحسنُ وأقوى من غُروسِ الأوديةِ والتِّلاعِ وزُروعِها.
وفى "الرَّبوةِ" لُغاتٌ ثلاثٌ، وقد قرَأ بكلِّ لغةٍ منهن جماعةٌ من القرأةِ؛ وهنّ (٣): "رُبُوةٌ" بضمِّ الراءِ، وبها قرأتْ عامةُ قرأةِ المدينةِ والحجازِ والعراقِ (٤).
و "رَبُوةٌ" بفتحِ الراءِ، وبها قرأ بعضُ أهلِ الشامِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ (٥)، ويقالُ: إنها لغةٌ لتميمٍ.
و "ربوةٌ" بكسرِ الراءِ، وبها قرأ - فيما ذُكِر - ابن عباسٍ (٦).
وغيرُ جائزٍ عندى أن يُقرأَ ذلك إلا بإحدى اللغتَين: إما بفتحِ الراءِ، وإما بضمِّها؛ لأن قراءةَ الناسِ في أمصارِهم بإحداهما، وأنا لقراءتِها بضمِّها أشدُّ إيثارًا منى لِفَتحِها (٧)؛ لأنها أشهرُ اللغتَين في العربِ، فأما الكسرُ فإن في رفضِ القرأةِ (٨) القراءةَ به دلالةً واضحةً على أن القراءةَ به غيرُ جائزةٍ.
وإنما سُمِّيَت الرَّبوةُ ربوةً (٨) لأنَّها رَبَتْ فغلُظتْ وعَلَتْ، من قولِ القائلِ: رَبَا هذا الشيءُ يَرْبُو، إذا انتفَخ (١) فعظُم وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ قال: الرَّبُوةُ المكانُ الظاهرُ المُسْتَوى (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: قال مجاهدٌ: هي الأرضُ المستويةُ المرتفعةُ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ يقولُ: بنشَزٍ من الأَرضِ (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّبُوةُ المكانُ المرتفعُ الذي لا (٥) تَجْرِى فيه الأنهارُ، والذي فيه الجِنانُ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قولَه: ﴿بِرَبْوَةٍ﴾: برابيةٍ من الأرضِ (٦).
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾: والرَّبُوةُ: النَّشَزُ من الأرضِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قال ابن عبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾.
قال: المكانُ المرتفعُ الذي لا تَجْرِى فيه الأنهارُ (٢).
وكان آخرون يقولون: هي الأرضُ (٣) المُسْتَوِيةُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾.
قال: هي الأرضُ المستويةُ التي لا (٤) تَعْلُو فوق الماءِ (٥).
وأما قولُه: ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ فإنه يعنى جل ثناؤُه: أصابَ الجنةَ التي بالرَّبُوةِ من الأرضِ وابلٌ من المطرِ، وهو الشديدُ العظيمُ القَطْرِ منه وقولُه: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾.
فإنه يعنى الجنةَ أنها أَضْعَفَتْ (٦) ثمرَها ضِعْفَين حين أصابَها الوابلُ من المطرِ.
والأُكْلُ (١): هو الشيء المأكولُ، وهو مثلُ الرُّعْبِ والهُزْءِ (٢)، وما أَشبهَ ذلك من الأسماءِ التي تأتى على "فُعْلٍ".
وأما الأَكْلُ بفتحِ الألفِ وتسكينِ الكافِ، فهو فِعْلُ الآكلِ، يقالُ منه: أَكَلْتُ أَكْلًا، وأكَلْتُ أكْلَةً واحدةً.
كما قال الشاعرُ (٣): [وما] (٤) أَكْلَةٌ [إِنْ نِلْتُها] (٥) بِغَنِيمةٍ … ولا جَوْعَةٌ إِنْ جُعْتُها بَغَرَامِ ففتَح الألفَ لأنها بمعنى الفعلِ، ويَدُلُّك على أن ذلك كذلك قولُه: ولا جَوْعةٌ.
وإن ضمَمْتَ الألفَ من الأَكْلِةِ صار (٦) معناه الطعامَ الذي أَكَلْتَه، فيكونُ معنى ذلك حينئذٍ: ما طعامٌ أَكَلْتُه بغنيمةٍ.
وأما قولُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ فإن الطَّلَّ هو النَّدَى واللَّيِّنُ من المطرِ.
كما حدَّثنا عبَّاسُ بنُ محمَّد، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: ﴿فَطَلٌّ﴾: نَدًى.
عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عبَّاسٍ (٧).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما الطَّلُّ: فالنَّدَى (٨).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي: طَشٌّ (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحّاكِ: ﴿فَطَلٌّ﴾ قال: الطَّلُّ: الرَّذَاذُ من المطرِ.
يعنى اللَّيِّنَ منه (٢).
حُدِّثْتُ عن عمّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿فَطَلٌّ﴾ أي: طَشٌّ (٣).
وإنما عنَى (٤) تعالى ذكرُه بهذا المثَلِ أنه كما أُضعِفتْ ثمرةُ هذه الجنةِ التي وصَف صفتَها حين جادها الوَبْلُ، (٥) فإن أخطأها الوَبْلُ فالطّلُّ، فكذلك يضعِفُ اللهُ صدقةَ المتصدَّقِ والمُنْفِقِ مالَه ابتغاءَ مرضاتِه وتثبيتًا من نفسِه من غيرِ مَنٍّ ولا أَذًى، قَلَّتْ نفقتُه كذلك أو كَثُرَتْ، لا تَخِيبُ ولا تُخلَفُ نفقتُه، كما تُضْعَفُ ثمرةُ الجنةِ التي وصَف جل ثناؤُه صِفَتَها، قلَّ ما أصابها من المطرِ أو كثُر، لا يُخْلِفُ خيرُها بحالٍ من الحالِ (٦).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
[ذكرُ من قال ذلك] حدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾.
[يقولُ: كما] (١) أُضْعِفَتْ ثمرةُ تلك الجنةِ، فكذلك تُضاعَفُ لهذا (٢) المُنْفِقِ ضِعْفَيْن (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾: هذا مَثَلٌ ضَرَبه اللهُ لعملِ المؤمنِ، يقولُ: ليس لخيرِه خُلْفٌ، كما ليس لخيرِ هذه الجنةِ خُلْفٌ على أيِّ حالٍ، إما وابلٌ، وإما طَلٌّ (٤).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضّحَّاكِ، قال: هذا مَثَلٌ لمن أَنفَق مالَه ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ.
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع قولَه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لعمل المؤمن.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾، وهذا خبرٌ عن أمرٍ قد مضَى؟
قيل: يرادُ فيه: كان.
ومعنى الكلامِ: فآتتْ أُكُلَها ضِعْفَيْن، فإن لم يكنِ الوابلُ أصابها، أصابها طَلٌّ.
وذلك في الكلامِ نحوُ قولِ القائلِ: حَبَسْتُ فرسَيْن، فإن لم أَحْبِس اثنَين فواحدًا (٥) بقيمتِه.
بمعنى: إلّا أَكُنْ.
ولابدَّ من إضمارِ "كان"؛ لأنه خبرٌ، ومثلُه قولُ الشاعرِ (١): إِذَا مَا انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنى لَئِيمَةٌ … وَلَمْ تَحِدِى مِنْ أَنْ تُقِرِّى بِها بُدَّا القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واللهُ بما تعمَلون أيُّها الناسُ في نفَقاتِكم التي تُنفقونها، بَصِيرٌ، لا يَخْفَى عليه منها ولا من أعمالِكم فيها وفى غيرِها شيءٌ، يعلمُ مَن المنفِقُ منكم بالمَنِّ والأذَى، والمُنفِقُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ وتثبيتًا من نفسِه، فيُحْصِى عليكم ذلك حتى يُجازِى جميعَكم جزاءَه على عملِه، إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا.
وإنما يعنى بهذا القولِ جلّ ثناؤُه التحذيرَ من عقابِه في النفقاتِ التي يُنْفِقُها عبادُه، وغيرِ ذلك من الأعمالِ، أن يَأْتِيَ أحدٌ من خلقِه ما قد تقدَّم فيه بالنَّهْى أو يُفَرِّطَ فيما قد أُمِرَ به؛ لأن ذلك بمرأًى من اللهِ ومسمعٍ، يَعلَمُه ويُحْصِيه عليهم، وهو لخلقِه بالمرصادِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾.
ومعنى ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.
ومعنى قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾: أيُحبُّ أحدُكم ﴿أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ يعني: بستانٌ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يعنى: من تحت الجنة، ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [يعنى: لأحدِكم في تلك الجنةِ من كلِّ الثمراتِ] (١) - والهاء في ﴿لَهُ﴾ - عائدةٌ على "أحد"، والهاءُ والألفُ في ﴿فِيهَا﴾ على الجنةِ - ﴿وَأَصَابَهُ﴾.
يعنى: وأصاب أحدَكم ﴿الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾.
وإنما جعَل جلَّ ثناؤُه البستانَ من النخيلِ والأعنابِ - الذي قال جلَّ ثناؤُه لعبادِه المؤمنين: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ﴾ - مثلًا لنفقةِ المنافقِ التي يُنفقُها رياءَ الناسِ، لا ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، فالناسُ له (٢) بما يُظهِرُ لهم من صدقتِهِ، وإعطائِه ما يُعطى، وعملِه الظاهرِ، يُثنون عليه ويَحْمَدونه.
[فعملُه ذلك له] (٣) - أيامَ حياتِه - في حُسْنِه كحسنِ البستانِ، وهو الجنةُ التي ضرَبها اللهُ ﷿ لعملِه مثلًا من نخيلٍ وأعنابٍ، له فيها من كلِّ الثمراتِ؛ لأن في عملِه ذلك الذي يعمَلُه في الظاهرِ في الدنيا له فيها (٤) من كلِّ خيرٍ من عاجل الدنيا، يَدْفَعُ به عن عاجلِ الدنيا، يَدْفَعُ به عن نفسِه ودمِه ومالِه وذرِّيتِه، ويكتسبُ به المَحْمدةَ وحسنَ الثناءِ عندَ الناسِ، ويأخُذُ به سهمَه من المَغْنم، مع أشياءَ كثيرةٍ يكثُرُ إحصاؤُها، فله في ذلك من كلِّ خيرٍ في عاجل الدنيا، كما وصَف جل ثناؤُه الجنةَ التي وصَف مثلًا لعملِه (٥)، بأن فيها مِن كلِّ الثمراتِ، ثم قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾.
يعنى أن صاحبَ الجنةِ أصابه الكِبرُ وله ذرِّيةٌ ضعفاءُ صِغارٌ أطفالٌ، ﴿فَأَصَابَهَا﴾.
يعنى: فأصاب الجنةَ ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾.
يعنى بذلك أن جنَّتَه تلك أَحْرَقتها الريحُ التي فيها النارُ في حالِ حاجتِه إليها، وضرورتِه إلى ثمرِها، بكبرِه وضعفِه عن عمارتِها، وفي حالِ صِغَرِ ولدِه وعجزِهم (١) عن إحيائِها والقيامِ عليها، فبَقى لا شيءَ له، أحوجَ ما كان إلى جنَّتِه وثمارِها، بالآفةِ التي أصابتْها من الإعصارِ الذي فيه النارُ.
يقولُ: فكذلك المنافقُ المُنْفِقُ مالَه رياءَ الناس، أَطْفأ اللهُ نورَه، وأَذْهَب نماءَ (٢) عملِه، وأَحْبَط أجرَه حين (٣) لَقِيه وعاد إليه أحوجَ ما كان إلى عملِه، حينَ لا مُسْتعتَبَ له، ولا إقالةَ من ذنوبِه ولا توْبةَ له، واضْمَحَلَّ عملُه، كما احْتَرقت الجنةُ التي وصَف جلَّ ثناؤُه صفتَها، عندَ كِبَرِ صاحبِها وطفولةِ ذرِّيتِه، أحوجَ ما كان إليها، فبطَلت منافعُها عنه.
وهذا المثلُ الذي ضرَبه اللهُ ﷿ للمنافقين المُنْفِقين أموالَهم رياءَ الناس في هذه الآيةِ، نظيرُ المثلِ الآخرِ الذي ضرَبه لهم بقولِه: ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾.
وقد تنازَع أهلُ التأويلِ في تأويلِ هذه الآيةِ، إلا أن معانيَ قولِهم في ذلك - وإن اخْتَلفت تصاريفُهم فيها - عائدةٌ إلى المعنى الذي قلنا في ذلك، وأحسنُهم إبانةً لمعناها وأقربُهم إلى الصوابِ قولًا فيها السُّدِّيُّ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾: هذا مثلٌ آخرُ لنفقةِ الرياءِ، أَنه يُنفِقُ مالَه يرائي الناسَ (١)، فيذهَبُ مالُه منه وهو يرائي، فلا يأجُرُه اللهُ فيه، فإذا كان يومُ القيامةِ واحتاج إلى نفقتِه، وجَدها قد أَحْرَقها الرياءُ فذهَبت، كما أَنْفَق هذا الرجلُ على جنَّتِه، حتى إذا بلَغت، وكثُر عيالُه، واحتاج إلى جنَّتِه، جاءت ريحٌ فيها سَمومٌ، فأَحْرَقت جنَّتَه، فلم يجِدْ منها شيئًا، فكذلك المنفقُ رياءً (٢).
حدَّثني محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله ﷿: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: كمثلِ المفرِّطِ في طاعةِ اللهِ حتى يموتَ.
قال: يقولُ: أيودُّ أحدُكم أن يكونَ له دنيا لا يعمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ، كمثلِ هذا الذي له جناتٌ تجرى من تحِتها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ، وأصابه الكبَرُ، وله ذُرِّيةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت؟
فمثلُه بعدَ موتِه، كَمَثَلِ هذا حينَ احتَرَقَتْ جَنَّتُه وهو كبيرٌ، لا يُغنى عنها شيئًا، وولَدُه صغارٌ، لا يُغنون عنها شيئًا، وكذلك المفرِّطُ بعدَ الموتِ، كلُّ شيءٍ عليه حسرةٌ (٣).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: سأل عمرُ الناسَ عن هذه الآيةِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾: فما وجَد أحدًا من الناسِ يَشفيه، حتى قال ابن عبَّاسٍ وهو خلْفَه: يا أميرَ المؤمنين، إني أجدُ في نفسى منها شيئًا.
قال: فالتفت إليه، فقال: تحوَّلْ هاهنا، لمَ تحقِرُ نفسَك؟
قال (١): هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ ﷿، فقال: أيودُّ أحدُكم أن يعمَلَ عمرَه بعملِ أهلِ الخيرِ وأهلِ السعادةِ، حتى إذا كان أحوجَ ما يكونُ إلى أن يختِمَه بخيرٍ، حينَ فنِي عمرُه، واقْتَرب أجلُه، ختَم ذلك بعملٍ من عملِ أهلِ الشقاءِ فأَفْسَده كلَّه فحرَّقه أحوجَ ما كان إليه (٢)؟.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن محمدِ بن سُليمٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، أن عمرَ تلا هذه الآيةَ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾.
قال: هذا مثلٌ ضُرِب للإنسانِ يعمَلُ عملًا صالحًا، حتى إذا كان عندَ آخرِ عمرِه أحوجَ ما يكونُ إليه، عمِل عملَ السَّوْءِ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أَخْبَرنا ابن المباركِ، عن ابن جُريجٍ، قراءةً (٤)، قال: سمِعتُ أبا بكرِ بنَ أبى مُلَيكَةَ يخبرُ عن عُبيدِ بن عُميرٍ أنه سمِعه يقولُ: سأل عمرُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ فقال: فيم تَرَون أُنْزِلَت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟
فقالوا: اللهُ أعلمُ.
فغضِب عمرُ، فقال: قولوا: نعلَمُ أو لا نعلمُ.
فقال ابن عباسٍ: في نفسِى منها شيءٌ يا أميرَ المؤمنين.
فقال عمرُ: قل يا بنَ أخى ولا تَحقِرْ (٥) نفسَك.
قال ابن عبَّاسٍ: ضُرِبت مثلًا لعملٍ.
قال عمرُ: أي عملٍ؟
فقال: لعملٍ.
فقال عمرُ: [رجلٌ عُنِى بعملِ الحسناتِ] (٦)، ثم بعَث اللهُ له الشيطانَ، فعمِل بالمعاصِى حتى أَغْرَق أعمالَه كلَّها.
قال: وسمِعت عبدَ اللهِ بنَ أبى مُلَيكةَ يحدِّثُ نحوَ هذا عن ابن عباسٍ، سمِعه منه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمِعت أبا بكرِ بنَ أبي مُلَيكةَ يخبرُ أنه سمِع عُبيدَ بن عُميرٍ - قال ابن جُريجٍ: وسمعت عبدَ (٢) اللهِ بن أبي مُلَيكةَ، قال: سمِعت ابنَ عباسٍ - قالا جميعًا: إن عمرَ بنَ الخطابِ سأل أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ.
فذكَر نحوَه.
إلَّا أنه قال (٣): فقال عمرُ: الرجلُ (٤) يعمَلُ بالحسناتِ، ثم يَبْعَثُ اللهُ (٥) له الشيطانَ، فيعمَلُ بالمعاصى (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألت عطاءً عنها، [فقال: مَثَلٌ] (٧).
قال ابن جُريجٍ: وأَخْبَرنى عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال (٨): ضُرِبت مثلًا للأعمالِ.
قال ابن جُريجٍ: وقال ابن عبَّاسٍ: ضُرِبت مثلًا للعملِ، يبدأُ فيعمَلُ عملًا صالحًا، فيكون مثلًا للجنةِ التي من نخيلٍ وأعنابٍ تَجْرِى من تحتِها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ، ثم يُسئُ في آخرِ عمرِه، فيتمادَى في (١) الإساءةِ حتى يموتَ على ذلك، فيكونَ الإعصارُ الذي فيه نارٌ التي أَحْرَقت الجنةَ مثلًا لإساءتِه (٢) التي مات وهو عليها (٣).
قال ابن عبَّاسٍ: الجنةُ عيشُه وعيشُ ولَدِه، فاحْتَرقت فلم يستطِعْ أن يدفَعَ عن جنَّتِه من أجلِ كِبَرِه، ولم يستطِعْ ذرِّيتُه أن يدفَعوا عن جنتِهم من أجلِ صِغَرِهم، حتى احْتَرقت.
يقولُ: هذا مَثَلُه، يلقاني (٤) وهو أفقرُ ما يكونُ (٥) إليَّ، فلا يَجِدُ له عندى شيئًا، ولا يستطيعُ أن يدفَعَ عن نفسِه من عذابِ اللهِ شيئًا، ولا يستطيعُ من كبرِه وصغرِ ذُرِّيتِه أن يعمَلوا جنةً، كذلك لا توبةَ إذا انْقَطَع العملُ حينَ مات.
قال ابن جُريج، عن مجاهدٍ: سمِعتُ ابنَ عباسٍ، قال: هو مثلُ المفرِّطِ في طاعة الله حتى يموت.
قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: أيودُّ أحدكم أن تكونَ له دنيا لا يعمَلُ فيها بطاعةِ اللهِ، كمثلِ هذا الذي له جنةٌ، فمثلُه بعدَ موتِه كمثلِ هذا حينَ احترَقتْ جنتُه وهو كبيرٌ، لا يُغنى عنها شيئًا، وأولادُه صِغارٌ، لا يُغنون عنه شيئًا، وكذلك المفرِّطُ بعدَ الموتِ كلُّ شيءٍ عليه حسرةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية.
يقولُ: أصابها ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
فهذا مثلٌ، فاعقِلوا عن اللهِ جلَّ وعزَّ أمثالَه؛ فإن الله قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣].
هذا رجلٌ كبِرت سِنُّه، ورقَّ (١) عظمُه، وكثُر عيالُه، ثم احْتَرقت جنَّتُه على بقيةِ ذلك، كأحوجِ ما يكونُ إليه.
يقولُ: أيُحبُّ أحدُكم أن يَضِلَّ عنه عملُه يومَ القيامةِ كأحوجِ ما يكونُ إليه؟
(٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾.
يقولُ: فذهَبت جنَّتُه [عندَ أحوجِ] (٣) ما كان إليها حين كبِرت سِنُّه، وضعُف عن الكسبِ، وله ذرِّيةٌ ضعفاءُ لا ينفَعونه.
قال: وكان الحسنُ يقولُ: ﴿فَاحْتَرَقَتْ﴾ فذهَبت أحوجَ ما كان إليها، فذلك قولُه: أيودُّ أحدُكم أن يذهَبَ عملُه أحوجَ ما كان إليه (٤)؟
حدَّثني محمَّدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ضرَب اللهُ مثلًا حسنًا - وكلُّ أمثالِه حسنٌ ﵎ وقال: قال (١): ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾.
إلى: ﴿لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ يقولُ: صنَعه (٢) في شبيبتِه فأصابَه الكِبَرُ وله ذُرِّيةٌ ضِعافٌ عندَ آخرِ عمرِه، فجاءه إعصارٌ فيه نارٌ، فاحترَق بستانُه، فلم يكنْ عندَه قوَّةٌ أن يغرِسَ مثلَه، ولم يكنْ عندَ نَسْلِه خيرٌ يعودون به عليه، وكذلك الكافرُ يومَ القيامةِ إذا رُدَّ إلى اللهِ ليس له خيرٌ فيُستعتَبَ، كما ليس له قوةٌ فيغرِسَ مثلَ بستانِه، ولا [يَجِدُه خيرًا قدَّم لنفسِه خيرًا] (٣) يَعُودُ عليه، كما لم يُغنِ عن هذا ولَدُه، وحُرِم أجرَه عندَ أفقرِ ما كان إليه، كما حُرِم هذا جنتَه عند أفقرِ ما كان إليها عندَ كبرِه وضعفِ ذُرِّيَّتِه، وهو مثلٌ ضرَبه اللهُ للمؤمنِ والكافرِ فيما أُوتيا في الدنيا؛ كيف نجَّى المؤمنَ في الآخرةِ، وذخَر له من الكرامةِ والنعيمِ، وخزَن عنه المالَ في الدنيا، وبسَط للكافرِ في الدنيا من المالِ ما هو منقطعٌ، وخزَن له من الشرِّ ما ليس بمفارقِه أبدًا، و (٤) يَخْلُدُ فيها مهانًا، من أجلِ أنه فَخَر على صاحبِه، ووثِق بما عندَه، ولم يستيقنْ أنه ملاقٍ ربَّه (٥).
حُدِّثت عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ، قولَه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ الآية.
قال: هذا مثلٌ ضرَبه اللهُ لرجلٍ (٦) له جنةٌ من نخيلٍ وأعنابٍ، وله فيها من كلِّ الثمراتِ، والرجل قد كبِرت سنُّه وضعُف، وله أولادٌ ضِعافٌ (١)، فابتلاهم اللهُ في جنتِهم، فبعَث عليها إعصارًا فيه نارٌ فاحْتَرَقت، فلم يستطِعِ الرجلُ أن يدفع عن جنَّتِه من الكبرِ (٢)، ولا ولدُه لصغرِهم، فذهَبت جنَّتُه أحوجَ ما كان إليها.
يقولُ: أَيُحبُّ أحدُكم أن يعيشَ في الضلالةِ والمعاصى حتى يأتيَه الموتُ، فيجيءَ يومَ القيامةِ قد ضلَّ عنه عملُه أحوجَ ما كان إليه، فيقول: ابنَ آدمَ، أتيتني أحوجَ ما كنتَ قطُّ إلى خيرٍ، فأين ما قدَّمتَ لنفسِك (٣)؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ قال (٤): ثم ضرَب في ذلك مثلًا، فقال: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾.
قال: جرَت أنهارُها وثمارُها، وله ذُرِّيةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت، أيودُّ أحدُكم هذا؟
كما يحمِلُ أحدُكم أن يُخرِجَ صدقتَه ونفقتَه، حتى إذا كانت له عندِى جنةٌ، وجرَت أنهارُها وثمارُها، وكانت لولدِه وولدِ ولدِه، أصابها ريحُ إعصارٍ فحرَقها (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو (٦) زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾: رجلٌ غرَس بستانًا، له فيه من كلِّ الثمراتِ، فأصابه الكبرُ، وله ذرِّيَّةٌ ضعفاءُ، فأصابها إعصارٌ فيه نارٌ فاحْتَرقت، فلم يَستطِعْ أن يدفَعَ عن بستانِه من كبرِه، ولم يَستطِعْ ذرِّيتُه أن يدفَعوا عن [بستانِهم من صغرِهم، فاحترَق] (١) بستانُه فذهَبت معيشتُه ومعيشةُ ذرِّيتِه، فهذا مثلٌ ضرَبه اللهُ للكافرِ، يقولُ: يلقانِي يومَ يلقانِي (٢) وهو كأحوجِ (٣) ما يكونُ إلى خيرٍ يُصيبُه، فلا يجدُ له عندى خيرًا، ولا يستطيعُ أن يدفَعَ عن نفسِه من عذابِ اللهِ شيئًا.
وإنما قلنا (٤): إن الذي هو أولى بتأويلِ ذلك ما ذكَرنا؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه تقدَّم إلى عبادِه المؤمنين بالنهيِ عن المنِّ والأذى في صدقاتِهم، ثم ضرَب مثلًا لمن منَّ وآذى من تصدَّق عليه بصدقةٍ، فمثَّله بالمرائى من المنافقين المُنفقين أموالَهم رياءَ الناسِ، وكانت قصةُ هذه الآيةِ وما فيها (٥) من المثَلِ نظيرةَ ما ضرَب لهم من المَثلِ قبلَها، فكان إلحاقُها بنظيرتِها أولى من حملِ تأويلِها على أنه مثَلٌ لِمَا لم يجرِ له ذكرٌ قبلَها ولا معها.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ﴾ وهو فعلٌ ماضٍ، فعُطِف به على قولِه: ﴿أَيَوَدُّ﴾؟
قيل: إن ذلك قيل كذلك؛ لأن قولَه: ﴿أَيَوَدُّ﴾.
يصلُحُ أن تُوضعَ فيه "لو" مكانَ "أن"، فلما صلَحت بـ "لو" و "أنْ"، ومعناهما جميعًا الاستقبالُ، استجازت العربُ أن يردُّوا "فعَل" بتأويلِ "لو" على "يفعَل" مع "أنْ"، فلذلك قال: ﴿فَأَصَابَهَا﴾.
وهو في مذهبِه بمنزلةِ "لو"، إذْ (٦) ضارَعت "إنْ" في معنى الجزاءِ، فوُضِعت في مواضعِها، وأُجِيبتْ "إن" بجوابِ "لو"، و"لو" بجوابِ "إن"، فكأنه قيل: أيودُّ أحدُكم لو كانت له جنةٌ من نخيلٍ وأعنابٍ، تَجْرى من تحتِها الأنهارُ، له فيها من كلِّ الثمراتِ وأصابَه الكبرُ.
وإن قال: وكيف قيل هاهنا: ﴿وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ﴾؟
وقال في "النساءِ": ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩].
قيل: إن (١) "فَعيلًا" يُجمَعُ على "فُعَلاءَ" و"فِعالٍ"، فيقالُ: [رجلٌ كريمٌ وقومٌ كِرامٌ وكُرماءُ و] (١) رجلٌ ظريفٌ من قومٍ ظُرفاءَ وظِرافٍ.
وأما الإعصارُ، فإنه الريحُ العاصفُ، تهبُّ من الأرضِ إلى السماءِ كأنها عمودٌ، تُجمَعُ أعاصيرَ، ومنه قولُ يزيدَ بن مُفَرِّغٍ الحِمْيَريِّ (٢): أُنَاسٌ أجارُونا (٣) فكانَ جوَارُهُمْ … أَعَاصِيرَ مِنْ فَسْوِ (٤) العِراقِ المُبَذَّرِ (٥) واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ السَّمْتيُّ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾.
قال: السَّمومُ الحارَّةُ التي خُلِق منها الجانُّ التي تُحْرِقُ.
حدَّثنا [أحمدُ بنُ إسحاقَ] (٢)، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾.
قال: هي السَّمومُ الحارَّةُ [التي لا تَذَرُ (٣) أحدًا] (٤) (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن أبي (٦) إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [قال: هي السمومُ] (٧) التي تقتُلُ (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عمَّن ذكَره، عن [عبدِ اللهِ] (٨)، قال: إن السَّمومَ التي خُلِق منها الجانُّ جزءٌ من سبعين جزءًا من النارِ (١).
حدَّثني محمَّدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: هي ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾.
قال: سمومٌ شديدةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾.
يقولُ: أصابَها ريحٌ فيها سَمومٌ شديدةٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ نحوَه (٢).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: أما الإعصارُ فالريحُ، وأما النارُ فالسَّمومُ (٣).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾.
يقولُ: ريحٌ فيها سمومٌ شديدةٌ (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: ريحٌ فيها بردٌ شديدٌ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: فيها صِرٌّ؛ بَرْدٌ (١).
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهير، عن جُوَيبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾: يعنى بالإعصارِ: ريحٌ فيها بَرْدٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: كما بيَّن لكم ربُّكم ﵎ أمرَ النفقةِ في سبيلِه، وكيف وجْهُها، وما لكم، وما ليس لكم فعلُه فيها، كذلك يُبَيِّنُ اللهُ لكم الآياتِ سوى ذلك، فيُعرِّفُكم أحكامَها وحلالَها وحرامَها، ويوضِّحُ لكم حُجَجَها؛ إنعامًا منه بذلك عليكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: لتتفكَّروا بعقولِكم، فتتدبَّروها وتعتبِروا بحُججِ اللهِ فيها، وتعمَلوا بما فيها من أحكامِها، فتُطيعوا الله به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا [الحسنُ بنُ يحيى] (١)، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
قال: تُطيعون (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.
يعني: في زوالِ الدنيا وفنائِها، وإقبالِ الآخرةِ وبقائِها (٣).
[فهذا ما رواه أهل التأويل وغيرُهم.
واللهُ أعلمُ] (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: [يا أَيُّها الذين] (٤) صدَّقُوا باللَّهِ ورسولِه وآي كتابِه.
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْفِقُوا﴾: زكُّوا وتصدَّقُوا.
كما حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاويةَ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
يقولُ: تصدَّقُوا (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: زكُوا من طيِّبِ ما كسَبتم بتصرُّفِكم؛ إمَّا بتجارةٍ، وإمَّا بصناعةٍ، من الذهبِ والفضةِ.
ويعني بـ "الطيبات" الجِيادَ.
يقولُ: زكُّوا أموالَكم التي اكتسبْتموها حلالًا، فأَعْطُوا في زكاتِكم الذهبَ والفضةَ، الجِيادَ منها دونَ الرَّدئِ.
كما حدَّثنا محمَّد بن المثنَّى، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: من التجارةِ (١).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: وأخبرني شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبيُّ، قال: ثنا وهبٌ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: يَعْنى (٢) التجارة الحلال (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن عبدِ الله بن مَعْقِلٍ (٤): ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: ليس في مالِ المؤمنِ (٥) خبيثٌ، ولكن لا تيمَّموا الخبيثَ منه تُنفقون.
حدَّثني عصامُ بنُ روَّادِ بن الجرَّاحِ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن محمَّدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السَّلمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن قولِ اللِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: من الذهبِ والفضةِ (١).
حدَّثني محمَّدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: التجارةُ (٢).
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، [قال: ثني معاوية] (٣)، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
يقولُ: من أطيبِ أموالِكم وأنفسِه (٤).
حدَّثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدَّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: هذا (٥) من الذهبِ والفضةِ.
[هكذا قال السدِّيُّ] (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وأَنْفِقوا أيضًا مما أخرجْنا لكم من الأرضِ، فتصدَّقوا وزكُّوا من النخلِ والكَرْمِ والحِنْطةِ والشعيرِ، وما أَوْجَبْتُ فيه الصدقةَ من نباتِ الأرضِ.
كما حدَّثنا عصامُ بن روَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبيدةَ السلمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبى طالبٍ عن قولِ الله ﷿: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: يعنى من الحبِّ والثَّمَرِ (١)؛ كلِّ (٢) شيءٍ عليه زكاةٌ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: من (٤) النخلِ (٥).
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: من ثمرِ النخلِ.
حدَّثنا القاسمُ، [قال: ثنا الحسينُ] (٦)، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾.
قال: من التجارةِ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: مِن الثمارِ (٧).
حدَّثني موسى (١) قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
قال: هذا في الثَّمَرِ (٢) والحبِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: ولا تعمَّدوا ولا تقصِدوا.
وقد ذُكِر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (ولا تؤُمُّوا) (٣).
من "أَمَمْتُ"، وهذه من "تَيَمَّمْتُ"، والمعنى واحدٌ وإن اخْتَلفت الألفاظُ، يقالُ: تَأَمَّمتُ فلانًا وتَيَمَّمتُه، وأَمَمْتُه.
بمعنى: قصَدتُه وتعمَّدتُه.
كما قال ميمونُ بنُ قيسٍ الأعشى (٤): تيَمَّمْتُ قَيْسًا وَكَمْ دُونَهُ … مِنَ الأرْضِ من مَهْمَهٍ ذِى شَزَنْ (٥) وكما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: ولا تعمَّدوا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا﴾: لا تعمَّدوا (٦).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
يعني جلَّ ثناؤه بـ "الخبيث": الردئَ غيرَ الجيِّدِ.
يقولُ: لا تعمَّدوا الردئَ من أموالِكم في صدقاتِكم، فتصَّدَّقُوا منه، ولكن تصدَّقوا من الطيِّبِ الجيِّدِ.
وذلك أن هذه الآيةَ نزَلت في سببِ رجلٍ من الأنصارِ علَّق قِنْوًا (١) من حَشَفٍ (٢) في الموضعِ الذي كان المسلمون يعلِّقون صدقةَ ثمارِهم، صدقةً من تمرِه.
ذِكرُ من قال ذلك حدَّثني الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العَنْقَزِيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباطَ، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البَرَاءِ بن عازبٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى قولِه: ﴿اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.
قال: نزَلت في الأنصارِ، كانت الأنصار إذا كان أيامُ جَدادِ (٣) النخلِ، أَخْرجت من حِيطانِها أَقْناءَ البُسْرِ، فعلَّقوه على حبلٍ بينَ الأُسْطُوانتين في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيأكُلُ فقراءُ المهاجرين منه، فيعمِدُ الرجلُ منهم إلى الحشَفِ فيُدخِلُه مع أقناءِ البُسْرِ، يظنُّ أن ذلك جائزٌ، فأَنْزل اللهُ ﷿ في من فعَل (٤) ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: ولا تيمَّموا الحَشَفَ منه تنفِقون (٥).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، قال: زعم السُّديُّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراءِ بن عازبٍ بنحوِه، إلا أنه قال: فكان يعمِدُ بعضُهم، فيُدخِلُ قِنْوَ الحَشَفِ، ويظنُّ أنه جائزٌ عنه، في كثرةِ ما يُوضعُ من الأقناءِ، فنزَل في من فعل ذلك: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾؛ القِنْوُ الذي قد حشَف، ولو أُهْدِى لكم ما قبِلتموه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّديِّ، عن أبي مالكٍ، عن البراء بن عازبٍ، قال: كانوا يجيئون في الصِدقةِ بأردأِ ثَمَرِهم (٢) وأردأِ طعامِهم، فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية (٣).
حدَّثني عصامُ بنُ رَوَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ السَّلْمانيِّ، قال: سألتُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: فقال عليٌّ: نزَلت هذه الآيةُ في الزكاةِ المفروضةِ، كان الرجلُ يعمِدُ إلى التمرِ فيَصْرِمُه، فيعزِلُ الجيِّدَ ناحيةً، فإذا جاء صاحبُ الصدقةِ أعطاه من الردئِ، فقال اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجليلِ بنُ حُميدٍ اليَحْصُبيُّ، أن ابنَ شهابٍ حدَّثه قال: ثني أبو أمامةَ بنُ سهلِ بن حُنيفٍ في الآيةِ التي قال اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: هو الجُعُرُورُ، ولونُ حُبَيقٍ (١)، فنهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يُؤخَذَ في الصدقةِ (٢).
حدَّثني محمَّد بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبيِ نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: كانوا يتصدَّقون - يعنى من النخلِ - بحَشَفِه وبشِرارِه، فنُهوا عن ذلك، وأُمِروا أن يتصدقوا بطيِّبِه، [كانوا يعلِّقُون من التمرِ بالمدينةِ، من كلِّ ما أنفقتم، ولا تنفقوا إلا طيِّبًا] (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾: ذُكِر لنا أن الرجلَ كان يكونُ له الحائطان [من النخلِ] (٤) على عهدِ نبيِّ اللهِ ﷺ فيعيدُ إلى أرْدئِهما تمرًا، فيتصدَّقُ به، ويخلِطُ فيه من الحَشَفِ، فعاب اللهُ ذلك عليهم ونهاهم عنه (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: لا (٦) تعمِدْ إلى رُذالةِ مالِك فتتصدَّقَ به، ولستَ تأخُذُهُ (١) إِلَّا أَن تُغْمِضَ فيه (٢).
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يتصدَّقُ برُذالةِ مالِه، فنزَلتْ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا القاسم (٤)، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبَرنى عبد اللهِ بنُ كَثير، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: في الأَقناءِ التي تُعلَّقُ، فرأَى فيها حشَفًا، فقال: "ما هذا"؟
قال ابن جُريجٍ: وسمِعتُ عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ: عَلَّق إنسانٌ حشَفًا في الأَقناءِ التي تُعلَّقُ بالمدينةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما هذا؟
بئسما علَّق هذا".
فنزَلت: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٥).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقلٍ (٦): ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: إِنَّ كسبَ المؤمنِ لا يكونُ خبيثًا، ولكن لا تَتَصَدَّقُ بالحَشَفِ ولا بالدرهمِ (٧) الزائفِ وما لا خيرَ فيه] (٨) (٩).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تيمَّموا الخبيثَ من الحرامِ منه تنفقون، وتدَعوا أن تنفِقوا الحلالَ الطيِّبِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: الخبيثُ الحرامُ، لا تيمَّمْه تنفقُ منه، فإن الله ﷿ لا يقبَلُه (١).
وتأويلُ الآيةِ هو التأويلُ الذي حكيناه عمَّن حكينا عنه من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ [والتابعين] (٢)، واتفاقُ أهلِ التأويل [على صحةِ] (٣) ذلك، دونَ الذي قاله ابن زيدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولستم بآخذى الخبيثِ في حقوقِكم.
والهاءُ في قولِه: ﴿بِآخِذِيهِ﴾ من ذكرِ الخبيثِ.
﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يعنى: إلَّا أن تتجافَوا في أخذِكم إيَّاه عن بعضِ الواجبِ لكم من حقِّكم، فتترخَّصُوا (٤) فيه لأنفسِكم.
يقالُ منه: أغْمض فلانٌ لفلانٍ عن بعض حقِّه، فهو يُغمضُ [له عنه] (٢).
ومن ذلك قولُ الطِّرِمَّاحِ بن حَكِيمٍ (١): لَمْ يَفُتنا بالوِتْر (٢) قَوْمٌ وللضَّيم … رجالٌ يَرْضَوْنَ بالإِغْمَاضِ واخْتلَف أهل التأويل في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لستم بآخذى الردئ [من المال] (٣) من غُرَمائِكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماضٍ منكم لهم في الواجب لكم عليهم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عصامٌ بن روَّادٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا أبو بكر الهذليُّ، عن محمدِ بن سيرين، عن عبيدة السلمانيِّ، قال: سألت على بن أبي طالب عنه، فقال: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقولُ: ولا يأخُذُ أحدكم هذا الردئ حتى يَهْضِمَ لهُ (٤).
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن السُّديِّ، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقول: لو كان لرجلٍ على رجلٍ فأعطاه ذلك، لم يأخُذه إلَّا أن يَرَى أنه قد نقصه من حقِّه (٥).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثنا معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقولُ: لو كان لكم على أحدٍ حقٌّ، فجاءكم بحقٍّ دون حقِّكم، لم تأخُذوه بحساب الجيِّد حتى تَنْقُصوه، فذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
فكيف تَرْضَون لى ما لا تَرْضَون لأنفسكم، وحقِّى عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه (١)؟
وهو قوله: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: لا تأخذونه من غُرمائكم ولا في بيوعكم إلَّا بزيادةٍ على الطيِّب في الكيل.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾: وذلك أن رجالًا كانوا يُعطون زكاةَ أموالِهم من التمر، فكانوا يُعطون الحشَفَ في الزكاةِ، فقال: لو كان بعضهم يطلُبُ بعضًا ثم قضاه، لم يأخُذه إلا أن يرى أنه قد أَغْمَض [عن بعض] (٣) حقِّه (٤).
حُدِّثت عن عمار بن الحسن، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقول: لو كان لك على رجلٍ دَينٌ فقضَاك أردأ مما كان لك عليه، هل كنت تأخُذُ ذلك منه إلا وأنت له كارهٌ؟
حدَّثني يحيى بن أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا جويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: كانوا حين أمر الله أن يُؤَدُّوا الزكاة يجئُ الرجل من المنافقين بأَرْدَأَ طعامٍ له من تمرٍ وغيره، فكره اللهُ ذلك، وقال: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.
يقولُ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقولُ: لم يكن رجلٌ منكم له حقٌّ على رجل فيعطيه دونَ حقِّه، فيأخُذَه إلَّا وهو يعلَمُ أنه قد نقصه، فلا تَرْضَوا لى ما لا تَرْضَون لأنفسكم، فيأخُذُ شيئًا وهو يُغْمِضُ (١) عليه.
يقولُ: أَنْقَص من حقِّه (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ الخبيث إذا اشتريتموه من أهله بسعر الجيِّد، إِلَّا بِإغماضٍ منهم لكم في ثمنه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عمران بن حُدَيرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: لو وجدتموه في السوق يُباع ما أخذتموه حتى يُهْضَم لكم من ثمنه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة في قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
يقولُ: لستم بآخذى هذا الردئ بسعر هذا الطيِّبِ، إلا أن يُغْمَضَ لكم منه (٤).
[وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ من حقِّكم إلا أن تغمضوا من حقِّكم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابن مَعْقلٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ يقولُ: لستم بآخذيه من حقٍّ هو لكم، ﴿إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
تقولُ: أُغمِضُ لك من حقِّى] (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى هذا الردئ الخبيث لو أُهْدِى إليكم، إلا أن تُغمضوا فيه فتأخُذوه وأنتم له كارهون، على استحياءٍ منكم ممَّن أهدَاه إليكم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا الحسين بن عمرِو بن محمد العَنْقَزيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: لو أُهْدِى لكم ما قبلتموه إلا على استحياءٍ من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجةٌ (٢).
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، عن أسباط، عن السديِّ، عن عدى بن ثابتٍ، عن البراء بن عازب نحوه، إلا أنه قال: على استحياءٍ من صاحبه وغيظٍ، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجةٌ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذى الحرام إلا أن تُغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ، وسألته عن قوله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: يقولُ: لست آخذ ذلك الحرام حتى تُغْمِضَ على ما فيه من الإثم.
قال: وفى كلام العرب: أما والله لقد أخذه، ولقد أَغْمَض على ما فيه.
وهو يعلَمُ أنه حرامٌ باطلٌ (٢).
والذي هو عندى أولى بتأويل ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤُه حَثَّ عبادَه على الصدقة، وأداء الزكوات من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، فصار ما فرض من ذلك في أموالهم حقًّا لأهل سُهمانِ الصدقة، ثم أمرهم تعالى ذكره أن يُخْرِجوا من الطيِّب [دون الخبيث] (٣)، وهو الجيِّد من أموالهم الطيِّب، وذلك أن أهل السُّهمانِ شركاءُ أرباب الأموال في أموالهم، بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها، فلا شكَّ أن كلَّ شريكين في مال، فلكل واحدٍ منهما بِقَدْرِ مِلْكِه، وأن ليس لأحدهما منعُ شريكه من حقِّه من المال (٤) الذي هو فيه شريكه، بإعطائه بمقدار حقِّه منه من غيره، ممَّا هو أردأُ [وأخسُّ منه] (٥)، فكذلك المُزكِّى ماله، حرَّم الله عليه أن يُعطى أهلَ السُّهْمانِ ممَّا وجب لهم في ماله من الطيِّب الجيِّد من الحقِّ، فصاروا فيه [شركاءه به] (١)، من الخبيث الردئ غيره، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيِّب من ماله الجيِّد، كما لو كان مال ربَّ المالِ رديئًا كلُّه غير جيِّد، فوجبت فيه الزكاةُ، وصار أهلُ سُهمانِ الصدقة شركاءه فيه، بما أَوْجَب الله لهم فيه، لم يكن عليه أن يُعطيهم الطيِّب الجيِّد من غير ماله الذي منه حقُّهم، فقال ﵎ الأرباب الأموال: زكُّوا من جيِّد أموالكم الجيِّد، ولا تيمَّموا الخبيث الردئ تُعطونه أهلَ سُهْمانِ الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيِّد الطيِّب في أموالكم، ولستم بآخذى الردئ لأنفسكم مكانَ الجيِّدِ الواجب لكم قِبَلَ من وجَب لكم عليه (٢) ذلك، من شركائكم وغُرمائكم وغيرهم، إلَّا عن إغماض منكم، وهَضْمٍ لهم، وكراهةٍ منكم لأخذه.
يقولُ: فلا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حقٌّ، ما لا تَرْضَون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم، فأمَّا إذا تطوع الرجلُ بصدقةٍ غير مفروضة، فإنى وإن كرهتُ له أَن يُعطى فيها إلَّا أجود ماله وأطيبَه؛ لأن الله تعالى ذكره أحقُّ من تقرِّب إليه بأكرم الأموال وأطيبها، والصدقة قُرْبانُ المؤمن إليه - فلست أُحرِّمُ عليه أن يُعطى فيها (٣) غير الجيِّد؛ لأن ما دونَ الجيِّد ربما كان أعمَّ نفعًا لكثرته، أو لعظم خَطره، وأحسن (٤) موقعًا من المسكين، وممن أُعطيه قربةً إلى الله جلّ وعزّ من الجيِّدِ، لقلته أو لصغرِ خطره، وقلة جدوى نفعه على من أُعطيَه.
وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الملك بن أبي الشَّوَاربِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سلَمةُ بنُ علقمة، عن محمد بن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
قال: ذلك في الزكاةِ، الدِّرْهمُ الزائفُ أحبُّ إليَّ من التمرة.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا سلَمةُ بن علقمة، عن محمد بن سيرينَ، قال: سألتُ عَبيدةَ عن ذلك، فقال: إنما ذلك في الزكاة، والدرهمُ الزائفُ أحبُّ إليَّ من التمرةِ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين، قال: سألت عَبيدةَ عن هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾.
فقال عبيدةُ: إنما هذا في الواجب، ولا بأسَ أن يتطوَّعَ الرجلُ بالتمرة، والدرهمُ الزائفُ خيرٌ من التمرةِ (٢).
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن هشامٍ، عن ابن سيرين في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾.
قال: إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوُّعُ، فلا بأس أن يتصدَّقَ الرجلُ بالدرهم الزائف، والدرهمُ الزائفُ خيرٌ من التمرة (٣).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: واعلَموا أيها الناسُ أن الله ﷿ غنيٌّ عن صدقاتكم وعن غيرها، وإنما أمَركم بها وفرَضها في أموالكم؛ رحمةً منه لكم، يُغْنى (١) بها عالتكم (٢)، ويقوِّى بها ضعفتكم (٣)، ويُجْزِلُ لكم عليها في الآخرة مثوبتَكم، لا من حاجةٍ به فيها إليكم.
ويعنى بقوله: ﴿حَمِيدٌ﴾.
أنه محمودٌ عند خلقه بما أَوْلاهم من نعمه، وبسَط لهم من فضلِه.
كما حدَّثني الحسينُ بنُ عمرو بن محمدٍ العَنْقَزيُّ، قال: ثنا أبي، عن أسباط، عن السُّديِّ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن البراء بن عازبٍ في قوله ﵎: ﴿[وَاعْلَمُوا أَنَّ] (٤) اللَّهَ غَنِيٌّ﴾: عن صدقاتكم (٥).
﷽ القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: الشيطانُ يعدُكم أيها الناسُ بالصدقة وأدائكم الزكاة الواجبة عليكم في أموالكم، أن تَفْتقروا، ﴿وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
يعنى: ويأمُرُكم بمعاصى الله، وترك [الصلاة، و] (١) طاعتِه، ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾.
يعنى أن الله ﵎ يَعدُكم أيُّها المؤمنون أن يستُرَ عليكم فحشاءَكم، بصفحه لكم عن عقوبتكم عليها، فيغفرَ لكم ذنوبَكم بالصدقة التي تتصدَّقون، ﴿وَفَضْلًا﴾.
يعنى: ويَعِدُكم أن يُخْلِفَ عليكم من صَدقاتِكم، فَيُفْضِلَ عليكم من عطاياه، ويُسبغَ عليكم في أرزاقكم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: اثنان من الله، واثنانِ من الشيطانِ، ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾.
يقولُ: لا تُنفق مالك وأمسِكْه عليك؛ فإنك تحتاجُ إليه، ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ﴾ على هذه المعاصى، ﴿وَفَضْلًا﴾ في الرزق (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
يقولُ: مغفرةً لفحشائِكم، وفضلًا لفقرِكم (١).
حدَّثنا هنَّادُ بنُ السَّريِّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن مُرَّةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسول الله ﷺ: "إنَّ للشيطانِ لَمَّةً من ابن آدم، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطان، فإيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، وأمَّا لمةُ الملكِ فإيعادٌ [بالخير وتصديقٌ بالحقِّ] (٢)، فمن وجَد ذلك فليعلَمْ أَنَّه من الله، وليحمَدِ الله، ومن وجَد الأخرى فلْيتعوَّذُ بالله من الشيطان".
ثم قرأ: " ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ " (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحَكمُ بنُ بَشير بن سلمانَ، قال: ثنا عمرٌو، عن عطاء بن السائبِ، عن مُرَّةَ، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للإنسان من الملكِ لمةً، ومن الشيطان لمةً، فاللَّمَّةُ من المَلكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، واللَّمَّةُ من الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ.
وتلا عبدُ الله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾.
قال عمرٌو: وسمِعْنا في هذا الحديث أنه كان يقالُ: إذا أحسَّ أحدُكم من لمة الملك شيئًا، فلْيحمَدِ الله، ولْيسألْه من فضلِه، وإذا أحسَّ من لمةِ الشيطان شيئًا، فليَسْتغفر الله، وليتعوَّذْ (٤) من الشيطان.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا عطاءُ بنُ السائب، عن أبي الأحوصِ، أو عن مرَّةَ، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ: ألا إن للملكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، ذلكم بأن الله ﷿ يقولُ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
فإذا وجدتم من هذه شيئًا فاحْمَدوا الله عليه، وإذا وجَدتم من هذه شيئًا فتعوَّذوا باللهِ من الشيطانِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعود في قوله: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾.
قال: إن للمَلَكِ لمةً، وللشيطان لمةً، فلمَّةُ الملكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيَحمَدِ الله، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن وجَدها فلْيستعِذْ باللَّهِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمة، قال: أخبَرنا عطاءُ بنُ السائب، عن مرةَ الهَمْدانيِّ، أن ابنَ مسعودٍ قال: إن للملك لمةً، وللشيطانِ لمَّةً، فلمَّةُ الملَكِ إيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، ولمةُ الشيطان إيعادٌ بالشرِّ وتكذيبٌ بالحقِّ، فمن أحسَّ من لمةِ المَلَكِ شيئًا، فليحمد الله عليه، ومن أحسَّ من لمة الشيطان شيئًا (٢)، فليتعوَّذُ بالله منه.
ثم تلا هذه الآية: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المبارك، عن فِطْرِ، عن المسيَّبِ بن رافعٍ، عن عامرِ بن عَبْدةً، عن عبدِ اللهِ بنحوه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن مُرةَ بن شَراحيل، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: إن للشيطان لمةً، وللملَكِ لمةً، فأما لمةُ الشيطانِ فتكذيبٌ بالحقِّ وإيعادٌ بالشرِّ، وأما لمةُ الملكِ فإيعادٌ بالخير وتصديقٌ بالحقِّ، فمن وجَد ذلك فلْيعلَمْ أنه من الله، ولْيَحْمَدِ الله عليه، ومن وجد الأُخرى فَلْيَتعوَّذْ من الشيطان الرجيم.
ثم قرأ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
القولُ في تأويل قوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: والله واسعُ الفَضْلِ (١) الذي يَعِدُكم أن يُعْطِيَكموه من فضلِه وسَعَةِ خزائنِه، عليمٌ بنفقاتِكم وصدقاتكِم التي تُنْفِقون وتتصدقون بها، يُحْصِيها لكم حتى يجازيَكم بها عندَ مَقْدَمِكم عليه في آخرتكم.
القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤُه: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يُؤتى الله الإصابة في القول والفعل من يشاءُ من عباده، ومن يُؤْتَ الإصابة في ذلك منهم فقد أُوتى خيرًا كثيرًا.
واخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: الحكمةُ التي ذكرها الله ﵎ في هذا الموضع هي القرآنُ والفقهُ به.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله ﵎: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: يعنى المعرفةَ بالقرآن؛ ناسخِه ومنسوخِه، ومُحْكمِه ومتشابهِه، ومُقدَّمه ومؤخَّرِه، وحلالِه وحرامِه، وأمثاله (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاق، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: الحكمةُ القرآنُ والفقهُ في القرآن (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والحكمةُ الفقهُ في القرآن (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهلاليُّ، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا مهديُّ بنُ ميمونٍ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الحَبْحابِ، عن أبي العالية: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال: الكتابُ والفهمُ به (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.
قال: ليست بالنبوَّةِ، ولكنه القرآنُ والعلمُ والفقهُ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: الفقهُ في القرآنِ (١).
وقال آخرون: معنى الحكمة الإصابةُ في القول والفعل.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: سمِعتُ مجاهدًا قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾.
قال: الإصابةُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﵎: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: يُؤْتى إصابتَه من يشاءُ (٣).
وحدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: الكتابُ، يُؤتِى إصابتَه [منْ يشاءُ] (٤).
وقال آخرون: هي العلمُ بالدين.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الحكمةُ العقلُ في الدينِ.
وقرأ: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (١).
وحدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قلتُ لمالكٍ: ما الحكمةُ؟
قال: المعرفةُ بالدين، والفقهُ فيه، والاتباعُ له.
وقال آخرون: الحكمةُ الفَهمُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن أبي حمزةَ، عن إبراهيم، قال: [هو الفهمُ.
يعنى (٢) الحكمة] (٣).
وقال آخرون: هي الخشيةُ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية.
قال: الحكمةُ الخشيةُ؛ لأن رأسَ كلِّ شيءٍ خشيةُ الله.
وقرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٤) [فاطر: ٢٨].
وقال آخرون: هي النبوَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ﴾ الآية.
قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ (١).
وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "الحكمة"، وأنها مأخوذةٌ من الحُكم وفصل القضاء، وأنها الإصابةُ، بما دلَّ على صحَّتِه، فأَغْنى ذلك عن تكريره في هذا الموضع (٢).
وإذا كان ذلك (٣) معْناه، كان جميعُ الأقوالِ التي قالها القائلون الذين ذكرنا قولَهم في ذلك، داخلًا فيما قُلنا من ذلك؛ لأن الإصابة في الأمور إنما تكونُ عن فَهم بها وعلم ومعرفةٍ، وإذا كان ذلك كذلك، كان المصيبُ عن فَهْم منه بمواضع الصوابِ في أموره، فَهِمًا خاشيًا للهِ، فقيهًا عالمًا، وكانت النبوَّةُ من أقسامه؛ لأن الأنبياءَ مُسَدَّدون مُفَهَّمُون مُوَفَّقون لإصابة الصواب في الأمور، فالنبوَّةُ بعضُ معاني الحكمة.
فتأويلُ الكلام: يُؤتى الله إصابة الصواب في القول والفعل مَن يَشَاءُ، ومَن يؤته الله ذلك فقد آتاه خيرًا كثيرًا.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وما يتعظُ بما وعَظه به ربُّه في هذه الآياتِ التي وعظ فيها المُنْفِقين أموالَهم، بما [وعظَهم به وغيرَهم] (٤) فيها وفي غيرها من آي كتابه، فيَذَّكَّرُ وعدَه ووعيده فيها، فينزجرُ عمَّا زجَره عنه ربُّه، ويُطيعُه فيما أمَره به ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
يعنى: إلَّا أُولو العقول الذين عقَلوا عن الله أمرَه ونهيَه.
فأَخْبَر جلَّ ثناؤُه أن المواعظَ غيرُ نافعةٍ إلّا أُولى الحِجا والحُلُوم، وأن الذِّكرَى غيرُ ناهيةٍ إلا أهلَ النُّهَى والعقول.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: وأيَّ نفقةٍ أَنْفَقتُم.
يعني: أيَّ صدقةٍ تصدَّقُتُم، أو أيَّ نَذْرٍ نذَرتم.
يعْنى بالنذرِ ما أَوْجَبه المرءُ على نفسِه، تبرُّرًا في طاعةِ اللهِ، وتقرُّبًا به إليه من صدقةٍ أو عمل خير، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ أي: إنَّ جميع ذلك بعلم الله، لا يعزُبُ عنه منه شيءٌ، ولا يَخْفَى عليه منه قليلٌ ولا كثيرٌ، ولكنه يُحْصِيه أيها الناسُ عليكم، حتى يُجازِى (١) جميعَكم على جميع ذلك، فمن كانت نفقتُه منكم وصدقتُه ونذرُه ابتغاءَ مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه، جازاه بالذي وعَده من التضعيف، ومن كانت نفقتُه وصدقتُه رياءَ الناس، ونذورُه للشيطان، جازاه بالذي أوْعَده من العقاب وأليم العذاب.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾.
قال (٢): فإن الله يَعْلَمُه ويُحْصِيه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
ثم أوْعَد جلَّ ثناؤُه من كانت نفقتُه رياءً، ونذورُه طاعةً للشيطان، فقال: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
يعنى: وما لمن أَنْفَق ماله رياءَ الناس وفي معصية الله، وكانت نذورُه للشيطان وفى طاعته، ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ وهم جمعُ نصيرٍ، كما الأشرافُ جمعُ شريفٍ.
ويعنى بقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾: مَن ينصُرُهم من الله يوم القيامة، فيدفَعُ عنهم عقابَه يومَئِذٍ بقُوَّةٍ وشدَّةِ بطشٍ، ولا بفديةٍ [ولا حيلةٍ] (١).
وقد دلَّلْنا على أن الظالم هو الواضعُ الشيء في غير موضعه (٢)، وإنما سمَّى اللهُ المنفقَ ماله رياءَ الناس، والناذرَ في غير طاعته ظالمًا؛ لوضعه إنفاق ماله في غيرِ موضِعِه، ونَذْرَه في غير ما له وضعُه فيه، فكان ذلك ظلمَه.
فإن قال قائلٌ: فكيف قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.
ولم يقل: يعلَمُهما.
وقد ذكر النذر والنفقة؟
قيل: إنما قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ لأنه أراد: فإِن الله يعلَمُ ما أَنْفَقتم أو نذَرتم.
فلذلك وحَّد الكناية.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.
يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾: إِن تُعْلِنُوا الصدقات، فتُعطوها من تصدَّقُتُم بها عليه، ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾.
يقولُ: فنِعْمَ الشيءُ هي، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾.
يقولُ: وإن تَسْتُروها فلم (٣) تُعْلِنُوها، ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾.
يعنى: وتعطوها الفقراء في السرِّ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: فإخفاؤُكم إيَّاها خيرٌ لكم من إعلانها، وذلك في صدقة التطوُّع.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، وصدقةُ السرِّ أفضلُ، وذُكر لنا أن الصدقة تطفئُ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: كلٌّ مقبولٌ إذا كانت النيةُ صادقةً، والصدقةُ في السرِّ أفضلُ.
وكان يقولُ: إنّ الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئُ الماءُ النار (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: فجعل الله صدقةَ السرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها بسبعِينَ ضِعْفًا، وجعَل صدقةَ الفريضةِ علانيتَها أفضلَ مِن سرِّها.
يقالُ: بخمسةٍ وعشرين ضِعْفًا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل و (٣) الأشياء كلِّها (٤).
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ، قال: أخبرنا عبد الله بنُ المبارك، قال: سمعت سفيانَ يقولُ في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: يقولُ: هو سوى الزكاة (١).
وقال آخرون: إنما على الله ﷿ بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾: إن تُبْدُوا الصدقات على أهل الكتابين من اليهود والنصارى، فنِعِمَّا هي، وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها فقراءَهم، فهو خيرٌ لكم.
قالوا: وأما ما أُعطى فقراءُ المسلمين من زكاةٍ وصدقة تطوُّع، فإخفاؤُه أفضلُ من إعلانه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ شُريحٍ، أنه سمع يزيد بن أبي حبيبٍ يقولُ: إنما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ في الصدقة على اليهود والنصارى (٢).
حدَّثني عبدُ الله بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ عثمان، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ المبارك، قال: أخبرنا ابن لهيعةَ، قال: كان يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ يأمرُ بقَسْم الزكاة في السرِّ.
قال عبدُ اللهِ: أُحبُّ أَن تُعْطَى في العلانية.
يعنى الزكاةَ.
ولم يَخْصُصِ الله جلّ ثناؤُه من قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾.
[صدقةً دونَ صدقةٍ] (٣)، فذلك على العموم، إلَّا ما كان من زكاةٍ واجبةٍ، فإنَّ الواجبَ من الفرائض قد أَجْمَع الجميعُ على أن الفضل في إعلانِه وإظهاره، سوى الزكاة التي ذكَرنا اختلافَ المختلفين فيها، مع إجماع جميعهم على أنها واجبةٌ، فحكمُها في أن الفضل في أدائِها علانيةً حكمُ سائر الفرائض غيرها.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
اختلفت القرَأَةُ في قراءة ذلك؛ فرُوى عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُه: (وتُكفِّرَ عنكم) بالتاء (١).
ومن قرأه كذلك، فإنه يعنى به: وتُكفِّرُ الصدقاتُ عنكم من سيئاتكم.
وقرأ آخَرون: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ﴾.
بالياء (٢).
بمعنى: ويكفِّرُ الله عنكم بصدقاتِكم، على ما ذكر في الآية من سيئاتِكم.
وقرأ ذلك بعدُ عامّة قرأَةِ أهل المدينة والكوفة والبصرة: (وَنُكَفِّرْ عنكم).
بالنون وجَزْمِ الحرفِ (٣)، بمعنى: وإن تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفقراء، نكفِّر عنكم من سيئاتكم.
بمعنى مجازاةِ اللهِ ﷿ مُخْفِيَ الصدقة بتكفير بعض سيئاته بصدقته التي أخفاها.
وأولى القراءاتِ في ذلك عندَنا بالصواب قراءة من قرأ: (وَنُكَفِّرْ عنكم).
بالنون وجزم الحرف، على معنى الخبر من الله جلّ ثناؤه عن نفسه أنه يُجازي المخفي صدقتَه التطوُّع؛ ابتغاء وجهه من صدقته، بتكفير سيئاته.
وإذا قُرِئ كذلك فهو مجزومٌ على [النَّسْقِ على] (٤) موضع الفاء في قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
لأن الفاء هنالك حلَّت محَلَّ جوابِ الجزاء.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف اخترتَ الجزمَ على النَّسْق على موضع الفاء، وتركت اختيار نسْقه على ما بعدَ الفاءِ، وقد علمتَ أن الأفصحَ من الكلامِ في النسْق على جوابِ الجزاءِ الرفع وإنما الجزمُ تجويزٌ؟
قيل: اخترنا ذلك ليُؤْذِنَ بجزمه أن التكفير - أعنى تكفيرَ اللهِ مِن سيئاتِ المُتصَدِّقِ - لا محالة داخلٌ فيما وعَد اللهُ المُصَّدِّقَ أن يُجازيه به على صدَقتِه؛ لأن ذلك إذا جُزم مُؤذِنٌ بما قُلنا لا محالة، ولو رُفع كان قد يَحْتَمَلُ أن يكونَ داخلًا فيما وعَده الله أن يُجازيَه به، وأن يكونَ خبرًا مستأنفًا، أنه يكفِّرُ من سيئاتِ عبادِه المؤمنين، على غيرِ المجازاة لهم بذلك على صدقاتِهم؛ لأن ما بعدَ الفاء في جوابِ الجزاء استئنافٌ، فالمعطوفُ على الخبر المستأنَف في حكم المعطوف عليه، في أنه مُسْتأنفٌ (١) غيرُ داخلٍ في الجزاء، ولذلك من العلَّةِ اخترنا جزمَ (نُكَفِّرْ) عطفًا به على موضعِ الفاءِ مِن قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
وقراءته بالنون.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ دخول (من) في قوله: (ونُكفِّر عنكم من سيئاتكم)؟
قيل: وجهُ دخولِها في ذلك بمعْنى: ونكفِّرْ عنكم من سيئاتكم ما نشاءُ تكفيرَه منها دون جميعها؛ ليكونَ العبادُ على وَجَلٍ من الله فلا يَتَّكِلُوا على وعدِه ما وعَدَ على الصدقات التي يُخْفِيها المتصدِّقُ، فيَجْترئُوا على حدودِه ومعاصِيه.
وقد قال بعضُ نحويِّى البصرة: معْنى ﴿مِن﴾ الإسقاطُ في هذا الموضع.
وتأوَّل معنى ذلك: ونكفِّرْ عنكم سيئاتكم.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله بما تعملون في صدقاتكم، من إخفائها وإعلان وإسرارٍ بها وجهارٍ، وفى غير ذلك من أعمالكم، ﴿خَبِيرٌ﴾ يعنى بذلك: ذو خبرةٍ وعلم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ من ذلك، فهو بجميعه محيطٌ، ولِكُلِّه محصٍ على أهله، حتى يوفِّيَهم ثوابَ جميعه، وجزاءَ قليله وكثيره.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بذلك: ليس عليك يا محمدُ هُدَى المشركين إلى الإسلام، فتمنَعَهم الصدقةَ التطوُّع، ولا تُعطيَهم منها؛ ليدخلوا في الإسلام حاجةً منهم إليها، ولكنَّ الله هو يَهْدى من يشاءُ مِن خلقه إلى الإسلام فيوفِّقُهم له، فلا تمنَعْهم الصدقة.
كما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أَشْعَثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ (١)، قال: كان النبيُّ ﷺ لا يتصدَّقُ على المشركين، فنزلت: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾.
فَتَصَدَّقَ عليهم (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو داود، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرْضَخُون (٣) لقراباتهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: كانوا يتَّقون أن يرضَخوا لقراباتِهم من المشركين حتى نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشار وأحمدُ بنُ إسحاق، قالا: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كانوا لا يرضخون لأنسبائِهم من المشركين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.
فرخَّص لهم (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سفيان، عن الأعمش، عن جعفر بن إياسٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان أناسٌ من الأنصار لهم أنسباءُ وقرابةٌ من قريظة والنَّضير، وكانوا يتَّقون أن يتصدَّقوا عليهم، ويُريدونهم أن يُسْلِموا، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ الآية (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: وذُكر لنا أن رجالًا من أصحاب النبيِّ ﷺ قالوا: أنتصدَّقُ على من ليس من أهل ديننا؟
فَأَنزل الله ﷿ في ذلك القرآنَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: كان الرجلُ من المسلمين إذا كان بينه وبين الرجل من المشركين قرابةٌ وهو محتاجٌ، فلا يتصدَّقُ عليه، يقولُ: ليس من أهل ديني.
فأَنزل اللهُ ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾.
الآية (٢) حدثني [موسى بن هارون] (٤)، قال: ثنا عمرو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال: كانوا يتصدَّقون [على فُقَراءِ أَهلِ الذِّمَّةِ، فلمَّا كثر فقراء المسلمين، قالوا: لا نُعْطِيها إِلَّا المسلمين، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: فكانوا بعد يُعْطُونهم (٢).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: يقول: إنما لها ثواب نفقتها، وليس لها من عمله شيءٌ، لو كان خير أهلِ الأرْضِ لم يكن لها مِن عمله شيءٌ، إنما لها أجر نفقتها، ولا تُسأَلُ عمَّن تريد تضعُ نفقتها فيه، فليس لها من عمله شيءٌ، إنما لها ثواب نفَقَتِها، ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدَّثنا أبو أحمد، قال: حدَّثنا جرير بن عبد الحميد، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تصدَّقُوا إلا على أهل دينكم".
فأنزل الله ﵎: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ (٣)] (٤).
[وأما قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
فإنه يعنى جلَّ ثناؤه: وما تتصدَّقون به من مال - والمالُ هو الخيرُ الذي ذكره الله جلَّ ثناؤه في هذه الآية.
وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾ تنفقون؛ ليكونَ لكم ذُخْرًا عند الحاجة إليه في مَعَادِكم.
وأما قوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ فإنه يعنى ﷻ: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فإنكم تُوَفَّوْنَه، فيرجع إليكم جزاؤه تامًّا وافيًا، فلا تَمُنُّوا على أحدٍ بما تصدَّقتم به عليه، ولا تمتنعوا من إعطائها من امتنعتم من إعطائه إياها من مشركي أهل الكتاب وغيرهم من أهل الإسلام، فإنكم لا تُظْلَمُون أَجْرَها فَتُبْخَسُوه، ولا تُنْقَصُونَه، بل على الله أن يوفِّيكم أجوركم وجزاءكم عليها] (١).
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.
قال: هو مردودٌ عليك، فما لك ولهذا تُؤذيه وتمنُّ عليه؟
إنما نفقتك لنفسك، وابتغاء وجه الله، واللهُ يَجْزيك (٢).
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾.
أما قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ﴾.
فبيانٌ من الله تعالى ذكره عن سبيل النفقة ووجهها.
ومعنى الكلام: وما تُنفِقُوا من خيرٍ فلأنفسكم، تُنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.
واللام التي في "الفقراء" مردودةٌ على موضع اللام من قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
كأنه قال: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ يعنى به: وما تتصدَّقوا به من مالٍ فللفقراء الذين أُحْصِروا في سبيلِ اللهِ.
فلمّا اعْتَرض في الكلام بقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾.
فَأَدْخَل الفاء التي هي جواب الجزاء فيه، تُرِكت إعادتها في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.
إذ كان الكلام مفهومًا معناه.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ﴾: أَمَّا ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾.
فيعنى المشركين، وأما النفقة فبيَّن أهلها، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١).
وقيل: إنَّ هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية هم فقراء المهاجرين خاصَّةً (٢) دونَ غيرِهم من الفقراء.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: مهاجرى قريشٍ بالمدينة مع النبيِّ ﷺ، أُمر بالصدقة عليهم (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال: هم فقراءُ المهاجرين بالمدينة (٤).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال: فقراء المهاجرين (٥).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكره: الذين جعلهم جهادهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسهم، فيحبسونها عن التصرُّف، فلا يستطيعون تصرُّفًا.
وقد دلَّلنا فيما مضى قبلُ على أنّ معنى الإحصارِ تصييرُ الرجلِ المُحْصِرِ مرَضُه أو فاقتُه أو جهادُه عدوَّه، وغيرُ ذلك من عليه، إلى حالة يحبس فيها نفسه عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبلُ (١).
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال: حصروا أنفسَهم في سبيل الله للغزو (٢).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيعُ أحدٌ أن يخرُجَ يبتغى من فضلِ اللهِ، فإذا خرج خرج في كفرٍ.
وقيل: كانت الأرضُ كلُّها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهةً إلَّا لهم فيها عدوٌّ، فقال الله ﵎: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
الآية.
كانوا ههنا في سبيل الله (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين حَصَرهم المشركون فمنعوهم التصرُّفَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: حصرهم المشركون في المدينة (٢).
ولو كان تأويل الآية على ما تأوَّله السُّديُّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصِروا في سبيل الله.
ولكنه ﴿أُحْصِرُوا﴾.
فدل ذلك على أن خوفهم من العدوِّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحالِ التي حَبَسوا - وهم في سبيل الله - أنفسهم، لا أن العدوَّ هم كانوا الحابِسيهم، وإنما يقال لمن حبسه العدوُّ: حصره العدوُّ.
وإذا كان الرجلُ المُحْبَسُ من خوف العدوِّ، قيل: أَحْصَره خوفُ العدوِّ.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلادِ؛ ابتغاء المعاش، وطلب المكاسب، فيستغنوا به (٣) عن الصدقات، رهبة العدوِّ، وخوفًا على أنفسهم منهم.
كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: حصَروا (١) أنفسهم في سبيل اللهِ للغزو (٢)، فلا يستطيعون تجارةً (٣).
حدَّثني موسى بن هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمادٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ يعنى: التجارة (٤).
وحدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾: كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغى من فضل الله (٥).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
يعنى بذلك: يحسبهم الجاهل بأمرهم وحالهم أغنياء من تعفُّفهم عن المسألة، وتركهم التعرُّضَ لما في أيدى الناس؛ صبرًا منهم على البأساء والضرَّاء.
كما حدَّثنا [بشرٌ بن معاذ، قال: حدَّثنا] (٦) يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
يقولُ: يحسبُهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفُّف.
ويعني بقولِه: ﴿مِنَ التَّعَفُّفِ﴾: من تَرِك مسألةِ الناسِ، وهو "التفعُّلُ" من العفَّةِ عن الشيءِ، والعفَّةُ عن الشيءِ تركُه، كما قال رُؤْبةُ (١): فعَفَّ عن أسرارِها بعدَ العسَقْ (٢) يعنى: ترَك (٣) وتجنَّب.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تعرِفُهم يا محمدُ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾، يعْني: بعلامتِهم وآثارِهم، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
وهذه لغةُ قريشٍ، ومِن العربِ مَن يقولُ: بسيمائِهم.
فيمُدُّها، وأمَّا ثَقيفٌ وبعضُ أَسَدٍ فإنهم يقولون: بسيميائِهم، ومن ذلك قولُ الشاعرِ (٤).
غُلامٌ رمَاه اللهُ بالحُسْنِ يافعًا … له سِيمِياءٌ لا تَشُقُّ على البَصَرُ وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في السِّيما التي أَخْبر اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه أَنَّها لهؤلاءِ الفقراءِ الذين وصَف (٥) صفتَهم، وأنهم يُعرَفون بها؛ فقال بعضُهم: هو التخشُّعُ والتواضعُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.
قال: التخشُّعُ (١).
وحدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنى المُثَنَّى، [قال: حدثنا إسحاقُ] (٢)، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن ليثٍ، قال: كان مجاهدٌ يقولُ: هو التخشُّعُ.
وقال آخرون: يعْنِى بذلك: تعرِفُهم بسيما الفقرِ وجَهدِ الحاجةِ في وجوهِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾: بسيما الفقرِ عليهم (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.
يقولُ: تعرِفُ في وجوهِهم الجَهْدَ من الحاجةِ (٤).
وقال آخرون: يعنى بذلك: تعرِفُهم برَثاثةِ ثيابِهم.
وقالوا: الجوعُ خفيٌّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾.
قال: السيما: رَثاثةُ ثيابِهم، والجوعُ خفيٌّ على الناسِ، ولم تستطعِ الثيابُ التي يَخْرُجون فيها تَخْفَى على الناسِ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله ﷿ أَخْبر نبيَّه ﷺ أنه يعرِفُهم بعلاماتِهم وآثارِ الحاجةِ فيهم، وإنما كان النبيُّ ﷺ يُدرِكُ تلك العلاماتِ والآثارَ منهم عندَ المشاهدةِ بالعِيانِ، فيعرِفُهم وأصحابُه بها، كما يُدرَكُ المريضُ فيُعلَمُ أنه مريضٌ بالمعاينةِ.
وقد يجوزُ أن تكونَ تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكونَ كانت أثرَ الحاجةِ والضُّرِّ، وأن تكونَ كانت رَثاثةَ الثيابِ، وأن تكونَ كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرَكُ علاماتُ الحاجةِ وآثارُ الضُّرِّ في الإنسانِ، ويُعلَمُ أنها من الحاجةِ والضُّرِّ، بالمعاينةِ دونَ الوصفِ، وذلك أن المريضَ قد يصيرُ به في بعضِ أحوالِ مرضِه من المرضِ، نظيرُ آثارِ المجهودِ من الفاقةِ والحاجةِ، وقد يلبَسُ الغنيُّ ذو المالِ الكثيرِ الثيابَ الرَّثَّةَ، فيتزيَّا بزيِّ أهلِ الحاجةِ، فلا يكونُ في شيءٍ من ذلك دَلالةٌ بالصفةِ على أن الموصوفَ به مختلٌّ ذو فاقةٍ، وإنما يُدْرَكُ (٢) ذلك عندَ المعاينةِ بسيماه، [كما وصَفهم اللهُ به، نظيرَ ما يُعرَفُ المريضُ بأنه مريضٌ] (٣) عند المعاينةٍ، دونَ وصفِه بصفتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
[يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: لا يسألون الناسَ إلحاحًا] (٤).
يقالُ: قد أَلْحَف السائلُ في مسألتِه، إذا ألحَّ، فهو يُلحِفُ فيها إلحافًا.
فإن قال قائلٌ: أفكان هؤلاء القومُ يسألون الناسَ غيَر إلحافٍ؟
قيل: غيُر جائزٍ أن يكونوا كانوا يسألون الناسَ شيئًا على وجهِ الصدقةِ إلحافًا [وغيَر الحافٍ] (١)، وذلك أن الله ﷿ وصَفهم بأنهم كانوا أهلَ تعفُّفٍ، وأنهم إنما كانوا يُعرَفون بسيماهم، فلو كانت المسألةُ من شأنِهم لم تكنْ صفتُهم التعفُّفَ، ولم [تكنْ بالنبيِّ ﷺ إلى معرفتِهم بالأدلةِ والعلاماتِ حاجةٌ، إذ كانت] (٢) المسألةُ الظاهرةُ تُنْبِئُ على حالِهم وأمرِهم.
وفي الخبرِ الذي حدَّثنا به بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدُ بن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن هلالِ بن حصنِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: أَعْوَزْنا مرةً، فقيل لى: لو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتَه.
فانطلقتُ إليه مُعْنِقًا (٣)، فكان أوَّلَ ما واجَهنى به.
"مَن استعفَّ أعفّه اللَّهُ، ومن اسْتَغنَى أَعْناه اللَّهُ، ومَن سأَلَنا لم ندَّخِرُ عنه شيئًا نجِدُه".
قال: فرجَعتُ إلى نفسي، فقلتُ: أَلا أستعِتُّ فيُعِفَّنى اللهُ!
فرجَعتُ، فما سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ شيئًا بعدَ ذلك من أمرِ حاجةٍ، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقتنا، إلا مَن عصَم اللهُ (٤) - الدلالةُ الواضحةُ على أن التعفُّفِ معنًى ينفِي معنَى المسألةِ من الشخصِ الواحدِ، وأنّ مَن كان موصوفًا بالتعفُّفِ، فغيرُ موصوفٍ بالمسألةِ إلحافًا وغيرَ الحافٍ] (١).
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ على ما وصَفتَ، فما وجهُ قولِه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
وهم لا يسألون الناسَ إلحافًا ولا (١) غيرَ إلحافٍ؟
قيل له: وجهُ ذلك أن الله تعالى ذكرُه لمّا وصَفهم بالتعفُّفِ، وعرَّف عبادَه أنهم ليسوا أهلَ مسألةٍ بحالٍ، بقولِه: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾.
وأنهم إنما يُعْرَفون بالسيما، زاد عبادَه إبانةً لأمرِهم، وحُسْنَ ثناءٍ عليهم، بنَفْى الشَّرَةِ والضَّراعةِ التي تكونُ في المُلحِّين من السُّؤَّالِ عنهم، [وقد كان بعضُ القائلين يقولُ في ذلك: هو نظيرُ قولِ القائلِ] (٢): قلَّما رأيتُ مثلَ فلانٍ.
ولعلَّه لم يرَ مثله أحدًا ولا له (١) نظيرًا.
وبنحوِ الذي قُلنا في معْنى "الإلحافِ" قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.
قال: لا يُلْحِفون في المسألةِ.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: هو الذي يُلِحُّ في المسألةِ (٣).
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ ما كان يقولُ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الحليمَ الَحِييَّ (١) الغنِيَّ المتعفِّفَ، ويُبْغِضُ الغنيَّ الفاحشَ البَذيءَ السائلَ المُلْحِفَ" (٢).
قال: وذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ اللهِ كرِه لكم ثلاثًا؛ [قيلَ وقالَ] (٣)، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السؤالِ" (٤).
فإذا شئتَ رأيتَه في قيلَ وقالَ يومَه أجمعَ وصدرَ ليلتِه، حتى يُلقَى جِيفةً على فراشِه، لا يجعَلُ اللهُ له من نهارِه ولا ليلتِه نصيبًا، وإذا شئتَ رأيتَه ذا مالٍ يُنْفِقُه (٥) في شهوتِه ولذَّاتِه ومَلَاعبه، ويعدِلُه عن حقِّ اللهِ، [وكَبُرت بتلك] (٦) إضاعةُ المالِ، وإذا شئتَ رأيتَه باسطًا ذراعَيْه، يسألُ الناسَ في كفَّيه، فإِنْ أُعطِيَ أَفْرَط في حَمْدِهم (٧)، وإن مُنِع أَفْرَط في ذمِّهم.
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، عن أيمنَ بن نابلٍ*، قال: حدَّثني صالحُ بنُ سُويدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: "ليس المسكينُ بالطَّوَّافِ الذي تردُّه الأكْلَةُ والأكلتان، ولكنَّ المسكِينَ المُتَعفِّفُ في بيْتِه، لا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيئًا، تُصيبُه الحاجةُ".
اقرَءوا إن شئْتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (٨).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾.
يعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وما تُنْفِقُوا أيها الناسُ مِن مالٍ، فتَصَّدَّقوا على أهلِ ذمَّتِكم تطوعًا منكم، أو تُعْطُوه مَن أمَركم ربُّكم بإعْطائِه مِن الفُقَرَاءِ الذين أُحْصِرُوا في سبيلِ اللهِ ممّا فرَضه اللهُ لهم في أموَالِكم، فإِنَّ الله بكلِّ ذلك عليمٌ، يُحْصِيه لكم، ويدَّخِرُ ثَوابَه عندَه لكم، حتى يُوفِّيَكم على جَميعِ ذلك أُجُورَكم، ويُعْظِمَ لكم عليه في المَعادِ جزاءَكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: مَن يُنْفِقُ مالَه باللَّيلِ والنَّهارِ في السرِّ والعَلانيةِ، فيتصدَّقُ به ابتغاءَ اللهِ وطلَبَ ثَوابِه، فله أجْرُ صَدَقتِه مَذْخُورًا له عند ربِّه حتى يُوفِّيَه إيَّاه في مَعَادِه يومَ بعْثِه، ولا خوفٌ عليه يومَ القيامةِ مِن عِقابِه وعَذابِه، ولا في أهوالِ قِيامَتِه، ولا هو يحْزَنُ عِندَ مَقْدَمِه عليه بمُعَايِنَتِهِ مِن عَظيمِ كَرامةِ اللهِ التي أعدَّها له على ما خلَّف وراءَه في الدنيا.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعْنى الذي أُنْزِلت فيه هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: أُنزلت في عليّ بن أبي طالبٍ ﵀.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا عبدُ الوهابِ بنُ مجاهدٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ قال: نزلت في عليٍّ؛ كانت معه أربعةُ درَاهمَ، فأنفق بالليلِ درهمًا، وبالنهارِ، درهمًا، وسرًّا درهمًا، وعلانيةً درهمًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ قال: كان لرجُلٍ أربعةُ دراهمَ، فأنفَق درهمًا باللَّيلِ، ودرهمًا بالنَّهارِ، ودرهمًا سرًّا، ودرهمًا عَلانيةً (١).
وقال آخرون: نزَلت هذه الآيةُ في النَّفقةِ على الخَيْلِ في سبيلِ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهْبٍ، قال: حدَّثني رجالٌ (٢) مِن أهلِ العلمِ، منهم عبدُ الرحمنِ بنُ شُريحٍ، عن قيْسٍ بن الحجاجِ، عن حَنَشِ بن عبدِ اللهِ، قال بعضُهم عن ابنٍ عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ الآية: إنها في عَلْفِ الخَيْلِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ - يعْنى ابنَ شُريحٍ - عن عبدِ اللهِ بن بشرٍ الغافقيِّ، أنه أشار إلى بعضِ خَيْلٍ كانت في الَجبَّانَةِ، فأشار إلى عِتَاقِ تلك الخَيْلِ، فقال: أصحابُ هؤلاءِ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
قال - يعْنى عبدَ الرحمنِ بنَ شُرَيحٍ -: وحدَّثني يعقوبُ بنُ عمرٍو المَعَافِريُّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ بنحوِ ذلك (٤).
وحدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةُ بنُ ربيعةَ، عن رجاءِ بن أبي سلمةَ، عن العجلانِ بن سُهيلٍ، عن أبي أمامةَ في تفسيرِ هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
قال: نزلت في أصحابِ الخَيْلِ في مَن لم يَرْتَبِطْهَا لخُيلاءَ ولا مِضْمارٍ (١).
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُميُّ، عن سعيدٍ، عن الحسَنِ، عن الأوزاعيِّ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾.
قال: هم الذين يَرْتَبِطون الخَيْلَ خاصةً في سبيلِ اللهِ، يُنفقون عليها باللَّيلِ والنَّهارِ (٢).
وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني أبو شُريحٍ عبدُ الرحمنِ بن شريحٍ المعَافريُّ، عن قيسِ بن الحجاجِ، عن حَنَشٍ الصَّنْعانيِّ أنه قال: حدَّث ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ قال: في عَلْفِ الخَيْلِ (٣).
* وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن رِشدين بن سعدٍ، قال: أخبرني شيخٌ من غافقٍ (٤)، أنَّ أبا الدرداءِ كان ينظُرُ إلى الخيلِ مَرْبوطةً بينَ البَراذينِ والهُجْنِ، فيقولُ: أهلُ هذه - يعنى الخيلَ - من ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
وقال آخرون: عنَى بذلك قومًا أنفقوا في سبيلِ اللهِ، في غيرِ إسرافٍ ولا تقتيرٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: هؤلاءِ أهلُ الجنةِ (٢).
ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "المُكْثِرون هم الأسفلون".
قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟
قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون".
قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟
قال: "المُكْثِرون هم الأَسْفَلون".
قالوا: يا نبيَّ اللَّهِ، إِلَّا مَن؟
حتى خَشُوا أن تكونَ قد مضَت فليس لها رَدٌّ، حتى قال: "إلَّا مَن قال بالمالِ هكذا وهكذا، عن يمينِه وعن شِمالِه، وهكذا بينَ يدَيْه، وهكذا خلْفَه، وقليلٌ ما هم" (٣).
هؤلاء قومٌ أَنْفَقوا في سبيلِ اللهِ التي افْتَرض وارْتَضى، في غيرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ، ولا تبذيرٍ ولا فسادٍ (٤).
وقد قيل: إن هذه الآياتِ من قولِه: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
كان مما يُعمَلُ به قبلَ نزولِ ما في سورةِ "براءة" من تفصيلِ الزكواتِ (١)، فلما نزَلت "براءة" قصَروا عليها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ إلى قولِ ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: فكان هذا يُعملُ به قبلَ أنْ تَنزِلَ "بَراءة"، فلمَّا نزَلتْ "براءة" بفرائضِ الصدقاتِ وتفصيلِها انتهتِ الصدقاتُ إليها (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبُون.
والإرْباءُ: الزِّيادة على الشيءِ، يقالُ منه: أَرْبَى فلانٌ على فلانٍ، إذا زادَ عليه، يُرْبى إرْباءً، والزِّيادةُ هي الرَّبا.
ورَبا الشيءُ، إذا زادَ على ما كان عليه فعَظُمَ، فهو يَرْبُو رَبْوًا.
وإنما قيلَ للرابيةِ: رَابيةٌ (٣)؛ لزيادتِها في العِظم والإشْرافِ على ما استوى مِن الأرضِ ممَّا حَولَها، مِن قولِهم: رَبَا يَرْبُو.
ومِن ذلك قيلَ: فلانٌ في رِبا قومِه.
يُرادُ به أنه في رفِعَةٍ وشرفٍ منهم، فأصْلُ الرِّبا الإناقَةُ والزِّيادَةُ، ثم يُقالُ: أرْبَى فلانٌ.
أيْ: أنافَ [غيرَه و] (٤) صَيَّره زائدًا.
وإنّما قِيلَ للمُرْبى مُرْيبًا؛ لتضْعِيفِه المالَ الذي كان له على غريِمه حلالًا (١)، أو لزيادتِه عليه فيه بسَبَبِ الأَجَلِ الذي يُؤخِّره إليه، فيَزِيدُه إلى أجَلِه الذي كان له قبلَ حَلِّ دَيْنِه عليه.
ولذلك قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣١].
وبمثلِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال في الرِّبا الذي نَهى اللهُ عنه: كانوا في الجاهليةِ يكونُ للرجلِ على الرجلِ الدَّيْنُ، فيقولُ: لكَ كذا وكذا، وتُؤَخِّرُ عنِّى.
فيُؤخِّرُ عنه (٢).
وحدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ أَنّ رِبَا أَهْلِ (٣) الجاهليةِ؛ يبيعُ الرجلُ البيعَ إلى أجلٍ مُسمًّى، فإذا حَلَّ الأجلُ ولم يكنْ عندَ صاحبِه قضاءٌ زادَ وأَخَّرَ عنه.
فقال جلَّ ثناؤُه: الذين يُرْبونَ الرِّبا الذي وصَفْنا صِفَتَه، في الدنيا، ﴿لَا يَقُومُونَ﴾ في الآخرةِ مِن قُبورِهم ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
يَعْنِى بذلك: يَتَخَبَّلُه الشيطانُ في الدنيا، وهو الذي يتخنَّقُه (٤) فيصْرَعُه، ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ اللَّه يَعنِي: مِن الجنونِ.
وبمثلِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسَى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يومَ القيامةِ، في أكلِ الرِّبا في الدنيا (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، عن شبلٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: ذلك حينَ يُبعَثُ من قبرِه (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا رَبيعةُ بنُ كُلْثومٍ، قال: ثنى أبى، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يُقالُ يومَ القيامةِ لآكلِ الرِّبا: خُذْ سلاحَكَ للحَرْبِ.
وقرأ: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: ذلك حين يُبعثُ مِن قبرِه (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن أشْعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبير: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية.
قال: يُبعث آكلُ الرِّبا يومَ القيامةِ مجنونًا يُخْنَقُ (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: وتلك علامة أهلِ الرِّبا يومَ القيامةِ، بُعِثُوا وبهم خَبَلٌ من الشيطانِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادَةَ في قولِه: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: هو التخْبيلُ الذي يَتَخَبَّلُه الشيطانُ مِن الجنونِ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: يُبعثُون يومَ القيامةِ وبهم خَبَلٌ مِن الشيطانِ، وهي في بعضِ القراءةِ: (لا يقُومُون يومَ القيامةِ) (٣).
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: مَن مات وهو يأكلُ الرِّبا، بُعِثَ يومَ القيامةِ مُتخبِّطًا، كالذي يَتَخَبَّطُه الشيطانُ مِن المسِّ.
حدَّثنى موسىَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ﴾ [يومَ القيامةِ] (١) ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
يعْنى: مِن (٢) الجنونِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.
قال: هذا مَثلُهم يومَ القيامةِ، لا يقُومُون يومَ القيامةِ مع الناسِ، إلَّا كما يَقومُ الذي يُخْنقُ مع الناسِ، يقومُ (٤) يومَ القيامةِ كأنه خُنِقَ، كأنه مَجنونٌ.
ومعْنى قولِه: ﴿يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾: يَتَخَبَّلُه مِن مَسَّهِ إِيَّاه.
يقالُ منه: قد مُسَّ الرجلُ [وأُلِيسَ] (٥) وأُلِقَ، فهو مَمسوسٌ [ومألُوسٌ] (٦) ومَأْلُوقٌ.
كلُّ ذلك إذا ألمَّ به اللَّمَمُ فجُنَّ.
ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف:٢٠١]، ومنه قولُ الأعشَى (٧): وتُصْبحُ عن (٨) غِبِّ السُّرَى وكأنما … ألَمَّ بها مِن طائفِ الجنِّ أَوْلَقُ فإن قال لنا قائلٌ: أفرأيتَ مَن عَمِلَ ما نهَى اللهُ عنه مِن الرِّبا في تجارته ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِن اللهِ؟
قيل: نعم، وليس المقصودُ مِن الرِّبا في هذه الآيةِ [النهيَ عن أكلِه خاصةً، دونَ النهيِ عن العملِ به، وإنما خصَّ اللهُ وصْفَ العاملين به في هذه الآيةِ] (١) بالأكلِ (٢)؛ لأن (٣)؛ لأن الذين نزَلتْ فيهم هذه الآياتُ يومَ نزَلتْ، كانت طُعْمَتُهم ومَأكلُهم مِن الرّبا، فَذَكَرَهم بصِفَتِهم، مُعظِّمًا بذلك عليهم أَمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهمِ الحالَ التي هم عليها في مَطاعِمِهم.
وفى قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية.
ما يُنْبِيءُ (٤) عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ مِن اللهِ في ذلك كان لكلِّ معانِى الرِّبا، وأن سواءً العملُ به وأكلُه وأخْذُه وإعطاؤُه، كالذى تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ من قولِه: "لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتِبَه، وَشاهِدَيْهِ إِذا عَلِمُوا (٥) بِهِ" (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾.
يَعْنى بقولِه (٧): ﴿ذَلِكَ﴾: الذي وصَفَهم اللهُ به مِن قيامِهم يومَ القيامة مِن قبورِهم، كقيامِ الذي يتخبَّلُه (٨) الشيطانُ (٩) مِن الجنونِ، فقال: هذا الذي ذَكَرْنا أنه يُصيبُهم يومَ القيامةِ من قُبحِ حالِهم، ووَحْشَةِ قيامِهم مِن قُبورِهم، وسوءِ ما حَلَّ بهم، مِن أجلِ أنهم كانوا في الدنيا يَكْذبون فيَفْتَرون ويقُولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ﴾ الذي أحَلَّه اللهُ لعباده ﴿مِثْلُ الرِّبَا﴾.
وذلك أنّ الذين كانوا يأكلونَ الرِّبا مِن أَهلِ الجاهليةِ، كان إذا حَلَّ مالُ أحدِهم على غَريمهِ يقولُ الغريمُ لصاحبِ (١) الحقِّ: زِدْنى في الأجلِ وأزيدَك في مالِكَ.
فكان يُقالُ لهُما إذا فَعلَا ذلك: هذا ربًا لا يَحِلُّ.
فإذا قِيلَ لهما ذلك قالَا: سواءٌ علينا زِدْنا في أوَّل البيع أو عندَ مِحلِّ المالِ.
فكذَّبَهم اللهُ في قِيلِهم، فقال جلّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾.
يعْنى [بقولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾: وأحلَّ] (٢) الأرْباحَ في التجارةِ والشراءِ والبيعِ، ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، يَعنى الزِّيادَةَ التي يُزادُها ربُّ المالِ بسببِ زيادَتِه غريمَه في الأجلِ وتأخيرِه دَيْنَه عليه.
يقولُ تعالى ذكرُه: فليست الزيادتان اللتان إحْداهما من وَجْهِ البيعِ والأخْرَى مِن وَجهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ، سواءً، وذلكَ أَنَّي حرَّمت إحدَى الزيادتينِ - وهى التي مِن وَجْهِ تأخيرِ المالِ والزِّيادةِ في الأجلِ - وأحْلَلتُ الأخرَى منهما - وهى التي مِن وَجْهِ الزيادةِ على رأسِ المالِ الذي ابتاع به البائعُ سِلْعَتَه التي يَبيعُها فيسْتفْضِلُ فضْلَها - فقال اللهُ جلّ ثناؤه لهم (٣): ليست الزيادةُ من وجْهِ البيعِ نظيرَ الزِّيادةِ مِن وجهِ الرِّبا؛ لأنِّى أحْلَلْتُ البيعَ وحَرَّمتُ الرِّبا، والأمرُ أمْرِى، والخَلَقُ خَلْقِي، أقْضِى فيهم ما أشاءُ، وأسْتَعْبِدُهم بما أريدُ، ليسَ لأحدٍ منهم أنْ يَعترضَ في حُكْمِيِ، ولا أنْ يُخالفَ أمْرِى، وإنما عليهم طاعتِى والتَّسْليمُ الحكمِي.
ثم قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾.
يعْنى بالموعظَةِ التذكيرَ والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوَّفَهم به في آيِ القرآنِ، وأوْعدَهُم على أكلِهم الرِّبا مِن العقابِ.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فمن جاءَه ذلكَ، ﴿فَانْتَهَى﴾ عن أكْلِ الرِّبا، وارْتَدعَ عن العملِ به، وانزَجرَ عنه، ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، يعْني: ما أكلَ وأخذَ، فمضَى قبلَ مجيءِ الموعظةِ والتحريمِ من ربِّه في ذلك، ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، يَعنى: وأمْرُ آكلِه [إلى اللهِ] (١) بعد مَجيئِه الموعظةُ من ربِّه والتحريمُ، وبعدَ انتهاءِ آكِلِه عن أكْلِه، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ في عِصْمتِه وتوفيقِه، إن شاءَ عصَمه عن أكْلِه، وثَبَّتَه في انتهائِه عنه، وإِن شاءَ خَذَله ذلك، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾، يقولُ: ومن عادَ لأكْل الرِّبا بعدَ التحريمِ، وقال ما كان يقولُه قَبلَ مجيءِ الموعظةِ من اللهِ بالتحريمِ من قولِه: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: يعْنى ففاعِلُو ذلك وقائِلُوه هم أهلُ النارِ، يعْنى نارَ جهنم، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، [يعني: دائمو البقاءِ فيها، لا يموتون فيها ولا يَخرُجون منها] (١).
وبنحوِ ما قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ما قلنا في قولِه: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى﴾.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾: أما الموعظةُ فالقرآنُ، وأما ﴿مَا سَلَفَ﴾: فلَه ما أكَلَ من الرِّبا (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾.
يَعنِي بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يَنقُصُ اللهُ الرِّبا فيذْهِبُه.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾.
قال: يَنقُصُ (٢).
وهذا نَظِيرُ الخبر الذي رُوى عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "الرِّبا وإن كَثُرَ فإلى قُلٍّ" (٣).
وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.
فإنه تعالى ذكرُه يعْنى: أنه يُضاعِفُ أجرَها لرَبِّها، ويُنمِّيها له.
وقد بيَّنا معنَى الرِّبا قَبلُ، والإرباءِ، وما أصلُه، بما فيه الكفايةُ من إعادَتِه.
فإن قال قائلٌ: وكيفَ إرباءُ اللهِ الصدقاتِ؟
قيل: إضعافُه الأَجْرَ، لربِّها، كما قال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وكما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾.
وكما حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا عبادُ بنُ منصورٍ، عن القاسِم، أنه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصدقةَ ويَأخُذُها بِيمينِه، فيُرْبيها لأحَدِكُمْ كَمَا يُرْبى أحدُكم مُهْرَه، حتى إنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ" (١).
[وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: [وهو الذي يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِه ويَأْخُذُ الصدقاتِ] (٢)، ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٣).
حدَّثني سليمانُ بنُ عُمرَ بن خالدِ بن (٤) الأقطعِ الرَّقيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن عَبَّادِ بن منصورٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، ولا أُراه إلّا قد رَفعَه، قال: "إنّ الله ﷿ يقبلُ الصَّدقةَ، ولا يقبلُ منها (٥) إلّا الطَّيبَ (٦) ".
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرَ (١) بن (٢) عليٍّ المقدَّميُّ، قال: ثنا رَيْحانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبادٌ، عن القاسمِ، عن عائشةَ، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنّ اللّهَ يَقْبَلُ و الصدَقاتِ (٣)، وَلا يَقْبَلُ منها إلا الطَّيِّبَ، ويُرْبيها لصاحِبِها (٤) كما يُرْبى أَحَدُكُم مُهْرَهُ أَوْ فَصيلَه، حتى إن اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ"، وتَصْديقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ، قال: ثنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن أيوبَ، عن القاسمِ بن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ العَبْدَ إذا تصَدَّقَ مِن طَيِّبٍ، تَقَبَّلَها (٦) اللهُ منه، ويَأخُذُها بيَمِينِهِ، وَيُرْبيها كَمَا يُرْبِي أَحَدُكم مُهْرَه أَوْ فَصِيلَه، وإِنَّ الرجلَ ليَتَصَدَّقُ باللُّقْمَةِ فَتَرْبُو فِي يَدِ اللهِ - أو قال: في كفِّ اللهِ - حتى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ، فَتَصَدَّقُوا" (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، قال: ثنا المُعْتمِرُ بن سليمانَ، قال: سمِعتُ يونسَ، عن صاحبٍ له، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ بِيَمِينِه، ولا يَقْبَلُ منها إلَّا ما كان طَيِّبًا، واللهُ يُرْبِى لأحَدِكم لُقْمَتَه، كما يُرْبى أحدُكُمْ مُهْرَهُ وفَصِيلَه، حتى يُوافَى بها يَوْمَ القِيامَة - وهي أَعْظَمُ مِن أُحدٍ".
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.
فإنه يعنِى به: واللهُ لا يحبُّ كُلَّ مُصِرٍّ على كُفرٍ (١)، مُقيمٍ عليه، مُستحلٍّ أكْلَ الرِّبا وإطْعامَه، ﴿أَثِيمٍ﴾: مُتَمَادٍ في الإثِم برَبِّه (٢) فيما نَهاهُ عنه من أكْلِ الرِّبا والحرامِ وغيرِ ذلك من معاصِيه، لا يزجِرُ عن ذلك، ولا يرْعوِى عنه، ولا يتعِظُّ بموعظةِ ربِّه التي وعظَه بها في تنزيلِه وأي كتابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)﴾.
وهذا خبرٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه بأنّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعْني: الذين صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، وبما جاء به مِن عندِ ربِّه (٣)، من تحريم الرِّبا وأكْلِه وغيرِ ذلك من سائرِ شَرائعِ دِينِهِ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الله التي أمَرَهُم اللهُ بها، والتي نَدَبَهم إليها، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ من المفروضَةَ بحدودِها، وأدَّوها بِسُنَّتِها (٤)، ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ عليهم في أموالِهم، بعدَ الذي سلَف منهم من أكْلِ الرِّبا، قبل مَجيءِ الموعظةِ فيه مِن عندِ ربِّهم، ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾، يَعنِي ثوابَ ذلك مِن أعمالِهم وإيمانِهم وصَدَقتِهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يومَ حاجَتِهم إليه في مَعادِهم، ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ يومئذٍ مِن عقابِه على ما كان سلَفَ منهم في جاهِليتِهم وكُفْرِهم، قبلَ مجيئِهم موعظةُ رَبِّهم، من أكلِ ما كانوا أكلوا مِن الرِّبا، بما كان من إنابَتِهم، وتوبَتِهم إلى اللهِ مِن ذلك عندَ مَجِيئِهم الموْعِظَةُ مِن ربِّهم، وتَصْدِيقِهم بوعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على تركِهم ما كانوا تركُوا (٥) في الدنيا، من أكْلِ الرِّبا والعَمِل به، إذ عايَنُوا جزِيلَ ثوابِ اللهِ لهم (١) على تَركِهم ما تَرَكُوا مِن ذلك في الدنيا، ابتغاءَ رضْوانِه في الآخرةِ، فوصَلوا إلى ما وُعِدُوا على تَرْكِه.
القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾.
يَعنى جَلَّ ثناؤه (٢): يأيها الذين (٣) صَدَّقُوا باللهِ وبرسولِه، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾.
يقولُ: خافوا الله على أنفُسِكم، فاتقوه بطاعتِه فيما أمَرَكم به، والانتهاءِ عما نَهاكم عنه، ﴿وَذَرُوا﴾.
يَعنى: ودَعُوا ﴿مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
يقولُ: اترُكوا طلبَ ما بقِىَ لكم مِن فَضْلٍ على رءوسِ أموالِكم التي كانتْ لكم قبلَ أن تُرْبُوا عليها، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: إِنْ كنتم مُحقِّقِينَ إيمانَكم قوْلًا، وتَصْدِيقَكم بأَلْسِنَتِكم بأفْعالِكم.
وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نَزلتْ في قومٍ أسلَموا، ولهم على قومٍ أموالٌ من ربًا كانوا أَرْبَوه عليهم، وكانوا قد اقتضَوا (٤) بعضَه منهم، وبَقىَ بعضٌ، فعفا اللهُ ﷿ لهم عما كانوا قد اقتضَوه قبلَ نزولِ هذه الآيةِ، وحرَّم عليهم اقتضاءَ ما بَقِيَ منه.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
قال: نزَلتْ هذه الآيةُ في العباسِ بن عبدِ المطلبِ ورجلٍ مِن بنى المغيرةِ، كانا شريكَين في الجاهِليةِ، يُسْلِفان (٥) في الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثقيفٍ، مِن بني غيرةَ (١)، وهم بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فجاء الإسلامُ ولهما أموالٌ عظيمةٌ في الرِّبا، فأنزلَ اللهُ: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ مِن فَضْلٍ كان في الجاهليةِ ﴿مِنَ الرِّبَا﴾ (٢).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال: كانت ثَقيفٌ قد صالَحَتِ النبيَّ ﷺ على أنّ ما لهم مِن ربًا على الناسِ [فهو لهم] (٣)، وما كان للناسِ عليهم من ربًا فهو مَوْضوعٌ، فلمَّا كان الفتحُ، استعمَلَ عَتَّابَ بنَ أَسِيدٍ على مكةَ، وكانت بنو عَمرِو بن عُميرِ بن عَوْفٍ يأخذون الرِّبَا مِن بنى المغيرةِ، وكانت بنو المغيرةِ يُرْبُون لهم في الجاهليةِ، فجاء الإسلامُ ولهم عليهم مالٌ كثيرٌ، فأتاهم بنو عَمرٍو يطلُبون رِبَاهم، فأبَى بنو المغيرةِ أنْ يُعطُوهم في الإسلامِ، ورَفَعوا ذلك إلى عَتَّابِ بن أَسِيدٍ، فَكَتَب عتَّابٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فنزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إلى ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، فكتَبَ بها رسولُ اللهِ ﷺ إلى عتَّابٍ، وقال: "إِنْ رَضُوا وَإِلَّا فَآذِنْهُمْ بِحَرْبٍ".
قال ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾.
[يقولُ: لبنى عمرِو بن عميرٍ] (٤).
قال: كانوا يأخذون الرِّبا على بنى المغيرةِ، يزْعُمون أنهم مَسعودٌ وعبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعةُ؛ بنو عَمرِو بن عُميرٍ، فهم الذين كان لهم الرِّبا على بنى المغيرةِ، فأسلَم عبدُ يالِيلَ وحبيبٌ وربيعة وهلالٌ ومسعودٌ (٥).
وحدَّثني يحيى (١) بن أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
قال: كان ربًا يَتَبايَعُون به في الجاهليةِ، فلمَّا أَسْلَموا أُمِرُوا أَنْ يأخذوا رُءوسَ أموالِهم (٢).
القولُ في تأويلِ قولهِ جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: فإِن لمْ تَذَرُوا ما بقِىَ من الرِّبا.
واختلفَ القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأْذَنُوا﴾؛ فقرأَتْه عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصرِ ألفِ (٣) ﴿فَأْذَنُوا﴾، وفتح ذَالِها، بمعنَى: كونوا على علمٍ وإذْنٍ.
وقرأَهُ آخرون - وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين -: (فآذِنوا) بمدِّ الألفِ مِن قولِه: (فآذنوا) وكسرِ ذالِها، بمعنى: فآذِنُوا غيركَم: أعْلِموهم وأخْبِرُوهم بأنكم على حَرْبِهم (٤).
وأوْلَى القراءتين بالصَّوابِ في ذلك قراءَةُ مَن قرأَ: ﴿فَأْذَنُوا﴾ بقصر ألِفِها وفتحِ ذالِها، بمعنى: اعْلَمُوا ذلكَ واستيقِنوه، وكونوا على إذنٍ مِن اللهِ لكم بذلك.
وإنما اخْتَرْنا ذلكَ لأنَّ الله جل ثناؤُه إنما أمَرَ نبيَّه ﷺ أَن يَنْبِذَ إِلَى مَن أَقامَ على شركِه، الذي لا يُقَرُّ على المُقامِ عليه، وأنْ يَقْتُلَ المرتدَّ عن الإسلامِ منهم بكلِّ حالٍ، إلا أنْ يُراجِعَ الإسلامَ، آذَنَه المشركون بأنهم على حزْبِه أو لمْ يُؤذِنُوه، فإذْ كان المأمورُ بذلك لن يَخلُوَ مِن أحدِ أمريْن؛ إما أنْ يكونَ كان مُشركًا مُقيمًا على شركِه الذي لا يُقَرُّ عليه، أو يكونَ كان مسلمًا فارْتدَّ [عن إسلامِهِ] (١) فَأُذِن بحربٍ، فأيُّ الأمريْن كان، فإِنَّما نُبِذَ إليه بحربٍ، لا أنّه أُمِرَ بالإيذانِ (٢) بها إن عزَم على ذلك؛ لأنَّ الأمرَ إِنْ كان إليه، فأقام على أكْلِ الرِّبا مُستحِلًّا له، ولمْ يُؤْذِنِ المسلمين (٣) بالحربِ، لم يَلْزمْهم حَرْبُه، وليس ذلكَ حُكمَه في واحدةٍ من الحالتين، فقد علِم أنه المأذونُ بالحربِ لا الآذِنُ بها.
وعلى هذا التأويلِ تأوَّله أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: فمن كان مقيمًا على الرِّبا لا يَنْزِعُ عنه، فحقٌّ على إمامِ المسلمينَ أنْ يَسْتَتِيبَه، فإِنْ نَزَع، وإِلَّا ضرَب عُنقَه (٤).
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا مُسلِمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كلثومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يقالُ يومَ القيامةِ لآكِلِ الرِّبا: خُذْ سِلاحكَ للحرْبِ (٥).
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا ربيعةُ بنُ كُلثُومٍ، قال: ثنى أبي، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾: أَوْعدَهُم اللهُ بالقتلِ كما تَسْمَعونَ، فجعلَهم بَهْرَجًا (١) أينما ثقِفُوا (٢).
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن قَتادةَ مثلَه.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال: أَوْعدَ (٣) آكلَ الرِّبا بالقتلِ (٤).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾: فاسْتَيقنوا بحربٍ منِ اللهِ ورسولِه (٥).
وهذه الأخبارُ كُلُّها تُنبئُ عن أنّ قولَه: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ إيذانٌ مِن اللهِ لهم بالحربِ والقتلِ، لا أَمْرٌ لهم بإيذانِ غَيْرِهم بذلك (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ فتركتُم أَكْلَ الرِّبا، وأَنَبتُم إِلى اللَّهِ ﷿ ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
يعْنى (١): من الديونِ التي لكم على الناسِ دونَ الزَّيادَةِ التي أحدثْتُمُوها (٢) على ذلك رِبًا منكم.
كما حدَّثنا ابن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: [والمالُ] (٣) الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَلَ لهم رُءُوسَ أموالهِم حينَ نزَلتْ هذه الآيةُ، فأمّا الرِّبحُ والفضْلُ فليس لهم، لا ينْبغى لهم أنْ يأخُذوا منه شيئًا (٤).
وحدَّثني المثنى، قال: ثنى عَمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشيمٌ (٥)، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: وضَعَ اللهُ الرَّبَا، وجعلَ لهم رُءُوسَ أموالِهم (٦).
وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدِ بن أَبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال: ما كان لهم من دَينٍ، فجعَل لهم أن يأخُذوا رُءُوسَ أموالِهم، لا يزْدادُوا عليه شيئًا.
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدّيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: التي (٧) أَسْلَفْتُم، وسَقَطَ الرِّبا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال في خُطْبَتِه يومَ الفتْحِ: "أَلَا إِنَّ رَبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ كُلُّه، وأَوّلُ رِبًا أَبْتَدِئُ بِهِ رِبَا العَبَّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ" (١).
وحدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطْبتِه بِمنى (٢): "إِنَّ كُلَّ ربًا [في الجَاهِليَّةِ] (٣) مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا يُوضَعُ رِبَا (٤) العَبَّاسِ".
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.
يَعنى بذلك (٥): ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾ بأخْذِكم رُءُوسَ أموالِكم التي كانت لكم قبلَ الإِرْباءِ على غُرَمَائِكم منهم، دونَ أَرْباحِها التي زِدْتُمُوها ربًا على (٦) مَن أخذْتُم ذلك منه مِن غُرَمائِكم، فتأخُذُوا منهم ما ليس لكم أخْذُه، أوْ لمْ يكنْ لكم قبلُ، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ يقولُ: ولا الغريمُ الذي يُعطِيكم ذلك دونَ الربحِ (٧) الذي كنتم ألزَمْتمُوه من أجل الزِّيادةِ في الأجلِ، يَبخَسُكم حقًّا لكم عليه، فيمْنعُكموه؛ لأنَّ ما زادَ على رءوسِ أموالِكم لْم يكنْ حقًّا لكم عليه، فيكونَ بمنعِه إيّاكم ذلكَ ظالمًا لكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك كان ابن عباسٍ يقولُ فيه وغيرُه مِن أهلِ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قالَ ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾: فَتُرْبون، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ فتَنْقَصُون (١).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
قال: لا تُنقَصُونَ مِن أموالِكم، ولا تأخُذونَ باطِلًا لا يَحِلُّ لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
يَعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ﴿وَإِنْ كَانَ﴾ ممن تَقبِضون منه مِن غُرمائِكم رُءُوسَ أموالِكم ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾، يعْنى مُعسرًا برءُوسِ أموالِكم التي كانت لكم عليهم قَبلَ الإرْباءِ، فأَنْظِروهُم إلى مَيْسرَتِهم.
وقولُه: هو ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ مرفوعُ بـ ﴿كَانَ﴾، والخبرُ متروكٌ، وهو ما ذَكرْنا.
وإنما صلَح تركُ خبرِها من أجلِ أنّ النكراتِ تُضمِرُ لها العربُ أخبارَها.
ولَوْ وُجِّهَتْ ﴿كَانَ﴾ في هذا الموضعِ إلى أنها بمعنَى الفعلِ المُكْتَفِي بنفْسِه التامِّ، لكان وجْهًا صحيحًا، ولمْ تكنْ بها حاجةٌ حينئذٍ إلى خبرٍ، فيكونُ تأويلُ الكلامِ عندَ ذلك: وإن وُجِد ذُو عُسْرَةٍ مِن غُرَمائِكم برءُوسِ أموالِكم، فنَظِرةٌ إلى مَيسرَةٍ.
وقد ذُكرَ أن ذلك في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ: (وَإِنْ كَانَ ذَا عُسْرَةٍ) (٢) بمعنى: وإِنْ كان الغريمُ ذَا عُسْرَةٍ، فنَظِرَةٌ إلى مَيسرَةٍ.
وذلك وإنْ كان في العربيةِ جائزًا، فغيرُ جائزةٍ القراءةُ به عندَنا؛ لخلافِه خطوطَ مَصاحفِ المسلمين.
وأما قولُه: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
فإنه يَعنِي: فعليكم أن تُنْظرُوه إلى مَيسرَتِه، كما قال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾.
وقد ذَكرْنا وجْهَ رفعِ ما كان مِن نَظائِرِ هذا فيما مضَى قَبلُ (١)، فأغْنَى ذلك عن تكرِيرِه.
والميسَرةُ: المفْعَلةُ من اليُسرِ، مثلُ المرْحمةِ والمشْأمةِ.
ومعنى الكلامِ: وإنْ كان مِن غُرمائِكم ذُو عُسرَةٍ، فعليكم أن تُنظِرُوه حتى يُوسِرَ بما (٢) لكم، فيصيرَ مِن أهلِ اليُسرِ به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلَ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضيلٍ، عن يزيدَ بن أبى زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: نَزَلَتْ في الرِّبا (٣).
وحدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، أنَّ رجلًا خاصَم رجلًا إلى شُريحٍ، فقضَى عليه وأمَر بحبْسِه، قال: فقال رجلٌ عندَ شُريحٍ: إنه مُعسِرٌ، واللهُ يقولُ في كتابِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: فقال شُريحٌ: إنما ذلك في الرِّبا، وإن الله قال في كتابِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
ولَا يَأْمُرُنا اللهُ بشيءٍ ثم يُعذِّبُنا عليه (١).
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: ذلك في الرِّبا (٢).
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن الحسنِ (٣)، أنّ الربيعَ بنَ خُثَيْمٍ (٤) كان له على رجلٍ حقٌّ، فكان يأتِيه، فيقومُ على بابِه، ويقولُ: أَثَمَّ (٥) فلانٌ؟
إنْ كنتَ مُوسرًا فأَدِّ، وإِنْ كنتَ مُعسِرًا فإلى مَيسرَةٍ (٦).
وحدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى شُرَيْحٍ، فكلَّمه، فجعَل يقولُ: إنه مُعْسِرٌ (٧)، قال: فظَننتُ أنه يُكَلِّمُه في محبوسٍ، فقال شُرَيْحٌ: إن الرِّبا كان في هذا الحيِّ من الأنصارِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
وقال اللهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
فما كان اللهُ ليَأْمُرَنا بأمرٍ ثم يُعَذِّبَنا عليه، أدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (١).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: فنَظِرةٌ إلى ميسرةٍ برأسِ مالِه (٢).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: إنما أُمِر في الرِّبا أن يُنْظَرَ المعسِرُ، وليست النظِرةُ في الأمانةِ، ولكن تُؤدَّى (٣) الأمانةُ إلى أهلِها (٤).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ﴾ برأسِ المالِ ﴿إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
يقولُ: إلى غنًى (٥) وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الرِّبا (٦).
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرَنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: هذا في شأنِ الربا، وكان أهلُ الجاهليةِ بها يتبايَعون، فلمَّا أَسْلَم مَن أَسْلَم منهم، أُمِروا أن يأخُذوا رءوسَ أموالِهم (١).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾: يعْنى المطلوبَ (٢).
وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: الموت (٣).
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، [عن محمدِ بن] (٤) عليٍّ مثلَه.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عقبةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: هذا في الربا.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في الرجلِ يَتَزَوَّجُ إلى ميسرةٍ، قال: إلى الموتِ أو إلى فُرقةٍ.
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا هُشَيْم، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: ذلك في الربا (٥).
وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه، وكان إذا حلَّ دَيْنُ بعضِهم فلم يَجِدْ ما يُعْطِيه، زاد عليه وأخَّره.
وحدَّثنى أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: يُؤَخِّرُه ولا يَزِدْ عليه.
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ عامٌّ (١) في كلِّ مَن كان له قِبَلَ رجلٍ مُعْسرٍ حقٌّ، من أيِّ وجهٍ كان ذلك الحقُّ، مِن دَينٍ حلالٍ أو ربًا.
ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: ذلك في الرِّبا والدَّيْنِ، في كلِّ ذلك] (٢).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبرٌ، عن الضحَّاكِ، قال: مَن كان ذا عُسرةٍ ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: وكذلك كلُّ دَينٍ على مسلمٍ، فلا يَحِلُّ لمسلمٍ له دينٌ على أخيه يعْلَمُ منه عُسرةً أن يَسْجُنَه، ولا يَطْلُبَه منه حتى يُيَسِّرَه اللهُ عليه، وإنما جَعَل النظِرةَ في الحلالِ فمِن أجلِ ذلك كانت الديونُ على ذلك (٣).
حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
قال: نزَلت في الدَّيْنِ (١).
والصوابُ من القولِ في قولهِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾.
أنه يَعْنى به غُرَماءَ الذين كانوا أسْلَموا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، ولهم عليهم ديونٌ قد أربَوا فيها في الجاهليةِ، فأدركهم الإسلامُ قبلَ أن يَقْبِضوها منهم، فأمَر اللهُ بوضعِ ما بَقِى من الربا بعدَ ما أسْلَموا، واقتضاءِ (٢) رءوسِ أموالِهم ممن كان منهم مِن غُرَمائِهم مُوسِرًا، وإنظارِ مَن كان منهم مُعْسِرًا برءوسِ أموالِهم إلى ميسرتِهم، فذلك حكمُ كلِّ مَن أَسْلَم وله ربًا قد أَرْبَى على غريمٍ له، فإن إسلامَه يُبْطِلُ عن غريمِه ما كان له عليه مِن قبلِ الربا - ويُلْزِمُه أداءَ رأسِ مالِه الذي كان أخَذ منه، أو لزِمه من قبلِ الإرباءِ - إليه إن كان مُوسرًا، وإن كان معسرًا كان مُنْظَرًا برأسِ مالِ صاحبِه إلى ميسرتِه، وكان الفضلُ على رأسِ المالِ مُبْطَلًا عنه، غيرَ أن الآيةَ وإن كانت نزَلت في من ذكَرْنا، وإيَّاهم عنَى بها، فإن الحكمَ الذي حكَم اللهُ به في إنظارِ المعسِرِ برأسِ مالِ المُرْبى بعد بُطولِ الربا عنه حكمٌ واجبٌ لكلِّ مَن كان عليه دَيْنٌ لرجلٍ قد حلَّ عليه، وهو بقضائِه معسرٌ، في أنه به مُنْظَرٌ إلى ميسرتِه؛ ولأن دَيْنَ كلِّ ذى دَينٍ في مالِ غريمهِ، وعلى غريمه قضاؤُه منه، لا في رقبتِه، فإذا عُدِم مالُه، فلا سبيلَ على رقبتِه بحبسٍ ولا بيعٍ، وذلك أن مالَ رَبِّ الدَّينِ لن يَخْلُوَ من أحدِ وجوهٍ ثلاثةٍ؛ إِمَّا أَن يكونَ في رقبةِ غريمِه، أو في ذمتِه يَقْبِضُه (٣) من مالِه، أو في مالٍ له بعينِه؛ فإن يكنْ في مالٍ له بعينِه، فمتى بطَل ذلك المالُ وعُدِم، فقد بطلَ دَينُ ربِّ المالِ، وذلك ما لا يقولُه أحدٌ، أو يكونُ في رقبتِه فإن يكنْ ذلك كذلك فمتى عُدِمت نفسُه فقد بطَل دينُ رَبِّ الدَّيْنِ وإن خلَّف الغريمُ وفاءً بحقِّه وأضعافَ ذلك، وذلك أيضًا ما لا يقولُه أحدٌ، فقد تبيَّن إذًا إذ كان ذلك كذلك، أن دَيْنَ ربِّ المالِ في ذمةِ غريمِه، يقضيه من مالِه، فإذا عُدِم مالُه فلا سبيلَ له على رقبتِه؛ لأنه قد عُدِم ما كان له عليه أن يُؤَدِّيَ منه حقَّ صاحبِه لو كان موجودًا، وإذا لم يكنْ على رقبتِه سبيلٌ، لم يكنْ إلى حبسِه وهو مُعْدِمٌ (١) بحقِّه سبيلٌ؛ لأنه غيرُ مانعِه حقًّا له إلى قضائِه سبيلٌ، فيعاقَبَ بظلمِه إيَّاه بالحبسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بذلك: وأن تَتصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على هذا المعسِرِ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيُّها القومُ من أن تُنْظِروه إلى ميسرتِه لتَقْبِضوا رءوسَ أموالِكم منه إذا أَيْسَر، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ موضعَ الفضلِ في الصدقةِ، وما أوْجَب اللهُ من الثوابِ لَمَن وضَع عن غريمِه المعسرِ دَينَه.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الغنيِّ والفقيرِ منهم خيرٌ لكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾: والمالُ الذي لهم على ظهورِ الرجالِ، جَعَل لهم رءوسَ أموالِهم حينَ نزَلت هذه الآيةُ، فأمَّا الربحُ والفضلُ فليس لهم، لا يَنبغى لهم أن يأخذوا منه شيئًا، ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: وأن تَصَدَّقوا بأصلِ المالِ خيرٌ لكم (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ أي: برأسِ المالِ، فهو خيرٌ لكم.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: من رءوسِ أموالِكم.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ بمثِله.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا قَبيصَةُ بنُ عُقْبَةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: قال: [برءوسِ الأموالِ (٢).
وحدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال] (٣): أن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم.
وقال آخَرون: معنى ذلك: وأن تَصَدَّقوا به على المعسِرِ خيرٌ لكم.
نحوَ ما قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: وأن تَصَدَّقوا برءوسِ أموالِكم على الفقيرِ، فهو خيرٌ لكم.
فتصدَّق به العباسُ (١).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: وإن تصدَّقتَ عليه برأسِ مالِك فهو خيرٌ لك (٢).
وحُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال أَخبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ قال: سمِعتُ الضحَّاكَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: يعْنى على المعسِرِ، فأمَّا الموسِرُ فلا، ولكن يُؤْخَذُ منه رأسُ المالِ، والمعسِرُ الأخذُ منه حلالٌ، والصدقةُ عليه أفضلُ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرَنا هُشَيْمٌ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا﴾ [من رءوسِ] (٣) أموالِكم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من نَظِرةٍ إلى ميسرةٍ، فاختار اللهُ ﷿ الصدقةَ على النِّظَارةِ.
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قال: من النَّظِرةِ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وحدَّثنى يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ، قال: أَخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾: والنظِرةُ واجبةٌ، وخيَّر (١) اللهُ الصدقةَ على النظِرةِ، والصدقةُ لكلِّ معسرٍ، فأما الموسرُ فلا.
وأَوْلَى التأويليِن بالصوابِ تأويلُ مَن قال: معناه: وأن تَصَدَّقوا على المعسرِ برءوسِ أموالِكم خيرٌ لكم.
لأنه يَلِى ذكرَ حكمِه في المُعْسرِ (٢)، وإلحاقُه بالذي يَلِيه أوْلى (٣) من إلحاقِه بالذي بَعُد منه.
وقد قيل: إن هذه الآياتِ في أحكامِ الربا هنَّ آخرُ آياتٍ نزَلت من القرآنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، وحدَّثنى يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: كان آخرَ ما أَنزَل اللهُ من القرآنِ آيةُ الربا، وإن نبيَّ اللهِ ﷺ قُبِض قبلَ أن يُفَسِّرَها، فدَعُوا الربا والرِّيبةَ (٤).
وحدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عامرٍ، أن عمرَ ﵁ قام، فحمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: أمَّا بعدُ، فإنه واللهِ ما أدرى، لعلَّنا نأمُرُكم بأمرٍ لا يَصْلُحُ لكم، وما أدرى لعلَّنا نَنْهاكم عن [أُمورٍ تَصْلُحُ] (٥) لكم، وإنه كان مِن آخِر القرآنِ تنزيلًا آياتُ الربا، فتُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ قبلَ أن يُبَيِّنَه لنا، فدَعُوا ما يَرِيبُكم إلى ما لا يَرِيبُكم (٦).
حدَّثني أبو زيدٍ عُمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا قَبيصَةُ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن الشَّعْبيِّ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ ما أُنْزِل على رسولِ اللهِ ﷺ آيةُ الربا، وإنَّا لنَأْمُرُ بالشيءِ لا نَدْرِى لعلَّ به بأسًا، ونَنْهَى عن الشيءِ لعلَّه ليس به بأسٌ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾.
وقيل أيضًا: إِنَّ هذه الآيةَ آخِرُ آيةٍ نزَلت من القرآنِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: آخرُ آيةٍ أُنزِلت على النبيِّ ﷺ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).
وحدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية: فهى آخرُ آيةٍ من الكتابِ أُنْزِلت (٣).
وحدَّثنى محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا (١) سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ، قال: آخرُ آيةٍ أنزِلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢).
وحدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن السُّدِّيِّ، قال: أخرُ آيةٍ نزَلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية (٣).
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، عن عُبَيْدِ بن سليمانَ، عن الضحَّاكِ، عن ابن عباسٍ، وحجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: آخرُ آيةِ نزَلت من القرآنِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ قال ابن جُريجٍ: يقولون: إن النبيَّ ﷺ مكَث بعدَها تسعَ ليالٍ، وبُدِئ (٤) يومَ السبتِ، ومات يومَ الاثنينِ (٥).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرَنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المسيَّبِ، أنه بلَغه أن أحدثَ القرآنِ بالعرشِ آيةُ الدَّيْنِ (٦).
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: واحْذَروا أيُّها الناسُ يومًا تُرْجِعُون فيه إلى اللهِ، فَتَلْقَوْنه فيه، أي (١) ترِدوا عليه بسيئاتٍ تُهْلِكُكم، أو بمخْزياتٍ تُخْزِيكم، أو بفَاضِحاتٍ (٢) تَفْضَحُكم، فتَهْتِكُ أستارَكم، أو بموبقاتٍ تُوبقُكم، فتُوجبُ لكم من عقابِ اللهِ ربِّكم ما لا قِبَلَ لكم به، فإنه يومُ مجازاةٍ بالأعمالِ، لا يومَ استعتابٍ، ولا يومُ استقالةٍ وتوبةٍ وإنابةٍ، ولكنه يومُ جزاءٍ وثوابٍ ومحاسبةٍ، تُوَفَّى فيه (٣) كلُّ نفسٍ أجرَها على ما قدَّمت واكْتَسَبت من سييءٍ وصالحٍ، لا يُغادَرُ فيه صغيرةٌ ولا كبيرةٌ من خيرٍ وشرٍّ إلا أُحضِرت فوُفِّيَت (٤) جزاءَها بالعدلِ من ربِّها، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، كيف يُظْلَمُ مَن جُوزِىَ بالإساءةِ مثلَها، وبالحسنةِ عشرَ أمثالِها؟
كلا بل عدَل عليك أيُّها المُسِئُ، وتكرَّم عليك، فأفْضَل وأسْبَغ أيُّها المحسنُ، فاتقَى امروٌ ربَّه، وأَخَذ منه حِذرَه، وراقبه قبلَ (٥) أن يهجُمَ عليه يومُه، وهو من الأوزارِ ظَهرُه ثقيلٌ، ومن صالحاتِ الأعمالِ خفيفٌ، فإنه تعالى ذكرُه قد حذَّر فأَعْذَر (٦)، ووعَظ فأبْلَغ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: يا أيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ يعنى: إذا تبايَعْتم بدَيْنٍ أو اشْتَريتم به، أو تعاطَيْتم، أو أخَذتم به، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
يقولُ: إلى وقتٍ معلومٍ وقَّتُّموه بينكم، وقد يَدْخُلُ في ذلك القَرْضُ والسَّلَمُ في كلِّ ما جاز السَّلَمُ [فيه؛ لأنَّ السَّلمَ] (١) شراءٌ أُجِّل بِنَقْدٍ (٢) يَصيرُ دَينًا على بائعِ ما أسلم إليه فيه.
ويَحْتَمِلُ بيعَ الحاضرِ الجائزِ بيعُه من الأملاكِ بالأثمانِ المُؤَجَّلةِ، كلُّ ذلك من الديونِ المُؤَجَّلةِ إلى أجلٍ مُسَمًّى، إذا كانت آجالُها معلومةً بحدٍّ موقوفٍ عليه.
وكان ابن عباسٍ يقولُ: نزَلت هذه الآيةُ في السَّلَمِ خاصَّةً.
ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى الرَّمْليُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، قال: قال ابن عباسٍ في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾.
قال: السَّلَمُ في الحِنْطةِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُخَرِّميُّ (٤)، قال: ثنا يحيى بنُ الصَّامتِ (٥)، قال: ثنا ابن المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قال: نزَلت في السَّلَمِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٦).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا زيدُ (٧) بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ، عن أبي حيَّانَ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ في السَّلَفِ (١) في الحِنْطَةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجَلٍ معلومٍ (٢).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مُحَبَّبٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حيانَ التَّيْميِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في السَّلفِ في الحنطةِ في كيلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٢).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن أبي حسَّانَ (٣)، عن ابن عباسٍ، قال: أشْهَدُ أن السلَفَ المضمونَ إلى أجلٍ مُسَمًّى، أنّ الله ﷿ قد أحلَّه، وأذِن فيه.
ويتلُو هذه الآيةَ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤).
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ قولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ وقد دلَّ بقولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ عليه، وهل تكونُ مُداينةٌ بغيرِ دَينٍ فاحْتيج إلى أن يقالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾؟
قيل: إن العربَ لمَّا كان مقولًا عندَها "تدايَنَّا"، بمعنى: تجازَيْنا.
وبمعنى: تعاطَيْنا الأخذَ والإعطاءَ بدَيْنٍ - أبان اللهُ جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿بِدَيْنٍ﴾ المعنَى الذي قصَد [تعريفَ عبادِه] (٥) من قولِه: ﴿تَدَايَنْتُمْ﴾ حُكْمَه، وأَعْلَمهم أنه [عنى به] (٦) حُكْمَ الدَّينِ دونَ حكمِ المُجازاةِ.
وقد زعَم بعضُهم أن ذلك تأكيدٌ، كقولِه: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠، ص: ٧٣]، ولا معنى لما قال من ذلك في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾: فاكْتُبوا الدَّينَ الذي تدايَنتُموه إلى أجلٍ مُسَمًّى، مِن بيعٍ كان ذلك أو قرضٍ.
واخْتَلف أهلُ العلمِ في اكتتابِ الكتابِ بذلك على مَن هو عليه (١)، هل هوـ واجبٌ أو هو نَدْبٌ؟
فقال بعضُهم: هو حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: مَن باع إلى أجلٍ مُسَمًّى أمَره اللهُ أن يَكْتُبَ، صغيرًا كان أو كبيرًا، إلى أجلٍ مُسَمًّى (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال: فمَن ادَّان دَينًا فَلْيَكْتُبْ، ومَن باع فَلْيُشْهِدْ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾: فكان هذا واجبًا (١).
وحُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بمثِله، وزاد فيه: قال: ثم جاءت الرُّخْصةُ والسَّعَةُ، قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِر لنا أن أبا سليمانَ المَرْعَشِيَّ (٣) كان رجلًا صحِب كعبًا، فقال ذاتَ يومٍ لأصحابِه: هل تعلمون مظلومًا دعا ربَّه فلم يَسْتَجِبْ له؟
قالوا: وكيف يكونُ ذلك؟
قال: رجلٌ باع [بيعًا إلى أجلٍ مسمًّى] (٤)، فلم يَكْتُبْ ولم يُشْهِدْ، فلمَّا حلَّ مالُه جحَده صاحبُه، فدعا ربَّه، فلم يَسْتَجِبْ له؛ لأنه قد عصَى ربَّه (٥).
وقال آخرون: كان اكتتابُ الكتابِ بالدَّيْنِ فرضًا، فنسَخه قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا الثوريُّ [ومعمرٌ] (٦)، عن ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: لا بأسَ إِذا أَمِنْتَه ألا تَكْتُبَ ولا تُشْهِدَ، لقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال ابن عُيينةَ: قال ابن شُبْرُمَةَ، عن الشَّعْبيِّ: إلى هذا انتُهِى (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلَغ هذا المكانَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يأْتَمِنَ صاحبَه فَلْيَأْتَمِنْه (٢).
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عَمرٍو، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: إن ائْتَمنه فلا يُشْهِدْ عليه ولا يَكْتُبْ.
حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: فكانوا يَرَوْن أن هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ نسَخت ما قبلَها من الكتابةِ والشهودِ، رُخْصَةً ورحمةً من اللهِ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال غيرُ عطاءٍ: نسَخت الكتابَ والشهادةَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: نسَخ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: فلولا هذا الحرفُ لم ينبغِ (٥) لأحدٍ أن يَدَّانَ بدَيْنٍ إلا بكتابٍ وشهداءَ، أو برَهْنٍ، فلمَّا جاءت هذه نسَخت هذا كلَّه، وصار إلى الأمانةِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجَّاجٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سليمانَ التيميِّ، قال: سألتُ الحسنَ قلتُ: كلُّ مَن باع بيعًا يَنْبَغِى له أَن يُشْهِدَ؟
فقال: أَلم تَرَ أَن اللَّهَ ﷿ يقولُ: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٢).
[حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ حتى بلَغ هذا المكانَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: رُخِّص في ذلك، فمَن شاء أن يَأتَمِنَ صاحبَه فَلْيأْتَمِنْه] (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشَّعْبِيِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: إن أَشْهَدتَ فَحَزْمٌ، وإن لم تُشْهِدْ ففي حِلٍّ وسَعَةٍ (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، قال: قلتُ للشَّعْبيِّ: أرأيتَ الرجلَ يَسْتَدِينُ (٥) من الرجلِ الشيءَ، أحتمٌ عليه أن يُشْهِدَ؟
فقال: [ألا ترى] (٦) إلى قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾؟
قد نسَخ ما كان قبلَه.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا محمدُ بنُ مروانَ العُقَيْليُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ ابن (١) أبى نَضْرَةَ، [عن أبيه] (٢)، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أنه قرَأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قال: فقرأ إلى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ قال: هذه نسَخت ما قبلَها (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
يعني بذلك جل ثناؤه: ولْيكتُبْ كتابَ الدَّينِ إلى الأجلِ المسمَّى بينَ الدائنِ والمدِين ﴿كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الله يعنى: بالحقِّ والإنصافِ في كتابِه الذي يَكْتُبُه بينهما، بما لا يتحيَّفُ ذا الحقِّ حقَّه، ولا يَبْخَسُه، ولا يُوجِبُ له حُجَّةً على مَن عليه دينُه فيه بباطلٍ، ولا يُلْزِمُه ما ليس عليه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ قال: ثنا يزيدُ بنُ زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ قال: اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا (٤).
وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ فإنه يعنى: ولا يَأْبَيَنَّ كاتبُ اسْتُكْتِب ذلك أن يَكْتُبَ بينهم كتابَ الدَّيْنِ، كما علَّمه اللهُ كتابتَه فخصّه بعلمِ ذلك، وحرَمه كثيرًا مِن خَلقِه.
وقد اخْتَلف أهلُ العلمِ في وجوبِ الكتابةِ (٥) على الكاتبِ إذا اسْتُكْتِب ذلك، نظيرَ اختلافِهم في وجوبِ الكتابِة (١) على الذي له الحقُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ قال: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ أواجبٌ ألا يَأْبَي أَن يَكْتُب؟
قال: نعم.
قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ بمثلِه (٤).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ قالا: إذا لم يَجِدوا كاتبًا فدُعِيتَ، فلا تأبَ أن تَكْتُبَ لهم (٥).
ذكرُ مَن قال: هي منسوخةٌ قد ذكَرْنا جماعةً ممن قال: كلُّ ما في هذه الآيةِ من الأمرِ بالكتابةِ والإشهادِ والرهنِ منسوخٌ بالآيةِ التي في آخرِها.
وأَذْكُرُ قولَ مَن ترَكْنا ذكرَه هنالك لبعضِ (١) المعاني.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ﴾ قال: كانت عزيمةً فنسَختها: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾: فكان هذا واجبًا على الكُتَّابِ (٣).
وقال آخَرون: هو على الوجوبِ، ولكنه واجبٌ على الكاتبِ في حالِ فراغِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يقولُ: لا يأبَ كاتبٌ أن يَكْتُبَ إن كان فارغًا (٤).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الله ﵎ أمَر المتداينينَ إلى أجلٍ مسمًّى باكتتابِ كُتبِ الدَّينِ بينهم، وأمَر الكاتبَ أن يَكْتُبَ ذلك بينهم بالعدلِ، وأمرُ اللهِ فرضٌ لازمٌ، إلا أن تقومَ حُجَّةٌ بأنه إرشادٌ ونَدْبٌ، ولا دَلالَةَ تَدُلُّ على أن أمَره جلّ ثناؤه باكتتابِ الكتبِ في ذلك، وأن تقدُّمَه إلى الكاتبِ ألا يَأْبَى كتابةَ ذلك - ندبٌ وإرشادٌ، فذلك فرضٌ عليهم لا يَسَعُهم تضْيِيعُه، ومَن ضيَّعه منهم كان حرِجًا بتضيِيعِه.
ولا وجهَ لاعتلالِ مَن اعتلَّ بأن الأمرَ بذلك منسوخٌ بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾؛ لأن ذلك إنما أَذِن اللهُ تعالى ذكرُه به حيثُ لا سبيلَ إلى الكتابِ أو إلى الكاتبِ، فأمَّا والكتابُ والكاتبُ موجودان، فالفرضُ - إذا كان الدَّينُ إلى أجلٍ مُسَمًّى - ما أمرَ اللهُ تعالى ذكرُه به في قولِه: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وإنما يكونُ الناسخُ ما لم يَجُزْ اجتماعُ حكمِه وحكمِ المنسوخِ في حالٍ واحدةٍ، على السبيلِ التي قد بيَّنَّاها، فأمَّا ما كان أحدُهما غيرَ نافٍ حكمَ الآخَرِ، فليس من الناسخِ والمنسوخِ في شيءٍ.
ولو وجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ ناسخًا قولَه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
لوجَب أن يكونَ قولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦] ناسخًا الوضوءَ بالماءِ في الحَضَرِ عندَ وجودِ الماءِ فيه، وفى السفرِ الذي فرَضه اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
وأن يكونَ قولُه في كفَّارةِ الظِّهارِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] ناسخًا قولَه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣].
فيُسْأَلُ القائلُ: إن قولَ اللهِ ﷿: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ناسخٌ قولَه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ - الفرقَ (١) بينَه وبينَ قائلٍ في التيممِ وما ذكَرنا قولَه فزعَم أن كلَّ ما أُبِيح في حالِ الضرورةِ لعلَّةِ الضرورةِ، ناسخٌ حكمُه في حالِ الضرورةِ حكمَه في (٢) كلِّ أحوالِه، نظيرَ قولِه في أن الأمرَ باكتتابِ كتبِ الديونِ والحقوقِ منسوخٌ بقولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
فإن قال: الفرقُ بينى وبينه أن قولَه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ كلامٌ منقطعٌ عن قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وقد انتهى الحكمُ في السفرِ إذا عُدِم فيه الكاتبُ بقولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ وإِنما عنَى بقولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: إذا تدايَنْتم بدَيْنٍ إلى أجلٍ مسمًّى فأمِن بعضُكم بعضًا فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِن أمانتَه.
قيل له: وما البرهانُ على ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، وقد انقضى الحكمُ في الدَّيْنِ الذي فيه إلى الكَاتبِ (٣) والكتابِ سبيلٌ بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟
وأمَّا الذين زعَموا أن قولَه: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ وقولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾.
على وجهِ النَّدْبِ والإرشادِ، فإنهم يُسْأَلُون البرهانَ على دعواهم في ذلك، ثم يُعارَضون بسائرِ أمرِ اللهِ ﷿ الذي أمَر في كتابِه، ويُسْأَلُون الفرقَ بينَ ما ادَّعَوْا في ذلك، وأنْكَروه في غيرِه، فلن يقولوا في شيءٍ من ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخَرِ مثلَه.
ذكرُ مَن قال: العدلُ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾: الحقُّ [حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ﴾ يقولُ: بالحَقِّ] (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
يعنى بذلك: فَلْيَكْتُبِ الكاتبُ، ولْيُمْلِلِ الذي عليه الحقُّ، وهو الغريمٌ المَدِينُ، يقولُ: ليَتَوَلَّ المَدِينُ إملالَ كتابِ ما عليه من دَيْنِ ربِّ المالِ على الكاتبِ، ولْيَتَّقِ ربَّه المُمْلِى الذي عليه الحقُّ، فَلْيَحْذَرْ عقابَه في بخْسِ الذي له الحقُّ مِن حقِّه شيئًا، أن يَنْقُصَه منه ظلمًا، أو يذهبَ به منه تعدِّيًا، فيُؤْخَذَ به حيث لا يَقْدِرُ على قضائِه إلا من حسناتِه، أو أن يَتَحَمَّلَ من سيئاتِه.
كما حُدِّثتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾: فكان هذا واجبًا ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ يقولُ: لا يَظْلِمْ منه شيئًا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾.
قال: لا يَنْقُصْ من حقِّ هذا الرجلِ شيئًا إِذا أَمَلَّ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾: فإن كان المَدِينُ الذي عليه المالُ ﴿سَفِيهًا﴾.
يعني جاهلًا بالصوابِ في الذي عليه أن يُمِلَّه على الكاتبِ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾.
قال: أمَّا السفيهُ فالجاهلُ بالإملاءِ والأمورِ (١).
وقال آخَرون: بل السفيهُ في هذا الموضعِ الذي عناه اللهُ: الطفلُ الصغيرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسىُ بن هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾: أمَّا السفيهُ فهو الصغيرُ (٢).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرَنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ قال: هو الصبيُّ الصغيرُ، فَلْيُمْلِلْ وليُّه بالعدلِ (٣).
وأوْلَى التأويلينِ بالآيةِ تأويلُ مَن قال: السفيهُ في هذا الموضعِ الجاهلُ بالإملاءِ وموضعِ صوابِ ذلك من خطئِه.
لما قد بيَّنَّا قبلُ من أن معنى السفَهِ في كلامِ العربِ الجهلُ (١).
وقد يَدْخُلُ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا﴾ كلُّ جاهلٍ بصوابِ ما يُمِلُّ من خطئِه، من صغيرٍ وكبيرٍ، وذكَرٍ وأنثى.
غيرَ أن الذي هو أوْلَى بظاهرِ الآيةِ أن يكونَ مرادًا بها كلُّ جاهلٍ بموضعٍ خطأَ ما يُمِلُّ وصوابِه، مِن بالِغِى الرجالِ الذين لا يُوَلَّى عليهم، والنساءِ؛ لأنه جل ذكرُه ابْتَدأ الآيةَ بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
والصبيُّ ومَن يُوَلَّى عليه لا يجوزُ مداينتُه، وأن الله ﷿ قد اسْتَثنى مِن الذين أمَرهم بإملالِ كتابِ الدَّينِ معَ السفيهِ الضعيفَ ومَن لا يستطيعُ إملالَه، ففى فصلِه جلّ ثناؤه الضعيفَ مِن السفيهِ ومَن لا يستطيعُ إملالَ الكتابِ، [في الصفةِ] (٢) التي وصَف بها كلَّ واحدٍ منهم - ما أَنْبَأ عن أن كلَّ واحدٍ من الأصنافِ الثلاثةِ الذين بيَّن صفاتِهم، غيرُ الصنفينِ الآخَرينِ.
وإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن الموصوفَ بالسَّفَهِ منهم دونَ الضعفِ، هو ذو القُوَّةِ على الإملالِ، غيرَ أنه وُضِع عنه فرضُ الإملالِ بجهلِه بموضعِ صوابِ ذلك مِن خطئِه، وأن الموصوفَ بالضعفِ منهم، هو العاجزُ عن إملالِه، وإن كان سديدًا (٣) رشيدًا، إما لعِيِّ لسانِه أو خَرَسٍ به، وأن الموصوفَ بأنه لا يستطيعُ أن يُملَّ، هو الممنوعُ من إملالِه، إمَّا بالحبسِ الذي لا يَقْدِرُ معَه على حضورِ الكاتبِ الذي يَكْتُبُ الكتابَ فيُمِلُّ عليه، وإِمَّا لغَيْبتِه عن موضعِ الإملالِ، فهو غيرُ قادرٍ مِن أجلِ غَيبتِه عن إملالِ الكتابِ، فوضَع اللهُ ﷿ عنهم فرضَ إملالِ ذلك؛ للعللِ التي وصَفنا إذا كانت بهم، وعذَرهم بتركِ الإملالِ من أجلِها، وأمَر عندَ سقوطِ فرضِ ذلك عنهم (٤) وليَّ الحقِّ بإملالِه، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: يعنى وليَّ الحقِّ.
ولا وجهَ لقولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الصغيرُ، وأن الضعيفَ هو الكبيرُ الأحمقُ؛ لأن ذلك - إن كان كما قال - يُوجِبُ أن يكونَ قولُه: ﴿أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ﴾ هو العاجزَ من الرجالِ العقلاءِ - الجائزى الأمرِ في أموالِهم وأنفسِهم - عن الإملالِ، إمَّا لعلةٍ بلسانِه، من خَرَسٍ أو غيرِه من العللِ، وإما لغَيبتِه عن موضعِ الكتابِ.
وإذا كان كذلك معناه، بطَل معنى قولِه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾؛ لأن العاقلَ الرشيدَ لا يُوَلَّى عليه في (١) مالِه وإن كان أخرسَ أو غائبًا، ولا يجوزُ حكمُ أحدٍ في مالِه إلا بأمرِه، وفى صحةِ معنى ذلك ما يَقْضِى على فسادِ قولِ مَن زعَم أن السفيهَ في هذا الموضعِ هو الطفلُ الصغيرُ، أو الضعيفُ (٢) الكبيرُ الأحمقُ.
ذكرُ مَن قال في ذلك ما قلناه حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ يقولُ: وليُّ الحقِّ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: يقولُ: فإن عيِىَ عن ذلك، أملَّ صاحبُ الدَّينِ بالعدلِ (١).
ذكرُ مَن قال: عُنِى بالضعيفِ في هذا الموضعِ: الأحمقُ.
وبقولِه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾: وليُّ السفيهِ والضعيفِ حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾.
قال: أُمِر وليُّ السفيهِ أو الضعيفِ أن يُمِلَّ بالعدلِ (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عَمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدَّيّ: أما الضعيفُ فهو الأحمقُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: أمَّا الضعيفُ فالأحمقُ (٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾: لا يَعْرِفُ، فيُثْبِتُ لهذا حقَّه، ويَجْهَلُ ذلك، فوليُّه بمنزلتِه، حتى يَضَعَ لهذا حقَّه.
وقد دَلَّلنا على أَوْلَى القولين (٤) بالصوابِ في ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فإنه يعنى: بالحقِّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْتَشْهِدوا على حقوقِكم شاهدينِ.
يقالُ: فلانٌ شهيدى على هذا المالِ، وشاهدِى عليه.
وأمَّا قولُه: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
فإنه يعنى: من أحرارِكم المسلمين، دونَ عبيدِكم، ودونَ أحرارِكم الكفَّارِ.
كما حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
قال: الأحرارُ (١).
وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرَنا عليُّ بنُ سعيدٍ (٢)، عن هُشَيْمٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
يعنى بذلك: فإن لم يكونا رجلين فليكُنْ رجلٌ وامرأتان على الشهادةِ عليه (٤).
ورفْعُ "الرجلِ" و "المرأتين" بالردّ على "الكونِ".
وإن شِئتَ قلتَ: فإن لم يكونا رجلين فليشهَدْ رجلٌ وامرأتان على ذلك.
وإن شِئتَ: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان يَشْهَدون عليه.
وإن قلتَ: فإن لم يكونا رجلين [فهو رجلٌ] (٥) وامرأتان.
كان صوابًا، كلُّ ذلك جائزٌ.
ولو كان: [فرجلًا وامرأتين] (١).
نصبًا، كان جائزًا، على تأويلِ: فإن لم يكونا رجلين فاسْتَشْهدوا رجلًا وامرأتين.
وقولُه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
يعنى: من العدولِ المُرتَضَى دِينُهم وصلاحُهم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
يقولُ: في الدَّينِ، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وذلك في الدَّينِ، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ يقولُ: عدولٌ (٢).
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾: أَمَرَ اللهُ أَن تُشْهدوا (٣) ذَوَى عدلٍ من رجالِكم (٤)، ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
اختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ أهلِ الحجازِ والمدينةِ وبعضُ أهلِ العراقِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ بفتحِ الألفِ مِن ﴿أَنْ﴾، ونصبِ ﴿تَضِلَّ﴾ و ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ (١).
بمعنى: فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان، كي تُذَكِّرَ إحداهما الأخرى إن ضلَّت.
وهو عندَهم من المُقَدَّمِ الذي معناه التأخيرُ؛ لأن التذكيرَ عندَهم هو الذي يَجبُ أن يكونَ مكانَ ﴿تَضِلَّ﴾؛ لأن المعنى ما وصَفنا في قولِهم.
وقالوا: إنما نصَبنا ﴿فَتُذَكِّرَ﴾؛ لأن الجزاءَ لمَّا تقدَّم اتَّصل (٢) بما قبلَه، فصار جوابُه مردودًا عليه، كما تقولُ في الكلامِ: إنه ليُعْجِبُني أن يَسألَ السائلُ فيُعْطَى.
بمعنى: إنه ليُعْجِبُني أن يُعْطَى السائلُ إن سأل.
أو: إذا سأل.
فالذي يُعْجِبُك هو الإعطاءُ دونَ المسألةِ، ولكن قولَه: أن يَسألَ.
لمَّا تقدَّم اتَّصل بما قبلَه، وهو قولُه: يُعْجِبُنى (٣).
ففتَحَ "أن" (٤) ونصَب بها، ثم أتْبَع ذلك قولَه: فيُعْطَى.
فنصَبه بنصبِ قولِه: ليُعجبُنى أن يسألَ.
نَسْقًا عليه، وإن كان في معنى الجزاءِ.
وقرَأ ذلك آخَرون كذلك، غيرَ أنهم كانوا يقرءونه بتسكينِ الذالِ من (تُذْكِرَ) وتخفيفِ كافِها (٥).
وقارئو ذلك كذلك مختلفون فيما بينهم في تأويلِ قراءتِهم إيَّاه كذلك، وكان بعضُهم يُوَجِّهُه إلى أن معناه: فتُصَيِّرُ إحداهما الأخرى ذكرًا باجتماعِهما.
بمعنى أن شهادتَها إذا اجْتَمعت وشهادةَ صاحبتِها، جازت كما تجوزُ شهادةُ الواحدِ من الذكورِ في الدَّينِ؛ لأن شهادةَ كلِّ واحدةٍ (٦) منهما منفردةً غيرُ جائزةٍ فيما جازت فيه من الدُّيونِ، إلا باجتماعِ اثنتين على شهادةِ واحدٍ، وتصيرُ شهادتُهما حينئذٍ بمنزلةِ شهادةِ واحدٍ من الذكورِ.
فكأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما - في قولِ مُتَأَوِّلى ذلك بهذا المعنى - صيَّرتْ صاحبتَها معها ذَكَرًا، وذهَب إلى قولِ العربِ: لقد أذْكَرتُ بفلانٍ أمُّه، أي: ولَدته ذَكَرًا، فهي تُذْكِرُ به، وهى امرأةٌ مُذكِرٌ (١)، إذا كانت تَلِدُ الذُّكورَ مِن الأولادِ.
وهذا قولٌ يُرْوَى عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه كان يقولُه.
حُدِّثتُ بذلك عن أبي عُبيدٍ القاسمِ بن سلَّامِ أنه قال: حُدِّثتُ عن سفيانَ بن عُيَيْنَةَ أنه قال: ليس تأويل قولِه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
من الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ، إنما هو من الذَّكَرِ، بمعنى أنها إذا شهِدت مع الأخرى صارت شهادتُهما كشهادةِ الذَّكَرِ (٢).
وكان (٣) آخَرون منهم يُوَجِّهونه إلى أنه بمعنى الذِّكْرِ بعدَ النسيانِ.
وقرَأ ذلك آخرون (٤): ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
بكسرِ (إن) مِن قولِه: (إِنْ تَضِلَّ)، ورفعِ (تُذَكِّرُ) [وتشديدِ كَافِه] (٥)، بمعنى ابتداءِ الخبرِ عمَّا تَفْعَلُ المرأتان إن نسِيت إحداهما شهادتَها [وذكَّرتها] (٦) الأخرى، من تثبيتِ الذاكرةِ الناسيةَ [وتذكيرِها] (٧) ذلك، وانقطاعِ ذلك عما قبلَه.
ومعنى ذلك (٨) عندَ قارئى ذلك كذلك: واسْتَشْهِدوا شهيدين من رجالِكم، فإن لم يكونا رجلين، فرجلٌ وامرأتان ممَّن تَرْضَوْن من الشهداءِ، فإنَّ إحداهما إن ضلَّت ذَكَّرتها الأخرى.
على استئنافِ الخبرِ عن فعلِهما (١) إن نسِيت إحداهما شهادتَها، مِن تذكيرِ الأخرى منهما صاحبتَها الناسيةَ.
وهذه قراءةٌ كان الأعمشُ يَقْرَؤُها (٢) ومَن أخَذها عنه، وإنما نصَب الأعمش (تَضِلَّ)؛ لأنها في محلِ جزمٍ بحرفِ الجزاءِ، وهو (إن).
فتأويلُ (٣) الكلامِ على قراءتِه: إن تَضْلِلْ.
فلمَّا انْدَغَمت إحدى اللاميْنِ في الأخرى، حرَّكَها إلى أخفِّ الحركاتِ، ورفَع (٤) (تذكِّرُ) بالتاءِ (٥)؛ لأنه جوابُ الجزاءِ بالفاءِ (٦).
والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ ﴿أَنْ﴾ من قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾.
وبتشديدِ الكافِ من قولِه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
ونصبِ الراءِ منه، بمعنى: فإن لم يكونا رجلين، فَلْيَشْهَدْ رجلٌ وامرأتان، كي إن ضلَّت إحداهما ذكَّرتها الأخرى.
وأمَّا نصبُ ﴿فَتُذَكَّرَ﴾ فبالعطفِ على ﴿تَضِلَّ﴾، وفُتِحت ﴿أَنْ﴾ لحُلُولِها (٧) محلَّ "كى"، وهي في موضعِ جزاءٍ، والجوابُ بعده، اكتفاءً بفتحِها، أعنى بفتح ﴿أَنْ﴾ من "كى"، ونسَق بالثاني، أعنى ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ على ﴿تَضِلَّ﴾؛ ليُعْلَمَ أن الذي قام مقامَ ما كان يَعْمَلُ فيه وهو ظاهرٌ، قد دلَّ عليه وأدَّى عن معناه وعملِه، أعنى (١) عن "كى".
وإنما اخترنا ذلك في القراءةِ لإجماعِ الحجَّةِ من قُدَماءِ القَرَأةِ والمتأخرين على ذلك، وانفرادِ الأعمشِ ومَن قرَأ قراءتَه في ذلك بما انْفَرد به عنهم، ولا يجوزُ تركُ قراءةٍ جاء بها المسلمون مستفيضةً بينهم إلى غيرِها.
وأمَّا اختيارُنا ﴿فَتُذَكِّرَ﴾ بتشديدِ الكافِ؛ فلأنه بمعنى ترديدِ (٢) الذِّكْرِ من إحداهما على الأخرى، وتعريفِها إيَّاها (٣) ذلك لتَذْكُرَ، فالتشديدُ به أوْلى من التخفيفِ.
وأمَّا ما حُكِى عن ابن عُيَيْنَةَ من التأويلِ الذي ذكَرناه، فتأويلٌ خطأٌ لا معنى له؛ لوجوهٍ شتى: أحدُها: أنه خلافٌ لقولِ جميعِ أهلِ التأويلِ.
والثاني: أنه معلومٌ أنَّ ضلالَ إحدى المرأتين في الشهادةِ التي شهِدت عليها، إنما هو ذهابُها (٤) عنها ونسيانُها إيَّاها، كضلالِ الرجلِ في دينِه، إذا تحيَّر فيه فعدَل عن الحقِّ، وإذا صارت إحداهما بهذه الصفةِ، فكيف يجوزُ أن تُصيِّرَها (٥) الأخرى ذَكَرًا معها، مع نسيانِها شهادتها وضلالِها فيها، والضالَّةُ منهما في شهادتِها حينئذٍ لا شكَّ أنها إلى التذكيرِ أحوجُ منها إلى الإذكارِ.
إلا أن يكونَ أراد أن الذاكرةَ إذا ضعُفت صاحبتُها عن ذكر شهادتِها، شحَذَتها (٦) على ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه فنسِيته، فقوَّتها (١) بالذكرِ، حتى صيَّرتها كالرجلِ في قوَّتِها في ذكرِ ما ضعُفت عن ذكرِه من ذلك، كما يقالُ للشيءِ القويِّ في عملِه: ذَكَرٌ.
وكما يقالُ للسيفِ الماضي في ضربتِه: سيفٌ ذَكَرٌ.
ورجُلٌ ذَكَرٌ، يُرادُ به ماضٍ في عملِه، قويُّ البطشِ، صحيحُ العزمِ.
فإن كان ابن عُيينةَ هذا أراد، فهو مذهبٌ من مذاهبِ تأويلِ ذلك، إلا أنه إذا تُؤوِّل كذلك، صار تأويلُه إلى نحوِ تأويلِنا الذي تَأَوَّلْناه فيه، وإن خالَفت القراءةُ بذلك المعنى القراءةَ التي اخْتَرناها، بأن تصيرَ (٢) القراءةُ حينئذٍ الصحيحَ (٣) بالذي اختار قراءتَه من تخفيفِ الكافِ من قولِه: (فَتُذْكِرَ).
ولم نَعْلَمْ أحدًا تأوَّل ذلك كذلك، فنسْتَجِيزَ (٤) قراءتَه كذلك بذلك المعنى.
فالصوابُ في قراءتِه (٥) إذا كان الأمرُ على ما وصفنا ما اخْتَرْنا (٦).
ذكرُ من تأوَّل قولَه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
نحوَ تأويلنِا الذي قلنا فيه حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾: علِم اللهُ أن ستكونُ حقوقٌ، فأخَذ لبعضِكم (٧) من بعضٍ الثقةَ، فخُذوا بثقةِ اللهِ، فإنه أطوعُ لربِّكم، وأدرَكُ لأموالِكم، ولعَمْرِي لئن كان تقيًّا لا يَزِيدُه الكتاب إلا خيرًا، وإن كان فاجرًا فبالحَرَى أن يُؤَدِّيَ إذا علم أن عليه شُهودًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
يقولُ: أن تنسى إحداهما فتُذَكِّرَها الأخرى (١).
حدَّثني موسىُ بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾.
يقولُ: تنسى إحداهما الشهادةَ، فَتُذكِّرَها الأخْرَى (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾.
يقولُ: أن تَنْسَى إحداهما فَتُذَكِّرَها الأخرى (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾.
قال: [إن أخطأتِ الشهادةَ فذكَّرتها الأُخرى.
قال: و (تُذَكِّرُ)، فـ (تُذكِرُ) قال] (٤): كلاهما لغةٌ، وهما سواءٌ، ونحن نَقْرَأُ: ﴿فَتُذَكِّرَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في الحالِ التي نَهى اللهُ الشهداءَ عن إباءِ الإجابِة إذا دُعوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: معناه: ولا يَأْبَ الشهداءُ أَن يُجيبوا إِذا دُعُوا لِيَشْهَدُوا على الكتابِ والحقوقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: كان الرجلُ يَطُوفُ في الحِواءِ (١) العظيمِ فيه القومُ، فيَدْعُوهم إلى الشهادةِ، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم.
قال: وكان قتادةُ يَتَأَوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
ليَشْهَدُوا لرجلٍ على رجلٍ (٢).
حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: كان الرجلُ يَطُوفُ في القومِ الكثيرِ، يَدْعُوهم ليُشْهِدَهُم (٣)، فلا يَتْبَعُه أحدٌ منهم، فأنْزَل الله ﷿: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: لا تَأْبَ أَن تَشْهَدَ إِذا دُعِيت إلى شهادة (٥).
وقال آخرون بمثلِ معنى هؤلاءِ، إلا أنهم قالوا: إنما (٦) يجِبُ فرضُ ذلك على مَن دُعِى للإشهادِ على الحقوقِ إذا لم يُوجَدْ غيرُه، فأما إذا وجِد غيرُه، فهو في الإجابةِ إلى ذلك مُخَيرٌ، إن شاء أجاب وإن شاء لم يُجِبْ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جابرٍ، عن الشعبيِّ، قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إن شاء شهدِ، وإن شاء لم يَشْهَدْ، فإذا لم يوجَدْ غيرُه شهِد (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للشهادةِ على مَن أراد الداعي إشهادَه عليه، وللقيامِ بما عندَه من الشهادةِ من الإجابةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: قال الحسنُ: الإقامةُ والشهادةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾: كان الحسنُ يَقُولُ: جَمَعَت أمرين: لا تَأْبَ إِذا كانت عندَك شهادةٌ أن تَشْهَدَ، ولا تَأبَ إذا دُعيتَ إلى شهادةٍ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
يَعْنى: مَن احتيج إليه من المسلمين شهِد على شهادةٍ، أو (٣) كانت عنده شهادةٌ (٤)، فلا يَحِلُّ له أن يَأبى إذا ما دُعِى (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: لإقامتِها [ولابتدائِها] (٢)، إذا دعَاه ليُشْهِدَه، وإذا دعاه ليُقيمها (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ إذا ما دُعُوا للقيامِ بالشهادةِ التي عندَهم للداعى، من إجابتِه إلى القيامِ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا شهِد.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا كانوا قد شهِدوا قبل ذلك (٤).
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
يَقُولُ: إذا كانوا قد شهِدُوا (٥).
حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ فدُعيتَ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا كانت عندَك (٢) شهادةٌ فأقِمْها، فإذا دُعيت لتَشْهَدَ، فإن شئْتَ فاذْهَبْ، وإِن شِئْتَ فلا تَذْهَبْ (٣).
حدثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ الصَّبَّاح، عن عمرانَ بن حُدَيرٍ (٤)، قال: قُلْتُ لأبي مِجْلَرٍ: ناسٌ يَدْعُونَنى لأشْهَدَ بينَهم، وأنا أَكْرَهُ أَن أَشْهَدَ بينَهم؟
قال: دَعْ ما تَكْرَهُ، فإذا أُشْهِدْتَ (٥) فأجِبْ إذا دُعِيت (٦).
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، قال: الشاهدُ بالخيارِ ما لم يُشْهَدْ (٧).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: لإقامةِ الشهادةِ (٨).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن أبي عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: في إقامةِ الشهادةِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا أبو عامرٍ المزنيُّ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: ذلك في إقامةِ الشهادةِ.
يعنى قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرَّةً (٢)، أخبرَنا عن الحسنِ أنه سأَله سائلٌ قال: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أكْرَهُ أن أَشْهَدَ عليها؟
قال: فلا تُحِبْ إِن شِئتَ (٣).
حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةً، قال: سأَلتُ إبراهيم قلتُ: أُدْعَى إلى الشهادةِ وأنا أخافُ أن أنسى؟
قال: فلا تَشْهَدْ إن شِئْتَ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عامرٍ، عن عطاءٍ، قال: للإقامةِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن شَريكٍ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا كانوا قد شَهِدوا (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بن نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: هو الذي عندَه الشهادةُ (١).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
يقولُ: لا يَأْبَ الشاهدُ أن يَتَقدمَ فَيَشْهَدَ إذا كان فارِغًا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قلت لعطاءٍ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: هم الذين قد شهدوا.
قال: ولا يَضُرُّ إنسانًا أن يأبى أن يَشْهَدَ إن شاء.
قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ما شأنُه إِذا دُعِى أَن يَكْتُبَ وجَب عليه ألا يأبى، وإذا دُعِى أن يَشْهَدَ لم يَجِبْ عليه أن يشهد إن شاء؟
قال: كذلك يَجِبُ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ولا يَجِبُ على الشاهِدِ أَن يَشْهَدَ إِن شاء، الشهداءُ كثيرٌ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: إذا شهِد فلا يَأْبَ إِذا دعِى أَن يَأْتِيَ يُؤَدِّي شَهادتَه ويُقيمُها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ﴾.
قال: كان الحسنُ يتأوَّلُها: إذا كانت عنده شهادةٌ فدُعِى ليُقيمَها (٥).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، قال: إذا كتب الرجلُ شهادَتَه، أو أُشْهِدَ الرجلُ فشهِد، والكاتبُ الذي يَكْتُبُ الكتابَ، إذا دُعُوا إلى مقطعِ الحقِّ، فعليهم أن يُجيبوا، وأن يَشْهَدوا بما أُشْهدُوا عليه (١).
وقال آخرون: هو أمرٌ مِن اللهِ ﷿ الرجلَ والمرأةَ بالإجابة إذا دُعِى ليَشْهَدَ على ما لم يُشْهَدْ عليه من الحقوقِ ابتداءً، لا لإقامةِ الشهادةِ، ولكنه أمرُ ندْبٍ لا فرضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو العالية العبديُّ إسماعيلُ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن فُضيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ في قولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
قال: أمِرت أن تَشْهَدَ، فإن شِئتَ فاشْهَدْ، وإن شئت فلا تَشْهَدْ.
حدَّثني أبو العاليةِ، قال: ثنا أبو قتيبةَ، عن محمدِ بن ثابتٍ العبديِّ (٢)، عن عطاءٍ بمثلِه (٣).
وأولى هذه الأقوالِ بالصواب قولُ مَن قال: معنى (٤) ذلك: ولا يَأْبَ الشهداءُ مِن الإجابةِ إذا دُعُوا لإقامةِ الشهادةِ وأدائِها عندَ ذى سلطانٍ أو حاكمٍ، يَأْخُذُ مِن الذي عليه ما عليه للذي هو له.
وإنما قُلْنا: هذا القولُ بالصوابِ أولى في ذلك مِن سائرِ الأقوالِ غيرِه؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
فإنما أمَرهم بالإجابةِ للدعاءِ للشهادةِ، وقد ألزَمهم اسمَ الشهداءِ، وغيرُ جائزٍ أن يُلْزِمَهم اسمَ الشهداءِ إلا وقد اسْتُشهدوا قبلَ ذلك، فشهِدوا على ما لزِمَهم بشهادتِهم عليه اسمُ الشهداءِ، فأما قبلَ أن يُسْتَشْهَدُوا فيشهَدوا (١) [على شيءٍ] (٢)، فغيرُ جائزٍ أن يُقَالَ لهم: شهداءُ، لأن ذلك الاسمَ لو كان يَلْزَمُهم ولمَّا يُسْتَشْهَدُوا على شيءٍ يَسْتَوجِبُون بشهادتِهم عليه هذا الاسمَ، لم يكنْ على الأرضِ أحدٌ له عقلٌ صحيحٌ إلا وهو مُسْتَحِقٌّ أن يُقالَ له (٣): شاهدٌ.
بمعنَى أنه سيَشْهَدُ، أو أنه يَصْلُحُ لأنْ يَشْهَدَ، فَإِنْ كان خطأً أن يُسَمَّى بذلك الاسمِ إلا مَن عنده شهادةٌ لغيرِه، أو مَن قد قام بِشهادةٍ فلزِمه لذلك هذا الاسمُ، كان معلومًا أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ مَن وصَفْنا صفته، ممن قد اسْتُرعِىَ شهادةً أو شهِد فدُعِى إلى القيامِ بها؛ لأن الذي لم يُسْتَشْهَدْ ولم يُسْتَرعَ شهادةً قبلَ الإشهادِ، غيرُ مستحقٍّ اسمَ شهيدٍ ولا شاهدٍ؛ لما قد وصَفنا قبلُ.
مع أنّ في دخُولِ الألفِ واللامِ في ﴿الشُّهَدَاءُ﴾ دلالةً واضحةً على أنَّ المعْنِيَّ (٤) بالنهيِ عن تركِ الإجابةِ للشهادةِ، أشخاصٌ معلُومُون قد عُرِفوا بالشهادةِ، وأنهم الذين أمَر اللهُ ﷿ أهلَ الحقوق باستشهادِهم بقولِه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أنهم إنما أُمِرُوا بإجابةِ داعيهم لإقامةِ شهادتِهم بعدَ ما اسْتُشْهِدُوا فشَهِدوا، ولو كان ذلك أمرًا لمن اعْتُرِض مِن الناسِ، فدُعِى إلى الشهادةِ يَشْهَدُ (٥) عليها، لقيل: ولا يَأْبَ شاهدٌ إذا ما دُعِى.
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن الذي نقولُ به في الذي يُدْعَى لِشهادةٍ يَشْهَدُ عليها إذا كان بموضعٍ ليس به سواه ممّن يَصْلُحُ للشهادةِ، فإن الفرضَ عليه إجابةُ داعِيه إليها، كما فَرْضٌ على الكاتبِ إذا اسْتُكتب بموضعٍ لا كاتبَ به سواه، ففَرْضٌ عليه أن يَكْتُبَ، كما فَرْضٌ على مَن كان بموضعٍ لا أحدَ به سواه يَعْرِفُ الإيمانَ وشرائعَ الإسلامِ، فحضَره جاهلٌ بالإيمان وبفرائضِ اللهِ، فسأله تعليمَه وبيانَ ذلك له أن يُعَلِّمَه وبيِّنَه له.
ولم نُوجبْ ما أوجَبْنا على الرجلِ مِن الإجابةِ للشهادةِ إذا دُعى ابتداءً لِيَشهد على ما يُسْتَشهدُ (١) عليه بهذه الآيةِ، ولكن بأدلةٍ سواها، وهى ما ذكَرْنا.
[وإنَّ] (٢) فرضًا (٣) على الرجلِ إحياءُ ما قدَر على إحيائِه من حقِّ أخيه المسلمِ.
والشهداءُ جمعُ شهيدٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَسْأموا أيّها الذين تُداينون الناسَ إلى أجلٍ أن تَكْتُبوا صغيرَ الحقِّ، يعْني قليلَه، أو كبيرَه، يَعْني: أو كثيرَه، ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾، يعنى (٤): إلى أجلِ الحقِّ، فإن الكتابَ أحْصَى (٥) للأجلِ والمالِ.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾.
قال: هو [الحَقُّ الذي بينَهما] (٦)، الدَّينُ.
ومعنى قولِه: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا﴾: لا تَمَلُّوا.
يقالُ منه: سئِمتُ فأنا أَسْأَمُ سآمةً وسَأْمةٌ، ومنه قولُ لَبيدٍ (١): ولقد سَئِمْتُ مِن الحياةِ وطُولِها … وسؤالِ هذا الناسِ: كيف لَبيدُ يعْني: ملَلتُ.
وقولُ زهيرٍ (٢): سَئِمْتُ تكاليف الحياة ومن يَعِشْ … ثمانينَ حَوْلًا (٣) لا أبا لَكَ يَسْأَمِ وقال بعضُ نحويِّى البصريين: تأويلُ قولِه: ﴿إِلَى أَجَلِهِ﴾: إلى أجلِ الشاهِدِ.
ومعْناه: إلى الأجلِ الذي لا (٤) تجُوزُ شهادتُه فيه.
وقد بينَّا القولَ [في ذلك] (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿ذَلِكُمْ﴾: اكتتابُ كتابِ الدَّيْنِ إلى أجلِه.
ويعنى بقولِه: ﴿أَقْسَطُ﴾: أعدلُ عندَ اللهِ.
يُقال منه: أقسَط الحاكمُ فهو يُقْسِطُ إقساطًا وهو مُقْسِطٌ.
إذا عدَل في حكمِه، وأصاب الحقَّ فيه.
فإذا جار، قيل: قسَط فهو يَقْسِطُ قُسوطا؛ ومنه قولُ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥].
يعنى الجائرين.
وبمثل ما قُلْنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: أعدلُ عندَ اللهِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وأصوبُ للشهادةِ.
وأصلُه مِن قولِ القائلِ: أقمتُه مِن عِوَجه.
إذا سوَّيتَه فاستوَى.
وإنما كان الكتابُ أعدلَ عندَ اللهِ، وأصوبَ لشهادةِ الشهودِ على ما فيه؛ لأنه يَحْوِى الألفاظَ التي أقرَّ بها البائعُ والمشترى وربُّ الدَّينِ، والمستدينُ على نفسِه، فلا يَقَعُ بين الشهودِ اختلافٌ في ألفاظِهم بِشهاداتِهم؛ لاجتماعِ شهاداتِهم على ما حواه الكتابُ، وإذا اجتمَعت شهاداتُهم على ذلك، كان فصلُ الحكمِ بينَهم أبْيَن لمن احْتُكِم إليه مِن الحكامِ، مع غيرِ ذلك مِن الأسبابِ، وهو أعدلُ عندَ اللهِ؛ لأنه قد أمرَ، به، واتباعُ أمرِ اللهِ لا شكَّ أنه عندَ اللهِ أقسطُ وأعدلُ مِن تركِه والانحرافِ عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَدْنَى﴾: وأقربُ، من الدُّنُوِّ وهو القربُ.
ويَعْنى بقولِه: ﴿أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: مِن ألا تَشُكُّوا في الشهادةِ.
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ذلك ﴿وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا﴾.
يقولُ: ألا تشكُّوا في الشهادةِ (٢).
وهو "تفتعلوا" (١) من الرِّيبةِ.
ومعنى الكلامِ: ولا تمَلُّوا أيُّها القومُ أن تَكْتُبوا الحقَّ الذي لكم قِبَلَ مَن دايَنتُموه مِن الناسِ إلى أجلٍ، صغيرًا كان ذلك الحقُّ [أو كبيرًا] (٢)، فإن كتابَكم ذلك أعدلُ عندَ اللهِ، وأصوبُ لشهادةِ شهودِكم عليه، وأقربُ لكم ألا تشكُّوا فيما يشهدُ به شهودُكم عليكم مِن الحقِّ والأجلِ إذا كان مكتوبًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ [تِجَارَةً حَاضِرَةً] (٣) تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
ثم استثنى جلَّ ثناؤه مما نهاهم أن يَسْأَموه من اكتتابِ كتبِ حقوقِهم على غرمائِهم من الحقوقِ التي لهم عليهم، ما وجَب لهم قِبَلَهم من حقٍّ، عن مبايعةٍ بالنقودِ الحاضرةِ يدًا بيدٍ، فرخَّص لهم في تركِ اكتتابِ الكتبِ بذلك؛ لأن كلَّ واحدٍ منهم، أعنى مِن الباعةِ والمشترين، يَقْبِضُ إذا كان التواجبُ بينهم فيما تبايعوه (٤) نقدًا (٥)، ما وجَب له قِبَلَ مُبايعيه قبلَ المفارقةِ، فلا حاجةَ بهم في ذلك إلى اكْتِتابِ أحدِ الفريقَين على الفريقِ الآخرِ كتابًا بما وجَب لهم قِبلَهم، وقد تقابَضوا الواجبَ لهم عليهم، فلذلك قال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
لا أجلَ فيها ولا تأخيرَ ولا ثُنيا (٦)، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
يقولُ: فلا حرجَ عليكم ألا تَكْتُبوها.
يعنى التجارةَ الحاضرةَ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
يقولُ: معكم بالبلدِ تديرونها (١)، فتأخُذُ وتُعطِى، فليس على هؤلاء جناحٌ ألا يَكْتُبوها (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾.
قال: أَمَر اللهُ أَلا تَسْأَموا أن تَكْتُبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجلِه، وأمَر ما كان يدًا بيد أن يُشْهدَ عليه؛ صغيرًا كان أو كبيرًا، ورخَّص لهم ألا يَكْتُبوه (٣).
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته قرأةُ الحجازِ والعراقِ وعامةُ القرأةِ: (إلا أن تَكُونَ تجارَةٌ حَاضِرَةٌ) بالرفعِ (٤).
وانْفَرد بعضُ قرأةِ الكوفيين بقراءتِه (٥) بالنصبِ، [فقرأ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾] (٦).
وذلك وإن كان جائزًا في العربيةِ، إذ كانت العربُ تَنْصِبُ النكراتِ المَنْعوتاتِ (٧) مع "كان"، وتُضْمِرُ معها في "كان" مجهولًا، فتقولُ: إن كان طعامًا طيبًا فأتِنا به.
وتَرْفَعُها فتَقولُ: إن كان طعامٌ طيبٌ فأْتِنا به.
فتُتْبِعُ النكرةَ خبرَها بمثلِ إعرابِها - فإن الذي أخْتارُ من القراءةِ، ثم لا أَسْتَجِيزُ القراءةَ بغيرِه، الرفعُ في "التجارة الحاضرة"؛ لإجماع القرأةِ على ذلك، وشذوذِ مَن قرَأ ذلك نَصْبًا عنهم، ولا يُعْتَرَضُ بالشاذِّ على الحُجَّةِ (١).
ومما جاء نصبًا (٢) قولُ الشاعرِ (٣): أعَينيَّ هَلَّا تَبْكيانِ عِفَاقَا (٤) … إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا وقولُ الآخرِ (٥): وللَّهِ قَومى أَيُّ قَوْمِ لِحُرَّةٍ … إذا كان يَوْمًا ذا كواكبَ أَشْنَعا وإنما تَفْعَلُ العرب ذلك في النكراتِ؛ لما وصَفْنا من إتْباعِ أخبارِ النكِراتِ أسماءها، و"كان" من حكمِها أن يَكونَ معها مرفوعٌ ومنصوبٌ، فإذا رفَعوهما جميعًا (٦) تذَكَّروا إتْباعَ النكرةِ خبرَها، وإذا نصبوها (٧) تذكَّروا صُحبة "كان" مرفوعٍ ومنصوبٍ، ووجَدوا النكرةَ يَتْبَعُها خبرُها، فنصَبوا النكرةَ وأتبعوها خبرها] (٨)، وأضْمَروا في "كان" مجهولًا؛ لاحتمالها الضميرَ.
وقد ظنَّ بعضُ الناسِ أن مَن قرَأ ذلك: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾.
إنما قرَأه على معنَى: إلا أن يَكونَ الدَّيْنُ (١) تجارةً حاضرةً.
فزعَم أنه كان يَلْزَمُ قارئ ذلك أن يَقْرأ: يكون بالياءِ، وأغْفَل موضعَ صوابِ قراءتِه مِن جهةِ الإعرابِ، وألْزَمه غيرَ ما يَلْزَمُه.
وذلك أن العربَ إذا ذكروا (٢) مع "كان" نكرةً مؤنثًا بنعتِها أو خبرِها، أنَّثوا "كان" مرةً، وذكَّروها أخرى، فقالوا: إن كانت جاريةٌ صغيرةٌ فاشترُوها، وإن كان جاريةٌ صغيرةٌ فاشْتَرُوها، [وإن كانت جاريةً صغيرةً فاشترُوها، وإن كان جاريةً صغيرةً فاشترُوها] (٣).
تُذَكَّرُ "كان" - وإن نُصبت النكرةُ المنعوتةُ أو رُفِعت - أحيانا، وتُؤنَّثُ أحيانا.
وقد زعم بعضُ نحويى البصرةِ أن قولَه: (إلا أنْ تَكونَ تجارَةٌ حاضرةٌ).
مرفوعةٌ فيه التِّجارةُ الحاضِرةُ لأنَّ "تكون" بمعنى التَّمامِ، ولا حَاجةَ بها إلى الخَبرِ، بمعنى: إلا أن تُوجد أو تقع أو تحدُثَ.
فألزَم نفسه ما لم يكنْ لها لازمًا؛ لأنه إنما ألزَم نفسَه ذلك، إذ لم يكنْ يجدُ لـ "كان" منصُوبًا، ووجَد التجارةَ الحاضرةَ مرفُوعةً، وأغفَلَ جَوازَ قولِه: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أن يكون خبرًا لـ"كان"، فيسْتَغْنى بذلك عن إلزام نفسه ما ألزم.
والذي قال مَن حَكَيْنا قولَه من البصريين غيرُ خطأ في العربيَّةِ، غير أنَّ الذي قلناه بكلامِ العرب أشبهُ، وفى المعنى أصَحُّ، وهو أن يكونَ في قولِه: ﴿تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾.
وجهان؛ أحدُهما، [أنه في موضع نصبٍ على] (٤) أنه حَلَّ محلَّ خبرِ "كان"، والتجارةُ الحاضرةُ اسمُها.
والآخرُ، أنه في موضعِ رَفْعٍ على إتْباعِ التجارةِ الحاضرةِ؛ لأنَّ خبرَ النكرةِ يتبعُها، فيكونُ تأويلُه: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ دائرةٌ بينكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه: وأشْهِدوا على صغيرِ ما تَبايَعْتُم وكبيرِه مِن حقوقِكم؛ عاجلِ ذلك وآجلِه، ونقدِه ونَسائِه، فإنّ إرْخاصى لكم في تركِ اكْتِتابِ الكتبِ بينَكم، فيما كان مِن حقوقٍ تَجْرِى بينكم لبعضِكم مِن قِبَلِ بعضٍ، عن تجارةٍ حاضرةٍ دائرةٍ بينَكم يدًا بيد ونقدًا، ليس بإرخاصٍ منى لكم في تركِ الإشهادِ منكم على مَن بِعْتُموه شيئًا، أو ابْتَعْتُم منه؛ لأن في تركِكم الإشهادَ على ذلك خوفَ المَضَرَّةِ على كلا الفريقَين؛ أما ما على المُشْتَرى فأن يَجْحَد البائعُ البيعَ، وله بينةٌ على مُلْكِه ما قد باع، ولا بينةَ للمشترِى منه على الشراءِ منه، فيكونَ القولُ حينئذٍ قولَ البائعِ مع يمينِه ويُقْضَى له به، فيَذْهَبَ مالُ المشترِى باطلًا.
وأما ما على البائعِ يَجْحَدَ المشترِى الشراءَ، وقد زال ملكُ البائعِ عما باع، ووجَب له قِبَلَ المُبتاعِ ثمنَ ما باع، فيُحْلِفَ على ذلك، ويبْطُلَ حقُّ البائعِ قِبَلَ المشترِى مِن ثمنِ ما باعه، فأمَر اللهُ ﷿ الفريقَين بالإشهادِ؛ لئلا يَضِيعَ حقٌّ أحدِ الفريقين قِبَلَ الفريقِ الآخرِ.
ثم اخْتَلَفوا في معنى قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
أهو أمرٌ مِنَ اللهِ واجبٌ بالإشهادِ عندَ المُبايَعةِ أم هو ندبٌ؟
فقال بعضُهم: هو ندبٌ، إن شاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن الربيعِ، عن الحسنِ، وسفيانَ (١)، عن رجلٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قالا (٢): إِن شَاء أَشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، ألم تَسْمَعْ إلى قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١)؟
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنْهالِ، قال: ثنا الربيعُ بنُ صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: أرأَيْتَ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾؟
قال: إن أشْهَدْتَ عليه فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهد عليه فلا بأسَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن الربيعِ بن صبيحٍ، قال: قلتُ للحسنِ: يا أبا سعيدٍ، قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قلتُ: أبيعُ الرجلَ بنَقْدٍ (٢)، وأنا أَعْلَمُ أنه لا يَنْقُدُنى (٣) شهرين ولا ثلاثةً، أتَرَى بأسًا ألا أُشْهِدَ عليه؟
قال: إن أشْهَدْتَ فهو ثقةٌ للذى لك، وإن لم تُشْهِدْ فلا بأسَ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاج، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن داودَ، عن الشعبيِّ: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
قال: إن شاءوا أَشْهَدوا، وإن شاءوا لم يُشْهِدوا.
وقال آخَرون: الإشهادُ على ذلك واجبٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، [قال: ثنا إسحاقُ] (٤)، قال: ثنا أبو زُهَيْرٍ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾: ولكن أشْهِدوا عليها إذا تَبايَعْتُم، أمرَ اللهُ ما كان يدًا بيدٍ أن تُشْهدَ (١) عليه، صغيرًا كان أو كبيرًا (٢).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ حاضرٍ، فإن شاء أشْهَد، وإن شاء لم يُشْهِدْ، وما كان مِن بيعٍ إلى أجَلٍ، فأمَر اللهُ ﵎ أن يُكْتَبَ وأَن يُشْهدَ عليه، وذلك في المُقامِ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن الإشهادَ على كلِّ مَبيعٍ ومُشْتَرى حقٌّ واجبٌ، وفرضٌ لازمٌ؛ لِمَا قد بَيَّنَّا مِن أن كلَّ أمرٍ للهِ ففرضٌ، إلا ما قامَت حُجَّتُه مِن الوجهِ الذي يَجِبُ التسليمُ له بأنه ندبٌ أو إرشادٌ.
وقد دلَّلْنا على وَهْي (٣) قولِ مَن قال: إنه منسوخٌ بقولِه: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾.
فيما مضَى، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ذلك نَهىٌ مِنَ اللهِ الكاتبَ الكتابَ بين أهلِ الحقوقِ وشهيدَه أن يُضارَّ أهلَه، فيَكْتُبَ هذا ما لم يُملِله المُمِلُّ، ويَشْهَدَ هذا بما لم يَسْتَشْهِده المستَشْهِدُ (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا مَعمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: لا يُضَارُ كاتبٌ فيَكْتُب ما لم يُمَلَّ عليه، ولا شهيدٌ بما لم يُسْتَشْهَدْ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةً، عن يونُسَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ﴾ فَيَزِيدَ شيئًا أو يُحَرِّفَ، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: لا يَكْتُمِ الشهادةَ، ولا يَشْهَدْ إلا بحقٍّ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، [قال: حدَّثنا سعيدٌ] (٣)، عن قَتادةَ، قال: اتَّقَى الله شاهدٌ في شهادتِه، لا يَنْقُصْ منها حقًّا، ولا يَرِدْ (٤) فيها باطلًا، اتَّقَى الله كاتبٌ في كتابِه، فلا يَدَعَنَّ منه حقًّا، ولا يَزِيدَنَّ فيه باطلًا (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ ما لم يُملَل عليه، ولا شَهِيدٌ فيَشْهَدَ بما لم يَشْهَدْ (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ نحوه.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال: لا يُضارَّ كاتبٌ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْليَ عليه.
قال: والكتَّابُ يومَئذٍ قليلٌ، ولا يَدْرُون أيَّ شيءٍ يُكْتَبُ، فيُضَارَّ فيَكْتُبَ غيرَ الذي أُمْلِي عليه فيُبطِلَ حقَّهم.
قال: والشهيدُ يُضَارُ فَيُحَوِّلُ شهادتَه، فيُبْطِلُ حقَّهم (١).
فأصلُ الكلمةِ على تأويلِ من ذكَرْنا قولَه مِن هؤلاءِ: ولا يُضارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ.
ثم أُدْغِمَت الراءُ في الراءِ؛ لأنهما من جنسٍ، وحُرِّكَت إلى الفتحِ، وموضعُها جزمٌ؛ لأن الفتحَ أخفُّ الحركاتِ.
وقال آخرون ممَّن تأوَّل هذه الكلمةَ هذا التأويلَ: معنى ذلك: ولا يُضَارِرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ، بالامتناعِ على مَن دعاهما إلى أداءِ ما عندَهما مِن العلمِ والشهادةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: أن يُؤَدِّيا ما قِبْلَهما (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ قال: لا يُضارًا أن يُؤَدِّيا ما عندهما مِن العلمِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أَخْبَرَنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال: أن يَدْعُوَهما فيقولا: إن لنا حاجةً (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ ومجاهدٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قالا: واجبٌ على الكاتبِ أن يَكْتُبَ، ﴿وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قالا: إذا كان قد شهِد قِبَلَهُ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا يُضَارَّ المُسْتَكْتِبُ والمُسْتَشْهدُ الكاتبَ والشهيدَ.
وتأويلُ الكلمةِ على مذهبِهم: ولا يُضارَرْ.
على وجهِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن عُيَينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ، قال: كان عمرُ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ (٣) كاتب ولا شهيدٌ) (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أَخْبَرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ، قال: كان ابن مسعودٍ يَقْرَأُ: (ولا يُضارَرْ) (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقرؤُها: (ولا يُضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ) (٦).
وأنه كان يقولُ في تأويلِها: يَنْطَلِقُ الذي له الحقُّ، فَيَدْعُو كاتبَه وشاهدَه إلى أن يَشْهَدَ، ولعله أن يَكونَ في شُغْلٍ أو حاجةٍ؛ لِيُؤَثِّمَه إن ترَك ذلك حينَئذٍ لشغلِه وحاجتِه.
وقال مجاهدٌ: لا يُقَمْ عن شغلِه وحاجتِه، فيَجِدَ في نفسِه أو يحرجَ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: والضِّرارُ أن يقولَ الرجلُ للرجلِ وهو عنه غنيٌّ: إن الله قد أمَرَك أَلا تَأبى إذا ما دُعِيتَ.
فَيُضَارَّه بذلك، وهو مُكْتَفٍ بغيرِه، فنهاه اللهُ ﷿ عن ذلك وقال: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: إنه يكون للكاتبِ أو الشاهدِ حاجةٌ ليس منها بُدٌّ، فيقولُ: خَلُّوا سبيلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال: تكونُ به العِلَّةُ، أو يكونُ مَشْغُولًا، يقولُ: فلا يُضارَّه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ أنه كان يقولُ: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: لا تأتِ الرجلَ فتقولَ: انْطَلِق فاكتُبْ لى، واشْهَدْ لى.
فيَقولُ: إن لى حاجةً فالتَمِسْ غيرى.
فيقولُ: اتقِ الله، فإنك قد أمِرتَ أن تَكْتُبَ لى.
فهذه المضارَّةُ، ويَقُولُ: دَعْه والْتَمِسْ غيرَه، والشاهدُ بتلك المنزلةِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: يَدْعُو الرجلُ الكاتبَ أو الشهيدَ، فيَقُولُ الكاتبُ أو الشهيدُ: إن لنا حاجةً.
فَيَقُولُ الذي يَدْعُوهما: إن الله عزَّ ذكرُه أمَرَكما أن تُجيبَا في الكتابةِ والشهادةِ.
يقولُ اللهُ جل ثناؤُه: لا يضارَّهما (١).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ في قولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾: هو الرجلُ يَدْعو الكاتبَ والشاهدَ وهما على حاجةٍ مهمةٍ، فيَقُولان: إِنَّا على حاجةٍ مهمةٍ فاطْلُبْ غيرَنا.
فيَقُولُ: [واللهِ لقد أمَركما اللهُ أن تُجِيبا] (٢).
فأمَره أن يَطْلُبَ غيرَهما ولا يُضارَّهما، يَعْنى: ولا يَشْغَلهما عن حاجتِهما المهمةِ وهو يَجِدُ غيرَهما (٣).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: ليس يَنْبَغِى أَن تَعْتَرِضَ رجلًا له حاجةٌ فتُضارَّه، فتقولَ له: اكْتُبْ لى.
فلا تتْرُكُه حتى يكتبَ لك، وتُفَوِّته حاجتَه، ولا شاهدًا مِن شهودِك وهو مشغولٌ، فتَقُولُ: اذْهَبْ فَاشْهَدْ لى.
فتحبِسُه عن حاجتِه وأنت تَحِدُ غيرَه (٤).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
قال: لما نزَلت: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
كان أحدُهم يَجِيءُ إلى الكاتب فيَقُولُ: اكْتُبْ لي.
فَيَقُولُ: إنى مَشْغولٌ، أو: لى حاجةٌ، فَانْطَلِقُ إلى غيرى.
فيَلْزَمُه ويقول: إنك قد أمرت أن تَكْتُبَ لى.
فلا يَدَعُه، ويُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، ويأتى الرجلُ فيقولُ: انْطَلِقْ معى فأُشْهِدَك (١).
فيقولُ: انطلقْ إلى غيرِى، فإني مَشْغولٌ، أو: لى حَاجةٌ.
فيَلْزَمُه ويَقُولُ: قد أمِرتَ أن تتَّبِعَني.
فيُضَارُّه بذلك وهو يَجِدُ غيرَه، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
يقولُ: إِنَّ لى حاجةً فدَعْنى.
فيَقُولُ: لا (٣)، اكْتُبْ لى.
ولا شهيدٌ كذلك (٤).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا يضارَرْ كاتبٌ ولا شهيدٌ.
بمعنى: ولا يُضَارِرُهما مَن استَكْتَب هذا أو استشهَد هذا؛ بأن يأبى على هذا إلا أن يَكْتُبَ له وهو مشغولٌ بأمرِ نفسِه، ويَأبى على هذا إلا أن يُجِيبَه إلى الشهادةِ، وهو غيرُ فارغٍ، على ما قاله قائلو ذلك، من القول الذي قد ذكَرناه قبلُ.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ من غيرِه؛ لأن الخطابَ مِن اللَّهِ ﷿ في هذه الآيةِ مِن مُبْتَدئِها إلى انقضائِها على وجهِ: افعَلوا أو لا تفعَلوا.
وإنما هو خطابٌ به لأهلِ الحقوقِ، والمكتوبِ بينَهم الكتابُ، والمشهودِ لهم أو عليهم بالذي تَدايَنوه بينَهم مِن الدُّيونِ.
فأمَّا ما كان مِن أمرٍ أو نهيٍ فيها لغيرِهم، فإنما هو على وجهِ الأمرِ والنهيِ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ كقولِه: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ﴾.
وكقولِه: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.
وما أشبَهَ ذلك.
فالواجبُ إذ كان المأمورون فيها مخاطَبين بقولِه: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
[أن يكونَ بالرَّد على قولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾.
ولا تضارُّوا كاتبًا ولا شهيدًا، ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾] (١).
أشبَهُ منه بأن يَكُونَ مردودًا على الكاتبِ والشهيدِ.
ومع ذلك أن الكاتبَ والشهيدَ لو كانا هما المنهييْن عن الضِّرارِ لقيل: وإن يفعلا فإنه فسوقٌ بهما؛ لأنهما اثنان، وأنهما غيرُ مخاطَبَين بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾.
بل النهيُ بقوله: ﴿وَلَا يُضَارَّ﴾.
نهىٌ للغائبِ غيرِ المخاطَبِ.
فتوجيهُ الكلامِ إلى ما كان نظيرًا لما في سياقِ الآيةِ، أولى من توجيهِه إلى ما كان مُنْعَدِلًا عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وإن تُضارُّوا الكاتبَ أو الشاهدَ، وما نُهِيتم عنه مِن ذلك، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
يعنى: إثمٌ بكم ومعصيةٌ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ الذي قلنا فيه.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
يقولُ: إِن تَفْعَلُوا غيرَ الذي آمرُكم به، فإنه فُسوقٌ بكم (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: والفسوقُ المعصيةُ (٢).
حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: والفسوقُ العصيانُ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن يُضَارَّ كاتبٌ فيكتبَ غيرَ الذي أمْلَى المُمْلِي، ويضارَّ شهيدٌ، فيحوِّلَ شهادتَه ويُغَيِّرَها، ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾.
يَعْنى: فإنه كَذِبٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾: الفسوقُ الكذبُ.
قال: هذا فسوقٌ؛ لأنه كذَب الكاتبُ (٤) فحوَّل كتابَه فكذَب، وكذَب الشاهدُ فحوَّل شهادتَه، فأخبَرهم اللَّهُ ﷿ أنه كذِبٌ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى على أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.
إنما معناه: [لا يُضارَّهما] (٥) المستكتِبُ والمستشهِدُ - بما فيه الكفايةُ.
فقولُه: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا﴾.
إنما هو إخبارٌ منه جل ثناؤه مُضَارَّهما بحكمِه فيهما، وأنه بضرَارِهما قد عصى ربَّه وأثِم به، وركِب ما لا يَحِلُّ له، وخرَج عن طاعةِ ربِّه في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾: وخافوا اللَّهَ أيها المتداينون في الكتّابِ والشهودِ أن تُضارُّوهم، وفى غيرِ ذلك من حدودِه أن تُضَيِّعوها.
ويعنى بقولِه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾: ويُبَيِّنُ اللَّهُ لكم الواجب لكم وعليكم فاعمَلوا به، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
يعنى: مِن أعمالِكم وغيرِها، يُحْصيها عليكم فيجَازِيكم بها.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾.
قال: هذا تعليمٌ علَّمكُموه فخُذوا به.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته القرأةُ في الأمصارِ جميعًا: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾.
بمعنى: ولم تَجِدُوا مَن يَكْتُبُ لكم كتابَ الدينِ الذي تَدايَنتُموه إلى أجلٍ مسمًّى، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
وقرَأه جماعةٌ من المتقدِّمين: (ولم تَجِدُوا كِتَابًا) (١).
بمعنى: ولم يَكُنْ لكم إلى اكتِتابِ كتابِ الدَّينِ سبيلٌ؛ إما بتَعَذُّرِ الدَّواةِ والصحيفةِ، وإما بتَعَذُّرِ الكاتبِ وإن وجَدتم الدواةَ والصحيفةَ.
والقراءةُ التي لا يَجُوزُ غيرُها عندَنا هي قراءةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾.
بمعنى: مَن يَكْتُبُ؛ لأن ذلك كذلك في مصاحفِ المسلمين، [وغيرُ جائزَةٍ القراءةُ بغيرِ ما في مصاحفِ المسلمين مُثْبَتٌ من القراءاتِ.
فإذا كان ذلك كذلك فتأويلُ الكلامِ] (١): وإن كنتم أيُّها المُدَاينون (٢) في سفرٍ بحيثُ لا تَجِدُون كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ولم يكنْ لكم إلى اكتتابِ كتابِ الدينِ الذي تَدايَنْتُموه إلى أجلٍ مسمًى بينَكم، الذي أمَرتُكم باكتتابِه والإشهادِ عليه - سبيلٌ، فارتهِنوا بدُيونِكم التي تَدايَنتُموها إلى الأجلِ المسمَّى رُهونًا تَقْبِضُونها ممن تُدايِنونه كذلك؛ ليكونَ ثقةً لكم بأموالِكم.
ذكرُ مَن قال ما قُلْنا في ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن جُويبرٍ، عن الضحاك قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾: فمن كان على سفرٍ فبايَع بيعًا إلى أجلٍ فلم يَجِدْ كاتبًا، فرُخِّص له في الرهان المقبوضةِ، وليس له إن وجَد كاتبًا أَن يَرْتَهِنَ (٣).
حُدِّثتُ عن عمار، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾.
يقولُ: كاتبًا يَكْتُبُ لكم، ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيد، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، قال: ما كان مِن بيعٍ إلى أجلٍ، فأمَر اللَّهُ ﷿ أن يُكْتَبَ ويُشْهَدَ عليه، وذلك في المُقامِ، فإن كان القومُ على سفرٍ فبايعوا إلى أجلٍ فلم يَجِدوا كاتبًا (١)، فرهانٌ مقبوضةٌ.
ذكرُ مَن تأوَّل ذلك على القراءةِ الأُخرَى (١) التي التي حكَيناها حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا يزيدُ بنُ أَبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا): يعنى بالكتابِ الكاتبَ والصحيفةَ والدواةَ والقلمَ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، قال: أخبَرني أبي، عن ابن عباس أنه قرَأ: (فإن لم تَجِدوا كتابًا).
قال: ربما وجَد الرجلُ الصحيفةَ ولم يَجِدْ كاتبًا (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا ابنَ أبي نجيحٍ، أن مجاهدًا كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا).
ويقولُ: ربما وُجِد الكُتَّابُ (٤) ولم تُوجَدِ الصحيفةُ والمدادُ.
ونحو هذا مِن القولِ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كتابًا) يقولُ: مِدادًا.
يَقْرَؤُها كذلك، يقولُ: فإن لم تَجِدوا مِدادًا، فعند ذلك تكونُ الرُّهونُ المقبوضةُ.
(فرُهُنٌ (١) مقبوضةٌ).
قال: لا تَكُونُ الرُّهُنُ إلا في السَّفَرِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ (٣)، عن شعيبِ بن الحُبَّحابِ، أن أبا العاليةِ كان يَقْرَؤُها: (فإن لم تَجِدُوا كتابًا).
قال أبو العاليةِ: قد تُوجَدُ الدواةُ ولا تُوجَدُ الصحيفةُ، [وربما وُجد الكاتبُ ولا توجدُ الصحيفةُ] (٤).
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٥).
بمعنى جِماعِ رَهْنٍ، كما الكِبَاشُ جمعُ كَبْشٍ، والبِغالُ جمعُ بَغْلٍ، والنِّعالُ جمعُ نَعلٍ.
وقرَأ ذلك جماعةٌ آخرون: (فَرُهُنٌ مقبوضة) (٦).
على معنى جَمع رِهانٍ، ورُهُنٌ جمعُ الجمعِ.
وقد وجَّهه بعضُهم إلى أنها جمعُ رَهْنٍ، مثلُ سَقْفٍ وسقُفٍ.
وقرَأه آخرون: (فَرُهْنٌ).
مخففةُ الهاءِ، على معنى جِماع رَهْنٍ، كما يُجْمَعُ السَّقْفُ سُقْفًا.
قالوا: ولا نَعْلَمُ اسمًا على فَعْلٍ يُجْمَعُ عَلى فُعُلٍ وفُعْلٍ، إِلا الرُّهُنَ والرُّهْنَ، والسُّقُفَ والسُّقْفَ.
والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان مِن اسمٍ على فَعْلٍ، كما يقال: حَبْلٌ وحِبالٌ، وكَعْبٌ وكِعابٌ، ونحوُ ذلك مِن الأسماءِ.
فأما جمعُ الفَعْلِ على الفُعُلِ أو الفُعْلِ، فشاذٌّ قليلٌ، إنما جاء في أحرفٍ يسيرةٍ، وقيل: سَقْفٌ وسُقُفٌ وسُقْفٌ، و: قَلْبٌ وقُلُبٌ وقُلْبٌ، مِن قَلْبِ النخلِ، وجَدٌّ وجُدٌّ، للجَدِّ الذي هو بمعنى الحظِّ.
وأما ما جاء مِن جمعِ فَعْلٍ على فُعْلٍ فـ "ثَطٌ وثُطٌّ"، ووَرْدٌ ووُرْدٌ، و [جَوْنٌ وجُونٌ] (١).
وإنما دعا الذي قرَأ ذلك: (فَرُهُنٌ).
إلى قراءتِه - فيما أظُنُّ - كذلك، مع شُذوذِه (٢) في جمعِ فَعْلٍ، أنه وجَد الرِّهانَ مستعملةً في رِهانِ الخيلِ، فأحبَّ صرفَ لفظِ ذلك عن اللفظِ المُلتبِسةِ برهانِ الخيلِ، الذي هو بغيرِ معنى الرِّهانِ، الذي هو جمعُ رَهْنٍ، ووجد الرُّهُنَ مَقُولًا في جمعِ رَهْنٍ، كما قال قَعْنبٌ (٣): بانَتْ سُعادُ وأَمْسَى دُونَها عَدَنُ … وغُلِّقَتْ (٤) عِنْدَها مِن قَلْبِكَ الرُّهُنُ القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن كان المَدينُ أمينًا عندَ رَبِّ المالِ والدَّينِ، فلم يَرْتَهِنْ منه في سفرِه رَهْنًا بدينِه؛ لأمانته عندَه على مالِه وثِقَتِه به، فليتقِ اللَّهَ المَدينُ ﴿رَبَّهُ﴾.
يَقُولُ: فليَخَفِ اللَّهَ رَبَّه في الذي عليه مِن دينِ صاحبِه أن (٥) يَجْحَدَه، أو يَلُطَّ (٦) دُونَه به، أو يُحاوِلَ الذهابَ به، فيَتَعَرَّضَ مِن عقوبةِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ له به، وليؤدِّ دينه الذي ائْتَمَنَه عليه إليه.
وقد ذكَرنا قولَ مَن قال: هذا الحكمُ مِن اللَّهِ ناسخُ الأحكامِ التي في الآيةِ قبلَها، مِن أمرِ اللَّهِ بالشهودِ والكتابِ، ودلَّلنا على أولى ذلك بالصوابِ مِن القولِ فيه، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
وقد حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾: إِنما يعنى بذلك في السَّفَرِ، فأما الحضَرُ، فلا، وهو واجدٌ كاتبًا، فليس له أن يَرْتَهِنَ ولا يَأْمَنَ بعضُهم بعضًا.
وهذا الذي قاله الضحاكُ مِن أنه ليس لربِّ الدَّينِ ائتمانُ المدينِ وهو واجدٌ إلى الكاتبِ والكتابِ والإشهادِ عليه سبيلًا، وإن كانا في سَفَرٍ، فكما قال؛ لما قد دلَّلنا على صحتِه فيما مضَى قبلُ.
وأما ما قال، مِن أنّ الأمرَ في الرَّهن أيضًا كذلك مثلُ الائتمانِ، في أنه ليس لربِّ الحقِّ الارتهانُ بمالِه إذا وجَد إلى الكاتبِ والشهيدِ سبيلًا في حضَرٍ أو سفرٍ - فإنه قولٌ لا معنى له؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنه اشترَى طعامًا نَساءً، ورهَن به دِرْعًا له (٢).
فجائزٌ للرجلِ أن يَرْهَنَ (٣) بما عليه، ويَرْتَهِنَ بما لَهُ مِن حقٍّ في السفرِ والحضَرِ؛ لصحة الخير بما ذكَرنا عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأن معلومًا أن النبيَّ ﷺ لم يكنْ حينَ رهَن ما (٤) ذكَرنا غيرَ واجدٍ كاتبًا ولا شهيدًا؛ لأنه لم يكنْ مُتَعذِّرًا عليه ما بمدينتِه في وقتٍ مِن الأوقاتِ الكاتبُ والشاهدُ، غيرَ أنهما إذا تبايعا برَهْنٍ، فالواجبُ عليهما إذا وجَدا سبيلًا إلى كاتبٍ وشهيدٍ، وكان البيعُ أو الدَّينُ إلى أجلٍ مسمًّى، أن يَكْتُبا ذلك ويُشْهدا على المالِ والرهنِ، وإنما يَجُوزُ تركُ الكتابِ والإشهادِ في ذلك، حيث لا يَكُونُ لهما إلى ذلك سبيلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾.
وهذا خطابٌ مِن اللَّهِ، جلَّ ثناؤُه، الشهودَ الذين أمَر المُستدينَ وربَّ المالِ بإشهادِهم، فقال لهم: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ولا تَكْتُمُوا أَيُّها الشهودُ بعدَ ما شهِدتم شهادتَكم عندَ الحاكمِ، كما شهِدتم على ما شهِدتم عليه، ولكن أجيبوا مَن شهِدتم له، إذا دعاكم لإقامةِ شهادتِكم على خَصمِه على حقِّه عندَ الحاكمِ الذي يأخُذُ له بحقِّه، ثم أخبرَ الشاهدَ جلَّ ثناؤُه ما عليه في كتمانِ شهادتِه، وإبائِه مِن أدائِها والقيامِ بها عندَ حاجةِ المُسْتَشْهِدِ إلى قيامِه بها عندَ حاكمٍ أو ذى سلطانٍ، فقال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا﴾.
يعنى: ومن يَكْتُمْ شهادتَه، ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
يقولُ: فاجرٌ قلبُه، مُكتَسِبٌ بكتمانِه إياها معصيةَ اللَّهِ.
كما حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَكْتُم شهادةً هي عندَه، وإن كانت على نفسه والوَالدَين، ومَن كتَمها فقد ركب إثمًا عظيمًا (١).
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾، يقولُ: فاجرٌ قلبُه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللَّهِ؛ لأن اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿مَنْ (١) يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢].
وشهادةُ الزورِ، وكِتمانُ الشهادةِ؛ لأن الله يقولُ: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (٢).
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقولُ: على الشاهدِ أن يَشْهَدَ حيثما اسْتُشِهدَ، ويُخْبِرَ بها حيثما اسْتُخْبِر.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال أخبَرنا ابن المباركِ، عن محمدِ بن مسلمٍ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إذا كانت عندَك شهادةٌ، فسألك عنها، فأخْبره بها، ولا تَقُلْ: أُخْبِرُ بها عندَ الأميرِ.
أخبِرْه بها، لعله يَرجِعُ أَو يَرْعَوِى (٣).
وأما قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
فإنه يَعْنى بذلك: بما تَعْمَلون في شهادتِكم، مِن إقامتِها والقيامِ بها، أو كتمانِكم إياها عندَ حاجةِ مَن اسْتَشْهَدَكم إليها، وبغيرِ ذلك مِن سرائرِ أعمالِكم وعلانِيتِها، ﴿عَلِيمٌ﴾ يُحْصِيه عليكم ليَجْزِيَكم بذلك كلِّه جزاءَكم؛ إما خيرًا وإما شرًّا، على قدرِ استحقاقِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: للَّهِ ملكُ كلِّ ما في السماواتِ وما في الأرضِ، مِن صغيرٍ وكبيرٍ، [وقليلٍ وكثيرٍ] (١)، وإليه تدبيرُ جميعِه، وبيدِه صَرْفُه وتَقْلِيبُه، لا يَخْفَى عليه منه شيءٌ؛ لأنه مدبرُه ومالكُه ومصرِّفُه.
وإنما عنى بذلك جلَّ ثناؤُه كِتمانَ الشهودِ الشهادةَ، يقولُ: لا تَكْتُموا الشهادةَ أيُّها الشُّهودُ، فإنه مَن يَكْتُمُها يَفْجُرْ قلبُه، ولن يَخْفَى عليَّ كِتمانُه ذلك؛ لأنى بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وبيَدى صرفُ كلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ وملْكُه، أعلمُ (٢) خفيَّ ذلك وجَليَّه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادةَ.
وعيدًا مِن اللَّهِ بذلك مَن كتَمها، وتخويفًا منه له به.
ثم أخبَرهم عما هو فاعلٌ بهم في آخرتِهم، وبمَن كان مِن نُظَرائِهم ممن انْطَوى كَشْحًا على معصيةٍ فأضمَرَها، أو أظهَر مُوبِقةً فأبداها مِن نفسِه، مِن المحاسبةِ عليها، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾.
يقولُ: وإِن تُظهِرُوا فيما عندَكم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾.
يَعْنى بذلك: يَحْتَسبْ به عليه مِن أعمالِه، فمجازٍ مِن شاء منكم مِن المسيئين سوءَ عملِه، وغافرٌ لمن شَاء منكم مِن المسيئين.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عنَى بقولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما قلنا، مِن أنه عنى به الشهودَ في كِتمانِهم الشهادةَ، وأنه لاحقٌ بهم كلُّ مَن كان مِن نُظرائِهم ممن أضْمَر معصيةً أو أبداها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا [ابن فُضيلٍ] (١)، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: يَعْنى في الشهادةِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
قال: في الشهادةِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سئِل داودُ عن قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
فحدَّثنا عن عكرمةَ، قال: هي الشهادةُ إذا كتَمتَها.
حدَّثنا المثنى (٤)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو (٥) أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
قال: في الشهادةِ (٦).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
قال: في الشهادةِ (٧).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخبَرنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: نزَلت في كِتمانِ الشهادةِ وإقامتِها (١).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
يعنى: كِتمانَ الشهادةِ وإقامتَها على وجهِها.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عباده أنه مُؤاخذُهم بما كسَبته أيديهم، وحدَّثتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلوه.
ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: ثم نسخ اللَّهُ ذلك بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مصعبِ بن ثابتٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا!
هلَكنا.
فأنزَل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال اللَّهُ: نعم".
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال الله: نعم" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا [أبي، عن] (١) سفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ، مولى خالدِ بن خالدٍ، قال: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
دخَل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخُلْها من شيءٍ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قولوا (٢): سمِعْنا وأطعْنا وسلَّمْنا".
قال: فألقى اللَّهُ الإيمانَ في قلوبِهم.
قال: فأَنزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ - [وقال ابن وكيعٍ: إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾] (١) - قال: فقال: قد فعَلتُ.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ مَا عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
قال: قد فعلتُ (٣).
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعَلتُ (٤).
حدَّثني أبو الردَّادِ المصريُّ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا أبو زرعةَ وهبُ اللَّهِ بن راشدٍ، عن حَيْوةَ بن شريحٍ، قال: سمِعت يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ يقولُ: قال ابن شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانةَ، قال: جئتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ.
ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه.
قال: ثم جئتُ عبد اللَّهِ بنَ العباسِ، فقلت: يا أبا العباسِ، إني جئتُ ابنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية.
ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ.
ثم بكَى حتى سالت دُموعُه، فقال ابن عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، لقد فَرِق أصحابُ رسولِ الله ﷺ منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
فنسَخ اللَّهُ الوَسْوَسَةَ، وأثبَت القولَ والفعلَ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ يُحَدِّثُ أنه بينَا هو جالسٌ مع (٢) عبدِ اللَّهِ بن عمرَ تلا هذه الآيةَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية.
فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ.
ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه.
فقال ابن مَرْجانةَ: فقُمْت حتى أَتَيْتُ ابن عباس، فذكَرتُ له ما تلا ابن عمرَ، وما فعَل حينَ تلاها، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرحمنِ، لَعَمْرِي لقد وجَد المسلمون منها حين أُنْزِلَت مثلَ مَا وَجَدَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، فأنزَل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخرِ السورةِ.
قال ابن عباسٍ: له فكانت هذه الوَسْوَسَةُ مما لا طاقةَ للمسلمين بها، وصار الأمرُ إلى أن قضَى اللَّهُ أن للنَفْس ما كسَبت، وعليها ما اكتَسَبَت في القولِ والفعلِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: سمعت الزهريَّ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا.
فبكى حتى سُمِع نشيجُه، فقام رجلٌ مِن عندِه، فأتى ابنَ عباسٍ، فذكَر ذلك له، فقال: يرحَمُ اللَّهُ ابنَ عمرَ، لقد وجَد المسلمون نحوًا مما وجَد، حتى نزَلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابن عمرَ فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية.
فبكَى، حتى دَخلتُ على ابن عباسٍ، فذكَرتُ له ذلك، فضحِك ابن عباسٍ فقال: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَمرَ، أَوَمَا يَدْرِى فيم أنْزِلَت [وكيف أنزلت] (٢)؟
إن هذه الآيةَ حينَ أُنْزِلَت غَمَّت أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ غَمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكنا.
فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا".
فنسَختها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
فتُجُوِّزَ لهم مِن حديثِ النفسِ وأُخِذوا بالأعمالِ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ أن أباه قرَأ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
فدمَعت عَيْناه، فبلغ صنيعُه ابنَ عباسٍ، فقال: يَرْحَمُ الله أبا عبدِ الرحمنِ، لقد صنَع كما صنَع أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ أُنْزِلَت، فنسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: نسَخت هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه (٣)] (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قالوا: أنُؤاخَذُ بما حدَّثنا به أنفسَنا ولم تَعْمَلْ به جَوارِحُنا؟
قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال: ويقولُ: قد فَعَلْت.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
قال: ويقولُ: فَعَلْتُ] (٣).
قال: فأُعطِيَتْ هذه الأمةُ خواتيمَ سورةِ "البقرةِ"، لم تُعْطَها الأممُ قبلَها.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال ثنا إسماعيلُ، عن عامرٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال: فنسَختها التي بعدَها؛ قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: نسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقولُه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾.
قال: يُحَاسَبُ بما أبَدى مِن سرٍّ أو أخْفى مِن سرٍّ، فنسَختها التي بعدَها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا سيارٌ، عن الشعبيِّ، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: فكان فيها شدةٌ، حتى نزَلت هذه الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
قال: فنسَخَت ما كان قبلَها (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
حتى بلغ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
فلما نزَلت نسَخت الآيةَ التي كانت قبلَها (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَذْكُرُ عن ابن مسعودٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: نسَخت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدة، عن محمدِ بن كعبٍ، وسفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نسَخت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامرٍ بمثلِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، عن (٤) حميدٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآية.
قال: نسَختها (٥): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قال: نسَخت هذه الآيةُ - يعنى قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ - الآيةَ التي قبلَها: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (٢).
حدَّثنا [الحسن بن يحيى] (٣)، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: نسَخَتْها قولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: اشتدَّت على المسلمين، وشقَّت مشقةً شديدةً، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو وقَع في أنفسِنا شيءٌ لم نَعْمَلْ به، واخَذنا اللَّهُ به؟
قال: "فلعلكم تقولُون كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: سمِعنا وعصَينا".
قالوا: بل سمِعنا وأطعْنا يا رسولَ اللَّهِ.
قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجُها عنهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
قال: فصيَّره إلى الأعمالِ، وترَك ما يَقَعُ في القلوبِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سيّارٍ (١) أبي الحكمِ، عن الشعبيِّ، عن أبي عُبَيدةَ بن (٢) عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: نسَخت هذه الآية التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرقو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كانوا يؤاخَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به!
واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ.
فنسَخها اللَّهُ بهذه الآيةِ التي بعدَها بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقُوا.
الآية.
حدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه قتادةَ، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: نسَخها قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٤).
وقال آخَرون - ممن قال: معنى ذلك الإعلامُ من اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عبادَه أنه مؤاخِذُهم بما كسَبته أيديهم وعمِلته جوارحُهم، وبما حدَّثَتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلُوه -: هذه الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، واللَّهُ محاسبٌ خلقَه على ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فإنها لم تُنْسَخُ، ولكنَّ الله ﷿ إذا جمَع بين الخلائقِ يومَ القيامةِ، يقولُ: إنى أخْبِرُكم بما أخفَيتم في أنفسِكم، مما لم تَطَّلِعْ عليه ملائكتي.
فأما المؤمنون فيُخْبِرُهم ويَغْفِرُ لهم ما حدَّثوا به أنفسَهم، وهو قولُه: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: يُخْبِرُكم.
وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
وهو قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشكِّ والنفاقِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فذلك سرُّ عملك وعلانيَتُه، يحاسبُك به اللَّهُ، فليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليَعْمَلَ به، فإن عمل به كُتِبَت له به عَشْرُ حسناتٍ، وإن هو لم يُقَدَّرْ له أن يَعْمَلَ به كُتِبَت له به حسنةٌ من أجلِ أنه مؤمنٌ، واللَّهُ يَرْضَى سرَّ المؤمنين وعلانيَتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسَه اطَّلَعِ اللَّهُ عليه، أخبَرهَ به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (٢) [الأحقاف: ١٦].
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
قال: قال ابن عباسٍ: إن الله ﵎ يقولُ يومَ القيامةِ: إِنَّ كُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شئِتُ، وأُعَذِّبُ مَن شِئتُ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عاصمٍ، قال: أخبَرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ قال اللَّهُ ﵎ يُسمِعُ الخلائقَ: إنما كان كُتّابى يكْتُبون عليكم ما ظهرَ منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شِئْتُ، وأعَذِّبُ مَن شِئْتُ.
حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا دُعِى الناسُ للحسابِ، أخبَرهم اللَّهُ بما كانوا يُسِرُّون في أنفسِهم مما لم يَعْمَلوه، فيقولُ: إنه كان لا يَعْزُبُ عنى شيءٌ، وإنى مخبِرُكم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تَكُنْ حَفَظَتى عليكم يطَّلِعون عليه.
فهذه المحاسبةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عُبَيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ نحوَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: هي مُحْكَمةٌ لم يَنْسَحُها شيءٌ، يقولُ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
يقولُ: يُعَرِّفُه اللَّهُ يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت في صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: هي مُحْكمةٌ لم تُنْسَخُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: مِن الشكِّ واليقينِ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
يَقُولُ: في اليقينِ والشكِّ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
فتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وإن تُبْدوا ما في أُنفسِكم مِن سيِّئِ (٣) الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخفوه فتُسِرُّوه في أنفسِكم، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أُحاسِبْكم به، فأَغْفِرُ كلَّ ذلك لأهلِ الإيمانِ بي، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكِّ والنفاقِ في ديني.
وأما على الروايةِ التي رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةِ عُبيدِ بن سليمانَ عنه، وعلى ما قاله الربيعُ بن أنسٍ، فإن تأويلَها: إن تُظْهِروا ما في أنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.
وأما قولُ مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عنه عليُّ بن أبي طلحةَ.
وقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهي غيرُ منسوخةٍ.
ووافَقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به (١) ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا وأخفَوا مِن أعمالِهم -: معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميعِ ما أبدَوه مِن سيِّئِ أعمالِهم وجميعِ ما أسروه، ومعاقبُهم عليه، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم في الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التي يَحْزَنون عليها ويألَمون لها (٢).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
قال: كانت عائشةُ تقولُ: مَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ والحزنِ مثلَ الذي همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلُها فكانت كفارتَه (٣).
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمُّ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاكِ، قال: قالت عائشةُ في ذلك: كلُّ عبدٍ همَّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدَّث بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ همُّه، لا يَنَالُه مِن ذلك شيءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا.
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادَ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أميةَ (١) أنها سألَت عائشةَ هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، و ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مُذ سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: "يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البِضاعةِ يَضَعُها في كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَّعُ لها، فيجدُها في ضِبْنِه (٢)، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ" (٣).
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ في حكمٍ إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ نفيُ الحكمِ الذي أعلَم عبادَه بقولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب عليه العبدُ مِن ذُنوبِه، وقد أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المجرمين أنهم حينَ تُعْرَضُ عليهم كُتبُ أعمالِهم يومَ القيامةِ يَقُولون: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
فأخبرَ أن كتبَهم مُحصِيةٌ عليهم صغائرَ أعمالِهم وكبائرَها، فلم تَكُن الكتبُ - وإن أحصَت صغائرَ الذنوبِ وكبائرَها - بموجِبٍ إحصاؤُها على أهلِ الإيمانِ باللَّهِ ورسولِه وأهلِ الطاعةِ له، أن يَكُونوا بكلِّ ما أحصَته الكتبُ مِن الذنوبِ معاقَبين؛ لأنه ﷿ وعدهم العفوَ عن الصغائرِ باجتنابِهم الكبائرَ، فقال في تنزيلِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١].
فكذلك (١) محاسبةُ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو محاسبُهم به من الأمورِ التي أخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجِبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبتُه إياهم، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ الله ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي، عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، عن ابن عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ ﷺ، قال: "يُدْنِي اللَّهُ ﷿ عبدَه المؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟
فيَقُولُ: نعم.
فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ.
ثم يُظْهِرُ له حسناتِه، فَيَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] - أو كما قال - وأما الكافرُ فإنه يُنادَى به على رُءوسِ الأشهادِ" (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدَيٍّ، عن (٢) سعيدٍ وهشامٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثِهما: عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، قال: بينما نحن نَطُوفُ بالبيتِ مع عبدِ اللهِ بن عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في النَّجْوَى؟
فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟
فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ (٣).
مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ به، قال: فإني قد ستَرتُها عليك في الدنيا وأنا أغْفِرُها لك اليومَ".
قال: "فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو كتابَه بيمينِه.
وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٤).
قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتِ، أعمالِه، حتى يُعرِّفَهُ تَفَضُّلَه عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعلُه، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ (٥) بعدَ تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه.
وذلك هو المغفرةُ التي قد وعَد عبادَه المؤمنين، فقال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فإن قال قائلٌ: فإن قوله ﷿: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ينبئُ عن أن جميعَ الخلقِ غير مؤاخَذين إلا بما كسَبَتْه أنفسُهم مِن ذنبٍ، ولا مثابين إلا بما اكتسبته مِن خيرٍ.
قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذٍ العبدُ بشيءٍ من ذلك إلا بفعلِ ما نُهى عن فعلِه، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ ﷿ إيانا على ما أخْفَته أنفسُنا بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن كان ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟
قيل له: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همٍّ همَّ به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا من وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرِ ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على ما أخفَته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ في اللَّهِ والمريةَ في وحدانيتِه، أو في نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، أو في المَعَادِ والبعثِ من المنافقين، على نحوِ ما قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بمثلِ قولِهما؛ من أن تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ﴾.
هو مَن كان إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمِرْيةَ في اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللَّهِ كفرًا، والموعودَ الغُفْران بقولِه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو الذي إخفاؤه (١) ما يُخْفِيه الهمَّةُ بالتقدمِ على بعضِ ما نهاه اللهُ عنه، مِن الأمورِ التي كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه وإباحتِه، فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعض ما أمَره اللهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ إباحةِ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه.
فإن الذي يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُّ به، ويُحَقِّقْ ما أخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدمِ عليه، لم يَكُنْ مأخوذًا، كما رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه" (١).
فهذا الذي وصَفْنا هو الذي يُحاسِبُ اللهُ ﵎ به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه.
فأما مَن كان ما أَخْفَتْه نفسُه شكًّا في اللهِ، وارْتِيابًا في نبوةِ أنبيائِه، فذلك هو الهالكُ المُخَلَّدُ في النارِ، الذي أوْعَده جلَّ ثناؤُه أن يعذِّبَه العذاب الأليمَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ فَتُظْهِروه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فتَنْطَوِى عليه نفوسُكم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فيُعرِّفُ مؤمنكم (٢) تفَضُّلَه بعفوِه عنه ومغفرتَه له، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافقِكم (٣) على شكِّه (٤) الذي انْطَوَت عليه نفسُه في وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةِ أنبيائِه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله على العفوِ عما أخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِمَّةِ بالخَطيئةِ، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ في توحيدِ اللهِ ونبوةِ أنبيائِه، ومُجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك مِن الأمور - قادرٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: صدَّق الرسولُ، يعني: رسولُ اللهِ ﷺ، فأقرَّ ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ يعنى: بما أُوحِى إليه من عندِ ربِّه من الكتابِ وما فيه من حلالٍ وحرامٍ، ووعدٍ ووَعيدٍ، وأمْرٍ ونهيٍ، وغيرِ ذلك مِن سائرِ ما فيه من المعانى التي حوَاها.
وذُكِر أن رسولَ اللهِ ﷺ لما نزَلَت هذه الآيةُ عليه قال: "يحقُّ (١) له".
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: هو ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾: ذُكر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ لما نَزَلت هذه الآيةُ قال: "ويحقُّ (١) له أن يُؤْمِنَ" (٢).
وقد قيل: إنها نزَلَت بعدَ قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ لأن المؤمنين برسولِ اللهِ ﷺ مِن أصحابه شقَّ عليهم ما توَعَّدَ اللهُ به مِن محاسبتِهم على ما أخْفَتْه نفوسُهم، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "لعلكم تقولون: سمِعْنا وعصَيْنا كما قالت بنو إسرائيلَ".
فقالوا: [بل نقولُ] (٣): سمِعْنا وأطَعْنا.
فأَنْزَلَ اللهُ لذلك مِن قولِ النبيِّ ﷺ وقولِ أصحابِه: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾.
يقولُ: وصدَّق المؤمنون أيضًا مع نبيِّهم ﵇ باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، الآيتين.
وقد ذكَرْنا قائلى ذلك قبلُ (١).
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأَةِ المدينةِ وبعضُ قرَأَةِ أهلِ العراِق ﴿وَكُتُبِهِ﴾ (٢) على وجهِ جمعِ الكتابِ، على معنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وجميعِ كتبِه التي أنْزَلَها على أنبيائِه ورسلِه.
وقرَأ ذلك جماعةٌ مِن قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (وكتابِه) (٣).
بمعنى: والمؤمنون كلٌّ آمَن باللهِ وملائكتِه وبالقرآنِ الذي أنْزَلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ.
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (وكتابِه) (٤).
ويقولُ: الكتابُ أكثرُ مِن الكتبِ.
وكان ابن عباسٍ يُوَجِّهُ تأويلَ ذلك إلى نحوِ قولِه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ١، ٢].
يعني جنسَ الناسِ وجنسَ الكتابِ، كما يقالُ: ما أكثرَ درهمَ فلانٍ ودينارَه.
ويُرادُ به جنسُ الدراهمِ والدنانيرِ.
وذلك وإن كان مذهبًا من المذاهبِ معروفًا، فإن الذي هو أَعْجَبُ إليَّ مِن القراءةِ في ذلك أن يُقْرَأَ بلفظِ الجمعِ؛ لأن الذي قبلَه جمعٌ، والذي بعدَه كذلك - أعْنِى بذلك: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ - فالْحاقُ "الكتبِ" في الجمعِ لفظًا به أعجبُ إليَّ مِن توحيدِه وإخراجِه في اللفظِ به بلفظِ الواحدِ؛ ليكونَ لاحقًا في اللفظِ والمعنى بلفظِ ما قبلَه وما بعدَه وبمعناه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.
وأما قولُه: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.
فإنه أَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك.
ففى الكلامِ في قراءةِ مَن قرأَ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ بالنون، متروكٌ قد استُغْنِى بدلالةِ ما ذُكِر عنه، وذلك المتروكُ هو "يقولون".
وتأويلُ الكلامِ: والمؤمنون كلٌّ آمن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه.
وترَك ذكْرَ "يَقُولُون" لدلالةِ الكلامِ عليه، كما ترَك ذكْرَه في قولِه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
بمعنى: يقولُون: سلامٌ عليكم.
وقد قرَأ ذلك جماعةٌ من المُتقدِّمين: (لا يُفَرِّقُ بينَ أحدٍ من رسلِه) بالياءِ (١)، بمعنى: والمؤمنون كلُّهم آمَن باللهِ وملائكتِه وكتبِه ورسلِه، لا يُفَرِّقُ الكلُّ منهم بينَ أحدٍ من رسلِه، فيُؤْمِنَ ببعضٍ ويَكْفُرَ ببعضٍ، ولكنهم يُصَدِّقون بجميعِهم، ويُقِرُّون أن ما جاءوا به كان مِن عندِ اللهِ، وأنهم دَعَوْا إلى اللهِ وإلى طاعتِه، ويُخالِفون في فعلِهم ذلك اليهودَ الذين أقَرُّوا بموسى وكذَّبوا بعيسى، والنصارى الذين أقَرُّوا بموسى وعيسى وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ وجحدوا نبوتَه، ومَن أَشْبَهَهم مِن الأممِ الذين كذَّبوا بعضَ رُسُلِ اللهِ وأَقَرُّوا ببعضٍ.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾: كما صنع القومُ - يعنى بني إسرائيلَ - قالوا: فلانٌ نبيٌّ وفلانٌ ليس نبيًّا، وفلانٌ نُؤْمِنُ به وفلانٌ لا نُؤْمِنُ به.
والقراءةُ التي لا نسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا بالنونِ: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾؛ لأنها القراءةُ التي قامَت حجتُها بالنقلِ المُستفيضِ الذي يَمْتَنِعُ معه التَّشاعُرُ (١) والتَّواطُؤُ والسهوُ والغَلَطُ، بمعنى ما وصَفْنا من: يقولون: لا نُفَرِّقُ بينَ أحدٍ مِن رسلِه.
ولا يُعْتَرَضُ بشاذٍّ مِن القراءةِ على ما جاءَت به الحجةُ نقلًا وراثةً (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: وقال الكلُّ مِن المؤمنين: سمِعنا قولَ ربِّنا وأمْرَه إِيَّانا بما أمَرَنا به، ونهيَه عما نهانا عنه ﴿وَأَطَعْنَا﴾.
يعنى: أطَعْنا رَبَّنا فيما أَلْزَمنَا مِن فرائضِه واسْتَعْبَدَنا به مِن طاعتِه، وسلَّمْنا له.
وقولُه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾.
يعني: وقالوا: غفرانَك ربَّنا.
بمعنى: اغْفِرْ لنا ربَّنَا غُفْرَانَك.
كما يُقالُ: سبحانَك.
بمعنى: نُسَبِّحُك سبحانَك.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى أن الغفرانَ والمغفرةَ السترُ مِن اللهِ ﷿ على ذنوبِ مَن غُفِر له، وصَفْحُه له عن هَتْكِ سترِه بها في الدنيا والآخرةِ، وعفوُه عن العقوبةِ عليه (٣).
وأما قولُه: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
فإنه يعنى جل ثناؤُه أنهم قالوا: وإليك يا ربَّنا مَرْجِعُنا ومَعادُنا، فاغْفِرْ لنا ذنوبَنا.
فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي نصَب: ﴿غُفْرَانَكَ﴾؟
قيل له: وقوعُه وهو مصدرٌ موقعَ الأمرِ، وكذلك تَفْعَلُ العربُ بالمصادرِ والأسماءِ إذا حلَّت محلَّ الأمرِ وأدَّت عن معنى الأمرِ نصَبَتها، فيقولون: شكرًا للهِ يا فلانُ، وحمدًا له.
بمعنى: اشْكُرِ الله واحْمَدْه.
والصلاةَ الصلاةَ، بمعنى: صَلُّوا.
ويَقُولُون في الأسماءِ: الله الله يا قومِ.
ولو رُفِع بمعنى: هو اللهُ، أو هذا اللهُ.
ووُجِّه إلى الخبرِ وفيه تأويلُ الأمرِ، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ (١): إن قومًا منهم عُمَيرٌ وأشبا … هُ عُمَيْرٍ ومنهمُ السَّفَّاحُ لجَدِيرون بالوفاءِ إذا قا … ل أخو النَّجْدةِ السِّلاحُ السلاحُ ولو كان قولُه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ جاء رفعًا في القراءةِ لم يكنْ خطأً، بل كان صوابًا على ما وصَفنا.
وقد ذُكر أن هذه الآيةَ لما نزَلَت على رسولِ اللهِ ﷺ ثناءً مِن الله عليه وعلى أمتِه، قال له جبريلُ ﷺ: إن الله ﷿ قد أحْسَن عليك وعلى أمتِك الثناءَ، فسَلْ ربَّك.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن حَكيمِ بن جابرٍ، قال: لمَّا أُنْزِلَ على رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
قال جبريلُ ﵇: إن الله ﵎ قد أحْسَن الثناءَ عليك وعلى أمتِك، فسَلْ تُعْطَهْ.
فسأل: " ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ " إلى آخرِ السورةِ (٢).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا فيَتَعَبَّدُها إلا بما يَسَعُها، فلا يُضَيِّقُ عليها ولا يَجْهَدُها.
وقد بيَّنا فيما مضَى قبلُ أن الوُسْعَ اسمٌ مِن قولِ القائلِ: وَسِعنى هذا الأمرُ (١).
مثلُ الجُهْدِ والوُجْدِ، مِن: جَهَدنى هذا الأمرُ، ووجَدْتُ منه.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
قال: هم المؤمنون، وسَّع اللهُ عليهم أمرَ دينِهم، فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقالَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (٢) [التغابن: ١٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ، قال: لما نزَلَت ضجَّ المؤمنون منها ضجةً، وقالوا: يا رسولَ اللهِ، هذا نَتوبُ من عملِ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ، فكيف نتوبُ مِن الوَسْوسةِ؟
كيف نَمْتَنِعُ منها؟
فجاء جبريلُ ﵇ بهذه الآيةِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
إنكم لا تَسْتَطِيعون أن تَمْتَنِعوا مِن الوَسْوسةِ (٣).
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾: ووسعُها طاقتُها، فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقوا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَهَا﴾: للنفسِ التي أخْبَر أنه لا يُكَلِّفُها إلا وسعَها.
يَقُولُ: لكلِّ نفسٍ ما اجْترَحَت وعمِلَت مِن خيرٍ.
﴿وَعَلَيْهَا﴾.
يعنى: وعلى كلِّ نفسٍ ﴿مَا اكْتَسَبَتْ﴾: ما عَمِلَت مِن شَرٍّ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ أَيْ: مِن خيرٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ أي: من شرٍّ.
أو قال: مِن سُوءٍ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
يقولُ: ما عمِلَت مِن خيرٍ، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
يقولُ: وعليها ما عمِلَت مِن شرٍّ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن الزهريِّ، عن عبدِ اللهِ بن عباسٍ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، عملُ اليدِ والرِّجْلِ واللسانِ (١).
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفسًا إلا ما يَسَعُها فلا يَجْهَدُها ولا يُضَيِّقُ عليها في أمرِ دينِها، فيُؤاخِذها بهِمَّةٍ إن همَّت، ولا بوَسْوَسةٍ إن عَرَضَت لها، ولا بخَطْرَةٍ إِن خَطَرَت بقلبِها، [ولكنه يؤاخذُها بما عمِلت فتعمَّدت وقصَدت عملَه من خيرٍ أو شرٍّ] (٢).
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وهو تعليمٌ مِن اللهِ عبادَه المؤمنين دعاءَه؛ كيف يَدْعُونه، وما يقولون في دعائِهم إياه، ومعناه: قولوا: ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إِن نَسِينا شيئًا فرَضْتَ علينا عملَه فلم نَعْمَلُه، أو أَخْطَأْنا في فعلِ شيءٍ نهيْتَنا عن فعلِه ففعَلْناه على غيرٍ قصدٍ منا إلى معصيتِك، ولكن على جَهالةٍ منا به وخطإٍ.
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾: إن نَسِينا شيئًا مما افْتَرَضْتَه علينا، أو أَخْطَأْنا شيئًا مما حَرَّمْتَه علينا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال: بلَغَنى أن النبيَّ ﷺ قال: "إن الله ﵎ تَجاوَز لهذه الأُمَّةِ عن نسيانِها وما حدَّثَت به أنفسَها" (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، قال: زعَم السديُّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال له جبريلُ ﷺ: فعل (٢) ذلك يا محمدُ (٣).
فإن قال لنا قائلٌ: وهل يَجوزُ أن يُؤاخِذَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه بما نَسُوا أو أَخْطَئوا، فيَسْأَلُوه ألا يُؤاخِذَهم بذلك؟
قيل: إن النسيانَ على وجهين؛ أحدُهما: على وجهِ التَّضْييعِ من العبدِ والتَّفْريطِ.
والآخرُ: على وجهِ عجزِ الناسى عن حفظِ ما اسْتُحْفِظ ووُكِّل به، وضعفِ عقلِه عن احتمالِه.
فأما الذي يكونُ من العبدِ على وجهِ التَّضْييعِ منه والتفريطِ، فهو تركٌ منه لما أُمِر بفعلِه، فذلك الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى اللهِ في تركِه مُؤاخَذتَه به، وهو النسيانُ الذي عاقَب اللهُ به آدمَ صلواتُ اللهِ عليه، فأَخْرَجَه مِن الجنةِ، فقال في ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥].
وهو النسيانُ الذي قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
فرغبةُ العبدِ إلى اللهِ ﷿ بقولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فيما إليه مِن نسيانٍ منه لما أُمِر بفعلِه، على هذا الوجهِ الذي وصَفْنا، ما لم يكنْ تركُه ما ترَك من ذلك تَفْريطًا منه فيه وتَضْييعًا، كفرًا باللهِ، فإن ذلك إذا كان كفرًا باللهِ، فإن الرغبةَ إلى اللهِ في تركِه المؤاخذةَ به غيرُ جائزةٍ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عبادَه أنه لا يَغْفِرُ لهم الشركَ به، فمسألتُه فِعْلَ ما قد أَعْلَمَهم أنه لا يَفْعَلُه خطأٌ، وإنما تجوزُ (١) مسألتُه المغفرةَ فيما كان (٢) مثلَ نسيانِه القرآنَ بعدَ حفظِه بتَشاغُلِه عنه وعن قراءتِه، وبمثلِ نسيانِه صلاةً أو صيامًا، باشتغالِه عنهما بغيرِهما حتى ضيَّعهما.
وأما الذي العبدُ به غيرُ مُؤاخَذٍ لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلةِ احتمالِ عقلِه ما وُكِّل بمراعاتِه، فإن ذلك مِن العبدِ غيرُ معصيةٍ، وهو به غيرُ آثمٍ، فذلك الذي لا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه أن يغفِرَه له؛ لأنه مسألةٌ منه له أن يَغْفِرَ له ما ليس له بذنبٍ، وذلك مثلُ الأمرِ يَغْلِبُ عليه وهو حَريصٌ على تذكُّرِه وحفظِه، كالرجلِ يَحْرِصُ على حفظِه القرآنَ بجِدٍّ منه، فيَقْرَؤُه ثم يَنْساه بغيرِ تَشاغُلٍ منه بغيرِه عنه، ولكن لعجزِ بِنْيَتِه عن حفظِه، وقلَّةِ احتمالِ عقلِه ذكْرَ ما أَوْدَع قلبَه منه، وما أشْبَهَ ذلك من النسيانِ، فإن ذلك مما لا تجوزُ مسألةُ الربِّ مغفرتَه؛ لأنه لا ذنب للعبدِ فيه فيُغْفَرَ له باكتسابِه.
وكذلك للخطإِ وجهان؛ أحدُهما: مِن وجهِ ما نُهِى عنه العبدُ، فيَأْتِيه بقصدٍ منه وإرادةٍ، فذلك خطأٌ منه وهو به مأخوذٌ، يُقالُ منه: خَطِئ فلانٌ وأَخْطَأَ.
فيما أَتَى مِن الفعلِ، وأثِم، إذا أتَى ما يأثمُ فيه وركِبه، ومنه قولُ الشاعرِ (١): الناسُ يَلْحَوْن (٢) الأميرَ إذا هم … خطِئوا الصوابَ ولا يُلامُ المُرْشَدُ بمعنى: أخْطَئوا الصوابَ.
وهذا الوجهُ الذي يَرْغَبُ العبدُ إلى ربِّه في صَفْحِ ما كان منه مِن إثمٍ عنه، إلا ما كان مِن ذلك كفرًا.
والآخرُ منهما: ما كان منه على وجهِ الجهلِ به، والظنِّ منه بأن له فِعْلَه، كالذي يَأْكُلُ في شهرِ رمضانَ ليلًا وهو يَحْسَبُ أن الفجرَ لم يَطْلُعْ، أو يُؤَخِّرُ صلاةً في يومٍ غَيْمٍ وهو يَنْتَظِرُ بتأخيرِه إياها دخولَ وقتِها، فيَخْرُجُ وقتُها وهو يَرَى أَن وقتَها لم يَدْخُلْ، فإن ذلك من الخطإِ الموضوعِ عن العبدِ الذي وضَع اللهُ ﷿ عن عبادِه الإثمَ فيه، فلا وجهَ لمسألةِ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه به.
وقد زعَم قومٌ أن مسألةَ العبدِ ربَّه ألا يُؤاخِذَه بما نسِى أو أخْطَأ، إنما هو فعلٌ منه لما أمرَه به ربُّه ﵎، أولمَا ندَبه إليه مِن التذلُّلِ له، والخضوعِ بالمسألةِ، فأما على وجهِ مسألتِه الصَّفْحَ عنه، فما لا وجهَ له عندَهم.
وللبيانِ على (٣) هؤلاء كتابٌ سنأتى فيه إن شاء اللهُ على ما فيه الكفايةُ لمن وُفِّق لفهمه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: قولوا: ربَّنا ولا تَحْمِلْ علينا إصرًا.
ويعنى بالإصْرِ العهدَ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١].
وإنما عنَى بقولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾: ولا تَحْمِلْ علينا عهدًا نَعْجِزُ عن القيامِ به ولا نَسْتَطِيعُه.
﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
يعني: على اليهودِ والنصارى الذين كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذت عهودُهم ومَواثيقُهم على القيامِ بها، فلم يَقُوموا بها، فعُوجِلوا بالعقوبةِ، فعلَّم اللهُ عزَّ جلَّ أمةَ محمدٍ ﷺ الرغبةَ إليه بمسألتِه ألا يَحْمِلَهم مِن عهودِه ومَواثيقِه على أعمالٍ - إن ضَيَّعوها أو أخْطَئوا فيها أو نَسُوها - مثلَ الذي حَمَل مَن قبلَهم، فيُحِلُّ بهم بخطئِهم فيه وتَضْييعِهم إياه مثلَ الذي أحَلَّ بمَن قبلَهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال: لا تَحْمِلْ علينا عهدًا وميثاقًا ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
يقولُ: كما غُلِّظ على مَن قبلَنا (١).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن قيسٍ الحَضْرميِّ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال: عهدًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِصْرًا﴾.
قال: عهدًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِصْرًا﴾.
يقولُ: عهدًا (١).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾: والإصرُ العهودُ التي كانت على مَن قبلَنا مِن اليهودِ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال: عهدًا لا نُطِيقُه ولا نَسْتَطيعُ القيامَ به، ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾، اليهودَ والنصارى، فلم يَقُوموا به، فأَهْلَكْتَهم (٣).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ: ﴿إِصْرًا﴾.
قال: المَواثيقَ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: الإصرُ العهدُ، ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١].
قال: عهْدي.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه] (٥) [﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾.
قال: عهدى (١)] (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾.
قال: عهدى (٣).
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَحْمِلْ علينا ذنوبًا وإثْمًا كما حَمَلْتَ ذلك على مَن قبلَنَا مِن الأممِ، فتَمْسَخنا قِرَدةً وخَنازيرَ كما مسَخْتَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكونيُّ، قال: ثنا بَقِيةُ بنُ الوليد، عن عليِّ بن هارونَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
قال: لا تَمْسَخْنا قردةً وخنازيرَ (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: قولُه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
لا تَحْمِلْ علينا ذنبًا ليس فيه توبةٌ ولا كفارةٌ (٤).
وقال آخَرون: معنى الإصْرِ بكسرِ الألفِ: الثِّقْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
يقولُ: التشديدُ الذي شدَّدْتَه على مَن قبلَنَا مِن أهلِ الكتابِ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سألْتُ - يعني مالكًا - عن قولِه: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال: الإصرُ الأمرُ الغَليظُ (٢).
فأما الأصْرُ بفتحِ الألفِ فهو ما عطَف به الرجلُ على غيرِه مِن رَحِمٍ أو قَرابةٍ، يقولُ: قد أصَرَتْنى رحِمى بينى وبينَ فلانٍ عليه.
بمعنى: عطَفَتْني عليه، و: ما يَأْصِرُني عليه، أيْ: ما يَعْطِفُنى عليه.
و: بينى وبينَه آصِرَةُ رحِمٍ تَأصِرُني عليه أصْرًا.
يعني به: عاطفةُ رحمٍ تَعْطِفُنى عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: وقولوا أيضًا: ربَّنا لا تُكَلِّفْنا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به لثِقَلِ حملِه علينا.
وكذلك كانت جماعةُ أهلِ التأويلِ يَتَأَوَّلونه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: تشديدٌ تُشَدِّدُ به، كما شدَّدتَ على مَن كان قبلنا (٣).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
قال: لا تُحَمِّلْنَا مِن الأعمالِ ما لا نُطِيقُ (٤).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: لا تَفْتَرِضْ علينا مِن الدين ما لا طاقةَ لنا به فنَعْجِزَ عنه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: مَسْخُ القِرَدةِ والخَنازيرِ (٢).
حدَّثني سَلَّامُ بنُ سالمٍ الخُزاعيُّ، قال: ثنا أبو حفصٍ عمرُ بنُ سعيدٍ التَّنُوخيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ شُعيبِ بن شابورَ (٣)، عن [سلّامِ بن سابورَ] (٤) في قولِه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
قال: الغُلْمةُ (٥).
حدثني موسى، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾: مِن التغليظِ والأغْلالِ التي كانت عليهم من التحريمِ (٦).
وإنما قلنا: إن تأويلَ ذلك: ولا تُكَلِّفْنا من الأعمالِ ما لا نُطِيقُ القيامَ به.
على نحوِ الذي قلنا في ذلك؛ لأنه عَقيبَ مسألةِ المؤمنين ربَّهم ألا يُؤَاخِذَهم إن نَسُوا أو أَخْطَئوا، ولا يَحْمِلَ عليهم إصرًا كما حمَله على الذين من قبلِهم، فكان إلحاقُ ذلك بمعنى ما قبلَه من مسألتِهم التَّيْسيرَ في الدِّينِ، أَوْلَى مما خالَف ذلك المعنى.
[فإن قال قائلٌ: أو كان جائزًا أن يُكَلِّفَهم ما لا طاقةَ لهم به فيَسْأَلُوه ألا يُكَلِّفَهم ذلك؟
قيل: إن تَكْليفَ ما لا يُطاقُ على وجْهَين: أحدُهما: ما ليس في بِنْيةِ المُكَلَّفِ احْتِمالُه، فذلك ما لا يَجوزُ تَكْليفُ الربِّ عبدَه بحالٍ، وذلك كتَكْليفِ الأعْمَى النَّظَرَ، وتكليفِ المُقْعَدِ العَدْوَ، فهذا النوعُ من التكليفِ هو الذي لا يَجوزُ أن يُضافَ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ، ولا تَجُورُ مسَأَلْتُه صرفَه وتَخْفِيفَه عنه؛ لأن ذلك مسألةٌ مِن العبدِ ربَّه - إن سأله - ألا يَفْعَلَ ما قد أَعْلَمَه أَنه لا يَفْعَلُه به.
والوجه الثاني: ما في بِنْيةِ المكلَّفِ احْتِمالُه، غيرَ أنه يَحْتَمِلُه بمشقةٍ شَديدةٍ وكُلْفةٍ عظيمةٍ، مَخُوفٍ على مُكَلَّفِه التَّضْيِيعُ والتَّفْريطُ؛ لغلَظِ مِحْنتِه عليه فيه، وذلك كتكْليفِ قَرْضٍ مَن أصاب جسدَه بولٌ موضعَ البولِ الذي أصابه بمِقْراضٍ، وكإقامةِ خمسين صلاةً في اليومِ والليلةِ، وما أشْبَهَ ذلك مِن الأعمالِ التي وإن كانت الأبْدانُ لها مُحْتَمِلةً؛ فإن الأغْلَبَ مِن أمرِها خوفُ التَّضْييعِ عليها والتَّقْصيرِ، فذلك هو الذي سأَل المؤمنون ربَّهم ألا يُحَمِّلَهم، ورغِبوا إليه في تَخْفيفِه وتَيْسيرِه عليهم؛ لأن ذلك من الأمورِ التي لو أمَر اللهُ تعالى ذكرُه بها عبادَه وتعَبَّدهم بها كان عدْلًا منه، وتَخفيفُه ذلك عنهم فضلٌ منه تفَضَّل به عليهم، ورحمةٌ منه بهم، فرغِب المؤمنون إلى ربِّهم في تَعَطُّفِه عليهم بفضلِه ورحمتِه، وإن كانت المنزلةُ الأخرى عدلًا منه، إذ كان في تفَضُّلِه عليهم التخفيفُ، وفى عدلِه عليهم التشديدُ الذي لا يُؤْمَنُ معه هَلاكُهم] (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
وفى هذا أيضًا من قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه خبرًا عن المؤمنين من مسألتِهم إياه ذلك، الدلالةُ الواضحةُ أنهم سألوه تَيْسيرَ فرائضِه عليهم بقولِه: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
لأنهم عقَّبوا ذلك بقولِهم: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾.
مسألةً منهم ربَّهم أن يعفوَ لهم عن تقصيرٍ إن كان منهم في بعض ما أمَرَهم به مِن فرائضِه، فيَصْفَحَ لهم عنه، ولا يُعاقِبَهم عليه، وإن خفَّ ما كلَّفهم مِن فرائضِه على أبدانِهم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال بعضُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾.
قال: اعْفُ عنا إن قصَّرْنا عن شيءٍ مِن أَمرِك مما أَمَرْتَنا به (١).
وكذلك قولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
يعنى: واسْتُرْ علينا زَلَّةً إن أتَيْناها فيما بينَنا وبينَك، فلا تَكْشِفْها ولا تَفْضَحْنا بإظهارِها.
وقد دلَّلْنا على معنى "المغفرةِ" فيما مضَى قبلُ (٢).
كما حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾: إِن انْتَهَكْنا شيئًا مما نهَيْتَنا عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: تغَمَّدْنا منك برحمةٍ تُنْجِينا بها من عقابِك، فإنه ليس بناجٍ مِن عقابِك أحدٌ إلا برحمتِك إياه دونَ عملِه، وليست أعمالُنا مُنْجِيتَنا إن أنت لم تَرْحَمْنَا فوفِّقْنا لما يُرْضِيك عنا.
كما حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.
قال: يقولُ: لا تَنالُ العملَ بما أَمَرْتَنا به، ولا نَتْرُكُ ما نهَيْتَنا عنه إلا برحمتِك.
قال: ولم يَنْجُ أحدٌ إلا برحمتِك (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾.
يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿أَنْتَ مَوْلَانَا﴾: أنت وليُّنا تَلِينا بنصرِك دونَ مَن عاداك وكفَر بك؛ لأنا مؤمنون بك ومُطِيعوك فيما أمَرْتَنَا ونَهَيْتَنا، فأنت وليُّ مَن أطاعك، وعدُوُّ مَن كفَر بك فعَصَاك ﴿فَانْصُرْنَا﴾؛ لأنا حِزْبُكَ ﴿عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ الذين جحَدوا وحدانيتَك، وعبَدوا الآلهةَ والأنْدادَ دونَك، وأطاعوا في معصيتِك الشيطانَ.
والمَوْلَى في هذا الموضعِ "المَفْعَلُ"، مِن: ولِى فلانٌ أمرَ فلانٍ، فهو يَلِيه ولايةً، وهو وليُّه ومولاه.
وإنما صارَت الياءُ مِن "مولى" ألفًا لانفتاحِ اللامِ قبلَها التي هي عينُ الاسمِ.
وقد ذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه لما أَنْزَل هذه الآيةَ على رسولِه ﷺ فتلاها رسولُ اللهِ ﷺ، استَجاب اللهُ له في ذلك كلِّه.
ذكرُ الأخبارِ التي جاءَت بذلك حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ ومحمدُ بنُ خلفٍ العسقلانيُّ، قالا: ثنا آدمُ العسقلانيُّ، قال: ثنا وَرْقاءُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾.
قال: قرَأَها رسولُ اللهِ ﷺ، فلما انتَهَى إلى قولِه: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾.
قال اللهُ: قد غَفَرْتُ لكم.
فلما قرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال اللهُ ﷿: [لا أواخذُكم.
فلما قرَأ: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال جلَّ ثناؤُه: لا أحمِلُ عليكم.
فلما قرَأ: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
قال اللهُ ﷿] (١): لا أحَمِّلُكم.
فلما قرَأ: [﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾.
قال الله ﷿: قد عفوت عنكم.
فلما قرَأ] (١): ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.
قال اللهُ ﷿: قد غفَرت لكم.
فلما قرَأ: ﴿وَارْحَمْنَا﴾.
قال اللهُ ﷿: قد رحِمْتُكم.
فلما قرَأ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: قد نصَرْتُكم عليهم (٢).
حدَّثني يحيَى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: أتَى جبريلُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهما وسلَّم فقال: يا محمدُ، قلْ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فقالها، فقال جبريلُ ﵇: قد فعَل.
وقال له: قلْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
فقالها، فقال جبريلُ ﷺ: قد فعَل.
فقال: قلْ: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾.
فقالها، فقال جبريلُ: قد فعل.
فقال: قلْ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
فقالها، فقال له جبريلُ ﷺ: قد فعَل (٣).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ أن هذه الآيةَ حين نزَلَت: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال له جبريلُ صلى الله عليهما وسلم: فعَل ذلك يا محمدُ.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
فقال جبريلُ في كلِّ ذلك: فعَل ذلك يا محمدُ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، قال: سَمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أنْزَل اللهُ ﷿: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
فقرَأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال: فقال: قد فعَلْتُ.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
فقال.
قد فعَلْتُ.
﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلتُ.
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعَلْتُ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مُصْعَبِ بن ثابتٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: أنْزَل اللهُ ﵎: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "قال اللهُ: نعم".
[﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "قال اللهُ ﷿: نعم] (٣) " (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ (١)، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: نزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
قال: ويقولُ: قد فعَلْتُ.
فأُعْطِيَت هذه الأمةُ خَواتيمَ سورةِ "البقرة"، ولم تُعْطَها الأممُ قبلَها.
حدَّثنا عليُّ بنُ حربٍ المَوْصليُّ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، قال: ثنا عَطَاءُ بنُ السائبِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ جَلَّ وعزَّ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ إلى قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾.
قال: قد غَفَرْتُ لكم.
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
قال: لا أؤاخِذُكم.
﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا﴾.
قال: لا أحْمِلُ عليكم.
إلى قولِه: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ إلى آخرِ السورةِ.
قال: قد عَفَوْتُ عنكم، وغفَرْتُ لكم، ورَحِمْتُكم، ونَصَرْتُكم على القومِ الكافرين (٢).
ورُوِى عن الضحاكِ بن مُزاحِمٍ أن إجابةَ اللهِ [﵎ في هذه الآيةِ كانت] (٣) للنبيِّ ﷺ خاصّةً.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبَرنا عُبَيْدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخرِ السورةِ: فإن جبريلَ ﵇ أقرَأَها نبيَّ اللهِ ﷺ، فسألها نبيُّ اللهِ ربَّه جلَّ ثناؤُه، فأعطاها إيّاه، فكانت للنبيِّ ﷺ خاصّةً (١).
حدَّثني المثنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ أن مُعاذًا كان إذا فرَغ من هذه السورةِ: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾.
قال: آمينَ (٢).