الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الفتح
تفسيرُ سورةِ الفتح كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 131 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ "الفتحِ" ﷽ القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾.
يَعْنى بقولِه تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
يقولُ: إنا حَكَمْنا لك يا محمدُ حُكمًا يَبِينُ (١) لمن سَمِعه أو بَلَغه، على مَن خَالَفَك وناصَبَك مِن كفارِ قومِك، وقَضَيْنا لك عليهم بالنصرِ والظَّفَرِ، لتَشْكُرَ ربَّك، وتَحْمَدَه على نعمتِه بقضائِه لك عليهم، وفتحِه ما فتَح لك، ولتُسَبِّحَه وتَسْتَغْفِرَه، فيَغْفِرَ لك بفِعالِك ذلك ربُّك، ما تقَدَّم مِن ذنبِك قبلَ فتحِه لك ما فتَح، وما تأخَّر بعدَ فتحِه لك ذلك، ما شَكَرْتَه واسْتَغْفَرْتَه.
وإنما اخْتَرْنا هذا (٢) القولَ في تأويلِ هذه الآيةِ؛ لدَلالةِ قولِ اللهِ ﷿: ﴿ذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر:١ - ٣].
على صحتِه، إذ أمَرَه تعالى ذكرُه أن يُسَبِّحَ بحمدِ ربِّه إذا جاءه نصرُ اللهِ وفتحُ مكةَ، وأن يَسْتَغْفِرَه (٣)، وأعْلَمه أنه توابٌ على مَن فعَل ذلك.
ففى ذلك بيانٌ واضحٌ أن قولَه تعالى ذكرُه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
إنما هو خيرٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﵊ عن جزائِه له على شكرِه له على النعمةِ التي أنْعَم بها عليه، من إظهارِه له ما فتَح؛ لأن جزاءَ اللهِ تعالى عبادَه على أعمالِهم دونَ غيرِها.
وبعدُ، ففى صحةِ الخبرِ عنه ﷺ أنه كان يَقومُ حتى تَرِمَ قدماه، فقيل له: يا رسولَ اللهِ، تَفْعَلُ هذا وقد غُفِر لك ما تقَدَّم مِن ذنبِك وما تأخَّر؟
فقال: "أفلا أكُونُ عبدًا شَكورًا؟
" (١).
الدَّلالُة الواضحةُ على أن الذي قلنا من ذلك هو الصحيحُ مِن القولِ، وأن الله ﵎ إنما وعَد نبيَّه محمدًا ﷺ غفرانَ ذنوبِه المتقدمةِ فَتْحَ ما فَتَح عليه، وبعده، على شكرِه له على نِعَمِه التي أَنْعَمَها عليه.
وكذلك كان يقولُ ﷺ: "إنى لأَسْتَغْفِرُ اللهِ وأتوبُ إليه في كلِّ يومٍ مائةَ مرةٍ" (٢).
ولو كان القولُ في ذلك أنه مِن خبرِ اللهِ تعالى ذكرُه نبيَّه أنه قد غفَر له ما تقَدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، على غيرِ الوجهِ الذي ذكَرْنا، لم يَكُنْ لأمرِه إياه بالاستغفارِ بعدَ هذه الآيةِ، ولا لاستغفارِ نبيِّ اللهِ ﷺ ربَّه ﷻ مِن ذنوبِه بعدَها - معنًى يُعْقَلُ؛ إذ الاستغفارُ معناه طلبُ العبدِ مِن ربِّه ﷿ غفرانَ ذنوبِه، فإذا لم يَكُنْ ذنوبٌ تُغْفَرُ، لم يَكُنْ لمسألتِه إياه غفرانَها معنًى؛ لأنه من المُحالِ أن يُقالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لى ذنبًا لم أَعْمَلُه.
وقد تأوَّل ذلك بعضُهم بمَعْنى: ليَغْفِرَ لك ما تقدَّم مِن ذنبِك قبلَ الرسالةِ، وما تأخَّر إلى الوقتِ الذي قال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾.
وأما الفتحُ الذي وعَد الله جلَّ ثناؤُه نبيَّه ﷺ هذه العِدَةَ على شكرِه إياه عليه، فإنه - فيما ذُكِر - الهُدْنةُ التي جَرَتْ بينَ رسولِ اللهِ ﷺ [ومشركى] (١) قريشٍ بالحُدَيْبِيَةِ.
وذُكِر أن هذه السورة أُنْزِلَت على رسولِ اللهِ ﷺ مُنْصَرَفَه عن الحُدَيْبِيَةِ، بعدَ الهدنةِ التي جَرَتْ بينَه وبينَ قومِه.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قال: قضَيْنا لك قضاءً مبينًا (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾: والفتحُ القضاءُ.
ذكرُ الروايةِ عمَّن قال: نزَلَت هذه السورةُ على رسولِ اللهِ ﷺ في الوقتِ الذي ذَكَرْتُ حدَّثنا حُميدُ بنُ مَسْعَدةَ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قال: الحُدَيْبِيَةَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قال: نَحْرَه بالحُديبِيَةِ وحَلْقَه (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن بَزِيعٍ، قال: ثنا أبو بَحْرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا جامعُ بنُ شَدَّادٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن أبى عَلْقمةَ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ يقولُ: لمَّا أَقْبَلْنا مِن الحُدَيبيَةِ أَعْرَسْنا فنِمْنا، فلم نَسْتَيْقِظْ إلا بالشمسِ قد طَلَعَتْ، فاسْتَيْقَظْنا ورسولُ اللهِ ﷺ نائمٌ.
قال: فقلْنا: أهْضِبُوا (٢).
فاسْتَيْقَظ رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "افْعَلوا كما كنتم تَفْعَلون، فكذلك مَن نام أو نسِى".
قال: وفَقَدْنا ناقةَ رسولِ اللهِ ﷺ، فوَجَدْناها قد تَعَلَّق خِطامُها بشجرةٍ، فأَتَيْتُه بها، فركِب، فبَيْنا نحن نَسيرُ إذ أتاه الوحيُ.
قال: وكان إذا أتاه اشْتَدَّ عليه، فلَمَّا سُرِّي عنه أَخْبَرنا أنه أُنزِل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣).
حدَّثنا أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: لما رجَعْنا مِن غزوةِ الحديبيةِ وقد حِيل بينَنا وبينَ نُسُكِنا.
قال: فنحن بينَ الحزنِ والكآبةِ.
قال: فأنْزَل اللهُ ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
أو كما شاء اللهُ، فقال نبيُّ اللهِ ﷺ: "لقد أُنْزِلَتْ عليَّ آيةٌ أَحَبُّ إليَّ مِن الدنيا جميعًا" (١).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عدى، عن سعيدِ بن أبى عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ بن مالكٍ في قولِه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
قال: نزَلَت على النبيِّ ﷺ مَرْجِعَه من الحديبيةِ، وقد حِيل بينَهم وبينَ نسكِهم، فنَحَر الهَدْىَ بالحديبيةِ، وأصحابُه مُخالِطو الكآبةِ والحزنِ، فقال: "لقد أُنْزِلَت عليَّ آيةٌ أحَبُّ إلىَّ مِن الدنيا جميعًا".
فقرَأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ إلى قولِه: ﴿عَزِيزًا﴾.
فقال أصحابُه: هَنيئًا لك يا رسولَ اللهِ، قد بيَّن اللهُ لنا ماذا يَفْعَلُ بك، فماذا يَفْعَلُ بنا؟
فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ بعدَها: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ إلى قولِه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا قتادةُ، عن أنسٍ قال: أُنزِلَت هذه الآيةُ.
فذكَر نحوَه (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ بنحوِه، غيرَ أنه قال في حديثِه: فقال رجلٌ مِن القومِ: هَنيئًا لك مريئًا يا رسولَ اللهِ.
وقال أيضًا: فبيَّن اللهُ ماذا يَفْعَلُ بنبيِّه ﵊، وماذا يَفْعَلُ بهم (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: نزَلَت على النبيِّ ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
مَرْجِعَه مِن الحديبيةِ، فقال النبيُّ ﷺ: "لقد نزَلَتْ عليَّ آيةٌ أحبُّ إلىَّ مما على الأرضِ".
ثم قرَأها عليهم، فقالوا: هَنيئًا مَريئًا يا نبيَّ اللهِ، قد بيَّن اللهُ تعالى ذكرُه لك ماذا يَفْعَلُ بك، فماذا يَفْعَلُ بنا؟
فنزَلَت عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
إلى قولِه: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن عكرمةَ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
قالوا: هَنيئًا مريئًا لك يا رسولَ اللهِ، فماذا لنا؟
فنزَلَت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعْتُ قتادةَ يُحَدِّثُ عن أنسٍ في هذه الآيةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قال: الحديبيةَ (١).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ حمادٍ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: ما كنا نَعُدُّ فتحَ مكةَ إلا يومَ الحديبيةِ (٢).
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يَعْلَى بنُ عُبيدٍ، عن عبدِ العزيزِ بن سِياهٍ، عن حَبيبِ بن أبي ثابتٍ، عن أبي وائلٍ، قال: تكَلَّم سهلُ بنُ حُنَيْفٍ يومَ صِفِّينَ، فقال: أيُّها الناسُ اتَّهِموا أنفسَكم، لقد رَأيْتُنا يومَ الحديبيةِ - يَعْنى الصلحَ الذي كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ المشركين - ولو نَرَى قتالًا لَقاتَلْنا، فجاء عمرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ألسْنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟
أليس قَتْلانا في الجنةِ وقَتْلاهم في النارِ؟
قال: "بلى".
قال: ففِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ في دينِنا، ونَرْجِعُ ولَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟
فقال: "يا بنَ الخطابِ، إنى رسولُ اللهِ، ولن يُضَيِّعَنى أبدًا".
قال: فرجَع وهو مُتَغَيِّظٌ، فلم يَصْبِرْ حتى أتَى أبا بكرٍ، فقال: يا أبا بكرٍ، ألَسْنا على حقٍّ وهم على باطلٍ؟
أليس قَتلانا في الجنةِ وقَتلاهم في النارِ؟
قال: بلى.
قال: ففيمَ نُعْطِى الدنيةَ في دينِنا، ونَرْجِعُ ولمَّا يَحْكُمِ اللهُ بينَنا وبينَهم؟
فقال: يا بن الخطابِ، إنه رسولُ اللهِ، لن يُضَيِّعَه اللهُ أبدًا.
قال: فنزَلَت سورةُ (الفتحِ)، فأَرْسَل رسولُ اللهِ ﷺ إلى عمرَ، فأقْرَأه إياها، فقال: يا رسولَ اللهِ، أو فتحٌ هو؟
قال: "نعم" (١).
حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبى، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: ما كنا نَعُدُّ الفتحَ إلا يومَ الحديبيةِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتْحَ مكةَ، وقد كان فتْحُ مكةَ فتحًا، ونحن نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرضوانِ يومَ الحديبيةِ، كنا مع رسولِ اللهِ ﷺ [خمسَ عشرةَ] (٢) مائةً.
والحديبيةُ بئرٌ (٣).
حدَّثني موسى بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، ثنا محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا مُجَمِّعُ بنُ يعقوبَ الأنصاريُّ، قال: سَمِعْتُ أبى يُحَدِّثُ، عن عمِّه عبدِ الرحمنِ بن يزيدَ، عن عمِّه مُجَمِّعِ بن جاريةَ الأنصاريِّ، وكان أحدَ القُرَّاء الذين قرَءوا القرآنَ، قال: شَهِدْنا الحديبيةَ مع رسولِ اللهِ ﷺ، فلمَّا انْصَرَفْنا عنها، إذا الناسُ يَهُزُّون الأباعِرَ، فقال بعضُ الناسِ لبعضٍ: ما للناس؟
قالوا: أُوحِى إلى رسولِ اللهِ ﷺ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾.
فقال رجلٌ: [وفتْحٌ] (١) هو يا رسولَ اللهِ؟
قال: (نعم، والذي نفسى بيدِه، إنه لَفتحٌ).
قال: فقُسِّمَت خيبرُ على أهلِ الحديبيةِ، لم يَدْخُلْ معهم فيها أحدٌ إلا مَن شَهِد الحديبيةَ، وكان الجيشُ ألفًا وخمسَمائةٍ، فيهم ثلاثُمائةِ فارسٍ، فقسَّمها رسولُ اللهِ ﷺ على ثمانيةَ عشَرَ سهمًا، فأعْطَى الفارسَ سهمين، وأعْطَى الراجلَ سهمًا (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: نزَلَت: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
بالحديبيةِ، وأصاب في تلك الغزوةِ ما لم يُصِبْ (٣) في غَزوةٍ؛ أصاب أن بويِع بَيعةَ الرضوانِ، وغُفِر له ما تقَدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، وظهَرَت الرومُ على فارسَ، وبلَغ الهَدْىُ مَحِلَّه، وأُطْعِموا نخلَ خيبرَ، وفرِح المؤمنون بتصديقِ النبيِّ ﷺ، وبظهورِ الرومِ على فارسَ (٤).
وقولُه تعالى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾.
بإظهارِه إياك على عدوِّك، ورفعِه ذكرَك في الدنيا، وغفرانِه ذنوبَك في الآخرةِ، ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
يقولُ: ويُرْشِدَك طريقًا من الدين لا اعْوِجاجَ فيه، يَسْتَقِيمُ بك إلى رضا ربِّك، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾.
يقولُ: ويَنْصُرَك الله على سائرِ أعدائِك ومَن ناوَاك، نصرًا لا يَغْلِبُه غالبٌ ولا يَدْفَعُه دافع؛ للبأسِ الذي يُؤَيِّدُك الله به، وبالظَّفَرِ الذي يَمُدُّك به.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾.
يعنى جلَّ ذكرُه بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الله الذي (١) أَنْزَل السكون والطُّمأنينةَ في قلوب المؤمنين بالله ورسوله، إلى الإيمان والحقِّ الذي بعَثَك الله به يا محمدُ.
وقد مضَى ذكرُ اختلافِ أهلِ التأويلِ في معنى السكينة قبلُ، والصحيح من القولِ في ذلك، بالشواهد المُغنِيَة عن إعادتها في هذا الموضع (٢).
﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
يقولُ: ليَزْدادوا بتصديقهم بما جدَّد (٣) الله من الفرائض التي ألْزَمَهموها، التي لم تَكُنْ لهم لازمةً، إيمانًا (٤) ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
يقولُ: ليَزْدادوا إلى إيمانهم بالفرائض التي كانت لهم لازمةً قبل ذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال: السكينةُ الرحمةُ، ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.
قال: إن الله جلَّ ثناؤُه بعَث نبيَّه ﷺ بشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، فَلَمَّا صدَّقوا بها زادَهم الصلاةَ، فلمَّا صدَّقوا بها زادَهم الصيامَ، فلمَّا صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادهم الحجَّ، ثم أكْمَل لهم دينَهم فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].
قال ابن عباسٍ: فأَوْثَقُ إيمانِ أهلِ الأرضِ وأهل السماواتِ، وأصْدَقُه وأكملُه، شهادةُ ألا إله إلا الله (١).
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولله جنودُ السماواتِ والأرض أنصارٌ، يَنْتَقِمُ بهم ممن يَشاءُ مِن أعدائه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ ذا عِلمٍ بما هو كائنٌ قبل كونه، وما خَلْقُه عامِلوه، حكيمًا في تدبيره.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا؛ لتَشْكُر ربَّك وتَحْمَدَه على ذلك، فيَغْفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، وليَحْمَدَ ربَّهم المؤمنون بالله، ويَشْكُروه على إنعامه عليهم بما أنْعَم به عليهم، من الفتح الذي فتَحَه وقضاه بينَهم وبينَ أعدائهم من المشركين، بإظهاره إياهم عليهم - فيُدْخِلَهم بذلك جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ ماكثين فيها إلى غير نهايةٍ، ولِيُكَفِّرَ عنهم سيِّئَ أعمالهم، بالحسناتِ التي يَعْمَلونها شكرًا منهم لربِّهم على ما قضَى لهم، وأنْعَم عليهم به، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان ما وعدهم الله (١) من هذه العِدَةِ؛ وذلك إدخالُهم جناتٍ تَجْرى من تحتها الأنهارُ، وتكفيرُه سيئاتِهم بحسناتِ أعمالِهم التي يَعْمَلونها - عندَ اللهِ، لهم، ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
يقولُ: ظَفَرًا منهم بما كانوا تأمَّلوه ويَسْعَوْن له، ونجاةً مما كانوا يَحْذَرونه (٢) من عذاب الله، عظيمًا.
وقد تقَدَّم ذكرُ الرواية أن هذه الآية نزَلَت لمَّا قال المؤمنون الرسول الله ﷺ إذ (٣) تلا عليهم قولَ الله ﷿: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ -: هذا لك يا رسول الله، فماذا لنا؟
تَبْيينًا من الله لهم ما هو فاعلٌ بهم.
حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
إلى قوله: ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾: فأَعْلَم الله سبحانه نبيَّه ﵊ (٤).
قوله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
على اللام من قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾.
بتأويل تكرير الكلام: إنَّا فَتَحْنا لك فتحًا مُبِينًا ليَغْفِرَ لك الله، إنا فتَحْنا لك ليُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ.
ولذلك لم تَدْخُل الواوُ التي تَدْخُلُ في الكلام للعطف، فلم يَقُلْ: ولِيُدْخِلَ المؤمنين.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: إنا فتَحْنا لك فتحًا مبينًا ليَغْفِرَ لك الله، ولِيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جناتٍ تَجْرِى مِن تحتها الأنهارُ، ولِيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات، بفتح (١) الله لك يا محمدُ ما فتَح لك، من نصرك على مشركي قريش، فيُكْبَتوا (٢) لذلك ويَحْزَنوا، ويُخَيِّبَ رجاءَهم (٣) الذي كانوا يَرْجُونَ مِن رؤيتهم في أهلِ الإيمانِ بك مِن الضعفِ والوَهْنِ والتولِّى عنك في عاجل الدنيا، وصليِّ النار والخلودِ فيها في أجل الآخرةِ، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾.
يقولُ: ولِيُعَذِّبَ كذلك أيضًا المشركين والمشركاتِ، الظَّانِّينَ باللهِ أنه لن يَنْصُرَك وأهل الإيمان بك على أعدائك، ولن يُظْهِرَ كلمتَه فيَجْعَلَها العليا على كلمة الكافرين به، وذلك كان السَّوءَ مِن ظُنونهم التي ذكَرها الله تعالى ذكرُه في هذا الموضعِ.
يقولُ تعالى ذكرُه: على المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الذين ظنُّوا هذا الظَّنَّ، ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾.
يعني: دائرةُ العذابِ تَدُورُ عليهم به.
واختَلَفَت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأة الكوفة: ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بفتح السين (٤).
وقرأه بعضُ قرأة البصرة: (دائرةُ السُّوء) بضمِّ السين (٥).
وكان الفَرَّاءُ يقولُ (١): الفتحُ أفْشَى في السين.
قال: وقلما تقولُ العربُ: دائرةُ السُّوء.
بضَمِّ السين، والفتحُ في السين أعْجَبُ إليَّ مِن الضَّمِّ؛ لأن العرب تقولُ: هو رجلُ سَوْءٍ.
بفتح السينِ، ولا تقولُ: هو رجلُ سُوءٍ.
وقولُه: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: ونالهم الله بغضب منه، ﴿وَلَعَنَهُمْ﴾.
يقولُ: وأبْعَدهم فأقْصاهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾.
يقولُ: وأعَدَّ لهم جهنمَ يَصْلَوْنها يومَ القيامةِ، ﴿وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
يقولُ: وساءَت جهنمُ مَنْزِلًا يَصِيرُ إليه هؤلاء المنافقون والمنافقاتُ والمشركون والمشركاتُ.
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولله جنودُ السماوات والأرض أنصارًا على أعدائه، إن أمرهم بإهلاكهم أهْلكوهم، وسارَعوا إلى ذلك بالطاعة منهم له، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ الله ذا عزةٍ، لا يَغْلِبُه غالبٌ، ولا يَمْتَنِعُ عليه مما أراده به مُمتنعٌ؛ لعِظَمِ سلطانِه وقدرتِه، حكيمٌ في تدبيرِه خلقَه.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) [لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ] (٢) بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنَّا أَرْسَلْناك يا محمدُ شاهدًا على أُمَّتِك بما أجابوك فيما دَعَوْتَهم إليه، مما أرْسَلْتُك به إليهم من الرسالة، ومُبشِّرًا لهم بالجنة إن أجابوك إلى ما دَعَوْتَهم إليه من الدين القيِّمِ، ونذيرًا لهم عذابَ اللهِ، إن هم تَوَلَّوْا عما جئْتَهم به مِن عندِ ربِّك.
ثم اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءة قوله: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾.
فقرَأ جميعَ ذلك عامةُ قرأة الأمصار خلا أبي جعفرٍ المَدَنيِّ وأبي عمرو بن العلاء بالتاءِ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾، ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ (١).
بمعنى: لتُؤْمنوا بالله ورسوله أنتم أيُّها الناسُ.
وقرأ ذلك أبو جعفرٍ وأبو عمرٍو كلَّه بالياء: (ليُؤمنوا)، (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه ويُسَبِّحُوه) (٢) بمعنى: إنا أَرْسَلْناك شاهدًا إلى الخلقِ ليُؤْمِنوا بالله ورسولِه ويُعَزِّروه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
يقولُ: شاهدًا على أمته على أنه قد بلَّغهم، ومُبَشِّرًا بالجنةِ لمن أطاع الله، ونذيرًا مِن النارِ (٣).
وقولُه: [(ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه)] (٤).
اخْتَلَف أهلُ التأويل في تأويله؛ فقال بعضُهم: [يُجِلُّوه ويُعَظِّموه] (١).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (ويُعَزِّرُوه).
يعنى: الإجلالَ.
(ويُوَقِّرُوه).
يعنى: التعظيمَ (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه): كلُّ هذا تعظيمٌ وإجلالٌ (٣).
وقال آخرون: معنى قوله: (ويُعَزِّرُوه): ويَنْصُروه، ومعنى: (ويُوَقِّرُوه): ويُفَخِّموه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ويُعَزِّرُوه): يَنْصُروه، (ويُوَقِّرُوه): أَمَرَ اللهُ بتَسْوِيدِه وتفخيمه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: (ويُعَزِّرُوه).
قال: يَنْصُروه، (ويُوَقِّروه).
أي: ليُعَظِّموه (٤).
حدَّثني أبو هريرةَ الضُّبعيُّ، قال: ثنا حَرَميٌّ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ جعفر بن أبي وَحْشِيَّةَ، عن عكرمة: (ويُعَزِّزُوه).
قال: يُقاتلون معه بالسيف (١).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنى هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ، مثلَه.
حدَّثني أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا عثمانُ بنُ عمر، عن سعيدٍ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمةَ بنحوِه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى ومحمدُ بن جعفرٍ، قالا: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن عكرمة مثله.
وقال آخرون: معنى ذلك: ويُعظِّموه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: (ويُعَزِّرُوه ويُوَقِّرُوه).
قال: الطاعةُ لله.
وهذه الأقوالُ متقارباتُ المعانى (٢) وإن اخْتَلَفت ألفاظُ أهلها بها.
ومعنى التَّعْزِيرِ في هذا الموضع التقويةُ بالنُّصرةِ والمعونة، ولا يكونُ ذلك إلا بالطاعة والتعظيم والإجلال.
وقد بَيَّنَّا معنى ذلك بشواهده فيما مضى (٣)، بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع.
فأما التوقيرُ فهو التعظيمُ والإجلالُ والتفخيمُ.
وقولُه: (ويُسَبِّحُوه (١) بُكرَةً وأصِيلًا).
يقولُ: ويُصَلُّوا (٢) له.
يعنى: لله بالغَدَواتِ والعَشِيَّاتِ.
والهاءُ في قوله: (ويُسَبِّحُوه (١)) مِن ذِكْرِ الله وحدَه دونَ الرسولِ.
وقد ذُكر أن ذلك في بعض القراءاتِ: (ويُسَبِّحوا الله بُكْرةً وأصِيلًا).
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: (ويُسَبِّحوه بُكْرةً وأصيلًا): في بعض القراءةِ: (ويُسَبِّحوا الله بكرةً وأصيلًا) (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: في بعض الحروفِ: (ويُسَبِّحوا الله بكرةً وأصِيلًا) (٤).
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أَخْبَرنا عُبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاك يقولُ في قولِه: (ويُسَبِّحوه بُكْرة وأصيلًا): يقولُ: يُسبِّحون الله.
رجع إلى نفسه (٥).
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إن الذين يُبايعونَك بالحديبية من أصحابك، على ألا يَفِرُّوا عند لقاءِ العدوِّ، ولا يُوَلُّوهم الأدبارَ، ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾.
يقولُ: إنما يُبايِعون ببيعتهم إياك الله؛ لأن الله ضمن لهم الجنة بوَفائِهم له بذلك.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾.
قال: يوم الحديبية (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾: وهم الذين بايعوا يومَ الحديبية (٢).
وفي قوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وجهان من التأويل؛ أحدُهما: يدُ اللهِ فوق أيديهم عند البَيْعة؛ لأنهم كانوا يُبايعون الله ببيعتهم نبيَّه ﷺ.
والآخَرُ: قوةُ الله فوقَ قوتِهم في نصرة رسوله ﷺ؛ لأنهم إنما بايَعوا رسول الله ﷺ على نُصْرَته على العدوِّ (١).
وقولُه: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فمن نكَث بيعتَه إياك يا محمدُ ونَقَضها، فلم يَنْصُرُك على أعدائك، وخالَف ما وعَد ربَّه، ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾.
يقولُ: فإنما يَنْقُضُ بيعته؛ لأنه بفعله ذلك يَخْرُجُ ممن وعَدَه الله الجنة بوفائِه بالبيعةِ، فلم يَضُرَّ بنَكْثِه غيرَ نفسِه، ولم يَنْكُثْ إلا عليها، فأما رسولُ الله ﷺ فإن الله ﵎ ناصِرُه على أعدائِه، نكَث الناكثُ منهم أو وفي ببيعتِه.
وقولُه: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ الآية.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن أَوْفَى بما عاهَد الله عليه من الصبر عندَ لقاء العدوِّ في سبيل الله، ونُصرة نبيِّه على أعدائِه، ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يقولُ: فسيُعْطِيه الله ثوابًا عظيمًا، وذلك أن يُدْخِلَه الجنةَ؛ جزاءً له على وفائه بما عاهَد عليه الله، ووَثَّق لرسولِه على الصبرِ معه عند البأس، بالمُؤَكَّدة من الأيمان.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾: وهى الجنةُ.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سيقولُ لك يا محمدُ الذين خَلَّفَهم الله في أهْلِيهم عن صُحْبَتِك، والخروج معك في سفرك الذي سافَرْتَ، ومسيرك الذي سرْتَ إلى مكة معتمرًا، زائرًا بيتَ الله الحرام - إذا انْصَرَفْتَ إليهم، فعاتَبْتَهم على التخلُّفِ عنك: شغَلَتْنا عن الخروج معك معالجةُ أموالِنا، وإصلاحُ معايشنا، وأهْلونا، فاسْتَغْفِرْ لنا رَبَّك (١) لتَخَلُّفِنا عنك.
قال الله جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبَهم في قيلِهم ذلك: يقولُ هؤلاء الأعرابُ المخلَّفون عنك بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
وذلك مسألتهم رسول الله ﷺ الاستغفارَ لهم.
يقولُ: يَسْألونه بغيرِ توبةٍ منهم، ولا ندمٍ على ما سلَف منهم من معصية الله في تخلُّفِهم عن صحبة رسول الله ﷺ والمسير معه.
﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه: قل لهؤلاء الأعراب الذين يَسْألونك أن تَسْتَغْفِرَ لهم لتخلُّفِهم عنك: إن أنا اسْتَغْفَرْتُ لكم أيُّها القومُ، ثم أراد الله هلاكَكم أو هلاكَ أموالِكم وأهليكم، أو أراد بكم نفعًا، بتَثْميره أموالَكم وإصلاحِه لكم أهْلِيكم، فمَن ذا الذي يَقْدِرُ على دفعِ ما أراد الله بكم مِن خيرٍ أو شرٍّ، والله لا يُعازُّه (٢) أحدٌ، ولا يُغالبُه غالبٌ؟.
وقولُه: ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَظُنُّ هؤلاء المنافقون من الأعراب؛ أن الله لا يَعْلَمُ ما هم [عليه مُنْطَوُون] (٣) من النفاقِ، بل لم يَزَلِ اللهُ بما يَعْمَلُون مِن خيرٍ وشرٍّ خبيرًا، لا يَخْفَى عليه شيءٌ مِن أعمال خلقه؛ سرِّها وعلانِيَتِها، وهو مُحْصِيها عليهم حتى يُجازِيَهم بها.
وكان رسولُ الله ﷺ فيما ذُكِر عنه، حينَ أراد المسيرَ إلى مكة عام الحديبيةِ معتمرًا، اسْتَنْفَر العربَ ومَن حولَ مدينته من أهل البوادى والأعراب، ليَخْرُجوا معه؛ حذرًا من قومه من (١) قريشٍ أن يَعْرِضوا له الحربَ أو يَصُدُّوه عن البيت، وأحْرَم هو ﷺ بالعمرة، وساق معه الهَدْيَ ليَعْلَمَ الناسُ أنه لا يريدُ حربًا، فتَثاقَل عنه كثيرٌ من الأعراب وتخلَّفوا خِلافَه، فهم الذين عَنَى الله ﵎ بقوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ الآية.
وكالذي قلنا في ذلك قال أهلُ العلمِ بسِيَرِ رسول الله ﷺ ومَغازيه، منهم ابن إسحاقَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ بذلك (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال ثنا، قال ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾.
قال: أعراب المدينةِ؛ جُهَينةَ ومُزَيْنةَ، اسْتَتْبَعَهم لخروجه إلى مكةَ، قالوا: نَذْهَبُ معه إلى قومٍ قد جاءوه، فقتَلوا أصحابَه فنُقاتِلُهم (٣)؟
فاعْتَلُوا بالشُّغْلِ (٤).
واختَلَفت القرأةُ في قراءةِ قوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾.
فقرأته قرأةُ المدينة والبصرة وبعضُ قرأةِ الكوفة: ﴿ضَرًّا﴾ بفتح الضادِ (١)، بمعنى الضَّرِّ الذي هو خلافُ النفعِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأة الكوفيين: (ضُرًّا) بضمِّ الضادِ (٢)، بمعنى البُؤْسِ والسُّقْمِ.
وأعْجَبُ القراءتين إليَّ الفتحُ في الضادِ في هذا الموضع؛ لقولِه (٣): ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾.
فمعلومٌ أن خلاف النفعِ الضَّرُ، وإن كانت الأخرى صحيحًا معناها.
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء الأعراب المُعْتَذِرين إلى رسول الله ﷺ عندَ مُنْصَرَفه من سفرِه إليهم بقولهم: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾: ما تَخَلَّفْتُم خلاف رسول الله ﷺ حينَ شخَص عنكم، وقعَدْتُم عن صحبتِه، مِن أجل شغلكم بأموالِكم وأهليكم، بل تخَلَّفْتُم بعدَه في منازلكم، ظنًّا منكم أن رسول الله ﷺ ومن معه مِن أصحابه سيَهْلِكون فلا يَرْجِعون إليكم أبدًا، باستئصال العدوِّ إياهم، ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾: وحسَّن الشيطانُ ذلك في قلوبكم، وصحَّحه عندكم، حتى حسُن عندكم التخلفُ عنه، فقعَدْتُم عن صحبتِه، ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.
يقولُ: وظننتُم أن الله لن ينْصرَ محمدًا وأصحابه المؤمنين على أعدائهم، وأن العدوَّ سيقهَرونهم ويغلبونهم فيقْتلونهم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
قال: ظنُّوا بنبيِّ الله ﷺ وأصحابه أنهم لن يرجعوا من وجههم ذلك، وأنهم سيَهْلكون، فذلك الذي خلَّفهم عن نبيِّ الله ﷺ (١).
وقولُه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
يقولُ: وكنتم قومًا هَلَكَى لا تَصْلُحون لشيءٍ من الخير.
وقيل: إن البُور في لغةِ [أَزْدِ عُمانَ] (٢): الفاسدُ.
فأما عند العرب فإنه: لا شيء.
ومنه قولُ أبي الدرداءِ: فأَصْبَح ما جمَعوا بُورًا (٣).
أي: ذاهبًا قد صار باطلًا لا شيءَ منه.
ومنه قولُ حسانَ بن ثابتٍ (٤): لا يَنْفَعُ الطُّولُ مِن نُوكِ (٥) القُلوبِ وقدْ … يَهْدِى الإلهُ سبيلَ المَعْشَرِ البُورِ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
قال: فاسدين (٦).
وحدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
قال: البُورُ الذي ليس فيه من الخير شيءٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾.
قال: هالِكين (١).
القولُ في تأويل قولِه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء المنافقين من الأعراب: ومَن لم يُؤْمِنْ أَيُّها الأعرابُ بالله ورسوله منكم ومن غيركم، فيُصَدِّقَه على ما أخْبَر به، ويُقرَّ بما جاء به من الحقِّ من عندِ ربِّه، فإنا أَعْدَدْنا (٢) لهم جميعًا سعيرًا من النارِ، تَتَسَمَّرُ (٣) عليهم في جهنمَ إذا ورَدُوها يوم القيامة.
يقالُ من ذلك: سعَرْتُ النارَ، إذا أَوْقَدْتَها، فأنا أَسْعَرُها سَعْرًا.
ويقال: سَعَرْتُها أيضًا إذا حرَّكْتَها.
وإنما قيل للمسْعَرِ: مسْعَرٌ؛ لأنه يُحَرَّكُ به النارُ، ومنه قولُهم: إنه لمِسْعَرُ حربٍ: يرادُ به مُوقِدُها ومُهَيِّجُها.
وقولُه: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولله سلطانُ السماواتِ والأرضِ، فلا أحدَ يَقْدِرُ أَيُّها المنافقون على دفعه عما أراد بكم من تعذيبٍ على نفاقِكم إن أصْرَرْتُم عليه، أو منعِه من عفوِه عنكم إن عفا، إن أنتم تُبْتُم من نفاقكم وكفركم.
وهذا من الله جلَّ ثناؤُه حثٌّ لهؤلاء الأعراب المتخلِّفين عن رسول الله ﷺ على التوبة والمراجعة إلى أمر الله، في طاعة رسولِه ﷺ.
يقولُ لهم: بادرُوا بالتوبة من تخلُّفِكم عن رسول الله ﷺ، فإن الله يَغْفِرُ للتائبين، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
يقولُ: ولم يَزَلِ اللَّه ذا عفوٍ عن عقوبة التائبين إليه من ذنوبِهم ومَعاصِيهم من عباده، وذا رحمةٍ بهم أن يُعاقِبَهم على ذنوبهم بعدَ توبتِهم منها.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: سيقولُ يا محمدُ المُخَلَّفون في أهليهم عن صحبتك إذا سِرْتَ معتمرًا تُرِيدُ بيتَ اللَّهِ الحرام، إذا انْطَلَقْتَ أنت ومَن صَحِبك في سفرِك ذلك إلى ما أفاء الله عليك وعليهم من الغَنيمة لتأخُذوها، وذلك ما كان الله وعَد أهلَ الحديبية من غنائمَ خيبرَ: ذرونا نتَّبِعْكم إلى خيبر، فنَشْهَدَ معكم قتال أهلها، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: يُريدون أن يُغَيِّروا وعدَ اللَّهِ الذي وعَد أهلَ الحديبية، وذلك أن الله جعل غنائمَ خيبرَ لهم، ووعَدَهم ذلك عوضًا من غنائم أهل مكة، إذ (١) انْصَرفوا عنهم على صلحٍ، ولم يُصيبوا منهم شيئًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: رجَع - يعنى رسول الله ﷺ عن مكةَ، فوعَدَه اللَّهُ مَغانمَ كثيرةً، فعُجِّلت له خيبرُ، فقال المخلَّفون: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
وهى المغانمُ ليَأْخُذُوها، التي قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾.
وعُرِض عليهم قتالُ قومٍ أُولى بأسٍ شديدٍ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن رجلٍ من أصحابه، عن مِقْسَمٍ، قال: لما وعَدَهم الله أن يَفْتَحَ (٢) عليهم خيبرَ، وكان الله قد وعَدَها مَن شهد الحديبية، لم يُعْطِ أحدًا غيرَهم منها شيئًا، فلما علم المنافقون أنها الغَنيمةُ قالوا: ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: ما وعَدَهم (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ﴾ الآية: وهم الذين تخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ من الحديبية.
ذُكر لنا أن المشركين لما صدُّوا رسول الله ﷺ من الحديبية عن المسجد الحرام والهَدْيَ، قال المِقْدادُ: يا نبيَّ الله، إنا واللَّهِ لا نَقولُ كالملا من بنى إسرائيل إذ قالوا لنبيِّهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
ولكن نقولُ: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا، إنا معكما مُقاتِلون.
فلما سمع ذلك أصحابُ نبيِّ الله ﷺ تتابَعُوا (٤) على ما قال، فلمَّا رأى ذلك نبيُّ الله ﷺ صالح قريشًا، ورجع من عامه ذلك (٥).
وقال آخرون: بل عُنى بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
إرادتُهم الخروج مع نبيِّ الله ﷺ في غزوه، وقد قال الله ﵎: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣].
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ الآية.
قال الله له ﷿ حينَ رجَع من غزوه: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] الآية.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
أرادوا أن يُغَيِّروا كلام الله الذي قال لنبيِّه ﷺ ويَخرُجوا معه، وأبى الله ذلك عليهم ونبيُّه ﷺ (١).
وهذا الذي قاله ابن زيدٍ قولٌ لا وجه له؛ لأن قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣].
إنما أُنزِل على رسولِ اللهِ ﷺ مُنصَرَفَه مِن تبوك، وعُنى به الذين تخَلَّفوا عنه حينَ توَجَّه إلى تبوكَ لغزو الروم، ولا اختلافَ بينَ أهلِ العلم بمغازى رسول الله ﷺ أن تبوك كانت بعدَ فتح خيبرَ، وبعدَ فتحِ مكة أيضًا، فكيف يَجوزُ أن يكون الأمرُ على ما وصَفْنا مَعْنيًّا بقولِ اللهِ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾.
وهو خبرٌ عن المتخلِّفين عن المسير مع رسول الله ﷺ إذ شخَص معتمرًا يُرِيدُ البيتَ، فصدَّه المشركون عن البيت - الذين تخلَّفوا عنه في غزوة تبوكَ، وغزوةُ تبوكَ لم تَكُنْ كانت يومَ نزَلَت هذه الآيةُ، ولا كان أُوحِى إلى رسول الله ﷺ قوله: ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾.
فإذ كان ذلك كذلك، فالصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله مجاهدٌ وقتادةُ، على ما قد بيَّنَّا.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدَّلُوا كَلَامَ اللهِ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ، وبعضُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿كَلَامَ اللهِ﴾ على وجهِ المصدر بإثباتِ الألفِ (١).
وقرأ ذلك عامة قرأة الكوفة: (كَلِمَ اللهِ) بغير ألفٍ (٢)، بمعنى جمع كلمةٍ.
وهما عندنا قراءتان مستفيضتان في قرأةِ الأمصار، مُتقارِبتا المعنى، فبأيتهما قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإن كنتُ إلى قراءته بالألف أَميلَ.
وقوله: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقول تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل لهؤلاء المُخَلَّفين عن المسير معك يا محمد: لن تَتَّبعونا إلى خيبرَ إذا أرَدنا السير إليهم لقتالهم، ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: هكذا قال اللهُ لنا مِن قبلِ مَرْجِعِنا إليكم أن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية معنا، ولستُم ممن شهدها، فليس لكم أن تتَّبعونا إلى خيبر؛ لأن غنيمتها لغيركم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
أي: إنما جُعِلت الغنيمة لأهل الجهاد، وإنما كانت غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيبٌ (٣).
وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾.
[يقول تعالى ذكره: فسيقولُ لك ولأصحابك يا محمد هؤلاء المخلَّفون من الأعراب - إذا قلتم لهم: لن تَتَّبعونا إلى الجهاد وقتال العدوِّ بخيبرَ، كذلكم قال اللهُ من قبلُ -: بل تَحْسُدوننا] (١) أن نُصيب معكم مغنمًا إن نحن شهدنا معكم؛ فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾: أن نُصِيبَ معكم غنائم.
وقوله: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه ﷺ وأصحابه: ما الأمر كما يقول هؤلاء المنافقون من الأعراب؛ مِن أنكم إنما تمنَعونهم من اتباعكم حسدًا منكم لهم على أن يُصيبوا (٢) معكم من العدوِّ مَغْنَمًا، بل كانوا لا يفقَهون عن اللهِ ما لهم وعليهم من أمر الدين، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: يسيرًا، ولو عقَلوا ذلك ما قالوا لرسولِ اللهِ والمؤمنين به وقد أخبروهم عن الله تعالى ذكره أنه حرَمَهم غنائمَ خيبرَ: إنما تمنَعوننا من صحبتكم إليها لأنكم تحسُدُوننا.
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قل يا محمد للمُخَلَّفين من الأغراب عن المسير معك: ستُدعون إلى قتال قومٍ أُولى بأس في القتال شديدٍ.
واختلف أهل التأويل في هؤلاء الذين أخْبَر اللهُ ﷿ عنهم أن هؤلاء المخلَّفين من الأعراب يُدْعَوْن إلى قتالهم؛ فقال بعضُهم: هم أهل فارس.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبدِ اللهِ بن أبي نجيح، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: أهل فارسَ (١).
حدَّثنا إسماعيل بن موسى الفَزاريُّ، قال: أخبرنا داودُ بنُ الزِّبْرِقانِ، عن ثابتٍ البنانيِّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: فارس والروم (٢).
قال: أخبرنا داود، عن سعيدٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة، قال: قال الحسن في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: هم فارسُ والرومُ (٣).
حدثنا محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: هم فارسُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: قال الحسن: دُعُوا إلى فارس والروم.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: فارس والروم.
وقال آخرون: هم هَوازِنُ بحُنَينٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بن إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة في قوله: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ قال: هَوازِنَ (٢).
حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة في هذه الآية: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: هوازنَ وثَقيفٍ.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
قال: هي هَوازِنُ وغَطَفانُ يومَ حُنينٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: فدُعُوا يومَ حُنينٍ إلى هَوازِنَ وثَقيفٍ، فمنهم من أحْسَن الإجابة ورغب في الجهادِ (١).
وقال آخرون: بل هم بنو حنيفة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: بنو حَنيفةً مع مُسَيْلِمةَ الكَذَّابِ (٢).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن هُشَيْم، عن أبي بشرٍ، عن سعيد بن جبيرٍ وعكرمة، أنهما كانا يزيدان فيه هَوازن وبنى حنيفةَ (٣).
وقال آخرون: لم تَأْتِ هذه الآية بعد.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾: لم تأتِ هذه الآيةُ (٤).
وقال آخرون: هم الرومُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمد بن عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرة، قال: ثنا صَفْوانُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا الفرج بن محمد الكلاعيُّ، عن كعبٍ، قال: ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: الروم (١).
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكرُه أخْبَر عن هؤلاء المخلفين من الأعرابِ أنهم سيُدْعَوْن إلى قتال قوم أُولى بأس في القتال، ونجدة في الحروب.
ولم يُوضع لنا الدليلُ من خبرٍ ولا عقل على أن المعنى بذلك هَوازن، ولا بنو حنيفةَ، ولا فارسُ، ولا الروم، ولا أعيانٌ بأعيانهم، وجائز أن يكونَ عُنى بذلك بعضُ هذه الأجناس، وجائزٌ أن يكونَ عُنى بهم غيرُهم، ولا قول فيه أصحُّ من أن يقال كما قال الله جلَّ ثناؤه: إنهم سيدعون إلى قوم أُولى بأسٍ شديدٍ.
وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾.
يقول تعالى ذكره للمخلَّفين من الأعراب: تُقاتِلون هؤلاء الذين تُدْعَوْن إلى قتالهم، أو يُسلمون من غير حرب ولا قتالٍ.
وقد ذكر أن ذلك في بعض القراءاتِ: (تُقاتِلونهم أو يُسْلِموا) (٢).
وعلى هذه القراءة - وإن كانت على خلافِ مصاحف أهل الأمصار، وخلافًا لما عليه الحجةُ من القرأة، وغير جائزةٍ عندى القراءةُ بها لذلك (٣) - تأويل ذلك: تُقاتِلونهم أبدًا إلا أن يُسْلِموا، أو: حتى يُسْلِموا.
وقوله: ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
يقول تعالى ذكره: فإن تطيعوا الله في إجابتكم إياه إذا دعاكم إلى قتال هؤلاء القوم الأولى البأس الشديد، فتُجيبوا إلى قتالهم والجهادِ مع المؤمنين، ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾.
يقولُ: يُعْطِكم اللهُ على إجابتكم إياه إلى حربهم الجنةَ، وهى الأجرُ الحسنُ، ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ: وإِن تَعْصُوا ربَّكم؛ فتُدبروا عن طاعته، وتُخالفوا أمره، فتترُكوا قتال الأولى الباسِ الشديد إذا دعيتم إلى قتالهم، ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقول: كما عصيتموه في أمره إياكم بالمسير مع رسول الله ﷺ إلى مكة، من قبل أن تُدْعَوْا إلى قتالِ أُولى البأس الشديد، و ﴿يُعَذَّبَكُمْ﴾ اللهُ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعنى: وَجيعًا، وذلك عذابُ النارِ على عِصْيانِكم إياه، وترككم جهادَهم وقتالهم مع المؤمنين.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾.
يقول تعالى ذكره: ليس على الأعمى منكم أيُّها الناس ضيقٌ، ولا على الأعرج ضيقٌ، ولا على المريض ضِيقٌ، أن يَتَخَلَّفوا عن الجهاد مع المؤمنين، وشهودِ الحرب معهم إذا هم لقُوا عدوَّهم، للعلل التي بهم، والأسباب التي تمنَعهم من شهودها.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾.
قال: هذا كلُّه في الجهاد (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ثم عذَر اللهُ أَهلَ العُذرِ من الناس فقال: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾.
قال: في الجهاد في سبيل الله.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية.
يعنى: في القتال.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ومَن يُطع الله ورسوله فيجيب إلى حرب أعداء الله من أهل الشرك، وإلى القتال مع المؤمنين، ابتغاء وجهِ اللهِ إذا دُعِى إلى ذلك، يُدْخِلْهُ اللهُ يومَ القيامةِ جنَّاتٍ تَجرى من تحتها الأنهارُ، ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾.
يقولُ: ومَن يَعْص الله ورسوله، فيَتَخَلَّفْ عن قتال أهل الشرك باللهِ إذا دُعِى إليه، ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ اللهِ ورسوله، يُعَذِّبه (٢) عذابًا مُوجِعًا، وذلك عذابُ جهنم يومَ القيامة.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: لقد رضي الله يا محمد عن المؤمنين بك ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
يعنى: بيعةَ أصحاب رسول الله ﷺ رسول الله بالحديبيةِ حين بايعوه على مُناجزة قريشٍ الحرب، وعلى ألا يَفِرُّوا ولا يُوَلُّوهم الدُّبُرَ ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
وكانت بيعتُهم إياه هنالك فيما ذُكر تحتَ شجرةٍ.
وكان سبب هذه البيعة ما قيل: إن رسول اللهِ ﷺ كان أَرْسَل عثمانَ بن عفانَ برسالةٍ إلى الملأِ من قريشٍ، فأبْطَأ عثمان عليه بعض الإبطاءِ، فظنَّ أنه قد قُتِل، فدعا أصحابه إلى تجديد البيعة على حربهم على ما وصفتُ، فبايعوه على ذلك، وهذه البيعةُ التي تُسَمَّى بيعةَ الرِّضوانِ.
وكان الذين بايعوه هذه البيعة فيما ذُكر في قول بعضهم ألفًا وأربعمائةٍ.
وفى قول بعضهم ألفًا وخمسمائةٍ.
وفى قول بعضهم ألفًا وثلاثمائة.
ذكرُ الرواية بما وصفنا مِن سبب هذه البيعة حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: ثنى بعضُ أهل العلم، أن رسول الله ﷺ دعا خراش بن أمية الخُزاعيَّ، فبعثه إلى قريشٍ بمكةَ، وحمله على جملٍ له يقال له: الثعلبُ.
ليُبَلِّغَ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية، فعقروا به جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله، فمنَعَتْه الأحابيش، فخلَّوا سبيله، حتى أتى رسولَ اللهِ ﷺ (١).
قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: فحدَّثنى مَن لا أَتَّهِمُ، عن عكرمة مولى ابن عباس، أن رسول الله ﷺ دعا عمر بن الخطابِ ليَبْعَثَه إلى مكةَ، فيُبَلِّغَ عنه أشرافَ قريشٍ ما جاء له، فقال: يا رسول اللهِ إنى أخافُ قريشًا على نفسى، وليس بمكةَ من بنى عَدِيٍّ بن كعبٍ أحدٌ يمنعُنى، وقد عرفت قريشٌ عداوتي إياها، وغلظتى عليهم، ولكنى أدلُّك على رجل هو أعزُّ بها مني، عثمان بن عفان.
فدعا رسولُ الله ﷺ عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يُخْبِرُهم أنه لم يَأْتِ لحربٍ، وإنما جاء زائرًا لهذا البيت، مُعَظِّمًا لحرمتِه، فخرج عثمان إلى مكةَ، فلقيه أبانُ بنُ سعيد بن العاص حين دخل مكة أو قبل أن يَدْخُلَها، فنزل عن دابته، فحمله بين يديه، ثم ردفه وأجاره، حتى بلَّغ رسالةَ رسول الله ﷺ، فانْطَلَق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله ﷺ ما أَرْسَله به، فقالوا لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله ﷺ إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيتِ فطُفْ به.
قال: ما كنتُ لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ.
فاحْتَبَسَته قريشٌ عندها، فبلغ رسولَ اللهِ ﷺ والمسلمين أن عثمان قد قُتِل (١).
قال: ثنا سلمةُ، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، أن رسول الله ﷺ حين بلغه أن عثمان قد قُتِل، قال: "لا نَبْرَحُ حتى نُناجِزَ القومَ".
ودعا الناس إلى البيعةِ، فكانت بيعةُ الرِّضوانِ تحتَ الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله ﷺ على الموت.
فكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله ﷺ لم يبايعنا على الموت، ولكنه بايعنا على ألا نَفِرَّ، فبايع رسول الله ﷺ الناسُ، ولم يَتَخَلَّفْ عنه أحدٌ من المسلمين حضرها، إلا الجدُّ بن قيسٍ أخو بني سلمةَ، كان جابرُ بنُ عبدِ اللهِ يقولُ: لَكأنى أَنْظُرُ إليه لاصقًا بإبط ناقتِه، قد اخْتَبَأَ إليها، يَسْتَتِرُ بها من الناسِ، ثم أتى رسول الله ﷺ أن الذي ذُكِر مِن أمرِ عثمانَ باطلٌ (٢).
حدَّثنا محمد بن عُمارة الأسديُّ، قال: ثنا عُبيدُ اللهِ بن موسى، قال: أخبرنا موسى بنُ عُبيدةَ، عن إياس بن سلمة، قال: قال سلمةُ: بينما نحن قائلون زمن الحديبية؛ نادى منادى رسول الله ﷺ أيها الناسُ: البيعةَ البيعةَ، نزل روحُ القدس صلواتُ اللهِ عليه.
قال: فتُنا إلى رسول الله الله وهو تحت شجرة سمرة.
قال: فبايَعناه، وذلك قولُ اللهِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١).
حدَّثنا عبد الحميد بنُ بَيانِ اليَشْكُريُّ، قال: ثنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل، عن عامرٍ، قال: كان أولَ مَن بايع بيعة الرضوانِ رجلٌ مِن بني أسدٍ يقال له: أبو سِنانِ بن وهبٍ (٢).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا يحيى بن حمادٍ، قال: ثنا همامٌ، عن قتادةَ، عن سعيد بن المسيب، قال: كان جَدِّى يقال له: حَزْنٌ.
وكان ممن بايع تحتَ الشجرةِ (٣).
قال (٤): فأتَيْناها مِن قابلٍ، فعُمِّيَت علينا (٥).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن بُكيرِ بن الأشَجِّ أنه بلَغه أن الناسَ بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على الموتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "على ما استَطَعتم".
والشجرةُ التي بُويع تحتَها بفَجٍّ نحوَ مكةَ، وزعَموا أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ مرَّ بذلك المكانِ بعدَ أن ذهَبَت الشجرةُ، فقال: أين كانت؟
فجعلَ بعضُهم يقولُ: ههنا.
وبعضُهم يقولُ: ههنا.
فلما كثُر اختلافُهم قال: سيروا، هذا التكلفُ.
فذهَبَت الشجرةُ، وكانت سَمُرةً (١)، إما ذهَب بها سَيْلٌ، وإما شيءٌ سوى ذلك (٢).
ذكرُ عددِ الذين بايعوا هذه البيعةَ وقد ذكَرْنا اختلافَ المختلفين في عددِهم، ونَذْكُرُ الرواياتِ عن قائلى المقالاتِ التي ذكَرْناها إن شاء اللهُ تعالى.
ذكرُ مَن قال: عددُهم ألفٌ وأربعُمائةٍ حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا وأربعمائة، فبايعنا رسولَ اللهِ ﷺ على ألَّا نَفِرَّ، ولم نبايعه على الموتِ.
قال: فبايَعْناه كلُّنا إلا الجدَّ بن قيسٍ، اخْتَبأ تحتَ إبطِ ناقتِه (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال (٤): أخبَرني القاسمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عُمرَ (١)، عن محمدِ بن المنكدرِ، عن جابرٍ بن عبدِ اللهِ أنهم كانوا يومَ الحديبيةِ أربعَ عشْرةَ مائةً، فبايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ وعمرُ آخِذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ، وهي سَمُرَةٌ، فبايَعْناه (٢) غيرَ الجدِّ بن قيسٍ الأنصاريِّ، اخْتَبأ تحتَ إبطِ بعيرِه.
قال جابرٌ: بايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ على ألا نَفِرَّ، ولم نُبايِعْه على الموتِ (٣).
حدَّثنا يوسفُ بنُ موسى القَطَّانُ، قال: ثنا هشامُ بنُ عبدِ الملكِ وسعيدُ بنُ شُرَحْبِيلَ المصريُّ، قالا: ثنا ليثُ بنُ سعدٍ المصريُّ، قال: ثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: كنا يومَ الحديبيةِ ألفًا وأربعمائةٍ، فبايَعْناه وعمرُ آخذٌ بيدِه تحتَ الشجرةِ، وهى سَمُرةٌ، فبايَعْناه على ألا نَفِرَّ، ولم نُبايِعْه على الموتِ (٤).
يعنى: النبيَّ ﷺ.
حدَّثنا ابن بشارٍ وابنُ المثنَّى، قالا: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ أنه قيل له: إن جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يقولُ: إن أصحابَ الشجرةِ كانوا ألفًا وخمسَمائةٍ.
قال سعيدٌ: نسِى جابرٌ، هو قال لى: كانوا ألفًا وأربعَمائةٍ (٥).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، قال: كنا أصحابَ الحديبيةِ أربعَ عشْرةَ مائةً (٦) ذكرُ مَن قال: كانت عِدَّتُهم ألفًا وخمسمائةٍ وخمسةً وعشرين حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾.
قال: كان أهلُ البيعةِ تحتَ الشجرةِ ألفًا وخمسمائة وخمسةً وعشرين (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: الذين بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ تحتَ الشجرةِ فجُعِلَت لهم مَغانمُ خيبرَ كانوا يومَئِذٍ خمسَ عشرةَ مائةً، وبايَعوا على ألا يَفِرُّوا عنه (٢).
ذكرُ مَن قال: كانوا ألفًا وثلاثَمائةٍ حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرِو بن مرةَ، قال: سمعْتُ عبدَ اللهِ بنَ أبي أوْفَى يقولُ: كنا (٣) يومَ الشجرةِ ألفًا وثلاثَمائةٍ، وكانت أسلمُ يومَئِذٍ ثُمُنَ (٤) المهاجرين (٥).
وقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فعلم ربُّك يا محمدُ ما في قلوبِ المؤمنين مِن أصحابِك، إذ يُبايعونك تحتَ الشجرةِ، من صدقِ النيةِ، والوفاءِ بما يُبايِعونك عليه، والصبرِ معك، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾.
يقولُ: فَأَنْزَل الطمأنينةَ والثباتَ على ما هم عليه مِن دينِهم، وحسنِ بَصيرتِهم بالحقِّ الذي هداهم اللهُ له.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾.
أي: الصبرَ والوَقارَ (١).
وقولُه: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
يقولُ: وعرَّضهم في العاجلِ مما رجَوُا الظَّفَرَ به مِن غنائمِ أهلِ مكةَ، بقتالهم أهلَها فتحًا قريبًا، وذلك فيما قيل: فتحُ خيبرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابن أبي ليلى: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
قال: خيبرَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾: وهى خيبرُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
قال: بلَغَنى أنها خيبرُ (٣).
وقولُه: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأثاب اللهُ هؤلاء الذين بايعوا رسولَ اللهِ ما تحتَ الشجرةِ، مع ما أَكْرَمَهم به مِن رضاه عنهم، وإنزالِه السكينةَ عليهم، وإثابتِه إياهم فتحًا قريبًا - معه مغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها مِن أموالِ يهودِ خيبرَ، فإن الله جعَل ذلك خاصةً لأهلِ بيعةِ الرضوانِ دونَ غيرِهم.
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
يقولُ: وكان اللهُ ذا عزةٍ في انتقامِه ممن انْتَقَم مِن أعدائِه، حكيمًا في تدبيرِه خلقَه، وتصريفه إياهم فيما شاء من قضائِه.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بيعةِ الرضوانِ: وَعَدكم الله أيُّها القومُ مغانِمَ كثيرةً تأخُذونها.
اختلَف أهلُ التأويلِ في هذه المغانمِ التي ذكَر الله أنه وعَدَها هؤلاء القومَ أَيُّ المغانمِ هي؛ فقال بعضُهم: هي كلُّ مَغْنَمٍ غنَّمها الله المؤمنين به مِن أموالِ أهلِ الشرك مِن لَدُن أَنْزَل هذه الآية على لسانِ نبيِّه ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾.
قال: المغانمُ الكثيرةُ التي وُعِدوا، ما [يَأْخُذون حتى] (١) اليومِ (٢).
وعلى هذا التأويلِ يَحْتَمِلُ الكلامُ أن يكونَ مُرادًا بالمغانم الثانيةِ المغانمُ الأولى، ويكونَ معناه عندَ ذلك: فأثابهم فتحًا قريبًا، ومغانمَ كثيرةً يَأْخُذونها، وعَدَكم اللهُ أيُّها القومُ هذه المغانمَ التي تَأْخُذونها، وأنتم إليها واصِلون عِدَةً، فجعَل لكم الفتحَ القريبَ مِن فتحِ خيبرَ.
ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الثانيةُ غيرَ الأولى، وتكونَ الأولى من غنائمِ خيبرَ، والغنائمُ الثانيةُ التي وعَدَهموها مِن غنائمِ سائرِ أهلِ الشركِ سِواهم.
وقال آخرون: هذه المغانمُ التي وعَد الله هؤلاء القومَ هي مغانمُ خيبرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾.
قال: يومَ خيبرَ.
قال: كان أبي يقولُ ذلك (٣).
وقولُه: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في التي عُجِّلَت لهم؛ فقال جماعةٌ: غنائمُ خيبرَ، والمؤَخَّرةُ سائرُ فتوحٍ المسلمين بعدَ ذلك الوقتِ إلى قيامِ الساعة.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.
قال: عجَّل لكم خيبرَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾: وهي خيبرُ (١).
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك الصلحُ الذي كان بينَ رسولَ ﷺ وبينَ قريشٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾.
قال: الصلحَ (٢).
وأولى الأقوالِ في تأويلِ ذلك بالصوابِ ما قاله مجاهدٌ، وهو أن الذي أثابَهم اللهُ مِن مسيرِهم ذلك مع الفتحِ القريبِ، المغانمُ الكثيرةُ مِن مغانمِ خيبرَ.
وذلك أن المسلمين لم يَغْنَموا بعد الحديبيةِ غَنيمةً، ولم يَفْتَحوا فتحًا أقربَ مِن بيعتهم رسولَ اللهِ ﷺ بالحديبيةِ إليها، من فتحِ خيبرَ وغنائمِها.
وأما قولُه: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾.
فهي سائرُ المغانمِ التي غنَّمهموها اللهُ بعد خيبرُ؛ كغنائمِ هَوازنَ، وغَطَفان، وفارسَ والرومِ.
وإنما قُلنا: ذلك كذلك دونَ غنائمِ خيبرَ؛ لأن الله أخْبَر أنه عجَّل لهم هذه التي أثابَهم من مسيرِهم الذي سارُوه مع رسولَ اللهِ ﷺ إلى مكةَ، ولِمَا عُلِم مِن صحةِ نيتِهم في قتالَ أهلِها، إذ بايَعوا رسولَ اللهِ ﷺ على ألا يَفِرُّوا عنه، ولا شكَّ أن التي عُجِّلت لهم غيرُ التي لم تُعَجَّل لهم.
وقولُه: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بيعةِ الرضوانِ: وكفَّ اللهُ أيدىَ المشركين عنكم.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في الذين كُفَّت أيديهم عنهم مَن هم؟
فقال بعضُهم هم اليهودُ، كفَّ اللهُ أيديَهم عن عِبالِ الذين ساروا من المدينةِ مع رسولِ اللهِ ﷺ إلى مكةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾: عن بَيْضتهِم (١)، وعن عِيالِهم بالمدينةِ، حينَ ساروا إلى الحديبيةِ وإلى خيبرَ، وكانت خيبرُ في ذلك الوجهِ (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾.
قال: كفَّ أيدىَ الناسِ عن عِيالهم بِالمدينةِ (٣).
وقال آخرون: بل عُنى بذلك أيدى قريشٍ، إذ حبسهم اللهُ عنهم، فلم يَقْدِروا لهم (٤) على مكروهٍ.
والذي قاله قتادةُ في ذلك عندى أشبهُ بتأويلِ الآية، وذلك أن كفَّ اللَّهِ أيدىَ المشركين مِن أهلِ مكةَ عن أهلِ الحديبيةِ قد ذكَره اللهُ بعد هذه الآيةِ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤].
فعُلِم بذلك أن الكفُّ الذي ذكَرَه اللهُ تعالى ذكرُه في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ غَيرُ الكفُّ الذي ذكَر اللهُ بعدَ هذه الآيةِ في قولِه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ وقولُه: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وليَكونَ كفُّه تعالى ذكرُه أيديَهم عن عِيالِهم آيةً وعِبرةً للمؤمنين به، فيَعْلَموا أن الله هو المتولى حِياطتَهم وكِلاءتَهم، في مشهدِهم ومَغِيبهم، ويَتَّقوا الله في أنفسِهم وأموالهم وأهليهم، بالحفظِ وحُسْنِ الوَلايةِ، ما كانوا مُقيمين على طاعتِه، مُنْتَهين إلى أمرِه ونهيِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ: وذلك آية للمؤمنين، كفُّ أيدى الناسِ عن عيالهم (١).
﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾.
يقولُ: ويُسَدِّدَكم أيُّها المؤمنون طريقًا واضحًا، لا اعْوِجاجَ فيه، فيُبَيِّنهُ لكم، وهو أن تثقوا في أموركم كلِّها بربِّكم، فتتوكلَّوا عليه في جميعها؛ ليَحوُطَكم حياطته إياكم في مسيرِكم إلى مكةَ مع رسول اللهِ ﷺ في أنفسكم وأهلِيكم وأموالِكم، فقد رأيْتُم أثر فعلِ اللهِ بكم، إذ وثِقْتُم به (٢) في مسيركم هذا.
وقولُه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ووعدكم أيُّها القومُ ربُّكم فتح بَلْدةٍ أُخرى لم تَقْدِروا على فتحِها، قد أحاط اللهُ بها لكم حتى يَفْتَحَها لكم.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذه البلدةِ الأُخرى والقريةِ الأُخرى التي وعَدَهم فتحَها، التي أخبرهم أنه مُحيطٌ بها؛ فقال بعضُهم: هي أرضُ فارسَ والرومِ، وما يَفْتَحُه المسلمون من البلاد إلى قيامِ الساعةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْديٍّ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكٍ الحَنَفيِّ، قال: سَمِعْتُ ابن عباسٍ يقولُ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: فارسُ والرومُ.
قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن الحكمِ، عن ابن أبي ليلى أنه قال في هذه الآيِة: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾.
قال: فارسُ والرومُ (١).
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَشروقى، قال: ثنا زيدُ بن حُبابٍ، قال: ثنا شعبةُ بنُ الحجاجِ، عن الحكمِ، عن عبد الرحمنِ بن أبي ليلى مثلَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.
قال: حدَّث عن الحسنِ، قال: هي فارسُ والرومُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: ما فتَحوا حتى اليومِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن الحكمِ، عن عبدِ الرحمنِ ابن أبي ليلى في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾.
قال: فارسُ والرومُ.
وقال آخرون: بل هي خيبرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ الآية.
قال: هي خيبرُ (١).
حدثت عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: يعنى خيبرُ، يبعثَهم رسولُ اللهِ ﷺ يومَئذٍ فقال: "لا تُمَثِّلوا، ولا تَغْلُّوا، ولا تَقْتُلوا وَليدًا (٢).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾.
قال: خيبرُ.
قال: لم يكونوا يَذْكُرونها، ولا يَرْجُونها، حتى أَخْبَرهم اللهُ بها (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾: يعنى أهلَ خيبرُ (٣).
وقال آخرون: بل هي مكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾: كنا نُحَدَّثُ أنها مكة.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾.
قال: بلغنا أنها مكةُ (١).
وهذا القولُ الذي قاله قتادةُ أشبه بما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ، وذلك أن اللَّهَ أَخْبَر هؤلاء الذين بايعوا رسولَ اللهِ ما تحتَ الشجرةِ أنه مُحيطٌ بقريةٍ لم يَقْدِروا عليها، ومعقولٌ أنه لا يقالُ لقومٍ: لم يَقْدِروا على هذه المدينةِ.
إلا أن يكونوا قد رامُوها فتعَذَّرَت عليهم، فأمَّا وهم لم يَرُوموها فتَتَعذَّرَ عليهم، فلا يقالُ: إنهم لم يَقْدِروا عليها.
فإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن رسولَ اللهِ ﷺ لم يَقْصِد قبلَ نزولِ هذه الآيةِ عليه خيبرَ لحربٍ، ولا وجَّه إليها لقتالِ أهلِها جيشًا ولا سريةً، عُلِم أن المعنيَّ بقوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾، غيرُها، وأنها هي التي قد عالَجها ورامَها فتعَذَّرَت، فكانت مكةُ وأهلُها كذلك، وأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه نبيَّه ﷺ والمؤمنين أنه قد أحاط بها وبأهلها، وأنه فاتِحُها عليهم، وكان اللهُ على كلِّ ما يشاءُ من الأشياءِ ذا قُدْرةٍ، لا يَتَعَذَّرُ عليه شيءٌ شَاءَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به من أهلِ بيعةِ الرضوانِ: ولو قاتَلَكم الذين كَفَروا باللهِ أيُّها المؤمنون بمكةَ، ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾.
يقولُ: لَانْهَزَموا عنكم، فولَّوْكم أعْجازَهم، وكذلك يَفْعَلُ المنهزمُ مِن قِرْنِه في الحرب.
﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
يقولُ: ثم لا يَجْدُ هؤلاء الكفارُ المنهزِمون عنكم، المُوَلُّوكم الأدبارَ، وليًّا يُوالِيهم على حربِكم، ولا نصيرًا يَنصُرُهم عليكم؛ لأن الله تعالى ذكرُه معكم، ولن يُغْلَبَ حزبٌ اللهُ ناصرهُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾.
يعني: كفارُ قريشٍ، قال اللهُ: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم من اللهِ (١).
وقولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لو قاتلكم هؤلاء الكفارُ مِن قريشٍ، خَذَلَهم اللهُ حتى يَهْزِمَهم عنكم، خِذْلانَه أمثالهم مِن أهلِ الكفرِ به الذين قاتَلوا أولياءَه من الأممِ الذين مضَوْا قبلَهم.
وأُخْرِج قولُه: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾.
نصبًا من غيرِ لفظهِ؛ وذلك أن في قولِه: ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ معنى: سَنَنْتُ فيهم الهزيمةَ والخِذْلانَ.
فلذلك قيل: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾.
مصدرًا من معنى الكلامِ لا مِن لفظِه.
وقد يَجوزُ أن تكون تفسيرًا لما قبلَها مِن الكلامِ.
وقولُه: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ولن تَجِدَ يا محمد لسنةِ اللهِ التي سنَّها في خلقه تغييرًا، بل ذلك دائمٌ، للإحسانِ جزاؤُه مِن الإحسانِ، وللإساءةِ والكفرِ العقابُ والنَّكالُ.
القول في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ يقولُ تعالى ذكرُه لرسوله ﷺ والذين بايعوا بيعةَ الرضوانِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.
يعنى: أن الله كفَّ أيدىَ المشركين الذين كانوا خرَجوا على عسكرِ رسولَ اللهِ ﷺ بالحديبيةِ يَلْتَمِسون غِرَّتَهم؛ ليُصيبوا منهم، فبعَث رسولَ اللهِ ﷺ فأُتِى بهم أسْرَى، فخلَّى عنهم رسولُ اللهِ ﷺ، ومنَّ عليهم ولم يَقْتُلُهم، فقال اللهُ للمؤمنين: وهو الذي كفَّ أيدى هؤلاء المشركين عنكم ﴿أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاءت الآثار.
