الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الجمعة
تفسيرُ سورةِ الجمعة كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 33 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ الجُمُعةِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: يسبِّحُ للَّهِ كلُّ ما في السماواتِ السبعِ، وكلُّ ما في الأرضِ مِن خَلْقِه، ويُعظِّمُه طوعًا وكَرهًا، الملكِ القُدُّوسِ الذي له مُلْكُ الدنيا والآخرةِ وسلطانُهما، النافذِ أمرُه في السماواتِ والأرضِ وما فيهما، ﴿الْقُدُّوسِ﴾ وهو الطاهرُ مِن كلِّ ما يُضِيفُ إليه المشركون به، ويصِفونَه به مما ليس من صفاتِه، المباركُ، ﴿الْعَزِيزِ﴾.
يعني الشديدَ في انتقامِه من أعدائِه ﴿الْحَكِيمِ﴾ في تدبيرِه خَلْقَه، وتَصْرِيفِه إيَّاهم فيما هو أعلمُ به من مصالحِهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذِكرُه: اللَّهُ الذي بعَث في الأمِّيين رسولًا مِنهم.
فقولُه: ﴿هُوَ﴾.
كنايةٌ من اسمِ اللَّهِ.
والأمِّيون هم العربُ.
وقد بيَّنا فيما مضَى المعنى الذي من أجلِه قيل للأميِّ: أميٌّ (١).
وبنحوِ الذي قُلنا في الأمِّيين في هذا الموضعِ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
قال: العربُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ يُحدِّثُ، لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ، أنَّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾: العربُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
قال: كان هذا الحيُّ من العربِ أمةً أمِّيَّةً، ليس فيها كتابٌ يقرَءونَه، فبعث اللَّهُ نبيَّه محمدًا رحمةً وهدًى يَهدِيهم به (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
قال: كانت هذه الأُمةُ أمِّيَّةً لا يقرءُون كتابًا (٣).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
قال: إنما سُمِّيت أمَّةُ محمدٍ ﷺ الأمِّيين؛ لأنه لم يُنزِّلْ عليهم كتابًا.
وقال جلَّ ثناؤُه: ﴿رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
يعني: مِن الأمِّيين.
وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾.
لأن محمدًا ﷺ كان أمِّيًّا، وهو (٤) من العربِ.
وقولُه: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: يقرَأُ على هؤلاء الأمِّيين آياتِ اللَّهِ التي أنزَلها عليه، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾.
يقولُ: ويُطهِّرُهم من دَنَسِ الكُفْرِ.
وقولُه: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾.
يقولُ: ويُعلِّمُهم كتابَ اللَّهِ، وما فيه مِن أمرِ اللَّهِ ونهيِه، وشرائعِ دينِه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾.
يعني بالحكمةِ السُّنَنَ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾: أي السُّنَّةَ (١).
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ أيضًا، كما عَلَّم هؤلاء، يُزكِّيهم بالكتابِ والأعمالِ الصالحةِ، ويُعلِّمُهم الكتابَ والحكمة كما صنَع بالأوَّلين.
وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠].
ممن بَقِي من أهلِ الإسلام إلى أن تقوم الساعةُ.
قال: وقد جعَل اللَّهُ فيهم سابقين.
وقرَأ قولَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١].
وقال: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤].
فثُلَّةٌ من الأوّلين سابقون، وقليلٌ السابقون مِن الآخرين، [وقرأ: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾] (٢).
وقرَأ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧].
حتى بلَغ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] أيضًا.
قال: والسابقون من الأوّلين أكثرُ، وهم من الآخرين قليلٌ، وقرَأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠].
قال: هؤلاء [مَن كان] (١) مِن أهلِ الإسلامِ إلى أن تقومَ الساعةُ.
وقولُه: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
يقولُ تعالى ذِكره: وقد كان هؤلاء الأمِّيون من قبلِ أن يبعَثَّ اللَّهُ فيهم رسولًا مِنهم في جَوْرٍ (٢) عن قصدِ السبيلِ، وأخْذٍ على غيرِ هدًى، ﴿مُبِينٍ﴾.
