تفسير الطبري سورة التحريم

الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة التحريم

تفسيرُ سورةِ التحريم كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 47 دقيقة قراءة

تفسير سورة التحريم كاملةً (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري)

تفسيرُ سورةِ التحريمِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ المحرِّمُ على نفسِه ما أحلَّ اللَّهُ له، يَبتغي بذلك مَرْضاةَ أزواجِه، لِمَ تُحرِّمُ على نفسِكَ الحلالَ الذي أحلَّه اللَّهُ لكَ؛ تلتمسُ بتحريمِكَ ذلك مرضاةَ أزواجِكَ؟

واختلف أهلُ العلمِ في الحلالِ الذي كان اللَّهُ ﷿ أحَلَّه لرسولِه، فحرَّمه على نفسِه ابتغاءَ مرضاةِ نسائِه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك ماريةَ مملوكتَه القبطيةَ؛ حرَّمها على نفسِه بيمينٍ أنه لا يَقْرَبُها، طلبًا بذلك رضا حفصةَ ابنةِ عمرَ زوجتِه؛ لأنها كانت غارتْ بأنْ خلا بها رسولُ اللَّهِ ﷺ في يومِها وفي حجرتِها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ (١) بنُ عبدِ الرحيمِ البَرْقيُّ، قال: ثنى ابنُ أبي مَرْيمَ، قال: ثنا أبو غسانَ، قال: ثنى زيدُ بنُ أسلمَ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أصاب أمَّ إبراهيمَ في بيتِ بعضِ نسائِه، قال: فقالت: أي رسولَ اللَّهِ، في بيتي وعلى فراشي!

فجعَلها عليه حرامًا، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، كيف تحرِّمُ عليكَ الحلالَ؟

فحلَف لها باللَّهِ لا يُصيبُها، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾.

قال زيدٌ: فقولُه: "أنتِ عليَّ حرامٌ".

لغوٌ.

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: قال مسروقٌ: إنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، وآلَى منها فجعَل [الحلالَ حرامًا] (١)، وقيل في اليمينِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].

حدَّثنا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا سفيانُ، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، قال: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فعُوتِب في التحريمِ، وأُمِر بالكفارةِ في اليمينِ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ (٣)، عن مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ: قال لها: "أنتِ عليَّ حرامٌ، وواللَّهِ لا أطَؤُكِ" (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾.

قال: كان الشعبيُّ يقولُ: حرَّمها عليه، وحلَف لا يقربُها، فعُوتِب في التحريمِ، وجاءت الكفارةُ في اليمينِ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وعامرٍ الشعبيِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه.

قال الشعبيُّ: حلَف بيمينٍ مع التحريمِ، فعاتَبه اللَّهُ في التحريمِ، وجعَل له الكفارةَ في اليمينِ (٥).

حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: قال أبي (١): وجَدَتِ امرأةٌ مِن نساءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مع جاريتِه في بيتها، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، أنَّى كان هذا الأمرُ، وكنتُ أهونَهن عليكَ؟

فقال لها رسولُ اللَّهِ ﷺ: "اسْكُتي، لا تَذْكُرِي هَذَا لأحَدٍ، هيَ عَلَيَّ حَرَامٌ إِنْ قَرِبْتُها بَعْدَ هَذَا أبدًا".

فقالت: يا رسولَ اللَّهِ، وكيف تُحرِّمُ عليكَ ما أحلَّ اللَّهُ لك حين (٢) تقولُ: "هي عليَّ حرامٌ (٣)؟

" فقال: "واللَّهِ لا آتِيها أبَدًا".

فقال اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

قد غَفَر اللهُ هذا لك، وقولُه (٤): ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢].

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: كانت الرسولِ اللَّهِ ﷺ فتاةٌ، فَغَشِيَها، فبصُرت به حفصةُ، وكان اليومُ يومَ عائشةَ، وكانتا متظاهرتَينِ، فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُمي عَليَّ، ولا تَذْكُرِي لعائشةَ ما رأيْتِ".

"فذكرتْ حفصةُ لعائشةَ، فغضِبتْ عائشةُ، فلم تزلْ بنبيِّ اللَّهِ ﷺ، حتى حلَف ألَّا يَقرَبَها (٣)، فأنزَل اللَّهُ هذه الآيةَ، وأمَره أن يُكَفِّرَ عن يمينهِ، ويأتيَ جاريتَه (٥).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، [عن عطاءٍ] (٦)، عن عامرٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾: في جاريةٍ له أتاها، فاطَّلعتْ عليه حفصةُ، فقال: "هي عليَّ حرامٌ، فاكتُمي ذلك ولا تخبري به أحدًا".

فذكَرتْ ذلك.

وقال آخرون: بل حرَّم رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، فجعَل اللَّهُ ﷿ تحريمَه إيَّاها بمنزلةِ اليمينِ، فأَوجَب فيها من الكفارةِ مثلَ الذي أوجَب في اليمينِ إذا حنِث فيها صاحبُها.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾: أمر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ والمؤمنين إذا حرَّموا شيئًا مما أحلَّ لهم أن يُكفِّروا أَيْمانَهم، بإطعامِ عشرةِ مساكينَ، أو كسوتِهم، أو تحريرِ رقبةٍ، وليس يَدخلُ ذلك في طلاقٍ (١).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

قال: كانت حفصةُ وعائشةُ متحابَّتَين، وكانتا زوجَ (٢) النبيِّ ﷺ، فذهَبتْ حفصةُ إلى أبيها تتحدَّثُ عندَه، فأرسَل النبيُّ ﷺ إلى جاريتِه، فظلَّت معه في بيتِ حفصةَ، وكان اليومَ الذي يأتي فيه عائشةَ، فرجَعت حفصةُ، فوجَدتهما في بيتِها، فجعَلت تَنتظرُ خروجَهما، وغارت غَيرةً شديدةً، فأخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، ودخَلتْ حفصةُ فقالتْ: قد رأيتُ مَن كان عندَك، وواللَّهِ لقد سُؤْتَنِي.

