الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الزخرف
تفسيرُ سورةِ الزخرف كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 145 دقيقة قراءةتفسير سورة "الزُّخْرُفِ" ﷽ القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد بيَّنا فيما مضى معنى قولِه: ﴿حم﴾.
بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١).
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾.
قسمٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه أقسَم بهذا الكتابِ الذي أنزلَه على نبيِّه محمدٍ ﷺ، فقال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ لمن تدبَّره وفكَّر في عبرِه وعظاتِه؛ هُداه ورُشْدِه وأدلَّتِه على حقيقتِه (٢)، وأنه تنزيلٌ مِن حكيمٍ حميدٍ، لا اختلاقٌ من محمدٍ ﷺ، ولا افتراءٌ مِن أحدٍ.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾.
يقولُ: إنا أنزلناه قرآنًا عربيًّا بلسانِ العربِ، إذ كنتم أيُّها المنذَرون به مِن رهطِ محمدٍ ﷺ عَرَبًا، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
يقولُ: لتعقِلوا (٣) معانيَه وما فيه من مواعظَ، ولم يُنزِلْه بلسانِ العجمِ فيجعلَه أعجميًّا، فتقولوا (٤): نحن عربٌ، وهذا كلامٌ أعجميٌّ لا نفقهُ معانيَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾: [هو هذا الكتابُ المبينُ.
حدَّثنا بشرٌ قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾] (١): مُبينٌ والله بركته وهُداه ورشدَه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإن هذا الكتاب في (٢) أصل الكتاب الذي نُسخ منه هذا الكتابُ عندنا، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
يقولُ: لذو علوٍّ ورفعةٍ، ﴿حَكِيمٌ﴾: قد أُحكمت آياتُه ثم فصِّلت، فهو ذو حكمةٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، عن هشام الدَّسْتُوائيِّ، عن القاسم بن أبى بَزَّةَ، قال: ثنا عروةُ بنُ عامرٍ، أنه سمع ابن عباسٍ يقولُ: إِنَّ أول ما خلق الله القلم، فأَمَره أن يكتب ما يريدُ أن يخلُقَ، قال: فالكتاب (٣) عنده، قال: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤).
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ أبى، عن عطية بن سعد في قول الله ﵎: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يعنى: القرآن في أمِّ الكتاب الذي عند الله منه نُسِخَ.
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ مالكًا يروى عن عمران، عن عكرمة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾.
قال: أمُّ الكتاب القرآنُ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾.
قال: أم الكتاب: أصل الكتاب وجُملتُه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾.
أي: جملة الكتاب؛ أي: أصل الكتاب.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾.
يقولُ: في الكتاب الذي عند الله في الأصل.
وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
وقد ذكَرْنا معناه (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لَدَيْنَا﴾: [أي: عندنا] (٣)، ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾: يخبرُ عن منزلته وفضلِه وشرفِه (٤).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾.
اختلف أهلُ التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: أفنُعرضُ (١) عنكم ونتركُكم أيُّها المشركون فيما تحسبون، فلا نُذكِّرُكم بعقابنا من أجل أنكم قومٌ مشركون.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله ﷿: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال: تكذِّبون بالقرآنِ، ثم (٢) لا تعاقبون عليه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد الله بنُ موسى، قال: أخبرنا سفيانُ، إسماعيل، عن أبي صالحٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال: بالعذاب (٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب (٥).
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾.
يقولُ: أفحَسبتم أن نصفح عنكم ولمَّا تفعلوا ما أُمرتم به (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أفنتركُ تذكيرَكم بهذا القرآن، ولا نذكِّركم به، لأن كنتم قومًا مشركين (٢).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾: أي: مشركين، والله لو كان هذا القرآنُ رُفع حين ردّه أوائلُ هذه الأمة لهلكوا، [ولكنَّ الله عاد بعائدته ورحمته، فكرره عليهم] (٣) فدعاهم إليه عشرين سنةً، أو ما شاء اللَّهُ مِن ذلك (٤).
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾.
قال: لو أن أول (٥) هذه الأمة لم يؤمنوا، لضرب عنهم الذكرُ صفحًا.
[حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾] (٦).
قال: الذكرُ ما أُنزِل عليهم مما أمرهم الله به ونهاهم، ﴿صَفْحًا﴾، لا نذكرُ لكم منه شيئًا (١).
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويلُ من تأوّله: أفنَضْرِبُ عنكم العذاب فنترككم ونُعرِضَ عنكم؛ لأن كنتم قومًا مشركين (٢)، لا تؤمنون بربِّكم.
وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالآية؛ لأن الله ﵎ أتبع ذلك خبره عن الأمم السالفة قبل الأمة (٣) التي توعَّدها بهذه الآية في تكذيبها رسلها، وما أحلَّ بها من نقمته، ففى ذلك دليل على أن قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ وعيدٌ منه للمخاطبين به من أهل الشرك، إذ سلكوا في التكذيب بما جاءهم عن الله رسولهم مسلك الماضين قبلهم.
واختلفت القرأَةُ في قراءة ذلك؛ فقرأَتْه عامة قرأة المدينة والكوفة: (إِنْ كُنتُمْ قومًا مُسرفين) بكسر الألف من "إن" (٤) بمعنى: أفنَضْرِبُ عنكم الذكر صفحًا إذ كنتم قومًا مسرفين.
وقرأه بعضُ قرأَةِ (٥) أهل مكة والكوفة، وعامةُ قرأَةِ البصرة: ﴿أَنْ﴾ بفتح الألف من ﴿أَنْ﴾ (٦)، بمعنى: لأن كنتم.
واختلف أهلُ العربية في وجه فتح الألف من ﴿أَنْ﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: فُتحت لأن معنى الكلام: لأن كنتم.
وقال بعض نحويى الكوفة (٧): مَن فَتحها فكأنه أراد شيئًا ماضيًا.
قال: وأنت تقولُ في الكلام: أتيتُك (١) أَنْ حَرَمْتَنى.
تريدُ: إِذ حَرَّمْتَنى.
وتَكْسِرُ إِذا أَردْتَ: أتيتُك إن تَحْرِمْنى.
قال: ومثلُه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: ٢].
و: (إِنْ صَدُّوكُمْ).
يُكْسَرُ، ويُفْتحُ، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦].
[و (أن لم يؤمنوا)] (٢).
قال: والعربُ تُنْشِدُ قول الفرزدق (٣): أَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتا … جهارًا ولَمْ تَجْزَعْ لَقَتْلِ ابن حَازِمِ قال: ويُنْشَدُ (٤): أتَجْزَعُ أَنْ بانَ الخَلِيطُ المُوَدِّعُ … وَحَبْلُ الصَّفا مِنْ عَزَّةَ المُتَقَطِّعُ قال: وفي كلِّ واحدٍ من البيتين ما في صاحبه، من الكسر والفتح.
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الكسر والفتح في الألف في هذا الموضع قراءتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن العرب إذا تقدَّم "أن" - وهى بمعنى الجزاء - فعلٌ مستقبلٌ كسروا ألِفَها أحيانًا فمحَّضوا لها الجزاء، فقالوا: أقومُ إن قمْتَ.
وفتحوها أحيانًا وهم ينوون ذلك المعنى، فقالوا: أقوم أن قمتَ.
بتأويل: لأن قمتَ.
فإذا كان الذي تقدمها من الفعل ماضيا لم يتكلَّموا إلَّا بفتح الألفِ مِن "أَنْ" فقالوا: قمتُ أَنْ قمتَ.
وبذلك جاء التنزيلُ وتتابع شعرُ الشعراء.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وكم أرسلنا من نبيٍّ يا محمد في القرون الأوّلين، الذين مضوا قبل قرنك الذي بُعثت فيه، كما أرسلناك في قومك من قريش، ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
يقولُ: وما كان يأتى قرنًا من أولئك القرون، وأمةً من تلك (١) الأمم الأوّلين لنا، من نبيٍّ يدعوهم إلى الهدى وطريق الحقِّ، إلا كان الذين يأتيهم ذلك النبيُّ (٢) من تلك الأم يُنِّبئُهم (٣) الذي أُرسلُه إليهم، يستهزئون سُخرية منهم به (٤)، كاستهزاء قومك بك يا محمدُ.
يقولُ: فلا يَعْظُمَن عليك ما يفعل بك قومُك، ولا يَشُقَّنَّ عليك؛ فإنهم إنما سلكوا في استهزائهم بك مَسْلكَ سُلَّافهم، ومنهاج أئمتهم الماضين من أهل الكفر بالله.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: فأهلكنا أشدَّ من هؤلاء المستهزئين بأنبيائهم بطشًا إذا بطشوا، فلم يعجزونا بقواهم وشدَّة بطشهم، ولم يقدروا على الامتناع من بأسنا إذ أتاهم، فالذين هم أضعفُ منهم قوةً أحرى أن لا يقدروا على الامتناع مِن غِيَرِنا (٥) إذا حلّت بهم، ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
يقولُ جلّ ثناؤه: ومضى لهؤلاء المشركين.
المستهزئين بك ولمن قبلهم مِن ضُربائهم - مَثَلُنا الذي مثَّلناه لهم في أمثالهم من مكذبي رسلنا الذين أهلكناهم، يقولُ: فليتوقع هؤلاء الذين يستهزئون بك يا محمدُ من عقوبتنا مِثْلَ الذي أحللناه بأولئك إن (١) أقاموا على تكذيبك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال: عقوبة الأولين (٢).
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال: سُنَّتُهم (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا (٤) وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك: مَن خلق السماوات [السبع والأرضين] (١)، فأحدثهنّ وأنشأهنَّ؟
ليقولُنَّ: خلَقهنَّ العزيز في سلطانه وانتقامه من أعدائه، العليمُ بهنّ وبما فيهنّ مِن الأشياء، لا يخفى عليه شيءٌ.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ (٢).
يقول: الذي مهد لكم الأرضَ، فجعلها لكم وطاءً تَطَئُونها بأقدامكم، وتمشون عليها بأرجُلِكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾.
يقولُ: وسهل لكم فيها طرُقًا تتطرّقونها من بلدة إلى بلدة؛ لمعايشكم ومتاجركم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾: أي: طرقًا (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾.
قال: بِساطًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾.
قال: الطُّرُق.
﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: لكى تهتدوا بتلك السبل إلى حيثُ أردتم من البلدان والقُرى والأمصار، ولولا ذلك لم تُطيقوا براع أفنيتكم ودوركم، ولكنها نعمةٌ أنعم بها عليكم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾.
يعنى: ما نزّل جلّ ثناؤه من الأمطار من السماء، ﴿بِقَدَرٍ﴾.
يقول: بمقدار حاجتكم إليه، فلم يجعله كالطوفان، فيكون عذابًا مغرقًا (١)، كالذى أنزَل على قومِ نوحٍ، ولا جعَله قليلًا لا ينبتُ به النباتُ والزرعُ من قلَّتِه، ولكنه جعَله غينًا مُغِيثًا، وحَيًّا للأرضِ الميتة مُحييًا، ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً (٢) مَيْتًا﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: فأحيينا به بلدةً من بلادِكم ميتًا، يعنى: مُجْدِبةً لا نباتَ بها (٣) ولا زرْعَ، قد درست من الجُدُوبِ، وتعفَّت من القُحُوطِ، ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: كما أخرجنا بهذا الماء الذي نزّلناه من السماءِ مِن هذه البلدة الميتة بعد جُدُوبها وقُحُوطِها - النبات والزرع، كذلك أيُّها الناسُ تُخْرَجون من بعدِ فنائكم ومصيركم في الأرضِ رفاتًا، بالماء الذي أنزله إليها؛ لإحيائكم من بعد مماتكم - منها أحياءً كهيئتكم التي كنتم بها قبل مماتكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: كما أحيا الله هذه الأرض الميتة بهذا الماء، فكذلك تُبعثون يوم القيامة.
وقيل: أنشرنا به؛ لأن معناه: أحيينا به.
ولو وصفت الأرضَ بأنها حييت، قلتَ: نَشَرَتِ الأرضُ.
كما قال الأعشى (٤): حتى يَقُولَ النَّاسُ مُمَّا رأَوْا … يا عجبا للْمَيِّتِ النَّاشِرِ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾.
يقول تعالى ذكره: والذي خلق كلَّ شيءٍ فزوَّجه؛ بأن خلق للذكور (١) من الإناث أزواجًا، وللإناث (٢) من الذكور أزواجًا، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾.
وهى السفن، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾.
وهى البهائم، ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾.
يقولُ: جعَل لكم من السفن ما تركبونه في البحار، إلى حيث قصدتم واعتمدتم في سيركم فيها لمعايشكم ومطالبكم، ومن الأنعام ما تركبونه في البرِّ، إلى حيث أرَدتم من البُلدانِ؛ كالإبل والخيل والبغال والحمير.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: كي تستووا على ظهور ما تركبون.
واختلف أهل العربية في وجهِ توحيدِ الهاء في قوله: ﴿عَلَى ظُهُورِهِ﴾ وتذكيرها؛ فقال بعض نحويِّى البصرة: تذكيرُه يجوز (٣) على ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾، وما هو مذكرٌ، كما تقولُ: عندى من النساءِ من يوافقُك ويسرُّك.
وقد تُذكَّرُ الأنعام وتؤنَّثُ، وقد قال في موضعٍ آخرَ: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦].
وقال في موضعٍ آخر: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١].
وقال بعضُ نحويِّى الكوفة (٤): أُضِيفَتِ "الظهورُ" إلى الواحد؛ لأن ذلك الواحد في معنى جمع، بمنزلة الجُندِ والجيش.
قال: فإن قيل: فهلَّا قلتَ: لتستووا على ظهره.
فجعلت الظهر واحدًا إذا أضفته إلى واحدٍ؟
قلتُ: إن الواحد فيه معنى الجمع، فرُدَّتِ "الظهورُ" إلى المعنى، ولم يقل: ظهره.
فيكون كالواحد الذي معناه ولفظه واحدٌ.
وكذلك تقولُ: قد كثُر نساءُ الجند.
وقلت: ورفع الجندُ أعينه.
ولا تَقُل: عينه.
قال: وكذلك كلُّ ما أضفت إليه من الأسماء الموصوفة، فأخْرِجُها على الجمع، فإذا أضفت إليه اسمًا في معنى فعلٍ، جاز جمعه وتوحيده، مثل قولك: رفع العسكر صوته، وأصواته أجود، وجاز هذا لأن الفعل لا صورة له في الاثنين إلا كصورته في الواحد.
وقال آخر منهم: قيل: لتستووا على ظهوره؛ لأنه وصفٌ للفُلْكِ، ولكنه وحَّد الهاءَ؛ لأن الفُلكَ بتأويل جمعٍ، فجمع الظهور ووحَّد الهاء، لأن أفعال كلِّ واحدٍ تأويله الجمعُ تُوحَّدُ وتُجمَعُ، مثل: الجند منهزمٌ، ومُنْهزمون.
فإذا جاءتِ الأسماء خرج على العددِ (١) لا غير، فقلت: الجندُ رجالٌ.
فلذلك جمعت "الظهورُ" ووحِّدت الهاء، ولو كان مثل الصوتِ وأشباهه، جاز: الجندُ رافعٌ صوته، وأصواته.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾.
يقول تعالى ذكره: ثم تذكروا نعمة ربِّكم التي أنعمها عليكم بتسخيره ذلك لكم مراكب في البرِّ والبحر، ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، فتعظِّموه وتُمجِّدوه، وتقولوا تنزيها للهِ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ الذي ركبناه من هذه الفُلك والأنعام، مما يصفه به المشركون ويُشرَكُ به معه في العبادة من الأوثان والأصنام، ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريب وعبيدُ بن إسماعيلَ الهَبَّاريُّ، قالا: ثنا المحاربيُّ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي هاشم، عن أبي مجلز، قال: ركبتُ دابة فقلتُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
فسمعنى رجلٌ من أهل البيت - قال أبو كُريب (١) والهبَّاريُّ: قال المحاربيُّ: فسمعتُ سفيان يقولُ: هو الحسنُ بنُ عليٍّ رضوان الله تعالى عليهما - فقال: أهكذا أُمِرتَ؟
قال: قلتُ: كيف أقولُ؟
[قال: أُمِرْتُم أن تذكروا نعمة ربكم إذا استويتُم عليه.
قال: قلتُ: كيف أقولُ] (٢)؟
قال: تقول: الحمدُ للهِ الذي هدانا للإسلام، الحمد لله الذي مَنَّ علينا بمحمد ﵊، الحمد لله الذي جعلنا في خير أُمَّةٍ أُخرجت للناس.
فإذا أنت قد ذكرت نعما عظامًا، ثم تقولُ بعد ذلك: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (٣).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي هاشمٍ، عن أبى مجْلَز، أن الحسن بن عليٍّ ﵄، رأى رجلًا ركب دابةٌ، فقال: الحمد لله الذي سخَّر لنا هذا.
ثم ذكر نحوه (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾: يعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم؛ في الفلك تقولون: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١].
وإذا ركبتم الإبل قلتم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
ويعلِّمكم ما تقولون إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعًا، تقولون: اللهمَّ أَنزِلْنا مُنزلًا مباركًا وأنت خير المُنزلين.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه أنه كان إذا ركب قال: اللهم هذا مِن مَنّك وفضلك.
ثم يقولُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١).
وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ يقولُ: وما كنا له مُطِيقين ولا ضابطين.
من قولهم: قد أقرنتَ (٢) لهذا.
إذا صرت له قرنًا وأطقته، وفلانٌ مُقْرِنٌ لفلانٍ، أي: ضابطٌ له مُطيقٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنى أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
يقولُ: مُطِيقين (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿مُقْرِنِينَ﴾.
قال: الإبل والخيل والبغال والحميرُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾: أي مُطِيقين، لا والله، لا في الأيدى، ولا في القوة (٢).
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
قال: في القوة (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
قال: مُطِيقين (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾.
قال: لسنا له بمُطيقين.
قال: لا نُطِيقُها إلا بك، لولا أنت ما قوينا عليها ولا أطقناها (٤).
وقوله: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: ولتقولوا أيضًا: وإنا إلى ربِّنا بعد مماتنا لصائرون، وإليه راجعون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: وجعَل هؤلاء المشركون للَّهِ مِن خلقه نصيبًا، وذلك قولهم للملائكة: هم بناتُ اللهِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾.
قال: ولدًا، وبنات من الملائكة (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾.
قال: البنات.
وقال آخرون: عُنى بالجزء في هذا الموضع: العِدْلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾.
أي: عِدْلًا (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن، ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾.
أي: عِدْلًا (٣).
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في تأويل ذلك؛ لأن اللَّهَ جَلَّ ثناؤُه أَتبع ذلك قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾.
توبيخًا لهم على قولهم ذلك، فكان معلومًا أن توبيخَه إياهم بذلك إنما هو عمَّا أخبر عنهم من قيلهم ما قالوا في إضافةِ البناتِ إِلى اللهِ ﷿.
وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾.
يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لذو جَحْدٍ لنعَمِ ربِّه التي أنعَمها عليه، ﴿مُبِينٌ﴾.
يقولُ: يَبِينُ كفرانُه نِعمَه عليه لمن تأمَّله بفكرِ قلبِه، وتدبُّرِ حالِه.
وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾.
يقولً جلّ ثناؤُه مُوَبِّخًا هؤلاء المشركين الذين وصفوه بأن الملائكةَ بناتُه: أتَّخذ ربُّكم أيُّها الجاهلون مما يخلُقُ بناتٍ، وأنتم لا تَرضَونهن لأنفسِكم؟
﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾.
يقولُ: وأَخلَصكم بالبنينَ، فجعَلهم لكم؟
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا بُشِّر أحدُ (١) هؤلاء الجاعلين لله من عبادِه جُزءًا، ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
يقولُ: بما مثَّل للهِ، فشبَّههُ شَبَهًا، وذلك ما وصَفه به مِن أن له بَناتٍ.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
قال: ولدًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾: بما جعَل للَّهِ.
وقولُه: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ظلَّ وجهُ هذا الذي بُشِّر بما ضَرَب للرحمنِ مثلًا من البناتِ، مُسْودًا من سوءِ ما بُشِّر به، ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
يقولُ: وهو حَزينٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
يقولُ: وهو حَزينٌ (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: أَوَ مَن يُنَبَّتُ [ويربَّى] (٢) في الحِلْيَةِ ويُزِيَّنُ بها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ﴾.
يقولُ: وهو في مخاصمة من خاصمه عند الخصام غيرُ مبين مَن (٣) خصمه ببرهان وحجة، لعجزه وضعفه، جعلتموه جُزْءًا للَّهِ مِن خَلْقِه، وزعمتم أنه نصيبُه منهم؟!
وفى الكلام متروكٌ استُغنى بدلالة ما ذُكر منه، وهو ما ذكرتُ.
واختلف أهل التأويل في المعنيِّ بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجوارى والنساءُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال: يعنى المرأة (٤).
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن مجاهدٍ، قال: رُخص للنساء في الحرير والذهب.
وقرأ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١).
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾.
قال: الجوارى، جعلتموهنَّ للرحمن ولدًا، كيف تحكمون (٢)؟!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال: الجوارى، يُسفِّهُهُنَّ بذلك، ﴿غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
بضعفهنَّ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾.
يقولُ: جعلوا له البنات، وهم إذا بُشِّر أحدهم بهنَّ [ولى على] (٣) وجهه مُسودًّا وهو كظيمٌ.
قال: وأما قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: قلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها (٤).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال: النساء.
وقال آخرون: عُنى بذلك أوثانُهم التي كانوا يعبدونها مِن دونِ اللَّهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال: هذه تماثيلُهم التي يضربونها من فضةٍ وذهبٍ يعبدونها، هم الذين أنشئوها، ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾.
قال: لا يتكلَّم.
وقرأ: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (١) [يس: ٧٧].
وأولى القولين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: عُنى به الجوارى والنساءُ.
لأن ذلك عقيب خبرِ اللَّهِ عن إضافة المشركين إليه ما يكرهونه لأنفسهم من البنات، وقلَّةِ معرفتهم بحقِّه، ونحلتهم (٢) إياه من الصفاتِ والنِّحَلِ (٣)، وهو خالقُهم ومالكُهم ورازقُهم، والمنعمُ عليهم النعم التي عدَّدها في أوَّلِ هذه السورة - ما لا يرضونه لأنفسهم؛ فإتباع ذلك من الكلام ما كان نظيرًا له، أشبه وأولى مِن إتباعه ما لم يَجْرِ له ذكرٌ.
واختلفت القرأَةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ المدينة والبصرة وبعضُ المكيِّين والكوفيِّين: (أو مَنْ يَنشَأُ).
بفتح الياء والتخفيف (٤)، من: نشَأ ينشَأُ.
وقرأته عامة قرأة الكوفة: ﴿يُنَشَّأُ﴾.
بضمِّ الياء وتشديد الشين (١)، من: نَشَّأتُه فهو يُنشَّأُ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن يقال: إنهما قراءتان معروفتان في قرأَةِ الأمصار، متقاربتا المعنى؛ لأن المُنَشَّأ من الإنشاء ناشيءٌ، والناشئُ مُنْشَأٌ، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
وقد ذكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (أَوْ مَنْ لا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ) (٢).
وفى ﴿مَنْ﴾ وجوه من الإعراب؛ الرفعُ على الاستئناف به، والنصبُ على إضمار "يجعلون"؛ كأنه قيل: أو مَن يُنشَّأُ في الحليةِ يُجعلون بناتِ اللَّهِ؟
وقد يجوزُ النصبُ فيه أيضًا على الردّ على قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾.
فيُردُّ ﴿مَنْ﴾ على البنات، والخفضُ على الردِّ على "ما" التي في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا (٣) خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: وجعل هؤلاء المشركون بالله ملائكته الذين هم عبادُ الرحمن.
واختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ المدينة: (الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ) (٤) بالنون، وكأنهم تأوَّلوا في ذلك قول الله جلَّ ثناؤه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦].
فتأويل الكلام على هذه القراءة: وجعلوا ملائكة الله الذين هم عنده ويسبِّحونه ويقدِّسونه إناثًا، فقالوا: هم بناتُ اللهِ.
جهلًا منهم بحقِّ الله، وجُرْأَةً منهم على قيل الكذب والباطل.
وقرأ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة والبصرة: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾.
بمعنى: جمعُ عَبْدٍ.
فمعنى الكلام على قراءة هؤلاء: وجعلوا ملائكة الله الذين هم خَلْقُه وعبادُه، بناتِ الله، فأنثوهم بوصفهم إياهم بأنهم إناثٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وذلك أن الملائكة عباد الله وعنده.
واختلفوا أيضًا في قراءة قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، فقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ المدينة: (أشْهِدُوا (١) خَلْقَهُمْ)؟
بضمِّ الألف، على وجه ما لم يسمَّ فاعلُه، بمعنى: أَأَشْهَد الله هؤلاء المشركين الجاعلين ملائكة الله إناثًا خَلْقَ ملائكته الذين هم عندَه، فعلموا ما هم وأنهم إناثٌ، فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم، وبرؤيتهم إياهم؟!
ثم رُدَّ ذلك إلى ما لم يُسمَّ فاعلُه، [وقرأه بعد عامةُ قرأة الحجاز والكوفة والبصرة: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾] (٢).
بفتح الألفِ، بمعنى: أشهدوا هم ذلك فعلموه؟
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ستُكتبُ شهادة هؤلاء القائلين: الملائكةُ بناتُ اللهِ - في الدنيا، بما شهدوا به عليهم، ويُسْئَلون عن شهادتهم تلك في الآخرة، أن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿(١٩) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠) أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون من قريشٍ: لو شاء الرحمن ما عبدنا أوثاننا التي نعبدها من دونه، وإنما لم تَحِلَّ بنا منه عقوبةٌ على عبادتنا إياها، لرضاه منا بعبادتناها.
كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: للأوثان، يقولُ اللَّهُ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ (١).
[وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾] (٢).
يقول: ما لهم من علمٍ بحقيقة ما يقولون من ذلك، وإنما يقولونه تخرُّصًا وتكذُّبًا؛ لأنهم لا خبر عندهم منى بذلك ولا برهان، وإنما يقولونه ظنًّا وحُسْبانًا.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
يقولُ: ما هم إلا متخرِّصون هذا القول الذي قالوه، وذلك قولُهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾.
وكان مجاهدٌ يقول في تأويل ذلك، ما حدَّثني به محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارث، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾: ما يعلمون قدرةَ اللهِ على ذلك (١).
وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾.
يقول تعالى ذكره: أآتينا (٢) هؤلاء المتخرِّصين القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا الآلهة - [كتابًا بحقيقة] (٣) ما يقولون من ذلك، من قبل هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد، ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟
يقولُ: فهم بذلك الكتاب الذي جاءهم من عندى من قبل هذا القرآن مستمسكون؛ يعملون به، ويدينون بما فيه، ويحتجُّون به عليك؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكره: ما آتينا هؤلاء القائلين: لو شاء الرحمنُ ما عبدنا هؤلاء الأوثان، بالأمر بعبادتها - كتابًا من عندنا، ولكنهم قالوا: وجدنا آباءنا الذين كانوا قبلنا يعبدونها، فنحن نعبدُها كما كانوا يعبدونها.
وعَنى جلَّ وعزَّ بقوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾: بل وجدنا آباءنا على دين وملةٍ، وذلك هو عبادتهم الأوثان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾.
قال: مِلةٍ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾.
يقولُ: وجَدنا آباءنا على دين (٢).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾.
قال: قد قال ذلك مشركو قريشٍ؛ قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين] (٣).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ عن السديِّ قوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾.
قال: على دين (٤).
واختلفت القراةُ في قراءة قوله: ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأَةِ الأمصار ﴿عَلَى أُمِّةٍ﴾ بضمِّ الألف، بالمعنى الذي وصفتُ، من الدين والملة والسنة.
وذكر عن عمر بن عبد العزيز ومجاهدٍ أنهما قرآه (على إمَّةٍ) بكسرِ الألف (٥).
وقد اختُلف في معناها إذا كُسرت ألفُها؛ فكان بعضُهم (١) يوجِّه تأويلها إذا كُسرت، إلى (٢) أنها الطريقةُ، وأنها مصدرٌ من قول القائل: أممتُ القومَ فأنا أؤمُّهم إمّةً.
وذُكر عن العرب سماعًا: ما أحسنَ عِمَّتَه وإمَّتَه وجلسته.
إذا كان مصدرًا، ووجَّهه بعضُهم إذا كُسِرتْ ألفُها إلى أنها الإمَّةُ التي بمعنى النعيم والملكِ، كما قال عَدِيُّ بنُ زِيدٍ (٣): ثُمَّ بَعْدَ الفَلَاحِ وَالمُلْكِ والإمَّـ … ـــة وَارَتْهُمُ هُناكَ القُبورُ وقال (٤): أراد إمامة الملكِ ونعيمه.
وقال بعضُهم: الأُمَّةُ بالضمِّ والإمَّةُ بالكسْرِ بمعنًى واحدٍ.
والصوابُ من القراءة في ذلك، الذي لا أستجيزُ غيره، الضمُّ في الألفِ؛ لإجماع الحجّة من قرأة الأمصار عليه.
وأما الذين كسروها فإني لا أُراهم قصدوا بكسرها إلا معنى الطريقة والمنهاج، على ما ذكرنا قبلُ، لا النعمة والملك؛ لأنه لا وجه لأن يقال: إنا وجدنا آباءنا على نعمةٍ، ونحن لهم مُتَّبعون في ذلك؛ لأن الاتباع إنما يكون في الملل والأديان وما أشبه ذلك، لا في المُلكِ والنعمةِ؛ لأن الاتَّباع في المُلكِ ليس بالأمر الذي يصِلُ إليه كلُّ مَن أراده.
وقوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: وإنا على آثارِ آبائنا فيما كانوا عليه من دينهم مهتدون.
يعنى: لهم مُتَّبعون على منهاجهم.
كما حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: ونحن على دينهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾.
يقول: وإنا مُتَّبعوهم على ذلك (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.
يقول جلَّ وعزَّ: وهكذا كما فعل هؤلاء المشركون من قريشٍ، فعل من قبلهم من أهل الكفر بالله، وقالوا مثل قولهم، لم نُرسل من قبلك يا محمد ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾.
يعني: إلى أهلها - ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾] (٢) ينذرهم عقابنا على كفرهم بنا، فأنذروهم وحذّروهم سُخطنا، وحلول عقوبتنا بهم، ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، وهم رؤساؤهم وكبراؤهم.
كما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾.
قال: رؤساؤهم وأشرافُهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾: قاداتُهم ورءوسُهم في الشرك (٤).
وقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ﴾.
يقولُ: قالوا: إنا وجدنا آباءنا على ملَّةٍ ودينٍ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾.
يعنى: وإنا على منهاجهم وطريقتهم مقتدون بفعلهم؛ نفعلُ كالذى فعلوا، ونعبد ما كانوا يعبدون.
يقولُ جلَّ وعزَّ لمحمد ﷺ: فإنما سلك مشركو قومك مِنهاج من قبلهم من إخوانهم من أهل الشرك بالله في إجابتهم إياك بما أجابوك به، وردِّهم ما ردَّوا عليك من النصيحة، واحتجاجهم بما احتجُّوا به لمُقامهم على دينهم الباطل.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
قال: بفعلهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾: فاتَّبعوهم على ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالَ (٢) أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: قل يا محمد لهؤلاء المشركين من قومك، القائلين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمِّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣): أَوَلَوْ جئتُكم أيها القوم من عندِ ربِّكم بأهْدَى لكم إلى طريق الحقِّ، وأدلُّ لكم على سبيل الرشادِ ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ﴾ أنتم عليه آباءَكم من الدين والملةِ.
﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
يقولُ: فقال لهم ذلك، فأجابوه بأن قالوا له كما قال الذين من قبلهم من الأمم المكذبة رُسُلَها لأنبيائها: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أَيُّها القومُ، ﴿كَافِرُونَ﴾ يعني: جاحدون مُنكرون.
وقرأ ذلك قرأةُ الأمصار سوى أبى جعفرٍ القارئ: ﴿قَالَ (١) أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ بالتاء.
وذكر عن أبي جعفر القارئ، أنه قرأه: (قُلْ أَوَلَوْ جِئناكُمْ) بالنونِ والأَلفِ (٢).
والقراءة عندنا ما عليه قرأة الأمصار؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه (٣).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: فانْتَقَمْنا من هؤلاء المكذِّبةِ رُسُلَها، من الأم الكافرة بربِّها، بإحلالنا العقوبة بهم، فانظر يا محمدُ كيف كان عُقْبَى أمرِهم، إذ كذَّبوا بآياتِ الله.
ويعنى بقوله: ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: [آخِرُ أمر] (٤) الذين كذَّبوا رسل الله، إلامَ صارَ!
يقولُ: ألم نهلكهم فنجعلهم عبرةً لغيرهم؟!
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُم فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال: شرٌّ واللهِ، أَخَذَهم بخَسْفٍ وغرقٍ، ثم أهلكهم فأدخلهم النار (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾.
يقول جلَّ ثناؤه: وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه الذين كانوا يعبدون ما يعبده مُشركو قومك يا محمدُ: إنَّنى بَرَاءٌ ممَّا تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ، فكذَّبوه، فانتقمنا منهم كما انتقمنا ممن قبلهم من الأم المكذِّبةِ رُسُلَها.
وقيل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
فوضع البراء، وهو مصدرٌ، موضع النعت، والعربُ لا تُثَنَّى البراء ولا تجمع ولا تؤنِّثُ، فتقولُ: نحن البراء والخلاء؛ لما ذكرتُ من أنه مصدرٌ، وإذا قالوا: هو برئٌ منك، ثنَّوا وجمعوا وأنَّثوا، فقالوا: هما بريئان منك، وهم بريئون منك.
وذُكر أنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (إِنَّنِي بَرِيءٌ) بالياء (٢)، وقد يُجمعُ بَرِئُ: [بُرَآء أو بُراء] (٣).
﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾.
يقولُ: إننى برئ مما تعبدون من شيء إلا من الذي فطرنى، يعنى: الذي خلقنى، ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾.
يقولُ: فإنه سيقوِّمُنى للدين الحقِّ، ويوفِّقُنى لاتباع سبيل الرشدِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
قال: كايَدهم؛ كانوا يقولون: إن الله ربُّنا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
فلم يَبرأْ مِن ربِّه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾.
يقولُ: إننى برئٌ مما تعبدون إلَّا الذي خَلَقَنِي (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾.
قال: خلَقنى.
وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: وجعلَ قولَه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾.
وهو قولُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ - كلمةً باقيةً في عقبهِ، وهم ذُرِّيتُه، فلم يَزَلْ فِي ذُرِّيتِه مَن يقولُ ذلك مِن بعدِه.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى الكلمةِ التي جعَلها خليلُ الرحمنِ باقيةً في عقبه؛ فقال بعضُهم بنحوِ الذي قلنا في ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهد: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: لا إله إلا اللَّهُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: شهادة أنَّ لا إلهَ إلا اللَّهُ، والتوحيدَ، لم يَزَلْ في ذريته مَن يقولُها مِن بعدِه (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: التوحيدَ والإخلاصَ، ولا يزالُ في ذُرِّيتِه مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ ويعبدُه (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: لا إله إلا اللَّهُ (٣).
وقال آخرون: الكلمةُ التي جعَلها باقيةً (٤) في عقبِه اسمُ الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
[قال: الإسلامُ] (٥) وقَرأَ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].
قال: جعَل هذه كلمةً باقيةً في عَقِبه، وقال: الإسلامُ، وقرَأ: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨].
وقرأ: ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (٦) [البقرة: ١٢٨].
وبنحوِ ما قلنا أيضًا في معنى العَقِبِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: في ولده (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: يعنى مَن خَلَفَه (٢).
حدَّثني محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: في عَقِبِ إبراهيمَ، [آلِ محمدٍ محمد ﷺ] (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ الله بن عبدِ الحكم، قال: ثنا ابن أبي فُدَيكٍ، قال: ثنا (٤).
ابن أبي ذئبٍ، عن ابن شِهابٍ، أنه كان يقولُ: العَقِبُ: الولدُ، وولدُ الولدِ (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: و ﴿فِي عَقِبِهِ﴾.
قال: عَقِبُه ذُرِّيتُه (٤).
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
يقول: ليرجِعوا إلى طاعةِ ربِّهم، ويُنيبوا (٥) إلى عبادتِه، ويَتوبوا من كفرِهم وذنوبِهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: يَتوبون، أو: يذَّكَّرون (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: بل مَتَّعْتُ يا محمدُ هؤلاء المُشركين من قومِك وآبَاءَهُم مِن قبلِهم بالحياةِ، فلم أعاجلْهم (٢) بالعقوبةِ على كفرِهم، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾.
يعني جل وعزَّ بالحقِّ هذا القرآنَ.
يقولُ: لم أُهْلِكهم بالعذابِ حتى أَنزَلتُ عليهم الكتابَ، وبعثتُ فيهم رسولًا مُبينًا.
يعني بقوله: ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يعني محمدًا ﷺ، وبالمبين: أنه يُبَيِّنُ لهم يُبَيِّنُ بالحُجَجِ التي يحتجُّ بها عليهم، أنه للَّهِ رسولٌ مُحِقٌّ فيما يقولُ، ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولمَّا جاء هؤلاء المشركين القرآنُ مِن عندِ اللَّهِ، ورسولٌ مِنْ الله أرسَله إليهم بالدعاءِ إليه ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ﴾.
يقول: قالوا (٣): هذا الذي جاءَنا به هذا الرسولُ سحرٌ يَسْحَرُنا به، ليس بوحيٍ مِن اللَّهِ، ﴿وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
يقولُ: قالوا: وإنا به جاحِدون، ننكر أن يكونَ هذا مِن عندِ (٤) الله.
وبنحو الذي قلنا في معنى الحقِّ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾.
قال: هؤلاء قريشٌ، قالوا للقرآنِ الذي جاء به محمدٌ: هذا سحرٌ (١).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: وقال هؤلاء المُشركون باللَّهِ مِن قريشٍ، لمَّا جاءَهم القرآنُ مِن عند الله: هذا سحرٌ، فإن كان حقًّا، فهَلَّا نزَل على رجلٍ عظيمٍ مِن إحدى هاتَين القريتيَن؛ مكةَ أو الطائفِ.
واختُلف في الرجلِ الذي وصَفوه بأنه عظيمٌ؛ وقالوا: هَلَّا نزَل عليه هذا القرآنُ؛ فقال بعضُهم: قالوا (٢): هلَّا نزَل على الوليدِ بن المُغيرةِ المخزوميِّ، مِن أهلِ مكةَ، أو حبيبِ بن عمرِو بن عُمَيرِ الثَّقَفيِّ، مِن أهلِ الطائفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال: يعنى بالعظيمِ: الوليد بن المغيرةِ القُرَشيَّ، وحبيبَ بنَ عمرِو بن عُمَيرٍ الثقفيَّ، وبالقريتَين: مكةَ والطائفَ (١).
وقال آخرون: بل عُنِى به عُتْبةُ بن ربيعةَ مِن أهلِ مكةَ، وابنُ عبدِ يالِيلِ مِن أهلِ الطائفِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال: عتبةُ بن ربيعةَ مِن مكةَ، وابنُ عبدِ يالِيلَ الثقفيُّ مِن الطائفِ (٢).
وقال آخرون: بل عُنى به مِن أهلِ مكةَ الوليدُ بنُ المُغيرةِ، ومن أهلِ الطائفِ عروةُ (٣) بنُ مسعودٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال: الرجلُ: الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال (٤): لو كان ما يقولُ محمدٌ حقًّا، أُنزِل عليَّ هذا أو على ابن مسعودٍ الثقفيِّ، والقريتان: الطائفُ ومكةُ، وأبو (١) مسعودٍ الثقفيُّ من الطائفِ، اسمُه عُرْوةُ بنُ مسعودٍ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾: والقريتان: مكةُ والطائفُ.
قال: قد قال ذلك مُشركو قريشٍ، قال: بلَغنا أنه ليس فخِذٌ من قريشٍ إلا قد ادَّعَته، وقالوا: هو مِنَّا.
فكُنَّا نُحدَّثُ أن الرجلين الوليدُ بنُ المُغيرةِ، وعُرُوةُ الثقفيُّ أبو مسعودٍ، يقولون: فهلا كان أُنزل على أحد هذين الرجلين.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال: كان أحدُ العظيمَين عُرُوةَ بنَ مسعودٍ الثقفيُّ، كان عظيمَ أهلِ الطائفِ.
وقال آخرون: بل عُنى به مِن أهلُ مكةَ الوليدُ بنُ المغيرةِ، ومن أهلِ الطائفِ كنانةُ بنُ عبدِ بن عمرٍو.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ القُرَشيُّ، أو كِنانةُ بنُ عبدِ بن عمرِو بن عُمَيرٍ عظيمُ أهلُ الطائفِ (٣).
وأَولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ، أن يقالَ كما قال ﷿، مخبِرًا عن هؤلاء المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
إذ كان جائزًا أن يكونَ بعضَ هؤلاء، ولم يَضَعِ اللَّهُ جلَّ وعزَّ لنا الدلالةَ على الذين عُنُوا منهم في كتابِه، ولا على لسانِ رسولِه ﷺ، والاختلافُ فيه موجودٌ على ما بَيَّنْتُ.
وقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾.
يقول جلَّ وعزَّ: أهؤلاء القائلون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
يا محمدُ، يَقْسِمون رحمةَ ربِّك بينَ خلقِه، فيجعَلون كرامتَه لمَن شاءوا، وفضلَه [عند مَن] (١) أرادوا، أم الله الذي يَقسِمُ ذلك، فيُعْطِيه مَن أحبَّ، ويحرِمُه مَن شاء؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بن سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لما بَعَث الله محمدًا ﷺ رسولًا، أنكَرتِ العربُ ذلك - أو مَن أنكر منهم - فقالوا: اللَّهُ أعظمُ مِن أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ.
قال: فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونسُ: ٢]، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (٢) إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣].
يعنى: أهلَ الكتبِ الماضيةِ: أبشرًا كانت الرسلُ التي أَتَتْكم أم ملائكةً؟
فإن كانوا ملائكةً أتَتْكم، وإن كانوا بشرًا فلا تُنْكِروا أن يكونَ محمدٌ رسولًا، قال: ثم قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي (١) إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
أي: ليسوا مِن أهلِ السماءِ كما قلتم.
قال: فلما كَرَّر اللَّهُ عليهم الحُجَجَ قالوا: فإذ كان بشرًا فغير محمدٍ كان أحقَّ بالرسالةِ، و ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
يقولون: أشرفَ مِن محمدٍ ﷺ، يَعْنون الوليدَ بنَ المغيرةِ المخزوميَّ، وكان يُسَمَّى ريحانةَ قريشٍ، هذا مِن مكةَ، ومسعودَ بن عمرِو بن عبيدِ اللَّهِ الثقفيَّ، مِن أهلِ الطائفِ، قال: يقولُ اللَّهُ ﷿ ردًّا عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؟
أنا أفعلُ ما شئتُ (٢).
وقولُه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: بل نحن نقسِمُ رحمتَنا وكرامتَنا بينَ مَن شِئْنا مِن خلقِنا، فنجعَلُ مَن شِئْنا رسولًا، ومَن أرَدْنا صِدِّيقًا، ونتَّخِذُ مَن أرَدْنا خليلا، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون بها في حياتِهم الدنيا مِن الأرزاقِ والأقواتِ، فجعَلنا بعضَهم فيها أرفعَ مِن بعضٍ درجةً، بأن جعَلنا هذا غَنِيًّا وهذا فقيرًا، وهذا مَلِكًا وهذا مملوكًا؛ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال اللَّهُ: ﴿يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ فتَلْقَاه ضعيفَ الحيلةِ، عَيِيَّ اللسانِ وهو مبسوطٌ له في الرزقِ، وتَلْقَاه شديدَ الحيلةِ، بسيطَ (٣) اللسانِ وهو مقتورٌ عليه، قال الله جل ثناؤُه: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
كما قَسَم بينَهم صورَهم وخلقَهم (١)، تبارَك ربُّنا وتعالى (٢).
وقوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
يقولُ: ليَسْتسخِرَ هذا هذا في خدمتِه إيَّاه، وفى عَوْدِ هذا على هذا بما في يدِه من فضلٍ، يقولُ: جعل تعالى ذكرُه بعضًا لبعضٍ سببًا للمعاشِ في الدنيا.
وقد اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عُنِى بقولِه: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: ما قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط، السُّدِّيِّ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
قال: يستخدِمُ بعضُهم بعضًا في السُّخْرةِ (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
قال: هم بنو آدمَ جميعًا، قال: وهذا عبدُ هذا، ورفع اللَّهُ هذا على هذا درجةً؛ فهو يُسَخِّرُه بالعملِ، يستعمِلُه به، كما يقالُ: سخَّر فلانٌ فلانًا (٤).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك: ليملكَ بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عُبَيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قوله: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
يعنى بذلك: العبيدَ والخَدَمَ سخَّرهم لهم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾: مَلَكَةٌ (٢).
وقوله: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
يقول جلَّ وعزَّ: ورحمةُ رَبِّك يا محمدُ، بإدخالِهم الجنةَ خيرٌ لهم مما يَجْمَعون مِن الأموالِ في الدنيا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾: يعنى الجنةَ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾.
يقولُ: الجنةُ ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
يقولُ: خيرٌ مما يجمَعون في الدنيا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا أن يكون الناس جماعةً واحدةً.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي لم يُؤْمَنْ اجتماعُهم عليه، لو فعَل ما قال جلَّ ثناؤه أنه (١) لم يفعلْه من أجلِه؛ فقال بعضُهم: ذلك اجتماعُهم على الكفرِ.
وقالوا: معنى الكلامِ: ولولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً على الكفرِ، فيصيرَ جميعُهم كفارًا، لجعَلنا لمَن يكفرُ بالرحمنِ لبُيُوتِهم سُقْفًا مِن فضةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ الله سبحانَه: لولا أن أجعَلَ الناسَ كلَّهم كفارًا، لجعَلتُ للكفارِ لبيوتِهم سُقُفًا مِن فضةٍ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوذةُ بن خليفةَ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: لولا أن يكونَ الناسُ كفارًا أجمَعون، يمَيلون إلى الدنيا (٣)، لجعل اللَّهُ ﵎ الذي قال.
ثم قال: واللَّهِ لقد مالَت الدنيا بأكثرِ أهلِها، وما فعَل ذلك، فكيف لو فعَله (٤)؟!
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: أي: كفارًا كلَّهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: لولا أن يكونَ الناسُ كفارًا (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ: كفارًا على دينٍ واحدٍ (٢).
وقال آخرون: ذلك اجتماعُهم على طلبِ الدنيا وتركِ طلبِ الآخرةِ.
وقال: معنى الكلامِ: ولولا أن يكونَ الناسُ أمةً واحدةً على طلبِ الدنيا ورفْضِ الآخرةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: لولا أن يختارَ الناسُ دُنياهم على دينهم، لجعَلنا هذا لأهل الكفرِ (٣).
وقولُه: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لجعلنا لبيوتِ مَن يكفرُ بالرحمنِ في الدنيا سُقُفًا، يعنى أعالىَ بُيُوتِهم، وهو السطوحُ مِن فضةٍ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾: السُّقُفُ أعالى البيوتِ (٤).
واختلف أهلُ العربيةِ في تَكْريرِ اللامِ التي في قولِه: ﴿لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾، وفى قوله: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾.
فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يزعُمُ أنها أُدخِلت في البيوتِ على البدلِ.
وكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ (١): إن شئتَ جعلتَها في: ﴿لِبُيُوتِهِمْ﴾ مُكَرَّرةً، كما قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وإن شئتَ جعلتَ اللامَين مختلفتَين، كأن الثانيةَ في معنى "على"، كأنه قال: جعَلنا لهم على بيوتِهم سُقُفًا.
قال: وتقولُ العربُ للرجلِ في وجهِه: جعَلتُ لك لقومِك الأُعطيةَ.
أي جعَلتُه مِن أجلِك لهم.
واختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿سُقُفًا﴾، فقرَأته عامةُ قرأةٍ أهلُ مكةَ وبعضُ المدنيِّين وعامةُ البصريِّين: (سَقْفًا).
بفتح السين وسكون القافِ (٢)، اعتبارًا منهم ذلك بقولِه: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٢٦].
وتَوْجِيهًا منهم ذلك إلى أنه بلفظ واحدٍ معناه الجمعُ.
وقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿سُقُفًا﴾، بضَمِّ السينِ والقافِ (٣)، ووجَّهوها إلى أنها جمْعُ سَقِيفةٍ أو سُقُوفٍ.
وإذا وُجِّهتْ إلى أنها جمعُ سُقُوف كانت جمعَ الجمعِ؛ لأن السُّقُوفَ جمعُ سَقْفٍ، ثم تُجمَعُ السُّقُوفُ سُقْفًا، فيكونُ ذلك نظيرَ قراءةِ مَن قرأه: (فرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة:٢٨٣] بضمِّ الراءِ والهاءِ (٤)، وهى جمعُ (٥) الجمعِ، واحدُها رِهانٌ ورُهُونٌ، وواحدُ الرُّهونِ والرِّهانِ: رَهْنٌ وكذلك قراءةُ مَن قَرأ: (كُلُوا مِنْ ثُمُرِهِ) [الأنعام: ١٤١].
بضمِّ الثاءِ والميمِ (١)، ونظيرُ قولِ الراجزِ (٢): حتى إذا بُلَّتْ حَلاقِيمُ الحُلُقْ وقد زعَم بعضُهم أن السُّقُفَ بضمِّ السينِ والقافِ، جمعُ سَقْفٍ، والرُّهُنَ بضمِّ الراءِ والهاءِ، جمعُ رَهْنٍ، فأغفَل وجهَ الصوابِ في ذلك، وذلك أنه غيرُ موجودٍ في كلامِ العربِ اسمٌ على تقدير (فَعْلِ) بفتح الفاء وسكونِ العينِ مجموعًا على (فُعُلٍ)، فيُجعلَ السُّقُفُ والرَّهُنُ منه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان مُتقاربتا المعنى، معروفتان في قَرَأةِ الأمصار، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمُصِيبٌ.
وقوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
يقولُ: ومَرَاقىَ ودَرَجًا عليها يَصْعَدون، فيَظْهَرون على السُّقُفِ.
والمعارجُ: هي الدَّرَجُ نفسها، كما قال المُثَنَّى بن جَنْدَلٍ (٣): يا ربِّ ربَّ البيتِ ذى المعارجِ وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَعَارِجَ﴾.
قال: معارجُ مِن فضةٍ، وهى دَرَجٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
أي: ودَرَجًا (٢) عليها يَصْعَدون.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
قال: المعارجُ المَراقى (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
قال: دَرَجٌ عليها يَرْتقون (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾.
قال: دَرَجٌ عليها يَصْعَدون إلى الغُرَفِ (٥).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾.
قال: المعارجُ: دَرَجٌ مِن فضةٍ (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وجعَلنا لبيوتِهم أبوابًا مِن فضةٍ، وسُرُرًا مِن فضةٍ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَسُرُرًا﴾.
قال: سُرُرٌ من فضةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾.
قال: الأبوابُ مِن فضةٍ، والسُّرُرُ مِن فضةٍ ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾.
يقولُ: على السُّرُرِ يَتَّكِئون (١).
وقوله: ﴿وَزُخْرُفًا﴾.
يقول جلَّ وعزَّ وجعَلْنا لهم مع ذلك زُخْرُفًا، وهو الذهبُ.
وبنحوِ ما قلنا قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾: وهو الذهبُ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾.
قال: الذهبُ.
وقال الحسنُ: بيتٌ مِن زُخرفٍ، قال: من ذهبٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾.
قال: والزخرفُ الذهبُ.
قال: قد واللَّهِ كانت تُكْرَهُ ثيابُ الشُّهْرةِ.
وذُكر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ كان يقولُ: "إيَّاكم والحُمْرَةَ، فإنها مِن أحبِّ الزينةِ إلى الشيطانِ" (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَزُخْرُفًا﴾.
قال: الذهبُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾: لجعَلنا هذا لأهلِ الكفرِ، يعنى لبُيُوتِهم سُقُفًا مِن فضةٍ وما ذُكر معها.
قال: والزخرفُ: سوى (٣) هذا الذي سَمَّى؛ السُّقُفَ، والمعارجَ، والأبوابَ، والسرُرَ، مِن الأثاثِ والفُرُشِ والمتاعِ (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبَيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَزُخْرُفًا﴾.
يقولُ: ذَهَبًا (٥).
والزخرفُ على قول ابن زيد هذا: هو ما يتخذُه الناسُ في منازِلهم مِن الفُرُشِ والأمتعةِ والأَثاثِ (٦).
وفي نصبِ الزخرفِ وجهان؛ أحدُهما، أن يكونَ معناه: لجعَلنا لَمن يكفرُ بالرحمنِ لبُيُوتِهم سُقفًا مِن فضةٍ ومِن زخرفٍ، فلما لم يُكَرِّرْ عليه "مِن" نُصِب على إعمالِ الفعلِ فيه ذلك، والمعنى فيه فكأنه قيل: وزُخْرُفًا يُجعلُ ذلك لهم منه.
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ معطوفًا على السُّرُرِ، فيكونَ معناه: لجعَلنا لهم هذه الأشياءَ مِن فضةٍ، وجعَلنا لهم مع ذلك ذَهَبًا يكونُ لهم غِنًى يَسْتَغْنون (١) بها، ولو كان التنزيلُ جاء بخفضِ الزخرفِ [كان صحيحًا على معنى] (٢)؛ لجعَلنا لَمن يكفرُ بالرحمنِ لبيوتهم سُقُفًا مِن فضةٍ ومِن زخرفٍ.
فكان الزخرفُ يكونُ معطوفًا على الفضةِ (٣).
وأما المعارجُ فإنها جُمعت على مفاعلَ، وواحدُها مِعْراجٌ، على جمعِ مِعْرَجٍ، كما يُجمعُ المِفْتاحُ مفاتحَ، على جمعِ مِفْتَحٍ؛ لأنهما لغتان: مِعْرَجٌ، ومِفْتَحٌ، ولو جُمع مَعاريجَ كان صوابًا، كما يجمعُ المفتاحُ مفاتيحَ، إذ كان واحدَه مِعْراجٌ.
وقولُه: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: وما كلُّ هذه الأشياء التي ذكر؛ مِن السُّقُفِ مِن الفضةِ، والمعارجِ، والأبوابِ، والسُّرُرِ مِن الفضةِ والزخرفِ - إلا متاعٌ يَسْتمتعُ به أهلُ الدنيا في الدنيا، ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقول جلَّ وعزَّ: وزَيْنُ الدارِ الآخرةِ وبهاؤُها عندَ ربِّك للمتقين؛ الذين اتَّقَوْا اللَّهَ فخافوا عقوبتَه (٤)، فجَدُّوا في طاعتِه، وحَذِروا معاصيَه - خاصةً دونَ غيرهم من خلقِ اللَّهِ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: خُصوصًا (٥).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: ومَن يُعْرِضْ عن ذكرِ اللَّهِ، فلم يَخَفْ سَطُوتَه، ولم يخشَ عقابَه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
يقولُ: نجعلْ له شيطانًا يُغْوِيه، ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.
يقولُ: فهو للشيطانِ قرينٌ، أي يصيرُ كذلك.
وأصلُ العَشْوِ: النظرُ بغيرِ ثَبَتٍ لعلةٍ في العينِ، يقالُ منه: عَشا فلانٌ يَعْشُو عُشُوا وعَشْوًا.
إذا ضَعُف بصرُه، وأظلمَت عينُه كأن عليها غشاوةً، كما قال الشاعرُ (١): متي تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِه … تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا يقولُ: متى تفتقرْ فتَأْتِه يغنِك (٢).
وأما إذا ذهَب البصرُ فلم يُبْصِرُ، فإنه يقالُ منه (٣): قد عَشِيَ فلانٌ يَعْشَى عَشًى.
منقوصٌ، ومنه قولُ الأعشَى (٤): رَأَتْ رَجُلًا غائبَ الوافدَيـ … ـن مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرًا يقالُ منه: رجلٌ أعشَى، وامرأَةٌ عَشْواءُ.
وإنما معنى الكلامِ: ومَن لا ينظر في حُجَجِ اللَّهِ بالإعراضِ منه عنه إلا نظرًا ضعيفًا، كنَظَرِ مَن قد عَشِيَ بصرُه، ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾.
يقولُ: إذا أعرَض عن ذكرِ الله نقيضُ له شيطانًا ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي في قولِه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾.
قال: يُعْرِضُ.
وقد تأوَّله بعضُهم بمعنى: ومَن يَعْمَ، ومَن تأوَّل ذلك كذلك، فيجبُ أن تكونَ قراءتُه: (ومَنْ يَعْشَ) بفتحِ الشينِ (٢)، على ما بَيْتُ قبلُ.
ذكرُ مَن تأوَّله كذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾.
قال: مَن يَعْمَ عن ذكرِ الرحمنِ.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: وإن الشياطينَ ليصُدُّون هؤلاء الذين يَعْشُون عن ذكرِ اللَّهِ، عن سبيل الحقِّ، فيُزَيِّنون لهم الضلالةَ، ويُكَرِّهون إليهم الإيمانَ باللَّهِ، والعملَ بطاعتِه، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: ويظنُّ المشركون باللَّهِ، بتَحْسينِ الشياطينِ لهم ما هم عليه مِن الضلالةِ، أنهم على الحقِّ والصوابِ، يخبرُ ﷿ عنهم، أنهم مِن الذي هم عليه من الشرك على شكٍّ، وعلى غير بصيرةٍ.
وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾.
فأخرَج ذكرَهم مُخرجَ ذكرِ الجميعِ، وإنما ذكَر قبلُ واحدًا فقال: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا﴾؛ لأنَّ الشيطانَ وإن كان لفظُه واحدًا، ففى معنى جمعٍ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾.
اختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ سِوى ابن مُحَيْصِنٍ، وبعضُ الكوفيِّين وبعضُ الشاميِّين: (حتى إذَا جاءانا) (١) على التثنيةِ، بمعنى: حتى إذا جاءانا هذا الذي عَشِيَ عن ذكر الرحمنِ، وقرينُه الذي قُيِّضَ له من الشياطينِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وابنُ مُحيْصِنٍ: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ (٢) على التوحيدِ، بمعنى: حتى إذا جاءنا هذا العاشِي مِن بنى آدمَ عن ذكرِ الرحمنِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان مُتقاربتا المعنى، وذلك أن في خبرِ اللَّهِ ﵎ عن حالِ أحدِ الفريقَين عندَ مَقْدَمِه عليه، فيما اقترنا (٣) فيه في الدنيا، الكفايةَ للسامعِ عن خبرِ الآخرِ، إذ كان الخبرُ عن حالِ أحدهما معلومًا به خبرُ حالِ الآخرِ، وهما مع ذلك قراءتان مُسْتفيضتان في قرأةِ الأمصارِ، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (حتى إذا جاءانا).
قال: هو وقرينُه جميعًا (١).
وقولُه: ﴿قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قال أحدُ هذَين القريتَين لصاحبهِ الآخرِ: وَدِدتُ أنَّ بينى وبينَك بُعْدَ المشرقَين.
أي: بُعْدَ ما بينَ المشرقِ والمغربِ، فغَلَّب اسمَ أحدِهما على الآخرِ، كما قيل: [سُنَّةُ العُمَرَين] (٢).
وكما قال الشاعرُ (٣): أَخَذْنا بآفاقِ السماءِ عليكُمُ … لنا قَمَراها والنجومُ الطوالعُ وكما قال الآخرُ (٤): فَبَصْرَةُ (٥) الأَزْدِ مِنَّا والعراقُ لنا … والمَوْصِلانِ ومِنَّا مِصْرُ فالحَرَمُ يعني: الموصلَ والجزيرةَ، فقال: المَوْصِلان.
فغَلَّب الموصِلَ.
وقد قيل: عُنِى بقولِه: ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾: مشرقُ الشتاءِ، ومشرقُ الصيفِ؛ وذلك أن الشمسَ تطلعُ في الشتاءِ مِن مشرقٍ، وفى الصيفِ مِن مشرقٍ غيرِه، وكذلك المغربُ، تغربُ في مغربَين مختلفَين، كما قال جلَّ وعزَّ: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧].
وذُكِر أن هذا قولُ أحدِهما لصاحبِه، عندَ لُزُوم كلِّ واحدٍ منهما صاحبَه، حتى يُورِدَه جهنمَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن سعيدٍ الجُرَيرِيِّ.
قال: بلَغنى أن الكافرَ إذا بُعِث يومَ القيامةِ مِن قبرِه، سَفَع (١) بيدِه شيطانٌ، فلم يُفارِقْه حتى يُصيِّرَهما اللَّهُ إلى النارِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾.
وأما المؤمنُ فيُوَكَّلُ به مَلَكٌ، فهو معه، حتى قال: إما يفصلُ بين الناس، أو يصيرُ إلى ما شاء اللَّهُ.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ [إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾.
يقولُ جلَّ وعزَّ: ولن ينفعَكم اليومَ] (٢) أيُّها العاشُون عن ذكرِ اللَّهِ في الدنيا، ﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾.
[يقولُ: إذ أشركتم فيها بربّكم] (٣)، ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ يقولُ: لن يخفِّفَ عنكم مِن عذابِ الله اليومَ اشتراكُكم فيه؛ لأنَّ لكلِّ أحدٍ منكم نصيبَه الأوفرَ منه.
و "أنَّ" مِن قولِه: ﴿أَنَّكُمْ﴾.
في موضعِ رفعٍ؛ لِما ذكَرتُ من أن معناه: لن ينفعَكم اليومَ اشتراكُكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أفأنت تُسْمِعُ مَن قد سَلَبَه اللَّهُ استماعَ حُجَجه التي احتجَّ بها في هذا الكتابِ، وأصَمَّه عنه، أو تَهْدِى إلى طريقِ الهُدى مَن أعمَى الله قلبَه عن إبصاره، واستحوَذ عليه الشيطانُ فزَيَّن له الرَّدَى، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ: أو تَهْدِى مَن كان في جَوْرٍ عن قَصْدِ السبيلِ، سالِكَ غيرِ سبيلِ الحقِّ، قد أبانَ ضلالُه أنه عن الحقِّ زائلٌ، وعن قصدِ السبيلِ جائزٌ.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ليس ذلك إليك، إنما ذلك إلى اللَّهِ الذي بيدِه صرفُ قلوبِ خلقِه كيف شاء، وإنما أنت مُنذِرٌ، فبَلِّغْهم النِّذارةَ.
وقوله: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنيِّين بهذا الوعيدِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى به أهلُ الإسلامِ من أُمة نبيِّنا محمدٍ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ العَنْبَرِيُّ، قال: ثنى أبي، عن أبي الأشْهَبِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾.
قال: لقد كانت بعدَ نبيِّ اللَّهِ ﷺ نِقْمةٌ شديدةٌ، فأكرَم اللَّهَ نبيَّه ﷺ أن يُرِيَه في أمتِه ما كان مِن النقمة بعدَهُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: فذهَب الله بنَبِيِّه ﷺ، ولم يُره في أمتِه إلا الذي تَقَرُّ به عينُه، وأبقَى اللَّهُ النقمةَ بعدَه، وليس مِن نبيٍّ إلا وقد رأى في أمتِه العقوبةَ - أو قال: ما لا يَشْتَهِي - ذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ الذي لَقِيتُ أُمتُه من بعدِه، فما زال لا منقبضًا، ما استبسَط ضاحكًا حتى لَقِى اللَّهَ ﵎.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تَلا قتادةَ: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾.
فقال: ذهَب النبيُّ ﷺ، وبقيت النِّقْمةُ، ولم يُرِ اللَّهُ نَبِيَّه ﷺ في أمتِه شيئًا يَكْرَهُه حتى مضَى، ولم يَكُنْ نبيٌّ قَطُّ إلا رأى العقوبةَ في أمتِه، إلا نبيَّكم ﷺ.
قال: وذُكِر لنا أن النبيَّ ﷺ أُرِىَ ما يُصِيبُ أمتَه بعده، فما رُئِى ضاحكًا مستبسِطًا حتى قبَضه اللَّهُ (١).
وقال آخرون: بل عُنى به أهلُ الشركِ مِن قريشٍ.
وقالوا: قد أَرَى اللَّهُ نبيَّه ذلك (٢) فيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّي في قولِه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾: كما انتقَمنا مِن الأممِ الماضيةِ، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾: فقد أَراه اللَّهُ ذلك وأظهَره عليه (٣).
وهذا القولُ الذي قاله السديُّ أولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ؛ وذلك أن ذلك في سياقِ خبرِ اللَّهِ عن المشركين، فلأن يكونَ ذلك تهديدًا لهم، أَولى مِن أن يكونَ وعيدًا لمن لم يَجْرِ له ذكرٌ.
فمعنى الكلامِ إذ كان ذلك كذلك: فإن نذهَبْ بك يا محمدُ مِن بين أظهُرِ هؤلاءِ المشركين، فنُخْرِجْكَ مِن بينِهم، ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾، كما فعَلنا ذلك بغيرِهم من الأممِ المُكَذِّبِةِ رُسُلَها، ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾، يا محمدُ من الظُّفَرِ بهم، وإعلائِك عليهم، ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أن نُظْهِرَك عليهم، ونخزيَهم بيدِك وأيدى المؤمنين بك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فتَمَسَّكْ يا محمدُ بما يأمُرُك به هذا القرآنُ الذي أوحاه إليك ربُّك، ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، [يقول: إنك في تمسُّكِك به على طريقٍ مستقيمٍ] (١) ومنهاجٍ سَديدٍ؛ وذلك هو دينُ اللَّهِ الذي أمَر به، وهو الإسلامُ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
أي: الإسلامُ (٢).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾: بالقرآنِ؛ ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[قال: على دينٍ مستقيمٍ] (١).
وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: وإن هذا القرآنَ الذي أُوحِيَ إليك يا محمدُ، الذي أمَرناك أن تستمسكَ به، لشَرَفٌ لك ولقومِك مِن قريشٍ، ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
يقولُ: وسوف يسألُك ربُّك وإيَّاهم: عما عمِلتُم فيه، وهل عمِلتُم بما أمَرَكم ربُّكم فيه، وانتَهَيتُم عما نَهاكم عنه فيه؟
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
يقولُ: إن القرآنَ شَرَفٌ لك (١).
حدَّثنا عمرُو بنُ مالكٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
قال: يُقالُ للرجلِ: مِمَّن (٢) أنت؟
فيقولُ: مِن العربِ.
فيقالُ: مِن أيِّ العربِ؟
فيقولُ: مِن قريشٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾: وهو هذا القرآنُ (٤).
حدَّثنا محمدُ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
قال: شَرَفٌ لك ولقومِك، يعنى القرآنَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.
قال: أو لم تَكُنِ النبوةُ والقرآنُ الذي أنزَل على نبيِّه ﷺ ذكرًا له ولقومِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
ومَن الذين أُمِر رسولُ الله ﷺ بمسألتِهم ذلك؟
فقال بعضُهم: الذين أُمِر بمسألتهم ذلك رسولُ الله ﷺ، مُؤمنو أهلِ الكتابين؛ التوراةِ والإنجيلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عبدُ الأعلى بنُ واصلٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن ابن عُيَينةَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قال: في قراءة عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنَا) (١).
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
إنها في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ رُسُلَنا) (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
يقولُ: سَلْ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ: هل جاءتْهم الرسلُ إلا بالتوحيدِ أن يوحِّدوا اللَّهَ وحدَه؟
قال: وفى بعضِ القراءةِ: (وَاسْأَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلَنا قَبْلَك أَجعلَنا مِن دونِ الرحمن آلهَةً يُعْبَدُون).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في بعضِ الحروفِ: (وسَلِ الَّذِينَ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا).
يقولُ: سَلْ أهلُ الكتاب؛ أمَا كانت الرسلُ تأتيهم بالتوحيد؟
أمَا كانت تأتى بالإخلاصِ (١)؟
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعتَ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عُبَيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾: في قراءةِ ابن مسعودٍ: (وسَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُون الكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ)، يعنى: مؤمنى أهلِ الكتابِ (٢).
وقال آخرون: بل الذين أُمِر بمسئلتِهم ذلك الأنبياءُ، الذين جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الآية.
قال: جُمِعوا له ليلةَ أُسْرِى به ببيتِ المقدسِ، فأمَّهم وصلَّى بهم.
فقال اللَّهُ له: سَلْهُمْ.
قال: فكان أشدَّ إيمانًا ويقينًا باللَّهِ وبما جاءه مِن اللَّهِ مِن أن يسألَهم.
وقرأ: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤].
قال: فلم يَكُنْ فِي شَكٍّ، ولم يسألِ الأنبياءَ، ولا الذين يقرءُون الكتابَ.
قال: "ونادَى جبريلُ ﵇.
فقلتُ في نفسى: الآنَ يَؤُمُّنا أبونا إبراهيمُ".
قال: "فدفَع جبريلُ في ظَهْرِى، وقال: تقدَّمْ يا محمدُ فصَلِّ"، وقرَأ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾، حتى بلغ: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٣) [الإسراء: ١].
وأولى القولين بالصواب في تأويل ذلك قولُ مَن قال: عُنى به: سَلْ مؤمنى أَهلِ الكتابين.
فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يقال: سَل الرسل، فيكون معناه: سَل المؤمنين بهم وبكتابهم؟
قيل: جاز ذلك من أجل أن المؤمنين بهم وبكتبهم أهل بلاغ عنهم ما أَتَوهم به عن ربهم، فالخبرُ عنهم وعما جاءوا به من ربهم، إذا صح، بمعنى خبرهم، والمسألة عما جاءوا به بمعنى مسألتهم، إذا كان المسئولُ مِن أهل العلم بهم، والصدقِ عليهم، وذلك نظيرُ أمرِ اللهِ إيَّانا بِرَدِّ ما تَنَازَعْنا فيه إلى الله والرسول، يقولُ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
ومعلوم أن معنى ذلك: فرُدُّوه إلى كتاب اللهِ وسُنَّةِ الرسولِ؛ لأن الردَّ إلى ذلك رَدٌّ إلى الله والرسول.
وكذلك قولُه: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾.
إنما معناه: فاسأل كتب الذين أرسلنا من قبلك من الرسل، فإنك تعلم صحة ذلك من قبلها (١)، فاسْتُغْنى بذكرِ الرسلِ مِن ذكرِ الكتب، إذ كان ذلك معلومًا معناه.
وقوله: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾.
يقولُ: أمرناهم بعبادة الآلهة من دونِ اللهِ، فيما جاءوهم به، أو أتوهم بالأمر بذلك من عندنا؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾: أَتتهم الرسلُ يأمرونهم بعبادة أحدٍ (٢) مِن دونِ اللَّهِ؟
وقيل: ﴿آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، فأخرج الخبر عن الآلهة مُخرج الخبر عن ذكور بنى آدم، ولم يَقُلْ: تُعْبَدُ.
ولا: يُعْبَدْنَ.
فتؤنث وهى حجارةٌ، أو بعض الجماد، كما تفْعَلُ بالخبر (١) عن بعض الجمادِ، وإنما فُعِل ذلك كذلك، إذ كانت تُعبدُ وتُعَظَّمُ تعظيمَ الناسِ ملوكهم وسَرَاتَهم، فأُجْرِى الخبرُ عنها مُجْرَى الخبر عن الملوك والأشراف من بنى آدم (٢).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤه: ولقد أرسلنا موسى يا محمد بحججنا إلى فرعون وأشراف قومه، كما أرسلناك إلى هؤلاء المشركين من قومك، فقال لهم موسى: إني رسولُ رب العالمين.
كما قلت أنت لقومك من قريش: إنى رسول الله إليكم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾.
يقولُ: فلما جاء موسى فرعون وملأه بحججنا وأدلتنا على [حقيقة ما دعاهم إليه كما جئتَ أنتَ قومك بحججنا على] (٣) صدق [قولك فيما تدعوهم] (٤) إليه من توحيدِ اللهِ، والبراءةِ من عبادة الآلهة - إذا فرعون وقومه مما جاءهم به موسى من الآياتِ والعِبَرِ يضحكون، كما أن قومك مما جئتهم به مِن الآيات والعبر يَسْخَرون.
وهذا تَسْليةٌ من الله، ﷿، نبيه ﷺ عما كان يَلْقَى من مشركي قومه، وإعلامٌ منه له أن قومه من أهل الشرك لن يَعْدُوا أن يكونوا كسائر الأمم الذين كانوا على منهاجهم في الكفر بالله وتكذيب رُسُلِه، ونَدْبٌ منه نبيَّه ﷺ إلى الاستنانِ في الصبر عليهم بسُنَنِ ذوى (١) العزم من الرسل، وإخبارٌ منه له أن عُقْبَى مَرَدَتِهم إلى البَوارِ والهلاكِ، كسُنَّتِه في المتمرِّدين عليه قبلهم، وإظفارِه بهم، وإعلائِه أمره، كالذى فعل بموسى ﵇، وقومه الذين آمنوا به؛ مِن إظهارهم على فرعون وملئه.
القولُ في تأويل قوله ﷿: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾.
يقولُ ﷿: وما نُرِى فرعون وملاه آيةً، يعني: حُجَّةٌ لنا عليه بحقيقة ما يدعوه إليه رسولنا موسى، ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾.
يقولُ: إلا التي نُرِيهِ مِن ذلك أعظم في الحجَّةِ عليهم، وأَؤكدُ مِن التي مَضَت قبلَها مِن الآياتِ، وأدلُّ على صحة ما يأمُرُه به موسى مِن توحيدِ اللهِ.
وقوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾.
يقولُ: وأنزلنا بهم العذابَ.
وذلك كأخذه تعالى ذكره إياهم بالسنين، ونقص من الثمرات، وبالجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدمِ؛ ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣].
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
يقولُ: ليرجعوا عن كفرهم بالله، إلى توحيده وطاعته، والتوبة مما هم عليه مُقيمون من معاصيهم.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾: أي: يتوبون، أو: يَذَّكَّرون (٢).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: قال فرعون ومَلَؤُه لموسى: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾.
وعَنَوا بقولهم: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾: بعهده الذي عهد إليك، أنَّا إنْ آمَنَّا بك واتَّبَعْناك، كشف عنا الرِّجُزُ.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللهِ ﷿: ﴿بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾.
قال: لئن آمَنَّا ليكشفنَّ عنا العذابُ (١).
إن قال لنا قائل: وما وجه قيلهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾؟
وكيفَ سَمَّوه ساحرًا وهم يَسْألونه أن يَدْعُو لهم ربَّه؛ ليكشف عنهم العذابَ؟
قيل: إن الساحر عندهم كان معناه: العالم، ولم يَكُن السحرُ عندَهم ذَمًّا، وإنما دَعوه بهذا الاسم؛ لأن معناه عندهم كان: يا أيها العالم.
وقوله: ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
يقولُ: قالوا: إننا لمتَّبِعوك فمُصَدِّقوك فيما جئتنا به، ومُوَحِّدو الله، فمُبْصِرو سبيل الرشادِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾.
قال: قالوا: يا موسى ادع لنا ربك لئن كشفتَ عَنَّا الرجزَ لنُؤمِنَنَّ لك.
وقوله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فلما رفعنا عنهم العذابَ الذي أنزَلْنا بهم، الذي وعدوا أنهم إن كُشف عنهم اهْتَدَوا لسبيل الحقِّ، إذا هم بعد كشفنا ذلك عنهم يَنْكُثون العهد الذي عاهَدونا.
يقولُ: يغدرون ويُصِرُّون على ضلالهم، ويَتمادون في غَيِّهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾.
إذا هم: يَغْدِرون (١).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾: مِن القِبْطِ، فقال: ﴿يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ يعنى بقوله: ﴿مِنْ تَحْتِي﴾: مِن بين يَدَيَّ في الجنانِ.
كما حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾.
قال: كانت لهم جنانٌ وأنهارُ ماءٍ (٢).
وقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
يقولُ: أفلا تبصرون أيها القومُ ما أنا فيه من النعيم والخير، وما فيه موسى من الفقر وعيِّ اللسان؟
افتخر بملكه مصر عدو الله، وما قد مُكِّنَ له في الدنيا، استدراجًا مِن الله له، وحَسِب أن الذي هو فيه من ذلك ناله بأيده (١) وحَوْلِه (٢)، وأن موسى إنما لم يَصِل إلى الذي [هو فيه لضعفه] (٣)، فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة، مُحْتَجا على جَهَلة قومِه بأن موسى ﵇ لو كان مُحِقًّا فيما يأتى به من الآيات والعبر، ولم يَكُنْ ذلك سِحْرًا، لأكسَبَ نفسَه مِن الملكِ والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك، جهلا بالله، واغترارًا منه بإملائه إياه.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ (٤) مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾.
يقول تعالى ذكره، مخبرًا عن قيل فرعون لقومه، بعد احتجاجه عليهم بملكه وسُلْطانِه، وبيان لسانه، وتمام خلقه، وفضل ما بينه وبين موسى؛ بالصفات التي وصف بها نفسَه وموسى: أنا خيرٌ أيُّها القوم، وصفتى هذه الصفة التي وصفت لكم، أم هذا الذي هُو مَهينٌ لا شيء له مِن المُلْكِ والأموال، مع العلة التي به في جسده، والآفة التي به بلسانه، فلا يكادُ مِن أجلها يُبينُ كلامه؟
وقد اختلف في معنى قوله: ﴿أم﴾ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: معناها: بل أنا خيرٌ، وقالوا: ذلك خبرٌ، لا استفهامٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى قوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾.
قال: بل أنا خيرٌ من هذا.
وبنحو ذلك كان يقولُ بعضُ أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة.
وقال بعض نحويّي الكوفة: هو من الاستفهام الذي جعل بـ "أم"؛ لاتصاله بكلامٍ قبله.
قال: وإن شئتَ رَدَدْتَه على قوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟
وإذا وُجِّه الكلام إلى أنه استفهام، وجب أن يكون في الكلام محذوف استغنى بذكر ما ذكر مما تُرك ذكره، ويكون معنى الكلام حينئذ: أنا خيرٌ أيُّها القومُ من هذا الذي هو مَهِينٌ، أم هو؟
وذكر عن بعض القرأة أنه كان يقرأُ ذلك: (أَمَا (١) أنا خَيْرٌ)؟
حُدِّثْتُ بذلك عن الفراءِ، قال: أخبرني بعضُ المشيخة، أنه بلغه أن بعض القرأة قرأه كذلك (٢).
ولو كانت هذه القراءةُ قراءةً مُسْتفيضةً في قَرَأةِ الأمصار، لكانت صحيحة، وكان معناها حَسَنًا، غير أنها خلافُ ما عليه قرأة الأمصار، فلا أستجيز القراءة بها، وعلى هذه القراءة، لو صحت، لا كُلْفةَ له في معناها ولا مُؤْنةَ.
والصوابُ مِن القراءة في ذلك ما عليه قرأة الأمصار.
فأولى التأويلات بالكلام، إذ كان ذلك كذلك، تأويلُ مَن جَعَل: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ﴾ من الاستفهام الذي جعل بـ ﴿أم﴾؛ لاتصاله بما قبله من الكلام، ووَجهَه إلى أنه بمعنى: أأنا خيرٌ من هذا الذي هو مهين أم هو؟
ثم ترك ذكره "أم هو"؛ لما في الكلام من الدليل عليه.
وعنى بقوله: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾: من هذا الذي هو ضعيف لقِلَّةِ ماله، وأنه ليس له (١) من الملك والسلطان ما له.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾.
قال: ضعيفٌ (٢).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾.
قال: المهينُ: الضعيف.
وقوله: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
يقولُ: ولا يكادُ يُبينُ الكلامَ مِن عِي لسانه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾.
أي: عَييُّ اللسان (٣).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباط،، عن السدى: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾: الكلام.
وقوله: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسَاوِرَةٌ (١) مِنْ ذَهَبٍ).
يقولُ: فهَلا أُلْقِيَ على موسى إن كان صادقًا أنه رسولُ ربِّ العالمين، أسورَةٌ مِن ذَهَبٍ، وهو جمعُ سوار، وهو [القَلْبُ الذي يُجْعَلُ] (٢) في اليدِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
يقولُ: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
أي: أَقْلِبَةٌ مِن ذهب (٣).
واختلفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة والكوفة: (فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَساوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ) (٤).
وذكر عن الحسن البصرى أنه كان يقرؤُه: ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ (٥).
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب عندى ما عليه قَرَأَةُ الأمصار، وإن كانت الأخرى صحيحة المعنى.
واختلف أهل العربية في واحدِ الأساورة، والأسورةِ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: الأسورة جمعُ إسْوارٍ، قال: والأساورة جمع الأسْورةِ، وقال: ومَن قرأ ذلك: (أساورةٌ)، فإنه أراد أساوير، والله أعلم، فجعل "الهاء" عوضًا من الياء، مثل الزنادقة، صارت "الهاءُ" فيها عوضًا مِن الياء التي في زناديق.
وقال بعضُ نحويى الكوفة (١): مَن قَرأ: (أساورةٌ) جعَل واحدها: إسوارٌ، ومن قرأ: ﴿أَسْوِرَةٌ﴾ جعل واحدها: سوارٌ.
وقال: قد تكونُ الأَساورةُ جمع أَسْورة، كما يقالُ في جمعِ الأسْقية: الأساقي.
وفى جمعِ الأَكْرُعِ: الأَكَارِعُ.
وقال آخر منهم: قد قيل في سوار اليد: يجوز فيه أُسْوارٌ وإسْوارٌ، قال: فيجوز على هذه اللغة أن يكونَ "أساورةٌ" جمعه.
وحُكى عن أبي عمرو بن العلاء أنه كان يقولُ: واحد الأساورة إسوارٌ.
قال: وتصديقه في قراءةِ أُبَى بن كعبٍ: (فَلَولا أُلْقِيَ عليه أساورة من ذهب) فإن كان ما حكى من الرواية، مِن أنه يجوز أن يقال في سِوارِ اليد: إسوارٌ، فلا مُؤنةَ في جمعِه أَسَاوِرَةٌ، ولستُ أعلم ذلك صحيحًا عن العرب برواية عنها، وذلك أن المعروف في كلامهم من معنى الإسْوار: الرجلُ الرامي؛ الحاذق بالرَّمْي، من رجالِ العَجَمِ.
وأما الذي يُلْبَسُ في اليدِ، فإن المعروف مِن أسمائه عندهم سوار.
فإذا كان ذلك كذلك، فالذى هو أولى بالأساورة أن يكون جمع أَسْورةٍ على ما قاله الذي ذكرنا قوله في ذلك.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
يقولُ: أَو هَلَّا إن كان صادقًا جاء معه الملائكةُ مقترنين، قد اقترن بعضُهم ببعض، فَتَتابعوا يشهدون له بأنه للَّهِ رسول إليهم؟
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل على اختلاف منهم في العبارة على تأويله؛ فقال بعضُهم: يمشون معًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ قال: يمشون معا (١).
وقال آخرون: متتابعين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
أي: مُتتابعين.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة مثله (٢).
وقال آخرون: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾.
قال: يُقارِنُ بعضُهم بعضًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: فاستَخَفَّ فرعون حلوم (١) قومِه مِن القِبْطِ، بقوله الذي أخبر الله ﵎ عنه أنه قاله لهم، فقبلوا ذلك منه، فأطاعوه وكذَّبوا موسى.
قال الله: وإنما أطاعوا فاسْتَجابوا لما دعاهم إليه عدو اللَّهِ مِن تَصْدِيقِه، وتَكذيب موسى؛ لأنهم كانوا قومًا عن طاعة الله خارِجين؛ بخذلانِه إيَّاهم، وطَبْعِه على قلوبهم.
يقولُ الله ﵎: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
يعنى بقوله: آسَفُونا: أغضبونا (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
يقولُ: أسخطونا (٣).
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
يقولُ: لما أغضَبونا (٤).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
قال: أغضَبونا (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
قال: أغضَبوا ربهم.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
قال: أغضَبونا (٢).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾.
قال: أغضبونا (٣)، وهو على قول يعقوب: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
قال: يا حَزَنى على يوسفَ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
قال: أغضَبونا (٤).
وقوله: ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
يقولُ: انتقمنا منهم بعاجل العذاب الذي عجلناه لهم، فأغرقناهم أجمعين في البحرِ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾.
اختلفت القرأة في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة قرأة الكوفة غير عاصمٍ: (فجعلناهم سُلُفا) بضم السين واللام (٥)؛ توجيهًا ذلك منهم إلى جمع سليفٍ من الناس، وهو المتقدم أمام القوم، وحكى الفراء أنه سمع القاسم بنَ مَعْنٍ يَذكُرُ أنه سمع العرب تقولُ: مضَى سَلِيفٌ مِن الناسِ (١).
وقرأته عامة قرأة المدينة والبصرة وعاصم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ بفتح السين واللام (٢).
وإذا قُرِئ ذلك كذلك احتمل أن يكونَ مُرادًا به الجماعةُ والواحد، والذكر والأنثى؛ لأنه يقال للقوم: أنتم لنا سَلَفٌ.
وقد يُجمعُ الخبر الذي روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "يذهب الصالحون أسلافًا" (٣).
وكان حميدٌ الأعرج يقرأُ ذلك: (فَجَعَلْناهُمْ سُلَفا) (٤) بضم السين، وفتح اللام؛ توجيهًا منه ذلك إلى سلفةٍ من الناس، مثل (٥) أمةٍ منهم، وقطعةٍ.
وأولى القراءاتِ في ذلك بالصواب قراءة من قرأه بفتح السين واللام (٦)؛ لأنها اللغة الجودى، والكلام المعروف عند العرب.
وأحقُّ اللغاتِ أن يُقرأ بها كتابُ اللهِ من لغاتِ العرب أفصحُها وأشهرُها فيهم.
فتأويل الكلام إذن: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقناهم من قوم فرعونَ في البحرِ، مُقَدَّمَةً يَتَقَدَّمون إلى النارِ كفار قومك يا محمد من قريش، وكفارُ قومك لهم بالأَثَرِ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
قال: قوم فرعون كفارهم سلفٌ (١) لكفار أمة محمد ﷺ (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: في النار.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمَرٍ، [عن قتادة] (٣): ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾.
قال: سَلَفًا إلى النار (٤).
وقوله: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
يقولُ: وعِبْرةً وعِظَةً يتعظ بهم من بعدهم من الأمم، فينتهوا عن الكفر بالله.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ (١).
قال: عبرةً لَمَن بعدهم (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
أي: عِظَةً للآخرين (٣).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾.
أي: عِظَةً لَمَن بعدهم.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا﴾.
قال: عبرةً.
وقوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ولما شَبَّه الله عيسى - في إحداثه وإنشائه إياه من غيرِ فَحْلٍ - بآدم، فمثَّله به بأنه خلقه من تراب من غيرِ فَحْلٍ، إذا قومك يا محمد من ذلك يَضِجُّون (٤) ويقولون: ما يريدُ محمدٌ مِنَّا إلا أن نتخِذَه إلها نعبده، كما عبدت النصارى المسيح.
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم الذي قلنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يَضِجُّون.
قال: قالت قريش: إنما يريد محمدٌ أن نعبده كما عبدَ قومُ عيسى عيسى (١).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قال: لما ذُكر عيسى ابن مريم جزعت قريشٌ من ذلك، وقالوا: يا محمد ما ذكرك (٢) عيسى ابن مريم؟
وقالوا: ما يريدُ محمد إلا أن نصنع به كما صنعت النصارى بعيسى ابن مريم.
فقال الله ﷿: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾ (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قال: لما ذكر عيسى في القرآن قال مُشركو قريش: يا محمد ما أردتَ إلى ذكر عيسى؟
قال: وقالوا: إنما يريد أن نُحبّه كما أحَبَّت النصارى عيسى.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك قول الله ﷿: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨].
[وقيل المشركين] (٤) عند نزولها: قد رَضِينا بأن تكون آلهتنا مع عيسى وعُزير والملائكة؛ لأن كلَّ هؤلاء مما يُعبدُ مِن دونِ اللهِ.
فقال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧)﴾.
قال: يعنى قريشًا لما قيل لهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ [الأنبياء: ٩٨].
فقالت له قريشٌ: فما ابن مريم؟
قال: ذاك عبد الله ورسوله.
فقالوا: والله ما يريدُ هذا إلا أن نتخذه ربًّا، كما اتَّخَذَت النصارى عيسى ابن مريمَ رَبًّا.
فقال الله ﷿: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ (١).
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يَصِدُّونَ﴾؛ فقرأته عامة قرأة المدينة، وجماعةٌ مِن قرأةِ الكوفة: (يَصِدُّونَ) بضمِّ الصادِ (٢).
وقرأ ذلك بعضُ قرأة الكوفة والبصرة ﴿يَصِدُّونَ﴾ الله بكسر الصادِ (٣).
واختلف أهل العلم بكلام العرب في فرقِ ما بين ذلك، إذا قُرِئَ بضم الصادِ، وإذا قُرِئ بكسرها؛ فقال بعض نحويى البصرة، ووافقه عليه بعضُ الكوفيين: هما لغتان بمعنى واحدٍ، مثلَ يَشِدُّ ويَشُدُّ، ويَنمُ ويَنُمُ مِن النميمة.
وقال آخرُ منهم: مَن كسر الصادَ فمجازها: يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فَمَجازُها: يَعْدِلون (٤).
وقال بعضُهم: مَن كسرها فإنه أرادَ يَضِجُّون، ومَن ضَمَّها فإنه أراد الصدودَ عن الحقِّ.
وحدثت عن الفرَّاءِ، قال: ثني أبو بكر بن عياشٍ، أن عاصمًا ترك (يَصُدُّون) من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾.
قال: وقال أبو بكر: حدثني عاصم، عن أبي رزين، عن أبي يحيى، أن ابن عباس قرأ: ﴿يَصِدُّونَ﴾.
أي: يَضِجُّون (١).
قال: وفي حديث آخر أن ابن عباس لَقِى ابن أخي عُبَيدِ بن عُمَيرٍ، فقال: إن عمَّك (٢) لعربيٌّ، فماله يَلحَنُ في قوله: (إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصُدُّون) إنما هي ﴿يَصِدُّونَ﴾ (٣)؟
والصوابُ مِن القول في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، ولغتان مشهورتان بمعنى واحدٍ، ولم نجد أهل التأويل فرَّقوا بين معنى ذلك إذا قُرئ بالضمِّ والكسر، ولو كان مختلفًا معناه، لقد كان الاختلافُ في تأويله بين أهله موجودًا وجودَ اختلافِ القراءة فيه باختلاف اللغتين، ولكن لما لم يكن مختلف المعنى لم يختلفوا في أن تأويله: يَضِجُّون ويجزعون، فبأى القراءتين قرأ القارئ فمصيبٌ.
ذكر [من قال] (٤) ما قلنا في تأويل ذلك حدثني على، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يضجُّون.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (١): ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يَضِجُّون.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو حمزة، عن المغيرة الضبي، عن الصعب بن عثمان قال: كان ابن عباس يقرأُ: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
وكان يفسرها، يقولُ: يَضِجُّون.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن (٢)، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبى رزين، عن ابن عباس: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يَضِجُّون (٣).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله.
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ الله ﷿: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يضجُّون (٤).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يجزعون ويضجُّون (٥).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر (١)، عن عاصم بن أبى النَّجودِ، عن أبي صالح عن ابن عباس أنه قرأها: ﴿يَصِدُّونَ﴾.
أي: يضجُّون (٢).
وقرأ على ﵁: ﴿يَصِدُّونَ﴾ (٣).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يضجُّون (٤).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾.
قال: يضجُّون (٥).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾.
يقول تعالى ذكره: وقال مُشركو قومك: يا محمد آلهتنا التي نعبُدُها خيرٌ أم محمد، فنعبد محمدا ونترك آلهتنا؟
وذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبَيِّ بن كعبٍ: (أآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هَذَا).
ذكرُ الرواية بذلك حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة أن في حرفِ أُبَيٍّ بن كعب: (وَقَالُوا أَآلهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا).
يَعْنون محمدًا ﷺ.
وقال آخرون: بل عُنى بذلك: آلهتنا خيرٌ أم عيسى؟
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ في قوله: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا (١) جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
قال: خاصَمُوه.
فقالوا: تزعُمُ أن كلَّ مَن عُبِد مِن دونِ اللَّهِ في النارِ، فنحن نرضى أن تكون آلهتُنا مع عيسى وعُزيرٍ والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ.
قال: فأنزل الله ﷿ براءةَ عيسى (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ﴾.
قال: عبد هؤلاء عيسى، ونحن نعبد الملائكة.
وقرأ (٣): ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ إِلى: ﴿فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
وقوله تعالى ذكره: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾.
يقول تعالى ذكره: ما مَثَّلُوا لك هذا المثل يا محمد، ولا قالوا لك هذا القول إلا جدلًا وخصومةً يُخاصمونك به، ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
يقول جل ثناؤه: ما بقومك يا محمد هؤلاء المشركين، في محاجَّتهم إياك بما يُحاجُّونك به طلب الحقِّ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾: يَلْتَمِسون الخصومة بالباطل.
وذُكر عن النبي ﷺ أنه قال: "ما ضَلَّ قوم عن الحقِّ إلا أُوتوا الجدل".
ذكرُ الرواية بذلك حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا يعْلى، قال: ثنا الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما ضَلَّ قوم بعدَ هُدًى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل".
ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١).
حدثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ الكِنْدِى وأبو كريب، قالا: ثنا محمد بن بشرٍ، قال: ثنا حجاج بن دينارٍ، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، عن رسول الله ﷺ بنحوه (٢).
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عبَّادِ بن عبَّادٍ، عن جعفر، عن (٣) القاسم، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ، خرج على الناس وهم يتنازعون في القرآن، فغضب غضبًا شديدًا، حتى كأنما صُبَّ على وجهه الخلّ ثم قال ﷺ: "ولا تَضْرِبوا كتابَ اللهِ بعضه ببعضٍ، فإنه ما ضَلَّ قومٌ قط إلا أُوتوا الجدل".
ثم تلا: " ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ " (١).
وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾.
يقول تعالى ذكره: فما عيسى إلا عبدٌ من عبادنا، أنعَمنا عليه بالتوفيق والإيمانِ، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
يقولُ: وجعلناه آيةً لبنى إسرائيل، وحُجَّةً لنا عليهم، بإرسالناه إليهم بالدعاء إلينا، وليس هو كما تقولُ فيه النصارى من أنه ابن اللهِ، [تَعالى الله عن ذلك] (٢).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾: يعنى بذلك عيسى ابن مريم، ما عدا ذلك عيسى ابن مري [أن كان] (٣) عبدا أنعم الله عليه، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
أي: آيةً.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، [عن معمرٍ] (٤)، عن قتادة: ﴿مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
أحسبه قال: آية لبنى إسرائيل (٥).
وقوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: ولو نشاء معشرَ بني آدم أهلكناكم، فأفْنَينا جميعكم، وجعلنا بَدَلًا منكم في الأرضِ ملائكة يخلُفُونكم فيها يعبدوننى.
وذلك نحو قوله تعالى ذكره: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾ [النساء: ١٣٣].
وكما قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣].
الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، غير أن منهم من قال: معناه: يخلُفُ بعضُهم بعضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾.
يقولُ: يخلُفُ بعضُهم بعضًا (١).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
قال: يَعْمُرُون الأرضَ بدلا منكم (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
قال: يخلُفُ بعضُهم بعضًا، مكانَ بنى آدم (٣).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾: لو شاء الله لجعل في الأرض ملائكة يخلُفُ بعضُهم بعضًا.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾.
قال: خلفًا منكم (١).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾.
اختلف أهل التأويل في "الهاءِ" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾، وما المعنى بها، ومِن ذِكْرِ ما هي؛ فقال بعضُهم: هي من ذكر عيسى، وهى عائدة عليه.
وقالوا: معنى الكلام: وإن عيسى ظهوره عَلَمٌ يُعلَمُ به مجئ الساعة؛ لأن ظهوره من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا، وإقبال الآخرة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي رزِينٍ، عن أبي (٢) يحيى، عن ابن عباس: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: خروج عيسى ابن مريم (٣).
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس بمثله، إلا أنه قال: نزول عيسى ابن مريم (١).
حدثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأَحْمَسِيُّ، قال: ثنا غالب بن فائد (٢)، قال: ثنا قيس، عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس، أنه كان يقرأ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (٣).
قال: نزول عيسى ابن مريم.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن عطية، عن فُضَيل بن مرزوق، عن جابر، قال: كان ابن عباس يقولُ: ما أَدْرِى أعلم الناسُ تفسير هذه الآية، أم لم يفطنوا لها؟
(وإنه لعلمٌ للساعةِ).
قال: نزول عيسى ابن مريم.
حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: يعنى (٤): عيسى ابن مريم.
حدثني يعقوب، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالكٍ، وعوفٌ، عن الحسن أنهما قالا في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾.
قالا: نزول عيسى ابن مريم.
وقرأها أحدهما: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة) (٥).
حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: آية للساعة؛ خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة (١).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة؛ القيامةِ (٢).
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعةِ (٣).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: خروج عيسى ابن مريمَ قبل يوم القيامةِ (٤).
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عُبَيد، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
يعنى خروج عيسى ابن مريم ونزوله من السماء قبل يوم القيامة (٥).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: (وإنه لَعَلَمٌ للساعة).
قال: نزول عيسى ابن مريمَ عَلَمٌ للساعة حينَ يَنزِلُ (٦).
وقال آخرون: "الهاءُ" التي في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ مِن ذكرِ القرآن.
وقالوا: معنى الكلام: وإن هذا القرآنَ لعَلَمٌ للساعةِ يُعْلِمُكم بقيامها، ويخبركم عنها وعن أهوالها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾: هذا القرآنُ (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، قال: كان ناس يقولون: القرآنُ عَلَمٌ للساعة (٢).
واجتمعت قرأةُ الأمصار في قراءةِ قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾.
على كسرِ العين من العلم.
وروى عن ابن عباس ما ذكرتُ عنه من فتحها، وعن قتادة والضحاكِ.
والصواب من القراءة في ذلك الكسر في العين؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه.
وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ أُبيٍّ: (وإنه لذكر للساعة)، فذلك مُصحح قراءةَ الذين قرءوا بكسر العين من قوله: ﴿لَعِلْمٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾.
يقول: فلا تَشُكُّنَّ فيها وفى مجيئها أيُّها الناس.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾.
قال: تَشُكون فيها (٣).
وقوله: ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾.
يقول تعالى ذكره: وأطيعون فاعملوا بما أمرتكم به، وانتهوا عما نهيتكم عنه، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
يقولُ: اتباعكم إِيَّاى أَيُّهَا النّاسُ في أمرى ونَهْيِي، ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
يقولُ: طريق لا اعوجاج فيه، بل هو قويمٌ.
وقوله: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ﴾.
يقول جل ثناؤه: ولا يَعْدِلَنَّكم الشيطان عن طاعتي فيما آمركم وأنهاكم، فتخالفوه إلى غيره، وتجوروا عن الصراط المستقيم فتَضِلُّوا، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
يقولُ: إن الشيطان لكم عدوٌّ يدعُوكم إلى ما فيه هلاككم، ويَصُدُّكم عن قصد السبيل؛ ليُوردَكم المهالك، ﴿مُبِينٌ﴾: قد أبانَ لكم عداوته، بامتناعه من السجودِ لأبيكم آدم ﵇، وإدلائه إياه بالغرور حتى أخرجه من الجنة حسدًا وبغيًا.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولما جاء عيسى بني إسرائيل، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
يعنى: بالواضحات من الأدلة.
وقيل: عُنى بالبيِّنات الإنجيل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
أي: بالإنجيل (١).
وقوله: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾.
قيل: عُنى بالحكمة في هذا الموضع النبوة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾.
قال: النبوة (١).
وقد بينت معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، وذكرتُ اختلاف المختلفين في تأويله، فأغنَى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (٢).
وقوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فيه﴾.
يقولُ: ولأبين لكم معشر بني إسرائيل بعضَ الذي تختلفون فيه من أحكام التوراة.
كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
قال: من تبديل التوراة (٣).
وقد قيل: إن معنى "البعض" في هذا الموضع بمعنى الكُلِّ، وجعلوا ذلك نظير قول لبيد (٤): تراك أمكنة إذا لم أرْضَها … أو يَعْتَلِق بعض النُّفُوسِ حِمامُها قالوا: الموتُ لا يعتلقُ بعض النفوس، وإنما المعنى: أو يعتلق (٥) النفوس حمامها.
وليس لما قال هذا القائلُ كبيرُ معنى؛ لأن عيسى إنما قال لهم: ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾؛ لأنه قد كان بينهم اختلاف كثير في أسباب دينهم ودنياهم، فقال لهم: أُبيِّنُ لكم بعض ذلك.
وهو أمر دينهم دون ما هم فيه مختلفون من أمر دنياهم؛ فلذلك خَصَّ ما أخبرهم أنه يُبَيِّنُه لهم.
وأما قولُ لبيد: أو يَعْتَلِق بعض النفوس.
فإنه إنما قال ذلك أيضا كذلك؛ لأنه أراد: أو يعتلق نفسه حِمامُها، فنفسه من بين النفوسِ لا شك أنها بعض لا كلٌّ.
وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
يقولُ: فاتَّقُوا رَبَّكم أيها الناسُ بطاعته، وخافوه باجتناب معاصيه، وأطيعون فيما أمرتكم به مِن اتِّقاءِ اللَّهِ واتباع أمرِه، وقبولِ نَصيحتي لكم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾.
يقول: إن الله الذي يستوجب علينا إفراده بالألوهة، وإخلاص الطاعة له، ربِّي وربُّكم جميعا، فاعبدوه وحده، لا تُشْرِكوا معه في عبادته شيئًا، فإنه لا يصلح، ولا ينبغى أن يُعبد شيءٌ سواه.
وقوله: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
يقولُ: هذا الذي أمرتكم به؛ مِن اتقاء الله وطاعتى وإفرادِ اللَّهِ بالألوهةِ، هو الطريق المستقيم، وهو دينُ اللَّهِ الذي لا يقبلُ مِن أحدٍ مِن عبادِه غيره.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.
اختلف أهل التأويل في المعنيِّين بالأحزاب، الذين ذكرهم الله في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك الجماعةُ التي تناظرت في أمر عيسى فاختلفت فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾.
قال: هم الأربعةُ الذين أخرجهم بنو إسرائيل، يقولون في عيسى (١).
وقال آخرون: بل هم اليهود والنصارى.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾.
قال: اليهود والنصارى (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: معنى ذلك: فاختلف الفِرَقُ المختلفون في عيسى ابن مريمَ مِن بين مَن دَعاهم عيسى إلى ما دَعاهم إليه؛ مِن اتقاء الله والعمل بطاعته، وهم اليهود والنصارى، ومَن اختلف فيه من النصارى؛ لأن جميعهم كانوا أحزابا متشتتين (٣)، مُختلفى القول (٤)، مع بيانه لهم أمر نفسه، وقوله لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
يقول تعالى ذكره: فالوادى السائلُ مِن القَيْحِ والصَّديدِ في جهنم للذين كفروا بالله، الذين قالوا في عيسى ابن مريم بخلاف ما وصف عيسى به نفسه في هذه الآية، ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
يقول: من عذاب يوم [أليم عذابه] (١) عذابه، ووصف اليوم بالإيلام، إذ (٢) كان العذاب الذي يؤلمهم فيه، وذلك يوم القيامة.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾.
قال: من عذاب يوم القيامة.
وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾.
يقولُ: هل ينظرُ هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى ابن مريم، القائلون فيه الباطل من القول، إلا الساعةَ التي فيها تقوم (٣) القيامة [أن تأتيهم] (٤) فجأةً، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
يقولُ: وهم لا يعلمون بمجيئها؟
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: المُتَخالُّون يومَ تقومُ الساعةُ على معاصى الله في الدنيا، بعضهم لبعض عدو، يتبرأ بعضُهم من بعض، إلا الذين كانوا تَخالُّوا فيها على تقوى الله.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
قال (١): على معصية الله في الدنيا مُتَعادُون (٢).
حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾؛ فكلُّ خُلَّةٍ في عداوةٌ إلا خُلَّةَ المتقين.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن أبي إسحاق، أن عليًّا ﵁ قال: خليلان مؤمنان، وخَليلان كافران، فمات أحد المؤمنين فقال: يا رب إن فلانًا كان يأمرنى بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخيرِ، ويَنْهاني عن الشَّرِّ، ويخبرُنى أنى مُلاقيك، يا ربِّ، فلا تُضِلَّه بعدى، واهْدِه كما هَديتنى، وأكرمه كما أكرمتنى.
فإذا مات خليله المؤمن مجمع بينهما فيقول: ليُثْنِ أحدكما على صاحبه.
فيقولُ: يا ربِّ، إنه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرنى بالخير، ويَنْهانى عن الشَّرِّ، ويخبرني أنى مُلاقيك.
فيقولُ: نعم الخليل، ونعم الأخ، ونعم الصاحب.
قال: ويموتُ أحد الكافرين فيقولُ: يا ربِّ، إن فلانا كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمُرُنى بالشَّرِّ، ويَنْهاني عن الخير، ويخبرني أنى غيرُ مُلاقيك.
فيقولُ: بئس الأخُ، وبئسَ الخليل، وبئسَ الصاحبُ (٣).
وقوله: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾.
وفى هذا الكلام محذوفٌ استغنى بدلالة ما ذكر عليه.
ومعنى الكلام: الأخلاء يومئذٍ بعضُهم لبعضٍ عدوٌّ إلا المُتَّقِين؛ فإنهم يقال لهم: يا عبادي، لا خوفٌ عليكم اليوم مِن عِقابي، فإني قد أمَّنْتُكم منه برِضَاى عنكم، ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، فإن الذي قَدِمتُم عليه خيرٌ لكم مما فارَقتُموه منها.
وذُكِر أن الناسَ يُنادون هذا النداء يوم القيامة، فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى يسمع قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
فَيَيْئَسُ منها عندَ ذلك.
[ذكرُ من قال ذلك] (١) حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال (٢): ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: سمعتُ أن الناس حينَ يُبعثون ليس منهم أحدٌ إلا فزع، فيُنادى منادٍ: يا عبادي (٣)، لا خوفٌ عليكم اليومَ ولا أنتم تحزنون، فيرجوها الناسُ كلهم.
قال: فيُتبَعُها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
قال: فييئسُ الناسُ منها غير المسلمين (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا﴾.
يقول تعالى ذكره: يا عباد الذين آمنوا.
وهم الذين صدقوا بكتب الله ورُسُلِه، وعملوا بما جاءتهم به أنبياؤُهم، ﴿وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾.
يقول: وكانوا أهلَ خُضُوع لله بقلوبهم، وقبول منهم لما جاءتهم به رُسُلُهم عن ربِّهم على دين إبراهيم خليل الرحمن ﷺ، حُنَفَاءَ لا يهود ولا نصارى، ولا أهل أوثان.
وقوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾.
يقول جل ثناؤه: ادخلوا الجنةَ أنتم أيها المؤمنون وأزواجُكم مَغبوطين بكرامة الله، مسْرورين بما أعطاكم اليوم ربُّكم.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾.
وقد ذكرنا ما قد قيل في ذلك فيما مضى، وبينا الصحيح من القول فيه عندنا، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ (١)، غير أنا نذكُرُ بعضَ ما لم نَذْكُرْ هنالك مِن أقوال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾: أي تنعمون.
حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾.
قال: تنعمون (٢).
حدثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿تُحْبَرُونَ﴾.
قال: تُكرمون (٣).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾.
قال: تَنْعَمون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ (١) الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾.
يقول تعالى ذكره: يُطافُ على هؤلاء الذين آمنوا بآياته في الدنيا إذا دخلوا الجنةَ في الآخرة بصحافٍ من ذهب.
وهي جمع للكثير من الصحفة، والصحفة: القصعةُ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾.
قال: القِصَاعُ (٢).
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن أشْعَثَ بن إسحاق، عن جعفر، عن سعيدٍ (٣)، قال: إن أدنى أهل الجنة منزلةً [مَن له] (٤) قصرٌ فيه سبعون ألف خادمٍ، في يدِ كلِّ خادمٍ منهم صحفةٌ سوى ما في يد صاحبها (٥)، لو فتح بابه فَضَافَه أهل الدنيا لأوسعهم (٦).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوب القُمِّيُّ، عن جعفر، عن سعيد، قال: إن أخسَّ (١) أهل الجنة منزلا من له سبعون ألفَ خادمٍ، مع كلِّ خادمٍ صحْفةٌ من ذهب، لو نزل به جميعُ أهل الأرض لأوسعهم، لا يستعين عليهم بشيءٍ مِن غيره، وذلك في قول الله ﵎: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا (٢)﴾ [ق: ٣٥].
ولهم فيها ما تَشْتَهى (٣) الأنفس.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، عن أبي أيوبَ الأَزْدِيّ، عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو، قال: ما من أحدٍ من أهل الجنة إلا يَسعى عليه ألفُ غلامٍ، كلُّ غلام على عمل ما (٤) عليه صاحبه.
وقوله: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾.
وهي جمع كوب، والكوب الإبريق المستدير الرأس، الذي لا أُذُنَ له ولا خُرطوم، وإياه عنى الأَعْشَى بقوله (٥): صريفيَّةً (٦) طَيِّبًا (٧) طَعْمُها … لها زَبَدٌ بينَ كُوبٍ ودَنْ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿وَأَكْوَابٍ﴾.
قال: الأكواب التي ليست لها آذان (١).
ومعنى الكلامِ: يُطافُ عليهم فيها بالطعام في صحاف (٢) مِن ذَهَبٍ، وبالشراب في أكواب من ذهب.
فاستُغنى بذكرِ الصِّحافِ والأكواب من ذكر الطعام والشرابِ، الذي يكون فيها لمعرفة السامعين بمعناه.
(وَفِيها ما تَشْتَهِي الأَنْفُسُ وتَلَذُّ الْأَعْيُنُ): يقول تعالى ذكره: لهم (٣) في الجنة ما تَشْتَهِي نفوسكم أيها المؤمنون، وتَلَذُّ أعينكم.
﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يقولُ: وأنتم فيها ماكثون، لا تخرجون منها أبدًا.
كما حدثنا [ابن بشار] (٤)، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن علقمة بن مَرْثَدٍ، عن [ابن سابط] (٥)، أن رجلا قال: يا رسول الله، إنى أُحِبُّ الخيل، فهل في الجنة خَيْلٌ؟
فقال: "إن يُدْخِلْك الله الجنة إن شاء، فلا تشاء أن تَرْكَبَ فَرَسًا مِن ياقوتة حمراءَ تَطِيرُ بك في أي الجنة شئتَ، إِلا فَعَلْتَ".
فقال أعرابي: يا رسولَ اللَّهِ، إنى أحبُّ الإبل، فهل في الجنة إبل؟
فقال: "يا أعرابي إن يُدْخِلْك اللَّهُ الجنةَ إن شاء اللَّهُ، ففيها ما اشْتَهَت نفسُك، ولَذَّتْ عَيناك" (٦).
حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عمرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأَبَارُ، عن محمدِ بن سعد الأنصارى، عن [أبي ظَبْيَةَ السُّلَفى] (١)، قال: إن الشَّرْبَ (٢) مِن أهل الجنةِ لَتُظِلُّهم السحابة.
قال: فتقول: ما أُمْطِرُكم؟
قال: فما يَدْعُو داعٍ من القومِ بشيءٍ إلا أمْطَرَتهم، حتى إن القائل منهم ليقولُ: أمْطِرِينا كواعب أترابًا (٣).
حدثنا ابن عرفة، قال: ثنا مروان بن معاويةَ، عن علي بن [أبي الوليد] (٤)، قال: قيل لمجاهد: في الجنة سماعٌ؟
قال: فقال مجاهدٌ: إن فيها لشَجَرًا يقال له: العيص (٥).
له سَماعٌ لم يسمع السامعون إلى مثله (٦).
حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبَابٍ، قال: أخبرنا معاويةُ بنُ صالح، قال: ثني سليم (٧) بن عامرٍ، قال: سمعت أبا أمامةَ يقولُ: إن الرجل من أهل الجنةِ لَيَشْتَهى الطائر وهو يطيرُ، فيقعُ مُتَفَلِّقًا (٨) نضيجًا في كفِّه، فيأكل منه حتى تنتهى نفسُه، ثم يطيرُ، ويَشْتَهى الشرابَ، فيقعُ الإبريق في يَدِه، ويشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه (٩).
واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والشام: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ﴾ بزيادة "هاءٍ"، وكذلك ذلك في مصاحفهم (١).
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ العراقِ: (تَشْتَهِي) بغير "هاء"، وكذلك هو في مصاحفهم (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمُصِيبٌ.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾.
يقول تعالى ذكره: يقال لهم: وهذه الجنةُ التي أورثكموها الله عن أهل النارِ الذين أدخلهم جهنم، بما كنتُم في الدنيا تعملون من الخيرات.
﴿لَكُمْ فِيهَا﴾.
يقولُ: لكم في الجنةِ، ﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾ مِن كُلِّ نوعٍ، ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾.
يقولُ: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وهم الذين اجترموا في الدنيا الكفر باللَّهِ، فأُجْرِموا (٣) به في الآخرةِ ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾.
يقولُ: هم فيه ماكثون.
﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾.
يقولُ: لا يُخفَّفُ عنهم العذاب.
وأصلُ الفُتُورِ: الضعفُ، ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
يقولُ: وهم في عذاب جهنم مُبْلسون، والهاء في ﴿فيه﴾ من ذكر العذاب.
ويُذكَرُ أن ذلك في قراءة عبدِ اللَّهِ: (وهُمْ فيها مُبْلِسون) (١).
بمعنى: وهم في جهنم مُبْلسون، والمُبْلس في هذا الموضع: هو: هو الآيس من النجاة، الذي قد قنط فاستسلم للعذاب والبلاء.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾.
أي: مستسلمون.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة قوله: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ قال: آيسون (٢).
وقال آخرون بما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّى: ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾: متغير حالهم (٣).
وقد بينا فيما مضى قبلُ معنى الإبلاس بشواهده، وذكر اختلاف المختلفين فيه، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وما ظلَمْنا هؤلاء المجرمين بفعلنا بهم ما أخبرناكم أيها الناسُ أنا فعلنا بهم، من التعذيب بعذاب جهنم، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾؛ بعبادتهم في الدنيا غيرَ مَن كان عليهم عبادته، وكفرهم باللَّهِ وجُحُودِهم توحيده.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: ونادى هؤلاء المجرمون بعد ما أدخلهم الله جهنم، فنالهم فيها من البلاء ما نالهم، مالكًا خازن جهنم: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قالوا (١): ليمتنا ربُّك، فيَفْرُغ من إماتتنا.
فذكر أن مالكًا لا يجيبهم وقت قيلهم له ذلك، ويَدَعُهم ألف عام بعد ذلك، ثم يجيبهم فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن أبي الحسن، عن ابن عباس: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، فأجابهم بعد ألف سنة: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٢).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاء بن السائب، عن رجل من جيرانه يقال له: الحسنُ، عن نَوْفٍ في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم يناديهم فيقولُ: يا أهل النار، إنكم ماكثون (٣).
حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا ابن أبي عدى، عن سعيد، عن قتادة، عن [أبي أيوب، عن] (١) عبدِ الله بن عمرٍو، قال: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قال: فخلَّى عنهم أربعين عامًا لا يجيبهم، ثم أجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
قالُوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون: ١٠٧].
فخلَّى عنهم مثلي الدنيا، ثم أجابهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨].
قال: فوالله ما نَبَس القومُ [بعدها بكلمة] (٢)، إن كان إلا الزفير والشهيق.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي أيوبَ الأَزْدى، عن عبد الله بن عمرو، قال: إن أهل جهنم يدعون مالكًا أربعين عاما فلا يجيبهم، ثم يقولُ: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾.
فيدَعُهم أو يخلّى عنهم مثل الدنيا، ثم يَردُّ عليهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.
قال: فما نَبَس القومُ بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم (٣).
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكّام، عن عمرو، عن عطاء، عن الحسن، عن نَوْفٍ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قال: يتركهم مائة سنة مما تعدون، ثم ناداهم، فاستجابوا له، فقال: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ (٤).
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قال: مالكٌ (١) خازن النار.
قال: فمكثوا ألف سنة مما تعدُّون.
قال: فأجابهم بعد ألف عام: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾.
قال: يُميتنا - القضاء ههنا: الموتُ - فأجابهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾.
يقولُ: لقد أرسلنا إليكم يا معشر قريش رسولنا محمدًا بالحق.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾.
قال: الذي جاء به محمدٌ ﷺ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: ولكن أكثركم لما جاءكم به محمد ﷺ من الحق [والهُدَى] (٢) كارهون.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ يقول تعالى ذكره: أم أبرم هؤلاء المشركون من قريش أمرًا فأحكموه، يكيدون به الحق الذي جئناهم به، فإنا مُحكمون لهم ما يُخْزِيهم ويُذِلُّهم من النكال.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾.
قال: مُجْمِعون، إن كادوا شرًّا كدنا مثله (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾.
قال: أم أَجمعوا أمرًا فإنا مُجْمِعون (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾.
قال: أم أحكموا أمرًا فإنا مُحكمون لأمرنا (٣).
وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾.
يقولُ: أم يظنُّ هؤلاء المشركون بالله أنا لا نسمعُ ما أَخْفَوا عن الناسِ مِن مَنطقهم، وتَسَارُّوه (٤) بينهم، وتناجوا به دون غيرهم، فلا نعاقبهم عليه لخفائه علينا؟
وقوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره: بلى (٥)، نحن نعلم ما تناجوا به بينهم، وأخفوه عن الناس من سرّ كلامهم، وحَفَظَتُنا ﴿لَدَيْهِمْ﴾.
يعني: عندهم، يكتبون ما نطقوا به من منطق، وتكلموا به من كلام (٦).
وذكر أن هذه الآية نزلت في نفر ثلاثة، تدارءوا في سماع الله ﵎ كلام عبادِه، جل الله وعزَّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني عمرو بن سعيد بن يسار القرشي، قال: ثنا أبو قتيبة، قال: ثنا عاصم بن محمد العُمَرى، عن محمد بن كعب القُرَظى، قال: بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها؛ قُرَشيانِ وثَقَفى، أو ثَقَفِيان وقُرَشى، فقال واحدٌ مِن الثلاثة: ترون اللَّهَ يسمع كلامنا؟
فقال الأول: إذا جهرتم سمع، وإذا أسرَرْتم لم يسمع.
قال الثاني: إن كان يسمعُ إذا أعلنتم، فإنه يسمعُ إذا أسررتم.
قال فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (١).
وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمدٌ، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
قال: الحفَظَة (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
أي: عندهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: قل يا محمد: إن كان للرحمن ولد، في قولكم وزعمكم أيها المشركون، فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم، والجاحدين ما قلتم من أن له ولدا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾: كما تقولون، ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: المؤمنين بالله، فقولوا ما شئتم (١).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
قال: قل: إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أوَّلُ مَن عبد الله ووحده وكذَّبكم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: قل: ما كان للرحمن ولد، فأنا أول العابدين له بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
يقول: لم يكن للرحمن ولد، فأنا أولُ الشاهدين (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك نفى، ومعنى "إن" الجَحْدُ، وتأويل ذلك: ما كان ذلك، ولا ينبغى أن يكونَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
قال قتادة: هذه كلمة من كلام العرب، ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾؛ أي: إنَّ ذلك لم يكن، ولا ينبغى (٢).
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
قال: هذا الإنكافُ (٣)، ما كان للرحمن ولدٌ، نكف الله أن يكون له ولد.
و "إن" مثل "ما" إنما هي: ما كان للرحمن ولد؛ ليس للرحمن ولد.
مثل قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
إنما هي: ما كان مكرهم لتزول منه الجبال، فالذي أنزل الله من كتابه وقضَى مِن قضائه أثبتُ مِن الجبالِ.
و "إن" هي "ما"، إن كان ما كان.
تقولُ العرب: إن كان وما كان الذي تقول.
وفي قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾: أوّلُ مَن تَعَبَّدَ (٤) الله بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمنِ ولد، على هذا أعبد الله.
حدثنا ابن عبدِ الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألتُ زهير (١) بن محمد عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾.
قال: ما كان.
حدثنا ابن عبد الرحيم البرقى، قال: ثنا عمرو، قال: سألتُ (٢) ابن زيد بن أسلم عن قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾.
قال: هذا من (٢) قول العربِ معروفٌ، إن كان ما كان، إن كان هذا الأمرُ قَطُّ، ثم قال: وقوله: وإن كان: ما كان (٣).
وقال آخرون: معنى "إنْ" في هذا الموضع معنى المجازاة.
قالوا: وتأويل الكلام: لو كان للرحمن ولد، كنتُ أول من عبده بذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
قال: لو كان له ولدٌ، كنتُ أَوّلَ مَن عَبَده بأنَّ له ولدا، ولكن لا ولد له (٤).
وقال آخرون: معنى ذلك: قل: إن كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ الآنفين من (٥) ذلك.
ووجهوا معنى "العابدين" إلى: المنكرين الآبين، من قول العرب: قد عبد فلانٌ من هذا الأمر.
إذا أَنف منه وغَضب وأباه، فهو يَعْبَدُ عَبَدًا، كما قال الشاعرُ: أَلَّا هَزِئَتْ (٦) أَمُّ الوَلِيدِ وأَصْبَحَتْ … لما أَبْصَرَتْ في الرأس مِنِّي تَعَبَّدُ وكما قال الآخرُ (١): متى ما يَشَأْ ذُو الوُدِّ يَصْرِمْ خَلِيلَهُ … ويَعْبَدُ عليهِ لا مَحَالَةَ ظَالِمًا وقد حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنى ابن أبي ذئبٍ، عن ابن (٢) قُسَيْط، عن بَعْجةَ بن زيد (٣) الجهني، أنّ امرأةً منهم دخلت على زوجها، وهو رجلٌ منهم أيضًا، فولدت له في ستة أشهر، فذكر ذلك زوجها (٤) لعثمان بن عفان، فأمر بها أن تُرْجَمَ، فدخل عليه عليُّ بن أبى طالب، فقال: إن الله يقولُ في كتابه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
وقال: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤].
قال: فواللهِ ما عَبد عثمانُ أَن بعث إليها تُرَدُّ.
قال يونس: قال ابن وهبٍ: عَبِدَ: اسْتَنكَف (٥).
وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قول من قال: معنى "إن" الشرط الذي يقتضى الجزاء، على ما ذكرناه عن السديِّ، وذلك أنّ "إِنْ" لا تَعْدو في هذا الموضع أحد معنييْنِ؛ إما أن يكونَ الحرفُ الذي هو بمعنى الشرط، الذي يَطلُبُ الجزاء، أو تكونَ بمعنى الجَحْدِ، وهى إذا وُجِّهت إلى الجَحْدِ، لم يكن للكلام كبيرُ معنًى؛ لأنه يَصيرُ بمعنى: قل: ما كان للرحمن ولد.
وإذا صار بذلك المعنى، أوهم أهل الجهلِ مِن أهل الشرك باللَّهِ أنه إنما نفى بذلك عن الله ﷿ أن يكونَ كان (١) له ولدٌ قبل بعض الأوقاتِ، ثم حدث (٢) له الولد بعد أن لم يكن.
مع أنه لو كان ذلك معناه، لقدر الذين (٣) أمر الله نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: ما كان للرحمن ولد، فأنا أوّلُ العابدين.
أن يقولوا له: صَدَقْتَ، وهو كما قُلْتَ، ونحن لم نَزْعُمُ أَنه لم يَزَلْ له ولدٌ.
وإنما قلنا: لم يكن له ولدٌ، ثم خلق الجن فصاهَرهم، فحدث له منهم ولد.
كما أخبر الله ﷿ عنهم أنهم كانوا يقولونه، ولم يكن الله تعالى ذكره ليحتج لنبيه ﷺ على (٤) مكذبيه من الحجَّةِ بما يَقْدِرون على الطعن فيه، وإذ كان في توجيهنا "إِنْ" إلى معنى الجَحْدِ ما ذكرنا، فالذى هو أشبه المعنيين بها الشرط.
وإذ كان ذلك كذلك، فبيِّنةٌ صحة ما نقولُ من أنّ معنى الكلام: قل يا محمد لمشركي قومك الزاعمين أنّ الملائكة بناتُ اللهِ: إن كان للرحمن ولد فأنا أوَّلُ عابدِيه بذلك منكم، ولكنه لا ولدَ له، فأنا أعبده بأنه لا ولد له، ولا ينبغى أن يكون له (٥).
وإذا وجِّه الكلام إلى ما قلنا من هذا الوجه، لم يكن على وجه الشك، ولكن على وجه الإلطاف في الكلام، وحُسنِ الخطاب، كما قال الله جل ثناؤه: ﴿قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
وقد علم أن الحق معه، وأن مخالفيه في الضلالِ المبين.
وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: يقول تعالى ذكره: تَبْرِئةٌ وتنزيها لمالك السماوات والأرض، ومالك العرش، المحيط بذلك كله، وما في ذلك من خلق، مما يصفه به هؤلاء المشركون من الكَذِبِ، ويُضيفون إليه من الولد، وغير ذلك من الأشياء التي لا ينبغى أن تُضاف إليه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
أي: يَكْذِبون (١).
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾.
يقول تعالى ذكره: فَذَرْ يا محمد هؤلاء المفترين على ربهم، الواصفيه بأن له ولدًا، يخوضوا في باطلهم، ويلعبوا في دنياهم، ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
وذلك يومَ يُضليهم الله - بفريتهم عليه - جهنم، وهو يومُ القيامة.
كما حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدى: ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾.
قال: يوم القيامةِ.
وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: وهو الذي له الألوهةُ؛ في السماء معبود، وفى الأرض (٢) كما هو في السماء معبودٌ، لا شيء سواه تصلح عبادته.
يقول تعالى ذكره: فأَفردوا لمن هذه صفته العبادة، ولا تشركوا به شيئًا غيره.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.
قال: يُعبد في السماءِ، ويُعبد في الأرض (١).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.
أي: يُعبد في السماءِ وفى الأرضِ (٢).
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾.
يقولُ: وهو الحكيم في تدبيره خَلْقَه، [وتسخيرهم لما يشاء] (٣)، العليم بمصالحهم.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وتبارك الذي له سلطان السماوات السبع والأرض، وما بينهما من الأشياء كلِّها، جارٍ على جميع ذلك حكمه، ماضٍ فيهم قضاؤُه.
يقولُ: فكيف يكون له شريكًا مَن كان في سلطانه، وحكمه فيه نافذ؟!
﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
يقولُ: وعنده علم الساعة التي تقوم فيها القيامة، ويُحشَرُ فيها الخَلْقُ من قبورهم لموقف الحساب.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
يقولُ: وإليه أيُّها الناسُ تُرَدُّون من بعدِ مماتكم، فتصيرون إليه، فيُجازِى المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.
اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك: ولا يملك عيسى وعُزَيرٌ والملائكةُ الذين يَعْبُدوهم هؤلاء المشركون بالله (١) - الشفاعة عند الله لأحدٍ، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾ [يعني به عندَهم: إلا لمن شَهِد بالحقِّ] (٢)، فوحد اللَّهَ جل وعز وأطاعه، [على علمٍ منه ويقين بتوحيد الله، وصحة ما] (٣) جاءت به رسله.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾.
قال: عيسى وعُزيرٌ والملائكةُ (٤)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾.
قال: كلمة الإخلاص، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أن الله حقٌّ؛ [عيسى] (٥) وعُزير والملائكة.
يقول: لا يشفع عيسى وعُزيرٌ والملائكة إلا لمن (٦) شهد بالحقِّ، وهو يعلم الحق (٧).
وقال آخرون: عُنى بذلك: ولا تملك الآلهة التي يدعوها المشركون، ويعبدونها من دونِ الله - الشفاعة، إلا عيسى وعُزيرٌ وذووهما والملائكة الذين شهدوا بالحقِّ، فأقروا به، وهم يعلمون حقيقة ما شهدوا به.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾: الآلهة (١)، ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: الملائكة وعيسى وعزيز، قد عُبدوا مِن دونِ اللهِ، ولهم شفاعةٌ عند الله تعالى ومنزلةٌ.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة قوله: هو ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ﴾.
قال: الملائكة وعيسى ابن مريم وعُزيرٌ، فإن لهم عند الله شهادة (٢).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره أخبر أنه لا يملك الذين يعبدهم المشركون مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عنده لأحدٍ، إِلَّا مَن شهد بالحقِّ، وشهادته بالحق هو إقراره بتوحيدِ اللَّهِ، وإنما يعنى بذلك: إلا من آمن بالله، وهم يعلمون حقيقة توحيده.
ولم يَخصُصْ بأن الذي لا يملك تلك (٣) الشفاعة منهم بعض مَن كان يُعْبدُ مِن دونِ اللهِ [دونَ بعضٍ] (٤)، فذلك على جميع من كان تعبُدُ قريشٌ مِن دون الله يوم نزلت هذه الآية، وغيرهم، وقد كان منهم (٥) من يعبدُ مِن دونِ اللهِ الآلهة، وكان منهم (٦) من يعبد من دونِه الملائكة وغيرهم، فجميع أولئك داخلون في قوله: ولا يملك الذين تدعو قريش وسائر العرب مِن دونِ اللَّهِ الشفاعة عندَ اللَّهِ.
ثم استثنى جلّ ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: وهم الذين يشهدون شهادة الحقِّ، فيوحدون الله، ويُخلصون له الوحدانية، على علمٍ منهم ويقينٍ بذلك أنهم يملكون الشفاعة عنده بإذنه لهم بها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
فأَثْبت تعالى ذكره للملائكة وعيسى وعُزيرٍ (١) ملكهم من الشفاعة ما نفاه عن الآلهة والأوثان، باستثنائه الذي استثناه.
القول في تأويل قوله جل وعز: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
يقول تعالى ذكره: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك: من خلقهم؟
ليقولُن: خلقنا الله.
﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يقولُ: فَأَيَّ وجهٍ يُصْرَفون عن عبادة الذي خلقهم، ويُحرمون (٢) إصابة الحقِّ في عبادتِه.
وقوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
اختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿وَقِيلِهِ﴾؛ فقرأته عامه قرأَةِ المدينة ومكة والبصرة: (وَقيله) بالنصب (٣).
وإذا قُرى ذلك كذلك، كان له وجهان في (٤) التأويل؛ أحدهما: العطف على قوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠]، ونسمعُ قيلَه: يا ربِّ؟
والثانى: أن يُضْمَر له ناصبٌ، فيكون معناه حينئذ: وقال قوله: يا ربِّ إنّ هؤلاء قوم لا يؤمنون.
وشكا محمد شكواه إلى ربِّه.
وقرأته عامةُ قرأَةِ الكوفة: ﴿وَقِيلِهِ﴾ بالخفض على معنى: وعنده علم الساعة، وعلم قيله (١).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، صحيحتا المعنى، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ.
فتأويل الكلام إذن: وقال محمدٌ قيله شاكيًا إلى ربِّه قومه الذين كذَّبَوه، وما يَلْقى منهم: يا رب إن هؤلاء الذين أمرتني بإنذارهم، وأرسلتنى إليهم لدعائهم إليك - قومٌ لا يؤمنون.
كما حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: فأبَّر الله قول محمدٍ ﷺ (٢).
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
قال: هذا قول نبيكم يشكو قومه إلى ربِّه (٣).
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ﴾.
قال: هو قول النبي ﷺ: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ، جوابًا له عن دعائه إياه إذ قال: ﴿يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، وأَعرِضْ عن أذاهم لك، وقل لهم: سلام عليكم.
ورُفع "سلامٌ" بضمير: عليكم، أو: لكم.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة: (فَسَوْفَ تَعْلَمونَ) بالتاءِ (١)، على وجه الخطاب، بمعنى أمر الله نبيه ﷺ أن يقول ذلك للمشركين، مع قوله: ﴿سَلَامٌ﴾.
وقرأَ ذلك عامة قرأَةِ الكوفة وبعضُ قرأَةِ مكةَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بالياء (٢) على وجه الخبر، وأنه وعيدٌ من الله للمشركين.
فتأويله على هذه القراءةِ: فاصفَحْ عنهم يا محمد، وقُل: سلامٌ.
ثم ابتدأ تعالى ذكره الوعيد لهم، فقال: فسوف يعلمون ما يَلْقَون مِن البلاء والنَّكال والعذاب على كفرهم.
ثم نسخ الله جل ثناؤُه هذه الآيةَ، وأَمر نبيَّه ﷺ بقتالهم.
كما حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادة: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾: قال: اصفح عنهم.
ثم أمره بقتالهم (٣).
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال اللَّهُ يُعزِّى نبيَّه محمدًا ﷺ: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
آخرُ تفسير سورة الزُّخْرُفِ