يقولُ: يبينُ لمَن تأمَّلَه أنه ضلالٌ وجَوْرٌ عن الحقِّ وطريقِ الرُّشْدِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وهو الذي بعَث فى الأمِّيين رسولًا منهم، وفي آخَرين مِنهم.
لمَّا يَلْحقوا بهم.
فـ "آخَرون" في موضعِ خفضٍ عطفًا على "الأمِّيين" وقد اخْتُلِف في الذين عُنوا بقولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي بذلك العَجَمُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: هم الأعاجمُ (١).
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليربوعيُّ، قال: ثنا فُضَيلُ بنُ طلحةَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: هم الأعاجمُ.
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: هم الأعاجمُ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: الأعاجمُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال (٢): سمِعتُ سفيانَ الثوريَّ لا أعلمُه إلَّا عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: العجمُ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا يحيى بنُ معينٍ، قال: ثنا هشامُ بنُ يوسفَ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ عمر بنِ عبدِ الرحمنِ القاصِّ (٤)، عن أبيه، عن جدِّه، عن ابنِ عمرَ أنَّه قال له [أحدُ الأبناءِ] (٥): أما إن سورةَ "الجُمُعةِ" أُنزِلت فينا وفيكم، في قتلِكم الكذابَ، ثم قرَأ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: فأنتم هم (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا﴾.
قال: الأعاجمُ.
حدَّثني محمدُ بنُ معمرٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، وحدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني سليمانُ بنُ بلالٍ (١)، جميعًا عن ثورِ بن زيدٍ، عن [أبي الغيثِ] (٢)، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عند النبيِّ ﷺ، فنزَلت عليه سورةُ "الجمعةِ"، فلما قرَأ: " ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ ".
قال رجلٌ: مَن هؤلاءِ يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: فلم يُراجِعْه النبيُّ ﷺ حتى سأله مرَّةً أو مرَّتين أو ثلاثًا، قال: وفينا سلمانُ الفارسيُّ، فوضَع النبيُّ ﷺ يدَه على سلمانَ فقال: "لو كان الإيمانُ عندَ الثُّريَّا لنَاله رِجالٌ مِن هؤلاء" (٣).
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا عمي، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ المدنيُّ (٤)، عن ثورِ بنِ زيدٍ (٥)، عن سالمٍ أبي الغيثِ، عن أبي هريرةَ، قال: كنا جلوسًا عندَ رسولِ اللَّهِ ﷺ.
فذكَر نحوَه.
وقال آخرون: إنما عُنِي بذلك جميعُ مَن دخَل في الإسلامِ مِن بعدِ النبيِّ ﷺ، كائنًا مَن كان إلى يومِ القيامةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: مَن رَدِف الإسلامَ مِن الناسِ كلِّهم (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
قال: هؤلاء كلُّ مَن كان بعدَ النبيِّ ﷺ إلى يومِ القيامةِ، كلُّ مَن دخَل في الإسلامِ مِن العربِ والعجمِ (٢).
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندي قولُ مَن قال: عُنِي بذلك كلُّ لاحِقٍ لَحِق بالذين كانوا صَحِبوا النبيَّ ﷺ في إسلامِهم مِن أيِّ الأجناسِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷿ عمَّ بقولِه: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ كلَّ لاحِقٍ بهم مِن "آخرين"، ولم يَخْصُصْ منهم نوعًا دونَ نوعٍ، فكلُّ لاحقٍ بهم فهو مِن الآخَرين الذين لم يكونوا في عِدادِ الأوَّلين الذين كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَتْلو عليهم آياتِ اللَّهِ.
وقولُه: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
يقولُ: لم يَجِيئوا بعدُ وسَيَجِيئون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾.
يقولُ: لم يأْتوا بعدُ.