فقال النبيُّ ﷺ: "واللَّهِ لأَرْضِيَنَّكِ، فإِنِّي مُسِرٌّ إليكِ سِرًّا فاحْفَظِيه".

قالت: ما هو؟

قال: "إني أُشْهِدُكِ أَنَّ سُرِّيَّتِي هذه عليَّ حرامٌ رِضًا لكِ".

وكانت حفصةُ وعائشةُ تَظَاهَران على نساءِ النبيِّ ﷺ، فانطلقتْ حفصةُ إلى عائشةَ، فأسرَّت إليها أن أبشري، إن النبيَّ ﷺ قد حرَّم عليه فَتاتَه.

فلما أَخبَرت بسِرِّ النبيِّ ﷺ، أظهَر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ، فأنزَلَ اللَّهُ على رسولهِ لما تَظاهَرتا عليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١).

حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، قال: ثنا هشامٌ الدستوائيُّ، قال: كتَب إليَّ يحيى يحدِّثُ عن يَعْلَى بنِ حكيمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أنَّ ابنَ عباسٍ كان يقولُ في الحرامِ: يمينٌ يكفِّرُها.

وقال ابنُ عباسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].

يعني أن النبيَّ ﷺ حرَّم جاريتَه، فقال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ إلى قولِه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.

فكَفَّر يمينَه، فصيَّر الحرامَ يمينًا (٢).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المعتمرُ، عن أبيه، قال: أنبَأنا أبو عثمانَ أن النبيَّ ﷺ دخَل بيتَ حفصةَ، فإذا هي ليست ثَمَّ (٣)، فجاءته فتاتُه، فألقَى عليها سِتْرًا، فجاءت حفصةُ فقَعَدت على البابِ حتى قَضى رسولُ اللَّهِ ﷺ حاجتَه، فقالت: واللَّهِ لقد سُؤْتَنِي، أَجامَعتَها في بيتي؟

أو كما قالت.

قال: وحرَّمها رسولُ اللَّهِ ﷺ، أو كما قال.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

قال: كان حرَّم فتاتَه القِبْطيةَ أمَّ ولدِه إبراهيمَ، يُقالُ لها: ماريةُ.

في يومِ حفصةَ، وأسرَّ ذلك إليها، فأطلَعتْ عليه عائشةَ، وكانتا تَظَاهرانِ على نساءِ النبيِّ ﷺ، فأحلَّ اللَّهُ ﷿ له ما حرَّم على نفسِه، فأُمِر أن يكفِّرَ عن يمينِه، وعُوتِب في ذلك، فقال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

قال قتادةُ: وكان الحسنُ يقولُ: حرَّمها عليه، فجعَل اللَّهُ فيها كفارةَ يمينٍ (١).

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، أن النبيَّ ﷺ حرَّمها، يعني جاريتَه، فكانت يمينًا (٢).

حدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى، قال: ثنا أبي، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قلتُ لعمرَ بنِ الخطابِ: مَنِ المرأتان؟

قال: عائشةُ وحفصةُ.

وكان بَدءُ الحديثِ في شأنِ أمِّ إبراهيمَ القبطيةِ، أصابها النبيُّ ﷺ في بيتِ حفصةَ في يومِها، فوجَدته حفصةُ، فقالت: يا نبيَّ اللَّهِ، لقد جئتَ إليَّ شيئًا فريًّا (٣)، ما جئتَ إلى أحدٍ من أزواجِكَ، في يومِي، وفي دَورِي، وعلى فراشِي!

قال: "أَلا تَرْضَيْنَ أنْ أُحَرِّمَها فَلا أَقْرَبَها؟

".

قالتْ: بلى.

قال: فحرَّمها.

وقال: "لا تَذْكُرِي ذلك لأَحَدٍ".

فذكَرتْه لعائشةَ، فأظهَره اللَّهُ ﷿ عليه، فأنزَل اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾.

الآيات كلّها.

فبلَغنا أن النبيَّ ﷺ كفَّر يمينَه، وأصاب جاريتَه (٤).

وقال آخرون: بل كان ذلك شرابًا يشربُه، وكان يُعجِبُه ذلك.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادِ بنِ الهادِ، قال: نزَلت هذه الآيةُ في شرابٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ البغداديُّ عمرُو بنُ الهيثمِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قيسِ بنِ مسلمٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ شدَّادٍ مثلَه.

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا أبو قَطَنٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ إبراهيمَ، عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ، قال: نزَلت في شرابٍ.

والصوابُ من القولِ في ذلك أن يُقالَ: كان الذي حرَّمه رسولُ اللَّهِ ﷺ على نفسِه شيئًا كان اللَّهُ قد أحلَّه له.

فجائزٌ أن يكونَ ذلك كان جاريتَه، وجائزٌ أن يكونَ كان شرابًا من الأشربةِ، وجائزٌ أن يكونَ غيرَ ذلك، غيرَ أنه أيَّ ذلك كان، فإنه تحريمُ شيءٍ كان له حلالًا، فعاتَبه اللَّهُ تعالى ذكرُه على تحريمِه على نفسِه ما كان قد أحلَّه، وبيَّن تَحِلَّةَ يمينِه، في يمينٍ كان حلَف بها مع تحريمِه ما حرَّم على نفسِه.

فإن قال قائلٌ: وما برهانُك على أنه ﷺ كان حلَف مع تحريمِه ما حرَّم، فقد علِمتَ قولَ مَن قال: لم يكنْ من النبيِّ ﷺ في ذلك غيرُ التحريمِ، وأن التحريمَ هو اليمينُ؟

قيل: إن البرهانَ على ذلك واضحٌ، وهو أنه لا يُعقلُ في لغةٍ عربيةٍ ولا أعجميةٍ، أن قولَ القائلِ لجاريتِه أو طعامٍ أو شرابٍ: هذا عليَّ حرامٌ.