ذكرُ الرواية بذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عليِّ بن الحسنِ بن شَقيقٍ، قال: سمِعْتُ أبي يقولُ: أَخْبَرنا الحسينُ بنُ واقد، قال: ثنى ثابتٌ البُنانيُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ، أَن رسولَ اللَّهِ ﷺ كان جالسًا في أصلِ شجرةٍ بالحديبيةِ، وعلى ظهرهِ غصنٌ مِن أغصانِ الشجرةِ، فرفَعْتُها عن ظهرِه، وعليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ بينَ يديه، وسهيلُ بنُ عمرٍو، وهو صاحبُ المشركين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لعليٍّ: "اكْتُبْ: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ".
فأمْسَك سهيل بيدِه فقال: ما نَعْرِفُ الرحمنَ، اكْتُبْ في قضيتِنا ما نَعْرِفُ.
فقال رسولُ الله ﷺ: "اكْتُبْ: باسمك اللهمَّ".
فكتَب، فقال: "هذا ما صالَح محمدٌ رسولُ اللهِ أهلَ مكةَ".
فأمْسَك سهيلٌ بيدِه فقال: لقد ظلَمْناك إن كنتَ رسولًا، اكْتُبْ في قضيتِنا ما نَعْرِفُ.
قال: "اكْتُبْ: هذا ما صالَح عليه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ عبد المطلبِ.
وأنا رسولُ اللَّهِ".
فخرَج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاحُ، فثاروا في وُجوهنا، فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ، فأَخَذ اللهُ بأبصارِهم، فقمْنا إليهم فأخَذْناهم، فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "هل خَرَجْتُم في أمانِ أحدٍ؟
".
[فقالوا: لا] (١).
قال: فخلَّى عنهم.
قال: فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٢).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن ثابتٍ، عن عبدِ اللهِ بن مُغَفَّلٍ، قال: كنا مع النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ في أصلِ الشجرةِ التي قال اللهُ في القرآن، و كان غصنٌ مِن أغصانِ تلك الشجرةِ على ظهرِ النبيِّ ﷺ، فرفَعْتُه عن ظهرِه.
ثم ذكَر نحوَ حديثِ محمدُ بنُ على، عن أبيه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى مِن لا أتَّهمُ، عن عكرمةَ مولى ابن عباسٍ، أن قريشًا كانوا بعَثوا أربعين رجلًا منهم أو خمسين، وأمَروهم أن يُطِيفوا بعسكرِ رسولَ اللهِ ﷺ؛ ليُصيبوا لهم (٣) من أصحابه أحدًا، فأُخِذوا أخْذًا، فأُتى رسولَ اللهِ ﷺ، فعفا عنهم، وخلَّى سبيلهم، وقد كانوا رمَوْا في عسكرِ رسول اللهِ ﷺ بالحجارة والنَّبْلِ.
قال ابن حميدٍ: قال سلمةُ: قال ابن إسحاقَ: ففى ذلك قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآيةِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: أقَبْل معتمرًا نبيُّ الله ﷺ، فأخذ أصحابُه ناسًا مِن أهل الحرمِ غافِلين، فأَرْسَلَهم النبيُّ ﷺ، فذلك الإظفار ببطنِ مكةَ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القَزَّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عائشةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن ثمانين رجلًا مِن أهلِ مكةَ هبَطوا على رسولِ اللهِ ﷺ وأصحابه مِن جبلِ التنعيمِ، عندَ صلاةِ الفجرِ ليَقْتُلوهم، فأَخَذَهم رسولُ اللهِ ﷺ، فأَعْتَقَهم، فأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ (٣).
وكان قتادةَ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ الآيةِ.
قال: بطنُ مكةَ الحديبيةُ، [ذُكِر لنا أن رجلًا مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ] (٤) يقال له: زُنَيْمٌ (٥).
اطَّلَع الثنية مِن الحديبيةِ، فرماه المشركون بسهمٍ فقتَلوه، فبعَث رسولُ اللهِ ﷺ خيلًا، فأتَوْه باثنَيْ عشر فارسًا مِن الكفار، فقال لهم نبيُّ اللهِ ﷺ له: "هل لكم عليَّ عهدٌ؟
هل لكم عليَّ ذمةٌ؟
" قالوا: لا.
فأَرْسَلَهم، فأنْزَل اللهُ في ذلك القرآنَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (١).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا به ابن حميد، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرٍ، عن ابن أَبْزَى، قال: لمَّا خرَج النبي ﷺ بالهَدْي وانْتَهَى إلى ذي الحُلَيفةِ، قال له عمرُ: يا نبيَّ اللَّهِ، تَدْخُلُ على قومٍ لك حربٌ بغيرِ سلاحٍ ولا كُراعٍ (٢)؟
قال: فبعَث إلى المدينةِ، فلم يَدَعْ بها كُراعًا ولا سلاحًا إلا حمَله، فلمَّا دنا مِن مكةَ منَعوه أن يَدْخُلَ، فسار حتى أتَى مِنًى، فنزَل بمنًى، فأتاه عَيْنُه أن عكرمةَ بنَ أبي جهلٍ قد خرَج عليك (٣) في خمسمائةٍ، فقال لخالدِ بن الوليدِ: "يا خالدُ، هذا ابن عمِّك قد أتاك في الخيلِ".
فقال خالدٌ: أنا سيفُ اللَّهِ وسيفُ رسولِه - فيومئذٍ سُمِّى سيفَ اللَّهِ - يا رسولَ اللهِ، ارْمِ بي حيث شئتَ.
فبعَثه على خيلٍ، فلقِى عكرمَة في الشَّعْبِ، فهزَمه حتى أدْخَله حِيطانَ مكةَ، ثم عاد في الثانيةِ، فهزمه حتى أدْخَله حيطان مكةَ، ثم عاد في الثالثة، فهزمه (٤) حتى أدْخَله حيطان مكةَ، فأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
قال: فكفَّ اللَّهُ النبيَّ عنهم مِن بعد أن أظْفَره عليهم؛ لبَقايا مِن المسلمين كانوا بقُوا فيها مِن بعدِ أن أظْفَره عليهم، كراهيةَ أن تَطَأَهم الخيلُ بغيرِ علمٍ (٥).
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان اللهُ بأعمالِكم وأعمالِهم بصيرًا، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء المشركون مِن قريشٍ هم الذين جحَدوا توحيدَ اللهُ، وصدُّوكم أيُّها المؤمنون باللهِ عن دخولِ المسجدِ الحرامِ، وصدُّوا الهَدىَ ﴿مَعْكُوفًا﴾.
يقولُ: محبوسًا عن أن يَبْلُغَ مَحِلَّه.
فموضعُ "أن" نصبٌ؛ لتعلُّقِه إن شئت بـ "معكوفٍ"، وإن شئتَ بـ "صدوا".
وكان بعضُ نحويي البصرةِ يقولُ في ذلك: وصدُّوا الهدىَ معكوفًا، كراهية أن يَبْلُغَ مَحِلَّه.
وعُنِى بقولِه تعالى ذكرُه: ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾: أَن يَبْلُغَ مَحِلَّ نحرِه.
وذلك دخولُ الحرمِ، والموضعُ الذي إذا (١) صار إليه حَلَّ نحرُه، وكان رسولُ اللَّهِ ﷺ ساق معه حينَ خرَج إلى مكةَ في سَفْرته تلك سبعين بدنةً.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، عن محمدِ بن مسلمٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَحْرَمةً ومَرْوانَ بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق (٢) معه سبعين بَدَنةً، وكان الناسُ سبعمائةِ رجلٍ، فكانت كلُّ بدنة عن عشرةٍ (١).
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾.
أي: محبوسًا ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾.
وأقَبْل نبيُّ اللهِ ﷺ وأصحابُه معتمرين في ذي القَعْدةِ، الهدىُ، ومعهم حتى إذا كانوا بالحديبيةِ صدَّهم المشركون، فصالَحهم نبيُّ اللهُ ﷺ على أن يَرْجِعَ مِن عامِه ذلك، ثم يَرْجِعَ مِن العامِ المُقْبِلِ، فيكونَ بمكَّة ثلاثَ ليالٍ، ولا يَدْخُلَها إلا بسلاحِ الراكبِ، ولا يَخْرُج بأحدٍ مِن أهلِها، فنحَروا الهدىَ، وحلَقوا، وقصَّروا، حتى إذا كان مِن العامِ المُقْبِلِ، أَقْبَل نبيُّ اللهُ ﷺ وأصحابُه، حتى دخَلوا مكةَ معتمرين في ذى القَعْدَةِ، فأقام بها ثلاثَ ليالٍ، وكان المشركون قد فخَروا (٢) عليه حينَ رَدُّوه، فأقَصَّه اللهُ منهم فأدْخَله مكةَ في ذلك الشهرِ الذي كانوا ردُّوه فيه، فأنْزَل اللهُ: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٤].
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ وأحمدُ بنُ منصورٍ الرَّماديُّ، واللفظُ لابنِ عُمارةَ، قالا: حدَّثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أَخْبَرنا موسى بن عُبيدةَ، عن إياسِ بن سلمةَ بن الأكوعِ، عن أبيه، قال: بعَثَت قريشٌ سُهَيْل بنَ عمرٍو، وحُوَيْطِبَ بنَ عبدِ العُزَّى، وحفصَ بنَ فلانٍ، إلى النبي ﷺ ليُصالحوه، فلما رآهم رسول اللهِ ﷺ فيهم سُهَيْلُ بنُ عمرٍو، قال: "قد سهَّل اللهُ لكم مِن أمرِكم، القومُ ماتُّون إليكم بأرحامِهم وسائلوكم الصلحَ، فابعثوا الهَدْىَ، وأظْهرِوا التلبيةَ، لعل ذلك يُليِنُ قلوبَهم".
فلبَّوا مِن نَواحى العسكرِ حتى ارْتَجَّت أصواتُهم بالتلبيةِ.
قال: فجاءوا فسأَلوه الصلحَ.
قال: فبينما الناسُ قد تَوادَعوا، وفي المسلمين ناسٌ مِن المشركين، [وفى المشركين ناسٌ مِن المسلمين] (١).
قال: ففتَك (٢) به أبو سفيانَ.
قال: فإذا الوادى يَسِيلُ بالرجالِ.
قال: قال إياسٌ: قال سلمةُ: فجئتُ بستةٍ مِن المشركين مُتَسَلِّحين أَسُوقُهم، ما يَمْلِكون لأنفسِهم نفعًا ولا ضرًّا، فأتَيْتُ بهم النبيَّ ﷺ، فلم يَسْلُبْ ولم يَقْتُلْ، وعَفا.
قال: فشدَدْنا على مَن في أيدى المشركين منا، فما ترَكْنا في أيديهم منا رجلًا إلا اسْتَنْقَذْناه.
قال: وعَلَبْنا على مَن في أيدينا منهم، ثم إن قريشًا بعَثُوا سُهَيْلَ بن عمرٍو، وحُوَيْطِبًا، فوَلُوا صلحَهم، وبعَث النبيُّ ﷺ عليًّا في صلحه، فكتب عليٌّ بينَهم: بسم اللهُ الرحمن الرحيمِ، هذا ما صالَح عليه محمد رسولَ اللهِ ﷺ قريشًا، صالَحهم على أنه [لا إغلالَ ولا إسلالَ] (٣)، وعلى أنه مِن قدم مكة مِن أصحابِ محمد ﷺ حاجًّا أو معتمرًا أو يَبْتَغِى مِن فضلِ اللَّهِ، فهو آمِنٌ على دمِه ومالِه، ومَن قدِم المدينةَ مِن قريش مُجْتازًا إلى مصرَ أو إلى الشامِ يَبْتَغِي مِن فضلِ اللهِ، فهو آمنٌ على دمِه ومالِه، وعلى أنه مِن جاء محمدًا ﷺ مِن قريشٍ فهو إليهم رَدُّ، ومَن جَاءَهم مِن أصحابِ محمدٍ فهو لهم، فاشْتَدَّ ذلك على المسلمين، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "مَن جَاءَهم منا فأَبْعَدَه اللَّهُ، ومَن جاءَنا منهم فرَدَدْناه إليهم، فعلِم اللهُ الإسلامَ مِن نفسه، جعَل له مخرجًا".
فصالَحوه على أنه يَعْتَمِرُ في عامِ قابلٍ في هذا الشهرِ، لا يَدْخُلُ علينا بخيلٍ ولا سلاحٍ إلا ما يَحْمِلُ المسافرُ في قرابه، يَثْوِى فينا ثلاثَ ليالٍ، وعلى أن هذا الهدْىَ حيثما حبسناه مَحِلُّه (١) لا يُقْدِمُه علينا.
فقال لهم رسولُ اللهُ ﷺ: "نحن نَسُوقُه، وأنتم تَرُدُّون وُجوهَه".
فسار رسولُ اللهُ ﷺ مع الهلايِ، وسار الناسُ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عُمارةَ، قال: ثنا عبيد اللهُ بن موسى، قال: أخبَرنا موسى، قال: أخبَرني أبو مُرَّةَ مولى أمِّ هانيء عن ابن عمرَ، قال: كان الهدىُ دونَ الجبالِ التي تَطْلُعُ على وادى الثنية، عرَض له المشركون، فردُّوا وجوهَه.
قال: فنحَر النبيُّ ﷺ الهدىَ حينَ حبَسوه، وهى الحديبيةُ، وحلَق، وتأَسَّى به أُناسٌ حينَ رأَوْه حلَق، وتربَّص آخرون فقالوا: لعلنا نَطوفُ بالبيتِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "رحِم اللهُ المُحَلِّقين".
قيل: والمُقَصِّرين.
قال: "رحم اللهُ المُحَلِّقين".
قيل: والمُقَصِّرين.
قال: "والمُقَصِّرِين" (٣).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُ بنُ ذَرٍّ الهَمْدانيُّ، عن مجاهدٍ، أن النبيَّ ﷺ اعْتَمر ثلاثَ عُمَرٍ، كلُّها في ذى القَعْدَةِ، يَرْجِعُ في كلِّها إلى المدينةِ، منها العمرةُ التي صُدَّ فيها الهدىُ، فنحَره في مجلِّه عندَ الشجرةِ، وشارَطوه أن يأْتىَ في العامِ المقبلِ معتمرًا فيَدْخُلَ مكةَ، فيَطوفَ بالبيتِ ثلاثةَ أيامٍ ثم يَخْرُجَ، ولا يَحْبسون عنه أحدًا قَدِم معه، ولا يَخْرُجَ مِن مكةَ بأحدٍ كان فيها قبلَ قدومِه مِن المسلمين، فلما كان مِن العامِ المقبل دخَل مكةَ، فأقام بها ثلاثًا يَطوفُ بالبيتِ، فلما كان اليومُ الثالثُ قريبًا مِن الظهرِ أرْسَلوا إليه: إن قومَك قد آذاهم مُقامُك.
فنُودِى في الناسِ: لا تَغْرُبُ الشمس وفيها أحدٌ مِن المسلمين قدِم مع رسولِ اللهِ ﷺ (١).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ، قال: خرَج النبيُّ ﷺ زمنَ الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ مائةً مِن أصحابِه، حتى إذا كانوا بذى الحُلَيْفَةِ قلَّد الهدىَ وأَشْعَره، وأَحْرَم بالعمرةِ، وبعَث بينَ يديه عينًا له مِن خُزاعةَ يُخْبِرُه عن قريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ، حتى إذا كان بغَديرِ الأشْطاطِ قريبًا مِن عُشفانَ (٢) أتاه عينه الخُزاعيُّ، فقال: إني ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ وعامرَ بنَ لُؤَيٍّ قد جمَعوا لك الأحابيشَ، وجمَعوا لك جُموعًا، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيتِ.
فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أَشِيروا عليَّ، أَتَرَوْن أَن تَمِيلَ على ذَراريِّ هؤلاء الذين أعانوهم فنُصِيبَهم، فإن قعَدوا قعَدوا مَوْتُورين مخروبين (٣)، وإن نجوا (٤) تَكُنْ عُنُقًا قطَعَها اللَّهُ؟
أم تَرَوْن أنا نَؤُمُّ البيتَ، فَمَن صدَّنا عنه قاتَلْنا؟
" فقام أبو بكرٍ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنا لم نَأْتِ لقتال أحدٍ، ولكنْ مِن حال بينَنا وبين البيتِ قاتَلْناه، فقال النبيُّ ﷺ: "فرُوحوا إذن" - وكان أبو هريرةَ يقولُ: ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشاورةً لأصحابِه مِن النبيِّ ﷺ فراحوا حتى إذا كانوا ببعضِ الطريقِ قال النبي ﷺ: "إن خالدَ بنَ الوليدِ بالغَميمِ في خيلٍ لقريشٍ طليعةً، فخُذوا ذاتَ اليمينَ".
فوالله ما شعَر بهم خالدٌ حتى إذا هو بَقَتَرةِ الجيشِ، فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نذيرًا لقريشٍ، وسار النبيُّ ﷺ اللهُ حتى إذا كان بالثَّنِيَّة التي يُهْبَطُ عليهم منها برَكَت به راحلتُه، فقال الناسُ: حَلْ حَلْ (١).
فقال: "ما حَلْ؟
".
فقالوا: خَلأتِ (٢) القَصْواءُ.
فقال النبيُّ ﷺ: "ما خَلأتُ، وما ذاك لها بخُلُقٍ، ولكنها حبسَها حابسُ الفيل".
ثم قال: "والذي نفسي بيده لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حرماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها".
ثم زُجِرَتْ فوثَبَتْ، فعدل عنهم، حتى نزل بأقصى الحديبيةِ، على ثَمَدٍ (٣) قليل الماءِ، إنما يَتَبَرَّضُه الناسُ تَبَرُّضًا (٤)، فلم يُلْبِته (٥) الناسُ (٦) أن نزَحوه، فشُكِي إلى رسولِ اللهِ ﷺ العطشُ، فنزَع سهمًا مِن كِنانته، ثم أَمَرَهم أن يَجْعَلوه فيه، فواللهِ ما زال يَجِيشُ لهم بالرِّيِّ حتى صدَروا عنه، فبينا هم كذلك جاء بُدَيْلُ بنُ وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نفرٍ مِن خُزاعةَ.
وكانوا عَيْبةً نُصح رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهلِ تِهامةَ - فقال: إنى ترَكْتُ كعبَ بنَ لُوَّيٍّ، وعامر بن لؤيٍّ، قد نزلوا أعداد (٧) مياهِ الحديبيةِ، معهم العُوذُ المَطافيلُ (٨)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت.
فقال النبيُّ ﷺ: "إنا لم نأت لقتال أحدٍ، ولكنا جِئْنَا مُعْتَمِرين، وإن قريشًا قد نهِكَتْهم الحربُ وأضَرَّت بهم، فإن شاءوا مادَدْناهم مدةً، ويُخَلُّوا بيني وبين الناس، فإن أَظْهَرْ فإن شاءوا أن يَدْخَلوا فيما دخل فيه الناسُ فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا (٩)، وإن هم أبَوْا، فوالذي نفسي بيدِه لأُقاتِلَتَّهم على أمرِى هذا حتى تَنْفَرِدَ سالفَتى (١)، أو ليُنْفِذَنَّ اللهُ أمره: فقال بُديلٌ: سنُبَلِّغُهم ما تقولُ.
فانْطَلَق حتى أتَى قريشًا، فقال: إنا قد جئْناكم مِن عندِ هذا الرجلِ، وسمِعْناه يقولُ قولًا، فإن شئتُم أَن نَعْرِضَه عليكم فعَلْنا قال سفهاؤُهم: لا حاجةَ لنا في أن تُحَدِّثَنَا عنه بشيءٍ.
وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سمِعْتَه يقولُ.
قال: سمِعْتُه يقولُ كذا وكذا.
فحدَّثهم بما قال النبيُّ ﷺ، فقام عروةُ بن مسعودٍ الثَّقَفيُّ فقال: أي قومِ، ألستم بالوالدِ (٢)؟
قالوا: بلى.
قال: أوَلستُ بالولدِ (٣)؟
قالوا: بلى.
قال: فهل تَتَّهِمونى؟
قالوا: لا.
قال: ألستم تَعْلَمون أنى اسْتنْفَرتُ أهلَ عُكاظٍ، فلما بَلَّحوا (٤) عليَّ جئتُكم بأهلى وولدى ومَن أطاعنى؟
قالوا: بلى.
قال: فإن هذا الرجلَ قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشْدٍ فاقْبَلُوها، ودَعُونى آتِه.
فقالوا: ائتِه.
فأتاه فجعَل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فقال النبيُّ ﷺ نحوًا مِن مقالتِه لبُدَيْلٍ، فقال عروةُ عندَ ذلك: أي محمدُ، أرأيْتَ إن استأصَلتَ قومَك، فهل سمِعْتَ بأحدٍ مِن العربِ اجْتاح أصله قبلك؟
وإن تَكُن الأخرى، فوالله إنى لأَرَى وجُوهًا وأَشْوابًا (٥) مِن الناس خليقًا أن يَفرُوا ويَدَعُوك.
فقال أبو بكرٍ: امصصْ بَظْرَ اللَّاتِ (٦) واللاتُ طاغيةُ ثَقيف التي (٧) كانوا يَعْبُدون - أنحن نَفِرُّ ونَدَعُه؟
فقال: مَن هذا؟
فقالوا: أبو بكرٍ.
فقال: أما والذي نفسي بيده لولا يدٌ كانت لك (١) عندى لم أَجْزِك بها لأجَبتُك (٢).
وجعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فكلما كلَّمه أخَذ بلحيتِه، والمغيرةُ بنُ شعبةَ قائمٌ على رأس النبيِّ ﷺ، ومعه السيفُ وعليه المغْفَرُ، فكلما أهْوَى عروةُ إلى لحيةِ رسولِ اللهِ ﷺ ما ضرب يدَه بنَعْل (٣) السيفِ وقال: أخِّرْ يدَك عن لحيتِه.
فرفَع رأسه فقال: مَن هذا؟
قالوا: المغيرةُ بن شعبةَ.
قال: أي غُدَرُ، أوَ لستُ أسْعَى في غَدْرتِك!
- وكان المغيرةُ بن شعبةَ صحِب قومًا في الجاهليةِ، فقتَلَهم وأخَذ أموالَهم، ثم جاء فأسْلَم.
فقال النبيُّ ﷺ: وأمَّا الإسلامُ فقد قبلناه، وأمَّا المالُ فإنه مالُ غَدْرٍ، لا حاجةَ لنا فيه" - وإن عروةَ جعَل يَرْمُقُ أصحابِ النبي ﷺ بعينِه، فواللهِ إن تنخَّم النبيُّ ﷺ نُخامةً إلا وقَعت في كفِّ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمرَهَم ابْتَدَروا أمرَه، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتِلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّم خفَضوا أصواتَهم عنده، وما يُحدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، فرجع عروةُ إلى أصحابِه فقال: أي قومِ، والله لقد وفَدْتُ على الملوكِ، ووفَدْتُ على قيصرَ وكِشرى والنجاشيِّ، والله إن رأَيْتُ ملكًا قطُّ يُعَظِّمُه أصحابُه ما يُعَظِّمُ أصحابُ محمدٍ محمدًا، واللَّهِ إِن تَنَخَّم نُخامةً إلا وقَعَت في كفٌ رجلٍ منهم، فدلَك بها وجهَه وجلدَه، وإذا أمَرَهم ابْتَدَروا أمره، وإذا توَضَّأ كادوا يَقْتَتلون على وَضوئِه، وإذا تكَلَّموا عنده خفَضوا أصواتَهم، وما يُحِدُّون النظرَ إليه تعظيمًا له، وإنه قد عرَض عليكم خُطَّةَ رُشد فاقْتِلُوها.
فقال رجلٌ مِن كِنانةَ: دَعُونى آيِهِ.
فقالوا: ائْتِه.
فلما أشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه، قال النبيُّ ﷺ: "هذا فلانٌ: "هذا فلانٌ، وهو مِن قومٍ يُعَظِّمون البُدْنَ، فابْعَثُوها له".
فبُعِثَت له، واسْتَقْبله قومٌ يُلَبُّون فلمَّا رأَى ذلك قال: سبحانَ اللَّهِ، ما يَنْبَغِي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت.
[فلما رجَع إلى أصحابِه قال: رأيتُ البُدْنَ قد قُلِّدَت وأُشعرت، فما أَرَى أن يُصَدُّوا عن البيت] (١).
فقام رجلٌ منهم يقالُ له: مِكْرَزُ بنُ حفصٍ.
فقال: دعوُني آته.
فقالوا: ائتِه.
فلما أَشْرَف على النبيِّ ﷺ وأصحابِه قال النبيُّ ﷺ: "هذا مِكْرَزُ بنُ حفصٍ، وهو رجلٌ فاجرٌ".
فجاء فجَعل يُكَلِّمُ النبيَّ ﷺ، فبينا هو يُكَلِّمُه إذ جاء سُهَيْلُ بن عمرٍو - قال أيوبُ: قال عكرمةُ: إنه لما جاء سُهَيلٌ قال النبيُّ ﷺ: "قد سَهُل لكم مِن أمرِكم" - قال الزهريُّ: فجاء سهيلُ بنُ عمرٍو فقال: هاتِ نَكْتُبْ بيننا وبينك كتابًا.
فدعا الكاتبَ.
فقال النبيُّ ﷺ: اكْتُبْ: "بسم اللهُ الرحمن الرحيم".
فقال: ما الرحمنُ؟
فواللهِ ما أدْرِى ما هو، ولكن اكتُبِ: باسمِك اللهمَّ، كما كنتَ تَكْتُبُ.
فقال المسلمون: واللَّهِ لا نَكْتُبُها إلا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ.
فقال النبيُّ ﷺ "اكتُبْ: باسمِك اللهمَّ".
ثم قال: "اكتُبْ: هذا ما قاضَى عليه محمدٌ رسولُ اللَّهِ".
فقال سهيلٌ: واللهِ لو كنا نَعلَمُ أنك رسولُ اللهِ ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ.
فقال النبيُّ ﷺ: "واللهِ إنى لرَسولُ اللَّهِ وإِن كَذَّبْتُموني، ولكن اكتُبْ: محمدُ بنُ عبد اللهِ".
قال الزهريُّ: وذلك لقوله: "واللهِ لا يَسْأَلُونى خُطَّةً يُعَظِّمون بها حُرُماتِ اللَّهِ إلا أعْطَيْتُهم إياها".
فقال النبيُّ ﷺ: "على أن تُخَلُوا بيننا "وبينَ البيتِ، فنطوفَ به".
قال سهيلٌ: واللهِ لا تَتَحَدَّثُ العربُ أنا أُخِذْنَا ضُغطةً، ولكن لك مِن العام المُقْبِلِ.
فكتَب، فقال سهيلٌ: وعلى أنه لا يَأْتيك منا رجلٌ، وإن كان على دينِك، إلا ردَدْتَه إلينا.
فقال المسلمون: سبحانَ اللهِ!
وكيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاءَ مسلما؟!
فبينا هم كذلك، إذ جاء أبو جندلِ بنُ سهيلٌ بن عمرٍو يرسُفُ في قُيوده، قد خرَج مِن أسفلِ مكةَ، حتى رمَى بنفسِه بينَ أَظْهُرِ المسلمين، فقال سهيلٌ: هذا يا محمدُ أولُ مِن أُقاضِيك عليه أن تَردَّه إلينا.
فقال النبيُّ ﷺ: "فَأَجِزه (١) لى".
فقال: ما أنا بمُجِيزِه لك.
قال: بلى فافعَل".
قال: ما أنا بفاعلٍ.
قال صاحبُه مِكْرزٌ - وسهيلٌ إلى جنبِه -: قد: قد أَجَزناه لك.
فقال أبو جندلٍ: أي معاشرَ المسلمين، أأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئتُ مسلمًا؟!
ألا تَرَون ما قد لقيتُ؟
وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في اللَّهِ.
قال عمرُ بنُ الخطابِ: واللهِ ما شكَكْتُ منذ أسلَمتُ إلا يومَئذٍ، فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطلِ؟
قال: "بلى".
قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟
قال: "إنى رسولُ اللَّهِ، ولسْتُ أَعْصِيه، وهو ناصِرِى".
قلتُ: أَلسْتَ تُحدِّثنا أنا سنَأْتى البيتَ فتَطوفُ به؟
قال: "بلي".
قال: فأَخْبَرْتُك أنك تَأْتيه العام؟
"قلتُ: لا.
قال: "فإنك آتِيه ومُتَطَوِّفٌ به".
قال: ثم أتَيْتُ أبا بكرٍ فقلت: أليس هذا نبيَّ اللهُ حقًّا؟
قال: بلى.
قلتُ: ألسْنا على الحقِّ وعدوُّنا على الباطل؟
قال: بلى.
قلتُ: فلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دينِنا إذن؟
قال: أيُّها الرجلُ، إنه رسولُ اللَّهِ، وليس يَعْصِى ربَّه، فاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِه حتى تموتَ، فواللهِ إنه لعلى الحقِّ قلتُ: أو ليس كان يُحَدِّثُنا أنا ستَأْتى البيتَ ونَطوفُ به؟
قال: بلى، أفَأَخْبَرك أنك تَأْتيه العام؟
قال: لا.
قال: فإنك آتِيه ومُطوِّفٌ (٢) به - قال الزهريُّ: قال عمر: فعمِلْتُ لذلك أعمالًا - فلمَّا فرغ مِن قضيتِه (٣) قال النبيُّ ﷺ لأصحابه: "قُوموا فانْحَروا ثم احْلِقوا".
قال: فواللهِ ما قام منا رجلٌ حتى قال ذلك ثلاثَ مراتٍ، فلمَّا لم يَقُمْ منهم أحدٌ، قام فدخَل على أمِّ سلمةَ، فذكَر لها ما لقِى مِن الناسِ، فقالت أمُّ سلمةَ: يا نبيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذلك؟
اخْرُجْ، ثم لا تُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى تَنْحَرَ بُدْنَك، وتَدْعُوَ حالِقَك فيَحْلِقَك.
فقام فخرَج، فلم يُكَلِّمْ أحدًا منهم كلمةً حتى نحَر بدنَه، ودعا حالِقَه فحلَقه، فلما رأَوْا ذلك قاموا فنحَروا وجعَل بعضُهم يَحْلِقُ بعضًا، حتى كاد بعضُهم يَقْتُلُ بعضًا غَمَّا، ثم جاءه نِسوةٌ مؤمناتٌ، فأنْزَل اللهُ ﷿ عليه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ حتى بلَغ: ﴿بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
قال: فطلَّق عمر يومَئذٍ امرأتين كانتا له في الشركِ.
قال: فنهاهم أن يَرُدُّوهن، وأَمَرَهم أن يَرُدُّوا الصداقَ حينَئذٍ - قال رجلٌ للزهريُّ: أمن أجلِ الفروجِ؟
قال: نعم - فتزوَّج إحداهما معاويةُ بن أبي سفيانَ، والأخرى صفوانُ بن أميةَ، ثم رجَع النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فجاءه أبو بَصيرٍ - رجلٌ مِن قريشٍ - وهو مسلمٌ، فأُرسِل في طلبِه رجلان، فقالا: العهدَ الذي جعَلْتَ لنا.
فدفَعه (١) إلى الرجلين، فخرَجا به، حتى إذا بلَغا ذا الحُلَيْفَةِ، فنزَلوا يَأْكُلون مِن تمرٍ لهم، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجلين: واللهِ إني لأَرَى سيفك هذا يا فلانُ جيدًا.
فاسْتَلَّه الآخرُ فقال: واللهِ إنه لجيدٌ، لقد جرَّبْتُ به وجرَّبْتُ.
فقال أبو بَصِيرٍ: أَرِنِى أَنْظُرْ إليه.
فأمْكنه منه، فضربه به حتى برَد (٢)، وفَرَّ الآخرُ حتى أتَى المدينةَ، فدخَل المسجد يَعْدُو، فقال النبيُّ ﷺ: "رأى هذا ذُعْرًا".
فقال: قُتِل واللهِ صاحبي، وإني واللهِ لمَقتولٌ.
فجاء أبو بَصيرٍ فقال: قد وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذمتك، وردَدْتَني إليهم، ثم أَنجانى (٣) اللَّهُ فقال النبيُّ ﷺ: "وَيْلُ امِّه، مِسْعَرَ حربٍ، لو كان له أحدٌ".
فلما سمع عرف أنه سيَرُدُّه إليهم.
قال: فخرَج حتى أتَى سيِفَ البحرِ، وتفَلَّت أبو جَنْدَلِ بن سهيلٌ بنُ عمرِو فلحِق بأبي بَصيرٍ، فجعَل لا يَخْرُجُ مِن قريشٍ رجلٌ قد أسْلَم إلا لحِق بأبي بَصيرٍ، حتى اجتمَعت منهم عصابةٌ، فواللهِ ما يسمَعون بِعِيرٍ خرَجَت لقريشٍ إلى الشامِ إلا اعْتَرَضوا لهم فقتَلُوهم وأخَذوا أموالَهم فأرْسَلَت قريشٌ إلى النبيِّ ﷺ يُناشِدونه الله والرَّحِمَ لَمَا أَرْسَل إليهم، فمَن أتاه فهو آمِنٌ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ الفتح: ٢٤ - ٢٦]، وكانت حَمِيَّتُهم أنهم لم يُقرُّوا أنه نبيٌّ، ولم يُقِرُّوا بسمِ اللهُ الرحمنِ الرحيمِ، وحالوا بينَهم وبينَ البيتِ (١).
حدَّثني يعقوب بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن الزهريِّ، عن عروةُ، عن المِسْوَرِ بن مَخْرَمةَ ومروانَ بن الحكمِ، قالا: خرَج رسولُ اللهِ ﷺ مِن الحديبيةِ في بضعَ عشْرةَ.
ثم ذكَر نحوَه، إلا أنه قال في حديثهِ: قال الزهريُّ: فحدَّثنى القاسمُ بنُ محمدٍ، أن عمرَ بنَ الخطابِ ﵁ قال: فأَتَيْتُ النبيَّ ﷺ فقلتُ: ألست برسولِ اللَّهِ؟
قال: "بلى" قال أيضًا: وخرج أبو بَصيرٍ والذين أسْلَموا مِن الذين ردَّ رسولَ اللهِ ﷺ، حتى لحِقوا بالساحل على طريقِ عيرِ قريشٍ، يقتُلون (٢) مَن كان فيها مِن الكفارِ ويَغْنمونها، فلمَّا رأَى ذلك كفارُ قريشٍ ركِب نفرٌ منهم إلى رسولَ اللهِ ﷺ، فقالوا له: إنها لا تُغْنِى مدتُك شيئًا، ونحن نُقَتَّلُ وتُنْهَبُ أموالُنا، وإِنا نَسْأَلُك أَن تُدْخِلَ هؤلاء الذين أسْلَموا منا في صلحِك وتَمْنَعَهم، وتَحْجِزَ عنا قتالَهم.
ففعَل ذلك رسولَ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾.
ثم ساق الحديثَ إلى آخرِه، نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةَ، عن ابن إسحاق، عن محمدِ بن مسلم بن شهابٍ الزهريِّ، عن عروةَ بن الزبيرِ، عن المشورِ بن مَخْرَمةَ ومروان بن الحكمِ، أنهما حدَّثاه، قالا: خرج رسول اللهِ ﷺ عام الحديبيةِ يُرِيدُ زيارةَ البيتِ، لا يُرِيدُ قتالًا، وساق معه هديَه سبعين بَدَنةً، حتى إذا كان بعُسْفانَ لقِيه بشرُ بن سفيانَ الكعبيُّ، فقال له: يا رسولَ اللهِ، هذه قريشٌ قد سمِعَت بمسيرِك، فخرَجوا معهم العُوذُ المطافيلُ، قد لبِسوا جلودَ النمورِ، ونزَلوا بذِى طُوًى، يُعاهدون اللَّهَ لا تَدْخُلُها عليهم أبدًا، وهذا خالدُ بنُ الوليدَ في خيلِهم، قد قدَّموها إلى كُراعِ الغَميم.
قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "يا ويحَ قريشٍ، لقد أهلَكتْهم (٢) الحربُ، ماذا عليهم لو خَلَّوْا بينى وبينَ سائرِ العربِ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظْهَرَنى اللهُ عليهم دخَلوا في الإسلامَ وافِرين (٣)!
".
ثم ذكَر نحوَ حديثِ معمرٍ، بزياداتٍ فيه كثيرة على حديثِ معمرٍ، ترَكتُ ذكرِها (٤).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾.
قال: كان الهدىُ بذى طُوًى، والحديبية خارجةٌ مِن الحرمِ، نزَلَها رسولَ اللهِ ﷺ حين غَوَّرَت قريشٍ عليه الماءَ.
وقولُه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولولا رجالٌ مِن أهلِ الإيمانِ ونساءٌ منهم، أيُّها المؤمنون باللهِ، أن تَطَئوهم بخَيْلِكم ورجلكم، لم تَعْلَموهم بمكةَ، وقد حبَسهم المشركون بها عنكم، فلا يستطيعون مِن أجلِ ذلك الخروجَ إليكم - فتقتُلوهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾.
حتى بلَغ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: هذا حينَ رُدَّ محمدٌ ﷺ وأصحابُه أن يدخُلوا مكةَ، فكان بها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ، فكرِه الله أن يُؤذوا أو يُوطَئوا بغيرِ علمٍ، ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١).
واختلَف أهلُ التأويلِ في المعَرَّةِ التي عناها اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم عُنِي بها الإثمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال: إثمٌ بغيرِ علمٍ (٢).
وقال آخرون: عُنِى بها غُرْمُ الدِّيةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: [والمعرةُ الغُرْمُ.
أي: أن تُصِيبُوا منهم معرةً بغير علمٍ] (١) فتُخرِجوا دِيَتَه، فأمّا إثمٌ فلم يَخْشَه (٢) عليهم (٣).
والمَعَرَّةُ هي المَفْعَلَة من العُرِّ، وهو الجَرَبُ.
وإنما المعنى: فتُصيبَكم من قِبَلِهم معرَّةٌ تُعَرُّون بها، يَلْزَمُكم من أجلِها كفارةُ قتلِ الخطأ،؛ وذلك عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ مَن أطاق ذلك، ومَن لم يُطِق فصيامُ شهرين.
وإنما اختَرْتُ هذا القولَ دونَ القولِ الذي قاله ابن إسحاقَ؛ لأنّ الله إنما أوجَب على قاتلِ المؤمنِ في دارِ الحربِ إذا لم يكنْ هاجَر منها، ولم يكنْ قاتِلُه عَلم إيمانَه - الكفارةَ دونَ الدِّيَةِ، فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ولم يُوجِبْ على قاتلِه خطأ دِيَةً (٤)، فلذلك قلنا: عُنِى بالمعرَّةِ في هذا الموضعِ الكفارةُ.
و ﴿أَنْ﴾ مِن قولِه: ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ في موضعِ رفعٍ، ردًّا على "الرجال"؛ لأن معنى الكلامِ: ولولا أن تطَئوا رجالًا مؤمنين ونساءً مؤمناتٍ لم تَعْلموهم، فتُصيبَكم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ - لأذِن اللهُ لكم أيُّها المؤمنون في دخولِ مكةَ، ولكنه حال بينَكم وبينَ ذلك؛ ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: ليُدْخِلَ اللهُ في الإسلامِ مِن أهلِ مكةَ مَن يشاءُ قبل أن تَدْخُلوها.
وحُذِف جوابُ "لولا" استغناءً بدلالةِ الكلامِ عليه.
وقولُه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾.
يقولُ: لو تَميَّز الذين في مشركي مكةَ مِن الرجالِ المؤمنين والنساءِ المؤمناتِ، الذين لم تَعْلموهم منهم، ففارَقوهم وخرَجوا مِن بين أظْهُرِهم ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
يقولُ: لقتَلْنا مَن بَقِى فيها بالسيفِ، أو: لأهلَكْناهم ببعضِ ما يُؤلِمُهم مِن عذابِنا العاجلِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ الآية: إنّ الله يَدفعُ بالمؤمنين (١) عن الكفارِ (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾: يعنى أهلَ مكةَ، كان فيهم مؤمنون مُستضعَفون، يقولُ اللهُ: لولا أولئك المُستَضْعَفون، لو قد تَزَيَّلوا لعذَّبنا الذين كفَروا مِنهم عذابًا أَلِيمًا.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾: لو تَفرَّقوا، فَتَفرَّق المؤمنُ مِن الكافرِ، ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: حينَ جعَل سُهَيلُ بنُ عمرٍو في قلبه الحمِيَّةَ، فامتنَع أن يكتُبِ في كتابِ المقاضاةِ الذي كُتِب بينَ يدَىْ رسولِ اللهِ ﷺ والمشركين: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.
وأن يكتُبَ فيه: محمدٌ رسولُ اللهِ، وامتنَع هو وقومُه مِن دخولِ رسولِ اللهِ ﷺ العامَه ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزُّهريِّ، قال: كانت حميَّتُهم التي ذكَر الله: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.
أنهم لم يُقِرُّوا [بـ "بسم] (١) اللهِ الرحمنِ الرحيمِ"، وحالوا بينهم وبينَ البيتِ (٢).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ بنحوِه (٣).
حدَّثني عمرُو بنُ محمدٍ العثمانيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ، قال: ثنى أخى، عن سليمانَ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن المسيِّبِ أن أبا هريرةَ أخبَره أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ.
فمن قال: لا إلهَ إلا اللهُ.
فقد عصَم منِّي مالَه ونَفْسَه، إلا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ".
وأنزَل اللهُ في كتابِه، فذكَر قومًا استكبَروا، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥].
وقال اللهُ: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾.
وهى: لا إلهَ إلا الله، محمدٌ رسولُ اللهِ، استكبَر عنها المشركون يومَ الحديبيةِ؛ يومَ كاتَبهم رسولُ اللهِ ﷺ على قضيَّة المُدَّة (١).
و ﴿إِذْ﴾ مِن قولِه: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
من صلِة قولِه: ﴿لَعَذَّبْنَا﴾.
وتأويلُ الكلامِ: لعذَّبنا الذين كفروا منهم عذابًا أليمًا، حينَ جعَل الذين كفروا في قلوبِهم الحَميَّةَ.
والحَمِيَّةُ فَعِيلَةٌ، من قولِ القائلٍ: حَمَى فلانٌ أَنْفَه حَمِيَّةٌ ومَحْمِيَّةً، ومنه قولُ المُتَلمِّسِ (٢): أَلَا إِنَّنِي منهم وعِرْضِيَ عِرْضُهُمْ … كذا الرأسُ يَحْمِي أَنْفَه أن يُكَشَّما (٣) يعنى بقولِه: يَحْمِي: يمنعُ.
وقال: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾؛ لأن الذي فعَلوا من ذلك كان جميعُه من أخلاقِ أهلِ الكفرِ، ولم يكنْ شيءٌ منه مما أذِن الله لهم به، ولا أحدٌ رسلِه.
وقولُه: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأنزل اللهُ الصبرَ والطُّمَأنينة والوقارَ على رسولِه وعلى المؤمنين؛ إذْ حَمِي الذين كفروا حمِيَّةَ الجاهليةِ، ومنَعوهم مِن الطوافِ بالبيتِ، وأبَوا أن يَكْتُبوا في الكتابِ بينَه وبينَهم: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ومحمدٌ رسولُ اللهِ.
﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
يقولُ: ألزَمهم قولَ: لا إلهَ إلا الله، [الذي يتَّقون به] (١) النارَ وأليمَ العذابِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، على اختلافٍ في ذلك منهم، ورُوِى به الخبر عن رسولِ اللهِ ﷺ.
ذكرُ قائلى ذلك بما قلنا فيه، والخبرِ الذي ذكَرْنا عن رسولِ اللهِ ﷺ حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا سفيانُ بنُ حَبيبٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن ثُوَيْرِ (٢) بن أبى فاختةَ، عن أبيه، عن الطفيلِ، عن أبيه، سمِع رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ" (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ العَتَكيُّ، قال: سمِعتُ سَلْمًا (٤)، سمِع شعبةَ، سمِع سلمةَ بنَ كهيلٍ، سمِع عَبايةَ، سمِع عليًّا ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٥).
حدَّثني ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ، عن عبايةَ بن رِبعيٍّ، عن عليٍّ ﵁ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عيسى الدامَغَانيُّ، قال: ثنا ابن المباركِ، عن سفيانَ وشعبةَ، عن سلمةَ بن كُهيلٍ، عن رجلٍ، عن عليٍّ ﵁ قال: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، عن شعبةَ، عن سلمة، عن عَبايةَ (٢) - رجل من بني تميمٍ - عن عليٍّ ﵁: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
يقولُ: شهادةَ ألا إلهَ إلا اللهُ، فهي كلمةُ التقوى.
يقولُ: فهى رأسُ التقوى (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ يُحَدِّثُ عن عمرُو بنُ ميمونٍ أنه كان يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ (٤).
حدَّثني محمد بنُ عيسى، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرُو بنُ ميمونٍ مثلَه (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ.
قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: وهى شهادةُ ألا إلهَ إلا اللهُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: هي لا إلهَ إلا اللهُ (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: هي لا إلهَ إلا اللهُ (٤).
حدَّثني سعدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكمِ، قال: ثنا حفصُ بنُ عمرَ، قال: ثنا الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: شهادة ألا إلهَ إلا اللهُ (٥).
حدَّثني ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عمرُو بنُ أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن عبدِ العزيزِ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: لا إلهَ إلا اللهُ، محمدٌ رسولُ اللهِ (١).
حدَّثني الضِّراريُّ (٢) محمدُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا محمدُ بنُ سَوارٍ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عيينةَ، عن يزيدَ (٣) أبي خالدٍ المكيِّ، عن عليٍّ الأزْديِّ، قال: كنتُ مع ابن عمرَ بينَ مكةَ ومِنًى بالمَأْزِمَيْن (٤)، فسمِع الناسَ يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ، واللهُ أكبرُ.
فقال: هي هي.
فقلتُ: ما هي؟
قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ (٥).
وقال آخرون: [بل كلمةُ التقوى الإخلاصُ] (٦).
[ذكر من قال ذلك] حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزْديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: الإخلاصَ (٧).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾: كلمةَ الإخلاصِ (١).
وقال آخرون: هي قولُه: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عيسى، قال: ثنا ابن المبارك، عن معمرٍ، عن الزهريِّ في قولِه: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال: بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ (٢).
وقال آخرون: هي قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يمانٍ، قال: أخبَرنا ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾.
قال أحدُهما: الإخلاصَ.
وقال الآخرُ: كلمةُ التقوى: لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ (٣).
وقولُه: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وكان رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أحقَّ بكلمةِ التقوى من المشركين، ﴿وَأَهْلَهَا﴾.
يقولُ: وكان رسولُ اللهِ ﷺ والمؤمنون أهل كلمة التقوى دونَ المشركين.
وذُكر أنها في قراءة عبدِ اللهِ: (وكانُوا أَهْلَها وَأحَقَّ بِها) (١).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾: وكان المسلمون أحقَّ بها، وكانوا أهلَها - أي: التوحيدِ وشهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ، وأن محمدًا عبدهُ ورسولُه (٢).
وقولُه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولم يَزَلِ اللهُ بكلِّ شيءٍ ذا علمٍ، لا يخفى عليه شيءٌ هو كائنٌ، ولِعِلْمِه أَيُّها الناسُ بما يَحْدُثُ مِن دخولِكم مكةَ وبها رجالٌ مؤمنون ونساءٌ مؤمناتٌ لم تَعْلموهم - لم يأذنْ لكم بدخولِ مكةَ في سَفْرتِكم هذه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد صدَق اللهُ رسولَه محمدًا رُؤْياه التي أرَاها إيَّاه؛ أنه يدخلُ هو وأصحابُه بيتَ اللهِ الحرامَ آمنين، لا يخافُون أهلَ الشركِ، مقصرًا بعضُهم رأسَه، ومُحلِّقًا بعضُهم.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾.
قال: هو دخولُ محمدٍ ﷺ البيتَ، والمؤمنون مُحلِّقين رءوسَهم ومُقصِّرين (١).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ قال: أُرِى بالحُديبيةِ أنه يدخلُ مكةَ وأصحابُه محلِّقين، فقال أصحابُه حينَ نَحر بالحُديبيةِ: أين رُؤيا محمدٍ ﷺ (٢)؟
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾.
قال: رأى رسولُ الله ﷺ أنه يطوفُ بالبيتِ وأصحابُه، فصدَّق الله رُؤياه فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾.
حتى بلَغ: ﴿لَا تَخَافُونَ﴾.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾.
قال: أُرِى في المنامِ أنَّهم يَدْخُلون المسجدَ الحرامَ، وأنهم آمِنون، محلِّقين رءوَسهم ومُقصِّرين (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى آخرِ الآيةِ، قال: قال لهم النبيُّ ﷺ: "إنِّي قد رأيتُ أنَّكم ستدخُلون المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسَكم ومقصِّرين".
فلمّا نزَل بالحُديبيةِ ولم يَدْخُلْ ذلك العام، طعَن المنافقون في ذلك فقالوا: أين رُؤياه؟
فقال اللهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾: إِنِّي لم أُرِهْ أنه يدخُلُها هذا العامَ، وليكوننَّ ذلك (١).
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾: الرؤيا رسولِ اللهِ ﷺ التي أُرِيها أنه سيدخلُ مكةَ آمِنًا لا يخافُ، يقولُ: مُحلِّقين ومقصِّرين لا تَخافون (٢).
وقولُه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فعَلِم اللهُ جلَّ ثناؤُه ما لم تَعْلَموا.
وذلك عِلْمُه تعالى ذكرُه بما بمكةَ من الرجالِ والنساءِ المؤمنين الذين لم يَعْلَمُهم المؤمنون، ولو دخَلوها في ذلك العامِ لوَطِئوهم بالخيلِ والرَّحِل، فأصابتهم منهم مَعَرَّةٌ بغيرِ علمٍ، فردَّهم الله عن مكةَ من أجلِ ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾.
قال: ردَّه لمكانِ مَن بينَ أَظْهُرِهم من المؤمنين والمؤمناتِ، وأخَّرَه ليُدخلَ اللهُ في رحمتِه مَن يَشَاءُ؛ مَن يريدُ أَن يَهْدِيَه (١).
وقولُه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في الفتحِ القريبِ الذي جعَله اللهُ للمؤمنين، دون دخولهم المسجدَ الحرامَ محلِّقين رءوسِهم ومُقصِّرين؛ فقال بعضُهم: هو الصلحُ الذي جرَى بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ مُشرِكي قريشٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
قال: النحرُ بالحُديبيةِ، ورجَعوا فافتَتَحوا خيبرَ، ثم اعتَمر بعدَ ذلك، فكان تصديقُ رؤياه في السنةِ القابلةِ (١).
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
يعنى: صلحَ الحُديبيةِ، وما فُتِح في الإسلامِ فتحٌ كان أعظَمَ منه، إنما كان القتالُ حيث التَقَى الناسُ، فلمّا كانت الهدنةُ وُضِعت الحربُ، وأمِن الناسُ كلُّهم بعضُهم بعضًا، فالتقوا، فتفاوَضُوا في الحديثِ والمنازعةِ، فلم يُكَلَّمْ أحدٌ بالإسلام يَعْقِلُ شيئًا إلا دخَل فيه، فلقد دخَل في تَيْنك السَّنتَين في الإسلامِ مثلُ مَن كان في الإسلامِ قبلَ ذلك وأكثرُ (٢).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
قال: صلحَ الحُديبيةِ (٣).
وقال آخرون: عُنى بالفتحِ القريبِ في هذا الموضعِ فتحُ خيبرِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾.
قال: خيبرَ، حين رجَعوا من الحُديبيةِ، فتَحها اللهُ عليهم، فقسَّمَها على أهلِ الحديبيةِ كلِّهم إلَّا رجلًا واحدًا من الأنصارِ يقالُ له: أبو دُجانة سِماكُ بنُ خَرَشةَ.
كان قد شَهِد الحديبيةَ وغاب عن خيبرَ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصواب أن يُقالَ: إن الله أخبر أنَّه جعَل لرسولِه والذين كانوا معه مِن أهلِ بيعة الرضوانِ فتحًا قريبًا من دون دخولهم المسجدَ الحرامَ، ودون تصديقه رُؤيا رسول الله ﷺ، وكان صلحَ الحُديبيةِ وفتحُ خيبرَ دونَ ذلك، ولم يَخْصصِ اللهُ تعالى ذكرُه خبرَه ذلك عن فتحٍ من ذلك دونَ فتحٍ، بل عمَّ ذلك، وذلك كلُّه فتحٌ جعَله اللهُ مِن دونِ ذلك.
والصوابُ أن يَعُمَّه كما عمَّه، فيقالُ: جعَل اللهُ مِن دونِ تصديقهِ رُؤيا رسولِ اللهِ ﷺ بدخولِه وأصحابِه المسجدَ الحرامَ مُحلِّقين رءوسَهم ومقصِّرين، لا يخافون المشركِين - صُلح الحُديبية وفَتْحَ خيبر.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾: اللهُ (١) الذي (٢) أرسَل رسولَه محمدًا ﷺ بالبيانِ الواضحِ، ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾، وهو الإسلامُ، الذي أرسَله داعيًا خَلْقَه إليه، ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.
يقولُ: ليُبطِلَ به المِلَلَ كلَّها حتى لا يكونَ دينٌ سِواه، وذلك كان كذلك، حتى ينزلَ عيسى ابن مريمَ، فيقتُلَ الدجالَ، فحينئذٍ تبطُلُ الأديانُ كلُّها، غيرَ دينِ اللَّهِ الذي بعَث به محمدًا ﷺ، ويظهرُ الإسلامُ على الأديانِ كلِّها.
وقولُه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: أشْهَدَك يا محمدُ ربُّك على نفسِه، أنه سيُظهِرُ الدينَ الذي بعَثكَ به، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
يقولُ: وحَسْبُك به شاهدًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الهُذَليُّ، عن الحسنِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾.
يقولُ: أَشْهَدَ لك على نفسه أنَّه سيظهرُ دينَك على الدِّينِ كلِّه.
وهذا إعلامٌ من اللهِ تعالى نبيِّه ﷺ، والذين كرِهوا الصُّلحَ يومَ الحديبيةِ من أصحابهِ، أن الله فاتحٌ عليهم مكةَ وغيرَها من البلدانِ، مُسَلِّيهم بذلك عمَّا نالَهم من الكآبةِ والحزنِ، بانْصِرافِهم عن مكةَ قبلَ دُخولِهمُوها، وقبلَ طوافِهم بالبيتِ.
وقولُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: محمدٌ رسولُ اللَّهِ، وأتباعُه مِن أصحابِه الذين هم معه على دينِه، أشداءُ على الكفارِ، غليظةٌ عليهم قلوبُهم، قليلةٌ بهم رحمتُهم، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
يقولُ: رقيقةٌ قلوبُ بعضُهم لبعضٍ، ليِّنةٌ أنفسهم لهم، هيِّنةٌ عليهم لَهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾: ألْقَى اللَّهُ في قلوبهم الرحمةَ، بعضُهم لبعضٍ (١).
﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾.
يقولُ: تراهم رُكَّعًا أحيانًا للهِ في صلاتِهم، سُجَّدًا أحيانًا، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾.
يقولُ: يلتمسون بركوعِهم وسُجودهم وشدَّتِهم على الكفارِ، ورحمةِ بعضُهم بعضًا، ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾، وذلك رحمتُه إيَّاهم، بأن يتفضَّلَ عليهم فيُدخلَهم جنَّتَه، ﴿وَرِضْوَانًا﴾.
يقولُ: وأن يرضَى عنهم ربُّهم.
وقولُه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
يقولُ: علامتُهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ في صلاتِهم.
ثم اختَلَف أهلُ التأويلِ في "السِّيما" الذي عَنَاهِ اللَّهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: ذلك علامةٌ يجعَلُها اللهُ في وجوهِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يُعْرَفون بها؛ لِمَا كان من سجودِهم له في الدُّنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: صلاتُهم تَبْدُو في وجوهِهم يومَ القيامةِ (١).
حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ العَتَكِيُّ، عن خالدٍ الحنفيِّ قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: يُعرَفُ ذلك يومَ القيامةِ في وجوهِهم، من أثرِ سجودِهم في الدنيا، وهو كقولِه: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٢) [المطففين: ٢٤].
حدَّثني عبيدٌ بن أسباط بن محمد، قال: ثنا أبي، عن فُضَيلِ بن مرزوقٍ، عن عطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: مواضعُ السجودِ من وجوهِهم يومَ القيامةِ أشدُّ وجوههم بياضًا (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عمارةَ، قال: ثنا عبيدُ اللَّهِ بن موسى، قال: أخبَرنا ابن فُضَيلٍ، عن فُضَيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا ابن فُضَيل، عن فضيلٍ، عن عطيةَ بنحوِه.
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا فُضَيلٌ، عن عطيةَ مثلَه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمِعتُ شبيبًا يقولُ عن مُقاتلِ بن حيان، قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: النورُ يومَ القيامةِ.
حدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيل، قال: قال عليُّ بنُ المبارَكِ: سمِعتُ غيرَ واحدٍ عن الحسنِ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: بياضًا في وجوهِهم يومَ القيامةِ (١).
وقال آخرون: بل ذلك سيما الإسلامِ وسَمْتُه وخشوعُه، وعُنى بذلك أنه يُرَى من ذلك عليهم في الدُّنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾.
قال: السَّمْتُ الحسَنُ (٢).
حدَّثنا (٣) مجاهدٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا الحسنُ بن عُمارةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: أما إنه ليس بالذي تَرَوْن، ولكنه سيما الإسلامِ وسَخْنتُه (٤) وسَمْتُه وخشوعُه (٥).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: الخشوعُ والتواضعُ (٦).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: الخشوعُ (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا (٢) محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ في هذه الآية: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: السَّحْنةُ (٣).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: هو الخشوعُ.
فقلتُ: هو أثرُ السجودِ؟
فقال: إنه يكونُ بين عينَيْه مثلَ ركبةِ العَنْزِ، وهو كما شاء اللهُ (٤).
وقال آخرون: ذلك أثرٌ يكون في وجوه المُصَلِّين مثلَ أَثَرِ السَّهَرِ الذي يَظْهَرُ في الوجْهِ مثلَ (٥) الكَلفِ، والتهيُّجِ، والصَّفْرة، وما أشْبَه ذلك مما يُظهِرُه السَّهَرُ والتَّعبُ في الوجه.
ووجُّهوا التأويلَ في ذلك إلى أنه سيما في الدنيا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن يمانٍ، عن سفيانَ، عن رجل، عن الحسنِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: الصُّفرةُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال: زعَم الشيخُ الذي كان يقُصُّ في عُسْرٍ، وقرَأ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
فزعَم أنه السَّهَرُ يُرى في وجوههم.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن حفصِ بن حميدٍ، عن شِمْرِ بن عَطيةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾.
قال: تهيُّجٌ في الوجْهِ مِن سَهَرِ الليل (١).
وقال آخرون: ذلك آثارٌ تُرَى في الوجْهِ مِن ثَرَى الأَرضِ، أو نَدَى الطَّهُورِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا حَوْثَرَةُ بنُ محمدٍ المنْقَرى، قال: ثنا حمادُ بنُ مَسْعَدَةَ، وحدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا جريرٌ، جميعًا عن ثعلبةَ بن سُهَيلٍ، عن جعفرِ بن أبي المُغيرة، عن سعيدِ بن جُبيرٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: ثَرَى الأرض، ونَدَى الطَّهُورِ (٢).
حدَّثنا ابن سنان القزَّازُ، قال: ثنا هارونُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا عليُّ بنُ المبارَكِ، قال: ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، قال: سمِعتُ عكرِمة يقولُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: هو أثرُ الترابِ (١).
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يُقالَ: إن الله تعالى ذكرُه أخبَرنا أن سيما هؤلاء القومِ الذين وصف صفتَهم في وجوهِهم من أثرِ السُّجودِ، ولم يخُصَّ ذلك على وقتٍ دونَ وقتٍ.
وإذ كان ذلك كذلك، فذلك على كلِّ الأوقاتِ، فكان سيماهم الذي كانوا يُعرفون به في الدنيا آثارَ (٢) الإسلامِ، وذلك خشوعُه وهَدْيُه (٣) وسَمْتُه، وآثارُ عناءِ (٤) فرائضِه وتطوُّعِه، وفى الآخرةِ ما أخبَر أنهم يُعرفون به، وذلك الغُرَّةُ في الوجْهِ والتَّحجيل في الأيْدِى والأَرْجُلِ من أثرِ (٥) الوضوءِ، وبياضُ الوجوهِ من أثرِ (٥) السُّجودِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في معنى السِّيما قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
يقولُ (٦): علامتُهم - أو أعلِمتُهم - الصلاةُ (٧).
وقولُه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
يقولُ: هذه الصفةُ التي وصَفتُ لكم من صفة تُبَّاعِ محمد ﷺ الذين معه صفِتُهم في التوراةِ.
وقولُه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
يقولُ: وصفتُهم في إنجيلِ عيسى صفةُ زرعٍ أخرَج شَطْأَه.
وهو فِراخُه، يقالُ منه: قد أَشْطَأ الزرعُ.
إذا أفرَخ، فهو يُشْطِيُّ إِشْطَاءً.
وإنما مَثْلَهم بالزرع المُشْطِيُّ؛ لأنهم ابتَدَءوا في الدخولِ في الإسلامِ وهم عددٌ قليلون، ثم جعَلوا يتزايدون، ويدخلُ فيه الجماعةُ بعدَهم، ثم الجماعةُ بعدَ الجماعةِ، حتى كَثُرَ عددُهم، كما يحدثُ في أصلِ الزرعِ الفرخُ منه، ثم الفرخُ بعدَه، حتى يَكْثُرَ ويَنْمِيَ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾: أصحابُه، ﴿مَثَلُهُمْ﴾.
يعني: نعتُهم مكتوبٌ (١) في التوراةِ والإنجيلِ قبلَ أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ (٢).
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
أي: هذا المثلُ في التوراة، ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: فهذا مثلُ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ في الإنجيل (٣).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
قال: ذلك مَثَلُهم في التَّوارةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كَزرعٍ أخرَج شَطأه (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
يعنى: السِّيما في الوجوهِ مَثَلُهم في التوراةِ، وليس بمَثَلِهِم في الإنجيلِ، ثم قال ﷿: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ الآية: هذا مَثَلُهم في الإنجيلِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾: ذلك مَثَلُهم في التَّوراةِ، ومَثَلُهم في الإنجيلِ كزرعٍ أخرَج شطأه.
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا مَرْوانُ بنُ معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية.
قال: هذا مَثَلُهم في التوراةِ، ومَثَلٌ آخرُ في الإنجيلِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ الآية (٢).
وقال آخرون: هذان المَثَلانِ في التوراةِ والإنجيل مَثَلُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ والإنجيلِ واحدٌ (١).
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: مَثَلُهم في التوراةِ غيرُ مَثَلِهم في الإنجيلِ، وأن الخبرَ عن مَثَلِهم في التوراةِ مُتَناهٍ عند قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾.
وذلك أن القولُ لو كان كما قال مجاهدٌ مِن أن مَثَلَهم في التوراةِ والإنجيلِ واحدٌ، لكان التنزيلُ: ومَثَلُهم في الإنجيلِ وكزرعٍ أخرَج شَطْأَه.
فكان تمثيلُهم بالزرع معطوفًا على قولِه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
حتى يكونَ ذلك خبرًا عن أن ذلك مَثَلُهم في التوراةِ والإنجيلِ، وفى مجيءِ الكلامِ بغيرِ واوٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ﴾ دليل بَيِّنٌ على صحَّةِ ما قُلنا، وأن قولِه: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾.
خبرٌ مبتدأٌ عن صفتِهم التي هي في الإنجيلِ دونَ ما في التوراةِ منها.
وبنحوِ الذي قُلنا في قولِه: ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ إبراهيمَ المسعوديُّ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن الأعمشِ، عن خَيثمةَ، قال: بَيْنا عبدُ اللَّهِ يُقْرِئُ رجلًا عند غروبِ الشمسِ، إذ مرَّ بهذه الآيةِ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قال: أنتم الزرعُ، وقد دنا حصادُكم (٢).
قال: ثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن حُميدٍ الطويلِ، قال: قرَأ أنسُ بن مالكٍ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾.
قال: أتدرون ما شَطْؤُه؟
قال: نباتُه (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولِه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قال: سُنْبلَه حين يتسلعُ نباتُه عن حباتِه (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قال: هذا مَثَلُ أصحاب محمدٍ ﷺ في الإنجيلِ، قيل لهم: إنه سيخرجُ قومٌ يَنبُتون نباتَ الزرعِ؛ منهم قومٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكر (٢).
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهريِّ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قالا: أخرج نباتُه (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
يعني: أصحابَ محمدٍ ﷺ، يكونون قليلًا، ثم يزدادون ويكثُرون ويستَغْلِظون (٤).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنِ زيدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾: أولادَه، ثم كثُرت أولادُه (٥).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾.
قال: ما يخرُجُ بجنبِ الحَقْلةَ، فيتمُّ ويَنمِي (١).
وقولُه: ﴿فَآزَرَهُ﴾.
يقولُ: فقَوَّاه.
أي: قوَّى الزرع شَطوه وأعانَه، وهو من المؤازَرةِ التي بمعنى المعاونةِ، ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾.
يقولُ: فغَلُظ الزرعُ ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾.
والسوقُ: جمعُ ساقٍ، وساقً الزرعِ والشجرِ: حاملتُه.
وبنحوِ الذي قلُنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَآزَرَهُ﴾.
يقولُ: نباتُه مع التفافِه (٢) حينَ يُسَنبِلُ، ﴿ذَلِكَ مَ ثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾: فهو مَثَلٌ ضرَبه لأهلِ الكتابِ إذا خرَج قومٌ ينْبُتون كما يَنبُتُ الزرعُ، فيبلغُ فيهم رجالٌ يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَون عن المنكرِ، ثم يَغْلُظون، فهم أولئك الذين كانوا معهم.
وهو مَثَلٌ ضرَبه اللهُ لمحمدٍ ﷺ، يقولُ: بعَث اللهُ النبي ﷺ وحده، ثم اجتَمَع إليه ناسٌ قليلٌ يؤمنون به، ثم يكونُ القليلُ كثيرًا ويَسْتَغلِظون، ويغيظُ اللَّهُ بهم الكفارَ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَآزَرَهُ﴾.
قال: فشَدَّه وأعانَه.
وقولُه: ﴿عَلَى سُوقِهِ﴾.
قال: أصولِه (١).
حدَّثنى ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والزهريِّ: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾.
يقولُ: فتلاحقَ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَآزَرَهُ﴾: اجتمع ذلك فالتفَّ.
قال: وكذلك المؤمنون؛ خرَجوا وهم قليلٌ ضعفاءُ، فلم يَزَلِ اللَّهُ يَزيدُ فيهم، ويؤيدُهم بالإسلامِ، كما أيَّدَ هذا الزرعَ بأولادِه فآزَرَه، فكان مَثَلًا للمؤمنين.
حدَّثني عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ، قال: ثنا مروانُ بن معاويةَ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكَ: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾.
يقولُ: [حبُّ بُرٍّ نُثِر] (٣) متفرِّقًا، فتُنبِتُ كلُّ حبةٍ واحدةً، ثم أنبَتت كلُّ واحدةٍ منها حتى اسْتَغْلَظ فاستَوى على سُوقِه، قال: يقولُ: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قليلًا، ثم كَثُروا، ثم اسْتَغلَظوا، ليَغيِظَ اللهُ بهم الكفارَ (٤).
وقولُه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يعجبُ هذا الزرعُ الذي اسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى على سوقه، في تمامه وحُسنِ نباتُه، وبلُوغه وانتهائِه، الذين زَرَعوه؛ ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
يقولُ: فكذلك مَثَلُ محمدٍ ﷺ وأصحابُه، واجتماعِ عددِهم، حتى كَثُروا ونَمَوا، وغَلُظ أمرُهم، كهذا الزرعِ الذي وصف جلَّ ثناؤُه صفته، ثم قال: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
فدلَّ ذلك على متروكٍ من الكلامِ، وهو أن الله تعالى فعل ذلك بمحمدٍ ﷺ وأصحابِه ليَغيظَ بهم الكفارَ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾.
يقولُ اللهُ: مَثَلُهم كمثلِ زرعٍ أَخْرَج شَطْأَهُ فَآزَرَه، فاسْتَغلظَ، فاستوى على سوقه، حتى بلَغ أحسنَ النباتِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ من كثرتِه وحُسْنِ نباتِه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾.
قال: يعجب الزُّرَّاعَ حُسنُه، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾: بالمؤمنين، لكثرتِهم، فهذا مَثَلُهم في الإنجيلِ.
وقولُه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعَدَ الله الذين صدَّقوا الله ورسولَه، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
يقولُ: وعَمِلوا بما أمرهم اللهُ به من فرائضِه التي أوجَبها عليهم.
وقولُه: ﴿مِنْهُمْ﴾.
يعنى: من الشَّطْءِ الذي أخرَجه الزرعُ؛ وهم الدَّاخلون في الإسلامِ بعد الزرعِ الذي وصَف ربنا ﵎ صفَتَه.
والهاءُ والميمُ في قولِه: ﴿مِنْهُمْ﴾ عائدةٌ على معنى الشَّطْءِ لا على لفظِه، ولذلك جُمِع فقيل: ﴿مِنْهُمْ﴾.
ولم يُقَلْ: منه.
وإنما جُمِع الشَّطءُ لأنه أُريد به مَن يدخلُ في دينِ محمدٍ ﷺ إلى يومِ القيامةِ بعدَ الجماعةِ الذين وصَف اللَّهُ صفتَهم بقولِه: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾.
وقولُه: ﴿مَغْفِرَةً﴾.
يعني: عفوًا عمَّا مضَى من ذنوبِهم وسيِّئِ أعمالِهم، بحَسَنِها.
وقولُه: ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾.
يعني: وثوابًا جزيلًا، وذلك الجنةُ.
آخرُ تفسير سورةِ "الفتحِ"