وقولُه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
يقولُ: واللَّهُ العزيزُ في انتقامِه ممن كفَر به منهم، الحكيمُ في تدبيرِه خلْقَه.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هذا الذي فعَل تعالى ذكرُه مِن بِعْثتِه في الأمِّيين مِن العربِ وفي آخَرين (١)، رسولًا منهم يَتْلو عليهم آياتِه، ويَفعلُ سائرَ ما وصَف - فَضْلُ اللَّهِ، تفضَّل به على هؤلاء دونَ غيرِهم، ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: يُؤْتِي فضلَه ذلك مَن يشاءُ مِن خَلْقِه، لا يستحقُّ الذمَّ ممن حرَمه اللَّهُ إيَّاه، لأنه لم يَمْنَعْه حقًّا كان له قبلَه، ولا ظلَمه في صَرْفِه عنه إلى غيرِه؛ ولكنه عَلِم مِن هو له أهلٌ، فأَوْدعه إيَّاه وجعَله عندَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن شبيبٍ (٢)، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
قال: الفَضْلُ الدِّينُ (٣).
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
يقولُ: واللَّهُ ذو الفَضْلِ على عبادِه؛ المحسنِ منهم والمسيءِ، والذين بَعث فيهم الرسولَ منهم وغيرِهم، العظيمُ الذي يَقِلُّ فضلُ كلَّ ذي فضلٍ عندَه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: مثَلُ الذين أُوتوا التوراةَ مِن اليهودِ والنصارى، فحُمِّلوا العملَ بها ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾.
يقولُ: ثم لم يَعْملوا بما فيها، وكذَّبوا بمحمدٍ ﷺ، وقد أُمِروا بالإيمانِ به فيها، واتِّباعِه والتصديقِ به، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
يقولُ: كمثَلِ الحمارِ يحمِلُ على ظَهْرِه كتبًا مِن كتبِ العلمِ لا يَنتفِعُ بها، ولا يَعْقِلُ ما فيها، فكذلك الذين أُوتوا التوراةَ التي فيها بيانُ أمرِ محمدٍ ﷺ، مثلُهم إذا لم يَنْتَفِعوا بما فيها كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ أسفارًا فيها عِلْمٌ، فهو لا يَعْقِلُها ولا يَنْتَفِعُ بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
قال: يَحْمِلُ كتبًا لا يَدْري ما فيها، ولا يَعْقِلُها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
قال: يحمِلُ كتابًا لا يَدْري ماذا عليه، ولا ماذا فيه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
قال: كمثَلِ الحمارِ الذي يحمِلُ كتبًا، لا يَدْرِي ما على ظَهْرِه (١).
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: كتبًا، والكتابُ بالنَّبَطيةِ يُسَمَّى سِفْرًا (٢)، ضرَب اللَّهُ هذا مثلًا للذين أُعْطوا التوراةَ ثم كفَروا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾: والأسفارُ الكتبُ، فجعَل اللَّهُ مثَلَ الذي يقرَأُ الكتابَ ولا يَتَّبِعُ ما فيه، كمثلِ الحمارِ يحملُ كتابَ اللَّهِ الثقيلَ، لا يَدْرِي ما فيه، ثم قال: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
قال: الأسفارُ: التوراةُ يحمِلُها الحمارُ على ظَهْرِه، كما تُحْمَلُ المصاحفُ على الدوابِّ، مثلُ الرجلِ يسافرُ فيحمِلُ مُصْحَفَه.
قال: [فلا يَنْتَفِعُ] (٣) الحمارُ بها حينَ يحمِلُها على ظَهْرِه، كذلك لم يَنْتفِعْ هؤلاء بها حينَ لم يَعْملوا بها وقد أُوتوها، كما لم يَنْتفِعْ بها هذا وهي على ظَهْرِه.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
يقول: كتبًا (٤).
والأسفارُ جمعُ سِفْرٍ، وهي الكتبُ العِظامُ وقولُه: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: بئس هذا المثلُ مثلُ القومِ الذين كذَّبوا ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: بأدلَّتِه وحججِه، ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واللَّهُ لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلَموا أنفسَهم، فكفَروا بآياتِ ربِّهم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لليهودِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ سِواكم، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قيلِكم أنكم أولياءُ للَّهِ مِن دونِ الناسِ، فإن اللَّهَ لا يُعذِّبُ أولياءَه، بل يُكْرِمُهم ويُنْعِمُهم، وإن كنتم مُحِقِّين فيما تقولون، فتمنَّوا الموتَ لتَسْتريحوا مِن كَرْبِ الدنيا وهمومِها وغمومِها، وتَصيروا إلى رَوْحِ الجنانِ ونعيمِها بالموتِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾: قُلْ يأيُّها الذين تابوا، لليهودِ؛ قال موسى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]: إنا تُبْنا إليك.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾.
