تفسير الطبري سورة الزمر

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الزمر

تفسيرُ سورةِ الزمر كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 161 دقيقة قراءة

تفسير سورة الزمر كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

﷽ تفسيرُ سورةِ "الزُّمَرِ" القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: تَنزِيلُ (١) الكتابِ الذي نزَّلناه عليك يا محمدُ، مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ في انتقامِه مِن أعدائِه، الحَكيمِ في تدبيرِه خلقَه، لا مِن غيرِه، فلا تكوننَّ في شكٍّ من ذلك.

ورُفِع قولُه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بقولِه: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾.

وتأويلُ الكلامِ: مِن الله العزيزِ الحكيمِ تنزيلُ الكتابِ.

وجائزٌ رفْعُه بإضمارِ "هذا"، كما قيل: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: ١].

غيرَ أن الرفعَ في قولِه: ﴿تَنْزِيلُ﴾ بما بعدَه، أحسنُ مِن رفعِ ﴿سُورَةٌ﴾ بما بعدَها؛ لأن ﴿تَنْزِيلُ﴾ وإن كان فعلًا، فإنه إلى المعرفةِ أقربُ، إذ كان مضافًا إلى معرفةٍ، فحسُن رفعُه بما بعدَه، وليس ذلك بالحسنِ في ﴿سُورَةٌ﴾؛ لأنه نكرةٌ.

وقولُه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنا أنزَلنا إليك يا محمدُ الكتابَ.

يعنى بالكتابِ القرآنَ، ﴿بِالْحَقِّ﴾.

يعنى: بالعدلِ.

يقولُ: أنزَلنا إليك هذا القرآنَ يأمرُ بالحقِّ والعدلِ، ومِن ذلك الحقِّ والعدلِ أن تعبدَ الله مخلِصًا له الدينَ؛ لأن الدينَ له، لا للأوثانِ التي لا تملِكُ ضَرًّا ولا نفْعًا.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْكِتَابَ﴾.

قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾: يعنى القرآنَ (١).

وقولُه: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فاخْشَعْ لله يا محمدُ بالطاعةِ، وأخلِصْ له الألوهةَ، وأفرِدْه بالعبادةِ، ولا تجعَلْ له في عبادتِك إياه شريكًا، كما فعَله (٢) عَبَدَةُ الأوثانِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن حفصٍ، عن شِمْرٍ، قال: يُؤْتَى بالرجلِ يومَ القيامةِ للحسابِ، وفي صحيفتِه أمثالُ الجبالِ مِن الحسناتِ، فيقولُ ربُّ العزةِ ﵎: صلَّيتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صلَّى فلانٌ.

أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، صُمْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: صام فلانٌ.

أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ، تصدَّقْتَ يومَ كذا وكذا ليقالَ: تصدَّق فلانٌ.

أنا الله لا إلهَ إلا أنا، لىَ الدينُ الخالصُ.

فما يزالُ (٣) يمْحو شيئًا بعدَ شيءٍ، حتى تَبْقَى صحيفتُه ما فيها شيءٌ، فيقولُ ملَكاه: يا فلانُ، ألِغَيرِ اللهِ كنتَ تعملُ؟

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.

فالتوحيدُ.

و ﴿الدِّينَ﴾ منصوبٌ بوقوعِ ﴿مُخْلِصًا﴾ (١) عليه.

وقولُه: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ألا للهِ العبادةُ والطاعةُ وحدَه لا شريكَ له، خالصةً لا شِركَ لأحدٍ معه فيها، فلا ينبغى ذلك لأحدٍ؛ [لأن كلَّها دونَه ومِلْكُه] (٢)، وعلى المَمْلوكِ طاعةُ مالِكهِ، لا (٣) مَن لا يملكُ منه شيئًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾: شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللهُ (٤).

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين اتخذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ يَتَولَّونهم، ويعبُدونهم مِن دونِ اللهِ، يقولون لهم: ما نعبُدُكم أيُّها الآلهةُ إلا لتقرِّبونا إلى اللهِ زُلْفَى؛ قربةً ومنزلةً، وتشْفَعوا لنا عندَه في حاجاتِنا.

وهي فيما ذُكِر في قراءةِ أُبيٍّ: (ما نَعْبُدُكُمْ)، وفي قراءةِ عبدِ اللهِ: (قالُوا ما نَعْبُدُهُمْ) (٥).

وإنما حسُن ذلك لأن الحكايةَ إذا كانت بالقولِ - مضمرًا كان أو ظاهرًا - جُعِل الغائبُ أحيانًا كالمخاطَبِ، ويُتركُ أخرى كالغائبِ، وقد بيَّنْتُ ذلك في موضعِه فيما مضَى (١).

حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ عبدِ اللهِ: (قالُوا ما نَعْبُدُهُم).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

قال: قريشٌ تقولُه للأوثانِ، ومَن قَبْلَهم يقولُه للملائكةِ ولعيسى ابن مريمَ ولعُزَيرٍ (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

قالوا: ما نعبُدُ هؤلاء إلا (٣) ليشفَعوا لنا عندَ اللهِ (٤).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولهِ: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

قال: هي منزلةٌ (٥).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧].

يقولُ سبحانه: لو شئتُ لجمعتُهم على الهُدَى أجمعين (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.

قال: قالوا: هم شفعاؤنا عندَ اللهِ، وهم الذين يقرِّبوننا إلى اللهِ زُلْفى يومَ القيامةِ، للأوثانِ، والزَّلْفى القُربُ (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله يَفْصِلُ بين هؤلاء الأحزابِ الذين اتخذوا في الدنيا مِن دونِ اللهِ أولياءَ - يومَ القيامةِ، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من عبادتِهم ما كانوا يعبُدون فيها، بأن يُصْلِيَهم جميعًا جهنمَ، إلا مَن أخلَص الدينَ للهِ، فوحَّده ولم يُشرِكْ به شيئًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى الحقِّ ودينهِ الإسلامِ، والإقرارِ بوحدانيتِه، فيوفقَه له، ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ مُفْترٍ على اللهِ، يتقوَّلُ عليه الباطلَ، ويُضيفُ إليه ما ليس مِن صفتِه، ويزعُمُ أن له ولدًا افتراءً عليه، ﴿كَفَّارٌ﴾ لنِعَمِه، جَحُودٌ لربوبيتِه.

وقولُه: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لو شاء اللهُ اتخاذَ ولدٍ - ولا ينْبغِى له ذلك - ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.

يقولُ: لاختار مِن خَلْقِه ما يشاءُ.

وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾.

يقولُ: تنزيهًا للهِ عن أن يكونَ له ولدٌ، وعما أضاف إليه المشركون به من شِركِهم، ﴿هُوَ اللَّهُ﴾.

يقولُ: هو الذي يعبدُه كلُّ شيءٍ، ولو كان له ولدٌّ لم يكنْ له عبدًا، يقولُ: فالأشياءُ كلُّها له مِلكٌ، فأَنَّى يكونُ له ولدٌ، وهو الواحدُ الذي لا شريكَ له في مُلْكِه وسلطانِه، والقهَّارُ الخَلْقِه بقدرتِه!

فكلُّ شيءٍ له متذلِّلٌ، ومن سَطْوتِه خاشعٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه واصفًا نفسَه بصفتِها (١): ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾.

يقولُ: يُغْشِى هذا على هذا، وهذا على هذا، كما قال: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾.

يقولُ: يحمِلُ الليلَ على النهارِ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾.

قال: يُدَهُوِرُه (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾.

قال: يُغْشِي هذا هذا، ويُغْشِي هذا هذا (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾.

قال: يجيءُ بالنهارِ وَيَذهَبُ بالليلِ، ويجيءُ بالليلِ ويَذْهَبُ بالنهارِ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولهِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾: حينَ يذهبُ بالليلِ ويكوِّرُ النهارَ عليه، ويذهبُ بالنهارِ ويكوِّرُ الليلَ عليه.

وقولُه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وسخَّر الشمسَ والقمرَ لعبادِه، ليعلَموا بذلك عددَ السنينَ والحسابَ، ويعرِفوا الليلَ مِن النهارِ لمصلحةِ معاشِهم، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

يقولُ: كلُّ ذلك، يعنى الشمس والقمر، ﴿يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

يعنى: إلى قيام الساعة، وذلك إلى أن تُكوَّرَ الشمسُ، وتَنكدِرَ النجومُ.

وقيل: معنى ذلك أن لكلِّ واحدٍ منهما منازلَ، لا تَعْدوه ولا تَقْصُرُ دونَه، ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال، وأنعم على خلقه هذه النعم، هو العزِيزُ في انتقامِه ممن عاداه، الغَفَّارُ لذنوبِ عبادِه التائبِين إليه منها، بعَفْوِه لهم عنها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أيُّها الناسُ، ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.

يعني: مِن آدمَ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.

يقولُ: ثم جعَل مِن آدمَ زوجَه حواءَ، وذلك أن الله خلَقها مِن ضِلَعٍ مِن أضلاعِه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: يعنى آدمَ، ثم خلَق منها زوجَها حواءَ؛ خلَقها مِن ضِلَعٍ مِن أضْلاعِه (١).

فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.

وإنما خُلِق ولدُ آدمَ من آدمَ وزوجتِه، ولا شكَّ أن الوالدَين قبلَ الولدِ؟

فإن في ذلك أقوالًا؛ أحدُها: أن يقال: قيل ذلك لأنه روى عن رسول الله ﷺ أن الله لمَّا خَلَقَ آدمَ مسَح ظهرَه، فأخرَج كلَّ نَسَمَةٍ هي كائنةٌ إلى يومِ القيامِة، ثم أسْكَنه بعدَ ذلك الجنةَ، وخَلَق بعدَ ذلك حواءَ من ضِلَعٍ مِن أضْلاعِه (١)، فهذا قولٌ.

والآخرُ: أن العربَ ربَّما أخبَر الرجلُ منهم عن رجلٍ بفعلَين، فيَرُدُّ الأولَ منهما في المعنى بـ "ثم"، إذا كان مِن خبرِ المتكلمِ، كما يقالُ: قد بلَغنى ما كان منك اليومَ، ثم ما كان منك أمسِ أعجبُ.

فذلك نَسَقٌ من خبر المتكلم، والوجه الآخرُ: أن يكونَ خلقُه الزوجَ مردودًا على ﴿وَاحِدَةٍ﴾ كأنه قيل: خلَقكم من نفسٍ وحدَها، ثم جعَل منها زوجَها.

فيكون في ﴿وَاحِدَةٍ﴾ معنى: خلَقها وحدَها، كما قال الراجزُ (٢): أعْدَدْتَه للخضمِ ذى التَّعَدِّى كَوَّحْتَه منك بدونِ الجَهْدِ بمعنى: الذي إذا تَعَدَّى كوَّحْتَه، ومعنى: كَوَّحْتَه: غَلَبْتَه.

والقولُ الذي يقولُه أهلُ العلمِ أَولى بالصوابِ، وهو القولُ الأَوَّلُ الذي ذكرتُ أنه يقالُ: إن الله أخرَج ذريةَ آدمَ مِن صُلْبِه قبل أن يخلُقَ حواءَ، وبذلك جاءت الروايةُ عن جماعةٍ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، والقولان الآخران على مذاهبِ أهلِ العربيةِ (٣).

وقولُه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وجعَل لكم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ؛ مِن الإبلِ زوجَين، ومِن البقرِ زوجَين، ومِن الضأنِ اثنَين، ومِن المعْزِ اثنَينِ، كما قال جلَّ ثناؤهُ: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣].

كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.

قال: مِن الإبلِ والبقرِ والضأنِ والمعزِ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾: من الإبلِ اثنَين، ومِن البقرِ اثنَين، ومِن الضأنِ اثنَين، ومن المَعْزِ اثنَين، مِن كُلِّ واحدٍ زوجٌ (٢).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾.

يعنى: مِن المَعْزِ اثنَين، ومِن الضأْنِ اثنَين، ومِن البقرِ اثنَين، ومِن الإبلِ اثنَين (٣).

وقولُه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: يبتدئُ خلقَكم أيُّها الناسُ في بُطُونِ أمهاتِكم خلقًا مِن بعدِ خلقٍ.

وذلك أنه يُحْدِثُ فيها نُطْفَةً، ثم يجعلُها عَلَقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا، ثم يَكْسو العظامَ لحمًا، ثم يُنْشِئُه خلقا آخرَ، تبارك اللهُ ربُّنا وتعالى، فذلك خَلْقُه إيَّاه خلقًا بعدَ خلقٍ.

كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ؛ عن عكرمةَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

قال: نُطْفةً، ثم عَلَقةً، ثم مُضْعَةً (١) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

قال: نطفةً، ثم ما يَتْبَعُها، حتى تَمَّ خلقُه (٢).

حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا، ثم لحمًا، ثم أنبتَ الشعرَ؛ أطوارَ الخلقِ (٣).

حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

قال: يخلقِ (٤) بعدَ الخلقِ؛ علقةً، ثم مُضْغَةً، ثم عظامًا.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

قال: يكونون نُطَفًا، ثم يكونون عَلَقًا، ثم يكونون مُضَعًا، ثم يكونون عظامًا، ثم يُنفخُ فيهم الروحُ (٥).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾: خُلِق نطفةً، ثم علقةً، ثم مُضْغةً (٦).

وقال آخرون: بل معني ذلك: يخلُقُكم في بُطُونِ أمهاتِكم مِن بعدِ خلقِه إيَّاكم في ظهرِ آدمَ.

قالوا: فذلك هو الخلقُ مِن بعدِ الخلقِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.

قال: خَلْقًا في البطونِ، مِن بعدِ الخلقِ الأَوَّلِ الذي خلَقكم في (١) ظهرِ آدمَ.

وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ، القولُ الذي قالَه عكرمةُ ومجاهدٌ ومَن قال في ذلك مثلَ قولِهما؛ لأن الله جلَّ وعزَّ أخبر أنه يخلقُنا خلقًا مِن بعدِ خلقٍ في بُطُونِ أمهاتِنا في ظُلُماتٍ ثلاثٍ، ولم يخبرْ أنه يخلقُنا في بطونِ أمهاتِنا مِن بعدِ خلقِنا في ظهرِ آدمَ، وذلك نحو قولِه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ الآية [المؤمنون: ١٢ - ١٤].

وقولُه: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

يعنى: في ظلمةِ البَطنِ، وظلمةِ الرَّحِمِ، وظُلْمةِ المَشِيمةِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السُّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سِماكٍ، عن عكرمة: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: الظلماتُ الثلاثُ البَطنُ، والرحمُ، والمَشِيمةُ.

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: البطنِ، والمشيمةِ، والرحمِ (١) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: يعني بالظلماتِ الثلاث، بطنَ أمِّه، والرَّحِمَ، والمَشِيمةَ (٢).

حدَّثني محمد بن عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: البطنِ، والرحم، والمَشِيمةِ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: المَشِيمةِ، والرحمِ، والبطنِ (٤).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: ظلمةِ (٥) المَشِيمةِ، وظلمةِ الرحمِ، وظلمةِ (٦) البطنِ (٧).

حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾.

قال: المشيمةُ في الرحمِ، والرحمِ في البطنِ (٧).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾: الرحمِ، والمَشِيمةِ، والبطن (١).

والمَشِيمةُ: التي تكونُ على الولدِ إذا خرَج، وهى من الدوابِّ: السَّلا.

وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل هذه الأفعالَ أيُّها الناسُ هو ربُّكم، لا مَن لا يجلُبُ لنفسِه نفعًا، ولا يدفعُ عنها ضُرًّا، ولا يسوقُ إليكم خيرًا، ولا يدفعُ عنكم سُوءًا، مِن أوثانِكم وآلهتِكم.

وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ﴾.

يقولُ جل وعز: لربِّكم أيُّها الناسُ الذي صفتُه ما وصَف لكم، وقُدْرتُه ما بيَّن لكم - المُلْكُ مُلْكُ الدنيا والآخرة وسلطانُهما، لا لغيره، فأما ملوكُ الدنيا فإنما يملكُ أحدُهم شيئًا دونَ شيءٍ، فإنما له خاصٌّ مِن المُلْكِ، وأما المُلْكُ التامُّ الذي هو المُلْكُ بالإِطلاقِ، فللهِ الواحد القهارِ.

وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لا ينبغى أن يكونَ معبودٌ سِواه، ولا تصلحُ العبادةُ إلا له، ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأَنَّى تُصْرَفون أيُّها الناسُ فتذهَبون عن عبادةِ ربِّكم، الذي هذه الصفةُ صفتُه، إلى عبادةِ مَن لا ضُرَّ عندَه لكم ولا نفعَ؟!

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

قال: كقولِه: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ (٢) [الأنعام: ٩٥].

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾.

قال للمشركين: أنَّى تُصْرَفُ عقولُكم عن هذا؟

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك لخاصٍّ مِن الناسِ، ومعناه: إن تكفُروا أيُّها المشركون باللهِ، فإن الله غنيٌّ عنكم، ولا يَرْضَى لعبادِه المؤمنين الذين أخلَصهم لعبادتِه وطاعتِه - الكفرَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.

يعنى الكفارَ الذين لم يُرِدِ اللهُ أن يُطَهِّرَ قلوبَهم فيقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.

ثم قال: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، وهم عبادُه المُخْلِصون الذين قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].

فألزَمهم شهادةَ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وحَبَّبها إليهم (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.

قال: لا يرضَى لعبادِه المؤمنين أن يكفُروا (٢).

وقال آخرون: بل ذلك عام لجميع الناس، ومعناه: أيها الناسُ إن تكفروا، فإن الله غنيٌّ عنكم، ولا يرضى لكم أن تكفُروا به.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قال جلَّ ثناؤه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ باللهِ أَيُّها الكفارُ به، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عن إيمانِكم وعبادتِكم إيَّاه، ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.

بمعنى: ولا يَرْضَى لعبادِه أن يكفُروا به، كما يقالُ: لستُ أحبُّ الظلمَ، وإن أحببتُ أن يظلِمَ فلانٌ فلانًا فيُعاقبَ.

وقولُه: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.

يقولُ: وإن تؤمِنوا بربِّكم وتُطِيعوه، يَرْضَ شُكْرَكم له.

وذلك هو إيمانُهم به وطاعتُهم إياه، فكَنَى عن الشكرِ ولم يُذْكَرْ، وإنما ذَكَر الفعلَ الدالَّ عليه، وذلك نظيرُ قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣].

بمعنى: فزادَهم قولُ الناسِ لهم ذلك إيمانًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾.

قال: إن تُطِيعوا يَرْضَه لكم.

وقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

يقولُ: لا تأْثَمُ آثمةٌ إِثمَ آثمةٍ أخرى غيرِها، ولا تؤخَذُ إلا بإثمِ نفسِها.

يُعْلِمُ ﷿ عبادَه أن على كلِّ نفسٍ ما جَنَت وأنها لا تؤخَذُ بذنبِ غيرِها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.

قال: لا يُؤْخَذُ أحدٌ بذنبِ أحدٍ.

وقولُه: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم بعدَ اجْتراحِكم في الدنيا ما اجْتَرحْتُم مِن صالحٍ وسَيِّئٍ، وإيمانٍ وكفرٍ أَيُّها الناسُ، إلى ربِّكم مصيرُكم من بعد وفاتِكم، ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾.

يقولُ: فيخبرُكم بما كنتم في الدنيا تعمَلون مِن خيرٍ وشرٍّ، فيُجازِيكم على كلِّ ذلك جزاءَكم؛ المحسنَ منكم بإحسانِه، والمسيءَ بما يَسْتحِقُّه، يقولُ ﷿ لعبادِه: فاتَّقُوا أن تَلْقَوا رَبَّكم وقد عمِلتُم في الدنيا بما لا يَرْضاه منكم فتَهْلِكوا، فإنه لا يخفَى عليه عملُ عاملٍ منكم.

وقولُه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن الله لا يَخْفَى عليه ما أضمرَته صدورُكم، أيُّها الناسُ، مما لا تُدْرِكُه أعينُكم، فكيف بما أدركَته العيونُ، ورأتْه الأبصارُ؟

وإنما يعنى جلّ ثناؤه بذلك، الخبرَ عن أنه لا يخفَى عليه شيءٌ، [وأنه مُحْصٍ على عبادِه أعمالَهم ليجازيَهم بها] (١)، كي يَتَّقُوه في سِرِّ أمورِهم وعلانيتِها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا مسَّ الإنسانَ بَلاءٌ في جسدِه مِن مرضٍ، أو عاهةٍ، أو شدّةٍ في معيشتِه، وجهدٍ وضيقٍ، ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾.

يقولُ: استغاثَ بربِّه الذي خلقَه، من شدَّةِ ذلك، ورغِب إليه في كشفِ ما نزَل به من شدةِ ذلك.

وقولُه: ﴿مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾.

يقولُ: تائبًا إليه مما كان مِن قبلِ ذلك عليه مِن الكفرِ به، وإشراكِ الآلهة والأوثانِ به في عبادتِه، راجعًا إلى طاعتِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾.

قال: الوجعُ والبلاءُ والشدةُ، ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾.

قال: مُسْتَغِيثًا به.

وقولُه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا منَحه ربُّه نعمةً منه، يعنى عافيةً، فكشَف عنه ضُرَّه، وأبدَله بالسَّقمِ صحةً، وبالشدةِ رخاءً.

والعربُ تقولُ لكلِّ مَن أعطَى غيرَه مِن مالٍ أو غيرِه: قد خَوَّله.

ومنه قولُ أبي النَّجْمِ العِجْلِيِّ (١): أعطَى * فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ … كُومَ الذُّرَا مِن خَوَلِ المُخَوَّلِ وحُدِّثْتُ عن أبي عُبَيدةَ معمرِ بن المثنى أنه قال: سمعتُ أبا عمرٍو يقولُ في بيتِ زُهَيرٍ (٢): هنالك إن يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا … وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلوا قال معمرٌ: قال يونسُ: إنما سمِعناه: * هنالك إِن يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبَلُوا * قال: وهى معناها.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: إذا أصابَته عافيةٌ أو خيرٌ.

وقولُه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾.

يقولُ: ترَك دعاءَه الذي كان يَدْعو إلى الله من قبلِ أن يُكشِفَ ما كان به مِن ضُرٍّ، ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.

يعنى: شركاءَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿نَسِيَ﴾.

يقولُ: ترك، هذا في الكافرِ خاصةً.

ولـ "مَا" التي في قولِه: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ﴾.

وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ بمعنى "الذي"، ويكونَ معنى الكلامِ حينَئذٍ: ترَك الذي كان يَدْعوه في حالِ الضُّرِّ الذي كان به.

يعنى به الله تعالى ذكرُه فتكونُ "مَا" موضوعةً عندَ ذلك موضعَ "مَن"، كما قيل: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥].

يعنى به الله، وكما قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

والثاني: أن يكونَ بمعنى المصدرِ على ما ذكرتُ، وإذا كانت بمعنى المصدرِ، كان في "الهاءِ" التي في قولِه: ﴿إِلَيْهِ﴾.

وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ مِن ذكرِ ﴿مَا﴾.

والآخرُ: مِن ذكرِ الربِّ.

وقولُه: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.

يقولُ: وجعَل للهِ أمثالًا وأشْباهًا.

ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي جعَلوها فيه له أندادًا؛ فقال بعضُهم: جعَلوها له أندادًا في طاعتِهم إيَّاهم في معاصى اللهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.

قال: الأندادُ مِن الرجال، يُطيعونهم في معاصى اللهِ (١).

وقال آخرون: عُنِى بذلك أنه عبَد الأوثانَ، فجعَلها للهِ أندادًا في عبادتِهم إيَّاها.

وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِي به أنه أطاعَ الشيطانَ في عبادةِ الأوثانِ، فجعَل له الأوثانَ أندادًا؛ لأن ذلك في سياقِ عتابِ اللهِ إيَّاهم على عبادتِها.

وقولُه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.

يقولُ: ليُزيلَ مَن أرادَ أن يُوحِّدَ الله ويؤمنَ به، عن توحيدِه والإقرارِ به والدخولِ في الإسلامِ.

وقولُه: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُل يا محمدُ لفاعلِ ذلك: تمتَّعْ بكفرِك باللهِ قليلًا إلى أن تَسْتوفىَ أجلَك، فتَأْتِيَك مَنِيَّتُك، ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.

أي: إنك مِن أهلِ النارِ المَاكِثِين فيها.

وقولُه: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾: وعيدٌ مِن اللهِ وتَهَدُّدٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ اختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَمَّنْ﴾؛ فقَرأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ المدنيِّين وعامةُ الكوفيِّين: (أمَنْ) بتخفيفِ الميمِ (١).

ولقراءتِهم ذلك كذلك وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ الألفُ في "أمَنْ" بمعنى الدعاءِ، يرادُ بها: يا مَن هو قانتٌ آناءَ الليلِ.

والعربُ تُنادى بالألفِ * كما تُنادى بـ "يا"، فتقولُ: أزيدُ أقبِلْ.

و: يا زيدُ أقِبلْ.

ومنه قولُ أوسِ بن حَجَرٍ (٢): أَبَنِي لُبَيْتَى لَسْتُم بِيدٍ … إلا يدٍ ليسَت لها عَضُدُ وإذا وُجِّهَتِ الألفُ إلى النداءِ كان معنى الكلامِ: قُلْ تمتعْ أيُّها الكافرُ بكفرِك قليلًا، إنك مِن أصحابِ النارِ، ويا مَن هو قانتٌ آناءَ الليلِ ساجدًا وقائمًا، إنك مِن أهلِ الجنةِ.

ويكونُ في [البيانِ عمَّا] (٣) للفريقِ الكافرِ عندَ اللهِ مِن الجزاءِ في الآخرةِ - الكفايةُ عن بيانِ ما للفريقِ المؤمنِ؛ إذ كان معلومًا اختلافُ أحوالِهما في الدنيا، ومعقولًا أن أحدَهما إذا كان مِن أصحابِ النارِ لكفرِه بربِّه، أن الآخرَ مِن أصحابِ الجنةِ، فحَذَف الخبرَ عما له، اكتفاءً بفَهْمِ السامعِ المرادَ منه مِن ذكرِه، إذ كان قد دلَّ على المحذوفِ بالمذكورِ.

والثاني: أن تكونَ الألفُ التي في قولِه: (أمَنْ) ألفَ استفهامٍ، فيكونَ معنى الكلامِ: أهذا كالذى جعَل للهِ أندادًا ليُضِلَّ عن سبيلِه؟

ثم اكتفَى بما قد سبَق مِن خبرِ اللهِ عن فريقِ الكفرِ به مِن أعدائِه، إذ كان مفهومًا المرادُ بالكلامِ، كما قال الشاعرُ (١): فأُقسِمُ لو شيءٌ أتانا رسولُه … سِواكَ ولكنْ لم نَجِدْ لك مَدْفَعَا فحذَف "لدفَعْناه" وهو مرادٌ في الكلامِ إذ كان مفهومًا عندَ السامعِ مرادُه.

وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ وبعضُ أهلِ الكوفةِ: ﴿أَمَّنْ﴾ بتشديدِ الميمِ (٢)، بمعنى: أم مَن هو؟

ويقولون: إنما هي ﴿أَمَّنْ﴾ استفهام اعتُرِض في الكلامِ بعدَ كلامٍ قد مضَى، فجاء بـ "أم"، فعلى هذا التأويلِ يجبُ أن يكونَ جوابُ الاستفهامِ متروكًا مِن أجلِ أنه قد جرَى الخبرُ عن فريقِ الكفرِ، وما أُعِدَّ له في الآخرةِ، ثم أُتبِع الخبرَ عن فريقِ الإيمانِ، فعُلِم بذلك المرادُ، فاستُغْنِى بمعرفةِ السامعِ بمعناه مِن ذكرِه، إذ كان معقولًا أن معناه: أهذا أفضلُ أم هذا؟

والقولُ في ذلك عندنا أنهما قراءتان قرَأ بكلِّ واحدةٍ علماءُ مِن القرأةِ، مع صحةِ كلِّ واحدةٍ منهما في التأويلِ والإعرابِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقد ذكَرنا اختلافَ المختلفِين والصوابَ مِن القول عندَنا، فيما مضَى قبلُ في معنى القانتِ، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٣)، غيرَ أنَّا نذكرُ بعضَ أقوالِ أهلِ التأويلِ في ذلك في هذا الموضعِ؛ ليعلمَ الناظرُ في الكتابِ اتفاقَ معنى ذلك في هذا الموضعِ وغيرِه؛ فكان بعضُهم يقولُ: هو في هذا الموضعِ قراءةُ القارئ قائمًا في الصلاةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن عُبيد اللهِ، أنه قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، أنه كان إذا سُئِل عن القُنُوتِ، قال: لا أعلمُ القنوتَ إلا قراءةَ القرآنِ وطولَ القيامِ.

وقرَأ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ (١).

وقال آخرون: هو الطاعةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدِ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾.

يعنى بالقنوتِ الطاعةَ، وذلك أنه قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ إلى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم: ٢٥، ٢٦].

قال: مُطِيعون (٢).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾.

قال: القانتُ المُطِيعُ (٢).

وقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾.

يعنى: ساعاتِ الليلِ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾: [ساعاتِ الليل] (٣)؛ أوَّلَه، وأوسطَه، وآخرَه (٤).

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾.

قال: ساعاتِ الليلِ (١).

وقد مضَى بيانُنا عن معنى "الآناءِ" بشواهدِه وحكايةُ أقوالِ أهلُ التأويلِ فيها، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).

وقولُه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾.

يقولُ: يَقْنُتُ ساجدًا أحيانًا، وأحيانًا قائمًا.

يعنى: يطيعُ، والقنوتُ عندَنا: الطاعةُ، ولذلك نُصِب قولُه: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾.

لأن معناه: أمَّن هو يقنُتُ آناءَ الليلِ ساجدًا طورًا، وقائمًا طورًا.

فهُما حالٌ مِن قانتٍ.

وقولُه: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾.

يقولُ: يَحْذَرُ عذابَ الآخرةِ.

كما حدَّثنا عليُّ بنُ الحسنِ الأزْدِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ اليَمانِ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾.

قال: يحذرُ عذابَ (٣) الآخرةِ (٤).

﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾.

يقولُ: ويَرْجو أن يرحمَه اللهُ، فيُدْخِلَه الجنةَ.

وقولُه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لقومِك: هل يستوى الذين يعلَمون ما لهم في طاعتِهم لربِّهم مِن الثوابِ، وما عليهم في معصيتِهم إيَّاه مِن التَّبِعاتِ، والذين لا يعلَمون ذلك، فهم يَخْبِطون في عَشْواءَ، لا يرجُون بحَسَنِ أعمالهم خيرًا، ولا يَخافون بسيِّئِها شرًّا؟!

يقولُ: ما هذان بمُتَساوِيَين.

وقد رُوِى عن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنى نصرُ (١) بنُ مُزَاحِمٍ، قال: ثنا [سعدانُ الجهني] (٢)، عن [سعدِ أبى] (٣) مجاهدٍ، عن جابرٍ، عن أبي جعفرٍ رضوانُ اللهِ عليه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

قال: نحن الذين يعلَمون، وعدوُّنا الذين لا يعلَمون (٤).

وقولُه: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يَعْتَبِرُ حُجَجَ اللهِ فيتّعظُ ويَتفكَّرُ فيها فيتدبَّرُها - أهلُ العقولِ والحِجا، لا أهلُ الجهلِ والنَّقْصِ في العقولِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لعباديَ الذين آمَنوا: يا عباديَ الذين آمَنوا باللهِ، وصدَّقوا رسولَه، اتقوا ربكم بطاعتِه، واجتنابِ معاصيه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: للذين أطاعوا الله حسنةٌ في هذه الدنيا.

وقال: "في" مِن صلةِ "حسنة"، وجعَل معنى الحسنةِ: الصحةَ والعافيةَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾.

قال: العافيةُ والصحةُ (١).

وقال آخرون: "في" مِن صلةِ "أحسنوا"، ومعنى الحسنةِ: الجنةُ.

وقولُه: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأرضُ اللهِ فسيحةٌ واسعةٌ، فهاجِروا مِن أرضِ الشركِ إلى دارِ الإسلامِ.

كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾: فهاجِروا واعتَزِلوا الأوثانَ (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إنما يُعطِى الله أهلُ الصبرِ على ما لَقُوا فيه في الدنيا أجرَهم في الآخرة، ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

[يقولُ: ثوابَهم بغيرِ حسابٍ] (٣).

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: لا واللهِ ما هُناك مِكيالٌ ولا ميزانٌ (٤).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

قال: في الجنةِ (١).

[القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمُشركي قومِك: إن الله: أمَرني أن أعبدَه مُفْرِدًا له العبادةَ (٢) دونَ كلِّ ما تَدْعُون مِن دونِه مِن الآلهةِ والأندادِ.

﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

يقولُ: وأمَرني ربِّي جلّ ثناؤُه بذلك، لأن أكونَ بفعلِ ذلك أوَّلَ مَن أسلَم منكم، فخضَع له بالتوحيدِ، وأخلَص له العبادةَ، وبَرِئَ مِن كُلِّ ما دونَه مِن الآلهةِ.

وقولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

[يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهم: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾] (٣) فيما أَمَرنى به من عبادتِه مخلصًا له الطاعةَ ومُفْرِدَه بالربوبيةِ - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.

يعني: عذابَ يومِ القيامةِ، وذلك هو اليومُ الذي يَعْظُمُ هولُه] (٤).

القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لمشركي قومِك: الله أعبدُ (١) مفرِدًا له طاعتى وعبادتى، لا أجعلُ له في ذلك شريكًا، ولكنى أُفرِدُه بالألوهةِ، وأَبْرأُ مما سواه من الأندادِ والآلهةِ.

فاعبُدوا أنتم أيُّها القومُ، ما شِئتم من الأوثانِ والأصنامِ وغيرِ ذلك مما تعبُدون من سائرِ خلقِه، فستعلَمون وَبَالَ عاقبةِ عبادتِكم ذلك إذا لقيتُم ربَّكم.

وقولُه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهم: إن الهالكِين الذين غَبَنوا أنفسَهم، وهلَكت بعذابِ اللهِ أهْلُوهم مع أنفسِهم، فلم يَكُنْ لهم إذ دخَلوا النارَ فيها أهلٌ، وقد كان لهم في الدنيا أهلون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

قال: هم الكفارُ الذين خلَقهم اللهُ للنارِ وخلَق النارَ لهم، فزالت عنهم الدنيا، وحُرّمت عليهم الجنةُ، قال اللهُ: ﴿خَسِرَ (٢) الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

قال: هؤلاء أهلُ النارِ، خسِروا أنفسَهم في الدنيا، وخسِروا الأهلين، فلم يجِدوا في النارِ أهْلًا، وقد كان لهم في الدنيا أهلٌ.

حُدِّثتُ عن ابن أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ، قال: غُبنوا أنفسَهم وأهْلِيهم.

قال: يخسَرون أهْلِيهم، فلا يكونُ لهم أهلٌ يرجِعون إليهم، ويخسَرون أنفسَهم، فيَهْلكون في النارِ، فيَمُوتون وهم أحياءٌ، فيخسَرونها (١).

وقولُه: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أَلَا إِن خُسْرانَ هؤلاء المشركين أنفسَهم وأهْلِيهم يومَ القيامةِ، وذلك هَلَاكُها، ﴿هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هو الهلاكُ الذي يَبِينُ (٢) لمَن عايَنه وعلِمه أنه الخسرانُ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لهؤلاء الخاسرين يومَ القيامة في جهنمَ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾؛ وذلك كهيئة الظُّلَلِ المبنيةِ مِن النارِ، ﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾.

يقولُ: ومن تحتِهم من النارِ ما يَعْلوهم، حتى يصيرَ ما يَعْلُوهم منها من تحتهم ظُلَلًا، وذلك نظيرُ قوله جل ثناؤه: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: ٤١].

يَغْشاهم مما هو تحتَهم فيها مِن المِهادِ.

وقولُه: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي أخبرتُكم أيُّها الناسُ به، مما للخاسرِين يومَ القيامةِ من العذابِ، تخويفٌ مِن ربِّكم لكم؛ يخوِّفُكم به لتَحْذروه، فتَجْتَنِبوا معاصيَه، وتُنِيبوا مِن كفرِكم إلى الإيمانِ به وتَصْديقِ رسولِه، واتباعِ أمرِه ونَهْيِه، فتَنْجُوا مِن عذابِه في الآخرةِ، ﴿فَاتَّقُونِ﴾.

يقولُ: فاتَّقُونِ بأداءِ فَرائضى عليكم، واجتنابِ معاصيَّ، لتَنْجُوا مِن عذابي وسَخَطِى.

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا [الطَّاغُوتَ﴾.

أي: اجْتَنَبوا] (١) عبادةَ كلِّ ما عُبد مِن دونِ اللهِ مِن شيءٍ.

وقد بَيَّنَّا معنى الطاغوتِ فيما مضَى قبلُ بشواهدِ ذلك، وذكَرنا اختلافَ أهلِ التأويلِ فيه، بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢)، وذكَرنا أنه في هذا الموضعِ الشيطانُ، وهو في هذا الموضعِ وغيرِه بمعنًى واحدٍ عندَنا.

ذكرُ مَن قال ما ذكرنا في هذا الموضعِ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

قال: الشيطانَ (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.

قال: الشيطانَ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.

قال: الشيطانَ، هو هاهنا واحدٌ وهى جماعةٌ (٥).

والطاغوتُ على قولِ ابن زيدٍ هذا واحدٌ مؤنثٌ، ولذلك قيل: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾.

وقيل: إنما أُنِّثت؛ لأنها في معنى جماعةٍ.

وقوله: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾.

يقولُ: وتابوا إلى اللهِ، ورجعوا إلى الإقرارِ بتوحيدِه، والعملِ بطاعته، والبراءةِ مما سِواه مِن الآلهةِ والأندادِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾: وأقبَلوا إلى اللهِ (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾.

قال: أجابُوا إليه.

وقولُه: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾.

يقولُ: لهم البُشْرَى في الدنيا بالجنةِ في الآخرةِ، ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فبَشَّرْ يا محمدُ عبادىَ الذين يَسْتَمِعون القولَ مِن القائلين، فيَتَّبعون أرشدَه وأهْدَاه إلى الحقِّ، وأدلَّه على توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه، ويترُكون ما سِوى ذلك مِن القولِ الذي لا يدُلُّ على رشادٍ، ولا يَهْدى إلى سَدادٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾: وأحسنُه طاعةُ اللهِ (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.

قال: أحسنَ ما يؤمَرون به فيعمَلون به (٢).

وقولُه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين يَستمعون القولَ فيَتَّبعون أحسنَه، ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.

يقولُ: وفَّقَهم اللهُ للرشادِ وإصابةِ الصوابِ، لا الذين يُعْرِضون عن سماعِ الحقِّ، ويعبُدون ما لا يضُرُّ ولا ينفعُ.

وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

يعنى: أولو العقولِ والحِجا.

وذُكر أن هذه الآية نزلت في رَهْطٍ معروفين وحَّدوا الله، وبَرِئوا مِن عبادةِ كلِّ ما دونَ اللهِ، قبل أن يُبْعَثَ نبيُّ اللهِ، فأنزَل الله هذه الآية على نبيِّه يمدحُهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ الآيتين، حدَّثنى أبى أن هاتَين الآيتَين نزَلتا في ثلاثةِ نفرٍ كانوا في الجاهليةِ يقولون لا إله إلا اللهُ؛ زيدِ بن عمرٍو، وأبي ذرٍّ الغِفاريِّ، وسلمانُ الفارسيِّ، نزَل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ في جاهليتِهم، ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾؛ لا إله إلا اللهُ، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ بغيرِ كتابٍ ولا نبيٍّ، ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٣).

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾.

يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: أفمَن وجَبَت عليه كلمةُ العذابِ في سابقِ علم ربِّك يا محمد بكفره به.

كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾: بكُفْرِه.

وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: أفأنت تنقد يا محمدُ مَن هو في النارِ؛ مَن حقَّ عليه كلمةُ العذابِ، فأنت تُنقِذُه.

فاستغنى بقوله: ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ عن هذا.

وكان بعض نحويِّي الكوفة يقولُ: هذا مما يراد به استفهام واحد، فيَسبِقُ الاستفهام إلى غير موضعه، فيُرَدُّ الاستفهام إلى موضعه الذي هو له.

وإنما المعنى، والله أعلم، أفأنت تنقذُ مَن في النارِ؛ مَن حقَّتْ عليه كلمة العذاب.

قال: ومثله من غير الاستفهام: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فردد ﴿أَنَّكُمْ﴾ مرتين.

والمعنى، والله أعلم، أبعدكم أنكم مُخرجون إذا مِتُّم، ومثله قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران: ١٨٨].

وكان بعضُهم يستخطيء القول الذي حكيناه عن البصريين، ويقولُ: لا تكون ﴿من﴾ في قوله ﴿أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ﴾ كناية عمَّن تقدَّم، لا يقال: القومُ ضربتُ مَن قام.

يقولُ: المعنى التقرير (١): أفأنت تُنقذ من في النار منهم.

وإنما معنى الكلمة: أفأنت تَهْدِى يا محمد من قد سبق له في علم الله أنه من أهل النار إلى الإيمانِ، فتُنْقِذَه من النار بالإيمانِ؟

لستَ على ذلك بقادرٍ.

وقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾.

يقول تعالى ذكره: لكن الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداء فرائضه واجتناب محارمه، لهم في الجنة غُرفٌ من فوقها غرف مبنيةٌ، عَلاليَّ بعضُها فوق بعض، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

يقول تعالى ذكره: تَجرى من تحت أشجارها (٢)؛ جَنَّاتِها الأنهار.

وقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه: وعَدْنا هذه الغُرَفَ التي من فوقها غرفٌ مبنية في الجنة، هؤلاء المتقين، ﴿لا يُخلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ﴾.

يقول جل ثناؤه: والله لا يُخلفهم وعده، ولكنه يُوفي بوعده.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمد، ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو المطرُ، ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾.

يقولُ: فأجراه عيونا في الأرضِ، واحدُها يَنبوعٌ، وهو ما جاشَ (٣) مِن الأرض.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي في قوله: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾.

قال: كل [ندًى وماءٍ] (١) في الأرض من السماءِ نزل (٢).

قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيان، عن جابر، عن الحسنِ بن مسلم بن يَنَّاقَ (٣).

قال: ثم يُنبت (٤) بذلك الماء الذي أنزله من السماء، فجعله في الأرض عُيُونًا - ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾.

يعنى: أنواعًا مختلفة؛ مين بين حنطة وشعير وسمسم وأُرز، ونحو ذلك من الأنواع المختلفة، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾.

يقولُ: ثم يَيْبَسُ ذلك الزرعُ مِن بعدِ خُضْرتِه، يقالُ للأرضِ إذا يَبِس ما فيها مِن الخَضِرِ وذَوَى (٥): هاجت الأرضُ.

و: هاج الزرعُ.

وقوله: ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾.

يقول: فتراه من بعدِ خُضْرته ورطوبته قد يبس فصار أصفر، وكذلك الزرعُ إذا يبس اصفر، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾، والحطام: فتاتُ التِّبْنِ والحشيش، يقولُ: ثم يجعل ذلك الزرع بعد ما صار يبَسًا فُتاتًا مُتكسِّرًا.

وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.

يقول تعالى ذكره: إن في فعل الله ذلك - كالذي وصف - لتذكرةً وموعظةً لأهل العقول والحجا، يتذكرون به، فيعلمون أن من فعل ذلك فلن يتعذر عليه إحداث ما شاء من الأشياء، وإنشاء ما أرادَ مِن الأجسام والأغراض، وإحياءُ مَن هلَك مِن خلقه مِن بعد مماته، وإعادته من بعدِ فَنائِه كهيئته قبلَ فَنائِه، كالذى فعل بالأرض التي أنزل عليها من بعد موتها الماءَ، فأنبت بها الزرع المختلف الألوانِ بقدرته.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: أفمَن فَسَح الله قلبه لمعرفته والإقرار بوحدانيته والإذعان لربوبيته والخضوع لطاعتِه، ﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.

يقولُ: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين؛ بتنوير الحقِّ في قلبه، فهو لذلك لأمرِ اللهِ مُتَّبعٌ، وعما نهاه عنه مُنْتَهٍ، فيما يُرْضِيه - كمَن أقسى الله قلبه وأخْلَاه مِن ذكرِه وضيَّقَه عن استماع الحقِّ واتباع الهُدى والعمل بالصوابِ.

وترك ذكر الذي أقسى الله قلبه، وجوابَ الاستفهام، اجتزاءً بمعرفة السامعين المراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفين، وجعَل مكانَ ذكرِ الصنف الآخرِ الخبر عنه، بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾: يعني كتابَ اللهِ، هو المؤمِنُ، به يأخُذُ، وإليه ينتهي (١).

حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ قولَه: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.

قال: وسَع صدره للإسلام، والنورُ الهُدَى (١).

حُدِّثْتُ عن ابن أبي زائدة، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.

قال: ليس المنشرحُ صدرُه مثل القاسى قلبه (٢).

قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

يقول تعالى ذكره: فويلٌ للذين جفت قلوبهم ونَأَتُ عن ذكر الله وأعرضَت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالى ذكرُه، مُذكِّرًا به عبادَه - فلم يؤمن به، ولم يُصدِّق بما فيه.

وقيل: ﴿مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

والمعنى: عن ذكرِ اللهِ، فوُضِعت "مِن" مكانَ "عن"، كما يقالُ في الكلام: اتَّخَمْتُ مِن طعام أكلتُه، و: عن طعامٍ أكلته.

بمعنى واحدٍ.

وقوله: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمن تأمله وتدبره بفهم، أنه ضلال عن الحق جائز.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ يقول تعالى ذكرُه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾.

يعني به القرآنَ، ﴿مُتَشَابِهًا﴾.

يقولُ: يُشبهُ بعضه بعضا، لا اختلاف فيه ولا تضاد.

كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾: الآية تُشبه الآية، والحرفُ يُشبه الحرف (١).

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.

قال: المتشابهُ يُشبهُ بعضُه بعضًا.

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جرير، عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.

قال: يُشبهُ بعضه بعضا، ويُصَدِّقُ بعضه بعضا، ويدلّ بعضُه على بعضٍ (٢).

وقوله: ﴿مَثَانِيَ﴾.

يقولُ: تُثْنَى فيه الأنباء والأخبار والقضاء والأحكام والحُجَجُ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾.

قال: ثنَّى الله فيه القضاء، تكونُ السورةُ فيها الآية في سورة أخرى آيةٌ تُشْبهها (٣).

وسُئِل عنها عكرمة (٤).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾.

قال: في القرآن كله (١).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿مَثَانِيَ﴾.

قال: ثنَّى الله فيه الفرائضَ والقضاء والحدودَ (٢).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾.

قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثنَّى فيه الأمرَ مِرارًا (٣).

حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط،، عن السُّديِّ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾.

قال: كتابُ اللهِ مَثانى، ثنّى فيه الأمر مرارًا.

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّديِّ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾: ثَنَّى في غير مكانٍ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾: مُرَدَّدٌ؛ رُدِّد موسى في القرآن وصالحٌ وهود والأنبياء في أمكنةٍ كثيرةٍ (٤).

وقوله: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾.

يقول تعالى ذكره: تقشعر من سماعه إذا تُلِي عليهم، جلود الذين يخافُون ربَّهم، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

يعنى إلى العمل بما في كتاب الله والتصديق به.

وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل أن أصحابه سألوه الحديث.

ذكرُ الرواية بذلك حدثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا حَكَّامُ بنُ سَلْمٍ، عَن أَيُّوبَ بِنِ موسى، عن عمرو الملائي (١)، عن ابن عباس، قالوا: يا رسول الله لو حدثتنا؟

قال: فنزلت: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ (٢).

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حكّام، عن أيوب بن سيَّارٍ أبي عبدِ الرحمنِ، عن عمرو بن قيس، قال: قالوا: يا نبي الله.

فذكر مثله.

﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

يقول تعالى ذكره: هذا الذي يصيب هؤلاء القوم الذين وصفت صفتهم عند سماعهم القرآنَ؛ مِن اقشعرارِ جلودهم، ثم لينها ولين قلوبهم إلى ذكرِ اللهِ مِن بعدِ ذلك - ﴿هُدَى اللهِ﴾.

يعني: توفيق الله إيَّاهم، وفَّقهم له، ﴿يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

يقولُ: يَهْدِى ﵎ بالقرآنِ مَن يَشَاءُ مِن عباده.

وقد يتوجه معنى قوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى﴾ الله إلى أن يكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ مِن ذكرِ القرآن، فيكون معنى الكلام: هذا القرآن بيانُ اللهِ يَهْدِى بِه مَن يَشَاءُ؛ يوفِّقُ للإيمان به مَن يشاءُ.

وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

يقول تعالى ذكره: ومَن يَخْذُلْه الله عن الإيمان بهذا القرآن والتصديق بما فيه، فيُضِلَّه عنه - ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

يقولُ: فما له من مُوفِّقٍ له، ومسدِّدٍ يُسَدِّدُه في اتِّباعه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾.

اختلف أهل التأويل في صفة اتِّقاء هذا الضالِّ بوجهه سُوء العذابِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُرْمَى به في جهنم مَكْبوبًا على وجهه، فذلك اتِّقاؤُه إيَّاه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾.

قال: يَخِرُّ على وَجْهه في النار، يقول: هو مِثْلُ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١) [فصلت: ٤٠].

وقال آخرون: هو أن يُنْطَلَقَ به إلى النارِ مكتوفًا، ثم يُرْمَى به فيها، فأَوَّلُ ما تَمَسُّ النار وجهه.

وهذا قولٌ يُذكرُ عن ابن عباس من وجه كرهت ذكره؛ لضعف سَنَدِه (٢)، وهذا أيضًا مما تُرِك جوابه، استغناءً بدلالة ما ذُكر من الكلام عليه عنه.

ومعنى الكلام: أفمَن يَتَّقِي بوجهه سُوء العذاب يومَ القيامة خيرٌ، أم مَن ينعَمُ في الجنانِ؟

وقوله: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾.

يقولُ: ويقالُ يومئذ للظالمين أنفسهم بإكسابهم (١) إيَّاها سَخَطَ اللهِ: ذُوقوا اليومَ أَيُّها القومُ وَبالَ ما كنتم في الدنيا تكسبون من معاصى الله.

وقوله: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

يقول تعالى ذكره: كذَّب الذين من قبلِ هؤلاء المشركين من قريش، من الأمم الذين مَضَوا في الدهورِ الخالية - رُسُلَهم، ﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ: فجاءهم عذابُ اللهِ مِن الموضع الذي لا يشعُرون؛ أي لا يعلمون بمجيئه منه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.

يقول تعالى ذكره: فعجل الله لهؤلاء الأمم الذين كذَّبوا رُسُلَهم الهوانَ في الدنيا والعذاب قبل الآخرة، ولم يُنْظِرْهم إذ عَتَوا عن أمرِ ربِّهم، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾.

يقولُ: ولعذابُ اللهِ إيَّاهم في الآخرة إذا أدخلهم النار، فعذَّبهم بها - أكبرُ من العذابِ الذي عذَّبهم به في الدنيا، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: لو علم هؤلاء المشركون من قريشٍ ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾.

يقول تعالى ذكره: ولقد مَثَّلنا لهؤلاء المشركين باللهِ مِن كُلَّ مَثَلٍ مِن أمثالِ القُرون (٢) الخالية؛ تخويفًا مِنَّا لهم وتحذيرًا، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.

يقولُ: ليتذكروا فيَنْزَجروا عما هم عليه مُقيمون من الكفر بالله.

وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.

يقول تعالى ذكره: ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلِّ مثلٍ قرآنًا عربيًا، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾.

يعنى (١): ذى لَبْسٍ.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾: غيرَ ذِي لَبْسٍ (٢).

ونُصِب قوله: ﴿قُرْآنًا﴾ على الحال من قوله (٣): ﴿هَذَا الْقُرْآنِ﴾؛ لأن القرآن معرفةٌ، وقوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نكرة.

وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.

يقولُ: جعلنا قرآنا عربيا، إذ كانوا عَرَبًا، ليفهموا ما فيه من المواعظ، حتى يَتَّقوا ما حَذَّرهم الله فيه من بأسه وسَطوتِه، فيُنيبوا إلى عبادته، وإفرادِ الألوهة له، ويَتَبرَّءُوا مِن الأَنْدادِ والآلهة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا (٤) لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾.

يقول تعالى ذكره: مَثَّل الله مثلا للكافر بالله، الذي يعبدُ آلهةً شَتَّى، ويطيعُ جماعة من الشياطين، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد.

يقول تعالى ذكره: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا﴾ لهذا الكافر، ﴿رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ﴾.

يقولُ: هو بين جماعةٍ مالكين متشاكسين، يعنى مختلفين متنازعين، سيئةً أخلاقهم، من قولهم: رجلٌ شَكِسٌ.

إذا كان سيِّئ الخُلُق، وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه وملكه فيه، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾.

يقولُ: ورجلا خُلُوصًا لرجلٍ، يعنى المؤمنَ الموحد، الذي أخلص عبادته لله لا يعبد غيره، ولا يدين لشيءٍ سواه بالربوبية.

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ أهل مكة والبصرة: (ورَجُلًا سالمًا لرجلٍ) (١)، وتأوَّلوه بمعنى: رجلا خالصا لرجلٍ.

وقد روى ذلك أيضًا عن ابن عباس.

حدثنا أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا حجاج، عن هارون، عن جرير بن حازم، عن حميد، عن مجاهد، عن ابن عباس، أنه قرأها: (سالمًا لرَجُل).

يعني بالألف، وقال: ليس فيه لأحد شيءٌ (٢).

وقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والكوفة: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ (٣) بمعنى: صُلْحًا.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماءُ من القرأَةِ، مُتقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فهو مصيبٌ، وذلك أن السَّلَمَ مصدرٌ، مِن قول القائل: سَلِمَ فلانٌ للهِ سَلَمًا.

بمعنى: خَلَص له خُلُوصًا.

تقولُ العرب: ربح فلانٌ في تجارته رِبْحًا ورَبَحًا.

وسَلِمَ سِلْمًا وسَلَمًا وسلامةً، وأن السالم من صفة الرجل، وسَلَمٌ مصدرٌ من ذلك.

وأما الذي توهَّمه مَن رغب عن قراءة ذلك ﴿سَلَمًا﴾ من أن معناه صُلحًا، فلا وجه للصُّلح في هذا الموضع؛ لأن الذي تقدم من صفة الآخرِ، إنما تقدَّم بالخبر عن اشتراك جماعةٍ فيه دونَ الخبر عن حربه بشيءٍ مِن الأشياء، فالواجب أن يكون الخبرُ عن مخالفه بخلوصه لواحد لا شريك له، ولا موضع للخبر عن الحرب والصُّلْحِ في هذا الموضعِ.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: (رجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشَاكِسونَ ورَجُلًا سالمًا لرجل).

قال: هذا مَثَلُ إلهِ الباطل وإله الحق (١).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾.

قال: هذا المُشْرِكُ تتنازعه الشياطين، لا يُقر به بعضُهم لبعضٍ، (ورَجُلًا سالمًا لرَجُلٍ).

قال: هو المؤمنُ، أخلَص الدعوة لله والعبادة (٢).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ إِلى قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

قال: الشركاء المتشاكسون: الرجلُ الذي يعبد آلهةٌ شَتَّى، كلُّ قوم يعبدون إلها يرضونه، ويكفرون بما سواه من الآلهة، فضرب الله هذا المثل لهم، وضرب لنفسه مثلا، يقول.

رجُلٌ سَلَمٌ لرجل (٣).

يقولُ: يعبدون إلها واحدًا لا يختلفون فيه (٤).

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط،، عن السُّديِّ في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾.

قال: مَثَلٌ لأوثانهم التي كانوا يعبدون (١).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: (ضَرَبَ اللهُ مثَلًا رَجُلًا فيهِ شُرَكاءُ متشاكِسُونَ ورَجُلًا سالما لرَجُلٍ).

قال: أرأيتَ الرجل الذي فيه شركاءُ مُتشاكسون، كلهم سيء الخُلُقِ، ليس منهم واحدٌ [يَلْقاه إلَّا أخذ بطَرَفٍ مِن مال - إلَّا استخدمه - أسَواءٌ هم] (٢) والذي لا يملكه إلا واحدٌ؟

فإنما هذا مَثَلٌ ضرَبه الله لهؤلاء الذين يعبدون الآلهة، وجعلوا لها في أعناقهم حقوقا، فضربه الله مثلا لهم، وللذى يعبُدُه وحدَه، ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

وفى قوله: (ورَجُلًا سالما لرَجُلٍ).

يقولُ: ليس معه شِرْكٌ (٣).

وقوله: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.

يقول تعالى ذكره: هل يَستوي مَثَلُ هذا الذي يخدِمُ جماعةً شركاء سيئةً أخلاقهم مختلفةً فيه لخدمته، مع مُنازعته شركاءه فيه، والذي يخدِمُ واحدًا لا ينازعه فيه مُنازعٌ، إذا أطاعه عرف له موضعَ طاعته وأكرمه، وإذا أخطأ صفح له عن خَطَئِه.

يقولُ: فأيُّ هذين أحسن حالًا، وأروح جسمًا، وأقلُّ تَعَبًا ونَصَبًا.

كما حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

يقولُ: مَن اختلف فيه خيرٌ، أم من لم يُخْتلَف فيه؟

وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.

يقولُ: الشكر الكامل، والحمد التام لله وحده، دون كل معبود سواه.

وقوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

يقول جل ثناؤه: وما يَستوى هذا المُشْتَرَكُ فيه، والذي هو منفردٌ مِلْكُه لواحدٍ، بل أكثر هؤلاء المشركين بالله لا يعلمون أنهما لا يستويان، فهم بجهلهم بذلك يعبدون آلهة شتَّى مِن دونِ الله.

وقيل: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾.

ولم يُقَلْ: مَثَلين.

لأنهما كليهما ضُرِبا مثلا واحدًا، فجرَى المَثَلُ فيهما بالتوحيد، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] إذ كان معناهما واحدا في الآية.

والله أعلم.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: إنك يا محمد ميت عن قليل، وإن هؤلاء المُكَذِّبيكَ مِن قومك والمؤمنين منهم ميتون، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

يقولُ: ثم إن جميعكم؛ المؤمنين والكافرين يوم القيامة عند ربكم تختصمون، فيأخذ للمظلوم منكم من الظالم، ويَفْصِلُ بين جميعكم بالحق.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى به اختصام المؤمنين والكافرين، واختصام المظلوم به (١) والظالم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

يقولُ: يُخاصِمُ الصادقُ الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدى الضال، والضعيفُ المستكبر (١).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

قال: أهل الإسلام وأهل الكفر (٢).

حدثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن الدَّراوَرْدِيِّ، قال: ثنى محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبدِ الرحمن بن حاطب، عن عبدِ اللهِ بن الزبير، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

قال الزبير: يا رسولَ اللهِ، أَيُكَرَّرُ (٣) علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصِّ الذنوبِ؟

فقال النبيُّ ﷺ: "نَعَمْ، حتى يُؤدَّى إلى كلِّ ذِي حَقٌّ حقُّه" (٤).

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك اختصام أهل الإسلام.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حُميد، قال: ثنا يعقوب، عن جعفرٍ، عن سعيد، عن ابن عمر، قال: نزلت علينا هذه الآية وما ندرى ما تفسيرها، حتى وقعت الفتنةُ، فقلنا: هذا الذي وَعَدَنا ربُّنا أن نخْتَصِمَ فيه: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (١).

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن عون، عن إبراهيم، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ﴾ الآية، قالوا: ما خُصومتنا بينَنا [ونحن إخوان] (٢)؟

قال: فلما قُتِل عثمان بن عفان، قالوا: هذه خصومتنا بيننا (٣).

حُدِّثْتُ عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾.

قال: هُم أهل القبلة (٤).

وأَولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: عُنى بذلك: إنك يا محمد ستموتُ، وإنكم أيُّها الناسُ ستموتون، ثم إن جميعكم أيُّها الناسُ تَخْتَصِمون عندَ ربِّكم؛ مؤمنكم وكافرُكم، ومُحِقُّوكم ومُبْطِلُوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلِّ [من كلٍّ منكم] (١) ممن لصاحبِه قِبَلَه حَقٌّ - حقُّه.

وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله عمَّ بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ خطابَ جميعِ عباده، فلم يَخْصُصْ بذلك منهم بعضًا دونَ بعضٍ، فذلك على عمومه على ما عَمَّه الله به، وقد تنزلُ الآية في معنًى، ثم يكون داخلًا في حكمها كلُّ ما كان في حكم (٢) معنى ما (٣) نزلت به.

وقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ يقول تعالى ذكره: فمَن مِن خلق الله أعظمُ فِرْيَةً ممن كذب على الله، فادَّعَى أن له ولدا وصاحبة، أو أنه حرَّم ما لم يُحَرَّمه من المطاعم، ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ يقول: وكذب بكتاب الله إذ أنزله على محمد، وابتعثه الله به رسولا، وأنكر قول لا إله إلا الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾.

أي: بالقرآن (٤).

وقوله: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾.

يقولُ ﵎: أليس في النار مأوى ومسكنٌ لمن كفر باللهِ، وامتنع من تصديق محمد ﷺ، واتباعه على ما يَدعوه إليه، مما أتاه به مِن عندِ الله من التوحيد، وحكم القرآن.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾ اختلف أهل التأويل في الذي جاء بالصدقِ وصدق به، وما ذلك؟

فقال بعضُهم: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ، قالوا: والصدق الذي جاء به: لا إله اللَّهِ إلا الله، والذي صدق به أيضًا، هو رسول الله ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾.

يقولُ: مَن جاء بـ "لا إله إلا الله"، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

يعني رسوله (١).

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق رسول الله ﷺ، والذي صدق به أبو بكر اللَّهِ ﵁.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أحمد بن منصورٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُصعبٍ (٢) المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا عمر بن إبراهيم بن خالد، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، عن أَسِيدِ بن صفوان، عن (٣) علي ﵁ في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾.

قال: محمد ﷺ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

قال: أبو بكر ﵁ (١).

وقال آخرون: الذي جاء بالصدق: رسول الله ﷺ، والصدقُ القرآن، والمُصَدِّقون به المؤمنون.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾.

قال: هذا رسول الله ﷺ ما جاء بالقرآن، وصدَّق به المؤمنون (٢).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: رسولُ الله ﷺ، وصدَّق به المسلمون (٣).

وقال آخرون: الذي جاء بالصدقِ جبريلُ، والصدقُ: القرآنُ الذي جاء به من عند الله، وصدق به رسول الله ﷺ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: محمد ﷺ (٤).

وقال آخرون: الذي جاء بالصدقِ المؤمنون، والصدقُ القرآنُ، وهم المصدِّقون به.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

قال: الذين يجيئون بالقرآن يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي أعطيتُمونا، فاتَّبَعْنا ما فيه (١).

قال: ثنا حكامٌ، عن عمرو، عن منصور، عن مجاهدٍ ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

قال: هم أهل القرآن، يجيئون به يوم القيامة يقولون: هذا الذي أعطيتُمونا، فاتَّبَعْنا ما فيه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره عنى بقوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

كلَّ مَن دَعا إلى توحيدِ اللَّهِ، وتصديق رسوله، والعمل بما ابتعث به رسوله؛ من بين رسول (٢) الله وأتباعه والمؤمنين به، وأن يقال: الصدقُ هو القرآنُ، وشهادة أن لا إله إلا الله، والمُصَدِّقُ به المؤمنون بالقرآنِ، مِن جميع خلق الله كائنا من كان من نبي الله وأتباعه.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب؛ لأن قوله تعالى ذكرُه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ عَقِيبَ قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾، وذلك ذمّ مِن اللَّهِ المُفْتَرِين عليه، المُكذَّبين بتنزيله ووَحْيِه، الجاحدين وحدانيته، فالواجب أن يكون عقيب ذلك مدحُ مَن كان بخلافِ صفة هؤلاء المذمومين، وهم الذين دَعوهم إلى توحيدِ اللهِ، ووصفه بالصفة التي هو بها، وتصديقهم بتنزيلِ اللهِ ووَحْيِه، والذين هم كانوا كذلك يوم نزلت هذه الآيةُ؛ رسول الله ﷺ وأصحابه ومن بعدهم، القائمون في كل عصر وزمان بالدعاء إلى توحيد الله، وحكم كتابه؛ لأن الله تعالى ذكره، لم يَخُصَّ وصفه بهذه الصفة التي في هذه الآية، على أشخاصٍ بعينهم (١)، ولا على أهل زمانٍ دون غيرهم، وإنما وصفهم بصفة، ثم مدحهم بها، وهى المجيء بالصدق والتصديق به، فكلُّ مَن كان ذلك وصفه، فهو داخلٌ في جملة هذه الآية، إذا كان من بنى آدم.

ومن الدليل على صحة ما قلنا، أن ذلك كذلك في قراءة ابن مسعود: (وَالَّذِى (٢) جاءُوا بالصِّدْقِ وصدَّقُوا به) (٣)، فقد بُيِّن ذلك من قراءته، أن "الذي" من قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ لم يُعْنَ بها واحد بعينه، وأنه مراد بها جماع، ذلك صفتهم، ولكنها أُخرجت بلفظ الواحد، إذ لم تَكُنْ موقتة (٤)، وقد زعم بعضُ أهل العربية من البصريين، أن (الذي) في هذا الموضع، جُعِل في معنى جماعة، بمنزلة "من"، ومما يؤيدُ ما قلنا أيضًا قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فَجُعِل الخبرُ عن "الذي" جماعًا؛ لأنها في معنى جماع، وأما الذين قالوا: عُنِي بقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾.

غيرُ "الذي جاء بالصدقِ"، فقول بعيد من المفهوم؛ لأن ذلك لو كان كما قالوا، لكان التنزيل: والذي جاء بالصدقِ، والذي صدق به، أولئك هم المُتَّقُون، فكانت تكونُ "الذي" مكررةً مع التصديق، ليكونَ المصدَّقُ غيرَ المصدِّقِ، فأما إذا لم يُكَرَّر، فإن المفهوم من الكلام، أن التصديق من صفة الذي جاء بالصدقِ لا وجه للكلام غيرُ ذلك (١).

وإذا كان ذلك كذلك، وكانت "الذي" في معنى الجماعِ، بما قد بَيَّنَّا، كان الصواب من القول في تأويله ما بَيَّنَّا.

وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم، هم الذين اتَّقَوا الله، بتوحيده والبراءة من الأوثان والأنداد، وأداء فرائضه، واجتناب معاصيه، فخافوا عقابه.

كما حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

يقولُ: اتَّقَوا الشرك (٢).

وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

يقول تعالى ذكره: لهم عند ربهم يوم القيامة، ما تَشْتَهِيه أنفسهم، وتَلَذَّه أعينهم، ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: هذا الذي لهم عند ربهم، جزاء من أحسن في الدنيا، فأطاع الله فيها، وائْتَمَر لأمره، وانتهى عما نهاه فيها عنه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾.

يقول تعالى ذكره: وجَزَى هؤلاء المحسنين ربُّهم بإحسانهم، كى يكفِّرَ عنهم أسوأ الذي عملوا في الدنيا من الأعمال، فيما بينهم وبين ربهم، بما كان منهم فيها من توبةٍ، وإنابةٍ مما اجترحوا من السيئات فيها: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ﴾.

يقول: ويُثيبهم ثوابهم، ﴿بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا مما يُرْضِى الله عنهم، دون أسوئها.

كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾: ألهم (١) ذنوب؟

أي ربِّ نَعَمْ: ﴿لَهُم﴾ فيها ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ وقرأ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]؛ لئلا يَيْأَسَ مَن لهم الذنوبُ ألا يكونوا منهم، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾.

وقرأ: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] إلى آخر الآية.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾.

اختلفت القرأة في قراءةِ قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينة وعامة قرأة الكوفة: (أليس الله بكافٍ عبادَه) على الجماع (٢)، بمعنى: أليس الله بكافٍ محمدًا وأنبياءه من قبله ما خوَّفَتْهم أممهم، من أن تنالهم آلهتهم بسُوءٍ.

وقرأ ذلك عامةُ قرأة المدينة والبصرة، وبعضُ قرأة الكوفة: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

على التوحيد، بمعنى: أليس الله بكاف عبده محمدًا.

والصواب من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأةِ الأمصار، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ؛ لصحة معنيَيهما، واستفاضة القراءةِ بهما في قرأةِ الأمصار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

يقول: محمدا ﷺ (١).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾.

قال: بلى، واللَّهِ ليَكْفِينَّه الله، ويُعِزُّه وينصُرُه كما وعده (٢).

وقوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: ويُخوَّفُك هؤلاء المشركون يا محمد، بالذين مِن دونِ اللَّهِ مِن الأوثان والآلهة، أن تُصِيبَك بسُوءٍ، ببراءتك منها، وعيبك لها، والله كافيك ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الآلهة، قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى شعبٍ بسُقَامٍ (٣) ليكسر العُزَّى، فقال سادِنُها (٤)، وهو قَيِّمُها: يا خالدُ، إِنِّي أُحَذِّرُكَها، إن لها شدّةً لا يقومُ إليها شيء.

فمشى إليها خالدٌ بالفأس، فهَشَّم أنفها (١).

حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.

يقولُ: بآلهتهم التي كانوا يعبدون (٢).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.

قال: يُخوِّفونك بآلهتهم التي مِن دونِه (٢).

وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾.

يقول تعالى ذكره: ومَن يَخْذُله الله، فيُضله عن طريق الحق وسبيل الرشد، فما له سواه مِن مُرشدٍ ومُسَدِّدٍ إلى طريق الحق، ومُوَفِّقٍ للإيمان بالله، وتصديق رسوله، والعمل بطاعته، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾.

[يقولُ: ومَن يوفِّقه الله للإيمان به والعمل بكتابه، ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾] (٣).

يقولُ: فما له مِن مُزِيعٍ يُزِيغُه عن الحق الذي هو عليه إلى الارتداد إلى الكفرِ، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤه: أليس الله يا محمد بعزيز في انتقامه مِن كَفَرة خلقه، ذى انتقام من أعدائه، الجاحدين وحدانيته.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين، العادلين بالله الأوثان والأصنام: من خلق السموات والأرضَ؟

ليقولُنَّ: الذي خلقهنَّ اللَّهُ.

فإذا قالوا ذلك، فَقُلْ: أفرأيتُم أيُّها القومُ، هذا الذي تعبدون مِن دونِ اللَّهِ من الأصنام والآلهة، ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾.

يقولُ: بشدةٍ في معيشتي، هل هنَّ كاشفاتٌ عنِّي ما يُصِيبُني به ربِّي مِن الضُّرِّ؟

﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾.

يقول: إن أرادَني ربِّي أن يُصِيبَني سَعَةٌ في معيشتي، وكثرة مالي، ورخاءٌ وعافيةٌ في بَدَني، هل هنَّ ممسكاتٌ عنِّي ما أراد أن يُصِيبَني به من تلك الرحمة؟

وترك الجواب لاستغناء السامع بمعرفة ذلك، ودلالة ما ظهر من الكلام عليه.

والمعنى: فإنهم سيقولون: لا.

فقل: حسبي الله مما سواه من الأشياء كلِّها، إيَّاه أعبد، وإليه أفزَع في أموري، دونَ كلِّ شيءٍ سواه،، فإنه الكافي، وبيده الضُّرُّ والنفعُ، لا إلى الأصنام والأوثان التي لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكَّلُونَ﴾.

يقولُ: على الله يتوكل من هو متوكلٌ، وبه فليثق لا بغيره.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ حتى بلغ: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾.

يعنى الأصنامَ، ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ (١).

واختلفت القرأةُ في قراءةِ: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: ﴿مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾؛ [فقرأه بعضُهم] (٢) بالإضافة، وخفض الضُّرِّ والرحمة (٣).

وقرأه بعض قرأة المدينة وعامة قرأة البصرة بالتنوين، ونصبِ الضُّرِّ والرحمة (١).

والصواب من القول في ذلك عندنا أنهما قِراءتان مشهورتان، متقاربتا المعنى، فبأيّتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وهو نظيرُ قوله: ﴿مُوهِنُ (٢) كَيْدِ الكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨].

في حال الإضافة والتنوين (٣).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمد لمُشْركي قومك، الذين اتَّخَذوا الأوثان والأصنام آلهةً يعبدونها من دونِ اللَّهِ: اعملوا أَيُّها القومُ على تمكُّنِكم من العمل الذي تعملون ومنازلكم.

كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾.

قال: على ناحيتكم (٤).

﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ كذلك على تُؤَدَةٍ، على عمل مَن سَلَفَ مِن أنبياءِ اللَّهِ قبلي، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأسُ اللَّهِ، من المُحَقُّ مِنَّا مِن المُبْطِلِ، والرشيدُ مِن الغَوِيِّ.

وقوله: ﴿مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾.

يقول تعالى ذكره: مَنْ يأتيه عَذَابٌ يُخْزِيه ما أتاه من ذلك العذاب، يعنى يُذِلُّه ويُهِينُه، ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾.

يقولُ: ويَنزِلُ عليه عذابٌ دائمٌ لا يُفارِقُه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ: إنا أنزلنا عليك يا محمد الكتابَ تِبْيانًا للناس بالحقِّ، ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾.

يقولُ: فمَن عمل بما في الكتاب الذي أنزلناه إليك واتَّبَعه، ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، يقولُ: فإنما عمل بذلك لنفسه، وإياها بغَى الخير لا غيرها؛ لأنه أكسبها رضا الله والفوز بالجنة، والنجاةَ مِن النارِ، ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾.

يقولُ: ومَن جار عن الكتاب الذي أنزلناه إليك، والبيان الذي بَيَّناه لك، فضَلَّ عن قصدِ المَحَجَّةِ (١)، وزال عن سواء السبيل، فإنما يجورُ على نفسه، وإليها يسوقُ العَطَبَ والهلاك؛ لأنه يُكْسِبُها سَخَطَ اللَّهِ، وأليم عقابه، والخزي الدائم، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.

يقول تعالى ذكره: وما أنت يا محمد على من أرسلتك إليه من الناسِ، برقيبٍ تَرقُبُ أعمالهم، وتحفَظُ عليهم (٢) أفعالهم، إنما أنت رسولٌ، وإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.

كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.

أي: بحفيظ (٣).

حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ قال: بحفيظ (٤).

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: ومن الدلالة على أن الألوهةَ لله الواحد القهار خالصةٌ، دونَ كلِّ ما سواه - أنه يُمِيتُ ويُحْيِي، ويفعَلُ ما يشاء، ولا يقدِرُ على [شيء من ذلك] (١) سواه.

فجعل ذلك خبرًا يُنبِّههم به على عظيم قُدرتِه، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، فيَقْبِضُها عند فناء أجلها، وانقضاء مدة حياتها، ويَتَوفَّى أيضًا التي لم تمت في منامها، كما التي ماتت عند مماتِها، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾.

ذكر أن أرواح الأحياء والأمواتِ تلتقى في المنام، فيتعارفُ ما شاء الله منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادِها، أمسك الله أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادِها، إلى أجل مسمى، وذلك إلى انقضاء مدة حياتها.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية.

قال: يَجمعُ بين أرواح الأحياء وأرواح الأموات، فيتعارفُ منها ما شاء الله أن يتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموتَ، ويُرْسِلُ الأخرى إلى أجسادِها (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾.

قال: تُقْبَضُ الأرواحُ عندَ نيامِ النائمِ، فيَقبِضُ روحَه في منامِه، فيَلقَى الأرواحُ بعضُها بعضًا؛ أرواحُ الموتى وأرواحُ النيامِ، فتَلتقِي فتَساءَلُ.

قال: فيُخلَّى عن أرواحِ الأحياءِ، فترجعُ إلى أجسادِها، وتريدُ الأخرى أن ترجِعَ، فيَحبِسُ التي قضَى عليها الموتَ، ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

قال: إلى بقية آجالِها (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.

قال: فالنومُ وفاةٌ، ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ التي لم يَقبِضْها، ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٢).

وقولُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: إن في قبضِ اللهِ نفسَ النائمِ والميتِ، وإرسالِه بعدُ نفسَ هذا ترجِعُ إلى جسمِها، وحبسِه لغيرِها عن جسمِها - لعبرةً وعظةً لَمن تفكَّر وتدبَّر، وبيانًا له أَن الله يُحيي مَن يَشَاءُ من خلقِه إذا شاء، ويُمِيتُ مَن شاء إذا شاء.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أَتَّخَذ هؤلاء المشركون باللهِ مِن دونِه آلهتَهم التي يعبُدونها شفعاءَ تشفعُ لهم عندَ اللهِ في حاجاتِهم؟!

وقولُه: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمدُ لهم: أتتخِذون هذه الآلهةَ شفعاءَ كما تزعُمون، ولو كانوا لا يملِكُون لكم نفعًا ولا ضرًّا ولا يعقِلون شيئا؟!

قل لهم: إن تكونوا تعبُدونها لذلك، وتشفَعُ لكم عندَ اللهِ، فأخلِصوا عبادتكم للهِ، وأفرِدوه بالألوهةِ؛ فإن الشفاعةَ جميعًا له، لا يشفَعُ عنده إلا مَن أذِن له، ورضِى له قولًا، وأنتم متى أخلَصتم له العبادةَ فدَعوتموه، شفَّعَكم.

﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

يقولُ: للهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلكُها، وما تعبُدون أيُّها المشرِكون من دونِه مِلْكٌ له.

يقولُ: فاعبُدوا المَلِكَ لا المملوكَ الذي لا يملِكُ شيئًا، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.

يقولُ: ثم إلى الله مصيرُكم، وهو معاقِبُكم على إشراكِكم به إن مُتُّم على شركِكم.

ومعنى الكلامِ: للهِ الشفاعةُ جميعًا، له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، فاعبُدوا المالكَ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، الذي يقدِرُ على نفعِكم في الدنيا، وعلى ضرِّكم فيها، وعندَ مرجعِكم إليه بعدَ مماتِكم، فإنكم إليه تُرجَعون.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: الآلهة، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: الشفاعة (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.

قال: لا يشفعُ عندَه أحدٌ إلا بإذنه (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا أُفْرِد اللهُ جلَّ ثناؤُه بالذكرِ، فدُعِي وحدَه، وقيل: لا إلهَ إلا اللهُ.

اشْمَأَزَّت قلوبُ الذين لا يؤمِنون بالمعادِ والبعثِ بعدَ المماتِ.

وعُنِي بقولِه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: نفَرَت من توحيدِ اللهِ، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾.

يقولُ: وإذا ذُكِر الآلهةُ التي يدْعُونها من دونِ اللهِ مع اللهِ، فقيل: تلك الغرانيقُ العُلَى، وإن شفاعتَها لتُرْتجَى (٢) - إذا الذين لا يؤمِنون بالآخرةِ، يستبشِرون بذلك ويفرَحون.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾.

أي: كفَرَت (٣) قلوبُهم واستكبَرت، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: الآلهةُ، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾.

قال: انقبَضت.

قال: وذلك يومَ قرَأ عليهم "النجم"، عندَ بابِ الكعبةِ (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾.

قال: نفَرَت، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: أوثانُهم (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ: اللهمَّ (٣) خالقَ السماواتِ والأرضِ ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾، الذي لا تراه الأبصارُ، ولا تُحِسُّه العيونُ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: الذي تشهَدُه أبصارُ، خلقِه، وتراه أعينُهم، ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ فتفصِلُ بينَهم بالحقِّ يومَ تجمعُهم لفصلِ القضاءِ بينَهم فيما كانُوا فيه في الدنيا يختلِفون من القولِ فيك وفي عظمتِك وسلطانِك، وغيرِ ذلك من اختلافِهم بينَهم، فتقضِي يومَئذٍ بينَنا وبينَ هؤلاء المشركين، الذين إذا ذُكِرْتَ وحدَك اشمأزَّت قلوبُهم، وإذا ذُكِر مَن دونَك استبشَروا - بالحقِّ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَاطِرَ﴾.

قال: خالقَ (٤).

وفى قولِه: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ﴾.

قال: ما غاب عن العبادِ، فهو يعلمُه، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾: ما عرَف العبادُ وشهِدوا، فهو يعلمُه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولو أن لهؤلاء المشركين باللهِ يومَ القيامةِ، وهم الذين ظلَموا أنفسَهم، ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ في الدنيا من أموالِها وزينتِها، ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ مضاعفًا، فقُبِل ذلك منهم عوضًا من أنفسِهم، لفَدَوا بذلك كلِّه أنفسَهم عِوضًا منها؛ لينجُوا من سوءِ عذابِ اللهِ، الذي هو معذِّبُهم به يومَئذٍ، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾.

يقولُ: وظهَر لهم يومَئذٍ من أمرِ اللهِ وعذابِه، الذي كان أعدَّه لهم، ﴿مَا لَمْ يَكُونُوا﴾ قبلَ ذلك ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾ أنه أعدَّه لهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وظهَر لهؤلاءِ المشركين يومَ القيامةِ ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ من الأعمالِ في الدنيا، إذ أُعطُوا كتبَهم بشمائلِهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾: ووجَب عليهم حينَئذٍ، فلزِمهم، عذابُ اللهِ الذي كان نبيُّ اللهِ ﷺ في الدنيا يعدِهُم على كفرِهم بربِّهم، فكانوا به يسخَرون؛ إنكارًا أن يصيبَهم ذلك أو ينالَهم؛ تكذيبًا منهم به، وأحاط ذلك بهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا أصاب الإنسانَ بؤسٌ وشدَّةٌ دعانا مستغيثًا بنا من جهةِ ما أصابه من الضرِّ، ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾.

يقولُ: ثم إذا أعطَيناه فرَجًا مما كان فيه من الضرِّ؛ بأن أبدَلْناه بالضرِّ رخاءً وسَعَةً، وبالسَّقمِ صحةً وعافيةً، فقال: إنما أُعطِيتُ الذي أُعطِيتُ؛ من الرخاءِ والسَّعَةِ في المعيشةِ، والصحةِ في البدنِ والعافيةِ، ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (١)﴾ [القصص: ٧٨].

يعني: على علمٍ الله بأنى له أهلٌ؛ لشرفى ورضاه بعملي، ﴿عِنْدِي﴾.

يعني: فيما عندي، كما يقالُ: أنت محسنٌ في هذا الأمرِ عندي.

أي: فيما أظنُّ وأحسَبُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾.

حتى بلَغ: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي (١)﴾.

أي: على خيرٍ عندي (٢).

حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾.

قال: أعطَيناه (٣).

وقولُه: ﴿أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ (٤)﴾.

أي: على شرفٍ أعطانيه.

وقولُه: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: بل عَطِيَّتُنا إياهم تلك النعمةَ من بعدِ الضرِّ الذي كانوا فيه فتنةٌ لهم.

يعني: بلاءٌ ابتلَيْناهم به، واختبارٌ اختبَرناهم به، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾؛ لجهلِهم وسوءِ رؤياهم، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ لأيِّ سببٍ أُعْطُوا ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾.

أي: بلاءٌ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قد قال هذه المقالةَ - يعني قولَهم لنعمةِ اللهِ التي خوَّلهم وهم مشرِكون: أوتيناه على علمٍ عندَنا - ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

يعني: الذين من قبلِ مشركي قُرَيشٍ من الأممِ الخاليةِ لرسلِها؛ تكذيبًا منهم لهم، واستهزاءً بهم.

وقولُه: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

يقولُ: فلم يُغْنِ عنهم حينَ أتاهم بأسُ اللهِ على تكذيبِهم رسلَ اللهِ، واستهزائِهم بهم - ما كانوا يكسبون من الأعمالِ، وذلك عبادتُهم الأوثانَ.

يقولُ: لم ينفَعْهم خدمتُهم إياها، ولم تشفَعْ آلهتُهم لهم عندَ اللهِ حينَئذٍ، ولكنها أسلَمَتهم، وتبرَّأَت منهم.

وقولُه: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾.

يقولُ: فأصاب الذين قالوا هذه المقالةَ من الأممِ الخاليةِ، وبالُ سيئاتِ ما كسَبوا من الأعمالِ، فعوجِلوا بالخزي في دارِ الدنيا؛ وذلك كقارونَ الذي قال حينَ وُعِظ: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].

فخسَف اللهُ به وبدارِه الأرضَ، ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١].

يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾.

يقولُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: والذين كفَروا باللهِ يا محمدُ من قومِك، وظلَموا أنفسَهم وقالوا هذه المقالةَ، ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾ أيضًا وبالُ سيئاتِ ما كسَبوا، كما أصاب الذين من قبلهم بقيلِهموها، ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾.

يقولُ: وما يفُوتون ربَّهم، ولا يسبِقونه هربًا في الأرضِ من عذابِه إذا نزَل بهم، ولكنه يصيبُهم، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢]، ففعَل اللهُ ذلك بهم، فأحلَّ بهم خِزْيَه في عاجلِ الدنيا، فقتَلهم بالسيفِ يومَ بدرٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، السديِّ: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الأممُ الماضيةُ، ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾.

قال: من أُمةِ محمدٍ ﷺ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَعلَمْ يا محمدُ هؤلاء الذين كشَفْنا عنهم ضُرَّهم، فقالوا: إنما أوتيناه على علمٍ منا.

أن الشدَّةَ والرخاءَ والسَّعَةَ والضيقَ والبلاءَ بيدِ اللهِ دونَ كُلِّ مَن سواه، يَبْسطُ الرزقَ لمَن يشاءُ، فيوسِّعُه عليه، ويَقدِرُ ذلك على مَن يشاءُ من عبادِه فيضيقُه، وأن ذلك من حُججِ الله على عبادِه؛ ليعتبِروا به ويتذكَّروا، فيعلَموا أن الرغبةَ إليه والرهبةَ دونَ الآلهةِ والأندادِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾.

يقولُ: إن في بسطِ اللهِ الرزقَ لمَن يشاءُ، وتقتيرِه على مَن أراد، ﴿لَآيَاتٍ﴾.

يعني: دلالاتٍ وعلاماتٍ، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

يعني: يصدِّقون بالحقِّ، فيُقرُّون به إذا تبيَّنوه وعلِموا حقيقتَه، أن الذي يفعلُ ذلك هو اللهُ دونَ كلِّ ما (١) سواه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾.

اختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِي بها قومٌ من أهلِ الشركِ، قالوا لما دُعوا إلى الإيمانِ باللهِ: كيف نؤمنُ وقد أشرَكنا وزنَينا، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، واللهُ يعِدُ فاعلَ ذلك النارَ، فما ينفعُنا مع ما قد سلَف منا الإيمانُ؟!

فنزَلت هذه الآيةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾: وذلك أن أهلَ مكةَ قالوا: يزعمُ محمدٌ أنه مَن عبَد الأوثانَ، ودعَا مع اللهِ إلهًا آخرَ، وقتَل النفسَ التي حرَّم اللهُ، لم يُغفَرْ له، فكيف نهاجرُ ونُسلِمُ، وقد عبَدنا الآلهةَ، وقتَلنا النفسَ التي حرَّم اللهُ، ونحنُ أهلُ الشركِ؟!

فأنزَلَ اللهُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: لا تيأَسوا من رحمتي، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

قال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤]، وإنما يعاتبُ اللهُ أولي الألبابِ، وإنما الحلالُ والحرامُ لأهلِ الإيمانِ، فإياهم عاتَب، وإياهم أمَر إن أسرَف أحدُهم على نفسِه، أن لا يقْنَطَ من رحمةِ اللهِ، وأن يُنيبَ ولا يُبِطئَ بالتوبةِ من ذلك الإسرافِ والذنبِ الذي عمِل، وقد ذكَر اللهُ في سورةِ "آلِ عمرانَ" المؤمنين، حينَ سأَلوا الله المغفرةَ فقالوا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧].

فينبَغي أن يُعلمَ أنهم قد كانوا يُصيبون الإسرافَ، فأمَرهم بالتوبةِ من إسرافِهم (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

قال: قَتْلُ النفسِ في الجاهليةِ (٢).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، عن بعضِ أصحابِه، عن عطاءِ بن يسارٍ، قال: نزَلت هذه الآيات الثلاثُ بالمدينةِ في وحْشيٍّ وأصحابِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٣).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، قال: قال زيدُ بن أسلمَ في قولِه تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

قال: إنما هي للمشركين.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ حتى بلَغ: ﴿الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

قال: ذُكِر لنا أن ناسًا أصابوا ذنوبًا عظامًا في الجاهليةِ، فلما جاء الإسلامُ أشفَقوا أن لن (١) يُتابَ عليهم، فدعاهم اللهُ بهذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (٢).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

قال: هؤلاء المشركون من أهلِ مكةَ.

قالوا: كيف نجيبُك وأنت تزعُمُ أنه من زَنَى، أو قَتَل، أو أشرَك بالرحمنِ، كان هالكًا من أهلِ النارِ، فكلُّ هذه الأعمالِ قد عمِلناها؟!

فأُنزِلت فيهم هذه الآيةُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية.

قال: كان قومٌ مسخوطون (٣) في أهلِ الجاهليةِ، فلما بَعث اللهُ نبيَّه قالوا: لو أتَينا، محمدًا ﷺ، فآمَنَّا به واتَّبَعْناه.

فقال بعضُهم لبعضٍ: كيف يقبلُكم اللهُ ورسولُه في دينِه؟

فقالوا: ألَا نبعثُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ رجلًا؟

فلما بعَثوا نزَل القرآنُ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، قال: تَجالَس شُتَيْرُ بنُ شَكَلٍ ومسروقٌ، فقال شُتَيرٌ: إما أن تحدِّثَ ما سمعت من ابن مسعودٍ فأصدِّقَك، وإما أن أحدِّثَ فتصدِّقَني.

فقال مسروقٌ: لا، بل حدِّثْ فأصدَّقَك.

فقال: سمِعتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: إِنَّ أكبرَ آيةٍ فَرَحًا (١) في القرآنِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

فقال مسروقٌ: صدَقْتَ (٢).

وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أهلُ الإسلامِ.

وقالوا: تأويلُ الكلامِ: إِنَّ الله يغفِرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ.

قالوا: وهي كذلك في مصحفِ عبدِ اللهِ.

وقالوا: إنما نزَلَتْ هذه الآيةُ في قومٍ صدَّهم المشركون عن الهِجْرةِ وفتَنوهم، فأشفَقوا ألَّا يكونَ لهم توبةٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهريُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيد الأُمويُّ، عن ابن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال - يعني عمرَ -: كنا نقولُ: ما لمن افتتن من توبةٍ.

وكانوا يقولون: ما اللهُ بقابلٍ منا شيئًا، ترَكْنا الإسلامَ ببلاءٍ أصابَنا بعدَ معرفتِه.

فلما قدِم رسولُ اللهِ المدينةَ، أنزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال عُمرُ: فكتبتُها بيدي، ثم بعثتُ بها إلى هشامِ بن العاصِ.

قال هشامٌ: فلما جاءتني جعلتُ أقرَؤُها ولا أفهمُها، فوقَع في نفسي أنها أُنزلت فينا؛ لما كنا نقولُ، فجلستُ على بعيري، ثم لحِقتُ بالمدينةِ (٣).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: إنما أُنزِلت هذه الآياتُ في عَيَّاشِ بن أبي ربيعةَ، والوليدِ بن الوليدِ، ونفرٍ من المسلمين، كانوا قد أسلَموا ثم فُتِنوا وعُذِّبوا، فافتُتِنوا، كنا نقولُ: لا يقبَلُ اللهُ من هؤلاء صَرفًا ولا عَدْلًا أبدًا؛ قومٌ أسلَموا ثم ترَكُوا دينَهم بعذابٍ فنزَلت هؤلاء الآياتُ، وكان عمرُ بن الخطابِ كاتبًا، قال: فكتَبها بيدِه، ثم بعَث بها إلى عَيّاشِ بن أبي ربيعةَ، والوليدِ بن الوليدِ، وإلى أولئك النفرِ، فأسلَموا وهاجروا (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا يونسُ، عن ابن سيرينَ، قال: قال عليٌّ ﵁: أيُّ آيةٍ في القرآنِ أوسعُ؟

فجعلوا يذْكُرون آياتٍ من القرآنِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].

ونحوَها.

فقال عليٌّ: ما في القرآنِ آيةٌ أوسعَ من قولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).

حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سعدٍ (٣) الأزديِّ، عن أبي الكَنودِ، قال: دخَل عبدُ اللهِ المسجدَ، فإذا قاصٌّ يُذَكِّرُ النارَ والأغلالَ، قال: فجاء حتى قام على رأسِه، فقال: [يا مُذَكِّرُ] (٤) أتقنِّطُ الناسَ؟

﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن القُرَظيِّ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

قال: هي للناسِ أجمعين.

حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا ابن لَهِيعةَ، عن أبي قَبيلٍ (١)، قال: سمعتُ أبا عبدِ الرحمنِ المرادي (٢) يقولُ: ثني أبو عبدِ الرحمنِ الجُبْلانيُّ (٣)، أنه سمِع ثَوْبانَ مولى رسولِ اللهِ ﷺ يقولُ: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "ما أُحِبُّ أنَّ ليَ الدُّنْيا وما فيها بهذه الآيةِ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ الآية.

فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ومَن أشرَك؟

فسكَت النبيُّ ﷺ، ثم قال: "ألا ومَن أشْرَك، ألا ومَن أَشْرَك".

ثلاثَ مَرَّاتٍ (٤).

وقال آخرون: نزَل ذلك في قومٍ كانوا يَرَوْن أهلَ الكبائرِ (٥) من أهلِ النارِ، فأعلَمَهم اللهُ بذلك أنه يغفِرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن البرقيِّ، قال: ثنا عمرُو بن أبي سلمةَ، قال: ثنا أبو معاذٍ الخراسانيُّ، عن مقاتلِ بن حيانَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: كنا معشرَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ نرى أو نقولُ: إنه ليس شيءٌ من حسناتِنا إلا وهي مقبولةٌ، حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].

فلما نزلت هذه الآيةُ قُلْنا: ما هذا الذي يُبطلُ أعمالَنا؟

فقلنا: الكبائرُ والفواحشُ.

قال: فكنا إذا رأينا مَن أصاب شيئًا منها قلنا: قد هلَك.

حتى نزلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].

فلما نزَلت هذه الآيةُ كَفَفْنا عن القولِ في مثلِ (١) ذلك، فكُنَّا إذا رأَيْنا أحدًا أصاب منها شيئًا خِفْنا عليه، وإن لم يُصِبْ منها شيئًا رجَونا له (٢).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: عَنى اللهُ تعالى ذكرُه بذلك جميعَ من أسرَف على نفسِه من أهلِ الإيمانِ والشركِ؛ لأن الله عمَّ بقولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ جميعَ المسرفين، فلم يخصُصْ به مسرفًا دونَ مسرفٍ.

فإن قال قائلٌ: يغفرُ اللهُ الشركَ؟

قيل: نعم، إذا تاب منه المشركُ.

وإنما عنَى بقولِه: (إن الله يغفرُ الذنوبَ جميعًا لمن يشاءُ) (٣)، كما قد ذكَرنا قبلُ أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يقرؤه، وأنَّ الله قد استثنى منه الشركَ إذا لم يُتبْ منه صاحبُه، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فأخبَر أنه لا يغفرُ الشركَ إلا بعدَ توبةٍ بقولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠].

فأما ما عدَاه، فإن صاحبَه في مشيئةِ ربِّه، إن شاء تفضَّل عليه، فعفا له عنه، وإن شاء عدَل عليه، فجازاه به.

وأما قولُه: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.

فإنه يعني: لا تيأسوا من رحمةِ اللهِ، كذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس.

وقد ذكَرنا ما في ذلك من الرواياتِ قبلُ، فيما مضى، وبيَّنا معناه.

وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾.

يقولُ: إن الله يستُرُ على الذنوبِ كلِّها، بعفوِه عن أهلِها، وتَركِه عقوبتَهم عليها إذا تابوا منها، إنه هو الغفورُ الرحيمُ بهم، أن يعاقبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأقبِلوا أيُّها الناس إلى ربِّكم بالتوبةِ، وارجِعوا إليه بالطاعةِ له، واستجيبوا له إلى ما دعاكم إليه من توحيدِه، وإفرادِ الأُلوهةِ له، وإخلاصِ العبادةِ له.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾: أي أَقْبِلوا إِلى رَبِّكم (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَنِيبُوا﴾.

قال: أجِيبوا.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾.

قال: الإنابةُ الرجوعُ إلى الطاعةِ، والنزوعُ عما كانوا عليه، ألا تراه يقولُ: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم: ٣١].

وقولُه: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.

يقولُ: واخْضَعوا له بالطاعةِ والإقرارِ بالدينِ؛: الحنيفيةِ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ من عندِه على كفرِكم به، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

يقولُ: ثم لا ينصُرُكم ناصرٌ، فينقِذُكم من عذابِه النازلِ بكم.

وقولُه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: واتَّبعوا أيُّها الناسُ ما أمَركم به ربُّكم في تنزيلِه، واجْتَنِبوا ما نهاكم فيه عنه، وذلك هو أحسنُ ما أُنزِل إلينا من ربِّنا.

فإن قال قائلٌ: ومِن القرآنِ شيءٌ هو أحسنُ مِن شيءٍ؟

قيل له: القرآنُ كلُّه حسنٌ، وليس معنى ذلك ما توهَّمْتَ، وإنما معناه: واتَّبِعوا مما أُنزِلَ إليكم من ربِّكم من الأمرِ والنهي والخبرِ والمَثَلِ والقَصَصِ والجَدَلِ والوعدِ والوعيد، أحسنَه، وأحسنُه أن تَأْتَمِروا لأمرِه، وتنتَهوا عما نهَى عنه؛ لأن النهيَ مما أُنزِل في الكتابِ، فلو عمِلوا بما نُهوا عنه كانوا عاملين بأقبحِه، فذلك وجهُه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

يقولُ: ما أُمِرتُم به في الكتابِ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ (١).

وقولُه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾.

يقولُ: من قبلِ أن يأتيَكم عذابُ اللهِ فجأةً، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.

يقولُ: وأنتم لا تَعْلَمون به حتى يَغْشاكم فجأةً.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم، وأسلِموا له؛ ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾.

بمعنى: لئلَّا تقولَ نفسٌ: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

وهو نظيرُ قولِه: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥].

بمعنى: ألَّا تميدَ بكم، [فـ "أن" - إذ] (١) كان ذلك معناه - في موضعِ نصبٍ.

وقولُه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾.

يعني أن تقولَ: يا نَدَما.

كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾.

قال: الندامةُ (٢).

والألفُ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا﴾.

هي ياءُ كنايةِ المتكلمِ (٣)، وإنما أريد: يا حسرتِي، ولكن العربُ تحوِّلُ الياءَ التي في كنايةِ اسمِ المتكلمِ في الاستغاثةِ ألفًا، فتقولُ: يا ويلتا، ويا ندما.

فيُخرِجون ذلك على لفظِ الدعاءِ، وربما قيل: يا حسرتِ (٤) على العبادِ.

كما قيل: يا لَهْفِ عليه (٥)، ويا لهفَا عليه.

وذكَر الفرَّاءُ أن أبا ثَرْوانَ أَنشَدَه (٦): تَزُورُونها ولا أزورُ نساءَكمْ … ألَهْفِ لأوْلادِ الإماءِ الحواطِبِ خفضًا كما يُخفضُ في النداءِ إذا أضافه المتكلمُ إلى نفسِه، وربما أدخلوا الهاءَ بعد هذه الألفِ، فيخفِضونها أحيانًا، ويرفعونها أحيانًا؛ وذكَر الفرَّاءُ أن بعضَ بني أسدٍ أنشده (١): يا رَبِّ يَا رَبَّاه إِيَّاكَ أَسَلْ … عَفْرَاءَ يا رَبَّاهِ مِنْ قَبْلِ الأَجَلْ خفضًا، قال: والخفضُ أكثرُ في كلامِهم، إلا في قولِهم: يا هنَاهُ، ويا هَنْتَاهُ.

فإن الرفعَ فيهما أكثرُ من الخفضِ؛ لأنه كثيرٌ في الكلامِ، حتى صار كأنه حرفٌ واحدٌ.

وقولُه: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: على ما ضيَّعْتُ من العملِ بما أمَرني اللهُ به، وقصَّرْتُ في الدنيا في طاعةِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال (٢): ثنا حكامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: في أمرِ اللهِ.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

قال: في أمرِ اللهِ (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

قال: تركتُ من أمرِ اللهِ.

وقولُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.

يقولُ: وإن كنتُ لمن المستهزئين بأمرِ اللهِ وكتابِه ورسولِه والمؤمنين به.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادَة في قولِه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾.

قال: فلم يكفِه أَنْ ضيَّع طاعةَ اللهِ، حتى جعَل يَسْخرُ بأهلِ طاعةِ اللهِ.

قال: هذا قولُ صِنْفِ منهم (١).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.

يقولُ: من المستهزئينَ بالنبيِّ، وبالكتابِ، وبما جاء به (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأنيبوا إلى ربِّكم أيُّها الناسُ، وأَسْلِموا له، ألَّا تقولَ نفسٌ يومَ القيامةِ: يا حسرتا على ما فرَّطتُ في أمرِ الله.

وألَّا تقولَ نفسٌ أخرى: لو أنَّ الله هداني للحقِّ، فوفَّقَني للرشادِ، لَكُنْتُ ممن اتَّقاه بطاعتِه واتِّباعِ رضاه.

أو ألَّا تقولَ أخرى حينَ تَرى عذابَ اللهِ فتُعاينُه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾.

تقولُ: لو أنَّ لي رَجعةً إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أَحْسَنوا في طاعتِهم ربَّهم، والعملِ بما أمرَتْهم به الرسلُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

الآية.

قال: هذا قولُ صِنْفِ منهم، [﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ الآية.

قال: هذا قولُ صِنْفٍ آخرَ] (١)، ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ الآية.

يعني بقوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾: رَجْعَةً إلى الدنيا.

قال: هذا صِنْفٌ آخرُ (٢).

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾.

قال: أخبَر اللهُ ما العبادُ قائلوه قبلَ أنْ يقولوه، وعملَهم قبلَ أن يعمَلوه، قال - ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]-: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ إلى: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

يقولُ: من المهتدين.

فأخبَر اللهُ سبحانَه أنَّهم لو رُدُّوا لم يَقْدِروا على الهدى، وقال: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨].

وقال: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ١١٠].

وقال: ولو رُدُّوا إلى الدنيا لحِيلَ بينَهم وبين الهدى، كما حُلْنا بينَهم وبينَه أَوَّلَ مرّةٍ وهم في الدنيا (١).

وفي نصبِ قولِه: ﴿فَأَكُونَ﴾.

وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ نصبُه على أنه جوابُ ﴿لَوْ﴾.

والثاني: على الردِّ على موضعِ الكرّةِ، وتوجيهُ الكرّةِ في المعنى إلى: لو أنَّ لي (٢) أن أكِرَّ، كما قال الشاعرُ (٣): فما لك منها غيرُ ذِكْرَى وحَسْرةٍ (٤) … وتَسْأَلَ عن رُكْبانِها أَينَ يَمَّمُوا فنصَب "تسأل" عطفًا بها على موضعِ الذكرى؛ لأن معنى الكلامِ: فما لك (٥) بـ: "يرسل" على موضعِ "الوحي" في قولِه: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١].

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مكذَّبًا للقائلِ: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.

وللقائلِ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾: ما القولُ كما تقولون، ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ﴾ - أيها المتمنَّي على اللهِ الردَّ إلى الدنيا؛ لتكونَ فيها من المحسنين - ﴿آيَاتِي﴾.

يقولُ: قد جاءتك حُجَجي من بين رسولٍ أرسلْتُه إليك، وكتابٍ أنزلتُه يتلى عليك ما فيه من الوعدِ والوعيدِ والتذكيرِ، فكذَّبت بآياتي، واستكبرت عن قَبولها واتَّباعِها، ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

يقولُ: وكنتَ ممن يعملُ عملَ الكافرين، ويستنُّ بسنتِهم، ويتبعُ منهاجَهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: يقولُ اللهُ ردًّا لقولِهم، وتكذيبًا لهم - يعني لقولِ القائلين: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾.

والصنفِ الآخرِ - ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ الآية (١).

وبفتحِ الكافِ والتاءِ من قولِه: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ﴾ على وجهِ المخاطبةِ للذكورِ، قرأه القرأةُ في جميعِ أمصارِ الإسلامِ.

وقد رُوِي عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه قرَأ ذلك بكسرِ جميعِه، على وجهِ الخطابِ للنفسِ، كأنه قال: أن تقولَ نفسٌ: يا حسرتا على ما فرَّطتُ في جنبِ اللهِ.

بلى قد جاءتكِ أَيُّها النفسُ آياتي، فكذَّبتِ بها.

أجرى الكلامَ كلَّه على النفسِ، إذ كان ابتداءُ الكلامِ بها جرى، والقراءةُ التي لا أستجيزُ خلافَها، ما جاءت به قرأةُ الأمصارِ مُجْمِعةً عليه به، نقلًا عن رسولِ اللهِ ﷺ، وهو الفتحُ في جميعِ ذلك.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ القيامَةِ تَرَى يا محمدُ، هؤلاء الذين كَذَبوا على اللهِ من قومِك، فزعَموا أنَّ له ولدًا، وأنَّ له شركاءَ (٢)، وعبَدُوا آلهةً وعبدوا آلهة من دونِه، ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾.

والوجوهُ وإن كانت مرفوعةً بـ ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾، فإن فيها معنى نصبٍ؛ لأنها مع خبرِها تمامُ ﴿تَرَى﴾، ولو تقدَّم قولُه: ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ قبلَ الوجوهِ، كان نصبًا، ولو نصَبَ "الوجوهَ المسودَّةَ"، ناصبٌ في الكلامِ لا في القرآنِ، إذا كانت المسودّةُ متأخرةً، كان جائزًا، كما قال الشاعرُ (١): ذَرِيني إِنَّ أمرَكِ لن يُطاعَا … وما ألفيتِني حلمى (٢) مُضاعا فنصَبَ الحلمَ والمضاعَ على تكريرِ "ألفيتِني"، وكذلك تفعلُ العربُ في كلِّ ما احتاج إلى اسمٍ وخبرٍ، مثلَ "ظنَّ وأخواتِها".

وفي ﴿مُسْوَدَّةٌ﴾ للعربِ لغتان: "مسودّةٌ"، و "مسوادّةٌ"، وهي في أهلِ الحجازِ، يقولون فيما ذُكِر عنهم: قد اسوادَّ وجهُه، واحمارَّ، واشهابَّ.

وذكَر بعضُ نحويِّي البصرةِ عن بعضِهم، أنه قال: لا يكونُ "افعالَّ" إلا في ذي اللونِ (٣) الواحدِ، نحوَ الأشهبِ (٤).

قال: ولا يكونُ في نحوِ الأحمرِ؛ لأن الشهَبَ (٥) لونٌ يحدُثُ، والأحمرَ لا يحدثُ.

وقولُه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾.

يقولُ: أليس في جهنمَ مَأْوًى ومسكنٌ لمن تكبَّر على اللهِ، فامتنَع من توحيدِه، والانتهاءِ إلى طاعتِه، فيما أمَره ونهاه عنه؟

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويُنَجِّي اللهُ من جَهَنَّمَ وعذابِها الذين اتَّقَوه بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه في الدنيا، ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾.

يعني: بفوزِهم.

وهي "مَفْعَلَةٌ" منه.

وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن خالفَت ألفاظُ بعضِهم الألفاظَ (١) التي قلناها في ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾.

[قال: بفضائلِهم.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾] (٢).

قال: بأعمالِهم.

قال: والآخَرُون يحمِلُون أوزارَهم يومَ القيامةِ ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (٣) [النحل: ٢٥].

واختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينةِ وبعضُ قرأةِ مكةَ والبصرةِ: ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾.

على التوحيدِ (٤).

وقرأتْه عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ: (بمَفازاتِهم).

على الجماعِ (١).

والصوابُ عندي من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مستفيضتان، قد قرَأ بكلِّ واحدةٍ منهما علماءُ من القرأةِ، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيْهما، والعربُ توحِّدُ مثلَ ذلك أحيانًا وتجمعُ، بمعنًى واحدٍ، فيقولُ أحدُهم: سمِعتُ صوتَ القومِ، وسمِعتُ أصواتَهم.

كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩].

ولم يقُلْ: أصواتُ الحميرِ.

ولو جاء ذلك كذلك كان صوابًا.

وقولُه: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: لا يمَسُّ المتقين من أذَى جَهَنَّمَ شيءٌ، وهو السوءُ الذي أخبَر جلّ ثناؤُه أنه لن يَمسَّهم، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

يقولُ: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من آرابِ (٢) الدنيا، إذ صاروا إلى كرامةِ اللهِ، ونعيمِ الجنانِ.

وقولُه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ الذي له الألوهةُ من كلِّ خلقِه، الذي لا تصلُحُ العبادةُ إلا له، خالقُ كلِّ شيءٍ لا ما لا يقدِرُ على خلقِ شيءٍ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.

يقولُ: وهو على كلَّ شيءٍ قَيِّمٌ بالحفظِ والكَلاءةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ، يفتَحُ منها على مَن يشاءُ، ويُمسِكُها على (١) مَن أحبَّ من خلقِه.

واحدُها مِقْليدٌ.

وأما الإقليدُ فواحدُ الأقاليدِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: مفاتيحُها (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

أي: مفاتيحُ السماواتِ والأرضِ (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

قال: خزائنُ السماواتِ والأرضِ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

قال: المقاليدُ المفاتيحُ.

قال: له مفاتيحُ خزائنِ السماواتِ والأرضِ (٥).

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين كفَروا بحججِ اللهِ فكذَّبوا بها وأنكَروها، أولئك هم المَغبُونون حظوظَهم [من خيرِ السماواتِ] (١) التي بيدِه مفاتيحُها؛ لأنهم حُرِموا ذلك كلَّه في الآخرةِ بخلودِهم في النارِ، وفي الدنيا بخِذلانِهم عن الإيمانِ باللهِ ﷿.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قلْ يا محمدُ لمشركي قومِك، الداعِيك إلى عبادةِ الأوثانِ: أَفَغَيرَ اللهِ أَيُّها الجاهِلون باللهِ تأمُرُونِّي أن أعبُدَ؟

ولا تصلحُ العبادةُ لشيءٍ سواه.

واختلَف أهلُ العربيةِ في العاملِ في قولِه: ﴿أَفَغَيْرَ﴾.

النصبَ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: قيل (٢): ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي﴾.

يريدُ (٣): أفغيرَ اللهِ أعبدُ، تأمُرُونِّي؟!

كأنه أراد به الإلغاءَ، واللهُ أعلمُ، كما تقولُ: ذهَب فلأن يدرِى.

جعَله على معنى: فما (٤) يدرِي.

وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: "غير" منتصبةٌ بـ "أعبدُ"، و"أن" تحذفُ وتدخلُ؛ لأنها علمٌ للاستقبالِ، كما تقولُ: أريدُ أن أضربَ، وأريدُ أضربُ، وعسى أن أضربَ، وعسى أضربُ، فكانت في طلبِها الاستقبالَ كقولِك: زيدًا سوفَ أضربُ.

فلذلك حُذِفت وعمِل ما بعدَها فيما قبلَها، ولا حاجةَ بنا إلى اللغوِ.

وقولُه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد أوحَى إليك ربُّك يا محمدُ، وإلى الذين من قبلِك من الرسلِ، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.

يقولُ: لَئِنْ أَشرَكتَ باللهِ شيئًا يا محمدُ، ليَبطُلَنَّ عملُك ولا تنالُ به ثوابًا، ولا تدركُ به جزاءً إلا جزاءَ مَن أشرَك باللهِ.

وهذا من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.

ومعنى الكلامِ: ولقد أوحِي إليك لئن أشرَكتَ ليحبطنَّ عملُك، ولتكونَنَّ من الخاسِرين، ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.

بمعنى: وإلى الذين مِن قبلِك من الرسلِ من ذلك، مثلُ الذي أوحِي إليك منه، فاحذَرْ أن تشركَ باللهِ شيئًا فتَهلِكَ.

ومعنى قولِه: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.

ولتكونَنَّ من الهالِكين بالإشراكِ باللهِ، إن أشرَكتَ به شيئًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: لا تعبدْ ما أمَرك به هؤلاء المشركون من قومِك يا محمدُ بعبادتِه، بل الله فاعبُدْ دونَ كلِّ ما (١) سواه من الآلهةِ والأوثانِ والأندادِ، ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للهِ على نعمتِه عليك، بما أنعَم عليك من الهدايةِ لعبادتِه (٢)، والبراءةِ من عبادةِ الأصنامِ والأوثانِ، ونُصِبَ اسمُ ﴿اللَّهَ﴾ بقولِه: ﴿فَاعْبُدْ﴾.

وهو بعدَه؛ لأنه ردُّ كلامٍ، ولو نُصِب بمضمرٍ قبلَه، إذ كانت العربُ تقولُ: زيدٌ فليقُمْ، [وزيدًا فليقُمْ] (٣).

رفعًا ونصبًا؛ الرفعُ على: فليُنظَرْ زيدٌ فليقُمْ.

والنصبُ على: انظُروا زيدًا فليقُمْ - كان صحيحًا جائزًا.

وقولُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وما عظَّم الله حَقَّ عظمتِه، هؤلاء المشركون باللهِ، الذين يدعونك إلى عبادةِ الأوثانِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.

قال: هم الكفارُ الذين لم يؤمِنوا بقدرةِ اللهِ عليهم؛ فمن آمَن أن الله على كلَّ شيءٍ قديرٌ، فقد قدَر الله حَقَّ قدرِه، ومَن لم يُؤْمِنْ بذلك، فلم [يقدُرِ الله] (١) حقَّ قدرِه (٢).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾: ما عظَّموا الله حقَّ عظمتِه (٣).

وقولُه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والأرضُ كلُّها قبضتُه في يومِ القيامةِ، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ كلُّها ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.

فالخبرُ عن الأرضِ متناهٍ عندَ قولِه: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، و ﴿وَالْأَرْضُ﴾ مرفوعةٌ بقولِه: ﴿قَبْضَتُهُ﴾، ثم استأنَف (٤) الخبرَ عن السماواتِ فقال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.

وهي مرفوعةٌ بـ ﴿مَطْوِيَّاتٌ﴾.

ورُوِى عن ابن عباسٍ وجماعةٍ غيرِه أنهم كانوا يقولون: الأرضُ والسماواتُ جميعًا في يمينِه يومَ القيامةِ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

يقولُ: قد قبَض الأرَضينَ والسماواتِ جميعًا بيمينِه، ألم تسمَعْ أنه قال: ﴿مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ يعنى: الأرضُ والسماواتُ بيمينِه جميعًا.

قال ابن عباسٍ: وإنما يستعينُ بشمالِه المشغولةُ يمينُه (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن عمرِو بن مالكٍ، عن أبي الجوزاءِ، عن ابن عباسٍ، قال: ما السماواتُ السبعُ والأَرَضُونَ السبعُ في يدِ اللهِ، إلا كخردلةٍ في يدِ أحدِكم (٢).

قال: ثنا معاذُ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، قال: ثنا النضرُ بنُ أنسٍ، عن ربيعةَ الجُرَشيِّ (٣)، قال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.

قال: ويدُه الأخرى خِلْوٌ ليس فيها شيءٌ.

حدَّثني عليُّ بنُ الحسنِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عمارِ بن عمرَ (٤)، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾.

قال: كأنها جوزةٌ [بقَضِّها وقَضِيضها] (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

يقولُ: السماواتُ والأرضُ مطوياتٌ بيمينِه جميعًا (٢).

وكان ابن عباسٍ يقولُ: إنما يستعينُ (٣) بشمالِه المشغولةُ يمينُه (٤)، وإنما الأرضُ والسماواتُ كلُّها بيمينِه، وليس في شمالِه شيءٌ.

حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه رأى رسولَ اللهِ ﷺ على المنبرِ يخطبُ الناسَ، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يأخُذُ السماواتِ السبعَ (٥) والأرضينَ السبعَ فيجعلُها في كفَّيه (٦)، ثم يقولُ [بهما كما يقولُ الغلامُ بالكرةِ] (٧): أنا اللهُ الواحدُ، أنا اللهُ العزيزُ".

لقد رأَينا المنبرَ، وإنه ليكادُ أن يسقطَ به (٨).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، قال: ثنى منصورٌ وسليمانُ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ، عن عبدِ اللهِ، قال: جاء يهوديٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: يا محمدُ، إن الله يُمسِكُ السماواتِ على إصبَعٍ، والأرَضينَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ، والخلائقَ على إصبعٍ، ثم يقولُ: أنا الملكُ.

قال: فضحِك النبيُّ ﷺ حتى بدَت نواجذُه، وقال: " ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ " (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا فُضَيلُ بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: فضحِك النبيُّ ﷺ تعجبًا وتصديقًا (٢).

حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن منصورٍ، عن خيثمةَ بن [عبدِ الرحمنِ] (٣)، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: كنا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، حينَ جاءه حَبرٌ من أحبارِ اليهودِ فجلَس إليه، فقال له النبيُّ ﷺ: "حَدَّثْنا".

قال: إن الله ﵎ إذا كان يومُ القيامةِ، جعَل السماواتِ على إصبعٍ، [والأَرْضِينَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ] (٤)، والماءَ والشجرَ على إصبعٍ، وجميعَ الخلائقِ على إصبعٍ، ثم يهزُّهنَّ، ثم يقولُ: أنا الملكُ.

قال: فضحِك رسولُ اللهِ ﷺ حتى بدت نواجذُه؛ تصديقا لما قال، ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، الآية (٥).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ نحوَ ذلك.

حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ وعباسُ بنُ أبى طالبٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي الضحى، عن ابن عباسٍ، قال: مرَّ يهوديٌّ بالنبيِّ ﷺ وهو جالسٌ، فقال: "يا يهوديُّ، حدِّثْنا".

فقال: كيف تقولُ يا أبا القاسمِ يومَ يجعلُ اللهُ السماءَ على ذِهِ، والأَرضَ على ذِهِ، والجبالَ على ذِهِ، وسائر الخلقِ على ذِهِ؟

فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، الآية (١).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: أتَى النبيَّ ﷺ رجلٌ من أهلِ الكتابِ، فقال: يا أبا القاسم، أَبْلَغك أن الله يحملُ الخلائقَ على إصبعٍ، والسماواتِ على إصبعٍ، والأَرَضينَ على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ، والثَّرَى على إصبعٍ؟!

قال: فضحِك النبيُّ ﷺ حتى بدَتْ نواجذُه، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).

وقال آخرون: بل السماواتُ في يمينِه، والأَرَضونَ في شمالِه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: أخبَرنا ابن أبي حازمٍ، قال: ثنى أبو حازمِ، عن عبيدِ اللهِ بن (٣) مِقْسَمٍ، أنه سمِع عبدَ اللهِ بن عمرَ يقولُ: رَأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: "يأخُذُ الجبارُ سماواتِه وأرضَه بيدَيْه".

وقبَض رسولُ اللهِ ﷺ يدَيه، وجعل يقبضُهما ويسطُهما، قال: "ثم يقولُ: أنا الرحمنُ، أنا المَلِكُ، أين الجبَّارون، أينَ المتكَبِّرون؟

".

وتمايَلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن يمينِه، وعن شمالِه، حتى نظَرتُ إلى المنبرِ يتحرَّكُ من أسفلِ شيءٍ منه، حتى إنى لأقولُ: أساقطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ (١).

حدَّثني أبو علقمةَ الفَرْوِيُّ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ نافعٍ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي حازمٍ، عن أبيه، عن عُبيدِ (٢) بن عميرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "يأخذُ الجبَّارُ سماواتِه وأرضَه بيدِه (٣) ".

وقبض يدَه، فجعَل يقبِضُها ويبسطُها، ثم يقولُ: أنا الجبَّارُ، أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارون، أينَ المتكبِّرون؟

".

قال: ويميلُ رسولُ اللهِ ﷺ عن يمينِه وعن شمالِه، حتى نظَرتُ (٤) إلى المنبرِ يتحرَّكُ من أسفلِ شيءٍ منه، حتى إنى لأقولُ: أساقِطٌ هو برسولِ اللهِ ﷺ (٥).

حدَّثني الحسنُ بنُ عليّ بن عياشٍ (٦) الحِمْصيُّ، قال: ثنا بشرُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبَرني أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ مسلمِ بن شهابٍ، قال: أخبَرني سعيدُ بنُ المسيبِ، عن أبي هريرةَ، أنه كان يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يقبِضُ اللهُ ﷿ الأرضَ يومَ القيامةِ، ويطوِى السماواتِ بيمينِه، ثم يقولُ: أنا الملكُ، أينَ ملوكُ الأرضِ؟

" (١).

حُدِّثتُ عن حرملةَ بن يحيى، قال: ثنا إدريسُ بنُ يحيى القائدُ، قال: أخبَرنا حَيْوَةُ، عن عقيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبرني نافعٌ مولى ابن عمرَ، عن عبدِ اللهِ ابن عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الله يَقبِضُ الأرضَ يومَ القيامةِ بيدِه، ويطوِى السماءَ بيمينِه، ويقولُ: أنا المَلِكُ" (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ (٣)، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا ابن أبي مريمَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ ثَوْبانَ الكُلاعيُّ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: أتى رسولَ اللهِ ﷺ حَبرٌ من اليهود، فقال: أرأيتَ إذ يقولُ اللهُ في كتابِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.

فأينَ الخلقُ عند ذلك؟

قال: "هم فيها كرَقْمِ الكتابِ" (٤).

حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجوهريُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا عمرُ (٥) بنُ حمزةَ، قال: ثنى سالمٌ، عن أبيه، أنه أخبرَه، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يَطوِى اللهُ السماواتِ، فيأخذُهن بيمينِه، ويَطوِى الأرضَ، فيأخذُها بشمالِه، ثم يقولُ: أنا المَلِكُ، أينَ الجبَّارون، أينَ المتكبِّرون؟

" (٦).

وقيل: إن هذه الآية نزَلت من أجلِ يهوديٍّ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن صفةِ الربِّ.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عن محمدٍ، عن سعيدٍ، قال: أتى رهطٌ من اليهودِ نبيَّ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا محمدُ، هذا اللهُ خلَق الخلقَ، فمن خلقَه؟

فغضِب النبيُّ ﷺ حتى انتُقِع لونُه (١)، ثم ساوَرَهم (٢) غضبًا لربِّه، فجاءه جبريلُ فسكَّنه، وقال: اخفِضْ عليك جَناحَك يا محمدُ.

وجاءه من اللهِ جوابُ ما سأَلوه عنه.

قال: يقولُ اللهُ ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الصمد ١ - ٤].

قال: فلما تلاها عليهم النبيُّ ﷺ قالوا: صِفْ لنا ربَّك، كيف خَلْقُه؟

وكيفَ عَضُده؟

وكيف ذراعُه؟

فغضِب النبيُّ ﷺ أشدَّ من غضبِه الأولِ، ثم ساوَرَهم (٢)، فأتاه جبريلُ، فقال مثلَ مقالتِه، وأتاه بجوابِ ما (٣) سأَلوه عنه، [قال: يقولُ اللهُ] (٤): ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٥).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: تكلَّمت اليهودُ في صفةِ الربِّ، فقالوا ما لم يعلَموا ولم يرَوا، فأنزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، ثم بيَّن للناسِ عظمتَه، فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

فجعَل صفتَهم التي وصَفوا الله بها شِركًا (٦).

وقال بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾.

يقولُ: في قدرتِه؛ نحوَ قولِه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦].

أي: وما كانت لكم عليه (١) قدرةٌ.

وليس المِلكُ لليمينِ دونَ سائرِ الجسدِ.

قال: وقولُه: ﴿قَبْضَتُهُ﴾.

نحوُ قولِك للرجلِ: هذا في يدِك، وفى قبضتِك.

والأخبارُ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ وعن أصحابِه وغيرِهم، تشهدُ على بُطُولِ هذا القولِ.

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرِة، عن عَنْبسةَ، عن حبيبِ بن أبى عمْرةً، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، عن عائشةَ قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن قولِه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

فأينَ الناسُ يومَئذٍ؟

قال: "على الصِّراطِ" (٢).

وقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: تنزيهًا وتبرئةً للهِ، وعلوًّا وارتفاعًا عما يُشركُ به هؤلاء المشركون من قومِك يا محمدُ، القائِلون لك: اعبُدِ الأوثانَ مِن دونِ اللهِ، واسجُدْ لآلهتِنا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا (٣) مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ونفَخ إسرافيلُ في القَرْنِ، وقد بيَّنا معنى الصُّورِ فيما مضَى بشواهدِه، وذكَرْنا اختلافَ أهلِ العلمِ فيه والصوابَ من القولِ فيه بشواهدِه، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وقولُه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.

يقولُ: مات، وذلك في النفخةِ الأولى.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: مات (٢).

وقولُه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.

اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذي عنَى اللهُ بالاستثناءِ في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عنَى به جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكَ الموتِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ قال: جبريلُ ومكيائيلُ وإسرافيلُ وملكُ الموتِ (٢).

حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ عيسى، عن عمِّه يزيدَ الرَّقَاشيِّ، عن أنسِ بن مالكٍ قال: قرأ رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.

فقيل: مَن هؤلاء الذين اسْتَثْنى اللهُ يا رسولَ اللهِ؟

قال: "جبريلُ وميكائيلُ وملكُ الموتِ، فإذا قبَض أرواحَ الخلائقِ قال: يا مَلَكَ الموتِ، مَن بقِى؟

وهو أعلمُ.

قال: يقولُ: سبحانَك تبارَكْتَ ربي ذا الجَلَالِ والإكرامِ، بقِى جبريلُ وميكائيلُ وملكُ الموتِ.

قال: يقولُ: يا ملكَ الموتِ، خُذ نفسَ ميكائيلَ.

قال: فيَقَعُ كالطَّوْدِ العظيمِ.

قال: ثم يقولُ: يا ملكَ الموتِ، مَن بقِى؟

قال: فيقولُ: سبحانَك ربي ياذا الجلالِ والإكرامِ، بقى جبريلُ وملكُ الموتِ.

قال: فيقولُ: يا ملكَ الموتِ، مُتْ.

قال: فيموتُ.

قال: ثم يقولُ: يا جبريلُ، مَن بقِى؟

قال: فيقولُ جبريلُ: سبحانَك ربي يا ذا الجلالِ والإكرامِ، بقِى جبريلُ.

وهو مِن اللهِ بالمكانِ الذي هو به.

قال: فيقولُ: يا جبريلُ، ما (١) بدٌّ مِن مَوْتةٍ.

قال: فيَقَعُ ساجدًا يُخْفِقُ بجَناحَيْه.

يقولُ: سبحانَك ربي، تبارَكْتَ وتعالَيْتَ ياذا الجلالِ والإكرامِ، أنت الباقى، وجبريلُ الميتُ الفاني.

قال: ويَأْخُذُ رُوحَه في الخَلْقةِ (٢) التي خُلق منها.

قال: فيَقَعُ على ميكائيلَ أن فضلَ خلقِه على خلقِ مِيكائيلَ، كفضلِ الطَّوْدِ العظيمِ على الظَّرِبِ (٣) مِن الظِّرابِ" (٤).

وقال آخرون: عنى بذلك الشهداءَ.

[ذكرُ مَن قال ذلك] (٥) حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارة، عن ذى حُجْرِ اليَحْمَديِّ (٦)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.

قال: الشهداءُ ثَنِيَّةُ (١) اللهِ حولَ العرشِ، مُتَقَلَّدين السيوفَ (٢).

وقال آخرون: عنَى بالاستثناءِ في الفَزَعِ الشهداءَ، وفي الصَّعْقِ جبريلَ وملكَ الموتِ وحَمَلةَ العرشِ.

ذكرُ مَن قال ذلك، والخبرِ الذي جاء فيه عن رسولِ اللهِ ﷺ حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ، عن إسماعيلَ بن رافعٍ (٣) المَدَنيِّ، عن يزيدَ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، عن رجلٍ من الأنصارِ، عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يُنْفَخُ في الصُّورِ ثلاثُ نَفَخاتٍ؛ الأولى: نفخةُ الفَزَعِ، والثانيةُ: نفخةُ الصَّعْقِ، والثالثةُ: نفخةُ القيامِ لربِّ العالمين، ﵎.

يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ بالنفخةِ الأولى، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الفزعِ.

فيَفْزَعُ أهلُ السماواتِ وأهلُ الأرضِ، إلا مَن شاء اللهُ".

قال أبو هريرةَ: يا رسولَ اللهِ، فمَنِ اسْتَثْنى اللهُ حينَ يقولُ: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾] النمل: ٨٧]؟

قال: "أولئك الشهداءُ، وإنما يَصِلُ الفَزَعُ إلى الأحياءِ، أولئك أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرْزَقون، وقَاهم اللهُ فَزَعَ ذلك اليومِ وأمَّنَهم.

ثم يَأْمُرُ اللهُ إسرافيلَ بنفخةِ الصعقِ، فيقولُ: انْفُخُ نفخةَ الصعقِ.

فيُصْعَقُ أَهلُ السماواتِ والأرضِ إلا مَن شاء اللهُ، فإذا هم خامِدون، ثم يأتى ملكُ الموتِ إلى الجبارِ ﵎، فيقولُ: يا ربِّ، قد مات أهلُ السماواتِ والأرضِ إلا مَن شئْتَ.

فيقولُ له، وهو أعلمُ: فمَن بقِى؟

فيقولُ: بقِيتَ أنت الحيُّ (١) الذي لا تَموتُ (٢)، وبقى حَمَلةُ عرِشك، وبقِى جبريلُ وميكائيلُ.

فيقولُ اللهُ له: اسْكُتْ، إنى كتَبْتُ الموتَ على من كان تحتَ (٣) عرشى.

ثم يأتى ملكُ الموتِ فيقولُ: يا ربِّ، قد مات جبريلُ وميكائيلُ.

فيقولُ اللهُ، وهو أعلمُ: فمن بقِى؟

فيقولُ: بقيتَ أنت الحيُّ الذي لا تَموتُ (٢)، وبقى حَمَلةُ عرشِك، وبقيتُ أنا.

فيقولُ اللهُ: فلْيَمُتْ حَمَلةُ العرش.

فيَموتون، ويَأْمُرُ اللهُ تبارك تعالى العرشَ فيَقْبِضُ الصُّورَ، فيقولُ: يا (٤) ربِّ، قد مات حملةُ عرشِك.

فيقولُ: ومَن بقِى؟

وهو أعلمُ، فيقولُ: بقِيتَ أنت الحيُّ الذي لا تَموتُ (٢)، وبقِيتُ أنا.

قال: فيقولُ اللهُ: أنت مِن خلقى خلَقْتُك لما رأيْتَ، فمُتْ لا تَحْىَ.

فيَموتُ" (٥).

وهذا القولُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ أولى بالصحةِ؛ لأن الصَّعقَ (٦) في هذا الموضعِ الموتُ، والشهداءُ وإن كانوا أحياءً عندَ اللهِ، كما أخْبَر تعالى ذكرُه، فإنهم قد ذاقوا الموتَ قبلَ ذلك.

وإنما عنى جلَّ ثناؤُه بالاستثناءِ في هذا الموضعِ الاستثناءَ من الذين صَعِقوا عندَ نفخةِ الصعقِ، لا مِن الذين قد ماتوا قبلَ ذلك بزمانٍ ودهرٍ طويلٍ، وذلك أنه لو جاز أن يكونَ المرادُ بذلك مَن قد هلَك وذاق الموتَ قبلَ وقتِ نفخةِ الصَّعْقِ، وجَب أن يكونَ المرادُ بذلك مَن قد هلَك فذاق الموتَ مِن قبلِ ذلك؛ لأنه ممن (١) لا يُصْعَقُ في ذلك الوقتِ، إذ (٢) كان الميتُ لا يُجَدَّدُ له موتٌ آخرُ في تلك الحالِ.

وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾.

قال الحسنُ: يَسْتَثْنِى اللهُ، وما يَدَعُ أحدًا مِن أهلِ السماواتِ ولا أهلِ الأرضِ، إلا أذاقه الموتَ.

قال قتادةُ: قد اسْتَثْنَى اللهُ، واللهُ أعلمُ إلى [ما صارت ثَنِيَّتُه] (٣).

قال: ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "أتاني مَلَكٌ فقال: يا محمدُ، اخْتَرْ؛ نبيًّا مِلكًا، أو نبيًّا عبدًا.

فَأَوْمَأ إليَّ أن تواضَعْ، قال: نبيًّا عبدًا.

قال: فأُعطِيتُ خَصْلتين؛ أَن جُعِلْتُ أُولَ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، وأول شافعٍ، فأَرْفَعُ رأسى، فَأَجِدُ موسى آخِذًا بالعرشِ، فاللهُ أعلمُ أصَعِق بعد الصعقةِ الأولى أم لا؟

" (٤).

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو سلمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال يهوديُّ بسوقِ المدينةِ: والذي اصْطَفَى موسى على البشرِ.

قال: فرفَع رجلٌ من الأنصارِ يدَه، فصكَّ (٥) وجهَه، فقال: تقولُ هذا، وفينا رسولُ اللهِ ﷺ؟!

فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ونُفِخَ في الصور، فصعق من في السماواتِ، ومَن في الأرضِ إلا من شاء اللهُ، ثم نُفِحَ فيه أخرى، فإذا هم قيامٌ يَنْظُرون، فأكونُ أول مَن يَرْفَعُ رأسَه، فإذا موسى أخذٌ بقائمةٍ من قوائمِ العرشِ، فلا أدْرِى أرفع رأسَه قبلى، أو كان ممن اسْتَثْنى اللهُ؟

" (١).

حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن الحسنِ، قال: قال النبيُّ ﷺ: "كأنى أنْفُضُ رأسى مِن الترابِ أولَ خارجٍ، [فأَلْتَفِتُ فلا أَرَى أحدًا] (٢) إلا موسى مُتَعَلِّقًا بالعرشِ، فلا أَدْرِى أممن (٣) اسْتَثْنى اللهُ أَن لا تُصِيبَه النفخةُ، أو بُعِث قبلي؟

" (٤).

وقولُه: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ثم نُفِخ في الصورِ نفخةٌ أخرى.

والهاءُ التي في ﴿فِيهِ﴾ مِن ذكرِ الصورِ.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾.

قال: في الصُّورِ، وهى نفخةُ البعثِ (٥).

وذُكِر أن بينَ النفختين أربعين سنةً.

ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ (٦)، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما بينَ النفختين أربعون (٧) ".

قالوا: يا أبا هريرةَ، أربعون يومًا؟

قال: أَبَيْتُ.

قالوا: أربعون شهرًا؟

قال: أبَيْتُ.

قالوا: أربعون سنةً؟

قال: أبَيْتُ.

"ثم يُنْزِلُ اللهُ مِن السماءِ ماءً، فيَنْبُتون كما يَنْبُتُ البَقْلُ".

قال: "وليس من الإنسانِ شيءُ إلا (١) يَبْلَى، إلا [عظمًا واحدًا] (٢)، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ (٣)، ومنه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القيامةِ" (٤).

حدَّثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا البَلْخِيُّ بنُ إياسٍ، قال: سَمِعْتُ عكرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.

قال: الأُولى من الدنيا، [والأخيرةُ مِن] (٥) الآخِرةِ (٦).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.

قال نبيُّ اللهِ: "بينَ النفختين أربعون".

قال: قال أصحابُه: فما سأَلْناه عن ذلك، ولا زادَنا على ذلك.

غيرَ أنهم كانوا يَرَوْن من رأيِهم أنها أربعون سنةً.

وذُكِر لنا أنه يُبْعَثُ في تلك الأربعين مطرٌ، يقالُ له: مطرُ (٧) الحياةِ.

حتى تَطِيبَ الأرضُ وتَهْتَزَّ، وتَنْبُتُ أجسادُ الناسِ نباتَ البَقْلِ، ثم يُنْفَخُ فيه الثانيةُ: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٨).

قال: ذُكِر لنا أن معاذَ بنَ جبلٍ سأَل نبيَّ اللهِ ﷺ: كيف يُبْعَثُ المؤمنون يومَ القيامةِ؟

قال: "يُبْعَثون جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلين بنى ثلاثين سنةً" (١).

وقولُه: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.

يقولُ: فإذا مَن صَعِق عند النفخةِ التي قبلَها وغيرُهم، من جميع خلقِ اللهِ تعالى الذين كانوا أمواتًا قبل ذلك - قيامٌ مِن قبورِهم وأماكنِهم مِن الأرضِ، أحياءٌ كهيئتِهم قبلَ مَماتِهم، يَنْظُرون أمرَ اللهِ فيهم.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.

قال: حينَ يُبْعَثون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فأضاءَت الأرضُ بنورِ ربِّها.

يقال: أَشْرَقَت الشمسُ؛ إذا صَفَت وأضاءَت.

وشرَقَت (٢)؛ إذا طلعت.

وذلك حين يَبْرُزُ الرحمنُ لفصلِ القضاءِ بينَ خلقِه.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.

قال: فما يَتَضارُّون في نوره إلا كما يَتَضارُّون في الشمسِ في اليومِ الصَّحْوِ الذي لا دَخَنَ فيه (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسبْاطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾.

قال: أضاءَت (١).

وقولُه: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾.

يعنى: كتابُ أعمالِهم لمحاسبتِهم ومُجازاتِهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾.

قال: كتابُ أعمالِهم.

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾.

قال: الحسابُ (١).

وقولُه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾.

يقولُ (٢): وجِيء بالنَبيِّين ليَسْأَلَهم ربُّهم عما أجابَتهم به أمُمهم، وردَّت عليهم في الدنيا، حين أتَتْهم رسالةُ اللهِ، ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾.

يعنى بالشهداءِ (٣) أمةَ محمدٍ ﷺ، يَسْتَشْهِدُهم ربُّهم على الرسلِ، فيما ذكَرَت مِن تبليغِها رسالةَ اللهِ التي أرْسَلَهم بها ربُّهم إلى أمِمها، إذا (٤) جحَدَت أممُهم أن يكونوا أبْلَغوهم رسالةَ اللهِ.

والشهداءُ جمعُ شهيدٍ، وهذا نظيرُ قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].

وقيل: عَنَى بقولِه: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين قُتِلوا في سبيلِ اللهِ.

وليس لما قالوا مِن ذلك في هذا الموضعِ كبيرُ معنًى؛ لأن عقيبَ قولِه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾؛ ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.

وفى ذلك دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أنه إنما دُعِى بالنبيين والشهداءِ، للقضاء بين الأنبياءِ وأممِها، وأن الشهداءَ إنما هي جمعُ شهيدٍ، الذين يَشْهَدون للأنبياءِ على أممِهم، كما ذكَرْنا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾.

فإنهم لَيْشْهَدون للرسلِ بتبليغِ الرسالةِ، وبتكذيبِ الأممِ إياهم (١).

ذكرُ مَن قال ما حكَيْنا قولَه من القولِ الآخرِ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾: الذين اسْتُشْهِدوا في طاعةِ اللهِ.

وقولُه: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وقُضِى بينَ النبيين وأممِها بالحقِّ، [وقضاؤُه بينَهم بالحقِّ] (٢) أَلَّا يَحْمِلَ على أحدٍ ذنبَ غيرِه، ولا يُعاقِبَ نفسًا إلا بما كسَبَت.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ووفَّى اللهُ حينَئذٍ كلَّ نفسٍ جزاءَ عملِها من خيرٍ وشرٍّ، وهو أعلمُ بما يَفْعَلون في الدنيا، مِن طاعةٍ أو معصيةٍ، ولا يَعْزُبُ عنه علمُ شيءٍ مِن ذلك، وهو مُجازِيهم عليه يومَ القيامةِ، فمثيبٌ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بما يَشاءُ (١).

وقولُه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾.

يقولُ: وحُشِر الذين كفَروا باللهِ، إلى نارِه التي أعَدَّها لهم يومَ القيامةِ جماعاتٍ؛ جماعةً جماعةً، وحزبًا حزبًا.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿زُمَرًا﴾.

قال: جماعاتٍ.

وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السبعةُ، ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾: قُوَّامُها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾.

يعنى: كتابَ اللهِ المُنزَّلَ على رسلِه (٢)، وحججَه التي بعَث بها رسلَه إلى أممِهم، ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾.

يقولُ: ويُنْذِرونكم ما تَلْقَوْن في يومِكم هذا وقد يَحْتَمِلُ أن يكون معناه: ويُنْذِرونكم مصيرَكم إلى هذا اليومِ، ﴿قَالُوا بَلَى﴾.

يقولُ: قال الذين كفروا مُجِيبين لخَزَنةِ جهنمَ: بلى، قد أتَتْنا الرسلُ منا، فأَنْذَرَتْنا (٣) لقاءَنا هذا اليومَ، ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

يقولُ: قالوا: ولكن وجبَت (١) كلمةُ اللهِ، أن عذابَه لأهلِ الكفر به علينا، بكفرِنا به.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.

بأعمالِهم (٢).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فيَقولُ خَزَنةُ جهنمَ للذين كفَروا حينَئذٍ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعةَ، على قدرِ منازِلكم (٣) فيها، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

يقولُ: ماكِثين فيها، لا تُنْقَلُون (٤) عنها إلى غيرِها.

﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾.

يقولُ: فبئس مسكنُ المتكبِّرِين على اللهِ في الدنيا، أن يُوَحِّدوه ويُفْرِدوا له الأُلوهةَ - جهنمُ يومَ القيامةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وحُشِر الذين اتَّقَوا ربَّهم بأداءِ فرائضِه واجتنابِ مَعاصِيه في الدنيا، وأخْلَصوا له فيها الأُلوهةَ، وأفْرَدوا له العبادةَ، فلم يُشْرِكوا في عبادتِهم إياه شيئًا - ﴿إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾.

يعنى جماعاتٍ، فكان سَوْقُ هؤلاء إلى منازلِهم من الجنةِ وفدًا، على ما قد بيَّنا قبلُ في سورةِ "مريمَ" (١)، على نَجائبَ مِن نجائبِ الجنةِ، وسَوقُ الآخرين إلى النارِ دَعًّا ووِرْدًا، كما قال اللهُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد ذكَرْنا ذلك في أماكنِه من هذا الكتابِ.

وقد حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوِله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾.

وفي قولِه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾.

قال: كان سَوْقُ أولئك عُنْفًا وتَعَبًا ودَفْعًا.

وقرَأ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣].

قال: يُدفعون دفعًا.

وقرَأ: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢].

قال: يَدْفَعُه.

وقرَأ: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦].

و ﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥].

ثم قال: فهؤلاء وفدُ اللهِ.

حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا شَرِيكُ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبى إسحاقَ، عن عاصمِ بن ضَمْرَةَ، عن عليٍّ رضِى اللهُ قولَه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾.

حتى إذا انْتَهَوا إلى بابِها، إذا هم بشجرةٍ يَخْرُجُ مِن أصلِها عينان، فعمَدوا إلى إحداهما، فشرِبوا منها، كأنما أُمِروا بها، فخرَج ما في بطونِهم مِن قَذَرٍ أو (٢) أذًى أو قَذًى، ثم عمَدوا إلى الأخرى، فتوَضَّئوا منها كأنما أُمِروا بها (٣)، فجرَت عليهم نَضْرِةُ النعيمِ، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَبْلَى ثيابُهم بعدَها، ثم دخَلوا الجنةَ، فتلَقَّتْهم الوِلْدانُ كأنهم اللؤلؤُ المكنونُ، فيقولون: أبْشِرْ [عبدَ اللهِ] (١)، أَعَدَّ اللهُ لك كذا، وأعَدَّ لك كذا وكذا.

ثم يَنْظُرُ إلى تأسيسِ بنيانِه؛ جَنْدَلُ (٢) اللؤلؤِ الأحمرِ والأصفرِ والأخضرِ، يتلأْلأُ كأنه البرقُ، فلولا أن الله قضَى أَلا يَذْهَبَ بصرُه لَذَهَب، ثم يَأْتى بعضُهم إلى بعضِ أزواجِه، فيقولُ: أَبْشِرِى، قد قدِم فلانُ بنُ فلانٍ.

فيُسَمِّيه باسمه واسم أبيه، فتقولُ: أنت رأيْتَه؟

أنت رأيْتَه؟

فيَسْتَخِفُّها الفرحُ حتى تقومَ، فتَجْلِسُ على أُسْكُفَّةِ بابِها، فيَدْخُلُ فيَتَّكئُ على سريرِه، ويَقْرَأُ هذه الآيةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].

الآية (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: ذكَر أبو إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁ قال: يُساقُون إلى الجنةِ، فيَنْتَهُون إليها، فيَجِدون عندَ بابِها شجرةً، في أصلِ ساقِها عينان تَجْرِيان، فيَعْمِدون إلى إحداهما، فيَغتَسِلون منها، فتَجْرِى عليهم نضرةُ النعيمِ، فلن تَشْعَثَ رءوسُهم بعدَها أبدًا، ولن تَغْبَرَّ جلودُهم بعدَها أبدًا، كأنما دُهِنوا بالدِّهانِ، ويَعْمِدون إلى الأخرى، فيَشْرَبون منها، فيُذْهَبُ ما في بطونِهم من قَذًى أو أذًى، ثم يَأتون بابَ الجنةِ فيَسْتَفْتِحون، فيُفْتَحُ لهم، فتَلَقَّاهم خزنةُ الجنةِ، فيقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢].

قال: وتَتَلَقَّاهم (٤) الوِلْدانُ المُخَلَّدون، يُطِيفون بهم كما يُطِيفُ وِلْدانُ أهلُ الدنيا بالحَميمِ إذا جاء مِن الغَيْبةِ، يقولون: أبْشِرْ أَعَدَّ اللهُ لك كذا، وأعَدَّ لك كذا.

فيَنْطَلِقُ أحدُهم إلى زوجتِه، فيُبَشِّرُها به، فيقولُ: قدِم فلانٌ.

باسمِه الذي كان يُسَمَّى به في الدنيا.

قال: فيَسْتَخِفُّها الفرحُ، حتى تقومَ على أُسْكُفَّةِ بابِها، وتقولُ: أنت رأيْتَه؟

أنت رأيْتَه؟

قال: فيقولُ: نعم.

قال: فيَجِيءُ حتى يَأْتىَ منزلَه، فإذا أصولُه مِن جَنْدلِ اللؤلؤِ، مِن بين أصفرَ وأحمرَ وأخضَر.

قال: فيَدْخُلُ، فإذا الأكوابُ موضوعةٌ، والنَّمارِقُ مصفوفةٌ، والزَّرابيُّ مَبْثوثةٌ.

قال: ثم يَدْخُلُ إلى زوجتِه مِن الحُورِ العِينِ، فلولا أن الله أَعَدَّها له، لَالْتُمِع (١) بصرُه مِن نوِرها وحسنِها.

قال: فاتَّكَأ عند ذلك، ويقولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾.

قال: فتُنادِيهم الملائكةُ: ﴿أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، قال: ذكر السديُّ نحوَه أيضًا، غيرَ أنه قال: لهو أهْدَى إلى منزلِه في الجنةِ، منه إلى منزلِه في الدنيا.

ثم قرأ السديُّ: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: ٦].

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ جوابِ "إذا" التي في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: يقالُ: إن قولَه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾.

في معنى: قال لهم، كأنه يُلْغِى الواوَ، وقد جاء في الشعرِ شيءٌ يُشْبِهُ أن تكونَ الواوُ زائدةً، كما قال الشاعرُ (٢): فإذا وذلك يا كُبَيْشَةُ لم يَكُنْ … إلا توهُّمُ (٣) حالمٍ بخَيَالِ فيُشْبِهُ أن يكونَ يُرِيدُ: فإذا ذلك لم يَكُنْ.

قال: وقال بعضُهم: فأُضْمِر الخبرُ، وإضمارُ الخبرِ أيضًا أحسنُ في الآيةِ، وإضمارُ الخبرِ في الكلامِ كثيرٌ.

وقال آخرُ منهم: هو مكفوفٌ (١) عن خبرِه.

قال: والعربُ تَفْعَلُ مثلَ هذا، قال عبدُ مَنافِ بنُ رِبْعٍ في آخرِ قصيده (٢): حتى إذا أسْلَكُوهم في قُتائِدةٍ … شَلًّا كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا وقال الأخطلُ في آخرِ قصيده (٣): خَلَا أن حيًّا من قريشٍ تفَضَّلوا … على الناسِ أو أنَّ الأكارمَ نَهَشَلا وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: أُدْخِلَت في "حتى إذا" وفى "فلما" الواوُ، في (٤) جوابِها، وأُخْرِجَت، فأما مَن أَخْرَجها فلا شيءَ فيه، ومَن أَدْخَلَها شَبَّه الأوائلَ بالتعجبِ، فجعَل الثاني نسَقًا على الأولِ، وإن كان الثاني جوابًا، كأنه قال: أَتَعَجَّبُ لهذا وهذا.

وأولى الأقوالِ في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: الجوابُ متروكٌ.

وإن كان القولُ الآخرُ غيرَ مدفوعٍ، وذلك أن قولَه: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾.

يَدُلُّ على أن في الكلام متروكًا، إذ (٥) كان عَقِيبَه ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾.

وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلامِ: حتى إذا جاءُوها، وفُتِحَت أبوابُها، وقال لهم خزنتُها: سلامٌ عليكم طِبْتُم، فادْخُلوها خالدين.

دخَلوها وقالوا: الحمدُ للهِ الذي صَدَقنا وعدَه.

وعَنَى بقولِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾: أَمَنَةٌ من اللهِ لكم، أن ينالكم بعدُ مكروهٌ أو أذًى وقولُه: ﴿طِبْتُمْ﴾.

يقولُ: طابت أعمالُكم في الدنيا، فطابَ اليومَ مَثْواكم.

وكان مجاهدٌ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهِدٍ قولَه: ﴿طِبْتُمْ﴾.

قال: كنتم طيِّبين في طاعةِ اللهِ (١).

وقولُه: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾.

يقولُ: وقال الذين سِيقوا زُمَرًا، وادَّخَلُوها (٢): الشكرُ خالصٌ للهِ تعالى، الذي صدَقَنا وعدَه، الذي كان وعَدَناه في الدنيا على طاعتِه، فحقَّقه بإنجازِه لنا اليومَ، ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.

يقولُ: وجعَل أرضَ الجنةِ التي كانت لأهلِ النارِ - لو كانوا أطاعوا الله في الدنيا، فدَخَلُوها - لنا ميراثًا عنهم.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.

قال: أرضَ الجنةِ (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أَرضَ الجنة.

حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾.

قال: أرضَ الجنةِ.

وقرَأ: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].

وقولُه: ﴿نَتَبَوَّأُ [مِنَ الْجَنَّةِ] (١) حَيْثُ نَشَاءُ﴾.

يقولُ: نَتَّخِذُ مِن الجنةِ بيتًا، ونَسْكُنُ منها حيث نُحِبُّ ونَشْتَهِى.

كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نَتَبَوَّأُ [مِنَ الْجَنَّةِ] (٢) حَيْثُ نَشَاءُ﴾ نَنْزِلُ منها حيث نشاءُ.

وقولُه: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.

يقولُ: فنعم ثوابُ المُطِيعين للهِ، العامِلِين له في الدنيا، الجنةُ لمن أعْطاه الله إياها في الآخرةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وتَرَى يا محمدُ الملائكةَ مُحْدِقين من حولِ عرشِ الرحمنِ، ويعنى بالعرشِ السريرَ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.

مُحْدِقِين (٣).

حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ [مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.

قال] (٤): مُحْدِقين حولَ العرشِ.

قال: العرشُ السريرُ.

واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.

والمعنى: حافِّين حولَ العرشِ.

وفي قولِه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُدْخِلَت "مِن" في هذين الموضعين توكيدًا، واللهُ أعلمُ، نحوَ قولِك: ما جاءني مِن أحدٍ.

وقال غيرُه: "قبل" و "حول" و ما أشبهَهما ظروفٌ تَدْخُلُ فيها "مِن" وتَخْرُجُ، نحوَ: أَتَيْتُك قبل زيدٍ، ومِن قبل زيدٍ، وطُفْنا حولَك، ومن حولِك.

وليس ذلك مِن نوعِ: ما جاءنى مِن أحدٍ.

لأن موضعَ "مِن" في قولِهم: ما جاءنى من أحدٍ.

رفعٌ، وهو اسمٌ.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن ﴿مِنْ﴾ في هذه الأماكنِ، أعنى في قولِه: ﴿مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾.

و ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾، وما أشْبَه ذلك، وإن كانت دخَلَت على الظروفِ، فإنها بمعنى التوكيدِ.

وقولُه: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.

يقولُ: يُصَلُّون حول عرشِ اللهِ؛ شكرًا له.

والعربُ تُدْخِلُ الباءَ أحيانًا في التسبيحِ، وتَحْذِفُها أحيانًا، فتقولُ: سَبِّحْ بحمدِ اللهِ، وسبِّحْ حمدَ اللهِ.

كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١].

وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].

وقولُه: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ: وقضَى اللهُ بينَ النبيِّين الذين جيء بهم، والشهداءِ وأممِها بالعدلِ، فأسْكَن أهلَ الإيمانِ باللهِ وبما جاءت به رسلُه، الجنةَ، وأهلَ الكفرِ به وبما جاءت به رسلُه، النارَ.

﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

يقولُ: وخُتِمَت خاتمةُ القضاءِ بينَهم بالشكرِ للذى ابْتَدَأ خلقَهم، الذي له الأُلوهةٌ، وملكُ جميعِ ما في السماواتِ والأرضِ مِن الخلقِ، مِن مَلَكِ وجنٍّ وإنسٍ، وغيرِ ذلك من أصنافِ الخلقِ.

وكان قتادةَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ الآيةَ كلَّها.

قال: فتَح أولَ الخلقِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١].

وختَم بالحمدِ فقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).

آخرُ تفسير سورةِ "الزُّمَر"، يتلوه سورةُ "المؤمن".

والحمدُ للهِ وحدَه، وصلى وحده، وصلى اللهُ على محمدٍ.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله