الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة النساء
تفسيرُ سورةِ النساء كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 1146 دقيقة قراءةالقولُ في تفسير السورة التي يُذكر فيها النساءُ ﷽ القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قال أبو جعفر: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
احْذَروا أيُّها الناسُ ربَّكم في أن تُخالفوه فيما أمركم أو فيما نهاكم، فيُحِلَّ بكم مِنْ عقوبته ما لا قبل لكم به، ثم وصف تعالى ذكرُه نفسه بأنه المتوحِّدُ بخلقِ جميع الأنامِ من شخصٍ واحدٍ، وعرَّف عبادَه كيف كان مبتدأُ انتشائِه ذلك من النفس الواحدة (١)، مُنَبِّهَهم بذلك على أن جميعهم بنو رجلٍ واحدٍ وأم واحدةٍ، وأن بعضهم من بعضٍ، وأن حقَّ بعضهم على بعضٍ واجبٌ وجوبَ حقَّ الأخ على أخيه؛ لاجتماعهم في النسب إلى أبٍ واحدٍ وأمِّ واحدةٍ، وأن الذي يَلْزَمُهم مِن رعاية بعضهم حقَّ بعض - وإن بُعد التلاقى في النسب إلى الأب الجامع بينَهم، مثلُ الذي يَلْزَمُهم مِن ذلك في النسب [إلى الأب] (٢) الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعضٍ، ليتناصفوا ولا يَتَظالموا، وليَبْذُلَ القويُّ منهم من نفسه للضعيف حقَّه بالمعروفِ على ما ألزمه الله له، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
يعنى: من آدم ﵇.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضلٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما خَلْقُكم من نفسٍ واحدةٍ فمن آدم (١).
حدَّثنا (٢) بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
يَعْنى: آدم ﷺ (٣).
حدَّثنا [سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى] (٤)، عن سفيان، عن رجلٍ واحدٌ (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
قال: آدمُ (٦).
ونظيرُ قوله: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، والمعنيُّ به رجلٌ، قول الشاعرِ (٧): أبوك خليفةٌ ولدته أخرى … وأنت خليفةٌ ذاك الكمالُ فقال: ولدته أخرى.
وهو يُريدُ الرجل، فأنَّث للفظ الخليفة، وقال تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.
لتأنيثِ النفس، والمعنى: من رجلٍ واحدٍ، ولو قيل: "من نفس واحدٍ".
فأُخْرِج اللفظُ (٨) على التذكير للمعنى كان صوابًا.
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: وخلق من النفس الواحدة زوجها، يعنى بالزوج: الثاني لها.
وهو فيما قال أهلُ التأويل، امرأتُها حواءُ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] (١) حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.
قال: حوّاءُ مِن قُصَيْرَى (٢) آدم وهو نائمٌ، فاستيقظ فقال: أثا.
بالنَّبطيَّة امرأةٌ (٣).
حدَّثني المثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: يَعْنى حوّاء، خُلِقت مِن آدمَ من ضِلَعٍ مِن أضلاعه (٥).
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمَّادٍ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أَسْكن آدمُ الجنةَ، فكان يمشى فيها وَحْشًا ليس له زوجٌ يَسْكُنُ إليها، فنام نومةٌ فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأةٌ قاعدةً، خلقها الله من ضِلعِه، فسألها: ما أنت؟!
قالت: امرأَةٌ.
قال: ولم خُلِقْتِ؟
قالت: لتَسْكُنَ إليَّ (٦).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: أَلْقَى على آدم ﷺ السِّنَةَ - فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة، وغيرهم من أهل العلم، عن عبد الله بن عباس وغيره - ثم أخَذ ضِلَعًا من أضلاعه مِن شِقِّه الأيسر، ولأَم مكانه لحمًا (١)، وآدم نائمٌ لم يَهْبُبْ مِن نومتِه، حتى خلَق اللهُ مِن ضِلَعِه تلك زوجته حَوّاءَ، فسواها امرأةً ليَسْكُنَ إليها، فلما كشَفَ (٢) عنه السِّنةَ وهَبَّ مِن نومتِه، رآها إلى جنبِه، فقال - فيما يَزْعُمون والله أعلم -: لحمى ودَمى وزوجتى.
فسكن إليها (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: جَعَل مِن آدمَ حوّاءَ (٤).
وأما قولُه: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
فإنه يعنى: ونشر منهما؛ يعنى من آدم وحواء ﵉ رجالًا كثيرًا ونساءً قد رآهم، كما قال جل ثناؤُه: ﴿كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤].
يقالُ منه: بثَّ الله الخلقَ، وأبَثَّهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: وبثَّ: خلَق (٥).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾: اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّة قرأة أهل المدينةِ والبصرةِ: (تَسَّاءَلُونَ) بالتشديد (١)، بمعنى [تَتَساءَلون، ثم أدغم] (٢) إحدى التاءين في السين، فجعلهما سينًا مشددةً.
وقرَأه بعضُ قرأة الكوفة: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بالتخفيف (٣)، على مثالِ تَفَاعَلون.
وهما قراءتان معروفتان، ولغتان فَصيحتان، أعنى التشديد والتخفيف في قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ﴾.
فبأيِّ ذلك قرأ القارئُ أصاب الصواب فيه؛ لأن معنى ذلك بأيِّ وجْهَيه قُرِيء غيرُ مختلفٍ.
وأما تأويلُه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
أيُّها الناسُ، الذي إذا سأل بعضُكم بعضًا سأل به، فقال السائلُ للمسئول: أسألُك بالله، وأَنْشُدُك بالله، وأعزِمُ عليك بالله.
وما أشبه ذلك، يقولُ تعالى ذكرُه: فكما تعظِّمون أيُّها الناسُ ربَّكم بألسنتكم، حتى تَرَوا أن مَن أعطاكم عهدَه فأَخْفَرَكُمُوه (٤)، فقد أتى عظيمًا، فكذلك فعظِّموه بطاعتكم إياه فيما أمركم به (٥)، واجتنابكم ما نهاكم عنه،، واحْذَروا عقابه في (٦) مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه.
كما حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبِرٍ، عن الضحّاكِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾.
قال: يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعَاقدون وتَعاهَدون (٧).
حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾.
يَقُولُ: اتقوا الله الذي به تَعاقَدون وتَعاهَدون (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجّاجٌ، عن [ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه] (٢)، عن [الرَّبيع بن أنسٍ بمثله.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال] (٣) ابن عباسٍ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾.
قال: تعاطفون به (٤).
وأما قولُه: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾.
فإن أهل التأويل اختلَفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: معناه واتقُوا الله الذي إذا سألتم بينكم، قال السائلُ للمسئول: أسألُك به وبالرَّحم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيم: (اتَّقُوا اللَّهَ الذي تساءلُونَ به والأرحام) (٥).
[يَقُولُ: اتقوا الله الذي تعاطفون بهِ.
(والأرحام)] (٦)، يقول: الرجلُ يَسْأَلُ بالله وبالرحم (٧).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: هو كقول الرجلِ: أسألك بالله أسألُكَ (١) بالرحم، يَعنى قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ به وَالأَرْحَامِ) (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: (اتَّقُوا الله الذي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ).
قال: يَقولُ: أسألُك بالله وبالرحم" (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: هو كقولِ الرجلِ: أسألُك بالرحمِ.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: (اتَّقُوا اللَّهَ الذِي تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ).
قال: يَقُولُ: أسألك بالله وبالرحم (٤).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحمّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن منصورٍ أو مُغيرةَ، عن إبراهيمَ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِه والأَرْحَامِ).
قال: هو قولُ الرجل: أسألك بالله وبالرَّحِمِ.
حدَّثني المُثَنّى، قال: ثنا سُوَيدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُبَارَكِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن، قال: هو قولُ الرجلِ: أَنْشُدُك بالله وبالرحمِ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ (١) بعضُ مَن قرأ قوله: (والأرْحامِ) بالخفض، عطفًا بالأرحام على الهاء التي في قوله: ﴿بِهِ﴾ (٢).
كأنه أراد: واتقوا الله الذي تَسَاءَلون به وبالأرحام.
فعطف بظاهر على مكنيٍّ مخفوضٍ، وذلك غيرُ فصيحٍ من الكلام عند العرب؛ لأنها [لا تَنْسُقُ بظاهرٍ على مَكْنيٍّ] (٣) في الخفضِ إلا في ضرورة شعرٍ، وذلك لضيق الشِّعرِ.
وأما الكلام فلا شيء يضطرُّ المتكلم إلى اختيار المكروه من المنطق والردئ في الإعراب منه، ومما جاء في الشعر من ردِّ ظاهرٍ على مكنيٍّ في حال الخفض قولُ الشاعر (٤): نُعَلِّقُ (٥) في مثل السَّوارِى سُيوفنا … وما بينها والكَعْب [غَوْطٌ نَفَائِفُ] (٦) فعطف بالكعب، وهو ظاهرٌ، على الهاءِ والألف في قوله: "بينها".
وهى مكنيةٌ.
وقال آخرون: بل (٧) تأويل ذلك: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾.
واتقوا الأرحام أن تَقْطَعوها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّل، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّي في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
يَقُولُ: اتقُوا الله واتقوا الأرحام لا تقطعوها (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢).
ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ كان ما يَقُولُ: "اتقوا الله وصِلُوا الأرحامَ، فإنه أبقى لكم في الدنيا، وخيرٌ لكم في الآخرة" (٣).
حدَّثنا عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحة، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
يَقُولُ: اتقوا الله الذي تَسَاءلون به، واتقوا الله في الأرحام فصِلُوها (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قال: اتقوا الله الذي تَسَاءَلون به، واتَّقوه في الأرحام (٥).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سفيان، عن خُصيفٍ، عن عِكْرِمَةَ في قولِ الله ﷿: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قال: اتَّقوا الأرحام أن تَقْطَعوها (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامِ).
قال: هو قولُ الرجلِ: أنشدك باللهِ والرَّحِم (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، أن النبي ﷺ قال: "اتقُوا الله وصلُوا الأرحام" (٣).
حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قال: اتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها (٤).
حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحّاك في قوله: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحام فصِلُوها (٥).
حدَّثني المُثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: (اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ).
قال: يَقُولُ: واتَّقُوا الله في الأرحامِ فصِلُوها (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، عن [عبد الرحمن] (١) بن أبى حمادٍ، [وأخْبرَنا أبو جعفرٍ] (٢) الخَزّازُ، عن جويبرٍ، عن الضحّاكِ، أن ابن عباسٍ كان يَقْرَأُ: ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾.
يَقُولُ: اتقوا الله لا تَقْطَعوها (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يقولُ اتَّقُوا الأرحام (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾: أَن تَقْطَعوها (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ [وَالْأَرْحَامَ﴾.
قال: يقولُ: اتقوا الله الذي تساءلون به] (٦) واتَّقُوا الأرحام أن تَقْطَعُوها ..
وقرأ: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ (٧) [الرعد: ٢١].
قال أبو جعفرٍ: وعلى هذا التأويل قرأ ذلك من قرأه نصبًا، بمعنى واتَّقُوا الله الذي تساءلون به، واتقُوا الأرحام أن تَقْطَعوها، عطفا بالأرحام في إعرابها بالنصب على اسم الله تعالى ذكره.
قال: والقراءةُ التي لا أَسْتَجِيزُ لقارئ أن يقرأ غيرَها في ذلك النصبُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.
بمعنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ لما قد بينّا من أن العرب لا تَعْطِفُ بظاهرٍ من الأسماء على مكنيٍّ في حال الخفض إلا في ضرورة شعرٍ، على ما وصَفْتُ قبلُ.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾.
قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: إن الله لم يَزَلْ عليكم رقيبًا، ويَعْنى بقوله: ﴿عَلَيْكُمْ﴾: على الناس الذين قال لهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾.
و [إنما قال ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وهو يعنى الذين خوطبوا بالآية ومن قد مضى من بنى آدم؛ لأن] (١) المخاطَب والغائب إذا اجتمَعا في الخبر، فإن العرب تُخْرِج الكلامَ على الخطاب، فتقولُ - إذا خاطَبَتْ رجلًا واحدًا أو جماعةً فعَلتْ هي وآخرون غُيَّبٌ معهم فعلًا -: فعلتم كذا، وصنعتم كذا.
ويعنى بقوله: ﴿رَقِيبًا﴾: حفيظًا مُحْصِيًا عليكم أعمالَكم، مُتَفَقِّدًا رعايتكم حرمة أرحامكم وصِلتَكم إياها، أو قَطْعَكُمُوها وتضييعَكم حرمتَها.
كما حدَّثنا المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ له: حفيظًا (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
على أعمالكم، يَعْلَمُها ويَعْرفُها (٣).
ومنه قولُ أبى دُوادٍ الإيادِيِّ (١): كمقاعِد الرُّقباء للضُّـ … ـــرباءِ أيديهم نواهِدْ (٢) القولُ في تأويل قوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يَعنى بذلك تعالى ذكرُه أوصياء اليتامى، يَقُولُ لهم: وأعطُوا يا معشَرَ أوصياءِ اليتامى اليتامى (٣) أموالهم، إذا هم بلغوا الحُلُمَ، وأُويس منهم الرُّشْدُ، ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ يَقُولُ: ولا تَسْتَبدلوا الحرام عليكم من أموالهم بأموالكم الحلال لكم.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله جل وعز: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال: الحلال بالحرام (٤).
حدَّثنى المُثَنّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، -، عن مجاهدٍ مثله (٥).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال: الحرام مكانَ الحلال (٥).
قال أبو جعفرٍ: ثم اختلف أهلُ التأويلِ في صفة تبدُّلهم الخبيث (١) بالطَّيبِ الذي نُهُوا عنه ومعناه؛ فقال بعضُهم: كان أوصياءُ اليتامى يَأْخُذون الجيدَ مِن مالِهم (٢) والرفيعَ منه، ويجعلون مكانه لليتيم الردئ والخسيسَ، فذلك تبديلُهم الذي نهاهم الله تعالى عنه.
ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن مُغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال: لا تُعْطِ زَيْفًا وتأخذ جيدًا (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيان، عن السديِّ، وعن يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدٍ بن المسيبِ، ومَعْمَرٍ عن الزهريِّ، قالوا: يُعْطِى مَهْزولًا ويَأْخُذُ سمينًا.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاك، قال: لا تُعْطِ فاسدًا وتَأْخُذَ جيدًا (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أَسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾: كان أحدُهم يَأْخُذُ الشاةَ السمينةَ مِن غنمِ اليتيم، ويَجْعَلُ (١) مكانَها الشاةَ المهزولة، ويَقُولُ: شاةٌ بشاةٍ.
ويَأْخُذُ الدرهم الجيدَ ويَطْرَحُ مكانَه الزيفَ، ويَقُولُ: درهمٌ بدرهمٍ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَسْتَعْجِلِ الرزقَ الحرامَ وتَأْكُلُه قبل أن يَأتيَك الذي قد قُدِّر لك من الحلال.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال: لا تَعْجَلْ بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلالُ الذي قُدِّر لك (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ عن سفيانَ، عن إسماعيل، عن أبي صالحٍ مثله (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك كالذى حدَّثني يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
قال: كان أهلُ الجاهلية لا يُورِّثون النساء ولا يُوَرِّثون الصغارَ، يَأْخُذُه الأكبرُ، وقرأ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧].
قال: إذا لم يَكُنْ لهن (٥) شيءٌ، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾ لا [تُوَرِّثُونَهم شيئًا] (٦)، قال: فنصيبُه من الميراث طيبٌ، وهو للذى أخَذه خبيثٌ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوال بتأويل هذه الآية قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: ولا تَتَبدَّلوا أموالَ أيتامكم - أيُّها الأوصياءُ - الحرام عليكم، الخبيثَ لكم، فتأخُذوا رفائعَها وجيادَها وخيارَها، بالطيبِ الحلالِ لكم من أموالكم [وتجعلوا] (٢) الردئ الخسيسَ بدلًا منه.
وذلك أن تَبَدُّلَ الشئِ بالشئِ في كلام العربِ، أَخْذُ شيءٍ مكان آخر غيره، يُعْطِيه المأخوذ منه أو يَجْعَلُه مكان الذي أخَذه، فإذ كان ذلك معنى التَّبَدُّلِ والاستبدال، فمعلومٌ أن الذي قاله ابن زيدٍ - من أن معنى ذلك هو أخذُ أكبر ولد الميتِ جميعَ مالِ ميْتِه ووالده دونَ صغارِهم إلى ماله - قولٌ لا معنى له؛ لأنه إذا أخذ الأكبرُ من ولدِه جميع مالِه دونَ الأصاغر منهم، فلم يَسْتَبْدِلْ مما أَخَذ شيئًا، فما التبدُّلُ الذي قاله جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾.
ولم يبذُل الآخِذُ مكان المأخوذ بدلًا؟
وأما الذي قاله مجاهدٌ وأبو صالحٍ من أن معنى ذلك: لا تَتَعَجَّل الرزقَ الحرامَ قبلَ مجئ الحلال.
فإنهما أيضًا إن لم يَكُونا أرادا بذلك نحو الذي رُوى عن ابن مسعودٍ أنه قال: إن الرجلَ ليُحْرَمُ الرزقَ بالمعصيةِ يَأْتيها.
ففسادُه نظيرُ فسادِ قول ابن زيدٍ؛ لأن من اسْتَعْجَل الحرام فأكله، ثم آتاه الله رزقَه الحلال فأكله (٣)، فلم يُبَدِّلُ شيئًا مكانَ شيءٍ.
وإن كانا أرادا بذلك أن الله جل ثناؤه نهى عباده أن يَسْتَعْجِلُوا الحرام، فيَأْكُلوه قبل مجئ الحلالِ، فيكون أكلُهم ذلك سببًا لحرمان الطيِّب منه، فذلك وجهٌ معروفٌ ومذهبٌ مقولٌ (١) يَحْتَمِلُه التأويلُ.
غير أن [أشبه من] (٢) في ذلك بتأويل الآية ما قلنا؛ لأن ذلك هو الأظهرُ من معانيه؛ لأن الله جلّ ثناؤه إنما ذكر ذلك في قصةِ أموال اليتامى وأحكامها، فَلأنُ (٣) يكونُ ذلك من جنس حكم أوّل الآية [وآخرِها، أولى] (٤) فأخرَجها مِن أَن يَكُونَ مِن غيرِ جنسِه.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
قال أبو جعفر: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ولا تَخْلِطوا أموالهم - يَعْنى أموال اليتامى - بأموالكم فتأكُلوها مع أموالكم.
كما حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، [قال: ثنا عبدُ الرحمن] (٥) قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾.
[قال: أموالهم مع أموالكم (٦).
حدَّثنا محمدٌ، قال: نا أحمدُ، قال نا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾] (٥).
يَقُولُ: لا تَأْكُلوا أموالكم وأموالهم، تَخْلِطوها فتَأْكُلُوها جميعًا (٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ في أموال اليتامى، كرهوا أن يُخالطوهم، وجعَل وليُّ اليتيم يَعْزِلُ مالَ اليتيم عن مالِه، فشكَوا ذلك إلى النبيّ ﷺ، فأنزل اللهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
قال: فخالَطوهم واتقَوا (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك عز ذكرُه: إن أكلَكم أموالَ أيتامِكم مع أموالِكم حُوبٌ كبيرٌ، والهاء في قوله ﴿إِنَّه﴾ دالَّةٌ على اسم الفعلِ، أَعْنى الأكلَ.
وأما الحُوبُ: فإنه الإثم.
يقالُ منه: حاب الرجلُ يحوبُ حُوبًا وحَوْبا وحيابةً.
ويُقالُ منه: قد تحوّب الرجلُ من كذا (٢).
إذا تأثَّم منه، ومنه قولُ أميةَ بن الأَسْكَرِ الليثيِّ (٣): وإِنَّ مُهَاجِرَين تَكنَّفَاهُ … غَدَاتَئِذٍ لقد خَطِئَا وحابَا ومنه قيل: نزَلنا بحَوبةٍ مِن الأرضِ، وبحِيبةٍ من الأَرضِ.
إذا نزَلوا بموضعِ سُوءٍ منها.
والكبيرُ: العظيمُ، فمعنى ذلك: إن أكلَكم أموالَ اليتامى مع أموالِكم إثمٌ عندَ اللهِ عظيمٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في الحُوبِ، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو [وعمرُو] (١) بنُ عليٍّ، قالا: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قول اللهِ ﷿: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾.
قال: إثمًا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
قال: إثمًا عظيمًا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضّلِ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ له قال: أما حُوبًا فإثمًا (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
قال: إثمًا (٥).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
يَقُولُ: ظلمًا كبيرًا (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
قال: ذنبًا كبيرًا، قال وهى لأهلِ الإسلامِ (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا قرةُ بنُ خالدٍ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾.
قال: إثمًا واللهِ عظيمًا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشرَ أولياءِ اليتامى ألا تُقْسِطُوا في صَدَاقِهنَّ، فتَعْدِلُوا فيه، وتَبْلُغوا بصَداقِهن صَدُقات أمثالِهنّ، فلا تَنْكِحُوهنَّ، ولكن انْكِحوا غيرَهنَّ مِن الغرائبِ اللواتى أحلَّهنَّ الله لكم وطيَّبَهنَّ، من واحدةٍ إلى أربعٍ، فإن خِفتم أن تجُورُوا - إذا نكَحتم من الغرائبِ أكثرَ من واحدةٍ - فلا تعدِلوا، فانْكِحُوا منهنَّ واحدةً، أو ما ملَكتم (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
فقالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حجرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في مالِها وجمالِها، ويُرِيدُ أن يَنْكِحَها بأدنى من سُنَّةِ صداقها، فنُهوا أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ في إكمالِ الصداقِ، وأُمِرُوا أَن يَنْكِحوا ما سواهنَّ مِن النساءِ (١).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنى يونسُ بْنُ يزيدَ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني عُروةُ بنُ الزبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ، عن قولِ اللهِ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قالت: يا بنَ أختى، هذه اليتيمةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وليِّها، تُشارِكُه في مالِه، فيُعْجِبُه مالُها وجمالُها، فيُريدُ وليُّها أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صداقِها، فيُعْطِيَها مثلَ ما يُعطِيها غيرُه؛ فنُهوا (٢) أن يَنْكِحُوهن إلا أن يُقْسِطُوا لهنَّ، ويَبْلُغُوا بهنَّ أعلى [سُنتهنَّ في] (٣) الصداقِ، وأُمروا أن يَنْكِحُوا ما طاب لهم مِن النساءِ سواهنَّ (٤).
قال يونسُ بنُ يزيدَ، قال ربيعةُ في قولِ الله ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قال: يَقُولُ: اتْرُكُوهن فقد أحلَلت لكم أربعًا (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ الجُنَيدِ، [قال: ثنا] (٦) سعيدُ بنُ مَسْلمةَ، [قال: أنبأنا] (٧) إسماعيلُ ابن أُميةَ، عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بن الزبيرِ، قال: سأَلتُ عائشةَ أمَّ المؤمنين، قلت: يا أمَّ المؤمنين، أرأيتِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قالت: يا بنَ أختى، هي اليتيمةُ تَكُونُ في حِجْرِ وليِّها، فيَرْغَبُ في جمالِها ومالِها، ويُريدُ أن يَتَزوَّجَها بأدنى مِن سُنَّةِ صَداقِ نسائها، فنُهوا عن ذلك أن يَنْكِحُوهُنَّ إلا أن يُقْسِطُوا، فيُكْمِلوا لهنَّ الصَّداقَ، ثم أُمِرُوا أَن يَنْكِحُوا سِوَاهُنَّ مِن النساءِ إن لم يُكْمِلُوا لهنَّ الصَّداقَ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: ثنى عُروةُ بنُ الزُّبيرِ، أنه سأَل عائشةَ زوجَ النبيِّ ﷺ، فذكرَ نحوَ حديث يونسَ عن ابن وَهْبٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن عُروَةَ، عن عائشةَ، مثلَ حديثِ ابن حُمَيدٍ عن ابن المباركِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عائشةَ، قالت: نزَلت - يعنى قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية - في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ وهى ذاتُ مالٍ، فلعله يَنْكِحُها لمالها وهى لا تُعْجِبُه، ثم يُضِرُّ بها، ويُسيءُ صُحبتَها، فوُعِظ في ذلك (٢).
قال أبو جعفرٍ: فعلى هذا التأويل جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾.
قولُه: ﴿فَانكِحُوا﴾.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهيُ عن نكاحِ ما فوقَ الأربعِ [من النساءِ حذارا] (١) على أموالِ الأيتامِ أن يُتْلِفَها أولياؤهم.
وذلك أن قريشًا، كان الرجلُ منهم يَتَزوَّجُ العشْرَ من النساءِ، والأكثرَ والأقلَّ، فإذا صار مُعْدِمًا، مال على مالِ يتيمِه الذي في حِجْرِه فأنفَقه أو تزوَّج به، فنُهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموالِ أيتامِكم أن تُنْفِقوها فلا تَعْدِلُوا فيها، مِن أجلِ حاجتِكم إليها، لما يَلْزَمُكم مِن مُؤَنِ نسائِكم، فلا تُجاوِزوا فيما تَنْكِحون مِن عددِ النساءِ على أربعِ، وإن خِفْتم أيضًا مع الأربعِ، ألا تَعْدِلوا في أموالِهم، فاقْتَصِروا على الواحدةِ، أو على ما مَلَكت أيمانُكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ، قال: سمِعت عِكرمةَ يَقُولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قال: كان الرجلُ مِن قريشٍ تَكونُ عندَه النِّسْوةُ ويَكونُ عندَه الأيتامُ، فيَذهَبُ مالُه، فيَميلُ على مالِ الأيتامِ.
قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢).
حدَّثنا هنّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأحوَصِ، عن سِماكٍ، عن عِكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كان الرجلُ يَتَزَوَّجُ الأربعَ والخمسَ والستَّ والعَشْرَ، فيَقولُ الرجلُ: ما يَمْنَعُنى أن أَتَزَوَّجَ كما تَزَوَّج فلانٌ؟
فَيَأْخُذُ مالَ يتيمِه، فيَتَزَوَّجُ به، فنُهوا أن يتزوَّجوا فوقَ الأربعِ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قُصِر الرجالُ على أربعٍ، مِن أجلِ أموالِ اليتامى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ له: فإن الرجلَ كان يَتَزَوَّجُ بمالِ اليتيمِ ما شاء اللهُ، فنَهى اللهُ ﷿ عن ذلك (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن القومَ كانوا يَتَحَوَّبون في أموالِ اليتامى ألا يَعْدِلُوا فيها، ولا يَتَحَوَّبون في النساءِ أَلا يَعْدِلُوا فيهنَّ، فقال (٤) لهم: كما خِفْتُم أَلّا تَعْدِلوا في اليتامَى، فكذلك فخافوا في النساءِ ألَّا تعدلوا فيهنَّ، ولا (٥) تَنْكِحُوا منهنَّ إلا مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، ولا تَزيدوا على ذلك، وإن خِفْتُم ألا تعدِلوا أيضًا في [الزيادةِ على] (٦) الواحدةِ، فلا تَنْكِحوا إلا ما لا تَخَافون أن تَجُوروا فيهن مِن واحدةٍ، أو ما ملَكت أيمانُكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، [قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ] (١)، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كان الناسُ على جاهليتِهم، إلا أن يُؤْمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، قال: فذكَروا اليتامى فنزَلت: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: فكما خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطُوا في النساءِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: قال كانوا يُشَدِّدون في اليتامى ولا يُشَدِّدون في النساءِ، يَنْكِحُ أحدُهم النسوةَ فلا يَعْدِلُ بينَهنَّ، فقال اللهُ جل وعز: كما تخافون ألّا تَعْدِلُوا في اليتامى فخافُوا في النساءِ، فانْكِحوا واحدةً إلى أربعٍ، فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا فواحدةً أو ما ملَكت أيمانُكم (٣).
حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
حتى بلَغ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
يَقُولُ: كما خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وهمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (٤) النساءِ.
وكان الرجلُ في الجاهليةِ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ فما دونَ ذلك، فأحلَّ اللهُ جلَّ ثناؤه أربعًا، ثم صيرهنَّ إلى أربعٍ قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
يقولُ: إِن خِفْتَ ألا تَعْدِلَ (١) في أربعٍ فثلاثٍ، وإلا فثنتين، وإلا فواحدةٍ، وإن خِفت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملَكت يمينُك (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
[قال خاف الناسُ ألا يقسطوا في اليتامى فنزلت] (٣) ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
يَقُولُ: ما حَلَّ لكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباع، فخافوا في النساءِ مثلَ الذي خِفْتُم في اليتامى ألا تُقْسِطُوا فيهن (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحَجّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: جاء الإسلامُ والناسُ على جاهليتِهم إلا أن يُؤْمروا بشيءٍ فيَتَّبِعوه، أو يُنْهَوا عن شيءٍ فيَجْتَنِبوه، حتى سأَلوا عن اليتامى، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ عارمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: بعَث اللهُ ﵎ محمدًا ﷺ والناسُ على أمرِ جاهليتِهم، إلا أن يُؤمَروا بشيءٍ أو يُنْهَوا عنه، وكانوا يَسْأَلونه عن اليتامى فأنزل اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
قال: فكما تخافون ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فخافوا ألا تُقْسِطُوا وتَعْدِلُوا في النساءِ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحِ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قال: كانوا في الجاهليةِ يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ الأيامى، وكانوا يُعَظِّمون شأنَ اليتيمِ، فتَفَقَّدوا مِن دينِهم شأنَ اليتامى، وترَكوا ما كانوا يَنْكِحون في الجاهليةِ، [فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
ونهاهم عما كانوا يَنْكِحون في الجاهلية] (١).
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعت الضَّحَّاكَ يَقُولُ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: كانوا في جاهليتهم لا يَرْزَءون (٢) من مالِ اليتيمِ شيئًا، وهم يَنْكِحُون عَشْرًا مِن النساءِ، ويَنْكِحُون نساءَ آبائهم فتفَقَّدوا من دينِهم شأنَ [اليتامى فسألوا نبيَّ الله ﷺ عن مخالطتِهم ولم يتفقدوا من دِينهم شأنَ] (٣) النساءِ، فوعَظهم اللهُ في اليتامى وفى النساءِ، فقال في اليتامى: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ إلى ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢].
ووعَظهم في شأنِ النساءِ، فقال: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
وقال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية (٤) [النساء: ٢٢].
حُدِّثت عن عمارٍ، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ إلى ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يَقُولُ: فإن خِفْتم الجَوْرَ في اليتامى وغمَّكم ذلك، فكذلك فخافوا في جمعِ (١) النساء، قال: وكان الرجلُ يَتَزَوَّجُ العَشْرَ في الجاهليةِ فما دونَ ذلك، فأحلَّ الله أربعًا، وصيَّرهنَّ إلى أربعٍ، يَقُولُ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
فإن خِفْت ألا تَعْدِلَ في واحدةٍ فما ملكت يمينُك (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خِفْتم في اليتامى، فكذلك فتخوَّفوا في النساءِ أن تَزْنوا بهنَّ، ولكن انْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبرَنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
يَقُولُ: إِن تَحَرَّجتم من ولايةِ اليتامى وأكلِ أموالِهم إيمانًا وتصديقًا، فكذلك فتَحَرَّجوا من الزنى، وانْكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣).
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى اللاتي أنتم وُلاتُهن فلا تَنْكِحُوهُنَّ، وانْكِحُوا أنتم ما أحلَّ لكم منهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قالت (١): نزَلت في اليتيمةِ تَكُونُ عندَ الرجلِ؛ هو وَلِيُّها ليس لها وليٌّ غيرُه، وليس أحدٌ يُنازِعُه فيها، ولا يُنْكِحُها لمالِها فيُضِرَّ بها ويسيءَ صحبتَها (٢).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾: أي ما حلَّ لكم [من يتامَاكم] (٣) مِن قَراباتِكم: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها في ذلك بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: وإن خِفْتُم ألا تُقْسِطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا في النساءِ فلا تَنْكِحوا منهنَّ إلا ما لا تَخافون أن تَجُوروا فيه منهنَّ، مِن واحدةٍ إلى الأربعِ، فإن خِفْتُم الجَوْرَ في الواحدةِ أيضًا، فلا تَنْكِحُوها ولكن عليكم بما ملَكت أيمانُكم، فإنه أحرى ألا تَجُوروا عليهنّ.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الله جلَّ ثناؤه افتَتح الآيةَ التي قبلَها، بالنهي عن أكلِ أموالِ اليتامى بغيرِ حقِّها، وخلطِها بغيرِها مِن الأموالِ، فقال تعالى ذكرُه: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إنَّهُ كَانَ حُوبًا كبيرًا﴾ [النساء: ٢].
ثم أعلَمهم أنهم إن اتَّقَوُا الله في ذلك فتحرَّجوا فيه، فالواجبُ عليهم (١) مِن اتقاءِ اللهِ والتحرُّجِ في أمرِ النساءِ، مثلُ الذي عليهم من (٢) التحرُّج في أمرِ اليتامى، وأعلَمهم كيف المَخْلَصُ لهم مِن الجَوْرِ فيهن، كما عرَّفهم المخلَصَ لهم من الجَوْرِ في أموالِ اليتامى، فقال: انْكِحُوا - إن أمِنتم الجَوْرَ في أمرِ النساءِ على أنفسِكم - ما أبَحْتُ لكم منهنّ وحلَّلته؛ مثنى وثلاثَ وَرُبَاعَ، فإن خِفتم أيضًا الجَوْرَ في أمرِهن على أنفسِكم [من [عَجْزٍ عن] (٣) العدد إن نكحتموهن، فلا تجاوزوا واحدةً، وإن خفتم أيضا الجور على أنفسكم] (٤) في أمرِ الواحدِة، بألّا (٥) تقدِرُوا على إنصافِها، فلا تَنْكِحوها، ولكن تَسَرَّوا (٦) مِن المماليكِ، فإنكم أحرى ألا تجوروا عليهن؛ لأنهن أملاكُكم وأموالُكم، ولا يَلْزَمُكم لهن مِن الحقوقِ كالذي يَلْزَمُكم للحرائرِ، فيكونَ ذلك أقربَ لكم إلى السلامةِ مِن الإِثمِ والجَوْرِ.
ففى الكلامِ - إذ كان المعنى ما قلنا - متروكٌ استُغْنِى بدَلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عن ذِكرِه، وذلك أن معنى الكلامِ: وإن خِفْتم ألّا تقسطوا في أموالِ اليتامى فتَعْدِلُوا فيها، فكذلك فخافوا ألا تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ اللّاتى (٧) أوجَبها اللهُ عليكم، فلا تَتَزَوَّجوا منهن إلا ما أمِنتم معه الجَوْرَ؛ مثنى وثلاثَ ورُباعَ، وإن خِفْتم أيضًا من (٨) ذلك فواحدةً، وإن خفتم في الواحدةِ فما ملَكت أيمانُكم.
فتُرِك ذكرُ قولِه: فكذلك فخافوا ألّا (١) تُقْسِطوا في حقوقِ النساءِ.
بدَلالةِ ما ظهَر مِن قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فإن قال قائلٌ: فأين جوابُ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾؟
قيل: قولُه: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾.
غيرَ أن المعنى الذي يدلُّ على أن (٢) المرادَ بذلك ما قلنا قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
وقد بينا فيما مضى قبلُ (٣) أنّ مَعْنى الإقساط في كلامِ العربِ: العدلُ والإنصافُ، وأن القَسْطَ: الجَوْرُ والحَيفُ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ.
وأما اليتامى، فإنها جمعٌ لذُكرانِ الأيتامِ وإناثِهم في هذا الموضعِ.
وأما قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
فإنه يَعْنى: فانْكِحُوا ما حلَّ لكم منهن دونَ ما حرُم عليكم منهن.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ قال: ما حَلَّ لكم (٤).
نا حميدُ بنُ مسعدةَ قال: نا يزيدُ قال: نا يونسُ عن الحسنِ: قولَه: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾ أي ما حلَّ لكم (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن أيوبَ، عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
يَقُولُ: ما أَحَلَّ لكم (١).
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
ولم يَقُلْ: فانْكِحُوا مَن طاب لكم، وإنما يُقالُ "ما" في غيرِ الناس؟
قيل: معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي ذهبتَ إليه، وإنما معناه: فانكِحُوا نكاحًا طيبًا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: [حدثنا أبو عاصمٍ، قال] (٢): ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مَّنَ النِّسَاءِ﴾: فانكِحُوا النساءَ نكاحًا طيبًا (٣).
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
فالمعنيُّ بقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُم﴾.
الفِعْلُ دونَ أعيانِ النساءِ وأشخاصِهنَّ؛ فلذلك قيل: "ما".
ولم يُقَلْ: "مَن".
كما يقالُ: خُذْ مِن رَقِيقى ما أَرَدْتَ.
إذا عَنَيْت: خُذْ منهم إرادتَك.
ولو أرَدتَ: خُذِ الذي تُرِيدُ منهم، لقلت: خُذْ مِن رَقيقى مَن أَرَدْتَ منهم.
وكذلك قولُه: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
بمعنى: أو مِلكَ أيمانِكم.
وإنما [عنى بقولِه] (٤) جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾: فلْيَنْكِحْ كلُّ واحدٍ منكم مَثْنَى وثُلاثَ ورُباعَ، كما قيل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
[يعنى به فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانين جلدةً] (١).
وأما قولُه: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
فإنهن (٢) تُرِكَ إجْراؤُهن؛ لأنهن مَعْدولاتٌ عن اثْنينِ وثلاثٍ وأربعٍ، كما عُدِلَ عُمَرُ عن عامرٍ وزُفَرُ عن زافرٍ، فتُرِكَ إجْراؤُه.
وكذلك أحادُ وثُناءُ، ومَوْحدُ ومَثْنَى ومَثلثْ ومَربعُ، لا يُجْرَى ذلك كلُّه؛ للعلةِ التي ذَكَرْتُ، من العُدولِ عن وُجوهِه.
ومما يَدُلُّ على أن ذلك كذلك، أنَّ (٣) الذكرَ والأُنثى فيه سواءٌ، فقيلَ (٤) في هذه السورةِ (٥): ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
[للإناث وقيل في موضعٍ آخر: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾] (٦) يُرادُ به الجنَاحُ، والجَناحُ ذَكَرٌ، وأنه أيضًا لا يُضافُ إلى ما يُضافُ إليه الثلاثةُ والثلاثُ، وأن الألفَ واللامَ لا تَدْخلُه، فكان في ذلك دليلٌ على أنه اسمٌ للعددِ مَعْرفةٌ، ولو كان نَكِرةٌ لدخَله الألفُ واللامُ، وأُضيفَ كما يُضافُ الثلاثةُ والأربعةُ، ومما يُبَيِّنُ ذلك قولُ تَمِيمِ بن أُبَيٍّ بن مُقْبلٍ (٧): تَرَى النُّعَرَاتِ (١) الزُّرْقُ (٢) تَحْتَ لَبانِه (٣) … أُحَادَ (٤) ومَثْنَى أَصْعَقَتْها صَوَاهِلُهْ فردّ أُحادَ ومثنى على النُّعَراتِ، وهى معرفةٌ، وقد تَجْعَلُها العربُ نكرةً فتُجْرِيها، كما قال الشاعرُ (٥): قتَلنا به مِن بين مَثْنًى وَمَوْحَدِ بأربعةٍ منكمْ وآخَرَ خامسِ (٦) ومما يُبَيِّنُ أن ثُناءَ وأُحادَ غيرُ جاريةٍ قولُ الشاعرِ (٧): [ولقد قتَلْتُكُمُ] (٨) ثُناءَ وموْحَدًا … وتَرَكْتُ [مُرَّةً مثلَ أمسِ] (٩) المُدْبِرِ (١٠) ومنه قولُ [صخرٍ الغيِّ] (١١): مَنَت (١) لك أن تُلاقِيَنى المَنايا … أُحَادَ أُحَادَ في شهرٍ حلال ولم يُسْمَعْ مِن العرب صرفُ ما جاوَز الرُّباعَ والمَرْبعَ عن جهتِه، لم يُسْمَعْ منها خُماسٌ ولا المخمسُ، ولا السُّباعُ ولا المَسْبعُ، وكذلك ما فوق الرُّباعِ، إلا في بيتِ الكُميْتِ، فإنه يُرْوى له في العشرةِ عُشارٌ، وهو قولُه: (٢) فلم يَسْتَرِيثُوك (٣) حتى رَمَيـ … ـت فوقَ الرجالِ خِصالًا عُشارَا يُريدُ عَشْرًا، يقالُ: إنه لم يُسْمَعْ غيرُ ذلك.
وأما قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [فَوَاحِدَةً﴾.
فإن (٤) نصبَ واحدةٍ، بمعنى: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلوا] (٥) - فيما يَلْزَمُكم مِن العدلِ بين (٦) ما زاد على الواحدةِ مِن النساءِ عندَكم بنكاحٍ فيما أوجَبه اللهُ لهنّ عليكم - فانْكِحُوا واحدةً منهنَّ.
ولو كانت القراءةُ جاءت في ذلك بالرفعِ كان جائزًا، بمعنى: فواحدةٌ كافيةٌ، أو فواحدةً مُجْزِئةٌ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وإن قال لنا قائلٌ: قد علِمت أن الحلالَ [لنا مِن جمعِ النساءِ الحرائرِ بالنكاحِ] (٧) أربعٌ، فكيف قيل: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
وذلك في العددِ تسعٌ؟
قيل: إن تأويلَ ذلك: فانْكِحُوا ما طاب لكم مِن النساءِ، إما مَثْنَى إن أمِنتم الجَوْرَ مِن أنفسِكم فيما يَجِبُ لهما عليكم، وإما ثُلاثَ إن لم تخافوا ذلك؛ وإما أربعٌ إن أمِنتم ذلك فيهن، يَدُلُّ على صحةِ ذلك قولُه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
لأن المعنى: فإن خِفْتم في الثنتين، فانكحوا واحدةً، ثم قال: فإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا أيضًا في الواحدةِ، فما ملَكت أيمانُكم.
فإن قال قائلٌ: فإنّ [مِن قولِك: إن] (١) أمرَ الله ونهيَه على الإيجابِ والإلزامِ حتى تَقُومَ حجةٌ بأن ذلك على الندبِ (٢) والإرشاد أو (٣) الإعلامِ، وقد قال تعالى ذكرُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، وذلك أمرٌ، فهل مِن دليلٍ على أنه مِن الأمرِ الذي هو على غيرِ وجهِ الإلزامِ والإيجابِ؟
قيل: نعم، والدليلُ على ذلك قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾.
فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وإن كان مَخْرِجُه مَخْرَجَ الأمرِ، فإنه بمعنى الدَّلالةِ على النهيِ عن نكاحِ ما خاف الناكحُ الجَوْرَ فيه مِن عددِ النساءِ، لا بمعنى الأمرِ بالنكاح، وأنَّ المعنىَّ به: وإن خِفْتم ألا تُقْسِطوا في اليتامى فتَحَرَّجتم فيهم، فكذلك فتَحَرَّجوا في النساءِ، فلا تَنْكحوا إلا ما أمِنتم الجَوْرَ فيه منهن، مما أحْلَلْتُه لكم منهن مِن الواحدةِ إلى الأربعِ.
وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ، بأن العربَ تُخْرِجُ الكلامَ بلفظِ الأمرِ، ومعناها فيه النهيُ أو التهديدُ والوعيدُ، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وكما قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥، والروم: ٣٤].
فخرَج (٤) ذلك مَخْرَجَ الأمرِ، والمقصودُ به التهددُ والوعيدُ، والزجرُ والنهيُ (٥)، فكذلك قولُه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
بمعنى النهي، فلا تَنْكِحُوا إلا ما طاب لكم من النساءِ، على النحوِ الذي [بينا، وبنحو الذي] (١) قلنا في معنى قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يَقُولُ: فإن خِفْتَ أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ﴾: السَّرَارِيُّ (٣).
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: فإِن خِفْتَ (٤) أَلا تَعْدِلَ في واحدةٍ، فما ملَكت يمينُك (٥).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: ثنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾.
قال: في الحُبِّ والمجامعةِ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ﴾ وإن خِفْتم ألا تَعْدِلُوا في مَثْنَى أو ثُلاثَ أو رُباعَ، فنكَحتم واحدةً، أو خِفْتم ألا تَعْدِلوا في الواحدةِ فَتَسَرَّرتم ملكَ أيمانِكم - فهو ﴿أَدْنَى﴾؛ يَعْنى أقربَ ﴿ألَّا تَعُولُوا﴾، يَقُولُ: ألا تَجُوروا ولا تَمِيلوا، يُقَالُ منه: عال الرجلُ فهو يَعُول عَوْلًا وعِيالةً.
إِذا مال وجار، ومنه عَوْلُ الفرائضِ؛ لأن سِهامَها إذا زادَت دخَلها النقصُ؛ وأما مِن الحاجةِ، فإنما يُقالُ: عال [فلانٌ يعيلُ] (١) عَيْلةً.
وذلك إذا احتاج، كما قال الشاعرُ (٢): وما (٣) يَدْرِى الفقيرُ متى غِناه … وما (٤) يَدْرى الغنيُّ متى يَعِيلُ بمعنى متى يَفْتَقِرُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: العَوْلُ: الميلُ في النساءِ (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنى حَكامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسم بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
[ألَّا تَمِيلوا] (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾: ألا تَمِيلوا (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا [محمدُ بنُ] (٢) المثنى، قال: ثنا أبو النعمان محمدُ بنُ الفضلِ عارمٌ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرَنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ألا تَمِيلوا.
قال ثم قال: أما سمِعت إلى قولِ أبي طالبٍ: * بميزانِ قِسْطٍ وَزْنُه غيرُ عَائِلِ (٣) * حدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجّاجٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن [الزبيرِ بن الخِرِّيتِ] (٤)، عن عِكرمةَ في هذه الآيةِ ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ألا تميلوا.
قال: وأنشد بيتًا مِن شعرٍ زعَم أن أبا طالبٍ قاله: بميزانِ قِسْطٍ لا يُخِسُّ (٥) شَعيرةً … ووَازنِ صدقٍ وَزْنُهُ غيرُ عائلِ (٦) قال أبو جعفرٍ: ويُرْوَى هذا البيتُ على غيرِ هذه الروايةِ (٧): بميزانِ قسْطٍ (١) لا يُغِلُّ شعيرةً … له شاهدٌ مِن نفسِه غيرُ عائلِ حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ألا تَمِيلوا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ مثلَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرَنا هشيمٌ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، قال: كتَب عثمانُ بنُ عفانَ ﵁ إلى أهلِ الكوفةِ في شيءٍ عاتَبوه عليه فيه: إنى لست بميزانٍ لا أعولُ (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثَّامُ (٤) بنُ عليٍّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ألا (٥) تَمِيلوا (٦).
حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ يقولُ: أدنى ألا تَمِيلوا (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: تَمِيلوا (٨).
حُدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
يَقُولُ: ألا تَمِيلوا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
يَقُولُ: ألّا تَمِيلوا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
يعنى: ألا تَمِيلوا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
يقولُ: ذلك أدنى ألا تَمِيلوا.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ألا تَجُورواه (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونِ، وعارمٌ أبو النعمانِ، قالا: ثنا هشيمٌ، عن حصينٍ، عن أبي مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن يونسَ، عن أبي (٥) إسحاقَ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: تَمِيلوا (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾.
قال: ذلك أقلُّ لنَفَقَتِك، الواحدةُ أقلُّ مِن ثنتين وثلاثٍ وأربعٍ، وجاريتُك أهونُ نفقةً مِن حرَّةٍ، ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾: أهونُ عليك (٢) في العيالِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
قال أبو جعفرٍ: يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: وأعطُوا النساءَ مُهورَهنَّ عطيةً واجبةً، وفريضةً لازمةً؛ يُقالُ منه: نحَل فلانٌ فلانًا كذا وكذا، فهو يَنْحَلُه نِحْلةً ونُحْلًا.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
يَقولُ: فَرِيضةً (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: أخبرَنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: يعنى بالنِّحْلةِ المهرَ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ قولَه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
قال: فريضةً مسماةً (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
قال: النِّحْلَةُ في كلامِ العربِ: الواجبُ، يَقولُ: لا يَنْكِحُها إلا بشيءٍ واجبٍ لها؛ صَدُقةٍ يُسمِّيها لها واجبةٍ، وليس يَنْبَغى لأحدٍ - بعد النبيِّ ﷺ أن يَنْكِحَ امرأةً إلا بصداقٍ واجبٍ، ولا يَنْبَغى أن يَكُونَ تسميةُ الصداقِ كذِبًا بغيرِ حقٍّ (١).
وقال آخرون: بل عَنى بقولِه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾: أولياءَ النساءِ، وذلك أنهم كانوا يَأخُذون صَدُقاتِهن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيمٌ، عن سيارٍ، عن أبي صالحٍ، قال: كان الرجلُ إذا زوَّج أَيِّمَه (٢) أَخَذَ صَداقَها دونَها، فنهاهم اللهُ ﵎ عن ذلك، ونزَلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٣).
وقال آخرون: بل كان ذلك مِن أولياءِ النساءِ، بأن يُعْطِىَ الرجلُ أختَه الرجلَ، على أن يُعْطِيَه الآخرُ أختَه، على أن لا كثيرَ مهرٍ بينَهما، فنُهوا عن ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن ناسًا كانوا يُعْطِى هذا الرجلَ أختَه، ويَأْخُذُ أَختَ الرجلِ، ولا يَأْخُذُون كبيرَ (١) مهرٍ، فقال اللهُ ﵎: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلاتِ التي ذكَرناها في ذلك التأويلُ الذي قلناه، وذلك أن الله ﵎ ابتدَأ ذكرَ هذه الآيةِ بخطابِ الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظُلْمِهن والجَورِ عليهن، وعرَّفهم سبيلَ النجاةِ من ظلمِهنّ.
ولا دَلالةَ في الآيةِ على أن الخطابَ قد صُرِف عنهم إلى غيرِهم، فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين قيل لهم: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
هم الذين قيل لهم: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾.
وأن معناه: وآتُوا مَن نكَحتم مِن النساءِ [صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلةً؛ لأنه قال في أوَّلِ الآيةِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾] (٣).
ولم يقُلْ: "فأنكحوا".
فيكونَ قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾.
مصروفًا إلى أنه معنيٌّ به أولياءُ النساءِ دونَ أزواجِهنَّ، وهذا أمرٌ مِن اللهِ أزواجَ النساءِ المدخولِ بهن، أو المسمَّى لهنّ الصداقُ، بإيتائهن (٤) صَدُقاتِهن دون المطلقاتِ قبلَ المدخولِ بهن، ممن لم يُسمَّ لها في عقدِ النكاحِ صداقٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾.
يَعْنى بذلك جل ثناؤه: فإن وهَب لكم أيُّها الرجالُ نساؤكم شيئًا من صَدُقاتِهن طيبةً بذلك أنفسُهن، فكُلوه هنيئًا مريئًا.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا بِشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا عُمارةُ، عن عِكرمةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
قال: المهرُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى حَرَميُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُمارةَ، عن عِكرمةَ (٢) في قولِ اللهِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
قال: الصَّدُقاتُ (٣).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا الحِمّاني، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
قال: الأزواجُ (٤).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبَرنا هشيمٌ، عن عُبَيدةَ، قال: قال لى إبراهيمُ: أكلتَ مِن الهَنئِ المرِئِ؟
قلت: ما ذلك؟
قال: امرأتُك أعطَتك مِن صداقِها (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: دخَل رجلٌ على علقمةَ وهو يَأْكُلُ من طعامٍ بينَ يَدَيه؛ مِن شيءٍ أعطَتْه امرأتُه مِن صداقِها أو غيرِه، فقال له علقمةُ: ادْنُ (٦)، فَكُلْ مِن الهَنيءِ المَرِيءِ (٧).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
يَقُولُ: إذا كان غيرَ إضرارٍ ولا خديعةٍ، فهو هَنئٌ مَرِئٌ، كما قال اللهُ جل ثناؤه (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
قال: الصَّداقُ ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
حدَّثني يونس، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: سمِعت ابنَ زيدٍ يَقُولُ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
[قال: طِبن لكم بشيءٍ من الصَّداقِ (٢) نفْسًا بعد أن تُوجِبوه لهن] (٣) فكُلوه هنيئًا مريئًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المَعتمرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَمِيٌّ أن أناسًا كانوا يَتَأَثَّمون أن يُراجِعَ (٤) أحدُهم في شيءٍ مما ساق إلى امرأتِه، فقال الله ﷿: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
يَقولُ: ما طابت به نفسُها في غيرِ كُرْهٍ (٦) أو هوانٍ، فقد أحلَّ اللهُ لك ذلك أن تَأْكُلَه هنيئًا مَرِيئًا (٧).
وقال آخرون: بل عَنَى بهذا القولِ أولياءَ النساءِ، فقيل لهم: إن طابت (١) النساءُ اللواتي إليكم عِصْمةُ نكاحهنَّ بصَدُقاتِهن نفسًا، فكُلُوه هَنيئًا مَرِيئًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا سيارٌ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
قال: كان الرجلُ إذا زوَّج ابنتَه عمَدَ إلى صداقِها فأخَذه، قال: فنزلت هذه الآيةُ في الأولياءِ: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٢).
وأولى التأويلين في ذلك بالصوابِ التأويلُ الذي قُلْنا، وأن الآيةَ مخاطبٌ بها الأزواجُ؛ لأن افتتاحَ الآية مُبْتَدَأٌ بذكرِهم، وقولُه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
في سياقِه.
وإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾.
وقد علمت أن معنى الكلامِ: فإن طابت لكم أنفسُهن بشيءٍ، وكيف وُحِّدت النفسُ والمعنى للجميعِ، وذلك أنه تعالى ذكرُه قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ﴾؟
قيل: أما نقلُ فعلِ النفوسِ إلى أصحابِ النفوسِ، فإن ذلك المستفيضُ في كلامِ العربِ، من كلامِها المعروفِ: ضِقْتُ بهذا الأمرِ ذراعًا وَذَرْعًا، وقَرِرْتُ بهذا الأمرِ عينًا.
والمعنى: ضاق به ذراعى، وقرَّت به عينى، كما قال الشاعرُ (٣): إذا التَّيَّازُ (١) ذو العَضَلاتِ قلنا … إليكَ إليكَ ضاقَ بها ذِراعًا فنقَل صفةَ الذراعِ إلى ربِّ الذراعِ، ثم أخرَج الذراعَ مُفَسِّرةً (٢) لموقِع الفعلِ، وكذلك وحَّد النفسَ في قولِه: ﴿فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مَّنْهُ نَفْسًا﴾.
إذ كانت النفسُ مفسِّرةً لموقعِ الخبرِ.
وأما توحيدُ النفسِ [فإن أهلَ العربيةِ اختلفوا فيه؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أجزأ النفسُ] (٣) مِن النفوسِ؛ لأنه إنما أراد الهوى، والهوى يكون جماعةً، كما قال الشاعرُ (٤): بها جِيَفُ الحَسْرَى (٥) فأما عِظامُها … فبِيضٌ وأما جلدُها فصَلِيبُ (٦) وكما قال الآخرُ (٧): في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِينا (٨) وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: جائزٌ في النفسِ في هذا الموضعِ، الجمعُ والتوحيدُ، فإن طِبْنَ لكم طِبْنَ لكم عن شيءٍ منه نفسًا وأنفسًا، وضِقْت به [ذَرْعًا وذراعًا، فيَكْفِي المصدرُ من الاسمِ، وضِقْنا به أَذْرعًا وذَرْعًا وذراعًا] (٩)؛ لأنه منسوبٌ إليك، وإلى مَن تُخْبِرُ عنه، فاكتفى بالواحد من الجمعِ لذلك، ولم يَذْهَبِ الوهمُ إلى أنه ليس بمعنى جمعٍ؛ لأن قبلَه جمعًا.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن النفسَ وقَع موقعَ الأسماءِ التي تأتى بلفظِ الواحدِ مؤدّيةً [عن معنى الجميعِ، فتجمَعُ ذلك العرب أحيانًا لمعناه، وتوحِّدُه أحيانًا استغناءً بمعرفتِهم] (١) بمعناه (٢) إذا ذكِر بلفظِ الواحدة أنه (٣) بمعنى الجمعِ، عن الجمعِ.
وأما قولُه: ﴿هَنِيئًا﴾.
فإنه مأخوذٌ مِن هَنَأْتُ البعيرَ بالقطِرانِ: وذلك إذا جرِب فعولِج به، كما قال الشاعرُ (٤): مُتَبَذِّلًا تَبْدُو محاسنُه … يَضَعُ الهِناءَ (٥) مواضعَ النُّقْبِ (٦) فكأن معنى قولِه: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
فكُلُوه دواءً شافيًا.
يقالُ منه: هنَأنى الطعامُ ومرَأنى.
أي: صار لي دواءً وعلاجًا شافيًا، وهَنِئَنى ومرِئَنى بالكسرِ، وهي قليلةٌ، والذين يَقولون هذا القولَ يقولون: يَهْنَأُنى ويَمْرَأُنى، والذين يَقولون: هنَأنى.
يَقولون: يهنِئُنى ويمرِئُنى.
فإذا أفرَدوا، قالوا: قد أمرَأنى هذا الطعامُ [ولا يقولون قد: أَهْنَأنى.
والمصدرُ منه هَنْأً مَرْأً، وقد مَرُؤ هذا الطعامُ] (٧) مراءةً (٨).
ويقالُ: هنأتُ القومَ.
إذا عُلْتَهم، سُمِع مِن العربِ يقولون: إنما سمِّيتَ هانئًا لِتَهنَأَ.
بمعنى: لتَعولَ وتَكْفِي.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في السُّفَهاءِ الذين نَهَى اللهُ عبادَه أن يُؤْتُوهم أموالَهم؛ فقال بعضُهم: هم النساءُ والصبيانُ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن عبدِ الكريمِ، عن، عن سعيدٍ بن جُبَيْرٍ، قال: اليتامَى والنساءُ (١).
حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيمٌ، عن يُونسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: لا تُعْطوا الصغارَ والنِّساءَ (٢).
حدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا يَزِيدُ بنُ زُرَيعٍ، عن يُونسَ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ والصبيُّ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ (١)، عن أبي حُرَّةَ (٢)، عن الحسن، قال: النِّساءُ والصغارُ.
والنساءُ أَسْفَهُ السُّفَهاءِ (٣).
حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاق، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: السفهاءُ: ابنُك السَّفِيهُ، وامرأتُك السفيهةُ وقد ذُكِرَ أن رسولَ اللهِ ﷺ، قال: "اتَّقُوا الله فِي الضَّعِيفَيْنِ: اليتيمِ والمرأةِ" (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنى الحِمَّانِيُّ، قال: أَخْبَرَنَا حُمَيدُ بنُ (٥) عبدِ الرحمنِ الرُّؤاسيُّ، عن السُّديِّ - قال: يَرُدُّه إلى عبدِ اللهِ - قال: النساءُ والصبيانُ (٦).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
أما السفهاءُ فالولدُ والمرأةُ (٧).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بنُ سُلَيمانَ، عن الضَّحاكِ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
يعنى بذلك: ولدَ الرجلِ وامرأتَه، وهى أسْفَهُ السُّفَهاءِ (٨).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أَخْبَرَنَا يزيدُ، قال: أَخْبَرَنَا جُوَيبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: السُّفَهَاءُ الولدُ والنساءُ أسْفَهُ السُّفَهاءِ، فيكونوا عليكم أرْبابًا (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن نُبَيطٍ، عن الضَّحاكِ، قال: أبناؤُكم ونساؤكم (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانِيُّ، قال: ثنى أبي، عن سَلَمَةَ، عن الضَّحاكِ، قال: النِّسَاءُ والصِّبيانُ.
حدَّثَنَا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أَخْبَرَنَا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُميدٍ الأعْرَجِ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: النساءُ والولَدُ (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثني أبو نُعيمٍ، قال: ثنا ابن أبي غَنِيَّةَ (٤)، عن الحَكمِ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: النساءُ والولَدُ (٥).
حدَّثَنَا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: أمَر اللهُ بهذا المالِ أن يُخْزَنَ فتُحْسَنَ خِزانَتُه، ولا تُمَلَّكَه المرأةُ السَّفِيهةُ ولا الغلامُ السَّفِيهُ (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ، عن أبي مالكٍ، قال: النساءُ والصبيانُ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: امرأتَك وبَنِيك.
وقال: السفهاءُ الولدانُ، والنساءُ أسفَهُ السفهاءِ (٢).
وقال آخرون: بل السفهاءُ: الصِّبيانُ خاصةً.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: هم اليتامَى (٣).
حدَّثَنَا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، قال: السفهاءُ: اليتامَى.
حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا يُونسُ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
يقولُ: لا تَنْحَلوا الصِّغارَ (٤).
وقال آخرون: بل عَنَى بذلك السفهاءَ مِن ولدِ الرجلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي مالكٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: لا تُعْطِ وَلَدَك السَّفِيهَ مالَك فيُفْسِدَه، الذي هو قوامُك بعدَ اللهِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
يقولُ: لا تُسَلِّطِ السَّفيهَ مِن ولدِك.
فكان ابن عباسٍ يقول: نزَل ذلك في السفهاءِ، وليس اليَتامَى مِن ذلك في شيءٍ (٢).
حدَّثَنَا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشعبيِّ، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ أنه قال: ثلاثةٌ يَدعون الله فلا يَسْتَجِيبُ لهم: رجلٌ كانت له امرأةٌ سيئةُ الخُلُقِ فلم يُطَلِّقْها، ورجلٌ أَعْطَى مالَه سفيهًا، وقد قال اللهُ ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
ورجلٌ كان له على رجلٍ دَينٌ، فلم يُشْهِدْ عليه (٣).
حدَّثَنَا يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: سمعت ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ الآية.
قال: لا تُعْطِ السَّفِيهَ من ولدِك رأسًا ولا حائطًا، ولا شيئًا هو لك قَيِّمًا مِن مالِك (٤).
وقال آخرون: بل السفهاءُ في هذا الموضعِ النساءُ خاصةً دونَ غيرِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتمِرُ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرميٌّ أن رجلًا عَمَد فَدَفَع مالَه إلى امرأتِه، فوَضعتْه في غيرِ الحقِّ، فقال اللهُ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١).
حدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قيسٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: النساءُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: ثنا سفيانُ الثوريُّ، عن حُميدِ بن قَيسٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: هنَّ النساءُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
قال: نَهَى (٣) الرجالَ أن يُعْطُوا النساءَ أموالَهم وهنَّ سفهاءُ، مَن كُنَّ أَزواجًا أو أمهاتٍ أو بناتٍ (٤).
حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثَنَا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: المرأةُ.
حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا جويبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: النساءُ مِن أسفهِ السفهاءِ (١).
حدَّثَنَا المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن أبي عَوانةَ، عن عاصمٍ، عن مُوَرِّقٍ، قال: مَرَّت امرأةٌ بعبدِ اللهِ بن عُمرَ، لها شارةٌ وَهْيئةٌ، فقال لها ابن عمرَ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندَى، أن الله عَزَّ ذكرُه عمَّ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
فلم يَخْصُصْ سفيهًا دونَ سفيهٍ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يُؤتىَ سفيهًا مالَه، صبيًا صغيرًا كان أو رجلًا كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى.
والسفيهُ الذي لا يجوزُ لوليِّه أن يُؤْتيَه مالَه، هو المُسْتَحِقُّ الحَجْرَ بتَضْيِيعِه مالَه، وفسادِه وإفسادِه، وسوءِ تَدْبيرِه ذلك.
وإنما قلنا ما قلنا مِن أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
هو مَن وَصَفْنا دونَ غيرِه؛ لأن الله عز ذكرُه قال في الآيةِ التي تَتْلُوها: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].
فأمَر أولياءَ اليَتامَى بدَفْعِ أموالِهم إليهم، إذا بَلَغوا النكاحَ، وأُونِسَ منهم الرُّشْدُ، وقد يَدْخُلُ في اليَتامَى الذكورُ والإناتُ، فلم يَخْصُصْ بالأمرِ بدفعِ ما لهم مِن الأموالِ الذكورَ دونَ الإناثِ، ولا الإناثَ دونَ الذكورِ.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الذين أُمِرَ أولياؤهم بدَفِعِهم أموالَهم إليهم وأُجِيزَ للمسلمين مُبايَعتُهم ومُعامَلتُهم، غيرُ الذين أُمِرَ أولياؤهم بمَنْعِهم أموالَهم وحُظِرَ على المسلمين مُداينتُهم ومُعامَلتُهم.
فإذا كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ أن السُّفهاء الذين نهَى الله المؤمنين أن يُؤْتُوهم أموالَهم هم المُسْتَحِقون الحَجْرَ والمُسْتَوْجِبون أن يُولَى عليهم أموالُهم، وهم مَن وَصَفْنا صِفَتَهم قبلُ، وأن مَن عدا ذلك فغيرُ سَفِيهٍ؛ لأن الحَجْرَ لا يَسْتَحِقُّه مَن قد بلَغ وأُونِسَ رُشْدُه.
وأما قولُ مَن قال: عنَى بالسفهاءِ النساءَ خاصةً.
فإنه حمَل اللغةَ على غيرِ وجهِها، وذلك أن العربَ لا تكادُ تَجمَعُ "فعيلًا" على "فُعَلاءَ"، إلا في جمعِ الذكورِ، أو الذكورِ والإناثِ، فأما إذا أرادوا جمعَ الإناثِ خاصةً لا ذُكْرانَ معها، جمعوه على: فَعائِلَ وفَعِيلاتٍ، مثل غريبةٍ تُجمَعُ على غَرائبَ وغَريباتٍ؛ فأَما الغُرباءُ فجَمْعُ غريبٍ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى بذلك: لا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ مِن النساءِ والصبيانِ - على ما قد ذَكَرْنا مِن اخْتِلافِ مَن حَكَيْنا قولَه قبلُ - أيُّها الرُّشداءُ، أموالَكم التي تَمْلِكونها، فتُسَلِّطوهم عليها فيُفْسِدوها ويُضَيِّعوها، ولكن ارْزُقوهم أنتم منها، إن كانوا ممن يَلْزَمُكم نَفَقَتُه، واكْسُوهم، وقولوا لهم قولًا مَعْروفًا.
وقد ذَكَرْنا الرِّوايةَ عن جماعةٍ ممن قال ذلك، منهم أبو موسى الأشعريُّ، وابنُ عباسٍ، والحسنُ، ومجاهدٌ، وقتادةُ، والحَضْرَمِيُّ، وسَنَذْكُرُ أقوالَ الآخرين الذين لم يُذكَرْ قولُهم فيما مَضَى قبلُ.
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾.
يقولُ: لا تُعْطِ امرأتَك وولدَك مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك، وأطْعِمُهم مِن مالِك واكْسُهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
يقولُ: لا تُسَلِّطِ السفيهَ مِن ولدِك على مالِك، وأمَرك أن تَرْزُقَه منه وتَكْسُوَه (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
قال: لا تُعْطِ السفيهَ من مالِك شيئًا هو لك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تُؤْتُوا السفهاءَ أموالَهم، ولكنه أُضِيفَ إلى الوُلاةِ؛ لأنهم قُوَّامُها ومُدَبِّروها.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابن المباركِ، عن شَريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
[قال: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ أموالَهم.
بمنزلةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
قال: وهم اليتامى يقولُ: لا تؤتوهم أموالَهم وارزقوهم منها واكسوهم (٣).
وأولى الأقوالِ بتأويلِ ذلك أن يقال: إن الله جلَّ وعزَّ نهى المؤمنين أن يُؤتوا السفهاءَ أموالَهم] (٤) وقد يدخلُ في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
أَمْوالُ المَنْهِيين عن أن يُؤْتُوهم ذلك، وأموالُ السفهاءِ؛ لأن قولَه: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾ غيرُ مَخْصوصٍ منها بعضُ الأموال دونَ بعضٍ، ولا تمتنعُ العربُ أن تُخاطِبَ قومًا خِطابًا، فيَخْرُجَ الكلامُ بعضُه خبرٌ عنهم، وبعضُه عن غَيَبٍ، وذلك نَحْوُ أن يقولوا: "أكَلْتم يا فلانُ أموالَكم بالباطلِ.
فخاطب الواحدَ خِطابَ الجميعِ، بمعنى إنك وأصحابَك وقومك أكَلْتم أموالَكم.
فكذلك قولُه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ﴾.
معناه: ولا تُؤْتُوا أيُّها الناسُ سُفهاءَكم أموالَكم التي بعضُها لكم وبعضُها لهم، فتُضَيِّعوها (٣).
وإذا كان ذلك كذلك، وكان اللهُ ﷿ قد عمَّ بالنهيِ عن إيتاءِ السفهاءِ الأموال كلَّها، ولم يَخْصُصُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، كان بيِّنا بذلك أنّ معنى قولِه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
إنما هو التي جعَل اللهُ لكم ولهم قِيامًا، ولكن السُّفهاءَ دخَل ذِكْرُهم في ذكرِ المُخاطَبين بقولِه: ﴿لَكُمْ﴾.
وأما قولُه: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
[فإنه يعنى: التي جعَلها اللهُ قوامَ معايشِكم ومعايشِ سُفهائِكم التي بها تقومون] (١).
"قيامًا" و "قِيَمًا" و "قِوَامًا" في معنًى واحدٍ.
وإنما "القيامُ" أصلُه "القِوَامُ"، غيرَ أن القافَ التي قبلَ الواوِ لمّا كانت مكسورةً، جُعِلَت الواوُ ياءً لكسرةِ ما قبلَها، كما يُقالُ: صُمْتُ صيامًا، وحُلتُ حِيالًا، ويقالُ منه: فلانٌ قِوَامُ أهلِ بيتِه، وقيامُ أهلِ بيتِه.
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم (٢): (الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيمًا) بكسرِ القافِ وفتحِ الياءِ بغيرِ ألفٍ.
وقرأه آخرون (٣): ﴿قِيَامًا﴾ بألفٍ.
والقراءةُ التي نَخْتارُها: ﴿قِيَامًا﴾ بالألفِ؛ لأنها القراءةُ المعروفةُ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ، وإن كانت الأُخْرَى غيرَ خَطأ ولا فاسدٍ.
وإنما اخترنا ما اخترنا مِن ذلك؛ لأن القراءاتِ إِذا اخْتَلَفت في الألفاظِ واتفَقَت في المعنى، فأعجبُها إلينا ما كان أظهرُ وأشهرَ في قراءةِ أمصارِ الإسلامِ.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿قِيَامًا﴾، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا سعيدُ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: الذي هو قِوَامُك بعدَ اللهِ (١).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾: فإن المالَ هو قِيَامُ الناسِ؛ قِوَامُ معايشِهم.
يقولُ: كن (٢) أنت قَيِّمَ أهلِك، ولا تُعْطِ امرأَتَك [وولدَك] (٣) مالَك، فيكونوا هم الذين يَقُومون عليك (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
يقولُ اللهُ ﷿: لا تَعْمِدُ إلى مالِك وما خَوَّلك اللهُ وجعَله لك معيشةً، فتُعْطِيَه امرأتَك أو بَنِيك ثم تَنْظُرَ إلى ما في أيديهم، ولكن أَمْسِكْ مالَك وأصْلِحْه، وكن أنت الذي تُنْفِقُ عليهم في كِسْوَتِهم ورِزْقِهم ومُؤْنَتِهم.
قال: وقولُه: ﴿قِيَامًا﴾.
يعنى: قِوَامَكم في معايشِكم (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ، عن الحسنِ قولَه: ﴿قِيَامًا﴾.
قال: قِيامُ عيشِك (٢).
حدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا (٣) بَكْرُ بنُ شرودٍ، عن (٤) مجاهدٍ أنه قرأ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾.
[بالألفِ، يقولُ: قيِامُ عيشِك (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾] (٦).
قال: لا تُعْطِ السفيهَ من ولدِك شيئًا هو لك قِيَمٌ مِن مالِك، وارزقوهم (٧).
وأما قولُه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلفوا في تأويلِه، فأما الذين قالوا: إنما عَنَى اللهُ جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أموالَ (٨) أولياءِ السُّفهاءِ، [لا أموالَ] (٩) السفهاءِ، فإنهم قالوا: معنى ذلك: وارْزُقوا أيُّها الناسُ سفهاءَكم مِن نسائِكم وأولادِكم، مِن أموالِكم طعامَهم، وما لابدَّ لهم منه، مِن مُؤنَتِهم (١) وكسْوَتِهم.
وقد ذَكَرنا بعضَ قائلى ذلك فيما مَضَى، وسَنَذْكُر مَن لم نَذْكُرْ مِن قائليه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمروٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أُمِروا أن يَرْزُقوا سُفَهاءَهم، مِن أزواجِهم وأمهاتِهم وبناتِهم مِن أموالِهم (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾.
قال: يقول: أنْفِقُوا عليهم (٣).
حدَّثَنَا [محمدُ بنُ الحسينِ] (٤)، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾.
يقولُ: أَطْعِمْهم (٥) مِن مالِك واكْسُهْم (٦).
وأما الذين قالوا: إنما عَنَى بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾: أَموالَ السفهاءِ ألا يُؤْتيَهموها أولياؤُهم، فإنهم قالوا: معنى قولِه: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾: وارْزُقوا أيُّها الوُلاةُ - وُلاةُ أموالِ السفهاءِ - سفهاءَكم مِن أموالِهم، طعامَهم وما لابدَّ لهم مِن مُؤَنِهم وكِسْوتِهم، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: وأما الذي نراه صوابًا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾.
من التأويل، فقد ذَكَرناه، ودَلَّلنا على صحةِ ما قلنا في ذلك، بما أغْنَى عن إعادتِه.
فتأويلُ قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ - على التأويلِ الذي قلنا في قولِه: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ -: وأَنْفِقُوا على سفهائِكم من أولادِكم ونسائِكم [الذي يجبُ عليكم نفقتُه في] (١) طعامِهم وكِسْوتِهم من (٢) أموالِكم، ولا تُسَلِّطوهم على أموالِكم فيُهْلِكوها - وعلى سفهائِكم منهم، ممن لا تَجِبُ عليكم نَفَقَتُه، ومِن غيرِهم الذين تَلُون أنتم أمورَهم مِن أموالِهم، فيما لا بدَّ لهم مِن مُؤَنِهم في طعامِهم وشرابِهم وكِسْوتِهم؛ لأن ذلك هو الواجبُ مِن الحُكْمِ في قولِ جميعِ الحجةِ، لا خلافَ بينَهم في ذلك مع دَلالة ظاهرِ التنزيل على صحة ما قلنا في ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: عِدْهم عِدَةٌ جميلةٌ من البرِّ والصِّلَةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: أُمِروا أن يقولوا لهم قولًا معروفًا في البرِّ والصَّلَةِ، يَعْنى النساءَ، وهن السفهاءُ عندَه (٣).
حدَّثَنَا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ (١): ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: عِدَةً تَعِدونهم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ادْعُوا لهم.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: إن كان ليس مِن ولدِك، ولا ممن يَجِبُ عليك أن تُنْفِقَ عليه، فقل له (٣) قولًا معروفًا، قل له (١): عافانا اللهُ وإياك، بارك (٤) اللهُ فيك (٥).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في ذلك بالصحةِ ما قاله ابن جُرَيجٍ، وهو أن مَعْنَى قوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
أي قولوا يا معاشَرَ وُلاةِ السفهاءِ قولًا معروفًا للسفهاء: إن صَلَحْتم ورَشَدْتم سَلَّمْنا إليكم أموالَكم، وخَلَّيْنا بينَكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسِكم وأموالِكم.
وما أَشْبَهَ ذلك مِن القولِ الذي فيه (٦) حثٌّ على طاعةِ الله، ونَهىٌ عن معصيتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
يعني تعالى ذِكْرُه بقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
واخْتَبِروا عقولَ يتاماكم في أفهامِهم، وصلاحِهم في أديانِهم، وإصلاحِهم أموالَهم.
كما حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسنِ في قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
قالا: يقولُ: اخْتَبِروا اليتامى (١).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: أما: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
فجرِّبوا عقولَهم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
قال: عقولَهم (٣).
حدَّثني المُثنى، قال: حدَّثني عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾.
قال: اخْتَبِروهم (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
قال: اخْتَبِروه (٥) في رأيِه وفي عقلِه كيف هو، إذا عُرِفَ أنه قد أُونِس منه رُشْدٌ، دُفِعَ إليه مالُه.
قال: وذلك بعدَ الاحتلامِ (٦).
قال أبو جعفرٍ: وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ على أن مَعْنى الابتلاءِ الاختبارُ، بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه.
وأما قولُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
فإنه يعنى: حتى إذا بَلَغوا الحُلُمَ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [قال: الحُلُمَ (١).
نا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: نا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾] (٢): حتى إذا احْتَلَموا (٣).
حدَّثني عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾: قال: عندَ الحُلُمِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
قال: الحُلُمَ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: فإن وَجَدتم منهم وعَرَفتم.
كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
قال: عَرَفتم منهم.
يقالُ منه: آنَسْتُ مِن فلانٍ خيرًا وبرًّا (١) - بمدِّ الألفِ - إيناسًا.
وأَنَسْتُ به آنَسُ أُنْسًا.
بِقَصْرِ أَلْفِها: إِذا أَلِفْتَه.
وقد ذُكِرَ أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فإن أَحسْتُم (٢) منهم رشدًا).
بمعنى: أَحْسَسْتُم: أي وَجَدتم.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى الرُّشْدِ في هذا الموضعِ الذي ذكَره اللهُ؛ فقال بعضُهم: معنى الرشدِ في هذا الموضعِ في هذه الآيةِ: العقلُ والصلاحُ في الدينِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحُسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: عقولًا وصلاحًا (٣).
حدَّثَنَا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
يقولُ: صلاحًا في عقلِه ودينِه (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: صلاحًا في دينهم، وإصلاحًا لأموالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن مباركٍ، عن الحسنِ، قال: رُشْدًا في الدين وصلاحًا وحفظًا للمالِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾: في حالِهم، والإصلاحَ في أموالِهم (٢).
وقال آخرون: بل ذلك هو العقلُ خاصةً.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: لا يُدفَعُ (٣) إلى اليتيمِ مالُه وإن أخَذ بلحيتِه، وإن كان شيخًا، حتى يُؤْنسَ منه رُشْدُه؛ العقلُ (٤).
[أنا ابن حميدٍ قال: نا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الرشدُ العقلُ (٥).
حدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ قال: العقلُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا أبو شُبْرُمةَ، عن الشعبيِّ، قال: سَمِعْتُه يقولُ: إن الرجلَ ليَأْخُذُ بلحيتِه وما بلَغ رُشْدَه (١).
وقال آخرون: بل هو الصلاحُ، والعلم بما يُصْلِحُه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾.
قال: صلاحًا وعلمًا بما (٢) يُصْلِحُهُ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ عندى بمعنى الرُّشْدِ في هذا الموضعِ: العقلُ وإصلاحُ المالِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أنه إذا كان كذلك لم يَكُنْ ممَن يَسْتَحِقُّ الحَجْرَ عليه في مالِه، وحَوْزَ ما في يدِه عنه، وإن كان فاجرًا في دينِه.
فإذْ كان ذلك إجماعًا من الجميعِ، فكذلك حُكْمُه إذا بلَغ وله مالٌ في يدِ وَصِيِّ أبيه، أو في يَدِ حاكمٍ قد وَلِىَ مالَه لطفولتِه، واجبٌ عليه تَسْليمُ مالِه إليه إذا (٤) كان عاقلًا بالغًا، مُصْلِحًا لمالِه غيرَ مفسدٍ؛ لأن المعنى الذي به يَسْتَحِقُّ أن يُولَّى على مالِه الذي هو في يدِه هو المَعْنَى الذي بهِ يَسْتَحِقُّ أن تُمْنَعَ يدُه مِن مالِه الذي هو في يَدِ وليِّ مالِه (٥) لا فرقَ بينَ ذلك.
وفي إجماعِهم على أنه غيرُ جائزٍ حِيازةُ ما في يدِه في حالِ صحةٍ عَقْلِه وإصلاحِ ما في يدِه، الدليلُ الواضحُ على أنه غيرُ جائزٍ مَنْعُ يدِه مما هو له في مثلِ ذلك الحالِ، وإن كان قبلَ ذلك كان في يدِ غيرِه، لا فرقَ بينهما، ومَن فَرَّقَ بينَ ذلك عُكِسَ عليه القولُ في ذلك، وسُئِلَ الفرقَ بينهما من أَصْلٍ أو نَظِيرٍ، فلن يقولَ في أحدِهما قولًا إِلا أُلْزِمَ في الآخرِ مثلَه.
فإذ كان ما وَصَفْنا من الجميعِ إجماعًا، فبَيِّنٌ أن الرُّشْدَ الذي به يَسْتَحِقُّ اليتيمُ - إذا بلَغ، فأُونِسَ منه - دَفْعَ مالِه إليه، هو ما قُلْنَا مِن صحةِ عَقْلِه وإصلاحِه مالَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكْرُه وُلاةَ أموالِ اليتامى، يقولُ اللهُ لهم: فإذا بلَغ أيتامُكم الحُلُمَ، فآنَسْتُم منهم عقلًا وإصلاحًا لأموالِهم، فادْفَعوا إليهم حينَئذ أموالَهم، ولا تَحْبِسُوها عنهم.
وأما قولُه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾.
[فإنه يَعْنى: ولا تَأْكُلُوا يا معشرَ ولاةِ أموالِ اليتامَى أموالَهم ﴿إِسْرَافًا﴾] (١) يعنى: بغيرِ ما أباحه اللهُ لكم (٢).
كما حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾.
يقول: لا تُسْرِفُ فيها (٣).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا﴾.
قال: تُسْرِفُ في الأكلِ (٤).
وأصلُ الإسرافِ: تجاوزُ الحدِّ المباحِ إلى ما لم يُبَحْ، وربما كان ذلك في الإفراطِ، وربما كان في التقصيرِ (١)، غيرَ أنه إذا كان في الإفراطِ، فاللغةُ المستعملةُ فيه أن يقالَ: أَسْرَف يُسْرِف إسرافًا.
وإذا كان كذلك في التقصير، فالكلامُ منه: سَرِفَ يَشرَفُ سَرَفًا.
يقالُ: مَرَرْتُ بكم فسَرَفْتُكم.
يرادُ به: فسَهَوْتُ عنكم وأَخْطَأْتُكم، كما قال الشاعرُ (٢): أَعْطُوا هُنَيْدَةَ (٣) يَحْدُوها ثمَانِيَةٌ … ما في عطَائِهِمُ مَنٌّ ولا سَرَفُ يعنى بقولِه: ولا سَرَف: لا خطأَ فيه، يرادُ به: أنهم يُصِيبون مواضعَ العطاءِ، فلا يُخْطِئونها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَبِدَارًا﴾: ومبادرةً.
وهو مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بادَرْتُ هذا الأمرَ مُبادَرةً وبدارًا.
وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤُه وُلاةَ أموالِ اليتامى، يقولُ لهم: لا تَأْكلوا أموالَهم إسرافًا - يعنى (٤): ما أباح اللهُ لكم أكْلَه - ولا مُبادرةً منكم بُلُوغَهم وإيناسَ الرُّشْدِ منهم؛ حذرًا أن يَبْلُغوا فيَلْزَمَكم تَسْليمُه إليهم.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾.
يعنى: يأكلُ (٥) مالَ اليتيمِ يُبادِرُ (٦) أن يَبْلُغَ، فيَحُولَ بينَه وبينَ مالِه (٧).
حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والحسنِ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾.
يقولُ: لا تُسْرِفْ فيها ولا تُبادِرْ (١).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَبِدَارًا﴾: [أن تُبادِرَ] (٢) أن يَكْبَروا فيَأْخُذُوا أموالَهم (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾.
قال: هذه لوليِّ اليتيمِ خاصةً (٤)، جُعِلَ (٥) له أن يَأْكُلَ معه، إذا لم يَجِدْ شيئًا يَضَعُ يدَه معه، فيذهبُ يُؤخِّرُه (٦)، يقول: لا أَدْفَعُ إليه مالَه.
وجعلْتَ تَأْكُلُه تَشْتَهِي أَكْلَه، لأنك إن (٧) لم تَدْفَعْه إليه لك فيه نَصِيبٌ، وإذا دَفَعْتَه إليه، فليس لك فيه نصيبٌ.
ومَوْضِعُ "أن" في قولِه: ﴿أَن يَكْبَرُوا﴾، نَصْبٌ بـ"المُبادرةِ" (٨)؛ لأن مَعْنَى الكلامِ: لا تَأْكُلوها مُبادرةَ كِبَرِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعنى بقوله جلّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾.
مِن وُلاةِ أموالِ اليتامى عن أموالِهم فَلْيَسْتَعْفِفْ بمالِه عن أكلِها بغيرِ الإسرافِ والبِدارِ أن يَكْبَروا، وبما أباح اللهُ له أكلَها به.
كما حدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ وابنِ أبي ليلى، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾.
قال: بغِناهُ مِن مالِه حتى يَسْتَغْنِيَ عن مالِ اليتيمِ (١).
حدَّثَنَا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، [عن إبراهيمَ] (٢) في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾: بغِناهُ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن ليثٍ، عن الحكمِ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: مِن مالِ نفسه، ومَن كان فقيرًا منهم إليها محتاجًا فليَأْكُلْ بالمعروفِ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في "المعروفِ" الذي أَذِنَ اللهُ لوُلاةِ أموالِهم في أكلِها به، إذا كانوا أهلَ فقرٍ وحاجةٍ إليها؛ فقال بعضُهم: ذلك هو القَرْضُ يَسْتَقْرِضُه مِن مالِه ثم يَقْضِيه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن سفيانَ وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن حارثةَ بن مُضَرِّبٍ (١)، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ، ﵁: إنى أنزلتُ مالَ اللَّهِ منى بمنزلةِ والى (٢) اليتيمِ، إِنِ اسْتَغْنَيتُ اسْتَغْفَفْتُ، وإنِ افْتَقَرْتُ أَكلتُ بالمعروفِ، فإذا أَيْسَرْتُ قَضَيتُ (٣).
حدَّثَنَا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عليةَ (٤)، عن زُهيرٍ، عن العلاءِ بن المُسَيَّبِ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: هو القَرْضُ (٥).
حدَّثَنَا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعتُ يونسَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن عَبِيدةَ السَّلْمانيِّ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال: الذي يُنْفِقُ مِن مالِ اليتيمِ يكونُ عليه قرضًا.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: ثنا سلمةُ بنُ علقمةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، قال: سألت عَبيدةَ عن قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إنما هو قرضٌ، ألا ترَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
قال: فظنَنتُ أنه قالها برَأْيِه (١).
حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا هشامٌ، عن محمدٍ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وهو عليه قرضٌ (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن سَلَمةَ بن (٣) علقمةَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: المعروفُ القرضُ، ألا ترَى إلى قولِه جلّ وعزّ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤)؟
حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ مِثْلَ حديثِ عبدِ الرزّاقِ، عن هشامٍ، عن محمدٍ (٥).
حدَّثني المثنى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعنى: القرضَ (٦).
[حدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا معمرٌ عن أيوبَ، عن ابن سيرين، عن عبيدةَ مثلَه] (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: إن كان غنيًّا فلا يَحِلُّ له مِن مالِ اليتيمِ أن يأكلَ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا فليَسْتقرِضُ منه، فإذا وجد مَيْسرةً فليُعْطِه ما اسْتَقرضَ منه، فذلك أكلُه بالمعروفِ (١).
حدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن (٢) إدريسَ، قال: سمِعت أبي يَذكُرُ عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: يَأْكُلُ قرضًا بالمعروفِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: هو القرضُ، ما أصاب منه مِن شيءٍ قَضَاه إِذا أَيْسَر.
يعنى قولَه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا حمادٌ، قال: سَأَلتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إِن أَخَذ مِن مالِه قَدْرَ قُوتِه، قرضًا، فإن أَيْسَر بعدُ قَضَاه، وإن حَضَره الموتُ ولم يُوسِرْ تَحَلَّله (٤) مِن اليتيمِ، وإن كان صغيرًا تَحَلَّله (٥) مِن وَليِّه (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: هو القرضُ (١).
حدَّثَنَا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن الشعبيِّ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: لا يَأْكُلُه إلا أن يُضْطَرَّ إليه، كما يُضْطَرُّ إلى المَيْتَةِ، فإنْ أكَل منه شيئًا قَضَاه (٢).
حدَّثَنَا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: قرضًا.
حدَّثَنَا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ مِثْلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: سَلَفًا مِن مالِ يَتِيمِه (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنَا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا الثوريُّ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ، وعن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قالا: هو القرضُ.
قال الثوريُّ: وقاله الحَكَمُ أيضًا: ألا ترَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤)؟
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن مجاهدٍ، قال: هو القَرْضُ، ما أصاب منه مِن شيءٍ قَضَاه إِذا أَيْسَر بغِنًى (١): ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعٍ، عن أبي العاليةِ: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: القرضُ، ألا ترَى إلى قولِه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٣)؟
حدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قرضًا (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إذا احتاج الواليُّ (٥) و (٦) افْتَقَر فلم يَجِدْ شيئًا، أكَل مِن مالِ اليتيمٍ وكتَبه، فإن أَيْسَر قضاه، وإن لم يُوسِرْ حتى تَحْضُرَه الوفاةُ دعا اليتيمَ، فاستحلَّ منه ما أكَل.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: أخبرنا ابن أبى نَجِيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
[قال: يَسْتَسْلِفُ منه فيَتَّجِرُ فيه] (٧) (٨).
[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: يَسْتَسْلِفُ، فإذا أيَسَر أدَّى.
حدَّثنا حميدُ (١) بنُ سعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ (٢)، عن حمادٍ، عن سعيدِ بن جبير، قال: يأكلُ قرضًا (٣).
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: فليأكُلْ بالمعروف] (٤) مِن مالِ اليتيمِ بغيرِ إسرافٍ، ولا قَضاءَ عليه فيما أكَل منه.
واخْتَلَف قائلو هذه المقالةِ في معنى أكلِ ذلك بالمعروفِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يَأْكُلَ مِن طعامِه بأطرافِ الأصابعِ، ولا يَكْتسِىَ (٥) منه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السُّديِّ، قال: أخبرني مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: بأطرافِ أصابعِه.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن السُّديِّ، عمن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ.
فذكَر مثلَه (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: فمن كان غنيًّا [ممن ولِىَ] (١) مالَ اليتيمِ فليَسْتَعْفِفْ عن أكلِه (٢)، ومَن كان فقيرًا [ممن ولِىَ] (١) مالَ اليتيمِ فليَأْكُلْ [بالمعروفِ، يأكُلُ] (٣) معه بأصابعِه، لا يُسْرِفُ في الأكلِ ولا يَلْبَسُ (٤).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا حَرَمِيُّ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا شُعْبةُ، عن عُمارةَ، عن عِكْرمةَ في مالِ اليتيمِ: يَدُك مع أيديهم، ولا تَتَّخِذُ منه قَلَنْسُوةً.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ وعطاءٍ، قالا: تَضَعُ يَدَك مع يدِه (٥).
[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ وعكرمةَ مثلَه] (٦).
وقال آخرون: بل المعروفُ في ذلك أن يَأْكُلَ ما [سَدَّ الجَوْعةَ] (٧)، ويَلْبَسَ ما وارَى العَوْرةَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةً، عن إبراهيمَ، قال: إن المعروفَ ليس بلبسِ الكَتّانِ ولا الحُلَلِ، ولكن ما سدَّ الجوعَ ووارَى العَوْرةَ (١).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: ليس المعروفُ بلبسِ الكَتّانِ ولا الحُلَلِ، ولكنَّ المعروفَ ما سدَّ الجوعَ ووارَى العَوْرةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ نحوَه (٢).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا أبو مَعْبَدٍ، قال: سُئِلَ مَكْحولٌ عن والى (٣) اليتيمِ: ما أكْلُه بالمعروفِ إذا كان فقيرًا؟
قال: يدُه مع يدِه.
قيل له: فالكِسْوةُ؟
قال: يَلْبَسُ مِن ثيابِه، فأما أن يَتَّخِذَ مِن مالِه مالًا لنفسِه فلا (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: ما سدَّ الجوعَ ووَارَى العورةَ، أما إنه ليس لَبُوسَ الكَتَّانِ والحُلَلِ.
وقال آخرون: بل ذلك المعروفُ، أكْلُ ثَمَرِه (٥)، وشُرْبُ رِسْلِ ماشيتِه، بقيامِه على ذلك، فأما الذهبُ والفِضَّةُ فليس له أخذُ شيءٍ منهما إلا على وجهِ القرضِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: إن في حجْرِى أموالَ أيتامٍ وهو يَسْتأذِنُه أن يُصِيبَ منها.
فقال ابن عباسٍ: ألستَ تَبْغِى ضالَّتَها؟
فقال: بلى.
قال: ألستَ تَهْنَأُ (١) جَرْباها؟
قال: بلى.
قال: ألستَ تَلوطُ (٢) حياضَها؟
قال: بلى.
قال: ألستَ تَفْرِطُ (٣) عليها يومَ وِرْدِها (٤)؟
قال: بلى.
قال: فأَصِبْ مِن رِسْلِها.
يعنى: من لبنِها (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: جاء أعرابيٌّ إلى ابن عباسٍ، فقال: إن في حجْرِى أيتامًا، وإن لهم إبلًا، ولى إبلٌ، وأنا أَمْنَحُ (٦) في (٧) إبلى [وأفقِرُ] (٨)، فماذا يحلُّ لى (٩) مِن ألبانِها؟
قال: إِن كُنْتَ تَبْغِى ضالَّتَها، وتَهْنَأُ جَرباها، وتلوطُ حوضَها، وتَسْعَى (١٠) عليها، فاشْرَبْ غيرَ مُضِرٍّ بنسلٍ، ولا ناهكٍ في الحَلْبِ (١).
حدَّثني ابن (٢) المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ في هذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: مِن فَضْلِ الرُّسُلِ والثَّمَرةِ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ، في والى مالِ اليتيمِ، قال: يأكلُ مِن رِسْلِ الماشيةِ، ومِن الثَّمَرةِ لقيامِه عليها، ولا يأكلُ مِن المالِ، وقال: ألا تَرَى أنه قال: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾؟
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا داودُ، عن رُفيعٍ (٤) أبى العاليةِ، قال: رُخِّصَ لوالى (٥) اليتيمِ أن يُصِيبَ مِن الرِّسْلِ، ويأكلَ مِن الثمرةِ، فأما الذهبُ والفضةُ فلابد من أن يُرَدَّ.
ثم قرَأ: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾.
ألا ترى أنه لا بدَّ مِن أن يَدْفَعَ؟
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن الحسنِ أنه قال: إنما كانت أموالُهم [إذ ذاك] (٦) النخلَ والماشيةَ، فرُخِّصَ لهم إذا كان أحدُهم مُحتاجًا أن يُصِيبَ مِن الرَّسْلِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ (٢)، قال: أخبرنا إسماعيلُ بنُ (٣) سالمٍ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا كان فقيرًا أكَل مِن الثمرِ، وشَرِبَ مِن اللبنِ، وأصاب مِن الرِّسْلِ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ذُكِرَ لنا أن عمَّ (٥) ثابتِ بن رِفاعةَ - وثابتٌ يومَئذٍ يتيمٌ في حجْرِه - مِن الأنصارِ أتَى (٦) نبيَّ الله ﷺ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، إن ابنَ أخى (٧) يتيمٌ في حِجْرِى، فما يحلُّ لى مِن مالِه؟
قال: "أن تأْكُلَ بالمَعْرُوفِ مِن غيرِ أن تَقِىَ مالَك بمالِه، ولا تَتَّخِذَ مِن مالِه وَفْرًا".
وكان اليتيمُ يكونُ له الحائطُ مِن النخلِ، فيَقُومُ وَليُّه على صلاحِه وسَقْيِه، فيُصِيبُ مِن ثمرتِه، أو تكونُ له الماشيةُ، فيقومُ وَليُّه على صلاحِها، أو يَلِى علاجَها ومؤنتَها، فيُصِيبُ مِن جُزازِها (٨) وعَوارضِها (٩) ورِسْلِها، فأما رِقابُ المالِ وأصولُ المالِ، فليس له أن يَسْتهلكَه (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعنى: ركوبَ الدابةِ وخدمةَ الخادمِ، فإن أخَذ مِن مالِه قرضًا في غِنًى، فعليه أن يؤدِّيَه، وليس له أن يأكلَ مِن مالِه شيئًا (٢).
وقال آخرون منهم: له أن يأكلَ مِن جميعِ المالِ إذا كان يلى ذلك وإن أتَى على المالِ، ولا قضاءَ عليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ صُبَيحٍ، عن أبي أُوَيسٍ (٣)، عن يحيى بن سعيدٍ ورَبِيعةَ جميعًا، عن القاسمِ بن محمدٍ، قال: سُئِلَ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ عما يَصْلُحُ لوليِّ اليتيمِ؟
قال: إن كان غنيًّا فليَسْتَعْفِفْ، وإن كان فقيرًا فليَأْكُلْ بالمعروفِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرنا يحيى بنُ أيوبَ، عن محمدِ بن عَجْلانَ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبيه، أن عمرَ بنَ الخطابِ كان يقولُ: يحلُّ لوالى الأمرِ ما يَحِلُّ لوليِّ اليتيمِ؛ مَن كان غنيًّا فليَسْتَعفِفْ، ومَن كان فقيرًا فليَأْكُلْ بالمعروفِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا الفَضْلُ بنُ عطيةَ، عن عطاءِ بن أبى رباحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا احتاج فليَأْكُلْ بالمعروفِ، فإن أَيْسَر بعدَ ذلك فلا قضاءَ عليه (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: ذكَر اللهُ مالَ اليتامى، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: ومعروفُ ذلك أن يتقىَ الله في يتيمِه (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه كان لا يرَى على والى اليتيمِ قضاءً إذا أكَل وهو محتاجٌ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ (٢)، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
في الوصيِّ، قال: لا قضاءَ عليه (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ أنه قال في هذه الآية: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا عَمِل فيه والى اليتيمِ أكَل بالمعروفِ (١).
[حدَّثنا حمد بنُ مَسْعدة، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا كان يعملُ فيه أكَلَ] (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إذا احتاج أكَل بالمعروفِ مِن المالِ، طُعْمَةً مِن اللهِ [﷿] (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن الحسنِ العُرَنيِّ (٢)، قال: قال رجلٌ للنبيِّ ﷺ: إن في حجْرِى يتيمًا، أفأَضْرِبُه؟
قال: "مما (٣) كُنْتَ ضَارِبًا منه ولدَك".
قال: فأُصِيبُ مِن مالِه؟
قال: "بالمعروفِ غيرَ مُتَأثِّلٍ (٤) مالًا، ولا واقٍ مالَك بمالِه" (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن الزبيرِ (٦) بن موسى، عن الحسنِ العُرَنيِّ (٢) مثلَه (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ أنه قال: يَضَعُ يدَه مع أيديهم، فيَأْكُلُ معهم كقَدرِ (٨) خدمتِه وقدرِ عملِه (٩).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن هشامِ بن عُروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: والِى اليتيمِ إذا كان محتاجًا يَأْكُلُ بالمعروفِ لقيامِه [في مالِه] (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، وسألتُه عن قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟
قال: إِن اسْتَغْنَى كفَّ، وإن كان فقيرًا أكَل بالمعروفِ.
قال: أكَل بيدِه معهم، لقيامِه على أموالِهم، وحفظِه إياها، يَأْكُلُ مما يأكلون منه.
وإن اسْتَغْنَى كفَّ عنه، ولم يَأْكُلْ منه شيئًا (٢).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
قال: إذا افْتَقَر الوصيُّ، واحْتاجَ ولم يَجِدْ شيئًا، أكَلَ بالمعروفِ] (٣).
وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: المعروفُ (٤) الذي عَنَاه اللَّهُ ﷿ في قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
أكلُ مالِ اليتيمِ عندَ الضرورةِ والحاجةِ إليه على وجهِ الاستقراضِ منه، فأما على غير ذلك الوجهِ فغيرُ جائزٍ له أكلُه (٥)، وذلك أن الجميعَ مُجْمِعون على أن والىَ (٦) اليتيمِ لا يَمْلِكُ مِن مالِ يتيمِه إلا القيامَ بمصلحتِه؛ فلما كان إجماعًا منهم (٧) أنه غيرُ مالكِه، وكان غيرَ جائزٍ لأحدٍ أن يَسْتَهْلِكَ مالَ أحدٍ غيرِه - يتيمًا كان ربُّ المالِ أو مُدْرِكًا رشيدًا - وكان عليه إن تَعَدَّى فاسْتَهْلَكَه (١)، بأكلٍ أو غيرِه، ضمانُه لِمَن اسْتَهْلَكه عليه بإجماعٍ من الجميعٍ، وكان والى اليتيمِ سبيلُه سبيلُ غيرِه في أنه لا يَمْلِكُ مالَ يتيمِه، كان كذلك حُكْمُه فيما يلزمُه مِن قضائِه إذا أكَل منه، سبيلُه سبيلُ غيرِه، وإن فارَقه في أن له الاستقراضَ منه عندَ الحاجةِ إليه، [كما له الاستقراضُ عليه عندَ حاجتِه] (٢) إلى ما يَسْتَقْرِضُ عليه له (٣)، إذ كان قَيِّمًا بما فيه مصلحتُه.
ولا معنى لقولِ مَن قال: إنما عَنَى بالمعروفِ في هذا الموضعِ أكلَ والى اليتيمِ مِن مالِ يتيمِه، لقيامِه عليه (٤) على وجهِ الاعتياضِ على عملِه وسعيِه له؛ لأن لوالى اليتيمِ أن يؤاجرَ نفسَه منه للقيامِ بأمورِه، إذا كان اليتيمُ محتاجًا إلى ذلك، بأجرةٍ معلومةٍ كما يَسْتَأْجِرُ له غيرَه مِن الأُجَراءِ، وكما يَشْتَرِى له مِن نفسِه (٥)؛ غنيًّا كان الوالى أو فقيرًا.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد دلَّ بقولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
على أن أكلَ مالِ اليتيمِ إنما أُذِنَ لمن أُذِنَ له مِن وُلاتِه، في حالِ الفقرِ والحاجةِ، وكانت الحالُ التي للوُلاةِ أن يُؤاجِروا أنفسَهم مِن الأيتامِ، مع حاجةِ الأيتامِ إلى الأُجَراءِ، [كلَّ حالٍ] (٦) غيرَ مخصوصٍ بها حالُ غِنًى ولا حالُ فَقْرٍ - كان معلومًا أن المعنى الذي أُبِيحَ لهم مِن أموالِ أيتامِهم في كلِّ أحوالهِم غيرُ المعنى الذي أُبِيحَ لهم ذلك فيه في حالٍ دونَ حالٍ.
ومَن أبَى ما قلنا ممن زعَم أن لوالى اليتيمِ أكلَ مالِ يتيمِه عندَ حاجتِه إليه على غيرِ وجهِ القرضِ، استدلالًا بهذه الآيةِ، قيل له: أَمُجْمَعٌ على أن الذي قُلْتَ تأويلُ قولِه: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟
فإن قال: لا.
قيل له: فما برهانُك على أن ذلك تأويلُه وقد عَلِمْتَ أنه غيرُ مالكٍ مالَ يتيمِه؟
فإن قال: لأن الله أذِن له بأكلِه.
قيل له: أذِنَ له بأكلِه مطلقًا أم بشرطِ؟
فإن قال: بشرطٍ، وهو أن يَأْكُلَه بالمعروفِ.
قيل له: فما ذلك المعروفُ وقد عَلِمْتَ القائلين مِن الصحابةِ والتابعين ومَن بعدَهم مِن الخالِفين أن ذلك هو أكلُه قرضًا وسلفًا؟.
ويقالُ لهم أيضا مع ذلك: أرأيتُم المُولَّى عليهم أموالُهم مِن المجانينِ والمعاتيهِ، ألِوُلاةِ أموالِهم أن يأكلوا مِن أموالِهم عندَ حاجتِهم إليه على غيرِ وجه القرضِ ولا الاعتياضِ مِن قيامِهم بها، كما قلتم ذلك في أموالِ اليتامى فأبَحْتُموها لهم؟
فإن قالوا: ذلك لهم.
خرجوا مِن قولِ جميعِ الحُجَّةِ.
وإن قالوا: ليس ذلك لهم.
قيل لهم: فما الفرقُ بينَ أموالِهم وأموالِ اليتامى، وحكمُ وُلاتِهم واحدٌ في أنهم ولاةُ أموالِ غيرِهم؟
فلن يقولوا في أحدِهم شيئًا إلا أُلزِموا في الآخرِ مثلَه.
ويُسألون كذلك عن المحجورِ عليه: هل لمَن يَلِى مالَه أن يَأْكُلَ مالَه عندَ حاجتِه إليه؟
نحو سُؤالِناهُم عن أموالِ المجانينِ والمعاتيهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى بذلك جل ثناؤُه: وإِذا دَفَعْتُم يا معشرَ وُلاةِ أموالِ [اليتامى إلى اليتامى أموالَهم، ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: فأشهِدوا على الأيتامِ باستيفائِهم ذلك منكم، ودَفْعِكُموه إليهم.
كما] (١) حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: إذا دفَع (٢) إلى اليتيمِ مالَه، فليَدْفَعْه إليه بالشهودِ كما أمَره اللهُ تعالى (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: وكفَى باللهِ كافيًا مِن الشهودِ الذين يُشْهِدُهم والى اليتيمِ على دَفْعِه مالَ يتيمِه إليه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
يقولُ: شهيدًا (٤).
يُقالُ منه: قد أَحْسَبنى الذي عندِى.
يُرادُ به: كفانى.
وسُمِعَ مِن العربِ: لأحْسِبَنَّكم مِن الأَسْوَدَين.
يَعْنِى به: مِن الماءِ والتمرِ.
والمُحْسِبُ مِن الرجالِ: المُرْتَفِعُ الحَسَبِ.
والمُحْسَبُ: المَكْفِيُّ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾.
يعنى بذلك تعالى ذِكْرُه: للذكورِ مِن أولادِ الرجلِ الميِّتِ حِصَّةٌ مِن ميراثِه، وللإناثِ منهم حِصَّةٌ منه، مِن قليلِ ما خَلَّف بعدَه وكثيرِه، حِصَّةً مفروضةٌ واجبةٌ، معلومةٌ مؤقتةٌ.
وذُكِرَ أن هذه الآيةَ نزَلت مِن أجلِ أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يُورِّثون (١) الذكورَ دونَ الإناثِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: كانوا لا يُورِّثون النساءَ، فنزَلت: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عِكرمةَ، قال: نزَلت في أمِّ كُجَّةَ (٣) وابنةِ أُمِّ (٣) كُجَّةَ (٤) وثعلبةَ وأوسِ بن ثابتٍ (٥)، وهم مِن الأنصارِ.
كان أحدُهم زوجَها والآخرُ عمَّ ولدِها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، تُوفِّيَ زوجِى وتَرَكنِى وابنتَه، فلم نُورَّثْ (٦)!
فقال عمُّ ولدِها: يا رسولَ اللهِ، ولدُها (٧) لا يركبُ فرسًا، ولا يحْمِلُ كلًّا، ولا يَنْكَأُ (٨) عدوًّا، يُكْسبُ عليها (٩) ولا تَكْتَسِبُ!
فنَزَلت: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
قال: كان النساءُ لا يُوَرَّثْنَ في الجاهليةِ مِن الآباءِ، وكان الكبيرُ يَرِثُ، ولا يَرِثُ الصغيرُ وإن كان ذَكرًا، فقال اللهُ ﵎: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: ونُصِبَ قولُه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
وهو نعتٌ للنكرةِ، لخروجِه مخرجَ المصدرِ، كقولِ القائلِ: لك عليَّ حقٌّ واجبًا.
ولو كان مكانَ قولِه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ اسمٌ صحيحٌ لم يَجُزْ نَصْبُه، لا يُقالُ: لك عندى حقٌّ درهمًا.
فقولُه: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
كقولِه: نصيبًا فريضةً وفرضًا، كما يُقالُ: عندِى درهمٌ هبةً مقبوضةً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو مُحْكَمٌ أو مَنْسوخٌ؟
فقال بعضُهم: هو مُحْكَمٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مُحكمةٌ وليست منسوخةً.
يعنى قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ الآية (١).
[حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن الشيبانيِّ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه] (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا [ابن يمانٍ] (٣)، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: هي مُحْكَمةٌ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: واجبٌ ما طَابت به أنفسُ أهلِ الميراثِ (٤).
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.
قال: هي واجبةٌ على أهلِ الميراثِ، ما طابت به أنفسُهم.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: هي مُحْكمةٌ، ليست بمنسوخةٍ (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عبدِ الرحمنِ، عن سفيانَ، وحدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: هي واجبةٌ على أهلِ الميراثِ ما طابت به أنفسُهم (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ أنه سُئِلَ عن قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
فقال سعيدٌ: هذه الآيةُ يَتَهاونُ بها الناسُ.
قال: وهما وَليَّانِ: أحدُهما يَرِثُ، والآخرُ لا يَرِثُ، والذي يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يَرْزُقَهم (٢) - قال: يُعْطِيهم - قال: والذي لا يَرِثُ هو الذي أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا، وهى مُحْكَمةٌ وليست بمنسوخةٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مُغِيرةُ، عن إبراهيمَ بنحوِ ذلك، وقال: هي مُحْكمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مَطَرٍ (٥)، عن الحسنِ، قال: هي ثابتةٌ، ولكنَّ الناسَ بَخِلوا وشَحُّوا (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مَنْصورٌ، عن (١) الحسنِ، قال (٢): هي مُحْكَمةٌ، وليست بمنسوخةٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا عبادُ بنُ العوَّامِ، عن الحجاجِ، عن الحكمِ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي قائمةٌ يُعْمَلُ بها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: ما طابت به الأنفسُ حقًّا واجبًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسنِ والزهريِّ، قالا في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
قالا (٥): هي مُحْكمةٌ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا منصورٌ، عن قتادةَ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، قال: ثلاثُ آياتٍ مُحْكماتٍ مدنياتٍ ترَكهن الناسُ: هذه الآيةُ، وآيةُ الاسْتِئذانِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٥٨].
وهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ (٧) [الحجرات: ١٣].
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: هي ثابتةٌ.
وقال آخرون: منسوخةٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ ومحمدُ بنُ المُثنى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.
قال: كانت هذه الآيةُ قِسمةً قبلَ المواريثِ، فلما أنزَل اللهُ المواريثَ لأهلِها جُعِلَتِ الوصيةُ لذَوِى القَرابةِ الذين يَحزنون ولا يَرِثون.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن قتادةَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.
قال: هي منسوخةٌ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: كانت هذه قبلَ الفرائضِ وقِسمةِ الميراثِ (١)، فلما كانت الفرائضُ والمواريثُ نُسِخَتْ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: نَسَختها آيةُ الميراثِ (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا الأشجعيُّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي مالكٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الآية إلى قولِه: ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وذلك قبلَ أن تَنْزِلَ الفرائضُ، فأنزل اللهُ ﵎ بعدَ ذلك الفرائضَ، فأعْطَى كلَّ ذى حقٍّ حقَّه، فجُعِلت الصدقةُ فيما سمَّى المُتوفَّى (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا جُوبيرٌ، عن الضحّاكِ، قال: نسَختها المواريثُ (٢).
وقال آخرون: هي محكمةٌ وليست بمنسوخةٍ، غيرَ أن معنى ذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ يَعْنِى بها قِسْمَةَ المَيِّتِ مالَه بوصيتِه لمَن كان يُوصِى له به.
قالوا: وأُمِرَ بأن يَجْعَلَ وصيتَه في مالِه لمَن سمَّاه اللهُ تعالى في هذه الآيةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [سعيدُ بنُ يحيى] (٣) الأُمَوِيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن أبى مُلَيكةَ، عن القاسمِ بن محمدٍ أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ قسَم ميراثَ أبيه وعائشةُ حيةٌ، فلم يَدَعْ في الدارِ أحدًا إلا أعطاه، وتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
قال القاسمُ: فذَكَرتُ ذلك لابنِ عباسٍ، فقال: ما أصاب، إنما هذه الوصيةُ، يريدُ المَيِّتَ أن يُوصِىَ لقرابتِه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني ابن أبى مُليكةَ، أن القاسمَ بنَ محمدٍ أخبره أن عبدَ اللهِ بنَ عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ قسَم، فذكَر نحوَه (١).
حدَّثنا عِمرانُ بنُ موسى القَزّازُ (٢)، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.
قال: أُمِرَ أن يُوصِىَ بثُلُثِه في قرابتِه (٣).
حدَّثنا [ابن المثنَّى] (٤)، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ، قال: إنما ذلك عندَ الوصيةِ في ثُلُثِه (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن سعيدِ بن المُسيبِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
قال: هي الوصيةُ مِن الناسِ (٣).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾.
قال: القسمةُ الوصيةُ، كان الرجلُ إذا أَوْصَى قالوا: فلانٌ يَقْسِمُ مالَه.
فقال: ارْزُقوهم منه.
يقولُ: أَوْصُوا لهم.
يقولُ للذى يُوصِى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
إن لم تُوصُوا لهم، فقولوا لهم خيرًا (١).
قال أبو جعفرٍ: وأوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ مَن قال: هذه الآيةُ مُحكَمةٌ غيرُ منسوخةٍ، وإنما عنَى بها الوصيةَ لأُولِى قُرْبَى المُوصِى، وعنى باليتامى والمساكينِ أن يُقالَ لهم قولٌ معروفٌ.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحةِ مِن غيرِه؛ لما قد بينَّا في غيرِ موضعٍ مِن كتابِنا هذا وغيرِه (٢) أن شيئًا مِن أحكامِ اللهِ ﵎ التي أثْبَتها في كتابِه، أو بَيَّنها على لسانِ رسولِه ﷺ، غيرُ جائزٍ فيه أن يُقالَ له: ناسخٌ لحكمٍ آخرَ.
أو: منسوخٌ لحكمٍ آخرَ.
إلا والحُكمان اللذان قُضِىَ لأحدِهما بأنه ناسخٌ والآخرُ بأنه منسوخٌ، نافٍ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، غيرُ جائزٍ اجتماعُ الحُكْمِ بهما في وقتٍ واحدٍ، بوجهٍ مِن الوجوهِ، وإن كان جائزًا صرفُه إلى غيرِ النسخِ، أو يقومَ بأن أحدَهما ناسخٌ والآخرَ منسوخٌ (٣) - حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها.
وإذ كان ذلك كذلك؛ لما قد دلَّلنا في غيرِ موضعٍ - وكان قولُه تعالى ذِكْرُه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
مُحْتمِلًا أن يكونَ مرادًا به: وإذا حضَر قسمةَ مالِ قاسمٍ مالَه بوصيةٍ، أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، فارزقوهم منه.
يُرادُ به (٤): فأَوْصوا لأُولِى قرابتِكم الذين لا يرِثونكم منه، وقولوا لليتامى والمساكينِ قولًا معروفًا.
كما قال في موضعٍ آخرَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
ولا يكونُ منسوخًا بآيةِ الميراثِ - لم يَكُنْ لأحدٍ صرفُه إلى أنه منسوخٌ بآيةِ الميراثِ، إذ كان لا دَلالةَ على أنه منسوخٌ بها مِن كتابٍ أو سنةٍ ثابتةٍ، وهو مُحْتَمِلٌ مِن التأويلِ ما بَيَّنا.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾.
قِسْمةَ الموصِى مالَه بالوصيةِ أولو قرابتِه واليتامى والمساكينُ، ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
يقول: فاقسِموا لهم منه بالوصيةِ.
يعنى: فأَوْصوا لأُولِى القُرْبَى مِن أموالِكم، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ﴾.
يعنى الآخرين، وهم اليتامى والمساكينُ، ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
يعنى: يُدْعَى لهم بخيرٍ، كما قال ابن عباسٍ وسائرُ مَن ذكَرنا قولَه قبلُ.
وأما الذين قالوا: إن الآيةَ منسوخةٌ بآيةِ المواريثِ.
والذين قالوا: هي مُحْكمةٌ، والمأمورُ بها ورثةُ المَيِّتِ.
فإنهم وَجَّهوا قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
[يقولُ: فأعطوهم منه] (١) وقولوا لهم قولًا معروفًا.
وقد ذكَرنا بعضَ مَن قال ذلك، وسنذكُرُ بقيةَ مَن قال ذلك ممن لم نَذْكُرْه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: أمَر اللهُ جل ثناؤه المؤمنين عندَ قسمةِ مواريثِهم أن يَصِلوا أرحامَهم ويتاماهم مِن الوصيةِ إن كان أَوْصَى، وإن لم تَكُنْ وصيةٌ، وصَل إليهم مِن مواريثِهم (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾.
الآية.
يعنى: عندَ قسمةِ الميراثِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، أن أباه أعطاه مِن ميراثِ المُصْعَبِ حينَ قسَم مالَه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا عوفٌ، عن ابن سيرينَ، قال: كانوا يَرْضَخُون لهم عندَ القِسْمةِ (٣).
حدَّثنا بِشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مطرٍ، عن الحسنِ، عن حِطَّانَ، أن أبا موسى أمَر أن يُعْطَوا إذا حضَر قِسْمةَ الميراثِ أولو القُرْبَى واليتامى والمساكينُ والجيرانُ مِن الفقراءِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وابنُ أبى عديٍّ ومحمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيِّ، قال: قسَم أبو موسى بهذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ ويحيى بنُ سعيدٍ، عن شُعْبةَ، عن قتادةَ، عن يونسَ بن جُبَيرٍ، عن حِطَّانَ، عن أبي موسى في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية.
قال: قضَى بها أبو موسى.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن العلاءِ بن بَدْرٍ في الميراثِ إذا قُسِم، قال: كانوا يُعْطُون منه التابوتَ والشئَ الذي يُسْتَحيا مِن قِسْمتِه (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذاك عندَ قسمةِ الميراثِ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن أبي العاليةِ والحسنِ، قالا: يَرْضَخون ويقولون قولًا معروفًا.
في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ (٣).
ثم اخْتَلف الذين قالوا: هذه الآيةُ مُحْكَمةٌ، وإن القسمةَ لأولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ واجبةٌ على أهل الميراثِ، إن كان بعضُ أهلِ الميراثِ صغيرًا فقسَم عليه الميراثَ وليُّ مالِه؛ فقال بعضُهم: ليس لوليِّ مالِه أن يَقْسِمَ مِن مالِه ووصيتِه (١) شيئًا؛ لأنه لا يَمْلِكُ مِن المالِ شيئًا، ولكنه يقولُ لهم قولًا معروفًا.
قالوا: والذي أمَره اللهُ بأن يقولَ لهم قولًا (٢) معروفًا، هو وليُّ مالِ اليتيمِ إذا قسَم مالَ اليتيمِ بينَه وبينَ شُرَكاءِ اليتيمِ، إلا أن يكونَ وليُّ مالِه أحدَ الورثةِ، فيُعْطِيَهم مِن نصيبِه، ويُعْطِيَهم مَن يجوزُ أمرُه في مالِه مِن أنصبائِهم.
قالوا: فأما مِن مالِ الصغيرِ [الذي يُوَلَّى على] (٣) مالِه، فلا يجوزُ لوليِّ مالِه أن يُعْطِيهَم منه شيئًا.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن أبى سعيدٍ، قال: سألت سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
قال: إن كان المَيِّتُ أَوْصَى لهم بشيءٍ أُنْفِذَتْ لهم وَصيتُهم، وإن كان (٤) الورثةُ كبارًا رَضَخُوا لهم، وإن كانوا صغارًا، قال وليُّهم: إنى لست أمْلِكُ هذا المالَ، وليس لى، وإنما هو للصغارِ، فذلك قولُه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: هما وَليَّان: وليُّ يَرِثُ، ووليٌّ لا يَرِثُ، فأما الذي يَرِثُ فيُعْطَى، وأما الذي لا يَرِثُ، فقولوا له قولًا معروفًا (١).
حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ (٢)، عن الحسنِ وسعيدِ بن جبيرٍ، كانا يقولان: ذلك عندَ قِسمةِ الميراثِ؛ إن كان الميراثُ لمَن قد أدرَك، فله أن يكسُوَ منه، وأن يُطْعِمَ الفقراءَ والمساكينَ، وإن كان الميراثُ ليتامى صغارٍ، فيقولُ الوليُّ: إنه لِيتامى صغارٍ.
ويقولُ لهم قولًا معروفًا (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن أبي سعيدٍ (٤)، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: إن كانوا كبارًا رَضَخُوا، وإن كانوا صغارًا اعْتَذَروا إليهم.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن سليمانَ الشيبانيِّ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾.
قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا وَلِىَ شيئًا مِن ذلك يَرْضَخُ لأقرباءِ الميتِ، وإن لم يَفْعَلْ اعْتَذَر إليهم، وقال لهم قولًا معروفًا (٥).
حدَّثنا محمدُ (٦) بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
هذه تكونُ على ثلاثةِ أوجهٍ: أمَّا وجهٌ (٧) فيُوصِى لهم وصيةً، فيَحْضُرون ويأخذون وَصِيتَهم.
وأما الثاني: فإنهم يَحْضُرون فيَقْتَسِمون إذا كانوا رجالًا، فيَنْبغِى لهم أن يُعطوهم.
وأما الثالثُ: فتكونُ الورثةُ صغارًا، فيقومُ وَلِيُّهم إذا قسَم بينَهم، فيقولُ للذين حضروا: حَقُّكم حقٌّ، وقرابتُكم قرابةٌ، ولو كان لى في الميراثِ نصيبٌ لأعْطَيتُكم، ولكنهم (١) صِغارٌ، فإِن [يَكْبَروا فسيعرِفون] (٢) حَقَّكم.
فهذا القولُ المعروفُ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدٍ أنه قال: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: إذا كان الوارثُ عندَ القسمةِ، فكان الإناءُ والشئُ الذي لا يُستطاعُ أن يُقْسَمَ، فليَرْضَخْ لهم، وإن كان الميراثُ لليتامى، فلْيقلْ لهم قولا معروفًا.
وقال آخرون منهم: ذلك واجبٌ في أموالِ الصغارِ والكبارِ لأُولِى القُربى واليتامى والمساكينِ، فإن كان الورثةُ كِبارًا تَوَلَّوا عندَ القِسمةِ إعطاءَهم ذلك، وإن كانوا صِغارًا تَولَّى إعطاءَ ذلك منهم وليُّ مالِهم.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
فحدَّث عن محمدٍ، عن عَبِيدةَ أنه وَلِىَ وصيةً، فأمَر بشاةٍ فذُبِحت، وصنَع طعامًا لأهلِ (٤) هذه الآيةِ، وقال: لولا هذه الآيةُ لكان هذا مِن مالى.
قال (١): وقال الحسنُ: لم تُنْسَخْ، كانوا يَحْضُرون فيُعْطُون الشئَ والثوبَ الخَلِقَ.
قال يونسُ: إن محمدَ بنَ سيرينَ وَلِىَ وصيةً - أو قال: أيتامًا - فأمر بشاةٍ فذُبِحت، فصنَع طعامًا كما صنَع عَبِيدةُ (٢).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرنا هشامُ بنُ حسانَ، عن محمدٍ، أن عَبِيدةَ قسَم ميراثَ أيتامٍ، فأمر بشاةٍ فاشْتُريت مِن مالِهم، وبطعامٍ فصُنِعَ، وقال: لولا هذه الآيةُ لأحببتُ أن يكونَ مِن مالى.
ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الآية (٣).
فكأن مَن ذهَب مِن القائلين القولَ الذي ذكَرناه عن ابن عباسٍ وسعيدِ بن جبيرٍ، ومَن قال: يَرْضَخُ عندَ قِسْمةِ الميراثِ لأُولِى القُرْبَى واليتامى والمساكينِ.
تَأوَّل قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَعْطُوهم منه.
وكأن الذين ذهَبوا إلى ما قال عَبِيدةُ وابنُ سيرينَ تأوَّلوا قولَه: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾: فأَطْعموهم منه.
واخْتَلفوا في تأويلِ قولِه: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو أمرٌ مِن اللهِ تعالى ذِكْرُه ولاةَ اليتامى أن يقولوا لأولِى قرابتِهم ولليتامى والمساكينِ إذا حَضَروا قِسْمَتَهم مالَ مَن وَلُوا عليه مالَه مِن الأموالِ بينَهم وبينَ شركائِهم مِن الورثةِ فيها، أن يَعْتذِروا إليهم، على نحو ما قد ذكرناه فيما مضَى مِن (١) الاعتذارِ.
كما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾.
قال: هو الذي لا يَرثُ، أُمِرَ أن يقولَ لهم قولًا معروفًا.
قال: يقولُ: إن هذا المالَ لقومٍ غَيَبٍ، أو ليتامى صغارٍ، ولكم فيه حقٌّ، ولسنا نَمْلِكُ أن نُعْطِيَكم منه شيئًا.
قال: فهذا القولُ المعروفُ.
وقال آخرون: بل المأمورُ بالقولِ المعروفِ الذي أمَر جل ثناؤُه أن يُقالَ له، هو الرجلُ الذي يُوصِى في مالِه، والقولُ المعروفُ هو الدعاءُ لهم بالرزقِ والغِنَى وما أَشْبَهَ ذلك مِن قولِ الخيرِ.
وقد ذكَرنا قائلى ذلك أيضًا فيما مضَى (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ﴿وَلْيَخْشَ﴾: ليَخَفِ الذين يَحضُرون موصيًا يُوصِى في مالِه أن يَأْمُرَه بتفريقِ مالِه وصيةً به في من لا يَرِثُه، ولكن ليَأْمُرُه أَن يُبْقِىَ مالَه لولدِه، كما لو كان هو الموصِيَ، يَسُرُّه أَن يحثَّه مَن يحضُرُه على حفظِ مالِه لولده، وألا يَدَعَهم عالةً مع ضعفهم وعجزِهم عن التصرفِ والاحتيالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ ابن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخرِ الآية: فهذا في الرجل يحضُرُه الموتُ، فيسمَعُه يُوصِى بوصيةٍ تضرُّ بورثتِه، فأمَر اللَّهِ سبحانَه الذي يسمَعُه أن يتقىَ اللَّهَ ويُوفِّقَه ويُسَدِّدَه للصوابِ، وليَنْظُرْ لورثتِه كما كان يُحِبُّ أن يصنَعَ لورثتِه إذا خَشِيَ عليهم الضَّيْعةَ (١).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى الذي يَحْضُرُه الموتُ، فيقال له: تَصَدَّقْ مِن مالِك، وأَعْتِقْ وأَعْطِ منه في سبيلِ اللَّهِ.
فنُهوا أن يَأْمُروه بذلك، يعنى أن مَن حضَر منكم مريضًا عندَ الموتِ، فلا يَأْمُرُه أَن يُنْفِقَ مالَه في العتقِ، أو الصدقةِ، أو في سبيلِ اللَّهِ، ولكن يَأْمُرُه أن يُبَيِّنَ مالَه وما عليه مِن دَيْنٍ، ويُوصِيَ في مالِه لذَوِى قرابتِه الذين لا يَرِثون، ويُوصِيَ لهم بالخُمُسِ أو الرُّبُعِ، يقولُ: أليس يَكْرَهُ (٢) أحدُكم إذا مات وله وَلَدٌ ضعافٌ - يعنى: صغارٌ - أن يَتْرُكَهم بغيرِ مالٍ، فيكونوا عِيالًا على الناسِ، فلا يَنبَغِى أن تَأْمُروه بما لا تَرْضَوْن به لأنفسِكم ولا أولادِكم، ولكن قولوا الحَقَّ مِن ذلك (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾.
قال: يقولُ: مَن حضَر ميِّتًا فَلْيَأْمُرْه بالعدلِ والإحسانِ، وَليَنْهَه عن الحَيْفِ والجَورِ في وصيَّتِهِ، وَلْيَخْشَ على عِيالِه ما كان خائفًا على عيالِه لو نزَل به الموتُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾.
قال: إذا حضَرتَ وصيةَ ميِّتٍ، فمُرْه بما كنتَ آمِرًا نفسَك بما تَتَقَرَّبُ به إلى اللَّهِ، وخَفْ في ذلك ما كنتَ خائفًا على ضَعَفةٍ (١) لو تركتَهم بعدَك.
يقول: فاتَّقِ اللَّهِ وقل قولًا سديدًا إن هو زاغ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا: ثنا أسباطُ، عن السُدِّيِّ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: الرجلُ يحضُرُه الموتُ، فيحضُرُه القومُ عندَ الوصيَّةِ، فلا ينبغى لهم أن يقولوا له: أوص بمالِك كلِّه، وقدِّمْ لنفسِك، فإن اللَّهَ سيرزقُ عيالَك.
ولا يترُكوه يُوصِي بمالِه كلِّه، يقولُ للذين حضَروا: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.
فيقولُ: كما يخافُ أحدُكم على عيالِه لو مات - إنْ يَتْركْهم صِغارًا ضعافًا، لا شيءَ لهم - الضيعةَ بعدَه، فَلْيَخَفْ ذلك على عيالِ أخيه المسلمِ، فيقولَ له القولَ السديدَ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: ذهَبتُ أنا والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ (١) إلى سعيدِ بن جُبيرٍ، فسألناه عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية.
قال: قال: الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتَّقِ اللَّهَ، صِلْهم، أَعْطِهم، بِرَّهم.
ولو كانوا هم الذين يأمُرُهم بالوصيَّةِ، لأحَبُّوا أن يُبْقُوا لأولادِهم (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾.
قال: يَحْضُرُهم اليتامى فيقولون: اتقِ اللَّهِ وصِلْهم وأَعْطِهم.
فلو كانوا هم لأَحَبُّوا أن يُبْقوا لأولادِهم (٣).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية.
يقولُ: إذا حضَر أحدُكم مَن حضَره الموتُ عندَ وصيَّتِه، فلا يقلُ: أَعْتِقْ مِن مالِك، وتَصَدَّقْ.
فيُفَرِّقَ مالَه، ويَدَعَ أهلَه عُيَّلًا، ولكن مُرُوه فَلْيَكْتُبُ مَا لَهُ مِن دَينٍ وما عليه، ويجعَلْ مِن مالِه لذَوِي قرابته خُمُسَ مالِه، ويَدَعْ سائرَه لورثتِه (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
قال: هذا يُفَرِّقُ المالَ حين يُقَسِّمُ، فيقولُ الذين يَحْضُرون: أقللتَ، زِدْ فلانًا.
فيقولُ اللَّهُ تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
فَلْيَخْشَ أولئك، وليقولوا فيهم مثلَ ما يُحِبُّ أحدهم أن يقالَ في ولدِه بالعدلِ إذا أكْثَر: أبقِ على ولدِك (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وَلْيَخْشَ الذين يَحْضُرون المُوصِىَ وهو يُوصِى - - الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذُرِّيَّةٌ ضعافًا، فخافوا عليهم الضيعةَ مِن ضعفِهم وطفولتِهم - أن يَنْهَوْه عن الوصيةِ لأقربائِه، وأن يَأْمُروه بإمساكِ مالِه، والتحفُّظِ به لولدِه، وهم لو كانوا مِن أقرباءِ المُوصِى، لسرَّهم أن يُوصِيَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، قال: ذهبتُ أنا والحكمُ بنُ عُتَيْبَةَ (٢)، فأتيْنا مِقْسَمًا، فسألناه - يعنى عن قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ الآية - فقال: ما قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ؟
فقلنا: كذا وكذا.
فقال: ولكنه الرجلُ يَحْضُرُه الموتُ، فيقولُ له مَن يَحْضُرُه: اتق اللَّهِ وأَمْسِكْ عليك مالَك، فليس أحدٌ أحقَّ بمالِك مِن ولدِك.
ولو كان الذي يُوصِى ذا قرابةٍ لهم، لأحَبُّوا أن يُوصِىَ لهم (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا الثوريُّ، عن حبيبِ بن أبي ثابتٍ، قال: قال مِقْسَمٌ: هم الذين يقولون: اتقِ اللَّهَ وأَمْسِكْ عليك مالَك.
فلو كان ذا قرابةٍ لهم لأَحبُّوا أن يُوصِيَ لهم (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، قال: زعم حَضْرَميٌّ، وقرَأ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾.
قال: قالوا: حَقيقٌ أن يأمُرَ صاحبَ الوصيةِ بالوصيةِ لأهلِها، كما أن لو كانت ذُرِّيَّةُ نفسِه بتلك المنزلةِ، لأحبَّ أن يُوصِىَ لهم، وإن كان هو الوارثَ، فلا يَمْنَعْه ذلك أن يَأْمُرَه بالذي يَحِقُّ عليه، فإنَّ وَلَدَه لو كانوا بتلك المنزلةِ أحبَّ أن يُحَثَّ عليه، فَلْيَتَّقِ هو، [فَلْيَأْمُرْه] (١) بالوصيَّةِ وإن كان هو الوارثَ.
أو نحوًا من ذلك (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك أمرٌ مِن اللَّهِ ولاةَ اليتامى أن يَلُوهم بالإحسانِ إليهم في أنفسِهم وأموالِهم، ولا يأكُلوا أموالَهم إسرافًا وبِدارًا أن يَكْبَروا، وأن يكونوا لهم كما يُحِبُّون أن يكونَ وَلاهُ وَلَدِه الصغارِ بعدَهم لهم بالإحسانِ إليهم، لو كانوا هم الذين ماتوا وترَكوا أولادَهم يتامى صغارًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾: يعنى بذلك الرجلَ يموتُ وله أولاد صغار ضعاف، يخافُ عليهم العَيْلةَ والضَّيعةَ، ويخافُ بعده ألا يُحْسِنَ إليهم مَن يَليهم، يقولُ: فإِن وَلِى مثل ذُرِّيَّتِه ضعافًا يتامى، فَلْيُحْسِن إليهم، ولا يأكلْ أموالهم إسرافًا وبدارًا خشيةَ أن يَكْبَروا، فَلْيَتَّقوا اللَّهَ وَلْيَقُولوا قولًا سديدًا (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾: يَكْفِهم اللَّهُ أمرَ ذُرِّيتهم بعدَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عطيةَ بن رُدَيحِ (١) بن عطيةَ، قال: ثني عمى محمدُ بنُ رُدَيحٍ (١)، عن أبيه، عن السَّيْبانيِّ (٢)، قال: كنا بالقُسْطَنْطِينِيَّةِ أَيامَ مَسْلَمَةَ بن عبدِ الملكِ، وفينا ابن مُحَيْرِيزٍ وابنُ الدَّيْلَميِّ وهانئُ بنُ كُلْثُومٍ، قال: فجَعَلْنَا نَتَذَاكَرُ ما يكونُ في آخرِ الزمانِ، قال: فضِقْتُ ذَرْعًا بما سمِعتُ.
قال: فقلتُ لابنِ الدَّيْلَميِّ: يا أبا بشرٍ، بودِّى أنه لا يُولَدُ لى ولدٌ أبدًا.
قال: فضرَب بيده على مَنْكِبي، وقال: يابنَ أخى لا تَفْعَلْ، فإنه ليست مِن نَسَمَةٍ كتَب اللَّهِ لها أن تَخْرُجَ مِن صُلْبِ رجلٍ إلا وهى خارجةٌ، إن شاء وإن أبَى.
قال: ألا أَدُلُّك على أمرٍ إن أنت أدْرَكته نجَّاك اللَّهُ منه، وإن ترَكتَ ولدَك مِن بعدِك حفِظهم اللَّهُ فيك؟
قال: قلتُ: بلى.
قال: فتلا عندَ ذلك هذه الآيةَ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ قولُ مَن قال: تأويلُ ذلك: وَلْيَخْشَ الذين لو ترَكوا مِن خلفِهم ذريةً ضعافًا خافوا عليهم العَيْلَةَ، لو كانوا فرَّقوا أموالَهم في حياتِهم، أو قَسَّموها وصيةً منهم بها لأُولى قرابتِهم وأهلِ اليُتمِ والمسكنةِ، فأَبْقَوْا أموالَهم لولدِهم؛ خشيةَ العَيْلةِ عليهم بعدَهم، معَ ضعفِهم وعجزِهم عن المطالبِ، فَلْيَأْمُرُوا مَن حضَروه وهو يُوصِى لذَوِى قرابتِه، وفي اليتامى والمساكينِ، وفي غيرِ ذلك - بمالِه بالعدل، وَلْيَتَّقوا اللَّهَ وليقولوا قولًا سديدًا، وهو أن يُعَرِّفوه ما أباح اللَّهُ له مِن الوصيةِ، وما اختاره للمُوصِين (١) مِن أهلِ الإيمانِ باللَّهِ وبكتابِه وسُنَّتِه.
وإنما قلنا: ذلك بتأويلِ الآيةِ أَوْلَى مِن غيرِه من التأويلاتِ؛ لِما قد ذكَرنا فيما مضَى قبلُ مِن أن معنى قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾: وإذا حضر الوصيَّةَ (٢) أولو القربى واليتامى والمساكينُ فأوصوا لهم - بما قد دَلَّلنا عليه مِن الأدلةِ.
فإذ كان ذلك تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآية.
فالواجبُ أن يكونَ قولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
تأديبًا منه عبادَه في أمرِ الوصيةِ بما أذِنهم فيه، إذ كان ذلك عَقِيبَ الآيةِ التي قبلَها في حكمِ الوصيةِ، وكان أظهر معانيه ما قلنا، فإلحاقُ حكمِه بحكمِ ما قبلَه أولى، مع اشتباهِ معانيهما، مِن صرفِ حكمِه إلى غيرِه بما هو له غيرُ مُشْبِهٍ.
وبمعنى ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
قال مَن ذكَرنا قولَه في مُبْتَدأِ تأويلِ هذه الآيةِ، وبه كان ابن زيدٍ يقولُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.
قال: يقولُ قولًا سديدًا، يَذْكُرُ هذا المسكينَ ويَنْفَعُه، ولا يُجْحِفُ بهذا اليتيمِ وارثِ المؤدِّي ولا يُضِرُّ به؛ لأنه صغيرٌ لا يَدْفَعُ عن نفسِه، فانْظُرْ له كما يُنْظَرُ لوَلَدِك لو كانوا صغارًا.
والسديدُ مِن الكلامِ هو العدلُ والصوابُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾.
يقولُ: بغيرِ حقٍّ.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ يومَ القيامةِ، بأكلِهم أموالَ اليتامى ظلمًا في الدنيا، نارَ جَهَنَّمَ، ﴿وَسَيَصْلَوْنَ﴾ بأكلهم ﴿سَعِيرًا﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.
قال: إذا قام الرجلُ يأكلُ مالَ اليتيمِ ظلمًا، يُبْعَثُ يومَ القيامةِ ولهبُ النارِ يخرُجُ مِن فيه ومِن مسامعِه ومِن أُذُنَيه وأنفِه وعينَيْهِ، يَعْرِفُه مَن رآه بأْكلِ (١) مالِ اليتيمِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، قال: أخبرَني أبو هارونَ العَبْدِيُّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: حدَّثنا النبيُّ ﷺ عن ليلةِ أُسْرِى به، قال: "نظَرتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافِرُ كمشافِرِ الإِبلِ، وقد وُكِّل بهم مَن يأخُذُ بمشافرِهم، ثم يجعَلُ في أفواهِهم صخرًا من نارٍ يخرُجُ مِن أسافِلِهم.
قلتُ: يا جبريلُ، مَن هؤلاء؟
قال: هؤلاء الذين يَأْكُلون أموالَ اليتامى ظُلمًا إنما يأكَلون في بطونِهم نارًا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
قال: قال أبي: إن هذه لأهلِ الشرْكِ حين كانوا لا يُوَرِّثُونهم ويأكُلون أموالَهم (١).
وأمَّا قولُه: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
فإنه مأخوذٌ من الصَّلا، والصَّلا: الاصْطِلاءُ بالنارِ، وذلك التسخُّنُ بها، كما قال الفَرَزْدَقُ (٢): وقاتَلَ كَلْبُ الحَيِّ عن نارِ أهْلِهِ … ليَرْبضَ فيها والصَّلا مُتَكَنَّفُ وكما قال العَجَّاجُ (٣): وَصَالِيَاتٌ (٤) للصَّلا صُلِيُّ ثم اسْتُعْمِل ذلك في كلِّ مَن باشَر بيدِه أمرًا مِن الأمورِ، مِن حربٍ أو قتالٍ أو خصومةٍ أو غيرِ ذلك، كما قال الشاعرُ (٥): لم أَكُنْ مِن جُنَاتِها علِم اللَّهُ … وإنِّي بحرِّها اليومَ صالِي فجعَل ما باشر مِن شدَّةِ الحربِ وأَذَى (٦) القتال بمنزلةِ مباشرةِ أذى النارِ وحرِّها.
واختلفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، بفتحِ الياءِ (٧)، على التأويلِ الذي قلناه.
وقرَأ ذلك بعضُ المكيِّين وبعضُ الكوفيِّين: (وَسَيُصْلَوْنَ سَعِيرًا).
بضمِّ الياءِ (١)، بمعنى: يُحْرَقُون.
مِن قولِهم: شاةٌ مَصْلِيَّةٌ.
يعنى: مشويةٌ.
قال أبو جعفرٍ: والفتحُ بذلك أَوْلَى مِن الضمِّ؛ لإجماعِ جميعِ القَرَأَةِ على فتحِ الياءِ مِن قولِه: ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥].
ولدلالةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣] علَى أن الفتحَ بها أولى من الضمِّ.
وأما السعيرُ، فإنه شدَّةُ حرِّ جهنَّمَ، ومنه قيل: اسْتَعرت الحربُ: إذا اشتدَّتْ.
وإنما هو "مسعور"، ثم صُرِف إلى "سَعِير"، كما (٢) قيل: كفٌّ خَضِيبٌ، ولحيةٌ دَهِينٌ.
وإنما هي مخضوبةٌ صُرِفت إلى "فَعِيل".
فتأويلُ الكلامِ إذن: وسَيَصْلَوْن نارًا مُسْعَرَةً، أي: موقودةً مُشْعَلةٌ، شديدًا حرُّها.
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢].
فوصَفها بأنها مسعورةٌ.
ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن أكَلَةَ أموالِ اليتامى يَصْلونها وهي كذلك، فالسعيرُ إذن في هذا الموضعِ صفةٌ للجحيمِ على ما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾: يَعْهَدُ اللَّهِ إليكم ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
يقولُ يَعْهَدُ إليكم ربُّكم إذا مات الميِّتُ منكم، وخلَّف أولادًا ذكورًا وإناثًا، فلوَلَدِه الذكورِ والإناثِ ميراثُه أجمعُ بينَهم، للذكَرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين، إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، سواءٌ فيه صغارُ وَلدِه وكبارُهم (١) وإناثُهم، في أن جميعَ ذلك بينَهم، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين.
ورُفِع قولُه: ﴿مِثْلُ﴾.
بالصفةِ، وهى اللامُ التي في قولِه: ﴿لِلذَّكَرِ﴾.
ولم يُنْصَبْ بقولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
لأن الوصيةَ في هذا الموضعِ عهدٌ وإعلامٌ بمعنى القولِ، والقولُ لا يَقَعُ على الأسماءِ المُخْبَرِ عنها، فكأنه قيل: يقولُ اللَّهُ ﵎: لكم في أولادِكم للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأُنثيين.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت على النبيِّ ﷺ تبيينًا مِن اللَّهِ الواجبَ مِن الحكمِ في ميراثِ (٢) مَن مات وخلَّف ورثةً، على ما بيَّن؛ لأن أهلَ الجاهليةِ كانوا لا يَقْسِمون مِن ميراثِ الميتِ لأحدٍ من ورثتِه بعدَه، ممن كان لا يُلاقى العَدُوَّ، ولا يُقاتِلُ في الحروبِ مِن صغارِ ولدِه، ولا للنساءِ منهم، وكانوا يَخُصُّون بذلك المُقاتِلَةَ دونَ الذُّرِّيَّةِ، فأخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أن ما خلَّفه الميتُ بين مَن سَمَّى وفرَض له ميراثًا في هذه الآيةِ وفي آخرِ هذه السورةِ، فقال في صغارِ وَلَدِ الميتِ وكبارِهم وإناثِهم: لهم ميراثُ أبيهم إذا لم يكنْ له وارثٌ غيرُهم، للذكرِ منهم مثْل حظِّ الأنثيين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون الجوارىَ ولا الضعفاءَ (١) من الغِلْمانِ، لا يَرِثُ الرجلَ مِن وَلدِه إلا مَن أطاق القتالَ، فمات عبدُ الرحمنِ أخو حسَّانَ الشاعرِ (٢)، وترَك امرأةً يُقالُ لها: أمُّ كُجَّةَ (٣)، وترَك خمسَ أخواتٍ (٤)، فجاءت الورثةُ يأخذون مالَه، فشكَت أمُّ كُجَّةَ (٣) ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فأنْزَل اللَّهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
ثم قال في أُمِّ كُجَّةَ: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾: وذلك أنه لمَّا نزَلت الفرائضُ التي فرَض اللَّهُ فيها ما فرَض للولدِ الذكرِ والأنثى والأبوين، كرِهها الناسُ أو بعضُهم، وقالوا: تُعْطَى المرأةُ الربعَ و (٦) الثمنَ، وتُعْطَى الابنةُ النصفَ، ويُعْطَى الغلامُ الصغيرُ، وليس مِن هؤلاء أحدٌ يُقاتِلُ القومَ، ولا يَحُوزُ الغنيمةَ!
اسْكُتوا عن هذا الحديثِ، لعلَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ ينساه، أو نقولُ له فيُغَيِّره.
فقال بعضُهم: يا رسولَ اللَّهِ، أَنُعْطِى الجاريةَ نصفَ ما ترَك أبوها وليست تَرْكَبُ الفرسَ ولا تُقاتِلُ القومَ!
ونُعْطِى الصبيَّ الميراثَ وليس يُغْنى شيئًا!
وكانوا يفعَلون ذلك في الجاهليةِ، لا يُعْطُون الميراثَ إلا مَن قاتَلَ، يُعْطُونه الأكبرَ فالأكبرَ (١).
وقال آخَرون: بل نزَل ذلك مِن أجلِ أن المالَ كان للولدِ قبلَ نزولِه، وللوالدينِ الوصيةُ، فنسَخ اللَّهِ ﵎ ذلك بهذه الآيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ أو عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
قال: كان المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذكرِ مثلَ حظِّ الأنثيين، وجعَل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السدسَ مع الولدِ، وللزوجِ الشَّطْرَ والربعَ، وللزوجةِ الربَع والثمنَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
قال: كان ابن عباسٍ يقولُ: كان المالُ، وكانتِ الوصيةُ للوالدينِ والأقربينَ، فنسَخ اللَّهُ ﵎ مِن ذلك ما أحبَّ، فجعَل للذَّكرِ مثلَ حظِّ الأنثيينِ.
ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله.
ورُوِى عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ ما حدَّثنا به محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وهبُ بنُ جرير، قال: ثنا شعبةُ، عن محمدِ بن المُنكَدِرِ، قال: سمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، قال: دخَل عليَّ رسولُ الله ﷺ وأنا مريضٌ، فتوضَّأ ونضَح عليَّ مِن وَضُوئِه، فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنما يَرِثُنى كَلالةٌ، فكيف بالميراثِ؟
فنزلت آيةُ الفرائضِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى محمدُ بنُ المُنكَدِرِ، عن جابرٍ، قال: عادني رسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكرٍ ﵁ في بني سِلمةَ يمشيان، فوَجَدانى لا أَعْقِلُ، فدعا بماءٍ (٢) فتوضَّأَ، ثم رشَّ عليَّ، فأفقْتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف أَصْنَعُ في مالى؟
فنزَلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾: [فإن كان المتروكاتُ] (٤) نساءً فوق اثنتين، ويعنى بقولِه: ﴿نِسَاءً﴾: بنات الميتِ ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.
يقولُ: أكثرَ في العددِ مِن اثنتين، ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾.
يقولُ: فلِبَناتِه الثُّلثان مما ترَك بعدَه مِن ميراثِه دونَ سائرِ ورثتِه، إذا لم يكن الميتُ خلَّف ولدًا ذكرًا معَهن.
واختلف أهلُ العربية في المعنى بقولِه: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ بنحوِ الذي قلنا: فإن كان المتروكاتُ نساءً.
وهو أيضًا قولُ بعضٍ نحويِّي الكوفةِ.
وقال آخَرون منهم: بل معنى ذلك: فإن كان الأولادُ نساءً.
وقالوا: إنما ذكَر اللَّهِ الأولادَ، فقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
ثم قسَم الوصيةَ، فقال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً﴾: وإن كان الأولادُ واحدةً (١).
ترجمةً منه بذلك عن "الأولادِ".
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأَوَّلُ الذي حكَيناه عمَّن حكَيْناه عنه مِن البصريِّين أَوْلَى بالصوابِ في ذلك عندى؛ لأن قولَه: وإن كُنَّ.
لو كان معنيًّا به الأولادُ، لقيل: وإن كانوا.
لأن الأولادَ تَجْمَعُ الذكورَ والإناثَ، وإذا كان كذلك، فإنما يقالُ: كانوا.
لا: كنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
يعنى بقولِه: وإن كانتِ المتروكةُ ابنةً واحدةً، ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾.
يقولُ: فلِتِلْك الواحدةِ نصفُ ما ترَك المَيِّتُ مِن ميراثِه، إذا لم يكنْ مَعها غيرُها مِن ولدِ الميتِ ذكرٌ ولا أنثى.
فإن قال قائلٌ: فهذا فرضُ الواحدةِ مِن النساءِ وما فوقَ الاثنتين، فأين فريضةُ الاثنتينِ؟
قيل: فريضتُهم بالسُّنَّةِ المنقولةِ نقْلَ الوِراثةِ التي لا يجوزُ فيها الشكُّ (٢).
وأما قولُه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ﴾.
فإنه يعنى: ولأَبَوَي الميت، ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ مِن تَرِكَتِه، وما خلَّف مِن مالِه سواءٌ فيه الوالدةُ والوالدُ، لا يَزْدَادُ واحدٌ منهما على السدسِ، ﴿إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾: ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً.
فإن قال قائلُ: فإن كان كذلك التأويلُ، فقد يَجِبُ ألا يُزَادَ الوالدُ معَ الابنةِ الواحدةِ على السدسِ مِن ميراثِه عن ولدِه الميتِ.
وذلك إن قلتَه، قولٌ خلافٌ لما عليه الأُمَّةُ مُجْمِعةٌ، مِن تصييرِهِم باقىَ تركةِ الميتِ مع الابنةِ الواحدةِ بعدَ أخذِها نصيبَها منها لوالدِه أجمعَ؟
قيل: ليس الأمرُ في ذلك كالذى ظننتَ، وإنما لكلِّ واحدٍ مِن أبويِ الميتِ السدسُ مِن تَرِكته مع ولدِه، ذكَرًا كان الولدُ أو أنثى، واحدًا كان أو جماعةً، فريضةً من اللَّهِ لهُ مُسَمَّاةً، فإمَّا (١) زِيدَ على ذلك مِن بقيةِ النصفِ مع الابنةِ الواحدةِ، إذا لم يكنْ غيرُه وغيرُ ابنةٍ للميتِ واحدةٍ، فإنما زِيدَها ثانيًا لقُربِ (٢) عَصَبَةِ الميتِ إليه، إذ كان حكمُ كلِّ ما أبقَتْه سهامُ الفرائضِ فلأَوْلى عصَبةِ الميتِ، وأقربِهِم إليه بحكمِ ذلك لها على لسانِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٣)، وكان الأبُ أقربَ عصبةِ ابنِه وأولاها به، إذا لم يكنْ لابنِه الميتِ ابنٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ﴾: فإن لم يكنْ للميتِ ﴿وَلَدٌ﴾ ذكرٌ ولا أنثى، ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ دونَ غيرِهما من ولدٍ وارثٍ، ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾.
يقولُ: فلأُمِّه مِن تَرِكَتِه وما خلَّف بعدَه، ثلثُ جميعِ ذلك.
فإن قال قائلٌ: فمَن الذي له الثُّلُثَانِ الآخَرانِ؟
قيل له: الأبُ.
فإن قال: بماذا؟
قلتُ: بأنه أقربُ أهلِ (١) الميتِ إليه، ولذلك ترَك ذكْرَ تسميةِ مَن له الثُّلثان الباقيان، إذ كان قد بيَّن على لسانِ رسولِه ﷺ العبادِه أن كلَّ ميتٍ فأقربُ عصبتِه به أَوْلَى بميراثِه، بعدَ إعطاءِ ذَوِى السِّهامِ المفروضةِ سهامَهم مِن ميراثِه.
وهذه العلةُ هي العلةُ التي مِن أجلِها سمَّى للأُمِّ ما سَمَّى لها، إذا لم يكنِ الميتُ خلَّف وارثًا غيرَ أبويه؛ لأن الأُمَّ ليست بعصبةٍ في حالٍ للميتِ، فبيَّن اللَّهُ جلَّ ثناؤه لعبادِه ما فرَض لها مِن ميراثِ ولدِها الميتِ، وترَك ذكرَ مَن له الثلثان الباقيان منه معها، إذ كان قد عرَّفهم في جملةِ بيانِه لهم مَن له بقايا تركةِ الأموالِ، بعدَ أخذِ أهلِ السهامِ سهامَهم وفرائضَهم، وكان بيانُه ذلك [مغنيًا لهم عن] (٢) تكريرِ حكمِه معَ كلِّ مَن قسَم له حقًّا مِن ميراثِ ميتٍ، وسمَّى له منه سهمًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ذكرُه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾.
إن قال قائلٌ: وما المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِر حكمُ الأبويْنِ (٣) معَ الإخوةِ، وتُرِك ذكرُ حكمِهما معَ الأخِ الواحدِ؟
قلتُ (٤): اختلافُ حكمِهما مع الإخوةِ الجماعةِ والأخِ الواحدِ، فكان في إبانةِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤه لعبادِه حكمَهما فيما يَرِثان من ولدِهما الميتِ معَ إخوتِه غنًى وكفايةٌ عن أن حكمَهما فيما ورِثا منه غيرُ مُتغيِّرٍ عما كان لهما ولا أخَ للميتِ ولا وارثَ غيرُهما، إذ كان معلومًا عندهم أن كلَّ مُسْتَحِقٍّ حقًّا بقضاءِ اللَّهِ ذلك له لا يَنْتَقِلُ حقُّه الذي قضَى به له ربُّه جلَّ ثناؤه عما قضَى به له إلى غيرِه إلا بنقلِ اللَّهِ ذلك عنه إلى مَن نقَله إليه مِن خلقِه، فكان في فرْضِه تعالى ذكرُه للأُمِّ ما فرَض - إذا لم يكن لولدِها الميتِ وارثٌ غيرُها وغيرُ والدِه، [ولا أخَ] (١) - الدَّلالةُ الواضحةُ للخلقِ، أن ذلك المفروضَ - و (٢) هو ثُلُثُ مالِ ولدِها الميتِ - حقٌّ لها واجبٌ، حتى يُغَيِّرَ ذلك الفرضَ مَن فرَض لها، فلمَّا غيَّر تعالى ذكرُه ما فرَض لها مِن ذلك مع الإخوةِ الجماعةِ، وترَك تغييرَه مع الأخِ الواحدِ، عُلِم بذلك أن فرضَها غيرُ متغيِّرٍ عما فُرِض لها إلا في الحالِ التي غيَّره فيها مَن لزِم العبادَ طاعتُه، دونَ غيرِها مِن الأحوالِ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في عددِ الإخوةِ الذين عناهم اللَّهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾؛ فقال جماعةُ أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ، والتابعين لهم بإحسانٍ، ومَن بعدهم مِن علماءِ أهلِ الإسلامِ، في كلِّ زمانٍ: عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: اثنين كان الإخوةُ أَو أكثرَ منهما، أُنثَيَيْنِ كانتا، أو كُنَّ إناثًا، أو ذكَرينِ كانا، أو كانوا ذكورًا، أو كان أحدُهما ذكرًا والآخرُ أنثى.
واعتلَّ كثيرٌ ممن قال ذلك بأن ذلك قالتْه الأمةُ عن بيانِ اللَّهِ جل ثناؤُه على لسانِ رسولِه ﷺ، فنقلته أُمَّة نبيِّه ﵇ نقلًا مستفيضًا، قطَع العذرَ مجيئُه، ودفَع الشكَّ فيه عن قلوبِ الخلقِ ورودُه.
ورُوى عن ابن عباسٍ ﵁ أنه كان يقولُ: بل عنَى اللَّهُ جَلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: جماعةٌ أقلُّها ثلاثةٌ، وكان يُنْكِرُ أن يكونَ اللَّهُ جلَّ ثناؤُه حجَب الأُمَّ عن ثلثِها معَ الأبِ (٣) بأقلَّ من ثلاثةِ إخوةٍ، فكان يقولُ في أبوين وأخوين: للأمِّ الثلثُ، وما بقى فللأبِ.
كما قال أهلُ العلمِ في أبوين وأخٍ واحد.
ذكرُ الروايةِ عنه بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا ابن أَبي فُدَيْكٍ، قال: ثني ابن أبي ذئبٍ، عن شُعْبَةَ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ أنه دخَل على عثمانَ ﵁، فقال: لمَ صار الأخَوان يَرُدَّان الأمَّ إلى السدسِ، إنما قال اللَّهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾.
والأخَوان في لسانِ قومِك وكلامِ قومك ليسا بإخوةٍ؟
فقال عثمانُ ﵁: هل أستطيعُ نقضَ أمرٍ كان قبلى، وتوارَثَه الناسُ، ومضَى في الأمصارِ (١)؟
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن المَعْنِيَّ بقولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾.
اثنان من إخوةِ الميتِ فصاعدًا، على ما قاله أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ، دونَ ما قاله ابن عباسٍ ﵁؛ لنقلِ الأمَّةِ وراثةً صحةَ ما قالوه مِن ذلك عن الحجةِ، وإنكارِهم ما قاله ابن عباسٍ في ذلك.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل في الأخوين: إخوةٌ.
وقد علِمتَ للأخوين في منطقِ العرب مثالًا لا يُشْبِهُ مثالَ الإخوةِ في منطقِها؟
قيل: إن ذلك وإن كان كذلك، فإن من شأنِها التأليفَ بين الكلامين [يتقاربُ معنياهما] (٢)، وإن اختلفا في بعضِ وجوهِهما، فلمَّا كان ذلك كذلك، وكان مستفيضًا في منطقِها منتشرًا مُستعمَلًا في كلامِها: ضرَبتُ مِن عبدِ اللَّهِ وعَمْرٍو رءوسَهما، وأَوْجَعَتُ [مِن أَخَويْك] (٣) ظهورَهما.
وكان ذلك أشدَّ استفاضةً في منطقِها مِن أن يقالَ: أَوْجَعتُ منهما ظهرَهما.
وإن كان مقولًا: أَوْجَعتُ ظهرَيهما (٤).
كما قال الفَرَزْدَقُ (١): بما في فؤادَيْنا من الشوقِ (٢) والهوى … فَيَبْرَأُ مُنْهاضُ الفؤادِ المُشَغَّفُ (٣) غيرَ أن ذلك وإن كان مقولًا، فأفصحُ منه: بما في أفئدتِنا.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
فلمَّا كان ما وصَفتُ مِن إخراجِ كلِّ ما كان في الإنسانِ واحدًا إذا ضُمَّ إلى الواحدِ منه آخرُ مِن إنسانٍ آخرَ، فصارا اثنين مِن اثنين، بلفظِ (٤) الجمعِ (٥)، أفصحَ في منطقِها، وأشهرَ في كلامِها، وكان الأخوان شخصين، كلُّ واحدٍ منهما غيرُ صاحبِه مِن نفسَيْن مختلفينِ، أشبَه معنياهما (٦) معنى ما كان في الإنسانِ مِن أعضائِه واحدًا لا ثانيَ له، فأُخرِج اثناهما (٧) بلفظِ اثْنَى (٨) العضوَيْن اللذين وصَفتُ، فقيل: إخوةٌ.
في معنى الأخَوَين، كما قيل ظهورٌ في معنى الظهرين، وأفواهٌ في معنى فموين، وقلوبٌ في معنى قلبين.
وقد قال بعضُ النحويين: إنما قيل إخوة لأن أقلَّ الجمعِ اثنان، وذلك [أن ذلك] (٩) ضَمُّ شيءٍ إلى شيءٍ صارا جميعًا (١٠) بعدَ أن كانا فردَيْن، فَجُمِعا لِيُعْلَمَ أَن الاثنين جمعٌ.
وهذا وإن كان كذلك في المعنى، فليس بعلَّةٍ تُنْبئُ عن جوازِ إخراجِ ما قد جرَى الكلامُ مستعملًا مستفيضًا على ألسنِ العربِ لاثْنَيْه بمثالٍ وصورةٍ، غيرِ مثالِ ثلاثةٍ فصاعدًا منه وصورتِها؛ لأن مَن قال: أخواك قاما.
فلا شكَّ أنه قد علِم أنَّ كلَّ واحدٍ مِن الأخوين فردٌ، ضُمَّ أحدُهما إلى الآخرِ فصارا جميعًا، بعد أن كانا شتَّى.
[غيرَ أن] (١) الأمرَ، وإن كان كذلك فلا تَسْتَجِيزُ العربُ في كلامِها أن يقالَ: أخواك قاموا.
فيَخْرُجُ قولُهم: "قاموا"، وهو لفظٌ للخبر عن الجميعِ خبرًا عن الأخوينِ، وهما بلفظِ الاثنين، لأن لكلِّ ما قد جرَى به الكلامُ على [ألسنتِهم معروفًا عندهم بمثالٍ] (٢) وصورةٍ إذا غيَّره مغيِّرٌ عمَّا قد عرَفوه فيهم نَكِروه، فكذلك الأخوان، وإن كانا مجموعين ضُمَّ أحدُهما إلى صاحبِه، فلهما مثالٌ في المنطقِ وصورةٌ غيرُ مثالِ الثلاثةِ منهم فصاعدًا وصورتِهم، فغيرُ جائزٍ أن أن يُغَيَّرَ أحدُهما إلى الآخرِ إلا بمعنًى مفهومٍ، وإذ كان ذلك كذلك، فلا قولَ أوْلى بالصحةِ مما قلنا قبلُ.
فإن قال قائلٌ: ولم نُقِصتِ الأمُّ عن ثلثِها بمصيرِ إخوةِ الميتِ معَها؛ اثنين فصاعدًا؟
قيل: اخْتَلفتِ العلماءُ في ذلك؛ فقال بعضُهم: نُقصتِ الأمُّ عن ذلك [وورثه الأبُ] (٣)؛ لأن على الأبِ مُؤَنَهم دون أمِّهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾: [أَضَرُّوا بالأمِّ] (١)، ولا يَرِثون، ولا يَحْجُبُها الأخُ الواحدُ من الثلثِ، ويَحْجُبُها ما فوق ذلك.
وكان أهلُ العلمِ يَرَوْن أنهم إنما حجَبوا أمَّهم مِن الثلثِ، لأن أباهم يَلِى نكاحَهم والنفقةَ عليهم دونَ أمِّهم (٢).
وقال آخَرون: بل نُقِصت الأمُّ السدسَ، وقُصِر بها على سدسٍ واحدٍ؛ معونةً لإخوةِ الميتِ بالسدسِ الذي حجَبوا أمَّهم عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: السدسُ الذي حجَبتْه الإخوةُ الأمَّ، لهم، إنما حجبوا أمَّهم عنه ليكونَ لهم دونَ أبيهم (٣).
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ خلافُ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن الحسنُ بن محمدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى ذلك بالصوابِ أن يقالَ في ذلك: إن اللَّهِ تعالى ذكرُه فرَض للأمِّ معَ الإخوةِ السدسَ؛ لما هو أعلمُ به مِن مصلحةِ خَلقِه، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك كان لِما أُلْزِم الآباءُ لأولادِهم، وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك لغيرِ ذلك، وليس ذلك مما كُلِّفْنا عِلْمَه، وإنما أُمِرنا بالعملِ بما علِمنا وأما الذي رُوِى عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، فقولٌ لما عليه الأُمَّةُ مخالفٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ ألا ميراثَ لأخِي ميتٍ مع والدِه، فكَفى إجماعُهم على خلافِه شاهدًا على فسادِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
أن الذي قسَم اللَّهُ ﵎ لولدِ الميتِ الذكورِ منهم والإناثِ ولأبويه مِن تَرِكتِه مِن بعدِ وفاتِه، إنما يَقْسِمُه لهم على ما قسَمه لهم في هذه الآيةِ، مِن بعدِ قضاءِ دَينِ الميتِ الذي مات وهو عليه مِن تركتِه، ومِن بعدِ تنفيذِ وصيتِه في بابِها، بعدَ قضاءِ دَينِه كلِّه، فلم يَجْعَل تعالى ذكره لأحدٍ مِن ورثةِ الميتِ، ولا لأحدٍ ممن أوصَى له بشيءٍ، إلا مِن بعدِ قضاءِ دَينِه مِن جميعِ تركتِه، وإن أحاط بجميعِ ذلك، ثم جعَل أهلَ الوصايا بعدَ قضاءِ دَينِه شركاءَ ورثتِه فيما بقِى لِما أوصَى لهم به، ما لم يُجَاوِزُ ذلك ثلثَه، فإن جاوَز ذلك ثلثَه جُعِل الخيارُ في إجازةِ ما زاد على الثلثِ مِن ذلك أو ردِّه إلى ورثتِه، إِن أَحَبُّوا أجازوا الزيادةَ على ثلثِ ذلك، وإن شاءوا رَدُّوه، فأمَّا ما كان مِن ذلك إلى الثلثِ، فهو ماضٍ عليهم.
وعلى كلِّ ما قلْنا من ذلك الأُمَّة مجمعةٌ.
وقد رُوِى عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بذلك خبرٌ، وهو ما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ الأعورِ، عن عليٍّ ﵁، قال: إنكم تقرَءون هذه الآيةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وإن رسولَ اللَّهِ ﷺ قضَى بالدَّيْنِ قبلَ الوصيةِ (١).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليه، عن النبيِّ ﷺ بمثلِه (١).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، قال: ثنا أشعثُ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
قال: يُبْدَأُ بالدَّين قبلَ الوصيةِ (٢).
واخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَتُه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ والعراقِ: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣).
وقرَأ بعضُ أهلِ مكةَ والشامِ والكوفةِ: (يُوصَى بها).
على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القراءتينِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
على مذهبِ ما قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن الآيةَ كلَّها خبرٌ عمن قد سُمِّى فاعلُه، ألا ترَى أنه يقولُ: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾.
فكذلك الذي هو أَوْلَى بقولِه: ﴿يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
أن يكونَ خبرًا عمن قد سُمِّى فاعلُه؛ لأن تأويلَ الكلامِ: ولأبويه لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ مما ترَك إن كان له ولدٌ، مِن بعدِ وصيةٍ يُوصِى بها أو دَينٍ يُقْضَى عنه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾: هؤلاء الذين أوصاكم اللَّهُ به فيهم - مِن قسمةِ ميراثِ ميتِكم فيهم، على ما سَمَّى لكم وبيَّنه في هذه الآيةِ - ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
يقولُ: أعطُوهم حقوقَهم مِن ميراثِ ميتِهم الذي أوصيتُكم أن تُعْطُوهُموها، فإنكم لا تَعْلَمون أيُّهم أدنى وأشدُّ نفعًا لكم، في عاجلِ دنياكم وآجلِ أُخْراكم.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾؛ فقال بعضُهم: يعنى بذلك: أيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
يقولُ: أطوعُكم للَّهِ مِن الآباءِ والأبناءِ، أرفعُكم درجةً يومَ القيامةِ؛ لأن اللَّهَ سبحانه يُشَفِّعُ المؤمنين بعضَهم في بعضٍ (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَدْرُون أَيُّهم أقربُ لكم نفعًا في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾: في الدنيا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفَة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾، قال بعضُهم: في نفعِ الآخرةِ.
وقال بعضُهم: في نفعِ الدنيا (٢).
وقال آخرون في ذلك بما قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾.
قال: أيُّهم خيرٌ لكم في الدِّين والدنيا، الوالدُ أو الولدُ الذين يَرِثونكم، لم يُدْخِلْ عليكم غيرَهم، فرضِى لهم المواريثَ، لم يأتِ بآخَرين يَشْرَكُونهم في أموالِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾.
يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾: وإن كان له إخوةٌ فلأُمِّه السدسُ ﴿فَرِيضَةً﴾.
يقولُ: سهامًا معلومةً مُوَقَّتَةً بيَّنها اللَّهُ لهم.
ونصب قولَه: ﴿فَرِيضَةً﴾ على المصدرِ من قولِه ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾.
فَأَخْرَج ﴿فَرِيضَةً﴾ مِن معنى الكلامِ، إذ كان معناه ما وصَفتُ.
وقد يجوزُ أن يكونَ نصَبَه على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ - ﴿فَرِيضَةً﴾، فتكونُ "الفريضةُ" منصوبةً على الخروجِ مِن قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (١).
كما تقولُ: هو لك هبةً، وهو لك صدقةً منِّي عليك.
وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
فإنه يعنى جلَّ ثناؤُه: إن اللَّهَ لم يَزَلْ ذا علمٍ بما يُصْلِحُ خلقه أيُّها الناسُ، فانتهوا إلى ما يَأْمُرُكم، يُصْلِحْ لكم أمورَكم.
﴿حَكِيمًا﴾.
يقولُ: لم يَزَلْ ذا حكمةٍ في تدبيرِه، وهو كذلك فيما يَقْسِمُ لبعضِكم مِن ميراثِ بعضٍ، وفيما يَقْضِي بينكم مِن الأحكامِ، لا يَدْخُلُ حكمه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ؛ لأنه قضاءُ مَن لا يخْفَى عليه مواضعُ المصلحةِ في البدءِ والعاقبةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ولكم أيُّها الناسُ نصفُ ما ترَك أزواجُكم بعد وفاتهنَّ مِن مالٍ وميراثٍ، إن لم يكنْ لهنَّ ولدٌ يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ، لا ذكَرٌ ولا أنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾.
أي: فإن كان لأزواجِكم يومَ يَحْدُثُ بهنَّ الموتُ ولدٌ ذَكَرٌ أو أنثى، ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ مِن مالٍ وميراثٍ، ميراثًا لكم عنهنَّ.
﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
يقولُ: ذلكم لكم ميراثًا عنهنَّ، مما يَبْقَى مِن تَرِكاتِهنَّ وأموالِهنَّ، مِن بعدِ قضاءِ دُيُونِهِنَّ التي يَمُتْنَ وهى عليهن، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياهن الجائزةِ، إن كُنَّ أَوْصِينَ بها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
يعني جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾: ولأزواجِكم أيها الناسُ ربعُ ما ترَكتم بعدَ وفاتِكم مِن مالٍ وميراثٍ، إن حدَث بأحدِكم حَدَثُ الوفاةِ ولا ولدَ له ذكرٌ ولا أُنثى، ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾.
يقولُ: فإن حدَث بأحدِكم حدثُ الموتِ، وله ولدٌ ذكَرٌ أو أنثى، واحدًا كان الولدُ أو جماعةً، ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، يقولُ: فلأزواجِكم حينَئذٍ مِن أموالِكم وتَركتِكم التي تُخَلِّفُونها بعدَ وفاتِكم، الثُّمُنُ، مِن بعد قضاءِ ديونِكم التي حدَث بكم حدثُ الوفاةِ وهى عليكم، ومِن بعدِ إنفاذِ وصاياكم الجائزةِ التي تُوصون بها.
وإنما قيل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
فقدَّم ذكرِ "الوصيةِ" على ذكرِ "الدَّينِ"؛ لأن معنى الكلامِ: إن الذي فرَضتُ لمن فرَضْتُ له منكم في هذه الآياتِ، إنما هو له مِن بعدِ إخراجِ أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، مِن وصيةٍ أو دَينٍ.
فلذلك كان سواءً تقديمُ ذكرِ الوصيةِ قبلَ ذكرِ الدَّينِ، وتقديمُ ذكرِ الدَّينِ قبلَ ذكرِ الوصيةِ؛ لأنه لم يُرِدْ مِن معنى ذلك إخراجَ (١) الشيئين؛ الدَّينِ والوصيةِ مِن مالِه، فيكونَ ذكرُ الدَّين أوْلَى أن يُبْدَأَ به مِن ذكرِ الوصيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإن كان رجلٌ أو امرأةٌ يُورَثُ كَلالةً.
ثم اخْتَلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرأَةِ أَهل الإسلامِ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً﴾.
بمعنى: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه (١) النَّسَبُ.
فـ "الكلالةُ" على هذا القولُ مصدرٌ مِن قولِهم: تَكَلَّله النَّسَبُ تَكَلُّلًا وكَلالةً.
بمعنى: تعطَّف عليه النسبُ.
وقرأه بعضُهم: (وإنْ كان رجلٌ يُورثُ كَلالَةً) (٢).
بمعنى: وإن كان رجلٌ يُورِثُ مَن يَتَكَلَّلُه.
بمعنى: مَن يَتَعَطَّفُ عليه بنسَبه من أخٍ أو أُختٍ.
واختلف أهلُ التأويلِ في "الكلالةِ"؛ فقال بعضُهم: هي ما خلا الوالدَ والولدَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الوليدُ بنُ شُجَاعِ السَّكُونيُّ، قال: ثنى على بنُ مُسْهِرٍ، عن عاصمٍ، عن الشَّعْبيِّ، قال: قال أبو بكرٍ ﵁: إنى قد رأيتُ في الكَلالةِ رأيًا، فإن كان صوابًا فمِن اللَّهِ وحدَه لا شريكَ له، وإن يَكُ خطأً فمنِّى والشيطانِ، واللَّهُ منه بريءٌ، وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ.
فلمَّا اسْتُخْلِف عمرُ ﵁ قال: إني لأَسْتَحْيِي مِن اللَّهِ ﵎ أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ في رأيٍ رآه (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عاصمٌ الأحولُ، قال: ثنا الشَّعْبِيُّ، أن أبا بكر ﵁ قال في الكَلالةِ: أقولُ فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله: هو ما دونَ الولدِ والوالدِ.
قال: فلمَّا كان عمرُ ﵁ قال: إنى لأَسْتَحْيِي (١) الله أن أُخَالِفَ أبا بكرٍ (٢).
حدَّثنا [يونسُ بنُ عبد الأعلى] (٣)، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن عاصمٍ الأحول، عن الشعبيِّ، أن أبا بكرٍ وعمرَ بنَ الخَطابِ ﵄، قالا: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبي، عن عِمرانَ بن حُدَيْرٍ، عن السُّمَيْطِ، قال: كان عمرُ رجلًا أَيْسَرَ (٥)، فخرَج يومًا وهو يقولُ بيدِه هكذا، يُدِيرُها، إلا أنه قال: أَتَى عليَّ حينٌ ولستُ أدرى ما الكَلالةُ؟
ألا وإن الكَلالةَ ما خلا الولدَ والوالدَ (٦).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن أبي بكرٍ، قال: الكَلالةُ ما خلا الولدَ والوالدَ (٧).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولدَ له ولا والدَ (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سَمِعتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ عن عمرو بن دينارٍ، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والد (٢).
حدَّثنا محمد بن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد ابن الحَنَفِيَّةِ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد (٣).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ وابن وكيعٍ، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيلُ (٤)، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدِ، عن ابن عباس بمثلِهِ (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمٍ بن عبدٍ السَّلُوليِّ، عن ابن عباس، قال: الكلالة ما خلا الوالد والولد (٦).
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾.
قال: الكَلالةُ من لم يترُك والِدًا ولا ولدًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيْدٍ المُحَارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْمِ بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد اتَّفقوا أنه من مات ولم يَدَعْ ولدًا ولا والدًا أنه كلالةٌ.
حدَّثنا تَمِيمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: ثنا إسحاق بن يوسفَ، عن شَرِيكٍ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: ما رأيتُهم إلا قد أجمعوا أن الكلالة الذي ليس له ولدٌ ولا والدٌ.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدِ، قال: الكلالة ما خلا الولد والوالد.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن أبي إسحاق، عن سُلَيْم بن عبدٍ، قال: أدركتُهم وهم يقولون: إذا لم يَدَعِ الرجل ولدًا ولا والدًا وُرِث كلالةً.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾: والكلالةُ الذي لا ولد له ولا والد، لا أب ولا جَدَّ، ولا ابن ولا ابنة، فهؤلاء الإخوةُ مِن الأُمِّ.
حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحكم، قال في الكلالةِ: ما دونَ الولدِ والوالدِ (٢).
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكَلالَةُ كلُّ مَن لا يَرِثُه والدٌ ولا ولدٌ، وكلٌّ مَن لا ولد له ولا والد، فهو يُورَثُ كَلالَةٌ، مِن رجالهم ونسائهم.
حدَّثنا الحسن بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ والزُّهْرِيِّ وأبى إسحاق، قال (١): الكَلالةُ مَن ليس له ولدٌ ولا والدٌ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا محمد بن حميدٍ (٣)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ وقتادة وأبي إسحاق مثله.
وقال آخرون: الكلالة ما دون الولد.
وهذا قولٌ عن ابن عباسٍ، وهو الخبر الذي ذكرناه قبلُ من رواية طاوس عنه، أنه ورث الإخوة من الأمِّ السدسَ معَ الأبوين (٤).
وقال آخرون: الكلالة ما خلا الوالد.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا سهل بن يوسفَ، عن شُعْبَةَ، قال: سألتُ الحكَمَ عن الكلالة؟
قال: فهو ما دونَ الأبِ (٥).
واختلف أهل العربية في الناصب للكلالةِ؛ فقال بعضُ البصريين: إن شئتَ نصبتَ ﴿كَلَالَةً﴾ على خبر ﴿كَانَ﴾، وجَعَلْتَ ﴿يُورَثُ﴾ مِن صفةِ الرجل، وإن شئتَ جَعَلتَ ﴿كَانَ﴾ تَسْتَغْنى عن الخبر نحو "وقع"، وجعلتَ نصْبَ ﴿كَلَالَةً﴾ على الحال، أي: يُورث كَلالةً.
كما يقال: يُضْرَبُ قائمًا.
وقال بعضُهم: قوله: ﴿كَلَالَةً﴾ خبر ﴿كَانَ﴾، لا يكون الموروثُ كلالةً، وإنما الوارث الكلالةُ.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى: أن "الكلالة" منصوبٌ على الخروج من قوله: ﴿يُورَثُ﴾، وخبرُ ﴿كَانَ﴾ - ﴿يُورَثُ﴾، والكلالة وإن كانت منصوبةً بالخروج من ﴿يُورَثُ﴾، فليست منصوبةً على الحالِ، ولكنْ على المصدر من معنى الكلام؛ لأن معنى الكلام: وإن كان رجلٌ يُورَثُ مُتَكَلِّلُه النَّسَبُ كَلالةً.
ثم تَرَك ذكر "متكلّله"، اكتفاءً بدَلالة قوله: ﴿يُورَثُ﴾.
عليه.
واختلف أهل العلم في المُسَمَّى "كلالةً"؛ فقال بعضهم: الكلالةُ الموروثُ، وهو الميتُ نفسه، سُمِّى بذلك إذا ورثه غيرُ والده وولده.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قوله (١) في "الكلالةِ"، قال: الذي لا يَدَعُ ولدًا ولا والدًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن سليمان الأحول، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كنتُ آخِرَ الناسِ عهدًا بعمر ﵁، فسمعتُه يقولُ: القولُ (٢) ما قلتُ.
قلتُ: وما قلت؟
قال: الكلالةُ مَن لا ولد له (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي ويحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سُليم (١) بن عبدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: الكَلالةُ مَن لا ولد له ولا والدَ.
وقال آخرون: الكلالة هي الورثة الذين يرثون الميت، إذا كانوا إخوةً أو أخوات أو غيرهم إذا لم يكونوا ولدًا ولا والدًا.
على ما قد ذكرنا من اختلافهم في ذلك.
وقال آخرون: بل الكلالة الميتُ والحيُّ جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: الكلالةُ الميتُ الذي لا ولد له ولا والد، والحيُّ، كلُّهم كَلالةٌ، هذا يَرِثُ بالكلالةِ، وهذا يُورَثُ (٢) بالكلالة (٣).
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندى ما قاله هؤلاء، وهو أن الكلالة الذين يرثون الميتَ مَن عدا ولده ووالده؛ وذلك لصحة الخبر الذي ذكرناه عن جابرِ بن عبدِ اللهِ أنه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنما يَرِثْنى كَلالَةٌ، فكيف بالميراثِ (١)؟
ولما (٢) حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عَن ابْنِ عَونٍ، عَن عَمْرِو بن سعيدٍ، قال: كُنَّا مع حُميدِ بن عبدِ الرحمنِ في سوق الرقيق، قال: فقام من عندنا ثم رجع، فقال: هذا آخِرُ ثلاثةٍ من بنى سعدٍ حدثوني هذا الحديث، قالوا: مرض سعدٌ بمكة مرضًا شديدًا، قال: فأتاه رسولُ الله ﷺ يعودُه، فقال: يا رسول الله، لى مالٌ كثيرٌ، وليس لى وارثٌ إلا كلالةٌ، فأُوصى بمالى كُلِّه؟
فقال: "لا" (٣).
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا إسحاق بن سُوَيدٍ، عن العلاء بن زيادٍ، قال: جاء شيخٌ إلى عمر ﵁، فقال: إنى شيخٌ، وليس لي وارثٌ إلا كلالةٌ، أعرابٌ مُتَراخٍ نسبُهم، أفأُوصِي بثلث مالي؟
قال: لا (٤).
فقد أنبأتُ هذه الأخبار عن صحة ما قلنا في معنى الكلالة، وأنها وَرَثَةُ الميتِ دون الميت ممن عدا والده وولده.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: وللرجل الذي يُورَثُ كَلالةً ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾، يعنى: أَخًا أو أُختًا من أُمِّه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن يعلى بن عطاءٍ، عن القاسم، عن سعدٍ أنه كان يقرأ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾.
قال سعدٌ: لأُمِّه (١).
حدَّثنا محمد بن المُثنَّى، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بن عطاءٍ، قال: سمعتُ القاسم بن ربيعة يقولُ: قرأتُ على سعد: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾.
قال سعدٌ: لأُمِّه (٢).
حدَّثني محمد بن المثنَّى، قال: ثنا وهب بن جريرٍ، قال: ثنا شُعْبَةُ، عن يَعْلَى بَنِ عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة [بن قائِفٍ] (٣)، قال: قرأتُ على سعدٍ.
فذكر نحوه.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا يَعْلى بن عطاءٍ، عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعتُ سعد بن أبي وقَّاصٍ قرأ: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أُخْتٌ من أُمِّه) (٤).
حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوة من الأمِّ، إن كان واحدًا فله السدُسُ، وإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاءُ في الثلُث، ذكَرُهم وأُنثاهم فيه سواءٌ (٥).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾: فهؤلاء الإخوةُ من الأُمِّ، فهم شركاء في الثلثِ، سواءٌ الذكرُ والأُنثى.
وقوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.
إذا انفرد الأخُ وحدَه، أو الأختُ وحدها، ولم يكن أخٌ غيرُه أو غيرُها من أُمِّه، فله السدُسُ من ميراث أخيه لأمِّه، فإن اجتمع أخٌ وأختٌ، أو أخوان لا ثالث معهما لأمِّهما، أو أختان كذلك، أو أخٌ وأختٌ ليس معهما غيرهما من أُمِّهما، فلكلِّ واحدٍ منهما من ميراث أخيهما لأمِّهما السدُسُ، ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾.
يعنى: فإن كان الإخوة والأخواتُ لأمِّ الميت الموروث كلالةً أكثر من اثنين، ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
يقولُ: فالثلثُ الذي فرَضْتُ لاثنيهم - إذا لم يكن غيرُهما من أمِّهما ميراثًا لهما من أخيهما الميتِ الموروثِ كَلالةً - شَرِكةٌ بينهم، إذا كانوا أكثر من اثنين إلى ما بلغ عددُهم، على عدد رءوسهم، لا يُفَضَّلُ ذَكَرٌ منهم على أنثى في ذلك، ولكنه بينهم بالسَّوِيَّةِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف قيل: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾.
ولم يُقَل: لهما أخٌ أو أختٌ.
وقد ذُكر قبلَ (١) ذلك رجلٌ أو امرأة، فقيل: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَة﴾؟
قيل: إن من شأن العرب إذا قدَّمت ذِكْرَ اسمين قبل الخبر، فعطفت أحدهما على الآخرِ بـ "أو"، ثم أتَت بالخبر - أضافت الخبرَ إليهما أحيانًا، وأحيانًا إلى أحدهما، وإذا أضافت إلى أحدهما، كان سواءً عندها إضافة ذلك إلى أيِّ الاسمين اللذين ذكرتهما، أضافته، فتقولُ: مَن كان عنده غلامٌ أو جاريةٌ، فَلْيُحْسِنُ إِليه - يعنى: فَلْيُحْسِنُ إلى الغلام - و: فَلْيُحْسِنْ إليها - يعنى: فَلْيُحْسِنْ إلى الجارية - و: فَلْيُحْسِنُ إليهما.
وأمَّا قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - وقد تقدَّم ذكر الأخ والأختِ بعطف أحدهما على الآخر.
والدَّلالة على أن المراد بمعنى الكلام أحدهما في قوله: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ - فإن ذلك إنما جاز لأن معنى الكلام: ولكلِّ واحدٍ من المذكورين السدُسُ.
القولُ في تأويل قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾.
أي: هذا الذي فرضتُ لأخى الميت الموروث كلالةً وأخته أو إخوته وأخواته من ميراثِه وتركتِه، إنما هو لهم من بعدِ قضاءِ دَيْنِ الميتِ الذي كان عليه يومَ حدَث به حدَثُ الموتِ مِن تَرِكتِه، وبعد إنفاذ وصاياه الجائزة التي يُوصى بها في حياته لمن أَوْصَى له بها بعد وفاتِه.
كما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: والدَّيْنُ أحقُّ ما بُدِئَ به مِن جميع المال، فيُؤَدَّى عن أمانة الميت، ثم الوصيةُ، ثم يَقْسِمُ أهل الميراث ميراثَهم.
وأمَّا قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
فإنه يعنى تعالى ذكرُه: من بعدِ وصيةٍ يُوصَى بها غيرَ مُضَارٌّ ورثته في ميراثهم عنه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
قال: في ميراث أهله (١).
حدَّثني القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
قال: في ميراث أهله.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذ، قال: حدَّثنا يزيد، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وإن الله ﵎ كره الضِّرارَ في الحياة وعند الموت، ونهَى عنه، وقدَّم فيه، فلا تَصْلُحُ مُضَارَّةٌ في حياةٍ ولا موتٍ (١).
حدَّثني نصرُ بن عبد الرحمن الأوديُّ، قال: ثنا عبيدةُ بن حميدٍ، وثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، جميعًا عن داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
قال: الضِّرارُ في الوصية من الكبائرِ (٢).
حدَّثنا ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: الضرار في الوصية من الكبائر.
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بِشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس مثله.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داودُ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الحيْفُ في الوصية من الكبائر.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ وعبد الأعلى، قالا: ثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: الضرارُ والحَيْفُ في الوصية من الكبائر.
حدَّثني موسى بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا إسحاق بن إبراهيم [أبو النَّضْرِ] (١)، قال: ثنا عمرُ (٢) بن المُغيرة، قال: ثنا داود بن أبي هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ، قال: "الضِّرارُ في الوصيةِ مِن الكبائرِ" (٣).
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو عمرٍو التَّيْمِيُّ، عن أبي الضُّحى، قال: دخَلت مع مسروقٍ على مريضٍ، فإذا هو يُوصى، قال: فقال له مسروقٌ: اعْدِلْ لا تَضْلِلْ (٤).
ونُصبت ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ على الخروج من قوله: ﴿يُوصَى بِهَا﴾.
وأما قوله: ﴿وَصِيَّةٌ﴾.
فإن نصبه من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
وسائرِ ما أَوْصى به في الاثنين، ثم قال: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرًا من قوله: ﴿يُوصِيكُمُ﴾.
وقد قال بعضُ أهل العربية (٥): ذلك منصوبٌ من قوله: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ - ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.
وقال: هو مثلُ قولك: لك درهمان نفقةً إلى أهلك.
والذي قلناه بالصواب أولى؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه افتَتح ذكر قسمة المواريث في هاتين الآيتين بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾.
ثم ختَم ذلك بقوله: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.
أخْبَر أن جميعَ ذلك وصيةٌ منه به عبادَه.
فنصبُ قوله: ﴿وَصِيَّةً﴾ على المصدر من قولِه: ﴿يُوصِيكُمُ﴾.
أولى من نصبه على التفسيرِ مِن قولِه: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾؛ لما ذكرنا.
ويعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾: عهدًا مِن اللهِ إليكم فيما يجبُ لكم من ميراث مَن مات منكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾.
يقولُ: والله ذو علمٍ بمصالح خلقِه ومضارِّهم، ومَن يَسْتَحِقُّ أن يُعْطَى مِن أقرباء مَن مات منكم وأنسبائِه مِن ميراثِه، ومَن يُحْرَمُ ذلك منهم، ومبلغ ما يَسْتَحِقُّ به كلُّ مَن استحقَّ منهم قَسْمًا، وغيرِ ذلك مِن أمورِ عبادِه ومصالِحهم.
﴿حَلِيمٌ﴾.
يقولُ: ذو حِلمٍ عن (١) خلقِه، وذو أناةٍ في تركه معاجلتَهم بالعقوبةِ، على ظلمِ بعضِهم بعضًا، في إعطائِهم الميراث لأهل الجلد والقوة من ولد الميتِ، وأهلِ الغَنَاءِ والبأسِ منهم، دونَ أهل الضعفِ والعجزِ مِن صِغار ولده وإناثهم.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: يعني به: تلك شروطُ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.
يقولُ: شروطُ اللهِ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تلك طاعةُ الله.
ذكرُ مَن قال ذلك: حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.
يعني: طاعة الله.
يعنى: المواريثُ التي سمَّى الله (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: تلك سنَّةُ اللهِ وأمرُه.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: تلك فرائضُ اللهِ.
قال أبو جعفر: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب ما نحن مُبَيِّنوه، وهو أن حدَّ كلِّ شيءٍ ما فصَل بينَه وبينَ غيره، ولذلك قيل لحدود الدارِ وحدودِ الأرَضين: حدودٌ؛ لفصولِها بيَن ما حُدَّ بها وبينَ غيره، فكذلك قولُه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾.
معناه: هذه القسمةُ التي قسَمها لكم ربُّكم، والفرائضُ التي فرَضها لأحيائكم من موتاكم في هذه الآية، على ما فرَض وبيَّن في هاتين الآيتين، ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾.
يعنى: فصولُ ما بين طاعةِ الله ومعصيتِه في قَسْمِكم مواريثَ موتاكم.
كما قال ابن عباسٍ، وإنما تُرِك "طاعة" (٣)، والمعنيُّ بذلك حدودُ طاعة الله؛ اكتفاءً بمعرفة المخاطَبين بذلك بمعنى الكلام من ذكرها.
والدليلُ على صحة ما قلنا في ذلك قولُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
[والآيةُ] (١) التي بعدها: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤].
فتأويلُ الآية إذن: هذه القسمةُ التي قسَم بينكم أيُّها الناسُ عليها ربُّكم مواريث موتاكم، فصولٌ فصَل بها لكم بيَن طاعتِه ومعصيتِه، وحدودٌ لكم تنتهون إليها، فلا تَتَعَدَّوْها؛ ليعلَمَ (٢) منكم أهلَ طاعتِه مِن أهل معصيته، فيما أمَركم به مِن قسمةِ مواريثِ موتاكم بينَكم، وفيما نهاكم عنه منها.
ثم أَخْبَر جَلَّ ثناؤُه عمَّا أعدَّ لكلِّ فريقٍ منهم، فقال لفريق أهلِ طاعتِه في ذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في العملِ بما أمَره به، والانتهاء إلى ما حدَّه له، في قسمة المواريثِ وغيرها، ويَجْتَنِبُ ما نهاه عنه في ذلك وغيره، ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
فقوله: ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾.
يعني: بساتين تَجْري من تحتِ غُروسِها وأشجارها الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
يقولُ: باقين فيها أبدًا، لا يموتون فيها، ولا يَفْنَوْن، ولا يخرُجون منها، ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
يقولُ: وإدخالُ الله إياهم الجِنانَ التي وصَفها على ما وصَف مِن ذلك، ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
يعنى: الفَلْجُ العظيمُ.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ﴾ الآيةَ.
قال: في شأن المواريث التي ذكَر قبلُ (١).
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ: التي حدَّ لخلقه، وفرائضُه بينَهم مِن الميراث والقسمةِ، فانْتَهُوا إليها، ولا تَعَدَّوْها إلى غيرها (٢).
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومن يَعْصِ الله ورسوله في العمل بما أمَراه به مِن قسمةِ المواريثِ على ما أمَراه بقسمةِ ذلك بينَهم، وغير ذلك من فرائضِ اللهِ، مخالفًا أمرَهما إلى ما نَهَياه عنه، ﴿وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾.
يقولُ: ويَتَجاوَزْ فصولَ طاعتِه التي جعَلها تعالى فاصلةً بينَها وبينَ معصيتِه، إلى ما نهاه عنه من قسمةِ تَرِكاتِ موتاهم بين ورثتِه، وغير ذلك من حدوده، ﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾.
يقولُ: باقيًا فيها أبدًا، لا يموتُ، ولا يَخْرُجُ منها أبدًا، ﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
يعنى: وله عذابٌ مُذِلُّ مَن عُذِّب به، مُخْزٍ له.
وبنحوِ ما قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ الآية: في شأن المواريثِ التي ذكَر قبلُ.
قال ابن جُرَيْج: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
قال: مَن أصاب من الذُّنوب ما يُعَذِّبُ اللهُ عليه.
فإن قال قائلٌ: أو مُخَلَّدٌ (١) في النار مَن عصَى الله ورسولَه في قسمة المواريث؟
قيل: نعم، إذا جمَع إلى معصيتهما في ذلك شكًّا في أن الله فرض عليه ما فرَض على عبادِه في هاتين الآيتين، أو علم ذلك فحادَّ الله ورسوله في أمرهما، على ما ذكَر ابن عباس مِن قولِ مَن قال حين نزَل على رسول الله ﷺ قولُ الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلى تمام الآيتين.
أَيُوَرَّثُ مَن لا يَرْكَبُ الفرسَ ولا يُقاتِلُ العدوَّ ولا يَحُوزُ الغنيمةَ، نصفَ المال أو جميع المال (٢)؟
استنكارًا منهم قسمةَ اللهِ ما قسَم لصغارِ ولد الميتِ ونسائِه وإناثِ ولده، فمن (٣) خالَف قسمةَ اللهِ ما قسَم مِن ميراثِ أهل الميراث بينَهم، على ما قسَمه في كتابِه، وخالَف حكمَه في ذلك وحكمَ رسولِه، استنكارًا منه حكمَهما، كما اسْتَنكره الذين ذكَر أمرَهم ابن عباسٍ، ممن كان بينَ أظهُرِ أصحاب رسول الله ﷺ من المنافقين، الذين فيهم نزَلت وفي أشكالِهم هذه الآية - فهو من أهل الخلودِ في النار؛ لأنه باستنكاره حُكْمَ اللهِ في تلك يَصِيرُ باللهِ كافرًا، ومن ملَّةِ الإسلام خارجًا.
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾: والنساءُ اللاتى يَأْتِينَ بالزنى، أي: يَزنِينَ، ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ وهن مُحْصَنَاتٌ ذواتُ أزواجٍ، أو غيرُ ذواتِ أزواجٍ، ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾.
يقولُ: فاسْتَشْهِدوا عليهنَّ بما أَتَيْنَ به من الفاحشةِ أربعةَ رجالٍ مِن رجالِكم، يعني: من المسلمين، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا﴾ عَلَيْهِنَّ، ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾.
يقولُ: فاحْبِسوهنَّ في البيوتِ ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾.
يقولُ: حتى يمتن ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
يعنى: أو يَجْعَلَ اللهُ لهنَّ مَخْرَجًا وطريقًا إلى النجاة مما أَتَيْنَ به مِن الفاحشة.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ (١) محمدُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾: أمر بحبسِهنَّ في البيوتِ حتى يمتن، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: الحَدُّ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
قال: الزنى، كان أمر بحبسِهنَّ حينَ يَشْهَدُ عليهنَّ أربعةٌ حتى يَمُتْنَ، ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
والسبيلُ: الحَدُّ (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فكانت المرأة إذا زنَت حُبِست في البيت حتى تموتَ، ثم أنْزَل الله ﵎ بعدَ ذلك: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
فإن كانا مُحْصَنَيْن رُجِما، فهذا سبيلُهما الذي جعَل اللهُ لهما (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: فقد جعَل الله لهنَّ، وهو الجَلْدُ والرجمُ.
حدَّثني بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾.
حتى بلغ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾: كان هذا من قبل الحدودِ، فكانا يُؤْذَيانِ بالقول جميعًا، وبحبسِ المرأةِ، ثم جعَل الله لهنَّ سبيلًا، فكان سبيلَ مَن أَحْصَن جلدُ مائةٍ، ثم رَمْىٌ بالحجارة، وسبيلَ مَن لم يُحْصنْ جَلْدُ مائةٍ، ونفىُ سنةٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ وعبد الله بن كثيرٍ: الفاحشةُ الزنى.
والسبيلُ: الحدُّ؛ الرجمُ والجلدُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ إلى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
هؤلاء اللاتي قد نكَحن وأَحْصَنَّ.
إذا زنَت المرأةُ فإنها كانت تُحبَسُ في البيتِ، ويَأْخُذُ زوجها مهرَها فهو له، فذلك قولُه: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] - ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩]: الزنى (٢)، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
حتى جاءت الحدودُ فنسَختها، فجُلِدت ورُجِمت، وكان مهرُها ميراثًا، فكان السبيلُ هو الجلدَ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ بن مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: الحَدُّ، نسَخ الحدُّ هذه الآية (٤).
حدَّثنا أبو هشام الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن إسرائيل، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: جلدُ مائةٍ الفاعل والفاعلةَ.
حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن وَرْقَاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجلدُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ الرَّقاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، أن النبيَّ ﷺ كان إذا نزَل عليه الوحيُ نكَس رأسَه، ونكَس أصحابُه رءوسَهم، فلمَّا سُرِّي عنه رفَع رأسَه فقال: "قد جعَل الله لهن سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّب، والبكْرُ بالبكر، أما الثَّيِّبُ فيجلدُ ثم يُرْجَمُ، وأمَّا البِكْرُ فيُجْلَدُ ثم يُنْفَى" (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، [عن الحسن] (٢)، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال نبيُّ الله ﷺ: "خُذُوا عنِّي قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، [البِكْرُ بالبكر] (٣)، [والثَّيِّبُ] (٢) يُجْلَدُ مائةٌ ويُرْجَمُ بالحجارة، والبِكْرُ جلدُ مائةٍ ونفىُ سنَةٍ" (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبدِ اللهِ أخى بنى رَقَاشِ، عن عُبادةَ بن الصامتِ، أن رسول الله ﷺ كان إذا نُزِّل عليه (٥)، كُرِب لذلك، وتَرَبَّد له وجهُه، فأنزل الله عليه ذاتَ يومٍ، فلقى ذلك، فلمَّا سُرِّي عنه، قال: "خُذُوا عنِّى؛ قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالثيِّبِ، جلدُ مائةٍ ثم رجمٌ بالحجارة، والبِكْرُ بالبكر، جلدُ مائةٍ ثم نفيُ سنةٍ" (٦).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهَبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: يقولُ: لا تَنْكِحوهنَّ حتى يتوفَّاهُنَّ الموتُ، ولم يُخْرِجْهنَّ مِن الإِسلام، ثم نسَخ هذا، وجعَل السبيل (١) أن يُجْعَلَ لهنَّ سبيلًا.
قال: فجعل لها السبيل، إذا زنت وهى مُحْصَنَةٌ، رُجمت وأُخْرِجت، وجعَل السبيلَ للبكر جلدَ مائةٍ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ [قال: أخبرنا يزيدُ] (٢)، قال: أخبرنا جُوَيْبِرٌ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: الجَلدُ والرَّجْمُ (٣).
حدَّثنا ابنُ (٤) المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ (٥) جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قَتادةَ، عن الحسن، عن حِطَّانَ بن عبد اللهِ الرَّقَاشيِّ، عن عُبادة بن الصامت، قال: قال رسولُ الله ﷺ: "خُذُوا عَنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلًا، الثَّيِّبُ بالطَّيِّبِ، والبِكْرُ بالبِكْرِ، الثَّيِّبُ يُجْلَدُ ويُرْجَمُ، والبِكْرُ يُجْلَدُ ويُنفى" (٦).
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيم المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمش، عن إسماعيل بن مسلمٍ البصريِّ، عن الحسن، عن عُبادة بن الصامت، قال: كُنَّا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ إذا احمرَّ وجهه، وكان يَفْعَلُ ذلك إذا نزل عليه الوحى، فأخذه كهيئةِ الغَشْى؛ لِما يَجِدُ مِن ثِقَل ذلك، فلمَّا أفاق قال: "خُذُوا عنِّى قد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، البِكْرانِ يُجْلَدانِ ويُنْفَيانِ سَنَةً، والثَّيِّبَانِ يُجْلَدانِ ويُرْجَمانِ" (١).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصحة في تأويل قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾.
قولُ مَن قال: السبيلُ التي جعلها الله جلَّ ثناؤُه للثَّيِّبَين المحَصَنين الرجمُ بالحجارة، وللبِكْرَيْنِ جلد مائةٍ ونفىُ سنةٍ؛ لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رجَم ولم يجلدْ (٢)، وإجماع الحجَّة التي لا يجوز عليها فيما نقلته مجمعةً عليه - الخطأُ والسهو والكذبُ، وصحة الخبر عنه أنه قضى في البِكْرَيْنِ بجلدِ مائةٍ ونَفْي سَنةٍ، فكان في الذي صحَّ عنه من تركه جلدَ مَن رُجمِ مِن الزُّناةِ في عصره دليلٌ واضحٌ على وَهَاءِ الخبر الذي رُوى عن الحسن، عن حِطَّانَ، عن عبادة، عن النبي ﷺ أنه قال: "السبيلُ للثَّيِّبِ المُحصن الجلد والرجمُ".
وقد ذكر أن هذه الآيةَ في قراءةِ عبدِ اللهِ: (واللاتى يَأْتِينَ بالفاحشةِ مِن نسائكم) (٣).
والعربُ تقولُ: أتيتُ أمرًا عظيمًا، وبأمرٍ عظيمٍ، وتكلَّمْتُ بكلامٍ قبيحٍ، وكلامًا قبيحًا.
القول في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: والرجل والمرأة اللذان يَأْتِيَانِهَا﴾، يقولُ: يأتيان الفاحشة.
والهاءُ والألفُ في قوله: ﴿يَأْتِيَانِهَا﴾ عائدةٌ على "الفاحشة" التي في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
والمعنى: واللذان يأتيان منكم الفاحشة فآذُوهما.
ثم اختلف أهل التأويل في المَعْنِيِّ بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾؛ فقال بعضُهم: هما البِكْرانِ اللذان لم يُحْصنا، وهما غيرُ اللاتي عُنِينَ بالآية قبلها.
وقالوا: قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
مَعْنيٌّ به الثَّيِّبات المُحصنات بالأزواج.
وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
يعني به: البكرانِ غير المُحَصَنين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ذكر الجوارى والفتيان اللذين لم ينكحوا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ (١).
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: البِكران ﴿فَآذُوهُمَا﴾.
وقال آخرون: بل عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الرجلان الزانيان.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
قال: الرجلان الفاعلان، لا يَكْنِى.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: الزانيان (١).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك الرجلُ والمرأةُ، إلا أنه لم يُقصَد به بكرٌ دونَ ثَيِّبٍ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
قال: الرجلُ والمرأة (٢).
حدَّثنا محمد بن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
إلى قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]: فذكر الرجلَ بعد المرأة، ثم جمعهما جميعًا، فقال: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ وعبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ قولَه: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
قال: هذه للرجل والمرأة جميعًا (٣).
قال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوال بالصواب في تأويل قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾: قولُ مَن قال: عُنى به البكران غيرُ المحصنين إذا زَنَيا، وكان أحدُهما رجلًا والآخَرُ امرأةً؛ لأنه لو كان مقصودًا بذلك قصد البيان عن حكم الزناة من الرجال، كما كان مقصودًا بقوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾.
قصد البيان عن حكم الزواني، لقيل: والذين يأتونها منكم فآذوهم.
أو قيل: والذي يأتيها منكم.
كما قيل في التي قبلها: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾.
فَأَخْرَج ذكرهنَّ على الجميعِ، ولم يَقُلْ: واللتان يأتيان الفاحشة.
وكذلك تَفْعَلُ العربُ إذا أرادت البيانَ على الوعيد على فعلٍ، أو الوعد عليه، أَخْرَجَت أسماء أهله بذكر الجميع أو الواحد، وذلك أن الواحد يَدُلُّ على جنسه، ولا تُخْرِجُها بذكر اثنين، فتقولُ: الذين يفعلون كذا فلهم كذا، والذي يفعل كذا فله كذا.
ولا تقولُ: اللذان يفعلان كذا فلهما كذا، إلا أن يكون فعلًا لا يكون إلا من شخصين مختلفين، كالزنى لا يكونُ إلا من زانٍ وزانيةٍ.
فإذا كان ذلك كذلك قيل بذكر الاثنين، يُرادُ بذلك الفاعل والمفعولُ به.
فأَمَّا أَن يُذْكَرَ بذكرِ الاثنين، والمراد بذلك شخصان في فعل قد يَنْفَرِدُ كلُّ واحد منهما به، أو في فعلٍ لا يكونان فيه مشتركين، فذلك ما لا يُعْرَفُ في كلامها.
وإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: عُنى بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
الرجلان، وصحة قول من قال: عُنى به الرجل والمرأةُ.
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أنهما غيرُ اللواتي تقدَّم بيانُ حُكْمِهن في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾؛ لأن هذين اثنان، وأولئك جماعةٌ.
وإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الحبس كان للثَّيِّباتِ عقوبةً حتى يُتَوَفَّينَ من قبل أن يَجعَلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا؛ لأنه أغلَظُ في العقوبة من الأذى الذي هو تعنيفٌ وتوبيخٌ، أو سَبٌّ وتغييرٌ، كما كان السبيل التي جُعلت لهنَّ من الرَّجم أغلظ من السبيل التي جُعِلَت للأبكارِ مِن جَلْدِ المائةِ ونَفْي السنة.
القولُ في تأويل قوله: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾.
اختلف أهل التأويل في "الأذى" الذي كان الله تعالى ذكرُه جعَله عقوبةً لِلَّذِين يأتيان الفاحشة من قبل أن يَجعَلَ لهما سبيلًا منه؛ فقال بعضُهم: ذلك الأذى، أذًى بالقول واللسان، كالتَّعْيير والتوبيخ على ما أتَيا من الفاحشة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾.
قال: كانا يُؤْذَيَانِ بالقول جميعًا (١).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾: فكانت الجارية والفتى إذا زَنَيا يُعَنَّفان ويُعَيَّران حتى يَتْرُكا ذلك (٢).
وقال آخرون: كان ذلك الأذى أذًى باللسان، غير أنه كان سَبًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن عمرٍو (٣)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَآذُوهُمَا﴾.
يعنى: سبًّا (١).
وقال آخرون: بل كان ذلك الأذى باللسان واليد.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فكان الرجلُ إذا زنَى أُوذِيَ بالتَّعْيير وضُرِب بالنِّعالِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه كان أمر المؤمنين بأذى الزانيين المذكورين إذا أتَيا ذلك وهما من أهل الإسلام، والأذى قد يَقَعُ بكلِّ (٣) مَكْروهٍ نالَ الإنسانَ؛ مِن قولٍ سيِّئ باللسان، أو فعلٍ.
وليس في الآية بيان أيِّ (٤) ذلك كان أُمر به المؤمنون يومئذٍ، ولا خبرٌ به عن رسول الله ﷺ، مِن نَقْلِ الواحد ولا نقل الجماعة الموجبِ مَجِيئُها قطعَ العُذْرِ.
وأهلُ التأويل في ذلك مُخْتَلِفون، وجائزٌ أن يكون ذلك أذًى باللسان أو (٥) اليد، وجائزٌ أن يكون كان أذًى بهما (٦)، وليس في العلم بأيِّ (٧) ذلك كان من أيٍّ نفعٌ في دينٍ ولا دُنيا، ولا في الجهل به مَضَرَّةٌ إذ كان الله جلّ ثناؤُه قد نسَخ ذلك من مُحْكَمِه بما أوجب من الحكم على عباده فيهما، وفى اللاتي قبلهما، فأما الذي أوجب من الحكم عليهم فيهما، فما أوجب في سورة "النور" بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
وأما الذي أوجب في اللاتي قبلهما، فالرَّجمُ الذي قضى به رسول الله ﷺ فيهما، وأجمع أهلُ التأويل جميعًا على أن الله تعالى ذكرُه قد جعل لأهل الفاحشة من الزُّناة والزَّوانى سبيلًا بالحدود التي حكم بها فيهم.
وقال [جماعةٌ من] (١) أهل التأويل: إن الله سبحانه نسخ بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾.
قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾.
قال: كلُّ ذلك نَسَخته الآية التي في "النور" بالحدِّ المفروض (٢).
حدَّثنا أبو هشام، قال: ثنا يحيى، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية.
قال: هذا نَسخته الآية في سورة "النور" بالحدِّ المفروض (٢).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسين بن واقدٍ، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصريِّ، قالا في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: نسخ ذلك بآية الجَلْدِ، فقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾: فَأَنزَل اللهُ بعد هذا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، فإن كانا مُحْصَنَين رُجِما في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٢).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّي: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الآية: جاءت الحدود فنسَخَتها.
حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ: نَسَخ الحدُّ هذه الآية (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو سُفيان، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية.
قال: نسختها الحدود.
وقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾.
نَسَختها الحدود (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية: ثم نُسخ هذا، وجُعل السبيلُ لها إذا زَنَت وهى مُحْصَنَةٌ رُجِمَت وأُخْرِجَت، وجُعِل السبيلُ للذَّكَرِ جلد مائة.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٥].
قال: نَسختها الحدود (١).
وأما قوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾.
فإنه يعنى به جلّ ثناؤُه: فإن تابا من الفاحشة التي أتيا، فراجعا طاعة الله بينهما، ﴿وَأَصْلَحَا﴾.
يقولُ: وأصلحا دِينَهما بمُراجعة التوبة من فاحشتهما، والعمل بما يُرْضِى الله.
﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾.
يقولُ: فاصفَحوا عنهما، وكُفُّوا عنهما الأذى الذي كنتُ أمرتكم أن تُؤذوهما به عقوبة لهما على ما أتيا من الفاحشة، ولا تُؤذوهما بعد توبتهما.
وأما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
فإنه يعنى: إن الله لم يَزَلْ راجعًا لعبيده إلى ما يُحِبُّون، إذا هم راجعوا ما يُحِبُّ منهم من طاعته، رحيمًا بهم، يعني: ذا رحمة ورأفة.
القول في تأويل قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما التوبة على الله لأحدٍ من خلقه إلا للذين يعملون السوء من المؤمنين بجهالة، ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾، يقولُ: ما اللهُ براجعٍ لأحدٍ من خلقه إلى ما يُحِبُّه من العفو عنه، والصفح عن ذنوبه التي سَلَفت منه، إلا للذين يأتُون ما يأتونه من ذنوبهم جهالةً منهم، وهم بربِّهم مؤمنون، ثم يُراجعون طاعةَ اللهِ، ويُنيبُونَ (١) منه إلى ما أمرهم الله به، من الندم عليه والاستغفار وترك العود إلى مثله، من قبل نزول الموت بهم.
وذلك هو "القريبُ" الذي ذكره الله تعالى ذكره فقال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
وبنحو ما قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل، غير أنهم اختلفوا في معنى قوله: ﴿بِجَهَالَةٍ﴾؛ فقال بعضُهم في ذلك بنحو ما قلنا فيه، وذهب إلى أن عمله السوء هو الجهالة التي عناها.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي العالية أنه كان يُحدِّثُ أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كلُّ ذنبٍ أصابه عبدٌ فهو بجهالة (٢).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرَأَوا أن كلَّ شيءٍ عُصِى به فهو جهالةٌ، عمدًا كان أو غيره (٣).
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾، قال: كلُّ مَن عَصَى ربَّه فهو جاهلٌ، حتى ينزِعَ عن معصيته (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: كلُّ مَن عَمِل بمعصية الله، فذاك منه بجهلٍ حتى يَرْجِعَ عنه.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: ما دام يَعْصِى الله فهو جاهلٌ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمد بن فُضَيل بن غزوان، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالح، عن ابن عباس: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: مَن عَمِل السوء فهو جاهلٌ؛ مِن جَهالته عَمِل السوءَ (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مجاهد، قال: مَن عَصَى الله فهو جاهلٌ، حتى يَنْزِعَ عن معصيته.
قال ابن جُرَيج: وأَخبَرَنى عبد الله بن كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ عاملٍ بمعصية فهو جاهلٌ، حينَ عَمِل بها (٣).
قال ابن جريج: وقال لى عطاء بن أبي رَبَاحٍ نحوه (٤).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قول اللهِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
قال: الجهالة كلُّ امرئٍ عمل شيئًا من معاصى الله، فهو جاهلٌ أبدًا حتى يَنْزِعَ عنها.
وقرأ: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩].
وقرأ: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣].
قال: مَن عصى الله فهو جاهِلٌ حتى يَنْزِعَ عن معصيته.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾: يعملون ذلك على عمدٍ منهم له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن مجاهد: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: الجهالةُ العمدُ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثله (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاك: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: الجهالة العمدُ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: إنما التوبة على الله للذين يعملون السوءَ في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمرُ بن سليمان، عن الحكمِ بن أبان، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قال: الدنيا كلُّها جهالةٌ (١).
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوالِ بتأويل الآية قولُ مَن قال: تأويلُها: إنما التوبةُ على الله للذين يعملون السوء، وعملُهم السوء هو الجهالة التي جَهلوها، عامدين كانو للإثم أو جاهلين بما أعَدَّ اللهُ لأهلها، وذلك أنه غير موجودٍ في كلام العرب تَسْمِيةُ العامدِ للشيء؛ الجاهل به، إلا أن يكونَ مَعْنِيًّا به أنه جاهلٌ بقَدْر مَنْفعتِه ومَضَرَّتِه، فيقالُ: هو به جاهلٌ.
على معنى جهله بمعنى (٢) نفعه وضَرِّه، فأما إذا كان عالمًا بقَدْرِ مبلغ نفعه وضُرِّه، قاصدًا إليه، فغير جائز مِن أجلِ (٣) قَصْدِه إليه أن يقال: هو به جاهلٌ؛ لأن الجاهل بالشيء هو الذي لا يعلَمُه ولا يَعرِفُه عند التقدم عليه، أو يَعلَمُه فيُشَبَّهُ فَاعِلُه، إذ كان خَطَأً ما فعله، بالجاهل الذي يأتى الأمر وهو به جاهلٌ، فيُخطِئُ موضعَ الإصابة منه، فيقالُ: إنه لجاهلٌ به.
وإن كان به عالمًا؛ لإتيانه الأمر الذي لا يأتى مثله إلا أهل الجهل به.
وكذلك معنى قوله: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
قيل فيهم: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
وإن أتوه على علمٍ منهم بمبلغ عقاب الله أهله، عامدين إتيانه، مع معرفتهم بأنه عليهم حرامٌ؛ لأن فعلهم ذلك كان من الأفعال التي لا يأتى مثله إلا مَن جَهِل عظيم عقاب الله عليه أهله، في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، فقيل لمن أتاه وهو به عالمٌ: أتاه بجهالة.
بمعنى أنه فعَل فِعلَ الجُهَّالِ به، لا أنه كان به جاهِلًا.
وقد زَعَم بعضُ أهل العربية (١) أن معناه أنهم جَهلوا كُنْهَ ما فيه من العقابِ، فلم يَعْلَموه كعلم العالم، وإن عَلِموه ذَنْبًا، فلذلك قيل: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾.
ولو كان الأمرُ على ما قال صاحبُ هذا القولِ لوَجَب أَلَّا تكونَ توبةٌ لَمَنْ علِم كُنْه ما فيه، وذلك أنه جلَّ ثناؤه قال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
دون غيرهم، فالواجبُ على صاحب هذا القول ألا يكون للعالم الذي عَمِل سوءًا على علم منه بكُنه ما فيه، ثم تاب من قريب - توبةٌ، وذلك خلافُ الثابت عن رسول الله ﷺ، من أن كلَّ تائبٍ عسى الله أن يتوب عليه (٢)، وقوله: "بابُ التَّوبة مفتوحٌ ما لم تَطْلُع الشمسُ من مَغْربِها" (٣).
وخلافُ قولِ اللهِ ﷿: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
القول في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
اختلف أهل التأويل في معنى "القريب" في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ثم يتوبون في صحتهم قبل مرضهم وقبل موتهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريبُ قبل الموتِ ما دام في صحته (١).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
قال: في الحياة والصحة (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل مُعاينة مَلَكِ الموتِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: والقريب فيما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، قال: سمعتُ عِمران بن حُديرٍ، قال: قال أبو مجلزٍ: لا يزالُ الرجلُ في توبةٍ حتى يُعايِنَ الملائكة (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمد بن قيسٍ، قال: القريب ما لم تنزِلْ به آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، ويَنزِلْ به الموتُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهيرٍ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: له التوبةُ ما بينه وبين أن يُعايِنَ مَلَكَ الموتِ، فإذا تاب حين ينظُرُ إلى مَلَكِ الموت، فليس له ذاك (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم يتوبون من قبل الموت.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن الضحاك: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
قال: كلُّ شيءٍ قبل الموت فهو قَريبٌ (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
قال: الدنيا كلُّها قَريبٌ (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾: قبل الموتِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن أبي قلابةَ، قال: ذُكِر لنا أن إبليس لمَّا لُعِن وأُنظِر، قال: وعِزَّتِك لا أخرُج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح.
فقال ﵎: وعِزَّتى لا أمنعه التوبة ما دامَ فيه الروح.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا عمران، عن قَتادةَ، قال: كُنَّا عندَ أنس بن مالكٍ وثَمَّ أبو قلابة، فحَدَّث أبو قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظِرةَ، فقال: وعِزَّتِك لا أخرج من قلب ابن آدم.
فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أمنعُه التوبة ما دامَ فيه الروح.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا أيوب، عن أبي قلابة، قال: إن الله ﵎ لما لَعَن إبليس سأله النَّظرة، فأنظره إلى يوم الدين، قال: وعزَّتك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح.
قال: وعزَّتى لا أحجُبُ عنه التوبة ما دامَ فيه الروح (١).
حدَّثني ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبليس لمَّا رأى آدمَ أجْوَفَ قال: وعِزَّتِك لا أخرُجُ مِن جَوْفِه ما دامَ فيه الروح.
فقال الله ﵎: وعِزَّتى لا أحُولُ بينه وبين التوبة ما دام فيه الروح" (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بُشير بن كعبٍ، أن نبيَّ الله ﷺ، قال: "إنَّ الله يقبل توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن عُبادةَ بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال.
فذكر مثله (١).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عديٍّ، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغنى أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله ﵎ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ" (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: تأويلُه: ثم يتوبون قبل مماتهم، في الحال التي يفهمون فيها أمر الله ﵎ ونهيه، وقبل أن يُغلبوا على أنفسهم وعقولهم، وقبل حال اشتغالهم بكرب الحشرجة، وغَمِّ الغَرْغَرةِ، فلا يعرفوا أمرَ اللهِ ونهيه، ولا يعقِلوا التوبةَ؛ لأن التوبة لا تكون توبةً إلا ممَّن (٣) ندم على ما سَلَف منه، وعزم فيه على تركِ المعاودة، وهو يعقِلُ الندم، ويختارُ ترك المعاودةِ، فأما إذا كان بكربِ الموتِ مَشْغولًا، وبغَمِّ الحَشْرجةِ مَغْمورًا، فلا إخالُه إلا عن الندم على ذنوبه مَغْلوبًا، ولذلك قال مَن قال: إن التوبة مقبولةٌ ما لم يُغَرْغِرِ العبد بنفسه.
فإن كان المرءُ في تلك الحال يعقِلُ عقل الصحيح، ويفهم فهم العاقل الأريب، فأحدث إنابةً من ذنوبه، ورَجعةٌ من شُرودِه عن ربِّه إلى طاعته، كان إن شاء الله ممن دخل في وعدِ الله الذي وَعَد التائبين إليه من إجرامهم من قريبٍ بقوله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
القول في تأويل قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ﴾: فهؤلاء الذين يعملون السوء بجهالةٍ ثم يتوبون من قريبٍ، ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، دونَ مَن لم يَتُبْ، حتى غُلِب على عقلِه، وغَمَرتُه حَشْرجةُ مِيتته، فقال وهو لا يفقَهُ ما يقولُ: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
خداعًا لربِّه، ونفاقًا في دينه.
ومعنى قوله: ﴿يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾: يَرزُقُهم إنابةً إلى طاعتِه، ويَتَقَبَّلُ منهم أَوْبتَهم إليه وتوبتهم التي أحدثوها من ذنوبهم.
وأما قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
فإنه يعنى: ولم يَزَلِ الله جلَّ ثناؤُه عليمًا بالناس من عباده المُنيبين إليه بالطاعة، بعد إدبارهم عنه، المُقبلين إليه بعدَ التولية، وبغير ذلك من أمورِ خلقه، حكيمًا في توبته على من تابَ منهم من معصيته، وفى غير ذلك من تدبيره وتقديره، ولا يدخُلُ أفعاله خَلَلٌ، ولا يَخْلِطُه خطأٌ ولا زَلَلٌ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصى اللهِ، ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ يقولُ: إِذا حَشْرَج أحدُهم بنفسه، وعاين ملائكة ربِّه قد أقبلوا إليه لقبضِ روحه قال - وقد غُلب على نفسه، وحِيلَ بينه وبينَ فَهْمِه، بشُغْلِه بكربٍ حَشْرَجَتِهِ وَغَرْغَرتِه -: ﴿إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
يقولُ: فليس لهذا عند الله ﵎ توبةٌ؛ لأنه قال ما قال في غير حالِ توبة.
كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن يَعْلى بن نَعْمَانَ، قال: أخبَرَنى من سمع ابن عمر يقولُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُسَقْ.
ثم قرأ ابن عمر: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
ثم قال: وهل الحضور إلا السَّوْقُ (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
قال: إذا تَبَيَّن الموتُ فيه لم يقبل الله له توبةً.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النَّضْرِ، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾: فليس لهذا عند الله تَوْبَةٌ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، قال: سمِعتُ إبراهيم بن ميمونٍ يُحدِّثُ عن رجل من بني الحارث، قال: ثنا رجلٌ مِنَّا، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو أنه قال: مَن تاب قبل موته بعامٍ تيب عليه.
حتى ذكر شهرًا، حتى ذكر ساعةً، حتى ذكر فُوَاقًا (٣)، قال: فقال رجلٌ: كيف يكون هذا، والله تعالى يقولُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؟
فقال عبد الله: أنا أحدِّثك ما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيان، عن إبراهيمَ بن مُهاجِرٍ، عن إبراهيم، قال: كان يقالُ: التوبة مبسوطةٌ ما لم يُؤْخَذْ بكَظَمِه (١).
واختلف أهل التأويل في مَن عنَى بقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى به أهلَ النِّفاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾.
قال: نَزَلَت الأولى في المؤمنين، ونَزَلَت الوسطى في المنافقين - يعنى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ - والأخرى في الكفار.
يعنى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ (٢).
وقال آخرون: بل عنى بذلك أهل الإسلام.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن سُفيانَ، قال: بلغنا في هذه الآيةِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾.
قال: هم المسلمون، ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾؟
وقال آخرون: بل هذه الآية كانت نَزَلَت في أهل الإيمان، غير أنها نُسِخَت.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: فأنزل الله ﵎ بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
فحَرَّم الله تعالى المغفرة على من مات وهو كافرٌ، وأَرْجَأَ أهل التوحيد إلى مَشِيئَتِه، فلم يُؤيسْهم من المغفرة المغفرة (١).
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب ما ذكره الثوريُّ أنه بلغه أنه في الإسلام.
وذلك أن المنافقين كفارٌ، فلو كان مَعْنِيًّا به أهلَ النِّفاقِ، لم يكن لقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾.
معنًى مفهومٌ؛ لأنهم [إن كانوا] (٢) الذين قبلهم في معنًى واحدٍ، من أن جميعهم كفارٌ، فلا (٣) وَجْهَ لتَفْريقِ أحكامهم (٤)، و (٥) المعنى الذي من أجلِه بَطَل أن تكونَ توبةٌ؛ واحدٌ (٦).
وفى تفرقة الله جلّ ثناؤه بين أسمائهم وصِفاتِهم، بأن سَمَّى أحدَ الصِّنفين كافرًا، ووَصف الصِّنْفَ الآخَرَ بأنهم أهلُ سَيئاتٍ، ولم يُسَمِّهم كفارًا، ما دَلَّ على افتراقِ مَعانِيهم.
وفي صحة كون ذلك كذلك صحة ما قلنا وفساد ما خالفه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: ولا التوبة للذين يموتون وهم كفارٌ.
فمَوضِعُ ﴿الَّذِينَ﴾ خَفْضٌ؛ لأنه معطوفٌ على قوله: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يقولُ: هؤلاء الذين يموتون وهم كفارٌ أعتدنا لهم عذابًا أليمًا؛ لأنهم [من التوبة أبعد، لموتهم] (١) على الكفر.
كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن أبي النضر، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾: أولئك أبعد من التوبة (٢).
واختلف أهل العربية في معنى: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾؛ فقال بعضُ البصريين: معنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أفعلنا، من العتاد.
قال: ومعناها: أعددنا.
وقال بعضُ الكوفيين: أعْدَدنا وأعتدنا معناهما واحدٌ.
فمعنى قوله: ﴿أَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾: أعْدَدنا لهم.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يقولُ: مؤلمًا مُوجِعًا.
القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
يعنى ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيُّها الذين صدَّقوا الله ورسوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
يقولُ: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثوا نكاح نساء أقاربكم وآبائكم كَرْهًا.
فإن قال قائلٌ: كيف كانوا يرثونهن؟
وما وَجْهُ تَحريم وراثتهنَّ، وقد عَلِمتَ أن النساءَ مُوَرَّثاتٌ (١) كما الرجالُ مُوَرَّثون (٢)؟
قيل: إن ذلك ليس من معنى وِراثتهنَّ إذا هن مِتْنَ فتَرَكنَ مالًا، وإنما ذلك أنهن في الجاهلية كانت إحداهنَّ إذا مات زوجها، كان ابنه أو قَريبُه أَوْلَى بها من غيرِه، ومنها بنفسها، إن شاء نَكَحها، وإن شاء عَضَلها، فمنعها من غيرِه ولم يتزوَّجها (٣) حتى تموت، فحَرَّم الله تعالى ذلك على عباده، وحَظَر عليهم نكاح حلائل آبائهم، ونهاهم عن عَضْلِهن عن النِّكاح.
وبنحو القول الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا أسباط بن محمدٍ، قال: ثنا أبو إسحاق - يعنى الشيبانيَّ - عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
قال: كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحقُّ بامرأته، إن شاء بعضُهم تَزوَّجَها، وإن شاءوا زَوَّجوها، وإن شاءوا لم يُزَوِّجوها، وهم أحقُّ بها من أهلها، فنَزَلَت هذه الآية في ذلك (١).
وحدثني أحمد بن محمد الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن صالحٍ، قال: ثني محمدُ بنُ فُضَيلٍ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيفٍ، عن أبيه، قال: لما تُوفِّى أبو قيس بن الأسلتِ أرادَ ابنُه أن يتزوج امرأته، وكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل اللهُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحويِّ، عن عكرمة والحسن البصري، قالا في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وذلك أن الرجل كان يَرِثُ امرأة ذى قرابته، فيَعضُلُها حتى تموتَ أو تَرُدَّ إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، يعني أن الله نهاكم عن ذلك.
حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمان التَّيميِّ، عن أبي مجلزٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال: كانت الأنصارُ تفعل ذلك، كان الرجلُ إذا مات حَميمُه، وَرِثْ حَميمُه امرأته، فيكون أولى بها من وليِّ نفسها (٣).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حَجَّاجُ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.
قال: كان الرجل إذا مات أبوه أو حَميمُه، فهو أحقُّ بامرأتِه، إن شاء أمسكها، أو يحبسها حتى تفتدى منه بصداقها، أو تموت فيذهب بمالها (١).
قال ابن جريجٍ: فأخبرنى عطاءُ بن أبي رباحٍ أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجلُ فتَرَك امرأةٌ، حَبَسها أهله على الصبيِّ يكون فيهم.
فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية (٢).
قال ابن جريجٍ، وقال مجاهدٌ: كان الرجلُ إذا تُوفِّى أبوه كان أحقَّ بامرأتِه، يَنكِحُها إن شاء، إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن (٣) شاء؛ أخاه أو ابنَ أخيه.
قال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: نزَلَت فِي كُبَيشَةَ بنتِ مَعْنِ بن عاصمٍ من الأوس، توفِّي عنها أبو قيس بنُ الأسلتِ، فَجَنَح عليها (٤) ابنه، فجاءت النبيَّ ﷺ فقالت: يا نبيَّ الله، لا أنا ورثت زوجى، ولا أنا تُرِكتُ فأُنْكَحَ.
فنزَلَت هذه الآيةُ (٥).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال: كان إذا توفِّى الرجلُ، كان ابنه الأكبر هو أحقَّ بامرأته، يَنكِحُها إذا شاء إذا لم يكن ابنَها، أو يُنكِحُها مَن شاء؛ أخاه أو ابن أخيه (١).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن عمرو بن دينارٍ مثل قول مجاهدٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شِبلٌ، قال: سمعتُ عمرو بن دينار يقول مثل ذلك.
حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
فإن الرجل في الجاهلية كان يموتُ أبوه أو أخوه أو ابنه، فإذا مات وترك امرأته، فإن سَبَق وارِثُ الميت فألقى عليها ثوبه، فهو أحقُّ بها أن يَنكِحَها بمَهْرِ صاحبِه، أو يُنكِحَها فيَأْخُذَ مهرها، وإن سبقته فذهَبَت إلى أهلها، فهم أحقُّ بنفسها (٢).
حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيدُ بنُ سليمان الباهليُّ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: كانوا بالمدينة إذا ماتَ حَميمُ (٣) الرجل وتَرَك امرأةً، ألقى الرجلُ عليها ثَوبَه، فوَرِث نكاحها، وكان أحقَّ بها، وكان ذلك عندهم نكاحًا، فإن شاء أمسَكها حتى تفتدِيَ منه، وكان هذا في الشِّرْكِ.
حدَّثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال: كانت الوراثة (١) في أهل يثرب بالمدينة ههنا، فكان الرجلُ يموتُ فيَرِثُ ابنه امرأة أبيه، كما يَرِثُ أمَّه، لا يستطيعُ أَن يُمنع.
فَإِن أَحَبَّ أن يَتخِذَها اتخَذَها، كما كان أبوه يتخِذُها، وإن كَرِه فارَقَها، وإن كان صغيرًا حُبِسَت عليه حتى يَكْبَرَ، فإن شاء أصابها، وإن شاء فارقها، فذلك قولُ الله ﵎: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾: وذلك أن رجالًا من أهل المدينة كان إذا مات حَميمُ أحدهم، ألقَى ثوبَه على امرأتِه، فوَرِث نِكَاحَها، فلم ينكحها أحدٌ غيرُه، وحَبَسها عنده حتى تفتدِيَ منه بفديةٍ، فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٣).
حدثني ابن وَكيع، قال: ثنى أبي، قال: ثنا سفيان، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مِقْسَمٍ، قال: كانت المرأةُ في الجاهلية إذا مات زوجُها، فجاء رجلٌ فألقى عليها ثوبه، كان أحقَّ الناس بها.
قال: فنزلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٤).
فتأويل الآية على هذا التأويل: يا أيُّها الذين آمنوا لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا آباءكم وأقاربكم نكاح نسائهم كَرْهًا.
فترك ذكر الآباء والأقارب والنكاح، ووجَّه الكلام إلى النهي عن وِراثة النساء؛ اكتفاء بمعرفة المخاطبين بمعنى الكلام، إذ كان مفهومًا معناه عندهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الناسُ أن تَرِثوا النساءَ تَرِكاتِهن كَرْهًا.
قالوا: وإنما قيل ذلك كذلك لأنهم كانوا يَعضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وهُنَّ كَارِهاتٌ للعضل، حتى يَمُتْنَ فيرِثوهن أموالهن.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال: كان الرجل إذا مات وترك جاريةً، ألقى عليها حَميمُه ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلةٌ تَزَوَّجها، وإن كانت ذميمةً (١) حبسها حتى تموتَ فيرِثَها (٢).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
قال: نزلت في ناسٍ من الأنصار، كانوا إذا مات الرجلُ منهم، فأملك الناس بامرأتِه وَلِيُّه، فيُمسكها حتى تموتَ فيرِثَها، فنَزَلَت فيهم (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بتأويل الآية القولُ الذي ذكرناه عمَّن قال: معناه: لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء (١) أقاربكم؛ لأن الله جل ثناؤه قد بَيَّن مَواريث أهل المواريث، فذلك لأهله، كره (٢) وراثتهم إياه الموروث ذلك عنه من الرجال أو النساء، [أو رضى] (٣).
فقد عُلم بذلك أنه جلّ ثناؤه لم يَحظُرْ على عباده أن يرثوا (٤) النساء ما جعله لهم ميراثًا عنهن، وأنه إنما خطر أن يُكْرَهن موروثاتٍ، بمعنى حَظرِ وراثة نكاحهن، إذ كان ميِّتهم الذي ورثوه قد كان مالكًا عليهن أمرهن في النِّكاح مِلْكَ الرجل مَنْفعةَ ما استأجر من الدُّور والأرضين وسائر ما له منافعُ (٥).
فأبانَ الله جلّ ثناؤه لعباده أن الذي يملكه الرجلُ منهم من يُضْعِ زَوْجِه، معناه غيرُ معنى ما يملكُ أحدهم من منافع سائر المملوكات التي تجوز إجارتها، [بمعنى الإجارة] (٣)، فإن المالِكَ بُضْعَ زوجته إذا هو مات، لم يكن ما كان له ملكًا من زوجته بالنكاح لورثته بعده، كما لهم من الأشياء التي كان يملكها بشراءٍ أو هبةٍ أو إجارةٍ بعد موته بميراثه ذلك عنه.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
فَإِن أهل التأويل اختلفوا في تأويله؛ فقال بعضُهم: تأويله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
أي: ولا تحبسوا يا معشرَ وَرثَةٍ من مات من الرجال أزواجهم عن نكاحِ مَن أَرَدْنَ نِكَاحَه من الرجال، كيما يمتن فتَذهَبوا ببعض ما آتيتموهن، أي: فتأخُذوا من أموالهن إذا مِتْنَ، ما كان موتاكم الذين ورثتموهم (١) ساقوا إليهن من صدُقاتهن.
وممن قال ذلك جماعةٌ قد ذكرنا بعضهم، منهم ابن عباسٍ، والحسن البصريُّ، وعكرمة.
وقال آخرون: بل معني ذلك: ولا تَعْضُلوا أيُّها الناسُ نساءكم، فتحبسوهن ضرارًا، ولا حاجة بكم إليهن، فتُضِرُّوا بِهن، ليَفْتَدِين منكم بما آتيتموهن من صدقاتهن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
يقولُ: لا تَقْهَروهنّ.
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
يعنى: الرجلُ تكون له المرأة وهو كارِهٌ لصُحْبتِها، ولها عليه مَهْرٌ، فَيُضِرُّ بها لتَفْتِدِى (٢).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
يقولُ: لا ينبغي (٣) لك أن تحبس امرأتك ضرارًا حتى تَفْتدِيَ منك (٤).
قال: وأَخبرنا مَعْمَرٌ، قال: وأخبرني سماكُ بن الفضل (٥)، عن ابن البيلمانيِّ (٦)، قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويد بن نصر، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن مَعْمَرٍ، قال: أخبرنا سماكُ بنُ الفضل (١)، عن عبدِ الرحمنِ بن البَيْلَماني (٢) في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
قال: نزلت هاتان الآيتان، إحداهما في الجاهلية، والأخرى في أمر (٣) الإسلام.
قال عبد الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ﴾ في الجاهلية، ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإسلامِ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحمَّانيُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن سالم، عن سعيدٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
قال: لا تَحْبِسوهنّ (٥).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أما ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾، فيقولُ: تُضارُّوهن ليَفْتَدِين منكم (٦).
حدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
قال: العَضْلُ أن يُكْرِهَ الرجل امرأته فيُضِرُّ بها حتى تفتدِى منه، قال الله ﵎: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٧) [النساء: ٢١].
وقال آخرون: المعنيُّ بالنهي عن عَضْل النساء في هذه الآية أولياؤهنَّ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾: أن يَنْكِحْنَ أزواجهن، كالعضل في سورة "البقرة" (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ مثله.
وقال آخرون: بل المنهيُّ عن ذلك زوج المرأة بعد فراقه إياها.
وقالوا: ذلك كان من فعل الجاهلية، فنُهوا عنه في الإسلام.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان العَضْلُ في قريش بمكة؛ يَنكِحُ الرجلُ المرأة الشريفة، فلعلَّها لا (٢) توافقه، فيُفارِقُها على ألا تَتزوَّجَ إلا بإذنه، فيأتى بالشهودِ، فيكتُبُ ذلك عليها ويُشْهِدُ، فإذا خطبها خاطِبٌ، فإن أعطته وأرضَتْه أذن لها، وإلا عَضَلها.
قال: فهذا قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ الآية (٣).
قال أبو جعفر: قد بَيَّنَّا فيما مضى معنى "العَضْل"، وما أصله بشواهد ذلك من الأدلة (٤).
وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾.
قولُ مَن قال: نهى الله جلّ ثناؤه زوج المرأةِ عن التَّضْييقِ عليها والإضرار بها وهو لصُحْبتها كارهٌ، ولفِراقِها مُحِبٌّ، لتفتدِيَ منه ببعض ما آتاها من الصَّداق.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة؛ لأنه لا سبيل لأحدٍ إلى عَضْلِ امرأةٍ إِلَّا لأحدٍ رجلين؛ إمّا لزوجها بالتَّضييق عليها، وحَبْسِها على نفسه وهو لها كارِهٌ، مُضارَّةً منه لها بذلك؛ ليَأخُذَ منها ما آتاها، بافتدائها منه نفسَها بذلك، أو لوليِّها الذي إليه إنكاحُها، وإذا كان لا سبيل إلى عَضْلِها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممّن آتاها شيئًا فيقال إن عَضَلَها عن النِّكاح: عَضَلها ليَذهَبَ ببعض ما آتاها.
كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عَضْلِها هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عَضْلِها ضِرارًا لتفتدِى منه.
وإذا صحَّ ذلك، وكان معلومًا أن الله تعالى ذكره لم يجعل لأحدٍ السبيل على زوجته بعد فراقه إياها وبَيْنونَتِها منه، منه، فيكون له إلى عَضْلِها سبيلٌ لتَفْتِدِيَ منه مِن عَضْلِه إياها، أتَتْ بفاحشة أم لم تأتِ بها، وكان الله جلّ ثناؤه قد أباحَ للأزواج عَضْلَهن إذا أَتَيْنَ بفاحشةٍ مُبَيِّنَةٍ حتى يَفْتدِين منه - كان بَيِّنًا بذلك خطأُ التأويل الذي تأوَّله ابن زيد، وتأويل من قال: عُنى بالنهي عن العَضْل في هذه الآية أولياء الأيامى.
وصحةُ ما قلنا فيه.
﴿لَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.
في موضع نَصْبٍ عطفًا على قوله: ﴿أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
ومعناه: لا يَحِلُّ لكم أن تَرِثُوا النساءَ كَرْهًا ولا أَنْ تَعْضُلوهن.
وكذلك هي فيما ذُكر في حرف ابن مسعودٍ (١).
ولو قيل: هو في موضع جزم على وَجْهِ النهي.
لم يكن خطأً.
القول في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: لا يَحِلُّ لكم أيُّها المؤمنون أن تَعْضُلوا نساءكم، ضِرارًا منكم لهن، وأنتم لصُحْبتهن كارهون، وهُنَّ لكم طائعاتٌ، لتذهَبوا ببعض ما آتيتُمُوهن مِن صَدُقَاتِهِنَّ، إلا أن يَأْتين بفاحشةٍ مُبيِّنةٍ، فيَحِلَّ لكم حينئذٍ الضِّرارُ بهنَّ؛ ليَفْتَدِين منكم.
ثم اختلف أهل التأويل في معنى "الفاحشة" التي ذكرها الله جلّ ثناؤه في هذا الموضع؛ فقال بعضُهم: معناها: الزِّنَى.
وقال: إذا زَنَت امرأة الرجل، حَلَّ له عَضْلُها والضِّرارُ بها لتفتدِى منه بما آتاها من صداقها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: أخبرنا أشعثُ، عن الحسن في البِكْرِ تَفْجُرُ، قال: تُضرَبُ مائةً، وتُنفَى سنةً، وتَرُدُّ إلى زوجها ما أخَذَت منه.
وتأوَّلَ هذه الآيةَ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (١).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عطاءٍ الخراساني، في الرجل إذا أصابت امرأتُه فاحشةً، أخذ ما ساق إليها وأخرجها، فنَسَخ ذلك الحدود (٢).
حدَّثنا أحمد بن منيعٍ، قال: ثنا عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: إذا رأى الرجلُ مِن امرأته فاحِشَةً، فلا بأس أن يُضارَّها، ويَشُقَّ عليها حتى تختلِعَ منه (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرني مَعْمَرٌ، عن أيوب، عن أبي قلابة في الرجل يَطَّلِعُ من امرأته على فاحشةٍ.
فذكر نحوه.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو الزِّنَى، فإِذا فَعَلْن ذلك فَخُذُوا مُهورهنَّ (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبرني عبد الكريم أنه سمع الحسن البصريَّ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾.
قال: الزِّنَى.
قال: وسمِعتُ الحسنَ وأبا الشَّعْثاءِ يَقولان: فإِن فَعَلَت، حَلَّ لزوجها أن يكون هو يسألُها الخُلْعَ لِتفتدِىَ (٣).
وقال آخرون: الفاحشة المبيِّنة في هذا الموضع النُّشُوزُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالحٍ، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: وهو البُغْضُ والنُّشُوزُ، فإذا فَعَلَت ذلك، فقد حَلَّ له منها الفِدْية (١).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن عليِّ بن بَذِيمةَ، عن مقسمٍ في قوله: (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتذهبوا ببعض ما آتيتموهُنَّ إلا أَنْ يُفْحِشْنَ) في قراءة ابن مسعودٍ، قال: إذا عصتك (٢) وآذتك، فقد حلَّ لك أخذُ ما أخَذَتْ منك (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُطَرِّفِ بن طَرِيفٍ، عن خالدٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزَاحِمٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
قال: الفاحشة هاهنا النشوزُ، فإذا نشَزت حلَّ له أن يَأْخُذَ خُلْعَها منها (١).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
قال: هو النشوزُ (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءُ بن أبي رَبَاحٍ: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: فَإِن فَعَلْنَ؛ إِن شِئتُم أمْسَكتُموهنَّ، وإِن شِئتُم أَرْسَلْتُموهنَّ.
حدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
قال: عدل ربُّنا ﵎ في القضاء، فرجع إلى النساء، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: والفاحشة العصيانُ والنُّشُوزُ، فإذا كان ذلك مِن قِبَلِها، فإن قبلها، فإن الله أمره أن يَضْرِبَها، وأمره بالهجرِ، فإن لم تدع العصيان والنشوز، فلا جناح عليه بعد ذلك أن يَأْخُذَ منها الفدية (١).
قال أبو جعفر: وأَوْلَى ما قيل في تأويل قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
أَنَّه مَعْنيٌّ به كلُّ فاحشةٍ من بذاءةٍ باللسان على زوجها، وأذًى له، وزِنًى بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عمَّ بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
كل فاحشة مبيِّنةٍ ظاهرة، فكلُّ زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زِنًى أو نشوزٌ، فله عَضْلُها على ما بيَّن الله في كتابه، والتضييق عليها حتى تَفْتَدِى منه - بأيِّ معاني فواحش أتت، بعد أن تكونَ ظاهرةٌ مُبيِّنةً - بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ.
كالذي حدَّثني يوسف (٢) بن سلمان (٣) البصريُّ، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، قال: ثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، أن رسول الله ﷺ، قال: "اتَّقوا الله في النساء، فإنكم أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واستحلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمة الله، وإنّ لكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكْرَهُونه، فإن فعَلْنَ ذلك، فاضْرِبُوهُنَّ ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ، ولهنَّ عليكم رِزْقُهنَّ وكسْوَتُهنَّ بالمعروف" (٤).
حدَّثنا موسى بن عبدِ الرحمنِ المَسْرُوقيُّ، قال: ثني زيدُ بن الحُبابِ، قال: ثنا موسى بنُ عُبيدَةَ الرَّبَذِيُّ، قال: ثنى صدقةُ بنُ يَسَارٍ، عن ابن عمرَ، أَن رسول الله ﷺ قال: "أيُّها الناسُ، إن النساء عندكم عَوَانٍ (١)، أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُرُوجَهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهِنَّ حقٌّ، ولهنَّ عليكم حقٌّ، ومن حقِّكم عليهنَّ ألَّا يُوطِئْنَ فرشكم أحدًا، ولا يَعْصِينَكم في معروف، فإذا فعلن ذلك، فلهنَّ رزقهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعروفِ" (٢).
فأخبر ﷺ أن من حقِّ الزوج على المرأة ألا تُوطِئَ فراشه أحدًا، وألا تعصيه في معروفٍ، وأن الذي يجبُ لها من الرزق والكسوة عليه، إنما هو واجبٌ عليه إذا أدَّت هي إليه ما يجب عليها من الحقِّ، بتركها إيطاءَ فراشه غيره، وتركها معصيته في معروفٍ، ومعلومٌ أن معنى قول النبيِّ ﷺ: "من حقِّكم عليهنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا".
إنما هو: ألّا يُمَكِّنَّ أنفسَهنَّ مِن أحدٍ سواكم.
وإذا كان ما روينا في ذلك صحيحًا عن رسول الله ﷺ، فبيِّنٌ أن لزوج المرأة إذا أوطأت امرأته نفسها غيره، وأمكنت من جماعها سواه، أن له من منعها الكسوة والرزق بالمعروف، مثل الذي له من منعها ذلك إذا هي عصته في المعروف، وإذا كان ذلك له، فمعلومٌ أنه غيرُ مانعٍ لها - بمنعه إيَّاها ما له منعها - حقًّا لها واجبًا عليه، وإذا كان ذلك كذلك فبيِّنٌ أنها إذا افتدت نفسها عند ذلك من زوجها، فأخذ منها زوجها ما أعطَتْه، أنه لم يَأْخُذْ ذلك عن عضْلٍ مَنْهيٍّ عنه، بل هو أخذ ما أخذ منها عن عَضْلٍ له مُباحٍ، وإذ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أنه داخلٌ في استثناءِ الله ﵎ الذي استثناه من العاضلين بقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
وإذ صحَّ ذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾.
منسوخٌ بالحدود؛ لأن الحد حقُّ الله جل ثناؤه على مَن أتى الفاحشة التي هي زنًى، وأمَّا العَضْلُ لِتَفْتَدِى المرأة من الزوج بما آتاها أو ببعضه، فحقٌّ لزوجها، كما عَضْلُه إيَّاها وتضييقه عليها إذا هي نشرت عليه لِتَفْتَدِى منه، حقٌّ له، وليس حكم أحدهما يُبْطِلُ حكم الآخرِ.
فمعنى الآية: ولا يَحِلُّ لكم أيها الذين آمنوا أن تَعْضُلُوا نساءكم، فتضيِّقوا عليهنَّ، وتمنعوهنَّ رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُموهنَّ مِن صَدُقاتِكم، ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ مِن زنًى أو بذاءٍ عليكم، وخلاف لكم فيما يَجِبُ عليهنَّ لكم.
﴿مُبَيِّنَةٍ﴾: ظاهرة.
فيحلَّ لكم حينئذٍ عَضْلُهنَّ والتضييق عليهنَّ؛ لِتَذْهَبوا ببعض ما آتيتموهنَّ مِن صَداقٍ، إن هنَّ افْتَدَيْنَ منكم به.
واخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء (١)، بمعنى أنها قد بُيِّنت لكم، وأُعلنت وأُظْهِرت.
وقرأه بعضُهم: ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ بكسر الياء (٢)، بمعنى أنها ظاهرةٌ بيِّنةٌ للناس أنها فاحشةٌ.
وهما قراءتان مستفيضتان في قَرَأَةِ أمصار الإسلام، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ في قراءته الصوابَ؛ لأن الفاحشة إذا أظْهَرها صاحبها فهي ظاهرةٌ بَيِّنةٌ، وإذا ظهرت فبإظهارِ صاحبها إيَّاها ظهرت، فلا تكون ظاهرةً بيِّنةٌ إلا وهي مُبَيَّنَةٌ، ولا مُبَيَّنَةٌ إلا وهى مُبَيِّنَةٌ، فلذلك رأيتُ القراءةَ بأيِّهما قرأ القارئ صوابًا.
القول في تأويل قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعنى جلّ ثناؤهُ بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾: وخالِقُوا (١) أَيُّها الرجالُ نساءَكم، وصاحبوهنَّ بالمعروف.
يعنى: بما أمرتُكم به من المصاحبة، وذلك إمساكهنَّ بأداءِ حقوقهنَّ التي فرض الله جل ثناؤُه لهنَّ عليكم إليهنَّ، أو تسريحٌ منكم لهنَّ بإحسانٍ.
كما حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يقولُ: وخالطوهنَّ.
كذا قال محمد بن الحسين، وإنما هو: خالِقوهنَّ.
مِن العِشْرَةِ وهى المُصَاحَبَةُ.
القول في تأويل قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: لا تَعْضُلوا نساءكم لتَذْهَبوا ببعض ما آتَيْتُمُوهُنَّ مِن غير ريبةٍ ولا نشوزٍ كان منهنَّ، ولكن عاشروهنَّ بالمعروف وإن كرهتموهنَّ، فلعلَّكم أن تَكْرَهُوهنَّ فتُمْسِكُوهُنَّ، فيجعل الله لكم في إمساككم إيَّاهنَّ على كُرهٍ منكم لهنَّ، خيرًا كثيرًا، مِن ولدٍ يَرْزُقُكم منهنَّ، أو عطفكم عليهنَّ بعد كراهتكم إيَّاهنَّ.
كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
يقولُ: فعسى الله أن يَجْعَل في الكراهة خيرًا كثيرًا (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثني أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
قال: الولد (١).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾: والخير الكثير أن يَعْطِفَ عليها، فيُرْزَقَ الرجلُ ولدها، ويجعَلَ اللهُ في وَلدِها خيرًا كثيرًا (٢).
والهاء في قوله: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
على قول مجاهدٍ الذي ذكرناه، كنايةٌ عن مصدرِ ﴿تَكْرَهُوا﴾.
كأن معني الكلام عنده: فإن كرِهْتُموهنَّ، فعسى أن تكرهوا شيئًا، ويجعَلَ اللهُ [في كرهِهِ] (٣) خيرًا كثيرًا.
ولو كان تأويل الكلام: فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعَلَ اللهُ في ذلك الشيء الذي تكرهونه خيرًا كثيرًا.
كان جائزًا صحيحًا.
القول في تأويل قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: وإن أَرَدْتُم أَيُّها المؤمنون نكاح امرأةٍ مكانَ امرأة لكم تُطَلِّقونها، ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ﴾.
يقولُ: وقد أعْطَيتُم التي تُرِيدُون طلاقها من المهر ﴿قِنْطَارًا﴾.
والقنطار المالُ الكثيرُ.
وقد ذكرنا فيما مضى اختلاف أهل التأويل في مبلغه، والصواب من القول في ذلك عندنا (٤).
﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
يقولُ: فلا تَضُرُّوا بِهِنَّ إِذا أَرَدْتُم طَلاقَهُنَّ؛ ليَفْتَدِينَ منكم بما أتيتُموهنَّ.
كما حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾: طلاق امرأة مكانَ أخرى، فلا يَحِلُّ له مِن مالِ المطلقة شيءٌ وإن كثر (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
القولُ في تأويل قوله: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿أَتَأْخُذُونَهُ﴾: أتأخذون ما آتيتموهنَّ مِن مُهورهنَّ، ﴿بُهْتَانًا﴾.
يقولُ: ظلمًا بغير حقٍّ، ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
يعنى: وإثمًا قد أبان أمرُ آخذه أنه بأخذه إيَّاه لمن أخَذه منه ظالمٌ.
القول في تأويل قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾: وعلى أيِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائكم ما آتيتموهنَّ مِن صَدُقَاتِهِنَّ إذا أردتُم طلاقهنَّ، واستبدال غيرِهنَّ بهنَّ أزواجًا، ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، فتباشَرتُم وتلامَسْتُم.
وهذا كلامٌ وإن كان مَخْرَجُه مخرجَ الاستفهام، فإنه في معنى النكير والتغليظ، كما يقولُ الرجلُ لآخر: كيف تفعل كذا وكذا وأنا غير راضٍ به؟
على معنى التهدُّدِ (٢) والوعيد.
وأمَّا الإفضاء إلى الشيء، فإنه الوصول إليه بالمباشرة له، كما قال الشاعر (١): بِلًى [وثأًى] (٢) أَفضَى إلى كلِّ (٣) كُتبةٍ … بدا سيرُها من باطنٍ بعد ظاهرِ يعنى بذلك أن الفساد والبِلَى وصل إلى الخُرَزِ.
والذي عُنى به الإفضاء في هذا الموضع، الجماعُ في الفرج.
فتأويلُ الكلام - إذ كان ذلك معناه -: وكيف تأخُذون ما آتيتموهنَّ وقد أفْضَى بعضُكم إلى بعضٍ بالجماع؟
وبنحو ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبد الحميد بن بيانٍ القَنَّادُ، قال: ثنا إسحاق، عن سفيان، عن عاصم، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباس، قال: الإفضاء المباشرة، ولكنَّ الله كريمٌ، يَكْنِي عمَّا يشاءُ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن بكرٍ، عن ابن عباس، قال: الإفضاءُ الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، عن (٦) بكرِ بن عبدِ اللهِ المزنيِّ، عن ابن عباس، قال: الإفضاء هو الجماع.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
قال: مجامعة النساءِ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾: يعنى المجامعة (٢).
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾.
أي: ما وثَّقتم (٣) به لهنَّ على أنفسكم، من عهد وإقرار منكم بما أقْرَرْتُم به على أنفسكم، من إمساكهنَّ بمعروف، أو تسريحهنَّ بإحسان، وكان في عقد المسلمين النِّكاح قديمًا، فيما بلغنا، أن يقال للناكح: الله عليك، لَتُمْسِكُنَّ بمعروف، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ الذي أخذه للنساء على الرجال؛ إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٍ بإحسانٍ، وقد كان في عقد (٤) المسلمين عند إنكاحهم: اللهِ عليك لَتُمْسِكَنَّ بمعروفٍ، أو لَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ (١).
واختلف أهل التأويل في الميثاقِ الذي عنَى اللهُ جَلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾؛ فقال بعضُهم: هو إمساكٌ بمعروفٍ، أو تسريحٌ بإحسان.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا جويبر، عن الضحاكِ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عون، قال: ثنا هشيم، عن جويبرٍ، عن الضحَّاك مثله.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: هو ما أخذ الله ﵎ للنساء على الرجال؛ فإمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.
قال: وقد كان ذلك يُؤْخَذُ عندَ عقدِ النكاحِ (٣).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: أَمَّا: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
فهو أن يَنْكِحَ المرأة فيقول وَلِيُّها: أَنْكَحْناكَها بأمانةِ اللهِ، على أن تُمسكها بالمعروف، أو تُسَرِّحَها بإحسانٍ (١).
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: الميثاق الغليظ الذي أخذه الله للنساء؛ إمساك بمعروفٍ، أو تسريح بإحسانٍ، وكان (٢) في عُقدة المسلمين عند نكاحهنَّ: للهِ (٣) عليك، لَتُمْسِكَنَّ بمعروف، ولَتُسَرِّحَنَّ بإحسانٍ.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسن ومحمد بن سيرين في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسانٍ (٤).
وقال آخرون: هو كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها الفرج.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: كلمة النِّكاح التي اسْتَحَلَّ بها فروجَهنَّ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ المكِّيِّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: قوله: نكَحت.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، قال: ثنا عَنْبسةُ، عن محمد بن كعبٍ القُرَظيِّ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: هو قولهم: قد ملَكْتُ النِّكاح.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيان، عن سالمٍ الأفطس، عن مجاهد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: كلمة النِّكاح (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: الميثاق النِّكاح.
حدَّثنا عَمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثنى سالم الأفطس، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: كلمةُ النِّكاح، قوله: نكَحتُ (١).
وقال آخرون: بل عنى قول النبيِّ ﷺ: "أخَذْتُموهنَّ بأمانةِ اللهِ، واسْتَحْلَلْتُم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيل، عن جابر، عن (٣) عكرمة: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال (١): "أخذتموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: والميثاق الغليظُ: "أَخَذْتُموهنَّ بأمانة الله، واسْتَحللتم فُروجَهنَّ بكلمةِ اللهِ" (٣).
قال أبو جعفر: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بتأويل ذلك قولُ مَن قال: الميثاق الذي عُنِى به في هذه الآية، هو ما أُخِذ للمرأة على زوجها عند عقد (٤) النِّكاح، من عهدٍ على إمساكها بمعروفٍ، أو تسريحها بإحسانٍ، فأقرَّ به الرجلُ؛ لأن الله جلَّ ثناؤُه بذلك أوْصَى الرجال في نسائهم.
وقد بيَّنَّا معنى الميثاق فيما مضى قبل (٥)، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
واختلف في حكم هذه الآية؛ أمُحكَمٌ أم منسوخٌ؟
فقال بعضُهم: مُحْكَمٌ، وغير جائزٍ للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاق.
وقال آخرون: هي مُحكمةٌ، وغير جائز له أخذُ شيءٍ مما آتاها منها بحالٍ، كانت هي المريدة الطلاق أو هو.
وممن حكى عنه هذا القولُ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزنيُّ.
حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا عُقْبَةُ بنُ أبي الصَّهْباءِ (١)، قال: سألتُ بكرًا عن المختلعة: أيَأْخُذُ منها شيئًا؟
قال: لا، ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٢).
وقال آخرون: بل هي منسوخةٌ، نسخها قوله ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾.
إلى قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾.
قال: ثم رخَّص بعد، فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
قال: فنسَخت هذه تلك (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوال بالصواب في ذلك قولُ مَن قال: إنها مُحْكَمَةٌ غير منسوخةٍ، وغير جائز للرجل أخذُ شيءٍ مما آتاها، إذا أراد طلاقها من غيرِ نُشوزٍ كان منها، ولا ريبةٍ أتَتْ بها.
وذلك أن الناسخَ من الأحكام ما نفى خلافه من الأحكام، على ما قد بيَّنَّا في سائر كتبنا، وليس في (٤) قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ﴾.
نفى حكم قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
لأن الذي حرَّم الله على الرجل بقوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾.
أخذُ ما آتاها منها، إذا كان هو المريد طلاقها.
وأمَّا الذي أباح له أخذه منها بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
فهو إذا كانت هي المريدة طلاقه، وهو له كارهٌ، ببعض المعاني التي قد ذكرنا في غير هذا الموضع (١)، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى.
وإذا كان ذلك كذلك، لم يجز أن يُحْكم لإحداهما بأنها ناسخةٌ، وللأخرى بأنها منسوخةٌ، إلا بحجَّةِ يَجِبُ التسليم لها.
وأمَّا ما قاله بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، مِن أنه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إيَّاها، إذا كانت هي الطالبة الفرقة وهو الكارة، [فليس بصوابٍ] (٢)، لصحَّة الخبر عن رسول الله ﷺ بأنه أمر ثابت بن قيس بن شَمَّاسٍ بأخذ ما كان ساق إلى زوجته، وفراقها إن طلبتْ فراقه، وكان النشوزُ مِن قِبَلِها (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾.
ذكر أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يَخْلُفُون على حلائل آبائهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فحرَّم الله ﵎ عليهم المقام عليهنَّ، وعفا لهم عمّا كان سلف منهم في جاهليتهم وشركهم، من فعل ذلك، لم يُؤَاخِذْهم به إن هم اتقَوُا الله في إسلامهم، وأطاعوه فيه.
ذكرُ الأخبار التي رُويت في ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ المُخَرِّميُّ (١)، قال: ثنا قُرَادٌ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن (٢) عمرٍو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما يُحَرَّمُ إلا امرأةَ الأب، والجمع بين الأختين.
قال: فأنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
قال: كان أهلُ الجاهليَّةِ يُحَرِّمون ما حرَّم الله، إلا أن الرجل كان يَخْلُفُ على حَليلةِ أبيه، ويَجْمَعون بين الأختين، فمِن ثَمَّ قال الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ عن عكرمة في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
قال: نزلت في أبي قيس بن الأَسْلَتِ، خَلَف على أُمِّ عُبيدٍ بنتِ ضَمْرَةَ (٥)، كانت تحتَ الأَسْلَتِ أبيه؛ وفى الأسودِ بن خَلَفٍ، وكان خلف على بنتِ أبي طلحةَ بن عبدِ العُزَّى بن عثمانَ بن عبد الدارِ، وكانت عند أبيه خلفٍ؛ وفى فاختةَ بنتِ الأسودِ بن المُطَّلِبِ بن أَسَدٍ، وكانت عند أُمَيَّةَ بن خلفٍ، فخلف عليها صفوانُ بنُ أُمَيَّةَ؛ وفي منظورِ بن زَبَّانَ (١)، وكان خلَف على مُلَيْكَةَ ابنة خارجةَ، وكانت عند أبيه زَبَّانَ (١) بن سَيَّارٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءِ بن أبي رباحٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة ثم لا يراها حتى يُطَلِّقَها، أَتُحِلُّ لابنه؟
قال: هي مرسَلةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾؟
قال: كان الأبناءُ يَنْكِحون نساءَ آبائِهم في الجاهلية (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية.
يقولُ: كلُّ امرأةٍ تزوَّجها أبوك وابنُك، دخَل أو لم يدخُلْ، فهى عليك حرامٌ (٤).
واخْتُلِف في معنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، فقال بعضُهم: معناه: لكن ما قد سلَف فدَعُوه.
وقالوا: هو مِن الاستثناءِ المنقطِع.
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا نكاحَ آبائِكم.
بمعنى: ولا تَنْكِحوا كنكاحِهم، كما نَكَحوا على الوجوه الفاسدةِ التي لا يجوزُ مثلُها في الإسلام.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
يعنى: أن نكاحَ آبائِكم الذي كانوا يَنْكِحونه في جاهليتِهم، كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا، إلا ما قد سلَف منكم في جاهليتِكم، مِن نكاح لا يجوزُ ابتداءُ مثلِه في الإسلام، فإنه معفوٌّ لكم عنه.
وقالوا: قولُه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
كقول القائلِ للرجل: لا تَفْعَلْ ما فعلتُ، ولا تَأْكُلْ ما أكلتُ.
بمعنى: ولا تأكل كما أكلتُ.
ولا تفعَلْ كما فعلتُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم من النساءِ بالنكاحِ الجائز كان عقدُه بينهم، إلا ما قد سلَف منهم من وجوه الزنى عندهم، فإن نكاحَهنَّ لكم حلالٌ (١)؛ لأنهنَّ لم يَكُنَّ لهم حلائل، وإنما كان (٢) ما كان من آبائِكم [ومنهنَّ] (٣) من ذلك فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية.
قال: الزنى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، فزاد ههنا المقت (٤).
قال أبو جعفر: وأَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب - على ما قاله أهلُ التأويل في تأويله - أن يكون معناه: ولا تَنْكِحوا من النساء نكاحَ آبائِكم، إلا ما قد سلَف منكم فمضَى في الجاهليةِ، فإنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا.
فيكونُ قولُه: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾.
من صلة قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا﴾.
ويكونُ قولُه: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾.
بمعنَى المصدر، ويكونُ قولُه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
بمعنى الاستثناء المنقطع؛ لأنه يحسُنُ في موضعِه: لكن ما قد سلَف فمضَى، إنه كان فاحشةً ومقتًا وساء سبيلًا.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ هذا القولُ موافقًا قولَ مَن ذَكَرتَ قولَه مِن أهل التأويل، وقد علِمتَ أن الذين ذكرت قولَهم في ذلك إنما قالوا: أُنْزِلت هذه الآيةُ في النهي عن نكاحِ حلائلِ الآباءِ، وأنت تذكُرُ أنهم إنما نُهوا أن يَنْكِحوا نكاحَهم.
قيل له: إنما (١) قلنا: إن ذلك هو التأويلُ الموافقُ لظاهر التنزيل؛ إذ كانت "ما" في كلام العرب لغيرِ بنى آدم، وأنه لو كان المقصود بذلك النهيُ عن حلائل الآباء، دونَ سائر ما كان من مناكِحِ آبائهم حرامًا ابْتداءُ مثله في الإسلام، بنهي الله جلَّ ثناؤُه عنه، لقيل: ولا تَنْكِحوا مَن نكَح آباؤُكم من النساء إلا ما قد سلف.
لأن ذلك هو المعروفُ في كلام العرب؛ إذ كان "من" لبنى آدم، و "ما" لغيرهم، ولم (٢) يُقَل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
[وأما قولُه] (٣): فإنه يدخُلُ في "ما" ما كان من مناكح آبائهم التي كانوا يَتَناكَحونها في جاهليتِهم، فحرَّم عليهم في الإسلام بهذه الآية نكاحَ حلائلِ الآباء، وكلَّ نكاحٍ سواه نهَى الله تعالى ذكرُه ابتداءَ مثله في الإسلام، مما كان أهلُ الجاهليَّةِ يَتَناكَحونه في شِركِهم.
ومعنى قوله: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: إلا ما قد مضَى، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.
يقولُ: إن نكاحَكم الذي سلَف منكم كنكاح آبائكم المُحَرَّم عليكم ابتداءُ مثلِه في الإسلام، بعد تحريمى ذلك عليكم، ﴿فَاحِشَةً﴾.
يقولُ: معصيةٌ.
﴿وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
أي: بئس طريقًا ومنهجًا ما كنتم تَفْعَلُون في جاهليتِكم، مِن المناكِحِ التي كنتم تَناكَحُونها.
القولُ في تأويل قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣)﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: حُرِّم عليكم نكاحُ أمهاتِكم.
فتَرَك ذكرَ النِّكاح اكتفاءً بدلالة الكلام عليه.
وكان ابن عباسٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن الثوريِّ، عن الأعمش، عن إسماعيلَ بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حرُم من النسبِ سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
حتى بلغ: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
قال: والسابعةُ: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ، قال: يَحْرُمُ مِن النسب سبعٌ، ومن الصِّهْرِ سبعٌ.
ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ مرةً أخرى، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاءٍ، عن عُميرٍ مولى ابن عباسٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزُّهريِّ بنحوه.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن حبيبٍ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حُرِّم عليكم سبعٌ نَسَبًا، وسبعٌ صِهْرًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سمَاكِ بن حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾.
قال: حرَّم الله مِن النَّسَبِ سبعًا، ومِن الصِّهْرِ سبعًا.
ثم قرأ: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾ الآية (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُطَرِّفٍ، عن عَمرِو بن سالمٍ مولى الأنصارِ، قال: حُرِّم مِن النَّسَبِ سبعٌ، ومِن الصِّهْرِ سبعٌ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾.
ومن الصِّهْرِ: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ثم (٢) قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
فكلُّ هؤلاء اللواتى سمَّاهنَّ الله ﵎ وبيَّن تحريمهن في هذه الآية، مُحَرَّماتٌ غيرُ جائزٍ نكاحُهنَّ لمن حرَّم الله ذلك عليه من الرجال، بإجماعِ جميعِ الأمةِ، لا اختلافَ بينهم في ذلك، إلا في أمهات نسائِنا اللواتي لم يَدْخُلْ بهِنَّ أزواجهنَّ، فإن في نكاحِهنَّ اختلافًا بيْن بعض المتقدِّمين من الصحابة، إذا بانت (٣) الابنةُ قبل الدخول بها من زوجها، هل هنَّ مِن المُبْهَماتِ (٤)، أم هنَّ مِن المشروط فيهنَّ الدخولُ ببناتِهنَّ؟
فقال جميعُ أهل العلم متقدِّمُهم ومتأخرُهم: مِن المبهَماتِ، وحرامٌ على من تزوَّج امرأةً؛ أمُّها، دخَل بامرأتِه التي نكَحها أو لم يَدْخُلْ بها.
وقالوا: شرطُ الدخول في الربيبة دونَ الأُمِّ، فأمَّا أمُّ المرأة فمُطْلَقَةٌ بالتحريم.
قالوا: ولو جاز أن يكون شرطُ الدخول في قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
يَرْجِعُ (١) موصولًا به قولُه: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
جاز أن يكونَ الاستثناءُ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
مِن جميع المُحَرَّماتِ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية.
قالوا: وفى إجماع الجميع على أن الاستثناءَ في ذلك إنما هو مما وَليَه من قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾.
أبينُ الدلالة على أن الشرط في قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
مما وليَه من قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
دونَ أمهاتِ نسائِنا.
ورُوى عن بعض المتقدِّمين أنه كان يقولُ: حلالٌ نكاحُ أمهاتِ نسائِنا اللواتي لم نَدْخُلْ بهنَّ، وإن حكمَهنَّ في ذلك حكمُ الربائبِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ وعبدُ الأعلى، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن خِلَاسِ بن عَمْرٍو، عن عليٍّ ﵁، في رجلٍ تزوَّج امرأةً فطلَّقها قبل أن يَدْخُلَ بها، أَيَتَزَوَّجُ أَمَّها؟
قال: هي بمنزلة الرَّبِيبةِ (٢).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن خلاسٍ، عن عليٍّ ﵁، قال: هي بمنزلة الرَّبيبة.
حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، عن زيد بن ثابتٍ، أنه كان يقولُ: إذا ماتت امرَأتُه عندَه، فأخَذ ميراثَها، كُرِه أن يَخْلُفَ على أمِّها، وإذا طلَّقها قبلَ أن يَدْخُل بها، فإن شاء فعل (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن (٢) سعيدٍ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: إذا طلَّق الرجلُ امرأته قبل أن يَدْخُلَ بها، فلا بأسَ أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: أخبرني عكرمةُ بنُ خالدٍ، أن مجاهدًا قال له: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾: أريد بهما الدخولُ جميعًا (٣).
قال أبو جعفرٍ: والقولُ الأولُ أولى بالصوابِ، أعنى قولَ من قال: الأمُّ من المبهَماتِ؛ لأن الله لم يَشْرُط معَهنَّ الدخول ببناتِهنَّ، كما شرَط ذلك مع أمَّهاتِ الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماعٌ مِن الحُجَّةِ التي لا يجوزُ خلافُها فيما جاءت به مُتَّفقةً عليه.
وقد رُوِى بذلك أيضًا عن النبيِّ ﷺ، خبرٌ، غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدَّثنا به المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن المُبارك، قال: أخبَرنا المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاحِ، عن عَمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ، قال: "إذا نكَح الرجلُ المرأةَ، فلا يَحِلُّ له أن يَتَزَوَّجَ أُمَّهَا، دخل بالابنة أمْ لم يَدْخُلْ، وإذا تزوَّج الأُمَّ فلم يَدْخُلْ بها، ثم طلَّقها، فإن شاء تزوَّج الابْنة" (١).
قال أبو جعفرٍ: وهذا خبرٌ، وإن كان في إسنادِه ما فيه، فإن في إجماعِ الحُجَّةِ على صحة القولِ به مُسْتَغْنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلنا لعطاءٍ: الرجلُ يَنْكِحُ المرأة لم يَرَها ولا يُجَامِعُها حتى يُطَلِّقَها، أَتَحِلُ له أَمُّها؟
قال: لا، هي مرسَلةٌ.
قلتُ لعطاءٍ: أكان ابن عباس يَقْرَأَ: (وأمهاتُ نسائِكم اللَّاتى دَخَلْتم بهنَّ).
قال: لا.
تَتْرَى (٢).
قال حجَّاجٌ: قلتُ لابن جُرَيجٍ: مَا تَتْرَى (٢)؟
قال: كأنه قال: لا، لا (٣).
وأما "الربائبُ" فإنَّها (٤) جمعُ رَبيبةٍ، وهى ابنةُ امرأة الرجل، قيل لها: ربيبةٌ.
لتربيته إيَّاها، وإنما هي مربوبةٌ، صُرفت إلى ربيبةٍ، كما يقالُ: هي قتيلةٌ (٥).
من مقتولةٍ (٦)، وقد يقالُ لزوج المرأةِ: هو ربيبُ ابن امرأته.
يعنى به: هو رابُّه.
كما يقالُ: هو [خابرٌ وخبيرٌ] (٧)، وشاهدٌ وشهيدٌ.
واخْتَلف أهلُ التأويل في معنى قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، فقال بعضُهم: معنى الدخول في هذا الموضع الجماع.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية بن صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس قوله: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾: والدخولُ النِّكاح (١).
وقال آخرون: الدخولُ في هذا الموضع هو التجريد.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ: قلت لعطاءٍ: قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾.
ما الدخولُ بهنَّ؟
قال: أن تُهْدَى إليه فيَكْشِفَ، ويَعْتَسَّ (٢)، ويَجْلِسَ بين رجليها.
قلتُ: أرأيتَ إن فعل ذلك في بيتِ أهلها؟
قال: هو سواءٌ، وحَسْبُه، قد حرَّم ذلك عليه ابنتها.
قلتُ: تَحْرُمُ الربيبة ممن يَصْنَعُ هذا بأمِّها، ألا (٣) يَحْرُمُ عليَّ مِن أَمَتى إن صنَعْتُه بأمِّها؟
قال: نعم، سواءٌ.
قال عطاءٌ: إذا كشف الرجلُ أمَتَه وجلس بين رجلَيْها، أَنْهاه عن أمها وابنتها (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولين عندى بالصواب في تأويل ذلك ما قاله ابن عباس، مِن أن معنى الدخول الجماعُ والنكاح؛ لأن ذلك لا يَخْلُو معناه مِن أحدِ أمرين؛ إما أن يكون على الظاهرِ المتعارفِ من معاني الدخول في الناس، وهو الوصول إليها بالخلوة بها، أو يكون بمعنى الجماع.
وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا يُحَرِّمُ عليه ابنتها، إذا طلَّقها قبلَ مَسِيسِها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بالشهوة، ما يَدُلُّ على أن معني ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن الصحيح من التأويل في ذلك ما قلناه.
وأما قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
فإنه يقولُ: فإن لم تكونوا أيُّها الناسُ دخلتم بأمهات ربائبكم اللاتي في حجوركم، فجامَعْتُموهنَّ حتى طلَّقْتُمُوهُنَّ (١)، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
يقولُ: فلا حرج عليكم في نكاح من كان من ربائبكم كذلك.
وأما قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
فإنه يعنى: وأزواج أبنائكم الذين من أصلابكم.
وهى جمعُ حَلِيلةٍ، وهي امرأته.
وقيل: سُمِّيت امرأةُ الرجل حليلته؛ لأنها تحلُّ معه في فراشٍ واحدٍ.
ولا خلاف بين جميع أهل العلم أن حليلة ابن الرجل حرامٌ عليه نكاحها بعقد ابنه عليها النِّكاح، دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في حلائلِ الأبناء من الرضاع، فإن الله تعالى إنما حرَّم حلائل أبنائنا مِن أصلابنا؟
قيل: إن حلائل الأبناء من الرضاع، وحلائل الأبناء من الأصلاب، سواءٌ في التحريم، وإنما قال (٢): ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
لأن معناه: وحلائلُ أبنائكم الذين ولدتموهم، دون حلائل أبنائكم الذين تَبَنَّيتُموهم.
كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قلتُ لعطاء: قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؟
قال: كنَّا نَتَحَدَّثُ - والله أعلم - أنها نزلت في محمدٍ ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة، قال المشركون في ذلك، فنزلت: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾.
ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، ونزَلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (١) [الأحزاب: ٤٠].
وأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.
فإن معناه: وحُرِّم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح.
فـ ﴿وَأَنْ﴾ في موضع رفعٍ، كأنه قيل: والجمع بين الأختين.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾: لكن ما قد مضى منكم، فإن الله كان غفورًا لذنوب عباده، إذا تابوا إليه منها، رحيمًا بهم فيما كلَّفهم من الفرائض، وخفَّف عنهم فلم يُحَمِّلْهم فوق طاقتِهم.
يُخْبِرُ بذلك جل ثناؤه أنه غفورٌ لمن كان جمع بين الأختين بنكاح في جاهليته، وقبل تحريمه ذلك، إذا اتَّقى الله ﵎ بعد تحريمه ذلك عليه، فأطاعه باجتنابه، رحيمٌ به وبغيره من أهل طاعته من خلقه.
القول في تأويل قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤه: حُرِّمت عليكم المحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانُكم.
واختلف أهل التأويل في المُحْصَناتِ التي عناهنَّ (١) الله في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هنَّ ذواتُ الأزواج غير (٢) المَسْبيَّاتِ منهنَّ، [ومِلْكُ] (٣) اليمين السبايا اللَّواتي فرَّق بينَهنَّ وبين أزواجهنَّ السِّباءُ، فحلَلْنَ لمن صِرْنَ له بملك اليمين، من غيرِ طلاقٍ كان من زوجها الحربيِّ لها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ إتيانها زنًى، إلا ما سَبَيْتَ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عُلية (٥)، قال: ثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس مثله.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يقولُ: كلُّ امرأة لها زوجٌ فهى عليك حرامٌ، إلا أمةً ملكتها ولها زوجٌ بأرض الحرب، فهى لك حلالٌ إذا اسْتَبرأتها (٦).
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيْمٌ، عن خالدٍ، عن أبي قلابة في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: ما سبيتُم من النساء، إذا سُبيت المرأة ولها زوجٌ في قومها، فلا بأس أن يطأها (١).
حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كلُّ امرأةٍ محصنة لها زوجٌ فهي محرَّمةٌ، إلا ما ملكت يمينك من السبي وهى محصنةٌ لها زوج، فلا تَحْرُمُ عليك به.
قال: كان أبي يقولُ ذلك (١).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عُتْبَةُ بنُ سعيد الحِمْصِيُّ، قال: ثنا سعيدٌ، عن مكحولٍ في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: السَّبايا (٢).
واعتلَّ قائلو هذه المقالة بالأخبار التي رُويت أن هذه الآية نزلت في من سُبِى مِن أوطاسٍ.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشميِّ، عن أبي سعيد الخدري، أن نبيَّ الله ﷺ يوم حنين بعَث جيشًا إلى أوطاس، فلَقُوا عدوًّا، فأصابوا سبايا لهنَّ أزواجٌ من المشركين، فكان المسلمون يتأَثَّمون من غِشْيانِهِنَّ، فَأَنزل الله ﵎ هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
أي: هنَّ حلالٌ لكم إذا ما انقضت عِدَدُهنَّ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن صالح أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشميَّ حدَّث، أن أبا سعيد الخدرى حدَّث، أن نبيَّ الله ﷺ بعث يومَ حُنينٍ سَرِيَّةً، فأصابوا حيًّا من أحياء العرب يومَ أوطاس، فهزموهم وأصابوا لهم سبايا، فكان ناسٌ من أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ يَتَأثَّمون من غِشْيانِهِنَّ مِن أجل أزواجهنَّ، فأنزل الله ﵎: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ منهنَّ، فحلالٌ لكم ذلك (١).
حدَّثني عليُّ بن سعيدٍ الكنديُّ (٢)، قال: ثنا عبد الرحيم بن سليمانَ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن عثمان البَتِّيِّ، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: لمَّا سبى رسول الله ﷺ أهلَ أوطاس قلنا: يا رسول الله، كيف نَقَعُ على نساءٍ قد عرفنا أنسابَهنَّ وأزواجهنَّ؟
قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا الثوريُّ، عن عثمان البتِّيِّ، [عن أبي الخليل] (٤)، عن أبي سعيد الخدري، قال: أَصَبْنا نساءً مِن سبي أوطاسٍ لهنَّ أزواج، فكرهنا أن نقع عليهنَّ ولهنَّ أزواجٌ، فَسَأَلْنَا النبيَّ ﷺ، فنزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فَاسْتَحْلَلْنا فُروجَهنَّ (٥).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، قال: نزلت في يوم أوطاسٍ، أصاب المسلمون سبايا لهنَّ أزواجٌ في الشركِ، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يقول: إلا ما أفاء الله عليكم.
قال: فاسْتَحْلَلْنا بها فُروجَهنَّ (١).
وقال آخرون - ممن قال: المحصنات ذوات الأزواج في هذا الموضع -: بل هنَّ كلُّ ذاتِ زوجٍ من النساء، حرامٌ على غير أزواجهنَّ، إلا أن تكون مملوكةً اشتراها مشترٍ من مولاها فتَحِلَّ لَمُشْتَرِيها، ويُبْطِلُ بيع سيِّدها إيَّاها النِّكاح بينها وبين زوجها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادَةَ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ إلا أن تَشْتَرِيَها، أو ما مَلَكَتْ يمينك (٢).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا محمد (٣) بن جعفرٍ، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم، أنه سُئل عن الأَمَةِ تُباع ولها زوجٌ، قال: كان عبد الله يقولُ: بيعها طلاقها.
ويتلو هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، عن عبدِ اللهِ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليك حرامٌ، إلا ما اشتريتَ بمالِك.
وكان يقولُ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابن المسيَّبِ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ، حرَّم اللهُ نكاحَهنَّ، إلا ما ملَكتْ يمينُك، فبيعُها طلاقُها.
قال مَعْمَرٌ: وقال الحسنُ مثلَ ذلك (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: إذا كان لها زوجٌ فبيعُها طلاقُها (٢).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرَ بنَ عبدِ اللهِ، وأنسَ بنَ مالكٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، أن أُبَيَّ بنَ كعبٍ، وجابرًا، وابنَ عباسٍ، قالوا: بيعُها طلاقُها.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ عُبيدٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ ومغيرةَ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: بيعُ الأمةِ طلاقُها (١).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٢).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: طلاقُ الأمةِ سِتٌّ (٣)، بيعُها طلاقُها، وعِتْقُها طلاقُها، وهِبَتُها طلاقُها، وبراءتُها طلاقُها، وطلاقُ زوجِها طلاقُها (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ المغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن عيسى بن أبى إسحاقَ، عن أَشْعَثَ، عن الحسنِ، عن أُبَيِّ بن كعبٍ أنه قال: بيعُ الأَمَةِ طلاقُها.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال: بيعُ الأمَةِ طلاقُها، وبيعُه طلاقُها (٥).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال عبدُ اللهِ: مشتريها أحقُّ ببُضْعِها.
يعنى الأمةَ تُباعُ ولها زوجٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: طلاقُ الأَمَةِ بيعُها (١).
حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حبيبٍ، قال: ثنا يونسُ، عن الحسنِ، أن أُبَيًّا قال: بيعُها طلاقُها (٢).
حدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا سفيانُ، عن خالدٍ، عن أبي قِلابةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: إذا بِيعتِ الأمةُ ولها زوجٌ، فسيِّدُها أحقُّ ببُضْعِها (٣).
حدَّثنا حُميدٌ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثني سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: بيعُها طلاقُها.
قال: فقيلَ لإبراهيمَ: فبيعُه؟
قال: ذلك (٤) ما لا نقولُ فيه شيئًا.
وقال آخَرون: بل معنى المحصناتِ في هذا الموضعِ العفائفُ.
قالوا: وتأويلُ الآيةِ: والعفائفُ مِن النساءِ حرامٌ أيضًا عليكم، إلا ما ملَكتْ أيمانُكم منهنَّ بنكاحٍ وصَدَاقٍ وبَيِّنَةٍ (٥) وشهودٍ، مِن واحدةٍ إلى أربعٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن أبي العاليةِ، قال: يقولُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
ثم حرَّم ما حرَّم مِن النَّسَبِ والصِّهْرِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: فرجَع إلى أولِ السورةِ إلى أربعٍ، فقال: هنَّ حرامٌ أيضًا، إلا بصَداقٍ وبَيِّنَةٍ (١) وشهودٍ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن أيوبَ، عن ابن سِيرِينَ، عن عَبِيدَةَ، قال: أَحَلَّ اللهُ لك أربعًا في أولِ السورةِ، وحرَّم نكاحَ كلِّ مُحْصَنَةٍ بعدَ الأربعِ، إلا ما ملَكت يمينُك.
قال مَعْمَرٌ: وأخبرني ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: إلا ما ملَكت يمينُك، قال: فزوجُك مما ملَكت يمينَك، يقولُ: حرَّم اللهُ الزنى، لا يَحِلُّ لك أن تَطَأَ امرأَةً إلا ما ملَكت يمينُك (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ [سعيدِ بن] (٤) مسروقٍ الكِنْديُّ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن ابن سِيرِينَ، قال: سألتُ عَبِيدَةَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: أربعٌ (٥).
حدَّثني عليُّ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ، عن أَشْعَثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرِينَ، عن عَبيدَةَ، عن عمرَ بن الخطابِ مثلَه (٦).
حدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: الأربعُ، فما بعدَهنَّ حرامٌ (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: حرَّم اللهُ ذواتِ القرابةِ، ثم قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يقولُ: حرَّم ما فوقَ الأربعِ منهنَّ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: الخامسةُ حرامٌ كحرمةِ الأُمَّهاتِ والأخواتِ.
ذكرُ مَن قال: عَنى بالمُحْصَناتِ في هذا الموضعِ العفائفَ مِن المسلمين وأهلِ الكتابِ حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بَشِيرٍ، عن خَصيفٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ﴾.
قال: العفيفةُ العاقلةُ؛ مِن مسلمةٍ [أو مِن] (٢) أهلِ الكتابِ (٣).
حدَّثنا أبو كَريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن بعضِ أصحابِه، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: العفائفُ (٤).
وقال آخَرون: المحصناتُ في هذا الموضعِ ذواتُ الأزواجِ، غيرَ أن الذي حرَّم اللهُ منهنَّ في هذه الآيةِ الزنى بهنَّ، وأباحَهنَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
بالنكاحِ أو المِلْكِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ﴾.
قال: نهَى عن الزنى (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: نهَى عن الزنى؛ أن تَنْكِحَ المرأةُ زوجَيْنِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ، إلا الأربعَ اللاتى يُنْكَحْنَ بالبيِّنةِ والمهرِ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عثمانَ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا أبي، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ راشدٍ يُحَدِّثُ عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أَنه سُئِل عن المُحْصَناتِ من النساءِ، قال: هنَّ ذواتُ الأزواجِ (٣).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمَّادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: ذواتُ الأزواجِ مِن المسلمينِ والمشركينِ.
وقال عليٌّ: ذواتُ الأزواجِ مِن المشركين (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: كلُّ ذاتِ زوجٍ عليكم حرامٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن مكحولٍ نحوَه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الصَّلْتِ بن بَهْرامَ، عن إبراهيمَ نحوَه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
إلى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: يعني ذواتِ الأزواجِ مِن النساءِ لا يَحِلُّ نكاحُهنَّ، يقولُ: لا تَخْلُبْ (٣) ولا تَعِدْ فتَنْشُزَ على زوجِها، وكلُّ امرأةٍ لا تُنْكَحُ إلا ببَيِّنَةٍ ومهرٍ فهى مِن المُحْصناتِ التي حرَّم اللهُ، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يعنى التي أحَلَّ اللهُ مِن النساءِ، وهو ما أحَلَّ مِن حرائرِ النساءِ مثنى وثُلاثَ ورُباع (٤).
وقال آخَرون: بل هنَّ نساءُ أهلِ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عُبيدٍ، عن أيوبَ بن (١) أبي العَوْجاءِ عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: نساءُ أهلِ الكتابِ.
وقال آخَرون: بل هنَّ الحرائرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنى حَمَّادُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا سليمانُ، عن (٢) عَزْرةَ (٣) في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
قال: الحرائرُ.
وقال آخَرون: المحصناتُ هن العفائفُ وذواتُ الأزواجِ، وحرامٌ كلٌّ مِن الصَّنْفيْنِ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثني عُقَيْلٌ، عن ابن شهابٍ، وسُئِل عن قولِ اللهِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية.
قال: نرى أنه حرَّم في هذه الآيةِ المحصناتِ مِن النساءِ ذواتِ الأزواجِ أن يُنْكَحْنَ مع أزواجِهنَّ، والمحصناتُ العفائفُ، ولا يَحْلِلْنَ إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمينٍ، والإحصانُ إحصانان؛ إحصانُ تزويجٍ، وإحصانُ عفافٍ في الحرائرِ والمملوكاتِ، كلَّ ذلك حرَّم اللهُ، إلا بنكاحٍ أو مِلْكِ يمين (٤).
وقال آخَرون: نزَلت هذه الآيةُ في نساءٍ كنَّ يُهَاجِرْنَ (١) إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولهنَّ أزواجٌ، فيَتَزَوَّجُهنَّ بعضُ المسلمين، ثم يَقْدَمُ أزواجُهنَّ مهاجرينَ، فنُهِي المسلمون عن نكاحِهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: ثنى حبيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: كان النساءُ يَأْتِينَنَا ثم يُهاجِرُ أزواجُهنَّ، فمُنِعْناهنَّ.
يعنى بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢).
وقد ذُكِرَ عن (٣) ابن عباسٍ وجماعةٍ غيرِه أنه كان مُلْتَبِسًا عليهم تأويلُ ذلك.
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، قال: قال رجلٌ لسعيدِ بن جُبيرٍ: أمَا رأيتَ ابنَ عباسٍ حينَ سُئِل عن هذه الآيةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فلم يَقُلْ فيها شيئًا؟
قال: فقال: كان لا يَعْلَمُها (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الرحمنِ بن يحيى، عن مجاهدٍ، قال: لو أَعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لى هذه الآيةَ لضرَبتُ إليه أكبادَ الإبلِ؛ قولَه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (١).
قال أبو جعفرٍ: فأَمَّا المُحْصَنَاتُ، فإنهنَّ جمعُ مُحْصَنَةٍ، وهي التي قد مُنِع فرجُها بزوجٍ: يقالُ منه: أَحْصَنَ الرجلُ امرأتَه فهو يُحْصِنُها إحصانًا، وحصَنتْ هي فهي تَحْصُنُ حصانةً، إذا عفَّتْ، وهى حاصنٌ مِن النساءِ، عفيفةٌ، كما قال العجَّاجُ (٢): وحاصِنٍ مِن حاصناتٍ مُلْسِ من [الأذَى ومن] (٣) قِرافِ الوَقْسِ (٤) ويقالُ أيضًا إذا هي عفّت فحفِظتْ فرجَها مِن الفجورِ: قد أحْصَنت فرجَها فهي مُحْصَنَةٌ.
كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢].
بمعنى: حفِظتْه مِن الريبةِ، ومنَعتْه مِن الفجورِ.
وإنما قيل لحصونِ المدائنِ والقرى: حُصُونٌ.
لمنعِها مَن أرادها وأهلَها، وحفْظِها ما وراءَها ممن بغاها مِن أعدائِها، ولذلك قيل للدرعِ: درعٌ حَصِينةٌ.
فإذ كان أصلُ الإحصانِ ما ذكَرنا مِن المنعِ والحفظِ، فبيِّنٌ أن معنى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: والممنوعاتُ مِن النساءِ حرامٌ عليكم، ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
وإذ كان ذلك معناه، وكان الإحصانُ قد يكونُ بالحُرِّيَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
ويكونُ بالإسلامِ، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
ويكونُ بالعِفَّةِ، كما قال جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ (النور: ٤).
ويكونُ بالزوجِ، ولم يكنْ ﵎ خصَّ محصَنةً دونَ محصَنةٍ في قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ - فواجبٌ أن تكونَ كلُّ محصَنةٍ - بأيِّ معاني الإحصانِ كان إحصانُها - حرامًا علينا، سفاحًا أو نكاحًا، إلا ما ملَكتْه أيمانُنا منهنَّ؛ بشراءٍ، كما أباحه لنا كتابُ اللهِ جلَّ ثناؤه، أو نكاح (١)، على ما أطْلَقه لنا تنزيلُ اللهِ.
فالذي أباحه ﵎ لنا نكاحًا مِن الحرائرِ، الأربعُ سوى اللَّواتى حُرِّمن علينا بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، ومِن الإماءِ ما سبَيْنا مِن العدوَّ سوى اللواتى وافَق معْناهن معَنى ما حُرّم علينا مِن الحرائرِ بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، فإنهن والحرائرَ فيما يَحِلُّ ويَحْرُمُ بذلك المعنى متفقاتُ المعانى، وسوى اللَّواتى سبَيْناهنَّ مِن أهل الكتابَيِنْ ولهنَّ أزواجٌ، فإن السِّباءَ يُحِلُّهنَّ لمن سباهنَّ بعدَ الاستبراءِ، وبعدَ إخراجِ حقِّ اللهِ ﵎ الذي جعَله لأهلِ الخُمْسِ منهنَّ.
فأمَّا السِّفاحُ، فإن الله ﵎ حرَّمه مِن جميعِهن، فلم يُحِلَّه مِن حُرَّةٍ ولا أَمَةٍ، ولا مسلمةٍ ولا كافرةٍ مشركةٍ.
وأمَّا الأمَةُ التي لها زوجٌ، فإنها لا تَحِلُّ لمالِكها إلا بعدَ طلاقٍ زوجِها إيَّاها، أو وفاتِه وانقضاءِ عدَّتِها منه.
فأمَّا بيعُ سيدِها إيَّاها، فغيرُ مُوجِبٍ بينَها وبيَن زوجِها فراقًا ولا تحليلًا لمشترِيها؛ لصحَّةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه خيَّر بَرِيرةَ إذ أعْتَقَتْها عائشةُ، بينَ المُقام معَ زوجِها، الذي كان سادتُها زوَّجوها منه في حالِ رقِّها، وبينَ فِراقِه (٢)، ولم يَجْعَلْ ﷺ عتقَ عائشةَ إيَّاها لها طلاقًا.
ولو كان عتقُها وزوالُ مِلْكِ عائشةَ إِيَّاها لها (١) طلاقًا، لم يكن لتخييرِ النبيِّ ﷺ إيَّاها بينَ المُقامِ مع زوجِها والفراقِ معنًى، [ولوجَب] (٢) بالعتقِ الفِراقُ، وبزوالِ ملكِ عائشةَ عنها الطلاقُ.
فلمَّا خيَّرها النبيُّ ﷺ بينَ الذي ذكَرْنا وبينَ المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، كان معلومًا أنه لم يُخَيِّرْ بينَ ذلك إلا والنكاحُ عقدُه ثابتٌ، كما كان قبلَ زوالِ ملكِ عائشةَ عنها، فكان نظيرًا للعتقِ - الذي هو زوالُ ملكِ مالكِ المملوكةِ ذاتِ الزوجِ عنها - البيعُ الذي هو زوالُ ملكِ مالِكها عنها؛ إذ كان أحدُهما زوالًا ببيعٍ، والآخرُ بعتقٍ، في أن الفُرْقةَ لا تجِبُ (٣) بينَها وبينَ زوجِها بهما ولا بواحدٍ منهما، [ولا يجِبُ بهما ولا بواحدٍ منهما] (٤) طلاقٌ (٥) وإن اختلفا في معانٍ أُخَرَ، مِن أن لها في العتقِ الخيارَ في المُقامِ مع زوجِها والفِراقِ، لعلةٍ مفارقةٍ معنى البيعِ، وليس ذلك لها في البيعِ.
فإن قال قائلٌ: وكيف يكونُ معنيًّا بالاستثناءِ مِن قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
ما وراءَ الأربعِ مِن الخَمْسِ إلى ما فوقَهنَّ بالنكاحِ، والمنكوحاتُ به غيرُ مملوكاتٍ؟
قيل له: إن الله تعالى لم يَخُصَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
المملوكاتِ الرقابَ دونَ المملوكِ عليها بعقدِ النكاحِ أمرُها، بل عمَّ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
كلا المعنيينِ، أعنى ملكَ الرقبةِ وملكَ الاستمتاعِ بالنكاحِ؛ لأن جميعَ ذلك ملَكتْه أيمانُنا، أمَّا هذه فملكُ استمتاعٍ، وأمَّا هذه فملكُ استخدامٍ واستمتاعٍ وتصريفٍ فيما أُبِيح لمالِكِها منها.
ومَن ادَّعى أن الله تبارك و تعالى عنَى بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
محصَنةً وغيرَ محصَنةٍ سوى مَن ذكَرْنا أولًا بالاستثناءِ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ - بعضَ أملاكِ أيمانِنا دونَ بعضٍ، غيرَ الذي دللْنا على أنه غيرُ معنيٍّ به، سُئِل البرهانَ على دعواه مِن أصلٍ أو نظيرٍ، فلن يقولَ في ذلك قولًا إلا أُلْزِم في الآخَرِ مثلَه.
فإن اعتلَّ معتلٌّ منهم (١) بحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أن هذه الآيةَ نزَلت في سبايا أوطاسٍ، قيل له: إن سبايا أوطاسٍ لم يُوطَأْنَ بالمِلْكِ والسِّباءِ دونَ الإسلامِ؛ وذلك أنهنَّ كنَّ مشركاتٍ مِن عَبَدَةِ الأوثانِ، وقد قامت الحجةُ بأن نساءَ عبدةِ الأوثانِ لا يَحْلِلْنَ بالملكِ دونَ الإسلامِ، وأنهنَّ إذا أسلمْنَ فَرَّق الإسلامُ بينهنَّ وبينَ الأزواجِ، سبايا كنَّ أو مُهاجِراتٍ، غيرَ أنهن إذا كنَّ سبايا، حلَلْنَ إذا هنَّ أَسْلَمْنَ بالاستبراءِ، فلا حجةَ لمحتجٍّ في أن المحصَناتِ اللاتى عناهنَّ بقولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
ذواتُ الأزواجِ مِن السبايا دونَ غيرِهن، بخبرِ أبى سعيدٍ الخُدْريِّ في (٢) أن ذلك نزَل في سبايا أوطاسٍ؛ لأنه وإن كان فيهن نزَل، فلم يَنْزِلْ في إباحةِ وطئِهِنَّ بِالسَّباءِ خاصَّةً دون غيرِه مِن المعانى التي ذكَرْنا، معَ أن الآيةَ تَنْزِلُ في معنىً، فتَعُمُّ ما نزَلت به فيه وغيرَه، فيَلْزَمُ حكمُها جميعَ ما عمَّتْه؛ لِما قد بيَّنَّا مِن القولِ في العمومِ والخصوصِ في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ".
القولُ في تأويلِ قولِ اللهِ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: كتابًا مِن اللهِ عليكم.
فأخْرج الكتابَ مَصْدَرًا (٣) مِن غيرِ لفظِه.
وإنما جاز ذلك لأن قولَه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
بمعنى (١): كتَب اللهُ تحريمَ ما حرَّم مِن ذلك، وتحليلَ ما حلَّل مِن ذلك عليكم، كتابًا.
وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: ما حرَّم عليكم (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: هو الذي كتَب عليكم الأربعَ ألا تَزِيدوا (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عونٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، قال: قلتُ لعَبِيدَةَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
وأشار ابن عونٍ بأصابعِه الأربعِ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا هشامٌ، عن ابن سِيرِينَ، قال: سألتُ عَبيدَةَ عن قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: أربعٌ (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: الأربعُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
قال: هذا أمرُ اللهِ عليكم.
قال: يُريدُ ما حرَّم عليهم مِن هؤلاءِ، وما أحلَّ لهم.
وقرَأ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيةِ.
قال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: الذي كتَبه، وأمْرُه الذي أمَرَكم به، ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾: أمرُ اللهِ.
وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يَزْعُمُ أن قولَه: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.
منصوبٌ على وجهِ الإغراءِ، بمعنى: عليكم كتابَ اللهِ: الْزَموا كتابَ اللهِ.
والذي قال مِن ذلك غيرُ مستفيضٍ في كلامِ العربِ، وذلك أنها لا تكادُ (٣) تَنْصِبُ بالحرفِ الذي تُغْرِى به، [إذا أخَّرت الإغراءَ وقدَّمت المُغْرَى به] (٤).
لا تكادُ تَقولُ: أخاك عليك، وأباك دونَك.
وإن كان جائزًا.
والذي هو أَوْلَى بكتابِ اللهِ أن يكونَ محمولًا على المعروفِ مِن لسانِ مَن نزَل بلسانِه، هذا مع ما ذكَرْنَا مِن تأويلِ أهلِ التأويلِ ذلك بمعنَى ما قلناه، وخلافِ ما وجَّهه إليه مَن زعَم أنه نُصِب على وجهِ الإغراءِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: وأُحِلَّ لكم ما دونَ الخَمْسِ، أن تَبْتَغوا بأموالِكم على وجهِ النكاحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: ما دونَ الأربع، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ، عن عَبِيدَةَ السَّلْمانيِّ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾: يعنى ما دونَ الأربع (٢).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ مَن سَمَّى لكم تحريمَه مِن أقاربِكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: سألتُ عطاءً عنها، فقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال: ما وراءَ ذاتِ القرابةِ، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٣).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: وأُحِلَّ لكم ما وراءَ (٤) عددِ ما أُحِلَّ لكم مِن المحصَناتِ مِن النساءِ الحرائرِ؛ مِن (١) الإماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال: ما ملَكت أيمانُكم (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنوه (٣)، وهو أن الله جلَّ ثناؤه بيَّن لعبادِه المحرَّماتِ بالنَّسَبِ والصِّهْرِ، ثم المحرَّماتِ مِن المحصَناتِ مِن النساءِ، ثم أخبرَهم جلَّ ثناؤه أنه قد أحلَّ لهم ما عدا هؤلاء المحرَّماتِ المبيَّناتِ في هاتيْن الآيَتيْنِ أن نَبْتَغِيَه بأموالِنا نكاحًا ومِلْكَ يمينٍ، لا سَفاحًا.
فإن قال قائلٌ: عرَفْنا المحلَّلاتِ اللواتى هنَّ وراءَ المحرَّماتِ بالأنسابِ والأصهارِ، فما المحلَّلاتُ مِن المحصناتِ والمحرَّماتُ منهنَّ؟
قيل: هو ما دونَ الخَمْسِ مِن واحدةٍ إلى أربعٍ - على ما ذكَرْنا عن عَبِيدَةَ والسُّدِّيِّ - مِن الحرائرِ، فأمَّا ما عدا ذواتِ الأزواجِ، فغيرُ عددٍ محصورٍ بمِلْكِ اليمينِ.
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لأن قولَه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ عامٌّ في كلِّ مُحَلَّلٍ لنا مِن النساءِ أن نبتغِيَها بأموالِنا، فليس توجيهُ معنى ذلك إلى بعضٍ منهنَّ بأولى من بعضٍ، إلا أن تقومَ بأن ذلك كذلك حجةٌ يجِبُ التسليمُ لها، ولا حُجَّةَ بأن ذلك كذلك.
واختلَفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُهم: (وأَحَلَّ لَكُمْ).
بفتحِ الألفِ مِن (أَحَلَّ) (١).
بمعنى: كَتب اللهُ عليكم، وأحَلَّ لكم ما وراءَ ذلكم.
وقرَأه آخَرون: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢).
اعتبارًا بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ - ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: والذي نقولُ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ الإسلامِ، غيرُ مختَلِفَتَى المعنى، فبأَيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ الحقَّ.
وأمَّا معنى قولِه: ﴿مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
فإنه يعنى: ما عدا هؤلاءِ اللواتي حرَّمْتُهن عليكم، ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
يقولُ: أَن تَطْلُبُوا وتَلْتَمِسوا بأموالِكم؛ إما شراءً بها، وإما نكاحًا بصَداقٍ معلومٍ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١].
يعني: بما عداه وبما سواه.
وأمَّا موضعُ: ﴿أَنْ﴾.
مِن قولِه: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾.
فرفعٌ؛ ترجمةً عن ﴿مَّا﴾ التي في قولِه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾.
في قراءةِ مَن قرَأ: ﴿وَأُحِلَّ﴾.
بضمِّ الألفِ، ونصبٌ على ذلك في قراءةِ مَن قرَأ ذلك: (وأَحَلَّ).
بفتح الألفِ.
وقد يَحْتَمِلُ النصبُ في ذلك في القراءتيِن على معنى: وأحلَّ لكم ما وراءَ ذلكم لأن تَبْتَغوا.
فلمَّا حُذِفتِ اللَّامُ الخافضةُ اتَّصلت بالفعلِ قبلَها فنُصِبت.
وقد يَحْتَمِلُ أن تكونَ في موضعِ خفضٍ بهذا (١) المعنى، إذ كانت اللامُ في هذا الموضعِ معلومًا أن بالكلامِ إليها الحاجةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مُحْصِنِينَ﴾: أعفَّاءَ بابتغائِكم ما وراءَ ما حُرِّم (٢) عليكم مِن النساءِ بأموالِكم، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
يقولُ: غَيرَ مُزَانِينَ (٣).
كما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مُحْصِنِينَ﴾.
قال: متناكِحِين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
قال: زانِينَ بكلِّ زانيةٍ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿مُحْصِنِينَ﴾: مُتَناكِحِين، ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾: السِّفاحُ الزنَى.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾.
يقولُ: مُحْصِنين غيرَ زُناةٍ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: فما نكَحْتُم منهنَّ فجامَعْتُموهنَّ، يعنى مِن النساءِ، ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
يعنى: صَدُقاتِهنَّ فريضةً معلومةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
يقولُ: إذا تزوَّج الرجلُ منكم المرأةَ، ثم نكَحها مرةً واحدةً، فقد وجَب صداقُها كلُّه، والاستمتاعُ هو النكاحُ، وهو قولُه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾.
قال: هو النكاحُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾: النكاحُ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾.
قال: النكاحَ أراد.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ الآية.
قال: هذا النكاحُ، وما في القرآنِ إِلَّا نكاحٌ، إذا أخَذْتَها واسْتَمتعتَ بها، فأعْطِها أجرَها؛ الصداقَ، فإن وضَعَتْ لك منه شيئًا فهو لك سائغٌ، فرَض اللهُ عليها العِدَّةَ، وفرَض لها الميراثَ.
قال: والاسْتِمْتاعُ هو النكاحُ ههنا إذا دخَل بها (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فما تمتَّعْتُم به منهنَّ بأجرٍ تمتُّعَ اللذةِ، لا بنكاحٍ مطلقٍ على وجهِ النكاحِ الذي يكونُ بوليٍّ وشهودٍ ومهرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى فآتُوهُنَّ أجورَهُنَّ فريضةً ولا جُناحَ علَيكم فِيما تراضَيْتُم به مِن بعدِ الفريضةِ): فهذه المتعةُ؛ الرجلُ يَنْكِحُ المرأةَ بشرطِ إلى أجلٍ مسمًّى، ويُشْهِدُ، شاهديْنِ، ويَنْكِحُ بإذنِ وليِّها، وإذا انْقَضت المدةُ، فليس له عليها سبيلٌ، وهى منه بَرِيَّةٌ، وعليها أن تَسْتَبْرِئَ ما في رحمِها، وليس بينَهما ميراثُ، ليس يَرِثُ واحدٌ منهما صاحبَه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾.
قال: يعنى نكاحَ المتعةِ (٣).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ عيسى، قال: ثنا نُصَيْرُ بنُ أَبي الأشعثِ، قال: ثني ابن (٤) حبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبيه، قال: أعطانى ابن عباسٍ مصحفًا، فقال: هذا على قراءةِ أُبَيٍّ.
قال أبو كُريبٍ (١): قال يحيى: فرأيتُ المصحفَ عندَ نُصيرٍ فيه: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدَةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن متعةِ النساءِ، قال: أمَا تَقْرَأ سورةَ "النساءِ"؟
قال: قلتُ: بلى.
قال: فما تَقْرَأُ فيها: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أجلٍ مسمًّى)؟.
قلتُ: لا، لو قرأتُها هكذا ما سألتُك.
قال: فإنها كذا.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنى داودُ، عن أبي نَضْرَةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن المتعةِ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي مَسْلَمةَ (٢)، عن أبي نَضْرَةَ، قال: قرَأتُ هذه الآيةَ على ابن عباسٍ: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾.
فقال ابن عباسٍ: (إلى أجلٍ مسمًّى).
قال: قلتُ: ما أَقْرَؤُها كذلك.
قال: واللهِ لأَنْزَلَها اللهُ كذلك.
ثلاثَ مراتٍ (٣).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن هُبَيرةَ (٤)، أن ابنَ عباسٍ قرَأ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى) (٥).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ، وحدَّثنا خلَّادُ بنُ أَسْلَمَ، قال: أخبرَنا النَّضْرُ، قال: أخبرَنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن ابن عباسٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (فما اسْتَمْتَعْتُم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى) (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكَمِ، قال: سألتُه عن هذه الآيةِ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
إلى هذا الموضع: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أمنسوخةٌ هي؟
قال: لا.
قال الحكمُ: وقال عليٌّ ﵁: لولا أن عمرَ ﵁ نهَى عن المتعةِ، ما زنَى إلا شقيٌّ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا عيسى بنُ عمرَ القارئُ الأَسَديُّ، عن عَمْرِو بن مُرَّةَ، أنه سمِع سعيدَ بنَ جُبيرٍ يَقْرَأ: (فما اسْتَمتعتم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مُسَمًّى فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (٣).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى التأويلين في ذلك بالصوابِ تأويلُ مَن تأوَّلَه: فما نَكَحْتُموه منهنَّ فجامَعْتُموه، فآتُوهُنَّ أجورَهنَّ.
لقيامِ الحجةِ بتحريمِ اللهِ مُتْعَةَ النساءِ على غيرِ وجهِ النكاحِ الصحيحِ أو المِلْكِ الصحيحِ، على لسانِ رسولِه ﷺ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن عبدِ العزيزِ بن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، قال: ثنى الربيعُ بنُ سَبْرَةَ الجُهَنِيُّ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ قال: "اسْتَمْتِعوا مِن هذه النساءِ".
والاستمتاعُ عندنا يومَئذٍ التزويجُ (١).
وقد دَلَّلْنا على أن المتعةَ على غيرِ النكاحِ الصحيحِ حرامٌ، في غيرِ هذا الموضعِ مِن كُتُبِنا، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وأمَّا ما رُوِى عن أُبَيِّ بن كعبٍ وابنِ عباسٍ مِن قراءتِهما: (فما اسْتَمْتَعتم به منهنَّ إلى أَجَلٍ مسمًّى).
فقراءةٌ بخلافِ ما جاءت به مصاحفُ المسلمين، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يُلْحِقَ في كتابِ اللهِ تعالى شيئًا لم يأتِ به الخبرُ القاطعُ العذرَ عَمَّن لا يجوزُ خلافُه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا حرَجَ عليكم أيُّها الأزواجُ، إن أدْرَكتكُم عُسْرَةٌ بعدَ أن فرَضْتُم لنسائِكم أجورَهُنَّ فريضةً، فيما تراضَيْتُم به مِن حطٍّ وبراءةٍ، بعد الفرضِ الذي سلَف منكم لهنَّ ما كنتم فرَضتم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حَضْرَميٌّ أن رجالًا كانوا يَفْرِضون المهرَ، ثم عسى أن يُدرِكَ أحدَهم العسرةُ، فقال اللهُ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما تراضَيتُم أنتم والنساءُ اللواتى اسْتَمْتَعْتُم بهنَّ إلى أجَلٍ مسمًّى، إذا انْقَضى الأجلُ الذي أجَّلْتموه بينَكم وبينهنَّ في الفراقِ، أَن يَزِدْنَكم (٢) في الأجلِ، وتَزِيدوا مِن الأجرِ والفريضةِ، قبلَ أَن يَسْتَبْرِئْنَ أرحامَهنَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: إن شاء أرضاها مِن بعدِ الفريضةِ الأُولَى - يعنى الأجرةَ التي أعطاها على تمتُّعِه بها - قبلَ انقضاءِ الأجلِ بينَهما، فقال: أَتَمَتَّعُ منكِ أيضًا بكذا وكذا، فازداد قبلَ أن يَسْتَبْرِئَ رحِمَها، ثم تَنْقَضِى المُدَّةُ، وهو قولُه: ﴿فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ (٣).
وقال آخَرون: معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم أيُّها الناسُ فيما تراضَيْتُم به أنتم ونساؤُكم بعدَ أن تُؤتُوهُنَّ أجورَهنَّ على استِمْتاعِكم بهنَّ مِن مُقامٍ وفراقٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾: والتراضى أن يُوَفِّيَها صداقَها ثم يُخَيِّرَها (١).
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ولا جُناحَ عليكم فيما وضَعتْ عنكم نساؤكم مِن صدُقاتِهنَّ مِن بعدِ الفريضةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
قال: إن وضَعتُ لك منه شيئًا فهو لك سائغٌ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا حرجَ عليكم أيُّها الناسُ، فيما تَراضَيْتُم به أنتم ونساؤُكم، مِن بعدِ إعطائِهنَّ أجورَهُنَّ على النكاحِ الذي جرَى بينَكم وبينهنَّ، مِن حطِّ ما وجَب لهنَّ عليكم، أو إبراءٍ، أو تأخيرٍ ووضعٍ.
وذلك نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
فأمَّا الذي قاله السُّدِّيُّ فقولٌ لا معنى له؛ لفسادِ القولِ بإحلالِ جماعِ امرأةٍ بغير نكاحٍ ولا ملكِ يمينٍ.
وأمَّا قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فإنه يعنى: إن الله كان ذا علمٍ بما يُصْلِحُكم أيُّها الناسُ، في مناكحِكم وغيرِها مِن أمورِكم وأمورِ سائرِ خلقِه، بما يُدَبِّرُ لكم ولهم مِن التدبيرِ، وفيما يأمرُكم وينهاكم، لا يَدْخُلُ حكمتَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الطَّوْلِ الذي ذكَره اللهُ تعالى في هذه الآيةِ؛ فقال بعضهُم: هو الفضلُ والمالُ والسَّعَةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
قال: الغِنَى.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
يقولُ: مَن لم يكنْ له سَعَةٌ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
يقولُ: من لم يَسْتَطِعْ منكم سَعَةً (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
قال: الطولُ الغِنَى (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى (٥)، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
قال: الطَّوْلُ السَّعَةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾: أمَّا قولُه: ﴿طَوْلًا﴾.
فَسَعةٌ مِن المالِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
قال: ﴿طَوْلًا﴾: لا يَجِدُ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً (٢).
وقال آخرون: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، الهَوَى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبَّارِ بنُ عمرَ (٣)، عن رَبيعةَ، أنه قال في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
قال: الطَّوْلُ الهَوَى.
قال: يَنكِحُ الأَمَةَ إذا كان هَوَاهُ فيها (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان رَبيعةُ يُلَيِّنُ فيه بعضَ التَّلْبِينِ، كان يقولُ: إذا خَشِى على نفسِه إذا أحَبَّها - أي الأمةَ - وإن كان يَقْدِرُ على نِكاحِ غيرِها، فإني أرَى أن يَنْكِحَها.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنه سُئِل عن الحُرِّ يَتزوَّجُ الأمةَ، فقال: إن كان ذا طَوْلٍ فلا.
قيل: إن وَقَع حُبُّ الأَمَةِ في نفسِه؟
قال: إِن خَشِي العَنَتَ فلْيَتَزَوَّجُها (١).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن عُبَيدةَ، عن الشَّعْبيِّ، قال: لا يَتَزَوَّجُ الحرُّ الأمةَ إلا أن لا يَجِدَ.
وكان إبراهيمُ يقولُ: لا بأسَ به (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءً يقولُ: لا نَكْرَهُ (٣) أن يَنْكِحَ ذو اليَسارِ اليومَ (٤) الأَمَةَ إِذا خَشِي أَن يَشْقَى (٥) بها.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، السَّعَةُ والغِنى من المالِ؛ لإجماعِ الجميعِ على أن الله ﵎ لم يُحَرِّمْ شيئًا من الأشياءِ، سوى نكاحِ الإماءِ لِوَاجِدِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ، فأَحَلَّ ما حَرَّم من ذلك عندَ غَلَبَةِ (٦) المُحَرَّمِ عليه له، لقضاءِ لَذَّةٍ.
فإذ كان ذلك إجماعًا من الجميعِ فيما عَدا نكاحِ الإماءِ لِواجِدِ الطَّوْلِ، فمِثْلُه في التحريمِ نكاحُ الإماءِ لِواجِدِ الطَّوْلِ؛ لا يَحِلُّ له مِن أجلِ غَلَبةِ هوًى عندَه (٧) فيها؛ لأن ذلك - مع وجودِه الطولَ إلى الحُرَّةِ - منه قَضاءُ لَذَّةٍ وشَهْوةٍ، وليس بمَوضعِ ضَرورةٍ [تُرْفَعُ برُخْصَةٍ] (١)، كالميتِة للمُضطرِّ الذي يَخافُ هلاكَ نفسِه، فيَتَرَخَّصُ في أكِلها ليُحْيِيَ بها نفسَه، وما أشْبَهَ ذلك من المُحَرَّماتِ اللواتى رَخَّص اللهُ لعبادِه في حالِ الضرورةِ والخوفِ على أنفسِهم الهلاكَ منه، ما حَرَّم عليهم منها في غيرِها من الأحوالِ، ولم يُرَخَّصِ اللهُ ﵎ لعبدٍ في حرامٍ لقضاءِ لَذَّةٍ.
وفي إجماعِ الجميعِ على أن رجلًا لو غَلَبه هوى امرأةٍ حرةٍ أو أمَةٍ (٢)، أنها لا تَحِلُّ له إلا بنكاحٍ، أو شراءٍ على ما أَذِنَ اللهُ به، ما يُوضِّحُ فسادَ قولِ مَن قال: معنى الطَّوْلِ في هذا الموضعِ، الهَوَى.
وأجاز لِواجِدِ الطَّوْلِ لحُرَّةٍ نِكَاحَ الإماءِ.
فتأويلُ الآيةِ، إذْ كان الأمرُ على ما وَصَفْنا: ومَن لم يَجِدْ منكم سَعَةً من مالٍ لِنكاحِ الحَرائرِ، فلْيَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانُكم.
وأصلُ الطَّوْلِ: الإفضالُ.
يقالُ منه: طالَ عليه يَطُولُ طَوْلًا.
في الإفضالِ.
وطالَ يَطولُ طُولًا.
في الطُّولِ الذي هو خلافُ القِصَرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
يعنى بذلك: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ﴾ أَيُّها الناسُ ﴿طَوْلًا﴾ يعنى: من الأحرارِ، ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وهنَّ الحَرَائرُ المؤمناتُ اللواتي قد صَدَّقْن بتوحيدِ اللهِ وبما جاء به رسولُ اللهِ ﷺ من الحقِّ.
وبنحوِ ما قلنا في المُحصناتِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللِه بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾.
يقولُ: أن يَنكِحَ الحَرائرَ، فلْيَنْكِحْ مِن إماءِ المؤمنين (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: المُحصناتُ الحَرَائرُ، فَلْيَنْكِحِ الأَمَةَ المؤمنةَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أمَّا ﴿فَتَيَاتِكُمُ﴾، فإماؤُكم (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرَنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال: أما مَن لم يَجِدْ ما يَنْكِحُ به (٤) الحُرَّةَ؛ تَزَوَّجَ (٥) الأَمَةَ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال: لا (٢) يَجِدُ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً، فيَنكِحُ هذه الأمَةَ، فيَتَعَفَّفُ بها، ويَكفِيه أهلُها مُؤْنتَها، ولم يُحِلُّ اللهُ ذلك لأحدٍ إلَّا أَلَّا (٣) يَجِدَ ما يَنْكِحُ به حُرَّةً ويُنفِقُ عليها، ولم يُحِلَّ له حتى يَخْشَى العَنَتَ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبرَنا ابن المباركِ، قال: أخبرَنا سُفيانُ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، عن عامرٍ الأحْوَلِ، عن الحسنِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ نهَى أن تُنْكَحَ الأَمَةُ على الحُرَّةِ، وتُنْكَحَ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ومَن وجَد طَوْلًا لحُرَّةٍ، فلا يَنْكِحْ أَمَةً (٤).
واختَلَفتِ القَرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته جماعةٌ مِن قرأَةِ الكوفيين والمَكِّيين: (أن يَنكِحَ المُحْصِنَاتِ) بكسر الصادِ (٥) مع سائرِ ما في القرآنِ من نظائرِ ذلك سوى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
فإنهم فَتحوا الصادَ منها، وَوَجَّهوا تأويلَه إلى أنهن مُحْصَناتٌ بأزواجِهن، وأن أزواجَهن هم أحْصَنوهنَّ.
وأما سائرُ ما في القرآنِ، فإنهم تَأَوَّلوا في كسرِهم الصادَ منه إلى أن النساءَ هنَّ أَحصَنَّ أَنفُسَهن بالعفةِ.
وقرَأَت عامةُ قَرَأَةِ المدينةِ والعراقِ ذلك كلَّه بالفتحِ (١)، بمعنى أن بعضَهن أحصنَهنَّ أزواجُهن، وبعضَهن أحصَنَهنَّ حُرِّيَّتُهن أو إسلامُهن.
وقرَأ بعضُ المُتقدِّمِين كلَّ ذلك بالكسرِ، بمعنى أنهن عَفَفْنَ وأَحصَنَّ أَنفسَهنَّ.
وذُكِرَت هذه القراءةُ - أعنى بكسرِ الجميعِ - عن عَلْقمةَ، على اختلافٍ (٢) في الروايةِ عنه (٣).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ عندَنا من القولِ في ذلك أنهما قراءتان مُسْتَفِيضَتان في قرأةِ الأمصارِ مع اتفاقِ ذلك في المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ الصوابَ، إلا في الحرفِ الأولِ مِن سورةِ "النساءِ"، وهو قولُه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فإني لا أستَجِيزُ الكسرَ في صادِه؛ لاتِّفَاقِ قَرَأَةِ الأمصارِ على فتحِها، ولو كانت القراءةُ بكسرِها مُسْتفيضةً استفاضَتَها بفتحِها، كان صوابًا القراءةُ بها كذلك، لِما ذكَرْنا من تَصَرُّفِ الإحصانِ في المعاني التي بَيَّنَّاها، فيكونُ معني ذلك لو كُسِر: والعَفائفُ من النساءِ حرامٌ عليكم، إلا ما ملكَت أيمانُكم.
بمعنى أنهنَّ أَحْصَنَّ أنفسَهنَّ بالعِفَّةِ.
وأما الفتياتُ، فإنهن جمعُ فتاةٍ، وهنَّ الشَّوَابُّ من النساءِ، ثم يقالُ لكلِّ مملوكةٍ ذاتِ سِنٍّ أو شَابَّةٍ: فتاةٌ.
والعبدُ: فَتًى.
ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ في نكاحِ الفَتَياتِ غيرِ المؤمناتِ، وهل عنَى اللهُ بقولِه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
تحريمَ ما عدا المؤمناتِ مِنهنَّ، أم ذلك مِن اللهِ تأديبٌ للمؤمنين؟
فقال بعضُهم: ذلك مِن اللهِ تعالى ذكرُه دَلالةٌ على تَحريمِ نِكاحِ إماءِ المشركين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال: لا يَنْبغِى أَن يَتزوَّجَ مملوكةً نَصْرانيةً.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
قال: لا ينبغى للحُرِّ المسلمِ أن يَنْكِحَ المملوكةَ مِن أهلِ الكتابِ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: سمِعتُ أبا عمرٍو، و (٢) وسعيدَ بنَ عبدِ العزيزِ، ومالكَ بنَ أنسٍ، [وأبا بكرِ] (٣) بنَ عبدِ اللهِ ابن أبي مريمَ يقولون: لا يَحِلُّ لحُرٍّ مسلمٍ ولا لعبدٍ مسلمٍ، الأَمَةُ النصرانيةُ؛ لأَنَّ الله يقولُ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
يعنى بالنكاحِ (٤).
وقال آخرون: ذلك من اللهِ على الإرشادِ والنَّدْبِ، لا على التحريمِ.
وممن قال ذلك جماعةٌ من أهلِ العراقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ (١)، عن مُغِيرةَ، قال: قال أبو مَيسرةَ: إماءُ (٢) أهلِ الكتابِ بمنزلةِ الحَرائرِ (٣).
ومنهم أبو حنيفةَ وأصحابُه (٤)، واعْتَلُّوا لقولِهم بقولِ اللهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥].
قالوا: فقد أحَلَّ اللهُ محصَناتِ أهلِ الكتابِ عامًّا، فليس لأحدٍ أن يَخُصَّ منهن أَمَةً ولا حُرَّةً.
قالوا: ومعنى قولِه: ﴿فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾: غيرَ المشركاتِ مِن عَبدَةِ الأوثانِ.
قال أبو جعفرٍ: وأَولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هو دَلالةٌ على تَحريمِ نِكاحِ إِماءِ أهلِ الكتابِ، فإنهن لا يَحْلِلْنَ إلا بملْكِ اليَمينِ، وذلك أن الله، جلَّ ثناؤه، أحَلَّ نِكَاحَ الإماءِ بشروطٍ، فما لم تَجْتَمِعِ الشروطُ التي سَمَّاهُنَّ (٥) فيهن، فغيرُ جائزٍ لمسلمٍ نِكاحُهنَّ.
فإن قال قائلٌ: فإن الآيةَ التي في "المائدةِ" تَدُلُّ على إباحتِهنَّ بالنكاحِ.
قيل: إن التي في "المائدةِ" قد أبان أن حكمَها في خاصٍّ مِن مُحْصناتِهم، وأنها مَعْنِيٌّ بها حرائرُهم دونَ إمائِهم، قولُه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وليست إحدى الآيتين دافعًا (١) حكمُها حكمَ الأخرى، بل إحداهما مُبَيِّنَةٌ حكمَ الأخرى، وإنما تكونُ إحداهما دافعةً حكمَ الأخرى، لو لم يكنْ جائزًا اجتماعُ حُكْمَيْهما على صحةٍ ..
فأمَّا وهما جائزٌ اجتماعُ حُكْمَيْهما (٢) على الصحةِ، فغيرُ جائزٍ أن يُحْكَمَ لإحداهما بأنها دافِعةٌ حكمَ الأخرى، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من خبرٍ أو قياسٍ، ولا خبرَ بذلك ولا قياسَ، والآيةُ مُحتَمِلةٌ ما قلنا: والمَحصَناتُ من حَرائرِ الذين أوتوا الكتابَ من قَبْلِكم دونَ إمائِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾.
وهذا من المُؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
وتأويلُ ذلك: ومَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلًا أن يَنكِحَ المحصناتِ المؤمناتِ، فمما مَلَكَت أيمانُكم من فَتياتِكم المؤمناتِ، فلْيَنْكِحْ بعضُكم من بعضٍ.
بمعنى: فلْيَنْكِحْ هذا فتاةَ هذا.
فـ "البعضُ" مرفوعٌ بتأويلِ الكلامِ ومعناه؛ إذ كان قولُه: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، في تأويلِ: فليَنكِحْ مما مَلَكَت أيمانُكم.
ثم رُدَّ ﴿بَعْضُكُمْ﴾ على ذلك المعنى فرُفِع.
ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ﴾.
أي: واللهُ أعلمُ بِإِيمانِ مَن آمَن منكم باللهِ ورسولِه، وما جاء به من عندِ اللهِ، فصَدَّق بذلك كلِّه، منكم.
يقولُ: فليَنكِحْ مَن لم يَسْتَطِعْ منكم طَوْلًا لحرةٍ، مِن فَتياتِكم المؤمناتِ، ليَنكِحْ هذا المُقْتِرُ الذي لا يَجِدُ طَوْلًا لحرَّةٍ، من هذا المُوسِرِ فتاتَه المؤمنةَ التي قد أبْدَتِ الإيمانَ فأَظْهَرَتْه، وكِلُوا سَرائرَهُنَّ إِلى اللهِ، فإِنَّ عِلْمَ ذلك إلى اللهِ دونَكم، واللهُ أعلمَ بسَرائرِكم وسَرائرِهنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ﴾: فتَزَوَّجوهنَّ، وبقولِه: ﴿بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾: بإذن أرْبابِهنَّ وأمرِهم إيَّاكم بنِكاحِهنَّ ورضاهم.
ويعنى بقولِه: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: وأعطُوهنَّ مُهورَهنَّ.
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
قال: الصَّداقُ.
ويعنى بقولِه: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾: على ما تَراضَيْتم به مما أحَلَّ اللهُ لكم، وأباحَه لكم أن تجعَلوه مُهورًا لهن.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
يعني بقولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ﴾: عفيفاتٍ، ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: غيرَ مُزانِياتٍ، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
يقولُ: ولا مُتَّخِذاتِ أصدقاءَ على السِّفاحِ.
وذُكِر أن ذلك قيل كذلك؛ لأن الزَّوَانيَ كُنَّ في الجاهليةِ في العربِ، المُعلِناتِ بالزِّنى.
والمُتَّخِذات الأخدانِ: اللواتى قد حَبَسْن أنفسَهن على الخليلِ والصديقِ، للفجورِ بها سِرًّا دونَ الإعلانِ بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
يعني: تَنْكِحُوهُنَّ عَفَائفَ غَيرَ زَوَانٍ (١) في سِرٍّ ولا علانيةٍ.
﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
يعنى: أخِلَّاءَ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾: المُسافِحاتُ المُعالِناتُ (٣) بالزِّنى، ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فذاتُ الخليلِ الواحدِ.
قال: كان أهلُ الجاهليةِ يُحَرِّمون ما ظهَر مِن الزِّنى، ويَسْتَحِلُّون ما خَفِي، يقولون: أما ما ظهَر منه فهو لُؤْمٌ، وأما ما خَفِى فلا بأسَ بذلك.
فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ (٤) [الأنعام: ١٥١].
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرٌ، قال: سمِعتُ داودَ يُحدِّثُ عن عامرٍ، قال: الزِّنى زِناءَانِ؛ تَزْنى بالخِدْنِ ولا تَزْنى بغيرِه، وتكونُ المرأةُ سَوْمًا (٥).
ثم قرَأ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما المُحصناتُ فالعَفائفُ، فليَنْكِحِ الأَمَةَ بإذنِ أهلِها مُحصَنةً - والمُحصَناتُ العَفائفُ - غيرَ مُسافِحةٍ - والمُسافِحَةُ المُعَالِنَةُ بالزِّني - ولا مُتَّخِذَةً صديقًا (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
قال: الخَليلَةُ يَتَّخِذُها الرجلُ، والمرأةُ تَتخِذُ الخليلَ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: المُسافِحَةُ: البَغِيُّ التي تُؤاجِرُ نفسَها مَن عرَض لها، وذاتُ الخِدْنِ: ذاتُ الخليلِ الواحدِ، فنَهاهم اللهُ عن نكاحِهما جميعًا.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضَّحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾: أما المُحصَناتُ فَهُنَّ الحَرَائرُ، يقولُ: تَزَوَّجْ حُرَّةً.
وأما المُسافِحاتُ [فهُنَّ المُعلنِاتُ] (٣) بغيرِ مَهْرٍ، وأما مُتَّخِذَاتُ أخدانٍ فذاتُ الخليلِ الواحدِ المُسْتَسِرَّةُ به، نهَى اللهُ عن ذلك (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنا إِسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: الزِّنا وَجْهان قَبيحان، أحدُهما أخبَثُ من الآخرِ؛ فأما الذي هو أخبَثُهما، فالمُسافِحةُ التي تَفْجُرُ بَمن أتاها، وأما الآخرُ: فذاتُ الخِدْنِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾.
قال: المُسافِحُ الذي يَلْقَى المرأةَ فيَفجُرُ بها، ثم يَذهَبُ وتذهَبُ، والمُخادِنُ (٢) الذي يُقِيمُ معها على معصيةِ اللهِ وتُقِيمُ معه؛ فذاك الأخْدانُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
اخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك (٣)، فقرَأه بعضُهم: (فَإِذَا أَحْصَنَّ).
بفتحِ الأَلِفِ، بمعنى: إِذا أَسْلَمْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتِ الفُروجِ من الحرامِ بالإسلامِ.
وقرَأه آخرون: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾، بمعنى: فإِذا تَزَوَّجْنَ، فصِرْنَ ممنوعاتِ الفُروجِ من الحرامِ بالأزواجِ.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندى أنهما قِراءتان مَعْروفَتان مُسْتَفيضَتان في أمصارِ الإسلامِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصِيبٌ في قراءتِه الصوابَ.
فإن ظَنَّ ظَانٌّ أن ما قلنا في ذلك غيرُ جائزٍ؛ إذ كانتا مُخْتَلِفَتَي المعنى، وإنما تجوزُ القراءةُ بالوجهين فيما اتفَقَت عليه المعانى، فقد أغْفَل، وذلك أن مَعْنَيَىْ ذلك وإن اختَلَفا، فغيرُ دافعٍ أحدُهما صاحبَه؛ لأن الله قد أوجَب على الأَمَةِ ذاتِ الإسلامِ وغيرِ ذاتِ الإسلامِ على لسانِ رسولِه ﷺ، الحَدَّ.
فقال ﷺ: "إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فلْيَجْلِدُها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فلْيَضْرِبْها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن عادَت فليَضْربْها، كتابَ اللهِ، ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زَنَتِ الرابعةَ فليَضْرِبْها، كتابَ اللهِ، ولْتَبِعْها ولو بحبلٍ من شَعَرٍ" (١).
وقال ﷺ: "أَقِيموا الحدودَ على ما مَلَكَت أيمانُكم" (٢).
فلم يَخْصُصْ بذلك ذاتَ زوجٍ منهن، ولا غيرَ ذاتِ زوجٍ، فالحدودُ واجبةٌ على مَوالى الإماءِ إقامتُها عليهن - إذا فَجَرْنَ - بكتابِ اللهِ وأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ فيما حَدَّثكم به ابن بَشَّارٍ قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا مالكُ بنُ أنسٍ، عن الزهريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن الأَمةِ تَزْنى ولم تُحْصَنْ، قال: "اجْلِدُها، فإن زَنَتْ فاجْلِدْها، فإن زَنَتْ فاجْلِدْها، فإن زَنَتْ - فقال في الثالثةِ أو الرابعةِ - فبِعْها ولو بضَفِيرٍ" (٣).
والضَّفِيرُ الشَّعَرُ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن عُيَينةَ، عن الزهريِّ، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي هُريرةَ وزيدِ بن خالدٍ (١)، أن رسولَ اللهِ ﷺ سُئِل (٢).
فذكر نحوَه (٣).
فقد بَيَّنَ أن الحَدَّ الذي وجَب إقامتُه بسُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ على الإماءِ، هو ما كان قبلَ إحصانِهنَّ، فأما ما وجَب من ذلك عليهنَّ بالكتابِ، فبعدَ إحصانِهنَّ.
قيل له: قد بَيَّنَّا أن أحدَ معاني الإحصانِ الإسلامُ، وأن الآخَرَ منه: التزويجُ، وأن الإحصانَ كلمةٌ تَشْتَمِلُ على معانٍ شَتَّى، وليس في روايةِ مَن رَوَى عن النبيِّ ﷺ أنه سُئِل عن الأمةِ تَزْنى قبلَ أن تُحْصَنَ، بيانُ أن التي سُئِل عنها النبيُّ ﷺ، هي التي تَزْني قبلَ التزويجِ، فيكونَ ذلك حُجَّةٌ لمُحْتَجٍّ في أن الإحصانَ الذي سَنَّ ﷺ حَدَّ الإماءِ في الزِّنى هو الإسلامُ دونَ التزويجِ، ولا أنه هو التزويجُ دونَ الإسلامِ.
وإذ كان لا بيانَ في ذلك، فالصوابُ من القولِ أن كلَّ مملوكةٍ زَنَتْ، فواجِبٌ على مَولاها إقامةُ الحَدِّ عليها، مُتروِّجَةً كانت أو غيرَ مُتَزَوِّجَةٍ، بظاهرِ (٤) كتابِ اللهِ والثابتِ من سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ، إِلَّا مَن أَخْرَجه مِن وجوبِ الحدِّ عليه مِنهنَّ بما يَجِبُ التسليمُ له، وإذ كان ذلك كذلك، تَبَيَّن به صحةُ ما اخْتَرنا من القراءةِ (٥) في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
فإِن ظَنَّ ظانٌّ أن في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
دَلالةً على أن قولَه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
معناه تَزَوَّجْن، إذ كان ذكرُ ذلك بعدَ وَصْفِهنَّ بالإيمانِ بقولِه: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وحَسِبَ أن ذلك لا يَحْتَمِلُ معنًى غيرَ معنى التَّزْويجِ، مع ما تَقدَّم ذلك مِن وَصْفِهِنَّ بالإيمانِ - فقد ظَنَّ خطأً؛ وذلك أنه غيرُ مستحيلٍ في الكلامِ أن يكونَ معنى ذلك: ومَن لم يَسْتطِعْ منكم طَوْلًا أن يَنْكِحَ المُحصَناتِ المؤمناتِ فمما مَلَكَت أيمانُكم من فُتياتِكم المؤمِناتِ، فإِذا هُنَّ آمَنَّ، فإن أتَينَ بفاحشةٍ، فعليهنَّ نصفُ ما على المُحْصناتِ مِن العذابِ.
فيكونُ الخبرُ مُبْتَدَأَ (١) عما يَجِبُ عليهنَّ من الحَدِّ إذا أَتَيَن بفاحشةٍ بعدَ إيمانِهنَّ، بعدَ البَيانِ عما لا يجوزُ لناكِحِهنَّ من المؤمنين من نِكَاحِهنَّ، وعمَّن يجوزُ نِكاحُه له مِنهنَّ.
فإذْ كان ذلك غيرَ مُسْتحيلٍ في الكلامِ، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ صَرْفُ معناه إلى أنه التَّزْويجُ دونَ الإسلامِ؛ من أجلِ ما تَقدَّم مِن وَصْفِ اللهِ إياهنَّ بالإيمانِ.
غيرَ أن الذي نختارُ لمن قرَأ: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ بِفَتْحِ الصادِ في هذا الموضعِ، أن يقرَأ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾.
بضَمِّ الأَلِفِ.
ولَمَن قرأ: (مُحْصِناتٍ) بكسرِ الصادِ فيه، أن يَقْرَأَ: (فإذا أَحْصَنَّ) بفتحِ الألِفِ؛ لتَأْتَلِفَ قراءةُ القارئَ على معنًى واحدٍ وسياقٍ واحدٍ؛ لقُرْبِ قولِه: (مُحصِناتٍ).
من قولِه: (فإذا أَحْصَنَّ).
ولو خالَف مِن ذلك لم يكنْ لَحْنًا، غيرَ أن وَجْهَ القراءةِ ما وصَفتُ.
وقد اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اختلافِ القَرَأةِ في قراءتِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: (فَإِذَا أَحْصَنَّ): فإِذا أَسْلَمْنَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن سعيدِ، عن (١) أبي مَعْشرٍ، عن إبراهيمَ، أن ابنَ مسعودٍ، قال: إسلامُها إحصانُها (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني جَريرُ بنُ حازمٍ، أن سليمانَ بنَ مِهْرانَ حَدَّثه عن إبراهيمَ بن يَزِيدَ، عن هَمَّامٍ بن الحارثِ، [عن عمروِ بن شرحبيلَ] (٣) أن مَعْقِلَ (٤) بنَ مُقَرْنٍ سأل عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ، فقال: أَمَتِي زَنَتْ.
فقال: اجلِدْها خمسين جلدةً.
قال: إنها لم تُحْصَنْ.
فقال ابن مسعودٍ: إحصانُها إسلامُها (٥).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، أن معقلَ (٦) بنَ مُقَرِّنٍ سأل ابنَ مسعودٍ عن أَمَةٍ زَنَتْ وليس لها زوجٌ، فقال: إسلامُها إحصانُها (٧).
حدَّثني ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيمَ، أن معقلًا (١) قال: قلت لابنِ مسعودٍ: أَمَتِى زَنَتْ.
قال: اجلِدْها.
قلتُ: فإنها لم تُحْصَنْ.
قال: إحصانُها إسلامُها.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرة، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ، قال: كان عبدُ اللهِ يقولُ: إحصانُها إسلامُها.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا إسماعيلُ بنُ سالم، عن الشَّعْبيِّ، أنه تَلا هذه الآيةَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
قال: يقولُ: إِذا أَسْلَمْنَ (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن أَشْعَثَ، عَن الشعبيِّ، قال: قال عبدُ اللهِ: الأَمَةُ إحصانُها إسلامُها.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: مُغِيرَةُ أَخْبَرَنَا عن إبراهيمَ، أنه كان يقولُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
يقولُ: إذا أَسْلَمْنَ (٣).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى زائدةَ، عن أَشْعَثَ، عن الشَّعْبِيِّ، قال: الإحصانُ الإسلامُ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن بُرْدِ بن سِنانٍ، عن الزهريِّ، قال: جَلَد عمرُ، ﵁، وَلائدَ أبكارًا من وَلائدِ الإمارةِ في الزِّنى (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
يقولُ: إِذا أَسْلَمْنَ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن سالمٍ والقاسمِ، قالا: إحصانُها إسلامُها وعَفافُها في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (١).
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾: فإِذا تَزَوَّجن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
يعنى إِذا تَزَوَّجْنَ حُرًّا (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ (٣)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنا حُصَينٌ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرَأُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
يقولُ: إِذا تَزَوَّجْنَ (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ (٥)، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عِكْرمةَ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرَأُ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
يقولُ: تَزَوَّجْنَ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ، قال: إحصانُ الأَمَةِ أن يَنْكِحَها الحرُّ، وإحصانُ العبدِ أن يَنْكِحَ الحُرَّةَ (٦).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، أنه سَمِع سعيدَ بنَ جُبَيرٍ يقولُ: لا تُضْرَبُ الأَمَةُ إِذا زَنَتْ ما لم تَتَزَوَّجْ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
قال: أَحْصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ (٢).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
قال: أَحصَنَتْهُنَّ البُعُولَةُ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني عِياضُ بنُ عبدِ اللهِ، عن أبى الزِّنادِ، أن الشعبيَّ أخبرَه، أن ابنَ عباسٍ أخبرَه، أنه أصابَ جاريةً له قد كانت زَنَتْ، وقال: حَصَّنْتُها (٣).
قال أبو جعفرٍ: وهذا التأويلُ على قراءةِ مَن قرَأَ: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾.
بضَمِّ الألِفِ، وعلى تأويلِ مَن قرَأ: (فَإِذَا أَحْصَنَّ).
بفَتْحِها.
وقد بَيَّنا الصوابَ مِن القولِ والقراءةِ في ذلك عندَنا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
يعنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾: فإن أتَتْ فَتَياتُكم - وهُنَّ إماؤُكم - بعدَ ما أَحْصَنَّ بإسلامٍ، أو أُحْصِنَّ بنكاحٍ، بفاحشةٍ وهى الزنا، ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
يقولُ: فعليهنَّ نصفُ ما على الحرائرِ مِن الحدِّ، إذا هُنَّ زَنَيْنَ قبلَ الإحصانِ بالأزواجِ.
والعذابُ الذي ذكَره اللهُ ﵎ في هذا الموضعِ هو الحَدُّ، وذلك النصفُ الذي جعَله اللهُ عذابًا لمَن أتَى بالفاحشةِ مِن الإماءِ إِذَا هُنَّ أُحْصِنَّ، خمسونَ جلدةً، ونَفْىُ ستةِ أشهرٍ، وذلك نصفُ عامٍ؛ لأن الواجبَ على الحُرَّةِ إذا هي أَتَتْ بفاحشةٍ قبلَ الإحصانِ بالزوجِ، جَلْدُ مائةٍ ونَفْىُ حَوْلٍ، فالنصفُ من ذلك خمسون جَلْدةٌ ونَفْىُ نصفِ سنةٍ، وذلك الذي جعَله اللهُ عذابًا للإماءِ المُحْصَنَاتِ إِذَا هُنَّ أَتَينَ بفاحشةٍ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾: خمسون جَلْدةً، ولا نَفْىَ، ولا رَجْمَ.
فإن قال قائلٌ: وكيف: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾؟
وهل يكونُ الجَلْدُ على أحدٍ؟
قيل: إن معنى ذلك: فلازمُ أبدانِهنَّ أن تُجْلَدَ نصفَ ما يَلْزَمُ أبدانَ المُحصناتِ، كما يقالُ: عليَّ صلاةُ يومٍ.
بمعنى: لازِمٌ عليَّ أن أُصَلِّيَ صلاةَ يومٍ.
وعليَّ الحَجُّ والصَّيامُ.
مثلَ ذلك.
وكذلك: عليه الحَدُّ.
بمعنى: لازمٌ له إمكانُ نفسِه من الحدِّ ليُقامَ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾: هذا الذي أَبَحْتُ أَيُّها الناسُ مِن نكاحِ فَتياتِكم المؤمناتِ لَمن لا يَسْتطيعُ منكم طَوْلًا لِنكاحِ المحصناتِ المؤمِناتِ، أَبَحْتُه لمن خَشِي العَنَتَ منكم دونَ غيرِه، ممن لا يَخْشَى العَنَتَ.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الزِّنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
قال: الزِّنا (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن العَوَّامِ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، أنه قال: ما ازْلَحَفَّ (٢) ناكِحُ الأَمَةِ عن الزِّنا إلا قليلًا (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: العَنَتُ الزنا (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: العَنَتُ الزنا.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرَنا أبو بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: ما ازْلَحَفَّ ناكِحُ الأَمَةِ عن الزنا إلا قليلًا؛ ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا أبو سَلَمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شُعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ نحوَه.
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابن المُباركِ، قال: أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
قال: الزنا (٢).
حدَّثني المُثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي حمَّادٍ، قال: ثنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ العَوفيِّ مثلَه.
حدَّثني المثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
قال: الزنا (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخبَرَنَا عُبَيدةٌ (٤)، عن الشعبيِّ وجُوَيبرٌ، عن الضحاك، قالا: العَنَتُ الزنا (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
قال: العَنَتُ الزنا.
وقال آخرونَ: معنى ذلك، العقوبةُ التي تُعْنِتُه، وهى الحدُّ.
والصوابُ مِن القولِ في قولِه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾؛ ذلك لمَن خافَ منكم ضَرَرًا في دينِه وبَدَنِه.
وذلك أن العَنَتَ هو ما ضَرَّ الرجلَ، يقالُ منه: قد عَنِتَ فلانٌ فهو يَعْنَتُ عَنَتًا.
إذا أَتَى ما يَضُرُّه في دينٍ أو دنيا.
ومنه قولُ اللهِ ﵎: ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: ١١٨].
ويقالُ: قد أَعْنَتَنى فلانٌ، فهو يُعْنِتُنى.
إذا نالَنى بَمَضَرَّةٍ.
وقد قيل: العَنَتُ الهَلاكُ.
فالذين وَجَّهوا تأويلَ ذلك إلى الزنا، قالوا: الزنا ضَرَرٌ في الدينِ، وهو من العَنَتِ.
والذين وَجَّهوه إلى الإثمِ، قالوا: الآثامُ كلُّها ضَرَرٌ في الدينِ، وهى من العَنَتِ.
والذين وَجَّهوه إلى العقوبةِ التي تُعْنِتُه في بَدنِه من الحدِّ، فإنهم قالوا: الحَدُّ مَضَرَّةٌ على بدنِ المحدودِ في دُنياه، وهو من العَنَتِ.
وقد عَمَّ اللهُ بقولِه: ﴿لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
جميعَ معاني العَنَتِ، ويجمعُ جميعَ ذلك الزنا؛ لأنه يُوجِبُ العقوبةَ على صاحبِه في الدنيا بما يُعْنِتُ بدنَه، ويَكْتَسِبُ به إثمًا ومَضَرَّةً في دينِه ودُنياه.
وقد اتَّفَق أهلُ التأويلِ الذين هم أهلُه، على أن ذلك معناه: فهو وإن كان في عينِه لَذَّةً وقَضاءَ شهوةٍ، فإنه بأدائِه إلى العَنَتِ، منسوبٌ إليه موصوفٌ به، إذْ (١) كان للعَنَتِ سَبَبًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾.
يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: وأن تَصْبِروا أيُّها الناسُ عن نِكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم، واللهُ غفورٌ لكم نِكاحَ الإماءِ أن تَنْكِحوهنَّ على ما أحلَّ لكم وأذِن لكم به، وما سلَف منكم في ذلك؛ إن أصلحتم أمورَ أنفسِكم فيما بينَكم وبينَ اللهِ، رحيمٌ بكم، إذ أذِن لكم في نكاحِهن عندَ الافتقارِ وعدمِ الطَّوْلِ للحرةِ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: عن نكاحِ الأمةِ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمِعتُ لَيْثًا، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: عن نكاحِ الإماءِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: وأن تَصْبرَ (٣) ولا تَنْكِحَ الأمةَ فيكونَ وَلَدُكَ مَمْلُوكِين، فهو خيرٌ لك (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم، وهو حِلٌّ (٥).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
يقولُ: وأن تَصْبِروا عن نكاحِهنَّ - يعنى: نكاحِ الإماءِ - خيرٌ لكم (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرَنا ابن المباركِ، قال: أخبَرَنا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: أن تَصْبروا عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حِبانُ، قال: ثنا ابن المباركِ، قال: أخبَرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبَرَنا ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: أن تَصْبِرُوا عن نكاحِ الأمةِ خيرٌ لكم (٢).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدَ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
قال: وأن تَصْبِروا عن (٣) نكاحِ (٤) الأمةِ فهو (٥) خيرٌ لكم (٦).
و ﴿وَأَنْ﴾ في قولِه: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا﴾.
في موضعِ رفعٍ بـ ﴿خَيْرٌ﴾.
بمعنى: والصبرُ عن نكاحِ الإماءِ خيرٌ لكم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)﴾.
يَعْنى جل ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ حلالَه وحرامَه، ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
يقولُ: وليُسَدِّدَكم ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، يَعْنى: سُبُلَ مَن قبلَكم مِن أهلِ الإيمانِ باللهِ وأنبيائِه، ومناهجَهم، فيما حرَّم عليكم مِن نكاحِ الأمهاتِ والبناتِ والأخواتِ، وسائرِ ما حرَّم عليكم في الآيتيْن اللتين بيَّنَ فيهما ما حرَّم مِن النساءِ، ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾.
يقولُ: ويُريدُ اللهُ أَن يَرْجِعَ بكم إلى طاعتِه في ذلك، مما كنتم عليه مِن معصيتِه في فعلِكم ذلك قبلَ الإسلامِ، وقبلَ أن يُوحِىَ ما أوحَى إلى نبيِّه مِن ذلك عليكم، ليَتَجاوزَ لكم - بتوبتِكم - عما سلَف منكم مِن قبيحِ ذلك، قبلَ إنابتِكم وتوبتِكم، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾.
يقُولُ: واللهُ ذو علمٍ بما يُصْلِحُ عبادَه في أديانِهم ودنياهم، وغيرِ ذلك مِن أمورِهم، وبما يَأْتون ويَذَرون؛ مما أحلَّ أو حرَّم عليهم، حافظٌ ذلك كلَّه عليهم، ﴿حَكِيمٌ﴾ بتدبيرِه فيهم، في تصريفِهم فيما صرَّفهم فيه.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، فقال بعضُهم: معنى ذلك: يريدُ اللهُ هذا مِن أجلِ أن يُبَيِّنَ لكم.
وقال ذلك كما قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥].
بكسرِ اللامِ؛ لأن معناه: أُمِرتُ بهذا مِن أجلِ ذلك.
وقال آخرون: معنى ذلك: يُريدُ اللهُ أن يُبَيِّنَ لكم، ويهديَكم سُنَنَ الذين مِن قبلِكم.
وقالوا: مِن شأنِ العربِ التعقيبُ بينَ كَيْ و لامِ كَيْ وأَنْ، وَوَضْعُ كلِّ واحدةٍ منهن موضعَ كلِّ واحدةٍ مِن أختِها مع "أَرَدتُ" و "أَمَرتُ"، فيقولون: أَمَرْتُك أن تَذْهَبَ ولِتَذْهَبَ.
وأرَدتُ أن تَذْهَبَ وَلِتَذْهَبَ.
كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١].
وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿[إِنِّي أُمِرْتُ] (١) أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤].
وكما قال: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ [الصف: ٨].
ثم قال في موضع آخرَ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا﴾ [التوبة: ٣٢].
واعتلُّوا في تَوْجيهِهم "أنْ" مع "أَمَرتُ" و "أَرَدتُ" إلى معني "كَىْ"، وتوجيه "كَىْ" مع ذلك إلى معنى "أنْ"، لطَلَبِ "أَرَدتُ" و "أمَرتُ" الاستقبالَ، وأنَّهما (٢) لا يَصْلُحُ معهما (٣) الماضي؛ لا يُقالُ: أَمَرتُك أن قُمْتَ.
ولا: أرَدتُ أن قُمْتَ.
قالوا: فلما كانت "أنْ" قد تَكُونُ مع الماضي في غيرِ "أرَدتُ" و "أمَرتُ"، وكَّدوا (٤) لها معنى الاستقبالِ بما لا يَكُونُ معه ماضٍ مِن الأفعالِ بحالٍ، مِن "كَىْ" و "اللامِ" التي في معنى "كَىْ".
قالوا: ولذلك جَمَعتِ العربُ بينَهن أحيانًا في الحرفِ الواحدِ، فقال قائلُهم في الجمعِ (٥): أَرَدْتَ لِكَيْمَا أَن تَطِيرَ بِقِرْبَتِي … فتَتْرُكَها شَنًّا بِبَيْدَاءَ (٦) بَلْقَعِ (٧) فجمَع بينَهنَّ لاتفاقِ مَعانِيهنَّ واختلافِ ألفاظِهن، كما قال الآخرُ (٨): * قد يَكْسِبُ المالَ الهِدانُ الجافِى (٩) * *بغَيْرِ لا عَصْفٍ ولا اصْطِرَافِ (١) * فجمَع بينَ "غيرِ" و "لا"، توكيدًا للنفى، قالوا: وربما يَجُوزُ أَن يُجْعَلَ "أنْ" مكانَ "كَىْ"، و "كَىْ" مكانَ "أنْ"، في الأماكنِ التي لا يَصْحَبُ جالبَ ذلك ماضٍ مِن الأفعالِ أو غيرُ المستقبلِ.
فأما ما صَحِبَه ماضٍ مِن الأفعالِ وغيرُ المستقبلِ، فلا يَجوزُ ذلك.
لا يَجُوزُ عندَهم أن يُقالَ: ظَنَنتُ ليَقُومَ.
ولا: أظنُّ ليَقُومَ.
بمعنى: أظنُّ أن يقُومَ.
لأنَّ التي (٢) تدخُلُ مع الظنِّ تكُونُ مع الماضي مِن الفعلِ؛ يقالُ: أظنُّ أن قد قام زيدٌ.
ومع المستقبلِ، ومع الأسماءِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ عندى، قولُ مَن قال: إن اللامَ في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ بمعنى: يُريدُ اللهُ أَن يُبَينَ لكم.
لِمَا ذَكَرتُ مِن علةِ مَن قال أن ذلك كذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾.
يَعْنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ يُريدُ أن يُراجعَ بكم طاعتَه والإنابةَ إليه؛ ليَعْفُوَ لكم عما سلَف مِن آثامِكم، ويَتَجاوزَ لكم عما كان منكم في جاهليَّتِكم؛ مِن استحلالِكم ما هو حرامٌ عليكم مِن نكاحِ حلائلِ آبائِكم وأبنائِكم، وغيرِ ذلك مما كنتم تَسْتَحِلُّونه وتَأْتُونه، مما كان غيرَ جائزٍ لكم إتيانُه مِن معاصى اللهِ، ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
يقولُ: ويُريدُ الذين يَطْلُبون لذَّاتِ الدنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ عن أمرِ اللهِ ﵎، فتَجُوروا عنه بإتيانِكم ما حرَّم عليكم، وركوبِكم معاصيَه، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ جَوْرًا وعدولًا عنه شديدًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين وَصَفَهم اللهُ بأنهم يَتَّبِعون الشهواتِ؛ فقال بعضُهم: هم الزناةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
قال: الزنا.
﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
قال: يُريدُون أن تَزْنُوا (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: أن تكُونوا مثلَهم تَزْنُون كما يَزْنُون.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريج، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
قال: الزنا.
﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾.
قال: يَزْنى أهلُ الإسلامِ كما يَزْنُون.
قال: هي كهيئةِ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي زائدةَ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
قال: الزنا.
﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ قال: أن تَزْنُوا.
وقال آخرون: بل هم اليهودُ والنصارى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾.
قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١).
وقال آخرون: بل هم اليهودُ خاصةً، وكانت إرادتُهم مِن المسلمين اتِّباعَ شهواتِهم في نكاحِ الأخواتِ مِن الأبِ، وذلك أنهم يُحِلُّون نكاحَهنَّ، فقال الله ﵎ للمؤمنين: ويُريدُ الذين يُحَلِّلون نكاحَ الأخواتِ مِن الأبِ، أن تَميلوا عن الحقِّ، فتَسْتَحِلُّوهن كما استَحَلُّوا.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلُّ مُتَّبِعٍ شهوةً في دينِه لغيرِ الذي أُبيح له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: سمِعتُ ابنَ زيدٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية.
قال: يُرِيدُ أَهلُ الباطلِ وأهلُ الشهواتِ في دينِهم، ﴿أَنْ تَمِيلُوا﴾ في دينِكم، ﴿مَيْلًا عَظِيمًا﴾ تتَّبِعون أمرَ دينِهم، وتَتْرُكون أمرَ اللهِ وأمرَ دينِكم.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: ويُرِيدُ الذين يَتَّبعون شهواتِ أنفسِهم مِن أهلِ الباطلِ وطُلَّابِ الزنا ونِكَاحِ الأخواتِ مِن الآباءِ وغيرِ ذلك مما حرَّمه اللهُ، أن تميلوا (٢) عن الحقِّ وعما أذِن اللهُ لكم فيه، فتَجُوروا عن طاعتِه إلى معصيتِه، وتَكُونوا أمثالَهم في اتِّباعِ شهواتِ أنفسِكم فيما حرَّم اللهُ، وتَرْكِ طاعتِه، ميلًا عظيمًا.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله ﷿ عَمَّ بقولِه: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾، فَوَصَفَهم باتِّباعِ شهواتِ أنفسِهم المذمومِة، وعمَّهم بوَصْفِهم بذلك، مِن غيرِ وصفِهم باتباعِ بعضِ الشهواتِ المذمومةِ.
فإذ كان ذلك كذلك، فأوْلى المعانى بالآيةِ ما دلَّ عليه ظاهرُها، دونَ باطِنِها الذي لا شاهدَ عليه مِن أصلٍ أو قياسٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، كان داخلًا في الذين يَتَّبعون الشهواتِ، اليهودُ والنصارى والزناةُ، وكلُّ مُتَّبعٍ باطلًا؛ لأنَّ كلَّ مُتَّبعٍ ما نهاه اللهُ عنه فمتبعٌ شهوةَ نفسِه.
وإذا كان ذلك بتأويلِ الآيةِ أولى، وَجَبَتْ صحةُ ما اخترنا مِن القولِ في تأويلِ ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾.
يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: يُرِيدُ اللهُ أَن يُيَسِّرَ عليكم، بإذنِه لكم في نكاحِ الفتياتِ المؤمناتِ إذا لم تَسْتَطِيعوا طَوْلًا لحرَّةٍ، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
يقولُ: يسَّر ذلك عليكم إذا كنتم غيرَ مُسْتَطيعى الطَّوْلِ للحرائرِ؛ لأنكم خلِقتُم ضعفاءَ عَجَزَةً عن تَرْكِ جماعِ النساءِ قليلى الصبرِ عنه، فأذِن لكم في نكاحِ فتياتِكم المؤمناتِ، عندَ خوفِكم العَنَتَ على أنفسِكم، ولم تجدوا طولًا لحرةٍ، لِئَلَّا تَزْنُوا؛ لقلةِ صبرِكم على تَرْكِ جماعِ النساءِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾: في نكاحِ الأمةِ، وفى كلِّ شيءٍ فيه يُسْرٌ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
قال: في أمرِ الجِماعِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
قال: في أمرِ النساءِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرَنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
قال: في أمورِ النساءِ، ليس يَكُونُ الإنسانُ في شيءٍ أضعفَ منه في النساءِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾.
قال: رخَّص لكم في نكاحِ هؤلاءِ الإماءِ حين اضْطُرُّوا إليهنَّ، ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
قال: لو لم يُرَخِّصْ له فيها لم يَكُنْ إلا الأمرُ الأولُ، إذا لم يَجِدْ حرّةً (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صَدَّقوا الله ورسولَه ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، يَقُولُ: لا يَأْكُلْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بما حُرِّم عليه مِن الرِّبا (١) والقِمارِ، وغيرِ ذلك من الأمورِ التي نهاكم اللهُ عنها، ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: أمَّا (٢) أَكْلُهم أموالَهم بينَهم بالباطلِ، فبالرِّبا (٣) والقمارِ والنَّجْشِ (٤) والظلمِ، إلا أن تَكُونَ تجارةً، لِيَرْبَحْ في الدرهمِ ألفًا إن اسْتَطاع (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحّانُ، قال: أخبَرنا داودُ بنُ أبى هندٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
قال: الرجلُ يَشْتَرى السِّلعةَ، فيَرُدُّها ويردُّ معها درهمًا (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ في الرجلِ يَشْتَرى مِن الرجلِ الثوبَ، فَيَقُولُ: إن رَضِيته أَخَذْته، وإلا رَدَدْته وردَدت معه درهمًا.
قال: هو الذي قال اللهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وقال آخرونَ: بل نَزَلَتْ هذه الآيةُ بالنَّهْيِ عن أن يَأْكُلَ بعضُهم طعامَ بعض إلا بِشِراءٍ، فأما قِرًى فإنه كان محظورًا بهذه الآيةِ، حتى نُسِخ ذلك بقولِه في سورةِ النورِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية [النور: ٦١].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسنِ بن واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عِكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا في قولِه: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ الآية.
فكان الرجلُ يَتَحَرَّجُ أن يَأْكُلَ عندَ أحدٍ من الناسِ بعدما نزَلتْ هذه الآيةُ، فنُسِخ ذلك بالآيةِ التي في "النورِ"، فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (١) إلى قولِه: ﴿جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١].
فكان الرجلُ الغنيُّ يَدْعو الرجلَ من أهلِه إلى الطعامِ، فيَقُولُ: إني لأَتَجَنَّحُ - والتَّجَنُّحُ: التَّحَرُّجُ - ويَقُولُ: المساكينُ أحقُّ به منى، فأحلَّ مِن ذلك أن تَأْكُلوا مما ذكِر اسمُ اللهِ عليه، وأحلَّ طعامَ أهلِ الكتابِ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذين القولين بالصوابِ في ذلك، قولُ السديِّ؛ وذلك أن الله تعالى ذكرُه حرَّم أكْلَ أموالِنا بينَنا بالباطلِ.
ولا خلافَ بينَ المسلمين أن أكلَ ذلك حرامٌ علينا، فإن الله لم يُحِلُّ قَطُّ أكلَ الأموالِ بالباطلِ.
وإذا كان ذلك كذلك، فلا معنَى لقولِ مَن قال: كان ذلك نهيًا عن أكلِ الرجلِ طعامَ أخيه قِرًى، على وَجْهِ ما أُذِن له، ثم نُسِخ ذلك.
لنقلِ علماءِ الأمةِ جميعًا وجُهَّالِها؛ أن قِرَى الأضيافِ وإطعامَ الطعامِ كان مِن حميدِ أفعالِ أهلِ الشركِ والإسلامِ، التي حَمِد اللهُ أهلَها عليها (٢) ونَدَبَهم إليها، وأن الله لم يُحَرِّمْ ذلك في عصرٍ مِن العصورِ، بل ندَب اللهُ عبادَه وحَثَّهم عليه.
وإذا كان ذلك كذلك، فهو من معنى الأكْلِ بالباطلِ خارجٌ، ومِن أنْ يَكُونَ ناسخًا أو منسوخًا بمَعْزِلٍ؛ لأن النَّسْخَ إنما يَكُونُ لمنسوخٍ، ولم يَثْبتِ النهيُ عنه، فيَجُوزَ أن يَكُونَ منسوخًا بالإباحةِ.
وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ القولُ الذي قلناه - من أن الباطلَ الذي نهَى اللهُ عن أكلِ الأموالِ به، هو ما وَصَفْنا مما حرَّمه على عبادِه في تنزيلِه، أو على لسانِ رسولِه ﷺ وفَسَد (٣) ما خالَفه.
واخْتَلَفت القرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ فقرَأها بعضُهم: (إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ).
رَفْعًا (٤)، بمعنى: إلا أن تُوجَدَ تجارةٌ، أو: تَقَعَ تجارةٌ، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم أكلُها حينَئذٍ بذلك المعنى.
ومذهبُ مَن قرأ ذلك على هذا الوجهِ (٥)، أَنَّ "تكونَ" تامَّةٌ ههنا لا حاجةَ بها إلى خبرٍ، على ما وَصَفتُ.
وبهذه القراءةِ قرَأ أكثرُ أهلِ الحجازِ وأهلِ البصرةِ.
وقرَأ ذلك، آخرون وهم عامةُ قرَأةِ الكوفيين: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾.
نصبًا (١)، بمعنى: إلا أن تَكُونَ الأَمْوَالُ التي تَأْكُلُونها بينَكم تجارةً، عن تراضٍ منكم، فيَحِلَّ لكم هنالك أكْلُها.
فتكونُ الأموالُ مُضْمَرَةً في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ﴾، والتجارةُ منصوبةً على الخبرِ.
وكلتا القراءتَيْن عندَنا صوابٌ جائزةٌ (٢) القراءةُ بها (٣)، لاستفاضتِهما (٤) في قَرَأَةِ الأمصارِ مع تقارُب معانِيهما.
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإن قراءةَ ذلك بالنصبِ أَعْجَبُ إليَّ مِن قراءتِه بالرفعِ؛ لقوّةِ النصبِ من وجهين؛ أحدُهما: أنّ في ﴿تَكُونَ﴾ ذكرًا من الأموال والآخَرُ: أنه لو لم يُجْعَل فيها ذِكرٌ منها، ثم أُفرِدَتْ بـ "التجارةِ"، وهى نكرةٌ، كان فصيحًا في كلامِ العربِ النَّصْبُ، إذ كانت مَبْنِيَّةً على اسمٍ وخبرٍ، فإذا لم يَظْهَرْ معها إلا نكرةٌ واحدةٌ، نَصَبوا ورَفَعوا، كما قال الشاعرُ (٥): * إذا كان طَعْنًا بينَهم وعِنَاقا * ففى هذه الآيةِ إبانةٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن تكذيبِ قولِ الجهلةِ من المُتَصَوِّفةِ، المنكرين طَلَبَ الأقواتِ بالتجاراتِ والصناعات، واللهُ تعالى يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: اكتسابًا منا (١) ذلك بها (٢).
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
قال: التجارة رزقٌ مِن رزقِ اللهِ، وحلالٌ مِن حلالِ الله لمن طَلَبها بصدقِها وبِرِّها، وقد كنا نُحَدَّثُ أن التاجرَ الأمينَ الصدوقَ مع السبعةِ في ظِلِّ العرشِ يومَ القيامةِ (٣).
وأما قولُه: ﴿عَنْ تَرَاضٍ﴾، فإن معناه كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﵎: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعطيه أحدٌ أحدًا (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: في تجارةٍ أو بيعٍ أو عطاءٍ يُعْطيه أحدٌ أحدًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن القاسمِ بن (٥) سليمانَ الجُعْفيِّ، عن أبيه، عن ميمونِ بن مِهْرانَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "البيعُ عن تَراضٍ، والخيارُ بعدَ الصَّفْقَةِ، ولا يَحِلُّ المسلمٍ أن يَغُشَّ مسلمًا" (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: المُماسَحَةُ (١)، بَيْعٌ هي؟
قال لا، حتى يُخَيِّرَه، التَّخْيِيرُ بعدَما يَجِبُ البيعُ؛ إن شاء أخَذ، وإن شاء ترَك.
واختلَف أهلُ العلم في معنى التراضى في التجارةِ؛ فقال بعضُهم: هو أن يُخَيَّرَ كلُّ واحدٍ من المُتَبايِعَيْنِ بعدَ عَقْدِهما البيعَ بينَهما فيما تَبَايَعا فيه؛ مِن إمضاءِ البيعِ أو نَقْضِه، أو يَتَفرَّقا عن مجلسِهما - الذي تَواجَبًا فيه البيعَ بأبدانِهما - عن تَرَاضٍ منهما بالعَقْدِ الذي تَعاقَداه بينهما قبلَ التَّفاسُخِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قتادةَ، عن محمدِ بن سيرينَ، عن شُرَيحٍ، قال: اخْتَصَم رجلان، باع أحدُهما مِن (٢) الآخرِ بُرْنُسًا، فقال: إنى بِعْتُ مِن هذا بُرْنُسًا، فَأَرْضَيتُه (٣) فلم يُرْضِنى.
فقال: أَرْضِه كما أرْضاك.
قال: إني قد أعطَيْتُه دراهمَ ولم يَرْضَ.
قال: أَرْضِه كما أرْضاك.
قال: قد أَرْضَيْته فلم يَرْضَ.
فقال: البَيِّعان (٤) بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عبدِ اللهِ بن أبي السَّفَرِ، عن الشَّعْبِيِّ، عن شُرَيحٍ، قال: البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شُعْبَةَ، عن الحَكَمِ، عن شُرَيحٍ مثلَه (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدٌ، قال: ثنا شعبةُ، عن جابرٍ، قال: ثني أبو الضُّحَى، عن شُرَيحٍ أنه قال: البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفرَّقا.
قال: قال أبو الضُّحى: كان شُرَيحٌ يُحَدِّثُ عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٢).
وحدَّثنى الحُسينُ (٣) بنُ يزيدَ الطّحانُ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن عبدِ السلامِ، عن رجلٍ، عن أبي حَوْشَبٍ، عن ميمونٍ، قال: اشْتَرَيْتُ مِن ابن سيرينَ سابِرِيًّا (٤)، فسام عليَّ سَوْمَه، فقلتُ: أَحْسِنْ، فقال: إما أن تَأْخُذَ، وإما أن تَدَعَ، فَأَخَذْتُ منه، فلَمَّا وَزَنتُ الثمنَ وضَع الدراهمَ، فقال: اخْتَرْ؛ إمَّا الدراهمَ، وإمَّا المتاعَ.
فاختَرتُ المَتاعَ فأخَذتُه.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، أنه كان يقولُ في البَيِّعَين: إنهما بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، فإذا تَصادَرا (٥) فقد وَجَب البيعُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحْمَسيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ دينارٍ، عن طَيْسَلَةَ (١)، قال: كنتُ في السوقِ وعليٌّ ﵁ في السوقِ، فجاءتْه جاريةٌ إلى بَيِّعِ فاكهةٍ بدرهمٍ، فقالت: أعْطِنى هذا، فأعطاها إياه، فقالت: لا أُريدُه، أَعْطِني درهمي.
فأبى، فأَخَذَه منه عليٌّ فأعطاها إياه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغيرة، عن الشعبيِّ، أنه أتى في رجلٍ اشترى مِن رجلٍ بِرْذَونًا (٢) ووجَب له، ثم إن المُبْتاعَ ردَّه قبلَ أَن يَتَفَرَّقا، فقَضَى أَنه قد وجَب عليه، فشَهِد عندَه أبو الضُّحى: أن شُرَيحًا قضى في مثلِه أَن يَرُدَّه على صاحبِه، فرجع الشعبيُّ إلى قضاءِ شريحٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينِ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يَقُولُ في البَيِّعَيْن: إذا ادَّعى المُشترِى أنه قد أوجَب له البيعَ، وقال البائعُ: لم أوجِبْه (٤) له.
قال: شاهدان عَدْلان أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايُرٍ، وإلَّا فيمينُ البائِع أنكما ما (٥) افترقتما عن [بيعٍ ولا] (٦) تخايُرٍ (٧).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: كان شُرَيحٌ يَقُولُ: شاهدان ذوا عدلٍ أنكما افْتَرَقْتُما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ وتخايرٍ، وإلا فيمينُه باللهِ ما تَفَرَّقْتما عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.
حدَّثنا حُمَيدُ بنُ مَسْعدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عَوْنٍ، عن محمدِ بن سِيرينَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يقولُ: شاهدان ذَوَا عدلٍ أنهما تَفَرَّقا عن تراضٍ بعدَ بيعٍ أو تخايرٍ.
وعلةُ مَن قال هذه المقالةَ ما حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن [عُبَيدِ اللهِ] (١)، قال: أخبَرنى نافعٌ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ، قال: "كلُّ بَيِّعَين فلا بيعَ بينَهما حتى يَتَفَرَّقا إلا أن يَكُونَ خيارًا" (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، قال: ثني يحيى بنُ أيوبَ، قال: كان أبو زُرْعَةَ إذا بايَع رجلًا يَقُولُ له: خيِّرْني.
ثم يَقولُ: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا يَفْتَرقِ اثنانِ إلا عن رضًا" (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا أيوبُ، عن أبي قِلابةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا أهلَ البَقيعِ".
فسَمِعوا صوتًا، ثم قال: "يا أهلَ البقيعِ".
فاشرَأَبُّوا يَنْظُرون حتى عرَفوا أنه صوتُه، ثم قال: "يا أهلَ البقيعِ، لا يَتَفَرَّقَنَّ بَيِّعان إلا عن رِضًا" (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا أبو داودَ الطيالسيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا سِماكٌ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ بايَع رجلًا ثم قال له: "اخْتَرْ".
فقال: قد اخْتَرْتُ.
فقال: "هكذا البيعُ" (١).
قالوا: فالتجارةُ عن تراضٍ، هو ما كان على ما بيَّنه النبيُّ ﷺ مِن تَخْيِيرِ كلِّ واحدٍ مِن المُشترى والبائعِ في إمضاءِ البيعِ فيما يَتَبَايَعانِه بينَهما، أو نقضِه بعدَ عقدِ البيعِ بينَهما وقبلَ الافتراقِ، أو ما تفرَّقا عنه بأبدانِهما عن تراضٍ منهما بعدَ مُواجَبَةِ البيعِ فيه عن مجلِسِهما.
فما كان بخلافِ ذلك، فليس مِن التجارةِ التي كانت بينَهما عن تراضٍ منهما.
وقال آخرون: بل التراضى في التجارةِ تَواجُبُ عقدِ البيع فيما تَبايَعَه المتبايعان بينَهما، عن رِضًا مِن كلِّ واحدٍ منهما ما مُلِّك عليه صاحبُه، ومَلَّك صاحبَه عليه، افْتَرَقا عن مجلسِهما ذلك أو لم يَفْتَرِقا، تَخايَرا في المجلسِ أو لم يَتَخَايَرا فيه بعدَ عَقْدِه.
وعلةُ من قال هذه المقالةَ، أن البيعَ إنما هو بالقولِ، كما أن النكاحَ بالقولِ، ولا خلافَ بينَ أهلِ العلمِ في الإجبارِ في النكاحِ لأحدِ المُتَناكِحَين على صاحبِه، افْتَرَقا أو لم يَفْتَرِقا عن مجلسِهما الذي جرَى ذلك فيه.
قالوا: فكذلك حكمُ البيعِ.
وتأوَّلوا قولَ النبيِّ ﷺ: "البيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا".
على أنه: ما لم يَتَفَرَّقا بالقولِ.
وممن قال هذه المقالةَ مالكُ بنُ أنسٍ وأبو حنيفةَ وأبو يوسفَ ومحمدٌ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ في ذلك عندَنا، قولُ مَن قال: إن التجارةَ التي هي عن تراضٍ بينَ المتبايعين، ما تفرَّق المتَبايِعان على المجلسِ - الذي تَوَاجَبا فيه بينَهما عُقْدةَ البيعِ - بأبدانِهما، عن تراضٍ منهما بالعقدِ الذي جرَى بينهما، وعن تخييرِ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بما حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا أيوبُ، وحدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "البَيِّعان بالخيارِ ما لم يَتَفَرَّقا، أو يَكونُ بيعَ خيارٍ".
وربما قال: "أو يَقُولُ أحدهما للآخَرِ: اخْترْ" (١).
فإذ كان ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحًا، فليس يَخْلو قولُ أحدِ المُتبابِعَين لصاحبِه: اخْتَر.
مِن أن يَكُونَ قبلَ عقدِ البيعِ أو معه أو بعدَه؛ فإن يَكُنْ قبلَه، فذلك الخَلْفُ مِن الكلامِ (٢) الذي لا معنى له؛ لأنه لم يَمْلِكْ قبلَ عقدِ البيعِ أحدُ المُتبايِعَين على صاحبِه، ما لم يَكُنْ له مالكًا، فيَكُونَ لتخييرِه صاحبَه فيما مَلَك (٣) عليه وجهٌ مفهومٌ، ولا فيهما مَن يَجْهَلُ أنه بالخيارِ في تمليكِ صاحبِه ما هو له غيرُ مالكٍ بعِوَضٍ يَعْتاضُه منه، فيقالُ له: أنت بالخيارِ فيما تُريدُ أن تُحدِثَهُ مِن بيعٍ أو شراءٍ.
أو يَكُونَ - إن بطَل هذا المعنى - تخييرُ كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه مع عقدِ البيعِ، ومعنى التخييرِ في تلك الحال نظيرُ معنى التخييرِ قبلَها؛ لأنها حالةٌ لم يَزُلْ فيها عن (٤) أحدِهما ما كان مالكَه قبلَ ذلك إلى صاحبِه، فيكون للتخييرِ وجهٌ مفهومٌ، أو يكونَ ذلك بعدَ عقدِ البيعِ، إذا فسَد هذان المعنيان.
وإذا كان ذلك كذلك، صحَّ أن المعنى الآخرَ مِن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ - أعنى قولَه: "ما لم يَتَفَرَّقا" - إنما هو التَّفَرُّقُ بعدَ عقدِ البيعِ، كما كان التخييرُ بعدَه.
إذا صحَّ ذلك، فسَد قولُ مَن زعم أن معنى ذلك إنما هو التفرُّقُ بالقولِ الذي به يَكُونُ البيعُ.
وإذا فسَد ذلك، صحَّ ما قلنا مِن أن التخييرَ والافتراقَ إنما هما مَعْنَيانِ بهما يَكُونُ تمامُ البيعِ بعدَ عقدِه، وصحَّ تأويلُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾: إلا أن يَكُونَ أكلُكم الأموالَ التي تأكُلُها بعضُكم لبعضٍ، عن مِلْكٍ منكم عمن ملَكْتُموها عليه، بتجارةٍ تَبايَعْتُموها بينَكم، وافْتَرَقتم عنها عن تَراضٍ منكم بعدَ عقدِ البيعِ بينَكم بأبدانِكم، أو يُخَيِّرَ بعضُكم بعضًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾.
يعني بقولِه (١) جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولا يَقْتُلْ بعضُكم بعضًا وأنتم أهلُ ملَّةٍ واحدةٍ ودعوةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ.
فجعَل جلَّ ثناؤُه أهلَ الإسلامِ كلَّهم بعضَهم مِن بعضٍ، وجعَل القاتلَ منهم قتيلًا، في قتلِه إياه منهم، بمنزلةِ قَتْلِه نفسَه، إذ كان القاتلُ والمقتولُ أهلَ يدٍ واحدةٍ على مَن خالَف ملتَهما.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
يَقولُ: أهل ملَّتِكم (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءِ بن أبي رَباحٍ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.
قال: قَتْلُ بعضِكم بعضًا (٢).
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
فإنه يَعْنى أن الله ﵎ لم يَزَلْ رحيمًا بخلقِه، ومِن رحمتِه بكم كفُّ بعضِكم عن قتلِ بعضٍ أيُّها المؤمنون، بتحريمِ دماءِ بعضِكم على بعضٍ إلا بحقِّها، وحَظْرِ أكلِ مالِ بعضِكم على بعضٍ بالباطلِ، إلا عن تجارةٍ يَمْلِكُ بها عليه برِضاه وطِيبِ نفسِه، لولا ذلك هَلَكتم وأهْلَك بعضُكم بعضًا، قَتْلًا وسَلْبًا وغَصْبًا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ومَن يَقْتُلْ نفسَه.
بمعنى: ومَن يَقْتُلْ أخاه المؤمنَ عدوانًا وظلمًا ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أرأيتَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾، في كلِّ ذلك، أو في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؟
قال: بل في قولِه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن يَفْعَلْ ما حَرَّمْتُه عليه مِن أوّلِ هذه السورةِ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ مِن نكاحِ مَن حَرَّمْتُ نكاحَه، وتعدِّى حدودِه، وأكْلِ أموال الأيتامِ ظلمًا، وقَتْلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها ظلمًا بغيرِ حقٍّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومَن يَأْكُلْ مالَ أخيه المسلمِ ظلمًا بغيرِ طِيبِ نفسٍ منه، وقَتَلَ أخاه المؤمنَ ظلمًا، فسوف نُصلِيه نارًا.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يُقالَ: معناه: ومَن يَفْعَلْ ما حرَّم اللهُ عليه مِن قوِله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾.
مِن نكاحِ المحرَّماتِ، وعَضْلِ المحرَّمِ عَضْلُها مِن النساءِ، وأكْلِ المالِ بالباطلِ، وقَتْلِ المحرَّمِ قتلُه من المؤمنينِ؛ لأن كلَّ ذلك مما وعَد اللهُ عليه أهلَه العقوبةَ.
فإن قال قائلٌ: فما مَنَعك أن تَجْعَلَ قولَه: ﴿ذَلِك﴾ معنِيًّا به جميعَ ما أوعَد اللهُ عليه العقوبةَ مِن أولِ السورةِ؟
قيل: مَنَعَنى (٢) ذلك، أن كلَّ فَصْلٍ مِن ذلك قد قد قُرِن بالوعيدِ، إلى قولِه: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، ولا ذِكْرَ للعقوبةِ مِن بعدِ ذلك على ما حرَّم اللهُ في الآيِ التي بعدَه، إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
فكان قولُه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ معنيًّا به ما قلنا مما لم يُقْرَنْ بالوعيدِ، مع إجماع الجميعِ على أن الله تعالى قد تَوَعَّد على كلِّ ذلك، أَوْلَى مِن أَن يَكُونَ معنيًّا به ما يتسلَّفُ (٣) فيه الوعيدُ بالنَّهي مقرونًا قبلَ ذلك.
وأما قولُه: ﴿عُدْوَانًا﴾.
فإنه يعْنى به: تَجاوُزًا لما أباح اللهُ له، إلى ما حرَّمه عليه، ﴿وَظُلْمًا﴾ يَعْنى: فعلًا منه ذلك بغيرِ ما أذِن اللهُ به، ورُكوبًا منه ما قد نهاه اللهُ عنه.
وقولُه: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾.
يَقُولُ: فسوف نُورِدُه نارًا يَصْلَى بها فيَحْتَرِقُ فيها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، يعني: وكان إصلاءُ فاعلِ ذلك النارَ وإحراقُه بها، على اللهِ سهلًا يسيرًا؛ لأنه لا يَقْدِرُ على الامتناعِ على ربِّه مما أراد به مِن سوءٍ، وإنما يَصْعُبُ الوفاءُ بالوعيدِ لِمَنْ تَوَعَّده، على مَن كان إذا حاول الوفاء به قَدَر المُتَوَعَّدُ من الامتناعِ منه، فأمَّا مَن كان في قَبْضَةِ مُوعِدِه، فيَسيرٌ عليه إمْضاءُ حُكمِه فيه، والوفاءُ له بوَعِيدِه، غيرُ عَسيرٍ عليه أمرٌ أرادَه به (*).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكبائرِ التي وعَد اللهُ جلَّ ثناؤُه عبادَه باجتنابِها تكفيرَ سائرِ سيئاتِهم عنهم؛ فقال بعضُهم: الكبائرُ التي قال اللهُ ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
هي ما تقدَّم اللهُ إلى عبادِه بالنَّهْي عنه من أوّلِ سورةِ "النساءِ" إلى رأسِ الثلاثين منها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أَوَّلِ سورةِ النساءِ إلى ثلاثين منها (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا الأعمشُ، عن إبراهيمَ، قال: ثنى علقمةُ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أوّلِ سورةِ النساءِ إلى قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٢).
حدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا أبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ مِن أوّلِ سورةِ النساءِ إلى قولِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (٣).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن مسلمٍ، عن مسروقٍ، قال: سُئل عبدُ اللهِ عن الكبائرِ، قال: ما بينَ فاتحةِ سورةِ النساءِ إلى رأسِ الثلاثين.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ ما بينَ فاتحةِ سورةِ "النساء" إلى رأسِ الثلاثين.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ ما بينَ فاتحةِ سورةِ "النساءِ" إلى ثلاثين آيةً منها، ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: الكبائرُ من أوّلِ سورةِ النساءِ إلى الثلاثين منها؛ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّة، عن ابن عَونٍ، عن إبراهيمَ، قال: كانوا يَرَوْن أن الكبائرَ فيما بينَ أول هذه السورةِ؛ سورةِ "النساءِ" إلى هذا الموضعِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، عن عاصمِ بن أبى النَّجودِ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ مِن أوَّلِ سورةِ النساءِ إلى ثلاثين آيةً منها.
ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مِسْعرٌ، عن عاصمِ بن أبي النَّجودِ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: الكبائرُ ما بينَ أوّلِ سورةِ النساءِ إلى رأسِ الثلاثين.
وقال آخرونَ: الكبائرُ سبعٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا تميمُ بنُ المنتصرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرَنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن سهلِ بن أبي حَثْمَةَ، عن أبيه، قال: إنى لفى هذا المسجدِ؛ مسجدِ الكوفةِ، وعليٌّ ﵁ يَخْطُبُ الناسَ على المنبرِ، فقال: ياأيُّها الناسُ إن الكبائرَ سبعٌ.
فأصاخ الناسُ، فأعادَها ثلاثَ مراتٍ، ثم قال: ألا (١) تَسْأَلونى عنها؟
قالوا: يا أميرَ المؤمنين؛ ما هي؟
قال: الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ، وقَذْفُ المُحْصنةِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وأكلُ الرِّبا، والفرارُ يومَ الزحفِ، والتَّعَرُّبُ بعدَ الهجرةِ.
فقلت لأبي: يا أَبَتِ (٢)؛ التَّعَرُّبُ بعدَ الهجرةِ، كيف لحِق (٣) ههنا؟
فقال: يا بُنيَّ؛ وما أعْظَمُ مِن أن يُهاجِرَ الرجلُ، حتى إذا وقَع سهمُه في الفَيْءِ ووجَب عليه الجهادُ، خلَع مِن ذلك عنقِه فرجَع أعرابيًّا كما كان (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحارِبيُّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ سَلَّامُ بنُ سُلَيمٍ، عن ابن إسحاقَ، عن عُبَيدِ (٥) بن عُميرٍ، قال: الكبائرُ سبعٌ، ليس منهن كبيرةٌ إلا وفيها آيةٌ مِن كتابِ اللهِ؛ الإشراكُ باللهِ منهن ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الحج: ٣١] و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] و ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] و ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النور: ٢٣]، والفرارُ مِن الزَّحْفِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]، والتَّعرُّبُ بعدَ الهجرةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ [محمد: ٢٥]، وقَتْلُ النفسِ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن إسحاقَ، عن عُبيدِ بن عُميرٍ اللَّيْثيِّ، قال: الكبائرُ سبعٌ؛ الإشراكُ باللهِ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾، وقَتْلُ النفسِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: ٩٣]، وأكلُ الرِّبا ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ الآية، وأكْلُ أموالِ اليَتامَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، والفِرارُ مِن الزحفِ: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ الآية [الأنفال: ١٦]، والمُرْتَدُّ أعْرابيًّا بعدَ هجرتِه ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ الآية.
حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلت عَبِيدةَ عن الكبائرِ، فقال: الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ بغيرِ حقِّها، وفرارٌ يومَ الزحفِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ بغيرِ حقِّه، وأكلُ الرِّبا، والبُهتانُ.
قال: ويَقُولون: أعْرابِيَّةٌ بعدَ هِجْرةٍ.
قال ابن عونٍ: فقُلْتُ لمحمدٍ فالسحرُ؟
قال: إن البُهتانَ يَجْمَعُ شرًّا كثيرًا (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ وهشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ أنه قال: الكبائرُ؛ الإشراكُ، وقتلُ النفسِ الحرامِ، وأكلُ الرِّبا، وقذفُ المُحْصَنةِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، والفرارُ مِن الزحفِ، والمرتدُّ أعرابيًّا بعدَ هجرتِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا هشامٌ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ بنحوِه.
وعلةُ من قال هذه المقالةَ ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: أخبَرنى الليثُ، قال: ثنى خالدٌ، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن نُعَيْمٍ المُجْمِرِ، قال: أخبَرني صُهَيبٌ مولى العُتْوَاريِّ أنه سَمع مِن أبى هريرةَ وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ، يَقولانِ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ يومًا، فقال: "والذي نفسي بيدِه" ثَلاثَ مراتٍ.
ثم أكَبَّ، فأكبَّ كلُّ رجلٍ منا يَبْكى، لا يَدْرِى على ماذا حلَف، ثم رفَع رأسَه (٢) في وجهه البِشْرُ، فكان أحبَّ إلينا مِن حُمْرِ النَّعَمِ، فقال: "ما مِن عبدٍ يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخْرِجُ الزكاةَ، ويَجْتَنِبُ الكبائر السبعَ، إلا فُتحتْ له أبوابُ الجنةِ، ثم قيل: ادخُلْ بسلامٍ" (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، قال: الكبائرُ سبعٌ: قتلُ النفسِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، ورَمْيُ المحصنةِ، وشهادةُ الزُّورِ، وعقوقُ الوالدَيْنِ، والفرارُ يومَ الزحفِ.
وقال آخرون: هي تسعٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا زيادُ بنُ مِخْراقٍ، عن طَيْسَلةَ بن مَيَّاسٍ، قال: كنتُ مع النَّجَداتِ (١)، فأصبتُ ذُنوبًا لا أُراها إلا مِن الكبائرِ، فلَقِيتُ ابنَ عمرَ، فقُلْتُ: إنى أصبتُ (٢) ذُنوبًا لا أُراها إلا مِن الكبائرِ.
قال: وما هي؟
قلتُ: أصبتُ (٣) كذا وكذا.
قال: ليس مِن الكبائرِ - قال: بشيءٍ (٤) لم يُسَمِّهِ (٥) طَيْسَلةُ - قال: هي تِسعٌ، وسأَعُدُّهنّ عليك؛ الإشراكُ باللهِ، وقَتْلُ النَّسَمةِ بغيرِ حلِّها، والفرارُ من الزحفِ، وقذفٌ المُحْصَنةِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ ظلمًا، وإلحادٌ في المسجد الحرام، والذي يَسْتَسْحِرُ، وبكاء الوالدين مِن العُقوقِ.
قال (٦) زيادٌ: وقال طَيْسَلةُ: لَمَّا رأى ابن عمرَ فَرَقِى قال: أَتَخافُ النارَ أَن تَدْخُلَها؟
قُلْتُ: نعم.
قال: وتُحِبُّ أن تَدْخُلَ الجنةَ؟
قُلْتُ (٧): نعم.
قال: أَحَيٌّ والِدَاك؟
قلت: عندى أُمِّي.
قال: فواللهِ لئن أنت ألَنْتَ لها الكلامَ، وأطْعَمْتَها الطعامَ، لتَدْخُلَنَّ الجنةَ ما اجْتَنَبْتَ المُوجِباتِ (١).
حدَّثنا سليمانُ بنُ ثابتٍ الخَرّازُ الواسطيُّ، قال: أَخبَرنا سَلْمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: أخبَرنا أيوبُ بنُ عُتْبَةَ، عن طَيْسَلةَ بن عليٍّ النَّهْدِيِّ (٢)، قال: أَتَيْتُ ابنَ عمرَ، وهو في ظلِّ أراكٍ يومَ عَرَفةَ، وهو يَصُبُّ الماءَ على رأسِه ووجهِه قال: قُلْتُ: أخبِرني عن الكبائر؟
قال: هي تِسعٌ.
قلتُ: ما هنَّ؟
قال: الإشراكُ باللهِ، وقذفُ المحصنةِ - قال: قلت: قبلَ القتلِ؟
قال: نعم، ورَغْمًا - وقتلُ النفسِ المؤمنةِ، والفرارُ من الزحفِ، والسحرُ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وعقوقُ الوالِدَيْن المسلمَيْن، وإلحادٌ (٣) بالبيتِ الحرامِ قبلتِكم أحياءً وأمواتًا (٤).
حدَّثنا سليمانُ بنُ ثابتٍ الخَرّازُ، قال: أخبَرنا سَلْمُ بنُ سَلَّامٍ، قال: أخبَرنا أيوبُ بن عتبةَ، عن يحيى، عن (٥) عُبيدِ بن عُميرٍ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ، بمثلِه.
إلا أنه قال: بدَأ بالقتلِ قبلَ القذفِ (٦).
وقال آخرون: هي أربعٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْمٍ، عَن عَنْبَسَةَ، عَن مُطَرِّفٍ، عن وَبَرَةَ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ؛ الإشراكُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ.
قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ من رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرٍ اللهِ (١).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الكبائرَ الشركُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، قال: سَمِعْت مُطَرِّفًا عن وَبَرَةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، قال: قال عبدُ اللهِ: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، واليأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيد (٢) الله، قال: أخبَرنا شَيْبانُ، عن الأعمشِ، عن وَبَرَةَ، عن أبي الطُّفيلِ، قال: سمِعت ابنَ مسعودٍ يقول: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد (١) اللهِ، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن وَبَرةَ، عن أبي الطفيلِ، عن عبدِ اللهِ بنحوِه (٢).
حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عبدِ الملكِ عن (٣) أبي الطُّفَيْلِ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ (٤).
وبه قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن أبي الطُّفَيلِ، عن عبدِ اللهِ بمثلِه.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودِ بنحوِه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ العزيزِ بن رُفَيْعٍ، عن أبي الطُّفيلِ، عن ابن مسعودٍ، قال: الكبائرُ أربعٌ؛ الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ، والأمنُ لمكرِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المَسْعوديِّ، عن فُراتٍ القَزَّازِ، عن أبي الطُّفيلِ، عن عبدِ اللهِ، قال: الكبائرُ؛ القُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والإياسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والأمنُ لمكرِ اللهِ، والشركُ باللهِ.
وقال آخرون: كلُّ ما نهَى اللهُ عنه فهو كبيرةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن منصورٍ، عن ابن سيرينَ، عن ابن عباسٍ، قال: ذُكِرت عندَه الكبائرُ، فقال: كلُّ ما نهى اللهُ عنه فهو كبيرةٌ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرَنا أيوبُ، عن محمدٍ، قال: أُنْبِئتُ أن ابنَ عباسٍ كانَ يَقُولُ: كلُّ ما نهَى اللهُ عنه كبيرةٌ.
وقد ذُكِرت الطَّرْفَةُ، قال: هي النَّظْرةُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا مُعتمِرٌ، عن أبيه، عن طاوسٍ، قال: قال رجلٌ لعبدِ اللهِ بن عباسٍ: أخبِرْنى بالكبائرِ السبعِ.
قال: فقال ابن عباسٍ: هي أكثرُ مِن سبعٍ وسبعٍ (٣).
فما أدرى كم قالها مِن مرةٍ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سليمانَ التَّيْمِيِّ (٥)، عن طاوسٍ، قال: ذكَروا عندَ ابن عباسٍ الكبائرَ، فقالوا: هي سبعٌ.
قال: هي أكثرُ مِن سبعٍ وسبعٍ (١).
قال سليمان: فلا أدرى كم قالها مِن مرةٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ وابنُ أبى عديٍّ، عن عوفٍ، قال: قام أبو العاليةِ الرِّيَاحيُّ على حَلْقَةٍ أنا فيها، فقال: إن ناسًا يَقُولُون: الكبائرُ سبعٌ.
وقد خِفْتُ أن تَكُونَ الكبائرُ سبعين أو يَزِدْنَ على ذلك (٢).
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا الوليدُ، قال: سمِعت أبا عمرٍو يُخْبِرُ عن الزُّهْريِّ، عن ابن عباسٍ، أنه سئِل عن الكبائرِ: أسبعٌ هي؟
قال: هي إلى السبعين أقربُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن رجلًا قال لابنِ عباسٍ: كم الكبائرُ؟
سبعٌ هي؟
قال: إلى سبعمائةٍ أقربُ منها إلى سبعٍ، غيرَ أنه لا كبيرةَ مع استغفارٍ، ولا صغيرةَ مع إصرارٍ (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن طاوسٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ فقال: أرأيت الكبائرَ السبعَ التي ذكَرهنَّ اللهُ ما هن؟
قال: هن إلى سبعين (٤) أدنى منها إلى سبعٍ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: قيل لابنِ عباسٍ: الكبائرُ سبعٌ؟
قال: هي إلى السبعين أقربُ (٦).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبَرَنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ مَعْدانَ (١)، عن أبي الوليدِ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن الكبائرِ، قال: كلُّ شيءٍ عُصِى اللهُ فيه فهو كبيرةٌ (٢).
وقال آخرون: هي ثلاثٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن مسعودٍ قال: الكبائرُ ثلاثٌ؛ اليأسُ مِن رَوْحِ اللهِ، والقُنوطُ مِن رحمةِ اللهِ، والأمنُ مِن مكرِ اللهِ.
وقال آخرون: كلُّ مُوجِبَةٍ، وكلُّ ما أَوْعَد الله أهلَه عليه النار فكبيرةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
قال: الكبائرُ كلُّ ذنبٍ ختَمه اللهُ بنارٍ أو غضَبٍ، أو لعنةٍ، أو عذابٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامُ بنُ حَسَّانَ، عن محمدِ بن واسعٍ، قال: قال سعيدُ بنُ جبيرٍ: كلُّ مُوجِبةٍ في القرآنِ كبيرةٌ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن محمدِ بن مِهْزَمٍ الشَّعّابِ، عن محمدِ بن واسعٍ الأزديِّ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: كلُّ ذنبٍ نسَبه اللهُ إلى النارِ، فهو مِن الكبائرِ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن سالمٍ أنه سمِع الحسنَ يَقُولُ: كلُّ مُوجِبةٍ في القرآنِ كبيرةٌ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾.
قال: الموجباتُ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُويبِرٌ، عن الضحاكِ، قال: الكبائرُ كلُّ مُوجبةٍ أوجَب اللهُ لأهلِها النارَ، وكلُّ عملٍ يُقامُ به الحدُّ فهو مِن الكبائرِ (٤).
قال أبو جعفرٍ: والذي نَقولُ به في ذلك ما ثبَت به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ؛ وذلك ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ الوليدِ القرشيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنى عبيدُ اللهِ بنُ أبى بكرٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ قال: ذكَر رسولُ اللهِ ﷺ الكبائرَ - أو سئِل عن الكبائرِ - فقال: "الشركُ باللهِ، وقَتْلُ النفسِ، وعُقوقُ الوالِدَيْنِ".
فقال: "ألا أُنَبِّئُكُم بأكبرِ الكبائرِ؟
" قال: "قولُ الزُّورِ".
أو قال: "شهادةُ الزُّورِ".
قال شعبةُ: وأكبرُ ظَنِّي أنه قال: "شهادةُ الزُّورِ" (١).
حدَّثنا يحيى بنُ حَبيبِ بن عَرَبيٍّ، قال: حدَّثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: حدَّثنا شعبةُ، قال: أخبَرنا عبيدُ اللهِ بنُ أبى بكرٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ في الكبائرِ، قال: "الشركُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النفسِ، وقولُ الزُّورِ" (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ كَثيرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عُبيدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، عن أنسٍ، قال: ذكَروا الكبائرَ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: "الإشراك باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْن، وقتلُ النفسِ، ألا أُنَبِّئُكم بأكبر الكبائرِ؟
قولُ الزُّورِ".
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعْبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال (٣): "الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالِدَيْن، أو (٤) قتل النفسِ" - شعبةُ الشاك - "واليمينُ الغَمُوسُ" (٥).
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (٦) بنُ موسى، قال: ثنا شَيْبانُ، عن فراسٍ، عن الشعبيِّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: ما الكبائر؟
قال: "الشركُ باللهِ".
قال: ثم مَهْ؟
قال: "وعُقوقُ الوالِدَين".
قال: ثم مَهْ؟
قال: "واليمينُ الغَمُوسُ".
قلت للشعبيِّ: ما اليمينُ الغَموسُ؟
قال: الذي يَقْتَطِعُ مالَ امرئ مسلمٍ بيَمينِه وهو فيها كاذبٌ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى السَّرِيِّ محمدُ بنُ المُتوكِّلِ العسقلانيُّ، قال: ثنا بَحِيرُ (٢) بنُ سعدٍ، عن خالدِ بن مَعْدَانَ، عن أبي رُهمٍ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "من أقام الصلاةَ، وآتى الزكاةَ، وصام رمضانَ، واجْتَنَب الكبائرَ فله الجنةُ".
قيل: وما الكبائرُ؟
قال: "الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوَالِدَين، والفِرارُ يومَ الزحفِ" (٣).
حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا [سعدُ بنُ عبدِ الحميدِ بن جعفرٍ] (٤)، عن ابن أبي الزِّنادِ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن [عُبيدِ اللهِ سَلْمَانَ] (٥) الأَغَرِّ، عن أبيه أبي عبدِ اللهِ سلمانَ الأغرِّ، قال: قال أبو أيوبَ خالدُ بنُ زيدٍ (١) الأنصاريُّ عَقَبيٌّ بَدْرِيٌّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما مِن عبدٍ يَعْبُدُ اللهَ لا يُشْرِكُ به شيئًا، ويُقيمُ الصلاةَ، ويُؤْتى الزكاةَ، ويَصُومُ رمضانَ ويَجْتَنِبُ الكبائرَ إلا دخَل الجنةَ".
فسأَلوه: ما الكبائرُ؟
قال: "الإشراكُ باللهِ، والفِرارُ مِن الزحفِ، وقَتْلُ النفسِ" (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ عَبّادٍ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ أن ناسًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ذكَروا الكبائرَ، وهو مُتَّكِئٌ، فقالوا (٣): الشركُ باللهِ، وأكلُ مالِ اليتيمِ، وفِرارٌ مِن الزحفِ، وقذفُ المُحصَنةِ، وعقوقُ الوالِدَين، وقولُ الزُّورِ والغُلولُ والسِّحرُ وأكلُ الربا.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فأين تَجْعَلُون: ﴿الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٤) [آل عمران: ٧٧].
حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ محمدِ الفِرْيابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي معاويةَ، عن أبي عمرٍو الشَّيْبَانيِّ، عن عبدِ اللهِ، قال: سأَلْتُ النبيِّ ﷺ: ما الكبائرُ؟
قال: "أن تَدْعُوَ لله نِدًّا خلَقك، وأن تَقْتُلَ ولدَك مِن أجلِ أن يَأْكُلَ معك، وأن تَزْنِيَ بحليلةِ جارِك".
وقرَأ علينا رسولُ اللهِ ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ (١) [الفرقان: ٦٨].
حدَّثنى هذا الحديثَ عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزُّهْريُّ، فقال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو معاويةَ النَّخَعيُّ -وكان على السجنِ- سمِعه مِن أبي عمرٍو، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: سأَلْتُ رسولَ اللهِ ﷺ، قلتُ (٢): أيُّ العملِ شرٌّ؟
قال: "أَن تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وهو خلَقك، وأن تَقْتُلَ ولدَك [من أَجْلِ] (٣) أن يَأْكُلَ معك، وأن تَزْنِيَ بجارتِك".
وقرَأ عليَّ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأولى ما قيل في تأويلِ الكبائرِ بالصحةِ، ما صحَّ به الخبرُ عن رسولِ اللهِ ﷺ دونَ ما قاله غيرُه، وإن كان كلُّ قائلٍ فيها قولًا مِن الذين ذَكَرنا أقوالَهم، قد اجتهَد وبالَغ فى نفسِه، ولقولِه فى الصحةِ مذهبٌ.
فالكبائرُ إذن؛ الشركُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَيْن، وقتلُ النفسِ المحرَّمِ قتلُها، وقولُ الزُّورِ -وقد يَدْخُلُ فى قولِ الزُّورِ شهادةُ الزورِ- وقذفُ المُحصَنةِ، واليمينُ الغَموسُ، والسِّحرُ- ويَدْخُلُ في قتلِ النفسِ المحرَّمِ قتلُها، قتلُ الرجلِ ولدَه مِن أجلِ أن يَطْعَمَ معه- والفرارُ مِن الزحفِ، والزِّنا بحليلةِ الجارِ.
وإذ (٥) كان ذلك كذلك، صحَّ كلُّ خبرٍ رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في معنى الكبائرِ، وكان بعضُه مصدِّقًا بعضًا؛ وذلك أن الذى رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "هي سبعٌ"، يَكُونُ معنى قولِه حينَئذٍ: "هي سَبْعٌ".
على التفصيلِ، ويَكُونُ معنى قولِه في الخبرِ الذى رُوِى عنه أنه قال: "هي الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ، وعُقوقُ الوالِدَين، وقولُ الزُّورِ".
على الإجمالِ؛ إذ كان قولُه: "وقولُ الزُّورِ".
يَحْتَمِلُ معانيَ شَتَّى، وأَن يَجْمَعَ جميعَ ذلك قولُ الزورِ.
وأما خبرُ ابنِ مسعودٍ الذى حدَّثني به الفِريابيُّ على ما ذكَرتُ، فإنه عندى غَلَطٌ مِن عُبيدِ اللهِ بنِ محمدٍ؛ لأن الأخبارَ المُتَظاهِرةَ مِن الأوجهِ الصِّحاحِ عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، بنحوِ الروايةِ التي رَواها الزُّهْريُّ عن ابن عُيَينةَ، ولم يَقُلْ أحدٌ منهم في حديثِه عن ابنِ مسعودٍ، أن النبيَّ ﷺ سُئِل عن الكبائرِ.
فنَقْلُهم ما نقَلوا مِن ذلك عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ، أَوْلَى بالصحةِ مِن نَقْلِ الفريابيِّ.
فمَنِ اجْتَنَب الكبائرَ التي وعَد اللهُ مُجْتَنِبَها تكفيرَ ما عَداها مِن سيئاتِه، وإدخالَه مدخلًا كريمًا، وأدَّى فرائضَه التى فرَضها اللهُ عليه، وجَد اللهَ لما وعَده مِن وَعْدٍ مُنْجِزًا، وعلى الوفاءِ له (١) ثابتًا (٢).
وأما قولُه: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
فإنه يعنى به: نُكَفِّرْ عنكم أيُّها المؤمنون باجتنابِكم كبائرَ ما يَنهاكم عنه ربُّكم صغائرَ سيئاتِكم.
يعني صغائرَ ذُنوبِكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ (٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾: الصَّغَارَ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ عَوْنٍ، عن الحسنِ، أن ناسًا لَقُوا عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو بمصرَ، فقالوا: نَرَى أشياءَ مِن كتابِ اللهِ أَمَر أَن يُعْمَلَ بها، لا يُعْمَلُ (١) بها، فأرَدْنا أن نَلْقَى أميرَ المؤمنين فى ذلك.
فقَدِم وقدِموا معه، فلَقِيَه عمرُ، ﵁، فقال: متى قدمت؟
قال: منذُ كذا وكذا.
قال: أبإِذْنِ قدِمتَ؟
قال: فلا أدرى كيف ردَّ عليه.
فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن ناسًا لَقُونى بمصرَ، فقالوا: إنّا نَرَى أشياءَ مِن كتابِ اللهِ ﵎ أمَر أن يُعْمَلَ بها، لا يُعْمَلُ (٢) بها.
فأَحَبُّوا أن يَلْقَوْك فى ذلك.
فقال: اجْمَعْهم لى.
قال: فجمَعتُهم له -قال ابنُ عونٍ: أظُنُّه قال: في بَهْوٍ (٣) - فأخذ أدناهم رجلًا، فقال: أنْشُدُك باللهِ وبحقِّ الإسلامِ عليك، أقرَأتَ القرآنَ كلَّه؟
قال: نعم.
قال: فهل أحْصيْتَه في نفسِك؟
قال: اللهمَّ لا.
قال: ولو قال: نعم.
لخَصَمَه.
قال: فهل أحصيتَه في بصرِك؟
هل أحصَيْته فى لفظِك؟
هل أَحْصَيْتَه فى أثَرِك (٤)؟
قال: ثم تَتَبَّعَهم حتى أتَى على آخرِهم، فقال: ثَكِلَتْ عمرَ أمُّهُ، أَتُكَلِّفونه أن يُقيمَ الناسَ على كتابِ اللهِ، قد علِم ربُّنا أن ستَكُونُ لنا سيئاتٌ.
قال: وتلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
هل علِم أهلُ المدينةِ -أو قال: هل علِم أحدٌ- فيما (٥) قَدِمتم؟
قالوا: لا.
قال: لو علِموا لَوَعَظْتُ بكم (٦).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، قال: ثنا زيادُ بنُ مِخْراقٍ، عن معاويةَ بنِ قُرَّةَ، قال: أَتَيْنا أنسَ بنَ مالكٍ، فكان فيما حدَّثنا قال: لم أَرَ مثلَ الذي بَلَغَنا عن ربِّنا، لم نَخْرُجْ له عن كلِّ أهلٍ ومالٍ.
ثم سكَت هُنَيْهَةً، ثم قال: واللهِ لقد كلَّفَنا ربُّنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوَز لنا عما دونَ الكبائرِ، فما لنا ولها.
ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية: إنما وعَد اللهُ المغفرةَ لمن اجتنَب الكبائرَ.
وذكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ قال: "اجتنِبوا الكبائرَ، وسدِّدُوا، وأبْشِروا" (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن ابنِ مسعودٍ.
قال في خمسِ آياتٍ من سورةِ "النساءِ": لَهُنَّ أَحبُّ إليَّ مِن الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠].
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وقولُه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠].
وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) [النساء: ١٥٢].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو النَّضْرِ، عن صالحٍ المُرِّيِّ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ثمانِ آياتٍ نزَلت فى سورةِ "النساءِ" هي خيرٌ لهذه الأمةِ مما طَلَعَتْ عليه الشمسُ وغَرَبتْ؛ أُولاهُنَّ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦].
والثانيةُ: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧].
والثالثةُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨].
ثم ذكَر مثلَ قولِ ابنِ مسعودٍ سواءً، وزاد فيه: ثم أقبَل يُفَسِّرُها فى آخرِ الآيةِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ للذين عمِلوا الذَّنوبَ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
وأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.
فإن القَرَأةَ اخْتَلَفَتْ في قراءتِه؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ الكوفيين: (وَنُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا كَرِيمًا) بفتحِ الميمِ (٢)، وكذلك الذى فى "الحجِّ": (لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَدْخَلًا يَرْضَوْنه) [الحج: ٥٩]، فمعنى: (ونُدْخِلْكُمْ مَدْخَلًا).
فيَدْخُلون دُخولًا كَرِيمًا.
وقد يَحْتَمِلُ على مذهبِ مَن قرَأ هذه القراءةَ أن يَكُونَ المعنى في المَدْخَلِ: المكانَ والموضِعَ؛ لأن العربَ ربما فَتَحتِ الميمَ من ذلك بهذا المعنى، كما قال الراجزُ (٣): * بِمَصْبَحِ الحَمْدِ وحيثُ يُمْسى * وقد أنشدنى بعضُهم سَماعًا مِن العربِ (٤): الحمدُ للهِ مَمْسانا ومَصْبَحَنا … بالخيرِ صَبَّحنا ربي ومَسَّانا وأنشَدني آخرُ غيرَه: * الحمدُ للهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا * لأنه مِن أصبَح وأمْسَى.
وكذلك تَفْعَلُ العربُ فيما كان مِن الفعلِ بناؤُه على أربعةٍ؛ تَضُمُّ ميمه فى مثلِ هذا، فتَقُولُ: دَحْرَجتُه [أُدَحْرِجُه دَحْرَجَةً ودِحْراجًا] (١) فهو مُدَحْرَجٌ، ثم يُحْمَلُ ما جاء على "أَفْعَلَ (٢) يُفْعِلُ" على ذلك؛ لأنَّ "يُفْعِلُ" من "يُدْخِلُ"، وإن كان على أربعةٍ، فإن أصلَه أن يكونَ على "يُؤَفِّعِلُ (٣) ": يُؤَدْخِلُ، ويُؤَخْرِجُ.
فهو نظيرُ: يُدَحْرِجُ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين والبصريين: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضمِّ الميمِ (٤)، يعني: ونُدْخِلْكم إدخالًا كرِيما.
قال أبو جعفر: وأَوْلَى القراءتَيْن بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ بضمِّ الميمِ؛ لما وصَفْنا مِن أن ما كان مِن الفِعْلِ بناؤُه على أَربعةٍ في "فَعَل" (٥)، فالمصدرُ منه "مُفْعَلٌ"، وأن أدْخَل ودَحْرَج "فَعَل" منه على أربعةٍ، فالمُدخَلُ مصدرُه أَوْلى مِن "مَفْعَلٍ"، مع أن ذلك أفصحُ في كلامِ العربِ في مصادرِ ما جاء على "أفْعَلَ"، كما يُقالُ: أقام بمكانٍ فطاب له المُقامُ، إذا أُرِيد به الإقامةُ.
وقام في موضعِه فهو في مَقامٍ واسع.
كما قال جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١].
من: قام يَقُومُ.
ولو أُريد به الإقامةُ لقُرِئَ: (إِنَّ المُتَّقِينَ في مُقَامٍ أمينٍ).
كما قُرِئَ ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠]، بمعنى الإدخالِ والإخراجِ، ولم يَبْلُغْنا عن أحدٍ أنه قرَأ: مَدْخَلَ صِدْقٍ (١)، ولا: مَخْرَجَ صِدْقٍ.
بفتحِ الميمِ.
وأما المُدْخَلُ الكريمُ فهو الطيبُ الحسنُ، المكرَّمُ بنَفْيِ الآفاتِ والعاهاتِ عنه، وبارتفاعِ الهمومِ والأحزانِ ودخولِ الكَدَرِ في عيشِ مَن دَخَلَه، فلذلك سَمَّاه اللهُ كريمًا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
قال: الكريمُ هو الحسَنُ في الجنةِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: ولا تَتَشَهَّوْا ما فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعضٍ.
وذُكِر أن ذلك نزَل في نساءٍ تَمَنَّيْنَ منازلَ الرجالِ، وأن يَكُونَ لهم ما لهم، فنهَى اللهُ عبادَه عن الأمانيِّ الباطلةِ، وأمرهم أن يسألوه مِن فضلِه، إذْ كانت الأمانيُّ تُوَرِّثُ أَهلَها الحسدَ والبَغْيَ بغيرِ الحقِّ.
ذكرُ الأخبارِ بما ذَكَرنا حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمةَ: يا رسولَ اللهِ، لا نُعْطَى الميراثَ، ولا نَغْزُو في سبيل الله فتُقْتَلَ؟!
فنَزَلتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ هشامٍ، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: يا رسولَ اللهِ، تَغْرُو الرجالُ ولا نَغْرُو، وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟!
فنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
ونزَلت: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
يقولُ: لا يَتَمَنَّى الرجلُ يقولُ: ليت أنَّ لي مالَ فلانٍ وأهلَه.
فنهَى اللهُ سبحانَه عن ذلك، ولكن لِيسْأَلِ اللهَ مِن فضلِه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قال: قولُ النساءِ: ليتَنا رجالًا (٣) فتَغْزُوَ، ونَبْلُغَ ما يَبْلُغُ الرجالُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: قولُ النساءِ يَتَمَنَّين: ليتنا رجالٌ فَنَغْزُوَ.
ثم ذكَر مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: قالت أمُّ سَلَمَةَ: أَي رسولَ اللهِ، أَتَغْزُو الرجالُ ولا تَغْزُو، وإنما لنا نصفُ الميراثِ؟!
فنزَلت: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن شيخٍ مِن أهلِ مكةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
.
قال: كان النساءُ يَقُلْن: ليتَنا رجالٌ فنُجاهدَ كما يُجاهِدُ الرجالُ، ونَغْزُوَ في سبيلِ اللهِ.
فقال اللهُ: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يَزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: [لا تَمَنَّ] (٣) مالَ فلانٍ، ولا (٤) مالَ فلانٍ، وما يُدْريك لعلَّ هلاكَه في ذلك المالِ (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ، أنهما قالا: نزلت في أمِّ سَلَمَةَ ابنةِ أبى أميةَ بن المغيرةِ (٦).
وبه قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: هو الإنسانُ يَقُولُ: وَدِدتُ أن لى مالَ فلانٍ.
قال: اسْأَلوا اللهَ مِن فضلِه.
وقولُ النساءِ: ليتَنا رجالٌ فتَغْزُو، ونَبْلُغَ ما يَبْلُغُ الرجالُ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يَتَمَنَّ بعضُكم ما خَصَّ اللهُ بعضًا مِن منازلِ الفضلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: فإن الرجالَ قالوا: تُريدُ أن يَكُونَ لنا مِن الأجرِ الضِّعْفُ على أجرِ النساءِ، كما لنا في السهامِ سهمان، فنُريدُ أن يَكُونَ لنا فى الأجرِ أجران.
وقالت النساءُ: نُرِيدُ أَن يَكُونَ لنا أجرٌ مثلُ أجرِ الرجالِ، فإنا لا نَسْتَطيعُ أن تُقاتِلَ، ولو كُتِب علينا القتالُ لقاتَلْنا.
فأَنزَل اللهُ تعالى ذلك (٢)، وقال لهم: سَلُوا اللهَ مِن فضلِه يَرْزُقْكم الأعمالَ، وهو خيرٌ لكم (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، قال: نُهِيتُم عن الأمانيِّ، ودُلِلْتُم على ما هو خيرٌ منه، وسَلُوا اللهَ مِن فضلِه (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عارِمٌ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، قال: كان محمدٌ (٥) إذا سمِع الرجلَ يَتَمَنَّى فى الدنيا، قال: قد نهاكم اللهُ عن هذا: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، ودلَّكم على خيرٍ منه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الكلامِ على هذا التأويلِ: ولا تَتَمَنَّوْا أيها الرجالُ والنساءُ الذي فضَّل اللهُ به بعضَكم على بعضٍ مِن منازلِ الفضلِ ودرجاتِ الخيرِ، ولْيَرْضَ أحدُكم بما قسَم اللهُ له مِن نصيبٍ، ولكنْ سَلُوا اللهَ مِن فضلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: للرجالِ نصيبٌ مما اكتَسَبوا مِن الثوابِ على الطاعةِ، والعقابِ على المعصيةِ، وللنساءِ نصيبٌ من ذلك مثلُ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: كان أهلُ الجاهليةِ لا يُوَرِّثون المرأةَ شيئًا، ولا الصَّبِيَّ شيئًا (٢)، وإنما يَجْعَلُون الميراثَ لمن يَحْتَرِفُ ويَنْفَعُ ويَدْفَعُ، فلما لَحِق للمرأةِ نصيبُها وللصبيِّ نصيبُه، وجُعِل للذَّكَرِ مثلُ حظِّ الأنثيين، قال النساءَ: لو كان جُعِل أنصِباؤنا (٣) في الميراثِ كأَنْصِباءِ الرجالِ.
وقالتِ الرجالُ: إنا لنَرْجُو أن نُفَضَّلَ على النساءِ بحسناتِنا فى الآخرةِ، كما فُضِّلْنا عليهنّ فى الميراثِ.
فأنْزَل اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يقولُ: المرأةُ تُجْزَى بحسنتِها عَشْرَ أمثالِها كما يُجْزَى الرجلُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، قال: ثني أبو ليلى، قال: سَمِعتُ أبا حَرِيزٍ (٢) يَقُولُ: لما نزَل: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
قالت النساءُ: كذلك عليهم نَصِيبان من الذنوبِ، كما لهم نَصِيبان مِن الميراثِ.
فأنزَل اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ يعني: الذُّنوبَ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ﴾ يا معشرَ النساءِ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٣).
وقال آخرون: بل مَعْنى ذلك: للرجال نصيبٌ مما اكْتَسبوا مِن ميراثِ موتاهم، وللنساءِ نصيبٌ منهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
يَعْنى: ما ترَك الوالِدان والأقرَبون، يَقُولُ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن عكرمةَ أو غيرِه في قولِه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾.
قال: في الميراثِ، كانوا لا يورِّثون النساءَ.
قال أبو جعفرٍ: وأوْلى القولين فى ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال معناه: للرجالِ نصيبٌ مِن ثوابِ اللهِ وعقابِه مما اكتَسَبوا، فعَمِلوه مِن خيرٍ أو شرٍّ، وللنساءِ نصيبٌ مما اكتسَبن من ذلك كما للرجالِ.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ مِن قولِ مَن قال: تأويلُه: للرجالِ نصيبٌ مِن الميراثِ وللنساءِ نصيبٌ منه؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخبرَ أن لكلِّ فريقٍ مِن الرجالِ والنساءِ نصيبًا مما اكْتَسَب، وليس الميراثُ مما اكْتَسَبَه الوارثُ، وإنما هو مالٌ أورثه اللهُ عن مَيِّتِه بغيرِ اكتسابٍ.
وإنما الكَسْبُ العملُ، والمكتسِبُ المُحْتَرِفُ، فغيرُ جائزٍ أن يَكُونَ معنى الآيةِ، وقد قال اللهُ: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾: للرجالِ نصيبٌ مما ورِثوا وللنساءِ نصيبٌ مما وَرِثْنَ.
لأن ذلك لو كان كذلك لَقِيلَ: للرجالِ نصيبٌ مما لم يَكْتسبوا، وللنساءِ نصيبٌ مما لم يَكْتَسِبن.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: واسْأَلوا الله من عونِه وتوفيقِه للعملِ بما يُرْضِيه عنكم من طاعتِه.
ففَضْلُه في هذا الموضِع: توفيقُه ومعونتُه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الرازيُّ، قال: ثنا أبو جعفرٍ النُّفَيْليُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن سعيدٍ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: العبادةُ ليست مِن أمرِ الدنيا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنى أبو جعفرٍ، قال: ثنا موسى، عن لَيْثٍ، قال: فضلُه: العبادةُ، ليس مِن أمرِ الدنيا.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا هشامٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: ليس بعرَضِ الدنيا (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾: يَرْزُقُكم الأعمالَ، وهو خيرٌ لكم (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حُكَيمِ بنِ جبيرٍ، عن رجلٍ لم يُسَمِّه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "سَلُوا اللهَ مِن فضلِه، فإنه يُحِبُّ أن يُسْأَلَ، وإن مِن أفضلِ العبادةِ انتظارَ الفرجِ" (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: إن اللهَ كان بما يُصْلِحُ عبادَه فيما قسَم لهم مِن خيرٍ، ورفَع بعضَهم فوق بعضٍ فى الدينِ والدنيا، وبغيرِ ذلك من قضائِه وأحكامِه فيهم ﴿عَلِيمًا﴾.
يَقُولُ: ذا علمٍ، ولا تَتَمنَّوا غيرَ الذي قضى لكم، ولكنْ عليكم بطاعتِه، والتسليمِ لأمرِه، والرضا بقضائِه، ومسألتِه مِن فضلِه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾: ولكلِّكم أيُّها الناسُ ﴿جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
يقولُ: وَرَثَةً مِن بنى عمِّه وإخوتِه وسائرِ عَصَبَتِه غيرِهم.
والعربُ تُسَمَّى ابنَ العمِّ المَوْلَى، ومنه قولُ الشاعرِ: ومَوْلًى رمَيْنا حولَه وَهُوَ مُدْغِلٌ (١) … بأعْراضِنا والمُنْدياتُ (٢) سُروعُ يعنى بذلك: وابن عمٍّ رمَينا حولَه، ومنه قولُ الفضلِ بنِ العبَّاسِ (٣): مهلًا بنى عمِّنا مهلًا مَوالِينا … لا [تُظْهِرُنَّ لنا] (٤) ما كان مَدْفُونَا وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا إدريسُ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
قال: وَرَثَةً (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾.
قال: المَوَالى العَصَبةُ، يعنى الوَرَثَةَ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
قال: المَوَالَى العَصَبَةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
قال: هما الأولياءُ (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
يَقُولُ: عَصَبةً (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
قال: الموالى أولياءُ الأبِ، أو (٣) الأخُ، أو ابنُ الأخِ، أو غيرُهما من العَصَبَةِ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾: أما ﴿مَوَالِيَ﴾، فهم أهلُ الميراثِ (٥).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
قال: الموالِى العصبةُ، هم كانوا في الجاهليةِ الموالِيَ، فلما دخَلت العَجَمُ على العربِ لم يَجِدوا لهم اسمًا، فقال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
فسُمُّوا (٦) المَوالِيَ.
قال: والمَوْلى اليومَ مَوْلَيان؛ مولًى يَرِثُ وَيُورَثُ، فهؤلاء ذَوُو الأرحامِ (١)، ومَوْلى يُورَثُ ولا يَرِثُ، فهؤلاء العتاقةُ (٢).
وقال: ألا تَرَوْن قولَ زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: ٥].
فالموالى ههنا الوَرَثَةُ (٣).
ويَعْنى بقولِه: ﴿مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: [من تَرِكةِ والديه وأَقْرَبيه] (٤) مِن الميراثِ.
فتأويلُ الكلامِ: ولكلِّكم أيُّها الناسُ جعَلنا عَصَبَةً يَرِثون به مما ترَك والِدَه وأقْربوه مِن ميراثِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ (٥) أَيْمَانُكُمْ﴾.
اختلفت القرأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
بمعنى: والذين عقَدت أيمانُكم الحلِفَ بينَكم وبينَهم.
وهى قراءةُ عامَّةِ قرأةِ الكوفيين (٦).
وقرأ ذلك آخرون: (والذين عاقدتْ أيمانُكم) (٧) بمعنى: والذين عاقَدت أيمانُكم وأيمانُهم الحلِفَ بينَكم وبينَهم.
قال أبو جعفرٍ: والذى نَقُولُ به فى ذلك أنهما قراءتان معْروفتان مستفيضتان في قرأَةِ أمصارِ المسلمين بمعنًى واحدٍ.
وفى دَلالةِ قولِه: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾.
على أنها أيمانُ العاقِدين والمعقودِ عليهم الحِلفُ، مستغنًى عن الدَّلالةِ على ذلك بقراءةِ قولِه: ﴿عَقَدَتْ﴾، (عاقدَتْ).
[وذلك] (١) أن الذين قرَءوا ذلك: (عاقَدَتْ).
قالوا: لا يَكُونُ عَقْدُ الحِلْفِ إلا مِن فريقين، ولابدَّ لنا مِن دَلالةٍ في الكلامِ على أن ذلك كذلك.
وأغفَلوا موضعَ دَلالةِ قولِه: ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾.
على أن معنى ذلك: أيمانُكم وأيمانُ المعقودِ عليهم، وأن العقْدَ إنما هو صفةٌ للأيمانِ دونَ العاقِدين الحِلْفَ.
حتى زعَم بعضُهم أن ذلك إذا قُرِئ: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
[فالكلامُ] (٢) محتاجٌ إلى ضميرِ [صفةٍ تَقِي] (٣) الكلامَ حتى يَكُونَ الكلامُ معناه: والذين عقَدت لهم أيمانُكم.
ذَهابًا منه عن الوجهِ الذي قلنا في ذلك؛ مِن أن الأيمانَ معنيٌّ بها أيمانُ الفريقين.
وأما: (عاقَدَت أيمانُكم).
فإنه فى تأويلِ: عاقدت أيمانُ هؤلاء أيمانَ هؤلاء الحِلْفَ.
فهما متقاربا المعنى، وإن كانت قراءةُ مَن قرَأ ذلك: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
بغيرِ (٤) ألفٍ، أصحَّ معنًى مِن قراءةِ مَن قرَأه: (عَاقَدَتْ).
للذى ذكَرنا مِن الدَّلالةِ على المعنيِّ (٥) في صفةِ الأيمانِ بالعقدِ، على أنها أيمانُ الفريقين مِن الدَّلالةِ على ذلك بغيرِه.
وأما معنى قولِه: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فإنه: وصَلَت وشَدَّت ووكَّدت، ﴿أَيْمَانُكُمْ﴾.
يعنى: مواثيقُكم التى واثَق بعضُكم (١) بعضًا.
﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى "النصيب" الذي أمَر اللهُ أهلَ الحلِفِ أن يُؤْتِيَ بعضُهم بعضًا في الإسلامِ؛ فقال بعضُهم: هو نصيبُه مِن الميراثِ؛ لأنهم في الجاهليةِ كانوا يَتَوارَثون، فأوجَب اللهُ في الإسلامِ من بعضِهم لبعضٍ بذلك الحِلفِ، وبمثلِه فى الإسلامِ، مِن المُوارثةِ مثلَ الذي كان لهم في الجاهليةِ، ثم نسَخ ذلك بما فرَض مِن الفرائضِ لذوى الأرحامِ والقراباتِ.
ذكرُ مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ بنِ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ فى قولِه: (والذين عاقَدَتْ (٢) أيمانكم فآتوهم نصيبَهم إنَّ اللهَ على كلِّ شَيْءٍ شهيدًا) قال: كان الرجلُ يحالِفُ الرجلَ، ليس بينَهما نسبٌ، فيرِثُ أحدُهما الآخرَ، فنسَخ اللهُ ذلك في "الأنفالِ"، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) [الأنفال: ٧٥].
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِ اللهِ: (والذين عَاقَدَتْ أيمانُكم).
قال: كان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ فيَرِثُه، وعاقَد أبو بكرٍ ﵁ مولًى فورِثَه (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَت أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): فكان الرجلُ يُعاقِدُ الرجلَ؛ أيُّهما مات ورِثه الآخرُ، فَأَنزَلَ اللهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ يَقُولُ: إلا أن يُوصُوا لأوليائِهم الذين عاقَدوا وصيةً، فهو لهم جائزٌ مِن ثُلُثِ مالِ الميتِ، وذلك هو المعروفُ (١).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾: كان الرجلُ يُعاقدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فيُقُولُ: دمى دمُك، وهَدَمى هَدَمُك وتَرِثُنى (٢) وأرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك.
فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ في الإسلامِ، ثم يَقْسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسِخ ذلك بعدُ في سورةِ "الأنفالِ"، فقال اللهُ: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ: (والذين عاقَدَتْ أيمانُكم) قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ يعاقِدُ الرجلَ فيَقُولُ: دمى دمُك (٤)، وتَرِثُنى وأرِثُك، وتَطْلُبُ بى وأطْلُبُ بك.
فلما جاء الإسلامُ بقى منهم ناسٌ، فأُمِروا أن يُؤْتُوهم نصيبَهم مِن الميراثِ وهو السُّدُسُ، ثم نسِخ ذلك بالميراثِ، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا همامُ بنُ يحيى، قال: سمِعتُ قتادةَ يَقُولُ فى قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): وذلك أن الرجلَ كان يُعَاقِدُ الرجلَ فى الجاهليةِ فيَقُولُ: هَدَمى هَدَمُك، ودمى دمُك، وتَرِثْنى وأَرِثُك، وتَطْلُبُ بي وأطْلُبُ بك.
فجعَل له السُّدُسَ مِن جميعِ المالِ، ثم يَقْتَسِمُ أهلُ الميراثِ ميراثَهم، فنسَخ ذلك بعدُ فى "الأنفالِ"، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
فصارَت المواريثُ لذَوِى الأرحامِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ، قال: هذا خِلْفٌ كان في الجاهليةِ، كان الرجلُ يقولُ للرجلِ: تَرِثُنى وأَرِثُكَ، وتَنْصُرُني وأنصُرُك، وتَعْقِلُ عنى وأعقِلُ عنك (٢).
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (وَالذِينَ عَاقَدَتْ أَيَمَانُكُم): كان الرجلُ يَتْبَعُ الرجلَ فيُعاقِدُه: إِن مِتُّ فَلَكَ مثلُ ما يَرِثُ بعضُ ولدى.
وهذا منسوخٌ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَتَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): كان (٤) الرجلُ في الجاهليةِ قد كان يُلْحِقُ به الرجلَ، فيكونُ تابِعَه، فإذا مات الرجلُ صار لأهلِه وأقاربِه الميراثُ، وبَقِى تابعًا (١) ليس له شيءٌ، فأنزَل اللهُ، (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
فكان يُعْطَى من ميراثِه، فأنزَل اللهُ بعدَ ذلك: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢).
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين آخى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ من المهاجرين والأنصارِ، فكان بعضُهم يَرِثُ بعضًا بتلك المُؤاخاةِ، ثم نَسَخ اللهُ ذلك بالفرائضِ، وبقولِه: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةً، قال: ثنا إدريسُ بنُ يزيدَ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَتُكُمْ فَتَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
قال: كان المهاجِرون حينَ قَدِموا المدينةَ [يرِثُ المهاجرِيُّ الأنصاريَّ] (٣) دونَ ذوى رَحِمِه (٤)، للأخوةِ التي أخَى رسولُ اللهِ ﷺ بينَهم، فلما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾.
نُسِخَت (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ): الذين عَقَد رسولُ اللهِ ﷺ، ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ إذا لم يأْتِ رَحِمٌ يحولُ بينَهم.
قال: وهو لا يكونُ اليومَ، إنما كان في نَفَرٍ آخَى بينَهم رسولُ اللهِ ﷺ، وانقطَع ذلك، ولا يكونُ هذا لأحدٍ إلا للنبيِّ ﷺ، كان آخى بينَ المُهاجِرين والأنصارِ، واليومَ لا يُؤاخَى بينَ أحدٍ (١).
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في أهلِ العَقْدِ بالحِلْفِ، ولكنهم أُمِروا أن يُؤْتِيَ بعضُهم بعضًا أنصباءَهم من النُّصْرَةِ والنصيحةِ وما أشبَه ذلك، دونَ الميراثِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، قال: ثنا إدريسُ الأَوْدِيُّ، قال: ثنا طلحةُ بنُ مُصَرِّفٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: من النصرِ والنصيحةِ والرِّفادةِ (٢)، ويُوصِى لهم، وقد ذهَب الميراثُ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: كان حِلْفٌ في الجاهليةِ، فأُمِروا في الإسلامِ أن يُعْطوهم نصيبَهم من العَقْلِ والمَشورةِ والنصرةِ، ولا ميراثَ (٤).
حدَّثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَشَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): من العونِ والنصرِ والحِلْفِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
قال: كان هذا حِلْفًا في الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أُمِروا أن يُؤتوهم نصيبَهم من النصرِ والوَلاءِ والمشورةِ، ولا ميراثَ (١).
حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: هو الحِلْفُ، عقَدت أيْمانُكم.
قال: ﴿فَآتُوهُمْ﴾ (٢).
قال: النصرُ.
حدَّثني زكريا بنُ يحيى، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جُرَيجٍ: أخبرَني عطاءٌ، قال: هو الخَلْفُ.
قال: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
قال: العَقْلُ والنصرُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
قال: لهم (٤) نصيبُهم من النصرِ والرِّفادةِ والعَقْلِ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قال: هم الحلفاءُ (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عَن خُصَيفٍ، عن عِكرمةَ مثلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾: أَما ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
فالحِلْفُ، كان الرجلُ في الجاهليةِ يَنْزِلُ في القومِ فيُحالِفونه على أنه منهم، يُواسُونه بأنفسِهم، فإذا كان لهم حقٌّ أو قتالٌ كان مثلَهم، وإذا كان له حقٌّ أو نُصْرَةٌ خَذَلوه، فلما جاء الإسلامُ سألوا عنه، وأبَى اللهُ إلا أن يُشَدِّدَه، وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لم يَزِدِ الإسلامُ الحُلفاءَ إلا شِدَّةً" (٢).
وقال آخرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون أبناءَ غيرِهم في الجاهليةِ، فأُمِروا [في الإسلامِ] (٣) أن يُوصوا لهم عندَ الموتِ وصيةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني الليثُ، عن عُقَيلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إن اللهَ قال: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَنُكُمْ فَئَاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ).
قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: إنما نزَلَت هذه الآيةُ فى الذين كانوا يَتَبَنَّون رجالًا غيرَ أبنائِهم ويُوَرِّثونهم، فأنزَل اللهُ فيهم، فجعَل لهم نَصيبًا فى الوصيةِ، ورَدَّ الميراثَ إلى الموالى فى ذِى (١) الرحمِ والعَصَبةِ، وأبَى اللهُ للمُدَّعَيْن ميراثًا ممن ادَّعاهم وتَبَنَّاهم، ولكنَّ اللهَ جعَل لهم نَصيبًا في الوصيةِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
قولُ مَن قال: والذين عَقَدَت أيمانُكم على المُخَالفةِ، وهم الحلفاءُ.
وذلك أنه معلومٌ عندَ جميعِ أهلِ العلِم بأيامِ العربِ وأخبارِها، أَن عَقْدَ الحِلْفِ بينَها كان يكونُ بالأيمانِ والعهودِ والموَاثيقِ، على نحوِ ما قد ذكَرنا من الروايةِ في ذلك.
فإذ كان اللهُ جلّ ثناؤُه إنما وَصَف الذين عَقَدَت أيمانُهم مَا عَقَدوه بها بينَهم، دونَ مَن لم يَعْقِدْ عقدَ ما بينهم أيمانُهم، وكانت مُؤاخاةُ النبيِّ ﷺ بينَ مَن آخَى بينَه وبينَه من المُهاجِرِين والأنصارِ، [لم تكنْ] (٣) بينَهم بأيمانِهم، وكذلك التَّبَنِّى - كان معلومًا أن الصوابَ من القولِ فى ذلك قولُ مَن قال: هو الحِلْفُ.
دونَ غيرِه؛ لِما وَصفنا من العِلَّةِ.
وأمَّا قولُه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
فإن أَولى التأويلَين به ما عليه الجميعُ مُجْمِعون من حكمِه الثابتِ، وذلك إيتاءُ أهلِ الحِلْفِ الذي كان في الجاهليةِ دونَ الإسلامِ، بعضِهم بعضًا أنصباءَهم؛ من النُّصْرَةِ والنصيحةِ والرأيِ، دونَ الميراثِ؛ وذلك لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان من حِلْفٍ في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إِلا شِدَّةً".
حدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن سِماكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ (١).
وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ المِقْدامِ، عن إسرائيلَ بن يونسَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ مولى آلِ، طلحةَ، عن عِكْرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لا خِلْفَ في الإسلامِ، وكلُّ حِلْفٌ كان في الجاهليةِ فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً، وما يَسُرُّنى أن لى حُمْرَ النَّعَمِ وأَني نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دارِ الندوةِ" (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن أبيه، عن شعبةَ بن التوأمِ الضَّبِّيِّ، أن قيسَ بنَ عاصمٍ سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، فقال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، ولكن تَمَسَّكوا بحِلْفِ الجاهليةِ" (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةُ، عن أبيه، عن شعبةَ بنِ التوأمِ، عن قيسِ بنِ عاصمٍ، أنه سأل النبيَّ ﷺ عن الحِلْفِ، قال: فقال: "ما كان مِن حِلْفٍ فى الجاهليةِ فتَمَسَّكوا به، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ" (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن داودَ بنِ أبي عبدِ اللهِ، عن ابنِ جُدْعانَ، [عَن جَدَّتِه] (٥)، عن أمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ لم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً" (٦).
حدَّثنا [حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ] (١)، وحدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ قال: ثنا حُسينٌ المُعَلِّمُ، وحدَّثنا حاتمُ بنُ بكرٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، [عن حسينٍ المُعَلِّمِ، قال: ثنا أبي، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ] (١)، عن أبيه، عن جدِّه، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال في خُطبتِه يومَ فتحِ مكةَ: "فُوا بحِلْفِ، فإنه لا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شِدَّةً، ولا تُحْدِثوا حِلْفًا في الإسلامِ" (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وعَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الصَّفَارُ، قالا: ثنا محمدُ بنُ بِشْرٍ، قال: ثنا زكريا بنُ أبي زائدةَ، قال: ثني سعدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: "لا حِلْفَ فى الإسلامِ، وأيُّما حِلْفٍ كان في الجاهليةِ، فلم يَزِدْه الإسلامُ إلا شِدَّةً" (٣).
حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ ومحمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ إسحاقَ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن محمدِ بنِ جُبيرِ بن مُطْعِمٍ، عن أبيه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "شَهِدْتُ خِلْفَ المُطَيِّبِين وأنا غُلامٌ مع عُمومتى، فما أُحِبُّ أَن لِى حُمْرَ النَّعَمِ وأَنِّى أَنْكُثُه".
زادَ يعقوبُ في حديثِه عن ابنِ عُليَّةَ، قال: وقال الزهريُّ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لم يُصِبِ الإسلامُ حِلْفًا إِلا زَادَه شِدَّةً".
قال: "ولا حِلْفَ في الإسلامِ".
قال: وقد أَلَّف رسولُ اللهِ ﷺ بينَ قريشٍ والأنصارِ (١).
حدَّثنا تَميمُ بن المُنْتصِرِ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرٍو ابنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، قال: لمَّا دخَل رسولُ اللهِ ﷺ مكةَ عامَ الفتحِ، قام خَطيبًا في الناسِ فقال: "يا أيُّها الناسُ، ما كان مِن حِلْفٍ في الجاهليةِ فإن الإسلامَ لم يَزِدْهُ إِلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ فى الإسلامِ" (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عمرِو بنِ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ قال: ثنا خالدُ بنُ مَخْلَدٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن بنُ الحارِث، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٤).
فإذ كان ما ذكَرنا عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحًا، وكانت الآيةُ إذا اختُلف في حُكْمِها منسوخٌ هو (٥) أم غيرُ منسوخٍ، غيرُ جائزٍ القضاءُ عليه بأنه منسوخٌ - مع اختلافِ المُخْتلِفين فيه، ولوجوبِ حُكْمِها ونَفْيِ النسخِ عنها وَجْهٌ صحيحٌ -إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بَيَّنَّا في غير موضعٍ من كُتُبِنا الدلالةَ على صحةِ القولِ بذلك- فالواجبُ أن يكونَ الصحيحُ من القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
هو ما ذكَرنا من التأويلِ، وهو أن قوله: ﴿عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
من الحِلفِ، وقولَه: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
مِن النُّصْرةِ والمعونةِ والنصيحةِ والرأيِ، على ما أمَر به مِن ذلك رسولُ اللَّهِ ﷺ في الأخبارِ التي ذكَرْناها عنه، دونَ قولِ مَن قال: معنى قوله: ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾.
مِن الميراثِ، وأن ذلك كان حُكْمًا ثم نُسِحَ بقولِه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾.
[ودون] (١) ما سِوى القولِ الذي قلناه في تأويلِ ذلك.
وإذا صَحَّ ما قلنا في ذلك، وَجَب أن تكونَ الآيةُ مُحْكَمةً لا منسوخةً.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فآتُوا الذين عَقَدَتْ أيمانُكم نصيبَهم من النُّصْرةِ والنصيحةِ والرأيِ، فإن اللَّهَ شاهدٌ على ما تفعَلون من ذلك، وعلى غيرِه من أفعالِكم، مُرَاعٍ لكلِّ ذلك حافظٌ، حتى يُجازِيَ جميعَكم على جميعِ ذلك جزاءَه، أما المُحسِنَ منكم المُتَّبِعَ أمرى وطاعتى، فبالحُسْنى، وأما المُسِيءَ منكم المُخالِفَ أمرى ونَهْيِي، فبالسوأى.
ومعنى قولِه: ﴿شَهِيدًا﴾ (٢): ذو شهادةٍ على ذلك.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: الرجالُ أَهلُ قيامٍ على نسائِهم، في تأديبِهن والأَخْذِ على أيديهن فيما يَجِبُ عليهن للَّهِ ولأنفسِهم، ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
يعني: بما فَضَّل اللَّهُ به الرجالَ على أزواجِهم؛ من سَوْقِهم إليهنَّ مُهورَهن، وإنفاقِهم عليهن أموالَهم، وكِفايتِهم إياهن مُؤَنَهن، وذلك تفضيلُ اللَّهِ ﵎ إياهم (١) عليهنَّ، ولذلك صاروا قُوَّامًا عليهن، نافِذى الأمرِ عليهن، فيما جعَل اللَّهُ إليهم من أمورِهن.
وبما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾: يعنى أمراءَ، عليها أن تُطِيعَه فيما أمَرها اللَّهُ به مِن طاعتِه، وطاعتُه أن تكونَ مُحْسِنةً إلى أهلِه، حافِظةً لمالِه، وفضْلُه عليها بنفَقَتِه وسَعْيِه (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحاكِ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾: يقولُ: الرجلُ قائمٌ على المرأةِ، يأمُرُها بطاعةِ اللَّهِ، فإن أبَتْ فله أن يَضْرِبَها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، وله عليها الفضلُ بنفقتِه وسَعْيِه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
قال: يأخُذون على أيديهن ويُؤدِّبوهن (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.
قال: بِتَفْضِيلِ اللَّهِ الرجالَ على النساءِ (١).
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في رجلٍ كان (٢) لَطَم امرأتَه، فخُوصِم إلى النبيِّ ﷺ في ذلك، فقَضَى لها بالقصاصِ.
ذكرُ الخبرِ بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثنا الحسنُ، أن رجلًا لَطَم امرأته، فأَتَتِ النبيَّ ﷺ، فأراد أن يُقصَّها منه، فأنزَل اللَّه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
فدعاه النبيُّ ﷺ فتَلَاها عليه، وقال: "أردتُ أمرًا وأراد اللَّهُ غيرَه" (٣).
حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: ذُكِر لنا أن رجلًا لَطَم امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ، ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، قال: صَكَّ رجلٌ امرأتَه، فأتَتِ النبيَّ ﷺ، فأراد أن يُقِيدَها منه، فأنزَل اللَّهُ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن جريرِ بنِ حازمٍ، عن الحسنِ، أن رجلًا من الأنصارِ لطَمَ امرأتَه، فجاءت تلتمِسُ القصاصَ، فجعل النبي ﷺ بينهما القصاصَ، فنزَلَت: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤].
ونزَلَت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: لَطَم رجلٌ، امرأتَه، فأراد النبيُّ ﷺ القصاصَ، فبينما هم كذلك نزَلَت الآيةُ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
فإن رجلًا من الأنصارِ كان بينَه وبينَ امرأتِه كلامٌ فلَطَمها، فانطلَق أهلُها، فذكَروا ذلك للنبيِّ ﷺ، فأخبرَهم: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
الآية (٣) وكان الزهريُّ يقولُ: ليس بيَن الرجلِ وامرأتِه قصاصٌ فيما دونَ النفسِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، سمِعتُ الزُّهْرى يقولُ: لو أن رجلًا شَجَّ امرأتَه أو جرَحها، لم يكنْ عليه في ذلك قَوَدٌ، وكان عليه العَقْلُ، إلا أن يَعْدُو عليها فيَقْتُلَها، فيُقتَلَ بها (١).
وأما قوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾.
فإنه يعنى: وبما ساقُوا إليهن من صَداقٍ، وأنفَقُوا عليهن من نَفَقةٍ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: فَضْلُه عليها بنفقتِه وسَعْيه (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾: بما ساقوا من المَهْرِ (٣).
فتأويلُ الكلامِ إذن: الرجالُ قَوَّامون على نسائِهم بتفضيلِ اللَّهِ إياهم عليهن، وبإنفاقِهم عليهن مِن أموالِهم.
و "ما" التي في قوله: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ﴾.
والتي في قولِه: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا﴾.
في معنى المصدرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾: المستقيماتُ الدينِ، العاملاتُ بالخيرِ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ: ﴿فَالصَّالِحَاتُ﴾ يَعْمَلُن بالخيرِ (١).
وقوله: ﴿قَانِتَاتٌ﴾.
يعنى: مطيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهن.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾.
قال: مُطيعاتٌ (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾.
قال: مُطِيعاتٌ (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ (٤) داودَ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (٥).
حدَّثنا بِشْرُ (٦) بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: أي: مُطِيعاتٌ للَّهِ ولأزواجِهنَّ (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطِيعاتٌ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: القانِتاتُ المُطِيعاتُ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيان يقولُ في قولِه: ﴿قَانِتَاتٌ﴾: مُطيعاتٌ لأزواجِهن (٣).
وقد بَيَّنَّا مَعنى القُنوتِ فيما مضَى، وأنه الطاعةُ، ودَلَّلنا على صحةِ ذلك من الشواهدِ بما أغنَى عن إعادتِه (٤).
وأما قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
فإنه يعني: حافِظاتٌ لأنفسِهنَّ عندَ غَيْبة أزواجِهنَّ عنهن، في فُروجِهن وأموالِهم، وللواجبِ عليهنّ من حقِّ اللَّهِ في ذلك وغيرِه.
كما حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
يقولُ: حافظاتٌ لِما استَودَعَهنَّ اللَّهُ من حقِّه، وحافِظاتٌ لغَيْبِ أزواجِهن (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
يقولُ: تَحفَظُ على زوجِها مالَه وفَرْجَها حتى يَرْجِعَ، كما أمَرها اللَّهُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ما قولُه: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؟
قال: حافِظاتٌ للزوجِ (٢).
حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَجَّاجُ، قال: قال ابنُ جُرَيجٍ: سألتُ عطاءً عن: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾.
قال: حافِظاتٌ للأزواجِ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾: حافِظاتٌ لأزواجِهنَّ لِما غابَ من (٣) شأنِهنَّ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا أبو مَعْشَرٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ (٤) أبي سعيدٍ المقبرِيُّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُ النساء امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْك، وإذا أمَرْتَها أَطاعَتك، وإذا غِبْتَ عنها حَفِظَتْك في نفسِها ومَالِهَا (٥) ".
قال: ثم قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ الآيةَ: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ إلى آخر الآية (٦).
قال أبو جعفر: وهذا الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ يَدلُّ على صحةِ ما قلنا في تأويلِ ذلك، وأن معناه صالحاتٌ في أديانهنَّ، مُطِيعاتٌ لأزواجِهنَّ، حافِظاتٌ [لهم في أنفسهنَّ] (٧) وأموالِهم.
وأما قولُه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
فإن القَرأةَ اختَلفت في قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ القَرأةِ في جميعِ أمصارِ الإسلامِ: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
برفعِ اسمِ (اللَّه)، على معنى: بحِفْظِ اللَّهِ إياهنَّ إذ صَيَّرَهن كذلك.
كما حدَّثني زكريا بنُ يحيى بنِ أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيج: سألتُ عطاءً عن قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
قال: يقولُ: حَفِظَهِنَّ اللَّهُ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: سمِعتُ سُفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
قال: بحِفْظِ اللَّهِ إيَّاها أنه جعَلها كذلك (٢).
وقرَأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القَعْقَاع المَدَنىُّ (٣): (بما حفظ اللَّه) (٤) يعنى: بحفظهنَّ (٥) اللَّه في طاعتِه، وأداءِ حَقِّه بما (٦) أمرهنَّ مِن حِفْظِ غَيْبِ أَزواجهنَّ، كقولِ الرجلِ للرجلِ: ما حَفِظْتَ اللَّه في كذا وكذا.
بمعنى: راقَبْتَه [ولا حَظْتَه] (٧).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القراءةِ في ذلك ما جاءت به قرأةُ المسلمين مِن القراءةِ مَجِيئًا يقطَعُ عُذْرَ مَن بَلَعَه، ويُثْبِتُ عليه حُجَّته، دونَ ما انفرَد به أبو جعفرٍ فشَذَّ عنهم -وذلك (١) القراءةُ برفعِ اسمِ اللَّهِ ﵎: ﴿بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾.
مع صحةِ ذلك في العربيةِ وكلامِ العربِ، وقُبْحِ نَصْبِه في العربيةِ؛ لخروجِه عن المعروفِ مِن مَنْطقِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَحذِفُ الفاعلَ مع المصادرِ، من أجلِ أن الفاعلَ إذا حُذِف معها لم يكنْ للفعلِ صاحبٌ معروفٌ (٢).
وفى الكلامِ متروكٌ استُغْنِىَ بدلالةِ الظاهرِ من الكلامِ عليه من ذكرِه، ومعناه: فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ، فأحسِنوا إليهنَّ وأصلِحوا.
وكذلك هو فيما ذُكِر في قراءةِ ابنِ مسعودٍ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حَمَّادٍ، قال: ثنا عيسى الأعمَى، عن طلحةَ بنِ مُصَرِّفٍ، قال: في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فالصالحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ للغيبِ بما حفِظ اللَّهُ فأصلِحُوا إليهن واللاتى تخافُونَ نُشوزهنَّ) (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباط، عن السُّدّى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأحسِنوا إليهن (٣).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾، فأصلِحوا إليهنَّ (٤).
حدَّثني عليُّ بنُ داودَ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ ابن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾: يعنى إذا كُنَّ هكذا فأَحْسِنوا (١) إليهنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ (٢)﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: واللاتي تعلَمون نشوزَهنَّ.
ووَجْهُ صَرْفِ الخوفِ في هذا الموضعِ إلى العلمِ في قولِ هؤلاء نظيرُ صرفِ الظنِّ إلى العلمِ؛ لتَقاربِ (٣) معنييْهما، إذ كان الظنُّ شكًّا، وكان الخوفُ مقرونًا برَجاءٍ، وكانا جميعًا من فعلِ المرءِ بقلبِه، كما قال الشاعرُ (٤): ولا تَدْفِتَنِّي في الفَلَاةِ فإنَّني … أخافُ إذا ما مِتُّ أَن لا أَذُوقُها بمعنى (٥): فإننى أَعلَمُ.
وكما قال الآخرُ (٦): أَتاني كلامٌ عن نُصَيْبٍ يَقُولُهُ … وما خِفْتُ يا سَلَّامُ أَنَّكَ عَائِبي بمعنى: وما ظَنَنتُ.
وقال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ: معنى الخوفِ في هذا الموضعِ الخوفُ الذي هو خلافُ الرجاءِ.
قالوا: ومعنى ذلك: إذا رأيتُم منهن ما تَخافون أن يَنْشُزْنَ عليكم، من نَظَرٍ إلى ما لا ينبغى لهنَّ أَن يَنْظُرْنَ إليه، ويَدخُلنَ ويَخْرُجْنَ، واستَرَبْتُم بِأَمرِهنَّ، فعظوهنَّ واهجروهنَّ.
وممن قال ذلك محمدُ بنُ كعبٍ (١).
وأما قولُه: ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾.
فإنه يعنى: استعلاءَهنَّ على أزواجِهن، وارتفاعهنَّ عن فُرُشِهم بالمعصيةِ منهن، والخلافَ عليهم فيما لَزِمَهن طاعتُهم فيه، بُغْضًا منهن (٢)، وإعراضًا عنهم.
وأصلُ النُّشوزِ الارتفاعُ.
ومنه قيل للمكانِ المرتفعِ من الأرضِ: نَشْزٌ ونَشَازٌ.
﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
يقولُ: ذَكِّروهن اللَّه، وخَوِّفوهن وَعيدَه، في ركوبِها ما حَرَّم اللَّهُ عليها من معصيةِ زوجِها فيما أوجب عليها طاعتَه فيه.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال: النشوزُ البُغْضُ ومَعصيةُ الزوجِ حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.
قال: بُغْضُهنَّ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.
قال: التى تخافُ مَعْصيتَها.
قال: النُّشُورُ معصيتُه وخِلافُه (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾: تلك (١) المرأةُ تَنْشُزُ، وتَسْتَخِفُّ بحَقِّ زوجِها ولا تطيعُ أمرَه (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا رَوْحُ، قال: ثنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قال عطاءٌ: النُّشورُ أن تُحِبَّ فِراقَه، والرجلُ كذلك.
ذكرُ الرواية عمَّن قال ما قلنا في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾: يعني: عِظُوهُنَّ بكتابِ اللَّهِ.
قال: أمَره اللَّهُ إذا نَشَرَت أن يَعِظُها ويُذَكِّرَها اللَّهَ، ويُعَظِّمَ حَقَّه عليها (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: إذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى إلى فِراشِك.
فإن أطاعَته فلا سبيلَ له عليها (٤).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فليعِظُها بلسانِه.
يقولُ: يأمُرُها بتقوى اللَّهِ وطاعتِه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: إذا رأى الرجلُ [خِفَّةً في بَصرِهَا و] (١) مَدْخَلَها ومَخْرَجَها.
قال: يقولُ لها بلسانِه: قد رأيتُ منكِ كذا وكذا فانتَهِى.
فإن أعتَبَت (٢) فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَتْ هَجَر مَضْجَعَها (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: إِذا نَشَرَت المرأةُ عن فراشِ زوجِها، فإنه يقولُ لها: اتقى اللَّهَ وارجِعى.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: بالكلامِ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيج قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: بالألسنةِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قيسٍ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: عِظُوهنَّ باللسانِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فعِظُوهنَّ في نُشوزهن عليكم أيُّها الأزواجُ، فإن أبَيْنَ مُراجعة الحقِّ في ذلك والواجبِ عليهن لكم، فاهجُروهنَّ بتَرْكِ جِماعِهن في مضاجعتِكم إياهن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى: عِظُوهنَّ، فإن أطَعْنَكم، وإلا فاهجُرُوهنَّ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: يعنى بالهِجْرانِ أن يكونَ الرجلُ وامرأتُه على فِراشٍ واحدٍ لا يُجامِعُها (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ.
قال: الهَجْرُ هَجْرُ الجِماعِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: أما: ﴿تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾.
فإن على زَوْجِهَا أَن يَعِظُها، فإن لم تَقْبَلْ فليَهْجُرُها في المَضْجَعِ.
يقولُ: يَرْقُدُ عندَها ويُولِّيها ظهرَه، ويَطَؤُها، ولا يُكَلِّمُها (١).
هكذا في كتابي: ويَطَؤُها ولا يُكَلِّمُها.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: يُضاجِعُها ويَهْجُرُ كلامَها، ويُوَلِّيها ظَهْرَه (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدٍ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: لا يُجامِعُها (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: واهجُروا كلامَهن في تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكم (٣)، حتى يَرْجِعْن إلى مُضاجَعَتِكم (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: إنها [لا تُتْرَكُ] (٤) في الكلامِ، ولكنَّ الهِجْرانَ في أمرِ المَضْجَعِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
يقولُ: حتى يَأْتِينَ مَضاجِعَكم.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: في الجِماعِ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: يَعِظُها، فإن هي قَبِلَت، وإلا هَجَرها في المَضْجَعِ، ولا يُكَلِّمُها، من غيرِ أَن يَذَرَ نِكَاحَها، وذلك عليها شديدٌ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ، موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: الكلامَ والحديثَ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحسنُ بنُ زُرَيقِ الطَّهَوِيُّ، قال: ثنا أبو بكرِ بن عَيَّاشٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: لا تُضاجِعوهن (٣).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةً، عن الشعبيِّ، قال: الهِجْرانُ ألّا يُضاجِعَها (٤).
وبه قال: ثنا جَريرٌ، عن مُغِيرةَ، عن عامرٍ وإبراهيمَ، قالا: الهِجْرانُ في المَضْجَعِ ألّا يُضاجِعَها على فراشٍ (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغِيرةً، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، أنهما قالا في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قالا: يَهْجُرُ مُضاجَعَتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يُحِبُّ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُغِيرةً، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، أنهما كانا يقولان: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قالا: يَهْجُرُها في المَضْجَعِ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن مِقْسَمٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: هَجْرُها في مَضْجَعِها ألا يَقرَبَ فِراشَها (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن موسى بن عُبَيدةَ، عن محمد بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: يَعِظُها بلسانِه، فإِن أَعْتَبَت فلا سبيلَ له عليها، وإِن أَبَت هَجَر مَضْجَعَها (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ﴾.
قالا: إذا خاف نُشوزَها وَعَظَها، فإن قَبِلَت وإلا هَجَر مَضْجَعَها (٤).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: تَبدَأُ يا بنَ آدمَ فَتَعِظُها، فإن أَبَت عليك فاهجُرْها.
يعنى به فِراشَها.
وقال آخرون: معنى قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: قولوا لهنَّ مِن القولِ هُجْرًا فِي تَرْكِهِنَّ مُضاجَعَتَكُم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن رجلٍ، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: يَهْجُرُها بلسانه، ويُغْلِظُ لها بالقولِ، ولا يَدَعُ جِماعَها (١).
وبه قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن خُصَيفٍ، عن عِكْرمةَ، قال: إنما الهِجْرانُ بالمنطقِ أن يُغْلِظَ لها، وليس بالجِماعِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةٌ، عن أبي الضُّحَى في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: يَهجُرُ بالقولِ، ولا يَهجُرُ مُضاجَعتَها حتى تَرجِعَ إلى ما يريدُ (٣).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بن موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: لا يَهجُرُها إلا في المَبيتِ (٤)؛ في المَضْجَعِ، ليس له أن يَهجُرَ في كلامٍ ولا شيءٍ إلا في الفراشِ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنى يَعْلَى، عن سُفيانَ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾.
قال: في مُجامَعتِها، ولكن يقولُ لها: تَعالَىْ، وافعَلى.
كلامًا فيه غِلْظَةٌ، فإذا فَعَلَت ذلك، فلا يُكَلِّفها أن تُحيَّه، فإن قلبَها (١) ليس في يَدَيها.
ولا معنَى للهَجْرِ في كلامِ العربِ إلا على أحدِ ثلاثةِ أَوجُهٍ: أحدُها: هَجْرُ الرجلِ كلامَ الرجلِ وحديثَه.
وذلك رَفْضُه وتَرْكُه، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ أهلَه يَهْجُرُها هَجْرًا وَهِجْرانًا والآخرُ: الإكثارُ من الكلامِ بتَرْديدٍ، كهيئةِ كلامِ الهازئِ، يقالُ منه: هَجَر فلانٌ في كلامه يَهْجُرُ هَجْرًا.
إذا هَذَى ومَدَّد الكلمةَ.
وما زالَتْ تلك هِجِّيراه وإهْجِيرَاه.
ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ (٢): رَمَى فَأَخْطَأ والأقدارُ غالِبةٌ … فانْصَعْنَ (٣) والوَيلُ هِجيرَاهُ (٤) والحَرَبُ (٥) والثالثُ: هجْرُ البعيرِ، إذا رَبَطَه صاحبه بالهِجَارِ؛ وهو حبلٌ يُربَطُ في حَقْوَيها ورُسْعِها، ومنه قولُ امرئِ القيسِ (٦): رَأَتْ هَلَكًا (٧) بنِجَافِ (٨) الغَبيطِ (٩) … فَكادَت تَجُدُّ (١٠) لذاكَ الهِجَارا فأما القولُ الذى فيه الغِلْظةُ والأذَى، فإنما هو الإهجارُ، ويقالُ منه: أَهْجَر فلانٌ في مَنْطِقِه -إذا قال الهُجْرَ، وهو الفُحْشُ من الكلامِ- يُهْجِرُ إهجارًا وهُجْرًا.
فإذ كان لا وَجْهَ الهَجْرِ في الكلامِ إلا أحدَ المعاني الثلاثةِ، وكانت المرأةُ المخوفَ نُشورُها، إنما أُمِر زوجُها بوَعْظِها لتُنِيبَ إلى طاعتِه فيما يجبُ عليها له من مُوافاتِه عندَ دعائه إياها إلى فِراشِه -فغيرُ جائزٍ أن تكونَ عِظَتُه لذلك، ثم تَصيرُ المرأةُ إلى أمرِ اللَّهِ وطاعةِ زوجِها في ذلك، ثم يكونُ الزوجُ مأمورًا بهَجْرِها في الأمرِ الذي كانت عِظَتُه إياها عليه.
وإذ كان ذلك كذلك، بَطَل قولُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾: واهجُروا جِماعَهن.
أو يكونُ -إذ بطَل هذا المعنى- بمعنَى (١): واهجُروا كلامهنَّ بسببِ هَجْرِهن مَضاجِعَكم.
وذلك أيضًا لا وَجْهَ له مفهومٌ؛ لأن اللَّه تعالى ذكرُه قد أخبر على لسانِ نبيِّه ﷺ أنه لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ (٢).
على أن ذلك لو كان حَلالًا لم يكنْ لهَجْرِها في الكلامِ معنًى مفهومٌ؛ لأنها إذا كانت عنه مُنصرِفةٌ، وعليه ناشِزًا، فمن سُرورِها ألا يُكلِّمها ولا يَراها ولا تَراه، فكيف يُؤْمَرُ الرجلُ في حالِ بُغْضِ امرأتِه إياه، وانصِرافِها عنه بتَرْكِ ما في تَرْكِه سُرورُها مِن تَرْكِ جِماعِها ومُحَادَثَتِها (٣) وتَكْليمِها، وهو يُؤمَرُ بِضَرْبِها لتَرْتدِعَ عما هي عليه؛ من تَرْكِ [طاعةِ اللَّهِ في تركِ] (٤) طاعته إذا دَعاها إلى فِراشِه، وغيرِ ذلك مما يَلزَمُها طاعتُه فيه.
أو يكونُ -إذ فَسَد هذان الوجهان- يكونُ معناه: واهجُروا في قولِكم لهم.
بمعنى: رَدِّدُوا عليهنَّ كلامَكم إذا كَلَّمْتُموهنَّ بالتَّغليظِ لهنَّ.
فإن كان ذلك معناه، فلا وَجْهَ لإعمالِ الهَجْرِ في كنايةِ أسماءِ النساءِ الناشزاتِ -أعنى في الهاءِ والنونِ مِن قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾.
لأنه إذا أُرِيد به ذلك المعنى، كان الفعلُ غيرَ واقعٍ (١)، إنما يقالُ: هَجَر فلانٌ في كلامِه.
ولا يقالُ: هَجَرَ فلانٌ فلانًا.
فإذ كان في كلِّ هذه المعانى ما ذَكَرنا من الخَلَلِ اللاحِقِ، فأَولى الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن يكونَ قوله: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ﴾.
مُوَجَّها معناه إلى معنى الرَّبْطِ بالهِجَارِ، على ما ذكَرنا من قبلِ العربِ للبعيرِ إذا رَبَطه صاحبُه بحبلٍ على ما وَصَفنا: هَجَره فهو يَهْجُرُه هَجْرًا (٢).
وإذا كان ذلك معناه، كان تأويلُ الكلامِ: واللاتى تَخافون نُشُوزَهنّ: فعِظُوهُنَّ في نُشُورهنَّ عليكم، فإن اتَّعَطِّنَ فلا سبيلَ لكم عليهنَّ، وإِن أَبَيْنَ الأَوْبةَ من نُشوزهن، فاستوثقوا منهنَّ رِباطًا في مَضاجِعِهِنَّ (٣).
يعني: في مَنازِلِهِنَّ وبُيُوتِهِنَّ التي يَضْطَجِعن فيها ويُضاجِعْنَ فيها أزواجَهنَّ.
كما حدَّثني عباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبى بُكَيرٍ، عن شِبْلٍ، قال: سمِعتُ أبا قَرَعَةَ يُحدِّثُ عن (٤) عمرِو بنِ دينارٍ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةً، عن أبيه، أنه جاء إلى النبيِّ ﷺ فقال: ما حَقُّ زوجةِ أحدِنا عليه؟
قال: "يُطْعِمُها، ويكْسُوها، ولا يَضْرِبُ الوَجْهَ، ولا يُقَبِّحُ، ولا يَهْجُرُ إلا في البيتِ (١) ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ عَرفةَ، قال: ثنا يزيدُ (٢)، عن شُعبةَ بنِ الحَجَّاجِ، عن أَبي قَزَعَةَ، عن حكيمِ بنِ مُعاويةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوَه (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا بَهْزُ ابنُ حكيمٍ، [عن أبيه] (٤)، عن جدِّه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، نِساؤُنا، ما نأتى منها وما نَذَرُ؟
قال: "حَرْثُكَ، فَأْتِ حَرْثَكَ أَنَّى شِئْتَ، غير ألا تَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا تُقَبِّحَ، ولا تَهْجُرَ إلا في البيتِ، وأَطْعِمْ إذا طَعِمْتَ، واكْسُ إذا اكتَسَيتَ، كيف وقد أفضَى بعضُكم إلى بعضٍ؟
إلا بما حَلَّ عليها (٥) ".
وبنحوِ الذى قُلنا في تأويلِ ذلك قال عِدَّةٌ من أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ، عن الحسنِ، قال: إذا نَشَرَت المرأةُ على زوجِها، فليَعِظْها بلسانِه، فإن قَبِلَت فذاك، وإلا ضَرَبها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ، فإن رَجَعَت فذاك، وإلا فقد حَلَّ له أَن يَأْخُذَ منها ويُخَلِّيها.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: يَفعَلُ بها ذاك ويَضْرِبُها حتى تُطِيعَه في المَضاجعِ، فإذا أطاعتَه [في المَضْجَعِ] (١)، فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَته (٢).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا يحيى بنُ بِشْرٍ، أنه سمِع عِكْرمةَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ.
قال: قال رسولُ اللَّهِ: "اضْرِبُوهُنَّ إذا عصينكم في المعروفِ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ" (٣).
قال أبو جعفرٍ: فكلُّ هؤلاء الذين ذكرنا قولهم لم يُوجبوا للهَجْرِ معنًى غير الضَّرْبِ، ولم يُوجِبوا هَجْرًا -إذ كان هَيْئَةٌ من الهَيئاتِ التي تكونُ بها المضروبةُ عندَ الضَّرْبِ، مع دَلالةِ الخبرِ الذي رواه عِكْرمة عن النبيِّ ﷺ، أنه أمَر بضَرْبهِنَّ إذا عَصَين أزواجهنَّ في المعروفِ، من غير أمر منه أزواجهنَّ بهَجْرِهنَّ -لِما وَصَفنا من العِلَّةِ.
فإِن ظَنَّ ظانٌّ أن الذى قُلنا في تأويلِ الخبرِ عن النبيِّ ﷺ الذي رَواه عِكْرمةُ، ليس كما قلنا، وصَحَّ أن تَرْكَ النبيِّ ﷺ أمرَ الرجلِ بهَجْرِ زوجتِه إذا عَصَته في المعروفِ، وأمره بضَرْبها قبلَ الهَجْرِ، لو كان دليلًا على صحةِ ما قُلنا من أن معنى الهَجْرِ هو ما بَيَّنَّاه -لَوَجَب أن يكونَ لا معنى لأمر اللَّه زوجها أن يَعِظُها إذا هى نَشَزَتَ، إذ كان لا ذِكْرَ للعِظَةِ في خبرِ عِكْرمةَ عن النبيِّ ﷺ - فإن الأمرَ في ذلك بخلافِ ما ظَنَّ، وذلك أن قولَه ﷺ: "إذا عَصَيْنَكم في المعروفِ".
دَلالةٌ بَيِّنةٌ أنه لم يُبِحْ للرجلِ ضَرْبَ زوجتِه إلا بعد عِظَتِها مِن نُشوزِها، وذلك أنه لا تكونُ له عاصِيةٌ إلا وقد تقدَّم منه لها أمرٌ أو عِظَةٌ بالمعروفِ على ما أمَر اللَّهُ تعالى ذكرُه به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فعِظُوهنَّ أَيُّها الرجالُ في نُشوزِهنَّ، فإِن أَبَينَ الإيابَ إلى ما يَلْزَمُهنَّ لكم، فشُدُّوهنَّ وَثاقًا في منازِلِهنَّ، واضربوهنَّ ليَؤُبْنَ إلى الواجبِ عليهن من طاعةِ اللَّهِ في اللازمِ لهنّ مِن حُقوقِكم.
وقال أهلِ التأويلِ: صفةُ الضَّرْبِ التى أباحَ اللَّهُ لزوج الناشزِ أَن يَضْرِبَها، الضَّرْبُ غير المُبَرِّحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن عطاءِ ابنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: الضَّرْبُ غيرُ مُبَرِّحٍ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا شَرِيكٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: تَهْجُرُها في المَضْجَعِ، فإن أقبَلَت وإلا فقد أذِن اللَّهُ لك أن تَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، ولا تَكْسِرُ لها عَظْمًا، فإن أقبلَت، وإلا فقد حَلَّ لك منها الفِدْيةُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسن وقتادةَ في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ (٣).
وبه قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ (٣).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: تَهْجُرُها فِي المَضْجَعِ، فَإِن أَبَتْ عليك فاضرِبْها ضربًا غيرَ مُبَرِّحٍ، أي: غيرَ شائنٍ.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ [في قولِه: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: يَضْرِبُها ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ] (٤).
قال: السَّوَاكُ وشِبْهُهُ، يَضْرِبُها به.
حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، قال: ثنا ابنُ عُبَينَةَ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ، ما الضربُ غيرُ المُبَرِّحِ؟
قال: بالسَّوَاكِ ونحوِه (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ بنُ موسى، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في خُطبتِه: "ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ".
قال: السَّوَاكُ ونحوُه (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "لا تَهْجُروا النساءَ إلا في المضاجِعِ، واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ".
يقولُ: غيرَ مُؤَثِّرٍ (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قَالَ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ.
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المُباركِ، قال: ثنا يحيى بنُ بِشْرٍ، عن عِكْرمةَ مثلَه (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: إن أقبَلَت في الهِجْرانِ، وإلا ضرَبَها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، قال: تَهْجُرُ مَضْجَعَها ما رأيتَ أن تَنْزعَ، فإن لم تَنْزِعُ ضَرَبها ضَرْبًا غَيرَ مُبَرِّحٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن يونسَ، عن الحسنُ: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
قال: ضربًا غَيرَ مُبَرِّحٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا عبدُ الوارثِ ابن سعيدٍ، عن رجلٍ، عن الحسنِ: ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ: غَيرَ مُؤَثْرٍ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: فإن أطَعْنَكم (٢) أيُّها الناسُ نساؤكم اللاتي تَخافون نُشوزهنَّ عندَ وَعْظِكم إيَّاهن، فلا تَهْجُرُوهن في المَضاجعِ، فإن لم يُطعنَكم، فاهجُرُوهنَّ في المَضاجعِ واضربوهنَّ، فإن راجَعْنَ طاعتَكم عندَ ذلك، وفِتْنَ (٣) إلى الواجب عليهنَّ، فلا تَطْلُبُوا طريقًا إلى أذاهنَّ ومَكْرُوهِهِنَّ، ولا تَلْتَمِسوا سبيلًا إلى ما لا يَحِلُّ لكم من أبدانِهنَّ وأموالِهن بالعِلَل، وذلك أن يقولَ أحدُكم لإحداهن وهى له مُطِيعةٌ: إنكِ لستِ تُحبِّيني، وأنت لى مُبْغِضَةٌ.
فيَضرِبُها على ذلك أو يُؤذيها.
فقال اللَّهُ تعالى للرجال: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾.
أى: على بُغْضِهِنَّ لكم، فلا تَجنُّوا عليهن، ولا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتكم؛ فإن ذلك ليس بأيدِيهن، فتَضْرِبوهنَّ أو تُؤْذُوهُنَّ عليه.
ومعنى قولِه: ﴿فَلَا تَبْغُوا﴾: لا تَلْتَمِسوا ولا تَطْلُبوا.
من قولِ القائلِ: بَغَيتُ الضَّالَّةَ.
إذا التَمسْتَها، ومنه قولُ الشاعرِ في صفةِ الموتِ (٤): بَغاكَ وما تَبْغِيه حتى وَجَدْتَه … كأنَّك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا بمعنى: طَلَبك وما تَطْلُبُه.
وبنحوِ ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: إذا أطاعَتْكَ فلا تَتَجَنَّ عليها العِلَلَ (١).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الحسنِ بنِ عُبَيدِ اللَّهِ، عن أبي الضُّحَى، عن ابنِ عباسٍ، قال: إذا أطاعَتْه فليس له عليها سبيلٌ إذا ضاجَعَتْه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابنُ جُرَيجٍ قولَه: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
قال: العِلَلُ (٣).
وقال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال الثوريُّ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ قال: إن أَتَتِ (٤) الفِراشَ وهى تُبْغِضُه (٥).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن سُفيانَ، قال: إذا فَعَلَت ذلك لا يُكَلِّفُها أن تُحِبَّه؛ لأن قلبَها ليس في يدَيها.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: إن أطاعَتْه فَضاجَعَته، فإن اللَّه يقولُ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾.
يقوّلُ: فإن أطاعَتْكَ فلا تَبْغِ عليها العِلَلَ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾.
يقولُ: إن اللَّه ذو عُلُوٍّ على كلِّ شيءٍ، فلا تَبْغُوا أَيُّها الناسُ على أزواجِكم إذا أَطَعْنَكم فيما أَلْزَمَهنَّ اللَّهُ لكم من حَقٍّ سبيلًا؛ لعُلُوِّ أيديكم على أيديهن، فإن اللَّهَ أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، [وأعلى] (٢) منكم عليهن، وأكبر منكم، ومن كلِّ شيءٍ، وأنتم في يَدِه وقَبْضتِه، فاتَّقُوا اللَّهَ أن تَظْلِموهنّ وتَبْغُوا عليهنّ سبيلًا وهن لكم مُطِيعات، فيَنْتَصِرَ لهن منكم رَبُّكم الذي هو أعلى منكم ومن كلِّ شيءٍ، وأكبرُ منكم ومن كلِّ شيءٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾: وإِن عَلِمتُم أَيُّها الناسُ ﴿شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾، وذلك مُشَاقَّةُ كلِّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وهو إتيانُه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ.
فأما من المرأةِ فالنُّشوزُ، وتَرْكُها أداءَ حَقِّ اللَّهِ عليها الذى ألزَمَها اللَّهُ لزوجِها، وأما مِن الزوجِ، فتَرْكُه إمساكَها بالمعروفِ أو تَسْريحَها بإحسانٍ.
والشَّقَاقُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: شاق فلانٌ فلانًا.
إذا أتى كلُّ واحدٍ منهما إلى صاحبِه ما يَشُقُّ عليه من الأمورِ -فهو يُشَاقُّه مُشَاقَّةٌ وشِقاقًا، وذلك قد يكونُ عَداوةً.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾.
قال: إن ضَرَبها فَأَبَت أن تَرْجِعَ وشَاقَّتْه.
يقولُ: عادَتْه.
وإنما أُضِيفَ "الشَّقاقُ" إلى "البَينِ"؛ لأن البَيْنَ قد يكونُ اسمًا، كما قال جلّ ثناؤُه: (لقد تقطَّعَ بَيْنُكم) [الأنعام: ٩٤].
فى قراءةِ مَن قرَأ ذلك (١).
وأما قولُه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
فَإِن أَهْلَ التأويلِ اختَلَفوا فى المُخاطَبِين بهذه الآيةِ؛ من المأمورُ ببَعْثَةِ الحكمَين؟
فقال بعضُهم: المأمورُ بذلك السلطانُ الذي يُرْفَعُ ذلك إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا أيوبُ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ أنه قال في المُخْتَلِعَةِ: يَعِظُها، فإن انتَهَت وإلا هَجَرها، فإن انتهت وإلا ضَرَبها، فإن انتَهَت وإلا رَفَع أمرَها إلى السلطانِ، فيَبعَثُ حَكَمًا من أهلِه وحَكَمًا من أهلِها، فيقولُ الحَكَمُ الذى من أهلِها: يَفعَلُ بها كذا.
ويقولُ الحَكَمُ الذى مِن أهلِه: تَفعَلُ به كذا (٢).
فأيُّهما كان الظالمَ (٣) ردَّه السلطانُ، وأخذ فوقَ يَديه، وإن كانت ناشِزًا أَمَره أن يَخْلَعَ (١).
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: بل ذلك إلى السلطانِ.
وقال آخرون: بل المأمورُ بذلك الرجلُ والمرأةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: إنْ ضَرَبها، فإن رَجَعَت فإنه ليس له عليها سبيلٌ، فإن أَبَت أن تَرْجِعَ وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا مِن أهلِه، وتَبْعَثُ حَكَمًا مِن أهلِها.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ فيما يُبعَثُ له الحكمان، وما الذى يجوزُ للحكَمَين من الحُكْمِ بينَهما، وكيف وَجْهُ بَعْثهما بينَهما؟
فقال بعضُهم: يَبعَثُهما الزوجان بتوكيلٍ (٢) منهما إياهما بالنظرِ بينَهما، وليس لهما أن يَعْمَلا شيئًا في أمرِهما إلا ما وكلاهما به، أو وكله كلُّ واحدٍ منهما بما إليه، فيَعْمَلان بما وَكَّلهما به مَن وَكَّلَهما مِن الرجلِ والمرأةِ فيما يجوزُ توكيلُهما فيه، أو توكيلُ مَن وُكِّل منهما في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أيوبَ، عن محمدٍ، عن عَبِيدَةَ، قال: جاء رجلٌ وامرأتُه بينهما شِقاقٌ إلى عليٍّ ﵁، مع كلِّ واحدٍ منهما فِئامٌ من الناسِ، فقال عليٌّ ﵁: ابعَثوا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وحَكَمًا من أهلِها.
[ثم قال للحكَمَين: تَدْرِيان ما عليكما؟
عليكما] (١) إن رأيتُما أن تَجْمَعَا، أن تَجْمَعا، وإن رأيتُما أن تُفَرِّقا، أن تُفَرِّقا.
قالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ بما عليَّ فيه ولى.
وقال الرجلُ: أما الفُرْقَةُ فلا.
فقال عليٌّ ﵁: كَذَبْتَ واللَّه، لا تَنْقَلِبُ حتى تُقِرَّ بمثلِ الذى أقرَّتُ به (٢).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا هشامُ بْنُ حَسَّانَ وعبدُ اللَّهِ ابنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، أن عليًّا رضِي اللَّهُ أتاه رجلٌ وامرأتُه، ومع كلِّ واحدٍ منهما فِئامٌ من الناسِ، فأمَرهما عليٌّ ﵁ أن يَبْعَثًا حَكَمًا مِن أَهلِهِ وحَكَمًا من أهلِها ليَنْظُرا، فلما دَنا منه الحَكَمان قال لهما عليٌّ ﵁: أتدرِيان ما لَكما؟
لكما إن رأيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما، وإن رأيتُما أن تَجْمَعا جَمَعْتُما.
قال هشامٌ في حديثِه: فقالت المرأةُ: رَضِيتُ بكتابِ اللَّهِ لى وعليَّ.
فقال الرجلُ: أما الفُرْقةُ فلا.
فقال عليٌّ: كَذَبْتَ واللَّهِ، حتى تَرْضَى مثلَ ما رَضِيتَ.
به.
وقال ابنُ عَوْنٍ في حديثِه: كذَبتَ واللَّهِ، لا تَبْرَحُ حتى تَرْضَى بمثلِ ما رَضِيتَ به.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ وهشامٌ، عن ابنِ سيرينَ، عن عِبِيدةَ، قال: شَهِدتُ عليًّا ﵁.
فذكَر مثلَه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: إذا هَجَرها في المَضْجَعِ وضَرَبها، فَأَبَت أَن تَرْجِعَ وشاقَّتْه، فليَبعَثْ حَكَمًا من أهلِه، وتَبعَثْ حَكَمًا من أهلِها، تقولُ المرأةُ لحَكَمِها: قد وَلَّيتُك أمرى، فإن أمَرتَني أن أرجِعَ رَجَعْتُ، وإن فَرَّقتَ تَفَرَّقْنا.
وتُخبِرْه بأمرِها؛ إن كانت تريدُ نَفَقةً (١)، أو كَرِهَت شيئًا من الأشياءِ، وتأمُرُه أن يَرفَعَ ذلك عنها وتَرجِعَ، أو تُخبِرُه أنها لا تريدُ الطلاقَ، ويَبعَثُ الرجلُ حَكَمًا من أهلِه يُولِّيه أمرَه، ويُخبِرُه، يقولُ له حاجتَه إن كان يريدُها، أو لا يريدُ أن يُطَلِّقَها، أعطاها ما سألَت وزادَها في النفقةِ، وإلا قال له: خُذْ لي منها ما لَها عليَّ وطَلِّقها.
فيُولِّيه أمرَه، فإن شاء طَلَّق، وإن شاء أمسَك، ثم يَجتمِعُ الحَكَمان، فيُخْبِرُ كلُّ واحدٍ منهما ما يريدُ لصاحبِه، ويَجْهَدُ كلُّ واحدٍ منهما ما يريدُ لصاحبِه، فإن اتَّفَق الحَكَمان على شيءٍ فهو جائزٌ، إن طَلَّقا، وإن أمسَكا، فهو قولُ اللَّهِ: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
فإن بَعَثَت المرأةُ حَكَمًا وأتى الرجلُ أن يَبعَثَ، فإنه لا يَقْرَبُها حتى يَبْعَثَ حَكَمًا.
وقال آخرون: إن الذى يَبْعَثُ الحَكَميَن هو السلطانُ، غيرَ أنَّه إنما يَبعَثُهما ليَعْرِفا الظالمَ من المظلومِ منهما، ليَحْمِلَهما على الواجبِ لكلِّ واحدٍ منهما قِبَلَ صاحبِه، لا (٢) التفريق بينَهما.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن الحسن -وهو قولُ قتادةَ- أنهما قالا: إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا ويَشْهَدا على الظالمِ بظلمِه، وأما الفُرْقةُ فليست [في أيديهما] (١)، ولم يَمْلِكا ذلك.
يعنى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٢).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية: إنما يُبْعَثُ الحَكَمان ليُصْلِحا، فإن أعيَاهما أن يُصْلِحا، شَهِدا على الظالمِ بظُلْمِه، وليس بأيدِيهما فُرْقةٌ، ولا يَمْلِكان ذلك (٣).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ (٤)، عن قيسِ بنِ سعدٍ، قال: وسألتُ عن الحَكَمَين، قال: ابعَثوا حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها، فما حَكَم الحَكَمان مِن شيءٍ فهو جائزٌ، يقولُ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
قال: يَخْلو حكَمُ الرجلِ بالزوجِ، وحكَمُ المرأةِ بالمرأةِ، فيقولُ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه: اصدُقْنى ما في نفسِك.
فإذا صَدَق كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، اجتَمَع الحَكَمان، وأخَذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه مِيثَاقًا لتَصْدُقَنِّي الذي قال لك صاحبُك، ولأَصْدُقَنَّك الذى قال لى صاحبي.
فذاك حينَ أرادا الإصلاحَ، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
فإذا فَعَلا ذلك اطَّلَع كلُّ واحدٍ منهما على ما أفضَى به صاحبُه إليه، فيَعْرِفان عندَ ذلك مَن الظالمُ والناشِرُ منهما، فَأتَيا عليه، فحَكَما عليه، فإن كانت المرأةُ، قالا: أنتِ الظالِمِةُ العاصِيةُ، لا يُنفِقُ عليك حتى تَرْجِعى إلى الحقِّ، وتُطِيعى اللَّهَ فيه.
وإن كان الرجلُ هو الظالمَ، قالا: أنتَ الظالمُ المُضارُّ، لا تَدخُلْ بَيْتًا حتى تُنْفِقَ عليها، وتَرْجِعَ إلى الحقِّ والعدلِ.
فإن (١) كانت هي الظالِمَة العاصيةَ، أخَذ (٢) منها مالَها، وهو له حلالٌ طيبٌ، وإن كان هو الظالمَ المُسِيءَ إليها المُضارَّ لها، طَلَّقها، ولم يَحِلَّ له مِن مالِها شيءٌ، فإن أمسَكها أمسَكها بما أمَر اللَّهُ، وأنفَق عليها وأحسَن إليها.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بنِ عُبَيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظِيِّ، قال: كان عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ يَبْعَثُ الحَكَمَين، حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها، فيقولُ الحَكَمُ من أهلِها: يا فلانُ، ما تَنْقِمُ مِن زوجتِك؟
فيقولُ: أَنْقِمُ منها كذا وكذا.
قال: فيقولُ: أفرأيتَ إِن نَزَعَت عما تَكْرَهُ إلى ما تُحِبُّ، هل أنتَ مُتَّقِى اللَّهَ فيها، ومُعاشِرُها بالذى يَحِقُّ عليك في نَفَقَتِها وكِسْوتِها؟
فإذا قال: نعم.
قال الحَكَمُ مِن أهلِه: يا فلانةُ، ما تَنْقِمين من زوجِك فلانٍ؟
فيقولُ مثلَ ذلك.
فإن قالت: نعم.
جُمع بينَهما.
قال: وقال عليٌّ ﵁: الحَكَمان بهما يَجمَعُ اللَّهُ وبهما يُفَرِّقُ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: قال الحسنُ: الحَكَمان يَحْكُمان في الاجتماعِ، ولا يَحْكُمان في الفُرْقة (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾: وهى المرأةُ التي تَنْشِزُ على زوجِها، فلزوجِها أن يَخْلَعَها حينَ يأمُرُ الحَكَمان بذلك، وهو بعدَ ما تقولُ لزوجِها: واللَّهِ لا أَبَرُّ لك قَسَمًا، ولآذَنَنَّ (١) في بيتِك بغيرِ أمرِك.
ويقولُ السلطانُ: لا نُجيزُ لك خُلْعًا حتى تقولَ المرأةُ لزوجِها: واللَّهِ لا أغتسِلُ لك من جَنابةٍ، ولا أُقِيمُ لك صلاةً.
فعندَ ذلك يقولُ السلطانُ: اخْلَعِ المرأةَ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
قال: تَعِظُها، فإن أبَت وغَلَبَت، فاهجُرْها في مَضْجَعِها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا فاضرِبْها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا، بُعِثَ حَكَمْ مِن أهلِه وحَكَمٌ مِن أهلِها، فإن غَلَبَت هذا أيضًا وأرادَت غيرَه، فإنَّ (٣) أبِي كان (٤) يقولُ: ليس بيَدِ الحَكَمَين مِن الفراقِ (٥) شيءٌ، إن رأيا الظلْمَ مِن ناحيةِ الزوجِ، قالا: أنتَ يا فلانُ ظالمٌ، انْزِعُ.
فإن أبَى رَفَعا ذلك إلى السلطانِ، [وإن رآها ظالمةً، قال لها: أنت ظالمةٌ، انزعى.
فإن أبت رفعا ذلك إلى السلطانِ] (٦)، ليس إلى الحَكَمَين من الفِراقِ شيءٌ.
وقال آخرون: بل إنما يَبْعَثُ الحَكَمَين السلطانُ على أنّ حُكْمَهما ماضٍ على الزوجَين في الجمعِ والتَّفْريقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحة، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: فهذا الرجلُ والمرأةُ، إذا تَفاسَد الذي بينهما، فأمَر اللَّهُ سبحانه أن يَبْعَثوا رجلًا صالحًا من أهلِ الرجلِ، ومثلَه مِن أهلِ المرأةِ، فينظران أيَّهما المُسِئَ، فإن كان الرجلُ هو المُسِئَ، حَجَبوا عنه امرأتَه، وقَصَروه (١) على النفقةِ، وإن كانت المرأةُ هي المَسِيئةَ، قَصَروها على زوجها، ومَنَعوها النفقةَ، فإن اجتَمَع رأيُهما على أن يُفَرِّقا أو يَجْمَعا، فأمرُهما جائزٌ، فإن رَأيا أن يَجْمَعا، فرَضِى أحدُ الزوجَين وكَرِه ذلك الآخَرُ، ثم مات أحدُهما، فإن الذي رَضِي يَرِثُ الذى كَرِه، ولا يَرِثُ الكارِهُ الراضِيَ، وذلك قولُه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾.
قال: هما الحَكَمان، ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدِ بنِ سيرينَ، أن الحَكَمَ من أهلِها والحَكَمَ مِن أهلِه يُفَرِّقان ويَجْمَعان إذا رَأيا ذلك، ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ عن الحَكَمَين، فقال: لم أُولَدْ إذ ذاك (٣).
فقلتُ: إنما أعنى حَكَمَ الشِّقاقِ.
قال: يُقْبِلان على الذي جاء التدارِي (٤) من عندِه، فإن فعَل وإلا أقبَلا على الآخَرِ، فإن فعَل وإلا حَكَما، فما حَكَما من شيءٍ فهو جائزٌ (١).
حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: ما قَضَى الحَكَمان من شيءٍ فهو جائزٌ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغِيرةً، عن داودَ، عن إبراهيمَ، قال: ما حَكَما من شيءٍ فهو جائزٌ، إن فَرَّقا بينهما بثلاثِ تَطليقات أو تطليقتين فهو جائزٌ، وإن فَرَّقا بتطليقة فهو جائزٌ، وإن حَكَما عليه بهذا مِن ماله فهو جائزٌ، فإن أصلحا فهو جائزٌ، وإن (٣) وَضَعا من شيءٍ فهو جائزٌ (٤).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حِبَّانُ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
قال: ما صَنَع الحَكَمان من شيءٍ فهو جائزٌ عليهما، إن طَلَّقا ثلاثًا فهو جائزٌ عليهما، وإن طلَّقا (٥) واحدةً أو طَلَّقاها (٦) على جُعْلٍ، فهو جائزٌ، وما صَنَعا من شيءٍ فهو جائزٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، عن أبي سَلَمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، قال: إن شاء الحَكَمان أن يُفَرِّقا فَرَّقا، وإن شاءا أن يَجْمَعا جَمَعًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن حُصَينٍ، عن الشعبيِّ، أن امرأةً نَشَرَت على زوجِها، فاختَصَموا إلى شُرَيحٍ، فقال شُرَيحٌ: ابعَثوا حَكَمًا مِن أهلِه وحَكَمًا مِن أهلِها.
فنَظَر الحَكَمان في أمرِهما، فَرَأيا أن يُفَرِّقا بينهما، فكَرِه ذلك الرجلُ، فقال شُرَيحٌ: فَفِيمَ كانا اليومَ؟
وأجاز قولَهما (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن عِكْرمةَ بنِ خالدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: بُعِثْتُ أنا ومعاويةُ حَكَمَين.
قال مَعْمَرٌ: بَلَغَنى أن عثمانَ ﵁ بَعَثهما، وقال لهما: إن رأيتُما أن تَجْمَعا جَمعْتُما، وإن رأيتُما أن تُفَرِّقا فَرَّقْتُما (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا رَوْحُ بنُ عُبادةَ، قال: ثنا ابْنُ جُرَيجٍ، قال: ثني ابنُ أبي مُلَيكةَ، أن عقيلَ بن أبي طالبٍ تَزوَّج فاطمةَ ابنةَ عُتْبَةَ، فكان بينَهما كلامٌ، فجاءت عثمانَ، فذكَرَت ذلك له، فأرسَل ابنَ عباسٍ ومُعاويةَ، فقال ابنُ عباسٍ: لأَفَرْقَنَّ بينَهما.
فقال مُعاويةُ: ما كنتُ لأُفَرِّقَ بينَ شيخَين من بنى عبدِ منافٍ.
فأتَياهما وقد اصطَلَحا (٤).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالب، قال: ثنا يزيد، قال: أخبَرنا جُوَييرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾: يكونان عَدْلَين عليهما وشاهِدَين، وذلك إذا تَدَارَأ الرجلُ والمرأةُ وتَنازَعا إلى السلطانِ، جَعَل عليهما حَكَمَين، حَكَمًا من أهلِ الرجلِ وحَكَمًا مِن أهلِ المرأةِ، يكونان أمينَين عليهما جميعًا، ويَنْظُران من أيِّهما يكونُ الفسادُ، فإنْ كان الأمْرُ (١) مِن قِبَلِ المرأةِ، أُجْبِرَت على طاعةِ زوجِها، وأُمر أن يَتَّقِيَ اللَّهَ ويُحْسِنَ صُحْبَتَها، ويُنْفِقَ عليها بقَدْرِ ما آتاه اللَّهُ، إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ، وإن كانت الإساءةُ من قِبَلِ الرجلِ أُمِر بالإحسانِ إليها، فإن لم يَفْعَلْ، قيل له: أعطِها حَقَّها، وخَلِّ سبيلَها.
وإنما يَلِى ذلك منهما السلطانُ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ بالصوابِ في قولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
أن اللَّهَ خاطَب المسلمين بذلك، وأمَرهم ببَعْثةِ الحَكَمين عندَ خوفِ السِّقاقِ بينَ الزوجَين، للنظرِ في أمرِهما، ولم يَخْصُصُ بالأمرِ بذلك بعضَهم دونَ بعضٍ.
وقد أجمَع الجميعُ على أن بَعثةَ الحَكَمين في ذلك ليست لغيرِ الزوجَين وغيرِ السلطانِ الذى هو سائسٌ أمْرَ المسلِمين، أو مَن أَقامَه في ذلك مُقامَ نفسِه.
واختَلَفوا في الزوجَين والسلطانِ، ومَن المأمورُ بالبَعْثةِ في ذلك؛ الزَّوْجان، أو السلطانُ، ولا دَلالةَ في الآيةِ تَدُلُّ على أن الأمرَ بذلك مخصوصٌ به أحدُ الزوجَين، ولا أَثَرَ به عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، والأمةُ فيه مُخْتلِفةٌ.
وإذ كان الأمرُ على ما وَصَفنا، فأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يكونَ مخصوصًا من الآيةِ مَن أجْمع الجميعُ على أنه مخصوصٌ منها (١).
وإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ أن يكونَ الزوجان والسلطانُ ممن قد شَمِله حُكْمُ الآية والأمرُ بقولِه: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
إذ كان مُخْتلَفًا بينَهما (٢)؛ هل هما مَعْنِيَّان بالأمرِ بذلك أم لا؟
وكان ظاهرُ الآيةِ قد عَمَّهما، فالواجبُ مِن القولِ إذ كان صحيحًا ما وَصَفنا، صحيحًا (٣) أن يقالَ: إن بعَث الزوجانِ كلُّ واحدٍ منهما حَكَمًا مِن قِبَلِه، ليَنْظُرَ في أمرِهما، وكان لكلِّ (٤) واحدٍ منهما ممن (٥) بَعَثه مِن قِبَلِه في ذلك طاقةٌ على صاحبِه ولصاحبِه عليه، فتَوكيلُه بذلك مَن وُكِّل جائزٌ له وعليه.
وإن وَكَّله ببعضٍ ولم يُوَكِّلْه بالجميعِ، كان ما فعَله الحَكَمُ مما (٦) وَكَّله به صاحبُه ماضِيًا جائزًا على ما وَكَّله به، وذلك أن يُوَكَّلَه أحدُهما بما لَه دونَ ما عليه، [وإن] (٧) لم يُوَكَّلْ كلُّ واحدٍ من الزوجَين بمالَه وعليه، أو بما لَه، أو بما عليه، [إلا الحَكَمَين] (٨) كليهما، [لم يَجُزْ] (٩) إلا ما اجتَمَعا عليه دونَ ما انفرَد به أحدُهما، وإن لم يُوَكِّلْهما واحدٌ منهما بشيءٍ، وإنما بَعَثاهما للنظرِ بينهما (٢)؛ ليَعْرِفا الظالمَ مِن المظلومِ منهما، ليَشْهَدا عليهما عندَ السلطانِ، إن احْتاجا إلى شهادتِهما، لم يكنْ لهما أن يُحْدِثا بينَهما شيئًا غيرَ ذلك؛ من طَلاقٍ، أو أخْذِ مالٍ، أو غيرِ ذلك، ولم يَلْزَمِ الزوجَين ولا واحدًا منهما شيءٌ مِن ذلك.
فإن قال قائلٌ: وما معنى الحَكَمَين إذ كان الأمرُ على ما وَصَفتَ؟
قيل: قد اختُلِف في ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى الحَكَم النَّظِرُ العَدْلُ، كما قال الضَّحاكُ بن مُزاحِمٍ في الخبرِ الذي ذكَرناه، الذي حدَّثنا به يحيى بنُ أبي طالبٍ، عن يزيدَ، عن جُوَيبرٍ، عنه: لا، أنتما قاضِيان تَقْضِيان بينَهما.
على السبيلِ التي بَيَّنَّا مِن قولِه.
وقال آخرون: معنى ذلك أنهما القاضِيان يَقْضِيان بينَهما ما فَوَّض إليهما (١) الزوجان.
وأيُّ الأمرَين كان، فليس لهما ولا لواحدٍ منهما الحُكْمُ بينَهما بالفُرْقةِ، ولا بأخذِ مالٍ إلا برضا المحكومِ عليه بذلك، وإلا ما لَزِم مِن حَقٍّ لأحدِ الزوجَين على الآخرِ في حُكْمِ اللَّهِ، وذلك ما لَزِم الرجلَ لزوجتِه مِن النفقةِ والإمساكِ بمعروفٍ، إن كان هو الظالمَ لها.
فأما غيرُ ذلك، فليس ذلك لهما ولا لأحدٍ مِن الناسِ غيرِهما، لا السلطانِ، ولا غيرِه، وذلك أن الزوجَ إن كان هو الظالمَ للمرأةِ، فللإمامِ السبيلُ إلى أخْذِه بما يَجِبُ لها عليه من حَقٍّ، وإن كانت المرأةُ هى الظالمةَ زوجَها، الناشِزَ (٢) عليه، فقد أباحَ اللَّهُ له أخْذَ الفِدْية منها، وجَعَل إليه طلاقَها على ما قد بَيَّنَّاه في سورةِ "البقرةِ" (٣).
وإذ كان الأمرُ كذلك، لم يكنْ لأحدٍ الفُرْقةُ بينَ رجلٍ وامرأةٍ بغيرِ رِضا الزوجِ، ولا أَخْذُ مالٍ مِن المرأةِ بغيرِ رضاها بإعطائِه، إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليمُ لها من أصلٍ أو قياسٍ.
وإن بَعَث الحَكَمَين السلطانُ، ولا يجوزُ لهما أن يَحْكُما بينَ الزوجَين بفُرْقةٍ إلا بتَوكيلِ الزوجِ إياهما بذلك، ولا لهما أن يَحْكُما بأخْذِ مالٍ من المرأةِ إلا برضا المرأةِ، يَدلُّ على ذلك ما قد بَيَّناه قبلُ مِن فعلِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁، بذلك، والقائلين بقولِه، ولكن لهما أن يُصْلِحا بينَ الزوجَين، ويَتَعرَّفا الظالمَ منهما مِن المظلومِ، ليَشْهَدا عليه إن احتاجَ المظلومُ منهما إلى شهادتِهما.
وإنما قلنا: ليس لهما التَّفْرِيقُ.
للعلة التي ذكَرناها آنفًا، وإنما يَبْعَثُ السلطانُ الحَكَمَين إذا بَعَثهما، إذا ارتَفَع إليه الزوجان فَشَكا كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه، وأَشْكَل عليه المُحِقُّ منهما من المُبْطِلِ؛ لأنه إذا لم يُشْكِل المُحِقُّ من المُبْطِلِ، فلا وَجْهَ لبَعْثِه الحَكَمَين في أمرٍ قد عُرِف الحُكْمُ فيه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: إن يُرِدِ الحَكَمان إصلاحًا بينَ الرجلِ والمرأةِ -أعنى بينَ الزوجَين المخوفِ شِقاق بينِهما- يقولُ: يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَ الحَكَمَين، فيَتَّفِقا على الإصلاحِ بينَهما، وذلك إذا صَدَق كلُّ واحدٍ منهما فيما (١) أفضَى إليه مَن بُعِثَ للنظر في [أمرِ الزوجَين] (٢).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سُفيانَ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾.
قال: أمَا إنه ليس بالرجلِ والمرأةِ، ولكنه الحَكَمان (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾.
قال: هما الحَكَمان، إن يُرِيدا إصلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَهما (٢).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: وذلك الحَكَمان، وكذلك كلُّ مُصْلِحٍ يُوفقه اللَّهُ للحَقِّ والصوابِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: يعنى بذلك الحَكَمَين.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾.
قال: إن يُرد الحَكَمان إصلاحًا أصلحا (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي هاشمٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾: يُوَفِّقِ اللَّهُ بينَ الحَكَمَينَ (١).
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾: قال: هما الحَكَمان إذا نَصَحا المرأةَ والرجلَ جميعًا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)﴾.
يعنى جلّ ثناؤُه: إنَّ اللَّهَ كان عليمًا بما أراد الحَكَمان من إصلاحٍ بينَ الزوجَين وغيرِه، خبيرًا بذلك وبغيرِه من أمورِهما وأمورِ غيرِهما، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظٌ عليهم، حتى يُجازِىَ كُلًّا منهم جزاءَه، بالإحسانِ إحسانًا، وبالإساءةِ غُفرانًا أو عِقابًا.
﷽ القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ذكرُه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وذِلُّوا للَّهِ بالطاعةِ، واخضَعوا له بها، وأفرِدوه بالربوبيةِ، وأخلِصوا له الخُضوعَ والذُّلَّةَ، بالانتهاءِ إلى أمرِه، والانْزجارِ عن نَهْيِه، ولا تجعَلوا له في الربوبيةِ والعبادةِ شَرِيكًا تُعَظِّمونه تَعْظيمَكم إياه.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
يقولُ: وأمَركم بالوالدين إحسانًا، يعنى بِرًّا بهما.
ولذلك نصب الإحسانَ؛ لأنه أمْرٌ منه جلّ ثناؤُه بلُزومِ الإحسانِ إلى الوالدين على وَجْهِ الإغراءِ.
وقد قال بعضُهم: معناه: واستَوصُوا بالوالدين إحسانًا.
وهو قريبُ المعنى مما قلناه.
وأما قوله: ﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾.
فإنه يعنى: وأمر أيضًا بذى القُرْبى -وهم ذَوو قَرابةِ أحدِنا مِن قِبَل أبيه أو أمِّه، ممن قَرُبَت منه قرابتُه برَحِمِه مِن أحدِ الطرفَين- إحسانًا بصِلَةِ رحمِه.
وأما قولُه: ﴿وَالْيَتَامَى﴾.
فإنهم جمعُ يتيمٍ، وهو الطفلُ الذي قد مات والدُه وهَلَك.
﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾.
وهم جمعُ مسكينٍ، وهو الذي قد رَكِبه ذُلُّ الفاقةِ والحاجةِ، فتَمَسْكَن لذلك.
يقولُ تعالى ذكرُه: استوصُوا بهؤلاء إحسانًا إليهم، وتَعَطَّفوا عليهم، والزَموا وَصِيَّتى في الإحسانِ إليهم (١).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والجارِ ذى القَرابةِ والرَّحِمِ منك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
يعنى: الذي بينَك وبينه قَرابةٌ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: يعنى ذا الرَّحِمِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
قال: جارُك هو ذو قَرابتِك (٣).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ ومجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
قالا: القَرابةُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
قال: جارُك الذي بينَك وبينَه قَرابةٌ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: جارُك ذو القَرابةِ.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: إذا كان له جارٌ له رَحِمٌ، فله حَقَّان اثنان: حَقٌّ القَرابةِ، وحَقُّ الجارِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
قال: الجارُ ذو القُرْبى: ذو قَرابتِك.
وقال آخرون: بل هو جارُ ذى قَرابتِك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا جَريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مَيمونِ بنِ مِهْرانَ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
قال: الرجلُ يَتوسَّلُ إليك بجِوارِ ذى قَرابتِك.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ قولٌ مُخالِفٌ المعروفَ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن الموصوفَ بأنه ذو القَرابةِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
الجارُ دونَ غيرِه، فجَعَله قائلُ هذه المقالةِ جارَ ذى القَرابةِ، ولو كان معنى الكلامِ كما قال مَيمونُ بنُ مِهْرانَ، لقيل: وجارِ ذى القُرْبى.
ولم يُقَل: والجارِ ذى القُرْبى.
فكان يكونُ حينَئذ -إذا أُضِيف الجارُ إلى ذى القَرابةِ- الوصيةُ (١) بين (٢) جارِ ذى القَرابةِ دونَ الجارِ ذى القُرْبي، وأما ﴿وَالْجَارِ﴾ بالألفِ واللامِ، فغيرُ جائزٌ أن يكونَ ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ إلا مِن صفةِ الجارِ.
وإذا كان ذلك كذلك، كانت الوصيةُ مِن اللَّهِ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾.
ببرٍّ (٢) الجارِ ذى القُرْبى، دونَ جارِ ذى القَرابةِ، وكان بَيِّنًا خطأُ ما قال ميمونُ بنُ مِهْرَانَ في ذلك.
وقال آخرون: معنى ذلك: والجارِ ذى القُرْبى منكم بالإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا شيبانُ (٣)، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشَّامِيِّ: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾: المسلمُ (٤).
وهذا أيضًا مما لا معنى له، وذلك أن تأويلَ كتابِ اللَّهِ ﵎ غيرُ جائزٍ صَرْفُه إلا إلى الأغلبِ من كلامِ العربِ الذين نزَل بلسانِهم القرآنُ المعروفِ فيهم، دونَ الأنكرِ الذى لا تتعارَفُه، إلا أن يقومَ بخلافِ ذلك حُجَّةٌ يجبُ التسليمُ لها.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن المُتعارَفَ مِن كلامِ العربِ، إذا قيل: فلانٌ ذو قَرابةِ.
إنما يعنى به أنه قريبُ الرَّحِمِ منه دونَ القُرْبِ بالدِّينِ - كان صَرْفُه إلى القَرابةِ بالرحمِ، أولى مِن صَرْفِه إلى القُرْبِ بالدينِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والجارِ البعيدِ الذي لا قَرابةَ بينَك وبينَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني مُعاويةُ، عن عليٍّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَك وبينَه قَرابةٌ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: يعنى الجارَ مِن قومٍ جُنُبٍ.
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْجَارِ لْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَهما قرابةٌ وهو جائزٌ، فله حَقٌّ الجوارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الجارُ الغريبُ يكونُ في القومِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: جارُكَ مِن قومٍ آخرين (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: جارُك لا قَرابةَ بينَك وبينَه، البعيدُ في النَّسَبِ وهو جارٌ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عِكْرمةَ ومُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
قال: المُجانِبُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾: الذى ليس بينَك وبينَه رَحِمٌ (١) ولا قَرابةٌ.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاك: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
قال: مِن قومِ آخَرين (٢).
وقال آخرون: هو الجارُ المُشْرِكُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عُمارة الأسدِيُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللَّهِ بنُ موسى، قال: ثنا شَيْبانُ، عن أبي إسحاقَ، عن نَوْفٍ الشاميِّ: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾.
قال: اليَهوديُّ والنَّصْرانيُّ (٣).
وأولى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى الجُنُبِ في هذا الموضعِ: الغريبُ البعيدُ، مسلمًا كان أو مُشْرِكًا، يَهوديًّا كان أو نصرانيًّا، لِما بَيَّنَّا قبلُ مِن أن ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾، هو الجارُ ذو القَرابةِ والرَّحِمِ.
والواجبُ أن يكونَ الجارُ ذو الجَنابةِ، الجارَ البعيدَ؛ ليكون ذلك وصيةً بجميعِ أصنافِ الجيرانِ، قريبِهم وبعيدِهم.
وبعدُ، فإن الجُنُبَ في كلامِ العربِ البعيدُ، كما قال أعشى بني قيسٍ (١): أَتيتُ حُرَيْثًا زائرًا عن جَنابَةٍ … فكان حُرَيْثٌ في عَطائيَ جامِدا يعنى بقولِه: عن جَنابةٍ.
عن بُعْدِ وغُرْبةٍ.
ومنه قيل: اجتَنَب فلانٌ فلانًا.
إذا بَعُدَ منه وتَجَنَّبه.
[وجنّبه خيرَه] (٢): إذا منَعه إياه.
ومنه قيل للجَنُبِ: جُنُبٌ.
لاعتزالِه الصلاةَ حتى يَغْتَسِلَ.
فمعنى ذلك: والجارِ المُجانِبِ للقَرابةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
اختَلف أهلُ التأويلِ في المَعْنِيِّ بذلك؛ فقال بعضُهم: هو رَفيقُ الرجلِ في سَفرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد اللَّه بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ (٣).
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سُفيانُ، عن أبى بكيرٍ (١)، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبَيرٍ، يقولُ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ في السَّفَرِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: صَاحِبُك في السَّفَرِ (٣).
حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: وهو الرفيقُ في السَّفَرِ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ في السفرِ، منزلُه منزلُك (٥)، وطعامُه طعامُك، ومسيرُه مسيرُك (٦).
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ ومجاهدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: قالا: الرفيقُ في السفرِ (٧).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن جابرٍ، عن عامرٍ، عن عليٍّ وعبدِ اللَّهِ، قالا: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ الصالحُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخبرَنى سُلَيْمٌ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: رفيقُك في السفرِ الذي يأتيك ويدُه مع يدِك (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ قراءةً على ابنِ جريجٍ، قال: أخبَرني سُلَيْمٌ أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
فذكَر مثلَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الصاحبُ في السفرِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو ابنُ (٢) دُكَيْنٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي بُكَيْرٍ (٣)، عن سعيدِ بنِ حُبيرٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الرفيقُ الصالحُ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي بُكَيْرٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ مثلَه (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمْرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
قال: الرفيقُ في السفرِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبَرنا جُوييرٌ، عن الضحَّاكِ مثلَه.
وقال آخَرون: بل هو امرأةُ الرجلِ التي تكونُ معَه إلى جنبِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ أو القاسمُ، عن عليٍّ وعبد اللَّه ﵄: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
قالا: هي المرأةُ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن بعضِ أصحابِه، عن جابرٍ، عن عليٍّ وعبدِ اللَّهِ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: يعنى الذى معك في منزلِك (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هلالٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
قال: هي المرأةُ (٣).
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهيثمِ، عن: إبراهيمَ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾.
قال: المرأةُ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال الثوريُّ، قال أبو الهيثمِ، عن إبراهيمَ: هي المرأةُ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن محمدِ بنِ سُوقَةَ، عن أبي الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣).
حدَّثني عمرُو بنُ يَبْدَقَ، قال: ثنا مروانُ بنُ معاويةَ، عن محمدِ بنِ سُوقةَ، عن أبي الهيثمِ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣).
وقال آخَرون: هو الذي يَلْزَمُك ويَصْحَبُك رجاءَ نفعِك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الملازم.
وقال أيضًا: رفيقُك الذي يُرافِقُك.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الذي يَلْصَقُ بك وهو إلى جنبِك، ويكونُ معَك إلى جنبِك رجاءَ خيرِك ونفعِك.
والصوابُ مِن القولِ في تأويلِ ذلك عندى أن معنى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾: الصاحبُ إلى الجنبِ، كما يقال: فلانٌ بجنبِ فلانٍ وإلى جنبِه.
وهو مِن قولِهم: جنَب فلانٌ فلانًا فهو يَجْنُبه جنبًا.
إذا كان لجنبِه، ومن ذلك: جنَب الخيلَ: إذا قاد بعضَها إلى جنبِ بعضٍ.
وقد يَدْخُلُ في هذا الرفيقُ في السفرِ، والمرأةُ، والمنقطعُ إلى الرجلِ الذى يُلازِمُه رجاءَ نفعِه؛ لأن كلَّهم بجنبِ الذي هو معه، وقريبٌ منه، وقد أوْصَى اللَّهُ تعالى بجميعِهم لوجوبِ حقٍّ الصاحبِ على المصحوبِ.
وقد حدَّثنا سهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قال: ثنا ابنُ أَبي فُدَيْكِ، عن فلانِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن الثقةِ عندَه أن رسولَ اللَّه ﷺ كان معَه رجلٌ مِن أصحابِه، وهما على راحلتينِ، فدخَل النبيُّ ﷺ في غيضةِ طرفاءٍ (١)، فقطَع قَصيلينِ (٢) أحدُهما مُعْوَجٌّ، والآخرُ معتدِلٌ، فخرَج بهما فأعطى صاحبَه المعتدلَ وأخَذ لنفسِه المعوجَّ، فقال الرجلُ: يا رسولَ اللَّهِ، بأبي أنت وأمى، أنت أحقُّ بالمعتدلِ منى، فقال: "كلَّا، يا فلانُ، إن كلَّ صاحبٍ يَصْحَبُ صاحبًا مسئولٌ عن صحابتِه ولو ساعةً مِن نهارٍ" (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن حَيْوَةَ، قال: ثنى شُرَحْبيلُ بنُ شَريكٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ الحُبُلِّيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمْرٍو، عن النبيِّ ﷺ، قال: "إن خيرَ الأصحابِ عندَ اللَّهِ ﵎ خيرُهم لصاحبِه، وخيرَ الجيرانِ عندَ اللَّهِ خيرُهم لجارِه" (٢).
وإن كان الصاحب بالجنب محتملًا (٣) معناه ما ذكَرْناه مِن أن يكونَ داخلًا فيه كلُّ مَن جنب رجلًا بصُحْبةٍ في سفرٍ، أو بنكاحٍ، أو انقطاعٍ إليه واتصالٍ به، ولم يكن اللَّه جلّ ثناؤُه خصَّ بعضَهم مما احْتَمله ظاهرُ التنزيلِ -فالصوابُ أن يقالَ: جميعُهم معنيُّون بذلك، وبكلِّهم قد أوْصَى اللَّهُ بالإحسانِ إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: ابنُ السبيلِ هو المسافرُ الذي يَجْتازُ مارًّا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ وابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الذي يَمُرُّ عليك وهو مسافرٌ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابنُ المباركِ، عن مَعْمَرٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ وقتادة مثلَه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
قال: هو المارُّ عليك وإن كان في الأصلِ غنيًّا (٢).
وقال آخَرون: هو الضيفُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
قال: الضيفُ له حقٌّ في السفرِ والحضرِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
وهو الضيفُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عَمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.
قال: الضيفُ.
حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ مثلَه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن ابنَ السبيلِ هو صاحبُ الطريقِ.
والسبيلُ هي الطريقُ، وابنُه: صاحبُه الضاربُ فيه.
فله الحقُّ على مَن مرَّ به محتاجًا منقطعًا به- إذا كان سفرُه في غيرِ معصيةِ اللَّهِ- أن يُعينه إن احتاج إلى معونةٍ، ويُضَيَّفَه إن احتاج إلى ضيافةٍ، وأن يَحْمِلَه إن احتاج إلى حُمْلانٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: والذين ملَكْتموهم مِن أرِقَّائِكم.
فأضاف المِلْكَ إلى اليميِن؛ كما يقالُ: تكلَّم فوك، ومشَت رجلُك، وبطَشت يدُك.
بمعنى: تكلَّمْتَ، ومشَيْتَ، وبطَشْتَ.
غيرَ أن ما وُصِف به كلُّ عضوٍ مِن ذلك، فإنما أَضِيفَ إليه ما وُصِف به، لأنه بذلك يكونُ فى المتعارَفِ في الناسِ، دونَ سائرِ جوارح الجسدِ، فكان معلومًا -بوصفِ ذلك العضوِ بما وُصِف به مِن ذلك المعنى- المرادُ مِن الكلامِ، فكذلك قولُه: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.
لأن مماليكَ أحدِنا تحتَ يَدَيْه (١)، إنما [تَطْعَمُ ما تُناوِلُه أيمانُنا وتكتسى ما تَكْسُوه وتَصْرِفُه] (٢) فيما أحبَّ صرفَه فيه بها، فأُضِيف ملكُهم إلى الأيمانِ لذلك.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾: ما خوَّلك اللهُ، كلُّ هذا أوصى اللهُ به (٣).
وإنما يعنى مجاهدٌ بقولِه: كلُّ هذا أوصى اللهُ به.
الوالدين وذا القربى واليتامى والمساكينَ والجارَ ذا القُرْبَى، والجارَ الجُنُبَ، والصاحبَ بالجنبِ، وابنَ السبيلِ، فأوصى ربُّنا جل ثناؤه بجميع هؤلاء عبادَه؛ إحسانًا إليهم، وأمَر خلقه بالمحافظةِ على ـوصيتِه فيهم، فحقٌّ على عبادِه حفظُ وصيةِ اللهِ فيهم، ثم حفظُ وصيةِ رسولِه ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾.
يعنى بقولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا﴾: إن اللهَ لا يُحِبُّ مَن كان ذا خُيَلاء.
والمختالُ: المفتَعِلُ، مِن قولِك: خال الرجلُ فهو يَخُولُ خَوْلًا وخَالاً.
ومنه قولُ الشاعرِ (١): فإن كُنتَ سَيِّدَنَا سُدْتَنا … وإن كنتَ للخالِ فَاذْهَبْ فَخَلْ ومنه قولُ العجَّاجِ (٢): والخالُ ثوبٌ من ثيابِ الجُهَّالْ وأمَّا الفخورُ: فهو المُفْتَخِرُ على عبادِ اللهِ بما أنْعَم اللهُ عليه مِن آلائِه، وبسَط له مِن فضلِه، ولا يَحْمَدُه على ما آتاه مِن طَوْلِه، ولكنه به مختالٌ مُسْتَكْبِرٌ، وعلى غيرِه به مستطيلٌ مفتخِرٌ.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
قال: متكبرًا فخورًا.
قال: يَعُدُّ ما أَعْطَى، وهو لا يَشْكُرُ اللهَ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنا محمدُ بنُ كَثِيرٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ واقدٍ أبى رجاءٍ الهَرَوىِّ، قال: لا تَجِدُه (١) سَيِّئَ المَلَكَةِ إلا وجَدْتَه مختالاً فخورًا.
وتلا: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
ولا عاقًّا إلا وجَدْتَه جبَّارً اشقيًّا.
وتلا: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٢) [مريم: ٣٢].
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه: إن اللَّهَ لا يُحِبُّ المختالَ الفخورَ، الذي يَبْخَلُ وَيَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ، فـ ﴿الَّذِينَ﴾ يَحْتَمِلُ أن يكونَ فى موضعِ رفعٍ ردًّا على ما فى قولِه: ﴿فَخُورًا﴾ مِن ذكرٍ (٣)، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ نصبًا على النعتِ لـ "مَن".
والبخلُ فى كلامِ العربِ: منعُ الرجلِ سائلَه ما لديه وعندَه مِن (٤) فضلٍ عنه.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن ابنِ طاوسٍ عن أبيه فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
قال: البخلُ أن يَبْخَلَ الإنسانُ بما في يديه، والشُّحُّ: أن يَشحَّ على ما في أيدى الناسِ.
قال: يُحِبُّ أن يكونَ له ما في أيدى الناس بالحلِّ والحرامِ، لا يَقْنَعُ (٥).
واختلفت القَرَأَةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾؛ فقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: (بالبَخَلِ) بفتحِ الباءِ والخاءِ، وقرَأتْه عامَّةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ البصريين بضمِّ الباء: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ (١).
وهما لغتان فصيحتان بمعنًى واحدٍ، وقراءتان معروفتان، غيرُ مختلفتَى المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فهو مصيبٌ في قراءتِه.
وقد قيل: إن اللهَ جل ثناؤه عنَى بقولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
الذين كتَموا اسمَ محمدٍ ﷺ الله وصفتَه من اليهودِ، ولم يُبَيِّنوه للناسِ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حّدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمانَ، عن أبيه، عن الحَضْرَمىِّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: فهم اليهودُ، بِخلوا بما عندَهم مِن العلمِ وكتَموا ذلك (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
ما بين ذلك في يهودَ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
وهم أعداءُ اللهِ أهلُ الكتابِ، بخِلوا بحقِّ اللهِ عليهم، وكتَموا الإسلامَ ومحمدًا ﷺ، وهم يَجِدُونه مكتوبًا عندهم في التوراةِ والإنجيلِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: أمَّا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾، فهم اليهودُ، ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: اسمَ محمدٍ ﷺ، [وأما] (٢) ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾: يَبْخَلون باسمِ محمدٍ ﷺ، ويَأْمُرُ بعضُهم بعضًا بكتمانِه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ مسلمٍ الرازىُّ: قال: ثنى أبو جعفرٍ الرازىُّ، قال: ثنا يحيى، [عن عارمٍ] (٤)، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
قال: هذا للعلمِ، [ليس للدنيا منه شيءٌ] (٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾.
قال] (٦): هؤلاء يهودُ، وقرَأ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: يَبْخَلون بما آتاهم اللهُ مِن الرزقِ، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن الكتبِ، إذا سُئلوا عن الشئِ وما أَنْزَل اللهُ كتَموه.
وقرَأ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣].
مِن بخلِهم (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن محمدٍ بنِ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ أو عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان كَرْدَمُ بنُ زيدٍ -حليفُ كعبِ بنِ الأشرفِ- وأسامةُ بنُ حَبيبٍ ونافِعُ بْنُ أَبِى نافعٍ، وبَحْرِيٌّ بنُ عَمرٍو، وحُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، ورفاعةُ بنُ زيدِ بنِ التابوتِ، يأتون رجالاً مِن الأنصارِ -وكانوا يُخالِطُونهم، يَتَنصَّحون لهم- مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيقولون لهم: لا تُنْفِقوا أموالكم، فإِنَّا نَخْشَى عليكم الفقرَ فى ذَهابِها، ولا تُسارِعوا في النفقةِ، فإنكم لا تَدْرُون ما يكونُ.
فأنْزَل اللهُ فيهم: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
أى مِن النبوَّةِ التي فيها تصديقُ ما جاء به محمدٌ ﷺ.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
إلى قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ (٢).
فتأويلُ الآيةِ على التأويلِ الأولِ: واللهُ لا يُحِبُّ ذَوِى الخُيَلاءِ والفخرِ الذين يَبْخَلُون بتبيينِ ما أمَرهم اللهُ بتبيينِه للناسِ مِن اسمِ محمدٍ ﷺ ونعتِه وصفتِه التي أنْزَلها في كتبِه على أنبيائِه، وهم به عالمون، ويَأْمُرون الناسَ الذين يَعْلَمون ذلك، مثلَ علمِهم [بكتمانِه مَنْ] (٣) أَمَرهم اللهُ بتبيينِه له، ويَكْتُمون ما آتاهم اللهُ مِن علمِ ذلك ومعرفتِه مَن حرَّم اللهُ عليه كتمانَه إيَّاه.
وأمَّا على تأويلِ ابنِ عباسٍ وابنِ زيدٍ: إن اللهَ لا يُحِبُّ مَن كان مُختالًا فخورًا، الذين يَبْخَلون على الناسِ بفضلِ ما رزَقهم اللهُ مِن أموالِهم.
ثم سائرُ تأويلِهما وتأويلِ غيرِهما سواءٌ.
وأَوْلَى الأقوالِ بالصوابِ فى ذلك ما قاله الذين قالوا: إن اللهَ وصَف هؤلاءِ القومَ الذين وصَف صفتَهم في هذه الآيةِ بالبخلِ، بتعريفِ مَن جهِل أمرَ محمدٍ ﷺ، أنه حقٌّ، وأن محمدًا للهِ نبىٌّ مبعوثٌ، وغيَر ذلك من الحقِّ الذي كان اللهُ تعالى ذكرُه قد بيَّنه فيما أوْحَى إلى أنبيائِه مِن كتبِه، فبخِل بتبيينِه للناسِ هؤلاء، وأمَروا مَن كانت حالُه حالَهم في معرفتِهم به أن يَكْتُموه مَن جهِل ذلك، ولا يُبَيِّنوه للناسِ.
وإنما قلنا: هذا القولُ أَوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن اللهَ جل ثناؤه وصَفهم بأنهم يَأْمُرون الناسَ بالبخلِ، ولم يَبْلُغْنَا عن أُمَّةٍ مِن الأممِ أنها كانت تَأْمُرُ الناسَ بالبخلِ دِيانةً ولا تَخَلُّقًا، بل ترَى ذلك قبيحًا، ويُذَمُّ فاعلُه، ولا يُمْتَدَحُ؛ وإن هي تخلَّقت بالبخلِ واسْتَعْمَلته في أنفسِها، فالسخاءُ والجودُ تَعُدُّه مِن مكارمِ الأفعالِ، وتَحُثُّ عليه، ولذلك قلنا: إن بخلَهم الذى وصَفهم اللهُ به، إنما كان بخلاً بالعلمِ الذي كان اللهُ آتاهموه، فبخِلوا بتبيينِه للناسِ، وكتَموه دونَ البخلِ بالأموالِ، إلا أن يكونَ معنى ذلك: الذين يَبْخَلون بأموالِهم التى يُنْفِقُونها في حقوقِ اللهِ وسبلِه، ويَأْمُرون الناسَ مِن أهلِ الإسلامِ بتركِ النفقةِ في ذلك، فيكونُ بخلُهم بأموالِهم وأمرِهم الناسَ بالبخلِ، فهذا المعنى على ما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابنِ عباسٍ، فيكونُ لذلك وجةٌ مفهومٌ في وصفِهم بالبخلِ، وأمرِهم به.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٣٧)﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾: وجعَلْنا للجاحدينَ نعمةَ اللهِ التى أنْعَم بها عليهم مِن المعرفةِ بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ، المكذَّبين به بعدَ علمِهم به، الكاتمين نَعْتَه وصفتَه مَن أمَرهم اللهُ ببيانِه له مِن الناسِ، ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ يعنى: العقابَ المُذِلَّ مَن عُذِّب بخلودِه فيه، عتادًا له فى آخرتِه إذا قدِم على ربِّه، وآخَذه بما سلَف منه مِن جحودِه فرضَ اللهِ الذى فرَض عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وأعتَدْنا للكافرين باللهِ مِن اليهودِ، الذين وصَف اللهُ صفتَهم عذابًا مُهِينًا، ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾.
و ﴿وَالَّذِينَ﴾ في موضعِ خفضٍ عَطْفاً على الكافرين.
وقولُه: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾.
يعنى: يُنفِقُه مراءاةَ الناسِ في غيرِ طاعةِ اللهِ أو غيرِ سبيلِه، ولكن في سبيلِ الشيطانِ، ﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يقولُ: ولا يُصَدِّقون بوحْدانيَّةِ اللهِ، ولا بالمعادِ (١) إليه يومَ القيامةِ -الذي فيه جزاءُ الأعمالِ- أنه كائنٌ، وقد قال مجاهدٌ: إن هذا مِن صفةِ اليهودِ.
وهو صفةُ أهلِ النفاقِ الذين كانوا أهلَ شركٍ، فأظْهَروا الإسلامَ تقيَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ و أهلِ الإيمانِ به، وهم على كفرِهم مقيمون، أشبهُ منهم بصفةِ اليهودِ؛ لأن اليهودَ كانت تُوَحِّدُ اللهَ، وتُصَدِّقُ بالبعثِ والمَعَادِ، وإنما كان كفرُها تكذيبَها بنبوَّةِ محمدٍ ﷺ.
وبعدُ؛ ففى فصلِ اللهِ بينَ صفةِ الذين لا يُؤْمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ، وصفةِ الفريقِ الآخَرِ الذين وصَفهم في الآيةِ قبلَها وأخبر أن لهم عذابًا مُهِينًا، بالواوِ الفاصلةِ بينَهم - ما يُنْبِئُ عن أنهما صفتانِ مِن نوعيْن مِن الناسِ مختلفَي المعاني، وإن كان جميعُهم أهلَ كفرٍ باللهِ، ولو كانت الصفتان كلتاهما صفةَ نوعٍ مِن الناسِ لقيل إن شاء اللهُ: وأعْتَدنا للكافرين عذابًا مُهينًا، الذين يُنفِقون أموالَهم رئاءَ الناسِ.
ولكن فصَل بينَهم بالواوِ لما وصَفْنا.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن دخولَ الواوِ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ فى عطفِ صفةٍ على صفةٍ لموصوفٍ واحدٍ فى كلامِ [العربِ.
قيل: ذلك] (١) وإن كان كذلك، فإن الأفصحَ في كلامِ العربِ إذا أُرِيد ذلك، تركُ إدخالِ الواوِ، وإذا أُرِيد بالثانى وصفٌ آخرُ غيرُ الأَوَّلِ، إدخالُ (٢) الواوِ، وتوجيهُ كلامِ اللهِ إلى الأفصحِ الأشهرِ مِن كلامِ مَن نزَل بلسانِه كتابُه أَوْلَى بنا مِن توجيهِه إلى الأنكرِ مِن كلامِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَكُنِ الشيطانُ له خليلاً وصاحبًا، يَعْمَلُ بطاعتِه ويَتَّبِعُ أمرَه، ويَتْرُكُ أمرَ اللَّهِ، فى إنفاقِه مالَه رئاءَ الناسِ في غيرِ طاعتِه وجُحودِه وحْدانيَّةَ اللهِ والبعثَ بعدَ المماتِ - ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾.
يقولُ: فساء الشيطانُ قرينًا، وإنما نُصِب القرينُ؛ لأن فى "ساء" ذكرًا مِن الشيطانِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
وكذلك تَفْعَلُ العربُ في "ساء" ونظائرِها.
ومنه قولُ عَدِيٍّ بنِ زيدٍ (٣): عن المرءِ لا تَسْأَلْ وأبْصِرُ (٤) قرينَه … [فإنَّ القَرينَ] (٥) بالمُقارَنِ مُقْتَدِ (٦) يُرِيدُ بالقرينِ الصاحبَ والصديقَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩)﴾.
يعنى بذلك جل ثناؤُه: أىُّ شيءٍ على هؤلاء الذين يُنْفِقُون أموالَهم رِئَاءَ الناسِ، ولا يُؤمِنون باللهِ ولا باليومِ الآخرِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لو صدَّقوا بأن اللَّهَ واحدٌ لا شريكَ له، وأخْلَصوا له التوحيدَ، وأيْقَنوا بالبعثِ بعدَ المماتِ، وصدَّقوا بأن اللهَ مجازيهم بأعمالِهم يومَ القيامةِ، ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾.
يقولُ: وأدَّوْا زكاةَ أموالِهم التى رزَقهم اللهُ، وأعطاهموها طيبةً بها أنفسُهم، ولم يُنفِقوها رئاءَ الناسِ، التماسَ الذِّكْرِ والفخرِ عندَ أهلِ الكفرِ باللهِ، والمحمدةِ بالباطلِ عندَ الناسِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ بهؤلاء الذين وصَف صفتَهم أنهم يُنفِقون أموالهَم رِئَاءَ الناسِ نفاقاً، وهم باللهِ واليومِ الآخرِ مكذِّبون ﴿عَلِيمًا﴾.
يقولُ: ذا علمٍ بهم وبأعمالِهم وما يَقْصِدون ويُرِيدُون بإنفاقِهم، وما يُنفقون مِن أموالِهم، وأنهم يُرِيدُون بذلك الرياءَ والسُّمعةَ والمحمدةَ في الناسِ، وهو حافظٌ عليهم أعمالَهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منها حتى يُجَازِيَهم بها جزاءَهم عندَ (١) مَعادِهم إليه.
القولُ (*) في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وماذا عليهم لو آمَنوا باللهِ واليومِ الآخرِ، وأنفَقوا مما رزَقهم الله، فإن اللهَ لا يَبْخَسُ أحدًا مِن خلقِه أنْفَق في سبيلِه مما رزَقه مِن ثوابِ نفقتِه في الدنيا، ولا مِن أجرِها يومَ القيامةِ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [يعنى: ميزانَ ذرةٍ] (١) أي ما يَزِنُها ويكونُ على قدرِ ثقلِها في الوزنِ، ولكنه يُجازيه به، ويُثيبُه عليه.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
قال: لأن تَفْضُلَ حسناتى [سيئاتي بِمثقالِ] (٢) ذرَّةٍ أحبُّ إليَّ مِن الدنيا وما فيها (٣).
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: لأن تَفْضُل حسناتى على سيئاتي ما يَزِنُ ذرةً أحبُّ إليَّ مِن أن تكونَ لى الدنيا جميعًا.
وأمَّا الذرَّةُ، فإنه ذُكِر عن ابن عباسٍ أنه قال فيها، كما حدَّثني إسحاقُ بنُ وهبٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا شَبيبُ بنُ بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.
قال: رأسُ نملةٍ حمراءَ (٤).
[حدَّثني محمدُ بنُ سنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: حدثنا ابن بِشرٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾: حمراءَ.
قال أبو جعفرٍ] (٥): قال لى إسحاقُ بنُ وهبٍ: قال يزيدُ بنُ هارونَ: زعَموا أن هذه الذرَّةَ (١) الحمراءَ ليس لها وزنٌ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك صحَّت الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] (٣) حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى ومحمدُ بنُ بشّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عمرانُ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إن الله لا يَظْلِمُ المؤمنَ حسنةً، يُثابُ عليها الرزقَ في الدنيا، ويُجْزَى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيَطْعَمُ بها في الدنيا، فإذا كان يومُ القيامةِ لمْ تكن له (٤) حسنةٌ" (٥).
حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ سعدٍ، قال: أخبَرنا زيدُ بنُ أسلمَ، عن عطاءِ بن يسارٍ، [عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ اللهِ: ﷺ] (٦) "والذي نفسي بيدِه، ما أحدُكم بأشدَّ مناشدةً في الحقِّ يَرَاهُ مُصِيبًا له مِن المؤمنين في إخوانِهم إذا رأَوْا أن قد خلَصوا مِن النارِ، يقولون: أي ربَّنا، إخوانُنا كانوا يُصَلُّون معَنا ويَصُومون معَنا ويَحُجُّون معَنا ويُجاهِدُون معَنا، قد أخَذَتْهم النارُ، فيقولُ اللهُ لهم: اذْهَبوا فمَن عرَفْتُم صورتَه فأَخْرِجوه، ويُحَرِّمُ صُوَرَهم (٧) على النارِ، فيَجِدون الرجلَ قد أخَذَتْه النارُ إلى [قدَمَيه وإلى] (١) أنصَافِ ساقَيْه وإلى ركبتَيْه وإلى حَقْوَيْه (٢)، فيُخرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون، فيقولُ: اذْهَبُوا فَمَن (٣) وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ قيراطِ (٤) خيرٍ فأَخْرِجُوه.
فيُخْرِجُون منها بشرًا كثيرًا، ثم يَعُودون فيَتَكَلَّمون [فيقولُ: اذهبوا فمَن وجدتم في قلبِه مثقالَ نصفِ قيراطِ خيرٍ فأخرجوه.
فيُخْرِجون منها بشرًا كثيرًا، ثم يعودون فيتكلمون] (٥) "فَلا يَزالُ يقولُ ذلك لهم حتى يقولَ: اذْهَبوا، فمَن وجَدْتُم في قلبِه مثقالَ ذرةٍ فأَخْرجوه".
فكان أبو سعيدٍ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: إن لم تُصَدِّقوا فاقرءوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
"فيقولون: ربَّنا لم نَذَرْ فيها خيرًا" (٦).
[حدَّثنا العباسُ بنُ الوليدِ، قال: أخبرنا أبى، قال: حدَّثنا الأوزاعِيُّ، قال: حدَّثني مَن سمِع زيدَ بنَ أسلمَ يُحدِّثُ عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه، إلا أنه قال: "فيقولُ اللهُ - في المرةِ الثانيةِ -: أخرجوا مَن وجدتُم في قلبِه مثقالَ دينارٍ مِن خيرٍ"، وفى الثالثةِ: "نصفِ دينارٍ"، وفى الرابعةِ: "مثقالَ حبةٍ مِن خَردَلٍ".
وسائرُ الحديثِ نحوَه] (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: حدثنا أبي وشعيبُ بنُ الليثِ، عن الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن (١) أبى هلالٍ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٢).
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عمرٍو، عن زاذانَ، قال: أتيتُ ابنَ مسعودٍ، فقال: إذا كان يومُ القيامةِ جمَع اللهُ الأَوَّلينَ والآخرين، ثم نادَى منادٍ مِن عندِ اللَّهِ: ألا مَن كان (٣) يَطْلُبُ مَظْلِمةً فَلْيَجِئْ إلى حقِّه فَلْيَأْخُذْه.
قال: فيَفْرَحُ واللَّهِ المَرَّءُ (٤) أَن يدورَ (٥) له الحقُّ على والدِه، أو ولدِه، أو زوجتِه، [أو أختِه] (٦) فيَأْخُذَه منه، وإن كان صغيرًا، ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
فيقالُ له: آتِ هؤلاء حقوقَهم.
أي: أعطِ هؤلاءِ حقوقَهم.
فيقولُ: يا (٧) [ربِّ، مِن أين وقد ذهَبتِ الدنيا؟
فيقولُ اللهُ لملائكتِه: أي ملائكتي، انْظُروا في أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوهم منها.
فإن بقِي مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ، قالت الملائكةُ: يا ربَّنا - وهو أعلمُ بذلك منها - أعطيْنا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وبقِى له مثقالُ ذرَّةٍ مِن حسنةٍ.
[فيقولُ للملائكةِ] (٨): ضعِّفوها لعبدى، وأدْخِلوه بفضلِ رحمتى الجنةَ.
ومصداقُ ذلك في كتابِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
أي الجنةَ يُعطيها.
وإن فنِيتْ حسناتُه وبقِيتْ سيِّئاتُه، قالت الملائكةُ - وهو أعلمُ بذلك -: إلهَنا، فنِيت حسناتُه، وبَقِيت سيِّئاتُه، وبقِى طالبون كثيرٌ؟
فيقولُ اللَّهُ: ضَعُوا (١) عليها مِن أوزارِهم واكْتُبوا له كتابًا إلى النارِ.
قال صدقةُ: أو: صكًّا إلى جهنمَ.
شَكَّ صدقةُ أيَّهما قال (٢).
حُدِّثْتُ عن محمدِ بن عُبيد، عن هارونَ بن عنترةَ (٣)، عن عبدِ اللَّهِ بن السائبِ، قال: سمِعتُ زاذانَ يقولُ: قال عبدُ اللهِ بنُ مسعود: يُؤْخَذُ بيدِ العبدِ والأَمَةِ يومَ القيامةِ، فيُنادي منادٍ على رءوسِ الأوَّليَن والآخرين: هذا فلانُ بنُ فلانٍ، مَن كان له حقٌّ فليأتِ إلى حقِّه.
فَتَفْرَحُ المرأةُ أن يَذُوبَ (٤) لها الحَقُّ على أبيها (٥)، أو على أخيها، أو على زوجِها [ثم قرَأ ابن مسعودٍ] (٦): ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
فيَغْفِرُ اللَّهُ مِن حقِّه ما شاء، ولا يَغْفِرُ مِن حقوقِ الناسِ شيئًا، فيَنْصِبُ (٧) للناسِ فيقولُ: [أتُوا إلى الناسِ حقوقهم] (٨) فيقولُ: ربِّ، فنِيت الدنيا، مِن أين (٩) أُوتِيهم حقوقَهم؟
فيقولُ: خُذوا مِن أعمالِه الصالحةِ، فأَعْطُوا كلَّ ذى حقٍّ حقَّه بقدرِ طَلِبَتِه (١٠).
فإن كان وليًّا للهِ، ففضَل له مثقالُ ذرَّةٍ ضاعفها له حتى يُدْخِلَه بها الجنةَ، ثم قرَأ علينا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، [قال: أدخِلوه (١) الجنةَ] (٢).
وإن كان عبدًا شقيًّا قال الملَكُ: ربِّ، فنِيت حسناتُه، وبقِى طالبون (٣) كثيرٌ.
فيقولُ: خُذوا مِن سيئاتِهم، فأَضِيفوها إلى سيئاتِه، ثم صُكُّوا له صَكًّا إلى النارِ (٤).
قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ على تأويلِ عبدِ اللهِ هذا: إن الله لا يَظْلِمُ عبدًا وجَب له مثقالُ ذرّةٍ قِبَلَ عبدٍ له آخرَ في معادِه ويومَ لقائِه فما فوقه، فَيَتْرُكَه عليه فلا يَأْخُذَه للمظلومِ مِن ظاِلمِه، ولكنه يَأْخُذُه منه له، ويَأْخُذُ مِن كُلِّ ظالمٍ للمظلومِ (٥) تَبِعَتَه قِبَلَه، ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾.
يقولُ: وإن تُوجَدْ (٦) له حسنةٌ [بعدَ ذلك] (٧) يُضَاعِفُها، بمعنى: يُضَاعِفُ له ثوابَها وأجرَها، ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يقولُ: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا، والأجرُ العظيمُ الجنةُ، على ما قاله عبدُ اللهِ.
ولكلا التأويلينِ وجهٌ مفهومٌ، أعنى التأويلَ الذي قاله ابن مسعودٍ، والذي قاله قتادةُ، وإنما اخترنا التأويلَ الأولَ لموافقتِه الأثرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ، مع دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ على صحَّتِه، إذ كان في سياقِ الآيةِ التي قبلَها، التي حثَّ اللهُ جلَّ ثناؤُه فيها على النفقةِ في طاعتِه، وذمَّ النفقةَ في طاعةِ الشيطانِ.
ثم وصَل (٨) ذلك بما وعَد المُنفقينَ (٩) في طاعتِه بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
واخْتَلفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (١) العراقِ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ بنصبِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تكُ زِنَةُ الذرَّةِ حسنةً يُضَاعِفُها.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ (٢) المدينةِ: (وَإِنْ تَكُ حسنةٌ) برفعِ الحسنةِ، بمعنى: وإن تُوجَدْ حسنةٌ (٣)، على ما ذكَرتُ عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مِن تأويلِ ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾، فإنه جاء بالألفِ، ولم يقلْ: "يُضَعِّفْها".
لأنه أُرِيد به - في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ -: يُضَاعِفُها أضعافًا كثيرةً؛ ولو أُرِيد به في قولِه: يُضَعِّف ذلك ضِعْفين لقيلَ: "يُضَعِّفْها" بالتشديدِ (٤).
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في الذين وعَدهم اللهُ بهذه الآيةِ ما وعَدهم فيها؛ فقال بعضُهم: هم جميعُ أهلِ الإيمانِ باللهِ وبمحمدٍ ﷺ.
واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به الفضلُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن مُبارَكِ بن فَضَالةَ، عن عليّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْدَيِّ، قال: لقِيتُ أبا هريرةَ فقلتُ له: إنه بلَغنى أنك تقولُ: إن الحسنةَ لتُضَاعَفُ ألفَ ألفِ حسنةٍ!
قال: وما أعْجَبَك من ذلك؟
فواللهِ، لقد سمِعتُه - يعنى النبيَّ ﷺ - يقولُ: "إن الله لَيُضَاعِفُ الحسنةَ ألفَىْ (١) ألفِ حسَنةٍ" (٢).
وقال آخرون: بل ذلك للمهاجرين (٣) خاصَّةً دونَ أهلِ البوادى والأعرابِ.
واعتلُّوا في ذلك بما حدَّثنا به محمدُ بنُ هارونَ أبو نَشيطٍ، قال: ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيْرٍ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ مرزوقٍ، عن عطيةَ العوفيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في الأعرابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال: فقال رجلٌ: فما للمهاجرين؟
قال: ما هو أعظمُ مِن ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
وإذا قال اللهُ لشيءٍ: عظيمٌ.
فهو عظيمٌ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى القولينِ في ذلك بالصوابِ، قولُ مَن قال: عنَى بهذه الآيةِ المهاجرين دونَ الأعرابِ، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في أخبارِ اللهِ أو أخبارِ رسولِه ﷺ شيءٌ يَدْفَعُ بعضُه بعضًا، فإذا كان صحيحًا وعدُ اللَّهِ مَن جاء مِن عبادِه المؤمنين بالحسنةِ مِن الجزاءِ عشرَ أمثالِها، ومَن جاء بالحسنةِ منهم أن يُضاعِفَها له، وكان الخبران اللذان ذكَرْناهما عنه ﷺ صحيحين - كان غيرَ جائزٍ إلا أن يكونَ أحدُهما مُجْمَلًا، والآخَرُ مُفَسَّرًا، إذ كانت أخبارُه ﷺ يُصَدِّقُ بعضُها بعضًا.
وإذ كان ذلك كذلك، صحَّ أن خبَر أبى هريرةَ معناه أن الحسنةَ لتُضَاعَفُ للمهاجرين مِن أهلِ الإيمانِ ألفَىْ ألفِ حسنةٍ، وللأعرابِ منهم عشرَ أمثالِها، على ما رُوى عن (١) ابن عمرَ عن النبيِّ ﷺ.
وأن قولَه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾.
[يعنى: مَن جاء بالحسنةِ مِن أعرابِ المؤمنين فله عشرُ أمثالِها] (٢)، ومَن جاء بالحسنةِ مِن مهاجريهم يُضَاعَفْ له، ويُؤْتِهُ اللَّهُ مِن لَدُنْه أَجرًا [عظيمًا.
وأما قولُه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾] (٣).
فإنه يعنى: ويُعْطِه مِن عندِه أجرًا عظيمًا.
يعنى: عِوَضًا من حسنتِه عظيمًا، وذلك العوضُ العظيمُ الجنةُ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا صدقةُ بنُ أبى سهلٍ، قال: ثنا أبو عَمروٍ، عن زاذانَ، عن ابن مسعودٍ: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، أي: الجنةَ يُعطيها (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: أخبرَنى عبَّادُ بنُ أبى صالحٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
قال: الأجرُ العظيمُ الجنةُ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
قال: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
الجنةَ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه، إن الله لا يَظْلِمُ عبادَه مثقالَ ذرَّةٍ، فكيف بهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، يعنى بمَن يَشْهَدُ عليها بأعمالِها وتصديقِها رُسُلَها (١) أو تكذيبِها إيَّاها (٢)، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، يقولُ: وَجِئْنَا بك يا محمدُ ﴿عَلَى هَؤُلَاءِ﴾: أي على أُمَّتِك ﴿شَهِيدًا﴾، [يقولُ: شاهدًا] (٣).
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
قال: إن النبيِّين يَأْتُون يومَ القيامةِ، منهم مَن أَسْلَم معَه مِن قومِه الواحدُ، والاثنان، والعشرةُ، وأقلُّ وأكثرُ مِن ذلك، حتى يأتىَ (٤) لوطٌ، لم يُؤْمِنْ معَه إلا ابنَتاه (٥)، فيقالُ لهم: هل بلَّغْتُم ما أُرسِلْتُم به؟
فيقولون: نعم.
فيقالُ لهم: مَن يَشْهَدُ لكم؟
فيقولون: أُمَّةً محمدٍ.
[فتُدعى أمهُ محمدٍ] (٦)، فيقالُ لهم: أَتَشْهَدون أن الرُّسُلَ أوْدَعوا عندَكم شهادةً، فيمَ تَشْهَدون؟
فيقولون: ربَّنا نَشْهَدُ أَنهم قد بلَّغوا كما شهِدوا في الدنيا بالتبليغِ.
فيقالُ: مَن يَشْهَدُ على ذلك؟
فيقولون: محمدٌ.
فيُدْعَى محمدٌ ﷺ، فيَشْهَدُ أن أُمَّتَه قد صدَقوا، وأن الرسلَ قد بلَّغوا، فذلك قولُه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
حدَّثنا القاسمُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابن جُريجٍ قولَه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾.
قال: رسولُها، يَشْهَدُ عليها أن قد أبْلَغهم ما أرْسَله اللهُ به إليهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أتَى عليها فاضت عيناه (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ (٢)، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣].
قال: الشاهدُ محمدٌ، والمشهودُ يومُ الجمعةِ، فذلك قولُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (٣).
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ الزُّهْريُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المسعوديِّ، عن جعفرِ بن عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "شَهِيدًا عَلَيْهِم مَا دُمْتُ فِيهِم، فَلَمَّا (٤) تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم [وأنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ] (٥) ".
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ أبى الوزيرِ (١)، قال: ثنا سفيانُ بن عُيَيْنَةَ، عن المسعوديِّ، عن القاسمِ، أن النبيَّ ﷺ قال لابنِ مسعودٍ: "اقْرَأْ عليَّ".
قال: أَقْرَأُ عليك، وعليك أُنزِلَ؟
قال: "إِنِّي أُحِبُّ أَن أَسْمَعَه مِن غيرِى".
فقرَأ ابن مسعودٍ [النساءَ، حتى بلَغ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾.
قال: قال: اسْتَعبر النبيُّ ﷺ، وكفَّ ابن مسعودٍ] (٢).
قال المسعوديُّ: فحدَّثنى جعفرُ بنُ عَمرِو بن حُرَيْثٍ، عن أبيه، أن النبيَّ ﷺ -قال: "شَهِيدًا عَلَيْهِم (٣) ما دُمْتُ فِيهِم، فإذَا تَوَفَّيتَنِي كُنتَ أنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِم، وأنتَ على كلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ" (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يومَ نَجَئُ مِن كلِّ أُمَّةٍ بشهيدٍ، ونجيءُ بك على أمتِك يا محمدُ شهيدًا، ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقولُ: يَتَمَنَّى الذين جحَدوا وحدانيَّةَ اللهِ، ﴿وَعَصَوُا﴾ رسولَه، ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.
واخْتَلفتِ القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامَّةُ قرأةِ أهلِ الحجازِ ومكةَ والمدينةِ: (لَوْ تَسَّوَّى بهم الأرضُ) بتشديدِ السينِ والواوِ وفتحِ التاءِ، بمعنى: لو تَتَسَوَّى بهم الأرضُ، ثم أُدْغِمت التاءُ الثانية في السينِ، يُرادُ به (٥): أنهم يَوَدُّون لو صاروا ترابًا، فكانوا سواءً هم والأرضُ.
وقرَأ ذلك آخرون: (لَوْ تَسَوَّى بهمُ الأرضُ).
بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السيِن، [وهى قراءةُ عامَّةِ قرَأَةِ أهلِ الكوفةِ بالمعنى الأوَّلِ، غيرَ أنهم ترَكوا تشديدَ السينِ] (١)، واعتلُّوا بأن العربَ لا تكادُ تَجْمَعُ بينَ تشديديْنِ في حرفٍ واحدٍ.
وقرَأ ذلك آخرون: ﴿لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.
بمعنى: لو سوَّاهم (٢) اللهُ والأرضَ، فصاروا ترابًا مثلَها بتصييرِه إيَّاهم، كما يَفْعَلُ ذلك بمَن ذكَر أنه يَفْعَلُه به مِن البهائمِ (٣).
وكلُّ هذه القراءاتِ متقارباتُ المعانى (٤)، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لأن مَن تمنَّى منهم أن يكونَ يومئذٍ ترابًا، إنما يَتَمَنَّى أن يكونَ كذلك بتكوينِ اللهِ إيَّاه كذلك، وكذلك من تمنَّى منهم (٥) أن يكونَ اللهُ جعَله كذلك، فقد تمنَّى أن يكونَ ترابًا.
غيرَ (٦) أن الأمرَ وإن كان كذلك، فأعجبُ القراءةِ إليَّ في ذلك: (لَوْ تَسَوَّى بهم الأرضُ).
بفتحِ التاءِ وتخفيفِ السينِ؛ كراهيةَ الجمعِ بينَ تشديدينِ في حرفٍ واحدٍ، وللتوفيقِ في المعنى بيَن ذلك، وبيَن قولِه: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠].
فأخْبَر اللهُ عنهم، أنهم يَتَمَنَّوْن (١) أن يَكونوا (٢) كانوا ترابًا، ولم يُخْبِرْ عنهم أنهم قالوا: يا ليتنى كنتُ ترابًا.
فكذلك قولُه: (لو تَسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ) فيُسَوَّوْا (٣) هم؛ وهى أعجبُ إليَّ ليوافقَ ذلك المعنى الذي [أخْبَر عنهم] (٤) بقولِه: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
وأمَّا قولُه: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثً﴾.
فإن أهلَ التأويلِ تأوَّلوه بمعنى: ولا تَكْتُمُ الله جوارِحُهم حديثًا وإن جحَدَتْ (٥) أفواهُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عَمرٌو، عن مُطَرِّفٍ، عن المِنهالِ ابن (٦) عَمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: أتى رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: سمِعتُ الله يقولُ: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقال في آيةٍ أخرى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فإنهم لمَّا رَأَوْا أنه لا يَدْخُلُ الجنةَ إلا أهلُ الإسلامِ، قالوا: تعالَوْا فَلْنَجْحَدْ.
فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
فختَم اللهُ على أفواهِهم، وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم، فلا يكتمونَ الله حديثًا (٧).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن رجلٍ، عن المنهالِ بن عمرٍو، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى ابن عباسٍ، فقال: أشياءُ تَخْتَلِفُ عليَّ في القرآنِ.
فقال: ما هو؟
أشكٌّ في القرآنِ؟
قال: ليس بالشكِّ، ولكنه اختلافٌ.
قال: فهاتِ ما اخْتَلف عليك مِن ذلك.
قال: أَسْمَعُ الله يقولُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
فقد كتَموا.
فقال ابن عباسٍ: أمَّا قولُه: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
فإنهم لمَّا رَأَوْا يومَ القيامةِ أن الله يَغْفِرُ لأهلِ الإسلامِ ويَغْفِرُ الذنوبَ ولا يَغْفِرُ شَرْكًا، ولا يَتَعاظَمُه ذنبٌ أن يَغْفِرَه - جحَد المشركون، فقالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
رجاءَ أن يَغْفِرَ لهم، فختَم على أفواهِهم وتكلَّمت أيديهم وأرجلُهم بما كانوا يَعْمَلون، فعندَ ذلك: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا جُويبِرٌ (٢)، عن الضحَّاكِ، أن نافعَ بنَ الأزرقِ أتَى ابنَ عباسٍ فقال: يا ابنَ عباسٍ، قولَ اللهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
وقوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾؟
فقال له ابن عباسٍ: إني أَحْسَبُك قُمْتَ مِن عندِ أصحابِك، فقلتَ: أُلْقِى على ابن عباسٍ متشابهَ القرآنِ.
فإذا رجَعْتَ إليهم، فأخبِرْهم أن الله جامعُ الناسِ يومَ القيامةِ في بَقيعٍ واحدٍ، فيقولُ المشركون: إن اللَّهَ لا يَقْبَلُ مِن أحدٍ شيئًا إلا ممَّن وحَّده.
فيقولون: تَعَالَوْا نَقُل (١).
فَيَسْأَلُهم، فيقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
قال: فيَخْتِمُ اللَّهُ على أفواهِهم، ويَسْتَنْطِقُ جوارحَهم، فتَشْهَدُ عليهم جوارحُهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تَمَنَّوْا لو أن الأرضَ سُوِّيت بهم، ولا يَكْتَمون الله حديثًا (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: حدثني أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.
يعنى: أن تُسَوَّى (٣) الأرضُ بالجبالِ [والأرضُ] (٤) عليهم (٥).
فتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ الذي حكَيْناه عن ابن عباسٍ: يومَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَروا وعَصَوا الرسولَ لو تُسَوَّى بهِمُ الأرضُ [ولم يَكتُموا] (٦) الله حديثًا.
[كأنهم تَمَنَّوْا أنهم سُوُّوا معَ الأرضِ، وأنهم لم يكونوا كتَموا الله حديثًا] (٧).
وقال آخرون: معنى ذلك: يومئذٍ لا يَكْتُمون الله حديثًا، ويَوَدُّون لو تُسَوَّى بهم الأرضُ (١)، وليس بُمنْكتمٍ (٢) عن اللهِ شيءٌ من حدِيثِهم؛ لعلمه جلَّ ذكرُه بجميعِ حديثِهم وأمرِهم، [وإن هم كتَموه] (٣) بألسنتِهم فجحَدوه، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسولَه، ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾.
لا تُصَلُّوا ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
وهو جمعُ سَكْرَانَ، حتى تعلموا ما تقرَءون في صلاتِكم، وتقولون فيها، ممَّا أمَركم اللهُ، [جلَّ ثناؤُه] (٤)، أو ندَبكم إلى قِبلِه فيها، مما نهاكم عنه وزجَركم.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السُّكْرِ الذي عناه اللهُ بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك السُّكْرَ (٥) مِن الشرابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ (٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ عن عليٍّ، أنه كان هو وعبدُ الرحمنِ ورجلٌ آخرُ شرِبوا الخمرَ، فصلَّى بهم عبدُ الرحمنِ، فقرَأ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فخلَط فيها، فنزَلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهَالِ، قال: ثنا حَمَّادٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن [عبدِ اللهِ] (٢) بن حبيبٍ، أن (٣) عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ صنَع طعامًا وشرابًا، فدعا نفرًا مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ، فأكَلوا وشرِبوا حتى ثِملوا (٤)، فقدَّموا عليًّا يُصَلِّي بهم المغربَ، فقرَأ: قل يا أيُّها الكافرون، أَعْبُدُ ما تَعْبُدُون، وأنتم عابدون ما أَعْبُدُ، وأنا عابدٌ ما عبَدْتُم، لكم دينُكم ولى دينِ.
فَأَنْزَل اللهُ ﵎ هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
وذلك أن رجالًا كانوا يأتون الصلاةَ وهم سُكَارى] (٥) قبل أن تُحَرَّمَ الحمرُ، فقال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآيةَ (٦).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرة، عن أبي رَزينٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
قال: نزَل هذا وهم يَشْرَبون الخمرَ، قال: وكان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريُم الخمرِ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي رَزينٍ، قال: كانوا يَشْرَبون [الخمرَ (٢) بعدَ] (٣) ما أُنْزِلت التي في البقرةِ، [وبعدَ] (٤) التي في النساءِ، فلما أُنْزِلت التي في المائدةِ ترَكوها.
حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.
قال: نُهُوا أن يُصَلُّوا وهم سكارى، ثم نسَخها تحريمُ الخمرِ (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نجَيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
قال: كانوا يَجْتَنِبون السُّكْرَ عندَ حضورِ الصلواتِ، ثم نُسِخ [في تحريمِ] (٦) الخمرِ (٧).
[حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن أبي وائلٍ وأبى رَزينٍ وإبراهيمَ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
وقولِه: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧].
قالوا: كان هذا قبلَ أن يَنزِلَ تحريمُ الخمرِ.
[حدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: كان عليٌّ في نَفَرٍ مِن أصحابِ النبيِّ، ﵇، في بيتِ عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، فطعِموا، فأتاهم بخمرٍ فشرِبوا منها، وذلك قبل أن تُحرَّمَ الخَمرُ، فحضَرتِ الصلاةُ، فقدَّموا عليًّا، فقرَأ بهم: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾.
فلم يقرأها كما ينبغى، فأنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾] (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى من النومِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
قال: سكرَ النومِ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ الغِفاريُّ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ نُبَيطٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
قال: لم يَعْنِ بها سكرَ الخمرِ، وإنما عنَى بها سكرَ النومِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآية، تأويلُ من قال: ذلك نهيٌ من اللهِ المؤمنين عن أن يقرَبوا الصلاةَ وهم سكارى من الشراب قبلَ تحريمِ الخمرِ؛ للأخبارِ المتظاهرةِ عن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، بأن ذلك كذلك (١)، وأن هذه الآيةَ نزَلت فيمن ذُكِرت أنها نزَلت فيه.
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يكونُ ذلك معناه، والسكرانُ في حالِ زوالِ عقلِه، نظيرُ المجنونِ في حال زوالِ عقلِه، وأنت ممن تُحِيلُ تكليفَ المجانين لفقدِهم الفهمَ، بما يُؤْمَرُ ويُنْهَى؟
قيل له: إن السكرانَ لو كان في معنى المجنونِ لكان غيرَ جائزٍ أمرُه ونهيُه، ولكنَّ السكرانَ هو الذي يَفْهَمُ ما يَأْتِي وما يَذَرُ، غيرَ أن الشرابَ قد أَثْقَل لسانَه، [وأجزاءَ جسمِه وأخدَرَها] (٢)، حتى عجَز عن إقامةِ قراءتِه في صلاتِه وحدودِها (٣) الواجبة عليه فيها من غيرِ زوالِ عقلِه، فهو بما أُمِر به ونُهِى عنه عارفٌ فَهِمٌ، وعن أداءِ بعضِه عاجزٌ بخَدَرِ جسمِه من الشرابِ؛ فأما من صار إلى حدٍّ لا يَعْقِلُ ما يأتى ويَذَرُ، فذلك مُنْتَقِلٌ من السُّكْرِ إلى الخَبَلِ [ومعدودٌ في المجانينِ] (٤) المجانين، وليس ذلك الذي خُوطِب (٥) بقولِه: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾.
لأنَّ ذلك مجنونٌ، وإنما خُوطِب به السكرانُ، والسكرانُ (٦) ما وصَفْنا صفتَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم سُكارى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوها وأنتم جُنُبٌ إلا عابري سبيلٍ، يعنى: إلا أن تكونوا مجتازى طريقٍ، أي (١): مسافرين، حتى تَغْتَسِلوا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ ومحمدُ بنُ المثنى، قالا (٢): ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: المسافرُ.
وقال ابن (٣) المُثَنَّى: في السفرِ (٤).
وحدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
يقولُ: لا تَقْرَبوا الصلاةَ وأنتم جنبٌ، إذا وجَدْتُم الماءَ، فإن لم تَجِدوا الماءَ، فقد أحْلَلْتُ لكم أن تَمْسَحوا بالأرضِ (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن أبي ليلى، عن المنهالِ، عن عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، أو عن زِرٍّ، عن عليٍّ ﵁: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: إلا أن تكونوا (١) مسافرين فلا تَجدوا الماءَ فتَيَمَّموا (٢).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: المسافرُ (٣).
[حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بنُ سلمةَ، عن قيسِ بن سعدٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه] (٤).
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ بنُ المغيرةِ، عن عَنْبَسَةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهَالِ بن (٦) عَمرٍو، عن (٧) عبَّادِ بن عبدِ اللهِ، عن عليٍّ، ﵁، قال: نزَلت في السفرِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
وعابرُ السبيلِ: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماءَ تَيَمَّم (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ (١)، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مجاهدٍ، عن أبيه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: المسافرُ إذا لم يَجِدِ الماء فإنه يَتَيَمَّمُ [ويدخُلُ ويصلِّى] (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، [وعن] (٣) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قالا (٤): هو الرجلُ (٥) يكونُ في السفرِ فتُصِيبُه الجنابةُ فيتَيَمَّم ويُصَلِّي (٦).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: مسافرين لا يَجِدون الماءَ فيَتَيَمَّمون صعيدًا طيبًا، حتى (٧) يَجِدوا الماءَ فيَغْتَسِلوا (٨).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: مُسافِرين لا يَجِدون ماءً.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعَرٍ، عن بُكَيْرِ بن الأَخْنَسِ، عن الحسنِ بن مسلمٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: إلا أن يَكونوا مسافِرِين، فلم (١) يَجِدوا ماءً فيَتَيَمَّموا (٢).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن الحكمِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: المسافرُ تُصيبُه الجنَابةُ، فلا يَجِدُ ماءً، فيتَيَمَّمُ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبارَكِ، عن سفيانَ، عن سالمِ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، وعن منصورٍ، عن الحَكَم في قولِه: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
قالا (٤): المسافرُ الجُنُبُ لا يَجِدُ الماءَ، فيَتَيَمَّمُ فيُصَلِّي (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: إلا أن يكونَ مُسافِرًا (٥).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن الحكمِ بنحوه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عبدِ اللهِ بن كثيرٍ، قال: كنا نَسْمَعُ أنه في السفرِ (٦).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
هو المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ، فلا بدَّ له مِن أَن يَتَيَمَّمَ ويُصَلِّيَ [فهو يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي (١)] (٢).
قال: كان أبي يقولُ ذلك (٣).
وقال آخَرون: معنى ذلك: لا تَقْرَبوا المُصَلَّى للصلاةِ وأنتم سُكارَى حتى تَعْلَموا ما تقولون، ولا تَقْرَبوه جُنُبًا حتى تَغْتَسِلوا إلا عابرى سبيلٍ، يعني: إلا مُجْتازِين فيه للخروجِ منه.
فقال أهلُ هذه المَقالةِ: أُقيمَت الصلاةُ مُقامَ المُصَلَّى والمسجدِ، إذ كانت صلاةُ المسلمين المكتوبةُ (٤) في مساجدهم أيَّامَئذٍ لا يَتَخَلَّفون عن التجميعِ (٥) فيها، فكان في النهيِ عن أن يَقْرَبوا الصلاةَ كفايةٌ عن ذكرِ المساجدِ والمُصَلَّى الذي يُصَلُّون فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريم الجَزَريِّ، عن أبي عُبيدةَ بن عبدِ اللهِ، عن أبيه في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: هو المَمَرُّ (٦) في المسجدِ (٧).
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، عن ابن يَسَارٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: لا تَقْرَبِ (١) المسجدَ إلا أن يكونَ طريقُك فيه، فثَمُرُ مَارًّا [ولا] (٢) تَجْلِسَ (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قَتادةَ، عن سعيدٍ في الجُنُبِ: يَمُرُّ في المسجدِ مُجْتازًا، وهو قائمٌ، لا يَجْلِسُ، وليس بمُتَوَضِّئِ.
وتلا هذه الآية: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن نَهْشَلٍ، عن الضَّحَّاك عن ابن عباسٍ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجُنُبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ما لم يَجْلِسا فيه (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا أبو الزبيرِ، [عن جابرٍ] (٦)، قال: كان أحدُنا يَمُرُّ في المسجدِ [وهو جُنبٌ، مُجْتازًا] (٧).
[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: الجنبُ يَمُرُّ في المسجدِ] (١)، ولا يَقْعُدُ فيه.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قالا جميعًا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: إذا لم يَجِدْ طريقًا إلا في (٢) المسجدِ، يَمُرُّ فيه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في هذه الآيةِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: لا بأسَ أن يَمُرَّ الجنبُ في المسجدِ إذا لم يَكُنْ له طريقٌ غيرُه (٣).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه (٣).
حدَّثني المثنى، [قال: حدثني الحِمَّانيُّ] (٤) قال: ثنا شَرِيكٌ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قال: الجُنُبُ يَمُرُّ في المسجدِ ولا يَجْلِسُ فيه، ثم قرَأ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٥).
[حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن عبدِ الكريمِ، عن أبي عبيدَة مثلَه] (٦).
حدَّثني المثنى، [قال: ثنا الحمانيُّ] (١)، قال: ثنا شَريكٌ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحِمَّانيُّ، قال: ثنا شَريكٌ، عن الحسنِ بن (٣) عُبيدِ اللهِ، عن أبي الضُّحَى مثلَه (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن إسماعيلَ، عن الحسنِ، قال: لا بأسَ للحائضِ والجنبِ أن يَمُرَّا في المسجدِ ولا يَقْعُدا فيه (٥): حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن سعيدٍ، عن الزهريِّ، قال: رُخِّص للجنبِ أن يَمُرُّ في المسجدِ (٦).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني الليثُ، قال: ثنى يزيدُ بنُ أبي حَبيبٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾: أن رجالًا من الأنصارِ كانت أبوابُهم في المسجدِ فكانت (٧) تُصِيبُهم جَنابةٌ، ولا ماءَ عندَهم، فيُريدون الماءَ ولا يَجِدون مَمرًّا إلا في المسجدِ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ (٨).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصرٍ، قال: أَخْبَرنا ابن المُباركِ، عن شعبةَ (١)، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
قال: لا يَجْتازُ في المسجدِ إلَّا ألا يَجِدَ طريقًا غيرَه.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن ابن مُجاهدٍ، عن أبيه، قال: لا يَمُرُّ الجنُب في المسجدِ يَتَّخِذُه طريقًا.
وأولى القولين بتأويلِ ذلك، تأويلُ من تأوَّله: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾.
إلا مُجْتازِى (٢) طريقٍ فيه.
وذلك أنه قد بيَّن حكمَ المسافرِ إذا عَدِم الماءَ وهو جُنبٌ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
فكان معلومًا بذلك أن (٣) قولَه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
لو كان مَعْنِيًّا به المسافرُ، لم يَكُن لإعادةِ ذكرِه في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
معنًى مفهومٌ، وقد مضَى ذكرُ حُكْمِه قبلَ ذلك.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: يا أيُّها الذين آمنوا لا تَقْرَبُوا المساجدَ للصلاةِ مُصَلِّين فيها، وأنتم سكارَى حتى تَعْلَموا ما تَقولون، ولا تَقْرَبوها أيضًا جُنبًا حتى تَغْتَسِلوا، إلا عابرى سبيلٍ.
والعابرُ السبيلَ المُجْتازُه (٤) مَرًّا وقَطْعًا، يقالُ منه: عبَرْتُ الطريقَ، فأنا أَعْبُرُه عَبْرًا وعُبورًا.
ومنه قيل: عبرَ فلانٌ النهرَ.
إذا قطَعه وجازه، ومنه قيل للناقةِ القويةِ على الأسْفارِ (١): هي عُبْرُ أسفارٍ، [وعِبْرُ أسفارٍ] (٢).
لقوتِها على قَطْعِ (٣) الأسْفارِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ مِن جُرحٍ أو جُدَرِيٍّ، وأنتم جنبٌ.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ (٤)، قال: ثنا أبو المُنَبِّهِ (٥) الفضلُ بنُ سُلَيْمٍ، عن الضحاكِ، عن ابن مسعودٍ قولَه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
قال: المريضُ الذي قد أُرْخِص له في التَّيَمُّمِ هو الكسيرُ والجَريحُ، فإذا أصابَت الجَنابةُ الكَسيرَ اغْتَسَل [ولم يَحُلَّ جَبائرَه] (٦)، والجَريحُ لا يَحُلُّ جراحتَه إلا جِراحةً لا يَخْشَى عليها (٧).
حدَّثنا تَميمُ (٨) بن المُنْتَصِرِ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ يُوسُفَ، عن شَريكٍ، عن إسماعيلَ السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
قال: هي للمريضِ الذي به الجِراحةُ التي يَخافُ منها أن يَغْتَسِلُ (٩)، فرُخِّص له في التَّيمُّمِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
والمرضُ: هو الجِراحُ، والجِراحةُ التي يُتَخَوَّفُ [عليه من] (١) الماءِ، إن أصابه ضَرَّ صاحبَه، فذلك يَتَيَمَّمُ صَعِيدًا طَيِّبًا (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أَبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن عزرةَ (٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
قال: إذا كان به جُروحٌ أو قُروحٌ يَتَيَمَّمُ (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
قال: مِن القُروحِ تكونُ في الذِّراعَيْن (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
قال: القروحُ في الذِّراعَيْن (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا هارونُ، عن عمرٍو، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: صاحبُ الجِراحةِ التي يُتَخَوَّفُ عليه (٦) يَتَيَمَّمُ.
ثم قرَأ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ (٧).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
والمرضُ أن يُصِيبَ الرجلَ [الجَرْحُ والقُروحُ والجُدَرِيُّ] (١)، فيخافَ على نفسِه من بردِ الماءِ وأذاه، يَتَيَمَّمُ بالصَّعِيدِ، كما يَتَيَمَّمُ المسافرُ الذي لا يَجِدُ الماءَ (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبي، عن قَتادةَ، عن عاصمٍ - يعنى الأحْوَلَ - عن الشعبيِّ، أنه سُئِل عن (٣) المَجْدورِ تُصيبُه الجَنابةُ؟
قال: ذهَب فُرْسانُ هذه الآيةِ (٤).
[حدَّثني ابن المثنى، قال: حدَّثني عمرُو بن أبي سَلمةَ، عن سعيدٍ بن (٥) عبدِ العزيزِ أن عطاءً الخُراسانِيِّ، قال في الرجلِ تكونُ به الجائفةُ والمَأْمومَةُ (٦) والجُدَرِيُّ، أنهم يَتيمَّمون، ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
فذَكرتُ ذلك للزهريِّ فلم يَعرفْه] (٧) (٨).
وقال آخَرون في ذلك بما حدَّثني به يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ … ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾.
قال: المريضُ الذي لا يَجِدُ أحدًا يَأْتِيه بالماءِ، ولا يَقْدِرُ عليه، وليس له خادِمٌ ولا عَوْنٌ، فإذا لم يَسْتَطِعْ أن يَتَنَاوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتِيه به، ولا يَحْبو إليه - تيَمَّم وصلَّى إذا حانَتْه (١) الصلاةُ.
قال: هذا كلُّه قولُ أَبِي، إذا كان لا يَسْتَطيعُ أن يَتَناوَلَ الماءَ، وليس عندَه مَن يَأْتيه به، فلا يَتْرُكِ الصلاةَ، [وهو أعْذَرُ] (٢) مِن المسافرِ (٣).
فتأويلُ الآيةِ إذن: وإن كنتم جَرْحَى أو بكم قُروحٌ أو كَسْرٌ أو عِلَّةٌ، لا تَقْدِرون معها على الاغتِسالِ من الجَنابةِ، وأنتم مُقيمون غيرُ مسافرين، فتيمَّموا صَعيدًا طيبًا.
وأما قولُه: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾.
فإنه يعنى: أو إن كنتم مُسافرين، وأنتم أَصِحَّاءُ جُنُبٌ، فتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيِّبًا (٤).
وكذلك تأويلُ قولِه: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ يقولُ: وإن (٥) جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ، قد قضَى حاجتَه، وهو مسافرٌ صحيحٌ، فلْيَتَيَمَّمْ صَعيدًا طيبًا أيضًا (٦).
والغائطُ: ما اتَّسَع مِن الأوْدِيةِ وتصَوَّب، وجُعِل كِنايةَ عن قَضاءِ حاجةِ الإنسانِ؛ لأن العربَ كانت تَخْتارُ قَضاءَ حاجتِها في الغِيطانِ، فكثُر ذلك منها، حتى غلَب ذلك عليهم، فقيل لكلِّ من قضَى حاجتَه، التي كانت تُقْضَى في الغِيطان حيث قضاها مِن الأرضِ: مُتَغَوِّطٌ.
و (٦) جاء فلانٌ مِن الغائطٍ.
يعني: قضَى حاجتَه التي كانت تُقْضَى في الغيطانِ (١) مِن الأرضِ.
وذُكِرَ عن مُجاهِدٍ أنه قال في الغائطِ: الوادى.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
قال: إن (٢) الغائطَ الوادي (٣).
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه ذلك: أو باشَرْتُم النساءَ بأبدانِكم (٤).
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في اللَّمْسِ الذي عناه اللهُ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى بذلك الجِماعَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: ذكَروا اللَّمْسَ، فقال ناسٌ من المَوالى: ليس بالجماعِ.
وقال ناسٌ مِن العربِ: اللَّمْسُ الجماعُ.
قال: فأَتَيْتُ ابنَ عباسٍ، فقلتُ: إنّ ناسًا مِن الموالى والعربِ اخْتَلَفوا في اللمسِ، فقالت الموالي: ليس الجماعَ.
وقالت العربُ: الجماعُ.
قال: مِن أيِّ الفريقَيْن كنتَ؟
قلتُ: [كنتُ من] (٥) الموالي.
قال: غُلِب فريقُ المَوالى؛ إن المسَّ و (١) اللَّمسَ والمُباشَرةَ الجِماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ما شاء بما شاء (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشرٍ (٣)، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث عن ابن عباسٍ، أنه قال: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قال: هو الجماعُ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا وهبُ بنُ جَريرٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اختَلفتُ أنا وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فقال عبيدُ بنُ عميرٍ: هو الجماعٌ.
وقلتُ أنا وعطاءٌ: هو اللَّمْسُ.
قال: فدخَلْنا على ابن عباسٍ، فسأَلْناه، فقال: غُلِب فريقُ المَوالى وأصابَت العربُ، هو الجِماعُ، ولكنَّ الله يَعِفُّ ويَكْنِى (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عِكرمةَ وسعيدِ بن جبيرٍ وعطاءِ بن أبي رَباحٍ وعُبيدِ بن عُميرٍ، اخْتَلَفوا فِي المُلامَسةِ، فقال سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ.
وقال عُبيدٌ: هو النِّكاحُ.
فخرَج عليهم ابن عباس، فسأَلوه، فقال: أخطَأ المَوْلَيَان، وأصاب العربيُّ، الملامسةُ النكاحُ، ولكنَّ الله يَكْنِى ويَعِفُّ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: اجْتَمَع سعيدُ بنُ جبيرٍ وعطاءٌ وعبيدُ بنُ عميرٍ، فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، قال: قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ وعطاءٌ في اللِّماسِ (١): الغَمْرُ باليد.
وقال عُبيدُ بنُ عُميرٍ: الجِماعُ.
فخرَج عليهم ابن عباسٍ فقال: أخْطَأ المَوْلَيانِ، وأصاب العربيُّ، ولكنَّه يَعِفُّ ويَكْنِى.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: [حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحذاءُ، عن عكرمة، قال] (٢): قال ابن عباسٍ: اللمسُ الجماعُ (٣).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ وعبدُ الوَهَّابِ، عن خالدٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: ثنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ والمَسُّ والمُباشَرَةُ: الجماعُ، ولكنَّ الله يَكْنِى بما شاء (٤).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانٍ، قال: ثنا إسحاقُ الأزْرقُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ الأحْولِ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن (١) ابن عباسٍ، قال: المُلامَسةُ الجِماعُ، ولكنَّ الله كَريمٌ يَكْنِي عما شاء (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَمِ، قال: ثنا أيوبُ بنُ سُوَيْدٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داودَ، عن جعفرِ بن أبى وَحْشِيَّةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اخْتَلَفت العربُ والمَوالِي في المُلامَسةِ على بابِ ابن عباسٍ، فقالت العربُ: الجماعُ.
وقالت المَوالِي: باليدِ.
قال: فخرج ابن عباسٍ، فقال: غُلِب فريق الموالى، الملامسةُ: الجِماعُ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ قال: كنا على بابِ ابن عباسٍ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا داودُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قعَد قومٌ على بابِ ابن عباسٍ.
فذكَر نحوَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
والملامَسةُ هو النكاحُ (٤).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن الأعمشِ، عن عبدِ الملكِ بن مَيْسَرةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: اجْتَمَعَت المَوالى والعربُ في المسجدِ وابنُ عباسٍ في الصُّفَّةِ، فاجْتَمَعَت الموالى على [أن اللمسَ ما] (١) دونَ الجماعِ، واجْتَمَعَت العربُ على أنه الجِماعٌ، فقال ابن عباسٍ: من أيِّ الفريقَيْن أنت؟
قلتُ: مِن الموالى.
قال: غُلِبَت الموالي (٢).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: اللمسُ الجماعُ (٣).
وبه عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن بكرٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٤).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هو الجماعُ (٥).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصيفٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٦).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن داودَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قال: الجِماعُ (٧).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ ﵁، قال: الجِماعُ (١).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: الجماعُ (٢).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا مالكٌ [عن زُهَيرٍ] (٣)، عن خُصيفٍ، قال: سأَلْتُ مجاهدًا، فقال ذلك (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ والحسنِ، قالا: غِشْيانُ النساءِ (٥).
وقال آخَرون: عنَى اللهُ بذلك كلَّ لمسٍ، بيدٍ كان أو بغيرِها مِن أعْضاءِ جسدِ الإنسانِ، وأَوْجَبوا الوضوءَ على (٦) مَن مسَّ بشَيْءٍ (٧) من جسدِه شيئًا مِن جسدِها مُفْضِيًا إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مُخارِقٍ، عن طارقِ بن شِهابٍ، عن عبدِ الله، أنه قال شيئًا هذا معناه: الملامسةُ ما دونَ الجِماعِ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن هِلالٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، أو عن أبي عُبيدةَ - منصورٌ الذي شكَّ - قال: القُبلةُ مِن اللَّمس (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن مُخارِقٍ، عن طارقٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن شعبةَ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: قال ابن مسعودٍ: اللمسُ ما دونَ الجماعِ (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ مِن اللَّمْسِ (٤).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن فُضَيْل، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: القُبْلَةُ من اللَّمْسِ، وفيها الوضوءُ (١).
حدَّثنا تَميمُ بنُ المُنْتَصرِ، قال: أَخْبَرَنا إسحاقُ، عن شَريكٍ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ عَبْدةَ الضَّبِّيُّ، قال: أخْبرَنا سُلَيمُ بنُ أَخْضَرَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
قال: فأشار بيدِه هكذا.
وحكاه سُلَيْمٌ، وأراناه أبو عبدِ اللهِ (٢)، فضمَّ أصابِعَه (٣).
حدَّثني يعقوبُ وابنُ وَكيعٍ قالا: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن سَلَمَةَ بن عَلْقَمَةَ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ، عن قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فقال بيدِه، فظننتُ ما عنَى، فلم أَسْأَلْه (٤).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن ابن عَوْنٍ، قال: ذكَروا عندَ محمدٍ مَسَّ الفرجِ، وأَظُنُّهم ذكَروا ما قال ابن عمرَ في ذلك، فقال محمدٌ: قلتُ لعَبيدةَ: قولَه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فقال بيدِه.
فقال ابن عونٍ بيدِه، كأنه يتناوَل شيئًا يَقْبِضُ عليه (٥).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرَنا خالدٌ، عن محمدٍ، قال: قال عَبيدةُ: اللمسُ باليدِ (١).
[حدَّثني يعقوبُ] (٢)، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن هشامٍ، عن محمدٍ، قال: سأَلْتُ عَبيدةَ عن هذه الآيةِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فقال بيدِه، وضمَّ أصابعَه، حتى عرَفْتُ الذي أراد.
حدَّثني يونُسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَنى عبدُ (٣) اللهِ بنُ عمرَ، عن نافعٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلِةِ المرأةِ، ويَرَى فيها الوضوءَ، ويقولُ: هي مِن اللِّماسِ (٤).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بَيانِ، قال: أَخْبَرَنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا مُحِلُّ بنُ مُحْرِزٍ، عن إبراهيمَ، قال: اللمسُ مِن شهوةٍ يَنْقُضُ الوضوءَ (٦).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن الحكمِ وحمادٍ، أنهما قالا: اللمسُ ما دونَ الجِماعِ (٧).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عطاءٍ قال: المُلامَسةُ ما دونَ الجِماعِ (١).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن أشعثَ، عن الشعبيِّ، عن أصحابِ عبدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ، قال (٢): ما دونَ الجماعِ (٣).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن بَيانٍ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: الملامسةُ ما دونَ الجماعِ (٤).
[حدَّثنا ابن وكيعٍ] (٥) قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٦).
[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه] (٥).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللهِ مثلَه (٦).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، عن سعيدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللهِ: المُلامَسةُ ما دونَ الجماعِ.
ثم قرَأ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
[حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا ابن بشرٍ، عن زكريا، قال عامرٌ: المُلامسةُ ما دونَ الجماعِ] (١) (٢).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن هشامٍ، عن ابن سِيرينَ، قال: سأَلْتُ عَبيدَة عن: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فقال بيدِه هكذا، فعرَفْتُ ما يَعْنى (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه وحسنِ بن صالحٍ، عن منصورٍ، عن هلال بن يسافٍ، عن أبي عُبيدةَ، قال: القبلةُ مِن اللمسِ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن زُهَيْرٍ، عن خُصَيفٍ، عن أبي عُبيدةَ: القُبلةُ والشيءُ (٥).
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولَيْن في ذلك بالصوابِ قولُ من قال: عنَى اللهُ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: الجماعَ دونَ غيرِه من معاني اللمسِ؛ لصحةِ الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قبل بعضَ نسائِه، ثم صلَّى ولم يَتَوَضَّأُ.
حدَّثني بذلك إسماعيلُ بن موسى السُّديُّ، قال: أَخْبَرَنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، عن الأعمشِ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، قالت: كان النبيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ، ثم يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (٥).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن الأعمشِ، عن حَبيبٍ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أن النبيَّ ﷺ قبل بعضَ نسائِه، ثم خرَج إلى الصلاةِ ولم يَتَوَضَّأُ.
قلتُ: مَن هي إلا أنتِ.
فضحِكَت (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن زَيْنبَ السَّهْميةِ، عن النبيِّ ﷺ أنه كان يُقَبِّلُ، ثم يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ (٢).
حدَّثنا أبو زيدٍ عمرُ بنُ شَبَّةَ، قال: ثنا شِهابُ (٣) بنُ عبادٍ، قال: ثنا مِنْدَلٌ، عن ليثٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، وعن أبي رَوْقٍ، عن إبراهيمَ التَّيْميِّ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَنالُ منى القُبْلَة بعدَ الوُضوءِ، ثم لا يُعيدُ الوُضوءَ (٤).
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى الأُمَويُّ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا يزيدُ بنُ سِنانٍ، عن عبدِ الرحمنِ الأوْزاعيِّ، عن يحيى بن أبى كَثيرٍ، عن أبي سَلَمَةَ، عن أُمِّ سَلَمَةَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صائمٌ، ثم لا يُفْطِرُ، ولا يُحْدِثُ وُضوءًا (٥).
ففى صحةِ الخبرِ فيما ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ الدَّلالةُ الواضحةُ على أن اللَّمْسَ في هذا الموضعِ لَمْسُ الجِماعِ، لا جَميعُ معاني اللَّمْسِ، كما قال الشاعرُ (٦): وهُنَّ يَمْشين بنا هَمِيسَا إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَميسَا يعنى بذلك: نَنِكْ لِماسًا (١).
وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أصابَتْهم جَنابةٌ وهم جراحٌ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بن نصر، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عن محمدِ بن جابرٍ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، في المريضِ لا يَسْتَطيعُ الغُسْلَ مِن الجَنابةِ أو الحائضِ، قال: يُجْزِئُهم التَّيممُ.
[وقال: أصابَ] (٣) أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ جِراحةٌ، ففشَتْ فيهم، ثم ابْتُلُوا بالجَنابةِ، فشكَوْا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلَت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية كلّها (٤).
وقال آخَرون: بل نزَلَت في قومٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ أَعْوَزَهم الماءُ، فلم يَجِدُوه في سَفرٍ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعْلَى، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللهِ بنَ عمرَ، عن عبدِ الرحمنِ بن القاسمِ، عن عائشةَ، أنها قالت: كنتُ في مَسيرٍ مع رسولِ اللهِ ﷺ، حتى إذا كنا بذاتِ الجَيْشِ (٥)، ضَلَّ عِقْدى، فَأَخْبَرْتُ بذلك النبيَّ ﷺ، فأمَر بالْتماسِه، فالْتُمِس فلم يُوجَدْ، فأناخ النبيُّ ﷺ، وأناخ الناسُ، فباتوا ليلتَهم تلك، فقال الناسُ: حبَسَت عائشةُ النبيَّ ﷺ.
قالت: فجاء إليَّ أبو بكرٍ، ورأسُ النبيِّ ﷺ في حِجْرِى وهو نائمٌ، فجعَل يَهْمِرُني ويَقْرُصُنى ويَقولُ: مِن: أجلِ عِقْدِك حبَسْتِ [النبيَّ ﷺ] (١)!
قالت: فلا أَتَحَرَّكُ مَخافةَ أن يَسْتَيْقِظَ النبيُّ ﷺ، وقد أَوْجَعَنى فلا أَدْرِى كيف أَصْنَعُ، فلمَّا رآني لا أُحيرُ (٢) إليه انْطَلَق؛ فلمَّا اسْتَيْقَظَ النبيُّ ﷺ وأراد الصلاةُ فلم يَجِدْ ماءً، قالت: فأَنْزَلَ اللهُ تعالى آيةَ التَّيممِ.
قالت: فقال ابن حُضَيْرٍ: ما هذا بأوَّلِ بَرَكتِكم يا آل أبي بكرٍ (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، عن ابن أبي مُلَيْكةَ، أن النبيَّ ﷺ كان في سفرٍ، ففقدت عائشةُ قِلادةً لها، فأمَر الناسَ بالنُّزولِ، فنزَلوا وليس معهم ماءٌ، فأَتى أبو بكرٍ على عائشةَ، فقال لها: شَقَقْتِ على الناسِ.
وقال أيوبُ بيدِه، يَصِفُ أنه قرَصَها، قال: ونزَلَت آيةُ التَّيمُّمِ، ووُجِدَت القِلادةُ في مُناخِ البَعيرِ، فقال الناسُ: ما رأَيْنا قطُّ امرأةً أعْظَمَ بَركةً منها (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الهِلاليُّ، قال: ثني عِمْرانُ بنُ محمدٍ الحَدَّادُ، قال: ثنى الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا مِن بَلَعْرَجِ (٥)، يقال له: الأسْلَعُ.
قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ، وأَرْحَلُ له، فقال لى ذاتَ ليلةٍ: "يا أَسْلَعُ، قُمْ فارْحَلْ لى".
قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أصابَتْنَى جَنابةٌ.
فسكَتَ ساعةً، ثم دعاني، وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، ووصَف لنا ضرْبَتَيْن (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ خالدٍ، قال: حدثنا الربيعُ بنُ بدرٍ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن رجلٍ منا، يقالُ له: الأَسْلَعُ.
قال: كنتُ أَخْدِمُ النبيَّ ﷺ.
فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: فسكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ شيئًا - أو قال: ساعةً.
الشكُّ مِن عمرٍو - قال: وأتاه جبريلُ ﵇ بآيةِ الصَّعيدِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قُمْ يا أَسْلَعُ فَتَيَمَّمُ".
قال: فتَيَمَّمْتُ، ثم رَحَلْتُ له، قال: فسِرْنا حتى مرَرْنا بماءٍ، فقال: "يا أَسْلَعُ، مَسَّ - أو: أمِسَّ - هذا جِلْدَك".
قال: وأَرانى التَّيَمُّمَ، كما أراه أبوه؛ ضَرْبةً للوجهِ، وضَرْبةً لليدين و (٢) المِرْفقَيْن (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ بُغيلٍ (٤)، قال: ثنا زُهَيْرُ بنُ مُعاويةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ عُبِيدِ اللهِ بن أبي مُلَيْكَةَ، أنه حدَّثه ذَكْوانُ أبو عمرٍو حاجبُ عائشةَ، أن ابنَ عباسٍ دخَل عليها في مرضِها، فقال: أَبْشِرِى، كنتِ أَحَبَّ نساءِ رسول اللهِ ﷺ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ولم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ إلا طَيِّبًا، وسقَطَت قِلادَتُك ليلةَ الأَبْوَاءِ (٥)، فَأَصْبَح رسولُ اللهِ ﷺ يَلْتَقِطُها، حتى أصْبَح في المَنْزِلِ، فأصْبَح الناسُ ليس معهم ماءٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، فكان ذلك من سببِك، وما أذِن اللهُ لهذه الأُمَّةِ مِن الرُّخْصَةِ (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن نُمَيْرٍ، عن هشامٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، أنها اسْتعَارَت مِن أسماءَ قِلادةً، فهَلَكَت، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ رِجالًا في طلبِها، فوجَدوها، وأدْرَكَتهم الصلاةُ وليس معهم ماءٌ، فصلَّوْا بغيرِ وُضوءٍ.
فشكَوْا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ آيةَ التَّيممِ، فقال أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ لعائشةَ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فواللهِ ما نزَل بكِ أمرٌ تَكْرَهينه إلا جعَل اللهُ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عمرُو بنُ الحارثِ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ القاسمِ، حدَّثه عن أبيه، عن عائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ، أنها قالت: سقَطَت قِلادةٌ لى بالبَيْداءِ، ونحن داخِلون إلى المدينةِ، فأناخ رسولُ اللهِ ﷺ ونزَل، فبينا رسولُ اللهِ ﷺ في حِجْرى راقدٌ، أقْبَل أبي، فلكَزَنى لكْزةً (٣)، ثم قال: حبِسْتِ الناسَ [في قِلادةٍ!
فقالت عائشةُ: فَبِيَ الموتُ؛ لِمكان رسول اللهِ ﷺ منى وقد أوجعَنى] (٤)، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ اسْتَيْقَظ وحضَرَت الصبحُ، فالتُمِس ماءٌ (٥)، فلم يُوجَدْ، ونزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيةَ [المائدة: ٦].
قال: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ: لقد بارَك اللهُ للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إلا بركةٌ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ شَبِيبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عثمانَ بن خُثَيْمٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبى مُلَيْكَةَ، قال: دخلَ ابن عباسٍ على عائشةَ، فقال: كنتِ أعْظمَ المسلمين بركةً على المسلمين، سقَطَت قِلادتُكَ بالأَبْواءِ، فَأَنْزَل اللهُ فيك آيةَ التيممِ (٢).
[حدَّثني سعيدُ بنُ الربيعِ الرازيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن هشامِ بن (٣) عُروة، عن أبيه، قال: سقَطت قِلادةٌ لها ليلةَ بالأبْواءِ، فأرسَل رسولُ اللهِ ﷺ من رجلَين، فأدركَتْهما الصلاةُ، ولم يكنْ معهما ماءٌ، فلم يَدْرِيا كيف يَصنعان، فأنزَل اللهُ التيممَ، فقال لها أُسيدُ بنُ حُضَيرٍ: جزاكِ اللهُ خيرًا، فما نزَل بك أمرٌ تَكرهينه إلا جعَل اللَّهُ لكِ منه مَخرجا، وجعَل للمسلمين فيه خيرًا (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا ابن أبى عديٍّ، قال: حدَّثنا أبو عامرٍ، عن ابن أبي مُلَيكةَ، عن عائشةَ، قالت: كنا في مَسيرٍ ففقدتُ قِلادتي فالتمستُها، فجاء أبو بكرٍ، فقال: حبَستِ الناسَ وقد حضَرت الصلاةُ وليس ماءٌ!
فقلتُ: أبي، فقدتُ قِلادَتى، فقال: قبَّحَها اللهُ مِن قِلادَةٍ.
فأناخَ، وأناخ الناسُ، ونزَلت آيةُ التُّيمُّمِ، فتيمَّم الناسُ وصَلُّوا الغَداةَ.
قال ابن أبى مُلَيكَةَ: إنها كانت مباركةً] (٥) (٦).
واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرَأةِ أهلِ المدينةِ وبعضُ البصريين والكوفيين ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، بمعنى: أو لَمَسْتُم نساءَكم ولمَسْنَكم.
وقرَأ ذلك عامةُ قرِأة الكوفيين: (أوْ لَمَسْتُمُ النِّساء) بمعنى: أو لَمَسْتُم أنتم أيُّها الرجالُ نساءَكم (١).
وهما قراءتان مُتَقارِبتا المعنى؛ لأنه لا يَكونُ الرجلُ لامِسًا امرأتَه إلا وهى لامِستُه، فاللَّمْسُ في ذلك يَدلُّ على معنى اللِّماس، واللِّماسُ على معنى اللمسِ مِن كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، فبأيِّ القراءتين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ؛ لاتفاقِ معنَيَيهْما.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعني بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾: أو لمَسْتُم النساءَ، فطلَبْتُم الماءَ لتَتَطَهَّرُوا به، فلم تَجِدوه بثمنٍ ولا غيرِ ثمنٍ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
يقولُ: فتعَمَّدوا.
وهو "تفَعَّلوا" مِن قوِل القائلِ: تيَمَّمْتُ كذا - إِذا قصَدْتَه وتَعَمَّدْتَه - فأنا أَتَيَمَّمُه.
وقد يقال منه: يمَّمَه فلانٌ فهو يُتَمِّمُه، وأمَّمْتُه (٢) أنا وأمَمْتُه خفيفةً، وتَيَمَّمْتُ وتأمَّمْتُ، ولم يُسمَع فيها يَمَمْتُ خَفيفةً، ومنه قولُ أغْشَى بني ثعلبةَ (٣): تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكم دونَه … من الأرضِ من مَهْمَةٍ ذى شَزَنْ يعني بقوله: تيمَّمت: تعَمَّدْتُ وقصَدْتُ.
وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (فأُمُّوا صَعِيدًا) (٤).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المبارك، قال: سمِعْتُ سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال: تَحَرَّوْا؛ تعَمَّدوا (١) صَعيدًا طيِّبًا (٢).
وأما الصَّعيدُ، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا فيه؛ فقال بعضُهم: هو الأرضُ الملساءُ التي لا نَباتَ فيها ولا غَرَاسَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال: [الصعيدُ الأرضُ] (٣) التي ليس فيها شجرٌ ولا نباتٌ (٤).
وقال آخرون: بل هو الأرضُ المستويةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الصعيدُ المُسْتَوِى.
وقال آخَرون: بل الصعيدُ الترابُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلَائيُّ، قال: الصعيدُ الترابُ (١).
وقال آخَرون: الصعيدُ وجهُ الأرضِ.
وقال آخَرون: بل هو وجهُ الأرضِ ذاتِ الغُبارِ والترابِ.
وأولى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: هو وجهُ الأرضِ الخاليةِ مِن الغُروسِ والنباتِ والبناء، المُسْتَوِيةِ.
ومنه قولُ ذِى الرُّمَّةِ (٢).
كأنَّه بالضُّحَى تَرْمِي الصَّعيد به … دَبَّابةٌ في عِظامِ الرأْسِ خُرْطُومُ (٣) يعنى: تَضْرِبُ به وجهَ الأَرضِ.
وأما قولُه: ﴿طَيِّبًا﴾ فإنه يعنى به: طاهرًا مِن الأقذارِ والنَّجاساتِ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿طَيِّبًا﴾، فقال بعضُهم: حلالًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدانُ (٤)، قال: أخْبرَنا ابن المبارَكِ، قال: سمِعْتُ سفيان يقولُ في قولِه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال (٥): حَلالًا (٦).
وقال بعضُهم بما حدَّثني عبدُ اللهِ، قال: ثنا عبْدانُ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ المباركِ، عن ابن جُرَيجٍ قراءةً، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
قال: أطيبُ (١) ما حولَك.
قلتُ: مكانٌ [جُرُزٌ غيرُ بَطِحٍ] (٢)، أَيُجْزِئُ عنى؟
قال: نعم (٣).
ومعنى الكلامِ: فإن لم تَجِدوا ماءً أيُّها الناسُ، وكنتُم مرضى أو على سفرٍ أو جاء أحدٌ منكم مِن الغائطِ أو لامستُمُ النساءِ، فأرَدْتُم أن تُصَلُّوا ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾.
يقولُ: فتعَمَّدوا وجهَ الأرضِ الطاهرَ، و ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فامْسَحوا منه بوجوهِكم وأيديكم.
ولكنه تركَ ذكْرَ "منه" اكْتِفاء بدَلالةِ الكلامِ عليه والمسحُ منه بالوجهِ أن يَضْرِبَ المُتَيمِّمُ بيديه على وجهِ الأرضِ الطاهرِ، أو ما قام مَقامَه، فيَمْسَحَ بما علقِ مِن الغبارِ وجهَه، فإن كان الذي علقِ به مِن الغُبارِ كثيرًا، فنفَخ عن يديه أو نفَضَهما فجائزٌ، وإن لم يَعْلَقُ بيديه مِن الغُبارِ شيءٌ وقد ضرَب بيديه أو إحداهما الصعيدَ، ثم مسَح بهما أو بها وجهَه، أجْزَأه ذلك؛ لإجماعِ جميعِ الحُجَّةِ على أن المتيمِّمَ لو ضرَب بيديه الصعيدَ، وهو أرضُ رَمْلٍ فلم يَعْلَقْ بيديه منها شيءٌ فتيَمَّم به، أن ذلك مُجْزِئُه، لم يُخالف ذلك مَن يَجوزُ أَن يُعْتَدُّ خِلافًا (١)، فلمَّا كان ذلك إجماعًا منهم كان معلومًا أن الذي يُراد به مِن ضَرْبِ الصَّعيدِ باليدين مباشرةُ الصَّعيدِ بهما بالمعنى الذي أمَر اللهُ بمباشرتِه بهما، لا لأخذ تُرابٍ منه.
وأمَّا المسحُ باليدين، فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في الحدِّ الذي أمرَ اللهُ بمسِحه مِن اليدين.
فقال بعضُهم: حدُّ ذلك الكفَّانِ إلى الزَّنْدَين، وليس على المُتَيمِّمُ مسحُ ما وراءَ ذلك مِن الساعدَيْن.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني أبو السائبِ سَلْمُ بن جُنادةُ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: تيَمَّم عمَّارٌ، فضرَب بيديه الترابَ ضربةً واحدةً، ثم مسَح يديه (٢) واحدةً على الأخرى، ثم مسَح وجهَه، ثم ضرَب بيديه أُخرى، فجعَل يَلْوِى يدَه على الأخرى، ولم يَمْسَحِ الذِّراعَ (٣).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن ابن أبي خالدٍ، قال: رأَيْتُ الشَّعْبيَّ وصَف لنا التيممَ، فضرَب بيديه إلى الأرضِ ضربةً، ثم نفَضَهما، ومسَح وجهَه، ثم ضرَب أخرى، فجعَل يَلْوِى كفَّيه إحداهما على الأخرى، ولم يَذْكُرْ أنه مسَح الذِّراعَ (٤).
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا أبو الأحْوَصِ، عن حُصَيْنٍ، عن أبي مالكٍ، قال: وضَع عمار بن ياسر كفيه في التراب، ثم رفعهما، فنفَخَهما، فمسَح وجهَه وكفَّيْه، ثم قال: هكذا التيممُ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُميْلَةَ، قال: ثنا سَلَّامٌ مولى حفصٍ، قال: سمِعْتُ عكرمةَ يقولُ: التيممُ ضربتان؛ ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفَّيْن.
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن الأوزاعيِّ، و (٢) سعيدٍ وابنِ جابرٍ، أن مَكْحولًا كان يقولُ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفين إلى الكوع.
ويَتَأَوَّلُ مَكْحولٌ القرآنُ في ذلك: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقوله في التيمم ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦]، ولم يَسْتَثْنِ فيه كما اسْتَثْنَى في الوضوء إلى المرافق، قال مَكْحولٌ: قال اللهُ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
فإنما تُقْطَعُ يد السارق مِن مَفْصِلِ الكُوعِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا بشرُ بنُ بكرٍ التِّنِّيسيُّ، عن ابن جابرٍ، أنه رأَى مَكْحولًا يَتَيَمَّمُ؛ يَضْرِبُ (٤) بيديه على الصَّعيدَ، ثم يَمْسَحُ بهما وجهه وكفيه بواحدةٍ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ أنه قال: التيمُّمُ ضربةٌ للوجهِ والكفَّيْن (٢).
وعلةُ مِن قال هذه المقالةَ مِن الأثَرِ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عَبْدةُ ومحمدُ بنُ بشرٍ، عن ابن أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، عن أبيه، عن عمارِ بن ياسرٍ، أنه سأَل رسولَ اللهِ ﷺ عن التيممِ، فقال: "مَرَّةً بالكفين و (٣) الوجهِ" (٤).
وفي حديثِ ابن (٥) بشرٍ: أن عمارًا سأَل النبيَّ ﷺ عن التيممِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبيدُ (٦) بنُ سعيدٍ القُرشيُّ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن ابن أبْزَى، قال: جاء رجلٌ إلى عمرَ، فقال: إنى أجْنَبْتُ، فلم أَجِدِ الماء (٧)، فقال له عمارٌ: أَمَا تَذْكُرُ أنَّا كنا (٨) في مسيرٍ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فأَجْنَبْتُ أنا وأنت، فأمَّا أنت فلم تُصَلِّ، وأمَّا أنا فتمَعَّكْتُ (٩) في الترابِ وصلَّيْتُ، فأُتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ، فذكَرْتُ ذلك له، فقال: "إنما كان يَكْفِيك".
وضرَب بكفِّيه الأرضَ، ونفَخ فيهما، ومسَح وجهَه وكفيه مرةً واحدةً (١)؟
وقالوا: أمَر اللهُ في التَّيمُّمِ بمسِح الوجهِ واليدينِ، فما مسِح مِن وجهِه ويديه في التيمُّمِ أجْزَاه، إلا أن يمْنَعَ مِن ذلك ما يَجِبُ التَّسليمُ له مِن أصلٍ أو قياسٍ.
وقال آخَرون: حدُّ المسحِ الذي أمَر اللهُ به في التيممِ أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ واليدين إلى المرفقين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عمرانُ بن موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا أيوبُ، عن نافعٍ، أن ابنَ عمرَ تَيَمَّم بِمِرْبَدِ النَّعَمِ (٢)، فضربَ ضربةٌ فمسَح وجهَه، وضرَب ضربةً [فمسَح يديه] (٣) إلى المرفقين (٤).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سَمِعْتُ عُبيدَ اللَّهِ، عن نافعٍ، عن عبدِ اللهِ، أنه قال: التيممُ مَسْحتانِ، يَضْرِبُ الرجلُ بيديه الأرضَ، يَمْسَحُ بهما وجهَه، ثم يَضْرِبُ بهما مرةً أخرى، فيَمْسَحُ يديه إلى المرفقين (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى، عن (٦) عُبيدِ اللهِ، قال: أخْبرَنى نافعٍ، عن ابن عمرَ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفين إلى المرفقين (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا ابن إدريسَ، عن عُبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ قال: كان يقولُ في المسِح في التيممِ إلى المرفقين (٢).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا ابن عونٍ، قال: سأَلْتُ الحسنَ عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ، فمسَح بهما وجهَه، وضرَب بيديه، فمسَح بهما ذراعيه ظاهرهما وباطنَهما (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهَّابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
وقال في هذه الآيةِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
قال: أمرَ أن يُمسَحَ في التيممِ ما أمَر أن يُغْسَلَ في الوضوءِ، وأبْطَل ما أمَر أن يُمسَحَ في الوضوءِ؛ الرأسُ والرَّجْلان (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، وحدَّثنا ابن المثنى، قال: ثني محمدُ بنُ أبي عديٍّ جميعًا، عن داودَ، عن الشعْبيِّ في التيممِ، قال: ضربةٌ للوجهِ واليَدينِ (٥) إلى المرفقين (٦).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن الشعْبيِّ، قال: أمَر بالتيممِ فيما أمَر بالغَسْلِ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سأَلْتُ سالمَ بنَ عبدِ الله عن التيممِ، فضربَ بيديه على الأرضِ ضربةً، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرب بيديه على الأرضِ ضربةً أخرى، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين (٢).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: وأخبرنا حَبيبُ بنُ الشَّهيدِ، عن الحسنِ، أنه سُئِل عن التيممِ فقال: ضربةٌ يَمسَحُ بها وجهَه، ثم ضربةٌ أخرى يَمْسَحُ بها يديه إلى المرفقين (٣).
وعلَّةُ مِن قال هذه المَقالةَ أن التيممَ بدلٌ مِن الوضوءِ، فعلى المُتيمِّمِ أن يَبْلُغَ بالترابِ مِن وجهَه ويديه ما كان عليه أن يَبْلُغَه بالماءِ منهما في الوضوءِ.
واعْتَلُّوا مِن الأثَرِ بما (٤) حدَّثني به موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا نُعَيْم بنُ حمادٍ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مُصْعبٍ، عن عبدِ اللهِ بن عَطاءٍ، عن موسى بن عُقبَةَ، عن الأعْرجِ، عن أبي جُهَيْمٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، [فلما فرَغ] (٥) قام إلى حائطٍ، فضربَ بيديه عليه، فمسَح بهما وجهَه، ثم ضرَب بيديه على الحائطِ، فمسَح بهما يديه إلى المرفقين، ثم ردَّ عليَّ السلامَ (٦).
وقال آخَرون: الحدُّ الذي أمَرَ اللَّهُ أَن يُبْلَغَ بالترابِ إليه في التيممِ الآباطُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أَبي سَلَمَةَ التَّنِّيسيُّ، عن الأوْزاعيِّ، عن الزهريِّ، قال: التيممُ إلى الآباطِ (١).
وعلةُ مَن قال ذلك أن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أمَر بمسحِ اليدِ في التيممِ، كما أمَر بمسح الوجهِ، وقد أجْمَعوا أن عليه أن يَمْسَحَ جميعَ الوجهِ، فكذلك عليه أن [يمسحَ] (٢) جميعَ اليدِ، ومِن طرفِ الكفِّ إلى الإبِطِ يدٌ.
واعْتَلُّوا مِن الخبرِ بما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا صَيْفيُّ بنُ رِبْعيٍّ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن أبي اليَقْظانِ، قال: كنا مع رسولِ اللهِ، ﷺ فهلَك عِقْدٌ لعائشةَ، فأقام رسولُ اللهِ ﷺ، حتى أضاء الصبحُ، فتغَيَّظ أبو بكرٍ على عائشةَ، فنزَلَت عليه الرُّخْصةُ؛ المسحُ بالصَّعيد، فدخَل أبو بكرٍ فقال لها: إنك لمُبارَكَةٌ، نزَل فيك رُخصةٌ.
فضرَبْنا بأيدينا ضربةً لوجوهِنا (٣) وضربةً بأيدينا إلى المنَاكبِ والآباطِ (٤).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الحدَّ الذي لا يُجْزِئُ المُتَيممَ أن يُقصِّرَ عنه في مَسْحِه بالترابِ مِن يديه، الكفَّان إلى الزَّنْدَيْن؛ لإجماعِ الجميعِ على أن التَّقْصيرَ عن ذلك غيرُ جائزٍ، ثم هو فيما جاوَز ذلك مُخَيَّرٌ إن شاء بلَغ بمسحِه المرْفَقَيْن، وإن شاء الآباطَ.
والعلةُ التي مِن أجلِها جعَلْناه مُخَيَّرًا فيما جاوَز الكفين أن اللَّهَ لم يَحُدَّ في مسحِ ذلك بالترابِ في التيممِ حدًّا لا يَجُوزُ التَّقْصيرُ عنه، فما مسَح المُتَيمِّمُ مِن يديه أجْزَأَه، إلا ما أُجْمِع عليه، أو قامَت الحُجَّةُ بأنه لا يُجْزِئُه التَّقْصيرُ عنه (١)، وقد أجْمَع الجميعُ على أن التَّقْصيرَ عن الكفَّيْن غيرُ مُجْزِئ، فخرَج ذلك بالسُّنَّةِ، وما عدا ذلك فمُخْتَلَفٌ فيه، وإذ كان مختلفًا فيه، وكان الماسحُ بكفيه داخلًا في عمومِ الآيةِ كان خارجًا مما لزِمه مِن فرضِ ذلك.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الجُنُبِ، هل هو ممَّن دخَل في رُخصةِ التيممِ إذا لم يَجِد الماء أم لا؟
فقال جماعةُ (٢) أهلِ التأويلِ مِن الصحابِة والتابعين ومن بعدَهم مِن الخالِفين: حُكْمُ الجنبِ فيما لزِمه مِن التيممِ إذا لم يَجِدِ الماءِ حُكْمُ مَن جَاء مِن الغائطِ وسائرِ مَن أحْدَث ممَّن جُعِل التيممُ له طُهورًا لصلاتِه.
وقد ذكَرْتُ قولَ بعضِ مَن تأوَّل قولَ اللَّهِ: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو جامعْتُموهن، وتركنا ذكرَ الباقين؛ لكثرةِ مِن قال ذلك.
واعتلَّ قائلو هذه المَقالةِ بأن للجنبِ التَّيَمُّمَ إذا لم يَجِدِ الماءَ في سفرِه بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك؛ نقْلًا عن نبيِّها ﷺ، الذي يَقْطَعُ العُذْرَ، ويُزِيلُ الشَّكَّ.
وقال جماعةٌ مِن المُتَقَدِّمين: لا يُجْزِئُ الجنبَ غيرُ الاغْتِسالِ بالماءِ، وليس له أن يُصَلِّي بالتَّيممِ، والتَّيممُ لا يُطَهِّرُه.
قالوا: وإنما جُعِل التيممُ رُخصةً لغيرِ الجنبِ، وتأَوَّلوا قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.
قالوا: وقد نهَى اللهُ الجنبَ أن يَقْرَبَ مُصَلَّى المسلمين إلا مُجْتازًا فيه حتى يَغْتَسِل، ولم يُرخِّصْ له في التَّيممِ.
قالوا: وتأويلُ قولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾: أو لامَسْتُموهن باليدِ دونَ الفرجِ ودونَ الجماعِ.
قالوا: فلم نَجِدِ الله رخَّص للجنبِ في التيممِ، بل أمره بالغُسْلِ، وأَلّا يَقْرَبَ الصَّلاةَ إلا مُغْتَسِلًا.
قالوا: فالتُّيممُ لا يُطَهِّرُه لصلاتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ وأبو السائبِ، قالا: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعْمشِ، عن شَقِيقٍ، قال: كنتُ مع عبدِ اللهِ بن مسعودٍ وأبي موسى الأشْعَريِّ، فقال أبو موسى: يا أبا عبدِ الرحمنِ، أرأَيْت رجلًا أجْنَب، فلم يَجِدِ الماءِ شهرًا أيَتَيَمَّمُ؟
فقال عبدُ اللهِ: لا يَتَيَمَّمُ، وإن لم يَجِدِ الماءِ شهرًا.
فقال أبو موسى: فكيف تَصْنَعون بهذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فقال عبدُ اللهِ: إِن رُخِّص لهم في هذا لأَوْشَكوا إذا بَرَد عليهم الماءُ أن يَتَيَمَّموا بالصَّعيدِ.
فقال له أبو موسى: إنما كرِهْتُم هذا لهذا؟
قال: نعم.
قال أبو موسى: ألم تَسْمَعْ قول عمارٍ لعمرَ: بَعَثْنى رسولُ اللهِ ﷺ في حاجةٍ فأَجْنَبْتُ، فلم أَجِدَ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ، كما تمرَّغُ الدَّابَّةُ؟
قال: فذكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ، فقال: "إنما يَكْفيك أن تَصْنَعَ هكذا".
وضرَب بكفَّيْه ضربةً واحدةً، ومسَح بهما وجهَه، ومسَح كفَّيْه.
فقال عبدُ اللهِ: ألم تَرَ عمرَ لم يَقْنَعْ لقولِ عمارٍ (١)!.
حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلمةَ، عن أبي مالكٍ، وعن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْزَى، [عن عبدِ الرحمنِ بن أبزى] (١)، قال: كنا عندَ عمرَ بن الخطابِ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إنَّا نَمكُثُ الشهرَ والشهرَيْن لا نَجِدُ الماءَ.
فقال عمرُ: أمَّا أنا فلو لم أَجِدِ الماءَ لم أَكُنْ لِأُصَلِّيَ حتى أَجِدَ الماءَ.
فقال عمارُ بنُ ياسرٍ: أَتَذْكُرُ يا أميرَ المؤمنين حيثُ كنتَ (٢) بمكانِ كذا وكذا، ونحن نَرْعَى الإبلَ، فتَعْلَمُ أَنَّا أَجْنَبنا؟
قال: نعم.
فأمَّا (٣) أنا فتَمَرَّغْتُ في الترابِ، فاتَيْنا النبيَّ ﷺ، فضَحِك وقال: "إن كان الصَّعيدُ لَكافِيك".
وضرَب بكفِّيه الأرضَ، ثم نفَخ فيهما، ثم مسَح وجهَه وبعضَ ذراعيه؟
فقال: اتَّقِ الله يا عمارُ.
فقال: يا أمير المؤمنين، إن شئتَ لم أَذْكُرْه.
فقال: لا، ولكن نُوَلِّيك مِن ذلك ما توَلَّيْتَ (٤).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، قال: سألتُ (٥) إبراهيمَ في دُكَّانِ مسلمٍ الأعورِ، فقلتُ: أَرأَيْتَ إن لم نَجِدِ الماءَ وأنت جنبٌ؟
قال: لا أُصَلِّى (٦).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك: أن الجنبَ ممَّن أمَره اللهُ جلَّ ثناؤُه بالتيممِ، إذا لم يَجِدِ الماءَ، والصلاةِ بقولِه: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.
وقد بيَّنَّا أن معنى المُلامَسةِ في هذا الموضعِ الجماعُ ثَمَّ، بنقلِ الحُجَّةِ التي لا يَجوزُ الخطأُ فيما نقَلَته مُجْمِعةً عليه، ولا السهْوُ ولا التَّواطُؤُ والتشاعُرُ (١)، بأن حكمَ الجنبِ في ذلك حكمُ سائرِ مَن أَحْدَث فلزمه التَّطهُّرُ لصلاتِه مع ما قد رُوِى في ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ مِن الأخبارِ التي قد ذكَرْنا بعضَها وترَكْنا ذكْرَ كثيرٍ منها؛ استغناءً بما ذكَرْنا منها عما لم نَذْكُرْ، وكراهةً منا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصاءِ جميعِه.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، و (٢) هل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتَّيممِ كلَّما لزِمه طلبُ الماءِ، أم ذلك أمْرٌ منه بالتيممِ كلما لزِمه الطلبُ وهو مُحْدِثٌ حدثًا يَجِبُ عليه منه الوضوءُ بالماءِ، لو كان للماءِ واجدًا؟
فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ كلما لزِمه فرضُ الطلبِ بعدَ الطلبِ، مُحْدثًا كان أو غيرَ مُحْدِثٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن الحجاجِ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ ﵁، أنه كان يَقولُ: التيممُ لكلِّ صلاةٍ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حجاجٌ، عن أبي إسحاقَ، عن الحارثِ، عن عليٍّ مثلَه.
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، قال: أخبرنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبرنا عامرٌ الأحْوَلُ، عن نافعٍ أنه حدثه عن ابن عمرَ مثلَ ذلك (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، قال: حدَّثنا مُجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: لا يُصَلِّي بالتيممِ إلا صلاةً واحدةً (٢).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاة، ويَتَأوَّلُ هذه الآيةِ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ (٣).
[حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا سُوَيدٌ] (٤)، قال: أخْبرَنا ابن المُباركِ [عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ، قال: يَتيممُ الذي لا يجدُ الماءَ لكلِّ صلاةٍ (٥).
حدَّثني عليُّ بنُ سهلٍ] (٤)، قال: ثنا الفِرْيابيُّ، عن الأوزاعيِّ، عن يحيى بن سعيدٍ وعبدِ الكريمِ و (٦) رَبيعةَ بن أبى عبدِ الرحمنِ، قالوا: التيممُ لكلِّ صلاةٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا عِمْرانُ القَطَّانُ، عن قتادةَ، عن النخعيِّ، قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ (٧).
وقال آخَرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ بالتيممِ بعدَ طلبِ الماءِ مَن لزِمه فرضُ الطلبِ إذا كان مُحْدِثًا، فأمَّا مِن لم يَكُنْ أحْدَث بعدَ تطهُّرِه بالترابِ، فلزِمه فرضُ الطلبِ، فليس عليه تَجْديدُ تَيمُّمِه، وله أن يُصَلِّي بتيميه الأولِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن يونُسَ، عن الحسنِ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (١).
حدَّثنا إسماعيلُ بنُ موسى السُّديُّ، قال: أخبرنا عمرُ بنُ شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي المُتَيمِّمُ بتيممِه ما لم يُحْدِثُ، فإن وجد الماء فلْيَتَوَضَّأُ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أَخْبَرَنا هِشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوُضوءٍ واحدٍ ما لم يُحْدِثُ، وكذلك المُتَيمِّمُ (٢) (١).
[حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخْبَرنا هشامٌ، عن الحسنِ، قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوضوءٍ واحدٍ (١).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: يُصَلِّي الصَّلواتِ بالتيممِ ما لم يُحدِث] (٣) (٤).
حدَّثنا حميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا سُفيانُ بنُ حَبيبٍ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: التيممُ بمنزلةِ الوضوءِ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأوْلى القولين في ذلك عندنا بالصوابِ قولُ مَن قال: يَتَيَمَّمُ المُصَلِّى لكلِّ صلاةٍ لزِمه طلبُ الماء للتَّطهُّرِ لها فرضًا؛ لأن الله تعالى ذكرُه أمَر كلَّ قائمٍ إلى الصلاةِ بالتطهُّرِ بالماءِ، فإن لم يَجِدِ الماءَ فالتيممُ، ثم أَخْرَجَ القائمَ إلى الصلاةِ - مِن كان قد تقدَّم قيامَه إليها الوضوءُ بالماءِ - سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ، إلا أن يَكونَ قد أحْدَث حَدَثًا يَنقُضُ طَهارتَه، فيَسْقَطَ فرضُ الوضوءِ منه بالسنة، وأما القائمُ إليها وقد تقَدَّم قيامَه إليها التيممُ لصلاةٍ قبلَها، ففرضُ التيممِ له لازمٌ بظاهرِ التَّنْزيلِ بعدَ طلبِه الماءَ إذا أعْوَزَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله لم يَزَلْ عَفُوًّا عن ذنوبِ عبادِه، بتَرْكِه العقوبةَ على كثيرٍ منها ما لم يُشْرِكوا به، كما عفا لكم (٢) أيُّها المؤمنون عن قيامِكم إلى الصلاةِ التي فرَضَها عليكم في مساجدِكم، وأنتم سُكارَى.
﴿غَفُورًا﴾ يقولُ: ولم يَزَلْ يَسْتُرُ ذنوبهَم بتركِه مُعاجَلتَهم العذابَ على خَطاياهم، كما ستَر عليكم أيُّها المؤمنون بتركِه مُعاجَلتَكم على صلاتِكم في مساجدِكم سُكارى، يقولُ: فلا تَعودُوا لمثلِها فيَنالَكم بعَوْدِكم لما قد نهَيْتُكم عنه مِن ذلك عقوبةٌ (٣) مُنَكِّلةٌ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلَف أهلِ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ فقال قومٌ: معناه ألم تُخْبَرْ (١)؟
وقال آخَرون: معناه ألم تَعْلَمْ؟
والصوابُ مِن القولِ في ذلك: ألم تَرَ بقلبِك (٢) يا محمدُ علمًا إلى الذين أُوتُوا نَصيبًا، وذلك أن الخبرَ والعلمَ لا يَجْلِبان رُؤْيةً (٣)، ولكنه رُؤيةُ القلبِ بالعلمِ بذلك (٤) كما قلنا فيه.
وأما تأويلِ قولِه: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
فإنه يعنى: إلى الذين أعْطُوا حَظًّا مِن كتاب الله، فعلموه.
وذُكِر أن الله جلَّ ثناؤُه عنى بذلك طائفةً مِن اليهودِ؛ الذين كانوا حَوالَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾: فهم أعداءُ اللهِ اليهودُ، اشْتَرَوُا الضَّلالة.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عِكْرمة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٦] قال: نزَلت في رفاعةَ بن زيدِ بن السائبِ اليهوديِّ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن ابن (٢) إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جبيرٍ أو عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رفاعةُ بنُ زيدِ بن التابوتِ مِن عُظمائهم - يعنى مِن عُظماء اليهودِ - إذا كَلَّم رسولَ اللهِ ﷺ لَوَى لسانَه وقال: راعِنا سمعَك يا محمدُ حتى نَفْهَمَك.
ثم طعَن في الإسلامِ وعابَه، فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).
[النساء: ٤٤ - ٤٦].
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن (٤) إسحاقَ بإسنادِه، عن ابن عباسٍ مثلَه (٥).
القول في تأويلِ قولِه: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقوله: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾: اليهودَ الذين أُوتوا نصيبًا مِن الكتابِ، يَخْتارون الضلالةِ؛ وذلك الأخْذُ على غيرِ طريقِ الحقِّ، ورُكوبُ غيرِ سبيلِ الرُّشْدِ والصوابِ، على (٦) العلمِ منهم بقصْدِ السبيلِ ومنهج الحقِّ، وإنما عنَى الله جلَّ ثناؤُه بوَصْفهم باشترائِهم الضلالةَ مُقامَهم على التكذيبِ لمحمدٍ (١) ﷺ، وتَرْكَهم الإيمانَ به، وهم عالمِون أن سبيلَ الحقِّ الإيمانُ به وتَصْديقُه بما قد وَجَدوا مِن صفتِه في كتبِهم التي عندَهم.
وأمَّا قولُه: ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾.
فإنه (٢) يعنى بذلك: ويريدُ هؤلاء اليهودُ الذين وصفهم جلَّ ثناؤُه بأنهم أوتوا نصيبًا مِن الكتابِ أن تَضِلُّوا أنتم يا معشرَ أصحابِ محمدٍ ﷺ المُصَدِّقِين به.
﴿أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقولُ: أن تَزولوا عن قَصْدِ الطريقِ ومَحَجَّةِ الحقِّ، فتُكذِّبوا بمحمد وتكونوا ضُلَّالًا مثلَهم.
وهذا مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه تَحذيرٌ منه عبادَه المؤمنين أن يَسْتَنصِحوا أحدًا مِن أعداءِ الإسلامِ في شيءٍ مِن أمرِ دينِهم، أو أن يسمَعوا شيئًا مِن طَعْنِهم في الحقِّ.
ثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عن عَداوةِ هؤلاءِ اليهودِ الذين نهىَ المؤمنين أن يَسْتَنصحوهم في دينِهم بأمرِهم (٣) إياهم، فقال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾.
يعنى بذلك تعالى ذكرُه: واللهُ أعلمُ منكم بعداوةِ هؤلاءِ اليهودِ لكم أيُّها المؤمنون.
يقولُ: فانتَهُوا إلى طاعتي فيما (٤) نَهيتُكم عنه مِن استنصاحِهم في دينِكم، فإنى أعلمُ بما هم عليه لكم مِن الغشِّ والعداوةِ والحسدِ، وأنهم إنما يَبْغونكم الغَوائلَ، ويطلُبون أن تَضِلُّوا عن مَحَجَّةِ الحَقِّ، فتَهْلِكُوا.
وأمَّا قولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾.
فإنه يقولُ (٥): فباللهِ أيُّها المؤمنون فثِقُوا، وعليه فتوَكَّلوا، وإليه فارغَبوا دونَ غيرِه (١) يَكْفِكم (٢) مَهَمَّكم، ويَنْصُرُكم على أعدائِكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا﴾ يقولُ: وكفاكم وحسْبُكم باللهِ ربَّكُم وَلِيًّا يَلِيكم ويلى أمورَكم بالحياطةِ لكم، والحراسةِ مِن أن يَسْتفِزَّكم أعداؤُكم عن دينِكم، أو يَصُدُّوكم عن اتِّباعِ نبيِّكم؛ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يقولُ: وحَسْبُكم أيضًا باللهِ ناصرًا لكم على أعدائِكم وأعداءِ دينِكم، وعلى مَن بَغاكم الغَوائل، وبَغَى دينَكم العوَجَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: ولقولِه تعالى ذكره: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ وَجْهان مِن التأويلِ: أحدُهما: أن يكونَ معناه: ألم تَرَ إلى الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ مِن الذين هادوا يُحَرِّفون الكَلِمَ.
فيكونَ قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾.
مِن صلةِ ﴿الَّذِينَ﴾.
وإلى هذا القولِ كانت عامَّةُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ الكوفة يُوَجِّهون قولَه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾.
والآخَرُ منهما: أن يكونَ معناه: مِن الذين هادوا مَن يُحَرِّفُ الكَلِمَ عن مَواضعِه.
فتكونَ "مِن" محذوفةً من الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾.
عليها.
وذلك أن "مِن" لو ذُكرت في الكلام كانت بعضًا لـ" مِن"، فاكتُفِى بدَلالةٍ "مِن" عليها.
والعربُ [تَفْعَلُ ذلك إذا ابْتدأت بـ "مِنْ" في مبتدأ الكلامِ] (١)، تقولُ: [مِنَّا يقولُ ذلك، ومِنَّا لا يقولُه] (٢).
بمعنى: مِنَّا مَن يقولُ ذلك، ومِنَّا مَن لا يقولُه.
فتحذفُ "مَن" اكتفاءً بدلالةِ "مِن" عليه، كما قال ذو الرُّمَّة (٣): فَظَلُّوا ومنهم (٤) دَمْعُه سابِقٌ (٥) له … وآخَرُ يَثْني (٦) دَمْعَةَ العَيْنِ بالمهلِ (٧) يعني: ومنهم مَن دَمْعُه.
وكما قال اللهُ ﵎: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤].
وإلى هذا المعنى كانت عامةُ أهلِ العربيةِ مِن أهل البصرةِ يُوجهون تأويلَ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ﴾.
غير أنهم كانوا يقولون: المُضْمَرُ في ذلك القومُ (٨)، كأن معناه عندَهم: مِن الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون الكَلِمَ، ويقولون: نظيرُ قولِ النابغةِ (٩): كأنك مِن جِمالِ بنى أُقَيْشٍ … يُقَعْقَعُ خَلْفٌ رِجْلَيهِ بِشَنِّ يعني: كأنك جَمَلٌ مِن جِمالِ بني أُقَيْشٍ.
فأمَّا [نحويو الكوفيين] (١٠) فيُنْكِرون [أن يكونَ] (١١) المُضْمَرُ مع "مِن" إلا "مَن" أو ما أشبَهها (١).
والقولُ الذي هو أَولى بالصوابِ عندى في ذلك قولُ مَن قال: قولُه: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ مِن صِلة: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾؛ لأن الخبرَين جميعًا والصِّفَتَين مِن صفة نوعٍ واحدٍ مِن الناسِ، وهم اليهودُ الذين وَصَف اللهُ جلَّ ثناؤُه صِفَتَهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
وبذلك جاء تأويلُ أهلِ التأويلِ، فلا حاجةَ بالكلامِ - إذ كان الأمرُ كذلك - إلى أن يكونَ فيه متروكٌ.
وأما تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
فإنه يقولُ: يُبَدِّلون معناها ويُغَيِّرونها عن تأويلِها (٢) والكَلِمُ جماعُ كلمةٍ، وكان مجاهدٌ يقولُ: عَنَى بالكلم التوراةَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾: تَبْدِيلُ اليهودِ التوراة (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
وأمَّا قولُه: ﴿عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
فإنه يعنى: عن أماكنِه ووجوهِه التي هي وجوهُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: مِن الذين هادوا يقولون: سِمعنا يا محمدُ قولَك، وعَصينا أمرَك.
كما حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عنبسة، [عن محمدِ] (١) بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قال: قالت اليهودُ: سَمِعنا ما تقولُ، ولا نُطِيعُك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: حدَّثنا] (٢) عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾.
قالوا: [سَمِعنا، ونحن لا نُطِيعُك] (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
الله قال أبو جعفرٍ رحمه وهذا خبرٌ مِن اللهِ ﷿ عن اليهودِ الذين كانوا حَوالَىْ (٥) مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ في عصره، أنهم كانوا يَسُبُّون رسول اللهِ ﷺ ويُؤْذونه بالقَبيحِ مِن القولَ، ويقولون له: اسمَعْ منا غيرَ مُسْمَعٍ، كقولِ القائلِ للرجلِ يَسُبه: اسمَعْ، لا أسمَعَك (١) اللهُ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
قال: هذا قولُ أهلِ الكتابِ يهودَ - كهيئةِ ما [تقولُ للإنسانِ] (٢): اسمَعْ لا سَمِعتَ - أذًى لرسولِ اللهِ ﷺ، وشَتْمًا له واستهزاءً به (٣).
حُدِّثتُ عن المِنْجابِ، قال: ثنا بِشْرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحاكِ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
قال: يقولون (٤) لك: واسمَعْ لا سَمِعتَ (٥).
وقد رُوِى عن مجاهدٍ والحسنِ، أنهما كانا يَتأوَّلان ذلك بمعنى: واسمَعْ غيرَ مقبولٍ منك.
ولو كان ذلك معناه لقيل: واسمَعْ غير مسموعٍ.
ولكن معناه: واسمَعْ لا تَسمَعْ.
ولذلك قال اللهُ جلَّ وعز: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.
فوصَفهم بتَحريفِ الكلامِ بألسنتهم، والطَّعْنِ في الدين بسَب النبيِّ ﷺ.
وأما القولُ الذي ذكرتُه عن مجاهدٍ [والحسنِ فحدثنا ابن حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمن، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ] (٦): ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
يقولُ: غير مقبولٍ ما تقولُ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
قال: غيرَ مُسْتَمِعٍ.
قال ابن جُريج، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾: غيرَ مقبولٍ ما تقولُ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
قال: كما تقولُ: اسمَعْ غَيرَ مَسْموعٍ منك (٣).
وحدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: كان ناسٌ منهم يقولون: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾.
كقولك: اسمَعْ غيرَ صاغرٍ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾: وراعنا سمعك؛ افهَمْ عَنَّا وأفهِمْنا.
وقد بيَّنَّا تأويلَ ذلك في سورةِ البقرةِ بأدلته بما فيه الكفايةُ عن إعادتِه (١).
ثم أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم يقولون ذلك لرسول اللهِ ﷺ ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾.
يعنى: تَحْريكًا منهم ألسنتَهم (٢) بتَحريفٍ منهم لمعناه إلى المكروهِ مِن مَعْنَيَيه، واستخفافًا منهم بحقِّ النبيِّ ﷺ ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.
كما حدَّثني الحسنُ (٣) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: قال قتادةُ: كانت اليهودُ يقولون للنبيِّ ﷺ: راعِنا سمعَك، يَسْتهزئون بذلك، فكانت في (٤) اليهودِ قبيحةً، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَاعِنَا﴾ سمعَك، ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ والليُّ: تَحْريكُهم ألسنتَهم بذلك، ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ (٥).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾: كان الرجلُ مِن المشركين يقولُ: أَرْعِنى سمعَك.
يَلْوى بذلك لسانَه، يعني: يُحَرِّفُ معناه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، إلى: ﴿وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾: فإنهم كانوا يَسْتَهزئون، ويلوون ألسنتَهم برسولِ اللهِ ﷺ، ويطعَنون في الدينِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: ﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾.
قال: راعِنا طعنَهم في الدينِ، ولَيَّهم بألسنتهم ليُبْطِلوه ويُكَذِّبوه.
قال: والرَّاعِنُ: الخطأُ مِن الكلام.
حُدِّثتُ عن المِنْجابِ (١)، قال: ثنا بَشْرٌ، قال: ثنا أبو رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾.
قال: تَحريفًا بالكذب (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاءِ اليهودَ الذين وَصَف الله صِفَتَهم، قالوا للنبيِّ ﵇: سَمِعنا يا محمدُ قولك، وأطَعنا أمرَك، وقَبلنا ما جئتَنا به مِن عندِ ربِّك، واسمَعْ منا، وانظُرْنا ما نقولُ، وانتَظِرْنا نفهَمْ عنك ما تقولُ لنا ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾.
يقولُ: لكان ذلك خيرًا لهم عندَ اللَّهِ وأقومَ، يقولُ: وأعدلَ وأصوبَ في القولِ، وهو مِن الاستقامة مِن قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].
بمعنى: وأصوبُ قِيلًا.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
قال: يقولون: اسمَعْ مِنَّا، فإِنَّا قد سمعنا وأطَعنا، وانْظُرْنا، فلا تَعْجَلْ علينا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميْلةَ، عن أبي حمزةَ، عن جابرٍ، [عن عِكْرمَة ومجاهدٍ] (١) قولَه: ﴿وَانْظُرْنَا﴾.
قال: اسمَعْ مِنَّا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾.
قال: أفهِمْنا.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (٢) ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَانْظُرْنَا﴾.
قال: أفهِمْنا (٣).
[حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله] (٤).
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ الذي قاله مجاهدٌ وعِكْرِمةُ مِن تَوْجيههما معنى: ﴿وَانْظُرْنَا﴾.
إلى: اسمَعْ مِنَّا، وتَوْجِيهِ مجاهدٍ ذلك إلى: أفهِمْنا.
ما لا يُعرَفُ في كلامِ العربِ، إلا أن يكونَ أراد بذلك من تَوْجيهه إلى: أفهِمْنا، انتظرْنا نَفهَمْ ما تقولُ.
أو: انتظِرْنا نَقُلْ حتى تَسمَعَ مِنَّا.
فيكونَ ذلك معنًى مفهومًا، وإن كان غيرَ تأويلِ الكلمةِ ولا تفسيرٍ لها ولا يُعرَفُ: "انظُرْنا" في كلامِ العربِ، إلا بمعنى انتظِرْنا وانظُرْ إلينا.
فأما انظُرْنا (١) [بمعنى انتظِرْنا] (٢)، فمنه قولُ الحُطَيئةِ (٣): [وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أعشاءَ صادرةٍ … للخِمْسِ طال بها حَوْزِى وتَنْساسِي] (٤) وأما "انظُرْنا" بمعنى، انظُرْ إلينا، فمنه قولُ عبدِ اللهِ بن قيسِ الرُّقيَّاتِ (٥): ظاهراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنظُرْ … نَ كما يَنْظُرُ الأَراكَ الظِّباءُ [بمعنى كما يَنظُرُ] (٦) إلى الأَرَاكِ الظِّبَاءُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولكنَّ الله ﵎ أخْرَى هؤلاء اليهودَ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآيةِ، فأقصَاهم وأبعدَهم مِن الرُّشْدِ [واتِّباعِ] (٧) الحقِّ، ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾ يعني: بجحودِهم نُبوَّة نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم مِن الهُدَى والبيناتِ.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: فلا يصدِّقون بمحمدٍ ﷺ، وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ولا يَقرُّون بنبوَّته ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: لا يُصَدِّقون بالحقِّ الذي جئتَهم به يا محمدُ إلا إيمانًا قليلًا.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
قال: لا يؤمنون هم إلا قليلًا (١).
وقد بَيَّنَّا وَجْهَ ذلك بعلَلِه في سورةِ "البقرةِ" (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهودَ مِن بني إسرائيلَ الذين كانوا حَوالَيْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ، قال اللهُ لهم: يا أيُّها الذين أُنزِل إليهم الكتاب فأُعْطُوا العلمَ به، ﴿آمِنُوا﴾ يقولُ: صدِّقوا، ﴿بِمَا نَزَّلْنَا﴾ (٣) [يعني: بما أنزلنا] (٤) إلى محمدٍ مِن الفُرْقانِ، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
يعنى: مُحقِّقًا للذى معكم مِن التوراةِ التي أنزَلتُها إلى موسى بن عِمْرانَ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: طَمْسُه إياه مَحْوُه آثارَها حتى تصيرَ كالأقْفَاءِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن نَطْمِسَ أبصارها، فنُصَيِّرَها عُمْيًا، ولكنَّ الخبرَ خَرج بذِكْرِ الوَجْهِ، والمرادُ به بصرُه، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنجعلَ (٥) أبصارَها مِن قبَلِ أقْفائِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنا عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا﴾.
إلى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾.
وطَمْسُها أن تُعْمَى، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
يقولُ: أن نجعلَ وجوهَهم مِن قِبَلِ أقفِيتِهم، فيَمْشون القَهْقَرى، ونجعَلَ لأحدِهم عينَين في قَفاه (١).
حدَّثني أبو العالية إسماعيلُ بنُ الهيثمِ العَبْديُّ، قال: ثنا أبو قُتَيبةَ، عن فُضَيلِ بن مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال: نجعَلَها في أقفائِها، فتَمْشي على أعقابِها القَهْقَرَى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسْديُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بن موسى، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ مَرْزُوقٍ، عن عطيةَ بنحوِه، إلا أنه قال: طَمْسُها أن يَرُدُّها في (٣) أقفائِها (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال: نُحوِّل وجوهَها قِبَلَ ظهورها (٤).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مِن قبل أن نُعْمِيَ قومًا عن الحقِّ، فَنَرُدَّها (٥) على أدبارِها في الضلالةِ والكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَرُدَّها [عن الصِّراطِ] (١) الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال (٢): في الضلالِة (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: عن (٤) صِراطِ الحَقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: في الضلالِة.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُويدٌ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ قراءةً عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: قال (٥) مَعْمَرٌ، و (٦) قال: الحسنُ: ﴿نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾.
يقولُ: نَطْمِسَها عن الحقِّ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: على ضَلالتِها (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
قال: نَزَلت في مالكِ بن الصَّيفِ، ورِفاعةَ بن زيدِ بن التابوتِ، مِن بنى قَيْنُقاعَ، أمَّا: ﴿أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
يقولُ: فنُعْمِيَها عن الحقِّ، ونُرْجِعَها كفارًا (١).
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: يعنى أن نَرُدَّهم عن الهدى والبَصيرةِ، فقد رَدَّهم على أدبارِهم، فكَفَروا بمحمدٍ ﷺ وما جاء به (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نَمْحُوَ آثارَهم مِن وجوهِهم التي هم بها، وناحيتِهم التي هم بها نُزولٌ (٣)، فنَرُدُّها على أدبارِها مِن حيثُ جاءوا (٤) منه بَدِيًّا (٥) مِن الشامِ.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
قال: كان أبي يقولُ: إلى الشام (٦).
وقال آخرون (١): بل معنى ذلك: مِن قَبْلِ أن نَطْمِسَ وجوهًا فَنَمْحُو آثارَها ونُسَوِّيَها، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: بأن نجعلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كما وجوهُ القِرَدةِ مَنابِتُ للشَّعَرِ؛ لأن شُعورَ بنى آدمَ في أدبارِ وجوهِهم، فقالوا: إذا أنْبَتَ الشُّعورَ في وجوهِهم، فقد رَدَّها على أدبارِها، بتَصْييرِه إيَّاها كالأقفاءِ وأدبارِ الوجوهِ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مِن قال: معنى قولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾: مِن قبل أن نَطْمِسَ أبصارَها، ونَمْحُو آثارَها، فنُسَوِّيها كالأقْفاءِ، ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾: فنَجْعلَ أبصارَها في أدبارِها.
يعنى بذلك: فنَجعَلَ الوجوهَ في أدبارِ الوجوهِ، فيكونُ معناه: فنُحوِّلَ الوجوهَ أقْفاءِ، والأقفاءَ وجوهًا، فيَمْشوا (٣) القَهْقَرَى.
كما قال ابن عباسٍ وعطيةُ ومَن قال ذلك.
وإنما قُلنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن الله جلَّ ثناؤه خاطَب بهذه الآيةِ اليهودَ الذين وَصَف صفتَهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾.
ثم حَذَّرهم تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
الآيةَ بأسَه وسَطُوتَه، وتَعْجيلَ عِقابِه لهم، إن هم لم يُؤْمِنوا بما أمَرهم بالإيمانِ به، ولا شَكّ أنهم كانوا لمَّا أمَرهم بالإيمانِ به يومَئذٍ كفارًا.
وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنٌ فسادُ قولِ مَن قال: تأويلُ ذلك: [من قبلِ] (١) أن نُعْمِيها عن الحقِّ فنَرُدَّها في الضلالةِ، [وما] (٢) وَجْهُ رَدِّ مَن هو في الضلالِة فيها؟
وإنما يُرَدُّ في الشيءِ مِن كان خارجًا منه، فأما مَن هو فيه، فلا وَجْهَ لأَنْ يقالَ: يَرُدُّه فيه.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان صحيحًا أن الله جلَّ ثناؤه قد تَهَدَّد الذين ذكَرهم في هذه الآيةِ، بِرَدِّه وجوهَهم على أدبارِهم، كان بَيِّنًا فسادُ تأويلِ مَن قال: معنى ذلك: يُهَدِّدُهم بِرَدِّهم في ضَلالتِهم.
فأما الذين قالوا: معنى ذلك: مِن قبلِ أن نجعَلَ الوجوهَ مَنابِتَ للشَّعَرِ، كَهَيْئةِ وجوهِ القِرَدةِ، فقولٌ لقولِ أهلِ التأويلِ مُخالفٌ، وكَفَى بخُروجِه عن قولِ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين، فمَن بعدهم مِن الخالِفين، على خطِئه شاهدًا.
وأما قولُ مَن قال: معناه: مِن قبل أن نَطْمِسَ وجوهَهم التي هم فيها، فنَرُدُّهم إلى الشامِ مِن مساكنِهم بالحجازِ ونَجْدٍ، فإنه وإن كان قولًا له وَجْهٌ، فممَّا (٣) يدلُّ عليه ظاهرُ التنزيلِ بعيدٌ، وذلك أن المعروفَ مِن الوجوهِ في كلامِ العربِ [إذا هي ذُكرت مطلقةً غيرَ موصولةٍ بما (٤) يَدُلُّ على أنها عُنى بها غيرُ الوجوهِ التي هي خلافُ الأقفاءِ، أنه مرادٌ بها] (٥) التي هي خلافُ الأقفاءِ، وكتابُ الله جلَّ ثناؤُه يُوَجَّهُ (٦) تأويلُه إلى الأغلب في كلامِ مَن نَزَل بلسانه، حتى [يأتىَ ما] (١) يَدُلُّ على أنه مَعْنِيٌّ به غيرُ ذلك مِن الوجوهِ التي (٢) يجِبُ التسليمُ له.
وأما الطَّمْسُ: فهو العُفُوُّ والدُّثورُ في استواءٍ، ومنه يقالُ: طُمِسَتْ أَعلامُ الطريقِ تَطْمِسُ طُمُوسًا.
إذا دَثَرَتْ وعفَت (٣)، فانْدقَّت (٤) واستَوتْ بالأرضِ، كما قال كعبُ بنُ زُهَيرٍ (٥): مِن كُلِّ نَضَّاخَةِ (٦) الذِّفْرَى إِذا عَرَقَت … عُرْضَتُها طَامِسُ الأعلامِ مَجْهولُ يعني بطامِس (٧) الأعلامِ: دائِرَ الأعلامِ مُنْدَقَّها (٨)، ومِن ذلك قيل للأعمى الذي قد تَعَفَّى غَرُّ (٩) ما بينَ جَفْنَى عَيْنَيه فدُثِر: أعمى مَطْموسٌ وطَمِيسٌ.
كما قال اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦].
قال أبو جعفرٍ: [الغَرُّ: الشَّقُّ] (١٠) الذي بينَ الجَفْنَيْنِ (١١).
فإن قال قائلٌ: فإن كان الأمرُ كما وَصَفتَ مِن تأويلِ الآية، فهل كان ما تَوَعَّدهم به؟
قيل: لا (١)، لم يكن؛ لأنه آمَن منهم جماعةٌ؛ منهم عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ، وثَعْلَبَةُ بنُ سَعْيَةَ (٢)، وأُسَيْدُ (٣) بنُ سَعْيَةَ (٢)، وأَسَدُ بنُ عُبَيدٍ، ومُخَيْرِيقٌ (٤)، وجماعةٌ غيرُهم، فدفَع عنهم بإيمانِهم.
ومما يُبَيِّنُ عن أن هذه الآيةَ نزَلَت في اليهودِ الذين ذَكَرنا صفتَهم، ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ جميعًا، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، مولى زيدِ بن ثابتٍ، قال: ثنى سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، أو (٥) عِكْرمةُ، عن ابن عباسٍ، قال: كَلَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ رؤساءَ مِن أحبارِ يهودَ؛ منهم عبدُ اللهِ بن صُوريَا، وكعبُ بنُ أسدٍ (٦)، فقال لهم: "يا معشرَ يهودَ، اتَّقُوا الله وأسْلِموا، فواللهِ إنكم لتَعْلَمون أن الذي جِئْتُكم به لحَقٌّ".
فقالوا: ما نَعْرِفُ ذلك يا محمدُ.
وجَحَدُوا ما عَرَفوا، وأصَرُّوا على الكفرِ، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (٧).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن عيسى بن المُغِيرةِ، قال: تَذاكَرْنا عندَ إبراهيمَ إسلامَ كعبٍ، فقال: أسلَم كعبٌ في زمنِ عمَر، أقبَل وهو يريدُ بيتَ المَقْدسِ، فمَرَّ على المدينة، فخَرَج إليه عمرُ، فقال: يا كعبُ؛ أسِلمْ.
قال: ألَسْتُم تَقْرَءون في كتابِكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥].
وأنا قد حَمَلتُ التوراة.
قال: فتَرَكه، ثم خَرَج حتَّى انتَهى إلى حِمْصَ.
قال: فسَمِع رجلًا مِن أهلِها حزينا، وهو يقولُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾.
الآية.
فقال كعبٌ: يا ربِّ آمَنْتُ، يا ربِّ أَسْلَمْتُ.
مخافةَ أن تُصِيبَه هذه (١) الآيةُ، ثم رجع فأتَى أهلَه باليمن، ثم جاء بهم مسلمين (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾: أو نَلْعَنَكم، فنُخْزِيَكم، ونجعلكم قردةً، [﴿كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يقول: كما أَخْزَيْنا الذين اعتدَوا في السبتِ مِن أسلافِكم.
قيل ذلك] (٣) على وَجْهِ الخطابِ في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
كما قال ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس:٢٢].
وقد يحتملُ أن يكونَ معناه: مِن قَبْل أن نَطْمِسَ وجوهًا، فنَرُدُّها على أدبارِها، أو نَلْعَنَ أصحابَ الوجوه، فجعل الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ﴾.
مِن ذكرِ أصحابِ الوجوهِ، إذ كان في الكلامِ دَلالةٌ على ذلك.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ إلى قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
أي: نُحوِّلَهم قِرَدةً (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾.
يقولُ: أو نجعَلَهم قِرَدةً (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: أو نَجَعَلَهم قِرَدةً (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾: [قال: هم يهودُ جميعًا، نَلْعَنُ هؤلاء، كما لَعَنَّا الذين لَعَنَّا منهم مِن أصحابِ السبتِ] (٤).
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
فإنه يعنى: وكان جميعُ ما أمَر اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يكونَ كائنًا مخلوقًا موجودًا، لا يمتنعُ عليه خلقُ شيءٍ شَاء خَلْقَه.
والأمرُ في هذا الموضعِ المأمورُ، سُمِّى أمرَ اللهِ جلَّ ثناؤُه؛ لأنه عن أمرِه كان وبأمرِه.
والمعنى: وكان ما أمَر اللهُ به مفعولًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾.
و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١): فإن الله لا يغفرُ الشِّرْكَ به والكفرَ، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾: الشركِ، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾: مِن أهلِ الذنوب والآثامِ.
فإذا كان ذلك معنى الكلامِ، فإن (٢) قولَه: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.
في موضعِ نصبٍ بوقوعِ ﴿يَغْفِرُ﴾ (٣) عليها، وإن شئتَ قلتَ (٤) بفَقْدِ الخافضِ الذي كان يَخْفِضُها لو كان ظاهرًا.
وذلك أن يُوجَّه معناه إلى: إن الله لا يَغْفِرُ أَن (٥) يُشْرَكَ به، على تأويلِ الجَزاءٍ، كأنه قيل: إن الله [لا يغفرُ] (٦) ذَنْبًا مع شِرْكٍ أو عن شِرْكٍ به.
وعلى هذا التأويلِ، يَتَوجَّه أن [تكونَ "أن" في موضعِ خَفْضٍ] (٧) في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ (٨).
وذُكر أن هذه الآيةَ نَزَلَت في سببِ (١) أقوامٍ ارْتابوا في أمرِ المشركين حينَ (٢) نَزَلَت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣].
ذكرُ الخبر بذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثنى مُجَبَّرٌ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لمَّا نزَلت: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾.
الآية.
قام رجلٌ، فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ.
فكَرِه ذلك النبيُّ ﷺ، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (٤).
حُدِّثت عن عَمَّارٍ [بن الحسنِ] (٥)، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: أخبرَنى مُجَبَّرٌ (٣)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنه قال: لما نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
قام رجلٌ فقال: والشِّرْكُ يا نبيَّ اللهِ.
فكره ذلك النبيُّ ﵇، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ خلفٍ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا الهيثمُ بنُ حَمَّادٍ (٦)، قال: ثنا بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ، عن ابن عمرَ، قال: كُنَّا معشرَ أصحابِ النبيِّ ﷺ، لا نَشُكُّ في قاتلِ المؤمنِ (١)، وآكِلِ مالِ اليتيم، وشاهدِ الزورِ، وقاطعِ الرَّحِمِ، حتى نَزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فأمسَكْنا عن الشهادِة (٢).
وقد أبانَت هذه الآيةُ أن كلَّ صاحبِ كبيرةٍ ففى مَشِيئةِ اللهِ، إن شاء عفا عنه ذنبه، وإن شاء عاقَبه عليه ما لم تكُنْ كبيرتُه (٣) شِرْكًا باللهِ ﵎.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يُشْرِكْ باللهِ في عبادتِه غيرَه مِن خَلْقِه، ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يقولُ: فقد اختَلَق إثمًا عظيما، وإنما جعَله عز ذكرُه مُفْتَرِيًا؛ لأنه قال زُورًا وإفكًا بجُحودِه وحدانيةَ اللهِ، وإقرارِه بأن للهِ ﷿ شَريكًا مِن خلقِه أو (٤) صاحبةً أو ولدًا.
فقائلُ ذلك مُفْتَرٍ، وكذلك كلُّ كاذبٍ فهو مُفْتَرٍ في كذبِه مُخْتَلِقٌ له.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك تعالى ذكرُه: ألم تَرَ يا محمدُ بقلْبِك الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن اليهودِ فيُبَرِّئُونها مِن الذنوبِ، ويُطَهِّرونها.
واختَلف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي كانت اليهودُ تُزَكِّي به أنفسَها؛ فقال بعضُهم: كانت تَزْكِيتُهم أنفسَهم قولَهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشْرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: وهم أعداءُ اللَّهِ اليهودُ، زَكَّوا أنفسَهم بأمرٍ لم يَبْلُغوه، فقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
وقالوا: لا ذنوبَ لنا (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: هم اليهودُ والنصارى، قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
وقالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ (٢) [البقرة: ١١١].
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبَيدِ بن سُليمانَ، عن الضحاكِ، قال: قالت اليهودُ: ليست لنا ذنوبٌ إلا كذُنوبِ أولادِنا يومَ يُولَدون، فإن كانت لهم ذنوبٌ، فإن لنا ذنوبًا، فإنما نحن مِثْلُهم.
قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: قال أهلُ الكتابِ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾.
وقالوا: نحن على الذي يُحِبُّ الله.
فقال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
حينَ زعَموا أنهم يَدْخُلون الجنةَ، وأنهم أبناءُ اللَّهِ وأحباؤه وأهل طاعتِه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: نَزَلَت في اليهودِ، [قالت (٣) اليهودُ] (٤): إنا نُعَلِّمُ أبناءَنا التوراةَ صِغارًا، فلا تكونُ لهم ذنوبٌ، وذنوبُنا مثلُ ذنوبِ أبنائِنا، ما عَمِلنا بالنهارِ كُفِّر عنا بالليلِ (٥).
وقال آخرون: بل كانت تَزْكيتُهم أنفسَهم، تَقْديمَهم أطفالَهم لإمامتِهم في صلاتِهم، زعمًا منهم أنهم لا ذنوبَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: يهودُ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم في الصلاةِ فَيَؤمُّونهم، يَزْعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك التَّزْكيةُ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كانوا يُقَدِّمون الصِّبْيانَ أمامَهم في الدعاءِ والصلاةِ، يَؤمُّونهم، ويزعُمون أنهم لا ذنوبَ لهم، فتلك تَزْكيةٌ.
قال ابن جُرَيجٍ: هم اليهودُ والنصارى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: نَزَلَت في اليهودِ كانوا يُقَدِّمون صِبْيانَهم، يقولون: ليست لهم ذنوبٌ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن [أبي مَكِينٍ] (٣)، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: كان أهلُ الكتابِ يُقَدِّمون الغِلمانَ الذين لم يَبْلُغوا الحِنْثَ (٤) يُصَلُّون بهم، يقولون: ليس لهم ذنوبٌ.
فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية (٥).
وقال آخرون: بل تزكيتُهم أنفسَهم كانت قولَهم: إن أبناءَنا يَسْتَشْفِعون (١) لنا ويُزَكُّوننا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: إن أبناءَنا (٢) تُوفُّوا وهم لنا قُرْبةٌ عند الله، ويَسْتَشْفِعون لنا (١) ويُزَكُّوننا.
فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه لمحمدٍ ﵇: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ إلى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٣).
وقال آخرون: بل ذلك كان منهم تزكيةً مِن بعضِهم لبعضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المَسْعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، [عن جدِّه] (٤)، عن الأعمشِ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن طارقِ بن شهابٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: إن الرجلَ ليَغْدو بدينِه، [ثم يَرْجِعُ] (٥) وما معه منه شيءٌ، يَلْقَى الرجلَ ليس يَملِكُ له نفعًا ولا ضرًّا، فيقولُ: واللهِ إنك [لذيْتَ وذَيْتَ] (٦).
فلعلَّه (٧) أن يَرجِعَ، ولم يَحْلَ (١) مِن حاجتهِ بشيءٍ، وقد أسْخَط الله عليه، ثم قرَأ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
الآية (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى تَزْكية القومِ الذين وَصَفهم اللهُ بأنهم يُزَكُّون أنفسَهم: وَصْفُهم إياها بأنها لا ذنوبَ لها ولا خَطايا، وأنهم لله جلَّ ثناؤُه أبناءٌ وأحباءُ، كما أخبرَ اللهُ جلَّ ثناؤُه عنهم أنهم كانوا يقولونه؛ لأن ذلك هو أظهرُ مَعانيه، لإخبارِ اللهِ عنهم أنهم (٣) إنما كانوا يُزَكُّون أنفسَهم دونَ غيرِها.
وأما الذين قالوا: معنى ذلك، تَقْديمُهم أطفالهَم للصلاةِ، فتأويلٌ لا تُدْرَكُ صحتُه إلا بخبرٍ حُجَّةٍ يُوجِبُ العلم.
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾.
فإنه تكذيبٌ مِن الله ﷿ المُزَكِّين أنفسَهم مِن اليهودِ والنصارى، المُبَرِّئيها مِن الذنوبِ.
يقولُ اللهُ لهم: ما الأمرُ كما زعَمتم؛ أنه لا ذنوب لكم ولا خَطايا، وأنكم بُرَآءُ مما يَكْرَهُه اللهُ، ولكنكم أهلُ فِرْيةٍ وكذبٍ على اللهِ، وليس المُزكَّى مَن زَكَّى نفسَه، ولكنه الذي يُزَكِّيه الله، واللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خلقِه، [فيطهِّرُه ويبرِّئُه] (٤) مِن الذنوبِ؛ بتَوفيقه لاجْتِنابِ ما يَكْرَهُه مِن مَعاصيه إلى ما يَرْضاه مِن طاعِته.
وإنما قلنا: إن ذلك كذلك؛ لقوله جلّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
فأخبَر (١) أنهم يَفْتَرون على اللهِ الكذبَ بدَعْواهم أنهم أبناءُ اللهِ وأحباؤُه، وأن اللهُ جلَّ ثناؤُه قد طَهَّرهم مِن الذنوبِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولا يَظْلِمُ اللَّهُ هؤلاء الذين أخبرَ عنهم أنهم يُزَكُّون أنفسَهم ولا غيرَهم مِن خلقه، فيُبْخَسَهم - في تَرْكه تَزْكيتَهم وتَزْكيةَ مَن تَرَكَ تَزْكيتَه، وفى تَزْكِيةِ مَن زَكَّى مِن خلقه - شيئًا مِن حقوقِهم، ولا يَضَعُ شيئًا في غيرِ موضعهِ، ولكنه يُزَكِّي مَن يَشَاءُ مِن خَلقِه، فيُوَفِّقُه، ويَخذُلُ مَن يشاءُ مِن أهل مَعاصِيه، كلُّ ذلك إليه وبيدِه، وهو في كلِّ ذلك غيرُ ظالمٍ أحدًا، ممن زَكَّاه أو لم يُزَكِّه، فَتِيلًا.
واختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الفَتِيلِ؛ فقال بعضُهم: هو ما خَرَجَ مِن بين الإصْبَعَين والكَفَّين مِن الوَسَخِ، إذا فَتَلْتَ إحداهما بالأخرى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، [قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ] (٢)، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسَ [بن أبي ظَبْيانَ] (٣)، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: الفَتِيلُ: ما خَرَج مِن بين إصْبَعَيكَ (٤).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّام، عن عَنْبَسةَ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدَانيِّ، عن التِّميميِّ (١)، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال: ما فَتَلْتَ بينَ إصْبَعَيك.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن يزيدَ (٢) بن دِرْهمٍ أبى العلاءِ، قال: سَمِعتُ أبا العالية، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال: الفَتِيلُ: هو الذي يخرُجُ مِن بين إِصْبَعَى الرجلِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال (٣): الفَتِيلُ: هو أن تَدْلُكَ (٤) إصْبَعَيكَ، فما خرَج منهما (٥) فهو ذلك.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال: الفَتِيلُ: الوَسَخُ الذي يَخْرُجُ مِن بين الكَفِّين (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الفَتِيلُ ما فَتَلْتَ به يَدَيك، فَخَرَجَ وَسَخٌ (٧).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال: ما تَدْلُكُه في يَدَيك، فيَخْرُجُ (١) بينَهما (٢).
وأناسٌ يقولون: هو (٣) الذي يكونُ في شَقِّ (٤) النَّوَاةِ (٥).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَتِيلًا﴾.
قال: الذي في شَقِّ (٦) النواة (٧).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن طَلْحةَ بنَ عمرٍو (٨)، عن عطاءٍ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النواة (٩).
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: ثني طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سمِع عطاءَ بنَ أبي رباحٍ يقولُ.
فذكَر مثلَه (٩).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاج، قال: قال ابن جُرَيج: أخبرَني عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: الفَتِيلُ: الذي في شَقِّ النّوَاةِ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى (٢) بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: الفتيلُ في النواةِ.
حدَّثنا الحسنُ (٣) بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، في قولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
قال: الفَتِيلُ الذي في شَقِّ النَّوَاةِ (٤).
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سَمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدُ بنُ سُليمانَ، قال: سَمِعتُ الضَّحاكَ يقولُ: الفَتيلُ: شَقُّ النَّوَاةِ (٥) حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الفَتِيلُ: الذي في بَطْن النَّوَاةِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيد، قال: حدَّثنا جُوَيبرٌ، عن الضَّحاكِ، قال: الفَتِيلُ: الذي يكونُ في شَقِّ النَّوَاةِ.
حدَّثنا المُثَنَّى (٦)، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾: فَتِيلُ النَّوَاةِ: شَقُّها (٧).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن عَطِيةَ، قال: الفَتِيلُ: الذي في بَطْنِ النَّوَاةِ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ الفَتِيلِ: المفتولُ، صُرِف عن (٢) "مفعول" إلى "فعيل"، كما قيل: صَريعٌ ودَهِينٌ.
مِن مَصْروعٍ ومَدْهونٍ.
وإذ كان ذلك كذلك، فكان اللهُ جلَّ ثناؤُه إنما قصَد بقولِه: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
الخبرَ عن أنه لا يظلِمُ عبادَه أقلَّ الأشياءِ التي لا خَطَرَ لها، فكيف بما له خَطَرٌ، [وكان] (٣) الوَسَخُ الذي يخرجُ مِن بين إصْبَعَى الرجل، أو مِن بين كَفَّيْهِ إِذا فَتَل إحداهما على الأخرى، كالذى هو في شَقِّ النواةِ وبَطْنِها، وما أشْبَه ذلك مِن الأشياءِ التي هي مَفْتولةٌ، مما لا خطرَ له ولا قيمةَ، فواجبٌ أن يكونَ كلُّ ذلك داخلًا في معنى الفَتيلِ، إلا أن (٤) يُخرج شيئًا مِن ذلك ما يجبُ التسليمُ له مما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بذلك عز ذكرُه: انظُرْ يا محمدُ كيف يَفْتَرى هؤلاء الذين يُزَكُّون أنفسَهم مِن أهلِ الكتابِ، القائلون: نحن أبناء اللهِ وأحباؤُه، وإنه لن يَدخُلَ الجنةَ إلا مِن كان هودًا أو نصارى، الزاعِمون أنه لا ذنوبَ لهم، الكَذِبَ والزُّورَ مِن القولِ، فيَختَلِقونه على اللَّهِ، ﴿وَكَفَى بِهِ﴾.
يقولُ: وحَسْبُهم بقِيلهم ذلك الكذبَ والزورَ على اللهِ جلَّ ﴿إِثْمًا﴾، لهم (٥) ﴿مُبِينًا﴾.
يعنى أنه يُبَيِّنُ كذبَهم السامعيه، ويُوضِّحُ لهم أنهم أَفَكَةٌ فَجَرَةٌ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: هم اليهودُ والنصارى، ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾.
[بقيلهم ذلك] (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ بقلبِك يا محمدُ إلى الذين أُعْطوا ﴿نَصِيبًا﴾ (٢): حَظًّا مِن كتاب اللَّهِ، فَعَلِموه، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ يعنى يُصَدِّقون بالجِبْتِ والطاغوتِ، ويَكْفُرون باللَّهِ، وهم يَعْلَمون أن الإيمانَ بهما، باللهِ (٢) كُفْرٌ، والتصديقَ بهما شِرْكٌ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في معنى الجِبْتِ والطاغوتِ؛ فقال بعضُهم: هما صَنَمان كان المشركون يعبُدُونهما مِن دونِ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرَنا أيوب، عن عِكْرمةَ أنه قال: الجِبْتُ والطاغوتُ صَنَمان (٣).
وقال آخرون: الجِبْتُ الأصنام، والطاغوتُ تَراجِمةُ الأصنام.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾: الجبْتُ الأصنامُ، والطاغوتُ الذين يكونون بينَ يدَى (١) الأصنام، يُعبِّرون عنها الكذبَ؛ ليُضِلُّوا الناسَ، وزَعَم رجالٌ أن الجبْتَ الكاهِنُ، والطاغوتَ رجلٌ مِن اليهودِ يُدْعَى كعب بن الأشرف، كان سَيِّدَ اليهودِ (٢).
وقال آخرون: الجِبْتُ: السِّحْرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسحاقَ، عن [حَسَّانَ بن فائدٍ] (٣)، قال: قال عمرُ: الجِبْتُ: السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن حَسَّانَ بن فائدٍ العَبْسيِّ، عن عمرَ مثلَه (٥).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عمَّن حدَّثه، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا زكريا، عن الشعبيِّ، قال: الجِبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ (٣) الشيطانُ في صورةِ إنسانٍ يَتَحاكمون إليه، وهو صاحبُ أمرهم (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عبدُ الملكِ، عن قيسٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجبْتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ و (٥) الكاهنُ.
وقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبرَنا ابن زيدٍ، قال: كان أبي يقولُ: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ.
وقال آخرون: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
قال: الجِبْتُ الساحرُ بلسانِ الحبشة، والطاغوتُ الكاهنُ (١).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ (٢)، قال: ثنا داودُ، عن رُفَيعٍ، قال: الجِبْتُ الساحرُ، والطاغوتُ الكاهنُ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن أبي العاليةِ أنه قال: الطاغوتُ الساحرُ، والجبْتُ الكاهنُ (٤) حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، عن داودَ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
قال: أحدُهما السحْرُ، والآخَرُ الشيطانُ (٥).
وقال آخرون: الجِبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ (١): كُنَّا نُحدَّثُ أن الجبْتَ شيطانٌ، والطاغوتُ الكاهنُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَه (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيّ، قال: الجبْتُ الشيطانُ، والطاغوتُ الكاهنُ (٣).
[حدَّثني محمدُ بنُ عوفٍ، قال: حدَّثنا أبو اليمان، قال: حدَّثنا صفوانُ بنُ عمرٍو، عن رِشْدِينَ بن سعدٍ، عن عِكْرمةَ، عن أبي بردةَ، أنه كان كاهنًا في الجاهلية، فتنافَر (٤) إليه ناسٌ ممن أسلم، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ إلى آخرِ الآية] (٥) (٦).
وقال آخرون: الجِبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: الجبْتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الشيطانُ (١).
[وقال آخرون: الجبتُ الكاهنُ، والطاغوتُ الساحرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك] (٢) حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن محمدٍ، قال في الجبْتِ والطاغوتِ.
قال: الجبْتُ الكاهنُ، والآخَرُ الساحرُ (٣).
[حدَّثني ابن البرقيِّ، قال: حدَّثنا عمرو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ عن الجبتِ، قال: قال مكحولٌ: الكاهن] (٤).
وقال آخرون: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بن الأشرفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
الطاغوتُ كعبُ بن الأشرف، والجبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زُهَيرٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرف (٢).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
قال: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، والطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ.
وقال آخرون: الجِبْتُ كعبُ بن الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: الجِبْتُ كعبُ بنُ الأشرفِ، والطاغوتُ الشيطانُ كان في صورة إنسانٍ (٣).
والصوابُ من القول في تأويل قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
أن يقالَ: يُصَدِّقون بمعبودَين مِن دونِ اللهِ، فَيَعبُدُونهما من دون الله، ويَتَّخذونهما إلهين؛ وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكلِّ مُعَظَّمٍ بعبادةٍ مِن دونِ اللَّهِ أو طاعةٍ أو خضوعٍ له، كائنًا [ما كان ذلك] (٤) المُعَظَّمُ؛ مِن حَجَرٍ أو إنسانٍ أو شيطانٍ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنامُ التي كانت (١) الجاهليةُ تَعْبُدُها، كانت مُعَظَّمةً بالعبادةِ مِن دونِ اللهِ، فقد كانت جُبُوتًا وطواغيت.
وكذلك الشياطينُ التي كانت الكفارُ تُطِيعُها في معصيةِ الله، وكذلك الساحرُ والكاهنُ اللذان كان مقبولًا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله.
وكذلك حُيَيُّ بنُ أَخطبَ وكعبُ بن الأشرف؛ لأنهما كانا مُطاعَين في أهلِ مِلَّتِهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتيَن طاغوتين (٢).
وقد بيَّنتُ الأصلَ الذي منه قيل للطاغوت: طاغوتٌ.
بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (٣).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: ويقولون للذين جحَدوا وحدانية الله ورسالة رسولِه محمدٍ ﷺ: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ يعنى بذلك: هؤلاء (٤) الذين وصفهم الله بالكفر، ﴿أَهْدَى﴾.
يعنى: أقوم وأعدلَ، ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يعنى: من الذين] (٥) صَدَّقوا الله ورسوله، وأقرُّوا بما جاءهم به نبيُّهم محمدٌ ﷺ، ﴿سَبِيلًا﴾.
يعنى: طريقًا.
وإنما ذلك مَثَلٌ، ومعنى الكلامِ أن الله جل ثناؤُه وَصَف الذين أُوتوا نصيبًا مِن الكتابِ من اليهود، بتَعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة، في الكفر بالله ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا: إن أهلَ الكفر باللهِ أولى بالحقِّ من أَهلِ الإيمان به، وإن دينَ أهل التكذيب لله جلَّ ثناؤُه ولرسوله ﵇، أعدلُ وأصوبُ من دينِ أهل التصديق لله ولرسوله.
وذُكر أن ذلك من صفة كعبِ بن الأشرفِ وأنه قائلُ ذلك.
ذكرُ الآثار الواردة بما قلنا حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا ابن أبى عَدِيٍّ، عن داودَ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، قالت له قريشٌ: أنت خيرُ (١) أهلِ المدينة وسيدُهم؟
قال: نعم.
قالوا: ألَا تَرَى إلى هذا الصُّنبورِ (٢) المُنبتِرِ مِن قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منَّا، ونحن أهلُ الحَجيج وأهلُ السَّدَانة (٣) وأهلُ السِّقاية؟
قال: أنتم خيرٌ منه.
قال: فأنزِلَت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣].
وأُنزِلَت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (٤).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عِكرمةَ في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
ثم ذكَر نحوه (١).
حدَّثني إسحاق بنُ شاهينٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ الواسطيُّ، عن داود، عن عكرمة، قال: قَدِم كعبُ بن الأشرفِ مكةَ، فقال له المشركون: احكُم بينَنا وبيَن هذا الصُّنبور الأبتر، فأنتَ سيدُنا وسيدُ قومِك.
فقال كعبٌ: أنتم والله خيرٌ منه.
فأنزل الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾.
إلى آخر الآية.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، قال: أخبرني أيوبُ، عن عكرمةَ، أن كعبَ بن الأشرف انطلَق إلى المشركين من كفارِ قريشٍ، فاستَجاشَهم (٢) على النبيِّ ﷺ، [وأمرهم] (٣) أن يَغْزوه، وقال: إنا معكم نُقاتله.
فقالوا: إنكم أهلُ كتابٍ، وهو صاحبُ كتابٍ، ولا نأمَنٌ أن يكونَ هذا مَكْرًا منكم، فإن أردت أن تخرُجَ معك، فاسجُد لهذين الصَّنمَين، وآمن بهما.
ففَعَل، ثم قالوا: نحن أهدى أم محمدٌ، فنحن نَنْحَرُ الكَوْماء (٤)، ونَسْقى اللبن علي الماءِ، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونَقْرِى الضَّيْفَ، ونطوفُ بهذا البيت، ومحمدٌ قَطَع رَحِمَه، وخَرَج من بلده؟
قال: بل أنتم خيرٌ وأهدَى.
فنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا كان من أمرِ رسول الله ﷺ واليهود من (٢) النَّضير ما كان، حين أتاهم يستعِينُهم (٣) في دية العامِريَّين، فهَمُّوا به وبأصحابه، فأطَلع الله رسوله على ما هَمُّوا به من ذلك، ورجع رسولُ الله ﷺ إلى المدينة، هرب (٤) كعبُ بنُ الأشرف حتى (٥) أتَى مكةَ، فعاهَدهم (٦) على محمدٍ ﷺ، فقال له أبو سُفيانَ: يا أبا سعيدٍ (٧)، إنكم قومٌ تَقْرءُون الكتاب، وتَعْلَمون، ونحن قومٌ لا نَعلَمُ، فأخبرنا؛ دينُنا خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟
قال كعبٌ: اعرِضُوا عليَّ دينكم.
فقال أبو سُفيانَ: نحن قومٌ نَنحَرُ الكَوْماءَ، ونسقى الحَجيج الماءَ، ونَقْرِى الضيفَ، ونَعْمُرُ بيت ربِّنا، ونعبدُ آلهتنا التي كان يَعبُدُ آباؤنا، ومحمدٌ يأمُرُنا أن نَترُكَ هذا ونَتَّبِعُه.
قال: دينُكم خيرٌ من دينِ محمدٍ، فاثبُتُوا عليه، ألا ترون أن محمدًا يزعم أنه بُعث بالتَّواضع، وهو يَنكِحُ من النساء ما شاء، وما نَعلَمُ مُلْكًا أعظم مِن مُلْكِ النساءِ.
فذلك حين يقول جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: نزلت في كعبِ بن الأشرف وكفار قريشٍ، أنه (٢) قال: كفارُ قريشٍ أهدى من محمدٍ، قال ابن جُريجٍ: قِدم كعبُ بنُ الأشرف، فجاءته قريشٌ فسألته عن محمدٍ، فصغَّر أمره ويسَّره، وأخبرهم أنه ضالٌّ.
قال: ثم قالوا له: نَنشُدُك الله، أنحن أهْدَى أم هو؟
فإنك قد علمت أنّا نَنحَرُ الكُومَ، ونَسقى الحجيج، ونَعْمُرُ البيتَ، ونُطعِمُ ما هَبَّت الريحُ.
قال: أنتم أهْدَى (٣).
[حدَّثنا ابن بشَّار، قال: حدَّثنا ابن أبى عَدِيٍّ، قال: أنبأنا داودُ بن أبى هندٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا قدِم كعبِّ بن الأشرف بمكة أتوه فقالوا له: نحن أهلُ السَّقاية والسدانة، وأنت سيِّدُ أهل المدينة، فنحن خيرٌ أم هذا الصُّنبورُ المبتَّرُ من قومه، يَزْعُمُ أنه خيرٌ منا؟
قال: بل أنتم خيرٌ منه.
قال: فنزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزلت عليه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾] (٤).
وقال آخرون: بل هذه الصفةُ صفةُ جماعةٍ من اليهود؛ منهم (٥) حيَيُّ بنُ أخطبَ، وهم الذين قالوا للمشركين ما أخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا لهم.
ذكرُ الأخبار بذلك عمَّن قاله حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ (١) قال: حدَّثني محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكرمةَ، أو عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان الذين حَزَّبوا الأحزابَ من قريشٍ وغَطَفانَ وبنى قُرَيظةَ، حُيَيُّ بْنُ أَخطبَ، وَسَلَّامُ بنُ أَبى الحُقَيقِ [أبو رافعٍ] (٢)، والربيعُ [بنُ الربيعِ] (٣) بن أبى الحُقَيقِ، وأبو عمَّارٍ (٤)، ووَحْوَحُ بنُ عامرٍ، وهَوْذَةُ بنُ قَيسٍ؛ فأما وَحْوَحٌ، وأبو عمَّارٍ (٤)، وهَوْذَةُ؛ فمِن بني وائلٍ، وكان سائرُهم مِن بنى النَّضِيرٍ، فلما قَدِموا على قريشٍ، قالوا: هؤلاء أحبارُ يهودَ، وأهلُ العلم بالكُتُبِ الأُولِ، فسَلوهم: أدينُكم خيرٌ أم دينُ محمدٍ؟
فسألوهم، فقالوا: بل دينُكم خيرٌ مِن دينِه، وأنتم أهدَى منه وممن اتَّبعه.
فأنزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ (٥).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ الآية.
قال: ذُكرِ لنا أن هذه الآية أُنزِلَت في كعبِ بن الأشرفِ، وحُيَيِّ بن أخطبَ، [ورجُلَيْن] (٦) مِن اليهودِ من بني النضيرِ، لَقِيا قريشًا بموْسمٍ، فقال لهم المشركون: أنحن أهدَى أم محمدٌ وأصحابُه، فإنّا أهلُ السِّدَانِةِ والسِّقايةِ وأهلُ الحَرَمِ؟
فقالا: لا، بل أنتم (١) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه.
وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، إنما حَمَلهما على ذلك حَسَدٌ محمدٍ ﷺ وأصحابِه (٢).
وقال آخرون: بل هذه صفةُ حُيَيِّ بن أخطبَ وحدَه، وإيّاه عَنَى بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
قال: جاء حُيَيُّ بنُ أخطبَ إلى المشركين، فقالوا: يا حُيَيُّ، إنكم أصحابُ كُتبٍ، فنحن خيرٌ أم محمدٌ وأصحابُه؟
فقال: نحن وأنتم خيرٌ منهم.
فذلك قولُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ، قولُ مَن قال: إن ذلك خبرٌ مِن الله جلّ ثناؤه عن جماعةٍ مِن أهلِ الكتابِ من اليهودِ.
وجائزٌ أن تكونَ (٣) الجماعةَ الذين سَمَّاهم ابن عباسٍ في الخبرِ الذي رَواه محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عِكْرمةَ، أو عن سعيدِ بن جبيرٍ، [وجائزٌ أن يكونَ كان] (٤) حُيَيًّا وآخَرَ معَه، إما كَعْبًا وإما غيرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم أنهم أُوتُوا نَصيبًا مِن الكتابِ وهم يؤمنون بالجبْتِ والطاغوتِ، هم ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾.
يقولُ: أخزاهم الله فأبَعدهم مِن رحمتِه بإيمانِهم بالجِبْتِ والطاغوتِ، وكُفْرِهم بالله ورسولِه، عنادًا منهم لله ولرسولِه، وبقولهِم للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ - ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ﴾.
يقولُ: ومَن يُخْزِه الله فيُبْعِدْه من رحمتِه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
يقولُ: فلن تَجِدَ له يا محمدُ ناصرًا ينصُرُه من عقوبةِ الله ولعنتِه التي تَحِلُّ به، فيَدْفَعَ ذلك عنه.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال كعبُ بن الأشرفِ وحُيَيُّ بنُ أَخطبَ ما قالا، يعنى (١) قولهما: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾، وهما يَعْلَمان أنهما كاذبان، فأنزَل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾.
يعني جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾: أم لهم حظٌّ مِن المُلْكِ.
يقولُ: ليس لهم حَظٌّ مِن المُلْكِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾.
يقولُ: لو كان لهم نصيبٌ مِن المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَقِيرًا (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: قال الله: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾.
قال: فليس لهم، [فلو كان لهم] (٢) نصيبٌ مِن المُلْكِ [لم يؤتوا الناسَ نقيرًا.
يقولُ] (٣): ولو كان لهم نصيبٌ وحَظٌّ مِن المُلْكِ، لم يكونوا إذن يُعْطُون (٤) الناسَ نَقيرًا مِن بُخْلِهم (٥).
واختَلف أهلُ التأويلِ فى معنى "النَّقِير"، فقال بعضُهم: هو النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنى عبدُ الله، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾.
يقولُ: النقطةُ التي في ظَهْرِ النواةِ (٦).
حدَّثني سليمانُ بنُ (٧) عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن قابوسٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٨).
حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ الكوفيُّ الدُّوريُّ (٩)، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن خُصيفٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: النَّقِيرُ وَسَطُ النواةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
قال النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ، وَسَطُها.
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبد الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿نَقِيرًا﴾.
قال: النقيرُ الذي في وَسَطِ النواةِ من ظهرِها] (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
يقولُ: لو كان لهم نَصيبٌ مِن المُلْكِ، إذن لم يُؤتوا محمدًا نَفِيرًا، والنَّقِيرُ النُّكْتةُ التي في وَسَطِ النواةِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: ثنى طلحةُ بنُ عمرٍو، أنه سَمِع عطاءَ بنَ أبى رباحٍ، يقولُ: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٤).
[حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: النقيرُ: الذي في ظهرِ النواةِ] (٥).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبرَنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ، قال: النَّقِيرُ النُّقَيْرَةُ (١) التي تكونُ في ظهْرِ النواةِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ، قال: النقيرُ الذي في ظَهْرِ النواةِ (٣).
وقال آخرون: بل (٤) النَّقِيرُ الحَبَّةُ التي تكونُ في وَسَطِ النواةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿نَقِيرًا﴾.
قال: النَّقِيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾.
قال: النقيرُ حبةُ النواةِ التي في وَسَطِها.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: النَّقِيرُ في النَّواة (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أخبَرنى عبدُ الله بنُ كثيرٍ، أنه سَمِع مجاهدًا يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ التي (٧) في بطنها (٤) وَسَطَها.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ: النَّقِيرُ نَقِيرُ النواةِ الأبيضُ (١) الذي يكونُ في وسطِ النواةِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: نَقْرُ الرجلِ الشيءَ بطَرَفِ إبهامِه (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن [يزيدَ بن] (٣) دِرهمٍ أبى العلاءِ، قال: سمِعتُ أبا العالية، [عن ابن عباسٍ: النقيرُ نقرُ الرجلِ إِصْبَعَيْه كما يَنْقُرُ الدرهمَ.
قال أبو العاليةِ] (٤): ووَضَع ابن عباسٍ طَرَفَ الإبهامِ على باطنِ (٥) السَّبَّابةِ، ثم رفَعَهما وقال: هذا النَّقِيرُ (٦).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جل ثناؤُه وَصَف هؤلاء الفِرْقةَ مِن أهلِ الكتابِ بالبُخْلِ باليسيرِ مِن الشيءِ الذي لا خطَرَ له، ولو كانوا مُلُوكًا وأهلَ قُدْرةٍ على الأشياءِ الجليلةِ الأقدارِ، فإذ كان ذلك كذلك، فالذي هو أولى بمعنى النَّقِيرِ أن يكونَ أصغرَ ما يكونُ مِن النُّقَر.
وإذا كان ذلك أولى به، فالنُّقْرَةُ التي هي (٦) في ظَهْرِ النواةِ مِن صِغارِ النُّقَرِ، وقد يَدخُلُ في ذلك كلُّ ما شاكَلها مِن النُّقَرِ.
ورُفِع قولُه: ﴿يُؤْتُونَ النَّاسَ﴾.
ولم يُنصَبْ بـ "إذن"، ومِن حُكْمِها أن تَنصِبَ الأفعالَ المُستقبَلةَ إذا ابتُدئَ بها الكلامُ؛ لأن معها فاءً، ومِن حُكْمِها إذا دخَل فيها بعضُ حروفِ العطفِ أن تُوَجَّهَ إلى الابتداءِ بها مَرَّةً، وإلى النَّقْلِ عنها إلى غيرِها أخرى، وهذا المَوضِعُ مما أُرِيدَ بالفاءِ فيه النقلُ عن "إذن" إلى ما بعدَها، وأن يكونَ معنى الكلامِ: أم لهم نصيبٌ [من المُلْكِ] (١) فلا يُؤتون الناسَ نَقِيرًا إذن.
القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
[قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ جلّ ثناؤُه] (٢): أم يًحسُدُ هؤلاء الذين أُوتوا نَصيبًا مِن الكتابِ من اليهودِ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾.
قال: يهودُ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ مثلَه (٤).
وأمَّا قولُه: ﴿النَّاسَ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختَلَفوا في من عَنَى اللَّهُ جل ثناؤه به؛ فقال بعضُهم: عَنَى الله بذلك محمدًا ﷺ خاصةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو [بنُ عونٍ] (١)، قال: أخْبرَنا هُشَيمٌ، عن خالدٍ، عن عِكْرمةَ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: الناسُ في هذا الموضعِ النبيُّ ﷺ خاصةً (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنى أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾: يعني محمدًا ﷺ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ مثلَه (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: الناسُ محمدٌ ﷺ (٤) حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ.
فذكَر نحوَه (٣).
وقال آخرون: بل عَنَى الله جلَّ ثناؤُه به العربَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: أولئك اليهودُ، حَسَدوا هذا الحيَّ من العربِ على ما آتاهم الله مِن فضلِه (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن الله جلَّ ثناؤُه عاتَب اليهودَ الذين وَصَف صِفَتَهم في هذه الآياتِ، فقال لهم [مُوَبِّخًا لهم] (٢) - في قِيلِهم للمشركين مِن عَبَدةِ الأوثانِ: أنتم (٣) أهدَى مِن محمدٍ وأصحابِه سَبيلًا (٤).
على علمٍ منهم بأنَّهم في قِيلِهم ما قالوا مِن ذلك كَذَبَةٌ -: أيَحسُدُون (٥) محمدًا وأصحابَه على ما آتاهم الله مِن فضلِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ما قبلَ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
مضَى بذمِّ القائِلين من اليهودِ للذين كفَروا: ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
فإلحاقُ قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
بذَمِّهم (٦) على ذلك، وتَقْريظِ (٧) الذين آمَنوا الذين (٨) قيل فيهم ما قيل - أشبَهُ وأَولى، ما لم تأتِ دَلالةٌ على انصرافِ معناه عن معنى ذلك.
واختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ الفَضْلِ الذي أخبرَ اللَّهُ أَنه آتَى الذين ذكَرهم في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك الفضلُ هو النُّبُوَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: حَسَدوا هذا الحيَّ مِن العربِ على ما آتاهم الله [مِن فضلِه] (١)؛ بَعَث الله منهم نَبِيًّا، فحَسَدوهم على ذلك (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.
قال: النُّبُوَّةُ (٣).
وقال آخرون: بل ذلك الفَضْلُ الذي ذَكَر الله أنه آتَاهُمُوه، هو إباحتُه ما أباحَ لنَبِيِّه محمدٍ ﷺ مِن النساءِ؛ أن (٤) يَنكِحَ منهنّ ما شاء بغيرِ عَدَدٍ.
قالوا: وإنما يعنى بالناسِ محمدًا ﷺ.
على ما ذَكَرتُ قبلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيةَ: وذلك أن أهلَ الكتابِ قالوا: زَعَم محمدٌ أنه أُوتى ما أُوتى في تَواضُعٍ، وله تِسْعُ نسوةٍ، ليس هَمَّه إلا النكاحَ، فأيُّ مُلكِ أفضلُ مِن هذا؟
فقال الله جل ثناؤه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١).
[حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾] (٢) قال: يعني محمدًا ﷺ أن يَنكِحَ ما شاء مِن النساءِ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ [أبا مُعاذٍ يقولُ: أخْبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ] (٤) الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾: وذلك أن اليهودَ قالوا: ما شأنُ محمدٍ أُعْطِى النبوةَ كما يَزِعُمُ، وهو جائعٌ عارٍ، وليس له هَمٌ إلا نكاحَ النساءِ؟
فحسَدوه على تزويجِ الأزواجِ، وأحلَّ الله لمحمدٍ ﷺ أن يَنكِحَ منهن ما شاء أن يَنكِحَ (٥).
وأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ قولُ قتادةَ وابنِ جُرَيجٍ الذي ذكَرناه قبلُ، أن معنى الفَضْلِ في هذا الموضعِ، النُّبُوةُ التي فَضَّل الله بها محمدًا ﷺ، وشَرَّف بها العربَ، إذ آتاها رجلًا منهم (٦) دونَ غيرِهم؛ لِما ذكَرنا قبلُ مِن أن دَلالةَ ظاهرِ هذه الآيةِ تَدُلُّ على أنها تَقْرِيظٌ (٧) للنبيِّ ﷺ وأصحابِه؛ على ما قد بَيَّنَّا قبلُ، وليس النكاحُ وتَزْويجُ النساءِ - وإن كان مِن فَضْلِ اللهِ جلّ ثناؤه الذي آتاه عبادَه - بتقْريظٍ (١) لهم ومدحٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: أم يَحسُدُ (٢) هؤلاء اليهودُ، الذين وَصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، الناسَ (٣) على ما آتاهم الله مِن فضلِه، مِن أجلِ أنهم ليسوا منهم؟
فكيف لا يحسُدُون آلَ إبراهيم، فقد آتيَناهم الكتابَ (٤).
ويعنى بقولِه: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: فقد أعطَينا آلَ إبراهيمَ.
يعنى أهلَه وتُبَّاعَه (٥) على دينِه ﴿الْكِتَابَ﴾.
يعني: كتابَ الله الذي أوحاه إليهم، وذلك كصُحُفِ إبراهيمَ وموسى والزبورِ، وسائرِ ما آتاهم من الكُتُبِ.
وأما الحكمةُ: فما أُوحِي إليهم مما لم يكنْ كتابًا مَقْروءًا.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
[واختَلف] (٦) أهلُ التأويلِ في معنى المُلْكِ العظيمِ الذي عنى الله في هذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هو النُّبُوةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا [محمدُ بنُ عمرٍو] (٧)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ الله جل ثناؤُه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾.
قال: هم يهودُ، ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
وليسوا منهم، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
قال: النبوةُ (١).
وقال آخرون: بل ذلك تحليلُ النساءِ.
قالوا: وإنما عَنَى الله جل ثناؤُه بذلك: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ محمدًا، على ما أحلَّ الله له مِن النساءِ، فقد أحلَّ اللَّهُ مثلَ الذي أحَلَّه له (٢) منهن، لداودَ وسليمانَ وغيرِهما (٣) من الأنبياءِ، فكيف لم يَحسُدُوهم على ذلك وحَسَدوا محمدًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾: سليمانَ وداودَ، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾.
يعنى: النُّبُوةَ، ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
في النساءِ، فما بالُه حَلَّ لأولئك وهم أنبياءُ، أن يَنكِحَ داودُ تِسْعًا وتسعين امرأةً، ويَنكِحَ سليمانُ مائةً، ولا يَحِلُّ لمحمدٍ أن يَنكِحَ كما نَكَحوا (٤)؟
وقال آخرون: بل معنى قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: الذي أُوتِى (٥) سليمانُ بنُ داودَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾: يعنى ملكَ سليمانَ (١).
وقال آخرون: بل كانوا أُيِّدوا بالملائكةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ الغفاريُّ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن همامٍ بنِ الحارثِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
قال: أُيِّدوا بالملائكةِ والجنودِ (٢).
[حدَّثني أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قال: ثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يوسفَ بن أبى إسحاقَ، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن عبدِ الرحمن بن يزيدَ، عن أبي مسلمٍ في قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
قال: أُيِّدوا بالملائكةِ] (٣) (٤).
وأولى هذه الأقوالِ بتأويلِ (٥) قولِه: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
القولُ الذي رُوِى عن ابن عباسٍ أنه قال: يَعْنى مُلْكَ سليمانَ؛ لأن ذلك هو المعروفُ في كلامِ العربِ، دونَ الذي قال [من قال] (١): إنه مُلْكُ النُّبَّوةِ.
ودونَ قولِ مَن قال: إنه تحليلُ النساءِ والمِلْكُ عليهنَّ؛ لأن كلامَ الله جل ثناؤه الذي خُوطِبت به العربُ غيرُ جائزٍ توجيهُه إلا إلى المعروفِ المستعمَلِ فيهم مِن معانيه، إلا أن تَأْتِيَ دَلالَةٌ أَو تَقُومَ حُجَّةٌ على أن ذلك بخلافِ ذلك، يَجِبُ التسليمُ لها.
القولُ في تأويلِ قولهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤه: فمِن الذين أُوتُوا الكتابَ من يهودِ بني إسرائيلَ الذين قال لهم جلَّ ثناؤُه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ - ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾.
يَقُولُ: مَن صدَّق بما أنْزَلنا على محمدٍ ﷺ مصدِّقًا لما معهم، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾.
يقولُ: ومنهم مَن أعرَض عن التصديقِ به.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾.
قال: بما (٢) أُنْزِل على محمدٍ مِن يهودَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ (٣).
وفى هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن الذين صَدُّوا عما أنزَل الله على محمدٍ ﷺ، من يهودِ بني إسرائيلَ الذين كانوا حوالَىْ مُهاجرِ رسولِ الله ﷺ، إنما رُفِع عنهم وعبدُ اللهُ الذي تَوَعَّدَهم به في قولِه: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.
في الدنيا، وأُخِّرت عقوبتُهم إلى يومِ القيامةِ؛ لإيمانِ مَن آمَن منهم، [وأن الوعيدَ لهم مِن اللهِ بتعجيلِ] (١) العقوبةِ في الدنيا إنما كان على مُقامِ جميعِهم على الكفرِ بما أنزَل اللهُ على نبيِّه محمدٍ ﷺ، فلما آمَن بعضُهم خرَجوا مِن الوعيدِ الذي توعَّده في عاجلِ الدنيا، وأخِّرت عقوبةُ المقيمين على التكذيبِ إلى الآخرةِ، فقال لهم: كفاكم بجهنمَ سعيرًا.
ويَعْنى بقولِه: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾: وحسبُكم أيُّها المكذِّبون بما أنْزَلْتُ على محمدٍ نبيِّى ورسولى ﴿بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾.
يَعْنى: بنارٍ جَهَنَّمَ تُسْعَرُ عليكم.
أي: تُوقَدُ عليكم.
وقيل: ﴿سَعِيرًا﴾.
وأصلُه "مَسْعُورا"، من: سُعِرتْ تُسْعَرُ فهي مَسْعُورةٌ، كما قال الله جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢].
ولكنها صُرِفت إلى فَعيلٍ، كما قيل: كفٌّ خَضِيبٌ ولحيةٌ دَهِينٌ.
بمعنى: مَخْضُبةٌ ومَدْهونةٌ.
والسعيرُ الوَقودُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وعيدٌ مِن اللهِ للذين أقاموا على تكذيبِهم بما أنزَل الله على محمدٍ مِن يهودِ بنى إسرائيلَ وغيرِهم مِن سائِر الكفّارِ [به و] (١) برسولِه.
يقُولُ الله لهم: إن الذين جحَدوا ما أَنْزَلْتُ (٢) على رسولى محمدٍ ﷺ مِن آياتى.
يَعْنى: مِن آياتِ تنزيلِه، ووَحْى كتابِه، وهى [دَلالتُه وحُجَّتُه] (٣) على صدقِ محمدٍ ﷺ، فلم يُصَدِّقوا به مِن يهودِ بني إسرائيل وغيرِهم من سائرِ أهلِ الكفرِ به، ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾.
يقولُ: سوف تُنْضِجُهم في نارٍ يُصْلَون فيها، أي: يُشْوَوْن فيها، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾.
[يَقُولُ: كلَّما انْشَوَتُ بها جُلودُهم] (٤) فاحْتَرَقت، ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
يَعْنى: غيرَ الجلودِ التي قد نضِجت فانْشَوَت.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن ثُوَيرٍ (٥)، عن ابن عمرَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
قال: إذا احْتَرَقَت جُلودُهم بَدَّلناهم جُلودًا بيضًا أمثالَ القراطيسِ (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
يَقُولُ: كُلَّما احْتَرَقت جُلودُهم بدَّلْناهم جلودًا غيرَها.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قال: سمِعنا أنه مكتوبٌ في الكتابِ الأوّلِ أن (١) جلدَ أحدِهم أربعون ذراعًا، [وسِنَّه سبعون ذراعًا] (٢)، وبَطْنَه لو وُضِع فيه جبلٌ لوَسِعه (٣)، فإذا أكَلت النارُ جُلودَهم بُدِّلوا جُلودًا غيرَها (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخْبرَنا ابن المباركِ، قال: بَلَغني عن الحسنِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾، قال: تُنْضِجُهم (٥) في اليومِ سبعين ألفَ مرَّةٍ (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ الحدادُ، عن هشامِ بن حسانَ، عن الحسنِ قولَه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
قال: تُنْضِجُ النارُ كلَّ يومٍ سبعين ألفَ جلدٍ.
قال (٧): وغلظُ جلدِ الكافرِ أربعون ذراعًا، فالله (٨) أعلمُ بأيِّ ذراعٍ (٩).
[وإن سأَلنا] (١٠) سائلٌ فقال: وما معنى قوِله جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؟
وهل يَجُوزُ أن يُبَدَّلُوا جُلُودًا غيرَ جُلودِهم التي كانَت لهم في الدنيا فيعذَّبوا فيها؟
فإن جاز ذلك عندَك، فأجِزْ أَن يُبَدَّلُوا أجسامًا وأرواحًا غيرَ أجسامِهم وأرواحِهم التي كانت لهم في الدنيا فتُعذَّبَ، فإِن أَجَزْت ذلك لزِمك أن يكونَ المعذَّبون في الآخرةِ بالنارِ غيرَ الذين أوْعَدَهم الله العقابَ على كفرِهم به ومعصيتِهم إياه، وأن يَكُونَ الكفارُ قد ارتفَع عنهم العذابُ!
قيل: إن الناسَ اختلَفوا في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: العذابُ إنما يَصِلُ إلى الإنسانِ الذي هو غيرُ (١) الجلدِ واللحم، وإنما يُحْرَقُ الجلدُ ليَصِلَ إلى الإنسانِ ألمُ العذابِ، فأما الجلدُ واللحمُ فلا يَأْلَمان.
قالوا: فسواءٌ أُعِيدَ على الكافرِ جلدُه الذي كان له في الدنيا أو جلدٌ غيرُه، إذ كانَت الجلودُ غيرَ آلمةٍ ولا معذَّبةٍ، وإنما الآلِمةُ المعذَّبةُ النفسُ التي تُحِسُّ الألمَ، ويَصِلُ إليها الوجَعُ.
قالوا: وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ مستحيلٍ أن يُخْلَقَ لكلِّ كافرٍ في النارِ في كلِّ لحظةٍ وساعةٍ مِن الجلودِ ما لا يُحْصَى عددُه، ويُحْرَقُ ذلك عليه (٢)، ليَصِلَ إلى نفِسه ألمُ العذابِ، إذ كانت الجلودُ لا تألمُ.
وقال آخرون: بل الجلودُ تَأْلمُ، واللحمُ وسائرُ أجزاءِ جِرْمِ ابن (٣) آدمَ، وإذا أُحْرِق جلدُه أو غيرُه من أجزاءِ جسدِه، وصل ألمُ ذلك إلى جميعِه.
قالوا: ومعنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾: بدَّلناهم جُلودًا غيرَ مُحْتَرِقةٍ، وذلك أنها تُعادُ جديدةً، والأُولى كانَت قد احتَرَقت فأُعِيدَت غيرَ محترقةٍ، فلذلك قيل ﴿غَيْرَهَا﴾؛ لأنها غيرُ الجلودِ التي كانَت لهم في الدنيا التي عصَوُا الله وهي لهم.
قالوا: وذلك نظيرُ قولِ العربِ للصائغِ - إذا اسْتَصَاغَتْه خاتَمًا مِن خَاتَمٍ مصوغٍ، بتحويلِه عن صِياغتِه التي هو (١) بها إلى صياغةٍ أُخرى -: صُغْ لى مِن هذا الخاتمِ خاتَمًا غيرَه.
فيَكْسِرُه ويَصوغُه (٢) له منه خاتَمًا غيرَه، والخاتمُ المصوغُ بالصياغةِ (٣) الثانيةِ هو الأوّلُ، ولكنه لما أُعيدَ بعدَ كسرِه خاتَمًا قيل: هو غيرُه.
قالوا: فكذلك معنى قولِه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾.
لما احْتَرَقت الجلودُ ثم أُعِيدَت جديدًا (٤) بعدَ الاحتراقِ قيل: هي غيرُها.
على ذلك المعنى.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾.
سرابيلُهم، بدَّلناهم سرابيلَ مَن قَطِرانٍ غيرَها، فجُعِلَت السَّرابيلُ القَطِرانُ لهم جُلودًا، كما يُقالُ للشيءِ الخاصِّ بالإنسانِ: هو جِلدةُ ما بينَ عيْنَيه ووجهِه؛ لخُصوصِه به.
قالوا: فكذلك سرابيلُ القَطِران التي قال الله في كتابِه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ٥٠].
لما صارَت لهم لباسًا لا تُفارقُ أجسامَهم جُعِلت لهم جلودًا، فقيل: كلما اشتعَل القَطِرانُ في أجسامِهم واحترَق، بُدِّلوا سرابيلَ من قَطِرانٍ آخَرَ.
قالوا: وأما جلودُ أهلِ الكفرِ مِن أهلِ النارِ فإنها لا تحترقُ (٥)؛ لأن في احتراقِها إلى حالِ إعادتِها فناءَها، وفى فنائِها راحتُها.
قالوا: وقد أخبرَ الله تعالى ذكرُه [عنها أنهم لا يموتون] (٦) ولا يُخَفَّفُ عنهم مِن عذابِها، قالوا: وجلودُ الكفارِ أحدُ أجزاءِ (٧) أجسامِهم، ولو جاز أن يَحْتَرِقَ منها شيءٌ فيَفْنَى ثم يُعادَ بعد الفناءِ في النارِ، جاز ذلك في جميعِ أجزائِها، وإذا جاز ذلك وجَب أن يَكُونَ جائزًا عليهم الفناءُ، ثم الإعادةُ والموتُ، ثم الإحياءُ، وقد أخبرَ الله عنهم أنهم لا يَمُوتون.
قالوا: وفى خبرِه عنهم أنهم لا يَمُوتون دليلٌ واضحٌ أنه لا يَمُوتُ شيءٌ مِن أجزاءِ أجسامِهم، والجلودُ أحدُ تلك الأجزاءِ.
وأما معنى قولِه: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ فإنه يقولُ: فعَلنا ذلك بهم ليَجِدُوا ألمَ العذابِ وكَرْبَه وشِدَّتَه، بما كانوا في الدنيا يُكَذِّبون آياتِ اللهِ ويَجْحَدُونها.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾.
يقولُ: إن الله لم يَزَلْ عزيزًا في انتقامِه ممن انتقَم منه مِن خلقِه، لا يَقْدِرُ على الامتناعِ منه أحدٌ أراده بضرٍّ، ولا الانتصارِ منه أحدٌ أحلَّ به عقوبةً، حكيمًا في تدبيرِه وقضائِه.
القولُ في تأويلِ قولهِ جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ (١).
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: والذين آمَنوا بالله ورسولِه محمدٍ ﷺ، وصدَّقوا بما أنزَل الله على محمدٍ مصدِّقًا لما معهم؛ من يهودِ بنى إسرائيلَ وسائرِ الأممِ غيرِهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
يَقُولُ: وأدَّوْا ما أمَرهم الله به مِن فرائضِه، واجْتَنَبوا ما حرَّم الله عليهم مِن معاصيه، وذلك هو الصالحُ مِن أعمالِهم، ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يقول: سوف يُدْخِلُهم الله يومَ القيامةِ جناتٍ، يَعْنى بساتينَ، ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يقولُ: تَجْرِى مِن تحتِ تلك الجناتِ الأنهارُ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
يقولُ: باقين فيها أبدًا بغيرِ نهايةٍ ولا انقطاعٍ، دائمًا ذلك لهم فيها أبدًا، ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾.
يقولُ: لهم في تلك الجناتِ التي وصَف صفتَها ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.
يَعْنى: بريئاتٌ مِن الأدناسِ والرِّيَبِ والحيضِ والغائطِ والبولِ والحبَلِ (١) والبُصاقِ، وسائرِ ما يَكونُ في نساءِ أهلِ الدنيا.
وقد ذكَرنا ما في ذلك مِن الآثار فيما مضَى قبلُ فأغنَى ذلك عن إعادتِها (٢).
وأما قولُه: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾.
فإنه يقولُ: ونُدْخِلُهم ظِلَّا كَنِينًا.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠].
وكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قالا جميعًا: ثنا شعبةُ، قال: سمِعت أبا الضحاكِ يُحدِّثُ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إن في الجنةِ لشجرةً يَسيرُ الراكبُ في ظلِّها مائةَ عامٍ لا يَقْطَعُها؛ شجرةُ الخُلدِ" (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اختلَف أهلُ التأويلُ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ولاةُ أمورِ المسلمينِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن أبي مكينٍ (١)، عن زيدِ بن أَسْلَمَ، قال: نزَلت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٢).
في وُلاةِ الأمرِ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا ليثٌ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ، قال: نزَلت في الأمراءِ خاصةً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، قال: قال عليٌّ كلماتٍ أصاب فيهنّ: حقٌّ على الإمامِ أن يَحْكُم بما أنزَل اللهُ، وأن يُؤَدِّيَ الأمانةَ، وإذا فعَل ذلك، فحقٌّ على الناسِ أن يَسْمَعُوا وأن يُطِيعُوا، وأن يُجيبُوا إذا دُعوا (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا إسماعيلُ، عن مصعبِ بن سعدٍ، عن عليٍّ بنحوِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عُبَيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا موسى بنُ عميرٍ، عن مكحولٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: هم أهلُ الآيةِ التي قبلها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
إلى آخرِ الآيةِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرنا ابن زيدٍ، قال: [قال أبي: هم] (٢) الوُلاةُ، أمَرهم أن يُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها (٣) وقال آخرونَ: أمَر السلطانَ بذلك؛ أن يَعِظُوا النساءَ (٤).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: يَعْنِي السلطانَ، [يَعِظون النساءَ] (٥).
وقال آخَرون: الذي خوطِب بذلك النبيُّ ﷺ في مفاتيحِ الكعبةِ، أُمِر بردِّها على عثمانَ بن طلحةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
قال: نزَلت في عثمانَ [بن طلحةَ] (١) بن أبي طلحةَ، قبَض منه النبيُّ ﷺ مِفتاحِ (٢) الكعبةِ، ودخَل به (٣) البيتَ يومَ الفتحِ، فخرَج وهو يَتْلُو هذه الآيةَ، فدَعا عثمانَ فدفَع إليه المِفتاحَ.
قال: وقال عمرُ بنُ الخطابِ لما خرَج رسولُ اللهِ ﷺ [مِن الكعبةِ] (٤) وهو يَتْلُو هذه الآيةَ: فِداه أبي وأمى، ما سمِعتُه يَتْلُوها قبلَ (٥) ذلك (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا الزَّنْجيُّ بنُ خالدٍ، عن الزهريِّ، قال: دفَعه إليه وقال: "أعينُوه" (٧).
وأوَلى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى قولُ مِن قال: هو خطابٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه ولاةَ أمورِ المسلمين بأداءِ الأمانةِ إلى مَن وَلُوا أَمْرَه فِي فَيْئِهم وحقوقِهم، وما ائْتُمِنوا عليه مِن أمورِهم، وبالعدلِ بينَهم في القضيةِ، والقَسْمِ بينَهم بالسويةِ، يَدُلُّ على ذلك ما وعَظ به الرعيةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
فأمَرهم اللهُ بطاعتِهم، وأوْصَى الراعىَ برعيِّتِه، وأوْصَى الرعيةِ بالطاعةِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: قال أبي: هم السلاطينُ.
وقرَأ ابن زيدٍ: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
[وإنما نقولُ: هم العلماء الذين يَطَيفون (١) على السلطانِ] (٢)، ألا تَرَى أنه أمرهم فبدأ بهم؛ بالولاةِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
[والأماناتُ هي] (٣) الفَيْءُ الذي اسْتَأْمنهم على جمعِه وقَسمِه، والصَّدَقَاتُ التي اسْتَأْمَنهم على جَمْعِها وقِسْمتِها، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية كلها.
فأمَر بهذا الولاةَ، ثم أقبَل علينا نحن فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وأما الذي قال ابن جريجٍ مِن أن هذه الآية نزَلت في عثمانَ بن طلحةَ، فإنه جائزٌ أن تَكُونَ نزَلت فيه وأُرِيدَ به كلُّ مُؤتَمنٍ على أمانةٍ، فدخَل فيه وُلاةُ أمورِ المسلمينِ وكلُّ مُؤْتَمَنٍ على أمانةٍ في دينٍ أو دنيا، ولذلك قال مَن قال: عُنى به قضاءُ الدَّيْنِ وردُّ حقوقِ الناسِ.
كالذي حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾: فإنه لم يُرخِّصْ لمُوسرٍ ولا مُعْسرٍ أن يُمسكها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
عن الحسنِ أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يَقُولُ: "أد الأمانةَ إلى مِن ائْتَمنك، ولا تَخُنْ مِن خانكَ" (٥).
فتأويلُ الآيةِ إذن، إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: إن اللهَ يَأْمُرُكم يا معشرَ وُلاةِ أمورِ المسلمين (١) أن تُؤَدُّوا ما ائْتَمَنكم عليه رَعِيَّتُكُم مِن فَيْئِهم وحُقُوقِهم وأموالِهم وصَدَقاتهم إليهم (٢)، على ما أمَركم اللهُ بأداءِ كلِّ شيءٍ مِن ذلك إلى مَن هو له، بعدَ أن تصيرَ في أيديكم، لا تَظْلِموها أهلَها، ولا تَسْتأثِروا بشيءٍ منها، ولا تَضَعوا شيئًا منها في غيرِ موضعِه (٣)، ولا تَأْخُذُوها إلا ممَّن أذِن اللهِ لكم بأخذِها منه، قبلَ أن تَصيرَ في أيديكم، ويَأْمُرُكم إذا حَكَمتم بين رعِيَّتِكم أن تَحْكُموا بينَهم بالعدلِ والإنصافِ، وذلك حكمُ اللهِ الذي أنزَله في كتابه، وبَيَّنَه على لسانِ رسولِه، لا تَعْدُوا ذلك فتَجُورُوا عليهم (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إن الله - يا معشرَ ولاةِ أمورِ المسلمين - نِعْمَ الشيءُ يَعِظُكم به، ونِعْمَت العِظةُ يَعِظُكم بها، في أمْرِه إياكم أن تُؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها، وأن تَحْكُموا بينَ الناسِ بالعدلِ، و ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
يقولُ: إن الله لم يَزَلْ سميعًا بما تَقُولون وتَنْطِقُون، وهو سميعٌ لذلك منكم إذا حكَمتم بينَ الناسِ، ولِمَا (١) تُحاوِرونَهم (٢) به [وتنطِقون] (٣)، ﴿بَصِيرًا﴾ بما تفعلون فيما ائْتُمِنْتم (٤) عليه مِن حقوق رعيَّتِكم وأموالِهم، وما تَقْضُون به (٥) بينَهم مِن أحكامِكم، بعدلٍ تَحكمون أو جورٍ، لا يَخْفى عليه شيءٌ مِن ذلك، حافظٌ ذلك كلَّه عليكم (٦)، حتى يُجَازِى مُحسِنَكم بإحسانِه، ومُسيئكم بإساءته، أو يَعْفُو بفضله.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا أطِيعوا اللهِ ربَّكم فيما أمرَكم به وفيما نهاكم عنه، وأطِيعوا رسولَه محمدًا ﷺ، فإن في طاعتِكم إياه لربِّكم طاعةً، وذلكم أنكم تُطِيعونه لأمرِ اللهِ إياكم بطاعتِه.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ: "مَن أطاعَنى فقد أطاع الله، ومَن أطاع أميرى (٧) فقد أطاعَنى، ومن عَصاني فقد عصَى الله، ومَن عَصا أميرِى (٧) فقد عَصاني" (٨).
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فقال بعضُهم: ذلك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه باتباعِ سنتِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ سنتِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيد، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.
قال: طاعةُ الرسولِ اتباعُ الكتابِ والسنةِ (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه (٢).
وقال آخرون: ذلك أمرٌ مِن اللهِ بطاعةِ الرسولِ في حياته.
ذكر مِن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾: إن كان حيًّا.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: هو أمرٌ مِن الله تعالى بطاعةِ رسولِه في حياتِه فيما أمَر ونهَى، وبعدَ وفاتِه باتباعِ سنتِه؛ وذلك أن الله عمَّ بالأمرِ بطاعتِهِ ولم يَخْصُصْ ذلك (١) في حالٍ دونَ حالٍ، فهو على العمومِ حتى يخصَّ ذلك ما يَجِبُ التسليمُ له.
واختلَف أهلُ التأويلِ في أُولى الأمِر الذين أمَر اللهُ عبادَه بطاعتِهم في هذه الآية؛ فقال بعضُهم: هم الأمراءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: هم الأمراء (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ الصَّبَاحِ البزارُ، قال: ثنا حجاجُ بنُ محمدٍ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبَرني يَعْلى بنُ مسلمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: نزَلت في رجلٍ بعَثه النبيُّ ﷺ على سريةٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عبدِ الله (١) بن مسلم بن هُرْمُزَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أن هذه الآيةَ نزَلت في عبدِ اللهِ بن [حذافةَ بن قيسٍ] (٢) السَّهْمِيِّ إذ بعَثه النبيُّ ﷺ في السرية.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكام، عن عنيسةً، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: أصحابُ السَّرَايا على عهدِ النبيِّ ﷺ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: قال أبي: هم السلاطينُ.
قال: وقال ابن زيدٍ: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: قال أبي: قال رسولُ اللهِ: "الطاعةَ الطاعةَ، وفي الطاعةِ بَلاءٌ".
قال: ولو شاء اللهُ (٤) لجعَل الأمرَ في الأنبياءِ يُقْضَى (٥)، لقد جعِل (٦) إليهم والأنبياءُ معهم، ألا ترى حينَ حكَموا في قتلِ يحيى بن زكريا (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾.
قال: بعَث رسولَ اللهِ ﷺ سريةً عليها خالدُ بنُ الوليدِ، وفيها عمارُ بنُ ياسرٍ، فساروا قِبلَ القومِ الذين يُريدون، فلمّا بلَغوا قريبًا منهم عرَّسوا (١)، وأتاهم ذو (٢) العُيَيْنَتَينِ (٣) فأخبرَهم، فأصبَحوا قد هرَبوا غيرَ رجلٍ أمَر أهلَه فجمَعوا متاعَهم، ثم أقبَل يمشى في (٤) ظلمةِ الليلِ، حتى أتَى عسْكرَ خالدٍ، فسأَل عن عمارِ بن ياسرٍ فأتاه، فقال: يا أبا اليَقْظانِ.
إنى قد أسلمتُ، وشهِدتُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وإن قومى لمّا سمِعوا بكم هرَبوا، وإنى بقِيتُ، فهل إسلامى نافعى غدًا، وإلا هربتُ؟
قال عمار: بل هو يَنْفَعُك، فأقِم.
فأقام، فلمّا أصبَحوا أغار خالدٌ، فلم يَجِد أحدًا غيرَ الرجلِ، فأخَذه وأخَذ مالَه، فبلَغ عمارًا الخبرُ، فأتى خالدًا فقال: خلٍّ عن الرجلِ فإنه قد أسلَم، وهو (٥) في أمانٍ منِّى.
قال خالدٌ: وفيم أنت تُجيرُ؟
فاستبًا وارْتَفعا إلى النبيِّ ﷺ، فأجاز أمانَ عمارٍ ونهاه أن يُجيرَ الثانيةَ على أميرٍ، فاستبّا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال خالدٌ: يا رسولَ اللهِ، أَتَتْرُكُ هذا العبدَ الأجدعَ يَسُبُّني؟
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا خالدُ، لا تَسُبَّ عمارًا، فإنه مِن سبَّ عمارًا سبَّه اللهُ، ومَن أَبْغَضَ عمارًا أبْغَضَه اللهُ، ومَن لعَن عمارًا لعَنه اللهُ".
فغضِب عمارٌ، فقام، فتبِعه خالدٌ حتى أخَذ بثوبِه فاعتذَر إليه، فرضِى عنه، فأنزَل اللهُ (٦) قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (١).
وقال آخرون: هم أهلُ العلمِ والفقهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن عليٍّ بن صالحٍ، عن عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عَقيلٍ، عن [جابرِ بن عبدِ اللهِ] (٢)، قال (٣): ثنا جابرُ بنُ: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، عن الأعمشِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أولو الفقه منكم (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أولو الفقهِ والعلمِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أولو الفقهِ في الدينِ والعقلِ.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: يَعْنى أهلَ الفقهِ و (٣) الدينِ (٤).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ (٥)، عن مجاهدٍ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أهلُ العلمِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ (٦) في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أولو العلم والفقه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: الفقهاءُ والعلماءُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: هم العلماءُ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاقِ، عن الثَّوْرِيِّ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: هم أهلُ الفقهِ والعلمِ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: حدَّثني إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: هم أهلُ العلمِ، ألا تَرَى أنه يَقُولُ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٤) [النساء: ٨٣].
وقال آخَرون: هم أصحابُ محمدٍ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: كان مجاهدٌ يَقُولُ: أصحابُ محمدٍ.
قال: وربما قال: [أولو العقلِ] (١) والفقهِ ودينِ اللهِ (٢).
وقال آخَرون: هم أبو بكرٍ وعمرُ ﵄.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أحمدُ بنُ عمرٍو البصريُّ [وسعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قالا] (٣): ثنا حفصُ بنُ عمرَ العَدَنيُّ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
قال: أبو بكرٍ وعمرُ (٤).
وأوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: هم الأمراءُ والوُلاةُ؛ لصحةِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ بالأمرِ بطاعةِ الأئمةِ والوُلاةِ فيما كان للهِ (٥) طاعةً، وللمسلمين مصلحةً.
كالذي حدَّثني عليُّ بنُ مسلمٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ (١)، قال: ثني عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عُروةَ، عن هشامِ بن عروةَ، عن أبي صالحٍ السَّمَّانِ، عن أبي هريرة، أن النبيَّ ﷺ قال: "سيَلِيكم بعدى وُلاةٌ، فتليكم البَرُّ ببِرِّه، و (٢) الفاجرُ بفُجوره، فاسْمَعوا لهم وأطِيعُوا في كلِّ ما وافَق الحقَّ، وصَلُّوا وراءَهم، فإن أحْسَنوا [فلكم ولهم] (٣)، وإن أساءُوا فلكم وعليهم" (٤).
حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: ثنا يحيى، عن (٥) عبيدِ اللهِ، قال: أخبرَنى نافعٌ: عن [عبدِ اللهِ] (٦)، عن النبيِّ ﷺ قال: "على المرءِ المسلمِ [السمعُ و] (٧) الطاعةُ فيما أحبَّ و (٨) كرِه، إلا أن يُؤمر بمعصيةٍ، فإن (٩) أُمرِ بمعصيةِ فلا طاعةَ" (١٠).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثنا خالدٌ عن (١١) عبيدِ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ نحوَه.
فإذ كان معلومًا أنه لا طاعةَ واجبةٌ لأحدٍ غيرِ اللهِ أو رسولِه أو إمامٍ عَدْلٍ، وكان اللهُ قد أمَر بقولِه: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
بطاعةِ ذوِى أمرِنا، كان معلومًا أن الذين أمَر بطاعتِهم تعالى ذكرُه مِن ذوِى أمرِنا هم الأئمةُ ومَن [وَلَّوْه أمَر المسلمين] (١)، دونَ غيرِهم مِن الناسِ، وإن كان فرضًا القبولُ مِن كلِّ [آمرٍ أمَر] (٢) بتَركِ معصيتِه ودعا إلى [طاعتِه، غيرَ] (٣) أنه لا طاعةَ تَجِبُ لأحدٍ فيما أمَر ونهَى فيما (٤) لم تُقمْ حجةُ وجوبِه إلا للأئمةِ الذين ألزَم اللهُ عبادَه طاعتَهم فيما أمَروا به رعيَّتَهم، مما هو مصلحةٌ لعامةِ الرعيةِ، فإن على مَن أمَروه بذلك طاعتَهم، وكذلك في كلِّ ما لم يَكُنْ للهِ معصيةً.
وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا بذلك صحةُ ما اخْتَرنا مِن التأويلِ دونَ غيرِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فإن اختلَفتم أيها المؤمنون، في شيءٍ مِن أمرِ دينِكم؛ أنتم فيما بينَكم، أو أنتم ووُلاة أمرِكم، فاشْتَجَرتم فيه، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
يَعْنى بذلك: فارْتَادوا معرفةَ حكمِ ذلك (٥) الذي اشْتَجَرتم أنتم بينكم، أو أنتم وولاةُ أمرِكم فيه، مِن عندِ اللهِ، يَعْنى بذلك: مِن كتابِ اللهِ، فاتَّبِعوا (٦) ما وجَدتم فيه (١)، [وأطيعوا الله باتِّباعِكم ما فيه مِن أمرِه ونَهْيِه، وحكمِه وقضائه] (٢).
وأما قولُه: ﴿وَالرَّسُولِ﴾.
فإنه يَقُولُ: فإن لم تَجِدوا (٣) عِلْمَ ذلك في كتابِ اللهِ مُبَيَّنًا (٤)، فارْتادُوا معرفةً ذلك أيضًا مِن عندِ الرسولِ إن كان حيًّا، وإن كان ميِّتًا فمِن سنَّتِه، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
يَقُولُ: افْعَلُوا ذلك إن كنتم تصدِّقون باللهِ واليومِ الآخرِ.
يعنى: بالمعادِ الذي فيه الثوابُ والعقابُ، فإنكم إن فعَلتم ما أُمِرتم به مِن ذلك، فلكم مِن الله الجزيلُ مِن الثوابِ، وإن لم تفعَلوا ذلك، فلكم الأليمُ مِن العقابِ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبَرنا ليثٌ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قال: فإن تنازَع العلماءُ ردُّوه إلى اللهِ والرسولِ (٥)؛ إلى (٦) كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه.
ثم نزَع (٧) مجاهدٌ بهذه (٨) الآيةِ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١) [النساء: ٨٣].
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قال: إلى (٢) كتابِ اللهِ وسنَّةِ نبيِّه ﷺ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا الثوري، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قال: إلى الله: إلى كتابِه، وإلى الرسول: إلى سنَّةِ نبيِّه (٤).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن ليثٍ، قال: سأَل مَسْلمةُ ميمونَ بنَ مهرانَ عن قولِه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: إلى (٢) اللهِ: كتابِه، ورسولِه: سنتِه.
فكأنما ألْقمه حجرًا.
حدَّثنا أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ بُرْقَانَ (٥)، عن ميمونِ بن مهرانَ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
قال: الردُّ إلى اللهِ، الردُّ إلى كتابِه، والردُّ إلى رسولِه إن كان حيًّا، فإن قبَضه الله إليه فالردُّ إلى السنةِ (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
يقولُ: رُدُّوه إلى كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١) حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾: إن كان الرسولُ حيًّا، ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ قال: إلى كتابِه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾: فرَدُّ ما تنازَعتم فيه مِن شيءٍ إلى اللهِ والرسولِ، ﴿خَيْرٌ﴾.
لكم عندَ اللهِ في مَعادِكم، وأصلحُ لكم في دنياكم؛ لأن ذلك يَدْعُوكُم إلى الألفةِ وتركِ التنازِع والفُرقةِ، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
يعنى: وأحمَدُ موئلًا ومغبَّةً، وأجملُ عاقبةً.
وقد بينا فيما مضَى أن التأويلَ التفعيلُ، مِن "تأوَّل"، وأن قولَ القائل: تأوَّل: "تفعَّل" مِن قولِهم: آلَ هذا الأمرُ إلى كذا أي: رجَع.
بما أغنَى عن إعادتِه (٣).
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
قال: وأحسنُ جزاءً (١) حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
يقولُ: ذلك أحسنُ ثوابًا وخيرٌ عاقبةٌ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
قال: عاقبةً (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
قال: وأحسنُ عاقبةٌ.
قال: والتأويلُ التصديقُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ يا محمدُ بقلبِك فتَعْلمَ، إلى الذين يَزْعُمون أنهم صدَّقوا بما أَنْزَلْنا إليك مِن الكتابِ، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أَنْزَلْنَا مِن قَبْلِك مِن الكتبِ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾.
في خصومتهم ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
يَعْنى: إلى مَن يُعَظِّمونه ويَصْدُرون عن قولِه، ويَرْضَون بحكمه مِن دونِ حكمِ اللهِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.
يَقولُ: وقد أمَرهم اللهُ أن يُكَذِّبوا بما جاءَهم به الطاغوتُ الذي يَتَحاكَمون إليه، فترَكوا أمَر اللهِ، واتَّبعوا أمْرَ الشيطانِ، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
يَعْنى أن الشيطانَ يُريدُ أن يصدَّ هؤلاء المتحاكِمين إلى الطاغوتِ عن سبيلِ الحقِّ والهدى.
فيُضِلُّهم عنها ضلالًا بعيدًا، يعني: فيجورَ بهم عنها جَوْرًا شديدًا.
وقد ذكِر أن هذه الآية نزَلت في رجلٍ مِن المنافقين دعا رجلًا مِن اليهود في خصومةٍ كانت بينَهما إلى بعضِ الكُهانِ ليَحْكُم بينَهم، ورسولُ اللهِ ﷺ بينَ أظهرهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال: كان بينَ رجلٍ مِن اليهودِ وبينِ رجلٍ مِن المنافقين خصومةٌ، فكان المنافقُ يَدْعُو إلى اليهودِ؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم يَقْبَلُون الرِّشوةَ، وكان اليهوديُّ يَدْعُو إلى المسلمين؛ لأنه يَعْلَمُ أنهم لا يَقْبَلون الرِّشوةَ، فاصْطَلحا أن يَتَحاكما إلى كاهنٍ مِن جُهَيْنةَ، فأنزَلَ اللهُ ﷿ فيه هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ حتى بلَغ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ في هذه الآيةِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
فذكرَ نحوَه، وزاد فيه: فأنزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يعنى المنافقَ (١)، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يعنى اليهودِيَّ (٢)، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
يقولُ: إلى (٣) الكاهن، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابه، أن يَكْفُرَ بالكاهنِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، قال: كانت بينَ رجلٍ ممن يَزْعُمُ أنه مسلمٌ وبينَ رجلٍ مِن اليهودِ خصومةٌ، فقال اليهوديُّ: أُحاكمُك إلى أهل دينِك.
أو قال: إلى النبيِّ، لأنه قد عِلم أن النبيَّ ﷺ يأْخذُ الرِّشوةَ في الحكمِ، فاختلفا، فاتَّفَقا على أن يَأْتِيا كاهنًا في جُهَيْنَةً.
قال: فنزَلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾: يَعْنى الذي مِن الأنصارِ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: يَعْنى اليهوديَّ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: إلى الكاهنِ، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.
يَعْنى: أُمِر هذا في كتابِه، وأُمِر هذا في كتابِه.
﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
وقرَأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، عن أبيه، قال: زعَم حضرميٌّ أن رجلًا مِن اليهودِ كان قد أسلَم، فكانت بينَه وبين رجلٍ مِن اليهودِ مُدارَاةٌ (١) في حقٍّ، فقال اليهوديُّ له: انْطَلِق إلى نبيِّ اللهِ.
فعرَف أنه سيَقْضِي عليه، قال: فأبى، فانْطَلَقا إلى رجلٍ مِن الكهانِ، فتَحاكَما إليه، فأنزَل (٢) اللهُ جل ثناؤُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.
حتى بلغ: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾: ذُكر لنا أن هذه الآيةَ نزَلت في رجلين؛ رجلٍ مِن الأنصارِ يُقال له: بشرٌ.
وفى رجلٍ مِن اليهودِ، في مُدارَأَةٍ كانت بينَهما في حقٍّ، فتَدارَءا بينَهما فيه، فتَنافَرا إلى كاهنٍ بالمدينة يَحْكُم بينَهما، وترَكا نبيَّ اللهِ ﷺ، فعاب اللهُ ذلك عليهما (٤)، وذُكِر لنا أن اليهوديَّ كان يَدْعُوه إلى النبيِّ ﷺ ليَحْكُمَ بينَهما، وقد عِلم أن النبيَّ ﷺ الله لن يَجُورَ عليه، فجعَل الأنصاريُّ يَأْتِي عليه، وهو يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، ويَدْعُوه إلى الكاهنِ، فأنزَل اللهُ ما تَسْمَعُون، فعاب ذلك (٥) على الذي يَزْعُمُ أنه مسلمٌ، وعلى اليهوديِّ الذي هو مِن أهلِ الكتابِ، فقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال: كان ناسٌ مِن اليهودِ قد أسلَموا ونافَق بعضُهم، وكانت قريظةُ والنضيرُ في الجاهليةِ إذا قُتِل الرجلُ مِن بني النضيرِ؛ قتَلتْه بنو قُرَيظةَ، قتَلوا به منهم، فإذا قُتِل الرجلُ مِن بني قريظة؛ قتَلته النَّضِيرُ، أعطَوْا دِيتَه ستين وَسْقًا (١) مِن تمرٍ، فلما أسلَم ناسٌ مِن بني قُرَيظةَ والنَّضيرِ، قتَل رجلٌ مِن مِن بني النضيرِ رجلًا مِن بنى قريظةَ، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ، فقال النَّضَرِيُّ: يا نبيَّ اللهِ، إنا كنا نُعْطِيهم في الجاهليةِ الدِّيَةَ، فنحن نُعْطِيهم اليومَ ذلك.
فقالت قُرَيْظَةُ: لا، ولكنا إخوانُكم في النَّسَبِ والدين، ودماؤُنا مثلُ دمائِكم، ولكنكم كنتم تَغْلِبوننا في الجاهليةِ، فقد جاء اللهُ بالإسلامِ.
فأنزَلَ اللهُ يُعَيِّرُهم بما فعَلوا، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
[عيَّرهم بما فعَلوا] (٢)، ثم ذكَر قولَ النَّضَريِّ: كنا نُعْطيهم في الجاهليةِ ستين وسْقًا ونَقْتُلُ منهم ولا يَقْتُلُوننا.
فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
فأخذ النَّضريَّ فقتَله بصاحبِه، فتَفاخَرتِ النَّضيرُ وقُريظةُ، فقالت النضيرُ: نحن أكرمُ منكم.
وقالت قريظةُ: نحن أكرمُ منكم.
ودخَلوا المدينةَ إلى أبي بُرْدَة (٣) الكاهنِ الأسلميِّ، فقال المنافقون (٤) مِن قُرَيظةَ والنَّضيرِ: انْطَلِقوا إلى أبى بُرْدَة (٣) يُنْفِر (٥) بينَنا.
وقال المسلمون مِن قُرَيظةَ والنَّضِيرِ: لا، بل النبيُّ ﷺ يُنْفِرُ بينَنا، فتعالَوا إليه.
فأبَى المنافقون، وانْطَلَقوا إلى أبى بُرْدَةَ (١) فسأَلوه، فقال: أعظِموا اللُّقمةَ.
يَقُولُ: أعظِموا الخَطَرَ (٢).
فقالوا: لك عَشَرَةُ أوساقٍ.
قال: لا، بل مائةُ وَسْقٍ، دِيَتِى، فإني أخافُ أَن أُنْفِرَ النَّضِيرَ فتَقْتُلَنِى قُرَيظَةُ، أو أُنْفِرَ قُرَيْظَةَ فتَقْتُلَنِي النَّضِيرُ، فَأَبَوْا أَن يُعْطُوه فوقَ عَشَرَةِ أوساقٍ، وأبَى أن يَحْكُمَ بينَهم، فأنزلَ اللهُ ﷿: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: وهو أبو بُرْدَةَ (١)، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣).
وقال آخَرون: الطاغوتُ في هذا الموضعِ هو كعبُ بنُ الأشرفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: والطاغوتُ رجلٌ مِن اليهودِ كان يقالُ له: كعبُ بنُ الأشرفِ.
وكانوا إذا ما دُعوا إلى ما أنْزَل اللهُ وإلى الرسولِ ليَحْكُمَ بينَهم قالوا: بل نحاكِمُكم إلى كعبِ.
فذلك قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الآية (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ،، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال: تنازَع رجلٌ مِن المنافقين ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال المنافقُ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ.
وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ محمدٍ (١).
فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾.
الآية والتي تليها فيهما (٢) أيضًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
فذكَر مثلَه، إلا أنه قال: وقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى محمدٍ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
إلى قولِه: ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
قال: كان رجلان مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ بينَهما خصومةٌ؛ أحدُهما مؤمنٌ والآخر منافقٌ، فدعاه المؤمنُ إلى النبيِّ ﷺ، ودعاه المنافقُ إلى كعبُ بنُ الأشرفِ، فأنزَل اللهُ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ عن مجاهدٍ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
قال: تنازَع رجلٌ مِن المؤمنين ورجلٌ مِن اليهودِ، فقال اليهوديُّ: اذْهَبْ بنا إلى كعبُ بنُ الأشرفِ.
وقال المؤمنُ: اذْهَبْ بنا إلى النبيِّ ﷺ فقال اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾.
إلى قولِه: ﴿صُدُودًا﴾ قال ابن جريجٍ: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
قال: القرآنُ، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قال: التوراةُ.
قال: ويَكُونُ بينَ المسلمِ والمنافقِ الحقُّ، فيَدْعُوه المسلمُ إلى النبيِّ ﷺ؛ ليُحاكِمَه إليه، فيَأْتِي المنافقُ ويَدْعُوه إلى الطاغوتِ.
قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: الطاغوتُ كعبُ بنُ الأشرفِ (١).
حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: هو كعبُ بنُ الأشرفِ (٢) وقد بينا معنى الطاغوتِ في غيرِ هذا الموضعِ، فكرِهنا إعادتَه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ألم تَرَ يا محمدُ إلى الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أُنْزِل إليك مِن المنافقين، وإلى الذين يَزْعُمون أنهم آمَنوا بما أُنْزِل مِن قبلِك، مِن أهلِ الكتابِ، يُريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوتِ، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا (٤) إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾.
يَعْنى بذلك: وإذا قيل لهم (٥): هَلُمُّوا إلى حكمِ اللهِ الذي أَنْزَله في كتابِه، وإلى الرسولِ ليحكُمَ بينَنا، ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
يَعْنى بذلك: يَمْتَنِعون مِن المصيرِ إليك لتَحْكُمَ بينَهم، ويَمْنَعُون مِن المصيرِ إليك كذلك (١) غيرَهم ﴿صُدُودًا﴾.
وقال ابن جريجٍ في ذلك بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾.
قال: دعَا المسلمُ المنافقَ إلى رسولِ اللهِ ليَحْكُم بينَهم (٢).
قال: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾.
وأما على تأويلِ (٣) مِن جعَل ذلك (٢) الداعيَ إلى النبيِّ ﷺ اليهوديَّ، والمَدْعُوَّ إليه المنافقَ، على ما ذكَرتُ مِن أقوالِ مَن قال ذلك في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
فإنه على ما بَيَّنتُ قبلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: فكيف بهؤلاء الذين يُريدون أن يَتَحاكموا إلى الطاغوتِ، وهم يَزْعُمُون أنهم آمَنوا بما أُنزِل إليك وما أُنزل مِن قبلِك ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾.
يَعْنى: إذا نزَلت بهم نقمةٌ مِن الله، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
يَعْنى: بذُنوبِهم التي سلَفت منهم، ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾.
يقولُ: ثم جاءوك يخلفون باللهِ كذبًا وزورًا، ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
وهذا خبرٌ مِن الله عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يَرْدَعُهم عن النفاقِ الغِيرُ (١) والنِّقَمُ، وأنهم وإن نالتَهم (٢) عُقوبةٌ مِن اللهِ على احتكامِهم إلى الطاغوتِ، لم يُنيبوا ولم يَتُوبوا، ولكنهم يَحْلِفُون بالله كذبًا وجُرْأةً على اللهِ: ما أَرَدْنا باحتكامِنا إليه إلا الإحسانَ مِن بعضنا إلى بعضٍ، والصوابَ فيما احتكَمنا فيه إليه [باحتكامِنا إليه] (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾: هؤلاء المنافقون، ﴿الَّذِينَ﴾ وصَفتُ (٤) لك يا محمدُ صفتَهم، ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وتركِهم الاحتكامَ إليك، وصدودِهم عنك، مِن النفاقِ والزَّيْغِ، وإن حلَفوا باللهِ ما أرَدنا إلا إحسانًا وتوفيقا، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾.
يقولُ: فدَعْهُم فلا تُعاقِبْهم في أبدانِهم وأجسامِهم، ولكن عِظْهم بتخويفِك إياهم بأسَ اللهِ أن يَحِلَّ بهم، وعُقوبته أن تَنْزِلَ بدارِهم، وحَذِّرْهم غِبَّ (٥) مكروهِ ما هم عليه مِن الشكِّ في أمرِ اللهِ وأُمِر رسولِه، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾.
يقولُ: مُرْهم باتقاءِ اللهِ والتصديقِ به وبرسولِه ووعدِه ووعيدِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم تُرسل يا محمدُ رسولًا إلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فأنتَ يا محمدُ مِن الرسلِ الذين فَرَضْتُ طاعتَهم على مَن أرسَلْتُه إليه.
وإنما هذا توبيخٌ مِن الله جل ثناؤُه للمُحْتَكِمين مِن المنافقين، الذين كانوا يَزْعُمون أنهم يُؤْمنون بما أُنْزِل إلى النبيِّ ﷺ، فيما اختصموا فيه إلى الطاغوتِ، صُدُودًا عن رسولِ اللهِ ﷺ يَقُولُ لهم تعالى ذكرُه: ما أَرْسَلْتُ رسولًا إِلا فَرَضْتُ طاعتَه على مَن أَرْسَلْتُه إليه، فمحمدٌ ﷺ مِن أولئك الرسلِ، فمن ترَك طاعتَه والرضا بحكمِه واحتَكَم إلى الطاغوتِ، فقد خالَف أمْرِى وضيَّع فرْضِى.
ثم أخبرَ جلَّ ثناؤُه أن مَن أطاع رُسُلَه، فإنما يُطيعُهم بإذنِه.
يعنى: بتقديرِه ذلك له (١)، وقضائه السابق في علمه ومشيئتِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: نا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن شبلٍ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: واجبٌ لهم أن يطيعَهم مِن شاء الله، ولا يطيعَهم أحدٌ إلا بإذنِ اللهِ (٢) وإنما هذا تعريضٌ مِن الله تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين، بأن تَرْكَهم طاعةَ اللهِ وطاعةَ رسولِه والرضَا بحكِمه، إنما هو للسابقِ (٣) مِن خِذْلانِه وغلبة الشَّقاءِ عليهم، ولولا ذلك لكانوا ممن أذِن اللهِ له في الرضَا بحكمِه، والمسارعةِ إلى طاعتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصَف صفتَهم في هاتين الآيتين، الذين إذا دُعُوا إلى حكمِ اللهِ وحكمِ رسولِه صَدُّوا صدودًا ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باكتسابِهم (١) العظيمَ مِن الإثمِ في احتكامِهم إلى الطاغوتِ، وصدودِهم عن كتابِ اللهِ وسنةِ رسولِه إذا دُعُوا إليها، ﴿جَاءُوكَ﴾ يا محمدُ حينَ فعَلوا ما فعَلوا من مصيرِهم إلى الطاغوتِ راضين بحكمِه دونَ حكمِك، جاءوك تائبين مُنيبين، فسأَلوا الله أن يَصْفَحَ لهم عن عقوبةِ ذنبِهم بتغطيتِه عليهم (٢)، وسأَل لهم الله رسولُه ﷺ مثلَ ذلك.
وذلك هو معنى قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾.
وأما قولُه: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
فإنه يقولُ: لو كانوا فعَلوا ذلك فتابوا من ذنبِهم (٣)، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾.
يَقُولُ: راجعًا لهم مما يَكْرَهون إلى ما يُحِبون، ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في تركِه عقوبتَهم على ذنبِهم الذي تابوا منه.
وقال مجاهدٌ: عُنِى بذلك اليهوديُّ والمسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قال: هو الرجلُ اليهوديُّ والرجلُ المسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَلَا﴾: فليس الأمرُ كما يَزْعُمون أنهم يؤمنون بما أُنْزِل إليك، وهم يحتكِمون إلى الطاغوتِ، ويَصُدُّون عنك إذا دُعُوا إليك يا محمدُ.
ثم (٢) اسْتَأْنَف القَسَمَ جلَّ ثناؤُه، فقال: ﴿وَرَبِّكَ﴾ يا محمدُ، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: لا يُصَدِّقون بي وبك وما أنزلتُ إليك، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
يَقُولُ: حتى يَجْعَلُوك حكَمًا بينهَم فيما اختلَط بينَهم مِن أمورِهم، فالْتَبَس عليهم حُكْمُه.
يُقَالُ منه (٣): شجَر يَشْجُرُ شُجُورًا [وشَجْرًا] (٤)، وتشاجَر القومُ، إذا اختلَفوا في الكلامِ والأمرِ، مُشاجرةً وشِجارًا.
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.
يقولُ: ثم لا يَجِدوا في أنفسِهم ضِيقًا مما قضَيت.
وإنما معناه: ثم لا تَخْرَجُ أنفسُهم مما قضَيت.
أي: لا تأْثَمُ بإنكارِها ما قضيتَ، وشكِّها في طاعتِك، وأن الذي (٥) قضَيت به بينَهم حقٌّ لا يَجُوزُ لهم خلافُه.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.
قال: يقولُ: شكًّا (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾.
يَقُولُ: شكًّا.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾.
قال: إثمًا.
[وقولُه] (٢): ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
يقولُ: ويُسَلِّموا لقضائِك وحكمِك، إذعانًا منهم لك (٣) بالطاعةِ، وإقرارًا لك بالنبوَّةِ تسليمًا (٤).
واختلَف أهلُ التأويلِ فيمَن عُنِى بهذه الآيةِ، وفيمن نزَلت؛ فقال بعضُهم: نزَلت في الزبيرِ بن العوامِ وخَصْمٍ له مِن الأنصارِ، اختصَما إلى النبيِّ ﷺ في بعضِ الأمورِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرَني يونسُ والليثُ بنُ سعدٍ، عن ابن شهابٍ، أن عروةَ بنَ الزبيرِ حدَّثه، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ حدَّثه، عن الزبيرِ بن العوامِ، أنه خاصَم رجلًا من الأنصارِ، قد شهِد بدرًا مع رسولِ اللهِ ﷺ، في شِراجٍ (١) مِن الحرَّةِ، كانا يَسقِيان به كلاهما النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سرِّحِ الماءَ يَمُرُّ.
فأبَى عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "اسْقِ يا زُبيرُ، ثم أرْسِلِ الماءَ (٢) إلى جارِك".
فغضب الأنصاريُّ وقال: يا رسولَ اللهِ، أنْ كان ابن عمَّتِك؟
فتلوَّن وجهُ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم قال: "اسْقِ يا زُبَيرُ، ثم احْبِس (٣) الماءَ (٤) حتى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ".
واستوعَى (٥) رسولُ اللهِ ﷺ للزبيرِ حقَّه (٦).
وكان رسولُ اللهِ ﷺ قبلِ ذلك أشار على الزبيرِ برأيٍ أراد فيه الشفقةَ له وللأنصاريِّ، فلما أحفَظ (٧) رسولَ اللهِ ﷺ الأنصاريُّ، استَوْعَى (٨) للزبيرِ حقَّه في صريحِ الحكمِ، قال: فقال الزبيرُ: ما أحسَبُ هذه الآية أنزِلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٩).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عروةَ، قال: خاصَم الزبيرَ رجلٌ مِن الأنصارِ في شَرْجٍ مِن شراجِ (١) الحَرَّةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا زُبيرُ، أَشْرِبْ ثم خلِّ سبيلَ الماءِ".
فقال الذي مِن الأنصارِ [مِن بني أميةَ] (٢): اعْدِلْ يا نبيَّ اللهِ وإن كان ابنَ عمتِك.
قال: فتَغَير وجه رسول الله حتى عُرف أن قد ساعه ما قال، ثم قال: و يا زبير، احْبِسِ الماءَ إلى الجَدْرِ - أو: إلى الكعبين - ثم خلِّ سبيلَ الماءَ".
قال: ونزَلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٣).
حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ عميرٍ (٤) الرازيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا عمرُو بنُ دينارٍ، عن سلمةَ؛ رجلٍ من ولدِ أمِّ سلمةَ، عن أمِّ سلمةَ، أن الزبيرَ خاصَم رجلًا إلى النبيِّ ﷺ، فقضَى النبيُّ ﷺ الزبيرِ، فقال الرجلُ لما قضَى للزبيرِ: أن كان ابن عمَّتِك؟
فأنزَل اللهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾.
إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٥).
وقال آخَرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في المنافقِ واليهوديِّ اللَّذَين وصَف اللهُ صفتَهما في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفة، قال حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
قال: هذا الرجلُ اليهوديُّ والرجلُ المسلمُ اللذان تحاكَما إلى كعبِ بن الأشرفِ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن داودَ، عن الشعبيِّ بنحوِه، إلا أنه قال: احتكَما (٢) إلى الكاهنِ (٣).
وهذا القولُ - أعنِى قول من قال: عُنِى به المحتكِمان إلى الطاغوتِ، اللذان وصف اللهُ شأنَهما في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ - أولى بالصوابِ؛ لأن قولَه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
في سياقِ قصةِ الذين ابتدأ اللهُ الخبرَ عنهم بقولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.
ولا دلالةَ تَدُلُّ على انقطاعِ قصتِهم، والحاقُ بعضِ ذلك ببعضٍ - ما لم تأْتِ دلالةٌ على انقطاعِه، أَوْلَى.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن في الخبرِ (١) الذي روِى عن الزبيرِ (٢) وابن الزبيرِ من قصتِه وقصةِ الأنصاريِّ في شِراجِ الحرَّةِ، وقولِ مَن قال في خبرِهما: فنزَلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
ما يُنْبِئُ عن (٣) انقطاعِ حكمِ هذه الآيةِ وقصتِها من قصةِ الآياتِ قبلَها، فإنه غيرُ مستحيلٍ أن تكونَ الآيةُ نزلت في قصةِ المحتِكمين إلى الطاغوتِ، ويَكُونَ فيها بيانُ حكمِ (١) ما اختصَم (٤) فيه الزبيرُ وصاحبُه الأنصاريُّ، إذ [كان في الآيةِ دلالَةٌ] (٥) على ذلك، وإذ كان ذلك غيرَ مستحيلٍ، فإن إلحاقَ معنى بعضِ ذلك ببعضٍ أولى، ما دام الكلامُ مُتَّسِقَةً معانيه على سياقٍ واحدٍ، إلا أن تَأْتِيَ دلالةٌ على انقطاعِ بعضِ ذلك مِن بعضٍ، فيُعْدَلَ به عن معنى ما قبلَه.
وأما قولُه: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾.
فإنه منصوبٌ عطفًا على قولِه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
[نصبَه عطفًا به على قولِه] (٦): ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولو أنا فرَضنا على هؤلاء الذين يَزْعُمون أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليك، المُحْتَكِمين إلى الطاغوتِ، أن يَقْتُلُوا أنفسَهم، وأمَرْناهم بذلك، أو أن يَخْرُجُوا مِن ديارِهم مهاجرِين منها إلى دارٍ أخرى سِواها، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾.
يقولُ: ما قتَلوا أنفسَهم بأيديهم، ولا هاجَروا مِن ديارِهم، فيخرُجوا عنها إلى اللهِ ورسولِه؛ طاعةٌ للهِ ولرسولهِ، ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال [جماعةٌ مِن] (١) أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: يهودُ، يَعْنى - [أو كلمةٌ تشبِهُها] (١) - والعربَ، كما أُمر أصحابُ موسى ﵇ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾: كما أمِر أصحابُ موسى أن يَقْتُلَ بعضُهم بعضًا بالخناجِرِ لم يَفْعَلُوا إلا قليلٌ منهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾: افْتَخَر ثابتُ بنُ قيسِ بن شَمَّاسٍ ورجلٌ مِن يهودَ، فقال اليهوديُّ: واللهِ لقد (١) كتب اللهُ علينا أن اقْتُلُوا أنفسَكم، فقتَلْنا (٢) أنفسَنا، فقال ثابتٌ: واللهِ لو كتَب اللهُ علينا أنِ اقتُلُوا أنفسَكم لقتَلْنا أنفسَنا.
فأنزَل اللهُ في هذا: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ (٣).
حدَّثني المثنَّى: قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا أبو زهيرٍ، عن إسماعيلَ، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعيِّ، قال: لما نزَلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
قال رجلٌ: لو أمِرنا لفعَلنا، والحمدُ للهِ الذي عَافانا.
فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: "إن من أمتى لرجالًا، الإيمانُ أثْبَتُ في قلوبهم مِن الجبالِ الرُّواسي" (٤).
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ الرفعِ في قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَزْعُم أنه رُفِع ﴿قَلِيلٌ﴾؛ لأنه جعِل بدلًا من الأسماءِ المضمرةِ في قولِه: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾؛ لأن الفعلَ لهم.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: إنما رُفِع على نيةِ التكريرِ، كأنَّ معناه: ما فعَلوه، ما فعَله إلا قليلٌ منهم.
كما قال عمرُو بنُ معدِيكَرِبَ (٥): وكلُّ أخٍ مفارقُه أخوه … لعمْرُ أبيك إلا الفَرْقَدانِ (٦) وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: رفَع القليلَ بالمعنى الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾.
وذلك أن معنى الكلامِ: ولو أنا كتَبنا عليهم أن اقْتُلُوا أنفسَكم، أو اخْرُجُوا من ديارِكم، ما فعَله (١) إلا قليلٌ منهم.
فقيل: ما فعَلوه (٢).
على الخبرِ عن الذين مضَى ذكرُهم في قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
ثم استَثْنى القليلَ، فرُفع بالمعنى الذي ذكَرنا؛ إذ كان الفعلُ منفِيًّا عنه.
وهي في مصاحفِ أهلِ الشامِ: (ما فَعَلُوه إلا قليلًا منهم) (٣).
وإذا قُرِئ كذلك، فلا مؤونةَ (٤) على قارئِه في إعرابِه؛ لأنه المعروفُ مِن كلامِ العربِ، إذ كان الفعلُ مشغولًا بما فيه مِن (٥) كنايةِ مَن قد جرَى ذكرُه، ثم استَثْنى منهم القليلَ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦)﴾.
يَعْنى جلَّ ثناؤُه بذلك: ولو أن هؤلاء المنافقين الذين يَزْعُمون أنهم آمَنوا بما أُنْزِل إليك، وهم يَتَحاكَمون إلى الطاغوتِ، ويَصُدُّون عنك صُدُودًا، ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾.
يَعْنى: ما يُذَكَّرون به مِن طاعةِ اللهِ، والانتهاءِ إلى أمرِه، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
في عاجلِ دنياهم وآجلِ معادِهم، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: وأثبتَ لهم في أمورِهم، وأقوَى (٦) لهم عليها (٧).
وذلك أن المنافقَ يَعْمَلُ على شكٍّ، فعَمَلُه يَذْهَبُ باطلًا، وعناؤُه (١) يَضْمَحِلُّ فيَصيرُ هباءً، وهو بِشَكِّه يَعْمَلُ على وناءٍ (٢) وضعفٍ، ولو عمِل على بصيرةٍ لَاكتَسَب بعملِه أجرًا، ولكان له عندَ اللهِ ذُخرًا، وكان على عملِه الذي يَعْمَلُ أقوَى، [ولنفسِه أشدَّ] (٣) تَثْبيتًا؛ لإيمانِه بوعدِ اللهِ على طاعتِه وعملِه الذي يَعْمَلُه (٤).
ولذلك قال مَن قال: معنى قولِه: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾: تصديقًا.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾.
قال: تصديقًا (٥).
لأنه إذا كان مصدّقا كان لنفسِه أشدَّ تثبيتًا، ولعزمِه فيه أشدَّ تصحيحًا.
وهو نظيرُ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
وقد أتَيْنا على بيان ذلك في موضعِه بما فيه الكفايةُ مِن إعادتِه (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولو أنَّهم فعَلوا ما يُوعظُون به لكان خيرًا لهم، لإيتائِنا إياهم على فعلِهم ما وُعِظوا به مِن طاعتِنا، والانتهاءِ إلى أمرِنا، ﴿أَجْرًا﴾.
يعنى: جزاءً وثوابًا عظيمًا، وأشدَّ تثبيتًا لعزائِمهم وآرائِهم، وأقوى لهم على أعمالِهم لِهدَايتِناهم (١) صراطًا مستقيمًا.
يَعْنى: طريقًا لا اعْوجاجَ فيه، وهو دينُ اللهِ القيِّمُ (٢) الذي اختارَه لعبادِه، وشرَعه لهم، وذلك الإسلامُ.
ومعنى قولِه: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾: ولوفَّقناهم للصراطِ المستقيمِ.
ثم ذكر جلَّ ثناؤُه ما وعَد أهلَ طاعتِه وطاعةِ رسولِه ﵊ مِن الكرامةِ الدائمةِ لدَيْه، والمنازِل الرفيعةِ عندَه، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية.
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بالتسليمِ لأمرِهما، وإخلاصِ الرضَا بحكمِهما، والانتهاءِ إلى أمرِهما، والانزجارِ عما نَهيا (٣) عنه من معصيةِ اللهِ، فهو ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بهدايتِه (٤) والتوفيقِ لطاعتِه في الدنيا مِن أنبيائِه في (٥) الآخرةِ إذا دخَل الجنةَ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ وهم جمعُ (٦) صدِّيقٍ.
واختلِف في معنى "الصدِّيقين"؛ فقال بعضُهم: الصدِّيقون: تُبّاعُ الأنبياءِ الذين صدَّقوهم واتَّبَعوا منهاجَهم بعدَهم حتى لحِقوا بهم، فكأنَّ الصِّدِّيقَ "فِعِّيل" - على مذهبِ قائلى هذه المقالةِ - مِن الصدقِ، كما يُقالُ: رجلٌ سِكِّيرٌ - مِن السُّكْرِ، إذا كان مُدْمِنًا على ذلك - وشِرِّيبٌ وخِمِّيرٌ.
وقال آخَرون: بل هو "فِعِّيل" مِن الصَّدَقَةِ.
وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِ تأويلِ من قال ذلك خبرٌ (١)، وهو ما حدَّثنا به سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا خالدُ بن مَخْلَدٍ، عن موسى بن يعقوبَ، قال: أخبرَتنى عمَّتى قُرَيْبَةُ بنتُ عبدِ اللهِ بن وهبِ بن زَمعةَ، عن أمِّها كَرِيمةَ [بنتِ المقدادِ] (٢)، عن ضُباعةَ (٣) بنتِ الزبيرِ - وكانت تحتَ المقدادِ - عن المقدادِ، قال: قلتُ للنبيِّ ﷺ: شيءٌ سمِعتُه منك شَكَكْتُ فيه.
قال: "إذا شَكَّ أحدُكم في الأمرِ فَلْيَسْأَلْني عنه".
قال: قُلْتُ: قولُك في أزواجِك: "إنى لأرْجُو لهن مِن بعديَ الصدِّيقين".
قال: "مَن تَعْنون (٤) الصدِّيقين؟
".
قلتُ: أولادُنا الذين يَهْلِكون صغارًا، قال: "لا، ولكن الصدِّيقين هم المصدِّقون" (٥).
وهذا خبرٌ لو كان إسنادُه صحيحًا لم نَسْتَجِزْ أن نَعْدُوه إلى غيرِه، ولكنْ (٦) في إسنادِه بعضُ ما فيه.
فإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بـ "الصدِّيقِ" (١) أن يَكُونَ معناه: المصدِّقَ (٢) قولَه بفعلِه.
إذ كان الفِعِّيلُ في كلامِ العربِ [إنما يأتى] (٣) إذا كان مأخوذًا من الفعلِ بمعنى المبالغةِ، إما في المدحِ وإما في الذمِّ، ومنه قولُه جلَّ ثناؤُهُ في صفةِ مريمَ: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
وإذا (٤) كان معنى ذلك ما وصَفنا، كان داخلًا من كان موصوفًا بما قُلْنا في صفةِ المُتصدِّقين والمصدِّقين (٥).
﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾.
وهم جمعُ شهيدٍ: وهو المقتولُ في سبيلِ اللهِ، سمِّى بذلك لقيامِه بشهادةِ الحقِّ في جنبِ اللهِ حتى قُتِل، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ وهم جمعُ صالحٍ، وهو كلُّ مَن (٦) صلُحت سريرتُه وعلانِيَتُه.
وأما قولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
فإنه يَعْنى: وحسُن هؤلاء الذين نعتُّهم ووصَفْتُهم (٧) رفقاءَ في الجنةِ.
والرفيقُ في لفظِ واحدٍ (٨)، بما الجميعِ (٩)، كما قال الشاعرُ (١٠): دَعَوْنَ (١١) الهَوَى ثم ارْتَمَيْن قلوبَنا … بأسْهُمِ أعداءٍ وهن صديقُ بمعنى: وهنّ صدائقُ.
وأما نصبُ الرفيق فإن أهلَ العربيةِ مختلفون فيه، فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يَرَى أنه منصوبٌ على الحالِ، ويَقُولُ: هو كقولِ القائلِ (١): كرُم زيدٌ رجلًا.
ويَعْدِلُ به عن معنى: نِعم الرجلُ، ويَقُولُ: إنّ "نِعمَ (٢) "، لا تقَعُ إلا على اسمٍ فيه ألفٌ ولامٌ أو على نكرةٍ.
وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يَرَى أنه منصوبٌ على التفسيرِ (٣)، ويُنْكِرُ أن يَكُونَ حالًا، ويَسْتَشْهِدُ على ذلك بأن العربَ تَقولُ: كرُم زيدٌ مِن رجلٍ، وحسُن أولئك مِن رفقاءَ.
وأن دخولَ "مِن" دَلالةٌ على أن الرفيقَ مُفَسِّرُه، قال: وحُكِى عن العربِ: نَعِمتم رجالًا.
فدلَّ (٤) على أن ذلك نظيرُ قولِه: وحَسُنتم رُفَقاءَ.
وهذا القولُ أولى بالصوابِ؛ للعلةِ التي ذكرناها لقائِليه.
وقد ذكِر (٥) أن هذه الآيةَ نزَلت؛ لأن قومًا (٦) حزِنوا على فقدِ رسولِ اللهِ ﷺ حذَرًا أن لا يَرَوْه في الآخرةِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بن أبى المغيرةِ، عن سعيدِ ابن جبيرٍ، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبيِّ ﷺ، وهو، وهو محزونٌ، فقال له النبيُّ ﷺ: "يا فلانُ، ما لي أرَاك محزونًا؟
" قال: يا نبيَّ اللهِ، شيءٌ فكرتُ فيه.
فقال: "ما هو؟
" قال: نحن نَغْدُو عليك ونَرُوحُ، نَنظُرُ في وجهِك ونُجالسُك، غدًا تُرفَعُ مع النبيين فلا نَصِلُ إليك.
فلم يَرُدُّ النبيُّ ﷺ شيئًا، فأتاه جبريلُ بهذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قال: فبعَث النبيُّ ﷺ (١) فبشَّره (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: قال أصحابُ النبيِّ ﷺ: يا رسولَ اللهِ ما يَنْبَغِي لنا أن نُفَارِقَك في الدنيا، فإنك لو قد مِتَّ رُفِعت فوقَنا فلم نَرَك.
فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾: ذكِر لنا أن رجالًا قالوا: هذا (٤) نبيُّ اللهِ نراه (٥) في الدنيا، فأما في الآخرةِ [فيُرْفعُ بفضلِه] (٦)، فلا نَراه (٥)، فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ (١) بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
قال: قال ناسٌ مِن الأنصارِ: يا رسولَ اللهِ، إذا أدخَلك اللهُ الجنةَ، فكنت في أعلاها ونحن نَشْتاقُ إليك، فكيف نَصْنَعُ؟
فأنزَل اللهُ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: [ثنا إسحاقُ، قال] (٣): ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الآية.
قال: إن أصحابَ النبيِّ ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبيَّ ﷺ له فضلٌ (٤) على مَن آمَن به في درجاتِ الجنةِ (٥) ممن اتَّبعه وصدَّقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنةِ أن يَرَى بعضُهم بعضًا؟
فأنزَل اللهُ في ذلك.
فقال (٦): "إن الأعلَين يَنْحَدِرون إلى مَن هو (٧) أسفلَ منهم (٨)، فيَجتَمِعون في رِياضِها فيذْكرون ما أنعمَ اللهُ عليهم ويُثْنُون عليه، [ويَنْزِلُ لهم] (٩) أهلُ الدرجاتِ فيَسْعَون (١٠) عليهم بما (١١) يَشْتَهون، وما يَدْعُون به، فهم في روضةٍ يُخبَرون ويَتَنعَّمون فيه" (١).
[حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن عامرٍ، قال: جاء رجلٌ من الأنصارِ إلى النبيِّ ﵇، وهو يبكى، فقال: "ما يبكيك يا فلانُ؟
" قال: يا نبيَّ اللهِ، والذي لا إلهَ إلا هو لأنتَ أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي، واللهِ الذي لا إله إلا هو لأنت أحبُّ إليَّ من نفسى وأبى، نذكُرُك أنا وأهلى فيأخذُنى الجُنونُ حتى أتألمَ، فذكرتُ موتَك وموتى، فعَرفتُ أنى لن أجامعَك إلا في الدنيا، وأنك تُرفَعُ مع الشرفِ، وعرَفتُ أنى إن أُدخِلتُ الجنةَ كنتُ في منزلٍ أَدْنَى من مَنزِلِك.
فلم يردَّ النبيُّ ﵇ شيئًا، فأنزَل اللهُ جلَّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الآية (٢)] (٣).
وأما قولُه جلَّ ثناؤه: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾.
[فإنه يقولُ: كونُ من أطاع الله والرسولَ مع الذين أنعمَ اللهُ عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداءِ والصالحينَ، الفضلُ من اللهِ] (٤).
يَقُولُ: ذلك عطاءُ اللهِ إياهم وفضلُه عليهم، لا باستيجابِهم (٥) ذلك لسابقةٍ سبَقت لهم.
فإن قال قائلٌ: أوَ ليس بالطاعةِ وصَلوا [إلى ما وصَلوا] (١) إليه من فضلِه؟
قيل له: إنهم لم يُطِيعوه في الدنيا إلا بفضلِه (٢) الذي تَفَضَّل به عليهم، فهَداهم به لطاعتِه، فكلُّ ذلك فضلٌ منه تعالى ذكرُه.
وقولُه تعالى ذكرُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ يَقُولُ: وحَسْبُ العبادِ باللهِ الذي خلقَهم عليمًا بطاعةِ المطيعِ منهم ومعصيةِ العاصى، فإنه لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن ذلك، ولكنه يُحْصِيه عليهم ويَحْفَظُه عليهم حتى يُجازِى جميعَهم جزاءَه (٣)؛ المحسنَ (٤) منهم بالإحسانِ، والمسيءَ منهم بالإساءةِ، و (٥) يعْفوَ عمن شاء مِن أهلِ التوحيدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: صدَّقوا الله ورسولَه ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾: خذوا جُنَّتَكم وأسلحتَكم التي تَتَّقون بها من عدوِّكم، لغَزْوِهم وحربِهم، فانِفروا إليهم ثُباتٍ، وهي جمعُ ثُبةٍ، والثُّبةُ: العُصْبةُ.
ومَعْنى الكلامِ: فانفِروا إلى عدوِّكم جماعةً بعد جماعةٍ مُتَسلِّحِين.
ومن الثُّبَةِ قولُ زُهَيرِ بن أبي سلمى (٦): وقد أغْدُو (٧) على [ثُبَةٍ كرامٍ] (٨) … نَشَاوَى واجِدين لما نشاءُ وقد يُجمَعُ الثبةُ [على ثُبِين] (١).
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَقُولُ: أو انفِروا جميعًا مع نبيِّكم ﷺ لقتالِهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾.
يَقُولُ: عُصَبًا.
يَعْنى: سرايا مُتَفرِّقين.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
يَعْنى: كلَّكم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾.
قال: فِرَقًا قليلًا (٣).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾.
قال: الثُّبَاتُ: الفِرَقُ (٤).
حدَّثنا الحسنُ (٥) بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ (٦)، عن قتادةَ مثلَه (٧).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: يعني (١): العصبةُ، وهى الثُّبَةُ.
﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: مع النبيِّ ﷺ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يَقُولُ: أخبرَنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّحّاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: يَعْنى: عُصبًا مُتَفَرِّقينَ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا نعتٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤه للمنافقين، نعَتهم لنبيِّه ﷺ وأصحابِه، ووصَفهم بصفتِهم، فقال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾.
أَيُّها المؤمنون، يَعْنى: من عِدادِكم وقومِكم، ومَن تَشبَّه بكم، ويُظْهِرُ أنه مِن أهلِ دعوتِكم ومِلَّتِكم، وهو منافقٌ يُبَطِّئُ مَن أطاعه منكم عن جهادٍ عدوِّكم وقتالِهم إذا أنتم نفَرتم إليهم.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾.
يَقُولُ: فإن أصابتَكم هزيمةٌ، أو نالَكم قتلٌ أو جِراحٌ مِن عدوِّكم، قال: قد أنعَم اللهُ عليَّ إذ لم أَكُنْ معهم شاهدًا (٤)، فيُصيبَني جراحٌ أو ألمٌ أو قتلٌ، وسرَّه (٥) تَخَلُّفُه عنكم شماتة بكم؛ لأنه من أهل الشك في وعدِ اللهِ الذي وعَد المؤمنين - على ما نالَهم في سبيلِه - من الأجرِ والثوابِ، وفى وَعيدِه، فهو غيرُ (١) راجٍ ثوابًا ولا خائفٍ عقابًا.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾.
إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: ما بينَ ذلك في المنافقين (٢).
حدَّثنا [بشرُ بنُ معاذٍ] (٣)، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾: عن الجهادِ والغزوِ في سبيلِ اللهِ، ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.
قال: هذا قولُ مكذِّبٍ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: المنافقُ يُبَطِّئُ المسلمين عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ، قال اللهُ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾.
قال: بقتلِ العدوِّ مِن المسلمين.
﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.
قال: هذا قولُ الشامتِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾.
قال: هزيمةٌ.
ودخَلتِ اللامُ في قوله: ﴿لَمَنْ﴾.
وفتِحت؛ لأنها اللامُ التي تَدْخُلُ توكيدًا للخبرِ مع "إنّ"، كقولِ القائلِ: إِنَّ في الدارِ لمن يُكْرِمُك.
وأما اللامُ الثانيةُ التي في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ فدخَلت الجوابِ القَسَمِ، كأن معنى الكلامِ: وإن منكم أيُّها القومُ لمن واللهِ ليُبَطِّئَنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَقُولُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾.
ولئِنْ أظْفَرَكم اللهُ بعدوِّكم، فأصَبْتم منهم (٢) غَنيمةً، ﴿لَيَقُولَنَّ﴾.
هذا المُبَطِّئُ المسلمين عن الجهادِ معكم في سبيلِ اللهِ، [مِن المنافقين] (٣) - ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ -: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾؛ بما أُصِيبُ معهم مِن الغنيمةِ، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وهذا خبرٌ مِن الله تعالى ذكرُه عن هؤلاء المنافقين أن شُهودَهم الحربَ مع المسلمين - إن شهِدوها - لطلبِ الغنيمةِ، وإن تَخَلَّفوا عنها فللشكِّ (٤) الذي في قلوبِهم، وأنهم لا يَرْجون بحضورِها (١) ثوابًا، ولا يَخافون بالتخلف عنها مِن اللهِ عقابًا.
وكان قتادةُ وابنُ جريجٍ يقولان: إنما قال من قال مِن المنافقين، إذا كان الظَّفَرُ للمسلمين: يا ليتنى كنتُ معهم.
حَسَدًا منهم لهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
قال: قولُ حاسدٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قولَه: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾.
قال: ظُهورُ المسلمين على عدوِّهم، فأصابوا الغنيمةَ؛ ليقولَنّ: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
قال: قولُ الحاسدِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا حضٌّ مِن اللهِ جل ثناؤه المؤمنين على جهاد عدوِّه مِن أهلِ الكفرِ به على أحايينِهم (٤) - غالبين كانوا أو مَغْلُوبين -، والتهاونِ بأحوالِ المنافقين في جهادِ مَن جاهدوا من المشركين؛ وقَع (١) جهادُهم [أعداءَ اللهِ وأعداءَهم بالمسرَّةِ فيهم أو بالمَساءةِ؛ لأنّهم في جهادِهم] (٢) إياهم - مغلوبِين كانوا أو غالِبين - بمنزلةٍ مِن اللهِ رفيعةٍ.
يَقُول اللهُ جلَّ ثناؤُه لهم: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يَعْنى: في دينِ اللهِ والدعاءِ إليه، والدخولِ فيما أمَر به أهلَ الكفرِ به.
﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾.
يَعْنى: الذين يبيعون (٣) حياتَهم الدنيا بثوابِ الآخرةِ، وما وعَد اللهُ أهلَ طاعتِه فيها (٤).
وبيعُهم إياها بها: إنفاقُهم أموالَهم في طلبِ رضا اللهِ؛ بجهادِ (٥) مَن أمر بجهادِهم مِن أعدائِه وأعداءِ دينِه، وبذلُهم (٦) مُهَجَهم له في ذلك، ثم (٧) أخبَر جلَّ ثناؤُه بما لهم في ذلك إذا فعَلوه، فقال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يَقُولُ: ومَن يُقاتِلْ في طلبِ إقامةِ دينِ اللهِ، وإعلاءِ كلمةِ اللهِ أعداءَ اللهِ، ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾.
يَقُولُ: فيَقْتُلُه أَعداءُ اللهِ أو يَغْلِبْهم، فيَظْفَرُ بهم ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يَقُولُ: فسوف نُعطيه في الآخرةِ ثوابًا وأجرًا (٨) عظيمًا.
وليس لما سمَّى اللهُ: "عظيمًا".
مقدارٌ يَعْرِفُ مَبْلَغَه عبادُ اللهِ، وقد دلَّلنا فيما مضى على أن الأغلبَ على معنى "شَرَيت" في كلامِ العرب: "بِعْت" بما أغنى (١).
وقد حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضل، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾.
يَقُولُ: يَبِيعون الحياةَ الدنيا بالآخرةِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: يَشْرِى: يَبيعُ، ويَشْرِى: يَأْخُذُ، فَأَخبَر (٣) أَنّ الحمقى باعوا [الآخرةَ بالدنيا] (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وما لكم أيُّها المؤمنون لا تُقاتِلون في سبيل اللهِ، وفى ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾.
يَقُولُ: وعن المستَضْعَفين منكم مِن الرجالِ والنساء والوِلدان؛ فأما ﴿مِنَ الرِّجَالِ﴾ فإنهم كانوا قد أسلَموا بمكةَ فغَلبتهم عشائرُهم على أنفسهم بالقَهْرِ (٥) لهم، وآذَوهم ونالوهم بالعذابِ والمكارِه في أبدانِهم؛ ليَفْتِنُوهم عن دينِهم، فحض اللهُ المؤمنين على استِنْقاذِهم من أيدى مَن قد غلَبَهم على أنفسهم مِن الكفارِ، فقال لهم: وما شأنُكم لا تقاتِلون في سبيلِ اللهِ، وعن مستَضْعَفى أهلِ دينِكم وملَّتِكم الذين استضَعَفَهم الكفارُ، فاستذَلُّوهم ابتغاءَ فتنتِهم وصَدِّهم (١) عن دينِهم من الرجالِ والنساءِ والولدانِ - جمعُ وَلَدٍ: وهم الصِّبيانُ - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
يَعْنى بذلك أن هؤلاء المستَضْعَفين مِن الرجالِ والنساءِ والوِلدانِ يقولون في دعائِهم ربَّهم، بأن يُنْجِيَهم مِن فتنةِ من قد استضْعَفَهم من المشركين: يا ربَّنا، أخرِجْنا من هذه القريةِ.
والعربُ تسمى كلَّ مدينةٍ قريةً.
﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
يعنى: التي قد ظلمتنا وأنفسها أهلُها، وهى (٢) في هذا الموضعِ - فيما فسَّر أهلُ التأويلِ - مكةُ.
وخُفِض ﴿الظَّالِمِ﴾؛ لأنه مِن صفةِ الأهلِ، وقد عادَت الهاءُ والألفُ اللتان فيه على القرية، وكذلك تَفْعَلُ العربُ: إذا تَقَدَّمت صفةُ الاسمِ الذي معه كنايةٌ (٣) لاسمٍ قبلَها، أتبعتْ إعرابَها إعرابَ الاسمِ الذي قبلَها، كأنها صفةٌ له، فتَقُولُ: مرَرْتُ بالرجلِ الكريمِ أبوه.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾.
يعنى أنهم يَقُولون أيضًا ذلك في دعائِهم: يا ربَّنا، واجْعَلْ لنا مِن عندِك وليًّا، يَلِى أمرَنا بالكفايةِ مما نحن فيه مِن فتنةِ أهلِ الكفرِ بك ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾.
يعنى: ويَقُولون: واجْعَلْ لَنَا مِن عِندِكَ مَن يَنْصُرُنا على مَن ظلَمَنا من أهلِ هذه القريةِ الظالمِ أهلُها بصدِّهم إيانا عن سبيلِك، حتى تُظْفِرَنا بهم وتُعلى دينَك.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللهِ جل ثناؤه: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
قال: أمَر المؤمنين (١) أن يُقاتِلوا عن مستضعفي المؤمنين كانوا بمكةَ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (٣) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: مكةُ، أُمِر المؤمنون أن يُقاتِلوا عن [مستَضْعَفين مؤمنين] (٤) كانوا بمكةَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يقولُ: وما لكم لا تقاتلون في سبيلِ اللهِ وفى المستَضْعَفِين.
فأما القريةُ: فمكةُ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن (٦) المباركِ، عن عثمان ابن عطاءٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قال: وفى المستَضْعَفِين (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، أنه سمِع محمدَ بنَ مسلمِ بن شهابٍ يَقُولُ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
قال: في سبيلِ اللهِ، وفى سبيلِ المستَضْعَفين (٢).
حدَّثنا الحسنُ (٣) بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قالا: خرَج رجلٌ (٤) من القريةِ الظالمةِ إلى القريةِ الصالحةِ، فأَدْرَكَه الموتُ في الطريقِ، فناء (٥) بصدرِه إلى القريةِ الصالحةِ، [قالا: فمَا تلافاه إلا ذلك] (٦)، فاحْتَجَّتْ فيه ملائكةُ الرحمةِ وملائكةُ العذابٍ، فأُمِروا أن يُقَدِّروا أقربَ القريتَين إليه، فوجَدوه أقربَ إلى القريةِ الصالحةِ بشبرٍ (٧)، وقال بعضُهم: قرَّب اللهُ إليه القريةَ الصالحةَ، فتَوَفَّتْه ملائكةُ الرحمةِ (٨).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾: هم أناسٌ مسلمون كانوا بمكةَ لا يَسْتَطِيعون أن يخرُجُوا منها فيُهاجِروا (٢)، فعذَرهم اللهُ، [فهم أولئك] (٣).
قولُه: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: فهى مكةُ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾.
قال: وما لكم لا تَفْعَلون؛ تُقاتِلون، [وهؤلاء] (٥) الضعفاءُ المساكينُ (٦) يَدْعُون الله بأن يُخْرِجَهم من هذه القريةِ الظالم أهلُها، وهم (٧) ليس لهم قوةٌ، فما لكم لا تُقاتِلون حتى يُسَلِّمَ اللهُ (٨) هؤلاء ودينَهم، قال: والقريةُ الظالمُ أهلُها: مكةُ (٩).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى تعالى ذكرُه بذلك: الذين صدَّقوا الله ورسولَه، وأيْقَنوا بمَوْعودِ اللهِ لأهلِ الإيمانِ به ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يَقُولُ: في طاعةِ اللهِ ومِنهاجِ دينِه وشريعتِه التي شرَعها لعبادِه، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾.
يَقُولُ: والذين جحَدوا وَحدانيةَ اللهِ، وكذَّبوا رسولَه (١) وما جاءهم به مِن عندِ ربِّهم، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾.
يَعْنى: في طاعةِ الشيطانِ وطريقِه ومنهاجِه الذي شرَعه لأوليائِه مِن أهلِ الكفرِ به.
يقولُ اللهُ جل ثناؤه مُقوِّيًا عزْمَ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، ومُحرِّضَهم على أعدائِه وأعداءِ دينِه مِن أهلِ الشركِ: ﴿فَقَاتِلُوا﴾ أيُّها المؤمنون ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾.
يَعْنى بذلك: الذين يَتَولُّونه، ويُطِيعون أمرَه في خلافِ طاعةِ اللهِ، والتكذيبِ به، ويَنْصُرُونه (٢) ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
يَعْنى بكيدِه: ما كاد به المؤمنين مِن تحزيبِه أولياءَه مِن الكفارِ باللهِ على رسولِه وأوليائِه مِن (٣) أهلِ (٤) الإيمانِ به.
يقولُ: فلا تهابُوا أولياءَ الشيطانِ، فإنما هم حِزْبُه، وأنصارُه، وحزبُ الشيطانِ أهلُ وَهَنٍ وضَعْفِ.
وإنما وصَفهم اللهُ جلَّ ثناؤُه بالضعفِ؛ لأنهم لا يُقاتلِون رجاءَ ثوابٍ (٥)، ولا يَتْرُكُون القتالَ خوفَ عقابٍ، وإنما يُقَاتِلون حمِيَّةً أو حسَدًا للمؤمنين على ما آتاهم اللهُ مِن فضلِه، والمؤمنون يُقاتِلُ مَن قاتَل منهم رجاءَ العظيمِ مِن ثوابِ اللهِ، ويَتْرُكُ القتالَ - إن تَرَكَه - على خوفٍ مِن وعيدِ اللهِ في تَرْكِه، فهو يُقاتِلُ على بصيرةٍ بما له عندَ اللهِ إن قُتِل، وبما له من الغنيمةِ والظَّفَرِ إن سَلِم، والكافرُ يُقاتِلُ على حَذَرٍ مِن القَتْلِ، وإياسٍ مِن مَعادٍ، فهو ذو ضَعْفٍ وخَوْفٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
ذُكِر (١) أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ مِن أصحابِ رسولِ الله ﷺ كانو قد آمَنوا به وصدَّقوه قبلَ أن يُفْرَضَ عليهم الجهادُ (٢)، وقد فُرِض عليهم الصلاةُ والزكاةُ، وكانوا يَسْأَلُون الله أن يَفْرِضَ عليهم القتالَ، فلما فُرض عليهم القتالُ شَقَّ عليهم ذلك، وقالوا ما أخبَر اللهُ عنهم في كتابِه.
فتأويلُ قولِه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: ألم تَرَ بقلبِك يا محمدُ، فتَعْلَمَ، إلى الذين قيل لهم مِن أصحابِك حين سأَلوك أن (٣) تَسْأَلَ ربَّك أن يَفْرِضَ عليهم القتال: كُفُّوا أيديَكم؛ فأمْسِكُوها عن قتالِ المشركين وحربِهم، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
يَقُولُ: وأدُّوا الصلاةَ التي فرَضها اللهُ (٤) بحدودِها، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
يَقُولُ: وأعطُوا الزكاةَ أهلَها الذين جعَلها اللهُ لهم مِن أموالِكم تطهيرًا لأبدانكم وأموالِكم، كرِهوا ما أُمِروا به مِن كفِّ الأيدى عن قتالِ المشركين، وشَقَّ (٥) ذلك عليهم، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾.
يَقُولُ: فلما فُرض عليهم القتالُ الذي كانوا سألوا أن يُفْرَضَ عليهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، يَعْنى: جماعةٌ منهم، ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾.
يَقُولُ: يَخافون الناسَ أن يُقاتِلوهم، ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾.
[كخوفِهم الله] (١) ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أو أشدَّ خوفًا.
﴿وَقَالُوا﴾ جَزَعًا مِن القتالِ الذي فرَض اللهُ عليهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: لم فرَضْتَ علينا القتالَ؟
رُكونًا منهم إلى الدنيا، وإيثارًا للدَّعَةِ فيها [والخَفض، على] (٢) مكروهِ لقاءِ العدوِّ، ومشقَّةِ حربِهم وقتالِهم.
﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾: يخبِرُ عنهم أنهم (٣) قالوا: هلَّا أخَّرْتَنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يَعْنى: إلى أن يَمُوتوا على فُرُشِهم وفي منازِلِهم.
وبنحوِ الذي قُلْنا في أنّ هذه الآيةَ نزَلت فيه، قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ الآثارِ بذلك، والروايةِ عمَّن قاله حدَّثنا محمدُ بنُ عليٍّ بن الحسن (٤) بن شقيقٍ، قال: سمعت أبي، قال: أخبرَنا الحسين بنُ واقدٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ عوف وأصحابًا له، أتَوا النبيَّ ﷺ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كنا في عزٍّ (٥) ونحن مشركون، فلما آمَنّا صِرْنا أذلةً.
فقال: "إنّى أُمِرْتُ بالعَفوِ فلا تقاتِلوا".
فلما حوَّله اللهُ إلى المدينةِ أُمِر بالقتالِ فكَفُّوا، فأنْزَل اللهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية (٦).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: عن الناسِ، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: نزلت في أناسٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ.
قال ابن جريجٍ: وقولُه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.
قال: إلى أن يموتَ (١) موتًا هو الأجلُ القريبُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
فقرَأ حتى بلغَ: ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أناسٌ مِن أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ وهو يومَئذٍ بمكةَ قبلَ الهجرة - تَسَرَّعوا إلى القتالِ [وسارعوا إليه] (٣)، فقالوا لنبيِّ اللهِ ﷺ: ذَرْنا تَتَّخِذْ مَعاوِلَ فتُقاتِل بها المشركين بمكةَ، فنهاهم النبيُّ، ﵇، عن ذلك، قال: " [لَمْ أومَرْ] (٤) بذلك".
فلما كانَت الهجرةُ وأمِر بالقتالِ، كرِه القومُ ذلك، فصنعوا فيه (٥) ما تَسْمَعون، فقال اللهُ ﵎: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٦).
حدَّثنا محمد بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: هم قومٌ أسلَموا قبل أن يُفْرَضَ عليهم القتالُ، ولم يَكُنْ عليهم إلا الصلاةُ والزكاةُ، فسأَلوا الله أَن يُفْرَضَ عليهم القتالُ، [﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ] (١) إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، وهو الموتُ، قال اللهُ: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٢).
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ وآياتٌ بعدَها في اليهودِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: ما بينَ ذلك في اليهودِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: نهَى اللهُ ﵎ هذه الأمةَ أن يَصْنَعوا صنيعَهم (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء القومِ الذين قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ عيشُكم في الدنيا و (١) تَمَتُّعُكم بها قليلٌ؛ لأنها فانيةٌ وما فيها فانٍ، ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾.
يَعْنى: ونعيمُ الآخرةِ خيرٌ؛ لأنها باقيةٌ، ونعيمُها باقٍ دائمٌ.
وإنما قيل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾.
ومعنى الكلامِ ما وصَفتُ مِن أَنه مَعنِيٌّ به نعيمُها؛ لِدلالةِ ذكرِ الآخرةِ بالذي ذُكِرَت به، على المعنى المرادِ منه، ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾.
يَعْنى: لمن اتقى الله بأداء فرائضِه، واجتنابِ معاصِيه، فأطاعه في كلِّ ذلك، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.
يَعْنى: ولا يَنْقُصَنَّكم اللهُ مِن أجورِ أعمالِكم فتيلًا، وقد بيَّنَّا معنى الفَتيلِ فيما مضَى بما أغْنى عن إعادتِه ههنا (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه: حيثما تَكُونُوا يَنَلْكم الموتُ فتَمُوتوا، ولو كنتم في بروجٍ مشيَّدةٍ، يَقُولُ: فلا تَجْزَعُوا مِن الموتِ، ولا تَهْرُبُوا مِن القتالِ وتَضْعُفوا عن لقاءِ عدوِّكم؛ حذَرًا على أنفسِكم مِن القتلِ والموتِ، فإن الموتَ بإزائِكم أينَ كنتم وواصِلٌ إلى أنفُسِكم حيثُ كنتم، ولو تحصَّنتم منه بالحصونِ المنيعةِ.
واختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى قولِه.
﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾؛ فقالَ بعضُهم: يَعْنى قُصورًا محصَّنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
يَقُولُ: في قصورٍ محصَّنةٍ (١).
حدَّثنا عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا أبو همامٍ، قال: ثنا كثِيرٌ أبو الفضلِ، عن مجاهدٍ، قال: كان فيمن كان (٢) قبلَكم امرأةٌ، وكان لها أجيرٌ، فولَدت جاريةً فقالت لأجيرِها: اقْتَبِسْ لنا نارًا.
فخرَج فوجَد بالبابِ رجلًا، فقال له الرجلُ: ما ولَدتْ هذه المرأةُ؟
قال: جاريةً.
قال: أمَا إنَّ هذه الجاريةَ لا تَموتُ حتى تَبْغِى بمائةٍ، ويتَزَوَّجَها أجيرُها، ويَكُونَ موتُها بالعنكَبوتِ.
قال: فقال الأجيرُ في نفسِه: فأنا أريدُ هذه بعدَ أن تَفْجُرَ بمائةٍ!
لأقتُلنَّها (٣).
فأخَذ شَفْرةً فدخَل فشَقَّ بطنَ الصبيَّةِ [وخرَج على وجهِه، وركِب البحرَ، وخِيط بطنُ الصبيَّةِ] (٤) وعُولِجَت فبَرِئت، فشبَّت، وكانت تَبْغِى، فأتَتْ ساحلًا مِن سواحلِ البحرِ، فأقامَت عليه تَبْغِى، ولِبث الرجلُ ما شاء اللهُ، ثم قدِم ذلك الساحلَ ومعه مالٌ كثيرٌ، فقال لامرأةِ مِن أهلِ الساحلِ: ابْغينى امرأةً مِن أجملِ امرأةٍ في القريةِ أَتَزَوَّجُها.
فقالت: هاهنا امرأةٌ مِن أجملِ الناسِ، ولكنَّها تَبْغِى.
قال: ائْتِينى بها.
فأتَتْها فقالت: قدِم رجلٌ له مالٌ كثيرٌ، وقد قال لى كذا، فقلتُ له كذا.
فقالت: إني قد ترَكتُ البغاءَ، ولكن إن أراد تزوَّجتُه.
قال: فتزَوَّجها، فوقَعت منه موقِعًا، فبينا هو يومًا عندَها، إذ أخبَرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجاريةُ - وأرَته الشقَّ في بطنِها - وقد كنتُ أبْغِى، فما أَدْرِى بمائة أو أقل أو أكثر.
قال: فإنه قال لى: يَكُونُ موتُها بعنكبوتٍ (٥).
قال: فبَنَى لها بُرْجًا بالصحراءِ وشيَّدَه، فبينا هما (١).
يومًا في ذلك البرجِ، إذا عَنْكَبُوتٌ في السقفِ [فقال: هذا عَنْكبوتٌ] (٢).
فقالت: هذا يَقْتُلُنى؟!
لا يَقْتُلُه أحدٌ غيرى.
فحرَّكتْه (٣) فسقَط فأتَتْه فوضَعت إبهامَ رجلِها عليه فشَدَخَتْه، وساح سمُّه بينَ ظُفْرِها واللحمِ، فاسودَّتْ رِجْلُها فماتت، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
قال: قصورٍ مُشَيَّدةٍ.
وقال آخرون: عنى بذلك قصورًا بأعيانِها في السماءِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
وهى قصورٌ بيضٌ في السماءِ الدنيا مَبْنِيةٌ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ (٦)، قال حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ في قولِه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
يَقُولُ: ولو كنتُم في قصورٍ في السماءِ (١).
واختلَف أهلُ العربيةِ في معنى المُشَيَّدةِ؛ فقال بعضُ أهلِ (٢) البصرةِ منهم: المُشَيَّدةُ: المطوَّلةُ (٣).
قال: وأما المَشِيدُ بالتخفيفِ، فإنه المزيَّنُ.
وقال آخرون منهم نحو ذلك القولِ، غيرَ أنه قال: المَشيدُ بالتخفيفِ، المعمُولُ بالشِّيدِ، والشِّيدُ الجِصُّ.
وقال بعضُ أهلِ الكوفةِ: والمشيَّدُ والمَشِيدُ أصلُهما واحدٌ، غيرَ أن ما شُدِّد منه فإنما شُدِّد لتفرُّقِ (٤) الفعلِ فيه في جمعٍ، مثلَ قولِهم: هذه ثيابٌ مُصَبَّغَةٌ (٥).
وغنَمٌ مُذبَّحَةٌ، فشدَّد؛ لأنها جمعٌ يُفرَّقُ فيها الفعلُ، فكذلك مِثْلُه "قصورٌ مُشيدةٌ"؛ لأن القصورَ [الكثيرةَ يوجدُ] (٦) فيها التَّشْيِيدُ، ولذلك قيل: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.
ومنه قولُه: ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣].
وكما يُقالُ: كَسَّرتُ العُودَ.
إذا جعلتَه قِطَعًا؛ قطعةً بعدَ قطعةٍ.
وقد يَجُوزُ في ذلك التخفيفُ.
فإذا أُفْرِد من ذلك الواحدُ، فكان الفعلُ يَتَردُّدُ فيه، ويَكْثُرُ تردُّدُه في جمعٍ منه جاز التشديدُ عندَهم والتخفيفُ، فيقالُ منه: هذا ثوبٌ مُخَرَّقٌ، وجلدٌ مُقَطَّعٌ؛ لتردُّدِ الفعلِ فيه وكثرتِه بالقَطعْ والخَرْقِ.
فإن كان الفعلُ لا يَكْثُرُ فيه ولا يَتَرَدَّدُ لم يُجيزُوه إلا بالتخفيفِ، وذلك نحوُ قولِهم: رأيتُ كبشًا مَذْبوحًا.
فلا يُجِيزُون فيه مذبَّحًا؛ لأن الذبحَ لا يَتَرَدَّدُ فيه تردُّدَ التَّخَرُّقِ في الثوبِ، وقالوا: فلهذا قيل: قصرٌ مشِيدٌ؛ لأنه واحدٌ، فجُعِل بمنزلةِ قولِهم: كبشٌ مذبوحٌ (١).
قالوا: وجائزٌ في القصرِ أن يُقالَ: قصرٌ مُشَيَّدٌ.
بالتشديدِ؛ لتردُّدِ البناءِ فيه [والتَّشْيِيدِ، ولا] (٢) يَجُوزُ ذلك في كبشٍ مذبوحٍ؛ لما ذكَرْنا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
وإن يَنَلْهُم رَخاءٌ وظَفَرٌ وفَتْحٌ ويُصيبوا غَنيمةً يَقُولوا ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
يَعْنى: مِن قِبَلِ اللهِ ومِن تقديرِه، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾.
يَقُولُ: وإن تَنَلْهم شدَّةٌ مِن عيشٍ وهزيمةٍ مِن عدوٍّ وجِراحٍ وألمٍ يَقُولوا: يا محمدُ: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ لخطَئِك التدبيرَ.
وإنما هذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن الذين [قال (٤) لنبيِّه ﷺ] (٥): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ سعدٍ وابنُ أبي جعفرٍ قالا: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.
قال: هذه في السرَّاءِ والضراءِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ مثلَه.
حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
قال: إن هذه الآياتِ نزَلت في شأنِ الحربِ، فقرَأَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
فقرَأ حتى بلَغ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ﴾ مِن عندِ محمدٍ، أساء التدبيرَ وأساء النظرَ، ما أحسَن التدبيرَ ولا النظرَ (٢).
القول في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: قُلْ يا محمدُ لهؤلاءِ القائلين إذا أصابَتهم حسنةٌ: هذه مِن عندِ اللهِ.
وإذا أصابَتهم سيئةٌ: هذه مِن عندِك.
[قل: ﴿كُلٌّ] (٣) مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ دوني ودونَ غيرى، مِن عندِه الرخاءُ والشدَّةُ، ومنه النصرُ والظَّفَرُ، ومِن عندِه الفلَلُ (٤) والهزيمةُ.
كما حدَّثني المثنى، قال: [حدَّثنا إسحاقُ، قال:] (١) ثنا عبدُ الرزاقِ، قالَ: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
النِّعَمُ والمصائبُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النصرُ والهزيمةُ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
يَقُولُ: الحسنةُ والسيئةُ مِن عندِ اللهِ، أما الحسنةُ فأنعَم بها عليك، وأما السيئةُ فابتلاك بها (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾.
فما شأنُ هؤلاءِ القومِ الذين إن تُصِبْهم حسنةٌ يَقُولُوا: هذه من عند اللهِ.
وإن تُصبهم سيئةٌ يَقُولُوا: هذه من عندِك يا محمدُ.
﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾: يَقُولُ: لا يَكادُون يَعْلَمُون حقيقةَ ما تُخبرهم به مِن أن كلَّ ما أصابَهم: مِن خيرٍ [وشرٍّ، [وسراءَ وضراءَ، و] (٥) شدةٍ ورخاءٍ] (٦)، فمن عندِ اللهِ، لا يَقْدِرُ أحدٌ (١) على ذلك غيرُه، ولا يُصيبُ أحدًا سيئةٌ إلا بتقديرِه، ولا يَنالُ رخاءً ونعمةً إلا بمشيئتِه، وهذا إعلامٌ مِن اللهِ عبادَه أن مفاتِحَ الأشياء كلَّها بيدِه، ولا يَمْلِكُ شيئًا منها أحدٌ غيرُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾: ما يُصِيبُك يا محمدُ مِن رخاءٍ ونعمةٍ وعافيةٍ وسلامةٍ، فمِن فضلِ اللهِ عليك، تَفَضَّلَ به عليك؛ إحسانًا منه إليك.
وأما قولُه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
فإنه يَعْنى: وما أصابَك مِن شدَّةٍ ومشقةٍ وأذًى ومكروهٍ فمن نفسِك، [يقولُ: فمِن قِبَلِ نفسِك] (٢)، يَعْنى: بذنبٍ استوجَبْتَها به اكتَسَبَتْه نفسُك.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: أَما مِن نفسِك، فيَقُولُ: مِن ذنبِك (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
عقوبةً يا ابن آدم بذنبك، قال: وذكر لنا أن نبي الله كان يَقُولُ: "لا يُصِيبُ رجلًا خَدْشُ عُودٍ، ولا عَثْرةُ قدمٍ، ولا اختِلاجُ عِرْقٍ إلا بذنبٍ، وما يَعْفُو الله عنه أكثرُ" (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يَقُولُ: الحسنةُ: ما فتَح اللهُ عليه يومَ بدرٍ وما أصابه (١) مِن الغنيمةِ والفتحِ.
والسيئةُ: ما أصابه يومَ أُحُدٍ أَن شُجَّ في وجهِه، وكُسِرت رَباعِيَتُه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: حدَّثنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
[قال: كان الحسنُ يقولُ: ما أصابك من نعمةٍ فمِن اللهِ، وما أصابك من سيئةٍ فمِن نفسِك] (٣).
يَقُولُ: بذنبِك.
ثم قال: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
النِّعَمُ والمصائبُ (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا [إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ] (٥) بنُ سعدٍ وابنُ أبى جعفرٍ، قالا: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ قولَه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
قال: هذه في الحسناتِ والسيئاتِ (٦).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية مثله.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُريج: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
قال: عُقوبةً بذنبِك (١).
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
بذنبِك، كما قال لأهلِ أُحُدٍ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
بذُنوبِكم (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالِحٍ في قولِه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
قال: بذنبِك، وأنا قدَّرتُها عليك (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾.
وأنا الذي قدَّرتُها عليك.
حدَّثني موسى بن عبد الرحمن المسروقى، قال: ثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالحٍ مثلَه (٤).
قال أبو جعفرٍ: فإن قال قائلٌ: وما وجهُ دُخولِ "مِن" في قولِه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾.
و ﴿مِنْ سَيِّئَةٍ﴾؟
قيل: قد اختلَف في ذلك أهلُ العربيةِ؛ فقال بعضُ نحويِّيِ البصرةِ: أُدْخِلَت "مِن"؛ لأن "مِن" تَحْسُنُ مع النفي، مثلَ: ما جاءَني مِن أحدٍ.
قال: وجُعِلَ (١) الخبرُ بالفاءِ؛ [لأنَّ ما] (٢) بمنزلةِ "مَن".
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: أُدخلت "مِن" مع "ما"، كما تَدْخُلُ على "إنْ" في الجزاءِ؛ لأنهما حرفا جزاءٍ، وكذلك تَدْخُلُ مع "مَن" إذا كانت جزاءً، فتَقولُ العربُ: ما (٣) يَزُرْك مِن أحدٍ فتُكرِمْه.
كما تَقُولُ: إِن يَزُرْكَ مِن أحدٍ فَتُكْرِمُه.
قال: وإنما (٤) أدخَلُوها مع "ما" و"مَن"؛ ليُعْلمَ [بدخولِها معهما] (٥) أنهما جزاءٌ، قالوا: وإذا أدخلَتْ معهما لم تُحْذَفْ؛ لأنها إذا حذِفت صار الفعلُ رافعًا شيئين، وذلك أن "ما" في قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ رُفِع بقولِه ﴿أَصَابَكَ﴾ فلو حَذَفَتَ "مِن" رفَع قولُه: ﴿أَصَابَكَ﴾ السيئةَ؛ لأن معناه: إِن تُصِبْك سيئةٌ، فلم يَجُزْ حَذْفُ "مِن" لذلك؛ لأن الفعلَ الذي هو على فعَل أو يَفعلُ لا يَرْفَعُ شيئين، وجاز ذلك مع "مَن"؛ لأنها تُشَبَّهُ (٦) بالصفاتِ، وهى في موضعِ اسمٍ، فأما "إن"، فإن "مِن" تَدْخُلُ معها وتَخْرُجُ، ولا تدخلُ (٧) مع "أي" لأنها تُعْرَبُ، فيتبيَّن (٨) فيها الإعرابُ، ودخَلت مع "ما" (١)؛ لأن الإعرابَ لا يَظهَرُ فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
إنما جعَلناك يا محمد رسولًا بينَنا وبينَ الخلقِ تُبَلِّغُهم ما أرسَلناك به مِن رسالةٍ إليهم، وليس عليك غيرُ البلاغِ وأداءُ الرسالةِ إلى مَن أُرْسِلتَ إليه، فإن قَبِلوا ما أُرْسِلتَ به فلأنفسِهم، وإن رَدُّوا فعليها، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾.
عليك وعليهم ﴿شَهِيدًا﴾.
يَقُولُ: حسبُك اللهُ تعالى ذكرُه شاهدًا عليك في بلاغِك ما أُمِرتَ (٢) ببلاغِه من رسالتِه ووحيِه، وعلى مَن أُرْسِلتَ إِليه في قبولِهم منك ما أُرْسِلتَ به إليهم؛ فإنه لا يخفَى عليه أمرُك وأمرُهم، وهو مُجازِيك ببلاغِك ما وَعَدَك به (٣)، ومُجازِيهم بما عَمِلوا مِن خيرٍ وشرٍّ، جزاءَهم (٤)؛ المُحْسِنَ بإحسانِه، والمُسيءَ بإساءتِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا إعذارٌ من اللهِ إلى خلقِه في نبيِّه محمدٍ ﷺ.
يقولُ اللهُ جلّ ذكرُه لهم: مَن يُطِعْ منكم، أيُّها الناسُ رسولى (٥) - محمدًا - إليكم (٥).
فقد أطاعنى بطاعتِه إياه، فاسمَعوا قولَه، وأطيعوا أمرَه، فإنه مَهْما يأمُرْكم به مِن شيءٍ فعن أمرى يأمُرُكم، وما ينهاكم عنه مِن شيءٍ فعن نَهْيِي، فلا يَقولَنَّ أحدُكم: إنما محمدٌ بَشَرٌ مِثْلُنا، يريدُ أن يَتَفضَّلَ علينا.
ثم قال جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومَن تَوَلَّى عن طاعتِك يا محمدُ، فأعرِضْ عنه، فإنَّا لم نُرْسِلْك عليهم حفيظًا - يعنى حافظًا لِما يعمَلون مُحاسِبًا - بل إنما أرسَلناك لتُبَيِّنَ لهم ما نُزِّل إليهم، وكفَى بنا حافِظين لأعمالِهم، ولهم عليها مُحاسِبِين.
ونَزَلَت هذه الآيةُ فيما ذُكِر قبلَ أن يُؤْمَرَ بالجهادِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سألتُ ابنَ زيدٍ عن قولِ اللهِ جلَّ ذكرُه: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾.
قال: هذا أَوَّلَ ما بَعَثه.
قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨].
قال: ثم جاء بعدَ هذا أمرُه (١) بجهادِهم والغِلْظةِ عليهم (٢) حتى يُسْلِموا (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾.
يعني الفريقَ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤه عنهم أنهم لمَّا كُتِب عليهم القتالُ، خَشُوا الناسَ كخشيةِ اللهِ أو أشدَّ خَشْيةً، يقولون لنبيِّ الله ﷺ، إذا أمَرهم بأمرٍ: أمْرُك طاعةٌ (٤) فيما تأمُرنا به وتَنْهانا عنه.
﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾.
يقولُ: فإذا خَرَجوا مِن عندِك يا محمدُ.
﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤه، غَيَّر جماعةٌ منهم ليلًا الذي تقولُ لهم.
وكلُّ عملٍ عُمِل ليلًا فقد بُيِّتَ، ومِن ذلك بَياتُ (١) العدوِّ، وهو الوقوعُ بهم ليلًا، ومنه قولُ عُبَيدةَ بن هَمَّامٍ (٢): أَتَوْنِى فَلَمْ أَرْضَ ما بَيَّتُوا … وكانوا أَتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرْ لأُنْكِحَ أَيِّمَهُمْ (٣) مُنْذِرًا … وَهَلْ يُنْكِحُ العَبْدَ حُرٌّ لحُرّ (٤) يعني بقولِه: فلم أرضَ ما بَيَّتوا (٥).
أي ما أَبْرَموه ليلًا وعَزَموا عليه.
ومنه قولُ النَّمِرِ بن تَوْلَبٍ العُكْليِّ (٦): هَبَّتْ لِتَعْذُلَنى بِلَيْلِ (٧) فَاسْمَعِي (٨) … سَفَهًا تَبَيُّتُكِ المَلَامَةَ فَاهْجَعِي يقولُ اللهُ جلّ ثناؤه: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
يعنى يذلك جلَّ ثناؤه: واللهُ يُثْبِتُ (٩) ما يُغَيِّرون مِن قولِك ليلًا في كُتُبِ أعمالِهم [التي تَكْتُبُها] (١٠) حَفَظَتُه وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
قال: يُغَيِّرون ما عَهِد نبيُّ اللهِ ﷺ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا يوسفُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا نافعُ بنُ مالكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
قال: غَيَّر أولئك ما قال النبيُّ ﷺ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ (٣)، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
[قال: غَيَّر أولئك ما قال النبيُّ ﷺ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ] (٥) وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
قال: هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حَضَروا النبيَّ ﷺ فأمرهم بأمرٍ، قالوا: طاعةٌ.
فإذا خَرَجوا مِن عندِه (٦) غَيَّر طائفةٌ منهم ما يقولُ النبيُّ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾.
يقولُ: ما يقولون (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين (٢)، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
قال: يُغَيِّرون ما قال رسولُ اللهِ ﷺ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قولَه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
وهم ناسٌ كانوا يقولون عندَ رسولِ اللهِ ﷺ: آمَنَّا بِاللَّهِ ورسولِه.
ليأمَنوا على دمائِهم وأموالِهم، وإذا بَرَزوا مِن عندِ رسولِ الله ﷺ، خالَفوا إلى غيرِ ما قالوه عندَه، فعابَهم اللهُ، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
يقولُ: يُغَيِّرون ما قال النبيُّ ﷺ (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيد بنُ سليمانَ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾.
يقولُ: هم أهلُ النِّفاقِ (٥).
وأما رَفْعُ: ﴿طَاعَةٌ﴾.
فإنه بالمتروكِ الذي دَلَّ عليه الظاهرُ مِن القولِ، وهو: أمرُك طاعةٌ، أو مِنَّا طاعةٌ (٦).
وأما قولُه: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
فإن التاءَ مِن ﴿بَيَّتَ﴾.
[بحركَتِها بالفتحِ، عليه] (١) عامةُ قرأةِ المدينةِ والعراقِ وسائرُ القَرَأةِ؛ لأنها لامُ الفعلِ (٢).
وكان بعضُ قرأةِ العراقِ يُسَكِّنها، ثم يُدْغِمُها في الطاءِ لمقارَبتِها في المَخْرَجِ (٣).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك، تَرْكُ الإدغامِ (٤)، لأنهما، أعنى التاءَ والطاءَ مِن حرفَين مختلفين، وإذا كان ذلك كذلك كان تَرْكُ الإدغامِ أفصحَ اللغتَين عندَ العربِ، واللغةُ الأخرى جائزةٌ، أعنى الإدغام في ذلك، مَحْكِيَّةٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤه لمحمدٍ ﷺ: فأعرضْ يا محمدُ، عن هؤلاء المنافقِين الذين يقولُون لك فيما تأمرهم به: أمرك طاعةٌ.
فإذا برزوا مِن عندِك خالفوا ما أمَرْتَهم به، وغَيَّروه إلى ما نَهَيتَهم عنه، وخَلِّهم وما هم عليه مِن الضلالةِ، وارضَ لهم بى مُنْتَقِمًا منهم، ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ أنت يا محمدُ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾، يقولُ: وفَوِّضْ أمرَك إلى اللهِ، وثِقْ به في أمورِك، ووَلِّها إياه، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، يقولُ: وكَفاك اللهِ، أي: وحَسْبُك باللهِ وكيلًا، أي: [قيِّمًا بأمورِك] (٥)، ووَليًّا (٦) لها، ودافِعًا عنك وناصِرًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
أفلا يَتَدبَّرُ (١) المُبَيِّتون غيرَ الذي تقولُ لهم يا محمدُ، كتابَ اللهِ، فيَعْلَموا حُجَّةَ اللهِ عليهم في طاعتِك واتِّبَاعِ أمرِك، وأن الذي أتيتَهم به من التنزيلِ مِن عندِ ربِّهم؛ لاتِّساقِ معانِيه، وائتلافِ أحكامِه، وتأيِيدِ بعضِه بعضًا بالتصديقِ، وشهادةِ بعضِه لبعضٍ بالتَّحْقيقِ، فإنَّ ذلك لو كان مِن عندِ غيرِ اللهِ لاختَلَفَت أحكامُه، وتناقضَت معانيه، وأبان بعضُه عن فسادِ بعضٍ.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾: أي قولُ اللهِ لا يَختلفُ، وهو حقٌّ ليس فيه باطلٌ، وأن قولَ الناسِ يَخْتَلِفُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: إن القرآنَ لا يُكذِّبُ بعضُه بعضًا، ولا يَنْقُضُ بعضُه بعضًا، ما جَهِل الناسُ مِن أمرٍ (٣)، فإنما هو من تقصيرِ عقولِهم وجَهالتِهم.
وقرَأ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ قال: فحَقٌّ على المؤمِنِ أن يقولَ: كلٌّ مِن عندِ اللهِ.
ويُؤْمِنَ بالمُتَشابهِ، ولا يضرِبَ بعضَه ببعضٍ، إذا جَهِل أمرًا ولم يَعرِفْه أن يقولَ: الذي قال اللهُ حَقٌّ.
ويَعرِفَ أن الله تعالى لم يَقُلْ قولًا ويَنقُضَه، ينبغى أن يُؤْمِنَ بحقيقةِ ما جاء مِن عندِ اللهِ ﵎ (١).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ قولَه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾.
قال: يَتَدَبَّرون النَّظَرَ فيه (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾.
وإذا جاء هذه الطائفةَ المُبَيِّنةَ غيرَ الذي يقولُ رسولُ اللهِ ﷺ ﴿أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ﴾.
فالهاءُ والميمُ مِن قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ﴾.
مِن ذكرِ الطائفةِ المُبَيِّنةِ.
يقولُ جلَّ ثناؤه: وإذا جاءهم خبرٌ عن سَرِيَّةٍ للمسلمين غازيةٍ بأنهم قد أمِنوا من عدوِّهم بغَلَبَتِهم إياهم، ﴿أَوِ الْخَوْفِ﴾.
يقولُ: أو تخوُّفِهم مِن عدوِّهم بإصابةِ عدوِّهم منهم، ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
يقولُ: أَفْشَوه وبَثُّوه في الناسِ قبلَ (٣) رسولِ اللهِ ﷺ، وقبل أمراءِ سرايا رسولِ اللهِ، والهاءُ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
مِن ذكرِ "الأمر".
وتأويله: أذاعوا بالأمرِ من الأمنِ أو الخوفِ الذي جاءهم، يقالُ منه: أذاعَ فلانٌ بهذا الخبرِ، وأذاعَه.
ومنه قولُ أبى الأَسودِ (٤): أذاعَ به في الناسِ حتى كأنَّه … بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثَقُوبِ (٥) وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
يقولُ: سارَعوا به وأَفْشَوه (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
يقولُ: إذا جاءهم أمرٌّ أنهم قد أمِنوا مِن عدوِّهم، أو أنهم خائفون منهم، أذاعُّوا بالحديثِ حتى يَبْلُغَ عدوِّهم أمرُهم (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
قال: أَفْشَوه وسَعَوْا (٣) به.
أخبرَنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾.
قال: هذا في الأخبارِ، إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ من المسلمين (٤) [تَخَبَّر الناسُ بينَهم (٥)] (٦) فقالوا: أصاب المسلمون (٧) مِن عدوِّهم كذا وكذا.
[وأصاب العدوُّ من المسلمين كذا وكذا] (١)؛ فأفشَوه بينهم من غيرِ أن يكونَ النبيُّ ﷺ هو الذي أخبَرهم (٢).
قال ابن جُرَيجٍ: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
قال: أعلَنوه وأَفْشَوه (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
قال: نَشَروه، والذين أذاعَوا به قومٌ؛ إما مُنافِقون، وإما آخرون ضعُفوا (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: [أخبرنا عبيدُ بن سليمانَ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
يقولُ] (٥): أَفْشَوه وسَعَوْا (٦) به، وهم أهلُ النفاقٍ (٧).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾: الأمرَ الذي جاءهم (٨) من عدوِّهم والمسلمين، إلى رسول اللهِ ﷺ، ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ﴾، يعنى إلى أُمرائِهم، وسكتوا فلم يُذِيعوا ما جاءهم من الخبرِ، حتى يكونَ رسولُ اللهِ ﷺ، أو ذَوو أمرِهم، هم (١) الذين يتولَّوْن (٢) الخبرَ عن ذلك، بعدَ أن تثبُتَ عندَهم صِحَّتُه أو بُطولُه، فيُصحِّحوه إن كان صحيحًا، أو يُبْطِلوه إن كان باطلًا، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: لعَلِم حقيقةَ ذلك الخبرِ الذي جاءهم به، الذين يَبْحَثون عنه، ويَسْتَخرِجونه ﴿مِنْهُمْ﴾، يعنى مِن أولى الأمرِ.
والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ مِن ذكْرِ أُولى الأمرِ، يقولُ: لَعَلِم ذلك مِن أُولى الأمرِ مَنْ (٣) يَستَنْبِطُه.
وكلُّ مُسْتَخْرِجٍ شيئًا كان مُسَتَّرًا (٤) عن إبصارِ العيونِ، أو عن مَعَارِفِ القلوبِ، فهو له مُسْتَنبِطٌ، يقالُ: استَنْبَطْتُ الرَّكِيَّةَ (٥).
إذا استَخرَجتَ ماءَها، ونَبَطْتُها أَنْبِطُها [وأنبُطُها نُبُوطًا، وقيل: إن النَّبَطَ (٦) دُعُوا نَبَطًا مِن ذلك؛ لاستنباطِهم الأرضَ، أو الماءَ، أي: استخراجِهم] (٧).
والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنبَط مِن الأرضِ.
ومنه قولُ الشاعرِ (٨): قَريبٌ ثَراه (١) ما يَنالُ عَدُوُّه … له نَبَطًا أبِى الهَوَانِ قَطُوبُ يعنى بالنَّبَطِ: الماءَ المُسْتَنبَطَ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: ولو سَكَتوا ورَدُّوا الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ، وإلى أميرِهم (٢) حتى يَتَكَلَّمَ هو به: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾.
يعنى عن الأخبارِ، وهم الذين يُنقِّرُون (٣) عن الأخبارِ (٤).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: إلى عُلمائِهم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: لعَلِمه الذين يَفْحَصُونَ (٥) عنه، ويُهمهم ذلك (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾ حتى يكونَ هو الذي يُخبرهم: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾: الفِقْهِ (١) في الدينِ والعقلِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، [عن عن أبي جعفرٍ] (٢)، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
[قال: العلمِ] (٣).
﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾: [يَتَّبَعُونه فيَتَحَسَّسونه] (٤) (٥).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: أخبرَنا الليثُ، عن مجاهدٍ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
قال: الذين يسألون عنه ويَتَحَسَّسونه (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾.
قال: قولُهم: ماذا كان؟
ماذا سَمِعتُم؟
(٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾.
قال: الذين يَتَحَسَّسونه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: لعَلِمه الذين يَتَحَسَّسونه (١).
حُدِّثتُ عن [الحسينِ بن الفرجِ] (٢)، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرَنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾.
قال: يتَّبَّعونه (٣).
حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾.
حتى بلَغ: ﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
قال: الولاةُ الذين يكونون في الحربِ عليهم، الذين يَتَفَكَّرون فيَنْظُرون لِما جاءهم مِن الخبرِ؛ أصِدْقٌ أم كَذِبٌ؟
باطلٌ فيُبْطِلونه، أو حقٌّ يُحقِّقُونه (٤)؟
[الولاةُ الذين يستنبِطُونه على القومِ في الحربِ] (٥).
قال: وهذا في الحربِ [وقد] (٦) أذَاعُوا به، ولو فَعَلوا غيرَ هذا و (٧) ردُّوه إلى اللهِ و ﴿إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾.
الآية.
[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى وابنُ بشارٍ، قالا: حدَّثنا عمرُ بنُ يونسَ، وحدثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قالا جميعًا: حدَّثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ،] (٨) [عن سِمَاكٍ أبي رُمَيْلٍ، قال: أخبرنا ابن عباسٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ حدَّثه قال: لما اعتزَل رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه، وكان وجَد عليهن في اعتزالِهنَّ في مشرُبَةٍ (١) له في خِزانتِه، فقال عمرُ: دخلتُ المسجدَ فإذا الناسُ ينكُتُون الحصباءَ، ويقولون: طلَّق رسولُ اللهِ ﷺ نساءَه.
فقلتُ: لأعلَمنَّ هذا اليومَ.
وذلك قبلَ أن يأمرَ النبيُّ، ﵇، بالحجابِ، فدخَلْتُ على عائشةَ بنتِ أبي بكرٍ، فقلتُ: يا بنتَ أبي بكرٍ، قد بلَغ مِن أمرِكِ أن تؤذِى رسولَ اللهِ؟!
قالت: ما لي وما لَك يا بنَ الخطابِ، عليك بعَيْبَتِكَ (٢).
فأتيتُ حفصةَ بنتَ عمرَ، فقلتُ: يا حفصةُ، واللهِ لقد علِمتِ أنّ رسولَ اللَّهِ لم يُحبَّكِ، ولولا أنا لطلَّقكِ.
قال: فبكتْ (٣) أشدَّ البكاءِ.
قال: ثمّ قلتُ: أينَ رسولُ اللَّهِ؟
فقالت: في خزانتِه.
فذهبتُ فإذا أنا برَبَاحٍ غلامِ رسولِ اللهِ ﷺ قاعِدًا على أُسْكُفَّةِ (٤) الغرفةِ مُدَلِّيا رجلَيْه على نَقِيرٍ - يعنى جِذْعًا مَبْقُورًا (٥) - فقلتُ: يا رباحُ، استأذِنْ لي عندَك على رسولِ اللهِ.
فنظر رباحٌ إلى الغرفةِ، ثم نظَر إليَّ فسكَت، قال: فرفعتُ صوتي فقلتُ: استأذِن لي يا رباحُ؛ فإني أظنُّ أنّ رسولَ اللَّهِ يظنُّ أنّى إنما جئتُه مِن أجلِ حفصةَ، واللَّهِ لئن أمَرني رسولُ اللَّهِ أن أضربَ عنقَها لأضرِبنَّ عنقَها.
قال: فنظر رباحٌ إلى الغرفةِ، ثم نظر إليّ فقال بيدِه هكذا - يعنى أنه أشار بيدِه أنِ ادْخُلْ - قال: فدخَلتُ على رسولِ اللهِ في خزانتِه، فإذا هو مضطجِعٌ على حصيرٍ، وإذا عليه إزارٌ، وجلَس فإذا الحصيرُ قد] (٦) [أثَّر في جنبِه، وقلَّبتُ عينيَّ في خزانةِ رسولِ اللهِ فإذا ليس فيها شيءٌ في الدنيا غيرَ قبْضَةٍ من شعيرٍ وقبضةٍ من قُرْطٍ (١)، إنهما نحوُ الصاعَيْن، وإذا أَفِيقٌ (٢) معلَّقٌ أو أفيقان معلقٌ (٣)، فابتدَرتْ عيناى (٤).
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما يبكيكَ يا بنَ الخطابِ؟
" فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما لى لا أبكى وأنت صفوةُ اللهِ ورسولُه وخيرتُه من خلقِه، وهذه خزانتُكَ، وهذه الأعاجمُ؛ كسرى وقيصرُ في الثمارِ والأنهارِ، وأنت هكذا قال: "يا بن الخطابِ، أمَا ترضى أن تكونَ لنا الآخرةُ، ولهم الدنيا؟
".
قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ.
قال: "فاحمَد الله".
قال: ما تكلَّمتُ بشيءٍ قطُّ إلا أنزل اللهُ تصديقَ قولِه لى من السماءِ.
فقلتُ: يا نبيَّ اللهُ، إنْ كُنتَ طلَّقتَهنَّ فإنَّ الله معك وجبريلُ وميكائيلُ وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنون.
فأنَزل اللهُ: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ [التحريم: ٤] إلى آخرِ الآيةِ، فما زلتُ أحدَّثُ نبيَّ اللهِ، ﵇، وأنا أعرِفُ الغضبَ في وجهِه حتى جعَل وجهُه يتهلَّلُ، قال: وكَشَر (٥)، فرأيتُ ثغرَه، وكان من أحسنِ الناسِ ثغرًا.
قال: أجَلْ، إني لم أطلِّقْهنَّ.
فقلتُ: يا نبيَّ اللهِ، إنهم قد أذاعوا أنك قد طلَّقْتَ نساءَك فأُخبرُهم (٦) أنك لم تُطلِّقْهنَّ؟
فقال: "إنْ شئتَ فعلتَ".
فقمتُ على بابِ المسجدِ، فقلتُ: ألا إن] (٧) [رسولَ اللهِ لم يطلقْ نساءَه، فأنزل اللهُ في الذي كان مِن شأنى وشأنِه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ قال عمرُ: فأنا الذي استنبطتُ منه (١)] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه، ولولا إنعامُ اللهِ عليكم، أيُّها المؤمنون، بفَضْلِه وتَوْفِيقِه ورَحْمتِه، فأنقَذَكم مما ابتَلى به هؤلاء المنافِقين، الذين يقولون لرسولِ اللهِ ﷺ إذا أمَرهم بأمرٍ: طاعةٌ.
فإذا بَرَزُوا مِن عندِه بَيَّت طائفةٌ منهم غيرَ الذي تقولُ، لكنتُم مثلَهم فاتَّبَعتُم الشيطانَ.
كما اتَّبَعه هؤلاء الذين وَصَف صفتَهم.
وخاطَب بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
الذين خاطَبهم بقولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١].
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في القليلِ الذين استَثْناهم اللهُ، مَنْ هُم؟
ومِن أيِّ شيءٍ من الصفاتِ استَثْناهم؟
فقال بعضُهم: هم المستنبطون مِن أولى الأمرِ، استثناهم مِن قولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
ونَفَى عنهم أن يَعْلَموا بالاستنباطِ ما يَعلَمُ به غيرُهم مِن المُسْتَنبِطين مِن الخبرِ الواردِ عليهم مِن الأمنِ أو الخوفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: إنما هو: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلًا (١) ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقولُ: لاتَّبَعتم الشيطانَ كُلُّكم.
وأما قولُه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فهو كقولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾.
إلا قليلًا (٣).
[حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ قراءةً، عن سعيدٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
قال: يقولُ: لاتَّبَعْتم الشيطانَ كُلُّكم.
وأما: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فهو كقولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ إِلَّا قَلِيلًا] (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ نحوَه - يعني نحوَ قولِ قتادةَ - وقال: لَعَلِموه (٥) إلا قليلًا.
وقال آخرون: بل هم الطائفةُ الذين وصف اللهُ أنهم يقولون لرسولِ اللهِ ﷺ: طاعةٌ.
فإذا بَرَزوا من عنده بَيَّتوا غيرَ الذي قالوا [له، وقالوا: واستثناهم اللهُ مِن قولِه: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾.
وقالوا] (١): معنى الكلامِ: وإذا جاءهم أمرٌ من الأمنِ أو الخوفِ أذاعُوا به، إلا قليلًا منهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾: [فانقَطَع الكلامُ.
وقولُه] (١) ": ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فهو في أوَّلِ الآيةِ يُخبِرُ عن (٢) المنافِقين، قال (٣): ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾: يعنى بالقليلِ المؤمنين.
[يقولُ اللهُ] (٤): الحمدُ للهِ الذي أنزل الكتاب عدلًا قيمًا، ولم يجعلْ له عوجًا (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: هذه الآيةُ مُقَدَّمَةٌ ومُؤخَّرَةٌ، إنما هي: أذاعُوا به إلا قليلًا منهم، [﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذه مقدَّمةٌ.
وقال] (١): ولولا فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُه لم يَنْجُ قليلٌ ولا كثيرٌ (١).
وقال آخَرون: بل ذلك استثناءٌ من قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾.
وقالوا (٢): الذين استُثْنُوا؛ هم قومٌ لم يكونوا هَمُّوا بما كان الآخَرون هَمُّوا به مِن اتِّباعِ الشيطانِ.
فعَرَّف اللهُ جلَّ ثناؤه الذين أنقَذهم مِن ذلك مَوْقِعَ نِعْمتِه منهم، واستَثْنى الذين لم يكنْ منهم في ذلك ما كان من الآخَرِين.
ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ (٣)، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ بنَ مُزاحِمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
قال: هم أصحابُ النبيِّ ﷺ، كانوا حَدَّثوا أنفسَهم بأمورٍ من أمورِ الشيطانِ، إلا طائفةً منهم (٤).
وقال آخرَون: معنى ذلك: ولولا فضلُ اللهِ عليكم ورحمتُه لاتَّبَعْتم الشيطانَ [جميعًا.
قالوا: وقولُه] (٥): ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
خَرَجَ مَخْرِجَ الاستثناءِ في اللفظِ، وهو دليلٌ على الجميعِ والإحاطةِ، وأنه لولا فَضْلُ اللهِ عليهم ورحمتُه لم يَنْجُ أحدٌ مِن الضلالةِ، فجعَل قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
دليلًا على الإحاطةِ، واستَشْهَدوا على ذلك بقولِ الطِّرِمَّاحِ بن حكيمٍ في مدحِ يزيدَ بن المُهَلَّبِ (٦): أَشَمُّ كَثِيرُ [يُدِيِّ النَّوَالِ] (١) … قليلُ المَثَالِبِ والقَادِحَهْ قالوا: فظاهرُ هذا القولِ وَصْفُ الممدوحِ بأن فيه المَثالِبَ والمَعايِبَ، ومعلومٌ أن معناه، أنه لا مَثالِبَ فيه ولا مَعايِبَ؛ لأن مَن وَصَف رجلًا بأن فيه مَعايبَ - وإنْ وَصَف الذي فيه مِن (٢) المعايب بالقِلَّةِ (٣) - فإنما ذَمَّه ولم يمدَحْه، ولكنَّ ذلك على ما وَصَفْنَا مِن نَفْي (٤) جميعِ المَعايبِ عنه.
قالوا: فكذلك قولُه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
إنما معناه، لاتَّبَعْتُم جميعُكم الشيطانَ.
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك عندى، قولُ مَن قال: عَنَى باستثناءِ القليلِ من الإذاعةِ، وقال: معنى الكلامِ: وإذا جاءهم أمرٌ مِن الأمنِ أو الخوفِ أذاعوا به إلا قليلًا، ولو رَدُّوه إلى الرسولِ.
وإنما قلنا: إنَّ ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنه لا يَخْلو القولُ في ذلك مِن أحدِ الأقوالِ التي ذكَرْنا، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن قولِه: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ﴾؛ لأنَّ مَن تَفَضَّلَ اللهُ عليه بفضلهِ ورحمتِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مِن أتْبَاعِ الشيطانِ.
وغيرُ جائزٍ أن نحمِلَ معاني كتابِ اللهِ على غيرِ الأغلبِ المفهومِ بالظاهرِ مِن الخطابِ في كلامِ العربِ، ولنا إلى حَمْلِ ذلك على الأغلبِ من كلامِ العربِ سبيلٌ، فتَوْجِيهُه إلى المعنى الذي وَجَّهَه إليه القائلون: معنى ذلك، لاتَّبَعتم الشيطانَ جميعًا.
ثم زعَم أن قولَه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾.
دليل على الإحاطةِ بالجميعِ.
هذا مع خروجِه من تأويلِ أهلِ التأويلِ، [لا وجهَ له] (١).
وكذلك لا وَجْهَ [لتَوجِيه ذلك] (٢) إلى الاستثناءِ مِن قولِه: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾؛ لأن علمَ ذلك إذا رُدَّ إلى الرسولِ وإلى أولى الأمرِ منهم، فَبَيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ، وأولو العلمِ (٣) منهم بعدَ وضوحِه لهم، استَوى في علمِ ذلك كلُّ مُسْتنبط حقيقته (٤)، فلا وَجْهَ لاستثناءِ بعضِ المُسْتَنبِطِين منهم، وخصوصِ بعضِهم لعلمِه (٥)، مع استواءِ جميعِهم في علمِه.
وإذ كان لا قولَ في ذلك إلا ما قُلنا، فدَخَل (٦) هذه الأقوالَ الثلاثةَ ما بَيَّنَّا مِن الحَالِ (٧)، فبَيِّنٌ أن الصحيحَ مِن القولِ في ذلك هو الرابعُ (٨)، وهو القولُ الذي قَضَينا له بالصوابِ مِن أنّ (٩) الاستثناءَ من الإذاعةِ (١٠).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾: فَجَاهِدْ يا محمد أعداءَ اللهِ مِن أهلِ الشركِ به ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: في دينِه الذي شَرَعه لك، وهو الإسلامُ، وقاتِلْهم فيه بنفسِك.
فأما قولُه: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، فإنه يعنى: لا يُكَلِّفُ اللهُ فيما فَرَض عليك مِن جهادِ عدوِّك وعدوِّه، إلا ما حمَّلك مِن ذلك دونَ ما حَمَّل غيرَك منه، أي إنك إنما تُتَّبع (١) بما اكتسبتَه دونَ ما اكتَسَبه غيرُك، وإنما عليك ما كُلِّفتَه دونَ ما كُلِّفه غيرُك.
ثم قال له: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يعني: وحُضَّهم على قتالِ مَن أمرَتُك بقتالِهم معك، ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقولُ: لعل الله أن يَكُفَّ قتالَ مَن كفَر باللهِ وجَحَد وَحْدانيتَه وأنكَر رسالتَك، عنك وعنهم، ونِكايتَهم.
وقد بَيَّنَّا فيما مضَى أنَّ "عسى" مِن اللهِ واجبةٌ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (٢).
﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.
يقولُ: واللهُ أَشَدُّ نِكايةً في عدوَّه مِن أهلِ الكفرِ به، به، منهم فيك يا محمدُ وفى أصحابك فلا تَنْكُلَنَّ عن قتالهم، فإنى راصِدُهم بالبأسِ والنِّكايةِ والتَّنْكيلِ والعقوبةِ، لأُوهِنَ كيدَهم، وأُضْعِفَ بأسَهم، وأُعْلِىَ الحقَّ عليهم.
والتَّنْكِيلُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: نَكَّلتُ بفلانٍ، فأنا أُنكِّلُ به تَنْكِيلًا.
إذا أوجَعْتَه عقوبةً.
كما حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾: أي عُقوبةً (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.
يعنى بقوله جلّ ثناؤه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾: مَن يَصِرْ يا محمد شَفْعًا لوِتْرِ أصحابِك، فيَشْفَعُهم في جهادِ عدوِّهم وقتالِهم في سبيلِ اللهِ، وهو الشَّفاعةُ الحسنةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
يقولُ: يكنْ له مِن شفاعتِه تلك نَصِيبٌ، وهو الحَظُّ من ثوابٍ اللهِ، وجزيلِ كرامتِه: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾.
يقولُ: ومَن يَشْفَعْ وِتْرَ أهلِ الكفرِ باللهِ على المؤمنين به، فيُقاتِلْهم معهم، وذلك هو الشفاعةُ السيئةُ، ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.
يعني بالكِفْلِ: النصيبَ والحظَّ من الوِزْرِ والإثمِ، وهو مأخوذٌ مِن كِفْلِ البعيرِ والمَرْكَبِ، وهو الكساءُ أو الشيءُ يُهَيَّأُ عليه، شَبيهًا بالسَّرْجِ على الدابةِ.
يقالُ منه: جاءنا فلانٌ مُكْتَفِلًا.
إذا جاءنا على مَرْكَبٍ قد وُطِّئَ له - على ما بَيَّنَّا - لركوبِه.
وقد قيل: إنه عَنَى بقولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾.
الآية: شفاعةَ الناسِ بعضهم لبعض.
وغيرُ مُسْتَنكَرٍ أن تكونَ الآيةُ نَزَلَت فيما ذكَرنا، ثم عُمَّ بذلك كلُّ شافعٍ (٢) بخيرٍ أو شرٍّ.
وإنما اخترنا ما قُلنا مِن القول في ذلك؛ لأنه في سياق الآيةِ التي أمرَ اللهُ نبيَّه ﷺ ما فيها بحَضِّ المؤمنين على القتالِ، فكان ذلك بالوعدِ لمَن أجابَ رسولَ اللهِ ﷺ، والوعيدِ لمَن أبَى إجابتَه، أشبهَ منه مِن الحَثِّ على شفاعةِ الناسِ بعضِهم لبعضٍ التي لم يَجْرِ لها ذكرٌ قبلُ، ولا لها ذكرٌ بعدُ.
ذكرُ مَن قال ذلك في شفاعة الناس بعضهم لبعضٍ حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً﴾.
قال: [شفاعةُ بعضِ الناسِ لبعضٍ] (١) (٢).
حُدِّثتُ عن ابن مَهْدِيٍّ، عن حَمَّادِ بن سَلَمَةَ، عن حُمَيدٍ، عن الحسنِ، قال: مَن يَشْفَعُ شفاعةً حسنةً، كان له [فيها أجران] (٣) و [إن لم يُشَفَّعْ] (٤)؛ لأن الله يقولُ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾، ولم يقُلْ: مَن يُشَفَّعْ (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾.
كُتب له أجرُها ما جَرَت مَنْفعتُها (٦).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: سألتُه - يعنى ابنَ زيد - عن قولِ اللهِ: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، قال: الشفاعةُ الصالحةُ التي شُفع فيها وعُمِل بها، هي بينَك وبينَه، هما فيها شريكان.
﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.
قال: هما شَرِيكان فيها كما كان هذان (١) شَريكَين.
ذكرُ مَن قال: الكِفْلُ النصيبُ حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾، أي: حَظَّ مِنها ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.
والكِفْلُ هو الإثمُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾: أمَّا الكِفْلُ فالحَظُّ (٣).
حدَّثني المُثَنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾.
قال: حَظٌّ منها، فبِئْس الحظُّ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الكِفْلُ والنصيبُ واحدٌ.
وقرَأ: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥) [الحديد: ٢٨].
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥)﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: وكان اللهُ على كلِّ شيءٍ حفيظًا وشهيدًا.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
يقولُ: حفيظًا (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾: شهيدًا (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سُفيانَ، عن رجلٍ [لم يُسمِّه] (٣)، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُقِيتًا﴾.
قال: شهيدًا، حسيبًا، حفيظًا (٤).
حدَّثنى أحمدُ بنُ عثمانَ بن حَكيمٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ شَرِيكٍ، قال: ثنا أبي، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ أبي الحَجَّاجِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
قال: المُقِيتُ الحسيبُ (٥).
وقال آخرون: معنى ذلك: القائمُ على كلِّ شيءٍ بالتدبيرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
قال: المُقِيتُ الواصِبُ (١).
وقال آخرون: بل هو القديرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
أمَّا المُقِيتُ فالقديرُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾.
قال: على كلِّ شيءٍ قديرًا.
المقيتُ: القديرُ (٣).
والصوابُ من هذه الأقوالِ قولُ مَن قال: معنى المُقيتِ: القديرُ.
وذلك أن ذلك - فيما يُذكرُ - كذلك بلغةِ قريشٍ، ويُنشَدُ للزبيرِ بن عبدِ المطلبِ، عمِّ رسولِ اللهِ ﷺ (٤): وَذِى ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عنه … وكُنتُ على مَساءَتِه مُقِيتَا أي: قادرًا (٥).
وقد قيل: إن منه قولَ النبيِّ ﷺ: "كَفى بالمرءِ إثمًا أن يُضِيعَ مَن يُقِيتُ" (١).
في روايةِ مَن رَواها: يُقِيتُ، يعني: مَن هو تحتَ يَدَيه وفي سلطانِه من أهلِه وعيالِه، فيُقَدِّرُ له قوته.
يقالُ منه: أقاتَ فلانٌ الشيءَ يُقِيتُه إقاتةً، وقاتَه يَقوتُه قياتةً وقَوْتًا، والقُوتُ الاسمُ.
وأما المُقِيتُ في بيت اليهوديِّ (٢) الذي يقولُ فيه: ليتَ شِعْرِي وأَشْعُرَنَّ إذا ما … قَرَّبوها مَطْوِيَّةً (٣) ودُعِيتُ أَلِي الفَضْلُ أَم عَلَيَّ إِذا حُو … سِبْتُ إنِّي على الحسابِ مُقِيتُ فإنّ معناه: فإنِّى على الحسابِ موقوفٌ، وهو مِن غيرِ هذا المعنى.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾: إذا دُعِى لكم بطولِ الحياةِ والبقاءِ والسلامةِ، ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
يقولُ: فَادْعُوا لَمَن دَعا لكم بذلك بأحسَنَ مما دعا لكم، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾، يقولُ: أو رُدُّوا التحيةَ.
ثم اختَلف أهلُ التأويلِ في صفةِ التحيةِ التي هي أحسنُ مما حُيِّى به المُحَيَّا، والتي هي مثلُها؛ فقال بعضُهم: التي هي أحسنُ منها أن يقولَ المُسلَّمُ عليه إذا قيل: السلامُ عليكم: وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ.
فيزيدُ على دعاءِ الداعِى له.
والردُّ أن يقولَ: السلامُ عليكم.
مثلَ ما قيل له، أو يقولَ: وعليكم السلامُ.
فيَدْعُو للدَّاعِى له مثلَ الذي دَعا له.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
يقولُ: إذا سَلَّم عليك أحدٌ (١)، فقل أنت: وعليك السلامُ ورحمةُ اللهِ، أو تَقطَعَ إلى: السلامُ عليك.
كما قال لك (٢).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
قال: في أهلِ الإسلامِ (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، عن ابن جُريجٍ، فيما قُرِئَ عليه عن عطاءٍ، قال: في أهلِ الإسلامِ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن شُرَيحٍ، أنه كان يرُدُّ: السلامُ عليكم.
كما يُسَلَّمُ عليه (٤).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن ابن عَوْنٍ وإسماعيل بن أبي خالدٍ، عن إبراهيمَ، أنه كان يَرُدُّ: السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ (٥).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن عطيةَ (١)، عن ابن عمرَ، أنه يَرُدُّ: وعليكم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فحَيُّوا بأحسنَ منها أهلَ الإسلامِ، أو رُدُّوها على أهلِ الكفرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشهيدِ، قال: ثنا حُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن الحسنِ بن صالحٍ، عن سِمَاكِ بن حربٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مَن سَلَّم عليك مِن خَلْقِ اللهِ، فاردُدْ عليه وإن كان مجوسِيًّا، فإن الله يقولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سالمُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا سعيدُ بنُ أَبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾: للمسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ (٤).
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾.
يقولُ: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أي على المسلمين، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ على أهلِ الكتابِ.
حدَّثني يونسُ، قال: حدَّثنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
قال: قال أبي: حَقٌّ على كلِّ مسلمٍ حُيِّىَ بتحيةٍ أن يُحَيِّىَ بأحسَنَ منها، وإذا حَيَّاه غيرُ أهلِ الإسلامِ، أن يَرُدَّ عليه بمثلِ ما قال.
وأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: ذلك في أهلِ الإسلامِ.
ووَجَّه معناه إلى أن يَرُدُّ السلام على المُسْلِم إذا حَيَّاه تَحيَّةً أحسَنَ مِن تَحيَّتِه أو مثلَها.
وذلك أن الصَّحاحَ مِن الآثارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ، [أنه قال: "إذا سلَّم عليكم أهلُ الكتابِ فقولوا: وعليكم" (١).
فبيَّن ﷺ] (٢) أنه واجبٌ على كلِّ مسلمٍ ردُّ تحيةِ كلِّ كافرٍ بأحسنَ مِن تَحيَّتِه.
وقد أمَر اللهُ جلّ ثناؤه بِرَدِّ الأحسَنِ أو المِثْلِ في هذه الآيةِ، مِن غيرِ تمييزٍ منه بينَ المُسْتَوجِبِ ردَّ الأحسنِ من تحيتِه عليه، والمردودِ عليه مثلُها، بدلالةٍ يُعْلَمُ بها صحةُ قولِ مَن قال: عَنَى برَدِّ الأحسنِ المُسْلِمَ، وبرَدِّ المِثْلِ أهلَ الكفرِ.
فالصوابُ - إذا لم يكنْ في الآيةِ دلالةٌ على صحةِ ذلك، [ولا جاء بصحتِه] (٣) أثرٌ لازمٌ عن الرسولِ ﷺ أن يكونَ الخيارُ في ذلك إلى المُسلَّمِ عليه؛ بينَ (٤) رَدَّ الأحسنِ أو المثلِ، إلا في الموضعِ الذي خَصَّ شيئًا من ذلك سُنَّةٌ مِن رسولِ اللهِ ﷺ، فيكونُ مُسَلَّما لها، وقد خَصَّتِ السُّنَّةُ أهل الكفرِ بالنَّهْى عن رَدَّ الأحسنِ مِن تحيتِهم عليهم أو مثلِها، إلا بأن يُقالَ: وعليكم.
فلا ينبغي لأحدٍ أن يَتَعدَّى ما حَدَّ في ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فأما أهلُ الإسلامِ فإنّ لمَن سُلِّم عليه منهم في الردِّ مِن الخيارِ ما جعَل اللهُ له من ذلك.
وقد رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ في تأويلِ ذلك بنحوِ ما قلنا خَبَرٌ.
وذلك ما حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْلِيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ السَّرِيِّ الأنْطَاكِيُّ، قال: ثنا هشامُ بن لاحقٍ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ، عن سَلْمانَ الفارسيِّ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فقال: السلامُ عليك يا رسولُ اللهِ.
فقال: "وعَلَيكَ ورحمةُ اللهِ".
ثم أتى آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ.
فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "وعَلَيك ورحمةُ اللهِ وَبَرَكاتُه".
ثم جاء آخَرُ فقال: السلامُ عليك يا رسولَ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه.
فقال له: "وعَلَيكَ".
فقال له الرجلُ: يا نبيَّ الله، بأبي أنت وأمى، أتاك فلانٌ وفلانٌ، فَسَلَّما عليك، فرَدَدْتَ عليهما أكثر مما رَدَدْتَ عليَّ؟
فقال: "إنكَ لم تَدَعْ لنا شيئًا، قال اللهُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
فرَدَدْناها عليكَ" (١).
فإن قال قائلٌ: أفواجبٌ رَدُّ التَّحِيةِ على ما أمَر اللهُ في كتابِه؟
قيل: نعم، وبه كان يقولُ جماعةٌ من المُتَقدِّمِين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سُوَيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُباركِ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرني أبو الزُبيرِ أنه سمِع جابرَ بن عبدِ اللهِ يَقولُ ما رأيتُه إلا يُوجِبُه قولَه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (١).
حدَّثنا المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدٌ، قال: أَخْبَرَنا ابن المُبارَكِ، عن سُفيانَ، عن رجلٍ، عن الحسنِ قال: السلامُ تَطوُّعٌ، والردُّ فَريضةٌ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: إن الله كان على كلِّ شيءٍ مما تَعْمَلون أيُّها الناسُ مِن الأعْمالِ، من طاعةٍ ومعصيةٍ، حَفيظًا عليكم، حتى يُجازِيَكم بها جَزاءه.
كما حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى.
وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿حَسِيبًا﴾.
قال: حَفيظًا (٣).
وأصْلُ الحَسِيبِ في هذا الموضعِ عندى فَعِيلٌ مِن الحسابِ، الذي هو في معنى الإحْصاءِ، يُقالُ منه: حاسَبْتُ فلانًا على كذا وكذا، وفلانٌ يُحاسِبُه (١) علي وكذا وكذا، فهو حَسِيبُه، وذلك إذا كان صاحبَ حِسابِه.
وقد زعَم بعضُ أهلِ البصرةِ من أهلِ اللغةِ، أن معنى الحَسيبِ في هذا الموضعِ: الكافِى، يُقالُ منه: أَحْسَبَنى الشيء يُحْسِبُنى إحْسابًا، بمعنى: كفاني، من قولهم: حَسْبي كذا وكذا.
قال أبو جعفر ﵀: وهذا غلطٌ مِن القولِ وخطأٌ، وذلك أنه لا يُقالُ في "أَحْسَبَنى (٢) الشيءَ": أحْسَبَنى (٢) على الشيءِ فهو حَسِيبٌ عليه، وإنما يُقالُ: هو حَسْبُه وحَسِيبُه، واللهُ يقولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤُه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾: المَعْبودُ الذي لا تَنْبَغى العُبودَةُ إلا له هو، الذي له عِبادةُ كلِّ شيءٍ، وطاعةُ كلٌ طائعٍ.
وقولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يقولُ: ليَبْعَثَنَّكُم مِن بعدِ مَماتِكم، فلَيَحْشُرَنَّكم جميعًا إلى موقفِ الحسابِ الذي يُجازى الناسَ فيه بأعْمالِهم، ويَقْضِى فيه بينَ أهلِ طاعتِه ومعصيتِه، وأهلِ الإيمانِ به والكفرِ، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، يقولُ: لا شكَّ في حقيقةِ ما أَقولُ لكم مِن ذلك، وأُخْبِرُكم من خبرِى، بأنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ بعدَ مَماتِكم.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، يعنى بذلك: فاعْلَموا حقيقةَ ما أَخْبرتُكم مِن الخبرِ، فإنِّي جامِعُكم إلى يومِ القيامةِ للجَزاءِ والعَرْضِ والحسابِ والثوابِ والعقابِ يقينًا، فلا تَشُكُّوا في صحتِه، ولا تَمْتَرُوا في حقيقتِه، فإن قولِى الصدقُ الذي لا كَذِبَ فيه، ووَعْدى الحقُّ (١) الذي لا خُلْفَ له.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
يقولُ: وأيُّ ناطقٍ أصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا، وذلك أن الكاذبَ إنما يَكْذِبُ ليَجْتَلِب بكذبِه إلى نفسِه نفعًا، أو يَدْفَعَ عنها ضَرًّا، واللهُ تعالى ذكرُه خالقُ الضَّرِّ والنفعِ، فغيرُ جائزٍ أن يَكونَ منه كذبٌ؛ لأنه [لا يَدْعُو إلى ذلك اجْتِلابُ نفعٍ به، ولا دفعُ ضَرٍّ عن نفسِه، وإنّما يجوزُ ذلك على مَن دونَه، فمنَ ذا الذي لا يحتاجُ إلى اجتلابِ نفعٍ إلى] (٢) نفسِه، أو دفعِ ضَرٍّ عنها سواه تعالى ذكرُه، فيَجوزَ أن يَكونَ له في اسْتِحالةِ الكذبِ منه نظيرٌ؟
أو مَن أَصْدَقُ مِن الله حديثًا وخبرًا؟
القولُ في تأويلِ قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: فما شأنُكم أيُّها المؤمنون في أهلِ النِّفاقِ فِرْقتَين (٣) مُخْتلِفتَين.
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى بذلك: واللهُ رَدَّهم إلى أحكامِ أهلِ الشركِ في إباحةِ دمائهم، وسَبْي ذَراريِّهم، [﴿بِمَا كَسَبُوا﴾، يعنى: بما كذَبوا الله ورسولَه، وكفَروا بعدَ إسلامِهم] (٤).
والإرْكاسُ الردُّ، ومنه قولُ أُميةَ بن أبي الصَّلْتِ الثقَفِيِّ (١): فأُرْكِسوا في حَمِيم النارِ أَنَّهُمُ … كانوا عُصاةً وقالوا الإفْكَ والزُّورَا يقال منه: أَرْكسَهم ورَكَسَهم.
وقد ذُكِر أنها في قراءةِ عبدِ اللهِ وأُبَيٍّ: (واللهُ ركَسَهم) بغيرِ ألفٍ (٢).
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين نزَلَت فيهم هذه الآيةُ؛ فقال بعضُهم: نزلَت في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الذين تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحدٍ، وانْصَرَفوا إلى المدينةِ، وقالوا لرسولِ اللهِ ﷺ ولأصحابِه: لو نعلَمُ قتالًا لاتَّبَعْناكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الفضلُ بنُ داودَ (٣) الواسطيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، عن شعبةَ، عن عديِّ بن ثابتٍ، قال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ يزيدَ الأنصاريَّ يُحَدِّثُ عن زيدِ بن ثابتٍ، أن النبيَّ ﷺ لمَّا خرَج إلى أُحدٍ، رجَعَت طائفةٌ ممَّن كان معه، فكان أصحابُ النبيِّ ﷺ فيهم فرقتَيْن؛ فرقةٌ تَقولُ: نَقْتُلُهم.
وفرقةٌ تقولُ: لا.
فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ الآية.
قال رسولُ اللهِ ﷺ في المدينة: "إنها طَيْبةُ، وإنها تَنْفِى خَبَثَها كما تَنْفِى النارُ خَبَثَ الفِضَّةِ" (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ، فذكَر مثلَه (١).
حدَّثني زُرَيقُ بنُ السَّخْتِ، قال: ثنا شَبَابِةُ، [حدَّثنا شعبةُ] (٢)، عن عديِّ بن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن يزيدَ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: ذكَروا المنافقين عندَ النبيِّ ﷺ، فقال فريقٌ: نَقْتُلُهم.
وقال فريقٌ: لا تَقْتُلُهم.
فأنْزَل اللهُ ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٣).
وقال آخرون: بل نزَلَت في اختلافٍ كان بينَ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا قدِموا المدينة من مكةَ، فأظهروا للمسلمين أنهم مُسلمون، ثم رجَعوا إلى مكةَ، فأظْهَرُوا لهم الشرك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
قال: قومٌ خرجوا مِن مكةَ حتى أتَوُا المدينةَ يَزْعُمون أنهم مُهاجرون، ثم ارْتَدُّوا بعد ذلك، واسْتَأْذَنوا النبيَّ ﷺ إلى مكة ليَأْتُوا ببَضائعَ لهم يَتَّجرون فيها، فاخْتَلَف فيهم المؤمنون، فقائلٌ يقولُ: هم مُنافِقون.
وقائلٌ يقولُ: هم مؤمنون.
فبيَّن اللهُ نفاقَهم، فأمرَ بقتالِهم، فجاءوا ببَضائعِهم يُرِيدون المدينةَ، فلقيهم [عليُّ بنُ عُوَيْمِرٍ أو] (٤) هلالُ بنُ عُوَيْمرٍ الْأَسْلَمِيُّ، وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ حِلْفٌ، وهو الذي حَصِر صدرُه أن يُقاتِلَ المؤمنين أو يُقاتِلَ قومه، فدفَع عنهم بأنهم يؤمُّون (١) هلالًا، وبينَه وبينَ النبيِّ ﷺ عَهْدٌ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال: فبيَّن اللهُ نفاقَهم، وأمَر بقتالِهم، فلم يُقاتَلوا يومَئذٍ، فجاءوا ببَضائِعهم يُرِيدون هلالَ بنَ عُوَيمرٍ الأَسْلَميَّ، وبينَه وبينَ رسولِ اللهِ ﷺ حِلْفٌ [وقال أيضًا: فدفَع عنهم بأنَّهم يؤمُّون هلالًا، وبينَه وبين رسولِ اللهِ ﵇ حِلْفٌ] (٣) (٤).
وقال آخرون: بل كان اختلافُهم في قومٍ من أهلِ الشركِ، كانوا أظْهَروا الإسلامَ بمكةَ، وكانوا يُعِينون المُشْرِكين على المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: وذلك أن قومًا كانوا بمكةَ قد تَكَلَّموا بالإسلامِ، وكانوا يُظاهرون المشركين، فخرَجوا من مكةَ يَطْلُبون حاجةً لهم، فقالوا: إن لِقينا أصحابَ محمدٍ فليس علينا منهم بأسٌ.
وأن المؤمنين لما أُخبِروا أنهم قد خرَجوا من مكةَ، قالت فئةٌ مِن المؤمنين: ارْكَبوا إلى الخُبْثَاءِ فَاقْتُلُوهم، فإنهم يُظاهرون عليكم عدوَّكم.
وقالت فئةٌ أخرى مِن المؤمنين: سبحانَ اللهِ - أو كما قالوا - تقْتُلون قومًا قد تكَلَّموا بمثلِ ما تكَلَّمْتُم به، مِنْ أَجْلِ أنهم لم يُهاجِروا ويَتْرُكوا ديارَهم؟
تُسْتَحَلُّ دماؤُهم وأموالُهم لذلك؟
فكانوا كذلك فتتين، والرسولُ ﵊ عندَهم لا يَنْهَى واحدًا من الفريقين عن شيءٍ، فنزَلَت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ الآية (١).
حدَّثنا بشر بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيةَ: ذُكِر لنا أنهما كانا رجلَينْ مِن قريشٍ، كانا مع المشركين بمكةَ، وكانا قد تكلَّما بالإسلامِ، ولم يُهاجِرا إلى النبيِّ ﷺ، فلقِيَهما ناسٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وهما مُقْبِلان من مكة، فقال بعضُهم: إن دماءهما وأموالَهما حَلالٌ.
وقال بعضُهم: لا تَحِلُّ لكم.
فتشاجَروا فيهما، فأنْزَل اللهُ في ذلك: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ (٢).
حدَّثنا القاسم [قال: حدَّثنا الحسينُ] (٣)، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرِ بن راشدٍ، قال: بلَغَنى أن ناسًا مِن أهلِ مكةَ كتَبوا إلى النبيِّ ﷺ أنهم قد أسْلَموا، وكان ذلك منهم كذبًا، فلقُوهم، فاخْتَلَف فيهم المسلمون، فقالت طائفةٌ: دماؤُهم حلالٌ.
وقالت طائفةٌ: دماؤهم حَرامٌ.
فأنزَل اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أَبا مُعاذٍ، يقولُ: أَخْبَرَنَا عُبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضَّحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾: هم ناسٌ تخَلَّفوا عن نبيِّ اللهِ ﷺ، وأقاموا بمكةَ، وأعْلَنوا الإيمانَ، ولم يُهاجِروا، فاخْتَلَف فيهم أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، فتوَلَّاهم ناسٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وتبرَّأَ مِن وَلايتِهم آخرون، وقالوا: تخَلَّفوا عن رسولِ اللهِ ﷺ، ولم يُهاجروا.
فسمَّاهم اللهُ مُنافِقِين، وبرَّأ المؤمنين من وَلايتِهم، وأمَرهم ألَّا يَتَوَلَّوْهم حتى يُهاجروا (١).
وقال آخرون: بل كان اخْتلافُهم في قومِ كانوا بالمدينةِ أرادوا الخروجَ عنها نِفاقًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
قال: كان ناسٌ من المنافقين أرادوا أن يَخْرُجوا من المدينةِ، فقالوا للمؤمنين: إنَّا قد أصابَنا أوْجاعٌ في المدينةِ واتَّخَمْناها (٢)، فلعلَّنا أن نَخْرُجَ إِلى الظَّهْرِ (٣)، حتى نَتَماثَلَ ثم نَرْجِعَ، فإنا كنا أصحابَ بَرِّيَّةٍ.
فانْطَلَقوا.
فاخْتَلَف فيهم أصحاب النبيِّ ﷺ، فقالت طائفةٌ: أعداءُ الله منافقون، ودِدْنا أن رسول اللهِ ﷺ أذِن لنا فقاتَلْناهم.
وقالت طائفةٌ: لا، بل إخْوانُنا غمَّتْهم (٤) المدينةُ، فاتَّخَموها، فخرَجوا إلى الظُّهْرِ يَتَنَزَّهون، فإذا برَءوا رجَعوا.
فقال اللهُ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
يقولُ: ما لكم تكونون فيهم فئتين، ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ (١).
وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في اختلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في أمر أهلِ الإفْكِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
قال: هذا في شأنِ ابن أُبَيٍّ حينَ تكَلَّم في عائشةَ بما تكَلَّم بِه.
[وحدثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: إنّ هذه الآيةَ أُنزِلت حينَ أُنزِلت: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
فقال سعدُ بنُ مُعَاذٍ: فإني أَبْرَأُ إِلى اللهِ وإلى رسولِه [من فئتِه] (٣).
يُرِيدُ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ (٤).
وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: نزَلت هذه الآيةُ في اخِتلافِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في قومٍ كانوا ارْتَدُّوا عَن الإسلامِ بعدَ إسلامِهم، مِن أهلِ مكةَ.
وإنما قلْنا ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن اختلافَ [أهلِ التأويلِ في ذلك إنما هو على (٥) قولين؛ أحدهما] (٦): أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ على ما قد ذكرْنا الروايةَ عنهم.
والآخرُ: أنهم قومٌ كانوا مِن أهلِ المدينةِ.
وفى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوْضَحُ الدليلِ على أنهم كانوا مِن غيرِ أهلِ المدينةِ؛ لأن الهجرةَ كانت على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ إلى دارِه ومدينتِه من سائرِ أرضِ الكفرِ، فأمَّا مَن كان بالمدينةِ في دارِ الهجرة مُقيمًا من المنافقين وأهلِ الشركِ، فلم يَكُنْ عليه فرضُ هجرةٍ؛ لأنه في دارِ الهجرةِ كان وطنُه ومُقامُه.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في نصبِ قولِه: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فقال بعضُهم: هو منصوبٌ على الحالِ، كما تَقولُ: "مالك قائمًا".
بمعنى ما لك في حالِ القيامِ، وهذا قولُ بعضِ البصريين.
وقال بعضُ نحويي الكوفيين: هو منصوبٌ على فعلِ "مالك".
قال: ولا تُبالِ كان المنصوبُ في "ما لَك" معرفةً أو نكرةً.
قال: ويَجوزُ في الكلامِ أن تَقولَ: ما لَك السائرَ معنا.
لأنه كالفعلِ الذي يُنْصَبُ بـ "كان" و"أَظُنُّ" وما أَشْبَهَهما.
قال: وكلُّ موضعٍ صلَحَت فيه فعَل ويَفْعَلُ مِن المنصوبِ جاز نصْبُ المعرفةِ منه والنكرةِ، كما يَنْصِبُ "كان" و"أَظُنُّ"؛ لأنهن نواقصُ في المعنى، وإن ظنَنْتَ أنهن تامَّاتٌ.
وهذا القولُ أولى بالصوابِ في ذلك؛ لأن المطلوبَ في قول القائلِ: ما لَك قائمًا.
القيامُ، فهو في مذهبِ كان وأخواتِها وأَظُنُّ وصَواحباتِها.
وقولُه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ فقال بعضُهم: معناه ردَّهم.
كما قلنا.
ذكرُ مَن قال ذلك [حدَّثنا القاسمُ قال: حدَّثنا الحسين] (١)، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ ردَّهم (٢).
وقال آخَرون: معنى ذلك: واللهُ أَوْقَعهم.
ذُكر مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: يقولُ: أَوْقَعهم (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: أضَلَّهم وأهْلَكهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾: أَهْلَكَهم (٤).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قَتادةَ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: أهلكهم بما عملوا (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾: [يقولُ: أَضلَّهم بما كسبوا (٢).
حدثنا بشرٌ، قال: حدثنا يزيدُ، قال: حدثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾] (٣): أهْلكهم.
وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك قبلُ بما أغْنَى عن إعادتِه (٤).
القول في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾: أتريدون أيُّها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام، فتوفِّقوه للإقرار (٥) به والدُّخول فيه، من أضَلَّه الله عنه.
يعنى بذلك: مَن خَذَله الله عنه، فلم يُوَفِّقه للإقرار به؟
وإنما هذا خطابٌ من الله تعالى ذكرُه للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، يقول لهم جلَّ ثناؤُه: أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلَّهم الله، فخذَلَهم عن الحقِّ [واتباع الإسلام] (٦)، بمُدافعتكم عن قتالهم مَن أراد قتالهم من المؤمنين؟
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
يقولُ: ومَن يخذُله الله عن دينِه واتِّباع ما أمَرَ به؛ من الإقرار به وبنبيِّه محمد ﷺ وما جاء به من عندِه، فأضَلَّه عنه ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ يا محمدُ، ﴿سَبِيلًا﴾ يقولُ: فلن تَجِدَ له طريقًا تَهْدِيه فيه إلى إدراك ما خذَله الله [فأضله عنه] (١)، ولا منهجًا يَصِلُ به (٢) منه إلى الأمرِ الذي قد حرمه الوصول إليه.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا﴾: تمَنَّى أيُّها المؤمنون، هؤلاء المنافقون الذين أنتم فيهم فئتان، أن تَكْفُرُوا فتَجْحَدُوا وَحْدانية ربِّكم، وتصديق نبيِّكم محمدٍ ﷺ، ﴿كَمَا كَفَرُوا﴾.
يقولُ: كما جحَدوا هم ذلك، ﴿فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾.
يقول: فتكونون كفَّارًا مثلَهم، وتَسْتَوُون أنتم وهم في الشرك بالله، ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
[يقول جل ثناؤه: فاستغشُّوهم، ولا تنصحُوهم، ولا تستنصروهم، ولا تتَّخِذُوا منهم وليًّا ولا نصيرًا ولا خليلًا مُصَافِيًا، ﴿حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾] (١) يقولُ: حتى يَخْرُجوا من دار الشرك، ويُفارقوا أهلها الذين هم بالله مُشْرِكون، إلى دار الإسلام وأهلها، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
يعنى: في ابتغاء دينِ اللهِ، وهو سبيلُه، فيَصيروا عند ذلك مثلكم، ويَكونَ لهم حينئذٍ حُكْمُكم.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾: حتى يَصْنَعوا كما صنَعْتُم - يعنى الهجرة - [يقولُ: حتى يهاجرُوا] (١) في سبيلِ اللَّهِ (٢).
القولُ في تأويلِ قوله جلّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بذلك: فإِنْ أدْبَر هؤلاء المنافقون عن الإقرار بالله ورسوله، وتَولَّوْا عن الهجرة من دار الشركِ إلى دار الإسلام، [وعن مفارقة أهل الكفر إلى الإسلام] (٣)، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من بلادهم وغير بلادهم، أين أصَبْتُموهم مِن أَرضِ اللَّهِ، ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
يقولُ: ولا تَتَّخِذُوا منهم خَليلًا يُواليكم على أموركم، ولا ناصرًا يَنصُرُكم على أعدائكم، فإنهم كفارٌ لا يألونكم خبالًا، وَدُّوا ما عنتُّم.
وهذا الخبرُ من الله جل ثناؤُه إبانةٌ عن صحةِ نفاق الذين اخْتَلَف المؤمنون في أمرِهم، وتحذيرٌ لمن دافَع عنهم عن المُدافعة عنهم.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾: فإن تَوَلَّوْا عن الهجرة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
يقولُ: إذا أظْهَروا الكُفْرَ فاقْتُلُوهم حيث وجَدْتُموهم (٢).
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: فإن تولّى هؤلاء المنافقون الذين اخْتَلَفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسولِه، وأبَوُا الهجرة، فلم يُهاجروا في سبيل الله، فخُذُوهم واقتُلوهم حيثُ وجدتُموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعةٌ وعهدٌ وميثاقٌ، فدخلوا بينهم (٣)، وصاروا منهم، ورضُوا بحكمهم، فإنَّ لمَن وصل إليهم (٤) فدخل فيهم من أهلِ الشركِ راضيًا بحكمَهم حكمهم (٥)؛ في حَقن دمائِهم بدخوله فيهم، و (٦) ألَّا تُسبَى نساؤُهم وذَرارِيُّهم، ولا تُغْنَمَ أموالُهم.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقْتُلُوهم حيث وجدتُموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ، فأجرُوا عليه مثل ما تُجْرُون على أهلِ الذِّمَّةِ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
[قال: الذين] (٢) يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاقٌ من القومِ، لهم من الأمانِ مثلُ ما لهؤلاء (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال: [نزَلَت في هلال بن عُوَيمِرٍ الأَسْلَميِّ، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، وجَذِيمة (٤) بن عامرٍ بن عبدِ مناةَ] (٥) (٦).
وقد زعم بعضُ أهل العربية (٧) أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾: إلا الذين يَتَّصِلُون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاقٌ.
من قولهم: اتَّصَل الرجلُ.
بمعنى: انْتَمَى وانْتَسَب.
كما قال الأَعْشَى في صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى قومٍ (٨).
إذا اتَّصلت قالَتْ أبكر بن وائلٍ … وبَكْرٌ سبَتْها والأُنوفُ رَواغِمُ يعنى بقوله: اتَّصَلَت.
انْتَسَبَت.
ولا وجهَ لهذا التأويل في هذا الموضعِ؛ لأن (١) الانْتِسابَ إلى قومٍ مِن أهلِ المُوادعةِ والعَهْدِ، لو كان يُوجِبُ للمُنتَسِبين إليهم ما لهم، إذا لم يَكُنْ لهم مِن العهد والأمانِ [ما لمن له العهدُ والأمان منهم] (٢) - لما كان رسولُ اللهِ ﷺ لِيُقاتِلَ قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين، ولأهل الإيمان من الحقِّ بإيمانهم أكثرُ مما لأهل العهدِ بعهدِهم، وفى قتال رسولِ اللهِ ﷺ مُشْرِكى قريشٍ بتركها الدخول فيما دخل فيه أهلُ الإيمان منهم، مع قرب أنسابِهم من أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ الواضحُ أن انتِسابَ مَن لا عهد له إلى ذى العهد منهم، لم يَكُنْ مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه.
فإن ظنَّ ذو غَفْلَةٍ أن قِتالَ النبيِّ ﷺ مَن قاتَل مِن أنْسِباء المؤمنين من مشركى قريشٍ، إنما كان بعدَ ما نُسخ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
فإنّ أهل التأويل أجمَعوا على أن ذلك نُسخ ["ببراءة"، و"براءة"] (٣) نزَلَت بعدَ فتح مكةَ ودخول قريشٍ في الإسلامِ.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: فإن تولَّوْا فَخُذُوهم واقتُلوهم حيث وجَدْتُموهم، إلا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ، أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصِرَت صدورُهم عن (١) أن يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم، فدخَلوا فيكم.
ويعنى بقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقَت صدورهم عن (١) أن يُقاتلوكم أو يُقاتلوا قومَهم.
والعربُ تقولُ لكلِّ مَن ضاقَت نفسُه عن شيءٍ مِن فعلٍ أو كلامٍ: قد حصِرَ.
ومنه الحَصَرُ في القراءةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
يقولُ: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
يقولُ: ضاقَت صدورُهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٢).
وفى قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
متروكٌ تُرك ذكرُه لدَلالةِ الكلامِ عليه؛ وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرَت صدورُهم.
فتُرك ذكرُ "قد"؛ لأن من شأنِ العربِ فعلَ مثلِ ذلك، تقولُ: أتاني فلانٌ ذهَب عقلُه.
بمعنى: قد ذهَب عقلُه.
ومَسْموعٌ منهم: أَصْبَحْتُ نظَرْتُ إلى ذاتِ التَّنانير (٣).
بمعنى: قد نظَرْتُ.
ولإضمارِ "قد" مع الماضي جاز وضْعُ الماضي من الأفعالِ في مواضعِ (٤) الحال؛ لأنّ "قد" إذا دخَلَت معه أذنَته من الحالِ، وأَشْبَهَتْهُ (١) الأسماء.
وعلى هذه القراءةِ - أعنى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قراءةُ القَرَأةِ في جميعِ الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماع الحُجَّة عليها (٢).
وقد ذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةً صدورُهم) (٣).
نصبًا [على الحال] (٤).
وهى صحيحةٌ في العربيةِ، فصيحةً، غيرَ أنها غيرُ جائزة القراءةُ عندى بها؛ لشُذوذها وخُروجِها من قراءةِ قَرَأَةِ أهل الإسلام.
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: نا يونسُ بنُ محمدٍ، عن أبانٍ، عن قتادة: (أو جاءُوكم حَصِرَةً (٥) صُدورُهم): أي كارهةً صدُورُهم] (٤) (٦).
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ولو شاء الله تسلَّط هؤلاء الذين يَصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ، فيَدْخُلون في جوارهم وذمَّتهم، والذين يَجِيئُونكم (٧) قد حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتال قومهم - عليكم أيُّها المؤمنون، فقاتَلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكنَّ الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم.
يقولُ جل ثناؤُه: فأطيعوا الذي أنعَم عليكم - بكفِّهم عنكم، مع سائر ما أنعَم به عليكم - فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينَكم وبينَهم ميثاقٌ، أو جاءُوكم حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم.
ثم قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾.
يقولُ: فإِن اعْتَزَلكم هؤلاء الذين أمَرْتُكم بالكفِّ عن قتالِهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو بمصيرهم إليكم حصِرةً (١) صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾.
يقولُ: وصالَحوكم.
والسَّلَم هو الاستسلامُ.
وإنما هذا مثلٌ، كما يقولُ الرجلُ للرجلٍ: أعطيتُك قيادى، وألقيتُ إليك خطامى إذا استسلم له وانقاد لأمره.
فكذلك قولُه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾.
إنما هو: والْقَوْا إليكم قيادهم فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا.
ومِن السَّلَمِ قولُ الطِّرِمَّاح (٢): وذاك أن تميمًا غادَرَت سَلَمًا … للأشد كلَّ حَصانٍ وَعْنَةِ (٣) اللَّبَدِ (٤) يعنى بقوله: سَلَمًا: اسْتِسْلامًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾.
قال: الصلحُ (١).
وأما قولُه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
فإنه يقولُ: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
أي: فلم يَجْعَلِ اللهُ لكم على أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو غنيمةٍ أو سباءٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تَعَرَّضُوا لهم في ذلك إلا بسبيل (٢) خيرٍ.
ثم نسخ الله جل ثناؤُه جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
ذكرُ مَن قال في ذلك مثلَ الذي قلنا فيه حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسين، عن يزيد، عن عكرمة والحسن قالا: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
إلى قوله: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
وقال في المُمْتَحَنَةِ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وقال فيها: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾.
إلى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٩،٨].
فنسَخ هؤلاء الآياتِ الأربع في شأن المشركين، فقال: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ١، ٢].
فجعل لهم أربعة أشهرٍ يسيحون في الأرضِ، وأبطلَ ما كان قبلَ ذلك، وقال في التي تليها: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
ثم نسَخ واسْتَثنَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦].
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبد الرزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾.
قال: نسخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهال، قال: ثنا هَمَّامُ (٣) بنُ يحيى، قال: سمِعْتُ قتادة يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: ثم نَسَخ ذلك بعد في "براءة".
وأمَر نبيَّه ﷺ أن يُقاتِل المشركين [حتى يشهدوا ألَّا إلهَ إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، فقال] (٤): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: هو ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية.
قال: نُسِخ هذا كلُّه جميعٌ (٢)، نسَخَه الجهادُ، ضُرِب لهم أَجَلٌ؛ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، إمَّا أن يُسْلِموا، وإِمَّا أَن يَكونَ الجهادُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهؤلاء فريقٌ آخَرُ مِن المنُافِقِين كانوا يُظهرون الإسْلامَ لرسولِ اللهِ ﷺ وأصحابِه؛ ليَأمَنوا به عندَهم من القتلِ والسّباءِ وأخذِ الأمْوالِ، وهم كُفَّارٌ، يَعْلَمُ ذلك (٣) منهم قومُهم، إذا لَقُوهم كانوا معهم، وعبَدوا ما يَعْبُدُونه مِن دونِ اللهِ؛ ليَأمَنوهم على أنفسِهم وأموالِهم ونِسائِهم وذَرارِيِّهم، يَقولُ الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
يَعْنى: كُلَّما دَعاهم قومُهم (٤) إلى الشِّرْكِ باللَّهِ ارْتَدُّوا فصاروا مُشْرِكِين مثلَهم.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنُوا بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: هم ناسٌ كانوا مِن أهلِ مكةَ أسْلَمُوا على ما وصَفَهم الله به مِن التَّقِيَّةِ [وكانوا كُفَّارًا] (٥)؛ ليَأْمَنوا عندَ هؤلاء وهؤلاء.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثني عيسى، وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال حدَّثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾.
قال: ناسٌ كانوا يَأْتُونَ النبيَّ ﷺ فيُسْلمون رياءً، فيَرْجِعون (١) إلى قريشٍ، فيَرْتَكِسون في الأوثانِ، يَبْتَغون بذلك أن يَأْمَنوا هاهنا وهاهنا، فأُمِر (٢) بقتالِهم إن لم يَعْتَزِلوا ويُصْلِحوا (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
يقولُ: كُلَّما أرادوا أن يَخْرُجوا مِن فِتْنَةٍ أُرْكِسوا فيها، وذلك أن الرجلَ كان يُوجَدُ قد تَكلَّم بالإسْلام، فيُقَرَّبُ إلى العُودِ والحَجَرِ (٤) وإلى العَقْرَبِ والخُنْفَساءِ، فيَقولُ المُشْرِكون لذلك المُتَكَلِّم بالإسلامِ: قُلْ: هذا رَبَّى.
للخُنْفَساءِ والعَقْرَبِ (٥).
وقال آخَرون: بل هم قومٌ مِن أهلِ (٦) الشركِ، كانوا طلَبوا الأَمانَ مِن رسولِ الله ﷺ؛ ليَأمَنوا عندَه وعندَ أصحابِه وعندَ المشركين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾: حَيٌّ كانوا بتِهامةَ، قالوا: يا نبيَّ الله، لا نُقاتِلُك ولا نُقاتِلُ قومَنا.
وأرادوا أن يَأْمَنوا نبيَّ الله ﷺ ويأْمَنوا قومَهم، فأبَى الله عليهم ذلك، فقال الله: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
يَقولُ: كُلَّما عرَضَ لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه (١).
وقال آخَرون: نزَلَت هذه الآيةُ في نُعَيْمِ بن مسعودٍ الأشْجَعيِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: ثم ذكَر نُعَيْمَ بنَ مسعودٍ الأشْجَعيَّ، و (٢) كان يَأْمَنُ في المشركين والمسلمين، بنقلِ (٣) الحديثِ بين (٤) النبيِّ ﷺ والمشركين، فقال: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ﴾.
يقولُ: إلى الشركِ (٥).
وأما تأويلُ قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
فإنه كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
قال: كُلَّمَا ابْتُلُوا بها عَمُوا فيها (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كُلَّما عرَض لهم بَلاءٌ هلَكوا فيه.
والقولُ في ذلك ما قد بيَّنْتُ قبلُ، وذلك أن الفِتنةَ في كلامِ العربِ الاخْتِبارُ، والإرْكاسَ الرُّجوعُ (١).
فتأويلُ الكلامِ (٢): كُلَّما رُدُّوا إلى الاخْتبارِ ليَرْجِعوا إلى الكفرِ والشركِ رجَعوا إليه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أَيُّها المُؤْمِنون، هؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم كُلَّما دُعُوا إلى الشركِ أجابوا إليه، ﴿وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾.
يقولُ: ولم يَسْتَسْلِموا لكم (٣) فيُعْطُوكم (٤) المقادَ ويُصالحوكم - كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾.
قال: الصُّلْحَ.
﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾.
يقولُ: ويَكُفُّوا أيديَهم عن قتالِكم، ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾.
يقولُ جل ثناؤُه: فإن لم يَفْعَلُوا ذلك (١) فخُذُوهم أين أصَبْتُموهم مِن الأرضِ ولقِيتُموهم فيها، فاقْتُلوهم، فإن دماءَهم لكم حينَئذٍ حَلالٌ، ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
يقولُ جل ثناؤُه: وهؤلاء الذين يُرِيدون أن يَأْمَنوكم ويَأْمَنوا قومَهم، وهم على ما هم عليه مِن الكفرِ، إن لم يَعْتَزِلُوكم، ويُلْقُوا إليكم السَّلَم، ويَكُفُّوا أيديَهم، جعَلْنا لكم عليهم (١) حُجَّةً في قتلِهم أينما لقِيتُموهم؛ لمُقامِهم (٢) على كفرِهم، وترْكِهم هِجْرةَ دارِ الشركِ، ﴿مُبِينًا﴾.
يعنى: أنها تَبِينُ عن استحقاقِهم ذلك [منكم، وإصابتِكم] (٣) الحقَّ في قتلِهم، وذلك قولُه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
والسُّلْطانُ هو الحجة.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا قَبيصةُ، قال: ثنا سفيانُ، عن رجلٍ، عن عكرمةَ، قال: ما كان في القرآنِ مِن سلطانٍ فهو حُجَّةٌ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾: أمَّا السُّلْطانُ المبينُ فهو الحُجَّةُ (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾: وما أذِن الله لمؤمنٍ ولا أباح له أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا.
يقولُ: ما كان ذلك له فيما جعَل له ربُّه وأذِن له فيه من الأشياءِ ألْبتةَ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
يقولُ: ما كان له ذلك فيما أتاه مِن ربِّه مِن عَهْدِ اللَّهِ الذي عهِد إليه (١).
وأما قولُه: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾.
فإنه يقولُ جل ثناؤُه: إلا أن المؤمنَ قد يَقْتُلُ المُؤْمنَ خَطأً، وليس ذلك (٢) مما جعَل له ربُّه فأباحه له.
وهذا من الاسْتِثْناء الذي تُسَمِّيه أهلُ العربيةِ الاسْتِثْناءَ المُنْقَطِعَ، كما قال جَرِيرُ بنُ عَطِيَّة (٣): من البيضِ لم تَظْعَنْ بَعيدًا ولم تَطَأ … على الأرضِ إِلا [رَيْطَ بُرْدٍ] (٤) مُرحَّلٍ (٥) يعنى: ولم تَطَأْ على الأرضِ إلا أن تَطَأَ [ذَيْلَ البُرْدِ] (٦).
وليس ذيلُ البُرْدِ مِن الأرض (٧).
ثم أخْبَر جل ثناؤُه عبادَه بحُكْمِ مَن قتل مِن المؤمنين مؤمنًا (٨) خطأً، فقال: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
يقولُ: فعليه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ في مالِه، ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾.
تُؤَدِّيها عاقِلتُه ﴿إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
يقول: إلا أن يَصَّدَّقَ أهلُ القتيلِ خَطأً على مَن لَزِمَته دِيَةُ قَتيلِهم، فيَعْفُوا عنه ويَتَجَاوَزوا عن [دِيَتِه، فتَسْقُطَ] (١) عنه.
ومَوْضِعُ ﴿أَنْ﴾ في (٢) قولهِ: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
نَصْبٌ؛ لأن (٣) معناه: فعليه ذلك إلا أن يَصَّدَّقوا.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزلَت في عياشِ بن أبى رَبيعةَ المَخْزوميِّ، وكان قد (٤) قتَل رجلًا مُسْلِمًا بعدَ إسْلامه، وهو لا يَعْلَمُ بإسلامِه.
ذكرُ الآثار بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
قال: عَبَّاشُ بنُ أبى رَبيعَة قتَل رجلًا مؤمنًا كان يُعَذِّبُه مع أبى جهلٍ، وهو أخوه لأمِّه، فاتَّبَع النبيَّ ﷺ، وهو يَحْسَبُ أن ذلك الرجلَ كان كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى النبيِّ ﷺ مُؤْمنًا، فجاءه أبو جَهْلٍ وهو أخوه لأُمِّه، فقال: إِن أُمَّكَ تُناشِدُكَ رَحِمَها وحقَّها أن تَرْجِعَ إليها.
وهى أسماءُ بنتُ مُخَرِّبَةَ (٥)، فأقْبَل معه، فربَطه أبو جهلٍ حتى قدِم مكةَ، فلمَّا رآه (٦) الكفارُ زادهم ذلك كفرًا وافْتِتانًا، وقالوا: إن أبا جهلٍ لَيَقْدِرُ مِن محمدٍ [على ما يَشاءُ] (١)، ويَأْخُذُ أصحابَه (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فاتَّبع النبيَّ ﷺ ذلك الرجلُ، وعَيَّاشٌ يَحْسَبُه (٣) أنه كافرٌ كما هو، وكان عَيَّاشٌ هاجرَ إلى المدينةِ مؤمنًا، فجاءه أبو جهلٍ وهو أخوه لأُمِّه (٤)، فقال: إن أُمَّك تَنْشُدُك برحِمِها وحقِّها إلا رجَعْتَ إليها.
وقال أيضًا: يَأْخُذُ (٥) أصحابَه فيَرْبِطُهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ (٦) بنحوِه.
قال ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ: و (٧) كان الحارثُ بنُ يزيدَ بن أُنَيْسَة (٨) مِن بنى عامرِ بن لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيَّاشَ بنَ أبى ربيعةَ مع أبى جهلٍ، ثم خرَج (٩) الحارثُ بنُ يزيدَ مُهاجِرًا إلى النبيِّ ﷺ، فلقِيه عَيَّاشٌ بالحرَّةِ، فعلاه بالسيفِ حتى سكَت (١٠)، وهو يَحْسَبُ أنه كافرٌ، ثم جاء إلى النبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَه، ونزَلَت: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية.
فقرَأَها عليه، ثم قال له: "قُمْ فحَرِّرْ" (١١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
قال: نزَلَت في عَيَّاشِ بن أبى رَبيعةَ المخَزْوميِّ، فكان أخًا لأبى جهلِ بن هشامٍ لأمِّه، وأنه أسْلَم وهاجَر مع (١) المهاجِريِن الأوَّلِين قبلَ قدومِ رسول اللهِ ﷺ، فطلَبه أبو جهلٍ والحارثُ بنُ هشامٍ، وتَبعِهما (٢) رجلٌ مِن بنى عامرِ بن لؤَيٍّ، فأَتَوْه بالمدينةِ، وكان عَيَّاشٌ أَحَبَّ إخوتِه إلى أمِّه، فكلَّموه وقالوا: إن أمَّك قد حلَفَت أن لا يُظِلُّها بيتٌ حتى تَراك، وهى مُضْطَجعةٌ في الشمسِ، فأتِها فَلْتَنْظُرُ (٣) إليك ثم ارْجِعْ.
وأَعْطَوْه مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لا يَهِيجونه (٤) حتى يَرْجِعَ إلى (٥) المدينةِ، فأعْطاه بعضُ أصحابِه بعيرًا له نَجيبًا، وقال: إن خِفْتَ منهم (٦) شيئًا فاقْعُدْ على النَّجيبِ.
فلما أَخْرَجوه من المدينةِ أخَذوه فأَوْثَقوه، وجلَده العامريُّ، فحلَف ليَقْتُلَنَّ العامريَّ، فلم يَزَلْ مَحْبوسًا بمكةَ حتى خرَج عامَ (٧) الفتحِ، فاسْتَقْبَله العامريُّ وقد أسْلَمَ، ولا يَعْلَمُ عَيَّاشٌ بإسلامِه، فضرَبه فقتَلَه، فأنْزَل الله جل ثناؤُه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
يقولُ: وهو لا يَعْلَمُ أنه مُؤْمِنٌ، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فيَتْرُكوا الدِّيَةَ (٨).
وقال آخرون: بل (١) نزَلَت هذه الآيةُ في أبى الدَّرداءِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ الآية كلّها.
قال: [نزلت هذه] (٢) الآية (٣) في رجلٍ قتَله أبو الدَّرداءِ، [أُنْزِل هذا كلُّه فيه، كان] (٤) في سَرِيَّةٍ، فعدَل أبو الدرداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجةً له، فوجَد رجلًا مِن القومِ في غنمٍ له، فحمَل عليه بالسيفِ، فقال: لا إلهَ إلا الله.
فبَدر (٥) فضرَبه، ثم جاء بغنمهِ إلى القومِ، ثم وجَد في نفسِه شيئًا، فأتَى رسول الله ﷺ فذكَر ذلك له، فقال له رسولُ الله ﷺ: "ألا شقَقْتَ عن قلبهِ؟
" فقال: ما عسَيْتُ أن (٦) أَجِدَ، هل هو يا رسولَ الله إلا دمٌ أو ماءٌ؟
قال: "فقد (٧) أخْبَرَك بلسانِه فلم تُصَدِّقْه؟
" فقال: كيف بى (٨) يا رسولَ الله؟
قال: "فكيف بلا إلهَ إلا الله؟
" قال: فكيف بى (٩) يا رسولَ الله؟
قال: "فكيف بلا إلهَ إلا الله؟
".
حتى تمنَّيْتُ أن يَكونَ ذلك مُبْتَدَأَ (١٠) إسْلامى.
قال: فنزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ حتى بلَغ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
قال: إلا أن يَضعوها (١).
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن الله عرَّف عباده بهذه الآية ما على مَن قتَل مؤمنًا خطأً من كفَّارة وديةٍ، وجائزٌ أن تَكونَ الآيةُ هذه (٢) نزَلَت في عيَّاش بن أبى ربيعة وقَتيِله، وفى أبى الدرداءِ وصاحبِه، وأيُّ ذلك كان، فالذى عنَى الله [بهذه الآية] (٣) تعريفُ عباده ما ذكَرنا، وقد عرف ذلك [من عقل ذلك عنه من عباده كتابه وتنزيله] (٤)، وغيرُ ضائِرِهم جهلُهم بمن نزَلَت فيه.
وأما الرقبةُ المؤمنةُ، فإن أهلَ العلمِ مُخْتَلِفون في صفتِه (٥)؛ فقال بعضُهم: لا تكونُ الرقبةُ مؤمنةً حتى تكونَ قد اختارَت الإيمانَ بعد بلوغها وصلَّت وصامَت، ولا يَسْتَحِقُّ الطفلُ هذه الصفةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُليةَ، عن أبي (٦) حَيَّانَ، قال: سأَلْتُ الشعبيَّ عن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
قال: قد صلَّت وعرَفَت الإيمان (٧).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة من قد (١) عقَل الإيمان وصام وصلَّى (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: ما كان في القرآن من رقبةٍ مؤمنةٍ، فلا يُجزئُ (٣) إلا مَن صام وصلَّى، وما كان في القرآنِ من رقبةٍ ليست مؤمنةً، فالصبيُّ يُجزئُ (٤).
حُدِّثْتُ عن يزيدَ بن هارونَ، عن هشام بن حسَّانَ، عن الحسن، قال: كلُّ شيءٍ في كتاب الله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، فمن صلَّى وصام وعقَل، وإذا قال: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
فما شاء (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخْبرَنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كلُّ شيءٍ في القرآن: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
فالذى قد صلَّى، وما لم تَكُنْ مؤمنةً، فتحريرُ مَن لم يصلِّ (٦).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: والرقبةُ المؤمنةُ عند قتادةَ من قد صلَّى، وكان يَكْرَهُ أن يُعْتَقَ في هذا الطفلُ الذي لم يُصلِّ، ولم يَبْلُغْ ذلك (٦).
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم في قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
قال: إذا عقل دينه (١).
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الرزاقِ، عن مَعمر، عن قَتادةَ، قال: في [حرفِ أُبيٍّ] (٢): (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لَا يُجْزِئُ فيها صبيٌّ) (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى مُعاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: يعنى بالمؤمنة مَن قد عقَل الإيمانَ وصام وصلَّى، فإن لم يجد رقبةً فصيامُ شهرَين مُتتابعين، وعليه ديةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه، إلا أن يُتَصَدَّقَ (٤) بها عليه (٥).
وقال آخرون: إذا كان مولودًا بين أبوين مسلمَين فهو مُؤمنٌ وإن كان طفلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، قال: كلُّ رقبة وُلِدَت في الإسلام فهى تُجزِئُ (١).
وأوْلَى [الأقوال في ذلك بالصواب] (٦) قولُ مَن قال: لا يُجْزِئُ في قتل الخطأَ من الرِّقاب إلا من قد آمَن، وهو يَعْقِلُ الإيمان من بالغ (٧) الرجال والنساء، إذا كان ممَّن كان أبواه على ملَّةٍ من الملل سوى الإسلام ووُلد [بينهما وهما] (١) كذلك، ثم لم يُسلِما ولا واحدٌ منهما حتى أُعتِق في كفَّارة الخطأ.
فأما مَن وُلد بين أبوين مسلمين، فقد أجْمَع الجميعُ مِن أهل العلمِ أنه وإن لم يَبْلُغ حدَّ الاختيارِ والتمييز، ولم يُدْرِك الحلُم، فمحكومٌ له بحكم أهل الإيمان في المُوارثة، والصلاة عليه إن مات، وما يَجِبُ عليه إن جَنَى، ويَجِبُ له إن جُنى عليه، وفى المُناكحةِ، فإذ كان ذلك من جميعِهم إجماعًا، فواجبٌ أن يكونَ له من الحكم فيما يُجْزِئُ فيه من كفارة الخطأ إذا أُعتِق فيها، من حكم أهلِ الإيمان - مثلُ الذي له من حكم الإيمان (٢) في سائر المعانى التي [ذكرنا غيرها] (٣).
ومَن أَبَى ذلك عُكِس عليه الأمرُ فيه، ثم سُئِل الفرق بين ذلك من أصلٍ أو قياسٍ، فلن يقول في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِم في غيره مثله.
وأما الديةُ المُسَلَّمةُ إلى أهل القَتيلِ، فهى المدفوعةُ إليهم على ما وجَب لهم، مُوَفَّرةً غيرَ مُنتَقَصةٍ حقوقُ أهلها (٤) منها.
وذُكر عن ابن عباسٍ أنه كان يقولُ: هي الموفرة.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال ابن عباس قوله: (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ).
قال: موفَّرةٌ (٥).
وأما قولُه: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾.
فإنه يَعْنى به: إلا أن يَتَصَدَّقوا بالدَّية على القاتلِ أو على عاقلتِه.
فأُدغمت التاءُ من قوله: يَتَصَدَّقوا.
في الصادِ، فصارتا صادًا مُشَدَّدةً (١).
وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (إلا أن يَتَصَدَّقوا).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ الشَّرُودِ (٢)، قال (٣): في حرفِ أُبيٍّ: (إلا أنْ يَتَصَدَّقُوا) (٤).
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: فإن كان هذا القتيلُ الذي قتَله المؤمنُ خطأً، ﴿مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾.
يعنى: مِن عِدَادِ قومٍ هم (٥) أعداءٌ لكم في الدِّينِ مشركون، [قد ناصبوكم] (٦) الحربَ على خلافِكم على الإسلام، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
يقولُ: فإذا قتَل المسلمُ خطأً رجلًا مِن عِداد المشركين، والمقتولُ مؤمنٌ، والقاتلُ يَحْسَبُ أنه على كفرِه، فعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: وإن كان المقتولُ من قومٍ هم عدوٌّ لكم، ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: بينَ أَظْهِرِكم لم يُهاجِرْ، فقتله مؤمنٌ، فلا دية عليه، وعليه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيان، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، والمغيرةِ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
قالا (١): هو الرجلُ يُسْلِمُ في دار الحرب فيُقْتَلُ.
فقالا (٢): ليس فيه ديةٌ، وفيه الكفارة (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
قال: يعنى المقتولَ يكونُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ.
قال: فليس له ديةٌ، ولكن [تحريرُ رقبةٍ] (٤) مؤمنةٍ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
قال: يكونُ الرجلُ مؤمنًا وقومُه كفارٌ، فلا ديةَ له، ولكن تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: في دار الحرب (٧)، يقولُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
وليس له ديةٌ (١).
حدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: ولا ديةَ لأهلِه؛ من أجلِ أنهم كفارٌ، وليس بينهم وبين [نبيِّ الله ﷺ] (٢) - عهدٌ ولا ذِمَّةٌ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخْبرَنا عطاءُ بنُ السائب، عن [أبى عياضٍ] (٤) أنه قال في قول الله جل ثناؤه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إلى آخر الآية.
قال: كان الرجلُ يُسْلِمُ، ثم يَأْتى قومه، فيُقِيمُ فيهم وهم مُشْرِكون، فيمرُّ بهم الجيشُ لرسولِ الله ﷺ، فيُقْتَلُ فيمن يُقْتَلُ، فيُعْتِقُ قاتلُه رقبةً، ولا دية له (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيم: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
قال: هذا إذا كان الرجلُ المسلمُ من قومٍ عدوٍّ و (٦) ليس لهم عهدٌ، فقُتِل (٧) خطأً، فإنما (٨) على من قتله تحريرُ رقبةٍ مؤمنة (٩).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
يقولُ: فإن كان في أهل الحرب وهو مؤمنٌ، فقتله خطأ، فعلى قاتلِه أن يُكَفَّرَ بتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ، أو صيام شهرَين مُتتابعَين، ولا ديةً عليه (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾: القتيلُ مسلمٌ وقومُه كفّارٌ، ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ولا يُؤَدِّي إليهم الدية فيَتَقَوَّون بها عليكم.
وقال آخرون: بل عُنى به الرجلُ من أهلِ الحرب يَقْدَمُ دار الإسلام، فيُسْلِمُ، ثم يَرْجِعُ إلى دار الحرب، فإذا مرَّ بهم الجيشُ من أهلِ الإسلام هرَب قومُه، وأقام ذلك المسلمُ بينهم (٢) فيها، فيقْتُلُه (٣) المسلمون وهم يَحسَبونه كافرًا.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: فهو المؤمنُ يكون في العدوِّ بين (٤) المشركين، يَسْمَعون بالسَّرِيَّة من أصحابِ محمدٍ ﷺ، فيَفرُّون (٥) ويَلبَثُ (٦) المؤمنُ فيُقْتَلُ، ففيه تحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ (١).
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
أي (٢): وإن كان القتيلُ الذي قتله المؤمنُ خطأ، ﴿مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون، ﴿وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
أي: عهدٌ وذمةٌ، وليسوا أهل حربٍ لكم، ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
يقولُ: فعلى قاتله ديةٌ مسلَّمةٌ إلى أهلِه يَتَحَمَّلُها (٣) عاقلتُه، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كفارةً لقتله.
ثم اخْتَلَف أهل التأويل في صفة هذا القَتيلِ الذي هو من قوم بيننا وبينهم ميثاقٌ، أهو مؤمنٌ أم كافرٌ؟
فقال بعضُهم: هو كافرٌ، إلا أنه لزمت قاتلَه ديتُه؛ لأن له ولقومِه عهدًا، فوجب (٤) أداءُ ديتِه إلى قومه للعهدِ الذي بينهم وبين المؤمنين، وأنها مالٌ مِن أموالهم، ولا يَحِلَّ للمؤمنين شيءٌ من أموالهم بغيرِ طِيبِ أنفسهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
يقولُ: إذا كان كافرًا في ذمتكم فقتِل، فعلى قاتله الديةُ مُسَلَّمَةٌ إلى أهلِه وتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ، أو صيام شهرين مُتَتابعَيْن (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن أيوبَ، قال: سَمِعْتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ.
قال: وكان يَتَأَوَّلُ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، عن [عيسى بن أبي المغيرةِ] (٣)، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال: مِن أهلِ العهدِ (٤)، وليس بمؤمنٍ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْدِيٍّ، عَن هُشَيْمٍ، عَن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: وليس بمؤمن.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾: بقتْلِه، أي بالذي أصاب مِن أهل ذمتِه وعَهْدِهِ، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ﴾ الآية.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
يقولُ: فأدُّوا إليهم الديةَ بالميثاقِ.
قال: وأهلُ الذمةِ يَدْخُلُون في هذا، ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ الآية.
وقال آخرون: بل هو مؤمنٌ، وعلى قاتلِه ديةٌ يُؤَدِّيها إلى قومِه مِن المشركين؛ لأنهم أهلُ ذمةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةً، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
قال: هذا الرجلُ المسلمُ وقومُه مشركون لهم عقدٌ، فتكونُ ديتُه لقومِه، ومِيراثُه للمسلمين، ويَعْقِلُ عنه قومُه، ولهم دِيتُه (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا ابن المُبارَكِ، عن هُشَيْمٍ، عن أبي إسحاقَ الكوفيِّ، عن جابرِ بن زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال: وهو مؤمنٌ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن يونُسَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال: [كلُّهم مؤمنٌ] (٣).
وأولى القولين في ذلك بتأويلِ الآيةِ قولُ من قال: عنَى بذلك المقتولَ مِن أهلِ العهدِ؛ لأن الله أبْهَم ذلك، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
ولم يَقُلْ: وهو مؤمنٌ.
كما قال في القتيل من المؤمنين وأهلِ الحربِ، [إذ عنى المؤمنين] (١): ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
فكان في تركِه وصفَه بالإيمانِ الذي وصَف به القتيلَيْن الماضيَ ذكرُهما قبلُ، الدليلُ الواضحُ على صحةِ ما قلْنا في ذلك.
فإن ظنّ ظانٌّ أن في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾.
دليلًا على أنه مِن أهل الإيمانِ؛ لأن الديةَ عندَه لا تكونُ إلا لمؤمنٍ، فقد ظنَّ خطأً، وذلك أن ديةَ الذميِّ وأهلِ الإسلامِ سواءٌ؛ لإجماعِ جميعِهم على أن دِيَاتِ عبيدِهم الكفارِ وعبيدِ المؤمنين من أهلِ الإيمانِ سَواءٌ، فكذلك حكمُ دِياتِ أحْرارِهم سواءٌ.
مع أن دياتِهم لو كانت على ما قال مَن خالَفَنا في ذلك، فجعَلها على النصفِ مِن دِياتِ أهلِ الإيمانِ، أو على الثلثِ، لم يَكُنْ في ذلك دليل على أن المعنيَّ بقولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
من أهلِ الإيمانِ؛ لأن ديةَ المؤمنةِ (٢) لا خلاف بين الجميع - إلا من لا يُعَدُّ خلافًا - أنها على النصفِ مِن ديةِ المؤمنِ، وذلك غيرُ مُخْرِجها مِن أن تكونَ ديةً (٣)، فكذلك حكمُ دياتِ أهلِ الذمةِ، لو كانت مُقَصِّرةً عن (٤) دياتِ أهلِ الإيمانِ، لم يُخْرِجُها ذلك مِن أن تكونَ دياتٍ، فكيف والأمرُ في ذلك بخلافِه، ودياتُهم ودياتُ المؤمنين سَواءٌ.
وأما الميثاقُ، فإنه العهدُ والذمةُ، وقد بيَّنا في غيرِ هذا الموضعِ أن ذلك كذلك، والأصلَ الذي منه أُخِذ، بما أَغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أَسْبَاطُ، عن السُّديِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
يقولُ: عهدٌ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أَخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال: هو المُعاهَدةُ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: عهدٌ (٤).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ مثلَه.
فإن قال قائلٌ: وما صفةُ الخطأِ الذي إذا قتل المؤمنُ المؤمنَ أو المعاهَدَ لزِمَته ديتُه والكفارةُ؟
قيل: هو ما قال النَّخَعيُّ في ذلك؛ وذلك ما حدَّثنا به (٥) ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن يُرِيدَ الشيءَ فيُصِيبَ غيرَه (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: الخطأُ أن [يَرْمى الشيءَ فيُصِيبَ] (٢) إنسانًا، وهو لا يُرِيدُه، فهو خطأٌ، وهو على العاقِلةِ.
فإن قال قائلٌ (٣): فما بالُ (٣) الديةِ الواجبةِ في ذلك؟
قيل: أما في قتلِ المؤمنِ فمائةٌ من الإبلِ، إن كان من أهلِ الإبلِ، على (٤) عاقلةِ قاتلِه، لا خلافَ بينَ الجميعِ في ذلك، وإن كان في مَبْلَغِ [أسنانِها اختلافٌ بينَ] (٥) أهلِ العلمِ.
فمنهم مَن يقولُ: هي أرباعٌ؛ خمسٌ وعشرون منها حِقَّةً (٦)، وخمسٌ وعشرون منها (٣) جَذَعةً (٧)، وخمسٌ وعشرون بَناتِ (٨) مَخَاضٍ (٩)، وخمسٌ وعشرون بناتِ لبُونٍ (١٠).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن عليٍّ ﵁: في الخطأِ شِبْهِ العَمْدِ ثلاثٌ وثلاثون حِقَّةً، وثلاثٌ وثلاثون جَذَعةً، وأربعٌ وثلاثون ثَنِيَّةً (١) إلى بازِلِ (٢) عامِها، وفي الخطأِ خمسٌ وعشرون حِقَّةً، وخمسٌ وعشرون جَذَعةً، وخمسٌ وعشرون بناتِ مَخاضٍ، وخمسٌ وعشرون بناتِ لَبُونٍ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن فِراسٍ والشَّيْبانيِّ، عن الشعبيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ بمثلِه.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عاصمِ بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ بنحوِه (٤).
حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن الشعبيِّ، عن عليٍّ، أنه قال: في قتلِ الخطأِ الديةُ مائةٌ أرْباعًا.
ثم ذكَر مثلَه.
وقال آخرون: هي أخماسٌ؛ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبُونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن أبيه (١) عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، قال: في الخطأِ عشرون حِقَّةً، وعشرون جَذَعةً، وعشرون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بنو لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ (٢).
وحدثني واصلُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن أشعثَ، عن عامرٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ: في قتلِ الخطأِ مائةٌ مِن الإبلِ أَحْمَاسًا؛ خُمْسٌ جِدَاعٌ، وخُمْسٌ حِقَاقٌ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مَخَاضٍ (٣).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبرَنا سليمانُ التَّيْميُّ، عن أبي مِجْلَزٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: الديةُ أخْماسٌ؛ ديةُ الخطأِ؛ خُمْسٌ بناتُ مَخَاضٍ، وخُمْسٌ بنو مخاضٍ، وخُمْسٌ بناتُ لَبونٍ، وخُمْسٌ حِقاقٌ، وخُمْسٌ جِذاعٌ (٤).
واعْتَلَّ قائلو هذه المَقالةِ بحديثٍ حدَّثنا به أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى ابن (٥) أبي زائدةَ وأبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجٍ، عن زيدِ بن جُبَيْرٍ، عن الخِشْفِ بن مالكٍ، عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ، أن النبيَّ ﷺ قضَى في الديةِ في الخطأِ أخْماسًا.
قال أبو هشامٍ: قال ابن أبي زائدةَ: عشرون حِقَّةً، وعشرون جذعةً، وعشرون ابنةَ لَبونٍ، وعشرون ابنةَ مَخَاضٍ، وعشرون بنو (١) مَخَاضٍ (٢).
حدَّثنا أبو هشامٍ، قال: ثنا يحيى، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن علقمةَ، عن عبدِ اللهِ، أنه قضَى بذلك (٣).
وقال آخَرون: هي أرْباعٌ، غير أنها ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ وزيدِ بن ثابتٍ، قالا: في الخطأِ شِبْهِ العمدِ أربعون جَذَعَةً خَلِفَةً (٤)، وثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ (٥) مَخَاضٍ، وفى الخطأِ ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعةً، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذُكورٌ (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المسيب، عن زيدِ بن ثابتٍ: في ديةِ الخطأِ ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون بناتِ لَبونٍ، وعشرون بناتِ مَخَاضٍ، وعشرون بنو لَبونٍ ذكورٌ (٢).
حدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا ابن عَثْمةَ، قال: ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قتادةَ، عن عبدِ ربِّه، عن أبي عِياضٍ، عن عثمانَ بن عفانَ ﵁، قال: وحدَّثنا سعيدُ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن زيدِ بن ثابتٍ مثلَه.
والصوابُ مِن [ذلك عندَنا] (٣) أن الجميعَ مُجْمِعون على (٤) أن في قتلِ الخطأِ المَحْضِ على أهلِ الإبلِ مائةً من الإبلِ.
ثم اخْتَلَفُوا في مَبالغِ أسْنانِها، وأجْمَعوا على أنه لا يُقْتَصَرُ (٥) بها في الذي وجَبَت له الأسنانُ عن (٦) أقلِّ ما ذكَرْنا مِن أسْنانِها التي حدَّها الذين ذكَرْنا اخْتِلافَهم فيها، وأنه لا يُجاوَزُ بها الذي وجَبَت عليه (٧) عن أعْلاها.
وإذ كان ذلك من جميعهم إجْماعًا، فالواجبُ أَن يَكونَ مُجْزِئًا مَن لزِمَته ديةُ قتلٍ خطأ - أيُّ هذه الأسنانِ التي اخْتَلَف المُخْتلفون فيها أدَّاها إلى (٨) مَن وجَبَت له؛ لأن الله جلَّ ذكرُه لم يَحُدَّ ذلك بحدٍّ لا يُجاوِزُه (٩) ولا يُقصِّرُ عنه، ولا رسولُه ﷺ، إلا ما ذكَرْتُ مِن إجماعِهم فيما أجْمَعوا عليه؛ لأنه (١) ليس للإمامِ مُجاوَزةُ ذلك في الحكمِ بتقصيرٍ ولا زيادةٍ، وله التَّخَيُّرُ (٢) فيما بينَ ذلك بما رأَى الصَّلاحَ فيه للفريقيْن.
وإن كانت عاقِلةُ القاتلِ مِن أهلِ الذهبِ، فإن لورثةِ القتيلِ عليهم عندَنا ألفَ دينارٍ، وعليه علماءُ الأمصارِ.
وقال بعضُهم: ذلك تقويمٌ مِن عمرَ الإبلَ (٣) على أهلِ الذهبِ في عصرِه، فالواجبُ أن يُقَوَّمَ في كلِّ زمانٍ قيمتُها إذا عدِم الإبلَ عاقلةُ القاتلِ.
واعْتَلُّوا [في ذلك] (٤) بما حدَّثنا ابن بَشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أيوبَ بن موسى، عن مكحولٍ، قال: كانت الديةُ تَرْتَفِعُ وتَنْخَفِضُ (٥)، فتُوُفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهى ثمانمائةِ دينارٍ، فخشِي عمرُ مِن بعدِه، فجعَلها اثنى عشَرَ ألفَ درهمٍ أو ألفَ دينارٍ (٦).
وأما الذين أوْجَبوها في كلِّ زمانٍ على أهلِ الذهبِ ذهبًا ألفَ دينارٍ، فقالوا: ذلك فريضةٌ فرَضها اللهُ على لسانِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، كما فرَض الإبلَ على أهلِ الإبلِ.
قالوا: وفي إجماعِ علماءِ الأمْصارِ في كلِّ عصرٍ وزمانٍ، إلا مَن شَذَّ عنهم، على أنها لا تُزادُ على ألفِ دينارٍ، ولا تَنْقُصُ عنها - أوضحُ الدليلِ على أنها الواجبةُ على أهلِ الذهبِ، وجوبَ الإبلِ على أهلِ الإبلِ؛ لأنها لو كانت قيمةَ المائة (١) من الإبل لَاخْتَلَف ذلك بالزيادة والنقصان لتغير أسعار الإبل.
قال أبو جعفر ﵀: وهذا القول هو الحق في ذلك عندى (٢)؛ لما ذكرنا من إجماع الحجة عليه.
وأما من الوَرِقِ على أهلِ الوَرِقِ عندنا، فاثنا عشر ألف درهم، وقد بينا العِلل في ذلك في كتابنا كتاب "لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام".
وقال آخرون: إنما على أهلِ الوَرِقِ مِن الوَرِقِ عشرة آلاف درهم.
وأما ديةُ المُعاهَدِ الذي بيننا وبين قومه ميثاق، فإن أهل العلم اختلفوا في مبلغها؛ فقال بعضُهم: ديته ودية الحرّ المسلم سواء.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرٌ بن السِّريِّ، عن إبراهيم بن سعد، عن الزهري، أن أبا بكر وعثمان كانا يَجْعَلان دية اليهودي والنصراني إذا كانا مُعاهَدَيْن كدية المسلم (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا بشرُ بنُ السَّرِيِّ، عن الدَّسْتُوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن الحكم بن عتيبة (٤)، أن ابن مسعودٍ كان يَجْعَلُ ديةَ أهل الكتاب إذا كانوا أهلَ ذمّةٍ، كدية المسلمين (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن حمادٍ، قال: سأَلَنى عبدُ الحميدِ عن ديةِ أهلِ الكتابِ، فأخْبَرْتُه أن إبراهيمَ قال: إن ديتَهم وديتَنا سَواءٌ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا حمادٌ، عن إبراهيمَ، وداودَ، عن الشعبيِّ، أنهما قالا: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ مثلُ ديةِ الحرِّ المسلمِ.
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: كان يقالُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ كديةِ المسلمِ إذا كانت له ذمةٌ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليةَ، قال: ثنا ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ وعطاءٍ، أنهما قالا: ديةُ المعاهَدِ (٢) ديةُ المسلمِ (٣).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا بشرُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا المَسْعوديُّ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، أنه قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ سَواءٌ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: حدَّثنا ابن عُليةَ، عن أيوبَ، قال: سمِعتُ الزهريَّ يقولُ: ديةُ الذميِّ ديةُ المسلمِ (٤).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن أشْعَثَ، عن عامرٍ، قال: ديةُ الذميِّ مثلُ ديةِ المسلمِ (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، عن سعيدِ بن أبي عَروبةَ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: [ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ والمجوسيِّ من أهلِ العهدِ كديةِ المسلمِ] (٢).
حدَّثنا عبدُ الحميد بنُ بَيانِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ، عن إسماعيلَ، عن عامرٍ، وبلَغه أن الحسنَ كان يقولُ: ديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ، وديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ [أربعةُ آلافٍ] (٢)، فقال: ديتُهم واحدةٌ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن الشعبيِّ، قال: ديةُ المسلمِ والمعاهَدِ و (٣) كفارتُهما سَواءٌ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: ديةُ المعاهَدِ والمسلمِ سواءٌ (٥).
وقال آخَرون: بل ديتُه على النصفِ من ديةِ المسلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: حدَّثني عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عمرِو بن شُعيبٍ في ديةِ اليهوديِّ والنصرانيِّ، قال: جعَلها عمرُ بنُ الخطابِ نصفَ ديةِ المسلمِ، و (١) المجوسيَّ ثمانِمائةٍ فقلتُ لعمرِو بن شُعيبٍ: إن الحسنَ يقولُ: أربعةُ آلافٍ.
[قال: كان ذلك قبلَ القيمةِ] (٢).
وقال: وإنما جعل ديةَ المجوسيِّ بمنزلةِ العبدِ.
حدَّثني أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبيدُ (٣) اللهِ الأشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن أبي الزِّنادِ، عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، قال: ديةُ المعاهَدِ على النصفِ مِن ديةِ المسلمِ (٤).
وقال آخَرون: بل ديتُه على الثلثِ مِن ديةِ الحُرِّ (٥) المسلمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عَن مُطَرِّفٍ، عن أبي عثمانَ، قال - وكان قاضيًا لأهلِ مَرْوِ - قال: جعَل عمرُ ﵁ ديةَ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةَ آلافٍ (٦) أربعةَ آلافٍ.
حدَّثني عمارُ بنُ خالدٍ الواسطيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن الأعمشِ، عن ثابتٍ (٧)، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ النصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (٨).
حدَّثنا محمدُ (١) بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: قال عمرُ: ديةُ أهلِ الكتابِ أربعةُ آلافٍ، وديةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ثابتٍ، عن سعيدِ بن المسيبِ، أن عمرَ بنَ الخطابِ قال: فذكَر مثلَه (٢).
[حدَّثنا ابن المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو الوليدِ، قال: حدَّثنا حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وحُمَيْدٍ، عن الحسنِ، عن عمرَ مثلَه] (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، عن أبي المليح، أن رجلًا مِن قومِه رَمَى يهوديًّا أو نصرانيًّا بسهمٍ فقتَله، فرُفِع ذلك إلى عمرَ بن الخطابِ، فأْغْرَمه ديتَه أربعةَ آلافٍ.
[حدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ] (٤)، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ، قال: قال عمرُ: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ أربعةُ آلافٍ (٥).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أَخْبَرَنا بعضُ أصحابِنا، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن عمرَ مثلَه.
[أخبرَنا يعقوبُ] (١)، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن ابن أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه.
[حدَّثني يعقوبُ] (١)، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سليمانَ بن يَسارٍ أنه قال: ديةُ اليهوديِّ والنصرانيِّ أربعةُ آلافٍ، والمجوسيِّ ثمانِمائةٍ (٢).
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا خالدُ بنُ الحارثِ، قال: ثنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ في قولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: الصيامُ لمن لا يَجِدُ رقبةً، وأما الديةُ فواجبةٌ لا يُبْطِلُها شيءٌ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: فمَن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً يُحَرِّرُها كفارةً لخطئِه في قتلِه مَن قتَل مِن مؤمنٍ أو معاهَدٍ؛ لعُشرتِه بثمنِها، ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
يقولُ: فعليه صيامُ شهرَيْن متتابِعَين.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم فيه بنحوِ ما قْلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾.
قال: مَن لم يَجِدْ عِتْقًا، أو عَتاقةً - شك أبو عاصمٍ - في قتلِ مؤمنٍ خطأً.
قال: وأُنْزِلَت في عيَّاشٍ بن أبي ربيعةَ، قتَل مؤمنًا خطأً (١).
وقال آخرون: صومُ الشهرين عن الديةِ والرقبةِ.
قالوا: وتأويلُ الآيةِ: فمن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً، ولا دِيةٌ يُسَلَّمُها إلى أهلِها، فعليه صومُ شهرين متتابعين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، عن زكريا، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، أنه سُئِل عن الآيةِ التي في سورةِ النساءِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾: صيامُ الشهرين عن الرقبةِ وحدَها، أو عن الديةِ والرقبةِ؟
فقال: مَن لم يَجِدْ فهو عن الديةِ والرقبةِ (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن زكريا، عن عامرٍ، عن مسروقٍ بنحوِه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن الصومَ عن الرقبةِ دونَ الديةِ؛ لأن ديةَ الخطأِ على عاقلةِ القاتلِ، والكفارةَ على القاتلِ، بإجماعِ الحُجَّةِ على ذلك، نقلًا عن نبيِّها ﷺ، ولا يَقْضِى صومُ صائمٍ عما لزِم غيرَه في مالِه.
والمُتابَعةُ صومُ الشهرين ممَّا (١) لا يَقْطَعُه بإفطارِ بعضِ أيامِه لغيرِ علةٍ حائلةٍ بينَه وبينَ صومِه.
ثم قال جل ثناؤُه: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾.
يعنى: رجعةً (٢) مِن اللهِ لكم إلى التيسيرِ عليكم (٣)، بتخفيفِه عنكم ما خفّف عنكم مِن فرضِ تحريرِ الرقبةِ المؤمنةِ إذا أعْسَرْتُم بها، بإيجابِه عليكم صومَ شهرين مُتتابعين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بما يُصْلِحُ عبادَه فيما يُكَلِّفُهم مِن فرائضِه، وغير ذلك، حكيمًا بما يَقْضِى فيهم ويُرِيدُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا عامدًا قتلَه، مُريدًا إتلافَ نفسِه ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
يقولُ: فثوابُه مِن قتلِه إياه ﴿جَهَنَّمُ﴾، يعنى: عذابَ جهنمَ ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾، يعني: باقيًا فيها، والهاءُ والألفُ في قولِه: ﴿فِيهَا﴾ مِن ذكرِ جهنمَ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾.
يقولُ: وغضِب اللهُ عليه بقتلِه إياه متعمِّدًا، ﴿وَلَعَنَهُ﴾.
يقولُ: وأَبْعَدَه مِن رحمتِه وأخْزاه، ﴿وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
وذلك ما لا يَعْلَمُ قدْرَ مبلغِه سواه.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ القتلِ الذي يَسْتَحِقُّ صاحبُه أن يُسَمَّى متعمِّدًا، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أنه إذا ضرَب رجلٌ رجلًا بحدِّ حَدِيدٍ يَجْرَحُ بحدِّه، أو يَبْضَعُ (١) ويَقْطَعُ، فلم يُقلِعْ عنه ضربًا به، حتى أتْلَف نفسَه، وهو في حالِ ضربِه إياه به قاصدٌ ضربَه، أنه عامدٌ قتلَه.
ثم اخْتَلَفوا فيما عدا ذلك؛ فقال بعضُهم: لا عمدَ إلا ما كان كذلك على الصفةِ التي وصَفْنا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابن أبي زائدةَ، قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قال: قال عطاءٌ: العَمدُ: السلاحُ، أو قال: الحديدُ.
قال: وقال سعيدُ بنُ المسيّبِ: هو السلاحُ (٢).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هُشَيْمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وما كان بدونِ حَديدةٍ فهو شِبْهُ العمدِ، لا قَوَدَ فيه (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ، عن إبراهيمَ، قال: العمدُ ما كان بحَديدةٍ، وشِبْهُ العمدِ ما كان بخَشَبةٍ، وشِبْهُ العمدِ لا يَكونُ إلا في النفسِ (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ حمادٍ الدُّولابيُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، عن طاوسٍ، قال: مَن قُتِل في عصبيَّةٍ (١) في رِمِّيَّا (٢) يَكونُ بينهم (٣) بحجارةٍ، أو جلدٍ بالسِّياطِ، أو ضرْبٍ بالعصِيِّ فهو خطأٌ، ديتُه ديةُ الخطأِ، ومَن قُتِل عمدًا فهو قَودُ يدِه (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن (٥) مُغيرةَ، عن الحارثِ وأصحابِه في الرجلِ يَضْرِبُ الرجلَ فيَكونُ مريضًا حتى يَموتَ، قال: أَسْأَلُ الشُّهود أنه ضرَبه، فلم يَزَلْ مَرِيضًا مِن ضربتِه حتى مات، فإن كان بسلاحٍ فهو قَوَدٌ، وإن كان بغيرِ ذلك فهو شِبْهُ العمدِ.
وقال آخَرون: كلُّ ما عَمَد به (٦) الضاربُ إتلافَ نفسِ المضروبِ فهو عمدٌ، إذا كان الذي ضرَب به (٦) الأَغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرحمنِ بنُ يحيى، عن حِبَّانَ بن أبي جَبَلةَ، عن عُبَيدِ بن عُميرٍ، أنه قال: وأيُّ عمدٍ هو أعْمدُ مِن أن يَضْرِبَ رجلًا بعضًا، ثم لا يُقْلِعَ عنه حتى يَموتَ (٧)؟
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ، عن إبراهيمَ، قال: إذا خنَقَه بحبلٍ حتى يَموتَ، أو ضرَبه بخشبةٍ حتى يموتَ فهو القَوَدُ.
وعلةُ مَن قال: كلُّ ما عدا الحديدَ خطأٌ ما حدَّثنا به ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن أبي عازبٍ، عن النعمانِ بن بشيرٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ: كلُّ شيءٍ خطأٌ إلا السيفَ، ولكلِّ خطأٍ أَرْشٌ (١) " (٢).
وعلةُ مَن قال: حكمُ كلِّ ما قُتِل المضروبُ به مِن شيءٍ حكمُ السيفِ في أن مَن قُتِل به فهو (٣) قَتيلُ عمدٍ، ما حدَّثنا به ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن يهوديًّا قتَل جاريةً على أوْضاحٍ (٤) لها بينَ حَجَرَيْن، فأُتِي به النبيُّ ﷺ، فقتَله بينَ حجرين (٥).
قالوا: فأقاد النبيُّ ﷺ مِن قاتلٍ بحجرٍ، وذلك غيرُ حَديدٍ.
قالوا: وكذلك حكمُ كلِّ من قتَل رجلًا بشيءٍ الأغْلَبُ منه أنه يَقْتُلُ مثلَ المقتولِ به، نظيرُ حكمِ اليهوديِّ القاتلِ الجاريةَ بينَ حجرين (٦).
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا قولُ مَن قال: كلُّ مَن ضرَب إنسانًا بشيءٍ، الأغلبُ منه أنه يُتْلِفُه، فلم يُقْلِعْ عنه حتى أتْلَفه (١) نفسَه به، أنه قاتلُ عمدٍ ما كان المضروبُ به مِن شيءٍ؛ لِلذى ذكَرْنا مِن الخبرِ عن رسولِ اللهِ ﷺ.
وأما قولُه: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في معناه؛ فقال بعضُهم: معناه: فجزاؤُه جهنمُ إن جازاه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن سليمانَ التَّيْميِّ، عن أبي مِجْلَزٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: هو جزاؤُه، وإن شاء تجاوز عنه (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النعمانِ الحكمُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سيَّارٍ (٣)، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: جزاؤُه (٤) إن جازاه (٥).
وقال آخَرون: عُنِى بذلك رجلٌ بعينِه، كان أسْلَم فارْتَدَّ عن إسلامِه وقتَل رجلًا مؤمنًا.
قالوا: فمعنى الآيةِ: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا متعمِّدًا مُسْتَحِلًّا قتله، فجزاؤُه جهنمُ خالدًا فيها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، أن رجلًا مِن الأنصارِ قتَل أخا مِقْيَسِ بن ضُبابةَ (١)، فأعطاه النبيُّ ﷺ الديةَ فقبِلها، ثم وثَب على قاتلِ أخيه فقتَله.
قال ابن جُريجٍ: وقال غيرُه: ضرَب النبيُّ ﷺ ديتَه على بنى النَّجَّارِ، ثم بعَث مِقْيَسًا، وبعث معه رجلًا مِن بنى فِهْرٍ في حاجةٍ للنبيِّ ﷺ، فاحْتَمَل مِقْيَسٌ الفِهْريَّ وكان أيِّدًا (٢)، فضرَب به الأرضَ، ورضَخ رأسَه بينَ حجرين، ثم أَلْقَى يَتَغَنَّى (٣): قتَلْتُ (٤) به فِهْرًا وحمَّلْتُ عقلَهُ … سَراةَ بنى النجارِ أربابِ فارِعِ (٥) فقال النبيُّ ﷺ: "أظُنُّه قد أحْدَث حَدَثًا، أمَا واللهِ لئن كان فعَل لا أُومِنُه في حِلٍّ ولا حَرَمٍ، ولا سِلْمٍ ولا حربٍ".
فقُتِل يومَ الفتحِ.
قال ابن جُرَيْجٍ: وفيه نزَلَت هذا الآيةُ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية (٦).
وقال آخَرون: معنى ذلك: إلا مَن تاب.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن منصورٍ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبيرٍ، أو حدَّثني الحكمُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: إن الرجلَ إذا عرَف الإسلامَ وشَرائعَ الإسلامِ، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤُه جهنمُ، ولا توبةَ له.
فذكَرْتُ ذلك لمجاهدٍ، فقال: إلا مَن ندِم (١).
وقال آخَرون: ذلك إيجابٌ مِن اللهِ الوعيدَ لقاتلِ المؤمنِ متعمِّدًا، كائنًا مَن كان القاتلُ على ما وصَفَه في كتابِه، ولم يَجْعَلْ له توبةً مِن فعلِه.
قالوا: فكلُّ قاتلٍ مؤمنًا متعمدًا فله ما أوْعَده اللهُ مِن العذابِ، والخلودِ في النارِ، ولا تَوبةَ له.
وقالوا: نزَلَت هذه الآيةُ بعد التي في سورةِ الفرقانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جَريرٌ، عن يحيى الجابرِ (٢)، عن سالِم بن أبي الجَعْد، قال: كنا عندَ ابن عباسٍ بعدَ ما كُفَّ بصرُه، فأتاه رجلٌ فناداه: يا عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، ما تَرَى في رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمدًا؟
فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
قال: أفرأَيْتَ إن تاب وآمَن وعمِل صالحًا، ثم اهَتَدَى؟
قال ابن عباسٍ: ثَكلَتْه أمه، وأَنَّى له التوبةُ والهُدَى؟
فوالذي نفسي بيده، لقد سمِعْتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: "ثكِلَتْه أمُّه، [قاتلُ مؤمنٍ] (١) متعمدًا، جاء يومَ القيامةِ آخِذَه (٢) بيمينه أو بشمالِه، تَشْخَبُ أوْداجُه (٣) دمًا في قُبُلِ عرشِ الرحمنِ، يَلْزَمُ قاتلَه بيدِه الأخرى، يقولُ: سَلْ هذا فيمَ قتَلَنى؟
" والذي نفسُ عبدِ اللهِ بيدِه، لقد أُنْزِلَت هذه الآيةُ فما نسَخَتها مِن آيةٍ حتى قُبِض نبيُّكم ﷺ، وما نزَل بعدَها مِن بُرْهانٍ (٤).
[حدَّثنا عثمانُ بنُ يحيى، عن عثمانَ القَرْقَسانيِّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عمارٍ، عن سالمٍ، قال: سُئل ابن عباسٍ عن رجلٍ قتَل مؤمنًا متعمِّدًا، تاب وآمن وعمِل صالحًا.
قال: فأَنَّى له الهدَى؟!
سمِعتُ نبيَّكم ﷺ يقولُ: "يَجِيءُ المقتولُ يومَ القيامةِ متعلِّقًا بالقاتلِ، يقولُ: أيْ ربِّ، سَلْ هذا فيمَ قتَلني؟
" ويحَه!
أنَّى له الهدَى؟
لقد أنزلها اللهُ على نبيِّكم ﵇، ثم ما نسَخَها بعدَ إِذْ أنزلها] (٥) (٦).
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عمرِو بن قيسٍ، عن يحيى بن الحارثِ التَّيْميِّ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ، عن ابن عباسٍ، عن رسولِ اللهِ ﷺ: " ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ".
فقيل له: وإن تابَ وآمَن وعمِل صالحًا؟
فقال: "وأَنَّى له التوبةُ" (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا موسى بنُ داودَ، قال: ثنا همامُ بنُ (٢) يحيى، عن رجلٍ، عن سالمٍ، قال: كنتُ جالسًا مع ابن عباسٍ، فسأَله رجلٌ، فقال: أرأَيْتَ رجلًا قتَل مؤمنًا مُتَعمدًا أين منزلُه؟
قال: ﴿جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾.
قال: أفرأَيْتَ إن هو تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدَى؟.
قال: وأنَّى له الهدَى ثَكلَتْه أمُّه؟
والذي نفسي بيدِه لسمِعْتُه يقولُ - يعنى النبيَّ ﵇: "يَجِيءُ يومَ القيامةِ مُعَلِّقًا رأسَه بإحدى يديه، إما بيمينِه أو بشمالِه، آخِذًا صاحبَه بيدِه الأخرى تَشْخَبُ أَوْداجُه حِيالَ عرشِ الرحمنِ، يقولُ: ياربَّ، سَلْ عبدَك هذا عَلامَ قتَلَنى؟
" فما جاء نبيٌّ بعدَ نبيِّكم، ولا نزَل كتابٌ بعدَ كتابِكم (٣).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا قَبِيصةُ، قال: ثنا [عمارُ بنُ رُزَيْقٍ] (٤)، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبي الجعدِ، عن ابن عباسٍ نحوَه، إلا أنه قال في حديثِه: فواللهِ لقد أُنْزِلَت على نبيِّكم ﷺ، ثم ما نسخها شيْءٌ، ولقد سمِعْتُه يقولُ (٥): "ويلٌ لقاتلِ المؤمنِ، يَجِيءُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسه بيدِه" ثم ذكَر الحديثَ نحوَه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن شعبةَ (٢)، عن أبي بشرٌ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال عبدُ الرحمنِ بنُ أَبْزَى: سُئِل ابن عباسٍ عن قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
فقال: لم يَنْسَخْها شيْءٌ.
وقال في هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
قال: نزَلَت في أهلِ الشركِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أمَرَنى عبدُ الرحمنِ مِنْ أَبْزَى أَن أَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتين الآيتين، فذكَر مثلَه (٤).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا طَلْقُ بنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، قال: أخبرني سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو حُدِّثْتُ عن سعيدِ بن جبيرٍ، أن عبدَ الرحمنِ بنَ أَبْزَى أُمَره أن يَسْأَلَ ابنَ عباسٍ عن هاتينِ الآيتين؛ التي في النساءِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
والتي في الفرقانِ: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ إلى: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾.
قال ابن عباسٍ: إذا دخَل الرجلُ في الإسلامِ وعلِم شرائعَه وأمْرَه، ثم قتَل مؤمنًا متعمدًا، فلا توبةَ له، وأما التي في الفرقانِ، فإنها لمَّا أُنْزِلَت قال المشركون مِن أهلِ مكةَ: فقد عدَلْنا (١) باللهِ وقتَلْنا النفسَ التي حرَّم اللهُ بغيرِ الحقِّ (٢)، فما يَنْفَعُنا الإسلام؟
قال: فنَزَلَت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: ما نسَخَها شيْءٌ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: هي مِن آخرِ ما نزَلَت، ما نسَخَها شيءٌ (٥).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن المغيرةِ بن النعمانِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: اخْتَلَف أهلُ الكوفةِ في قتلِ المؤمنِ، فدخَلْتُ إلى ابن عباسٍ فسأَلْتُه، فقال: لقد نزَلت في آخرِ ما نزَل مِن القرآن (٦)، وما نسَخها شيءٌ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا آدمُ العَسْقَلانيُّ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ معاويةُ بنُ قُرَّةَ، قال: أَخْبَرَنى شهرُ بنُ حَوْشَبٍ، قال: سمِعْتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: نزلَت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، بعدَ قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ بسنَةٍ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا شعبة، عن معاويةَ بن قُرَّةَ عن ابن عباسٍ، قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: نَزَلت بعدَ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ بسنةٍ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا أبو إياسٍ، قال: حدَّثني مَن سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ في قاتلِ المؤمنِ: نزَلَت بعدَ ذلك بسنةٍ.
فقلتُ لأبى إياسٍ: مَن أَخْبَرَك؟
فقال: شهرُ بنُ حَوْشبٍ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.
قال: ليس لقاتلٍ توبةٌ إلا أن يَسْتَغْفِرَ الله (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية.
قال عطيةُ: وسُئِل عنها ابن عباسٍ، فزعَم أنها نزَلَت بعدَ الآيةِ التي في سورةِ الفرقانِ بثمانِ سنين، وهو قولُه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] إلى قولِه: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٣) [الفرقان: ٧٠].
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي السَّفَرِ، عن ناجيةَ، عن ابن عباسٍ، قال: هما المُبْهَمَتان (١): الشركُ، والقتلُ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أكبرُ الكبائرِ الإشراكُ باللهِ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ؛ لأن الله سبحانَه يقولُ: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: حدَّثنا هُشَيْمٌ، عن بعضِ أشياخِه الكوفيين، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن ابن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾.
قال: إنها لمُحَكْمَةٌ، وما تَزْدادُ إلا شدةَ (٤).
حدَّثنا [ابن البَرْقيِّ] (٥)، قال: ثنا ابن أبي مَريمَ، قال: حدَّثنا نافعُ بنُ يزيدَ، قال: ثنى أبو صَخْرٍ، عن أبي معاويةَ البَجَليِّ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، قال: قال ابن عباسٍ: يأتى المقتولُ يومَ القيامةِ آخِذًا رأسَه بيمينه، وأوْداجُه تَشْخَبُ دمًا، يقولُ: يا ربِّ، دمى عندَ فُلانٍ.
فيُؤْخَذان فيُسْنَدان إلى العرشِ، فما أَدْرِى مَا يُقْضَى بينهما، ثم نزَع بهذه الآيةِ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ الآية.
قال ابن عباسٍ: والذي نفسي بيدِه، ما نَسَخَها اللهُ جلَّ وعزَّ منذ أنْزَلَها على نبيِّكم ﵊.
[حدثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيد، قال: ثنا هَيَّاجُ بنُ بِسْطامٍ، عن محمدِ بن عمرٍو، عن موسى بن عقبةَ، عن أبي الزِّنادِ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن زيد بن ثابتٍ، قال: نزلت سورةُ النساء بعدَ سورةِ الفرقانِ بستةِ أشهرٍ] (١).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، قال: سمِعْتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدِ بن ثابتٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: سمِعْتُ أباك يقولُ: نزَلَت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنةِ بستةِ أشهرٍ، قولُه: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، بعد قولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنةَ، عن أبى الزِّنادِ، قال سمِعتُ رجلًا يُحَدِّثُ خارجةَ بنَ زيدٍ، قال: سمِعتُ أباك في هذا المكانِ بمنًى يقولُ: نزَلت الشديدةُ بعدَ الهَيِّنَةِ.
يقولُ: أُراهُ بستةِ أشهرٍ، يعنى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾.
بعدَ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.
(١) [النساء: ٤٨، ١١٦].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلَمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحَّاكِ بن مُزاحِمٍ، قال: ما نسَخها شيءٌ منذُ نزَلت، وليس له توبةٌ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: ومَن يَقْتُل مؤمنًا مُتَعَمِّدًا فجزاؤُه - إنْ جزاه - جهنَّمُ خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويَتَفَضَّلُ على أهلِ الإيمانِ به وبرسولِه، فلا يُجازيهم بالخلودِ فيها، ولكنه تعالى ذكرُه، إما أن يَعْفُوَ بفضلِه فلا يُدْخِلَه النارَ، وإِمَّا أَن يُدْخِلَه إيَّاها ثم يُخْرِجَه منها بفضلِ رحمتِه؛ لما سلَف مِن وعدِه عبادَه المؤمنين بقولِه: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
فإن ظنَّ ظانٌّ أن القاتلَ إن وجَب أن يكونَ داخلًا في هذه الآيةِ، فقد يَجِبُ أن يكونَ المُشْرِكُ داخلًا فيه؛ لأن الشركَ من الذنوبِ، فإن الله قد أَخْبَر جلَّ ثناؤُه أنه غيرُ غافرٍ الشركَ لأحدٍ بقولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦].
والقتلُ دونَ الشركِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بقولِه جل ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (١): يا أيها الذين صدَّقوا الله وصدَّقوا رسولَه، فيما جاءهم به مِن عند ربِّهم ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يقولُ: إذا سِرْتُم مسيرًا للهِ في جهادِ أعدائِه (٢) ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ يقولُ: فتَأَنَّوْا في قتلِ مَن أَشْكَل عليكم أمرُه، فلم (٣) تَعْلَموا حقيقةً إسلامِه ولا كفرِه، ولا تَعْجَلوا فتَقْتُلُوا مَن الْتَبس عليكم أمرُه، ولا تَتَقَدَّموا على قتلِ أحدٍ إلا على قتلِ مَن علِمْتُموه يقينًا حربًا لكم وللهِ ولرسولِه، (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم [السَّلَمَ (٤).
يقولُ: ولا تقولوا] (٥) لمن اسْتَسلم لكم فلم يُقاتِلْكم، مظهِرًا لكم أنه مِن أهلِ ملَّتِكم ودعوتِكم ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ فتَقْتُلوه ابتغاءَ: ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، يقولُ: طلبَ متاعِ الحياةِ الدنيا؛ فإن عندَ اللهِ مغانمَ كثيرةً مِن رزقِه، وفواضلِ نعمِه، فهو (٦) خيرٌ لكم إن أطَعْتُم الله فيما أمرَكم به، ونهاكم عنه، فأثابكم بها على طاعتِكم إياه، فالتمسوا ذلك مِن عندِه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: كما كان هذا الذي أَلْقَى إليكم السلمَ، فقلتم (١) له: لستَ مؤمنًا.
فقَتَلْتُموه، ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ﴾ أنتم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، يعنى: مِن قبلِ إعزازِ اللهِ دينَه بتُبَّاعِه وأنصارِه، تَسْتَخْفُون بدينِكم كما اسْتَخْفى هذا الذي قتَلتموه وأخَذْتم مالَه، بدينِه من قومِه، أن يُظْهِرَه لهم حذَرًا على نفسِه منهم، وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
كنتم كفَّارًا مثلَهم ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، يقولُ: فتَفَضَّل اللهُ عليكم بإعزازِ دينِه بأنصارِه، وكثرةِ تباعِه، وقد قيل: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالتوبةِ من قتلكم هذا الذي قتَلتموه، وأخَذتم مالَه بعدَ ما ألْقَى إليكم السلمَ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، يقولُ: فلا تَعْجَلُوا بقتلِ مَن أَرَدْتُم قتلَه ممن (٢) التبس عليكم أمرُ إسلامِه، فلعلَّ الله أن يكونَ قد منَّ عليه من الإسلامِ مثلَ الذي منَّ به عليكم، وهداه (٣) [بمثل الذي هداكم به] (٤) مِن الإيمانِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
يقولُ: إن الله كان بقتِلكم مَن تَقْتُلُون، وكفِّكم عمَّن تَكُفُّون عن قتِله مِن أعداءِ اللهِ وأعدائِكم، وغيرِ ذلك مِن أمورِكم وأمورِ غيرِكم ﴿خَبِيرًا﴾، يعني: ذا خِبْرٍ (٥) وعلمٍ به، يَحْفَظُه عليكم وعليهم، حتى يُجازِىَ جميعَكم به يومَ القيامةِ جزاءَ (٦) المحسنِ بإحسانِه والمسيءِ بإساءتِه.
وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في سببِ قتيلٍ قتَلته سَرِيَّةٌ لرسولِ اللهِ ﷺ بعدَ ما قال: إنى مسلمٌ.
أو بعدَ ما شهِد شهادةَ الحقِّ، أو بعد ما سلَّم عليهم؛ لغنيمةٍ كانت معَه، أو غيرِ ذلك مِن مِلْكِه، فأخَذوه منه.
ذكرُ الروايةِ والآثارِ بذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ مُحَلِّمَ بنَ جثَّامةَ مبعثًا، فلقِيهم عامرُ بنُ الأَضْبَطِ، فحيَّاهم بتحيةِ الإسلامِ، وكانت بينهم حِنَةٌ (١) في الجاهليةِ، فرمَاه مُحَلِّمٌ بسهمٍ فقتَله، فجاء الخبرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فتكلَّم فيه عُيَيْنَةُ والأقْرَعُ، فقال الأَقْرَعُ: يا رسولَ اللهِ، سُنَّ اليومَ وغيِّرْ غدًا، فقال عُيَيْنَةُ: لا واللهِ، حتى تَذُوقَ نساؤُه مِن الثُّكْلِ مثلَ (٢) ما ذاق نسائى، فجاء مُحَلِّمٌ في بُرْدَيْنِ (٣)، فجلَس بين يَدَى رسولِ اللهِ ﷺ ليَسْتَغْفِرَ له، فقال له النبيُّ ﷺ: "لا غفَر اللهُ لك!
" فقام وهو يَتَلَقَّى دموعَه ببُرْدَيْهِ، فما مضَت به ساعةٌ (٤) حتى مات ودَفنوه، فلفَظته الأرضُ، فجاءوا إلى النبيِّ ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحبِكم، وَلَكِنَّ الله أَرَادَ أن [يُعَظِّمَ من حُرْمَتِكم"] (٥) ثم طرَحوه بين صَدَفَىْ (٦) جبلٍ، وألْقَوْا عليه من الحجارةِ، ونزَلت ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن (٢) عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن أبي القعقاعِ بن عبدِ اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه عبد اللهِ بن أبي حَدْرَدٍ، قال: بعَثنا رسولُ اللهِ ﷺ إلى إِضَمٍ (٣) فَخَرَجت في نفرٍ مِن المسلمين فيهم أبو قتادةَ الحارثُ بنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلِّمُ بن جَثَّامَةَ بن قيسٍ الليثيُّ، فخرَجنا حتى إذا كنا ببطنِ إِضَمٍ، مرَّ بنا عامرُ بنُ الأضبطِ الأَشْجَعيُّ على قعودٍ (٤) له، معه مُتَيِّعٌ (٥) له ووَطْبٌ (٦) مِن لبنٍ، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحيةِ الإسلامِ، فأمْسَكنا عنه، وحمَل عليه مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ الليثيُّ لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتَله وأخَذ بعيَره ومُتَيِّعَه؛ فلمَّا قدِمْنا على رسولِ اللهِ ﷺ فأخْبَرناه (٧) الخبرَ، نزَل فينا القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيلِ اللهِ فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلمَ لست مؤمنًا) الآية (٨).
حدَّثني هارونُ بنُ إدريسَ الأصمُّ، قال: ثنا المُحاربيُّ عبدُ الرحمنِ بن محمدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ بن قُسَيْطٍ، عن ابن (١) أَبي حَدْرَدٍ الأَسْلَميِّ، عن أبيه بنحوِه (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو [بن دينارٍ] (٣)، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق ناسٌ مِن المسلمين (٤) رجلًا في غُنَيْمَةٍ له، فقال: السلامُ عليكم فقتلوه، وأخذوا تلك الغُنيمةَ، فنزَلت هذه الآيةُ: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَض الحيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنيمةَ (٥).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ بنحوِه (٦).
[حدَّثنا سعيدُ بنُ الربيعِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عمرٍو، سمِع عطاءً، عن ابن عباسٍ، قال: لحِق المسلمون رجلًا، ثم ذكَر مثلَه] (٧) (٦).
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بن سليمانَ (٨)، عن إسرائيلَ، عن سمَاكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: مرَّ رجلٌ من بنى سُلَيْمٍ على نفرٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وهو في غنمٍ له، فسلَّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم عليكم إلا ليتعوَّذَ منكم، فعَمدوا إليه فقتَلوه، وأخَذوا غنمَه، فأَتَوْا بها رسولَ اللهِ ﷺ، فأَنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى آخرِ الآية (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا [عبدُ اللهِ] (٢)، عن إسرائيلَ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، عن النبيِّ ﵇ مثلَه (٣).
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الرجلُ يَتَكَلَّمُ بالإسلامِ ويُؤْمِنُ باللهِ والرسولِ، ويكونُ في قومِه، فإذا جاءت سَرِيَّةُ محمدٍ ﷺ أخْبَر بها حيَّه، يعنى قومَه، ففرُّوا (٤)، وأقام الرجلُ لا يَخَافُ المؤمنين مِن أجلِ أنه على (٥) دينِهم حتى يَلْقاهم، فيُلْقِى إليهم بالسلام، فيقولُ المؤمنون: لست مؤمنًا - وقد ألقى السلام - فيَقْتُلُونه، فقال اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يعني: تَقْتُلونه إرادةَ أن يَحِلُّ لكم مالُه الذي وُجد (١) معَه، وذلك عرضُ الدنيا، فإن عندى مغانمَ كثيرةً، فالْتَمِسوا مِن فضلِ اللهِ، وهو رجلٌ اسمُه مِرْدَاسٌ جلا (٢) قومُه هاربين مِن خيلٍ بعَثها رسولُ اللهِ ﷺ عليها رجلٌ من بنى ليثٍ اسمُه قليبٌ، ولم يُجَامِعهم وإذا لَقِيهم مِرْدَاسٌ، فسلَّم عليهم قتَلوه، فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ لأهلِه بدِيَتِه، وردَّ عليهم (٣) مالَه، ونَهَى المؤمنين عن مثلِ ذلك (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية، قال: هذا الحديثُ في شأنِ مِرْداسٍ رجلٍ مِن غَطَفانَ ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ، بَعث جيشًا عليهم غالبٌ الليثيُّ إلى أهلِ فَدَكَ، وبه ناسٌ مِن غَطَفَانَ وكان مِرْدَاسٌ منهم، ففرَّ أصحابُه، فقال مرداسٌ: إني مؤمنٌ وإنى غيرُ مُتَّبِعِكم، فصبَّحَتْه الخيلُ غدوةً، فلمَّا لَقُوه سلَّم عليهم مِرْداسٌ، فدعاه (٥) أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ فقتلوه، وأخَذوا ما كان معه مِن متاعٍ، فأنْزل اللهُ تعالى في شأنِه (لَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا)؛ لأن تحيةَ المسلمين السلامُ، بها يَتَعارفون، وبها يُحَيِّى بعضُهم بعضًا (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبتُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَينُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلقَى إِليكم السَّلم لَسْتَ مؤمنًا تَبتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِن قَبلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيكُم فَتَبَيَّنُوا): بعَث رسولُ اللهِ ﵇ سَرِيَّةً عليها أسامةُ بنُ زيدٍ إلى بنى ضَمْرَةَ، فَلَقُوا رجلًا منهم يُدْعَى مِرْداسَ بنَ نَهِيكٍ معَه غُنَيْمَةٌ له وجملٌ أحمرُ، فلمَّا رآهم أوَى إلى كهفِ جبلٍ، واتَّبعه أسامةُ، فلمَّا بلَغ مرداسٌ الكهفَ وضَع فيه غنمَه، ثم أقبل إليهم فقال: السلامُ عليكم، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه أسامةُ فقتَله مِن أجلِ جملِه وغُنَيمتِه (١)، وكان النبيُّ ﷺ إذا بعَث أسامةَ أحبَّ أن يُثْنَى عليه خيرًا، ويَسْأَلُ عنه أصحابَه، فلمَّا رجَعوا لم يَسْأَلهم عنه، فجعَل القومُ يُحَدِّثون النبيَّ ﷺ ويقولون: يا رسولَ اللهِ، لو رأيت أسامةَ ولَقِيه رجلٌ، فقال الرجلُ: لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ اللهِ، فشدَّ عليه فقتله؟
وهو معرضٌ عنهم، فلمَّا أكْثَروا عليه، رفَع رأسه إلى أسامةَ فقال: "كيف أنت ولا إلهَ إلا اللهُ؟
" فقال: يا رسولَ اللهِ، إنما قالها مُتَعَوِّذًا (٢)، تَعَوّذ بها.
فقال له رسول اللهِ ﷺ: "هلا شقَقْتَ عن قلبِه فنظَرتَ إليه؟
" قال: يا رسولَ اللهِ، إنما قلبُه بَضْعَةٌ مِن جسدِه، فأَنْزَلَ اللهُ خبر هذا، وأخبره إنما قتَله مِن أجلِ جملِه وغنمِه، فذلك حين يقولُ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
فلمَّا بلغ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
يقولُ تاب (٣) اللهُ عليكم، فحلَف أسامةُ أن لا يُقاتِلَ رجلًا يقولُ: لا إله إلا اللهُ.
بعدَ ذلك الرجلِ، وما لقِى مِن رسولِ اللهِ ﷺ (٤).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
قال: بلغني أن رجلًا من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين، فحمَل عليه، فقال له المشركُ: إنى مسلمٌ (١)، لا إلهَ إلا اللهُ.
فقتَله المسلمُ بعد أن قالها، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال للذى قتَله: "أقتَلْتَه وقد قال: لا إله إلا اللهُ؟
".
فقال - وهو (٢) يَعْتَذِرُ -: يا نبيَّ اللهِ إنما قالها مُتَعَوِّذًا وليس كذلك.
فقال النبيُّ ﷺ: "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟
".
ثم مات قاتلُ الرجلِ فقُبِر، فلفَظته الأرضُ، فذُكِر ذلك للنبيِّ ﵇، فأمَرهم أن يَقْبُروه، ثم (٣) لفَظته الأرضُ، حتى فُعِل به ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فقال النبيُّ ﷺ: "إن الأرْضَ أبت أن تَقْبَلَه فَأَلْقُوه في غارِ مِن الغِيرانِ".
قال مَعْمَرٌ: و (٤) قال بعضُهم: "إن الأرضَ تَقْبَلُ مَن هو شرٌّ منه، ولكن الله جعَله لكم عبرةً (٥) ".
حدَّثنا محمدُ بن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ: أن قومًا مِن المسلمين لقُوا رجلًا مِن المشركين في غُنَيْمَةٍ فقال: السلامُ عليكم، إنى مؤمنٌ.
فظنُّوا أنه يَتَعوَّذُ بذلك، فقتَلوه، وأخَذوا غُنَيْمَتَه، قال: فأنْزَل اللهُ جل ثناؤُه: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيا): تلك الغُنَيْمَةَ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ (٥).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبَ بن (١) أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾.
قال: خرَج المقدادُ بنُ الأسودِ في سريَّةٍ بعَثه رسولُ اللهِ ﷺ، قال: فمرُّوا برجلٍ في غُنَيْمَةٍ له، فقال: إنى مسلمٌ.
فقتله المقدادُ (٢)، فنزَلت هذه الآيةُ: (ولَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحيَاةِ الدُّنْيَا).
قال: الغُنَيْمَةَ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ، نزَل ذلك في رجلٍ قتَله أبو الدرداءِ، فذكَر من قصَّةِ أبي الدرداءِ نحوَ القصةِ التي ذُكِرت عن أسامةَ بن زيدٍ، وقد ذكَرت ذلك (٤) في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
ثم قال في الخبرِ: ونزَل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ [غنمَه التي كانت عرضَ الحياةِ الدنيا ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾.
خيرٌ من تلك الغنمِ] (٥)، إلى قولهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [تبتغون عرضَ الحياة الدنيا)] (١) قال: راعى غنمٍ، لقِيه نفرٌ من المؤمنين، فقتَلوه وأخَذوا ما معَه، ولم يَقْبَلوا منه: السلامُ عليكم، فإنى مؤمنٌ (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليّ بن أبي طلحةَ عن ابن عباسٍ قولَه: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا).
قال: حرَّم اللهُ على المؤمنين أن يقولوا لمن شهِد أن لا إلهَ إلا اللهُ: لستَ مؤمنًا.
كما حرَّم عليهم الميتةَ، فهو آمنٌ على مالِه ودمِه، فلا تَرُدُّوا عليه قولَه (٣).
واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيِّين (٤) والمدنيِّين وبعضُ الكوفيِّين والبصريِّين: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
بالياءِ (٥) والنونِ مِن التبيُّنِ (٦)، بمعنى: التأنِّي والنظرِ والكشفِ عنه حتى يَضِحَ، وقرَأ ذلك عظمُ قَرَأَةِ الكوفيين: (فتَثَبَّتُوا) (٧) بمعنى التثبُّتِ الذي هو خلافُ العَجَلةِ.
والقولُ عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قَرَأَةِ المسلمين بمعنًى واحدٍ وإن اخْتَلَفت بهما الألفاظُ؛ لأن المتثبِّتَ مُتَبَيِّنٌ، والمُتبيِّنَ متثبِّتٌ، فبأيِّ القراءتين قرَأ القارئ فمصيبٌ صوابَ القراءةِ في ذلك.
واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ المكيين والمدنيين والكوفيين: (السَّلَمَ) [بفتحِ السينِ واللامِ] (١) بغيرِ ألفٍ (٢)، بمعنى الاستسلامِ، وقرَأه بعضُ الكوفيين والبصريين (السلامَ) بالألفِ، بمعنى التحيَّةِ (٣).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندنا (٤): (لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ).
بمعنى: مَن اسْتَسلم لكم مُذْعِنًا للهِ بالتوحيدِ مُقِرًّا لكم بملَّتِكم.
وإنما اخْتَرنا ذلك؛ لاختلافِ الرواية في ذلك؛ فمن راوٍ روَى أنه اسْتَسلم بأن شهِد شهادةَ الحقِّ وقال: إنى مسلمٌ.
ومِن راوٍ روَى أنه قال: السلامُ عليكم.
فحيَّاهم تحيةَ الإسلامِ، ومن راوٍ روى أنه كان [مسلمًا بإسلامٍ] (٥) قد تقدَّم منه قبلَ قتِلهم إيَّاه، وكلُّ هذه المعانى يَجْمَعُها السَّلَمُ؛ لأن المسلمَ مستسلِمٌ، والمحيِّىَ بتحيةِ الإسلامِ مستسلمٌ، والمتشهِّدَ (٦) شهادةَ الحقِّ مستسلمٌ لأهلِ الإسلامِ، فمعنى السَّلَمِ جامعٌ جميعَ المعانى التي رُوِيت في أمرِ المقتولِ الذي نزَلت في شأنِه هذه الآيةُ، وليس ذلك في السلامِ؛ لأن السلامَ لا وجهَ له في هذا الموضعِ إلا التحيةُ، فلذلك وصَفنا السَّلَمَ بالصوابِ.
واخْتَلف أهلُ التأويل في تأويل قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: كما كان هذا الذي قتلتموه بعد ما ألْقَى [السَّلَمَ إليكم] (٧) مُسْتَخْفِيًا في قومه بدينِه؛ خوفًا على نفسِه منهم (١)، كنتم أنتم مستخفِينَ بأديانِكم من قومِكم؛ حذَرًا على أنفسِكم منهم، فمنَّ اللهُ عليكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثِيرٍ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
قال: كذلك كنتم من قبلُ تَسْتَخْفُون بإيمانكم كما اسْتَخفى هذا الراعي بإيمانِه (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حبيب بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾: تَكْتُمون إيمانَكم في المشركينَ (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: كما كان هذا الذي قتلتموه بعدَ ما ألْقَى إليكم السَّلَمَ كافرًا (٤) كنتم كفَّارًا، فهداه اللهُ (٥) كما هداكم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: كفَّارًا مثلَه ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾.
وأَوْلى هذين القولينِ بتأويلِ الآيةِ القولُ الأوّلُ، وهو قولُ مَن قال: كذلك كنتُم من قبلُ تُخْفُون إيمانكم في قومِكم مِن المشركينَ، وأنتم مقيمون بينَ أظهرِهم، كما كان هذا الذي قتلتموه مقيمًا بينَ أظهرِ قومِه مِن المشركين، مستخفيًا بدينه منهم.
وإنما قلنا: هذا التأويلُ أَوْلَى بالصواب؛ لأن الله إنما عاتب الذين قتَلوه مِن أهلِ الإيمان بعدَ إلقائِه إليهم السَّلَمَ، ولم يُقَدْ به قاتلوه لِلَّبْسِ الذي كان دخَل في أمرِه على قاتليه بمُقامِه بين أظهرِ قومِه مِن المشركين، وظنِّهم أنه ألقى السَّلَمَ إلى المؤمنين تعوُّذًا منهم، ولم يُعاتِبْهم على قتلِهم إيَّاه مشركًا، فيقالُ: كما كان كافرًا كنتُم كفَّارًا، بل لا وجه لذلك؛ لأن الله جل ثناؤُه لم يُعاتِبْ أحدًا مِن خلقِه على قتلِ محاربٍ للهِ ولرسولِه مِن أهلِ الشركِ بعدَ إذنِه له بقتلِه.
واختلف أيضًا أهل التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: فمَنَّ اللهُ عليكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهلِه، حتى أظهروا الإسلامَ بعدَ ما كانوا يَكْتُمونه مِن أهلِ الشركِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حبيبِ بن أبي عَمْرَةَ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾: فأظْهَر الإسلامَ (١).
وقال آخَرون: معنى ذلك: فمنَّ اللهُ عليكم، أيها القاتلون الذي ألقى إليكم السَّلَمَ طَلَبَ عَرَضِ الحياةِ الدنيا بالتوبةِ مِن قتلِكم إيَّاه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
يقولُ: تاب اللهُ عليكم (١).
وأَوْلى التأويلين في ذلك بالصوابِ، التأويلُ الذي ذكَرْنا عن سعيدِ بن جُبيرٍ؛ لما ذكَرْنا مِن الدلالةِ على أن معنى قولِه: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
ما وصَفْنا مِن (٢) قبلُ، فالواجبُ أن يكونَ عَقِيبَ ذلك: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾.
برفعِ ما كنتم فيه مِن الخوفِ مِن أعدائِكم عنكم بإظهارِ دينِه، وإعزازِ أهله، حتى أمْكَنكم إظهارُ ما كنتم تَسْتَخْفُون به، مِن توحيدِه وعبادتِه، حذارًا (٣) مِن أهلِ الشركِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾: لا يَعْتَدِلُ المتخلِّفون عن الجهادِ في سبيلِ اللهِ من أهلِ الإيمانِ باللهِ وبرسولِه، المُؤْثِرون الدَّعَةَ والخَفْضَ والقعودَ في منازلِهم، على مقاساةِ حُزُونةِ (٤) الأسفارِ، والسيرِ في الأرضِ، ومشقَّةِ ملاقاةِ أعداءِ اللهِ بجهادِهم في ذاتِ اللهِ، وقتالِهم في طاعةِ اللهِ، إلا أهلُ العذرِ منهم بذَهَابِ أبصارهم، وغير ذلك مِن أهلِ (١) العللِ التي لا سبيلَ لأهلها - للضررِ الذي بهم - إلى قتالِهم وجهادِهم في سبيلِ اللهِ، والمجاهدون في سبيلِ اللهِ، ومنهاجِ دينِه؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العليا، المستفرِغون طاقتَهم في قتالِ أعداءِ اللهِ وأعداءِ دينِه (٢) بأموالهم، إنفاقًا لها فيما أوْهَن كيدَ أعداء أهل الإيمان باللهِ وبأنفسِهم، مباشرةً بها قتالَهم، بما تكونُ به كلمةُ اللهِ العاليةَ، وكلمةُ الذين كفَروا السافلةَ.
واخْتَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ ومكةَ والشامِ (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نصبًا (٣)، بمعنى: إلا أولى الضررِ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قَرَأَةِ أهل العراقِ والكوفةِ والبصرةِ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ برفعِ "غير" على مذهبِ النعتِ للقاعدين (٤).
والصوابُ من القراءةِ في ذلك عندَنا: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ).
بنصبِ "غير"؛ لأن الأخبارَ متظاهرةٌ بأن قولَه: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ).
نزَل بعدَ قولِه: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ).
استثناءً مِن قوله: لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ.
ذكرُ (٥) الأخبارِ الواردةِ بذلك حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهَضَمِيُّ، قال: ثنا المُعْتَمِرُ بن سليمان، عن أبيه، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، أن رسولَ الله ﷺ قال: "ائتونى بالكتفِ واللوحِ، فكتب: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ) وعمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ خلفَ ظهرِه، فقال: هل لى مِن رخصةٍ يا رسولَ اللهِ؟
فنزَلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) " (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عيَّاشٍ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
جاء ابن أُمٍّ مكتومٍ وكان أعمَى، فقال: يا رسول اللهِ، كيف وأنا أعمى؟
فما برِح حتى نزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (٢).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي (٣) إسحاقَ، عن البراءِ بن عازبٍ في قولِه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: لمَّا نزَلت جاء عمرُو بنُ أُمِّ مكتومٍ إلى النبيِّ ﵇، وكان ضريرَ البصرِ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما تَأْمُرُني، فإنى ضريرُ البصرِ، فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ، فقال: "ائتوني بالكتف (٤) والدواةِ، أو اللوحِ وَالدواةِ" (٥).
حدَّثني [إسماعيلُ بنُ إسرائيلَ السلالُ (٦) الرَّمْليُّ] (٧)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ ابن المغيرةِ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ أنه قال: لمَّا نزَلت ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
كلَّمه ابن أُمِّ مكتومٍ، فأُنْزِلت (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (١).
حدَّثنا محمدُ بن المُثَنَّى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي (٢) إسحاقَ أنه سمِع البراءَ يقولُ في هذه الآيةِ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) (٣): فأمَر رسولُ اللهِ ﷺ زيدًا، فجاء بكتفٍ فكتَبها، قال: فشكا إليه ابن أُمِّ مكتومٍ ضرارتَه (٤)، فنزَلت: (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (٥).
قال شعبةُ: وأخبرنى سعدُ (٦) بنُ إبراهيمَ، عن أبيه، عن رجلٍ، عن زيدٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾ مثلَ حديثِ البَرَاءِ.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن أبي سِنَانٍ الشَّيبانيِّ، عن أبى (٢) إسحاقَ، عن زيد بن أَرْقَمَ، قال: لَمَّا نزَلتْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ).
جاء ابن أمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، مالى من (١) رخصةٍ؟
فقال (٢): لا.
قال ابن أُمِّ مكتومٍ: اللهمَّ، إنى ضريرٌ فرَخِّصْ لى، فأَنْزل اللهُ: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ)، فأمَر (٣) رسولُ اللهِ ﷺ فكتَبها، يعنى: الكاتبَ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، عن عبدِ الرحمنِ بن إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن سهلِ بن سعدٍ (٥)، قال: رأيتُ مروانَ بنَ الحكمِ جالسًا، فجئتُ حتى جلَستُ إليه، فحدَّثنا أن زيدَ بنَ ثابتٍ حدَّثه "أن رسولَ الله ﷺ أملَى (٦) عليه: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ والمجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ).
قال: فجاء ابن أُمِّ مكتومٍ وهو يُمْلِيها عليَّ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لو أستطيعُ الجهادَ لجاهدْتُ، قال: فأَنزل اللهُ عليه وفخذُه على فخذِي، فثقُلت [حتى ظنَنْتُ أن سترضُّ] (٧) فخذى، ثم سُرِّى عنه، فقال: (غَيْرَ أُوْلِى الضَّرَرِ) (٨).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْريِّ، عن قبيصَةَ بن ذُؤَيْبٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ، قال: "كنتُ أَكْتُبُ لرسولِ اللهِ ﷺ، فقال: "اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيل اللهِ) ".
فجاء عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إني أُحِبُّ الجهادَ في سبيلِ اللهِ، ولكنَّ بى مِن الزَّمانةِ ما قد تَرَى، قد ذهب بصَرِى، قال زيدٌ: فثقُلت فَخِذُ رسولِ اللهِ ﵇ على فخذى حتى خشِيتُ أن تَرُضَّها، ثم قال: "اكْتُبُ: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (١) ".
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابن جُريجٍ، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أن مِقْسمًا مولى عبدِ اللهِ بن الحارثِ أَخْبَرَه أن ابنَ عباسٍ أخْبَره، قال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ (٢).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ [عن ابن جريجٍ] (٣)، قال: أخبرني عبدُ الكريمِ أنه سمع مِقْسَمًا يُحَدِّثُ عن ابن عباسٍ، أنه سمِعه يقولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
عن بدرٍ والخارجون إلى بدرٍ.
لمَّا [نزَل غزو بدرٍ] (٤)، قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ وأبو أحمدَ بنُ جحشِ بن قيسٍ الأسديُّ: يا رسولَ اللهِ، إنَّا (١) أعميان، فهل لنا رخصةٌ؟
فنزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ فسمع بذلك عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ الأعمى، فأتى رسول اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، قد أمرك (٣) اللهُ في الجهادِ ما قد علِمْتَ وأنا رجلٌ ضريرُ البصرِ لا أستطيعُ الجهادَ، فهل لى مِن رُخصةٍ عندَ اللهِ إِن قعَدْتُ؟
فقال له رسولُ اللهِ ﷺ: "ما أُمِرْتُ في شأنِك بشيءٍ ولا (٤) أَدْرِى هل يَكُونُ لك ولأصحابِك من رُخصةٍ؟
".
فقال ابن أُمٍّ مكتومٍ: اللهمَّ إنى أَنْشُدُكَ بَصَرِى!
فَأَنْزَل الله بعد ذلك على رسوله ﷺ، فقال: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
إلى قولِه: ﴿عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ (٥).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدٍ، قال: نزَلت: (لا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فقال رجلٌ أعمى: يا نبيَّ اللهِ، فأنا أُحِبُّ الجهادَ ولا أَسْتَطِيعُ أَن أُجَاهِدَ، فنزَلَت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: حدَّثنا حُصينٌ، عن عبدِ اللهِ بن شدَّادٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ في الجهادِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال عبدُ اللهِ بنُ أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى ضريرٌ كما تَرَى، فنزَلت: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (٢).
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم (٣) عذَر اللهُ أهلَ العُذْرِ مِن الناسِ، فقال: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ).
كان منهم ابن أُمِّ مكتومٍ، ﴿وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) إلى قولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: لمَّا ذُكِر فضلُ المجاهدين (٥)، قال ابن أُمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إنى أعمى ما (٦) أُطِيقُ الجهادَ.
فأنْزَل اللهُ فيه: (غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ) (٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا [محمدُ بنُ عبدِ اللهِ] (١) النُّفَيْليُّ، قال: ثنا زهيرُ بنُ معاويةَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كنتُ عندَ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال لي: "ادْعُ لى زيدًا وقُلْ له: ائْتِ (٢) ".
أو: "يَجِيءُ بالكَتِفِ والدواةِ".
أو "اللوحِ والدواةِ".
الشكُّ من زُهيرٍ "اكْتُبْ: (لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ".
فقال ابن أمِّ مكتومٍ: يا رسولَ اللهِ، إن بعينيَّ ضررًا.
فنزَلت قبلَ أن يَبْرَحَ: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ) (٣).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ البصريُّ (٤)، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنحوهِ، إلا أنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ادعُ لى زيدًا، وَلْيَجِئْ (٥) معه بكَتِفٍ ودَوَاةٍ، أو لوحٍ ودَوَاةٍ" (٦).
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا [عُبيدُ اللهِ] (٧) بنُ موسى، عن إسرائيلَ، عن زِيادِ بن فيَّاضٍ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: لمَّا نزَلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ﴾، قال عمرُو بن أمِّ مكتومٍ: يا ربِّ ابْتَليتنى فكيف أَصْنَعُ؟
قال: فنزَلت: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) (٨).
[حدَّثنا سعيدُ بن الربيعِ المرائيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: قال زيدُ بن ثابتٍ، كنتُ عندَ النبيِّ ﷺ أكْتُبُ ما يُمْلى عليَّ - قال سعيدٌ: قال سفيانُ: وكان أهلُ المدينةِ يُسَمُّونه كاتب الوحي - قال: وفَخِذه على فخذى، قال: فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
اعترض ابن أُمِّ مكتومٍ، فقال النبيُّ ﷺ: " (غيرَ أولى الضررِ) ".
فثقُلت فخذُه على فخذى حتى كادت أن تُحْطَمَ] (١).
وكان ابن عباسٍ يقولُ في معنى: (غيرَ أُولى الضَّرَرِ) نحوًا مما قلنا.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ عن ابن عباسٍ قولَه: (غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ).
قال: أهلُ الضررِ (٢).
[حدَّثنا ابن سنانٍ البزارُ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إدريسَ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: حدَّثنا عاصمُ بن كليبٍ الجَرْميُّ، حدَّثني أبي، أن خالي الفَلَتانَ بنَ عاصمٍ حدَّثه، قال: كُنَّا قعودًا عندَ النبيِّ ﷺ فأنزل اللهُ، وكان إذا أُنْزِل عليه دام بصرُه مفتوحةً عيناه وفرَّغ سمعَه وبصرَه لمَا يأتيه من اللهِ.
قال: وكُنَّا نَعْرِفُ ذلك في وجهِه.
قال: فلمَّا فرَغ قال للكاتب: "اكْتُبْ: (لا يَسْتَوِى القَاعِدُونَ مِنَ المُؤمِنِينَ والمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) ".
إلى آخرِ الآيةِ.
قال: فقام الأعمى فقال: يا رسولَ اللهِ، ما ذنبُنا؟
فأنزل اللهُ على رسولِه ﵇، فقلتُ للأعمى: إنه يُنْزَلُ عليه.
قال: فخاف أن يكون فيه شيءٌ.
قال:] (٣) [فبقِى قائمًا مكانَه يقولُ: أتوبُ إلى اللهِ!
حتى فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ فقال للكاتبِ: "اكتُبْ: (غَيْرَ أُولى الضَّرَرِ) "] (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلّ ثناؤُه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾: فضَّل اللهُ المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم على القاعدين من أُولى الضررِ درجةً واحدةً، يعنى فضيلةً واحدةً، وذلك بفضلِ جهادِه بنفسه، فأمَّا فيما سوى ذلك فهما مستويان.
كما حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا سُوَيْدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبرَنا ابن المُباركِ، أنه سمِع ابن جُريجٍ يقولُ: في: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.
قال: على أهلِ الضررِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جلّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾: وعَد (٣) اللهُ الكلَّ من المجاهدين بأموالِهم وأنفسِهم، والقاعدين مِن أُولى الضررِ الحسنى.
ويعنى جل ثناؤُه بالحسنى: الجنةَ.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾.
وهى الجنةُ، واللَّهُ يُؤْتى كلَّ ذى فضلٍ فضلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: الحسنى الجنةُ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فإنه يعنى: وفضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسِهم على القاعدين مِن غيرِ أولى الضررِ أجرًا عظيمًا.
كما حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾.
قال: على القاعدين مِن المؤمنين غيرِ أولى الضررِ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾: فضائل منه ومنازل من منازلِ الكرامةِ.
واختلف أهل التأويلِ في معنى الدرجات التي قال اللهُ ﷿: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما حدَّثنا به بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً﴾: كان يقالُ: الإسلام درجةٌ، [والهجرةُ في الإسلامِ] (١) درجةٌ، والجهادُ في الهجرة درجةٌ، والقتلُ في الجهادِ درجةٌ (٢).
وقال آخَرون بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: سألتُ ابن زيدٍ، عن قولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾.
قال: الدرجاتُ: هي السبع التي ذكَرها الله في سورةِ "براءة": ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] فقرَأَ حتى بلغ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٢١].
قال: هذه السبعُ الدرجاتِ.
قال: وكان أوَّلَ شيءٍ، فكانت درجةُ الجهادِ مجملَةً، فكان الذي جاهد بمالِه له اسمٌ في هذه، فلمَّا جاءت هذه الدرجاتُ [والتفضيلُ] (٣) أُخْرِج منها، ولم يكن له منها إلا النفقةُ.
ثم قرَأ: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾.
وقال: ليس هذا لصاحبِ النفقةِ.
ثم قرَأ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً﴾.
قال: وهذه نفقةُ القاعدِ (٤).
وقال آخَرون: عُنى بذلك درجاتُ الجنةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا على بن الحسنِ الأَزْديُّ، قال: ثنا الأَشْجَعيُّ، عن سفيانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ (١)، عن ابن مُحَيْرِيزٍ في قولِه: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾.
إلى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ قال: الدرجاتُ سبعون درجةً، ما بينَ الدرجتين حُضُرُ (٢) الفرسِ الجوادِ المُضَمَّر (٣) سبعين سنةً (٤).
وأَوْلَى التأويلاتِ بتأويلِ قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾.
أن يكون معنيًّا به درجاتُ الجنةِ، كما قال ابن مُحَيْرِيزٍ؛ لأن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾.
ترجمةٌ وبيانٌ عن قولِه: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
ومعلومٌ أن الأجرَ إنما هو الثوابُ والجزاءُ، وإذا كان ذلك كذلك، و (٥) كانت الدرجاتُ والمغفرةُ والرحمةُ ترجمةً عنه، كان (٦) معلومًا أن (٥) لا وجهَ لقولِ مَن وجَّه معنى قولِه: ﴿دَرَجَاتٍ﴾.
إلى الأعمالِ وزيادتِها على أعمالِ القاعدين عن الجهادِ كما قال قتادةُ أو (٧) ابن زيدٍ.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الصحيحَ من تأويل ذلك ما ذكَرْنا، فبيِّنٌ أن معنى الكلامِ: وفضَّل اللهُ المجاهدين في سبيلِ اللهِ على القاعدين من غيرِ أُولى الضَّرَرِ أجرًا عظيمًا، وثوابًا جزيلًا، وهو درجاتٌ أعطاهموها في الآخرةِ من درجاتِ الجنةِ، رفَعهم بها على القاعدين بما أَبْلَوْا في ذاتِ اللهِ، ﴿وَمَغْفِرَةً﴾، يقولُ: وصفَح لهم عن ذنوبهم، فتفضَّل عليهم بتركِ عقوبتِهم عليها، ﴿وَرَحْمَةً﴾.
يقولُ: ورأفةً بهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يقولُ: ولم يزل الله غفورًا لذنوب عباده المؤمنين، يصفحُ لهم عن العقوبة عليها، رحيمًا بهم، بتفضُّله عليهم بنعمه، مع خلافِهم أمرَه ونهيه، وركوبِهم معاصيَه.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: إن الذين تَقْبِضُ أرواحَهم الملائكةُ، ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعني: مُكْسِبِي أنفسِهم غضبَ الله وسخطَه.
وقد بيَّنَّا معنى الظلمِ فيما مضَى قبلُ (١)، ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾.
يقولُ: قالت الملائكةُ لهم: فيمَ كنتم؟
في أيِّ شيءٍ كنتم من دينكم؟
﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
يعنى: قال الذين توفَّاهم الملائكةُ ظالمى أنفسِهم: كنَّا مستضعَفين في الأرض، يَسْتَضْعِفُنا أهلُ الشرك بالله في أرضِنا وبلادِنا، بكثرة عَددِهم وقوَّتِهم فيَمْنَعونا من الإيمان بالله، واتباع نبيِّه ﵇.
معذرةٌ ضعيفةٌ، وحُجَّةٌ واهيةٌ، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.
[يعنى قالت لهم الملائكةُ الذين يتوفَّوْنهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾] (٢).
يقولُ: فتَخْرُجوا من أرضِكم ودُورِكم، وتُفارِقوا من يَمْنَعُكم بها مِن الإيمان بالله، واتباعِ رسوله ﷺ إلى الأرض التي يَمْنَعُكم أهلُها من سلطانِ أهلِ الشركِ بالله، فتُوَحِّدوا الله فيها فتَعْبُدُوه، وتَتَّبِعُوا نبيَّه ﷺ، يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾: أي فهؤلاء الذين وصَفتُ لكم صفتَهم، الذين تَوفَّاهُم الملائكةُ ظالمي أنفسِهم، ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
يقولُ: مصيرُهم في الآخرة جهنمُ، وهى مسكنُهم، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
يعنى: وساءت جهنمُ لأهلِها الذين صاروا إليها مصيرًا ومسكنًا ومأوًى.
ثم اسْتَثْنى جل ثناؤُه المستضعَفين الذين اسْتَضعفهم المشركون من الرجال والنساء والولدان؛ وهم العَجَزةُ عن الهجرة بالعُسْرَةِ وقلَّة الحيلة وسوءِ البصرِ والمعرفةِ بالطريق من أرضِهم، أرض الشركِ إلى أرض الإسلام من القوم الذين أخْبَر جل ثناؤُه أن مأواهم جهنمُ، أن تكونَ جهنمُ مأواهم، للعذرِ الذي هم فيه، على ما بيَّنه تعالى ذكرُه.
ونصَب (المستضعَفِينَ) على الاستثناءِ مِن الهاء والميم اللتين في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾.
يقولُ الله جل ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾.
يعني: هؤلاء المستضعَفينَ، يقولُ: لعلَّ الله أن يَعْفُو عنهم للعذر الذي هم فيه وهم مؤمنون، فَيَتَفَضَّلَ عليهم بالصفح عنهم في تركهم الهجرة؛ إذ لم يَتْرُكوها اختيارًا، ولا إيثارًا منهم لدار الكفر على دار الإسلام، ولكن للعجز الذي هم فيه عن النُّقْلَةِ عنها، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] (١)﴾.
يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ ﴿عَفُوًّا﴾.
يعني: ذا صفحٍ بفضلِه عن ذنوبِ عباده، بتركه العقوبةَ عليها، ﴿غَفُورًا﴾: ساترًا عليهم ذنوبَهم بعفوِه لهم عنها.
وذُكِر أن هاتينِ الآيتينِ والتي بعدَهما نزَلت في أقوامٍ من أهلِ مكة كانوا قد أسْلَموا وآمنوا بالله وبرسولِه، وتخلَّفوا عن الهجرة مع رسول الله ﷺ حين هاجر، وعُرِض بعضُهم على الفتنة فافْتَتن، وشهِد معَ المشركين حربَ المسلمين، فأبى الله قبولَ معذرتهم التي اعْتَذروا بها، التي بيَّنها في قوله خبرًا عنهم: ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
ذكرُ الأخبار الواردة بصحةِ ما ذكَرْنا مِن نزولِ الآيةِ في الذين ذكَرْنا أنها نزَلت فيهم حدَّثنا أبو هشامٍ الرِّفاعيُّ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا أَشْعَثُ، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
قال: كان ناسٌ مِن أهل مكة أسْلَموا، فمَن مات منهم بها هلك، قال الله: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾.
إلى قوله: ﴿عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قال ابن عباسٍ: فأنا منهم وأُمِّى منهم.
قال عكرمةُ: وكان العباسُ منهم (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا محمدُ (٢) بنُ شَريكٍ، عن عَمْرِو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: كان قومٌ مِن أهل مكةَ أسْلَموا، وكانوا يَسْتَخْفُونَ بالإسلام، فأَخْرَجهم المشركون يوم بدر معهم، فأُصيب بعضُهم، فقال المسلمون: كان أصحابُنا هؤلاء مسلمين وأُكرِهوا.
فاسْتَغْفَروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى آخرِ الآية، قال: فكُتب إلى مَن بقى بمكة من المسلمين بهذه الآيةِ (١)، لا عذرَ لهم.
قال: فخرَجوا، فلحِقهم المشركون، فأَعْطَوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾.
[العنكبوت: ١٠] إلى آخر الآية، فكتَب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا (٢) وأيِسوا من كلِّ خيرٍ، ثم نزلت فيهم: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠].
فكتَبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجًا، فخرَجوا، فأدْرَكهم المشركون، فقاتَلوهم حتى نجا مَن نجا، وقُتِل مَن قُتِل (٣).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني حَيْوَةُ أو ابن لهيعةَ - الشكُّ مِن يونسَ - عن أبي الأسود، أنه سمِع مولى ابن عباسٍ يقولُ عن ابن عباسٍ: إن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين يُكثِّرون سوادَ المشركين على النبيِّ ﷺ، فيأتى السهمُ يُرْمَى (٤)، فيُصِيبُ أحدهم فيَقْتُلُه، أو يُضْرَبُ فيُقْتَلُ، فأنزل اللهُ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
حتى بلغ: ﴿فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ [ومحمدُ بنُ سنانٍ القزَّاز] (١)، قالا (٢): ثنا أبو عبدِ الرحمنِ المُقْرِئُ، قال: حدَّثنا حَيْوَةُ، قال: أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن نوفلٍ الأسديُّ، قال: قُطع على أهل المدينة بعثٌ (٣)، فاكتُتِبْتُ فيه، فلقِيتُ عكرمة مولى ابن عباسٍ، فنهانى عن ذلك أشدَّ النهي، ثم قال: أخبرني ابن عباسٍ، أن ناسًا مسلمين كانوا مع المشركين.
ثم ذكر مثل حديثِ يونس، عن ابن وهبٍ (٤).
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾: فهم قومٌ تخلَّفوا بعد النبيِّ ﵇ وتركوا أن يَخْرُجوا معه، فمن مات منهم قبل أن يَلْحَقَ بالنبيِّ ﵇ ضرَبت الملائكةُ وجهَه ودُبُرَه (٥).
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قال: نزلت في قيس (٦) بن الفاكهِ بن المغيرةِ، والحارث بن زَمْعَةً (١) بن الأسود بن أسدٍ، وقيس بن الوليد بن المغيرة، [وأبي العاص] (٢) بن منبِّهِ بن الحجَّاج، وعليِّ بن أمية بن خلفٍ.
قال: لمَّا خرج المشركون من قريش وأتباعِهم لمنع أبي سفيان بن حربٍ، وعيرِ قريشٍ من رسول اللهِ ﷺ وأصحابه، [وأن يطلبوا] (٣) ما نِيل منهم يوم نخلة، خرجوا معهم بشبابٍ (٤) كارهين، كانوا قد أسلَموا واجتمعوا ببدرٍ على غير موعدٍ، فقُتلوا ببدرٍ كفَّارًا، ورجعوا عن الإسلام، وهم هؤلاء الذين سمَّيناهم (٥).
قال ابن جُريجٍ: وقال مجاهدٌ: نزلت هذه الآيةُ فيمَن قُتِل يوم بدرٍ من الضعفاءِ من كفار قريشٍ (٦).
قال ابن جُريجٍ: وقال عكرمة: لمَّا نزل القرآنُ في هؤلاء النفر، إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
قال: يعنى الشيخَ الكبيرَ، والعجوزَ والجوارىَ والصغارَ والغلمانَ (٧).
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
إلى قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قال: لمَّا أُسِر العباسُ وعَقِيلٌ ونوفلٌ؛ قال النبيُّ (٨) ﷺ للعباس: "افْدِ نفسك وابنَ أخيك".
قال: يا رسول اللهِ، ألم نُصَلِّ قبلتَك، وَنَشْهَدْ شهادتَك؟!
قال: "يا عبّاسُ، إنكم خاصَمْتُم فَخُصِمْتُم".
ثم تلا عليه (١) هذه الآيةَ: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
فيوم نزلت هذه الآيةُ كان من أسْلَم ولم يُهَاجِرْ فهو كافرٌ، حتى يُهاجِرَ، إلا المستضعفين الذين ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ حيلةً في المالِ، والسبيلُ: الطريق [إلى المدينة] (٢)، قال ابن عباسٍ: كنتُ أنا منهم من الولدانِ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: [أخبرنا عبدُ الرزاق، قال] (٤): أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينارٍ، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: كان ناسٌ بمكة قد شهِدوا أن لا إلهَ إلا الله، فلمَّا خرج المشركون إلى بدرٍ خرجوا (٥) معهم، فقُتلوا، فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ فكتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكة، قال: فخرج ناسٌ من المسلمين حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ طلَبهم المشركون فأدركوهم، فمنهم من أعْطَى الفتنة، فأنزل الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠].
فكتَب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى المسلمين الذين بمكةَ، وأنْزَل الله في أولئك الذين أعْطَوا الفتنة: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا﴾.
إلى: ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦) [النحل: ١١٠].
قال ابن عُيَيْنَةَ: أخبرني محمد بن إسحاق في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قال: هم خمسةُ فتية من قريشٍ: عليُّ بنُ أُمَيَّةَ، وأبو قيسِ بن الفاكه، وزَمْعَةُ بنُ الأسود، و [أبو العاص] (١) بن مُنَبِّهٍ، ونسيتُ الخامسَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
حُدِّثنا أن هذه الآية نزلت (٣) في أناسٍ تكلَّموا بالإسلام من أهل مكةَ، فخرجوا مع عدوِّ اللهِ أبي جهلٍ، فقُتِلوا يوم بدرٍ، فاعتذروا بغير عذرٍ، فأتى الله أن يَقْبَلَ ذلك منهم.
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ أناسٌ مِن أهلِ مكة عذَرهم اللهُ، فاستَثناهم فقال: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
قال: وكان ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (٤) من الذين لا يَسْتَطِيعون حيلةٌ ولا يهتدون سبيلًا (٥).
حُدِّثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبَيْدُ بنُ سليمان (٦)، قال: سمعتُ الضحَّاك يقولُ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
قال: هم أناسٌ من المنافقين تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ، فلم يَخْرُجوا معه إلى المدينةِ، وخرجوا مع مشركي قريشٍ إلى بدرٍ، فأصيبوا يومئذٍ فيمن أُصِيب، فأنزَل اللهِ ﷿ فيهم هذه الآية (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: سألتُه، يعني ابن زيدٍ، عن قولِ الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
فقال: لما بُعث النبيُّ ﷺ وظهر، ونبع الإيمانُ نبع النفاقُ معه (٢)، فأتى إلى رسول اللهِ ﷺ رجالٌ، فقالوا: يا رسول الله، لولا أنَّا نخافُ هؤلاء القومَ يُعَذِّبوننا ويفعَلون بنا ويفعلون لأَسْلَمْنا، لكنَّنا نَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسولُ اللهِ.
فكانوا يقولون ذلك له، فلمَّا كان يومُ بدرٍ قام المشركون، فقالوا: لا يَتَخَلَّفُ عنَّا أحدٌ إلا هدَمْنا دارَه، واسْتَبحنا مالَه.
فخرج أولئك الذين كانوا يقولون ذلك القولَ للنبيِّ ﷺ معهم، فقُتلت طائفةٌ منهم وأسرت طائفةٌ، قال: فأمَّا الذين قتلوا فهم الذين قال اللهُ (٣): ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية كلّها ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.
وتَتْرُكوا هؤلاء الذين يَسْتَضْعِفونكم ﴿فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قال: ثم عذَر الله أهل الصدقِ، فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
يتوجَّهون له ولو خرجوا لهلَكوا، أولئك (٤) عسى الله أن يَعفُوَ عنهم وإقامتِهم بين ظَهْرَانى المشركين، وقال الذين أُسروا: يا رسول الله، إنك تَعْلَمُ أنَّا كُنَّا نَأْتِيك فنَشْهدُ أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وأن هؤلاء القوم أخرجونا (١) معهم خوفًا، فقال الله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
[الأنفال: ٧٠] صنيعَكم الذي صنعتم؛ خروجكم (٢) مع المشركين على النبيِّ ﷺ ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ (٣) فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾.
خرجوا معَ المشركين ﴿فَأَمْكَنَ (٤) مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٥) [الأنفال: ٧١].
حدَّثني محمد بن خالد بن خداشٍ، قال: ثنى أبي، عن حمَّاد بن زيدٍ، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، عن ابن عباسٍ، أنه قال: كنتُ أنا وأمى (٦) ممَّن عذَر اللهُ ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٧).
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن آدم، عن شَرِيكٍ، عن عطاء بن السائبِ، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾.
قال ابن عباسٍ: أنا من المستضعَفين.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾.
قال: مَن [قُتِل من] (٨) ضعفاء كفار قريشٍ يوم بدرٍ (٩).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوه (١).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن [عبد الله بن أبي يزيدَ] (٢)، قال: سمعتُ ابن عباسٍ يقولُ: كنتُ أنا وأمى (٣) من المستضعفين من النساء والولدان (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا حمَّادٌ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن عُبيدِ اللهِ أو إبراهيم بن عبد الله القرشيِّ، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ كان يَدْعُو في دُبُرِ (٥) صلاة الظهر: "اللهم خلِّصِ الوليد وسلمة بن هشامٍ وعيَّاشَ بن أبي ربيعةَ وضَعَفَةَ المسلمينَ مِن أيْدِى المشركين، الذين لا يستطيعونَ حِيلةً ولا يَهْتَدُونَ سبيلًا" (٦).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: مُؤمِنون مستضعَفون بمكة، فقال فيهم (٧) أصحاب محمدٍ ﷺ: هم بمنزلة هؤلاء الذين قُتلوا ببدرٍ ضعفاء مع (١) كفَّارِ قريشٍ، فأَنْزَل الله فيهم: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ الآية (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
وأمَّا قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾.
فإن معناه كما حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرٍو، عن عكرمة في قوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾: مخرجًا (٣)، ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (٤).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾: طريقًا إلى المدينة (٥).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: الحيلةُ: المالُ، والسبيلُ: الطريقُ إلى المدينةِ (٦).
[حدَّثني سعيد بن الربيعِ، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرٍو، عن عكرمة: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
طريقًا إليها.
يعنى إلى المدينة] (١).
وأمَّا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
ففيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون "توفَّاهم" في موضع نصبٍ (٢) بمعنى المضِيِّ؛ لأن "فَعَّلَ" منصوبةٌ في كلِّ حالٍ.
والآخرُ: أن يكون في موضع رفعٍ بمعنى الاستقبالِ، يُراد به: إن الذين تتوَفَّاهم الملائكةُ، فتكونَ إحدى التاءين من "تتوفَّاهم" محذوفةً، وهي [مرادةٌ في] (٣) الكلمة؛ لأن العربَ تَفْعَلُ ذلك إذا اجتمعت تاءانِ في أَوَّلِ الكلمة ربما حذَفت إحداهما وأثبتت الأخرى، وربما أثبتتهما جميعًا (٤).
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠)﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: ومَن يُفارِقْ أَرضَ (٥) الشركِ وأهلَها هربًا بدينِه منها ومنهم إلى أرض الإسلام (٦) وأهلِها المؤمنين، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعنى: في منهاج دينِ اللهِ وطريقه الذي شرعه لخلقه، وذلك الدين القيِّم، ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
يقولُ: يجد هذا المهاجرُ في سبيلِ اللهِ مُراغَمًا كثيرًا، وهو المُضْطَرَبُ في البلادِ والمَذْهَبُ، يقال منه: راغم فلانٌ قومه مُراغَمًا ومُراغمةً، مصدران (١).
ومنه قولُ نابغةِ بنى جَعْدَة (٢): كَطَوْدٍ (٣) يُلاذُ (٤) بأركانِهِ … عزِيزِ الْمُرَاغَمِ والمَهْرَبِ (٥) وقولُه جل ثناؤه: ﴿وَسَعَةٌ﴾.
فإنه يحتمل السَّعةَ في [الرزق، ويحتملُ السعةَ ممَّا كان القومُ فيه من تضييق المشركين عليهم في] (٦) أمر دينهم بمكة، وذلك منعُهم إيَّاهم - كان (٧) - من إظهار دينهم، وعبادة ربِّهم علانيةً، ثم أخبر جل ثناؤه [عمّا لمن] (٨) خرج مهاجرًا مِن أرض الشركِ فارًّا بدينه إلى اللهِ وإلى رسوله، إن أدركته منيَّتُه (٩) قبل بلوغه أرض الإسلام ودار الهجرة، فقال: مَن (١٠) كان كذلك فقد وقع أجرُه على الله، وذلك ثوابُ عمله وجزاءُ هجرته وفراق وطنه وعشيرتِه إلى دار الإسلام وأهل دينه.
يقولُ جل ثناؤه: و (١١) مَن خرج (١٢) مهاجرًا مِن دارِه إِلى اللهِ وإلى (١٣) رسوله، فقد (١٤) استوجَب ثوابَ هجرته و (١٥) إن لم يَبْلُغْ دار هجرته؛ باخترام المنيةِ إياه قبل بلوغِه إياها على ربِّه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يقولُ: ولم يَزَلِ اللهُ تعالى ذكره ﴿غَفُورًا﴾.
يعني: ساترًا ذنوب عباده المؤمنين بالعفو لهم عن العقوبة عليها، ﴿رَحِيمًا﴾.
بهم رفيقًا.
وذكر أن هذه الآية نزلت بسبب بعض من كان مقيمًا بمكة وهو مسلمٌ، فخرج لمَّا بلغه أن الله أَنْزَل الآيتين قبلها، وذلك قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، فمات في طريقه قبل بلوغه (١) المدينة.
ذكرُ الأخبار الواردة بذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
قال: كان رجلٌ مِن خُزاعةَ يُقالُ له: ضَمْرَةُ بنُ العِيصِ أو العيصُ بِنْ ضَمْرَةَ بن زِنْباعٍ، قال: فلمَّا أُمِرُوا بالهجرة كان مريضًا، فأمر أهلَه أن يَفْرِشوا له على سريرِه ويَحْمِلوه إلى رسول الله ﷺ.
قال: ففعلوا، فأتاه الموتُ وهو بالتنعيم، فنزلت هذه الآية (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ، أنه قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
في ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن الزِّنْباع، أو فلانِ بن ضَمْرَةَ بن العِيصِ بن الزِّنْبَاعِ حين بلغ التنعيم فمات (١) فنزلت فيه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرو بن عونٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ بن حوشبٍ، عن إبراهيم التيميِّ بنحو حديث يعقوب، عن هُشَيْمٍ، قال: وكان رجلًا من خزاعة.
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
الآية، قال: لمَّا أَنْزَل الله هؤلاء الآيات في (٢) رجلٍ مِن المؤمنين يقال له: ضَمْرَةُ.
بمكة، قال: والله، إن لى مِن المال ما يبلِّغنى المدينة وأبعد منها، وإني لأَهْتَدِى، أخرجوني.
وهو مريضٌ يومئذٍ، فلمَّا جاوز الحرم قبضه الله فمات، فأَنْزَل الله ﵎: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ [وَرَسُولِهِ] (٣)﴾ الآية (٤).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة، قال: لما نزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال رجلٌ من المسلمين يومئذ وهو مريض: والله ما لي مِن عذرٍ؛ إنى لدليلٌ بالطريق: وإني لموسرٌ، فاحملوني.
فحملوه فأدركه الموتُ بالطريق، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ (٤).
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا ابن عُيَيْنَةَ، عن عمرو بن دينار، قال: سمعتُ عكرمة يقولُ: لمَّا أَنْزَل الله في الذين كانوا بمكةَ ثم خرجوا مع المشركين إلى بدر ثم قُتِلوا قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، الآيتين؛ قال رجلٌ مِن بنى ضَمْرَةَ - وكان مريضًا: أخرجوني إلى الروح (١).
فأخرجوه، حتى إذا كان بالحَصْحَاص (٢) مات فنزَل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن المُنْذِرِ بن ثَعْلَبَةَ، [عن عِلْباءَ بن أحمر (٤)] (٥) اليَشكرى (٦) في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
قال: نزلت في رجُلٍ مِن خُزاعة (٧).
[حدَّثنا محمدُ بنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا قُرَّةُ، عن الضحَّاكِ في قوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
قال: لمَّا سمع رجلٌ مِن أهل مكة أن بني كنانة قد ضربت وجوههم وأدبارَهم الملائكةُ، قال لأهله: أَخْرِجونى.
وقد [أدنف للموتِ] (٨)، قال:] (٩) [احملوني (١).
فاحْتُمِل حتى انتهى إلى عقَبةٍ قد سمَّاها، فتوفِّى، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية] (٢).
حدَّثنا محمدُ [بنُ الحسينٍ (٣)] (٤)، قال: ثنا أحمدُ [بنُ مُفَضَّلٍ] (٤)، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا سمِع هذه - يعنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾.
إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا (٥)﴾ - ضَمْرَةُ بنُ جُنْدَبٍ الضمريُّ، قال لأهلِه وكان وَجِعًا: أَرْحِلوا راحلتي، فإن الأَخْشَبَين قد غمَّاني، يعنى جبلَىْ مكةً، لعلى أن أخْرُجَ [قبل التنعيم] (٦) فيُصيبَني رَوْحٌ.
فقعد على راحلته ثم توجَّه نحوَ المدينة فمات في الطريقِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.
وأَمَّا حِينَ توجَّه نحو المدينة، فإنه قال: اللهمَّ إنى مهاجرٌ إليك وإلى رسولك (٧).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة، قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ، يعنى (٨) قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
قال [جُنْدُبُ بنُ ضَمْرَةَ] (٩) الخُزاعيُّ (١٠): اللهمَّ أبْلَغَتَ في (١١) المعذرة والحُجَّة، و (١) لا معذرةَ لى ولا حُجَّةَ.
قال: ثم خرَج وهو شيخٌ كبيرٌ فمات ببعض الطريق، فقال أصحابُ رسول الله ﷺ: مات قبل أن يُهاجِرَ، فلا ندرى (٢) أعلى ولاية هو (٣) أم لا؟
فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٤).
حُدِّثتُ (٥) عن الحسين بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، يقولُ (٦): أخبرنا عُبيدُ [بنُ سليمان] (٧)، قال: سمِعتُ الضحَّاكَ يقولُ: لمَّا أنْزَل الله في الذين قُتلِوا مع مشركي قريشٍ ببدرٍ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
سمِع ما أنزل الله فيهم رجلٌ مِن بنى ليثٍ كان على دين النبيِّ ﵇ مقيمًا بمكة، وكان ممن عذَر الله وكان شيخًا كبيرًا وَصِبًا (٨)، فقال لأهله: ما أنا ببائتٍ الليلة بمكة.
فخُرج (٩) به مريضًا (١٠) حتى إذا بلَغ التنعيمَ من طريق المدينة أدركه الموتُ، فنزل فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (١١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرني ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال: و (١) هاجَر رجلٌ من بنى كنانةَ يُرِيدُ النبيَّ ﷺ، فمات في الطريق، فسخِر به قومُه واسْتَهزءوا به، وقالوا: لا هو بلَغ الذي يُريدُ، ولا هو أقام في أهله يقومون عليه ويُدْفَنُ.
قال: فنزل القرآنُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرِيُّ، قال: ثنا [محمدُ بنُ] (٣) شَرِيكٍ، عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا (٤) نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، فكان بمكة رجلٌ يقالُ له: ضَمْرَةُ، من بنى بكرٍ وكان مريضًا، فقال لأهلِه: أَخْرِجوني مِن مكةَ، فإنى أَجِدُ الحرَّ.
فقالوا: أين نُخرجُك؟
فأشار بيده نحو المدينة، فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية (٥).
حدَّثنا الحارثُ [بنُ أبي أسامة (٧)] (٦)، قال: ثنا عبدُ العزيز بنُ أبانٍ، قال: ثنا قيسٌ، عن سالمٍ الأفطسِ، عن سعيد بن جُبيرٍ، قال: لمَّا نزَلت هذه الآية: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قال: رخَّص فيها قومٌ من المسلمين ممن كان بمكة من أهل الضررِ، حتى نزلت فضيلةُ المجاهدين على القاعدين، [فقالوا: قد بيَّن الله فضيلة المجاهدين على القاعدين] (١)، ورخّص لأهلِ الضَّرَرِ، حتى نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
قالوا: هذه موجبةٌ.
حتى نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، فقال ضمرةُ بنُ العيص (٢) الزرقيُّ (٣) - أحدُ بني ليثٍ، وكان مُصابَ البصر -: إني لذو حيلةٍ، لى مالٌ ولى رقيقٌ، فاحملوني.
فخَرَج وهو مريضٌ، فأدركه الموتُ عندَ (٤) التَّنْعيم، فدُفِن عندَ مسجد التَّنْعيم، فنزَلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ الآية (٥).
واختَلف أهلُ التأويل في تأويلِ المُراغَمِ (٦)؛ فقال بعضُهم: هو التَّحوُّلُ مِن أَرضِ إلى أرضٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثني أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
قال: المُرَاغَمُ التَّحَوُّلُ من [أرضٍ إلى أرضٍ] (١).
حُدِّثتُ (٢) عن الحسين (٣) بن الفرج، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سَمِعت الضَّحَّاك، يقولُ في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يقولُ: متَحَوَّلًا (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
قال: مُتَحَوَّلًا (٥).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، [قال: ثنى حَجَّاجٌ] (٦)، قال: ثنا أبو سُفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن الحسن أو قتادة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
قال: مُتَحَوَّلًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾.
قال: مَنْدوحَةً عما يَكْرَهُ (٧).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفة، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ [في قولِ اللهِ] (٨): ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
قال: مُزَحْزَحًا عما يَكْرَهُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾.
قال: مُتَزَحْزَحًا عما يَكْرَهُ.
وقال آخرون: مُبْتَغَى معيشةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّل، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا﴾.
يقولُ (١): مُبْتَغَى المعيشة (٢).
وقال آخرون: [المُرَاغمةُ المُهاجرةُ] (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: المُراغَمُ المُهاجَرُ (٤).
قال أبو جعفرٍ: وقد بَيَّنَّا أولى الأقوال بالصوابِ في ذلك فيما مَضَى قبلُ.
واختَلفوا أيضًا في معنى السَّعَةِ التي ذكرها الله في هذا الموضعِ، فقال: ﴿وَسَعَةً﴾؛ فقال بعضُهم: هي السَّعَةُ في الرِّزْقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال: السَّعَةُ (١) الرزق (٢).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع في قوله: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال: السَّعَةُ في الرزق (٣).
حُدِّثتُ عن الحسين بن الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخبَرنا عُبَيدُ [بنُ سليمان (٤)] (٥)، قال: سَمِعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَسَعَةً﴾.
يقولُ: سَعَةٌ في (٦) الرزق (٧).
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثناه بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾.
قال (٨): إي والله؛ مِن الضلالة إلى الهدى، ومِن العَيْلَةِ إلى الغِنى (٩).
قال أبو جعفرٍ ﵀: وأَوْلَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله ﵎ أخبر أن مَن هاجَر في سبيله يَجِدْ في الأرضِ مُضْطَرَبًا ومُتَّسَعًا.
وقد يَدخُلُ في السَّعَةِ السَّعَةُ في الرزقِ والغِنَى مِن الفَقْرِ، ويَدخُل فيه السَّعَةُ مِن ضِيقِ الهَمِّ والكَرْبِ الذي كان فيه أهلُ الإيمان بالله من المشركين بمكةَ، وغيرُ ذلك من معاني السَّعَةِ، التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَجِ مِن مَكْرُوهِ ما كَرِهِ اللهُ للمؤمنين [لمُقامِهم بينَ ظَهْرَانَي] (١) المشركين وفى سُلطانهم.
ولم يَضَعِ اللهُ دَلالةً على أنه عَنَى بقوله: ﴿وَسَعَةً﴾.
بعضَ معاني السَّعَةِ التي وَصَفنا، فكلُّ مَعاني السَّعَةِ التي هي بمعنى الرَّوْحِ والفَرَج مما كانوا فيه من ضيق العيشِ، وغَمِّ جِوارِ أهلِ الشِّرْكِ، وضِيقِ الصَّدْرِ، بتَعَذُّرِ (٢) إظهار الإيمان بالله، وإخلاص توحيده، وفِراقِ الأندادِ والآلهة - داخلٌ في ذلك.
وقد تأوَّل قومٌ من أهل العلم هذه الآيةَ - أعنِى قولَه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ - أنها [حكمٌ في] (٣) الغازى يَخرُجُ للغزو، فيدْرِكُه الموتُ بعد ما يَخرُجُ مِن (٤) مَنْزله فاصلًا (٥)، فيموتُ، أن له سَهْمَه مِن المَغْنَمِ، وإن لم يكن شَهِد (٦) الوقعة.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا يوسفُ بنُ عَدِيٍّ، قال: حدَّثنا ابن المبارك، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي (٧) حبيبٍ، أن أهل المدينة يقولون: مَن خَرَج فاصِلًا وَجَب سهمُه.
وتأوَّلوا قولَ اللهِ جلّ ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
وإذا سرتُم أيُّها المؤمنون في الأرضِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾.
يقولُ: فليس عليكم حَرَجٌ ولا إثمٌ ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
يعنى أن تَقْصُروا من عددِها، فتُصَلُّوا ما كان (١) عددُه منها في الحَضَرِ وأنتم مُقيمون أربعًا اثنتين، في قول بعضهم.
وقيل: معناه: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من الصلاة التي (٢) عددُها في حالٍ ضَرْبكم في الأرضِ اثنتانِ (٣) إلى واحدة في قول آخرين.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا جُناحَ عليكم أن تَقْصُروا من حدودِ الصلاة.
﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يعنى: إن خَشِيتُم أَن يَفْتِنَكم الذين كَفَروا في صلاتكم.
ويشتهم إياهم فيها (٤): حَمْلُهم عليهم وهم فيها ساجدون، حتى يقتلوهم أو يَأْسِرُوهم، فيَمْنَعُوهم من إقامتِها وأدائِها، ويحُولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له.
ثم أخبرهم جلّ ثناؤه [عما عليه] (٥) أهل الكفر لهم، فقال لهم (٦): ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
يعني الجاحدين وَحْدانيةَ اللهِ ﴿كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، يقولُ: عَدُوًّا قد أبانوا لكم عَداوتهم، بمُناصبتهم لكم الحربَ على إيمانكم بالله وبرسوله، وتركِكم عبادة ما يعبدون (١) من الأوثان والأصنامِ، ومخالفتِكم ما هم عليه من الضلالةِ.
واختلف أهلُ التأويل في معنى القَصْرِ الذي وَضَعَ اللهُ الجُناحَ فيه عن (٢) فاعلِه؛ فقال بعضُهم: [هو القصرُ] (٣) في السَّفَرِ مِن الصلاة التي كان واجبًا إتمامُها (٤) في الحضرِ أربع ركعاتٍ، فأذن في قَصْرِها في السفر إلى اثنتين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عُبَيدُ بنُ إسماعيلَ الهَبَّارِيُّ (٥)، قال: ثنا عبد الله بن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن (٦) أبي عَمَّارٍ، عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، عَن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ (٧)، قال: قلتُ لعمر بن الخطابِ ﵁: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.
وقد أمِن الناسُ؟
فقال: عَجِبتُ مما عجبت منه (٨)، حتى سألت النبيَّ ﷺ عن ذلك، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته" (٩).
حدَّثني أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، عن ابن جُريجٍ، عن ابن أبي عَمَّارٍ، عن عبد اللهِ بن بَابَيْهِ، عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ، عن عمر، عن النبيِّ ﷺ مثلَه.
حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا محمد بن أبي عَدِيٍّ، عن ابن جريجٍ، قال: سمعت عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن أبي عَمَّارٍ، يُحَدِّثُ عن عبدِ اللهِ بن بَابَيْهِ، يُحَدِّثُ عن يعلى بن أُمَيَّةَ، قال: قُلتُ لعمر بن الخطابِ: أَعجَبُ مِن قصْرِ الناسِ الصلاةَ، وقد أَمِنوا، وقد قال الله ﵎: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فقال عمرُ: عَجِبتُ ممّا عجبت منه، فذَكَرتُ ذلك لرسول الله ﷺ، فقال: "صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بها عليكم، فاقبلوا صَدَقته".
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا هشام بن عبد الملك، قال: ثنا أبو عوانة، عن قَتادةَ، عن أبي العالية، قال: سافرت إلى مكة، فكنتُ أُصَلِّي ركعتين، فَلَقِينِي قُرَّاءٌ مِنْ أَهْلِ هذه الناحية، فقالوا: كيف تُصَلِّى؟
قلتُ: ركعتين.
قالوا: أَسُنَّةٌ أم (١) قرآن؟
قلت: كلُّ ذلك (٢)، سنةٌ وقرآنٌ.
قلت: صَلَّى رسول الله ﷺ ركعتين.
قالوا: إنه كان في حربٍ.
قلت: قال الله: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧].
و (٣) قال: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فقرَأ حتى بلغ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ (٤).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبد الله بن هاشمٍ، قال: أخبرنا سيفٌ (١)، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي (٢) أيوبَ، عن عليٍّ ﵁، قال: سأل قومٌ من التُّجَّار رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنَّا نَضْرِبُ (٣) في الأرض، فكيف نُصَلِّي؟
فأنزل الله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
ثم انقطع الوَحْىُ، فلما كان بعد ذلك بحَوْلٍ، غَزا (٤) النبيُّ ﵇، فصَلَّى الظُّهْرَ، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمدٌ وأصحابه من ظهورهم، هَلَّا (٥) شَدَدتُم عليهم.
فقال قائلٌ منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها.
فأنزل اللهُ ﵎ بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، فنزَلَت صلاةُ الخوفِ (٦).
قال أبو جعفر: [وهذا من تأويل الآية حسنٌ] (٧)، لو لم يكن في الكلام "إذا"، [ولكن قوله: ﴿وَإِذَا﴾] (٨) تؤذِنُ بانقطاع ما بعدَها عن معنى ما قبلها، ولو لم يكن في الكلام "إذا"، كان (٩) معنى الكلام على هذا التأويل الذي رواه سَيْفٌ، عن أبي رَوْقٍ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾، أيُّها المؤمنون، ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في صلاتكم، وكنت فيهم يا محمد، ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية.
وبعدُ (١)، فإن ذلك فيما ذُكر في قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ (٢): (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناحٌ أن تَقْصُروا من الصلاة (٣) أن يَفْتِنَكم الذين كفروا).
حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا عبد العزيز، قال: ثنا الثوريُّ، عن واصل بن حَيَّانَ (٤)، عن عبدِ اللهِ بن عبدِ الرحمنِ بن أَبْرَى، عن أبيه، عن أُبَيٍّ بن كعبٍ، أَنَّه كان يَقْرَأُ: (فاقْصُروا (٥) من الصلاة أن يَفْتِنَكم الذين كفروا).
ولا يقرأُ: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا بكرُ بنُ شَرودٍ (٦)، عن الثوريِّ، عن واصلٍ الأحدبِ، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أُبيٍّ بن كعبٍ أنه قرأ: (أن تَقْصُروا من الصلاةِ أنْ يفتنكم الذين كفروا).
قال بكرٌ: وهى في الإمامِ، مصحفِ عثمان بن عفان ﵀: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٧).
[وهذه القراءة تُنبِئُ على أن قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾] (٨).
مُواصِلٌ (١) قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
وأن معنى الكلام: وإذا ضَرَبْتُم في الأرض، فإن خِفْتُم أن يَفْتِنَكم الذين كفروا، فليس عليكم جُناحُ أن تَقْصُروا من الصلاة، وأن قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ قصةٌ مُبْتَدَأَةٌ غيرُ قصة هذه الآية؛ وذلك أن تأويل قراءةِ (٢) أَبَيِّ بن كعبٍ هذه التي ذكرناها عنه: وإذا ضربتُم في الأرضِ فليس عليكم جناحٌ أن تقصُروا من الصلاةِ أن لا يفتتكم الذين كفروا.
فحُذفت "لا" لدَلالة الكلام عليها، كما قال جلّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦].
بمعنى: أن لا تَضِلُّوا.
ففىما وَصَفْنا دَلالةٌ بَيِّنَةٌ على فسادِ التأويل الذي رواه سيفٌ، عن أبي روقٍ.
وقال آخرون: بل هو القَصْرُ في السفر، غير أنه إنما أذن جل ثناؤُه به للمسافر، في حالِ خَوْفِهِ مِن عدوٍّ يَخْشَى أَن يَفْتِنَه في صلاته.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو عاصمٍ عمرانُ بنُ محمدٍ الأَنْصَارِيُّ، قال: ثنا [عبدُ الكبير] (٣) بنُ عبد المجيد، قال: حدَّثنا محمدُ (٤) بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن (٥) عبدِ الرحمن بن أبى بكر الصديق، قال: سمعتُ أبى، يقولُ: سَمِعتُ عائشة تقولُ في السفرِ: أتِمُّوا صلاتكم.
فقالوا: إن رسول الله ﷺ كان (١) يُصَلِّي في السفر ركعتين؟
فقالت: إن رسول الله ﷺ كان في حربٍ (٢)، وكان يخافُ، هل تخافون أنتم؟
(٣) حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحَكَم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيْكٍ، قال: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شهابٍ، عن أُمَيَّةَ بن عبدِ اللهِ بن خالد بن أَسِيدٍ، أنه قال لعبد اللهِ بن عمرَ: إِنَّا نَجِدُ في كتابِ اللَّهِ قَصْرَ [صلاة الخوف] (٤)، ولا نَجدُ قَصْرَ صلاةِ المسافر؟
فقال عبد الله: إنَّا وَجَدْنا نَبِيَّنا ﷺ يَعْمَلُ عملًا عَمِلْنا به (٥).
حدَّثنا عليُّ بن سهلٍ الرَّمليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، أن عائشةَ كانت تُصَلِّي في السفر أربعًا (٦).
حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنى أبى، قال: ثنا ابن جُريجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيُّ أصحاب رسولِ اللهِ ﵇ كان يُتِمُّ الصلاة في السفرِ؟
قال: عائشةُ وسعدُ بن أَبِي وَقَّاصٍ (١).
وقال آخرون: بل عَنَى بهذه الآيةِ، قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في غيرِ حالِ المُسَايَفةِ.
قالوا: وفيها أُنْزِلتْ (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾.
قال: يومَ كان النبيُّ ﵇ وأصحابُه بعُسْفانَ (٣)، والمشركون بضَجْنَانَ (٤)، فَتَواقَفوا (٥)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابِه صلاةَ الظهرِ ركعتَين، أو أربعًا - شَكّ أبو عاصمٍ - ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغيروا على أمتعاتِهم (٦) وأثقالِهم، فأنزَل الله عليه: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
فصَلَّى العصرَ، وصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون سَجْدةً (٧)، والآخَرون قيامٌ، ثم سَجَد الآخَرون حينَ قامَ النبيُّ ﷺ، ثم كَبَّر بهم ورَكَعوا جميعًا، فتَقَدَّم الصَّفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصفُّ الأَوَّلُ، فَتَعاقَبوا السُّجودَ، كما فَعَلُوا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وقَصَر صلاةَ العصرِ إلى الركعتَين (١).
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثني شِبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بعُسْفانَ، والمشركون بضَجْنَان، فتَواقَفوا (٢)، فصَلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابهِ (٣) صلاةَ الظهرِ ركعتَين؛ ركوعُهم وسجودُهم وقيامُهم معًا (٤) جميعًا، فَهَمَّ بهم المشركون أن يُغِيروا على أمتِعَتِهم (٥) وأثقالِهم، فأنزَل الله ﵎: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
فصَلَّى صلاةَ العصرِ؛ فصَفَّ أصحابَه صَفَّين، ثم كَبَّر بهم جميعًا، ثم سَجَد الأَوَّلون لسجودِه (٦)، والآخَرون قيامٌ لم يسجُدوا، حتى قامَ النبيُّ ﷺ ثم كَبَّر (٧) وركَعوا جميعًا، فتقدَّمَ الصفُّ الآخَرُ، واستأخَر الصَّفُّ المُقَّدمُ، فتَعاقَبوا السجودَ كما فعَلوا (٨) أَوَّلَ مَرَّةٍ، [وقَصُرَت] (٩) صلاةُ العصرِ إلى ركعتَين.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: حدَّثني جَرِيرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى (١٠) عَيَّاشِ الزَّرَقيِّ، كُنَّا مع النبيِّ ﵇ بعُسْفانَ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ، قال: فَصَلَّينا الظهرَ، فقال المشركون: لقد (١) كانوا على حالٍ، لو أرَدْنا لأَصَبْنا غِرَّةً، لأَصَبْنا غَفْلَةً.
فَأُنزِلَت آيةُ القَصْرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فأخَذ الناسُ السلاحَ، وصَفَّوا خلفَ رسولِ الله ﷺ مُسْتَقْبِلى القبلةِ والمشركون مُسْتَقْبلُوهم (٢)، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسَه ورفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم سَجَد هؤلاء، ثم نَكَص الصفُّ الذي يَلِيه، وتَقَدَّم الآخَرون فقاموا في مُقامِهم، فرَكَع رسولُ الله ﷺ فرَكَعوا جميعًا، ثم رَفَع رأسه فرَفَعوا جميعًا، ثم سَجَد وسَجَد الصَّفُّ الذي يَلِيه، وقام الآخَرون يَحْرُسونهم، فلما فَرَغ هؤلاء مِن سجودِهم، سَجَد هؤلاء الآخَرون، ثم استَوَوا معهم (٣) فقَعَدوا جميعًا، ثم سَلَّم عليهم جميعًا، فصلَّاها (٤) بعُسْفانَ، وصلَّاها يومَ بنى (٥) سُلَيمٍ (٦).
وحدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسى، عن شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقيِّ، و (١) عن إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ (٢) قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ بعُسْفَانَ.
ثم ذكَر نحوَه (٣).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بنُ هشامٍ، قال: حدَّثني أبى، عن قتادةَ، عن سليمانَ (٤) اليَشْكُرِيِّ، أنه سأل جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ عن إقصارِ الصلاةِ، أيَّ يومٍ أُنْزِل؟
أو في أيِّ يومٍ هو؟
فقال جابرٌ: انطلَقنا نَتَلقَّى عِيرَ قريشٍ آتيةً مِن الشأمِ، حتى إذا كُنَّا بنَخْلٍ، جاء رجلٌ مِن القومِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا محمدُ.
قال: "نعم".
قال: هل تخافُني؟
قال: "لا".
قال: فمَن يَمْنَعُك منى؟
قال: "اللَّهُ يَمْنَعُنى مِنْكَ".
قال: فَسَلَّ السيفَ، ثم هَدَّده وأوعَده، ثم نادَى بالرحيلِ (٥)، وأخَذ السلاحَ، ثم نُودِيَ بالصلاةِ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ بطائفةٍ مِن القومِ، وطائفةٌ أخرى تَحْرُسُهم، فصَلَّى بالذين يَلُونه ركعتَين، ثم تأخَّر الذين يَلُونه على أعقابِهم، فَقاموا في مَصَافِّ (٦) أصحابِهم، و (٧) جاء الآخرون، فصَلَّى بهم ركعتَين، والآخرون يَحْرُسونهم، ثم سَلَّم.
فكانت للنبيِّ ﷺ أربعَ ركعاتٍ، وللقومِ ركعتَين ركعتيَن، فيومَئذٍ أنزَل الله في إقصارِ الصلاةِ، وأمَر المؤمنين بأخْذِ السلاحِ (٨).
وقال آخرون: بل عَنَى بها قَصْرَ صلاةِ الخوفِ في حالٍ غيرِ شدةِ الخوفِ، إلَّا أنه عَنَى به القَصْرَ من (١) صلاةِ السفرِ، لا من (٢) صلاةِ الإقامةِ، قالوا: وذلك أن صلاةَ السفرِ في غيرِ حالِ الخوفِ ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، كما أن صلاةَ الإقامةِ أربعُ ركعاتٍ في حالِ الإقامةِ.
قالوا: فقَصُرَت في السفرِ في حالِ الأمنِ غيرِ الخوفِ عن صلاةِ المُقِيمِ، فجُعِلَت على (٣) النصفِ، وهى تمامٌ في السفرِ، ثم قَصُرَت في حالِ الخوفِ في السفرِ عن صلاةِ الأمنِ فيه، فجُعِلَت على النصفِ، ركعةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسباطٌ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
إلى قولِه: ﴿عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
إن الصلاةَ إذا صُلِّيَتْ ركعتَين في السفرِ فهو (٤) تَمامٌ.
والتقصيرُ لا يَحِلُّ، إلا أن تخافَ من الذين كفَروا أن يَفْتِنوك عن الصلاةِ.
والتقصيرُ فيه (٥) ركعةٌ، يقومُ الإمامُ، ويقومُ جندُه جندَين؛ طائفةٌ خلفَه، وطائفةٌ يُوازون العدوَّ، فيُّصَلِّي بمَن معه ركعةً، ويمشُون إليهم على أدبارِهم حتى (٦) يَقوموا في مُقامِ أصحابهم، وتلك المِشْيَةُ القَهْقَرَى.
ثم تأتى الطائفةُ الأخرى، فتُصَلِّى مع الإمامِ ركعةً أخرى، ثم يَجلِسُ الإمامُ فيُسَلِّمُ، فيَقُومون فيُصَلُّون لأنفسِهم ركعةً، ثم يَرْجِعون إلى صَفِّهم، ويقومُ الآخرون فيُضِيفون إلى ركعتِهم ركعةً.
والناسُ يقولون: لا، بل هي ركعةٌ واحدةٌ، لا يُصَلِّى أحدٌ منهم إلى ركعتِه شيئًا، تُجزِئُه ركعةُ الإمامِ.
فيكونُ للإمامِ ركعتان، ولهم ركعةٌ، فذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ القُرَشِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سألتُ ابنَ عمرَ عن صلاةِ السفرِ؟
فقال: ركعتان تمامٌ غيرُ قَصْرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافةِ.
فقلتُ: وما صلاةُ المخافةِ؟
قال: يُصَلِّي الإمامُ بطائفةٍ ركعةً، ثم يَجِيء هؤلاء مكانَ هؤلاء، ويَجِيءُ (٢) هؤلاء (٣) مكانَ هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً، فيكونُ للإمامِ ركعتان (٤)، ولكلِّ طائفةٍ ركعةٌ ركعةٌ (٥).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى (٦)، قال: ثنا سفيانُ، عن سالمٍ الأفْطَسِ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كيف تكونُ قَصْرًا وهم يُصَلُّون ركعتَين (٢)، إنما هي ركعةٌ (٧).
حدَّثني سعيدُ بنُ عمرٍو السَّكُونيُّ، قال: ثنا بَقِيَّةُ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال: ثنى يزيدُ الفقيرٌ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: صلاةُ الخوفِ ركعةٌ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، قال: ثنى بكرُ بنُ سَوادةَ، أن زيادَ بنَ نافعٍ حدَّثه، عن كعبٍ، وكان مِن أصحابِ رسول الله ﷺ ما قُطِعَت يَدُه يومَ اليمامةِ، أن صلاةَ الخوفِ لكلِّ طائفةٍ ركعةٌ وسجدَتان (٢).
واعتَلَّ قائلو هذه المقالة [مِن الآثار] (٣) بما حدَّثنا به محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال (٤): ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنى أشعثُ بنُ أبى الشَّعْثاءِ، عن الأسودِ بن هلالٍ، عن ثَعْلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، قال: كُنَّا مع سعيدِ بن العاصِ بطَبَرِسْتانَ، فقال: أيُّكم يَحْفَظُ صلاةَ رسولِ الله ﷺ في الخوفِ؟
فقال حُذَيفةُ: أنا.
فأَقامنا خلفَه صَفًّا وصفًّا (٥) موازىَ العدوِّ، فصلَّى بالذين يَلُونه ركعةً، و (٦) ذهَب هؤلاء إلى مَصافِّ أولئك، [وجاء هؤلاءِ فصلَّى بهم ركعةً] (٧).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا [يحيى و] (١) عبد الرحمن، قالا (٢): ثنا سُفيانُ، عن الرُّكينِ بن الربيع، عن القاسم بن حَسَّانَ، قال: سألتُ زيد بن ثابت عنه، فحَدَّثنى بنحوه (٣).
[حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن الأشْعَثِ، عن الأسود بن هلالٍ، عن ثعلبةَ بن زَهْدَمٍ اليَرْبُوعِيِّ، عن حُذيفة بنحوه] (٤).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال حدَّثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثنا أبو بكر بنُ أبى الجهم، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباسٍ، أن رسول الله ﷺ صلى بذى قَرَدٍ (٥) نَصَفُ الناس خلفه صفَّين؛ صَفًّا خلفَه، وصفًّا موازى العدوِّ، فصلَّى بالذين خلفه ركعةٌ، ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء، وجاء أولئك، فصلَّى بهم ركعةً، ولم يقضوا (٦).
حدَّثنا تميمُ بنُ المُنتَصِرِ، قال: حدَّثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن شَرِيكٍ، عن أبي بكر بن صُخَيْرٍ (١)، عن عُبَيدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ، عن ابن عباسٍ مثله.
حدَّثنا بشرُ بن مُعاذٍ، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكير بن الأخنس، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: فَرَض الله الصلاة على لسان نبيِّكم ﷺ في الحَضَرِ أربعًا، وفى السفر ركعتين، وفى الخوف ركعةً (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا أبو عَوَانةَ، عن بُكَيرِ بن الْأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباس مثله (٣).
حدَّثنا نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَوْدِيُّ (٤)، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن أيوب بن عائذٍ الطائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله.
حدَّثنا يعقوبُ بن ماهان، قال: ثنا القاسمُ بن مالكٍ، عن أيوب بن عائذٍ الطَّائيِّ، عن بُكَيرِ بن الأَخْنَسِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ مثله (٥).
حدَّثنا محمد بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، أن رسول الله ﷺ صَلَّى بهم (٦) صلاة الخوف، فقامَ صَفٌّ بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه بينَ يَدَيه وصَفٌّ خلفَه، فصَلَّى بالذين خلفه ركعةً وسجدتين، ثم تقدَّم هؤلاء حتى قاموا مَقامَ أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا مقام هؤلاء، فصَلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً وسجدتين ثم سَلَّم، فكانت للنبيِّ ﷺ ركعتين ولهم ركعةً (١).
حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وَهْبٍ، قال: ثنى عمى عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ الحارث أن بكر بن سَوادةَ، حدَّثه عن زياد بن نافعٍ، حدَّثه عن أبى موسى، أن جابر بن عبدِ اللهِ حدثَّهم، أن رسول الله ﷺ صَلَّى الخوفِ يومَ مُحارب وثعلبة، لكلِّ طائفةٍ ركعةً وسجدتين (٢).
حدَّثني أحمدُ بنُ محمد الطُّوسِيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمَدِ، قال: ثنا سعيدُ بنُ عُبَيْدٍ (٣) الهُنَائِيُّ (٤)، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ، قال: ثنا أبو هريرة أن رسول اللهِ ﷺ نَزَل بينَ ضَجْنانَ (٥) وعُسْفانَ، فقال المشركون: إن لهؤلاء صلاةً هي أحبُّ إليهم من أبنائهم وأبكارهم (٦)، وهى العصرُ، فأجمعوا أمركم، فميلوا عليهم مَيْلةً واحدةً، وإن جبريل ﷺ أتى النبي ﵇ فأمره (٧) أن يُقِيمَ (٨) أصحابه شَطْرَين (١)، فيُصَلِّي ببعضهم (٢)، وتقوم طائفةٌ أخرى وراءهم، فيأخُذوا جذْرَهم وأسلحتهم، ثم تأتى (٣) الأخرى فيصَلُّوا معه، ويأخُذُ هؤلاء حِذرَهم وأسلحتهم، فتكونُ لهم ركعةٌ ركعةٌ مع رسول الله ﷺ، ولرسول الله ﷺ ركعتين" (٤).
وقال آخرون (٥): بل عَنَى به القَصْرَ في السَّفَرِ، إلا أنه عَنَى به القَصْرَ في شِدَّةِ الخوف (٦)، وعند المُسايفة، فأُبيح عند التحام الحربِ للمُصَلِّي أَن يَرْكَعَ ركعةً إيماءً برأسه حيثُ تَوَجَّه بوجهه.
قالوا: فذلك معنى قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية: [وقَصْرُ] (٧) الصلاة، إن لقيت العدوَّ وقد حانت الصلاةُ: أن تُكَبِّرَ اللَّهَ وتَخفِضَ رأسك إيماءً، راكبًا كنتَ أو ماشيًا (١).
قال أبو جعفرٍ، ﵀: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية، قولُ من قال: عَنى بالقَصْرِ فيها، القَصْرَ مِن حدودها.
وذلك تَرْكُ إتمام ركوعها وسجودها، وإباحةُ أدائها كيف أمكن أداؤها، مُسْتقبل القبلة فيها ومُسْتدبرها، وراكبًا وماشيًا، وذلك في حالِ السَّلَّةِ (٢) والمُسايفة والتحام الحرب، وتزاحُف الصُّفوف، وهى الحال التي قال الله جلَّ ثناؤه فيها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩].
وأذن بالصلاة المكتوبة فيها راكبًا، إيماءً بالركوع والسجودِ على نحو ما رُوى عن ابن عباسٍ من تأويله في ذلك.
وإنما قُلنا ذلك أولى التأويلات بقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لدّلالةِ قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
على أن ذلك كذلك؛ لأن إقامتها إتمامُ حدودها من الركوع والسجودِ وسائرِ فروضِها، دونَ الزيادة في عددها التي لم تكن واجبةً في حال الخوفِ.
فإن ظَنَّ ظانٌّ أن ذلك أمرٌ مِن الله بإتمام عددها الواجب عليه في حال الأمن بعد زوالِ الخوفِ، فقد يجبُ أن يكون المسافرُ في حال قَصْرِه صلاته عن صلاة [المُقِيمِ، غير مُقيمٍ] (٣) صلاته لنَقص عددِ صلاتِه من الأربعِ اللازمةِ كانت له في حال إقامته إلى الركعتين.
وذلك قولٌ (١) إن قاله قائلٌ، مخالفٌ لما عليه الأمةُ مُجْمِعَةٌ مِن أن المسافر لا يَسْتَحِقُّ أن يقال له - إذا أتى بصلاته بكمال حدودها المفروضة عليه فيها، وقصر عددها عن أربعٍ إلى اثنتين -: إنه غير مُقيمٍ صلاته.
وإذا كان ذلك كذلك، وكان الله تعالى ذكره قد أمر الذي أباح له أن يَقْصِر صلاته خوفًا من عدوِّه أن يَفْتِنَه، أن يقيم صلاتَه إذا اطمأنَّ وزال الخوفُ، كان معلومًا أنَّ الذي فَرَض عليه من إقامة ذلك في حال الطمأنينة، عينُ (٢) الذي كان أسقط عنه في حال الخوفِ.
وإذ كان الذي فَرَض عليه في حالِ الطُّمأنينة: إقامة صلاته، فالذى أسقط عنه في غير حالِ الطُّمأنينة: تَرْكُ إقامتها.
وقد دلَّلنا على أن تَرْكَ إقامتها، إنما هو تَرْكُ حدودِها، على ما بيَّنَّا قبلُ.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
قال أبو جعفر، ﵀: يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وإذا كنتَ في الضاربين في الأرض من أصحابك يا محمدُ، الخائفين عدوُّهم أن يَفْتِتَهم ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
يقولُ: فأتممتَ (٣) لهم الصلاة بحدودها وركوعها وسجودها، ولم تَقْصُرُها القَصْرَ الذي أبَحْتُ (١) لهم أن يَقْصُروها في حال تلاقيهم وعدوَّهم، وتَزاحُفِ بعضهم إلى بعض، مِن تَرْكِ إقامة حدودها وركوعها وسجودها وسائر فروضها، ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
يعنى: فلتَقُمْ فِرْقةٌ من أصحابك الذين وتكون أنت فيهم معك في صلاتِك، وليكن سائرُهم في وجوه العدوِّ - وترك ذكر ما ينبغى لسائر الطوائف غير المُصلِّية مع النبيِّ ﷺ أن يفعله لدلالة الكلام المذكور على المراد به، والاستغناء بما ذُكر عما تُرك ذكرُه - ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾.
واختلف أهلُ التأويل في الطائفة المأمورة بأخذ السلاح؛ فقال بعضُهم: هي الطائفةُ التي كانت تُصلِّى مع رسول الله ﷺ.
قال: ومعنى الكلام: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾.
يقولُ: ولتأخذ الطائفةُ المُصَلِّيةُ معك من طوائفهم ﴿أَسْلِحَتَهُمْ﴾.
والسلاحُ الذي أُمروا بأخذِه عندهم في صلاتهم، كالسيف يَتقلَّدُه أحدُهم، والسكين، والخنجرِ يَشُدُّه إلى دِرْعه (٢) وثيابه التي هي عليه، ونحوِ ذلك من سلاحه.
وقال آخرون: بل الطائفةُ المأمورةُ بأخذِ السلاح منهم الطائفةُ التي كانت بإزاء العدوِّ، دونَ المُصَلِّية مع رسول الله ﷺ.
وذلك قولُ ابن عباس.
حدَّثني بذلك المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجدتِ الطائفةُ التي قامت معك في صلاتك تُصلِّي بصلاتك، فَفَرَغَت من سجودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
يقولُ: فليصيروا بعدَ فراغِهم من سجودِهم خلفكم مُصَافِّى (١) العدوِّ في المكان الذي فيه سائرُ الطوائف التي لم تُصَلِّ معك، ولم تَدخُلْ معك في صلاتك (٢).
ثم اختلف أهلُ التأويل في تأويل قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: فإذا صَلُّوا فَفَرَغوا من صلاتهم، فليكونوا من ورائكم.
ثم اختلف أهلُ هذه المقالة؛ فقال بعضُهم: إذا صَلَّت هذه الطائفةُ مع الإمام ركعةً، سَلَّمَت وانصرفت من صلاتها، حتى تأتى مُقامَ أصحابها بإزاء العدوِّ، ولا قضاء عليها.
وهم الذين قالوا: عَنَى الله بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾.
أن تجعلوها - إذا خفتم الذين كفروا أن يَفْتِنوكم - ركعةً.
ورَوَوا (٣) عن النبيِّ ﷺ أنه صلَّى بطائفةٍ صلاةَ الخوفِ ركعةً، ولم يَقْضُوا، وبطائفةٍ أخرى ركعةً (٣) ولم يَقْضُوا.
وقد ذكرنا بعض ذلك فيما مَضَى، وفىما ذكرنا كفايةٌ عن استيعابِ ذكرِ جميع ما فيه (٤).
وقال آخرون منهم: بل الواجبُ كان على هذه الطائفة التي أمرها الله بالقيام مع نبيِّها، إذا أراد إقامة الصلاةِ بهم في حالِ خوفِ العدو، إذا فَرَغَت من ركعتها التي أمرها الله أن تصلِّى مع النبيِّ ﷺ على ما أمرها به في كتابه - أن تَقُومَ في مُقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسولِ اللَّهِ ﷺ، فتُصَلِّي لأنفسها بَقِيَّةَ صلاتها [وتُسَلِّمَ] (١)، وتأتى مصافَّ أصحابها، وكان على النبيِّ ﷺ أن يثبُت (٢) قائمًا في مُقامِه حتى تَفْرُغَ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الأولى من بقيَّة صلاتها - إذا كانت صلاتُها التي صلَّت معه مما يجوزُ قَصْرُ عددِها عن الواجب على المُقيمين في أَمْنٍ - وتَذْهَبَ إلى مصافِّ أصحابها، وتأتي الطائفةُ التي كانت مُصَافَّةً عدوَّها، فيُصَلِّي بها ركعةً أخرى من صلاتها.
ثم هم في حكم هذه الطائفة الثانية مُختلفون؛ فقالت فرقةٌ من أهل هذه المقالة: كان على النبيِّ ﷺ إذا فَرَغ من ركعتيه (٣)، ورفَع رأسَه من سجوده من ركعتِه الثانية، أن يَقْعُدَ للتشهُّدِ، وعلى الطائفة التي صَلَّت معه الركعة الثانية، ولم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى؛ لاشتغالها بعدوِّها أن تقوم فتقضى ركعتها الفائتةَ مع النبيِّ ﷺ، وعلى النبيِّ ﷺ انتظارُها قاعدًا في تشهُّده حتى تَفْرُغَ هذه الطائفةُ مِن ركعتها الفائتة وتتشهَّدَ، ثم يُسَلَّم بهم.
وقالت فرقةٌ أخرى منهم: بل كان الواجبُ على الطائفة التي لم تُدْرِكْ معه الركعة الأولى إذا قعد النبيُّ ﷺ [للتشهُّد، أن تَقْعُدَ معه للتشهد فتَتَشهَّدَ بتَشهُّدِه، فإذا فرغ النبيُّ ﷺ] (١) مِن تَشهُدِه سَلَّم، ثم قامتِ الطائفةُ التي صَلَّت معه الركعة الثانية حينئذٍ، فقَضَت ركعتها الفائتة.
وكلُّ قائلٍ من الذين ذكرنا قولهم، روى عن رسول الله ﷺ أخبارًا بأنه كما قال فعل.
ذكرُ مَن قال: انتظر النبيُّ ﷺ الطائفتين حتى قضت صلاتها (١)، ولم يَخْرُجُ مِن صلاته (٢) إلا بعد فراغ الطائفتين (٣) من صلاتهما (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخبرني مالكٌ، عن يزيد بن رُومان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف، يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، أن طائفةٌ صَفّت معه، وطائفةٌ وجاه (٥) العدو، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ثَبَت قائمًا، فأتَمُّوا لأنفسهم، ثم جاءت الطائفةُ الأخرى، فصلَّى بهم، ثم ثَبَت جالسًا فأتمُّوا لأنفسهم، ثم سَلَّم بهم (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى [عُبَيدُ اللهِ] (٧) بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا شعبةُ، عن عبد الرحمن بن القاسمِ، عن أبيه، عن صالحِ بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حثمةً، قال: صلَّى النبيُّ ﷺ بأصحابه [في خوفٍ، فجعلهم خلفه صفَّين] (٨)، فصلَّى بالذين يلُونه ركعةً، ثم قام، فلم يَزَلْ قائمًا حتى صَلَّى الذين خلقه ركعةً، ثم تقدَّموا (٩) وتخلَّف الذين كانوا قُدَّامهم، فصلَّى بهم ركعةً، ثم جلَس حتى صَلَّى الذين تخلَّفوا (١٠) ركعةٌ، ثم سلَّم (١).
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا رَوْحٌ، عن شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهل بن أبى حَثْمَةَ، عن رسولِ الله ﷺ أنه قال في صلاة الخوف: "تَقُومُ طائفةٌ بينَ يَدَى الإمام وطائفةٌ خَلْفَه، فيُصَلِّى بالذين خلفه ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يَقْضُوا ركعةً وسجدَتين، ثم يَتَحَوَّلون إلى مكان أصحابهم، ثم يَتَحَوَّلُ أولئك إلى مكان هؤلاء، فيُصَلِّي بهم ركعةً وسجدَتَين، ثم يَقْعُدُ مكانَه حتى يُصَلُّوا ركعةً وسَجْدَتَين، ثم يُسَلِّمُ" (٢).
ذكرُ مَن قال: كانت الطائفةُ الثانيةُ تَقعُدُ مع النبيِّ ﷺ حتى يَفْرُعَ النبيُّ ﷺ من صلاته، ثم تَقْضِى ما بَقِيَ عليها (٣) بعدُ.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الوَهَّابِ، قال: سمعتُ يحيى بن سعيدٍ، قال: سمِعتُ القاسم، قال: ثنى صالحُ بنُ خَوَّاتِ بن جُبَيرٍ، أن سهلَ بن أبى حَثْمَةَ حَدَّثه أن صلاة الخوفِ أن يقوم الإمامُ إلى القبلة يُصلِّى ومعه طائفةُ من أصحابه، وطائفةٌ أخرى مُواجهة العدوِّ، فيُصَلِّي، فيركَعَ الإمامُ بالذين معه، ويَسجُدَ ثم يقوم، فإذا استوى قائمًا ركَع الذين وراءَه لأنفسهم ركعةً وسجدتَين، ثم سَلَّموا فانصرفوا والإمامُ قائمٌ، فقاموا إزاء العدوِّ، وأقبَل الآخرون فكَبَّروا مكان الإمام، فركع بهم الإمام، وسجد ثم سَلَّم، فقاموا فرَكَعوا لأنفسهم ركعةً وسجدتين، ثم سلَّموا (٤).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أخْبرَنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، أن صالحَ بنَ خَوَّاتٍ أخبره، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوف.
ثم ذكر نحوه (١).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، [وسألته] (٢)، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالحٍ، عن سهلٍ بن أبى حَثْمةَ في صلاةِ الخوفِ، قال: يقومُ الإمامُ مُسْتقبل القبلة، وتقوم طائفةٌ منهم معه، وطائفةٌ مِن قِبَلِ العدوِّ، وجوهُهم إلى العدوِّ، فيرَكَعُ بهم ركعةً، ثم يركَعون لأنفسهم ويسجُدون سجدتين في مكانهم، ويذهبون إلى مُقام أولئك، ويجئُ أولئك، فيركعُ بهم ركعةً ويَسجُدُ سجدتين، فهى له ركعتان ولهم واحدةٌ، ثم يركعون ركعةً، ويسجُدون سجدتين (٣).
قال بندَارٌ (٤): سألتُ يحيى بن سعيدٍ عن هذا الحديثِ، فحدَّثنى عن شُعْبَةَ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن سهلِ بن أبى حَثْمةَ، عن النبيِّ ﷺ بمثل حديث يحيى بن سعيدٍ، وقال لى: اكتُبه إلى جنبه، فلستُ أحفَظُه، ولكنه مثل حديث يحيى بن سعيد (٥).
حدَّثنا نَصْرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن القاسم بن محمدِ بن أبى بكرٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، أن الإمام يقوم فيصُفُّ صفَّين، طائفةٌ مُواجهة العدوِّ، وطائفةٌ خلفَ الإمام، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ثم يقومون فيُصلُّون لأنفسهم ركعةً، ثم يسلِّمون (١)، ثم يَنطلقون فيصُفُّون، ويجئ الآخرون فيصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسلِّم، فيقُومون فيُصَلُّون لأنفسهم ركعةً (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا مُعْتَمِرُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ عُبيد الله، عن القاسم بن محمدٍ، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عن رجلٍ مِن أصحاب النبيِّ ﷺ، أنه قال: صلاةُ الخوف أن تقوم طائفةٌ من خلف الإمام، وطائفةٌ يَلُون العدوّ، فيُصَلِّي الإمام بالذين خلفه ركعةً، ويقومُ قائمًا، فيُصَلِّي القومُ إليها ركعةً أخرى، ثم يُسلمون (٣) فينطلقون إلى أصحابهم، ويَجِئُ أصحابُهم والإمامُ قائمٌ، فيُصَلّي بهم ركعةً فيُسلَّمُ، ثم يقومون فيُصَلُّون إليها ركعةً أخرى، ثم يَنْصَرِفون.
قال عُبَيدُ اللَّهِ: فما سمِعتُ فيما يُذكر (٤) في صلاة الخوف شيئًا هو أحسنُ عندى من هذا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا مُعاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾.
فهذا عند الصلاة في الخوفِ، يقومُ الإمامُ وتقومُ معه طائفةٌ منهم، وطائفةٌ يأخُذُون أسلحتهم، ويقفون بإزاء العدوّ، فيُصَلّي الإمامُ بمن معه ركعةً، ثم يجلسُ على هيئته، فىقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية والإمامُ جالسٌ، ثم يَنْصَرِفون حتى يأتُوا أصحابَهم، فيقفُون مَوْقِفَهم، ثم يُقْبِلُ الآخرون فيُصَلِّي بهم الإمامُ الركعةَ الثانية ثم يُسَلِّمُ، فيقومُ القومُ فيُصَلُّون لأنفسهم الركعة الثانية، فهكذا صلَّى رسولُ الله ﷺ يومَ بَطْنِ نَخلة (١).
وقال آخرون: بل تأويلُ قوله: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾: فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامت مع النبيِّ ﷺ حين دَخَل في صلاته فدَخَلت معه في صلاتِه - السجدة الثانيةَ من ركعتها الأولى ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ يعنى: من ورائك يا محمدُ، ووراء أصحابك الذين لم يُصَلُّوا بإزاء العدو.
قالوا: وكانت هذه الطائفةُ لا تُسَلِّمُ من ركعتِها إِذا هي فَرَغَت مِن سَجْدَتَى ركعتها التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ، ولكنها تمضى إلى مؤقف أصحابها بإزاء العدوِّ، وعليها بَقِيَّةُ صَلاتِها.
قالوا: وكانت تأتى الطائفةُ الأخرى التي كانت بإزاء العدوِّ، حتى تَدخُلَ مع النبيِّ ﷺ في بقيَّة صلاته (٢)، فيُصَلِّي بها النبيُّ ﷺ الركعة التي كانت قد بَقيَت عليه.
قالوا: وذلك معنى قول الله جل ثناؤُه: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
ثم اختلف أهلُ هذه المقالة في صفة قضاء ما كان تَبَقَّى على كلِّ طائفةٍ من هاتين الطائِفَتين من صلاتِها بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته وسلامه من صلاته، على قولِ قائلى هذه المقالة ومُتأوِّلى هذا التأويل؛ فقال بعضُهم: كانت الطائفةُ الثانية التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الثانية من صلاتِه (٣)، إذا سلَّم النبيُّ ﷺ من صلاته، قامت فقَضَت ما فاتَها من صلاتها مع النبيِّ ﷺ في مَقامِها، بعد فراغ النبيِّ ﷺ من صلاته، والطائفةُ التي صَلَّت مع النبيِّ ﷺ الركعة الأُولى بإزاء العدوِّ بعدُ لم تُتِمَّ صلاتها (١)، فإذا هي فَرَغَت مِن بَقِيَّة صلاتها التي فاتتها مع النبيِّ ﷺ مضت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وجاءت الطائفةُ الأُولى التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى إلى مقامها التي كانت صَلَّت فيه خلفَ رسول الله ﷺ، فقَضَت بَقِيَّةَ صلاتها.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الملك بنُ أبى الشَّواربِ، قال: ثنا عبدُ الواحد بنُ زيادٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، قال: ثنا أبو عُبَيدةَ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: قال عبد الله: صَلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاة الخوف، فقامت طائفةٌ مِنَّا خلفه، وطائفةٌ بإزاء - أو مُسْتقبلى - العدوِّ، فصلَّى النبيُّ ﷺ بالذين خلفه ركعةً، ثم نكصوا، فذهبوا إلى مقام أصحابهم، وجاء الآخرون فقاموا خلف النبيِّ ﷺ، فصلَّى بهم رسول الله ﷺ ركعةً، ثم سلَّم رسول الله ﷺ، ثم قام هؤلاء فصَّلوا لأنفسهم ركعةً، ثم ذَهَبوا فقاموا مَقامَ أصحابِهم مُسْتَقبلى العدوِّ، ورَجَع الآخرون إلى مقامهم، فصلَّوا لأنفسهم ركعةً (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، قال: ثنا خُصيفٌ، عن أبي عُبَيدةَ، عن عبد الله، قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فذكر نحوه (٣).
حدَّثنا تميمُ بن المُنتصِرِ، قال: أخْبرَنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا شَرِيكٌ، عن خُصيفٍ، عن أبي عُبَيدةَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ نحوه (١).
وقال آخرون: بل كانت الطائفةُ الثانيةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية، لا تَقضى بقيَّةَ صلاتِها بعدما يُسَلِّمُ رسولُ الله ﷺ] (٢) مِن صلاته، ولكنها كانت تَمضى قبلَ (٣) أن تَقْضِىَ بَقِيَّةَ صلاتِها، فتَقِفُ مَوْقِفَ أصحابها الذين صَلُّوا مع رسولِ الله ﷺ الركعة الأولى، [بإزاء العدوِّ وترجعُ الطائفةُ التي صلَّت مع رسول الله ﷺ الركعة الأولى] (٤) إلى مَوْقِفها الذي صَلَّت فيه ركعتها الأولى مع رسولِ اللهِ، فتَقْضِى ركعتَها التي كانت بَقيَت عليها من صَلاتِها.
فقال بعضُهم: كانت تَقضِى تلك الركعةَ بغير قراءةٍ.
وقال آخرون: بل كانت تَقضى بقراءةٍ، فإذا قضَت ركعتها الباقية عليها هنالك وسَلَّمَت، مَضَت إلى مصافِّ أصحابها بإزاءِ العدوِّ، وأقبَلَت الطائفةُ التي صَلَّت مع رسول الله ﷺ الركعةَ الثانيةَ إلى مَقامِها الذي صَلَّت فيه مع رسول الله ﷺ [الركعة الثانية من صلاة رسول الله ﷺ] (٥)، فقَضَت الركعةَ الثانية من صلاتِها بقراءةٍ، فإذا فَرَغَت وسَلَّمَت، انصرَفَت إلى أصحابها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن حَمَّادٍ، عن إبراهيم في صلاة الخوفِ، قال: يَصُفُّ صَفًّا خلفَه، وصفًّا بإزاء العدوِّ في غيرِ صلاةٍ (١)، فيُصَلِّي بالصَّفِّ الذي خلفه ركعةً، ثم يذهبون إلى مصافِّ أولئك، وجاء أولئك الذين بإزاء العدوِّ، فصلَّى (٢) بهم ركعةً، ثم سلَّم (٣) عليهم، وقد صَلَّى هو ركعتين، وصلَّى كلُّ صَفٍّ ركعةً، ثم قام هؤلاء الذين سَلَّم عليهم إلى مصافِّ أولئك الذين بإزاءِ العدوِّ، فقاموا مقامَهم، وجاءوا فقَضَوا الركعة، ثم ذهبوا فقاموا مُقامَ أولئك الذين بإزاء العدوِّ، وجاء أولئك فصلَّوا ركعةً.
قال سُفيانُ: فيكون لكلِّ إنسانٍ [ركعتين ركعتين] (٤).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ.
وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا زيدٌ (٥) جميعًا، عن سُفيانَ، قال: كان إبراهيمُ يقولُ في صلاةِ الخوفِ، فذكَر نحوَه.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: ثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن عمرَ بن الخطابِ مثل ذلك.
وقال آخرون: بل (٦) كلُّ طائفةٍ من الطائفتَين تَقْضِى صلاتَها، على ما أمكَنها، مِن غير تضييعٍ [منهم بعضها] (٧).
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن يونسَ بن عُبَيدٍ، عن الحسن، أن أبا موسى الأشعريَّ صَلَّى بأصحابه صلاة الخوف بأَصْبَهانَ إذ غَزاها.
قال: فصلَّى بطائفةٍ من القوم ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ (١)، فنَكَص هؤلاء الذين صلَّى بهم ركعة، [وخلفهم الآخرون، فقاموا مقامهم، فصلَّى بهم ركعة] (٢)، ثم سلَّم، فقامت كلُّ طائفة فصلَّت ركعةً (٣).
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا يونسُ، عن الحسن، عن أبي موسى بنحوه (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُعاذُ بن هشامٍ (٤)، قال: ثنى أبى، عن قتادة، عن أبي العالية ويونس بن جُبيرٍ، قالا: صَلَّى أبو موسى الأشعريُّ [بأصحابه من الذين بأصبهان] (٥)، وما بهم يومئذٍ خوفٌ، ولكنه أحبَّ أن يُعَلِّمَهم صلاتهم، فصفَّهم صفَّين، صفًّا خلفَه، وصفًّا مُواجهة العدوِّ، مُقبلين على عدوِّهم، فصلى بالذين يلُونه ركعةً، ثم ذهبوا إلى مصافِّ أصحابهم، وجاء أولئك فصَفَّهم خلفَه، فصَلَّى بهم ركعةً ثم سلَّم، فقَضَى هؤلاء ركعةً وهؤلاء ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم على بعضٍ، فكانت للإمام ركعتين (١) في جماعةٍ، ولهم ركعةً ركعةً (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن أبي العالية، عن أبي موسى مثله (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيم، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، [عن أيوب] (٤)، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أنه قال في صلاة الخوف: يُصَلِّي بطائفةٍ (٥) من القومِ ركعةً، وطائفةٌ تَحرُسُ، ثم ينطلقُ هؤلاء الذين صَلَّى بهم ركعةٌ حتى يَقُوموا مَقامَ أصحابهم، ثم يَجِئُ أولئك فيُصَلِّي بهم ركعةً، ثم يُسَلِّمُ فتقومُ كلُّ طائفةٍ فتُصَلِّى (٦) ركعةً.
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر بنحوه.
حدَّثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعِيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: ثنا عُبَيدُ (٧) اللَّهِ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنه صلَّى صلاة الخوفِ، فذكر نحوه (٨).
حدَّثنا سعيدٌ بنُ يحيى الأُمويُّ، قال: ثنا أبى، قال: ثنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني الزُّهْرِيُّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، أنه كان يُحدِّثُ أَنه صَلَّى مع رسولِ الله ﷺ، ثم ذكر نحوه (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا [ابن عبد الأعلى] (٢)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالمٍ، عن ابن عمر، عن النبيِّ ﷺ بنحوه (٣).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ اللهِ بن نافعٍ، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: قال النبيُّ ﷺ في صلاة الخوف: "يَقُومُ الأميرُ وطائفةٌ مِن الناسِ، فيسْجُدُون سَجْدةً واحدةً، وتَكُونُ طائفةٌ منهم بينهم وبين العدوِّ".
ثم ذكر نحوه.
حدَّثنا محمدُ بنُ هارون الحربيُّ، قال: ثنا أبو المُغيرةِ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا الأَوْزاعِيُّ، عن أيوب بن موسى، عن نافعٍ، عن ابن عمر، أن النبيَّ ﷺ صلَّى صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعةً، ثم ذكر نحوه (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
إلى قوله: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
فإنه كانت تأخُذُ طائفةٌ منهم السلاح، فيُقبِلون على العدوِّ، والطائفةُ الأخرى يُصَلُّون (١) مع الإمام ركعةً، ثم يأخُذُون أسلحتهم، فىستقبلون العدوَّ، ويَرْجِعُ أصحابُهم فيُصَلُّون مع الإمام ركعةً، فيكونُ للإمام ركعتان ولسائرِ الناس ركعةٌ واحدةً، ثم يَقْضُون ركعةً أخرى، وهذا تَمامُ (٢) الصلاةِ (٣).
وقال آخرون: بل نَزَلَت هذه الآيةُ في صلاة الخوف، والعدوُّ يومَئِذٍ في ظَهْرِ القبلة بين المسلمين وبينَ القبلةِ، فكانت الصلاةُ التي صَلَّى بهم يومئذٍ النبيُّ ﷺ صلاة الخوف، إذ كان العدوُّ بين الإمامِ وبينَ القبلةِ.
ذكرُ الآثار المنقولة بذلك حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنى يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن النَّضْرِ (٤) أبى عمر، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: خَرج رسولُ اللهِ ﷺ في غَزاةٍ، فَلَقِى المشركين بِعُسْفانَ، فلما صَلَّى الظهر فرأوه يَركَعُ ويَسجُدُ هو وأصحابهُ، قال بعضُهم لبعضٍ يومئذٍ: كان فُرصةً لكم، لو أغَرْتُم عليهم ما علموا بكم حتى تُواقِعوهم.
قال قائلٌ منهم: فإن لهم صلاةً أخرى هي أحبُّ إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدُّوا حتى تُغيروا عليهم فيها.
فأنزل الله على نبيِّه، ﵊: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
إلى آخرِ الآية، وأعْلَمَه ما ائتَمَر به المشركون.
فلمَّا صَلَّى رسولُ الله ﷺ العصر، وكانوا قُبالَتَه في القبلة، فجَعَل المسلمين خلفه صفَّين، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ، وكَبَّروا جميعًا، ثم ركَع وركَعوا معه جميعًا، فلما سَجَد سَجَد معه الصَّفُّ الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الذين خلفَهم مُقبِلِين على العدوٍّ، فلمَّا فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه وقام، سَجَد الصَّفُّ الثاني ثم قاموا، وتأخَّر الذين يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ وتقدَّم الآخرون، فكانوا يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ، فلما ركَع ركَعوا معه جميعًا، ثم رفَع فرفَعوا معه، ثم سجَد فسجَد معه الذين يَلُونه، وقام الصَّفُّ الثاني مُقْبِلِين على العدوِّ، فلما فَرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مِن سجودِه، وقعَد الذين يَلُونه سجَد الصَّفُّ المُؤخَّرُ، ثم قعَدوا، فتَشَهِّدوا مع رسولِ اللهِ ﷺ جميعًا، فلما سَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ سلّم عليهم جميعًا، فلما نَظَر إليهم المشركون يَسجُدُ بعضُهم ويقومُ بعضٌ ينظُرُ إليهم، قالوا: لقد أُخْبِروا بما أرَدْنا (١).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ، قال: ثنى مجاهدٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ بعُسْفانَ والمشركون بضَجْنانَ (٢) بالماءِ الذي يَلى مكةَ، فلما صلَّى النبيُّ ﷺ الظهرَ، فرَأَوه سَجَد وسجَد الناسُ، قالوا: إذا صَلَّى صلاةً بعد هذه أَغَرْنا عليه.
فحَذَّره الُله ذلك، فقام النبيُّ ﷺ في الصلاةِ، فكبَّر وكبَّر الناسُ معه، فذكَر نحوَه (٣).
حدثني عِمْرانُ بنُ بَكَّارٍ الكَلاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا ابن عَيَّاشٍ، قال: أخبرَني عُبَيدُ (٤) اللهِ بنُ عمرَ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كنتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فَلَقِينا المشركين بنَخْلٍ (١)، فكانوا بينَنا وبينَ القبلةِ، فلما حَضَرَت صلاةُ الظهرِ، صلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ ونحن جميعٌ، فلما فَرَغنا تَذامَر (٢) المشركون، فقالوا: لو كُنَّا حمَلنا عليهم وهم يُصَلُّون!
فقال بعضُهم: فإن لهم صلاةً ينتَظرُونها تأتى الآنَ، هي أحبُّ إليهم مِن أبنائِهم، فإذا صَلوا فمِيلوا عليهم.
قال: فجاء جبريلُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بالخبرِ، وعَلَّمه كيف يُصَلِّي، فلما حَضَرَت العصرُ، قام نبيُّ اللهِ ﷺ مما يَلى العدوَّ، وقُمْنا خلفَه صَفَّين، فكَبَّر رسولُ اللهِ ﷺ وكبَّرنا جميعًا، ثم ذكَر نحوَه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ مَعْمَرٍ، قال: ثنا حَمَّادُ بنُ مَسْعَدةَ، عن هشامِ بن أبى عبدِ اللهِ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ بنحوِه (٤).
حدَّثنا مُؤَمَّلُ (٥) بنُ هشامٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ، عن هشامٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ، فذكَر نحوَه (٤).
[حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الصَّمَدِ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ، قال: كُنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ بعُسْفانَ، فصلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الظهرِ، وعلى المشركين خالدُ بنُ الوليدِ.
فقال المشركون: لقد أصَبْنا منهم غرَّةً، ولقد أصَبْنا منهم غَفْلَةً.
فأنزَل] (٦) [اللهُ صلاةَ الخوفِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فصَلَّى بنا رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ العصرِ؛ صَفَّنا (١) فرقتَين؛ فرقةً تُصَلِّى مع النبيِّ ﷺ، وفرقةً تصلِّى خلفَهم يحرسونهم، ثم كبَّر فكبَّروا جميعًا وركَعوا جميعًا، ثم سجَد الذين (٢) يَلُون رسولَ اللهِ ﷺ، ثم قام، فتقدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم قامَ فركَع بهم جميعًا، ثم سجَد الذين (٣) يَلُونه ثم (٤) تأخَّر هؤلاء، فقاموا في مَصافِّ أصحابِهم، ثم تَقَدَّم الآخرون فسجَدوا، ثم سلَّم عليهم.
فكانت لكلَّهم ركعتَين مع إمامِهم.
وصَلَّى مرةً أخرى في أرضِ بنى سُلَيمٍ] (٥).
قال أبو جعفرٍ: فتأويلُ الآيةِ، على قولِ هؤلاء الذين قالوا هذه المقالةَ، ورَوَوا هذه الروايةَ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿فِيهِمْ﴾ يعني: في أصحابِك خائفًا ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ يعنى: ممن دخَل معك في صلاتِك.
﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ يقولُ: فإذا سجَدَت هذه الطائفةُ بسُجُودِك، ورَفَعَت رءوسَها مِن سجودِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
يقولُ: فليَصِرْ مَن خلفَك خلفَ (٦) الطائفةِ التي حرَسَتْك وإياهم إذا سَجَدتَ بهم وسَجَدوا معك ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ يعنى الطائفةَ الحارسةَ التي صَلَّت معه، غيرَ أنها لم تَسجُدْ بسُجُودِه.
فمعنى قولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ - على مَذْهبِ هؤلاء -: لم يسجُدوا بسُجُودِك.
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
يقولُ: فليسجُدُوا بسُجُودِك إذا سَجَدْتَ، ويَحرُسُك وإياهم الذين سَجَدوا بسُجُودِك في الركعةِ الأُولى ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾.
يعنى الحارسةَ.
وأَوْلى الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ الآية قولُ مَن قال: معنى ذلك فإذا سَجَدَت الطائفةُ التي قامَت معك في صلاتِها ﴿فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾.
يعني: مِن خلفِك وخلف مَن يَدخُلُ في صلاتك ممن لم يُصَلِّ معك الركعة الأُولى [بإزاء العدوِّ، بعد (١) فَراغِها مِن بَقِيَّةِ صلاتِها.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى﴾ وهى الطائفةُ التي كانت بإزاءِ العدوِّ ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾.
يقولُ: لم يُصَلُّوا معك الركعةَ الأولى] (٢).
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
يقولُ: فليصَلُّوا معك الركعةَ التي بَقِيَت عليك، ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ﴾ [من عدوِّهم] (٣) ﴿وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ لقتالِ عدوِّهم، بعدَ ما يفرَغون مِن صلاتِهم.
وذلك نظيرُ الخبرِ الذي رُوِى عن رسولِ اللهِ ﷺ، أنه فعله يومَ ذاتِ الرِّقاعِ، والخبرِ الذي رَوَى سهلُ بن أبي حَثْمةَ (٤).
وإنما قُلنا ذلك أولى بتأويلِ الآيةِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
وقد دلَّلنا على أن إقامتَها إتمامُها بركوعِها وسجودِها، ودلَّلنا مع ذلك على أن قولَه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
إنما هو إذنٌ بالقَصْرِ مِن ركوعِها وسجودِها في حالِ شدةِ الخوفِ.
فإذ صَحَّ ذلك، كان (١) بَيِّنًا أن لا وجهَ لتأويلِ مَن تأوَّل ذلك: أن الطائفةَ الأولى إذا سَجَدَت مع الإمامِ، فقد انقَضَتْ (٢) صلاتُها؛ لقولِه: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ لاحتمالِ ذلك مِن المعانى ما ذكرتُ قبلُ، ولأنه لا دلالةَ في الآيةِ على أن القَصْرَ الذي ذُكِر في الآيةِ التي قبلَها، عُنِى به القَصْرُ مِن عددِ الركعاتِ.
وإذ كان لا وجهَ لذلك، فقولُ مَن قال: أُريدَ بذلك [التقدمُ والتأخُّرُ] (٣) في الصلاةِ على نحوِ صلاةِ النبيِّ ﷺ بعُسْفانَ، أبعدُ؛ وذلك أن الله جلّ ثناؤُه يقولُ: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾.
وكلتا الطائفتَين قد كانت صَلَّت مع النبيِّ ﷺ ركعتَه الأُولى في صلاتِه بعُسْفانَ.
ومُحالٌ أن تكونَ التي صَلَّت معه هي التي لم تُصَلِّ معه.
فإن ظَنَّ ظَانٌّ أنه أُرِيدَ بقولِه: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾.
لم يَسْجُدُوا؛ فإن ذلك غيرُ الظاهرِ المفهومِ مِن معاني الصلاةِ، [وإنما تُوَجَّهُ معاني كلامِ اللهِ جلّ ثناؤُه إلى الأظْهرِ والأشْهرِ مِن وجوهِها (٤)] (٥)، ما لم يَمنَعْ من ذلك ما يجبُ التسليمُ له.
وإذ كان ذلك كذلك، ولم يكنْ في الآيةِ أمرٌ مِن اللهِ جل ثناؤُه الطائفةَ الأُولى بتَأْخيرِ قَضاءِ ما بَقِى عليها مِن صلاتِها إلى فراغِ الإمامِ مِن بَقِيَّةِ صلاتِه، ولا على المسلمين الذين بإزاءِ العدوِّ في اشتغالِها (٦) بقَضاءِ ذلك ضَرَرٌ، لم يكنْ لأمرِها بتَأْخيرِ ذلك وانصرافِها قبلَ قضاءِ باقي صلاتِها عن مَوْضِعِها معنًى.
غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، فإنَّا نَرى أن مَن [صلّاها مِن الأئمةِ] (١)، فوافَقَت صلاتُه بعضَ الوجوهِ التي ذكَرناها عن رسولِ اللهِ ﷺ أَنه صَلَّاها، فصَلاتُه مُجْزِئَةٌ عنه تامةٌ؛ لصحةِ الأخبارِ بكلِّ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ، وأنه مِن الأمورِ التي عَلَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمتَه، ثم أباح لهم العملَ بأيِّ ذلك شاءوا.
وأما قولُه جل ثناؤه: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾.
فإنه يعنى: تَمَنَّى الذين كفَروا باللَّهِ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ﴾.
يقولُ: لو تَشْتَغِلون بصَلاتِكم عن أسلحتِكم التي تُقاتِلونهم بها، وعن أمتعتكم التي بها بلاغُكم في أسْفارِكم، فتَسْهَون عنها ﴿فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ: فيَحْمِلون عليكم وأنتم مَشاغِيلُ بصلاتِكم عن أسلحتِكم [وأَمتعتِكم حملةً (٢) واحدةً، فيُصِيبون منكم غِرَّةً بذلك، فيَقْتُلونكم ويَسْتَبِيحون عَسْكرَكم] (٣).
يقولُ جل ثناؤُه: فلا تَفْعَلوا ذلك بعدَ هذا، فتَشْتَغِلوا جميعُكم بصَلاتِكم إذا حَضَرَتكم صلاتُكم وأنتم مُواقفو (٤) العدوَّ، فتُمَكِّنوا عدوَّكم مِن أنفسِكم وأسلحتِكم وأمتعتِكم، ولكن أَقِيموا الصلاةَ على ما بَيَّنتُ لكم، وخُذُوا مِن عدوِّكم حِذْرَكم وأسلحتَكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ولا حَرَج عليكم ولا إثمَ ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ﴾.
يقولُ: إن نالَكم أذىً (١) مِن مطرٍ تُمطَرُونه وأنتم مُواقِفو (٢) عدوِّكم ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
يقولُ: أو كنتم جَرْحَى أو أَعِلَّاءَ ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾.
إن ضَعُفْتُم عن حَمْلِها، ولكن إن وضَعْتم أسلحتَكم (٣) مِن أَذَى مطرٍ أو مرضٍ، فخُذوا مِن عدوِّكم ﴿حِذْرَكُمْ﴾.
يقولُ: احتَرِسوا منهم أن يَمِيلوا عليكم وأنتم عنهم غافِلون غارُّون.
﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾، يعنى بذلك: أعدَّ لهم عذابًا مُذِلًّا يَبْقَون فيه أبدًا، لا يَخرُجون منه، وذلك هو عذابُ جهنمَ.
وقد ذُكِر أن قولَه: ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾.
نزَل في عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ، وكان جريحًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابن جُرَيجٍ: أَخبَرَني يَعْلَى بن مسلمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾: عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، كان جريحًا (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: فإذا فَرَغتم أيُّها المؤمنون من صلاتِكم - وأنتم مُواقِفو عدوِّكم - التي بَيَّنَّاها لكم، فاذكُروا الله على كلِّ أحوالِكم، قيامًا وقعودًا ومُضْطَجِعِين على جُنُوبِكم، بالتعظيمِ له والدعاءِ لأنفسِكم بالظَّفَرِ على عدوِّكم، لعل الله أن يُظْفِرَكم بهم ويَنْصُرَكم عليهم.
وذلك نظيرُ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
وكما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (١).
يقولُ: لا يَفرِضُ اللهُ على عبادِه فريضةً، إلا جعَل لها حدًّا (٢) معلومًا، ثم عَذَر أَهلَها في حالِ عُذْرٍ غَيرَ الذِّكْرِ، فإن الله لم يَجْعَلْ له جَدًّا يُنتهى إليه، ولم يَعذِرُ أحدًا في تَرْكِه إلا مغلوبًا على عقلِه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾.
بالليلِ والنهارِ، في البرِّ والبحرِ، وفى السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفقرِ، والسَّقَمِ والصحةِ، والسَّرِّ والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ (٣).
وأمَّا قولُه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
فإن أهلَ التأويلِ اختَلفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: معنى قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾، فإذا اسْتَقْرَرْتُم في أوطانِكم، وأقَمْتم في أمصارِكم ﴿فَأَقِيمُوا﴾.
يعنى: فأتِمُّوا الصَّلاةَ التي أُذِن لكم بقَصْرِها في حالِ خَوْفِكم في سَفَرِكم، وضَرْبِكم في الأرضِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾.
قال: الخروجُ مِن دارِ السفرِ إلى دارِ الإقامةِ (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾.
يقولُ: فإذا اطمأننتُم في أمصارِكم فأتِمُّوا الصلاةَ (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك، فإذا اسْتَقرَرْتُم [بزوالِ الخوفِ من عدوِّكم وحدوثِ الأمنِ لكم] (٣)، ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
أي: فأتِمُّوا حدودَها بركوعِها وسجودِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدُيِّ: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾.
قال: فإذا اطْمَأَنَتْتُم بعدَ الخوفِ (٤).
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
قال: فإذا اطمأنَنْتُم فصَلُّوا الصلاةَ، لا تُصَلِّها راكبًا ولا ماشيًا ولا قاعدًا (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
قال: أَتِمُّوها (١).
قال أبو جعفرٍ: وأَوْلى التأويلَين بتأويلِ الآيةِ، تأويلُ مَن تأوَّله: فإذا زالَ خوفُكم مِن عدوِّكم وأَمِنْتم أيُّها المؤمنون واطْمَأنَّت نفوسُكم بالأمنِ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
فأَتِمُّوها بحُدودِها المفروضةِ عليكم، غيرَ قاصِرِيها عن شيءٍ مِن حُدودِها.
وإنما قُلنا ذلك أَوْلى التأويلَين بالآيةِ؛ لأن الله تعالى ذكرُه عَرَّف عبادَه المؤمنين الواجبَ عليهم مِن فَرْضِ صلاتِهم بهاتَين الآيتين في حالَين: إحداهما: حالُ شدةِ خوفٍ، أُذِن لهم فيها بقصْرِ الصلاةِ، على ما بَيَّنتُ مِن قَصْرِ حُدودِها عن التمامِ.
والأُخْرى: حالُ غيرِ شدةِ الخوفِ، أمَرهم فيها بإقامةِ حدودِها وإتمامِها، على ما وَصَفه لهم جلّ ثناؤه مِن مُعاقبةِ بعضِهم بعضًا في الصلاةِ خلفَ أئمتِهم، وحِراسةِ بعضِهم بعضًا مِن عدوِّهم، وهي حالةٌ لا قَصْرَ فيها؛ لأنه يقولُ جلّ ثناؤه لنبيِّه ﷺ في هذه الحالِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ فمعلومٌ بذلك أن قولَه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
إنما هو: فإذا اطْمأننتُم مِن الحالِ التي لم تكونوا مُقِيمِين فيها صلاتَكم، فأَقِيموها.
وتلك حالةُ شدةِ الخوفِ؛ لأنه قد أمرهم بإقامتها في غيرِ حالِ شدةِ الخوفِ بقولِه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾.
الآية.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: إن الصلاةَ كانت على المؤمنين فريضةً مَفْروضةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السَّائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، [عن فُضَيلِ] (١) بن مرزوقٍ، عن عطيةَ العَوْفِيِّ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: [فريضةً مفروضةً] (٢).
[حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني [معاويةُ، عن] (٣) عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ يعني: مَفْروضًا] (٤).
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: مفروضًا] (٥).
الموقوتُ: المفروضُ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: أما كتابًا مَوْقوتًا، فمفروضًا (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيمٍ، قال: ثنا سُفيانُ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: مَفروضًا (٢).
وقال آخرون: معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا واجبًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: كتابا واجبًا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثني المثنى: قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: واجبًا (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مَعْمَرِ بن سامٍ (٥)، عن أبي جعفر في قوله: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: مَوْجوبًا (٦).
حدَّثني محمد بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾: والموقوتُ الواجبُ (١).
حدَّثني أحمدُ بنُ حازمٍ، قال: أخبرَنا أبو نُعَيمٍ، قال: أخبرَنا مَعْمَرُ بنُ يحيى، قال: سَمِعتُ أبا جعفرٍ يقولُ (٢): ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: وجوبُها.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا مَوْقوتًا، مُنَجَّمًا يُؤَدُّونها في أَنْجمِها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾.
قال: قال ابن مسعودٍ: إن للصلاةِ وقتًا كوقتِ الحجِّ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن زيد بن أسلم في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال: مُنْجَّمًا، كلما مضَى نَجمٌ جاء نجمٌ آخرُ.
يقولُ: كلما مضَى وقتٌ جاء وقتٌ آخرُ (٤).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن زيدِ بنِ أسلمَ مثلَه.
وهذه الأقوالُ قريبٌ معنى بعضِها مِن بعضٍ؛ لأن ما كان مفروضًا فواجبٌ، وما كان واجبًا أداؤُه في وقت بعدَ وقتٍ فمنجَّمٌ (١).
غيرَ أن أولى المعانى بتأويلِ الكلمةِ قولُ من قال: إن الصلاةَ كانت على المؤمنين فرضًا منجَّمًا؛ لأن المَوُقوتَ إنما هو مفعولٌ مِن قول القائلِ: وقَّت اللهُ عليك فرضَه، فهو يَقِتُه.
ففرضُه عليك مَوْقوتٌ.
إذا أخبَر أنه جعَل له وقتًا يَجِبُ عليك أداؤُه، فكذلك معنى قولِه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ إنما هو كانت على المؤمنين فرضًا، وقَّت لهم وقتَ وُجوبِ أدائه، فبيَّن ذلك لهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾.
ولا تَضْعُفوا.
مِن قولهم: وهَن فلانٌ في هذا الأمرِ يَهِنُ وَهْنًا ووُهُونا.
وقوله: ﴿فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾.
يعنى: في التماسِ القومِ وطلبِهم، والقومُ هم أعداءُ اللهِ جل ثناؤه وأعداءُ المؤمنين مِن أهلِ الشركِ باللهِ، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾.
يقولُ: إن تَكُونوا أيُّها المؤمنون تَيْجَعون (٢) مما يَنالُكم من الجراحِ منهم في الدنيا، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، يقولُ: فإن المشركين يَيْجَعون مما يَنالُهم منكم مِن الجِراحِ والأذى، مثلَ ما تَيْجَعون أنتم مِن جِراحِهم وأذاهم فيها.
﴿وَتَرْجُونَ﴾ أنتم أيها المؤمِنون ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مِن الثوابِ على ما يَنالُكم منهم ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ هم (١) على ما يَنالُهم منكم، يقولُ: فأنتم إن (٢) كنتم موقنين مِن ثوابِ اللهِ لكم على ما يُصيبُكم منهم بما هم به مكذِّبون، أولى وأحرى أن تَصْبِروا على حربِهم وقتالِهم منهم على قتالِكم وحربِكم، وأن تَجِدُّوا في (٣) طلبِهم وابتغائِهم لقتالِهم على ما يَهِنون هم فيه ولا يَجِدُّون، فكيف على [ما جَدُّوا] (٤) فيه ولم يهِنوا؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ منهم (٥)، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾، يَقُولُ: لا تَضْعُفُوا في طلبِ القومِ، فإنكم إن تَكُونوا تَيْجَعُون، فإنهم يَيْجَعون كما تَيْجَعون، ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ مِن الأجرِ والثوابِ ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾ (٦).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدَّيِّ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.
قال: لا تَضْعُفوا في طلبِ القومِ، فإن تَكُونوا تَيْجَعون مِن الجِراحاتِ، فإنهم يَيْجَعون كما تَيْجعون (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾: لا تَضْعُفوا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع قولَه: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾.
[يَقُولُ: لا تَضْعُفوا (٢).
حدَّثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا] (٣) فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾.
يَقُولُ: لا تَضْعُفوا عن ابتغائِهم (٤).
﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ القتالَ، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ وهذا قبلَ أن تُصِيبَهم الجِراحُ، إن كنتم تَكْرَهون القتالَ وتَأْلَمونه، ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
يَقُولُ: فلا تَضْعُفوا في ابتغائِهم لمكانِ (٥) القتالِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾: تَوْجَعون (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾.
قال: تَوْجَعون لما يُصِيبُكم منهم، فإنهم يَوْجَعون كما تَوْجَعون، ﴿وَتَرْجُونَ﴾ أنتم مِن الثوابِ فيما يُصِيبُكُم ﴿مَا لَا يَرْجُونَ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: لما كان قتالُ أُحُدٍ، وأصاب المسلمين ما أصابَ، صعِد النبيُّ ﷺ الله الجبلَ، فجاء أبو سفيانَ فقال: يا محمدُ، [يا محمدُ] (١)، [ألا تَخرجُ ألا تَخرجُ] (٢)، الحربُ سجالٌ، يومٌ لنا ويومٌ لكم.
فقال رسولُ الله ﷺ لأصحابه: "أجِيبُوهُ".
فقالوا: لا سَواءَ [لا سواءَ] (١)، قتلانا في الجنةِ، وقتلاكم في النارِ.
فقال أبو سفيانَ: عُزَّى لنا ولا عُزَّى لكم.
فقال رسولُ الله ﷺ: " [قُولوا له] (٣): اللهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لكم".
قال أبو سفيانَ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "قُولوا (٤): اللهُ أعلَى وأجلُّ".
فقال أبو سفيانَ: موعِدُنا وموعِدُكم بدرٌ الصغرى.
ونام المسلمون وبهم الكُلومُ، قال عكرمةُ: وفيها أُنزِلت: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ (*) وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، وفيهم أُنْزِلت: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٥).
حدَّثني يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخَبرَنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جُوَيبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾.
قال: يَيْجَعون كما تَيْجَعون (٦).
وقد ذكِر (١) عن بعضِهم أنه كان يَتَأَوَّلُ قولَه: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾: وتَخافون مِن اللهِ ما لا يَخافُون، مِن قولِ اللهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤].
بمعنى: لا يَخافون أيامَ اللهِ.
وغيرُ معروفٍ صرفُ الرجاءِ إلى معنى الخوفِ في كلامِ العربِ، إلا مع جَحْدٍ سابقٍ له، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] بمعنى: لا تَخافون للهِ عظمةً.
كما قال الشاعرُ (٢): لا تَرْتجِي حينَ تُلاقي الذّائدا … أسَبْعَةً لاقَتْ معًا أم واحدا وكما قال أبو ذؤيبٍ الهُذليُّ (٣): إذا لسَعَتْه النحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها (٤) في بيتِ نُوبٍ (٥) عواسلِ (٦) وهى فيما بلغنا لغةٌ لأهلِ الحجازِ (٧)، يَقُولونها بمعنى: ما أُبالى وما أَحْفِلُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾.
يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ولم يَزَلِ اللهُ عليمًا بمصالحِ خلقِه، حكيمًا في تدبيرِه وتقديرِه، ومِن علمِه أيُّها المؤمنون بمصالحِكم؛ عرَّفكم - عندَ (٨) حُضورِ صلاتِكم وواجبِ فرضِ اللهِ عليكم وأنتم مواقفو عدوِّكم - ما يَكُونُ به وصولُكم إلى أداءِ (١) فرضِ اللهِ عليكم والسلامةُ من عدوِّكم، ومن حكمتِه بصَّركم (٢) بما فيه تأييدُكم، وتوهينُ كيدِ عدوِّكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ، ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾: إنا أنزَلنا إليك يا محمدُ، ﴿الْكِتَابَ﴾، يعنى: القرآنَ؛ ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾: لتَقْضِيَ بينَ الناسِ، فتَفْصِلَ بينَهم ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، يعني: بما أنزَل اللهُ إليك مِن كتابِه، ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
يقولُ: ولا تَكُنْ لمَن خان مسلمًا أو معاهِدًا في نفسِه أو مالِه ﴿خَصِيمًا﴾: تخاصِمُ عنه (٣)، وتَدْفَعُ عنه من طالبَه بحقِّه الذي خانه فيه، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾.
[يقولُ: اسْتَغفرِ الله] (٤) يا محمدُ وسَلْه أن يَصْفَحَ لك عن عُقوبةِ ذنبِك في مخاصَمَتِك عن الخائنِ [مَن خان] (٥) مالًا لغيرِه.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يَقُولُ: إن الله لم يَزَلْ يَصْفَحُ عن ذُنوبِ عبادِه المؤمنين بتركِه عُقوبتهم عليها إذا اسْتَغْفَروه منها، رحيمًا بهم، فافْعَلْ ذلك أنت يا محمدُ، يَغْفِرِ اللهُ لك ما سلَف من خصومتِك عن هذا الخائنِ.
وقد قيل: إن النبيَّ ﷺ لم يَكُنْ خاصَم (١) عن الخائنِ، ولكنه همَّ بذلك، فأمَره اللهُ بالاستغفارِ مما همَّ به مِن ذلك.
وذُكِر أن الخائنين الذين عاتَب اللهُ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ في خصومتِه عنهم بنو أُبَيْرِقٍ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في خيانتِه التي كانت منه، فوصَفه اللهُ بها؛ فقال بعضُهم: كانت سرقةً سرَقها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾: فيما بينَ ذلك، في [ابن أُبَيْرِقٍ] (٢) ودرعِه مِن حديدٍ (٣) التي سرَق، قال أصحابُه مِن المؤمنين للنبيِّ (٤): اعْذُره في الناسِ بلسانِك، ورمَوا بالدرعِ رجلًا من يهودَ بريئًا (٥).
[حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه] (٦).
حدَّثنا الحسنُ بنُ أحمدَ بن أبي شُعيبٍ (٧) أبو مسلمٍ الحرانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن عاصمِ بن عمرَ بن قتادةَ، عن أبيه، عن جدِّه قتادةَ بن النعمانِ، قال: كان أهلُ بيتٍ منا (١) يُقالُ لهم: بنو أُبَيرِقٍ؛ بِشَرٌ وبُشَيرٌ ومُبَشِّرٌ، وكان بُشَيرٌ رجلًا، منافقًا، وكان يَقُولُ الشعرَ يَهْجُو به أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ثم يَنْحُلُه بعضَ (٢) العربِ، ثم يَقُولُ: قال فلانٌ كذا، وقال فلانٌ كذا.
فإذا سمِع أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ذلك الشعرَ، قالوا: واللهِ ما يَقُولُ هذا الشعرَ إلا هذا الخبيثُ.
فقال: أوَ (٣) كلَّما قال الرجالُ قصيدةً … أضِمُوا (٤) وقالوا ابن الأُبَيرِقِ قالَهَا قال: وكانوا أهلَ بيتِ فاقةٍ وحاجةٍ في الجاهليةِ والإسلامِ، وكان الناسُ إنما طعامهم بالمدينةِ التمرُ والشعيرُ، وكان الرجلُ إذا كان له يَسَارٌ، فقدِمت ضافِطةٌ (٥) مِن الشامِ بالدَّرْمكِ (٦)، ابتاع الرجلُ منها (٧) فخصَّ به نفسَه، فأما العيالُ فإنما طعامُهم التمرُ والشعيرُ، فقدِمت ضافطةٌ مِن الشامِ، فابتاع عمى عمى رفاعةُ بنُ زِيدٍ حِملًا مِن الدرمكِ، فجعله في مَشْرُبةٍ (٨) له، وفى المَشْرُبةِ سلاحٌ له؛ دِرْعان وسَيْفاهما وما يُصْلِحُهما، فعُدِى عليه مِن تحتِ الليلِ فنُقِبت (٩) المَشْرُبةُ، وأُخِذ الطعامُ والسلاحُ، فلما أصبح أتانى عمى رفاعةُ، فقال: يا بنَ أخى، تَعْلَمُ أنه قد عُدِى علينا في ليلتِنا هذه، فنُقبت مَشْرُبَتُنا، فذُهِب بطعامِنا وسلاحِنا.
قال: فتَحَسَّسْنا (١) في الدارِ وسأَلنا، فقيل لنا: قد رَأَيْنا بنى أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدوا في هذه الليلةِ، ولا نَرَى فيما نراه إلا على بعضِ طعامِكم، قال: وقد كان بنو أُبَيرِقٍ قالوا - ونحن نَسْأَلُ (٢) في الدارِ -: واللهِ ما نَرَى صاحبَكم إلا لبيدَ بنَ سهلٍ (٣)، رجلٌ منا له صلاحٌ وإسلامٌ، فلما سمِع بذلك لبيدٌ اخْتَرَط سيفَه، ثم أتى بنى أُبَيْرِقٍ، فقال: واللهِ ليُخالِطَنّكم هذا السيفُ أو لتُبيِّنُنَّ هذه السرقةَ.
قالوا: إليك عنا أيُّها الرجلُ، فواللهِ ما أنت بصاحبِها.
فسألنا في الدارِ حتى لم نَشُكَّ أنهم أصحابُها.
فقال عمى: يا بنَ أخي، لو أتيتَ رسولَ اللهِ ﷺ فذكَرتَ ذلك له.
[قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلك له] (٤)، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إن أهلَ بيت منا أهلَ جفاءٍ، عمَدوا إلى عمِّى رفاعةَ بن زيدٍ فَنَقَبوا مَشْرُبَةً له، وأَخَذُوا سلاحَه وطعامَه، فَلْيَرُدُّوا علينا سلاحنا، فأما الطعامُ فلا حاجةَ لنا به (٥).
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "سَأَنْظُرُ (٦) في ذلك".
فلما سمِع ذلك بنو أُبَيْرِقٍ أتَوا (٧) رجلًا منهم يُقالُ له: أَسَيرُ (٨) بنُ عُرْوةَ.
فكلَّموه في ذلك، واجْتَمَع إليه ناسٌ مِن أهلِ الدارِ، فأتَوا رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إن قتادةَ بنَ النعمانِ وعمَّه عمَدوا إلى أهلِ بيتٍ منا أهلِ إسلامٍ وصلاحٍ، يَرْمونهم بالسرقةِ عن (١) غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ (٢).
قال قتادةُ: فأَتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فكلَّمْتُه (٣)، فقال: "عمَدْتَ إلى أهلِ بيتٍ ذُكِر منهم إسلامٌ وصلاحٌ، تَرْمِيهم بالسَّرقةِ على غيرِ بينةٍ ولا ثَبَتٍ".
قال: فرجَعت ولوَدِدْتُ أنى خرَجتُ مِن بعضِ مالي ولم أُكَلِّمْ رسولَ اللهِ ﷺ في ذلك، فأتَيْتُ عمِّى رِفاعةَ، فقال: يا بنَ أخي، ما صَنَعْتَ؟
فَأَخبَرتُه بما قال لى رسولُ اللهِ ﷺ، فقال: اللهُ المستعانُ.
فلم نَلْبَثْ أن نزَل القرآنُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾؛ بنى أُبَيرِقٍ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾، أي مما قلتَ لقتادة (٤)، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بني أَبَيرِقٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾، إلى قولِه: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: إنهم إن يَسْتَغْفِرُوا الله يَغْفِرْ لهم.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: قولُهم للبيدٍ، ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾، يَعْنى: أسيرًا وأصحابَه، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فلما نزل القرآنُ أُتِى رسولُ اللهِ ﷺ بالسلاحِ، فردَّه إلى رفاعةَ.
قال قتادةُ: فلما أتَيْتُ عمِّى بالسلاحِ وكان شيخًا قد عسَا (٥) في الجاهليةِ، وكُنتُ أرى إسلامَه مدخولًا (١)؛ فلما أتَيْتُه بالسلاحِ، قال: يا بنَ أخي، هو في سبيلِ اللهِ.
قال: فعرَفت أن إسلامَه كان صحيحًا.
فلما نزَل القرآنُ لحق بُشَيرٌ بالمشركين فنزَل على سُلافةَ (٢) بنتِ سعدِ بن شُهَيدٍ (٣)، فأنزَل اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى قولِه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فلما نزَل على سُلافةَ رماها حسانُ بنُ ثابتٍ بأبياتٍ مِن شعرٍ، فأَخَذَت رَحْلَه فوضَعَتْه على رأسها ثم خرجت به فرَمَتْ به في الأبطحِ، ثم قالت: أَهْدَيْتَ إليَّ شعرَ حسانَ، ما كنتَ تَأتينى بخيرٍ (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
يَقُولُ: بما أنزَل اللهُ عليك وبيَّن لك.
﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
فقرَأ إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾: ذُكِر لنا أن هؤلاء الآياتِ أُنزِلت في شأنِ طُعْمَةَ بن أُبَيْرقٍ، وفيما همَّ به نبيُّ اللهِ ﷺ من عُذْرِه، وبيَّن اللهُ شَأنَ طعمةَ بن أُبيرِقٍ، ووعَظ نبيَّه وحذَّره أن يَكُونَ للخائنين خصيمًا، وكان طُعْمَةُ بنُ أُبَيْرِقٍ رجلًا مِن الأنصارِ ثم أحدَ بني ظَفَرٍ، سرَق درعًا لعمِّه كانت وديعةً عندَه، ثم قذَفها (٥) على يهوديٍّ كان يَغْشاهم، يُقال له: زيدُ بنُ السمينِ.
فجاء اليهوديُّ إلى نبيِّ اللهِ ﷺ يهتِفُ، فلما رأى ذلك قومُه بنو ظَفَرٍ جاءوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليَعْذِروا صاحبَهم، وكان نبيُّ اللهِ ﷺ قد همَّ بعذرِه، حتى أنزَل اللهُ جل ثناؤه في شأنِه ما أَنْزَل؛ فقال: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، إلى قولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، يَعْنى بذلك قومَه.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وكان طُعْمَةُ قد قذَف بها بريئًا، فلما بَيَّنَ اللهُ شَأنَ طُعْمَةَ، نافَق ولحِق بالمشركين بمكةَ، فأنزَل اللهُ في شأنِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: وذلك أن نفرًا مِن الأنصارِ غَزَوا مع النبيِّ ﷺ في بعضِ غَزَواتِه، فسُرِقت درعٌ لأحدِهم، فأظنَّ (٢) بها رجلًا مِن الأنصارِ، فأتي صاحبُ الدِّرْعِ رسولَ اللهِ ﷺ، فقال: إِن طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ سَرَق دِرْعِي، فأتى به رسولَ اللهِ ﷺ، فلما رأَى السارِقُ ذلك، عمَد إليها فألقاها في بيتِ رجلٍ بَرِئٍ، وقال لنفرٍ (٣) من عشيرتِه: إنى قد غيِّبتُ الدرعَ وألقيتُها في بيت فلانٍ، وستوجد عندَه.
فانطَلَقوا إلى نبيِّ اللهِ ﷺ ليلًا، فقالوا: يا نبيِّ اللهِ، إن صاحبَنا برئٌ، وإن سارق الدرِع فلانٌ، وقد أحَطنا بذلك علمًا، فاعْذِرْ صاحبَنا على رُءوسِ الناسِ وجادِلْ عنه، فإنه إلا يعْصِمْه اللهُ بك يَهْلِكُ.
فقام رسولُ اللهِ ﷺ فبرَّأه وعذَره على رُءوسِ الناسِ، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يَقُولُ: احْكُمْ بينَهم بما أنزَل اللهُ إليك في الكتابِ، ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
ثم قال للذين أتَوا رسولَ اللهِ ﵊ ليلًا [يَسْتَخفون بالكذبِ] (١): ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
يَعْنى الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﷺ [مُسْتَخفين يُجادلون عن الخائنِ.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني، الذين أَتَوا رسولَ اللهِ ﵇] (٢) مَسْتَخْفين بالكذبِ.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
يَعْنى: السارقَ، والذين يُجادِلون عن السارقِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ الآية.
قال: كان رجلٌ سرَق درعًا مِن حديدٍ في زمانِ النبيِّ ﷺ وطرَحه على يهوديٍّ، فقال اليهوديُّ: واللهِ ما سرَقتُها يا أبا القاسمِ، ولكن طُرِحت عليَّ.
وكان للرجلِ الذي سَرَق جيرانٌ يُبَرِّئونه ويَطْرَحونه على اليهوديِّ، ويَقُولون: يا رسولَ اللهِ، إن هذا اليهوديَّ لخبيثٌ (١) يَكْفُرُ باللهِ وبما جِئْت به.
قال: حتى قال (٢) عليه النبيُّ ﷺ ببعضِ القولِ، فعاتَبه اللهُ ﷿ في ذلك، فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما (٣) قلت لهذا اليهوديِّ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم أقبل على جيرانِه فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
قال: ثم عرض التوبة فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: فما أدْخَلكم أنتم أيُّها الناسُ على خطيئةِ هذا تَكَلَّمون دونَه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وإن كان مشركًا، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
[فقرَأ حتى بلَغ: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾] (٤)، فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
قال: أبَى أن يَقْبَلَ التوبة التي عرَض اللهُ له، وخرَج إلى المشركين بمكةَ، فنقَب بيتًا ليَسْرِقَه، فهدَمه اللهُ عليه فقتَله، فذلك قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
ويقالُ: هو طُعْمةُ بنُ أُبَيْرقٍ، وكان نازِلًا في بنى ظفَرٍ (٥).
وقال آخرون: بل الخيانةُ التي وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾: جحودُه وديعةً كان أُودِعَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بن مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾.
قال: أمَّا ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، فما أوحَى إليك.
قال: نزَلت في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، اسْتَودَعه رجلٌ مِن اليهود درعًا، فانطَلَق بها معه (١) إلى دارِه، فحفَر لها اليهوديُّ ثم دفَنها، فخالَفه إليها طُعْمةُ، فاحتفَر عنها فأخَذها، فلما جاء اليهوديُّ يَطْلُبُ درعَه كابَره (٢) عنها، فانطلَق إلى ناسٍ من اليهودِ مِن عشيرتِه، فقال: انْطَلِقوا معى، فإنى أعرِفُ موضِعَ الدرعِ.
فلما علم بهم طُعمةُ، أخَذ الدرعَ فألقاها في دارِ أبى مُلَيلٍ الأنصاريِّ، فلما جاءت اليهودُ تَطْلُبُ الدرعَ فلم تَقْدِرُ عليها (٣)، وقع به طُعمهُ وأناسٌ من قومِه فسبُّوه، قال: أتَّخَوِّنُونَني؟!
فانطَلَقوا يَطْلُبونها في دارِه، فأشرَفوا على بيتِ أبي مُلَيلٍ، فإذا هم بالدرعِ، وقال طُعْمَةُ: أخذها أبو مُلَيلٍ.
وجادَلت الأنصارُ دونَ طُعْمةَ، وقال لهم: انْطَلِقوا معى إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقُولوا له يَنْضَحُ (٤) عنى ويُكَذِّبُ حجةَ اليهوديِّ، فإني إن أُكَذَّبْ كذَب على أهلِ المدينةِ اليهوديُّ، فأتاه أناسٌ مِن الأنصارِ فقالوا: يا رسولَ اللهِ، جادلْ عن طُعمةَ، وأكذِبِ اليهوديَّ.
فهمَّ رسولُ اللهِ ﷺ أن يَفْعَلَ، فأنزل اللهُ عليه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مما أرَدْت، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾.
ثم ذكَر الأنصارَ ومُجادَلَتهم عنه، فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (١).
إلى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثم دعاهم إلى التوبةِ، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم ذكَر قولَه حينَ قال: أخذها أبو مُلَيلٍ.
فقال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾، ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
ثم ذكر الأنصارَ وإتيانَها (٢) إياه أن يَنْضَحَ عن صاحبِهم، ويُجَادِلَ عنه، فقال: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
يَقُولُ: النبوَّةَ.
ثم ذكَر مناجاتَهم فيما يُرِيدُون أن يُكَذِّبوا عن طُعْمَةً، فقال: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾.
فلما فضَح اللهُ طُعْمة بالمدينةِ بالقرآنِ، هرَب حتى أتَى مكةَ، فكفَر بعد إسلامِه، ونزَل على الحجاجِ بن عِلاطٍ (٣) السُّلَميِّ، فنقَب بيتَ الحجاجِ فأراد أن يَسْرِقَه، فسمِع الحجاجُ خَشْحَشةً في بيتِه، وقَعْقَعَةَ جلودٍ كانت عندَه، فنظَر فإذا هو بطُعْمَةَ، فقال: ضيفى وابنُ عمِّى وأَرَدْتَ أَن تَسْرِقَنى!
فأخرَجه، فمات بحَرَّةِ بني سُلَيمٍ (٤) كافرًا، وأنزَل اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، قال: اسْتَوْدَع رجلٌ مِن الأنصارِ طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ مَشْرُبةً له فيها درعٌ (٢)، وخرَج فغاب، فلما قدِم الأنصاريُّ فتَح مَشْرُبتَه فلم يَجِدِ الدِّرْعَ، فسأَل عنها طُعْمَةَ بنَ أُبَيْرِقٍ، فرمَى بها رجلًا من اليهودِ، يقالُ له: زيدُ بنُ السمينِ.
فتعلَّق صاحبُ الدرعِ بطُعْمَةَ في درعِه؛ فلما رَأى ذلك قومه أتَوُا النبيَّ ﷺ، فكلَّموه (٣) ليَدْرَأ عنه، فهمَّ بذلك، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
يَعْنِي: طُعمةَ بنَ أُبَيرِقٍ وقومَه (٤)، ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ له: محمدٌ ﷺ وقومُ طُعْمةَ.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: محمدٌ وطُعْمَةُ وقومُه، قال ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية: طُعْمَةُ.
﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، يعني: زيد بن السمين، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾: طُعْمَةُ مِنْ أُبَيْرِقٍ.
﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ - محمدٌ ﵇ ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾: قومُ طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ.
﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾: محمدٌ.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾، حتى تَنْقَضِىَ الآيةُ: للناسِ عامةً (١).
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
قال: لما نزَل القرآنُ في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، لحِق بقُرَيشٍ ورجَع في دينِه، ثم عدَا على مَشْرُبةٍ للحجاجِ ابن عِلَاطٍ البَهْزِيِّ (٢) ثم السُّلَمِيِّ - حليفٌ لبنى عبدِ الدارِ فنَقَبها، فسقَط عليه حجرٌ فلَحِج (٣)، فلمّا أصبَح أخرَجوه مِن مكةَ، فخرَج فلقِي رَكْبًا مِن بَهْراءَ مِن قُضاعةَ، فعرَض لهم، فقال: ابن سبيلٍ مُنْقَطَعٌ به.
فحمَلوه حتى إذا جَنَّ عليه الليلُ عَدا عليهم فسرَقهم ثم انطلقَ، فرجَعوا في طلبِه فأدْرَكوه، فقذَفوه بالحجارةِ حتى مات.
قال ابن جريجٍ: فهذه الآياتُ كلُّها فيه نزَلت، إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
أُنْزِلت في طُعْمَةَ بن أُبَيْرِقٍ، يَقُولون: إنه رَمَى بالدرعِ في دارِ أبى مُلَيلٍ بن عبدِ اللهِ الخزرجيِّ، فلما نزَل القرآنُ لحِق بقُرَيشٍ، فكان مِن أمرِه ما كان (٤).
حُدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، يقولُ: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ (٥)، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾.
يَقُولُ: بما أَنْزَلَ اللهُ عليك وأَراكَه في كتابِه، ونزَلت هذه الآيةُ في رجلٍ مِن الأنصارِ اسْتُودِع درعًا فجحَد صاحبَها، فخوَّنه رجالٌ مِن أصحابِ نبيِّ اللهِ ﷺ، فغضِب له قومُه، وأتَوا نبيَّ اللهِ ﷺ، فقالوا: خوَّنوا صاحبَنا وهو أمينٌ سَلَّمٌ، فاعْذِرْه يا نبيَّ اللَّهِ وَازْجُرُ (١) عنه.
فقام نبيُّ اللهِ ﷺ ما فعذَره، وكذَّب.
عنه، وهو يَرَى أنه برئٌ وأنه مكذوبٌ عليه، فأنْزَل اللهُ جل ثناؤُه بيانَ ذلك فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، إلى قوله: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
فبَيَّن اللهُ جل ثناؤُه خيانتَه، فلحِق بالمشركين مِن أهلِ مكةَ، وارتدَّ عن الإسلامِ، فنزَل فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين في ذلك بما دلَّ عليه ظاهرُ الآيةِ قولُ مَن قال: كانت خيانتُه التي وصَفه اللهُ بها في هذه الآيةِ جحودَه ما أُودِع؛ لأن ذلك هو المعروفُ مِن معاني الخياناتِ في كلامِ العربِ، وتوجيهُ تأويلِ القرآنِ إلى الأشهرِ مِن معاني كلامِ العربِ - ما وُجِد إليه سبيلٌ - أولى مِن غيره.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ﴾ يا محمدُ فتُخاصِمْ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾، يَعْنِي: يخوِّنون أنفسَهم؛ يَجْعَلُونَها خَوَنةً بخيانتِهم ما خانوا مِن أموالِ مَن خانوه (٣) مالَه (٤)، وهم بنو أُبَيْرِقٍ، يقول: لا تُخاصِمُ عنهم مَن طالَبَهم بحقوقِهم، وما خانوه فيه مِن أموالِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾، يَقولُ: إن الله لا يُحِبُّ مَن كان مِن صفتِه خيانةُ الناسِ في أموالِهم، وركوبُ الإثمِ في ذلك وغيرِه مما حرَّمه اللهُ عليه.
وبنحوِ الذي قُلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وقد تقدَّم ذكرُ الروايةِ عنهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
قال: اخْتَان رجلٌ (١) عمًّا له درعًا، فقذَف بها يهوديًّا كان يَغْشاهم، فجادَل عمُّ الرجلِ قومَه، فكان النبيُّ ﷺ عذَره، ثم لِحق بأرضِ الشركِ، فنزَلت فيه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ﴾: يَسْتَخْفِى هؤلاء الذين يَخْتانُون أنفسَهم ما أتَوا (٣) من الخيانةِ وركِبوا مِن العارِ والمعصيةِ مِن الناسِ الذين لا يَقْدرون (٤) لهم على شيءٍ إلا ذكرَهم بقبيحِ ما أتَوا (٣) من فعلِهم، وشَنيعِ ما ركِبوا مِن جُزْمِهم إذا اطَّلعوا عليه، حياءً منهم وحذرًا مِن قبيحِ الأُحْدوثةِ.
﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الذي هو مطَّلعٌ عليهم، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِهم، وبيَدِه العقابُ والنَّكالُ وتعجيلُ العذابِ، وهو أحقُّ أن يُسْتَحْيا منه مِن غيرِه، وأولى بأن يُعَظَّمَ؛ بأن لا يراهم حيثُ يَكْرَهون أن يَراهم أحدٌ مِن خلقِه، ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾، يعنى: واللهُ شاهدُهم، ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾.
يَقُولُ: حين يُسِرُّون (١) ليلًا ما لا يَرْضى اللهُ مِن القولِ فيُغَيِّرونه عن وجهِه، ويَكْذِبون فيه.
وقد بيَّنا معنى التَّثبيتِ في [غيرِ هذا الموضعِ (٢)، وأنه كلُّ كلامٍ أو أمرٍ أُصلِح ليلًا.
وقد حُكِى عن بعضِ الطائيِّين أن التَّبْيِيتَ في] (٣) لغتِهم التَّبْديلُ، وأنشدَ للأسودِ (٤) بن عامرِ بن جُوَينٍ (٥) الطائيِّ في معاتبةِ رجلٍ: وبيَّتَّ قَوْلِيَ عبدَ (٦) المليـ … ــكِ قاتَلَك (٧) اللهُ عبدًا كَنودَا (٨) بمعنى: بدَّلت قولى.
ورُوِى عن أبي رزينٍ أنه كان يَقولُ في معنى قولِه: يُبَيِّتون: يُؤَلِّفون.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾.
قال: يُؤَلِّفون ما لا يَرْضَى مِن القولِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ سنانٍ الواسطيُّ، قال: ثنا أبو يحيى الِحمانيُّ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ بنحوه (١).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا الثوريُّ، عن الأعمشِ، عن أبي رَزينٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: وهذا القولُ شبيهُ المعنى بالذي قلناه، وذلك أن التأليفَ هو التسويةُ (٢) والتغييرُ (٣) عما هو به، وتحويلُه عن معناه إلى غيرِه.
وقد قيل: عنَى بقولِه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾.
الرهطَ الذين مشَوا إلى رسولِ الله ﷺ في مسألةِ المدافعةِ عن ابن (٤) أُبَيْرِقٍ والجدالِ عنه، على ما قد ذكَرنا قبلُ فيما مضَى عن ابن عباسٍ وغيرِه.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾.
يَعْنى جلَّ ثناؤه: وكان اللهُ بما يَعْمَلُ هؤلاء المُسْتَخْفُون مِن الناسِ فيما أَتَوا (٥) من جُرْمِهم، حياءً منهم مِن تَبْبِيتِهم ما لا يَرْضَى مِن القولِ وغيرِه مِن أفعالِهم.
﴿مُحِيطًا﴾: مُحْصِيًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ منه، حافظًا لذلك عليهم، حتى يُجازِيَهم عليه جزاءَهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى جل ثناؤُه بقولِه: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
ها أنتم الذين جادَلتم يا معشرَ مَن جادَل عن بنى أُبَيْرِقٍ في الحياةِ الدنيا - والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿عَنْهُمْ﴾ مِن ذكرِ الخائنين - ﴿فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ﴾، يَقُولُ: فمَن ذا يُخاصِمُ الله عنهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، أي يومَ يَقُومُ الناسُ مِن قُبورِهم محشرِهم فيُدَافِعُ عنهم ما اللهُ فاعلٌ بهم ومعاقبُهم به؟
وإنما يَعْنى بذلك جل ثناؤه: أنكم أيُّها المدافِعون عن هؤلاء الخائنين أنفسَهم، وإن دافَعْتم عنهم في عاجلِ الدنيا، فإنهم سيَصِيرون في آجلِ الآخرةِ إلى مَن لا يُدافعُ عنهم عندَه (١) أحدٌ فيما يَحِلُّ بهم مِن أليمِ العذابِ ونَكالِ العقابِ.
وأما قولُه: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.
فإنه يَعْنى: ومَن ذا الذي يَكُونُ على هؤلاء الخائِنين وكيلًا يومَ القيامةِ، أي ومَن يَتَوَكَّلُ لهم في خصومةِ ربِّهم عنهم يومَ القيامةِ.
وقد بيَّنَّا معنى الوكالةِ فيما مضَى (٢)، وأنها القيامُ بأمرِ مَن توكَّلَ له.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يَعْنى بذلك جَلَّ ثناؤُه: ومَن يَعْمَلْ ذنبًا - وهو السوءُ - أو يَظْلِمْ نفسَه بإكسابِه (٣) إياها ما يَسْتَحِقُّ به عقوبةَ اللَّهِ، ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾.
يَقُولُ: ثم يَتُوبُ إلى اللهِ بإنابتِه مما عمِل مِن السوءِ وظلمِ نفسِه، ومراجعةِ ما يُحِبُّه اللهُ مِن الأعمالِ الصالحةِ التي تَمْحو ذنبَه وتُذْهِبُ جُرمَه، ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يَقُولُ: يَجِدِ الله ساتِرًا عليه ذنبَه بصفحِه له عن عقوبةِ (١) جُرمِه، رحيمًا به.
واختلَف أهلُ التأويلِ فيمن عُنِى بهذه الآيةِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها الذين وصفَهم اللهُ بالخيانة بقولِه: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
وقال آخرون: عُنِى بها الذين كانوا (٢) يجادلون عن الخائنين الذين قال اللهُ لهم: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
وقد ذكَرنا قائلى القولَين كليهما فيما مضَى.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا: أنه عُنِى بها كلُّ مَن عَمِل سُوءًا أو ظلَم نفسَه، وإن كانت نزَلت في أمرٍ الخائنين والمجادِلين عنهم، الذين ذكَر اللهُ أمرَهم في الآياتِ قبلَها.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن شعبةَ، عن عاصمٍ، عن أبي وائلٍ، قال: قال عبدُ اللهِ: كانت بنو إسرائيلَ إذا أصاب أحدُهم ذنبًا أصبح قد كُتِب كفارةُ ذلك الذنبِ على بابِه، وإذا أصاب البولُ شيئًا منه قرَضه بالمقراضِ (٣).
فقال رجلٌ: لقد آتَى اللهُ بنى إسرائيلَ خيرًا.
فقال عبدُ اللهِ: ما آتاكم اللهُ خيرٌ مما آتاهم؛ جعَل اللهُ الماءَ لكم طهورًا، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ، قال: جاءت امرأةٌ إلى عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ (٢)، فسألتْه عن امرأةٍ فجَرت فحَبِلت، فلما ولَدت قتَلت ولدَها، قال: فقال ابن مُغَفَّلٍ (٢) مالها!
لها النارُ.
فانصَرَفت وهى تَبْكى فدَعاها، قال: ثم قال: ما أرى أمرَك إلا أحدَ أمرين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال: فمسَحت عينَها ثم مضَت (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسِ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال: أخبَر اللهُ عبادَه بحلمِه وعفوِه وكرَمِه، وسَعةِ رحمتِه ومغفرتِه، فمن أذنبَ ذنبًا - صغيرًا كان أو كبيرًا - ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ولو كانت ذنوبُه أعظمَ مِن السمواتِ والأرضِ والجبالِ (٤).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يأتِ ذنبًا على عمدٍ منه له [ومعرفةٍ به] (١)، فإنما يَجْتَرِحُ (٢) وبالَ ذلك الذنبِ وضُرَّه وخِزْيَه وعارَه على نفسِه دونَ غيرِه مِن سائرِ خلقِ اللَّهِ.
يَقُولُ: فلا تجادِلوا أيُّها الذين تجادِلون عن هؤلاء الخونةِ، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرةً وقرابةً وجيرانًا براءُ مما أتَوه مِن الذنبِ ومِن التبِعةِ (٣) التي يُتْبَعون (٤) بها، فإنكم متى دافَعتم عنهم أو خاصَمتم بسببِهم كنتم مثلَهم، فلا تُدافعوا عنهم ولا تخاصِموا.
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
فإنه يَعْنى: وكان اللهُ عالمًا بما تَفْعلون أيُّها المجادِلون عن الذين يَخْتانون أنفسَهم في جدالِكم عنهم وغيِر ذلك مِن أفعالِكم وأفعالِ غيرِكم، وهو يُحْصِيها عليكم وعليهم، حتى يجازِىَ جميعَكم بها ﴿حَكِيمًا﴾.
يقولُ: وهو حكيمٌ بسياستِكم وتدبيرِكم وتدبيرِ جميعِ خلقِه.
وقيل: نزَلت هذه الآيةُ في بنى أُبَيْرِقٍ، وقد ذكَرنا مَن قال ذلك فيما مضَى قبلُ.
القولُ في تأويل قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾.
قال أبو جعفر محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: ومَن يَعْمَلْ خطيئةً، وهى الذنبُ، أو إثمًا، وهو ما لا يحلُّ مِن المعصيةِ.
وإنما فرَّق بينَ الخطيئةِ والإثمِ؛ لأن الخطيئةَ قد تَكُونُ مِن قِبَلِ العمدِ وغيرِ العمدِ، والإثمُ لا يَكُونُ إلا مِن العمدِ، ففصَل جلَّ ثناؤُه لذلك بينَهما، فقال: ومَن يَأْتِ خَطيئةً على غيرِ عمدٍ منه لها، أو إثمًا على عمدٍ منه، ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ (١).
يَعْنى: ثم يُضيفُ (٢) [ما أتَى] (٣) مِن خطئِه أو إثمِه الذي تَعَمَّده بريئًا مما أضافه إليه، ونحَله إياه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
يَقُولُ: فقد تَحمَّلَ بفعلِه ذلك فِرْيةً وكذبًا وإثمًا عظيمًا، يقولُ: وجُرْمًا عظيمًا على علمٍ منه وعَمْدٍ لما أتَى مِن معصيتِه وذنبِه.
واختلَف أهلُ التأويلِ فيمن عنَى اللهُ بقولِه: ﴿بَرِيئًا﴾.
بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن الذي رمَى البرئَ بالإثم الذي كان أتاه ابن أُبَيْرِقٍ: الذي وصَفنا شأنَه قبلُ؛ فقال بعضُهم: عَنى اللهُ ﷿ بالبرئِ رجلًا مِن المسلمين يُقال له: لبيدُ بنُ سهلٍ.
وقال آخرون: بل عنَى به رجلًا مِن اليهودِ يُقال له: زيدُ بنُ السَّمِينِ.
وقد ذكَرنا الروايةَ عمن قال ذلك فيما مضَى، وممن قال: كان يَهُوديًّا، ابن سيرينَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا غُنْدَرٌ، عن شعبةَ، عن خالدٍ الحذاءِ، عن ابن سيرينَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، قال: يهوديًّا (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا بَدَلُ بنُ المُحبَّرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن خالدٍ الحذَّاءِ، عن ابن سِيرينَ مثلَه (٤).
وقيل: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾، بمعنى: ثم يَرْمِ بالإثمِ الذي أتى هذا الخائنُ مَن هو برئٌ مما رمَاه به، فالهاءُ في قولِه ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على الإثمِ، ولو جُعِلت كنايةٌ مِن ذكرِ الإثمِ والخَطيئةِ كان جائزًا؛ لأن الأفعالَ وإن اختلَفت العباراتُ عنها فراجعةٌ إلى معنى واحدٍ بأنها فعلٌ.
وأما قولُه: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
فإن معناه: فقد تَحمَّل هذا الذي رمَى بما أتى مِن المعصيةِ، وركِب مِن الإثمِ والخطيئةِ مَن هو برئٌ مما رماه به مِن ذلك ﴿بُهْتَانًا﴾ - وهو الفِرْيةُ والكَذِبُ - ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يَعْنى: وِزرًا (١) مبينًا، يعنى أنه يُبِينُ عن أمرِ مُتَحمِّله (٢) وجُرأتِه على ربِّه، وتَقَدُّمِه على خلافِه فيما نهاه عنه لمن يَعْرِفُ أمرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾.
ولولا أن الله تَفَضَّل عليك يا محمدُ فعصَمك بتوفيقِه وتِبيانِه لك أمرَ هذا الخائنِ، فكَفَفْتَ لذلك عن الجدالِ عنه، ومدافعةِ أهلِ الحقِّ عن حقِّهم قِبَلَه، ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾.
يَقُولُ: لهمَّت فرقةٌ منهم، يَعْنى: مِن هؤلاءِ الذين يَخْتَانُون أنفسَهم ﴿أَنْ يُضِلُّوكَ﴾.
يَقُولُ: يُزِلُّوك عن طريقِ الحقِّ، وذلك لتلبِيسِهم أمرَ الخائنِ عليه ﷺ، وشَهادتِهم للخائنِ عندَه بأنه برئٌ مما ادُّعِى عليه، ومسألتِهم إياه أن يَعْذِرَه، ويَقُومَ بمعذِرتِه في أصحابِه، فقال اللهُ ﵎: وما يُضِلُّ هؤلاء الذين همُّوا بأن يُضِلوك عن الواجبِ مِن الحكمِ في أمرِ هذا الخائنِ درعَ جارِه، إلا أنفسَهم.
فإن قال قائلٌ: وما كان وجهُ إضلالِهم أنفسَهم؟
قيل: وجهُ إضلالِهم أنفسَهم: أخذُهم بها في غيرِ ما أباح اللهُ لهم الأخذَ بها فيه مِن سُبُلِه، وذلك أن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد كان تَقَدَّم إليهم فيما تَقَدَّم في كتابِه على لسانِ رسولِه ﷺ إلى خلقِه، بالنهى عن التعاونِ على الإثمِ والعُدْوانِ، والأمرِ بالتعاونِ على الحقِّ، فكان مِن الواجبِ للهِ على من سعَى في أمرِ الخائنين الذين وصَف اللهُ أمرَهم بقولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، معاونةُ مَن ظلَموه دونَ مَن خاصَمهم إلى رسولِ اللهِ ﷺ في طلبِ حقِّه منهم، فكان سعيُهم في معونتِهم دونَ معونةِ مَن في ظلَموه، أخذًا منهم في غيرِ سبيلِ اللهِ، وذلك هو إضلالهُم أنفسَهم، الذي وصَفه اللهُ فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾.
يقولُ: وما يَضُرُّك هؤلاء الذين همُّوا بك أن يُزِلُّوك عن الحقِّ في أمرِ هذا الخائنِ مِن قومِه وعشيرتِه مِن شيءٍ؛ لأن الله مُثَبِّتُك ومسدِّدُك في أمورِك، ومبينٌ لك أمرَ مَن سعَوا في إضلالِك عن الحقِّ في أمرِه وأمرِهم، ففاضِحُه وإياهم.
وقولُه: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
يَقُولُ: ومِن فضلِ اللهِ عليك يا محمدُ مع سائرِ ما تَفَضَّل به عليك مِن نعمِه، أنه أنزَل عليك أيضًا الكتابَ، وهو القرآنُ الذي فيه تِبيانُ كلِّ شيءٍ وهدًى وموعظةٌ، و ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾، يَعْنى: وأنزل عليك مع الكتابِ الحكمةَ، وهى بيانُ ما كان في الكتابِ مجملًا ذكرُه، مِن حلالِه وحرامِه، وأمرِه ونهيِه وأحكامِه، ووعدِه ووعيدِه، ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مِن خبرِ الأوَّلين والآخرين، وما كان وما هو كائنٌ (١)، فكل ذلك مِن فضلِ اللهِ عليك.
[وقولُه: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
يقولُ: ولم يَزَلْ فضلُ اللَّهِ عليك] (١) يا محمدُ مذ خلَقك، عظيمًا فاشْكُرْه على ما أوْلاك مِن إحسانِه إليك بالتمسُّكِ بطاعتِه، والمسارعةِ إلى رضاه ومحبتِه، ولزومِ العملِ بما أنْزَل إليك في كتابِه وحكمتِه، ومخالفةِ مَن حاول إضلالَك عن طريقِه ومنهاجِ دينِه، فإن اللَّهَ هو الذي يَتَولّاك بفضلِه ويَكْفِيك غائلةَ مَن أرادَك بسوءٍ وحاوَل صدَّك عن سبيلِه، كما كفاك أمرَ الطائفةِ التي همَّت أن تُضِلُّك عن سبيلِه في أمرِ هذا الخائنِ، ولا أحدَ مِن دونِه يُنْقِذُك مِن سوءٍ إن أراد بك، إن أنت خالَفتَه في شيءٍ مِن أمره ونهيِه، واتَّبَعْت هوَى مَن حاوَل صدَّك عن سبيلِه.
وهذه الآيةُ تَنْبِيهٌ مِن اللهِ ﷿ نبيَّه محمدًا ﷺ على موضعِ خَطئِه (٢)، وتذكيرٌ منه له الواجبَ عليه مِن حقِّه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾.
لا خيرَ في كثيرٍ مِن نجوى الناسِ جميعًا، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾.
والمعروفُ: هو كلُّ ما أمَر اللهُ به أو ندَب إليه مِن أعمالِ البرِّ والخيرِ، ﴿أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾: وهو الإصلاحُ بينَ المتبايِنَيْن أو المختصمَيْن بما أباح اللَّهُ الإصلاحَ بينَهما ليَتَراجَعا إلى ما فيه الأُلْفَةُ واجتماعُ الكلمةِ على ما أذِن اللهُ وأمَر به.
ثم أخبَر جلَّ ثناؤُه بما وعَد مَن فعَل ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يَقُولُ: ومَن يَأْمُرْ بصدقةٍ أو معروفٍ مِن الأمرِ (١)، أو يُصْلِحْ بينَ الناسِ ﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾، يَعْنى: طلبَ رَضا اللَّهِ بفعلِه ذلك، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يَقُولُ: فسوف نُعْطِيه جزاءً لما فعل مِن ذلك أجْرًا (٢) عظيمًا، ولا حدَّ لمبلغِ ما سمَّى اللهُ عظيمًا يَعْلَمُه سواه (٣).
واختلَف أهلُ العربيةِ في مَعْنَى قولِه: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك: لا خيرَ في كثيرٍ من نجواهم إلا في نجوى مَن أمَر بصدقةٍ، كأنه عطَف بـ"مَن" على "الهاءِ والميمِ" التي في ﴿نَجْوَاهُمْ﴾.
وذلك خطأٌ عندَ أهلِ العربيةِ؛ لأن "إلا" لا تُعْطَفُ على "الهاءِ والميمِ" في مثلِ هذا الموضعِ مِن أجلِ أنه لم يَنَلْه الجحدُ.
وقال بعضُ نحوييِّ الكوفةِ: قد تَكُونُ "من" (٤) في موضعِ خفضٍ ونصبٍ.
أما الخفضُ فعلى قولِك: لا خيرَ في كثيرٍ مِن نجواهم إلا فيمن أمَر بصدقةٍ.
فتَكُونُ النَّجْوى على هذا التأويلِ: هم الرجالُ المناجُون، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧].
وكما قال ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
وأما النصبُ، فعلى أن تَجْعَل النجوى فعلًا (٥) فيَكُونَ نصبًا؛ لأنه حينَئذٍ يَكُونُ (٦) استثناءً منقطعًا؛ لأن (٧) "مَن" خلافُ "النجوى"، فيَكُونُ ذلك نظيرَ قولِ الشاعرِ (١).
… ...
… ...
… ...
… وَما بالرَّبْعِ مِن أحدِ إلا أَوَارِيَّ لأْيًا ما أُبَيِّنُها … ..................
وقد يَحْتَمِلُ ["مَن" على] (٢) هذا التأويلِ أن يَكُونَ رفعًا، كما قال الشاعرُ (٣): وبلدةٍ ليس بها أَنِيسُ … إلا اليَعافيرُ وإلا العِيسُ (٤) قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ في ذلك أن تَجْعَلَ "مَن" في موضعِ خفضٍ بالردِّ على النَّجْوى، وتكُونُ النَّجْوَى بمعنى جمع المُتناجِين، خرج مَخرجَ السَّكْرَى والجَرْحَى والمَرْضَى، وذلك أن ذلك أظهرُ معانيه، فيَكُونُ تأويلُ الكلامِ: لا خيرَ في كثيرٍ من المتناجِين يا محمدُ [مِن الناسِ] (٥)، إلا في من أمَر بصدقةٍ أو معروفٍ أو إصلاحٍ بينَ الناسِ، فإن أولئك فيهم الخيرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾.
ومَن يُبايِنِ الرسولَ محمدًا ﷺ المعاديًا له، فيُفارِقْه على العداوةِ له، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾.
يَعْنى: مِن بعدِ ما تَبَيَّن له أنه رسولُ اللهِ، وأنَّ ما جاء به مِن عندِ اللهِ يَهْدِى إلى الحقِّ وإلى طريقٍ مستقيمٍ، ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يَقُولُ: ويَتَّبِعْ طريقًا غيرَ طريقِ أهلِ التصديقِ، ويَسْلُكْ منهاجًا غيَر منهاجِهِم، وذلك هو الكفرُ باللهِ؛ لأن الكفرَ باللهِ وبرسولِه غيُر سبيلِ المؤمنين وغيرُ منهاجِهم، ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾.
يَقُولُ: نَجْعَلْ ناصرَه ما استَنْصَرَه واستَعَان به مِن الأوثانِ والأصنامِ، وهى لا تُغْنيه ولا تَدْفَعُ عنه مِن عذابِ اللَّهِ شيئًا، ولا تَنْفَعُه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾.
قال: مِن [آلهةِ الباطلِ] (١) (٢).
حدَّثني المثنى (٣)، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه (٢).
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.
يَقُولُ: ونَجْعَلْه يصْلَى نارَ جهنمَ، يَعْنى: نُحْرِقُه بها.
وقد بينَّا معنى الصَّلاءِ فيما مضَى (٤)، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
يَقُولُ: وساءت جهنَّمُ مَصيرًا: موضعًا يَصيرُ إليه مَن صار إليه، ونزَلت هذه الآيةُ في الخائِنين الذين ذكَرهم اللهُ في قولِه: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ لما أبَى التوبةَ مَن أبى منهم، وهو طُعْمَةُ بنُ الأُبَيْرقِ، ولِحق بالمشركين مِن عبدةِ الأوثانِ بمكةَ مرتدًّا مفارِقًا لرسولِ اللهِ ﷺ ودينِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إِن اللَّهَ لا يَغْفِرُ لِطُعْمَةَ إِذ أَشْرَك ومات على شركِه باللهِ ولا لغيرِه مِن خلقِه شرْكَهم وكفْرَهم به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
يَقُولُ: ويَغْفِرُ ما دونَ الشركِ باللهِ مِن الذنوبِ لمن يَشاءُ، يَعْنى بذلك جلَّ ثناؤُه: أن طُعْمَةً لولا أنه أشْرَك باللهِ ومات على شركِه لكان في مشيئةِ اللهِ على ما سلَف مِن خيانتِه ومعصيتِه، وكان إلى اللهِ أمرُه في عذابِه والعفوِ عنه - وكذلك حكمُ كلِّ (١) مَن اجْتَرَم جُرْمًا، فإلى اللهِ أمرُه، إلا أن يَكُونَ جُرْمُه شركًا باللهِ وكفرًا، فإنه (٢) ممن حَتْمٌ عليه أنه مِن أهلِ النارِ إذا مات على شركِه - [فأما إذا (٣) مات] (٤) مات على شركِه، فقد حرَّم اللهُ عليه الجنةَ، ومأواه النارُ.
وقال السُّديُّ في ذلك بما حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
يَقُولُ: مَن يَجْتَنِبُ الكبائرَ مِن المسلمين.
وأما قولُه: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾.
فإنه يَعْنى: ومَن يَجْعَلْ للَّهِ في عبادتِه شريكًا، فقد ذهَب عن طريقِ الحقِّ، وزال عن قصدِ السبيلِ ذهابًا بعيدًا وزوالًا شديدًا، وذلك أنه بإشراكِه باللهِ في عبادتِه قد أطاع الشيطانَ وسلَك طريقه، وترَك طاعةَ اللهِ ومنهاجَ دينِه، فذاك هو الضلالُ البعيدُ والخُسرانُ المبينُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: إن يَدْعُون مِن دونِه إلا اللاتَ والعُزَّى ومناةَ، فسمّاهنّ اللهُ إناثًا بتسميةِ المشركين [إياهم بأسماءِ] (١) الإناثِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصَينٌ، عن أبي مالكٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
قال: اللاتَ والعزَّى ومناةَ، كلُّها مؤنثٌ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هشيمٌ، عن حُصَينٍ، عن أبى مالكٍ بنحوِه، إلا أنه قال: كلُّهن (٣) مؤنثٌ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
يَقُولُ: يُسَمُّونَهم إناثًا؛ لاتَ ومناةَ وعُزَّى (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
قال: آلهتُهم: اللاتُ والعُزَّى ويَسافُ (٥) ونائلةُ، هم إناتٌ يَدْعُونهم مِن دونِ اللهِ، وقَرَأَ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
وقال آخرون: معنى ذلك: إن يَدْعُون مِن دونِه إلا مَواتًا لا رُوح فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليٍّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
يَقُولُ: مَيْتًا (١).
حدَّثني بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ: قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾: أي إلا مَيْتًا لا رُوح (٢) فيه (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجاجُ، قال: ثنا مباركُ بنُ فَضالةَ، عن الحسنِ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
قال: والإناتُ: كلُّ شيءٍ ميتٌ ليس فيه روحٌ: خشبةٌ يابسةٌ أو حجرٌ يابسٌ، قال اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾، إلى قولِه: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ (٤).
وقال آخرون: عُنِى بذلك: أن المشركين كانوا يَقُولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ.
[ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
قال: الملائكةُ، يَزْعُمون أَنَّهم بناتُ اللهِ (١).
وقال آخرون: معنى ذلك: أن أهلَ (٢) الأوثانِ كانوا يُسَمُّون أوثانَهم إناثًا، فأنزَل اللهُ ذلك كذلك] (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن نوحِ بن قيسٍ، عن أبي رجاءٍ، عن الحسنِ قال: كان لكلِّ حيٍّ مِن أحياءِ العربِ صنمٌ يُسَمُّونها أنثى [بنى فلانٍ] (٤)، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (٥).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا نوحُ بنُ قيسٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ سيفٍ أبو رجاءٍ الحرانيُّ، قال: سمِعت الحسنَ يَقُولُ: كان لكلِّ حَيٍّ مِن العربِ، فذكَر نحوَه (٥).
وقال آخرون: الإناثُ في هذا الموضعِ الأوثانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَاثًا﴾ قال: أوثانًا (١).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن هشامِ بن عُرْوةَ، عن أبيه، قال: كان في مصحفِ عائشةَ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ (٢).
وقد رُوِى عن ابن عباسٍ أنه كان يَقْرَؤُها (٣): (إن يَدْعُون مِن دونِه إلا أُثُنًا (٤)).
بمعنى جمعِ وَثَنٍ، فكأنه جمَع وَثَنًا وُثْنًا (٥)، ثم قَلب الواوَ همزةً مَضْمومةً، كما قيل: ما أحسَنَ هذه الأُجُوهَ.
بمعنى "الوُجوه"، وكما قيل: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] بمعنى: وُقِّتت.
وذكِر عن بعضِهم أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (إن يَدْعُون مِن دونِه إلا أُنُثًا).
كأنه أراد جمعَ الإناثِ، فجمَعها أُنُثًا، كما تُجمَعُ الثمارُ "ثُمُرا" (٦).
والقراءةُ التي لا أستجيزُ القراءةَ بغيرِها قراءةَ مَن قرَأ: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾.
بمعنى جمع الأُنثى؛ لأنها كذلك في مصاحفِ المسلمين، ولإجماعِ الحجةِ على قراءةِ ذلك كذلك.
وأولى التأويلاتِ التي ذُكِرت بتأويلِ ذلك - إذ كان الصوابُ عندَنا مِن القراءةِ ما وصَفْتُ - تأويلُ مَن قال: عنِى بذلك الآلهةُ التي كان مشرِكو العربِ يَعْبُدونها مِن دونِ اللهِ، ويُسَمُّونها بالإناثِ مِن الأسماءِ، كاللاتِ والعزَّى ونائلةَ ومناةَ، وما أشبَه ذلك.
وإنما قلنا ذلك أولى بتأويلِ الآية؛ لأن الأظهرَ مِن معاني الإناثِ في كلامِ العربِ ما عُرَّف بالتأنيثِ دونَ غيره، فإذ كان ذلك كذلك، فالواجبُ توجيهُ تأويلِه إلى الأَشْهرِ مِن معانيه، وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: ومَن يُشَاقِقِ الرسولَ مِن بعدِ ما تَبَيَّن له الهدى، [ويَتَّبِعْ غيرَ سبيلِ المؤمنين] (١)، نُوَلِّه ما تولَّى ونُصْلِه جهنمَ وساءَت مصيًرا، ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾، يَقولُ: ما يَدْعُو الذين يُشَاقُّون الرسولَ ويَتَّبِعون غيرَ سبيلِ المؤمنين شيئًا مِن دونِ اللهِ بعدَ اللهِ وسواه (٢) ﴿إِلَّا إِنَاثًا﴾، يَعْنى: إلا ما سمَّوه بأسماءِ الإناثِ، كاللاتِ والعزَّى وما أشبَه ذلك، يَقُولُ جلَّ ثناؤُه: فحسِب هؤلاء الذين أشرَكوا باللهِ وعبَدوا ما عبَدوا مِن دونِه مِن الأوثانِ والأندادِ - حجةً عليهم في ضلالتِهم وكفرِهم وذهابِهم عن قصدِ السبيلِ - أنهم يَعْبُدُون إناثًا ويَدْعُونها آلهةً وأربابًا.
والإناتُ مِن كلِّ شيءٍ أخسُّه (٣).
فهم يُقِرُّون للخسيسِ مِن الأشياءِ بالعبوديةِ على علمٍ منهم بخساستِه، ويَمْتَنِعون مِن إخلاصِ العبوديةِ للذى له مُلْكُ كلِّ شيءٍ، وبيدِه الخلقُ والأمرُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يَعْنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
وما يَدْعُو هؤلاء الذين يَدْعُون هذه الأوثانَ الإناثَ مِن دونِ اللَّهِ بدعائِهم إياها إلا شيطانًا مريدًا، يَعْنى متمرِّدًا على اللهِ جل ثناؤه في خلافِه فيما أمرَه به، وفيما نهاه عنه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾.
قال: تمرَّد على معاصى اللهِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يَعْنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾.
أخْزاه وأقْصاه وأبعَده.
ومعنى الكلامِ: وإن يَدْعُون إلا شيطانًا مريدًا قد لعَنه اللهُ، وأبعَده مِن كلِّ خيرٍ.
وقال: ﴿لأَتَّخِذَنَّ﴾.
يَعْنى بذلك أن الشيطانَ المريدَ قال (٢) لربِّه إذ لعَنه: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
يعنى بالمفروضِ: المعلومَ.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نعيمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾.
قال: معلومًا (١).
فإن قال لنا قائلٌ: وكيف يَتَّخِذُ الشيطانُ مِن عبادِ اللهِ نصيبًا مفروضًا؟
قيل: يَتَّخِذُ منهم ذلك النصيبَ بإغوائِه إياهم عن قصدِ السبيلِ، ودعائِه إياهم إلى طاعتِه، وتَزْيينِه لهم الضلالَ والكفرَ، حتى يُزِيلَهم عن منهجِ الطريقِ، فمن أجاب دعاءَه واتَّبع ما زيَّنه له، فهو مِن نصيبِه المعلومِ وحظِّه المقسومِ، وإنما أخبَر اللهُ جلَّ ثناؤُه في هذه الآيةِ بما أخبَر عن الشيطانِ مِن قبلِه: ﴿لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ ليَعْلَمَ الذين شاقُّوا الرسولَ من بعدِ ما تَبَيَّن لهم الهدى أنهم مِن نصيبِ الشيطانِ - الذي لعَنه اللهُ - المفروضِ، وأنه ممن صدَّق عليهم ظنَّه.
وقد دللَّنا على معنى اللعنةِ فيما مضَى (٢)، فكرِهنا إعادتَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يَعْنى بقولِه جلَّ ثناؤُه مخبِرًا عن قِيلِ الشيطانِ المَريدِ، الذي وصَف صفتَه في هذه الآيةِ: ﴿وَلأُضِلَّنَّهُمْ﴾.
ولأَصُدَّنُّ (٣) النصيبَ المفروضَ الذي أتَّخِذُه مِن عبادِك (٤) عن مَحَجَّةِ الهدى إلى الضلالِ، ومِن الإسلامِ إلى الكفرِ، ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، يَقُولُ: لأَزِيغَنَّهم بما أَجْعَلُ في نفوسِهم مِن الأمانيِّ عن طاعتِك وتوحيدِك إلى طاعتى، والشركِ بك، ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، يَقُولُ: ولآمُرَنَّ النصيبَ المفروضَ لى مِن عبادِك بعبادةِ غيرِك مِن الأوثانِ والأندادِ، حتى يَنْسُكوا له ويُحَرِّموا ويُحَلِّلُوا له، ويَشْرَعوا غيَر الدينِ (١) الذي شَرَعتَه لهم فيَتَّبِعونى ويُخالِفوك.
والبَتْكُ (٢): القَطْعُ، وهو في هذا الموضعِ: قطعُ أُذُنِ البَحِيرةِ (٣) ليُعلمَ أنها بَحيرةٌ، وإنما أراد بذلك الخبيثُ: أنه يَدْعوهم إلى البَحيرَةِ، فيَسْتَجيبون له، ويَعْمَلُون بها طاعةً له.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾.
قال: البَتْكُ في البَحِيرةِ والسائبةِ (٤)، كانوا يُبَتِّكون آذانَها لطَواغِيتِهم (٥).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾: أما يُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأنعامِ: فيَشُقُّونها فيَجْعَلونها بَحِيرةً (٦).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: أخبَرنى القاسمُ بنُ أبى بَزَّةَ، عن عِكرمةَ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾، قال: دينٌ شرَعه لهم إبليسُ كهيئةِ البحائرِ والسُّيَّبِ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولآمُرَنَّهم فليُغَيرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ مِن البهائمِ بخِصائِهم (٢) إياها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عمارِ بن أبى، عمارٍ، عن ابن عباسٍ، أنه كرِه الإخصاءَ وقال: فيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشارِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ داودَ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أنسٍ، أنه كرِه الإخصاءَ، وقال: فيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرزايِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: هو الإخصاءُ، يَعْنى قولَ اللهِ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٤).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن (١) فُضيل، عن مُطَرِّفٍ، قال: ثنى رجلٌ، عن ابن عباسٍ، قال: إخصاءُ البهائمِ مُثلةٌ.
ثم قرَأ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: مِن تغييرِ خلقِ اللهِ الخِصاءُ (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: أخبَرنى شُبَيلٌ (٤)، أنه سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: الخصِاءُ.
قال: فأمَرتُ أبا التَّياحِ، فسأل الحسنَ عن خِصاءِ الغنمِ، فقال: لا بأسَ به (٥).
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: ثنا عمى وهبُ بنُ نافعٍ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، قال: أمَرنى مجاهدٌ أن أسْألَ عكرمةَ عن قولِه: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
فَسَأَلته، فقال: هو الخِصاءُ (٦).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن عبدِ الجبارِ بن وَرْدٍ، عن القاسمِ بن أبى بَزَّةَ، قال: قال لى مجاهدٌ، سَلْ عنها عكرمةَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، فسأَلتُه، فَقال: الإخصاءُ.
قال مجاهدٌ: ما له لعنه اللهُ!
فواللهِ لقد علِم أنه غيرُ الإخصاءِ، ثم قال لي: سَلْه.
فسألتُه، فقال عكرمةُ: ألم تَسْمَعْ إلى قولِ اللهِ ﵎: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾؟
[الروم: ٣٠] قال: لدينِ اللهِ.
فحدَّثت به مجاهدًا فقال: ما له أخزاه اللهُ (١).
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا حفصٌ، عن لَيْثٍ، قال: قال عكرمةُ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: الإخصاءُ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هارونُ النَّحْويُّ، قال: ثنا مطرٌ الورّاقُ، قال: سئل عكرمةُ عن قولِه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: هو الإخصاءُ.
حدَّثنا ابن وكيعِ قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ (٢)، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن أبى خالدٍ، عن أبي صالحٍ، قال: الإخصاءُ (٣).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: سمِعت أنسَ بنَ مالكٍ يَقُولُ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: منه الحصاءُ (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِيٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سَلَمةَ، عن عمارِ بن أبى عمارٍ، عن ابن عباسٍ مثلَه (٥).
حدَّثنا عمرو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا معاذُ بنُ هشامٍ، قال: ثنى أبى، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، أنه كرِه الإخصاءَ.
قال: وفيه نزَلت: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (٢).
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا سفيانُ في قوله: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: هو الِخصاءُ] (٣).
وقال آخرون: معنى ذلك: ولآمُرَنَّهم فليغَيِّرُنَّ دينَ اللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾: قال: دينَ اللهِ (٤).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ وأبو أحمدَ، قالا: ثنا سفيانُ، عن قيسِ بن مسلمٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾.
قال: دينَ اللهِ (٥).
له يَوْمَها، أو تَضَعَ عنه (١) بعضَ الواجبِ لها مِن حقٌّ عليه، تَسْتَعْطِفُه بذلك وتَسْتَدِيمُ المُقامَ في حبالِه، والتَّمسُّكَ بالعَقْدِ الذي بينَها وبينَه من النكاحِ.
يقولُ: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: والصُّلْحُ بتَرْكِ بعضِ الحقَّ اسْتِدامةً للحُرْمةِ، [وتَمَسُّكًا بعقدِ] (٢) النكاحِ، خيرٌ مِن طَلَبِ الفُرْقةِ والطلاقِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا أبو الأَحْوَصِ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن عُرْعُرَةَ، أن رجلًا أتى عليًّا ﵁ يَسْتَفْتِيه في امرأةٍ خافت مِن بَعْلِها نُشوزًا أو إعراضًا، فقال: قد تكونُ المرأةُ عندَ الرجلِ، فتَنْبو عيناه عنها مِن دمامتِها، أو كِبَرِها، أو سُوءِ خلقِها، أو فَقْرِها، فتَكْرَهُ فِراقَه، فإن وَضَعتْ له مِن مهرِها شيئًا حلَّ له، وإن جَعَلتْ له مِن أيامِها شيئًا فلا حرجَ (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بن حربٍ، عن خالدِ بن (٤) عُرْعُرةَ، قال: سُئِلَ عليٌّ: ﴿وَإِنِ امْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
قال: المرأةُ الكبيرةُ، أو الدَّمِيمةُ، أو لا يُحِبُّها زوجُها، فيَصْطَلِحان.
الكتابِ الذين أقرُّوا بحُكْمِ التوراةِ، ثم كَذَّبوا بخلافِهم إياه، ثم أقرَّ مِن أقرَّ منهم بعيسى والإنجيلِ، ثم كَذَّب به بخلافِه إياه، ثم كَذَّب بمحمدٍ ﷺ والفُرْقانِ، فازادادَ بتَكْذيبِه به كفرًا على كفرِه.
وإنما قلنا: ذلك أوْلى بالصوابِ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ لأن الآيةَ قبلَها في قصصِ أهلِ الكتابَين - أعنِى قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ - ولا دَلالةَ تدلُّ على أن قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ مُنْقِطعٌ معناه مِن معنى ما قِبَلَه، فإلحاقُه بما قبلَه أوْلى، حتى تأتىَ دَلالةٌ دالَّةٌ على انقطاعِه منه.
وأما قولُه: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ﴾.
فإنه يعنى: لم يكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عليهم كفرَهم وذنوبَهم، بعفوه عن العقوبةِ لهم عليه، ولكنه يَفْضَحُهم على رءوسِ الأشهادِ.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾.
يقولُ: ولم يَكُنْ لِيُسَدِّدَهم لإصابةِ طريقِ الحقِّ فيُوَفِّقَهم لها، ولكنه يَخْذُلْهم (١) عنها؛ عقوبةً لهم على عظيمِ جُرْمهم وجُرْأَتِهم على ربهم.
وقد ذهَب قومٌ إلى أن المرتدَّ يُسْتَتاب ثلاثًا، انتزاعًا منهم بهذه الآيةِ، وخالَفهم على ذلك آخرون.
ذكرُ مَن قال: يستتاب ثلاثًا حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حَفْصٌ، عن أشْعَثَ، عن الشَّعْبيِّ، عن عليٍّ، قال: إن كنتُ لمُسْتَتيبًا المرتدَّ ثلاثًا.
ثم قرَأ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ (٢).
اسْتُعِزُّ على المريض.
إذا اشتدَّ مرضُه وكاد يُشْفَى.
ويقالُ: تَعَزَّز اللحمُ.
إذا اشتدَّ.
ومنه قيل: عَزَّ على أن يكونَ كذا وكذا.
بمعنى: اشتدَّ عليَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾.
يعنى بذلك جلّ ثناؤُه: وبَشِّرِ المنافقين الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾.
يقولُ: أَخْبِرُ مَن اتَّخَذ مِن هؤلاء المنافقين الكفارَ أنصارًا وأولياءَ بعدَ ما نزل عليهم مِن القرآنِ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
يعنى: بعدَ ما عَلِموا نَهْيَ اللهِ عن مجالسةِ الكفارِ الذين يَكْفُرون بحُجَجِ اللهِ وآيِ كتابِه، ويَسْتَهْزِئون بها.
﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿يَخُوضُوا﴾.
يَتَحَدَّثوا (١) حديثًا غيرَه - ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
وقولُه: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾.
يعنى: وقد نَزَّل عليكم أنكم إنْ جالَسْتم مِن يَكْفُرُ بآياتِ اللهِ، ويَسْتَهْزِئُ بها وأنتم تَسْمَعون، فأنتم مِثلُهم (٢)، يعني: فأنتم - إن لم تَقُوموا عنهم في تلك الحال - مِثلُهم في فعليهم؛ لأنكم قد عَصَيْتم الله بجلوسِكم معهم، وأنتم تَسْمَعون آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها، كما عَصَوه باستهزائهم بآياتِ اللهِ، فقد أتَيتُم مِن معصيةِ اللهِ نحوَ الذي أَتَوه منها، فأنتم إذن مِثْلُهم في ركوبِكم (٣) معصيةَ اللهِ، وإتيانِكم ما نهَى اللهُ عنه.
نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾: ألم نُبَيِّنْ لكم أنا (١) على ما أنتم عليه (٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذان القولان مُتقاربِا المعنى، وذلك أن مِن تأوَّله بمعنى: ألم نُبَيِّنْ لكم، إنما أراد - إن شاء اللهُ - ألم نَغْلِبْ عليكم بما كان منَّا مِن البيانِ لكم أنَّا معكم.
وأصلُ الاستحواذِ في كلامِ العربِ - فيما بَلَغَنا - الغَلَبَةُ، ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: ١٩].
بمعنى غَلَب عليهم، يقالُ منه: حاذَ عليه، واستَحاذَ يَحِيذُ ويَسْتَحِيذُ، وأحاذَ يُحِيذُ.
ومِن لغةِ مَن قال: "حاذَ"، قولُ العَجَّاجِ في صفةِ ثَوْرٍ وكلابٍ (٣): يَحُوذُهنَّ وله حُوذِيُّ وقد أنشَد بعضُهم: يَحُوزُهنَّ وله حوزِيُّ وهما مُتَقارِبا المعنى.
ومن لغة مِن قال: "أحاذَ"، قول لبيد في صفةِ عَيْرٍ وأُتُنٍ (٤): إذا اجتَمَعَت وأَحْوَذَ جانِبَيْها … وأَوْرَدَها على عُوجٍ طِوَالِ يعنى بقوله: وأَحْوَذَ جانِبَيْها: غَلَبَها وقَهَرها حتى حاذِ كلا جانبيَها، فلم يَشِذَّ منها شيءٌ.
أصحاب محمدٍ ﷺ، ولا إلى هؤلاء اليهودِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
قال: لم يُخلصوا الإيمانَ، فيكونوا مع المؤمنين، وليسوا مع أهلِ الشركِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾.
بينَ الإسلامِ والكفرِ ﴿لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ (٣).
وأمَّا قولُه: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾، فإنه يعنى: مِن يَخْذُلْه اللهُ عن طريقِ الرشادِ، وذلك هو الإسلامُ الذي دَعا اللهُ إليه عباده.
يقولُ: مَن خَذَله (٤) اللهُ عنه فلم يُوفِّقْه له ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾.
يا محمدُ ﴿سَبِيلًا﴾.
يعني طريقًا يَسلُكُه به إلى الحقِّ غيرَه، وأيُّ سبيلٍ يكونُ له إلى الحقِّ غيرُ الإسلامِ؟
وقد أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه أنه مَن يَبْتَغِ (٥) غيرَه دِينًا فلن يُقْبَلَ منه، ومَن أضَلَّهُ اللهُ عنه فقد غَوَى، فلا هَادِيَ له غيرُه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤)﴾.
وهذا نَهيٌّ مِن اللهِ عباده المؤمنين أن يَتَخَلَّقوا بأخلاقِ المنافقين، الذين يَتَّخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فيكونوا مثلَهم في ركوبِ ما نَهاهم اللهُ عنه مِن مُوَالاةِ أعدائِه، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: يا أيُّها الذين آمَنوا باللهِ ورسولِه، لا تُوالوا الكفار، فتُوازِروهم مِن دونِ أهلِ ملِتكم ودينِكم مِن المؤمنين، فتكونوا كمَن أَوجَب اللهُ له النارَ مِن المنافقين.
ثم قال جلّ ثناؤُه متوعِّدًا مَن اتَّخَذ منهم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، إن هو لم يَرْتدِع عن موالاتِه، ويَنْزَجر عن مُخالَّتِه، أن يُلْحِقَه بأهل ولايتِهم مِن المنافقين الذين أمَر نبيَّه ﷺ بتبشيرِهم بأن لهم عذابًا أليما: ﴿أَتُرِيدُونَ﴾ أيُّها المتخِذون الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، ممن قد آمَن بي وبرسولى ﴿أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
يقولُ: حجةً باتخاذكم الكافرين أولياءَ مِن دونِ المؤمنين، فتَسْتوجِبوا منه ما استَوجَبه أهلُ النفاقِ الذين وَصَف لكم صفتَهم، وأخبرَكم بمَحِلِّهم عندَه ﴿مُبِينًا﴾.
يعنى: يُبِينُ (١) عن صحتِها وحَقيقتِها.
يقولُ: فلا تَعَرَّضوا لغضبِ اللهِ، بإِيجابِكم الحجةَ على أنفسِكم، في تَقَدُّمكم على ما نَهاكم ربُّكم مِن موالاةِ أعدائِه وأهلِ الكفرِ به.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
وإن للهِ السلطانَ على خلقِه، ولكنه يقولُ: عُذرًا مبِينًا (٢).
فَتْحَ الراءِ منه في العربِ، أشهرُ مِن تَسْكينِها، وحَكَوا سماعًا منهم: أعْطِني دَرَكًا أَصِلُ به حَبْلى.
وذلك إذا سأل ما يَصِلُ به حَبْلَه الذي قد عجَز عن بلوغِ الرَّكِيَّةِ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عَن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: في تَوابِيتَ مِن حديدٍ مُبْهَمةٍ عليهم (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جَرِيرٍ، عَن شُعبةَ، عَن سَلَمَةَ، عن خَيْثَمةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: إنَّ المنافقين في توابيتَ مِن حديدٍ مُقْفَلةٍ عليهم في النارِ (٢).
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ يَمانٍ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن ذَكْوانَ، عن أبي هريرةَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: في توابيتَ تُرْتَجُ (٣) عليهم (٤).
حدَّثنا ابن المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
يعني: في أسفلِ النارِ (١).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال لى عبدُ اللهِ بنُ كثير قولَه: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: سَمِعنا أن جهنم أَدراكٌ، منازلُ (٢).
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سُفيانُ، عن سَلَمَةَ بن كُهَيلٍ، عن خَيْثَمَةَ، عن عبدِ اللهِ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
قال: تَوابيتُ مِن نارٍ تُطْبَقُ عليهم.
وأما قولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾، فإنه يعنى: ولن تَجِدَ لهؤلاء المنافقين، يا محمدُ، مِن اللهِ إذا جَعَلهم في الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النارِ ناصرًا يَنصُرُهم منه، فيُنْقِذُهم من عذابِه، ويَدْفَعُ عنهم أليمَ عقابِه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.
وهذا استثناءٌ من اللهِ جلّ ثناؤُه، استَثنى التائبِين مِن نفاقِهم إذا أصلَحوا، وأخلَصوا الدينَ للهِ وحدَه، وتَبَرَّءُوا مِن الآلهةِ والأندادِ، وصَدَّقوا رسولَه، أن يكونوا مع المُصِرِّين على نفاقِهم - حتى تُوافَيهم (٣) مَناياهم - في الآخرةِ، وأن يَدْخُلوا مَداخِلَهم مِن جهنمَ، بل وَعَدهم جلّ ثناؤه أن يُحِلَّهم مع المؤمنين مَحِلَّ الكرامةِ، ويُسْكِنَهم معهم مساكنَهم في الجنةِ، ووَعَدهم مِن الجزاءِ على توبتِهم الجزيلَ من العطاءِ، فقال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾.
فتأويلُ الآيةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
أي راجَعوا الحقَّ، [وآبُوا إلى] (١) الإقرارِ بوحدانيةِ اللهِ وتَصْديقِ رسولِه وما جاء به من عندِ ربِّه، من نفاقِهم ﴿وَأَصْلَحُوا﴾.
يعني: أصلَحوا أعمالَهم، فعَمِلوا بما أمَرهم اللهُ به، وأدَّوا فرائضَه، وانتَهَوا عما نَهاهم عنه، وانزَجَروا عن معاصِيه، ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾.
يقولُ: وتَمَسَّكوا بعهدِ اللهِ.
وقد دَلَّلنا فيما مضَى قبلُ، على أن الاعتصامَ التمسكُ والتَّعَلُّقُ (٢).
فالاعتصامُ باللهِ: التَّمَسُّكُّ بعهدِه وميثاقِه الذي عَهِد في كتابِه إلى خلقِه، من طاعتِه، وتَرْكِ معصيتِه.
﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾.
يقولُ: وأخلَصوا طاعتَهم وأعمالَهم التي يعمَلونها للهِ، فأرادوه بها، ولم يَعْمَلوها رئاءَ الناسِ ولا على شكٍّ منهم في دينِهم، وامتراءٍ منهم، في أن الله مُحْصٍ عليهم ما عَمِلوا، فمُجازِى المحسِنِ بإحسانِه، والمُسِيءِ بإساءتِه، ولكنهم عَمِلوها على يقينٍ منهم في ثوابِ المحسِنِ على إحسانِه، وجزاءِ المسيءِ على إساءتِه، أو يَتَفَضَّلُ عليه ربُّه، فيَعْفو، مُتَقرِّبين بها إلى اللهِ، مرِيدين بها وجهَه، فذلك معنى إخلاصِهم للهِ دينَهم.
ثم قال جلّ ثناؤه: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: فهؤلاء الذين وراجَعتم الحقَّ الواجبَ للهِ عليكم، فشَكَرتموه على ما أنعَم عليكم مِن نِعَمِه في أنفسِكم وأهاليكم وأولادِكم بالإنابةِ إلى توحيدِه، والاعتصامِ به، وإخلاصِ أعمالِكم لوجهِه، وتَرْكِ رياءِ الناسِ بها، وآمَنْتم برسولِه محمدٍ ﷺ فصَدَّقْتموه، وأقرَرْتم بما جاءكم به مِن عندِه، فعمِلتم به؟
يقولُ: لا حاجةَ باللهِ إلى أن يَجْعَلَكم في الدَّرْكِ الأَسفلِ مِن النارِ، إن أنتم أَنَبتُم إلى طاعتِه، وراجَعْتم العملَ بما أمَركم به، وتَرْكِ ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يَجتلِبُ بعذابِكم إلى نفسِه نفعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرًّا، وإنما عقوبتُه من عاقَب من خلقِه جزاءٌ منه له على جُرْأتِه عليه، وعلى خلافِه أمرَه ونَهْيَه، وكُفْرانِه شُكْرَ نِعَمِه عليه، فإن أنتم شَكَرْتم له على نِعَمِه، وأَطَعْتُموه في أمرِه ونَهْيه، فلا حاجةَ به إلى تَعْذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له وشُكْرٍ، بمُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُّكم، ولم تَبْلُغُه آمالُكم.
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لكم ولعبادِه على طاعتِهم إياه، بإجزالِه لهم الثوابَ عليها، وإعظامِه لهم العِوَضَ منها ﴿عَلِيمًا﴾ بما تَعْمَلُون، أيُّها المُنافِقون، وغيرُكم من خيرٍ وشَرٍّ، وصالحٍ، وطالحٍ، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، مُحِيطٌ بجميعِه، حتى يُجازِيَكم جزاءَكم يومَ القيامةِ، المُحسِنَ بإحسانهِ، والمُسِيءَ بإساءتِه.
وقد حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾.
قال: وإن الله لا يُعَذِّبُ شاكرًا ولا مُؤْمِنًا (١).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)﴾.
مُجاهدٍ: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾.
قال: إلا مَن أَثَر (١) ما قيل له.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا حجاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.
قال: هو الضيفُ (٢) المُحَوَّلُ رحلُه، فإنه يَجْهَرُ لصاحبِه بالسوءِ مِن القولِ.
وقال آخَرون: عنى بذلك الرجلَ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يَقْرِيه، فيَنالُ مِن الذي لم يَقْرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.
قال: إلا مَن ظُلِم فانْتَصَر، يَجْهَرُ بِالسُّوءِ (٣).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ [ابن أبي بكرٍ] (٤)، عن مُجاهدٍ، وعن حُميدٍ الأعْرجِ، عَن مُجَاهِدٍ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.
قال: هو الرجلُ يَنْزِلُ بالرجلِ فلا يُحْسِنُ إِليه، فرُخِّص له بأن يقولَ فيه (٥).
وترَكوا الإسلامَ وهو دينُ اللهِ الذي بعَث به رسلَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾: يقولون: محمدٌ ليس برسولِ اللهِ.
وتقولُ اليهودُ: عيسى ليس برسولِ اللهِ.
فقد فرَّقوا بينَ اللهِ ورسلِه، وَيَقُولُونَ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ، ونَكْفُرُ [بهؤلاء.
فهم] (٢) يُؤْمِنون ببعضٍ ويَكْفُرون ببعضٍ (٣).
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى قولِه: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾.
قال: اليهودُ والنصارى آمَنَت اليهودُ بعُزَيْرٍ وكَفَرَت بعيسى، وآمَنَت النصارى بعيسى وكفَرَت بعُزَيْرٍ، وكانوا يُؤْمِنون بالنبيِّ ويَكْفُرون بالآخرِ، ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ قال: دِينًا يَدِينون به اللهَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ (٤) أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جل ثناؤُه: والذين صدَّقوا بوَحْدانيةِ اللهِ، وأقرُّوا بنبوةِ رسلِه أجمعين، وصدَّقوهم فيما جاءوهم به مِن وقد أتَيْنا على ذكرِ السببِ الذى مِن أجلِه اتَّخَذوا العجلَ، وكيف كان أمْرُهم وأمْرُه، فيما مضَى بما فيه الكِفايةُ (١).
وقولُه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾.
يعنى: مِن بعد ما جاءَت هؤلاء الذين سأَلوا موسى ما سأَلوا البَيِّناتُ مِن اللهِ، والدَّلالاتُ الواضحاتُ بأنهم لن يَرَوُا اللهَ عِيانًا جهارًا.
وإنما عُنِى بالبيناتِ: أنها آياتٌ تُبِينُ عن أنهم لن يَرَوُا اللهَ في أيامِ حَياتِهم في الدنيا جَهْرةً، وكانت تلك الآياتُ البيناتُ لهم على أن ذلك كذلك؛ [إصْعاقُ اللهِ إياهم عندَ] (٢) مسألتِهم موسى أن يُرِيَهم ربَّهم جَهْرةً، ثم إحْياؤُه إياهم بعدَ مماتِهم، مع سائرِ الآيات التي أَراهم اللهُ- دلالةً على ذلك.
يقولُ اللهُ جلّ ثناؤُه مُقبِّحًا إليهم فعْلَهم ذلك، ومُوَضِّحًا لعبادِه جهلَهم، ونقصَ عقولِهم وأحلامِهم: ثم أقَرُّوا للعجلِ بأنه لهم إلهٌ، وهم يَرَوْنَه عِيانًا، ويَنْظُرون إليه جِهارًا بعدَ ما أراهم ربُّهم مِن الآياتِ البيناتِ ما أراهم، أنهم لا يَرَوْن رَبَّهم جَهْرةً وعِيانًا في حياتِهم الدنيا، فعكَفوا على عبادتِه، مُصَدِّقِين بأُلوهتِه.
وقولُه: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾.
يقولُ: فعفَوْنا لعَبَدةِ العجلِ عن عبادتِهم إياه، وللمُصَدِّقين منهم بأنه إلهُهم، بعدَ الذى أراهم اللهُ، أنهم لا يَرَوْن ربَّهم في حياتِهم، مِن الآياتِ ما أراهم عن تَصْديقِهم بذلك بالتوبةِ التي تابوها إلى ربِّهم، بقتلِهم أنفسَهم، وصبرِهم فى ذلك على أمرِ ربِّهم، ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
يقولُ: وآتَيْنا موسى حُجَّةً تُبِينُ عن صدقِه وحقيقَةِ نُبُوَّتِه، وتلك الحُجَّةُ هي الآياتُ البَيِّناتُ التي آتاه اللهُ إياها.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ، ﵀: يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ يعنى: الجبلَ، وذلك لمَّا امْتَنَعوا من العملِ بما فى التوراةِ، وقبولِ ما جاءهم به موسى فيها، ﴿بِمِيثَاقِهِمْ﴾ يعنى: بما أعْطَوُا اللهَ من الميثاقِ والعهدِ؛ لَتَعْمَلَنَّ بما في التوراةِ، ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
يعنى: باب حِطَّةٍ، حينَ أُمِروا أن يدْخُلوا منه سُجَّدًا، فدخلوا يَزْحَفون على أَسْتاهِهم، ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ (١).
لا تُجاوِزوا (٢) في يومِ السبتِ ما أُبِيح لكم إلى ما لم يُبَحْ لكم.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾.
قال: كنا نُحَدِّثُ أنه بابٌ من أبوابِ بيتِ المقدسِ.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أُمِر القومُ أن لا يأْكُلُوا الحيتانَ يومَ السبتِ، ولا يَعْرِضوا لها، وأُحِلَّ لهم ما خلا ذلك (٣).
واخْتَلَفَت القرَأةُ فى قراءةِ ذلك؛ فقرَأه عامَّةُ قرأةِ أمْصارِ الإسلامِ: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ بتخفيفِ العينِ (٤)، من قولِ القائلِ: عَدَوْتُ في الأمرِ.
إذا تجاوَزْتَ الحقَّ فيه، أعْدُو عَدْوًا وعُدْوانًا وعَداءً.
التوراةِ، ﴿وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: وجُحودِهم، ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
يعني: بأعلامِ اللهِ وأدلتِه التى احْتَجَّ بها عليهم في صدقِ أنبيائِه ورسلِه، وحقيقةِ ما جاءُوهم به مِن عندِه، ﴿وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
يقولُ: وبقتلِهم الأنبياءَ بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليهم بنبوَّتِهم، ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
يعني: بغيرِ استحقاقٍ منهم ذلك لكبيرةٍ أتَوْها، ولا لخَطيئةٍ اسْتَوْجبوا القتلَ عليها، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى: وبقولِهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ يعنى يقولون: عليها غِشاوةٌ وأغْطِيةُ عما تَدْعُونا إليه، فلا نَفْقَهُ ما تَقولُ، ولا نَعْقِلُه.
وقد بيَّنَّا معنى الغُلْفِ، وذكَرْنا ما فى ذلك من الروايةِ فيما مضى قبلُ (١).
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: كذَبوا في قولِهم: قلوبُنا غُلْفٌ.
[ما هى] (٢) بغُلْفٍ، ولا عليها، أغْطيةٌ، ولكنَّ اللهَ جل ثناؤُه جعَل عليها طابِعًا بكفرِهم باللهِ.
وقد بيَّنَّا صفةَ الطبعِ على القلبِ فيما مضَى بما أغْنَى عن إعادتِه (٣).
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يقولُ: فلا يُؤْمِنُ هؤلاء الذين وصَف اللهُ صفتَهم [في طبعِه] (٤) على قلوبِهم -فيُصَدِّقوا باللهِ [ورسولِه وما جاءهم] (٥) به مِن عندِ اللهِ- إلا إيمانًا قليلًا، يعنى إلَّا تصديقًا قليلًا.
وإنما صار قليلًا؛ لأنهم لم يُصَدِّقوا على ما أمَرَهم اللهُ به، ولكن صدَّقوا ببعضِ الأنبياءِ وبعضِ تكلَّم فيه بالظنِّ على غيرِ يقينِ (١) علمٍ.
فالهاءُ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾.
عائدةٌ على الظنِّ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.
قال: يعنى: ولم يقتُلوا ظنَّهم يقينًا (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى بْنُ عُبيدٍ، عن جُوَيبرٍ في قولِه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾.
قال: ما قتَلوا ظنَّهم يقينًا (٣).
وقال السُّديُّ فى ذلك، ما حدَّثني به محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثني أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾: وما قتلوا أمرَه يقينًا أن الرجلَ هو عيسى، بل رفَعه اللهُ إليه (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: وأما قولُه: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾.
فإنه يعنى: بل رفَع اللهُ المسيحَ إليه، يقولُ: لم يقتُلوه ولم يصلِبوه، ولكنَّ اللهُ رفَعه إليه، فطهَّره من الذين كفَروا.
وقد بيَّنا كيف كان رَفْعُ اللهِ إياه إليه (١) فيما مضى، وذكَرنا اختلافَ المختلِفين في ذلك، والصحيحَ من القولِ فيه، بالأدلةِ الشاهدةِ على صحتِه، بما أغنى عن إعادتِه (٢).
وأما قولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
فإنه يعنى: ولم يزلِ اللهُ منتقِمًا من أعدائِه، كانتقامِه من الذين أخَذَتْهم الصاعقةُ بظلمِهم، وكلعنِه الذين قصَّ قصتَهم بقولِه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
﴿حَكِيمًا﴾.
يقولُ: ذا حكمةٍ في تدبيرِه وتصريفِه خلقَه في قضائِه، يقولُ: فاحْذَروا -أيُّها السائلون محمدًا أن يُنَزِّلَ عليكم كتابًا من السماءِ- من حلولِ عقوبتي بكم، كما حلَّ بأوائلِكم الذين فعَلوا فعلكم فى تكذيبِهم (٣) رسلي، وافترائِهم على أوليائي.
وقد حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ (٤) بنِ أبي سارةَ الرُّؤَاسيُّ، عن الأعمشِ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه (٥): ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
قال: معنى ذلك: أنه كذلك (٦).
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾.
يعني بعيسي، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، يعني: قبلَ موتِ عيسى.
يُوجِّهُ ذلك إلى أن جميعَهم يصدِّقون به إذا نزَل لقتلِ الدجَّالِ، فتصيرُ المللُ كلُّها واحدةً، وهى ملةُ الإسلامِ الحنيفيةُ، دينُ إبراهيمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي حَصِينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: قبل (١) موتِ عيسى ابنِ مريمَ (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: قبلَ موتِ عيسى (٣).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ في قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: ذلك (١) عندَ نزولِ عيسى ابنِ مريم، لا يَبْقَى أحدٌ من أهلِ الكتابِ إلا [يؤمنُ به] (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، عن الحسنِ، قال: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: قبلَ أن يموتَ عيسى (٣).
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، قال: قبلَ موت عيسى، واللهِ إنه الآن لحيٌّ عندَ اللهِ، ولكنه إذا نزَل آمَنوا به أجمعون (٤).
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
يقولُ: قبلَ موتِ عيسى (٥).
[حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: قبلَ موتِ عيسى، إذا نزَل آمنت به الأديانُ كلُّها] (٦).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ ابن أنسٍ، عن الحسنِ، قال: قبلَ موتِ عيسى.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: عيسى، ولم يمتْ بعدُ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عمرانُ بن عُبينةَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لا يَبْقَى أحدٌ منهم عندَ نزولِ عيسى إلا آمن به (١).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: قبلَ موتِ عيسى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: إذا نزَل عيسى ابنُ مريمَ، فقتَل الدجَّالَ، لم يَبْقَ يهوديٌّ فى الأرضِ إلا آمن به.
قال: فذلك حينَ لا ينفَعُهم الإيمانُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
يعنى: أنه سيُدرِكُ أناسٌ من أهلِ الكتابِ حينَ يُبْعَثُ عيسي، سيؤمنون (٣) به، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورِ ابنِ زاذانَ، عن الحسنِ، أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (١).
أظنُّه أنا (٢) قال: إذا خرَج عيسى آمنت به اليهودُ.
وقال آخرون: معنى ذلك: وإن من أهلِ الكتابِ إلا (٣) ليُؤمننَّ بعيسى قبلَ موتِ الكتابيِّ.
يُوجِّهُ (٤) ذلك إلى أنه إذا عاين علِمَ الحقَّ من الباطلِ؛ لأن كلَّ مَن نزَل به الموتُ لم تخرُجْ نفسُه حتى يتبيَّنَ له الحقُّ من الباطلِ في دينِه.
[ذكرُ من قال ذلك] (٥) حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال (٦): ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمنَ بعيسى، وإن غرِق أو تردَّى من حائطٍ، أو (٧) أيُّ مِيتةٍ كانت (٨).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: كلُّ صاحبِ كتابٍ ليُؤمننَّ ﴿بِهِ﴾: بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: موتِ (١) صاحبِ الكتابِ (٢).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾: كلُّ صاحبِ كتابٍ يُؤْمِنُ بعيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
موتِ صاحبِ الكتابِ.
قال ابنُ عباسٍ: لو ضُرِبت عنقُه، لم تخرُجْ لم تخرُجْ نفسُه حتى يؤمِنَ بعيسى.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا أبو تُمَيلةَ يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا يموتُ اليهوديُّ حتى يشهَدَ أن عيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، ولو عُجِّل عليه بالسلاحِ (٣).
حدَّثني إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن حَبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عتَّابُ بنُ بشيرٍ، عن خُصَيفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: هى فى قراءةِ أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم) (٤): ليس يهوديٌّ يموتُ أبدًا حتى يؤمنَ بعيسى.
قيل لابنِ عباسٍ: أرأيتَ إن خرَّ من فوقِ بيتٍ؟
قال: يتكلَّمُ به في الهُوِيِّ (٥).
فقيل: أرأيت إن ضُرِبت عنقُ أحدٍ منهم؟
قال: يُلجْلِجُ (٦) بها لسانُه (٧).
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن خُصَيفٍ، عن عكرمةَ (١)، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ يهوديٌّ حتى يؤمنَ بعيسى ابنِ مريمَ.
[قال: وإن ضُرِب بالسيفِ تكلَّم به.
قال: وإِنْ هوَى تكلَّم] (٢) به وهو يَهوِى (٣).
[حدَّثنا ابنُ المثنى] (٤)، قال: ثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي هارونَ الغَنَويِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لو أن يهوديًّا وقَع من فوقِ هذا البيتِ لم يمتْ حتى يؤمنَ به.
يعني بعيسى (٥).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنى عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن مولًى لقريشٍ (٦)، قال: سمِعتُ عكرمةَ يقولُ: لو وقَع يهوديٌّ من فوقِ القَصْرِ، لم يبلُغْ إلى الأرضِ حتى يؤمنَ بعيسى.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي هاشمٍ الرُّمَّاتيِّ، عن مجاهدٍ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: وإن وقَع من فوقِ البيتِ، لا يموتُ حتى يؤمنَ به (٧).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عمرِو بنِ أبي قَيْسٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ رجلٌ من أهلِ الكتابِ حتى يؤمنَ به، وإن غرِق أو تردَّى أو مات بشيءٍ (١).
حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا تخرُجُ نفسُه حتى يؤمِنَ به (٢).
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن حُصَيفٍ، عن عكرمةَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ أحدُهم حتى يؤمنَ به -يعني بعيسى- وإن خرَّ مِن فوقِ بيتٍ، يُؤمِنُ به وهو يَهْوِى.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ، قال: ليس أحدٌ من اليهودِ يخرُجُ من الدنيا حتى يؤمنَ بعيسى.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن فُراتٍ القزَّازِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يُؤمنَ بعيسى.
[يعنى اليهودَ والنصارى (٣).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا إسرائيلُ، عن فُراتٍ القزّازِ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: لا يموتُ أحدٌ منهم حتى يؤمنَ بعيسى] (٤) قبلَ أن يموتَ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ عطيةَ، عن محمدِ ابنِ سيرينَ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: موت الرجلِ من أهلِ الكتابِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: قال ابنُ عباسٍ: ليس من يهوديٍّ (١) يموتُ حتى يؤمنَ بعيسى ابن مريمَ.
فقال له رجلٌ من أصحابِه: كيف والرجلُ يغرَقُ، أو يحترقُ، أو يسقطُ عليه الجدارُ، أو يأكلُه السَّبُعُ؟
فقال: لا تخرُجُ روحُه من جسدِه حتى يُقْذَفَ فيه الإيمانُ بعيسى.
حُدِّثتُ عن الحسينِ بن الفَرَجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: فلا يموتُ أحدٌ من اليهودِ حتى يشهَدَ أن عيسى رسولُ اللهِ.
حدَّثني المثنى (٢)، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا يَعْلَى، عن جُويبرٍ في قولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
قال: [في قراءةِ] (٣) أُبيٍّ: (قبلَ موتِهم).
وقال آخرون: معنى ذلك: وإنْ من أهلِ الكتابِ إلا ليؤمنَنَّ بمحمدٍ ﷺ قبلَ موتِ الكتابيِّ.
ذكرُ من قال ذلك حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن حُميدٍ، قال: قال عكرمةُ: لا يموتُ النصرانيُّ واليهوديُّ حتى يؤمنَ بمحمدٍ ﷺ.
يعني في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
وأَوْلَى هذه الأقوالِ بالصوابِ (١) قولُ من قال: تأويلُ ذلك: وإنْ من أهل الكتابِ إلَّا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى.
وإنما قلنا: ذلك أَوْلَى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأنَّ الله ﷿ حكَم لكلٍّ مؤمنٍ بمحمدٍ ﷺ بحكمِ أهلِ الإيمانِ في الموارثةِ، والصلاةِ عليه، والحاقِ صغارِ أولادِه بحُكْمِه في الملةِ، فلو كان كلُّ كتابيٍّ يُؤْمِنُ بعيسى [قبلَ موتِه] (٢)، لوجب أن لا يرِثَ (٣) الكتابيَّ إذا مات على ملتِه إلا أولادُه الصغارُ، أو (٤) البالغون منهم من أهلِ الإسلامِ، إن (٥) كان له ولدٌ صغيرٌ، أو بالغٌ مسلمٌ، وإن لم يكنْ له ولدٌ صغيرٌ، ولا بالغٌ مسلمٌ، [أن يكونَ] (٦) ميراثُه منصرِفًا (٧) حيثُ [يَنصرِفُ] (٨) إليه مالُ المسلمِ يموتُ ولا وارثَ له، [وأن يكونَ] (٩) حكمه حكمَ المسلمين في الصلاةِ عليه وغسلِه وتقبيرِه؛ لأنّ مَن مات مؤمنًا بعيسى، فقد مات مؤمنًا بمحمدٍ [وبجميعِ الرسلِ] (١)، وذلك أن عيسى صلواتُ اللهِ عليه جاء بتصديقِ محمدٍ وجميعِ المرسلين صلى اللهُ عليهم، فالمصدِّقُ فالمصدِّقُ بعيسى والمؤمنُ به مصدِّقٌ وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، [كما أن المؤمنَ] (٢) بمحمدٍ مؤمنٌ بعيسى وبجميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ مؤمنًا بعيسى من كان بمحمدٍ مكذِّبًا.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن معنى إيمانِ اليهوديِّ بعيسى (٣) الذي ذكَره اللهُ في قولِه: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
إنما هو إقرارُه بأنه للهِ نبيٌّ مبعوثٌ، دونَ تصديقِه بجميعِ ما أتَى به من عندِ اللهِ.
فقد ظنَّ خطأً، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ نبيٍّ، من كان له مكذِّبًا في بعضِ ما جاء به من وحي اللهِ وتنزيلِه، بل غيرُ جائزٍ أن يكونَ منسوبًا إلى الإقرارِ بنبوةِ أحدٍ من أنبياءِ اللهِ؛ لأن الأنبياءَ جاءت الأممَ بتصديقِ جميعِ أنبياءِ اللهِ ورسلِه، فالمكذِّبُ بعضَ أنبياءِ اللهِ [في بعضِ ما] (٤) أَتَى به أمتَه من عندِ اللهِ، مكذِّبٌ جميعَ أنبياءِ اللهِ فيما دَعَوْا إليه من دينِ اللهِ (٥) عبادَ اللهِ.
وإذ كان ذلك كذلك، و [كان] (٦) الجميعُ من أهلِ الإسلامِ مُجمعين (٥) على أن كلَّ كتابيٍّ مات قبلَ إقرارِه بمحمدٍ صلواتُ اللهِ عليه وما جاء به من عند الله، فمحكوم له بحكم الملة التى كان عليها أيام حياته، غير منقول شيءٌ من أحكامِه فى نفسِه ومالِه وولدِه صغارِهم وكبارِهم، بموتِه عما كان عليه في حياتِه - أدلّ الدليلِ على أن معنى قولِ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾.
إنما معناه: إلا ليؤمنَنَّ بعيسى قبلَ موتِ عيسى.
[وأن ذلك] (١) في خاصٍّ من أهلِ الكتابِ، ومعنيٌّ به أهلُ زمانٍ منهم دونَ أهلِ كلِّ الأزمنةِ التي كانت بعدَ عيسى، وأن ذلك كائنٌ عندَ نزولِه.
كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ آدمَ، عن أبي هريرةَ، أن النبيَّ ﷺ، قال: "الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهم شَتَّى ودينُهم واحدٌ، وإنِّى أَوْلَى الناسِ بعيسى ابنِ مريمَ؛ لأنَّه لم يكنْ بينى وبينَه نبيٌّ، وإنه نازلٌ، فإذا رأيتموه فاعْرِفُوه، فإنه رجلٌ مَرْبوعُ الخَلْقِ، إلى الحُمْرةِ والبياضِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كأنّ رأسَه يقطُرُ وإن لم يُصِبْهُ بِلَلٌ، بينَ مُمَصَّرَتَيْن (٢)، فيدُقُّ الصليب، ويقتُلُ الخِنْزيرَ، ويضعُ الجزيةَ، ويَفِيضُ (٣) المالُ، ويقاتلُ الناسَ على الإسلامِ حتى يُهلِكَ اللهُ فى زَمانِه المِلَلَ كلَّها غيرَ الإسلامِ، ويُهلِكَ اللهُ في زمانِه مسيحَ الضلالةِ الكذَّابَ الدجَّالَ، وتقَعُ الأَمَنةُ في الأرضِ في زمانِه، حتى ترتَعَ الأُسُودُ معَ الإبلِ، والنمورُ مع البَقَرِ، والذئابُ مع الغنمِ، وتلعَبُ الغِلمانُ والصِّبيانُ بالحيَّاتِ، لا يضُرُّ بعضُهم بعضًا، ثم يَلْبَثُ فى الأرضِ ما شاء اللهُ -وربما قال: أربعين سنةً- ثم يُتَوفَّى، ويُصلِّى عليه المسلمون ويَدْفِنونه" (٤).
وأما الذي قال (٥): عنَى بقولِه: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾: ليؤمِنَنَّ قولِه: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ (١) [البقرة: ١٧٧].
وقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ من صفةِ غيرِ الراسخين فى العلمِ فى هذا الموضعِ، وإن كان الراسخون فى العلمِ من المقيمين الصلاةَ.
وقال قائلو هذه المقالةِ جميعًا: موضعُ المقيمين فى الإعرابِ خفضٌ؛ فقال بعضُهم: موضعُه خفضٌ على العطفِ على "ما" التي فى قولِه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾: ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ.
ثم اخْتَلَف متأوِّلو ذلك (٢) هذا التأويلَ فى معنى الكلامِ؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبإقامِ الصلاةِ، قالوا: ثم ارْتَفع قولُه: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾.
عطفاً على ما فى ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ من ذكرِ المؤمنين.
كأنه قيل: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك هم (٣) والمؤتون الزكاةَ.
وقال آخرون: بل المقيمون الصلاةَ الملائكةُ.
قالوا: وإقامتُهم الصلاةَ تسبيحُهم ربَّهم، واستغفارُهم لمن فى الأرضِ.
قالوا: ومعنى الكلامِ: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِل إليك وما أُنْزِل من قبلِك وبالملائكةِ.
وقال آخرون منهم: بل معنى ذلك: والمؤمنون يؤمنون بما أُنْزِلَ إليك وما أُنْزِل من قبلك، ويؤمنون بالمقيمين الصلاةَ، هم والمؤتون الزكاةَ.
كما قال جلَّ ثناؤُه: ؤمن ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١].
وأَنْكَر قائلو هذه المقالةِ أن يكونَ وقال آخرون: بل قالوا لما أنزل اللهُ جل ثناؤُه الآياتِ التي قبلَ هذه فى ذكرِهم: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى.
فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١) [الأنعام: ٩١].
ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو مَعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرْظىِّ، قال: أَنْزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾.
فلما تلاها عليهم، يعنى على اليهودِ، وأَخْبَرهم بأعمالِهم الخبيثةِ، جحَدوا كلَّ ما أَنْزَلَ اللَّهُ، وقالوا: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيءٍ، ولا على موسى، ولا على عيسى، وما أنزل اللهُ على نبىٍّ من شيءٍ.
قال: فحلَّ حُبْوتَه (٢)، وقال: ولا على أحدٍ!
فَأَنْزَل اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣).
وأما قولُه: اوود ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
فإن القرَأةَ اخْتَلفت فى قراءتِه؛ فقرَأته عامةُ قرأَةِ أمصارِ الإسلامِ غيرَ نفرٍ من قرأَةِ الكوفِة: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
بفتحِ الزاىِ على التوحيدِ، بمعنى: وآتينا داودَ الكتابَ المسمَّى زبورًا.
وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
بضمِّ الزاىِ (٤)، جمعُ زَبْرٍ.
كأنهم وجَّهوا تأويلَه: وآتينا داودَ كتبًا وصحفًا مَزبورةً.
من قولِهم: زَبَرْتُ الكتابَ أَزْبُرُه زَبُرًا، وزَبَرْتُه أَزْبِرُه زَبْرًا: إذا كتبتَه.
وأَوْلَى القراءتين فى ذلك بالصوابِ عندَنا قراءةُ مَن قرأ: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾.
بفتح الزاىِ على أنه اسمُ الكتابِ الذى أُوتيَه داودُ، كما سُمِّى الكتابُ الذى أُوتيَه موسى التوراةَ، والذى أُوتيَه عيسى الإنجيلَ، والذي أُوتيَه محمدٌ الفرقانَ؛ لأن ذلك هو الاسمُ المعروفُ به ما أُوتىَ داودُ.
إنما تقولُ العربُ: زَبورُ داودَ.
بذلك يعرِفُ كتابَه سائرُ الأممِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: إنا أَوْحَينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ وإلى رسلٍ قد قصَصناهم عليك، ورسلٍ (١) لم نقصُصْهم عليك.
فلعل قائلاً أن يقولَ: فإذا كان ذلك معناه، فما بالُ قولِه: ﴿وَرُسُلًا﴾.
منصوبًا غيرَ (٢) مخفوضٍ؟
قيل: نُصِب ذلك إذ لم يَعُدْ عليه "إلى" التى خفَضت الأسماءَ قبلَه، وكانت الأسماءُ قبلَه (٣) وإن كانت مخفوضةً، فإنها فى معنى النصبِ؛ لأن معنى الكلامِ: إنا أرسلناك رسولاً كما أرسلنا نوحًا والنبيِّين من بعدِه.
فعُطِفت الرسلُ على معنى الأسماءِ قبلَها فى الإعرابِ؛ لانقطاعِها عنها دونَ أبى بكرِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامِ، أنه أخبره جزءُ (١) بنُ جابرٍ الخَثْعَمِىُّ، أنه سمِع [كعبَ الأحبارِ يقولُ] (٢): لما كلَّم اللهُ موسى كلَّمه (٣) بالألسنةِ كلِّها قبلَ لسانهِ، فطَفِق موسى يقولُ: أَى ربِّ، واللهِ ما أفقهُ هذا.
حتى كلَّمه آخرَ الألسنةِ بلسانهِ، بمثلِ صوتِه، فقال موسى: أى ربِّ، أهذا (٤) كلامُك؟
قال: لو كلَّمتُك بكلامى لم تكُ شيئًا.
قال: أَىْ ربِّ، هل من (٥) خلقِك شيءٌ يشبِهُ كلامَك؟
قال: لا، وأقربُ خلقى شبهًا بكلامي، أشدُّ ما يُسْمَعُ من الصواعقِ (٦).
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بذلك: إنا أَوْحينا إليك كما أوحينا إلى نوحٍ والنبيِّين من بعدِه.
ومَن ذكَر من (٧) الرسلِ، ﴿رُسُلًا﴾.
فنصَب (٨) الرسلَ على القطعِ من أسماءِ الأنبياءِ الذين ذكَر أسماءَهم، ﴿مُبَشِّرِينَ﴾.
يقولُ: أرسلتُهم رسلاً إلى خلقى وعبادي، مبشرين بثوابى مَن أطاعنى، واتَّبع أمرى، وصدَّق رسلى، ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ عقابى مَن عصانى، وأصلُ الغُلُوِّ فى كلِّ شيءٍ مجاوزةُ الحدِّ (١) الذى هو حدُّه، يقالُ منه فى الدينِ: قد غلا فهو يَغْلُو غُلُوًّا.
و: غلا بالجاريةِ عظمُها ولحمُها.
إذا أسرعتِ الشبابَ، فجاوزتْ لِداتِها، يغلو بها عُلُوًّا وغَلاءً.
ومن ذلك قولُ الحارثِ بنِ [خالدٍ المخزومىِّ] (٢): خُمْصَانِةٌ قَلِقٌ مُوَشِّحُها … رُؤُدُ الشبابِ غَلا بها عَظْمُ وقد حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: صاروا فريقين؛ فريقٌ غَلَوا فى الدينِ، فكان غلوُّهم فيه الشكَّ فيه، والرغبةَ عنه.
وفريقٌ منهم قصَّروا عنه، ففسَقوا عن أمرِ ربِّهم.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
ما المسيحُ أيها الغالُون فى دينِهم من أهلِ الكتابِ بابنِ اللهِ، كما تزعُمون، ولكنه عيسى ابنُ مريمَ دونَ غيرِها من الخلقِ، لا نسبَ له غيرُ ذلك.
ثم نعَته اللهُ جلَّ ثناؤُه بنعتِه، ووصَفه بصفتِه، فقال: هو رسولُ اللهِ، أَرسَلَه بالحقِّ إلى مَن أَرْسَله إليه مِن خلقِه (٣).
وأصلُ المسيحِ الممسوحُ، صُرِّف من "مفعولٍ" إلى "فَعِيلٍ"، وسمَّاه اللهُ بذلك لتطهيرِه إيَّاه من الذنوبِ، فقيل (١): مُسِح من الذنوبِ والأدناسِ التي تكونُ فى الآدميِّين، كما يُمْسَحُ الشيءُ من الأذَى الذى يكونُ فيه، فيطهَّرُ منه، ولذلك قال مجاهدٌ ومَن قال مثلَ قولِه: المسيحُ الصِّدِّيقُ.
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن أصلَ هذه الكلمةِ عِبْرانيةٌ أو سُرْيانيةٌ "مَشِيحَا" (٢) فعرِّبت، فقيل: المسيحُ.
كما عُرِّب سائرُ أسماءِ الأنبياءِ التى فى القرآنِ، مثلُ إسماعيلَ، وإسحاقَ، وموسى، وعيسى.
قال أبو جعفرٍ: وليس ما مثَّل به من ذلك للمسيحِ بنظيرٍ، وذلك أن إسماعيلَ وإسحاقَ وما أَشْبَة ذلك، أسماءٌ لا صفاتٌ، والمسيحُ صفةٌ، وغير جائزٍ أن تُخاطَبَ العربُ وغيرُها من أجناسِ الخلقِ فى صفةِ شيءٍ إلا بما (٣) يُفهَمُ عمَّن خاطَبها، ولو كان المسيحُ من غيرِ كلامِ العربِ ولم تكنِ العربُ تعقِلُ معناه ما خوطبت به، وقد أتيْنا بالبيانِ على نظائرِ ذلك فيما مضى بما فيه الكفايةُ من إعادتِه (٤).
وأما المسيحُ الدجَّالُ، فإنه أيضًا بمعنى الممسوحِ العينِ، صُرِّف من مفعولٍ (٥) إلى فَعيلٍ، فمعنى "المسيحِ" فى عيسى ﷺ: الممسوحُ البدنِ (٦) من الأدناسِ والآثام، ومعنى "المسيحِ" فى الدجَّالِ: الممسوحُ العينِ اليمني أو اليسرى كالذى رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ فى ذلك (٧).
على ذلك غيرُ محدودٍ مبلَغُها، فيزيدُ مَن شاء من عبادِه على ذلك على قَدْرِ ما يشاءُ، لا حدَّ القَدْرِه يُوقَفُ عليه.
وقد قال بعضُهم: الزيادةُ إلى سبعِمائةِ ضِعْفٍ.
وقال آخرون: إلى ألفيْن.
وقد ذكرتُ اختلافَ المختلفِين في ذلك فيما مضى قبلُ بما أغنى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ (١).
وقولُه: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ فإنه يعنى: وأما الذين تعظَّموا عن الإقرارِ للهِ بالعبوديةِ، والإذعانِ له بالطاعةِ، واستكبروا عن التذلُّلِ لألوهتِه وعبادتِه، وتسليمِ الوحدانيةِ والربوبيةِ له، ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يعنى: عذابًا مُوجِعًا، ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، يقولُ: ولا يجدُ المستنكفون عن (٢) عبادتِه، والمستكبرون عنها إذا عذَّبهم اللهُ (٣) الأليمَ من عذابِه، سوى اللهِ لأنفسِهم ﴿وَلِيًّا﴾ يُنْجِيهم من عذابِه، ويُنقِذُهم منه، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾، يعني: ولا ناصرًا ينصُرُهم، فيَسْتَنْقِذُهم من ربِّهم، ويدفَعُ عنهم بقوَّتِه (٤) ما أحلَّ بهم من نقمتِه، كالذى كانوا يفعَلون بهم إذا أرادهم غيرُهم من أهلِ الدنيا فى الدنيا بسوءٍ من نصرتِهم، والمدافعةِ عنهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بن جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كانت المتروكةُ من الأخواتِ لأبيه وأمِّه أو لأبيه، اثنتين، فلهما ثلثا ما ترَك أخوهما الميِّتُ إذا لم يكنْ له ولدٌ ووُرث كلالةً، ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً﴾.
يعنى: وإن كان المتروكون من إخوته ﴿رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ﴾ منهم و بميراثِهم عنه من تركتِه، ﴿مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
يعنى: مثلُ نصيبِ اثنتين من أخواتِه (١)، وذلك إذا وُرِث كلالةً، والإخوةُ والأخواتُ إخوتُه وأخواتُه لأبيه وأمِّه أو لأبيه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بذلك جلَّ ثناؤه: يبيِّن اللهُ لكم قسمةَ مواريثِكم، وحكمَ الكلالةِ، وكيف فرائضُهم، ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾، بمعنى: لئلا تَضِلُّوا في أمرِ [المواريثِ وقسمتِها] (٢)، أي: لئلا تجوروا عن الحقِّ فى ذلك، وتُخْطِئوا الحكمَ فيه، فتَضِلَّوا عن قصدِ السبيلِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جريجٍ قولَه: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
قال: في شأنِ المواريثِ.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ حُميدٍ المَعْمَرىُّ، وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قالا جميعًا: أخبرنا معمرٌ، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، قال: كان عمرُ إذا قرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾.
[قال: اللهمَّ من بيَّنتَ له الكلالةَ فلم تُبَيِّنْ لى] (٣).