يقولُ: ولا يتمنَّى اليهودُ الموتَ أبدًا، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.
يعني: بما اكْتَسبوا في هذه الدنيا مِن الآثامِ، واجْتَرحوا مِن السيئاتِ، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
يقولُ: واللَّهُ ذو علمٍ بمن ظلَم مِن خلْقِه نفسَه، فأَوْبَقها بكفرِه باللَّهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُلْ يا محمدُ لليهودِ: إن الموتَ الذي تَفِرُّون منه فتكرَهونه، وتأْبَون أن تتمنَّوه، فإنه مُلاقِيكُم ونازلٌ بكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
يقولُ: ثم يردُّكم ربُّكم مِن بعدِ مماتِكم إلى عالمِ الغيبِ والشهادةِ، عالمِ غيبِ السماواتِ والأرضِ، ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾.
يعني: وما شُهِد فظهَر لرأْيِ العينِ، ولم يَغِبْ عن أبصارِ الناظرين.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا قتادةُ: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾.
فقال: إنَّ اللَّهَ أذلَّ ابنَ آدمَ بالموتِ.
لا أعلمُه إلا رفَعه (١).
﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
يقولُ: فيخبرُكم حينئذٍ بما كنتم في الدنيا تعملون مِن الأعمال؛ سيِّئِها وحَسنِها؛ لأنه محيطٌ بجميعِها، ثم يجازيكم على ذلك؛ المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ [بما هو أهلُه] (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه للمؤمنين به مِن عبادِه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
وذلك هو النداءُ الذي (١) يُنادَى بالدعاءِ إلى صلاةِ الجمعةِ عند قعودِ الإمامِ على المنبرِ للخطبةِ.
ومعنى الكلامِ: إذا نُودِي للصلاةِ، مِن صلاةِ يومِ الجمعةِ، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
يقولُ: فامضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ، واعْملوا له.
وأصلُ السعْيِ في هذا الموضعِ العملُ، وقد ذكَرْنا الشواهدَ على ذلك فيما مضى قبلُ (٢).
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بن عرفةَ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عياشٍ، عن شُرَحبيلَ بنِ مسلمٍ الخَوْلانيِّ في قولِ اللَّهِ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال: فاسْعَوا في العملِ، وليس السعْيُ في المشيِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: والسعْيُ يا بنَ آدمَ أن تسعى بقلبِك وعملِك، وهو المضيُّ (٣) إليها (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، قال: أخبَرني مغيرةُ، عن إبراهيمَ أنه قيل لعمرَ ﵁: إنَّ أُبيًّا يقرَؤُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾.
قال: أما إنه أَقْرؤنا وأعلمُنا بالمنسوخِ، وإنما هي: (فامْضوا) (١).
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ السُّكَّرِيُّ، قال: أخبرَنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ، عن أبيه، قال: ما سمِعتُ عمرَ يقرَؤُها قطُّ إلا (فامْضُوا) (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا حنظلةُ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان عمرُ ﵁ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن حنظلةَ، عن سالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قرَأها: (فامْضُوا) (٣).
حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثنا حنظلةُ بنُ أبي سفيانَ الجُمَحيُّ، أنه سمِع سالمَ بنَ عبدِ اللَّهِ يحدِّثُ عن أبيه، أنه سمِع عمرَ بنَ الخطابِ يقرَأُ: (إِذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ).
قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبَرني سالمُ بنُ عبدِ اللَّهِ، أَنَّ عبَد اللَّهِ بنَ عمرَ قال: لقد توفَّى اللَّهُ عمرَ بنَ الخطابِ ﵁، وما يقرَأُ هذه الآية التي ذكَر اللَّهُ فيها الجمعةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
إلا (١) (فامْضُوا إلى ذكرِ اللَّهِ).
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، قال: كان عبدُ اللَّهِ يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ).
ويقولُ: لو قرأتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾ لسعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شعبةَ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، قال: قال عبدُ اللَّهِ: لو كان السعْيُ لسعَيْتُ حتى يسقطَ رِدائي.
قال: ولكنها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ).
قال: هكذا كان يقرَؤُها.
حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ الأَزْدِيُّ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، أنه كان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ أنه قرَأها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، [عن ابنِ جريجٍ] (٤)، عن عطاءٍ، قال: هي للأحرارِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ، قال: عندَ الوقْتِ (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن مسروقٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ﴾.
قال: الوقتِ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو عندَ العَزْمةِ، عندَ الخطبةِ، عندَ الذكرِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
قال: النداءُ عندَ الذكرِ عزيمةٌ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن المغيرةِ والأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: لو قرأْتُها: ﴿فَاسْعَوْا﴾، لسَعَيْتُ حتى يسقُطَ رِدائي.
وكان يقرَؤُها: (فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣).
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن الشعبيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: قرَأها: (فامْضُوا).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي حيانَ، عن عكرمةَ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال: السعْيُ العملُ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وسألْتُه عن قولِ اللَّهِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال: إذا سمِعْتم الداعيَ الأوَّلَ، فأجِيبوا إلى ذلك وأسْرِعوا ولا تُبْطِئوا.
قال: ولم يكنْ في زمانِ النبيِّ ﷺ أذانٌ إلا أذانانِ؛ أذانٌ حينَ يَجلِسُ على المنبرِ، وأذانٌ حينَ تُقامُ الصلاةُ.
قال: وهذا الآخرُ شيءٌ أحدَثه (٢) الناسُ بعدُ.
قال: ولا يَحِلُّ له البيعُ إذا سَمِع النداءَ الذي يكونُ بينَ يدَيِ الإمامِ إذا قعَد على المنبرِ.
وقرَأ: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
قال: ولم يَأْمُرْهم يَذَرُون شيئًا غيرَه، حرَّم البيعَ، ثم أَذِن لهم فيه إذا فرَغوا مِن الصلاةِ.
قال: والسعْيُ أن يُسْرِعَ إليها، أن يُقْبِلَ إليها.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أنَّ في حرفِ ابنِ مسعودٍ: (إذَا نُودِيَ للصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فامْضُوا إلى ذِكْرِ اللَّهِ) (٣).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾: السعْيُ هو العملُ، قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤].
وقولُه: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾.
يقولُ: ودَعُوا البيعَ والشراءَ إذا نُودِي للصلاة عندَ الخطبةِ.
وكان الضحاكُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ (١)، عن الضحاكِ، قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
قال: إذا زالتِ الشمسُ حرُم البيعُ والشراءُ.
حدَّثنا (٣) مهرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: كان قومٌ يجلِسون في بقيعِ الزبيرِ، فيشترون ويَبِيعون إذا نُودِي للصلاةِ يومَ الجمعةِ، ولا يقومون، فنزَلت: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
وأما الذِّكْرُ الذي أمرَ اللَّهُ ﵎ بالسعْيِ إليه عبادَه المؤمنين، فإنه موعظةُ الإمامِ في خطبتِه فيما قيل.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
قال: العَزْمةُ عندَ الذكرِ عندَ الخطبةِ.
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ الحنفيُّ، قال: ثنا عَبْدانُ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّهِ، قال: أخبَرنا منصورٌ، رجلٌ مِن أهلِ الكوفةِ، عن موسى بنِ أبي كثيرٍ، أنه سمِع سعيدَ بنَ المسيبِ يقولُ: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
قال: فهي موعظةُ الإمامِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ بعدُ (٤).
وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
يقولُ: سَعْيُكم إذا نُودِي للصلاةِ مِن يومِ الجمعةِ إلى ذكرِ اللَّهِ، وتَرْكُ البيعِ، خيرٌ لكم مِن البيعِ والشراءِ في ذلك الوقتِ، إن كنتم تعلمون مصالحَ أنفسِكم ومضارَّها.
واختلَفتِ القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾؛ فقرَأتْ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿الْجُمُعَةِ﴾ بضمِّ الميمِ والجيمِ، خلا الأعمشِ فإنه قرَأها بتخفيفِ الميمِ (١).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا قُضِيت صلاةُ الجمعةِ يومَ الجمعةِ، فانتشِروا في الأرضِ إن شِئْتم ذلك؛ رخصةً مِن اللَّهِ لكم في ذلك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ.
يعني قولَه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
قال: هذا إذنٌ مِن اللَّهِ، فمَن شاء خرَج، ومَن شاء جلَس.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: أذِن لهم إذا فرَغوا من الصلاةِ، فقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ فقد أحْلَلْتُه لكم.
وقولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
ذُكِر عن النبيِّ ﷺ في تأويلِ ذلك ما حدَّثني العباسُ بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ المُعافَى بن يعقوبَ الموصليُّ، قال: ثنا أبو عامرٍ الصائغُ (١) مِن الموصلِ، عن أبي خلفٍ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ في قولِه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ قال: "ليس لطلبِ دُنْيَا، ولكن عيادةَ مريضٍ، وحضورَ جنازةٍ، وزيارةَ أخٍ في اللَّهِ" (٢).
وقد يَحتَمِلُ قولُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
أن يكونَ معنيًّا به: والْتَمِسوا مِن فضلِ اللَّهِ الذي بيدِه مفاتيحُ خَزائِنه لدنياكم وآخرتِكم.
وقولُه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
يقولُ: واذْكُرُوا اللَّهَ كثيرًا بالحمدِ له، والشكرِ على ما أنْعَم به عليكم مِن التوفيقِ لأداءِ فرائضِه، لتُفْلِحوا، فتُدْرِكوا طَلباتِكم عندَ ربِّكم، وتَصِلوا إلى الخلدِ في جنانِه.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإذا رأَى المؤمنون عيرَ تجارةٍ أو لهوًا، ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.
يعني: أسْرَعوا إلى التجارةِ، ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
يقولُ النبيِّ ﷺ: وترَكوك يا محمدُ قائمًا على المنبرِ.
وذلك أن التجارةَ التي رأَوْها فانْفَضَّ القومُ إليها وترَكوا النبيَّ ﷺ، قائمًا، كانت زيتًا قدِم به دِحْيةُ بنُ خليفةَ مِن الشامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ السديِّ، عن أبي مالكٍ، قال: قدِم دحيةُ بنُ خليفةَ بتجارةِ زيتٍ من الشامِ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فلمَّا رأَوْه قاموا إليه بالبَقيعِ، خشُوا أن يُسْبَقوا إليه.
قال: فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يَمانٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن السديِّ، عن مرةَ (٢): ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾.
قال: جاء دِحْيةُ الكلبيُّ بتجارةٍ والنبيُّ ﷺ قائمٌ في الصلاةِ يومَ الجمعةِ، فترَكوا النبيَّ ﷺ وخرَجوا إليه، فنزَلَت: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ حتى ختَم السورةَ (١).
حدَّثني أبو حَصِينٍ عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنِ يونُسَ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصَيْنٌ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في الجمعةِ، فمرَّت عِيرٌ تَحْمِلُ الطعامَ.
قال: فخرَج الناسُ إلا اثني عشَرَ رجلًا، فنزَلَت آيةُ الجمعةِ (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال الحسنُ: إن أهلَ المدينةِ أصابهم جوعٌ وغَلاءُ سعرٍ، فقدِمت عِيرٌ والنبيُّ ﷺ يَخْطُبُ يومَ الجمعةِ، فسمِعوا بها، فخرَجوا والنبيُّ ﷺ، قائمٌ، كما قال اللَّهُ ﷿ (١).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
قال: جاءت تجارةٌ، فانْصَرفوا إليها، وترَكوا النبيَّ ﷺ قائمًا، فإذا رأَوْا لهوًا ولعبًا، قُل: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.
قال: رجالٌ كانوا يقومون إلى نَواضحِهم (٢) وإلى السفرِ يَبْتَغون التجارةَ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: بينما رسولُ اللَّهِ ﷺ يَخْطُبُ الناسَ يومَ الجمعةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويَقُومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟
".
فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشرَ رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثانيةِ فجعَل يَخْطُبُهم.
قال سفيانُ: ولا أعْلَمُ إلا أن في حديثِه: ويَعِظُهم ويُذَكِّرُهم.
فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟
" فعَدُّوا أنفسَهم (١)، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، ثم قام في الجمعةِ الثالثةِ، فجعَلوا يَتَسَلَّلون ويقومون حتى بقِيَت منهم عِصابةٌ، فقال: "كم أنتم؟
".
فعَدُّوا أنفسَهم، فإذا اثنا عشر رجلًا وامرأةٌ، فقال: "والذي نفسي بيدِه لو اتَّبَع آخرُكم أولَكم لَالتهَبَ عليكم الوادي نارًا".
وأنْزَل اللَّهُ ﷿: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
قال: لو اتَّبَع آخرُهم أولَهم لَالْتَهَب عليهم الوادي نارًا (٣).
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: قال معمرٌ: قال قتادةُ: لم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ يومَئذٍ إلا اثنا عشرَ رجلًا، وامرأةٌ معهم (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ عُمارةَ الرازيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرَنا حُصَينٌ، عن سالمٍ وأبي سفيانَ، عن جابرٍ في قولِه: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
قال: قدِمَت عِيرٌ، فانْفَضُّوا إليها، ولم يَبْقَ مع النبيِّ ﷺ إلا اثنا عشرَ رجلًا (٤).
حدَّثنا عمرُو بنُ عبدِ الحميدِ الآمُلِيُّ، قال: ثنا جريرٌ، عن حُصينٍ، عن سالمٍ، عن جابرٍ، أن النبيَّ ﷺ كان يَخْطُبُ قائمًا يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ مِن الشامِ، فانْفَتل الناسُ إليها، حتى لم يَبْقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا.
قال: فأُنزلَت هذه الآيةُ في "الجمعةِ": ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (١).
وأما اللهوُ، فإنه اخْتُلِف مِن أيِّ أجناسِ اللهوِ كان؛ فقال بعضُهم: كان كَبَرًا (٢) ومَزاميرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ بلالٍ، عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قال: كان الجواري إذا نُكِحوا، كانوا يَمُرُّون بالكَبَرِ والمزاميرِ ويَتْرُكون النبيَّ ﷺ قائمًا على المنبرِ ويَنْفَضُّون إليها، فأنْزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٣).
وقال آخرون: كان طَبْلًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: اللهوُ الطَّبْلُ (٤).
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ (١)، قال: ثنا ورقاءُ، قال: ذكَر عبدُ اللَّهِ بنُ أبي نَجيحٍ، عن إبراهيمَ بنِ أبي بكرٍ، عن مجاهدٍ، أن اللهوَ هو الطَّبْلُ.
والذي هو أولى بالصوابِ في ذلك الخبرُ الذي روَيْناه عن جابرٍ؛ لأنه قد أدْرَك أمرَ القومِ شاهَدهم (٢).
وقولُه: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾.
يقول جلَّ ثناؤُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ لهم يا محمدُ: الذي عندَ اللَّهِ مِن الثوابِ، لمن جلَس مُسْتَمِعًا خطبةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ وموعظتَه يومَ الجمعةِ إلى أن يَفْرُغَ رسولُ اللَّهِ ﷺ منها - خيرٌ له مِن اللهوِ ومِن التجارةِ التي يَنفَضُّون إليها، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
يقولُ: واللَّهُ خيرُ رازقٍ، فإليه فارْغَبوا في طلب أرزاقِكم، وإياه فاسْأَلوا أن يُوَسِّعَ عليكم مِن فضلِه دونَ غيرِه.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الجُمُعةِ"