يمينٌ، فإذا كان ذلك غيرَ معقولٍ، فمعلومٌ أن اليمينَ غيرُ قولِ القائلِ للشيءِ الحلالِ له: هو عليَّ حرامٌ.

وإذا كان ذلك كذلك صحَّ ما قلنا، وفسَد ما خالَفه.

وبَعْدُ، فجائزٌ أن يكونَ تحريمُ النبيِّ ﷺ ما حرَّم على نفسِه من الحلالِ الذي كان اللَّهُ ﷿ أحلَّه له بيمينٍ، فيكونَ قولُه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ معناه: لِمَ تحلفُ على الشيءِ الذي قد أحلَّه اللَّهُ ألَّا تقربَه، فتحرِّمَه على نفسِك باليمينِ؟

وإنما قلنا: إن النبيَّ ﷺ حرَّم ذلك، وحلَف مع تحريمِه؛ لما حدَّثني الحسنُ بنُ قَزَعةَ، قال: ثنا مَسلمةُ بنُ علقمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: آلَى رسولُ اللَّهِ ﷺ وحرَّم، فأُمِرَ [في الإيلاءِ] (١) بكفارةٍ، وقيل له في التحريمِ: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢).

وقولُه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه لمحمدٍ: واللَّهُ غفورٌ [يا محمدُ] (٣) لذنوبِ التائبين مِن عبادِه [من ذُنُوبِهم] (٤)، وقد غفَر لك تحريمَكَ على نفسِكَ ما أحلَّه اللَّهُ لك، رحيمٌ بعبادِه أن يُعاقبَهم على ما قد تابوا منه من الذنوبِ بعدَ التوبةِ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قد بيَّن اللَّهُ ﷿ لكم تَحلَّةَ أيمانِكم، وحَدَّها لكم أيُّها الناسُ، ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾: يتولاكم بنصرِه أيُّها المؤمنون، وهو العَلِيمُ بمصالحِ خلقِه، الحَكِيمُ في تدبيرِه إياهم، وصرفِهم فيما هو أعلَمُ به.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وإذ أسَرَّ النبيُّ محمدٌ إلى بعضِ أزْوَاجِه.

وهو في قولِ ابنِ عباسٍ وقتادةَ وزيدِ بنِ أسلمَ وابنِه عبدِ الرحمنِ بنِ زيدٍ والشعبيِّ والضحاكِ بنِ مزاحمٍ: حَفْصةُ.

وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك.

وقولُه: ﴿حَدِيثًا﴾.

والحديثُ الذي أسرَّ إليها في قولِ هؤلاءِ، هو قولُه لمن أسرَّ إليه ذلك من أزواجِه، تحريمُ فتاتِه، أو ما حرَّم على نفسِه، مما كان اللَّهُ ﷿ قد أحلَّه له، وحَلِفُه على ذلك في قولِه لها: "لا تَذْكُرِي ذلك لأحدٍ".

وقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أخبَرت بالحديثِ الذي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ صاحبَتَها، ﴿وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾.

يقولُ: وأَظْهَر اللَّهُ نبيَّه محمدًا ﷺ على أنَّها قد أنبأت بذلك صاحبتَها.

وقولُه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾.

اختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ غيرَ الكسائيِّ: ﴿عَرَّفَ﴾ بتشديدِ الراءِ (١)، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ بعضَ ذلك الحديثِ، وأخبرَها به.

وكان الكسائيُّ ذكَر عن الحسنِ البصريِّ وأبي عبدِ الرحمنِ السُّلَميِّ وقتادةَ، أنهم قرَءوا ذلك: (عَرَفَ) بتخفيفِ الراءِ (٢)، بمعنى: عرَف لحفصةَ بعضَ ذلك الفعلِ الذي فعَلتْه من إفشائِها سرَّه وقد استكْتَمها إيَّاه.

أي: غَضِب مِن ذلك عليها رسولُ اللَّهِ ﷺ، وجازاها عليه.

من قول القائلِ لمن أساء إليه: لأعْرِفنَّ لك يا فلانُ ما فعَلْتَ.

بمعنى: لأُجازينَّك عليه.

وقالوا: وجازاها رسولُ اللَّهِ ﷺ على ذلك مِن فعلِها بأنْ طلَّقها.

وأولى القراءتين في ذلك عندي بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأه: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ بتشديدِ الراءِ، بمعنى: عرَّف النبيُّ ﷺ حفصةَ.

يعني ما أَظْهَره اللَّهُ عليه مِن حديثِها صاحبتَها؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه (١).

وقولُه: ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾.

يقولُ: وتَرَك أنْ يُخبِرَها ببعضِ ذلك.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾: قولُه لها: لا تَذْكُريه، ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾.

وكان كريمًا عليه (٢).

وقولُه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾.

يقولُ: فلما خبَّر حفصةَ نبيُّ اللَّهِ ﷺ بما أظهَره اللَّهُ ﷿ عليه مِن إفشائِها سرَّ رسولِ اللَّهِ ﷺ إلى عائشةَ، ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾.

يقولُ: قالت حفصةُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ: مَن أنبأك هذا الخبرَ وأخبَرك به؟

﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: قال محمدٌ نبيُّ اللَّهِ لحفصةَ: خبَّرني به العليمُ الخبيرُ، العليمُ بسرائرِ عبادِه وضمائرِ قلوبِهم، الخبيرُ بأمورِهم، الذي لا يَخْفى عليه شيءٌ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾: ولم تشكَّ أنَّ صاحبتَها أخبَرت عنها، قال: " ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ".

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكرُه: إنْ تتوبا إلى اللَّهِ أيَّتُها المرأتان، فقد مالت قلوبُكما إلى محبةِ ما كرِهه رسولُ اللَّهِ ﷺ؛ مِن اجتنابِه جاريتَه وتحريمِها على نفسِه، أو تحريمِ ما كان له حلالًا مما حرَّمه على نفسِه بسببِ حفصةَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

يقولُ: زاغَت قلوبُكما.

يقولُ: قد أَثِمت قلوبُكما (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ طلحةَ، عن زُبَيدٍ (٢)، عن مجاهدٍ، قال: كنا نرى أنَّ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

[شيءٌ هيِّنٌ] (٣)، حتى سمِعتُ قراءةَ ابنِ مسعودٍ: (إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُما) (٤).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

قال: مالت قلوبُكما.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

أي: قد مالت قلوبُكما (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

يقولُ: زاغَت.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

قال: زاغت قلوبُكما.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللَّهُ: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

قال: سَرَّهما أنْ يجتنِبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جاريتَه، وذلك لهما موافقٌ، ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ إلى أنْ سرَّهما ما كرِه رسولُ اللَّهِ ﷺ.

وقولُه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه للتي أسرَّ إليها رسولُ اللَّهِ ﷺ حديثَه، والتي أفشَت إليها حديثَه، وهما عائشة وحفصةُ ﵄.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ثورٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لم أزلْ حريصًا أن أسألَ عمرَ عن المرأتين مِن أزواجِ رسولِ اللَّهِ ﷺ اللَّتين قال اللَّهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾.

قال: فحجَّ عمرُ وحجَجْتُ معه، فلما كان ببعضِ الطريقِ عدَل عمرُ وعدَلْتُ معه بالإداوةِ، ثم أتاني فسكبْتُ على يدِه فتوضَّأ، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنين، من المرأتان من أزواجِ النبيِّ ﷺ اللَّتان قال اللَّهُ لهما: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؟

قال عمرُ: واعجبًا لك يا بنَ عباسٍ.

قال الزهريُّ: وكرِه واللَّهِ ما سأله عنه ولم يكْتُمْ.

قال: هي حفصة وعائشةُ.

قال: ثم أخَذ يسوقُ الحديثَ، فقال: كنا معشرَ قريشٍ قومًا نَغلِبُ النساءَ، فلما قدِمنا المدينةَ.

ثم ذكَر الحديثَ بطولِه (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا أشهبُ (٢)، عن مالكٍ، عن أبي النضرِ، عن عليِّ بنِ حسينٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه سأل عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتَين على رسولِ اللَّهِ ﷺ، فقال: عائشةُ وحفصةُ (٣).

حدَّثنا يونسُ، [قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ] (٤)، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن عُبيدِ بنِ حُنينٍ (٥) أنه سمِع ابنَ عباسٍ يقولُ: مكَثتُ سنةً وأنا أريدُ أن أسألَ عمرَ بنَ الخطابِ عن المتظاهرتين فما أجدُ له موضعًا أسألُه فيه، حتى خرَج حاجًّا وصحِبْتُه، حتى إذا كان بمَرِّ الظَّهرانِ ذهَب لحاجتِه، وقال: أدْرِكْني بإداوةٍ مِن ماءٍ.

فلما قضَى حاجتَه ورجَع أتيتُه بالإداوةِ أصبُّها عليه، فرأيتُ موضعًا، فقلت: يا أميرَ المؤمنين، مَن المرأتان المتظاهرتان على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟

فما قضَيْتُ كلامي حتى قال: عائشةُ وحفصةُ (١).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ وابنُ المثنى، قالا: ثنا عمرُ بنُ يونسَ، قال: ثنا عكرمةُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سماكٌ أبو زُمَيلٍ، قال: ثنى عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ، قال: ثنى عمرُ بنُ الخطابِ، قال: لما اعتزَل نبيُّ اللَّهِ ﷺ نساءَه، دخَلْتُ عليه وأنا أرى في وجْهِه الغضبَ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما شقَّ عليك مِن شأنِ النساءِ، فلئن كنتَ طلَّقْتَهنَّ فإن اللَّهَ معك، وملائكتَه، وجبريلَ وميكائيلَ، وأنا وأبو بكرٍ معك، وقلَّما تكلَّمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ، إلا رجَوْتُ أن يكونَ اللَّهُ مصدِّقَ قولي، فنزَلت هذه الآيةُ؛ آيةُ التخييرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ﴾ الآية.

وكانت عائشةُ ابنةُ أبي بكرٍ وحفصةُ تظاهران على سائرِ نساءِ النبيِّ ﷺ (٢).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾.

يقولُ: على معصيةِ النبيِّ ﷺ وأذاه.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال ابنُ عباسٍ لعمرَ: يا أميرَ المؤمنين، إني لأُريدُ أنْ أسألَك عن أمرٍ، وإني لأهابُك.

قال: لا تهبْني (٣).

فقال: مَن اللَّتان تظاهرتا على رسولِ اللَّهِ ﷺ؟

قال: عائشةُ وحفصةُ.

وقولُه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾.

يقولُ: فإنَّ اللَّهَ هو وليُّه وناصرُه [عليهما، وعلى كلِّ مَن بغاه سوءًا، ﴿وَجبْرِيلُ﴾.

يقولُ: وجبريلُ أيضًا وليُّه وناصرُه] (١)، ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وخيارُ المؤمنين أيضًا مولاه وناصرُه.

وقيل: عُنِي بصالحِ المؤمنين في هذا الموضعِ أبو بكرٍ وعمرُ ﵄.

ذكرُ من قال ذلك حدَّثني عليُّ بنُ الحسينِ (٢) الأزديُّ، قال: ثنا يحيى بنُ يمانٍ، عن عبدِ الوهابِ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: عمرُ (٣).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: خيارُ المؤمنين؛ أبو بكرٍ الصدِّيقُ وعمرُ (٤).

حدَّثنا إسحاقُ بنُ أبي (٥) إسرائيلَ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى السِّينانيُّ (٦)، مِن قريةٍ بمروٍ، يقالُ لها: سِيَنانُ (٧).

عن عبيدِ بنِ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: أبو بكرٍ وعمرُ.

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

يقولُ: وخيارُ المؤمنين.

وقال آخرون: عُنِي بصالحِ المؤمنين الأنبياءُ صلواتُ اللَّهِ عليهم.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: هم الأنبياءُ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: هم الأنبياءُ (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: الأنبياءُ (٢).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندي أنَّ قولَه: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وإن كان في لفظِ واحدٍ، فإنه في معنى الجمعِ، وهو بمعنى (٣) قولِه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢].

فـ "الإنسانُ" وإنْ كان في لفظِ واحدٍ، فإنه بمعنى الجمعِ، ونظيرُ قولِ الرجلِ: لا يَقْرَيَنِّي (٤) إلا قارئَ القرآنِ.

فقارئُ القرآنِ وإن كان في اللفظِ واحدًا، فمعناه الجمعُ؛ لأنه قد أَذِن لكلِّ قارئٍ القرآنَ أن يقْرِيَه، واحدًا كان أو جماعةً.

وقولُه: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.

يقولُ: والملائكةُ مع جبريلَ وصالحِ المؤمنين لرسولِ اللَّهِ ﷺ أعوانٌ على مَن آذاه وساءَه وأراد مَساءتَه.

والظهيرُ في هذا الموضعِ بلفظِ واحدٍ في معنى جمعٍ، ولو أُخرِج بلفظِ الجمعِ لقيل: والملائكةُ بعدَ ذلك ظُهراءُ.

وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

قال: وبدأ بصالحِ المؤمنين ههنا قبلَ الملائكةِ، قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: عسى ربُّ محمدٍ إِنْ طلَّقكنَّ معشرَ أزواجِ محمدٍ ﷺ أنْ يُبْدِلَه منكنَّ أزواجًا خيرًا منكنَّ.

وقيل: إنَّ هذه الآيةَ نزَلت على رسولِ اللَّهِ ﷺ تحذيرًا من اللَّهِ ﷿ نساءَه لمَّا اجتمَعْن عليه في الغَيرةِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا هشيمٌ (١)، قال: أخبَرنا حميدٌ الطويلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: اجتمَع على رسولِ اللَّهِ ﷺ نساؤُه في الغَيرةِ، فقلتُ لهنَّ: عسى ربُّه إن طلَّقكم أنْ يُبْدِلَه أزواجًا خيرًا منكنَّ.

قال: فنزَل كذلك (٢).

حدَّثنا يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، عن عمرَ، قال: بلَغني عن بعضِ أمهاتِنا، أمهاتِ المؤمنين، شدَّةٌ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأذاهُنَّ إِيَّاه، فاستَقْريْتُهنَّ امرأةً امرأةً، أعظُها وأنهاها عن أذى رسولِ اللَّهِ ﷺ، وأقولُ: إن أبَيْتُنَّ أبدَله اللَّهُ خيرًا منكنَّ.

حتى أتيتُ - حسِبتُ أنه قال: على زينبَ - فقالت: يا بنَ الخطابِ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يعِظُ نساءَه حتى تَعِظَهنَّ أنت؟

فأمسَكْتُ، فأنزَل اللَّهُ ﷿ هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: بلَغني عن أمهاتِ المؤمنين شيءٌ، فاستَقْريْتُهنَّ أقولُ: لَتَكُفُّنَّ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أو ليُبْدِلَنَّه اللَّهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ، حتى أتيتُ على إحدى أمهاتِ المؤمنين، فقالت: يا عمرُ، أما في رسولِ اللَّهِ ﷺ ما يَعِظُ نساءَه حتى تعِظَهنَّ أنت؟

فكفَفْتُ، فأنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ الآية (١).

واختلفتِ القرأةِ في قراءةِ قولِه: ﴿أَنْ يُبْدِلَهُ﴾؛ فقرَأ ذلك بعضُ قرأةِ مكةَ والمدينةِ والبصرةِ بتشديدِ الدالِ: (يُبَدِّلَه أزواجًا) مِن "التبديل" (٢).

وقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿يُبْدِلَهُ﴾ بتخفيفِ الدالِ من "الإبدالِ" (٣).

والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.

وقولُه: ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾.

يعني: خاضِعاتٍ للَّهِ بالطاعةِ، ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾.

يعني: مصدِّقاتٍ باللَّهِ ورسولِه.

وقولُه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾.

يقولُ: مطيعاتٍ للَّهِ ﷿.

كما حدَّثني ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَانِتَاتٍ﴾.

مطيعاتٍ (١).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿قَانِتَاتٍ﴾.

قال: مطيعاتٍ.

وقولُه: ﴿تَائِبَاتٍ﴾.

يقولُ: راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللَّهُ منهنَّ مِن طاعتِه عما يكرَهُه منهنَّ، ﴿عَابِدَاتٍ﴾.

يقولُ: مُتذلِّلاتٍ للهِ بالطاعةِ.

وقولُه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾.

يقولُ: صائماتٍ.

واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: صائماتٍ (٢).

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾.

قال: صائماتٍ (٣).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾.

قال: صائماتٍ.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: السَّائحاتُ الصائماتُ (١).

حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾: يعني صائماتٍ (٢).

وقال آخرون: السائحاتُ المهاجراتُ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا إسحاقُ بن أبي إسرائيلَ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ (٣) الدراورديُّ، عن زيد بنِ أسلمَ، قال: السائحاتُ المهاجراتُ (٤).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَائِحَاتٍ﴾.

قال: مهاجراتٍ، ليس في القرآنِ، ولا في أمةِ محمدٍ سياحةٌ إلا الهجرةُ، وهي التي قال اللَّهُ ﷿: ﴿السَّائِحُونَ﴾ (٥) [التوبة: ١١٢].

وقد بيَّنا الصوابَ مِن القولِ في معنى السائحين، فيما مضى قبلُ بشواهدِه، مع ذكْرِنا أقوالَ المختلفِين فيه، فكرِهْنا إعادتَه (٦).

وكان بعضُ أهلِ العربية (٧) يقولُ: نرى أنَّ الصائمَ إنما سُمِّي سائحًا لأن السائحَ لا زادَ معه، وإنما يأكلُ حيثُ يجدُ الطعامَ، فكأنه أُخِذ من ذلك.

وقولُه: ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ وهنَّ اللَّواتي قد افْتُرِعْنَ (١) وذهبَت عُذْرتُهنَّ، ﴿وَأَبْكَارًا﴾ وهنَّ اللَّواتي لم يُجامَعْن، ولم يُفْتَرَعْنَ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ورسولَه: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

يقولُ: علِّموا بعضَكم بعضًا ما تَقُون به مَن تُعلِّمونه النارَ، وتدفعونها به عنه إذا عمل به من طاعةِ اللَّهِ، واعْملوا بطاعةِ اللَّهِ.

وقولُه: ﴿وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

يقولُ: وعلِّموا أهليكم مِن العملِ بطاعةِ اللَّهِ ما يَقُون به أنفسَهم مِن النارِ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ في قولِه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.

قال: علِّموهم، أدِّبوهم (٢).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن رجلٍ، عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

يقولُ: أدِّبوهم وعلِّموهم.

حدَّثني الحسينُ (١) بنُ يزيدَ الطحانُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ خُثَيْمٍ، عن محمدِ بنِ خالدٍ الضبيِّ، عن الحكمِ، عن عليٍّ مثلَه.

حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

قال: اعملوا بطاعةِ اللَّهِ، واتقوا معاصيَ اللَّهِ، ومروا أهليكم بالذكرِ، يُنْجِكم (٢) اللَّهُ مِن النارِ (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ- جلَّ وعزَّ -: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

قال: اتقوا اللَّهَ، وأَوْصوا (٤) أهليكم بتقوى اللَّهِ (٥).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.

قال: قال: تقِيهم؛ أن تأمرَهم بطاعةِ اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتَنهاهم عن معصيتِه، وأن تقومَ عليهم بأمرِ اللَّهِ، تأمرُهم به، ويساعدُهم عليه، فإذا رأيتَ للَّهِ ﷿ معصيةً قرَعْتَهم (٦) عنها، وزجَرْتَهم عنها.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.

قال: مُرُوهم بطاعةِ اللَّهِ، وانهَوهم عن معصيتِه (١).

وقولُه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.

يقولُ: حطَبُها الذي يوقدُ على هذه النارِ، بنو آدمَ وحجارةُ الكِبْريتِ.

وقولُه: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾.

يقولُ: على هذه النارِ ملائكةٌ مِن ملائكةِ اللَّهِ، غِلاظٌ على أهلِ النارِ، شِدادٌ عليهم، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾.

يقولُ: لا يُخالِفون اللَّهَ في أمرِه الذي يأمرُهم به، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

يقولُ: وينتَهون إلى ما يأمرُهم به ربُّهم.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِه (٢) يومَ القيامةِ للذين جحَدوا وحدانيتَه في الدنيا: يأيُّها الذين كَفَروا باللَّهِ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

يقولُ: يقالُ لهم: إنما تُثابون اليومَ، وذلك يومُ القيامةِ، وتُعطَون جزاءَ أعمالِكم التي كنتم في الدنيا تعملون، فلا تطلبوا المعاذيرَ منها.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: يأيُّها الذين صدَّقوا اللَّهَ ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾.

يقولُ: ارْجِعوا من ذنوبِكم إلى طاعةِ اللَّهِ، وإلى ما يُرضِيه عنكم، ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

يقولُ: رجُوعًا لا تعودون فيه (١) أبدًا.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سُئل عمرُ عن التوبةِ النصوحِ، فقال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ الرجلُ مِن العملِ السيئِ، ثم لا يعودَ إليه أبدًا (٢).

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن عمرَ، قال: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ ثم لا يعودَ فيه أبدًا، أو لا يريدَ أن يعودَ (٣).

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، قال: سمِعتُ النعمانَ بنَ بشيرٍ يخطُبُ، قال: سمِعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: يذنبُ الذنبَ ثم لا يَرْجِعُ فيه.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن سماكٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سألتُ عمرَ عن قولِه: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: هو العبدُ يتوبُ مِن الذنبِ ثم لا يعودُ فيه أبدًا.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: سمعتُ عمرَ بنَ الخطابِ يقولُ: التوبةُ النصوحُ أن يتوبَ مِن الذنبِ فلا يعودَ.

حدَّثنا به ابنُ حميدٍ مرَّةً أخرى، قال: أخبَرني عن عمرَ بهذا الإسنادِ، فقال: التوبةُ النصوحُ الذي يذنبُ ثم [لا يريدُ أن يعودَ] (١).

حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي إسحاقَ، عن أبى الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: يتوبُ ثم لا يعودُ.

حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: التوبةُ النصوحُ، الرجلُ يذنبُ الذنبَ ثم لا يعودُ (٢).

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: التوبةُ النصوحُ ألَّا يعودَ صاحبُها لذلك الذنبِ الذي يتوبُ منه، ويقالُ: توبتُه ألا يَرْجِعَ إلى ذنبٍ ترَكه (٣).

حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: يستغفرون ثم لا يعودون (١).

حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوديُّ، قال: ثنا المحاربيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: النصوحُ أن يَتَحَوَّلَ عن الذنبِ ثم لا يعودَ له أبدًا.

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: هي الصادقةُ الناصحةُ (٢).

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾.

قال: التوبةُ النصوحُ الصادقةُ؛ يعلمُ أنها - صدقًا - ندامةٌ على خطيئتِه، وحبُّ الرَّجْعةِ إلى طاعتِه، فهذا النصوحُ.

واختلَفتِ القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ خلا عاصمٍ: ﴿نَصُوحًا﴾ بفتحِ النونِ على أنه مِن نعتِ التوبةِ وصفتِها (٣).

وذُكر عن عاصمٍ (٤) أنه قرَأه: (نُصُوحًا) بضمِّ النونِ، بمعنى المصدرِ مِن قولِهم: نصَح فلانٌ لفلانٍ نُصُوحًا.

وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك قراءةُ مَن قرَأه بفتحِ النونِ على الصفةِ للتوبةِ؛ لإجماعِ الحجةِ على ذلك (٥).

وقولُه: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.

يقولُ: عسى ربُّكم أيُّها المؤمنون أن يمحوَ عنكم سيئاتِ أعمالِكم التي سلَفت منكم، ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.

يقولُ: وأن يُدْخِلَكم بساتينَ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ محمدًا ﷺ، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾.

يقولُ: يسعى نورُهم أمامَهم، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾.

يقولُ: وبأيمانِهم كتابُهم.

كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ إلى: ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾: يأخُذون كتابَهم فيه البشرى (١).

﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا﴾.

يقولُ جلَّ ثناؤُه مخبرًا عن قيلِ المؤمنين يومَ القيامةِ، يقولون: ربَّنا أتمِمْ لنا نورَنا.

يسألون ربَّهم أن يُبْقِيَ لهم نورَهم فلا يُطْفِئَه حتى يجوزوا الصراطَ، وذلك حينَ يقولُ المنافقون والمنافقاتُ للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣].

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.

قال: قولُ المؤمنين حينَ يُطْفَأُ نورُ المنافقين (٢).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن الحسنِ، قال: ليس أحدٌ إلا يُعْطَى نورًا يومَ القيامةِ؛ يُعْطَى المؤمنُ والمنافقُ، فيُطْفَأُ نورُ المنافقِ، فيَخْشى المؤمنُ أنْ يُطْفَأَ نورُه، فذلك قولُه: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قال: كان يذكِّرُنا ويَبْكي، ويصدِّقُ قولَه فعلُه، يقولُ: يأيُّها الناسُ إنكم مكتوبون عندَ اللَّهِ ﷿ بأسمائِكم وسِيماكم ومجالسِكم ونجواكم وخَلائِكم، فإذا كان يومُ القيامةِ قيل: يا فلانَ بنَ فلانٍ، هاك نورَك، ويا فلانَ بنَ فلانٍ، لا نورَ لك (١).

وقولُه: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا﴾.

يقولُ: واسْتُرْ علينا ذنوبَنا، ولا تفضَحْنا بها بعقوبتِك إيَّانا عليها، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

يقولُ: إنك على إتمامِ نورِنا لنا (٢)، وغفرانِ ذنوبِنا عنا، وغيرِ ذلك من الأشياءِ - ذو قدرةٍ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: يأيُّها النبيُّ جاهِدِ الكفارَ بالسيفِ، والمنافِقين بالوعيدِ واللسانِ.

وكان قتادةُ يقولُ في ذلك ما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.

قال: أمَر اللَّهُ ﷿ نبيَّه ﵇ أنْ يجاهدَ الكفارَ بالسيفِ، ويُغْلِظَ على المنافقين بالحدودِ (٣).

﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.

يقولُ: واشْدُدْ عليهم في ذاتِ اللَّهِ، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ يقولُ: ومسكنُهم (١) جهنمُ، ومصيرُهم الذي يصيرون إليه نارُ جهنمَ، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

يقولُ: وبئس الموضعُ الذي يُصارُ (٢) إليه جهنمُ.

القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.

قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: مثَّل اللَّهُ مثلًا للذين كفروا باللَّهِ مِن الناسِ وسائرِ الخلقِ، امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ؛ كانتا تحتَ عبدَين مِن عبادِنا صالحَينِ؛ وهما نوحٌ ولوطٌ ﵉ فخانتاهما.

ذُكر أنَّ خيانةَ امرأةِ نوحٍ زوجَها أنها كانت كافرةً، وكانت تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ.

وأنَّ خيانةَ امرأةِ لوطٍ لوطًا، أن لوطًا كان يُسِرُّ (٣) الضيفَ، وتَدُلُّ عليه.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمان بنِ قتةَ (٤)، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: كانت امرأةُ نوحٍ تقولُ للناسِ: إنه مجنونٌ.

وكانت امرأةُ لوطٍ تَدُلُّ على الضيفِ (٥).

حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عمرَ، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بن قتةَ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ في قولِه: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: ما زَنَتا.

ثم ذكَر نحوَه.

[حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قَتَّةَ، قال: كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ أنه كان يُسِرُّ ضيفَه وتَدلُّ عليهم.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ أبي عائشةَ، عن سليمانَ بنِ قتةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عباسٍ قال في هذه الآيةِ، ذكَر امرأةَ نوحٍ وامرأةَ لوطٍ ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: ما زَنيا في هذه الآيةِ؛ أما امرأةُ نوحٍ فكانت تخبرُ عنه أنه مجنونٌ، وأما خيانةُ امرأةِ لوطٍ فكانت تدُلُّ على الضَّيفِ] (١).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي عامرٍ الهمْدانيِّ، عن الضحاكِ، [عن ابنِ عباسٍ] (٢): ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾.

قال: ما بغَتِ امرأةُ نبيٍّ قطُّ، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: في الدِّينِ خانتاهما.

حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا على غيرِ دينِهما، فكانت امرأةُ نوحٍ تُطْلِعُ على سرِّ نوحٍ، فإذا آمن مع نوحٍ أحدٌ أخبَرت (٣) الجبابرةَ مِن قومِ نوحٍ به، فكان ذلك مِن أمرِها؛ وأما امرأةُ لوطٍ فكانت إذا ضاف [لوطٌ أحدًا] (١) أخبَرت به أهلَ المدينةِ ممن يعمَلُ السوءَ، ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢).

حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي (٣) سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: في الدِّينِ (٤).

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: كانت خيانتُهما أنهما كانتا مشركتين.

حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبيدُ بن سليمانَ، عن الضحاكِ: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾.

قال: كانتا مخالفتَين دينَ النبيِّ ﷺ كافرتين باللَّهِ.

حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني أبو صخرٍ، عن أبي معاويةَ البجليِّ، قال: سألتُ سعيدَ بنَ جبيرٍ: ما كانت خيانةُ امرأةِ لوطٍ وامرأةِ نوحٍ؟

فقال: أما امرأةُ لوطٍ فإنَّها كانت تدُلُّ على الأَضيافِ، وأما امرأةُ نوحٍ فلا عِلْمَ لي بها.

وقولُه: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾.

يقولُ: فلم يُغْنِ نوحٌ ولوطٌ عن امرأتَيْهما مِن اللَّهِ لمَّا عاقَبَهما على خيانتِهما أزواجَهما شيئًا، ولم ينفَعْهما أن كانت أزواجُهما أنبياءَ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية: هاتان زوجتا نبيَّيِ اللَّهِ لمَّا عصَتا ربَّهما، لم تُغْنِ أزواجُهما عنهما مِن اللهِ شيئًا.

حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ الآية.

قال: يقولُ اللَّهُ: لم يُغْنِ صلاحُ هذين عن هاتين شيئًا، وامرأةُ فرعونَ لم يضرَّها كفرُ فرعونَ (١).

وقولُه: ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.

وقال اللَّهُ لهما يومَ القيامةِ: ادْخُلا أيَّتُها المرأتان نارَ جهنمَ مع الداخلين فيها.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وضرب اللَّهُ مثلًا للذين صدَّقوا اللَّهَ ووحَّدوه امرأةَ فرعونَ، التي آمنت باللَّهِ ووحَّدته، وصدَّقت رسولَه موسى، وهي تحتَ عدوٍّ من أعداءِ اللَّهِ كافرٍ، فلم يضرَّها كفرُ زوجِها، إذ كانت مؤمنةً باللَّهِ، وكان مِن قضاءِ اللَّهِ في خلْقِه ألا تزِرَ وازرةٌ وزرَ أُخرى، وأنَّ لكلِّ نفسٍ ما كسبَت، إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، فاستجاب اللَّهُ لها، فبنى لها بيتًا في الجنةِ.

كما حدَّثني إسماعيلُ بنُ حفصٍ الأُبُلِّيُّ (١)، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ (٢)، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تُعذَّبُ بالشمسِ، فإذا انصرَف عنها (٣) أظلَّتْها الملائكةُ بأجنحتِها، وكانت تَرى بيتَها في (٤) الجنةِ (٥).

حدَّثنا محمدُ بنُ عبيدٍ المحاربيُّ، قال: ثنا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سليمانَ التيميِّ، عن أبي عثمانَ، قال: قال سلمانُ: كانت امرأةُ فرعونَ.

فذكَر نحوَه (٦).

حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن هشامٍ الدَّسْتُوائيِّ، قال: ثنا القاسمُ بنُ أبي بَزَّةَ، قال: كانت امرأةُ فرعونَ تسألُ: مَن غلَب؟

فيقالُ: غلَب موسى وهارونُ.

فتقولُ: آمنتُ بربِّ موسى وهارونَ.

فأرسَل إليها فرعونُ، فقال: انظروا أعظمَ صخرةٍ تجِدونها، فإن مضَت على قولِها فألْقُوها عليها، وإنْ رجَعت عن قولِها فهي امرأتُه.

فلما أتَوْها رفَعت بصرَها إلى السماءِ، فأَبصَرَت بيتَها في السماءِ، فمضَت على قولِها، فانْتَزَع (٧)، روحَها، وأُلْقِيت الصخرةُ على جسدٍ ليس فيه روحٌ (٨).

حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾: وكان أعتى أهلِ الأرضِ على اللَّهِ، وأبعَدَه مِن اللَّهِ، فواللَّهِ ما ضرَّ امرأتَه كُفرُ زوجِها حين أطاعت ربَّها، لتعلَموا أنَّ اللَّهَ حكَمٌ عدلٌ، لا يؤاخِذُ عبدَه إلا بذنبِه (١).

وقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾.

تقولُ: وأَنْقِذْني مِن عذابِ فرعونَ، ومِن أنْ أعملَ عملَه، وذلك كُفرُه باللَّهِ.

وقولُه: ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

تقولُ: وخلِّصْني وأنقِذْني مِن عملِ القومِ الكافرين بك ومِن عذابِهم.

القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾.

يقولُ تعالى ذكرُه: وضرَب اللَّهُ مثلًا للذين آمنوا مريمَ ابنةَ عمرانَ، ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.

يقولُ: التي منَعت جيبَ دِرْعِها جبريلَ ﵇.

وكلُّ ما كان في الدِّرْعِ مِن خَرْقٍ أو فَتْقٍ فإنه يُسمَّى فَرْجًا، وكذلك كلُّ صَدْعٍ وشَقٍّ في حائطٍ، أو فرجِ سقفٍ، فهو فرجٌ.

وقولُه: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.

يقولُ: فنفَخْنا فيه في (٢) جَيْبِ درعِها، وذلك فرجُها، ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾: من جبريلَ، وهو الروحُ.

وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.

ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾: فنَفَخنا في جَيْبِها مِن روحِنا (١).

﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾.

يقولُ: وآمنت بعيسى، وهو كلمةُ اللَّهِ، ﴿وَكُتُبِهِ﴾.

يعني: التوراةِ والإنجيلِ، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.

يقولُ: وكانت مِن القومِ المُطيعين.

كما حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾: مِن المطيعين (١).

آخرُ تفسيرِ سورةِ "التحريمِ"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد