تفسير الطبري سورة الأحقاف

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الأحقاف

تفسيرُ سورةِ الأحقاف كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 98 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأحقاف كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ الأحقافِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾.

قد تقدَّم بيانُنا معنى قولِه: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ بما أغنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ (١).

وقولُه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ما أحدَثْنا السماواتِ والأرضَ، فأوجَدناها (٢) خلقًا مصنوعًا، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من أصنافِ العالمِ، ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.

يعنى: إلا لإقامةِ الحقِّ والعدلِ في الخلقِ.

وقولُه: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.

يقولُ: وإلا بأجلٍ لكلِّ ذلك معلومٍ عندَه، يُفنِيه إذا هو بلَغه، ويُعدِمُه بعدَ أن كان موجودًا بإيجادِه إياه.

وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: والذين جحَدوا وحدانيةَ اللهِ عن إنذارِ اللهِ إياهم - مُعرِضون، لا يتَّعِظون به، ولا يتفكَّرون فيعتبِرون.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قل يا محمدُ لهؤلاء المشركين باللهِ من قومِك: أرأَيتم أيُّها القومُ الآلهةَ والأوثانَ التي تعبُدون من دونِ اللهِ، أرُونى أيَّ شيءٍ خلَقوا من الأرضِ؟

فإنَّ ربي خلَق الأرضَ كلَّها، فدعَوتموها من أجلِ خلِقها ما خلَقَتْ من ذلك آلهةً وأربابًا، فيكونَ لكم بذلك في عبادتِكم إياها حجةٌ!

فإن من حُجَّتي على عبادتي إلهى وإفرادى له الألوهةَ، أنه خلَق الأرضَ فابتدَعها من غيرِ أصلٍ.

وقولُه: ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أم لآلهتِكم التي تعبُدونها أيُّها الناسُ، شركٌ مع اللهِ في السماواتِ السبعِ، فيكونَ لكم أيضًا بذلك حجةٌ في عبادتِكموها، فإن من حجَّتى على إفرادى العبادة لربِّى، أنه لا شريكَ له في خلقِها، وأنه المنفرِدُ بخلقِها دونَ كلِّ ما سواه.

وقولُه: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: بكتابٍ جاء من عندِ اللهِ من قبلِ هذا القرآنِ الذي أُنزِل عليَّ، بأن ما تعبُدون من الآلهةِ والأوثانِ خلَقوا من الأرضِ شيئًا، أو أنَّ لهم مع اللهِ شِركًا في السماواتِ، فيكونَ ذلك حجةً لكم على عبادِتكم إياها؛ لأنها إذا صحَّ لها ذلك صحَّت لها الشركةُ في النِّعمِ التي أنتم فيها، ووجَب لها عليكم الشكرُ، واستحقَّت منكم الخدمةَ؛ لأن ذلك لا يقدِرُ أن يخلُقَه إلا إلهٌ.

وقولُه: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

اختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الحجازِ والعراقِ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ بالألفِ، بمعنى: أو ائتونى ببقيةٍ من علم.

ورُوِى عن أبي عبدِ الرحمنِ السُّلميِّ أنه كان يقرؤُه: (أَوْ أَثَرَةٍ من علمٍ) (١).

بمعنى: أو خاصَّةٍ من علمٍ أوتِيتُموه، وأوثِرْتم به على غيرِكم.

والقراءةُ التي لا أستجيزُ غيرَها: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ بالألفِ؛ لإجماعِ قرأةِ الأمصارِ عليها.

واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِها؛ فقال بعضُهم: معناه: أو ائتوني بعلمٍ بأن آلهتكم خَلَقَتْ من الأرضِ شيئًا، وأن لها شركًا في السماواتِ، من قبل الخطِّ الذي تخطُّونه في الأرضِ (١)، فإنكم معشرَ العربِ أهلُ عِيافةٍ (٢) وزجرٍ وكهانةٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن سفيانَ، عن صفوانَ بن سُليمٍ، عن أبي سلمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: خطٍّ كان يخطُّه العربُ في الأرضِ (٣).

حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: قال أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشٍ: الخطُّ هو العِيافةُ (٤).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو خاصَّةٍ من علمٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: أو خاصةٍ من علمٍ (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: أي: خاصةٍ من علمٍ.

حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ عبدِ الصمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: ثنى أبي، عن الحسينِ، عن قتادةَ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: خاصةٍ من علمٍ.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو علمٍ تُثِيرونه فتستخرِجونه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: ﴿أَثَارَةٍ﴾: شيءٍ يستخرِجونه فِطْرةً (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو تأثِرون ذلك علمًا عن أحدٍ ممن قبلَكم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: أحدٌ يأثِرُ علمًا (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أو ببيِّنةٍ من الأمرِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

يقولُ: بينةٍ من الأمرِ (٢).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: ببقيةٍ من علمٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: سُئِل أبو بكرٍ، يعنى ابنَ عياشٍ، عن: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾.

قال: بقيةٍ من علمِ (٣).

وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: الأثارةُ البقيةُ من علمٍ؛ لأنَّ ذلك هو المعروفُ من كلامِ العربِ، وهو مصدرٌ من قولِ القائلِ: أثُر الشيءُ أثارةً، مثلَ: سمُج سماجةً، وقبُح قباحةً، كما قال راعى الإبلِ (٤): * وذَاتِ أثارةٍ أكَلَت عَلَيْها * يعنى: وذاتِ بقيةٍ من شحمٍ.

فأما من قرَأه: (أوْ أَثَرَةٍ) فإنه جعله أثرةً من الأثَرٍ، كما قيل: قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ.

وقد ذُكر عن بعضِهم أنه قرَأه: (أوْ أثْرَةٍ) بسكونِ الثاءِ (١)، مثلَ الرَّجْفَةِ والخَطْفةِ، وإذا وُجِّه ذلك إلى ما قلنا فيه مِن أنه بقيةٌ من علمٍ، جاز أن تكونَ تلك البقيةُ من علمِ الخطِّ، ومن علمٍ اسْتُثِير مِن كُتُبِ الأوَّلين، ومن خاصة علمٍ كانوا أُوثِروا به.

وقد رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ في ذلك خبرٌ بأنه تأوَّله أنه بمعنى الخطِّ، سنذكُرُه إن شاء اللهُ تعالى.

فتأويلُ الكلامِ إذن: ائْتُونى أيُّها القومُ بكتابٍ مِن قبلِ هذا الكتابِ، بتحقيقِ ما سألتُكم تحقيقَه مِن الحُجَّةِ على دَعْواكم ما تدَّعون لآلهتِكم، أو ببقيةٍ من علمٍ يُوصَلُ بها إلى علمِ صحةِ ما تقولون مِن ذلك، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دَعْواكم لها ما تَدَّعون، فإن الدَّعْوى إذا لم يَكُنْ معها حُجَّةٌ لم تُغْنِ عن المُدَّعِى شيئًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وأيُّ عبدٍ أَضَلُّ مِن عبدٍ يَدْعو مِن دونِ اللهِ آلهةً، ﴿لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.

يقولُ: لا يُجِيبُ دعاءَه أبدًا؛ لأنها حَجَرٌ أَو خَشَبٌ أو نحوُ ذلك.

وقولُه: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وآلهتُهم التي يَدْعونهم عن دُعائِهم إياهم في غفلةٍ؛ لأنها لا تسمعُ ولا تنطقُ، ولا تعقلُ.

وإنما عنَى بوصفِها بالغفلةِ، تمثيلَها بالإنسانِ السَّاهِي عما يقالُ له، إذ كانت لا تفهمُ مما يقالُ لها شيئًا، كما لا يفهمُ الغافلُ عن الشيءِ ما غفَل عنه.

وإنما هذا توبيخٌ مِن اللهِ لهؤلاء المشركين لسُوءِ رأيِهم، وقُبْحِ اختيارِهم في عبادتِهم من لا يعقلُ شيئًا ولا يفهمُ، وتَرْكِهم عبادةَ مَن جميعُ ما بهم مِن نعمتِه، ومَن به استغاثتُهم عندَ ما ينزلُ بهم مِن الحوائجِ والمصائبِ.

وقيل: ﴿مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾.

فأخرَج ذكرَ الآلهةِ وهى جمادٌ مُخرجَ ذِكْرِ بنى آدمَ ومَن له الاختيارُ والتمييزُ، إذ كانت قد مَثَّلَتها عبدَتُها بالملوكِ والأمراءِ التي تخدُمُ في خدمتِهم إيَّاها، فأجرَى الكلامَ في ذلك على نحوِ ما كان جاريًا فيه عندَهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا جُمع الناسُ يومَ القيامةِ لموقفِ الحسابِ، كانت هذه الآلهةُ التي يَدْعونها في الدنيا لهم أعداءً؛ لأنهم يتَبرَّءُون منهم، ﴿وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وكانت آلهتُهم التي يعبُدونها في الدنيا بعبادتِهم جاحِدِين؛ لأنهم يقولون يومَ القيامةِ: ما أمَرناهم بعبادتِنا، ولا شَعرنا بعبادتِهم إيَّانا، تبَرَّأنا إليك منهم يا ربَّنا.

وقولُه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا تُقرأُ على هؤلاء المشركين باللهِ من قومِك ﴿آيَاتُنَا﴾.

يعنى: حُجَجُنا التي احْتَجَجْناها عليهم، فيما أنزَلناه من كتابِنا على محمدٍ ﷺ.

يعني: واضحاتٍ نَيِّراتٍ، ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال الذين جَحَدوا وحدانيةَ اللهِ وكذَّبوا رسولَه للحقِّ لما جاءَهم مِن عندِ اللهِ، فأنزَله على رسولِه ﷺ: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.

يعنون: هذا القرآنُ خداعٌ يخدَعُنا، ويأخذُ بقلوبِ من سمِعه، فعلَ السحرِ، ﴿مُبِينٌ﴾.

يقولُ: يَبِينُ لمن تأمَّله ممن سمِعه أنه سحرٌ مبينٌ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أمْ يقولُ هؤلاء المُشركون باللهِ مِن قريشٍ: افتَرى محمدٌ هذا القرآنَ، فاختَلَقه وتَخَرَّصه كذِبًا.

قُلْ لهم يا محمدُ: إنِ افتَريتُه وتخرَّضْتُه على اللهِ (١)، ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي﴾.

يقولُ: فلا تُغْنون عنى مِن اللهِ إن عاقَبَني على افْتِرائى إياه وتَخَرُّصِى عليه شيئًا، ولا تقدرون أن تَدْفَعوا عنى سُوءًا إن أصابَنى به.

وقولُه: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾.

يقولُ: رَبِّي أَعلَمُ مِن كُلِّ شيءٍ سِواه، بما تقولون بينَكم في هذا القرآنِ.

والهاءُ مِن قولِه: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ مِن ذكرِ القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿تُفِيضُونَ فِيهِمُ﴾، قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١].

قال: تقولون (٢).

وقولُه: ﴿كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.

يقولُ: كفى بالله شاهدًا عليَّ وعليكم بما تقولون من تَكْذيبِكم لي فيما جئتُكم به مِن عندِ اللهِ، الغفورِ الرحيمِ لهم، بألا يُعَذِّبَهم عليها بعدَ توبتِهم منها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لمُشْركي قومِك مِن قريشٍ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

يعنى: ما كنتُ أوَّلَ رسلِ اللهِ التي أرسَلها إلى خَلْقِه، قد كان مِن قَبْلى له رسلٌ كثيرةٌ أُرسلت إلى أممٍ قبلَكم.

يقالُ منه: هو بِدْعٌ في هذا الأمرِ، وبديعٌ فيه.

إذا كان فيه أوَّلَ.

ومن البِدْعِ قولُ عَدِيِّ بن زيدٍ (١): فَلا أنا بِدْعٌ مِن حَوادثَ تَعْتَرِى … رِجالًا عَرَتْ مِن بَعْدِ بُؤْسَى وأَسْعُدِ ومن البديعِ قولُ الأحوصِ (٢): فَخَرَتْ فانْتَمَتْ فقلتُ انظُرِينى … ليس جَهْلٌ أُتيتِه ببَديعِ يعنى بأوَّلَ.

يقالُ: هو بِدْعٌ مِن قومٍ أبداعٍ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

يقولُ: لستُ بأوَّلِ الرسلِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: يقولُ: ما كنتُ أولَ رسولٍ أُرسِل.

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: ما كنتُ أوَّلَهم (١).

حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ بنُ معاويةَ، عن أبي هُبَيرةَ، قال: سألتُ قتادةَ: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: أي: قد كانت قبلي رسلٌ.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

يقولُ: أي: إن الرسلَ قد كانت قبلى.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: قد كانت قبلَه رُسُلٌ (٢).

وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾.

اختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِه؛ فقال بعضُهم: عَنَى به رسولَ اللهِ ﷺ.

وقيل له: قُلْ للمؤمنين بك: ما أدْرِى ما يُفْعَلُ بي ولا بكم يومَ القيامةِ، وإلى ما نصيرُ هنالك.

قالوا: ثم بَيَّن اللهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ وللمؤمنين به حالَهم في الآخرةِ، فقيل له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١، ٢].

وقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: ٥].

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: فأنزَل اللهُ بعدَ هذا: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (١).

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، عن الحسينِ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ، قالا: قال في "حم الأحقاف": ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

فنسخَتها الآيةُ التي في سورة "الفتح": ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ الآية [الفتح: ١، ٢].

فخرَج نبيُّ اللهِ ﷺ حينَ نزلت هذه الآيةُ، فبَشَّرهم بأنه غُفِر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فقال له رجالٌ مِن المؤمنين: هَنِيئًا لك يا نبيَّ اللهِ، قد عَلِمنا ما يُفعَلُ بك، فماذا يُفعَلُ بِنا؟

فأنزَل اللهُ ﷿، في سورةِ "الأحزابِ"، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].

وقال: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ﴾ الآية [الفتح: ٥، ٦].

فبَيَّن الله ما يَفْعَلُ به وبهم (٢).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾: ثم دَرَى أو علِم مِن اللهِ ﷺ بعدَ ذلك ما يُفْعَلُ به؛ يقولُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾.

قال: قد بُيِّن له أنه قد غُفِر مِن ذنبِه ما تقدَّم وما تأخَّر (١).

وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﵊ أن يقولَه للمشركين مِن قومِه، ويعلمَ أنه لا يَدْرِى إلامَ يصيرُ أمرُه وأمرُهم في الدنيا؛ أيصيرُ أمرُه معهم أن يقتُلوه أو يُخرِجوه مِن بينِهم، أو يؤمِنوا به فيَتَّبِعوه، وأمرُهم إلى الهلاكِ كما أُهلِكت الأممُ المُكذِّبةُ رُسُلَها من قبلِهم، أو إلى التصديقِ له فيما جاءهم به من عندِ اللهِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾.

فقال: أمَّا في الآخرةِ فمعاذَ اللهِ، قد علِم أنه في الجنةِ حينَ أُخِذ ميثاقُه في الرسلِ، ولكن قال: ما أدْرِى ما يُفعلُ بي ولا بكم في الدنيا؛ أَخْرَجُ كما أُخرِجت الأنبياءُ قَبْلى، أو أُقْتَلُ كما قُتِلت الأنبياءُ مِن قَبْلى، ولا أدْرِى ما يُفْعَلُ بكم؛ أُمَّتى المُكذِّبةُ أم أُمَّتى المُصدِّقَةُ، أم أُمَّتي المَرْمِيَّةُ بالحجارةِ مِن السماءِ قَدْفًا، أم مخسوفٌ بها خَسْفًا، ثم أُوحى إليه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠].

يقولُ: أحَطْتُ لك بالعربِ ألا يقتُلوك.

فعرَف أنه لا يُقْتَلُ، ثم أنزَل اللهُ ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨].

يقولُ: أشهَد لك على نفسِه أنه سيُظْهِرُ دينَك على الأديانِ، ثم قال له في أمتِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣].

فأخبَره اللهُ ما يصنَعُ به وما يصنَعُ بأمتِه (١).

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وما أدْرِى ما يُفْتَرَضُ عليَّ وعليكم، أو ينزِلُ مِن حكمٍ.

وليس يعني: ما أَدْرِى ما يُفعل بي ولا بكم غدًا في المعادِ، مِن ثوابِ اللهِ مَن أطاعَه، وعقابِه مَن كَذَّبه.

وقال آخرون: إنما أُمِر أن يقولَ هذا في أمر كان ينتظرُه من قِبَلِ اللهِ ﷿ في غيرِ الثوابِ والعقابِ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصحةِ وأشْبَهُها بما دلَّ عليه التنزيلُ، القولُ الذي قاله الحسنُ البصريُّ، الذي رَواه عنه أبو بكرٍ الهُذَليُّ.

وإنما قلنا: ذلك أَوْلاها بالصوابِ؛ لأن الخطابَ من مبتدأِ هذه السورةِ إلى هذه الآيةِ، والخبرَ، خرَج مِن اللهِ ﷿ خطابًا للمشركين، وخبرًا عنهم،، وتوبيخًا لهم، واحْتجاجًا منِ اللهِ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ.

فإذ كان ذلك كذلك، فمعلومٌ أن هذه الآيةَ أيضًا سبيلُها سبيلُ ما قبلَها وما بعدَها في أنها احْتِجاجٌ عليهم وتوبيخٌ لهم، أو خبرٌ عنهم.

وإذا كان ذلك كذلك، فمحالٌ أن يقالَ للنبيِّ ﷺ: قُلْ للمشركين: ما أَدْرِى ما يُفْعَلُ بى ولا بكم في الآخرة.

وآياتُ كتابِ اللهِ ﷿ في تنزيلِه ووحيِه إليه مُتتابِعةٌ، بأن المشركين في النارِ مُخَلَّدون، والمؤمنون به في الجِنانِ مُنَعَّمون، وبذلك يُرَهِّبُهم مَرَّةً، ويُرَغِّبُهم أخرى، ولو قال لهم ذلك، لقالوا له: فعلامَ نَتَّبِعُك إذن وأنت لا تَدْرِى إلى أي حالٍ تصيرُ غدًا في القيامةِ؛ إلى خَفْضٍ ودَعَةٍ، أم إلى شِدَّةٍ وعذابٍ، وإنما اتِّباعُنا إياك إن اتَّبَعْناك، وتصديقُنا بما تَدْعونا إليه، رغبةً في نِعْمةٍ وكرامةٍ نصيبُها، أو رهبةً من عقوبةٍ وعذابٍ نهرُبُ منه.

ولكن ذلك كما قال الحسنُ: ثم بَيَّن اللهُ لنبيِّه ﷺ ما هو فاعلٌ به، وبمَن كذَّب بما جاء به من قومِه وغيرِهم.

وقولُه: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: قُلْ لهم: ما أَتَّبِعُ (١) فيما آمُرُكم به وفيما أفعلُه مِن فعلٍ، إلا وحيَ اللهِ الذي يُوحِيه إليَّ، ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾.

يقولُ: وما أنا لكم إلا نذيرٌ، أنذرُكم عقابَ اللهِ على كفرِكم به، ﴿مُبِينٌ﴾.

يقولُ: قد أبانَ لكم إنذارَه، وأظهرَ لكم دعاءَه إلى ما فيه نصيحتُكم.

يقولُ: فكذلك أنا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قُلْ يا محمدُ لهؤلاء المُشركين القائِلين لهذا القرآنِ لمَّا جاءهم: هذا سحرٌ مُبينٌ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أيها القومُ، ﴿إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآنُ هو ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أنزَله عليَّ ﴿وَكَفَرْتُمْ﴾ أنتم ﴿بِهِ﴾.

يقولُ: وكذَّبتم أنتم به.

وقولُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾.

اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وهو له موسى بنُ عمرانَ ﵇ ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾.

يعني: على مثلِ القرآنِ.

قالوا: ومِثْلُ القرآنِ الذي شهِد عليه موسى بالتَّصْديقِ التوراةُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن عامر، عن مسروق في هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مَّنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، فخاصم به الذين كفروا من أهل مكة، ﴿مِثْلِهِ﴾ (١): التوراة مثلُ القرآنِ، وموسى مثل محمد صلَّى الله عليهما وسلَّم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: سُئِل داود عن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ﴾ الآية، قال داود: قال عامر: قال مسروق: والله ما نزلت في عبدِ اللَّهِ بن سَلَام، ما نزلت إلا بمكةَ، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه، قال: فنزلت: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال: فالتوراة مثل القرآن، وموسى مثل محمد ﵉، فآمنوا بالتوراة وبرسولهم، وكفَرتُم (٢).

حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعتُ داود بن أبي هندٍ، عن الشعبي، قال: أناس يزعمون أن شاهدًا من بنى إسرائيل على مثله، عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وإنما أسلم عبد اللهِ بنُ سَلَام بالمدينة، وقد أخبرني مسروق أن "آل حم" إنما نزلت بمكةَ، وإنما كانت مُحاجَّة رسول الله ﷺ قومه، فقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، يعنى القرآنَ، ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، فآمن موسى ومحمد ﵉ على الفرقانِ.

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن إدريسَ، عن داود، عن الشعبيِّ، قال: إن ناسًا يزعُمون أن الشاهدَ على مثله عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلَم عبد الله بالمدينة، وقد أخبرني مسروقٌ أن "آل حم" إنما نزلت بمكةَ، وإنما كانت مُحاجَّةَ رسول الله ﷺ، لقومه، فقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، يعني الفرقان، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾.

فمثل التوراة الفرقان؛ التوراة شهِد عليها موسى، ومحمدٌ على الفرقان، صلّى الله عليهما وسلّم.

حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، قال: أخبرنا داودُ، عن الشعبي، عن مَسْروقٍ في قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: كان إسلامُ ابن سلَام بالمدينةِ، ونزلت هذه السورة بمكة، إنما كانت خصومةً بين محمد ﵇ وبين قومه، فقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾.

قال: التوراة مثل الفرقانِ، وموسى مثل محمد، فآمن به واستكبَرتُم، ثم قال: آمَن هذا الذي من بني إسرائيل بنبيه وكتابه، واستكبرتُم أنتم، فكَذَّبْتُم أنتم نبيكم وكتابكم، ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا إِفَكٌ قَدِيمٌ﴾ (١).

وقال آخرون: عنَى بقوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ عبد اللهِ بنَ سَلَام، قالوا: ومعنى الكلام: وشهد شاهدٌ من بنى إسرائيل على مثل هذا القرآن بالتصديقِ، قالوا: ومثل القرآن التوراة.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يونس، قال: ثنا عبد الله بن يوسفَ التِّنِّيسِيُّ، قال: سمِعتُ مالكَ بنَ أنسٍ يحدِّثُ عن أبي النَّضْرِ، عن عامر بن سعد بن أبي وقَّاصٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ رسول الله ﷺ يقولُ لأحدٍ يَمشى على الأرض إنه مِن أهل الجنةِ، إلا لعبدِ اللَّهِ بن سَلَامٍ، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (١).

حدثنا الحسينُ بنُ عليٍّ الصدائيُّ، قال: ثنا أبو داود الطيالسيُّ، قال: ثنا شعيب بن صَفْوَانَ، قال: ثنا عبد الملكِ بنُ عُمَيرٍ، أن محمد بن يوسفَ بن عبد اللَّهِ بن سلامٍ، قال: قال عبد الله بن سلام: أُنزل فيَّ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ (٢).

حدثني على بن سعيدِ بن مَسْروقٍ الكنديُّ، قال: ثنا أبو المحيَّاةِ (٣) يحيى بن يَعْلَى، عن عبد الملك بن عُمَيرٍ، عن ابن أخى عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ، قال: قال عبدُ اللَّهِ بنُ سلامٍ: نزلت فيَّ: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٤).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: كان رجلٌ من أهل الكتاب آمن بمحمد ﷺ، فقال: إنا نجِدُه في التوراةِ، وكان أفضلَ رجل منهم، وأعلمهم بالكتاب، فخاصَمَتِ اليهودُ النبيَّ ﷺ، فقال: "أَتَرْضَون أن يَحْكُمَ بينى وبينَكم عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، أَتُؤْمِنون؟

"، قالوا: نعم.

فأرسل إلى عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ، فقال: "أَتَشْهَدُ أَني رسولُ اللَّهِ مَكْتوبًا في التوراة والإنجيل؟

"، قال: نعم، فأعرضت اليهود، وأسلم عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، فهو الذي قال الله جل ثناؤُه: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ، فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾.

يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ (١).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَاءِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، قال: عبدُ الله بن سلامٍ (٢).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآية: كنا نُحَدَّثُ أنه عبد الله بن سلامٍ، آمن بكتاب الله وبرسوله وبالإسلام، وكان من أحبار اليهود.

حدثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابْنُ ثَوْرِ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾.

قال: هو عبدُ اللَّهِ بنُ سلام (٣).

حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذٍ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾: الشاهدُ عبد الله بن سلام، وكان من الأحبارِ مِن عُلماء بنى إسرائيل، بعث رسول الله ﷺ إلى اليهود فأتوه، فسألهم فقال: "أتعلمون أني رسولُ اللهِ، تَجدوننى مكتوبًا عندكم في التوراة؟

"، قالوا: لا نعلم ما تقولُ، وإنا بما جئتَ به كافرون، فقال: "أيُّ رجلٍ عبدُ اللهِ بنُ سَلام عندكم؟

"، قالوا: عالِمُنا وخَيرُنا، قال: "أَتَرْضَون به بينى وبينكم؟

"، قالوا: نعم، فأرسَل رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن سلامٍ، فجاءه فقال: "ما شهادتُك يا بنَ سَلام؟

"، قال: أشهد أنك رسولُ اللَّهِ، وأن كتابَك جاء من عندِ اللَّهِ، فَآمَن وكفروا، يقولُ الله ﵎: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُم﴾ (١).

حدثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ، قال: بلَغَنى أنه لمَّا أرادَ عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامِ أَن يُسْلِمَ قال: يا رسولَ اللَّهِ، قد عَلِمَتِ اليهودُ أنى مِن عُلمائِهم، وأن أبى كان من عُلمائهم، وإنى أشهدُ أنك رسولُ اللهِ، وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، فأرسل إلى فلان وفلانٍ - ومَن سمَّاه من اليهودِ - وأخبثني (٢) في بيتِك، وسَلْهم عنِّي وعن أبي، فإنهم سيُحَدِّثونك أني أعلمهم وأن أبى من أعلمهم، وإني سأخرج إليهم، فأشهَدُ أنك رسولُ الله، وأنهم يجدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، وأنك بُعِثتَ بالهدى ودين الحقِّ، قال: ففعل رسولُ الله ﷺ، فخَبَّأَه في بيته وأرسل إلى اليهودِ فدخلوا عليه، فقال رسولُ الله ﷺ: "ما عبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ فيكم؟

"، قالوا: أَعْلَمُنا نفسًا، وأَعْلَمُنا أبًا، فقال رسول الله ﷺ: "أَرَأَيْتُم إِن أَسْلَمَ تُسْلِمون؟

"، قالوا: لا يُسْلِمُ (١)، ثلاث مرارٍ، فدَعاه فخرَج، ثم قال: أشهد أنك رسولُ الله، وأنهم يَجِدونك مكتوبًا عندهم في التوراةِ، وأنك بعثتَ بالهُدى ودين الحقِّ، فقالت اليهودُ: ما كُنَّا نَخْشاك على هذا يا عبد اللهِ بنَ سَلامِ!

قال: فخرَجوا كفارًا، فأنزل الله ﷿ في ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ الآية (٢).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾، قال: هذا عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ، شهِد أن رسول الله ﷺ وكتابه حَقٌّ، وهو في التوراةِ حَقٌّ، فَآمَن واستكبَرْتُم (٣).

حدثني أبو شُرَحبيلَ الحِمْصِيُّ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صفوان بن عمرو، عن عبدِ الرحمنِ بن جُبَيرِ بن نُفَيرٍ، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعيِّ، قال: انطلَق النبي ﷺ وأنا معه، حتى دخَلنا كنيسةَ اليهود بالمدينة يوم عيدٍ لهم، فكَرِهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: "يا معشرَ اليهودِ، أَرُونِى اثْنَى عشَرَ رجلًا يَشْهَدون أنه لا إله إلا هو وأن محمدًا رسولُ اللهِ، يُحْبِطُ اللَّهُ عَن كُلِّ يَهُودِيٍّ تحتَ أَديمِ السماءِ الغضبَ الذي غَضِبَ عليه".

قال: فأُسْكِتوا، فما أجابَه منهم أحدٌ، ثم ثَلَّث فلم يُجبه أحدٌ، فانصرف وأنا معه، حتى إذا كِدنا أن نخرجَ، نادَى رجلٌ مِن خَلْفِنا: كما أنت يا محمد، قال: فأقبَل، فقال ذلك الرجلُ: أَي رجلٍ تَعْلَمُونى فيكم يا معشرَ اليهود؟

قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجلٌ أعلم بكتاب اللهِ ولا أفقهُ منك، ولا من أبيك، ولا مِن جَدِّك قبلَ أبيك، قال: فإني أشهدُ بالله أنه النبيُّ الذي تَجدونه في التوراةِ والإنجيلِ، قالوا: كذبتَ، ثم رَدُّوا عليه قوله وقالوا له شرًّا، فقال لهم رسول الله ﷺ: "كَذَبْتُم لن يُقبَلَ قولُكم، أمَّا آنفًا فتُثْنُون عليه من الخيرِ ما أثنيتُم، وأما إذ آمَن كَذَّبْتُموه، وقلتُم ما قلتُم، فلن يُقبل قولكم"، قال: فخَرَجنا ونحن ثلاثةٌ؛ رسول الله ﷺ، وأنا، وعبدُ اللَّهِ بنُ سَلامٍ، فأَنزَل الله فيه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١) الآية.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أن الذي قاله مسروقٌ في تأويل ذلك أشبه بظاهرِ التنزيل؛ لأن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، في سياق توبيخ الله تعالى ذكرُه مُشركي قريشٍ، واحتجاجًا عليهم لنبيِّه ﷺ.

وهذه الآية نظيرةُ سائرِ الآيات قبلَها، ولم يَجْرِ لأهل الكتاب ولا لليهود قبل ذلك ذكرٌ فتوجَّهَ هذه الآية إلى أنها فيهم نزلَت، ولا دَلَّ على انصراف الكلام عن قَصَصِ الذين تقدَّم الخبرُ عنهم معنًى، غيرَ أن الأخبار قد وَرَدَت عن جماعةٍ مِن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك غنى به عبد الله بن سلامٍ، وعليه أكثر أهل التأويلِ، وهم كانوا أعلم بمعاني القرآن، والسبب الذي فيه نزل، وما أُريدَ به، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وشهِد عبد اللهِ بنُ سَلامٍ، وهو الشاهد من بني إسرائيل، ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾، يعني: على مثل القرآنِ، وهو التوراة، وذلك شهادته أن محمدًا مكتوبٌ في التوراة أنه نبيٌّ، تَجِدُه اليهودُ مكتوبًا عندهم في التوراةِ، كما هو مكتوبٌ في القرآن أنه نبيٌّ.

وقولُه: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرتُمْ﴾، يقولُ: فَآمَن عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ، وصدَّق بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به من عندِ اللهِ، واسْتَكْبَرتُم أنتم على الإيمان بما آمَن به عبدُ اللَّهِ بن سَلام معشر اليهود، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، يقولُ: إن الله لا يوفِّقُ لإصابة الحقِّ، وهَدْيِ الطريق المستقيم، القوم الكافرين الذين ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سَخَطَ اللَّهِ بكفرهم به.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِنَّكَ قَدِيرٌ﴾.

يقول تعالى ذكره: وقال الذين جَحَدوا نبوةَ محمد ﷺ من يهود بني إسرائيل، للذين آمنوا به: لو كان تصديقكم محمدًا على ما جاءكم به خيرا، ما سبَقتُمونا إلى التصديق به، وهذا التأويلُ على مذهب مَن تأوَّل قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، أنه معنيٌّ به عبد الله بن سلام، فأما على تأويلِ من تأوَّل أنه عُنى به مُشركو قريشٍ، فإنه ينبغى أن يوجَّهَ تأويلُ قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، أنه عُنِى به مشركو قريشٍ، وكذلك كان يتأوَّلُه قتادةُ، وفى تأويلِه إيَّاه كذلك تركٌ منه تأويله قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، أنه معنيٌّ به عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَامٍ.

ذكرُ الرواية عنه بذلك حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾، قال: قال ذاك أناسٌ من المشركين؛ نحن أعزُّ، ونحن ونحن، فلو كان خيرًا ما سبَقَنا إليه فلانٌ وفلانٌ، فإن الله يختصُّ برحمتِه مَن يشاءُ (١).

حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾.

قال: قد قال ذلك قائلون من الناسِ، كانوا أعزَّ منهم في الجاهليةِ، قالوا: والله لو كان هذا خيرًا ما سبقنا إليه بنو فلان وبنو فلانٍ، ويختص الله برحمته من يشاءُ، ويُكرِمُ الله برحمته من يشاءُ، ﵎.

وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾، يقول تعالى ذكره: وإذ لم يَبْصُروا بمحمدٍ وبما جاء به من عند الله من الهُدَى، فيَرْشُدوا به الطريق المستقيمَ، ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾، يقول: فسيقولون: هذا القرآن الذي جاء به محمدٌ ﷺ أكاذيب من أخبار الأولين قديمةٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه مخبرًا عنهم: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كَتَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ومن قبل هذا الكتاب ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾، وهو التوراة، ﴿إمَامًا﴾ لبنى إسرائيلَ، يأتَمُّون (٢) به، ﴿وَرَحْمَةً﴾ لهم أنزلناه عليهم، وخَرَج الكلامُ مَخْرجَ الخبرِ عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبرِ، اكتفاءً بدلالة الكلام على تمامِه، وتمامُه: ومِنْ قَبلِه كِتابُ مُوسَى إمامًا ورَحْمةً أنزلناه عليه، وهذا كتاب أنزلناه لسانًا عربيًا.

اختلف في تأويلِ ذلك وفى المعنى الناصبِ ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أهلُ العربية؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرة: نُصب "اللسانُ" و "العربيُّ"؛ لأنَّه من صفة "الكتابِ"، فانتَصَب على الحالِ، أو على فعل مُضْمَرٍ، كأنه قال: أعنى لسانا عربيا، قال: وقال بعضُهم: على: ﴿مُصَدِّقٌ﴾، جعَل الكتابَ مُصَدِّقَ اللسان، فعلى قول مَن جعَل اللسان نصبًا على الحالِ، وجعَله من صفة الكتابِ، ينبغى أن يكون تأويل الكلام: وهذا كتاب بلسان عربيٍّ، مُصَدِّقُ التوراة كتاب موسى، بأن محمدًا الله رسولٌ، وأن ما جاء به من عند الله حقٌّ، وأما القولُ الثاني الذي حكيناه عن بعضهم أنه جعل الناصب للسانِ ﴿مُصَدِّقٌ﴾، فقول لا معنى له؛ لأن ذلك يصيرُ إِذا يُؤَوَّلُ كذلك، إلى أن الذي يصدِّقُ القرآن نفسُه، ولا معنى لأن يُقالَ: وهذا كتابٌ يُصَدِّقُ نفسه.

لأن اللسان العربيَّ هو هذا الكتابُ، إلا أن يُجعل اللسان العربيُّ محمدا ﵇، ويُوجَّهَ تأويلُه إلى: وهذا كتابٌ، وهو القرآنُ، يصدقُ محمدًا، وهو اللسان العربيُّ، فيكون ذلك وجها من التأويل.

وقال بعض نحويِّي الكوفة: قوله: ﴿لِسَانًا عَرَبيًّا﴾، من نعتِ "الكتاب"، وإنما نُصب لأنَّه أُريدَ به: وهذا كتابٌ يُصدِّقُ التوراة والإنجيل لسانًا عربيًا، فخرج ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ من "يُصَدِّقُ"؛ لأنَّه فعلٌ، كما تقولُ: مَرَرْتُ برجلٍ يقومُ مُحْسِنًا، ومررتُ برجلٍ قائمٍ مُحْسِنًا، قال: ولو رفع "لسانٌ عربيٌّ"، جاز على النعت لـ "الكتاب".

وقد ذُكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: (وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ لِما بين يديه لسانًا عربيًّا) (١) فعلى هذه القراءةِ يتوجّه النصب في قوله: ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ مِن وجهين؛ أحدهما، على ما بيَّنتُ مِن أن يكون اللسانُ خارجًا مِن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾، والآخرُ، أن يكون قطعًا من "الهاء" التي في (بينَ يدَيه).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يكونَ منصوبًا على أنه حالٌ مما في ﴿مُصَدِّقُ﴾ من ذكرِ الكتابِ؛ لأن قوله: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ فعلٌ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك: وهذا القرآنُ يُصَدِّقُ كتاب موسى بأن محمدًا نبي مرسلٌ، لسانًا عربيًّا.

وقوله: ﴿ليُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، يقولُ: لينذِرَ هذا الكتابُ الذي أنزلناه إلى محمدٍ ﵊، الذين ظلموا أنفسهم بكفرِهم بالله، بعبادتهم غيره.

وقوله: ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، يقولُ: وهو بُشْرَى للذين أطاعُوا اللَّهَ، فأحسَنوا في إيمانهم وطاعتهم إيَّاه في الدنيا، فحسُن الجزاء مِن الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه.

وفى قوله: ﴿وَبُشْرَى﴾ وجهان مِن الإعرابِ؛ الرفع على العطف على الكتاب بمعنى: وهذا كتابٌ مُصَدِّقٌ وبُشْرَى للمُحْسِنين، والنصب على معنى: ليُنْذِرَ الذين ظلموا ويُبَشِّرَ، فإذا جُعِل مكانَ "يُبَشِّرَ" "وبُشْرَى" أو "وبشارةً" نُصبَتْ، كما تقولُ: أَتيتُك لأَزُورَك وكرامةً لك وقضاءً لحقِّك، بمعنى: لأَزُورَك وأُكرِمَك وأقضىَ حقَّك، فتُنصَبُ الكرامة والقضاءُ بمعنًى مضمرٍ.

واختلَفت القرأة في قراءة: ﴿ليُنذِرَ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجازِ: (لِتُنْذِرَ) بالتاء، بمعنى: لتنذرَ أنت يا محمد، وقرأته عامة قرأة العراق بالياء؛ بمعنى: ليُنذر الكتابُ (١)، وبأى القراءتين قرَأ ذلك القارئُ فمُصيبٌ.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أَوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ خَلِدِينَ فِيهَا جَزَاءُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾.

يقول تعالى ذكره: إن الذين قالوا: ربُّنا الله الذي لا إله غيرُه، ثم اسْتَقاموا على تصديقهم بذلك، فلم يَخْلِطوه بشركٍ، ولم يخالفوا الله في أمره ونهيِه: فلا خوفٌ عليهم من فزعِ يومِ القيامةِ وأهوالِه، ولا هم يَحْزنون على ما خَلَّفوا وراءهم بعدَ مماتِهم.

وقولُه: ﴿أَوَلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.

يقولُ تعالى ذكره: هؤلاء الذين قالوا هذا القولَ واستقاموا، أهل الجنة وسكَّانها، ﴿خَلِدِينَ فِيهَا﴾، يقولُ: ماكِثين فيها أبدًا، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقولُ: ثوابًا مِنَّا لهم، آتيناهم ذلك على أعمالهم الصالحةِ التي كانوا في الدنيا يعملونها.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا (١) حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: ووصَّينا ابنَ آدمَ بوالديه الحُسْنَ في صُحْبته إياهما أيامَ حياتِهما، والبِرَّ بهما في حياتهما، وبعدَ مماتهما.

واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: (حُسْنًا)؛ فقرأته عامة قرأةِ المدينة والبصرة (حُسْنًا) بضمِّ الحاء (٢)، على التأويل الذي وصفتُ.

وقرَأ ذلك عامة قرأة الكوفة: ﴿إِحْسَانًا﴾ بالألفِ (١)، بمعنى: ووصَّيناه بالإحسانِ إليهما، وبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ؛ لتَقاربِ معاني ذلك، واستفاضةِ القراءةِ بكلِّ واحدة منهما في القرأةِ.

وقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمَّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقول تعالى ذكره: ووَصَّينا الإنسانَ بوالدَيه إحْسانًا بِرًّا بهما؛ لما كان منهما إليه حَمْلا ووليدًا وناشِئًا، ثم وصَف جل ثناؤُه ما لديه من نعمةِ أمِّه، وما لاقَت منه في حال حمله ووضعِه، ونَبَّهه على الواجب لها عليه من البرِّ، واستحقاقها عليه من الكرامةِ، وجميلِ الصُّحبةِ، فقال: ﴿حَمَلَتَهُ أُمُّهُ﴾، يعنى في بطنها، ﴿كُرْهًا﴾، يعنى: مشقةً، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقولُ: وولَدته كُرْهًا، يعنى: مشقةً.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، يقولُ: حمَلَته مشقةً، ووضَعَته مشقةً.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ والحسنِ في قولِه: ﴿حَمَلَتْهُ أَمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾، قالا: حمَلَته في مشقةٍ، ووضَعَته في مشقةٍ (٢).

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾، قال: مشقةً عليها (٣).

واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿كُرْهًا﴾؛ فقرأته عامةُ قرأة المدينة والبصرةِ: (كَرْهًا) بفتحِ الكافِ، وقرَأته عامة قرأةِ الكوفةِ: ﴿كُرْهًا﴾ بضَمِّها (١)، وقد بيَّنتُ اختلاف المُختلفين في ذلك قبل إذا فُتح وإذا ضُمَّ، في سورةِ "البقرةِ"، بما أغنَى عن إعادته في هذا الموضعِ (٢).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان، متقاربتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ.

وقولُه: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، يقول تعالى ذكره: وحَمْلُ أمِّه إيَّاه جَنينًا في بطنِها، وفصالُها إيَّاه من الرَّضاعِ وفَطْمُها إِيَّاه شرب اللبن، ثلاثون شهرًا.

واختلَفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿وَفِصَالُهُ﴾؛ فقرَأ ذلك عامة قرأةِ الأمصارِ غيرَ الحسن البصريِّ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ﴾، بمعنى: فاصَلَتْه أمُّه فصالًا ومُفاصلةً.

وذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يقرؤُه: (وحَمْلُهُ وفَصْلُهُ) بفتح الفاء بغيرِ ألف (٣)، بمعنى: وفَصْلُ أمِّه إيَّاه.

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماع الحجةِ مِن القرأةِ عليه، وشُذُوذِ ما خالَفه.

وقولُه: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، اختلَف أهل التأويلِ في مبلغ حدِّ ذلك مِن السنينَ؛ فقال بعضُهم: هو ثلاثٌ وثلاثون سنةً.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن إدريسَ، قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بن عثمانَ بن خثَيمٍ، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: أَشُدُّه: ثلاث وثلاثون سنةً، واسْتَواؤُه: أربعون سنةً، والعمرُ الذي أعذَر الله فيه إلى ابن آدمَ: ستون (١).

حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى إذا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، قال: ثلاثًا وثلاثين (٢).

وقال آخرون: هو بلوغ الحُلُمِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني يعقوب بن إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا مجالدٌ، عن الشعبيِّ، قال: الأشُدُّ: الحُلُمُ، إذا كُتبتْ له الحسناتُ، وكُتبتْ عليه السيئاتُ (٣).

وقد بَيَّنا فيما مضَى الأَشدَّ جمعَ شَدُّ، وأنَّه تناهى قُوَّتِه واستوائه (٤)، وإذا كان ذلك كذلك، كان الثلاثُ والثلاثون به أشبهَ من الحُلُمِ؛ لأن المرءَ لا يبلغُ في حالِ حُلُمِه كمالَ قُواه ونهايةَ شِدَّتِه، فإن العربَ إذا ذكَرَت مثلَ هذا من الكلامِ، فعطفت ببعض على بعضٍ، جعَلَت كِلا الوقتَين قريبًا أحدهما من صاحبِه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنَصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا تكادُ تقولُ: أنا أعلمُ أنك تقوم قريبًا من ساعة من الليل وكُلَّه، ولا: أخذتُ قليلًا من مالٍ أو كُلَّه، ولكن تقولُ: أخَذتُ عامة مالى أو كلَّه، فكذلك ذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، لا شكَّ أن نَسَقَ الأربعين على الثلاث والثلاثين أحسنُ وأشبه، إذ كان يُرَادُ بذلك تقريبُ أحدهما من الآخرِ، مِن النَّسَقِ على الخمسَ عشرةَ أو الثمانِ عشرةَ.

وقوله: ﴿وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، ذلك حين تكامَلَت حُجَّةُ اللَّهِ عليه، وسَرَتْ (١) عنه جَهالةُ شبابِه، وعَرَف الواجبَ اللَّهِ مِن الحقِّ في بِرِّ والدَيه.

كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾: وقد مضى من سيئِ عملهِ.

حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ حتى بلغ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾: وقد مضى من سيئِ عملِه ما مضَى (٢).

وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾.

يقول تعالى ذكره: قال هذا الإنسانُ الذي هَداه اللهُ لرُشْدِه، وعرَف حقَّ اللهِ عليه فيما ألزَمه مِن بِرِّ والدَيه: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، يقولُ: أَغْرِنى بشُكْرِ نعمتِك التي أنعمتَ عليَّ في تعريفك إيَّاى توحيدَك، وهِدايتِك لي للإقرار بذلك، والعملِ بطاعتك - ﴿وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ مِن قَبْلى، وغير ذلك من نِعَمِك علينا، وألهمنى ذلك، وأصله من: وَزَعْتُ الرجل على كذا، إذا دفَعتَه عليه.

وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، قال: اجعلنى أشكرُ نعمتك.

وهذا الذي قاله ابن زيدٍ في قوله: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾، وإن كان يَقُولُ إليه معنى الكلمةِ، فليس بمعنى الإيزاع على الصحة.

وقوله: ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾، يقول تعالى ذكره: أوزعنى أن أعملَ صالحًا من الأعمال التي ترضاها؛ وذلك العمل بطاعته وطاعة رسوله ﷺ.

وقوله: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾، يقولُ: وأصلِحْ لي أُمُورى في ذُرِّيتي الذين وُهِبْتُهم بأن تجعلَهم هُدَاةً للإيمانِ بك، واتِّباع مَرْضاتِك، والعمل بطاعتك، فوصَفه جلّ ثناؤُه بالبِرِّ بالآباء والأمهات والبنين والبناتِ، وذكر أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ (١).

وقوله: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ هذا الإنسانِ: ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾، يقولُ: تُبْتُ مِن ذُنُوبِي التي سَلَفَت مني في سالفِ أيامي، إليك، ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، يقولُ: وإنى من الخاضعين لك بالطاعة، المُسْتَسْلِمين لأمرك ونَهْيك، المُنقادِين لحُكْمِك.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ (٢) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ (٣) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾.

يقول تعالى ذكرُه: هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتهم، هم الذين نَتقبَّلُ عنهم أحسنَ ما عمِلوا في الدنيا من صالحات الأعمالِ، فنُجازيهم به، ونُثيبهم عليه، ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾، يقولُ: ونَصفحُ لهم عن سيئات أعمالهم التي عملوها في الدنيا، فلا نُعاقبهم عليها، ﴿فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ﴾، يقولُ: نفعل ذلك بهم فعلنا مثل ذلك في أصحابِ الجنةِ وأهلها الذين هم أهلها.

كما حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا المعتمرُ بن سليمان، عن الحكم بن أبانٍ، عن الغِطْريفِ، عن جابرِ بن زيد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ، عن الروح الأمينِ، قال: "يُؤْتَى بحَسَناتِ العبدِ وسيئاتِه، فَيُقتصُّ بعضُها ببعضٍ، فإن بَقِيَتْ حَسَنَةٌ وَسَّع الله له في الجنة".

قال: فدخلتُ على يزدادَ، فحدث بمثلِ هذا الحديث، قال: قلتُ: فإن ذهَبَت الحسنةُ؟

قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾ الآية (١).

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ، قال: دعا أبو بكرٍ عمرَ ﵄، فقال له: إنِّي أُوصِيك بوصيةٍ أن تحفظَها؛ إن لله في الليل حقًّا لا يقبله بالنهارِ، وبالنهارِ حقًّا لا يقبله بالليلِ، إنه ليس لأحدٍ نافلةٌ حتى يؤدي الفريضة، إنه إنما ثَقُلت موازينُ مَن ثَقُلَت مَوازِينُه يومَ القيامة باتباعهم الحقَّ في الدنيا وثقل ذلك عليهم، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضعُ فيه إلا الحقُّ أن يَثْقُلَ، وخَفَّت موازين مَن خَفَّت موازينه يومَ القيامةِ، لاتِّباعهم الباطلَ في الدنيا وخفَّتِه عليهم، وحُقَّ لميزانٍ لا يوضع فيه إلا الباطلُ أن يَخِفَّ؛ ألم تَرَ أن الله ذكر أهلَ الجنةِ بأحسنِ أعمالِهم، فيقول قائل: أين يبلغ عملى من عملِ هؤلاء!

وذلك أن الله ﷿ تجاوز عن أَسْوَأَ أعمالهم فلم يُبْدِه، ألم تَرَ أن الله ذكر أهل النارِ بأسوأِ أعمالهم، حتى يقول قائلٌ: أنا خيرٌ عملًا من هؤلاء، وذلك بأن الله رَدَّ عليهم أحسن أعمالهم، ألم ترَ أن الله ﷿ أنزل آيةَ الشِّدَّةِ عند آية الرخاءِ، وآية الرخاءِ عند آية الشدة، ليكون المؤمن راغبًا راهبًا؛ لئلا يُلْقِىَ بيدِه إلى التَّهْلُكَةِ، ولا يَتَمَنَّى على اللَّهِ أُمنيةً يَتَمَنَّى على اللَّهِ فيها غيرَ الحقِّ (١).

واختلفت القرأة في قراءة قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة والبصرة وبعضُ قرأة الكوفة: (يُتَقَبَّلُ)، (وَيُتَجاوَزُ) بضَمِّ الياء منهما على ما لم يُسَمَّ فاعله، ورفع: (أَحْسَنُ) (٢)، وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿نَتَقَبَّلُ﴾، ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ بالنون وفتحها، ونصب ﴿أَحْسَنَ﴾ (٣).

على معنى إخبار الله جل ثناؤُه عن نفسِه أنه يفعل ذلك بهم، وردًّا للكلام على قولِه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ﴾، ونحن نتقبل منهم أحسن ما عملوا ونتجاوزُ، وهما قِراءتان مَعروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قَرأ القارئُ فمُصيبٌ.

وقوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، يقولُ: وعدهم الله هذا الوعدَ، وَعْدَ الحقَّ، لا شكَّ فيه أنه مُوفٍ لهم به، الذي كانوا إياه في الدنيا يَعِدُهم الله تعالى.

ونُصب قوله: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾؛ لأنَّه مصدرٌ خارجٌ مِن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِم﴾، وإنما أخرج من هذا الكلام مصدرُ: وَعَد وَعْدًا؛ لأن قوله: ﴿نَتَقَبَّلُ عَنهُمْ﴾، ﴿وَنَتَجَاوَزُ﴾ وعدٌ من اللهِ لهم، فقال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾، على ذلك المعنى.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾.

وهذا نَعْتٌ مِن الله تعالى ذكره، نَعْتُ ضالٍّ؛ به كافرٌ وبوالديه عاقٌّ، وهما مجتهدان في نصيحته ودعائه إلى الله، فلا يَزيدُه دعاؤُهما إياه إلى الحقِّ ونصيحتهما له إلا عُتُوًّا وتَمَرُّدًا على اللهِ، وتَمادِيًا في جهله، يقولُ الله جل ثناؤه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾؛ أَنْ دَعَوَاه إلى الإيمان بالله، والإقرار ببَعْثِ اللهِ خلقَه من قُبُورِهم، ومجازاته إيَّاهم بأعمالهم: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾، يقولُ: قَذَرًا لكما ونَتْنًا، ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، يقولُ: أَتَعِدانِنِي أَن أَخرَجَ مِن قَبْرى مِن بَعدِ فَنائِي وبَلائي فيه، حَيًّا!

كما حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أَخْرَجَ﴾: أن أُبَعَثَ بعدَ الموتِ.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادة في قولِه: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، قال: يعنى البعث بعد الموتِ (١).

حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ إلى آخرِ الآية، قال: الذي قال هذا ابنٌ لأبي بكر ﵁، قال: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أَخْرَجَ﴾: أَتَعِدَانِني أن أُبعثَ بعد الموتِ (١).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾، قال: هو الكافرُ الفاجرُ، العاقُّ لوالديه، المكذِّبُ بالبعثِ (٢).

حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، قال: ثم نعت عبدَ سُوءٍ عاقًّا لوالديه فاجرًا، فقال: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾، إلى قوله: ﴿أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (٢).

وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبلي﴾، يقولُ: أَتَعِداننى أن أُبَعَثَ وقد مضَت قرونٌ من الأمم قَبْلى فهَلكوا، فلم يَبْعَثْ منهم أحدًا؟!

ولو كنتُ مَبْعوثًا بعدَ وَفاتى كما تقولان، لكان قد بُعِث مَن هلَك قَبْلى مِن القرونِ، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾، يقول تعالى ذكرُه: وَوَالدَاهِ يَسْتَصْرِخان الله عليه ويَسْتَغِيثانه عليه أن يؤمنَ باللهِ ويُقرَّ بالبعثِ، ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾، أي: صدِّقْ بوعدِ اللَّهِ، وأقِرَّ أنك مبعوثٌ مِن بعدِ وفاتِك، إنَّ وعد الله الذي وعد خلقه أنه باعثهم مِن قُبُورِهم، ومُخْرِجُهم منها إلى موقف الحسابِ، لمُجازاتهم بأعمالهم، حقٌّ لا شكَّ فيه، فيقولُ عدو اللهِ مُجِيبًا لوالديه ورَدًّا عليهما نصيحتهما، وتكذيبًا بوَعْدِ اللهِ: ما هذا الذي تقولان لي وتَدْعُوانى إليه؛ من التصديق بأنى مبعوثٌ مِن بعدِ وَفَاتى مِن قَبْرى، إلا ما سَطَره الأوَّلون من الناسِ مِن الأباطيل فكتبوه، فأَصَبْتُماه أنتما فصَدَّقتما.

القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾.

يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين هذه الصفةُ صفتُهم، الذين وجَب عليهم عذابُ اللَّهِ، وحَلَّت بهم عقوبته وسَخَطُه، في من حلَّ به عذابُ اللهِ، على مثلِ الذي حَلَّ بهؤلاء من الأممِ الذين مَضَوا قبلهم مِن الجنِّ والإنسِ، الذين كذَّبوا رُسُلَ الله وعَتَوا عن أمر ربِّهم.

وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾، يقول تعالى ذكره: إنهم كانوا المَغبُونين بَبَيْعِهم الهُدى بالضلالِ والنعيمَ بالعقابِ.

حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا معاذ بن هشامٍ، قال: ثنا أبي، عن قتادةَ، عن الحسنِ، قال: الجن لا يَموتون، قال قتادةُ: فقلتُ: ﴿أَولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَرٍ قَدْ خَلَتْ﴾ الآية (١).

وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، يقول تعالى ذكره: ولكلِّ هؤلاء الفريقين؛ فريق الإيمان بالله واليومِ الآخرِ والبر بالوالدين، وفريق الكفرِ بالله واليوم الآخر وعقوق الوالدين، الذين وصف صفتهم ربُّنا ﷿ في هذه الآياتِ - منازل ومراتب عند الله يوم القيامة، ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾، يعني: من عملهم الذي عملوه في الدنيا؛ من صالح وحَسَنٍ وسَيِّئِ، يُجازيهم الله به.

وقد حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلِكُلِّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾، قال: دَرَجُ أهل النارِ يذهبُ سَفالًا، ودَرَجُ أهل الجنةِ يذهب عُلُوًّا.

﴿وَلِيُوفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، يقولُ جل ثناؤه: وليعطيَ جميعَهم أجور أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ المحسنَ منهم بإحسانِه، ما وعد اللَّهُ مِن الكرامة، والمسيءَ منهم بإساءته، ما أعدَّه مِن الجزاء، ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، يقولُ: وجميعهم لا يُظْلَمون؛ لا يُجازَى المسئُ منهم إلا عقوبةً على ذنبه، لا على ما لم يعمل، ولا يُحمَلُ عليه ذنب غيرِه، ولا يُبْخَسُ المحسنُ منهم ثوابَ إحسانِه.

القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾.

يقول تعالى ذكره: ويومَ يُعْرَضُ الذين كَفَروا بالله على النارِ، يقال لهم: أذهبتم طيباتِكم في حياتكم الدنيا واستَمْتعتم بها فيها؟!

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، قَرأ يزيدُ حتى بلغ: ﴿وَمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾: تعلَمون والله إن أقوامًا يشترطون (١) حسناتهم!

فاستَبْقَى رجلٌ طيباتِه إن استطاعَ، ولا قوةَ إلا بالله، ذكر أن عمر بن الخطابِ كان يقولُ: لو شئتُ كنتُ أطيبكم طعامًا وألينكم لباسًا، ولكنى أسْتَبْقى طَيَّباتي، وذكر لنا أنه لمَّا قدم الشامَ، صُنع له طعام لم يَرَ قبله مثلَه، قال: هذا لنا!

فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبَعون مِن خبزِ الشعير؟

قال خالد بن الوليدِ: لهم الجنة، فاغْرَوْرَقت عينا عمرَ، وقال: لئن كان حَظُّنا في الحُطامِ، وذهَبوا - قال أبو جعفرٍ: فيما أرَى أنا - بالجنةِ، لقد بايَنونا بَوْنًا بعيدًا (٢).

وذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ دخَل على أهلِ الصُّفَّةِ - مكانا يجتمع فيه فقراءُ المسلمين - وهم يَرْقَعون ثيابَهم بالأَدَمِ ما يجِدون لها رقاعًا، قال: "أنتم اليومَ خيرٌ، أو يومَ يَغْدُو أحدُكم في حلَّةٍ ويروح في أُخرى، ويُغْدَى عليه بجفنةٍ ويُراح عليه بأُخرى، ويُستَرُ بيتُه كما تُسترُ الكعبةُ؟

"، قالوا: نحن يومئذ خير، قال: "بل أنتم اليومَ خيرٌ" (١).

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: حدثنا صاحبٌ لنا عن أبي هريرةَ، قال: إنما كان طعامنا مع النبي ﷺ الأسودين (٢)؛ الماءَ والتمرَ، واللهِ ما كُنَّا نَرى سمراءَكم (٣) هذه، ولا نَدْرى ما (٤).

قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ، عن أبي بُرْدَةَ بن عبدِ اللَّهِ بن قيسٍ الأَشْعَريِّ، عن أبيه، قال: أي بنيَّ لو شهِدْتَنا مع رسول الله ﷺ ونحن مع نبيِّنا، إذا أصابَتنا السماءُ حسِبتَ أن ريحنا ريحُ الضَّأْنِ، إنما كان لباسُنا الصوفَ (٥).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ، ثم قرأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ [هود: ١٥].

وقرَأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠].

وقرَأ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى آخرِ الآية [الإسراء: ١٨]، وقال: هؤلاء الذين أذهَبوا طَيَّباتِهم في حياتهم الدنيا.

واختلفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿أَذْهَبْتُم طَيِّبَاتِكُمْ﴾؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: ﴿أَذْهَبْتُمْ﴾ بغير استفهامٍ، سِوى أبى جعفر القارئِ، فإنه قرأه بالاستفهام (١)، والعربُ تستفهم بالتوبيخِ، وتتركُ الاستفهام فيه، فتقولُ: أَذَهَبْتَ ففعلتَ كذا وكذا؟

وذهَبتَ ففعلت وفعلت؟

وأعجب القراءتين إلى ترك الاستفهام فيه؛ لإجماع الحجة من القرأة عليه، ولأنه أفصحُ اللغتَين.

وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، يقول تعالى ذكرُه: يقال لهم: فاليوم أيُّها الكافرون الذين أذهَبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ﴿تُجْزَوْنَ﴾ أي: تُتابون ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾، يعنى عذابَ الهَوانِ؛ وذلك عذابُ النارِ الذي يُهينُهم.

كما حدثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾، قال: الهَوانُ (١).

﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، يقولُ: بما كنتُم تَتكَبَّرون في الدنيا على ظهر الأرضِ، على ربِّكم، فتَأْبون أن تُخْلصوا له العبادةَ، وأن تُذْعِنوا لأمره ونَهْيِه، ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.

أي: بغيرِ ما أباحَ لكم ربُّكم، وأَذِن لكم به، ﴿وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، يقولُ: بما كنتُم فيها تُخالفون طاعته فتَعْصُونه.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ ﷺ: واذكر يا محمد لقومِك الرَّادِّين عليك ما جئتَهم به من الحقِّ - هودًا أخا عادٍ؛ فإن الله بعَثك إليهم كالذي بعثه إلى عادٍ، فخَوِّفهم أن يَحِلَّ بهم مِن نِقْمَةِ اللَّهِ على كفرهم ما حَلَّ بهم إذ كذَّبوا رسولنا هودًا إليهم، إذ أنذر قومه عادًا بالأحقافِ، والأحقافُ جمعُ حِقْفٍ، وهو من الرمل ما استطالَ ولم يبلُغ أن يكونَ جبلًا، وإياه عنى الأعشى (٢).

فَبَاتَ إِلى أَرْطَاةِ حِقْفٍ تَلُفُّه … خَرِيقُ شَمالٍ يَتْرُكُ الوَجْهَ أَقْتَما واختلف أهل التأويل في الموضع الذي به هذه الأحقافُ؛ فقال بعضهم: هي جبل بالشام.

ذكرُ مَن قال ذلك حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: الأحقافُ جبلٌ بالشام (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: جبلٌ يُسَمَّى الأحقاف (٢).

وقال آخرون: بل هي وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةَ (٣).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: فقال: الأحقافُ الذي أنذَر هودٌ قومه، وادٍ بينَ عُمانَ ومَهَرَةَ (٤).

حدثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كانت منازل عادٍ وجماعتهم حيثُ بعث الله إليهم هودًا، الأحقافَ؛ الرمل فيما بينَ عُمان إلى حَضرَمَوتَ، فاليمنِ كلِّه، وكانوا مع ذلك قد فَشَوا في الأرضِ كلِّها، قهروا أهلها بفضلِ قوَّتِهم التي أتاهم الله (٥).

وقال آخرون: هي أرضٌ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: الأحقافُ الأرضُ (١).

حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ: عن مجاهد: ﴿إِذ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: حِشَافٌ، أو كلمةٌ تُشْبِهُها، قال أبو موسى: يقولون: مُسْتَحْشِفٌ.

حدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ عن مجاهدٍ: ﴿إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: حِشَافٌ مِن حِسْمَى (٢) (٣).

وقال آخرون: هي رمالٌ مُشْرِفةٌ على البحرِ بالشِّحْرِ (٤).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمنِ أهلَ رملٍ مُشْرِفين على البحرِ، بأرض يقال لها: الشِّحْرُ.

حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: بَلَغنا أنهم كانوا على أرضٍ يقالُ لها: الشِّحْرُ، مُشرِفين على البحرِ، وكانوا أهلَ رملٍ (١).

حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبرنا عمرو بن الحارث، عن سعيدِ بن أبي هلالٍ، عن عمرِو بن عبدِ اللَّهِ، عن قتادةَ أنه قال: كان مساكن عادٍ بالشِّحْرِ.

وأولى الأقوال في ذلك بالصوابِ أن يقال: إن الله ﵎ أخبر أن عادًا أنذَرهم أخوهم هودٌ بالأحقافِ، والأحقافُ ما وصَفتُ مِن الرمالِ المستطيلةِ المشرفةِ، كما قال العَجَّاجُ (٢): باتَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ أَحْقَفا وكما حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَنَا عَادٍ إذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾، قال: الأحقافُ الرملُ الذي يكونُ كهيئة الجبل، تَدْعُوه العربُ الحِقْفَ، ولا يكونُ أحْقافًا إلا من الرملِ، قال: وأخو عاد هود (٣).

وجائزٌ أن يكونَ ذلك جبلًا بالشامِ، وجائزٌ أن يكونَ واديًا بين عُمانَ وحَضْرَموت.

وجائزٌ أن يكونَ الشِّحْرَ، وليس في العلمِ به أداء فرْضٍ، ولا في الجهل به تضييعُ واجبٍ، وأين كان فصفتُه ما وصفنا؛ من أنهم كانوا قوما منازلهم الرمالُ المُسْتَعْلِيةُ المستطيلة.

وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.

يقول تعالى ذكرُه: وقد مَضَت الرسلُ بإنذار أُمَمِها، ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾، يعنى: مِن قَبلِ هودٍ، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِ﴾، يعنى: ومِن بعدِ هود.

وقد ذُكر أن ذلك في قراءةِ عبدِ اللهِ: (وقد خلتِ النُّذُرُ مِن بين يَديْه ومِن بَعْدِه) (١).

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، يقولُ: لا تُشْرِكوا مع الله شيئًا في عبادتكم إيَّاه، ولكن أخْلِصوا له العبادة، وأفرِدوا له الألوهةَ؛ إنه لا إلهَ غيره، وكانوا، فيما ذُكِرَ، أهلَ أوثان يعبدونها مِن دونِ اللهِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا مُعاذ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، قال: لن يَبْعَثَ الله رسولًا إلا بأن يُعبد الله (٢).

وقوله: ﴿إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيلِ هودٍ لقومه: إنى أخافُ عليكم أيُّها القومُ بعبادتكم غيرَ اللهِ عذابَ اللهِ في يومٍ عظيمٍ، وذلك يومٌ يَعْظُمُ هَوْلُه، وهو يوم القيامة.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾.

يقول تعالى ذكره: قالت عادٌ لهودٍ إذ قال لهم: لا تعبدوا إلا الله إني أخافُ عليكم عذابَ يومٍ عظيمٍ: أجئتَنا يا هودُ لتَصْرِفَنا عن عبادةِ آلهتِنا إلى عبادةِ ما تَدْعُونا إليه، وإلى اتِّباعِك على قولِك؟

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾.

قال: لِتُزِيلَنا.

وقرَأ: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢].

قال: يُضِلُّنا ويُزِيلُنا ويَأْفِكُنا (١).

﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾: مِن العذابِ على عبادتِنا ما نعبدُ من الآلهةِ، إن كنتَ مِن أهلُ الصدقِ في قولِه وعِدَاتِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال هودٌ لقومِه عادٍ: إِنَّما العِلمُ بوقتِ مجيءِ ما أعِدُكم به من عذابِ اللهِ على كفرِكم به - عندَ اللهِ، لا أَعْلمُ عند الله، لا أعلمُ مِن ذلك إلا ما علَّمنى، ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾.

يقولُ: وإنما أنا رسولٌ إليكم مِن اللهِ، مُبَلِّغٌ أُبَلِّغُكم عنه ما أرسَلنى به من الرسالةِ، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ مواضِعَ حظوظِ أنفسِكم، فلا تعرِفون ما عليها مِن المَضَرَّةِ بعبادتِكم غيرَ اللهِ، وفي استعجالِ عذابِه.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا جاءَهم عذابُ اللهِ الذي استعجَلوه، فرأوه سحابًا عارضًا في ناحيةٍ مِن نَواحِى السماءِ مُستَقبِلَ أوديتِهم، والعربُ تُسَمِّي السحابَ الذي يُرَى في بعض أقطارِ السماءِ عَشِيًّا ثم يصبِحُ مِن الغدِ قد استوى وحَبَا (١) بعضُه إلى بعضٍ - عارِضًا؛ وذلك لعرضِه في بعضِ أرجاءِ السماءِ حينَ نشَأ، كما قال الأعشى (٢): يا مَنْ يَرَى عارِضًا قد بتُّ أَرْمُقُه … كأنما البَرْقُ في حَافَاتِه الشُّعَلُ ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.

ظَنًّا منهم برؤيتِهم إيَّاه أَن غَيْثًا قد أتاهم يَحْيَون به، فقالوا: هذا الذي كان هودٌ يَعِدُنا، وهو الغيثُ.

كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآية: ذُكِر لنا أنه (٣) حُبِس عنهم المطرُ زمانًا، فلمَّا رَأَوا العذابَ مُقْبِلًا، ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.

وذُكر لنا أنهم قالوا: كذَب هودٌ، كذَب هودٌ.

فلما خرَج نبيُّ اللهِ ﷺ فَشَامَه (٤)، قال: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ساقَ اللهُ السحابةَ السوداءَ التي اختارَ قَيْلُ بنُ عنزٍ بما فيها مِن النِّقْمَةِ إلى عادٍ، حتى تخرُجَ عليهم مِن وادٍ لهم يقالُ له: المُغِيثُ، فلما رَأوها استَبْشَروا وقالُوا: هذا عارِضٌ مُمطِرُنا.

يقولُ اللهُ ﷿: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).

وقولُه: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن قيلِ نبيِّه ﷺ هودٍ لقومِه - لمَّا قالوا له عندَ رؤيتِهم عارضَ العذابِ قد عرَض لهم في السماءِ: هذا عارضٌ مُمْطِرُنا نَحْيا به -: ما هو بعارضِ غيثٍ، ولكنه عارضُ عذابٍ لكم، بل هو ما استَعْجَلْتم به.

أي: هو العذابُ الذي استَعْجَلْتم به فقلتُم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.

﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

والريحُ مكررةٌ على ﴿مَا﴾ في قولِه: ﴿هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾.

كأنه قيل: بل هو ريحٌ فيها عذابُ أليمٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: كان هودٌ جلدًا في قومِه، وإنه كان قاعدًا في قومِه فجاء سحابٌ مُكْفَهِرٌ، فقالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.

فقال هودٌ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.

قال: فجاءت ريحٌ، فجعَلَتْ تُلْقِى الفسطاطَ، وتجيءُ بالرجلِ الغائبِ فتُلْقِيه (١).

حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال سليمانُ: ثنا أبو إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ، قال: لقد كانت الريحُ تحمِلُ الظعينةَ فترفَعُها حتى تُرَى كأنها جَرادةٌ.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال: هي الريحُ إذا أثارَت سحابًا.

قالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.

فقال نبيُّهم: بل ريحٌ فيها عذابٌ أليمٌ (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾.

وقولُه: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾.

يقولُ تعالى ذكره: تُخَرِّبُ كُلَّ شيءٍ، وتَرْمى بعضَه على بعضٍ فتُهْلِكُه، كما قال جريرٌ (٢): وكان لكم كَبكْرِ ثَمُودَ لمَّا … رغا ظُهْرًا فَدَمَّرَهُمْ دَمارا يعنى بقولِه: دمَّرهم: ألقَى بعضهم على بعضٍ صَرْعَى هَلْكَى.

وإنما عَنَى بقوله: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، مما أُرسِلَتْ بهلاكِه؛ لأنها لم تدمِّرْ هودًا ومَن كان آمَن به.

حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن زائدةَ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: ما أرسَل اللهُ على عادٍ مِن الريحِ إلا قدْرَ خاتَمى هذا.

فنزع خاتمَه (٣).

وقولُه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾.

يقولُ: فأصبَح قومُ هودٍ وقد هلَكوا وفَنَوْا، فلا يُرَى في بلادِهم شيءٌ إلا مساكنُهم التي كانوا يسكُنونها.

واختلفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (لا ترى إلَّا مَساكنَهم) بالتاءِ نصبًا (٤).

بمعنى: فأصبَحوا لا تَرَى أنت يا محمدُ إلا مساكنَهم.

وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ بالياءِ في: ﴿يُرَى﴾، ورفعِ "المساكنِ" (١).

بمعنى ما وصَفتُ قبلُ أنه لا يُرَى في بلادِهم شيءٌ إلا مساكنُهم.

وروى الحسنُ البصريُّ: (لا تُرَى) بالتاءِ (٢).

وبأيِّ القراءتَين اللتين ذكَرتُ من قراءةِ أهلِ المدينةِ والكوفةِ قرَأ ذلك القارئُ فمصيبٌ، وهو القراءةُ برفعِ "المساكنِ" إذا قُرئ قولُه: ﴿يُرَى﴾ بالياءِ وضمِّها، وبنصبِ "المساكنِ" إذا قُرئ قولُه: (تَرَى) بالتاءِ وفتحِها.

وأما التي حُكيت عن الحسنِ فهي قبيحةٌ في العربيةِ، وإن كانت جائزةً، وإنما قبُحَت لأن العرب تُذَكِّرُ الأفعالَ التي قبلَ "إِلَّا" وإن كانت الأسماءُ التي بعدَها أسماءَ إناثٍ، فتقولُ: ما قامَ إلا أختُك، ما جاءَني إلا جاريتُك.

ولا يَكادون يقولون: ما جاءتْني إلا جاريتُك.

وذلك أن المحذوفَ قبلَ (إِلَّا): "أحدٌ" أو "شيءٌ"، و "أحدٌ" و "شيء" تُذَكِّرُ فعلهما (٣) العربُ وإِن عُنِي بهما المؤنثُ، فتقولُ: إن جاءك منهنَّ أحدٌ فأكرِمْه.

ولا يقولون: إن جاءتْك.

وكان الفرَّاءُ (٤) يجيزُها على الاستكراهِ، ويذكرُ أن المفضَّلَ أنشَده: ونارُنا لم تُرَ نارًا مِثْلُها … قد عَلِمَت ذَاكَ مَعَدٌّ أَكْرَمَا فأنَّث فعْل "مِثل"؛ لأنه للنارِ.

قال: وأجودُ الكلامِ أن تقولَ: ما رُئِى مثلُها.

وقولُه: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: كما جَزَينا عادًا بكفرِهم باللهِ من العقابِ في عاجلِ الدنيا، فأهلَكْناهم بعذابِنا، كذلك نَجْزِى القومَ الكافرين باللهِ مِن خلقِنا، إذا تَمادَوا في غَيِّهم، وطَغَوا على ربِّهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ: ولقد مَكَّنَّا أَيُّها القومُ عادًا الذين أهلَكناهم بكفرِهم، فيما لم تُمكِّنْكم فيه مِن الدنيا، وأعطَيناهم منها الذي لم تُعْطِكم منها؛ من كثرةِ الأموالِ، وبسطةِ الأجسامِ، وشدةِ الأبدانِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾.

يقولُ: لم نُمَكِّنْكم (١).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾: أنبَأكم أنه أعطَى القومَ ما لم يُعْطِكم.

وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا﴾ يسمَعون به مواعظَ ربِّهم، ﴿وَأَبْصَارًا﴾ يُبصِرون بها حُجَجَ اللهِ، ﴿وَأَفْئِدَةً﴾ يَعقِلون بها ما يضرُّهم وينفعُهم، ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.

يقولُ: فلم ينفعْهم ما أعْطاهم مِن السمعِ والبصرِ والفؤادِ؛ إذ لم يستعمِلوها فيما أُعْطُوها له، ولم يُعْمِلوها فيما يُنَجِّيهم مِن عقابِ اللهِ، ولكنهم استعملوها فيما يُقَرِّبُهم مِن سَخَطِه؛ ﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.

يقولُ: إذ كانوا يُكذِّبون بحُجَجِ اللهِ، وهم رُسُلُه، ويُنْكِرون نبوَّتَهم، ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.

يقولُ: وعادَ عليهم ما استَهْزَءوا به، ونزَل بهم ما سَخِروا به فاستَعْجَلوا به من العذاب.

وهذا وعيدٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لقريشٍ، يقولُ لهم: فاحْذَروا أن يحِلَّ بكم من العذابِ على كفرِكم باللهِ وتَكْذيبكم رُسُلَه - ما حَلَّ بعادٍ، وبادروا بالتوبة قبلَ النِّقْمَةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لكفارِ قريشٍ، مُحذِّرَهم بأسَه وسَطْوتَه أن يَحِلَّ بهم على كفرِهم: ولقد أهْلَكْنا أيُّها القومُ مِن القُرَى ما حولَ قريتِكم، كحِجْرِ ثمودَ، وأرضِ سَدُومَ، ومأرِبَ، ونحوِها، فأنذَرْنا أهلَها بالمَثُلاتِ، وخَرَّبنا ديارَها، فجعَلناها خاويةً على عروشِها.

وقولُه: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾.

يقولُ: ووَعَظْناهم بأنواعِ العِظاتِ، وذكَّرْناهم بضُرُوبٍ مِن الذِّكْرِ والحَجَجِ، وبَيَّنَّا لهم ذلك.

كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾.

قال: بَيَّناها.

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

يقولُ: ليرجعِوا عما كانوا عليه مُقِيمين، مِن الكفرِ باللهِ وآياتِه.

وفى الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه، وهو: فأبَوا إلا الإقامةَ على كفرِهم، والتمادىَ في غَيِّهم، فأهلَكْناهم، فلن ينصرَهم مِنَّا ناصرٌ.

يقولُ جلَّ ثناؤُه: فلولا نصَر هؤلاء الذين أهلكناهم من الأممِ الخاليةِ قبلَهم أوثانُهم وآلهتُهم التي اتَّخَذوا عبادتَها قُرْبانًا يتقرَّبون بها، فيما زعَموا، إلى ربِّهم - مِنَّا، إذ جاءهم بأسُنا، فتُنْقِذَهم من عذابِنا إن كانت تشفعُ لهم عندَ ربِّهم كما يزعُمُون.

وهذا احتجاجٌ مِن اللهِ لنبيِّه محمدٍ ﷺ على مشركي قومِه، يقولُ لهم: لو كانت آلهتُكم التي تعبُدون مِن دونِ اللهِ تُغْنى عنكم شيئًا، أو تنفعُكم عندَ اللهِ، كما تزعمُون أنكم إنما تعبُدونها لتُقَرِّبَكم إلى اللهِ زُلْفَى - لأغْنَت عمن كان قبلكم مِن الأممِ التي أهلكتُها بعبادتِهم إيَّاها، فدَفَعَت عنها العذابَ إذا نزَل، أو لشفَعَت لهم عندَ ربِّهم، فقد كانوا مِن عبادتِها على مثلِ الذي عليه أنتم، ولكنها ضَرَّتْهم ولم تنفعْهم.

يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾.

يقولُ: بل تركَتهم آلهتُهم التي كانوا يعبُدونها، فأخَذَت غير طريقِهم؛ لأنَّ عَبَدَتَها هلَكت، وكانت هي حجارةً أو نُحاسًا، فلم يُصِبْها ما أصابَهم، ودَعَوها فلم تُجِبْهم، ولم تُغِثْهم، وذلك ضلالُها عنهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾.

يقولُ ﷿: هذه الآلهةُ التي ضَلَّت عن هؤلاء الذين كانوا يعبُدونها من دونِ اللهِ، عندَ نُزُولِ بأسِ اللهِ بهم، وفي حالِ طمعِهم فيها أن تُغِيثَهم، فخَذَلَتهم - هو ﴿إِفْكُهُمْ﴾.

يقولُ: هو كذِبُهم الذي كانوا يَكذِبون ويقولون: هؤلاء آلهتُنا.

﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.

يقولُ: وهو الذي كانوا يَفْتَرون فيقولون: هي تُقَرِّبُنا إلى اللهِ زُلْفى، وهى شفعاؤُنا عندَ اللهِ.

وأُخرج الكلامُ مُخرجَ الفعلِ، والمَعْنيُّ المفعولُ به، فقيل: وذلك إفْكُهم.

والمَعْنيُّ فيه: المأفُوكُ به؛ لأنَّ الإفكَ إنما هو فعْلُ الآفِكِ، والآلهةُ مأفوكٌ بها.

وقد مضَى البيانُ عن نظائرِ ذلك قبلُ.

قال: وكذلك قولُه: ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ بكسرِ الألفِ، وسكونِ الفاءِ، وضمِّ الكافِ، بالمعنى الذي بَيَّنَّا.

ورُوِى عن ابن عباسٍ ﵁ في ذلك ما حدَّثني أحمدُ بنُ يوسفَ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن عوفٍ، عمَّن حدَّثه، عن ابن عباسٍ، أنه كان يقرؤُها: (وذلك أَفَكَهُمْ).

يعنى: بفتحِ الألفِ والكافِ، وقال: أضَلُّهم (١).

فمَن قرَأ القراءةَ الأولى التي عليها قرَأةُ الأمصارِ، فالهاءُ والميمُ في موضعِ خفضٍ.

ومَن قرَأ هذه القراءةَ التي ذكَرناها عن ابن عباسٍ، فالهاءُ والميمُ في موضعِ نصبٍ؛ وذلك أن معنى الكلامِ على ذلك: وذلك صَرَفَهم عن الإيمانِ باللهِ.

والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا القراءةُ التي عليها قرَأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحُجَّة عليها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُقَرِّعًا كفارَ قريشٍ بكفرِهم بما آمَنت به الجنُّ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾.

ذُكِر أنهم صُرِفوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ بالحادثِ الذي حدَث من رجْمِهم بالشُّهُبِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مُغِيرةً، عن زيادٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: كانت الجنُّ تَسْتَمِعُ، فلما رُجِموا قالوا: إنَّ هذا الذي حدث في السماءِ لشيءٍ حدَثَ في الأرضِ، فذهَبوا يَطْلُبون، حتى رأَوا النبيَّ ﷺ خارِجًا من سوقِ عكاظٍ يُصلِّى بأصحابِه الفجرَ، فذهَبوا إلى قومِهم.

حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، قال: لما بُعث النبيُّ ﷺ حُرِسَت السماءُ، فقال الشيطانُ: ما حُرِسَت إلا لأمرٍ قد حدَث في الأرضِ، فبعَث سراياه في الأرضِ، فوجَدوا النبيَّ ﷺ قائمًا يُصَلِّي صلاة الفجرِ بأصحابه بنَخْلَةً (١) وهو يَقْرَأُ، فاستمعوا حتى إذا فرَغ ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى قولِه: ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ إلى آخرِ الآيةِ.

قال: لم تَكُنِ السماءُ تُحْرَسُ في الفترةِ بينَ عيسى ومحمدٍ صلَّى اللهُ عليهما، وكانوا يَقْعُدون مقاعِدَ للسمْعِ، فلمَّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ حُرِست السماءُ حَرَسًا شديدًا ورُجِمت الشياطينُ، فأنكَروا ذلك، وقالوا: ﴿لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠].

فقال إبليسُ: لقد حدَث في الأرضِ حدَثٌ.

واجتمَعت إليه الجنُّ، فقال: تفرَّقوا في الأرضِ، فأَخْبِرُونى ما هذا الخبرُ الذي حدَثٌ في السماءِ.

وكان أولَ بعْثٍ ركبٌ من أهلِ نَصِيبينَ (٣)، وهى أشرافُ الجنِّ وساداتُهم، فبعَثهم اللهُ إلى تِهامةَ فاندفَعوا حتى بلَغوا الوادِيَ؛ وادىَ نخلةَ، فوجَدوا نبيَّ الله ﷺ يُصَلِّى صلاةَ الغداةِ ببطنِ نخلةَ، فاستمَعوا، فلما سمِعوه يتلو القرآنَ قالوا: ﴿أَنْصِتُوا﴾، ولم يَكُنْ نبيُّ اللهِ ﷺ علِم أنهم استمَعوا إليه وهو يَقْرَأُ القرآنَ، ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (٤).

واختَلف أهلُ التأويلِ في مبلَغِ عددِ النفَرِ الذين قال اللهُ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾؛ فقال بعضُهم: كانوا سبعةَ نفَرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ، قال: ثنا [النضرُ بنُ عربيٍّ] (١)، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية.

قال: كانوا سبعةً نَفَرٍ مِن أهلِ نَصِيبين، فجعَلهم رسولُ اللهِ ﷺ رُسُلًا إلى قومهم (٢).

وقال آخرون: بل كانوا تسعةَ نفَرٍ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: كانوا تسعةَ نفَرٍ، فيهم زَوْبعةُ (٣).

حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زِرِّ بن حُبَيشٍ، قال: أُنزِل على النبيِّ ﷺ وهو ببطن نخلةَ، ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾، قال: كانوا تسعةً، أحدُهم زَوْبَعَةُ (٤).

وقولُه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾.

يقولُ: فلمَّا حضر هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ الذين صرَفهم اللهُ إلى رسولِه نبيِّ اللهِ ﷺ.

واختَلف أهلُ العلمِ في صفةِ حُضُورِهم كان (١) رسولَ اللهِ ﷺ؛ فقال بعضُهم: حضَروا رسولَ اللهِ ﷺ يَتَعرَّفون الأمرَ الذي حدَث مِن قِبَلِه ما حدَث في السماءِ، ورسولُ اللهِ ﷺ لا يَشْعُرُ بمكانِهم، كما قد ذكَرنا عن ابن عباسٍ قبلُ.

وكما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: ما شعَر بهم رسولُ اللهِ ﷺ حتى جاءوا، فأوحَى اللهُ ﷿ إليه فيهم، وأخبَر عنهم.

وقال آخرون: بل أُمِر نبيُّ اللهِ ﷺ أن يَقْرَأَ عليهم القرآنَ، وأنما جُمِعوا له بعدَ أن تقدَّمَ اللهُ إليه بإنذارِهم، وأمَره بقراءةِ القرآنِ عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾.

قال: ذُكِر لنا أنهم صُرِفوا إليه من نِينَوَى.

قال: فإن نبيَّ اللهِ - صلى الله عليه وسل - قال: "إنى أُمِرْتُ أن أقرَأَ القرآنَ على الجنِّ، فأيُّكم يَتْبَعُنى؟

" فأطرَقوا، ثم استتبَعَهم فأطرَقوا، ثم استتَبعهم الثالثةَ فأطرَقوا، فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ [إنك لذو بَدِيئةٍ] (٢).

فاتَّبَعَه عبدُ الله بنُ مسعودٍ، فدخَل رسولُ اللهِ ﷺ شِعْبًا يُقالُ له شِعبُ الحَجُونِ.

قال: وخَطَّ نبيُّ اللهِ ﷺ على عبدِ اللهِ خَطًّا ليُثْبِتَه (٣) به.

قال: فجعَلتْ تهوِى بى، وأرى أمثالَ النُّسورِ تَمْشِي في دُفوفِها، وسمِعتُ لَغَطًا شديدًا، حتى خِفْتُ على نبيِّ اللهِ ﷺ، ثم تلا القرآنَ، فلما رجع نبيُّ اللهِ قلتُ: يا يا نبيَّ اللهِ، ما اللغَطُ الذي سمِعتُ؟

قال: "اجتمَعوا إليَّ في قتيلٍ كان بينَهم".

فقَضَى بينَهم بالحقِّ (١).

ذُكِر لنا (٢) أن ابنَ مسعودٍ لما قدِم الكوفةَ رأى شيوخًا شُمْطًا من الزُّطِّ فراعُوه (٣)، قال: مَن هؤلاء؟

قالوا: هؤلاء نفرٌ مِن الأعاجمِ، قال: ما رأيتُ لِلَّذين قرَأ عليهم النبيُّ ﷺ الإسلامَ من الجنِّ شَبَهًا أدنى من هؤلاء.

حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة أن نبيَّ اللهِ ﷺ ذهَب وابنُ مسعودٍ ليلة دعا الجنَّ، فخطَّ النبيُّ ﷺ على ابن مسعودٍ خطًّا، ثم قال له: "لا تَخْرُج منه".

ثم ذهَب النبيُّ ﷺ إلى الجنِّ، فقرَأ عليهم القرآنَ، ثم رجَع إلى ابن مسعودٍ فقال: "هل رأَيْتَ شيئًا؟

".

قال: سمِعتُ لَغَطًا شديدًا.

قال: "إن الجنَّ تدارَأت في قتيلٍ قُتِل بينَها".

فقَضَى بينهم بالحقِّ، وسألوه الزادَ، فقال: "كلُّ عَظمٍ لكم عَرْقٌ، وكلُّ رَوْثٍ لكم خَضِرةٌ".

قالوا: يا رسولَ اللهِ تُقذِّرها الناسُ علينا.

فنهَى النبيُّ ﷺ أن يُسْتَنْجَى بأحدِهما.

فلما قدِم ابن مسعودٍ الكوفةَ رأى الزُّطِّ، وهم قومٌ طِوالٌ سودٌ، فأفزَعوه، فقال: أظَهَروا؟!

فقيل له: إن هؤلاء قومٌ من الزُّطِّ.

فقال: ما أشبَههم بالنفرِ الذين صُرِفوا إلى النبيِّ ﷺ (٤).

قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمرِو بن غَيلانَ الثقفيِّ، أنه قال لابنِ مسعودٍ: حُدِّثتُ أنك كنتَ مع رسولِ اللهِ ﷺ ليلةَ وفْدِ الجنِّ.

قال: أجَلْ، قال: فكيفَ كان؟

فذكر الحديثَ كلَّه، وذكَر أن النبيَّ ﷺ خطَّ عليه خطًّا وقال: "لا تَبْرَحْ منها".

فذكَر أن مثلَ العَجاجةِ (١) السوداءِ غشِيَت رسولَ اللهِ ﷺ، فذُعِر ثلاثَ مرَّاتٍ، حتى إذا كان قريبًا من الصبحِ أتاني النبيُّ ﷺ، فقال: "أنِمْتَ؟

قلتُ: لا والله، ولقد همَمتُ مِرارًا أن أَسْتَغِيثَ بالناسِ، حتى سمِعتُك تَقْرَعُهم بعصاك، تقولُ: "اجلِسوا".

قال: "لو خرَجتَ لم آمَنْ أن يتخطَّفَك (٢) بعضُهم".

ثم قال: "هل رأيْتَ شيئًا؟

".

قال: نعمْ، رأيتُ رجالًا سودًا مُسْتَثْفِرى (٣) ثِيابٍ بياضٍ.

قال: "أولئكِ جنُّ نَصِيبينَ، سألوني المتاعَ - والمتاعُ الزادُ - فمتَّعتُهم بكلِّ عظْمٍ حائلٍ (٤) أو بعْرةٍ أو رَوْثةٍ".

فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وما يُغنى ذلك عنهم؟

قال: "إنهم لا يجِدون عَظْمًا إِلَّا وجَدوا عليه لحمَه يومَ أُكِل، ولَا رَوْثَةً إلا وجَدوا فيها حَبَّها يومَ أُكِلتْ، فلا يَسْتَنقِيَنَّ أَحدٌ منكم إذا خرَج من الخلاءِ بعظْمٍ ولا بَعْرةٍ ولا رَوْثةٍ" (٥).

حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: أخبَرنا أبو زُرْعةً وهبُ اللهِ بنُ راشدٍ، قال: قال، يونسُ، قال ابن شهابٍ: أخبَرنى أبو عثمانَ بنُ سَنَّةَ (٦) الخزاعيُّ - كان من أهلِ الشامِ - أنَّ ابنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لأصحابِه وهو بمكةَ: "من أحبَّ منكم أن يَحْضُرَ أمرَ الجنِّ الليلةَ فليَفْعَلْ".

فلم يَحْضُرُ منهم أحدٌ غيرِى.

قال: فانطلَقْنا حتى إذا كنَّا بأعلى مكةَ خطَّ لى برجلِه خطًّا، ثم أمَرني أن أجْلِسَ فيه، ثم انطلَق حتى قامَ، فافتتَح القرآنَ، فغشِيتْه أسْوِدَةٌ كثيرةٌ (١) حالت بيني وبينَه حتى ما أسْمَعُ صوتَه.

ثم طفِقوا يتَقَطَّعون مثلَ قِطعِ السحابِ ذاهبين، حتى بقِىَ منهم رهطٌ، ففرَغ رسولُ اللهِ ﷺ مع الفجر، فانطلَق مُتَبرِّزًا، ثم أتاني فقال: "ما فعَل الرَّهْطُ؟

" قلتُ: هم أولئك يا رسولَ اللهِ.

فأخَذ عظْمًا أو روْثًا أو حُمَمَةً (٢)، فأعطاهم إياه زادًا، ثم نهَى أن يَسْتطِيبَ أحدٌ بعظمٍ أو روثٍ (٣).

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنا عمى عبدُ اللهِ بنُ وهبٍ، قال: أخبَرنى يونسُ، عن ابن شهابٍ، عن أبي عثمانَ بن سَنَّةَ (٤) الخُزاعيِّ - وكان من أهلِ الشامِ - أن عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ.

فذكَر مثلَه سواءً، إلا أنه قال: فأعطاهم رَوْثًا أو عظمًا زادًا.

ولم يَذْكُرِ الحَمَمَةَ (٥).

حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن وهبٍ، قال: ثنى عمي، قال: أخبَرني يونسُ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد اللهِ، أن ابن مسعودٍ قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "بِتُّ الليلةَ أقرَأُ على الجنِّ رُبُعًا بالحَجُونِ" (٦).

واختلَفوا في الموضعِ الذي تَلا عليهم رسولُ اللهِ ﷺ فيه القرآنَ؛ فقال عبدُ اللهِ ابن مسعودٍ: قرَأ عليهم بالحَجُونِ.

وقد ذكَرْنا الروايةَ عنه بذلك.

وقال آخرون: قرَأ عليهم بنَخلةَ.

وقد ذكَرْنا بعضَ مَن قال ذلك، ونَذْكُرُ مَن لم نَذْكُرْه.

حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا خلادٌ، عن زهيرِ بن معاويةَ، عن جابرٍ الجُعْفيِّ، عن عكرمةً، عن ابن عباسٍ، أن النَّفَرَ الذين أتَوا رسولَ اللهِ ﷺ من جنِّ نَصِيبينَ أتَوه وهو بنَخلةَ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾.

قال: لقِيَهم بنَخلةَ ليلتَئذٍ (٢).

وقولُه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا حضَروا القرآنَ ورسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ، قال بعضُهم لبعضٍ: أَنصِتوا لنَسْتَمِعَ القرآنَ.

كما حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾.

قالوا: صَهٍ (٣).

قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن زرٍّ بن حبُيَشٍ مثلَه (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾: قد علِم القومُ أنهم لن يَعْقِلوا حتى يُنْصِتوا.

وقولُه: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾.

يقولُ: فلما فرَغ رسولُ اللهِ ﷺ من القراءةِ وتلاوةِ القرآنِ.

وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾.

يقولُ: فلما فرَغ من الصلاةِ، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.

وقولُه: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾.

يقولُ: انصرَفوا مُنذِرين عذابَ اللهِ على الكفرِ به.

وذُكِر عن ابن عباسٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ جعلهم رُسُلًا إلى قومِهم.

حدَّثنا بذلك أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، قال: ثنا النضرُ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ (١).

وهذا القولُ خلافُ القولُ الذي رُوِى عنه أنه قال: لم يَكُنْ نبيُّ اللهِ ﷺ علِم أنهم استمعوا إليه وهو يَقْرَأُ القرآنَ (٢).

لأنَّه محالٌ أن يُرْسِلَهم إلى آخرِين إلا بعدَ علمِه بمكانِهم.

إلا أن يُقالَ: لم يَعْلَمْ بمكانِهم في حالِ استماعِهم للقرآنِ، ثم علِم بعدُ قبلَ انصرافِهم إلى قومِهم، فأرسَلهم رُسُلًا حينَئذٍ إلى قومِهم، وليس ذلك في الخبرِ الذي رُوِى.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هؤلاء الذين صُرِفوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ من الجنِّ لقومِهم لمَّا انصرَفوا إليهم من عندِ رسولِ اللهِ ﷺ: يا قومَنا من الجنِّ، إِنَّا سمِعْنا كتابًا أُنزِل من بعدِ كتابِ موسى، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.

يقولُ: يُصَدِّقُ ما قبلَه من كتبِ اللهِ التي أنزَلها على رُسُلِه.

وقولُه: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾.

يقولُ: يُرْشِدُ إلى الصوابِ ويَدُلُّ على ما فيه للهِ رضًا، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

يقولُ: وإلى طريقٍ لا اعْوجاجَ فيه، وهو الإسلامُ.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه قرأ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.

فقال: ما أسرَعَ ما عقَل القومُ!

ذُكِر لنا أنَّهم صُرِفوا إليه من نِينَوَى (١).

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مُخبِرًا عن قيلِ هؤلاء النَّفَرِ من الجنِّ لقومِهم: يا قومَنا من الجنِّ، ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾.

قالوا: أجِيبوا رسولَ اللهِ محمدًا إلى ما يَدْعوكم إليه من طاعةِ اللهِ، ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾.

يقولُ: وصَدَّقوه فيما جاءكم به وقومَه من أمرِ اللهِ ونهيِه وغيرِ ذلك مما دعاكم إلى التصديقِ به، ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾.

يقولُ: يَتَغَمَّد لكم ربُّكم من ذنوبِكم فيَسْتُرُها عليكم (٢) ولا يَفْضَحُكم بها في الآخرةِ، بعقوبتِه إيَّاكم عليها، ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.

يقولُ: ويُعِذْكم (٣) من عذابٍ موجعٍ إذا أنتم تُبْتُم من ذنوبِكم، وأنَبتم من كفرِكم إلى الإيمانِ باللهِ وبداعِيه.

وقولُه: ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ هؤلاء النَّفَرِ لقومِهم: ومَن لا يُجِبْ أَيُّها القومُ رسولَ اللهِ ﷺ محمدًا وداعيَه إلى ما بعَثه بالدعاءِ إليه؛ من توحيدِه والعملِ بطاعتِه، ﴿فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾.

يقولُ: فليس بمعجِزٍ ربَّه بهربِه، إذا أراد عقوبتَه على تكذيبِه داعيَه وترْكِه تصديقَه، وإِنْ ذهَب في الأرضِ هاربًا؛ لأنه حيثُ كان فهو في سلطانِه وقبضتِه، ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾.

يقولُ: وليس لمن لم يُجِبْ داعيَ اللهِ من دونِ ربِّه نُصراءُ يَنْصُرونه من اللهِ، إذا عاقبه ربُّه على كفرِه به وتكذيبِه داعيَه.

وقولُه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.

يقولُ: هؤلاء الذين [لا يُجِيبون] (١) داعيَ اللهِ فيُصَدِّقوا به وبما دعاهم إليه من توحيدِ اللهِ والعملِ بطاعتِه - في جَوْرٍ عن قصدِ السبيلِ، وأخذٍ على غيرِ استقامةٍ، ﴿مُبِينٍ﴾.

يقولُ: يَبِينُ لمن تأمَّله أنه ضلالٌ وأخْذٌ على غيرِ قصدٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: أو لم يَنْظُر هؤلاء المُنكِرون إحياءَ اللهِ خلقَه مِن بعدِ وفاتِهم، وبعثَه إيَّاهم من قبورِهم بعدَ بِلاهم القائلون لآبائِهم وأمهاتِهم: ﴿أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فلم يُبْعَثوا - بأبصارِ قلوبِهم، فيَرَوا ويَعْلَموا أنَّ الله الذي خلَق السماواتِ السبعَ والأرضَ، فابتدعهُنَّ من غيرِ شيءٍ، ولم يَعْىَ بإنشائِهن فيَعْجِزَ عن اختراعِهن وإحداثِهن، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فيُخْرِجَهم مِن بعدِ بِلاهم في قبورِهم أحياءً كهيئتِهم قبلَ وفاتِهم.

واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ الباءِ في قولِه: ﴿بِقَادِرٍ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: هذه الباءُ كالباءِ في قولِه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [الرعد: ٤٣، الإسراء: ٩٦، العنكبوت: ٥٢].

وهو مِثلُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠].

وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ (١): دخَلت هذه الباءُ لـ "لَمْ".

قال والعربُ تُدْخِلُها مع الجحودِ إذا كانت رافعةً لما قبلَها، وتُدْخِلُها إذا وقَع عليها فعلٌ يَحْتَاجُ إلى اسمين، مثلَ قولِك: ما أظنُّك بقائمٍ، وما أظنُّ أنك بقائمٍ، وما كنتَ بقائمٍ.

فإذا خَلَعْت الباءَ نصَبْت الذي كانت تعملُ فيه [بما يعملُ فيه] (٢) من الفعلِ.

قال: ولو أُلْقِيت الباءُ من "قادرٍ" في هذا الموضعِ رفع؛ لأنه خبرٌ لـ "أن".

قال: وأنشَدني بعضُهم: فما رجَعت بخائبةٍ (٣) ركابٌ … حَكِيمُ بنُ المسيَّبِ مُنْتَهاها فأدخَل الباءَ في فعلٍ لو أُلقيت منه نُصِب (٤) بالفعلِ لا بالباءِ، يُقاسُ على هذا ما أشبَهه.

وقال بعضُ مَن أنكَر قولَ البصريِّ الذي ذكَرْنا قولَه: هذه الباءُ دخَلت للجحدِ؛ لأنَّ المجحودَ في المعنى - وإن كان قد حال بينَهما بـ "أَنَّ" -: أَوَ لَمْ يَروا أَنَّ الله قادرٌ على أن يُحْيِيَ المَوْتَى.

قال: فـ "أن" اسمُ "يَرَوا"، وما بعدَها في صلتِها، ولا تَدْخُلُ فيه الباءُ، ولكنَّ معناه جَحْدٌ، فدخَلت للمعنى.

وحُكِى عن البصريِّ أنه كان يَأبَى إدخالَ "إلَّا"، وأنَّ النحويين من أهلِ الكوفةِ يُجيزونه، ويَقولون: ما ظننتُ أنَّ زيدًا إلَّا قائمًا، وما ظننتُ أنَّ زيدًا بعالمٍ.

ويُنْشِدُ: ولستُ بحالفٍ لَوَلَدْتُ مِنهم … على عمِّيَّةٍ إِلَّا زيادا قال: فأدخل "إلَّا" بعدَ جوابِ اليمينِ.

قال: فأمَّا: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾.

فهذه لم تَدْخُلْ إِلَّا لمعنًى صحيحٍ، وهي للتعجُّبِ، كما تقولُ: لظَرُفَ بزيدٍ.

قال: وأمَّا: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾.

فأجمَعوا على أنها صلةٌ.

وأشبهُ الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: دخَلت الباءُ في قولِه: بِقَدِرٍ للجَحْدِ؛ لما ذكرنا لقائلي ذلك من العِلل.

واختلَفت القرَأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿بِقَادِرٍ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرَأةِ الأمصارِ غيرَ أبي إسحاقَ والجَحْدَريِّ والأعرجِ: ﴿بِقَادِرٍ﴾.

وهى الصحيحةُ عندَنا؛ لإجماعِ قرَأةِ الأمصارِ عليها.

وأما الآخرون الذين ذكَرْتُهم فإنهم فيما ذُكِر عنهم كانوا يَقْرَءُون ذلك: (يقدِرُ) بالياءِ (١).

وقد ذُكِر أنه في قراءةِ عبد اللهِ بن مسعودٍ: (أنَّ الله الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ قادرٌ) بغيرِ باءٍ (٢).

ففى ذلك حجةٌ لمن قرَأه: ﴿بِقَادِرٍ﴾ بالباءِ والألفِ.

وقولُه: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: بلى، يَقْدِرُ الذي خلَق السماواتِ والأرضَ على إحياءِ الموتى.

أي: الذي خلَق ذلك على كلِّ شيءٍ شاء خلْقَه وأراد فعْلَه، ذو قدرةٍ لا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه، ولا يُعْيِيه شيءٌ أراد فِعْلَه فيُعييَه إنشاءُ الخلقِ بعدَ الفناءِ؛ لأن مَن عجَز عن ذلك فضعيفٌ، فلا يَنْبَغى أن يكونَ إلهًا من كان عمَّا أراد ضعيفًا.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: ويومَ يُعْرَضُ هؤلاء المكذِّبون بالبعثِ وثوابِ اللهِ عبادَه على أعمالِهم الصالحةِ، وعقابِه إياهم على أعمالِهم السيئةِ - على النارِ، نارِ جهنمَ، يُقالُ لهم حينَئذٍ: أليس هذا العذابُ الذي تُعذَّبونه اليومَ، وقد كنتم تُكَذِّبون به في الدنيا - بالحقِّ؟

توبيخًا من اللهِ لهم على تكذيبِهم به كان في الدنيا، ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.

يقولُ: فيُجِيبُ هؤلاء الكفرةُ من فورِهم بذلك، بأن يَقولوا: بلى، هو الحقُّ واللهِ، ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.

يقولُ: فقال لهم المقرِّرُ بذلك: فذوقوا عذابَ النارِ الآنَ؛ بما كنتم تَجْحَدونه في الدنيا وتُنْكِرُونه، وتَأْبون الإقرار إذا دُعيتم إلى التصديقِ به.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ، مُثَبِّتَه على المُضِيِّ لما قلَّده من عِبْءِ الرسالةِ وثقلِ أحمالِ النبوَّةِ ﷺ، وآمِرَه بالائتساءِ في العزمِ على النفوذِ لذلك بأُولِى العزمِ من قبلِه من رسلِه الذين صبَروا على عظيمِ ما لَقُوا فيه من قومِهم من المكارِه، ونالهم فيه منهم من الأذى والشدائدِ: ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ على ما أصابك في اللهِ من أذى مكذِّبيك من قومِك الذين أرسَلْناك إليهم بالإنذارِ، ﴿كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾ على القيامِ بأمرِ اللهِ، والانتهاءِ إلى طاعتِه، من رسلِه الذين لم يَنْهَهم عن النفوذِ لأمرِه ما نالهم فيه من شدَّةٍ.

وقيل: إن أُولى العزم منهم كانوا الذين امتُحِنوا في ذاتِ اللهِ في الدنيا بالمحنِ، فلم تَزِدْهم المحنُ إلا جِدًّا في أمرِ اللهِ، كنوحٍ وإبراهيمَ وموسى ومن أشبَهَهم.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى ثوابةُ بنُ مسعودٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ أنه قال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى ومحمدٌ صلَّى اللهُ عليهم وسلَّم.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾: كنا نحدَّثُ أن إبراهيمَ كان منهم (١).

وكان ابن زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: كلُّ الرسلِ كانوا أولى عزمٍ، لم يَتَّخِذِ اللهُ رسولًا إلا كان ذا عزمٍ، فاصبِرْ كما صبَروا.

حدَّثنا ابن سنانٍ القزازُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ رجاءٍ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾.

قال: سمَّاه اللهُ من شدتِه العزمَ.

وقولُه: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾.

يقولُ: ولا تَسْتَعْجِلُ عليهم العذابَ.

يقولُ: لا تَعْجَلْ بمسألتِك ربَّك ذلك لهم، فإن ذلك نازلٌ بهم لا محالةَ، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، يقولُ: كأنهم يومَ يَرون عذابَ اللهِ الذي يَعِدُهم أنه منزلُه بهم، لم يَلْبَثوا في الدنيا إلا ساعةً من نهارٍ؛ لأنه يُنْسِيهم شَدَّهُ ما يَنْزِلُ بهم من عذابِه قدر ما كانوا في الدنيا لبِثوا، ومبلغَ ما فيها مكَثوا من السنين والشهورِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢، ١١٣].

وقولُه: ﴿بَلَاغٌ﴾.

فيه وجهان؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: لم يَلْبَثوا إلا ساعةً من نهارٍ، ذلك لُبْثُ بلاغٍ.

بمعنى: ذلك بلاغٌ لهم في الدنيا إلى أجلِهم.

ثم حُذِفت: ذلك لُبْثُ.

وهى مرادةٌ في الكلامِ؛ اكتفاءً بدلالةِ ما ذُكِر من الكلامِ عليها.

والآخرُ: أن يكونَ معناه: هذا القرآنُ والتذكيرُ بلاغٌ لهم وكفايةٌ إن فكَّروا واعتَبروا فتذكَّروا.

وقولُه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فهل يُهْلِكُ اللهُ بعذابِه إذا أنزَله إلَّا القومَ الذين خالَفوا أمرَه، وخرَجوا عن طاعتِه وكفَروا به؟

ومعنى الكلامِ: وما يُهْلِكُ اللهُ إلا القوم الفاسقين.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾: تَعلَّموا، ما يَهْلِكُ على اللهِ إلا هالكٌ ولَّى الإسلامَ ظهرَه، أو منافقٌ صدَّق بلسانِه وخالَف بعملِه (١).

ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "أيُّما عبدٍ من أمتى همَّ بحسنةٍ كُتِبت له واحدةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشرَ أمثالِها، وأيُّما عبدٍ همَّ بسيئةٍ لم تُكْتَبْ عليه، فإن عمِلها كُتِبت سيئةً واحدةً، ثم كان يُتْبِعُها ويَمْحُوها اللهُ، ولا يَهْلِكُ إلا هالكٌ" (١).

آخرُ تفسيرِ سورةِ "الأحقافِ"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر