الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة الحاقة
تفسيرُ سورةِ الحاقة كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 54 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ "الحاقةِ" ﷽ القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: الساعةُ الحَاقَّةُ التى تَحُقُّ فيها الأمورُ، ويَجِبُ فيها الجزاءُ على الأعمالِ.
﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾.
يقولُ: أىُّ شيءٍ الساعةُ الحاقةُ.
وذُكِر عن العربِ أنها تقولُ: لما عرَف الحاقَّةَ منى (١) والحقَّةَ منى (١) هرَب (٢).
وبالكسرِ بمعنًى واحدٍ فى اللغاتِ الثلاثِ، وتقولُ: قد حقَّ عليه الشئُ.
إذا وجَب، فهو يَحُقُّ حُقوقًا.
و"الحاقةُ" الأولى مرفوعةٌ بالثانيةِ؛ لأن الثانيةَ بمنزلةِ الكنايةِ عنها، كأنه عجِب منها، فقال: الحاقةُ ما هى!
كما يُقالُ: زيدٌ ما زيدٌ!
و"الحاقة" الثانيةُ مرفوعةٌ بـ "ما"، و"ما" بمعنى "أى"، و"ما" رفعٌ بـ "الحاقةِ" الثانيةِ، ومثلُه فى القرآنِ: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧].
و ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ١، ٢]، فـ "ما" فى موضعِ رفعٍ بـ "القارعة" الثانيةِ، والأُولى بجملةِ الكلامِ بعدَها.
وبنحوِ الذى قلنا فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: من أسماءِ يومِ القيامةِ، عظَّمه اللهُ وحذَّره عبادَه (١).
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن شريكٍ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ، قال: ﴿الْحَاقَّةُ﴾: القيامةُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾.
يعنى: الساعةُ، أحقَّت لكلِّ عاملٍ عملَه.
حدَّثنى ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿الْحَاقَّةُ﴾.
قال: أحقَّت لكلِّ قومٍ أعمالَهم (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ﴾.
يعنى: القيامةُ (٤).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾، و ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾، و ﴿الْوَاقِعَةُ﴾ [الواقعة: ١]، و ﴿الطَّامَّةُ﴾ [النازعات: ٣٤].
و ﴿الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣].
قال: هذا كلُّه يومُ القيامةِ، الساعةُ.
وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ [الواقعة: ٢، ٣].
والخافضةُ من هؤلاء أيضًا، خفَضت أهلَ النارِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أخفَضَ من أهلِ النارِ ولا أذلَّ ولا أخزَى، ورَفَعت أهلَ الجنةِ، ولا نَعْلَمُ أحدًا أشرفَ من أهلِ الجنةِ ولا أكرمَ (٤).
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأىُّ شيءٍ أدرَاك وعرَّفك أىُّ شيءٍ الحاقةُ؟
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: ما فى القرآنِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [الأحزاب: ٦٣، الشورى: ١٧، عبس: ٣]، فلم يُخْبِرْه، وما كان: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فقد أخبَره (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾: تعظيمًا ليومِ القيامةِ كما تَسْمَعون (٢).
وقولُه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: كذَّبت ثمودُ قومُ صالحٍ، وعادٌ قومُ هودٍ، بالساعةِ التى تَقْرَعُ قلوبَ العبادِ فيها بهجُومِها عليهم.
والقارعةُ أيضًا اسمٌ من أسماءِ القيامةِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾.
أى: بالساعةِ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾.
قال: القارعةُ يومُ القيامةِ (٣).
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأمَّا ثمودُ قومُ صالحٍ فأهلَكهم اللهُ بالطاغيةِ.
واختلَف فى معنى الطاغيةِ التى أهلَك اللهُ بها ثمودَ، أهلُ التأويلِ؛ فقال بعضُهم: هى طغيانُهم وكفرُهم باللهِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.
قال: بالذنوبِ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾.
فقرأ قولَ اللهِ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾.
[الشمس: ١١] وقال: هذه الطاغيةُ طغيانُهم وكفرُهم بآياتِ اللهِ؛ الطاغيةُ طغيانُهم الذى طغَوا فى معاصى اللهِ وخلافِ كتابِ اللهِ (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ التى قد حازتْ (٣) مقاديرَ الصياحِ وطغَت عليها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾: بعَث اللهُ عليهم صيحةً فأَهْمَدتْهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿بِالطَّاغِيَةِ﴾.
قال: أَرْسَل اللهُ عليهم صيحةً واحدةً فأَهْمَدتْهم (١).
وأولى القولين فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معنى ذلك: فأُهْلِكوا بالصيحةِ الطاغيةِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأنَّ اللهَ إنما أخبَر عن ثمودَ بالمعنى الذى أهلَكها به، كما أخبَر عن عادٍ بالذى أهلَكها به، فقال: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
ولو كان الخبَرُ عن ثمودَ بالسببِ الذى أهْلَكها مِن أجلِه، كان الخبرُ أيضًا عن عادٍ كذلك؛ إذ كان ذلك فى سياقٍ واحدٍ، وفى إتباعِه ذلك بخبرِه عن عادٍ بأنَّ هلاكَها كان بالريحِ - الدليلُ الواضحُ على أنَّ إخبارَه عن ثمودَ إنما هو ما بيَّنتُ.
وقولُه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأما عادٌ قومُ هودٍ فأهلَكهم اللهُ بريحٍ صَرْصَرٍ، وهى الشديدةُ العُصُوفِ مع شدَّةِ بَرْدِها، ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
يقولُ: عتَتْ على خُزَّانِها فى الهُبوبِ، فتجاوَزَتْ فى الشدَّةِ والعُصُوفِ مقدارَها المعروفَ فى الهبوبِ والبردِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
يقولُ: بريحٍ مُهْلِكةٍ باردةٍ، عتَتْ عليهم بغيرِ رحمةٍ ولا بركةٍ، دائمةٍ لا تَفْتُرُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾: والصَّرْصَرُ الباردةُ، عتَتْ عليهم حتى نقَّبَت عن أفئدتِهم (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن موسى بنِ المسَّيبِ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أَرْسل اللهُ مِن ريحٍ قطُّ إلا بمكيالٍ، ولا أَنْزَل قطرةً قطُّ إلا بمثقالٍ، إلا يومَ نوحٍ ويومَ عادٍ، فإن الماءَ يومَ نوحٍ طغَى على خُزَّانِه فلم يكنْ لهم عليه سبيلٌ.
ثم قرأَ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١].
وإن الرِّيحَ عتَتْ على خُزَّانِها فلم يكنْ لهم عليها سبيلٌ.
ثم قرَأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا أبو سنانٍ سعيدٌ، عن غيرِ واحدٍ، عن علىِّ بنِ أبى طالبٍ كرَّم اللهُ وجَهه، قال: لم تَنْزِلْ قطرةٌ مِن ماءٍ إلا بكيلٍ على يَدَى مَلَكٍ، فلما كان يومُ نوحٍ أَذِن للماءِ دونَ الخُزَّانِ، فطغى الماءُ على الجبالِ فخرَج، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
ولم يَنْزِلْ مِنَ الرِّيحِ شيءٌ إلا بكيلٍ على يَدى مَلَكٍ، إلا يومَ عادٍ، فإنه أَذِن لها دونَ الخُزَّانِ فخرَجت، وذلك قولُ اللهِ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة﴾.
عَتَتْ على الخُزَّانِ (١).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَة﴾.
قال: الصَرْصَرُ الشديدةُ، والعاتيةُ القاهرةُ التى عتَتْ عليهم فقَهَرتْهم (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿صَرْصَرٍ﴾.
قال: شديدةٍ (٣).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾.
يعنى: باردةٍ، ﴿عَاتِيَةٍ﴾: عتَتْ عليهم بلا رحمةٍ ولا بركةٍ (٤).
وقولُه: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سَخَّر تلكَ الرياحَ على عادٍ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ حُسُومًا.
[واختلَف أهلُ التأويلِ فى معنى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾] (٥)؛ فقال بعضُهم: عُنِى بذلك: تِباعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
يقولُ: تِباعًا (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حُسُومًا﴾.
قال: مُتَتابعةً (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: مُتَتابعةً.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ مثلَ حديثِ محمدِ بنِ عمرٍو.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ، عن عبدِ اللهِ: ﴿حُسُومًا﴾.
قال: تِباعًا (٣).
قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سِماك بنِ حربٍ، عن عكرمةَ فى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾.
قال: تِباعًا (٤).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ أنه قال فى هذه الآيةِ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: مُتَتابِعةً.
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: متتابعةً ليس لها فَتْرةٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
يقولُ: متتابعةً ليس فيها تَفْتِيرٌ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿حُسُومًا﴾.
قال: دائماتٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن أبى معمرٍ عبدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ، عن ابنِ مسعودٍ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: متتابعةً.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: تِباعًا.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: متتابعةً، و ﴿أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦].
قال: مشَائِيمَ (٣).
وقال آخرون: عُنِى بقولِه: ﴿حُسُومًا﴾.
الرِّيحُ، وأنها تَحْسِمُ كُلَّ شيءٍ، فلا تُبْقى مِن عادٍ أحدًا.
وجعَل هؤلاء (٤) الحُسُومَ مِن صفةِ الريحِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
قال: حسَمتهم لم تُبْقِ منهم أحدًا.
قال: ذلك الحُسُومُ، مثلُ الذى يقولُ: احْسِمْ هذا الأَمر.
قال: وكان فيهم ثمانيةٌ لهم خَلْقٌ يذهبُ بهم فى كلِّ مذهبٍ.
قال: قال موسى بنُ عقبةَ: فلما جاءهم العذابُ قالوا: قوموا بنا نرُدَّ هذا العذابَ عن قومِنا.
قال: فقاموا وصَفُّوا فى الوادى، فَأَوْحَى اللهُ إلى مَلَكِ الريحِ أنْ يَقْلَعَ منهم كلَّ يومٍ واحدًا.
وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾.
حتى بلَغ ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
قال: فإن كانت الريحُ لتمُرُّ بالظَّعينةِ فتَسْتَدْبرُها وحمولتَها، ثم تذهبُ بهم فى السماءِ، ثم تَكُبُّهم على الرءوسِ.
وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
قال: وكان أَمسَك عنهم المطرَ.
فقرَأ حتى بلَغ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤، ٢٥].
قال: وما كانت الريحُ تَقْلَعُ مِن أولئِك الثمانيةِ كلَّ يومٍ إلا واحدًا.
قال: فلما عذَّب اللهُ قومَ عادٍ، أَبْقى اللهُ واحدًا يُنْذِرُ الناسَ.
قال: فكانت امرأةٌ قد رأَتْ قومَها، فقالوا لها: أنتِ أيضًا؟
قالت: تَنَحَّيتُ على الجبلِ.
قال: و (١) قيل لها بعدُ: أنتِ قد سَلِمْتِ وقد رأَيتِ، فكيف لا رأيتِ عَذابَ اللهِ؟
قالت: ما أَدْرِى غيرَ أَنَّ أسْلَمَ ليلةٍ ليلةَ لا ريحَ.
وأولى القولين فى ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿حُسُومًا﴾: متَتابعةً.
لإجماعِ الحجةِ مِن أهلِ التأويلِ على ذلك.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ (٢) يقولُ: الحُسُومُ التِّباعُ، إِذا تَتابَع الشئُ فلم يَنْقَطِعْ أوَّلُه عن آخرِه قيل فيه: حُسُومٌ.
قال: وإنما أُخِذ -واللهُ أعلمُ- من: حَسَم الداءَ.
إذا كُوِى صاحبُه؛ لأنه لحمٌ يُكْوَى بالمِكْوَاةِ، ثم يُتابِعُ عليه.
وقولُه: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى﴾.
يقولُ: فتَرى يا محمدُ قومَ عادٍ فى تلك السبعِ الليالى والثمانيةِ الأيامِ الحُسُومِ صرعى قد هلَكوا، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
يقولُ: كأنَّهم أصولُ نَخْلٍ قد خَوَتْ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾: وهى أصولُ النَّخْلِ (١).
وقولُه: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَة﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: فهل تَرى يا محمدُ لعادٍ قومِ هودٍ من بقاءٍ؟
وقيل: عُنِى بذلك: فهل تَرى منهم باقيًا؟
وكان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ مِن البصريين (٢) يقولُ: معنى ذلك: فهل تَرى لهم مِن بقيَّةٍ؟
ويقولُ: مجازُها مجازُ الطاغيةِ، مصدرٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وجاء فرعونُ مصرَ.
واختلَفتِ القرأةُ فى قراءةِ قولِه: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾؛ فقرأَتْه عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ ومكةَ خلا الكِسائىِّ: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ بفتحِ القافِ وسكونِ الباءِ (١)، بمعنى: وجاء مَن قبلَ فرعونَ من الأممِ المكذِّبةِ بآياتِ اللهِ، كقومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ وقومِ لوطٍ، بالخطيئةِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ البصرةِ والكِسائىُّ: (ومَن قِبَلَه) بكسرِ القافِ وفتحِ الباءِ (٢) بمعنى: وجاءَ مَن (٣) مع فرعونَ مِن أهلِ بلدِه مصرَ مِن القِبْطِ.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقولُه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
يقولُ: والقُرى التى ائْتَفكَت بأهلِها، فصار عاليها سافلَها، ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾.
يعنى: بالخطيئةِ.
وكانت خطيئتُها إتيانَها الذكرانَ فى أَدبارِهم.
وبنحوِ الذى قلنا فى معنى قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ [بِالْخَاطِئَةِ﴾: المؤتفكاتُ] (٤) قريةُ لوطٍ، وفى بعضِ القراءةِ: (وجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ مَعَهُ) (٥).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
قال: المؤتفكاتُ قومُ لوطٍ ومدينتُهم وزرعُهم.
وفى قولِه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: ٥٣].
قال: أهواها مِن السماءِ، رمَى بهم مِن السماءِ، أَوحى اللهُ إلى جبريلَ ﵇ فاقْتَلَعها مِن الأرضِ، رَبَضَها (١) ومدينتَها، ثم هوَى (٢) بها إلى السماءِ، ثم قلبَهم إلى الأرضِ، ثم أَتْبَعهم الصَّخْرَ حجارةً.
وقرَأ قولَ اللهِ: ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً﴾ [هود: ٨٢، ٨٣].
قال: المُسوَّمةُ المُعَدَّةُ للعذابِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ﴾.
يعنى المكذِّبين.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾: هم قومُ لوطٍ، ائتفَكَتْ بهم أرضُهم (٣).
وبما قلنا فى قولِه: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾.
قال: الخطايا (٤).
وقولُه: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فعصى هؤلاء الذين ذكَرهم اللهُ، وهم فرعونُ ومَن قبلَه والمؤتفكاتُ، رسولَ ربِّهم.
وقولُه: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١)﴾.
يقولُ: فأخَذهم ربُّهم بتكذيبِهم رسلَه ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
يعنى: أَخْذَةً زائدةً شديدةً ناميةً، مِن قولِهم: أَرْبَيْتُ.
إذا أَخَذ أكثرَ مما أَعْطَى، مِن الرِّبا، يقالُ: أَرْبَيْتَ فرَبا رِباك.
و: الفضةُ والذهبُ قد رَبَوَا.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
قال: شديدةً (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
يعنى: أَخْذَةً شديدةً (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾.
قال: كما يكونُ فى الخيرِ رابيةٌ، كذلك يكونُ فى الشرِّ رابيةٌ.
قال: رَبا عليهم.
زاد عليهم.
وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].
وقرَأ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
يقولُ: ربا لهؤلاء الخيرَ ولهؤلاء الشرَّ.
وقولُه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إنا لما كَثُر الماءُ فتجاوز حدَّه المعروفَ كان له.
وذلك زمنَ الطُّوفانِ.
وقيل: إنه زاد فعَلَا فوقَ كلِّ شيءٍ بقدرِ خمسَ عشرةَ ذراعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك، ومَن قال فى قولِه: ﴿طَغَا﴾ مثلَ قولِنا حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾.
قال: بلَغنا أنه طغَى فوقَ كلِّ شيءٍ خمسَ عشرةَ ذراعًا (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: ذاكم زمنَ نوحٍ، طغَى الماءُ على كلِّ شيءٍ خمسَ عشرَةَ ذراعًا بقدرِ كلِّ شيءٍ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ القُمِّىُّ، عن جعفرِ بنِ أبى المغيرةِ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
قال: لم تَنْزِلْ مِن السماءِ قَطْرَةٌ إلا بعلمِ الخُزَّانِ، إلا حيثُ طَغَى الماءُ؛ فإنه قد غَضِب لغضبِ اللهِ، فطغَى على الخُزَّانِ، فخرَج ما لا يَعْلمون ما هو (٢).
حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: إنما يقولُ: لما كَثُر (٣).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾.
يعنى: كَثُر الماءُ ليالىَ غرَّق اللهُ قومَ نوحٍ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾.
قال محمدُ بنُ عمرٍو فى حديثِه: طما (١).
قال الحارث: ظهَر (٢).
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾: كَثُر وارتفَع.
وقولُه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
يقولُ: حمَلْناكم فى السفينةِ التى تَجْرِى فى الماءِ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: والجاريةُ السفينةُ (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾: والجاريةُ سفينةُ نوحٍ التى حُمِلْتم فيها.
وقيل: ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾.
فخاطَب الذين نزَل فيهم القرآنُ، وإنما حمَل أجدادَهم نوحًا وولدَه؛ لأنَّ الذين خُوطِبوا بذلك ولدُ الذين حُمِلوا فى الجاريةِ، فكان حَمْلُ الذين حُمِلوا فيها مِن الأجدادِ حملًا لذرِّيتِهم، على ما قد بيَّنا من نظائرِ ذلك فى أماكنَ كثيرةٍ مِن كتابِنا هذا (١).
وقولُه: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾.
يقولُ: لنَجْعَلَ السفينةَ الجاريةَ التى حمَلْناكم فيها لكم ﴿تَذْكِرَةً﴾.
يعنى: عبرةً وموعظةً تَتَّعِظون بها.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾: فَأَبْقاها اللهُ تذكرةً وعبرةً وآيةً، حتى نظَر إليها أوائلُ هذه الأمةِ، وكم مِن سفينةٍ قد كانت بعدَ سفينةِ نوحٍ قد صارَتْ رمادًا (٢).
وقولُه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
يعنى: حافظةٌ، عقَلت عن اللهِ ما سمِعَتْ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى علىٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
يقولُ: حافظةٌ (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
يقولُ: سامعةٌ، وذلك الإعلانُ (٢).
حدَّثنا نصرُ بنُ علىٍّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى خالدُ بنُ قيسٍ، عن قتادةَ: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
قال: أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: أُذُنٌ عقَلت عن اللهِ، فانْتَفَعَتْ بما سمِعَتْ مِن كتابِ اللهِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
قال: أُذُنٌ سمِعَتْ، وعقَلت ما سمِعَت (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: سَمِعَتْها أُذُنٌ ووَعَت (٤).
حدَّثنا علىُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن علىِّ بنِ حوشبٍ، قال: سمِعتُ مكحولًا يقولُ: قرَأ رسولُ اللهِ ﷺ: " ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ".
ثم الْتَفَت إلى علىٍّ، فقال: "سألتُ اللهَ أن يَجْعَلَها أُذُنَك".
قال علىٌّ ﵁: فما سمِعتُ شيئًا مِن رسولِ اللهِ ﷺ فنَسِيتُه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنى بشرُ بنُ آدمَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ الزبيرِ، قال: ثنى عبدُ اللهِ بنُ رستمَ، قال: سمِعتُ بُرَيدةَ يقولُ: سَمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لعلىٍّ: "يا علىُّ، إِنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُدْنِيَك ولا أُقْصِيَك، وأَنْ أُعَلِّمَك، وأَنْ تَعِىَ، وحَقٌّ على اللهِ أَنْ تَعِىَ".
قال: فنزَلت: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ خلفٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ حمادٍ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ أبو يحيى التيمىُّ، عن فُضيلِ بنِ عبدِ اللهِ، عن أبى داودَ، عن بريدةَ الأَسلمىِّ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ لعلىٍّ: "إنَّ اللهَ أَمَرنى أنْ أُعلِّمَك، وأنْ أُدْنِيَك ولا أَجْفُوَك ولا أُقْصِيَك".
ثم ذكَر مثلَه (٣).
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
قال: واعيةٌ، يَحذَرُون معاصىَ اللهِ أنْ يُعذِّبَهم اللهُ عليها كما عذَّب مَن كان قبلَهم؛ تَسْمعُها فتعِيها، إنما تَعِى القلوبُ ما تَسمعُ الآذانُ من الخيرِ والشرِّ من بابِ الوَعْىِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فإذا نَفَخَ فى الصورِ إسرافيلُ نَفْخَةً واحدةً، وهى النفخةُ الأُولى، ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
يقولُ: فزُلْزِلتا زلزلةً واحدةً.
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثنى به يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
قال: صارت غُبارًا (١).
وقيل: ﴿فَدُكَّتَا﴾.
وقد ذكَر قبلُ الجبالَ والأرضَ، وهى جماعٌ، ولم يُقَلْ: فدُكِكْن.
لأنه جعَل الجبالَ كالشئِ الواحدِ، كما قال الشاعرُ (٢): هما سَيِّدَانَا يَزْعُمانِ وَإنما … يَسُودَانِنا أن يَسَّرَتْ غَنَماهما وكما قيل: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: ٣٠].
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾.
يقولُ جلّ ثناؤُه: فيومَئذٍ وَقَعَتِ الصيحةُ؛ الساعةُ، وقامَتِ القيامةُ.
القولُ فى تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وانْصَدعتِ السماءُ، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
يقولُ: [فهى يومَئذٍ] (٣) مُنْشقَّةٌ مُتَصَدِّعةٌ.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلحِ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مزاحمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ أَمَرَ اللهُ السماءَ الدنيا بأهلِها، ونزَل مَن فيها مِن الملائكةِ، فأَحاطوا بالأرضِ ومَن عليها، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ، ثم الرابعةَ، ثم الخامسةَ، ثم السادسةَ، ثم السابعةَ، فصَفُّوا صفًّا دونَ صفٍّ، ثم نزَل المَلكُ الأعلى على مُجَنِّبَتِه اليسرى جهنمُ، فإذا رآها أهلُ الأرضِ ندُّوا (١)، فلا يَأْتون قُطرًا مِن أقطارِ الأرضِ إلا وجدوا سبعةَ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، فيَرْجِعون إلى المكانِ الذى كانوا فيه، فذلك قولُ اللهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٢، ٣٣].
وذلك قولُه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢، ٢٣].
وقولُه: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣].
وذلك قولُه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
يعنى: مُتَمزِّقةٌ ضعيفةٌ.
﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والمَلَكُ على أَطراف السماءِ حين تَشَقَّقُ وحافَاتِها.
وبنحوِ الذى قلنا فى ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
يقولُ: والمَلَكُ على حافَاتِ السماءِ حينَ تَشَقَّقُ، ويقالُ: على شقةِ كلِّ شيءٍ تَشَقَّقُ عنه (١).
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: أَطرافِها (٢).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يعقوبُ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ فى قولِه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: على حافَاتِ السماءِ (٣).
حدَّثنى موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقىُّ، قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن الأَجْلَحِ، قال: قلْتُ للضحاكِ: ما أَرْجاؤُها؟
قال: حافَاتُها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾: على حافَاتِها (٥).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: بلَغنى أَنَّها أَقطارُها.
قال قتادةُ: على نواحِيها (١).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: نواحِيها (٢).
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ: الأَرْجاءُ حافاتُ السماءِ.
قال: ثنا الأَشْيَبُ، قال: ثنا أبو عَوانةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: على ما لم يَهِ (٣) منها (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ سنانٍ القزَّازُ، قال: ثنا حسينٌ الأشقرُ، قال: ثنا أبو كُدَيْنَةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾.
قال: على ما لم يَهِ منها (٥).
وقولُه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عُنِى بقولِه: ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنى به ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طَلْقٌ، عن ابنِ (١) ظُهيرٍ، عن السدىِّ، عن أبى مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال: ثمانيةُ صُفُوفٍ مِن الملائكةِ، لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلا اللهُ (٢).
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال: هى الصُّفُوفُ مِن وراءِ الصُّفُوفِ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال: ثمانيةُ صُفوفٍ مِن الملائكةِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾: قال بعضُهم: ثمانيةُ صُفُوفٍ لا يَعْلمُ عِدَّتَهنَّ إلا اللهُ.
وقال بعضُهم: ثمانيةُ أملاكٍ على خَلْقِ الوَعِلَةِ (٣).
وقال آخرون: بل عُنِى به ثمانيةُ أَملاكٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال: ثمانيةُ أملاكٍ (١).
وقال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "يَحْمِلُه اليومَ أَرْبَعَةٌ، ويومَ القيامةِ ثمانيةٌ" (٢).
وقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ أَقدامَهم لفى الأرضِ السابعةِ، وإنَّ مَناكِبَهم لخارِجةٌ من السماواتِ عليها العَرْشُ".
قال ابنُ زيدٍ: الأربعةُ.
قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لمَّا خَلَقهم اللهُ قال: تَدْرُون لمَ خَلَقْتُكم؟
قالُوا: خَلَقْتَنا ربَّنا لما تشاءُ.
قال لهم: تَحْمِلُون عَرْشى.
ثم قال: سَلُونى مِن القُوَّةِ ما شِئْتُم أَجْعَلْها فيكم.
فقال واحدٌ منهم: قد كان عَرْشُ ربِّنا على الماءِ، فاجْعَلْ فىَّ قوَّةَ الماءِ.
قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قوَّةَ الماءِ.
وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قوَّةَ السماواتِ.
قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ السماواتِ.
وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الأَرْضِ.
قال: قد جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الأرضِ والجبالِ.
وقال آخرُ: اجْعَلْ فىَّ قُوَّةَ الرياحِ.
قال: قَدْ جَعَلْتُ فيك قُوَّةَ الرياحِ.
ثم قال: احمِلُوا.
فوضَعوا العرشَ على كواهِلِهم، فلم يَزولوا، قال: فجاء عِلْمٌ آخرُ، وإنما كان علمُهم الذى سأَلُوه القُوَّةَ، فقال لهم: قُولُوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ.
فقالوا: لا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.
فجعَل اللهُ فيهم من الحَوْلِ والقُوَّةِ ما لم يَبْلُغْه عِلْمُهم، فحَمَلوا".
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: بلَغنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "هم اليومَ أَرْبَعَةٌ -يعنى حَمَلةَ العَرْشِ- وإذا كان يومُ القيامةِ أَيَّدهم اللهُ بأَرْبعةٍ آخرين فكانوا ثمانيةً، وقد قال اللهُ: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ " (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ميسرةَ قولَه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال: أَرْجُلُهم في التُّخُومِ لا يَسْتَطِيعون أنْ يَرْفعوا أبصارَهم مِن شُعاعِ النورِ (١).
وقولُه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: يومَئِذٍ أيُّها الناسُ تُعْرَضُون على ربِّكم.
وقيل: تُعْرَضُون ثلاثَ عَرَضاتٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ قَزَعةَ الباهليُّ، قال: ثنا وكيعُ بنُ الجراحِ، قال: ثنا عليُّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن الحسنِ، عن أبي موسى الأَشْعريِّ، قال: يُعْرَضُ الناسُ ثَلاثَ عَرَضاتٍ؛ فأَما عَرْضتان فجِدالٌ ومعاذيرُ، وأما الثالثةُ فعندَ ذلك تَطِيرُ الصُّحُفُ في الأيدى، فأخذٌ بيمينِه، وآخذٌ بشمالِه (٢).
حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سَلِيمُ (٣) بنُ حَيَّانَ، عَن مَرْوانَ الأَصفرِ (٤)، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللهِ، قال: يُعْرَضُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاثَ عَرَضاتٍ؛ عَرْضتان معاذيرُ وخصوماتٌ، والعَرْضةُ الثالثة تَطيرُ الصُّحُفُ في الأَيدِى (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾: ذُكِر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "يُعْرَضُ النَّاسُ ثلاثَ عَرَضاتٍ يومَ القيامةِ؛ فأَمَّا عَرْضتان ففيهما خصوماتٌ ومعاذيرُ وجِدَالٌ، وأَما العَرْضةُ الثالثةُ فتَطِيرُ الصُّحُفُ في الأَيْدِى".
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بنحوِه (٢).
وقولُه: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: لا تَخْفَى على اللهِ منكم خافيةٌ؛ لأنه عالمٌ بجميعِكم، مُحِيطٌ بكلِّكم.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فأَمَّا مَن أُعْطِى كتاب أعماله بيمينه، فيقولُ: تعالَوا (٣) اقْرَءوا كتابِيَهْ.
كما حدَّثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
قال: تعالَوا (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان بعضُ أهلِ العلمِ يقولُ: وجَدْتُ أَكْيَسَ النَّاسِ مَن قال: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (١).
وقولُه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
يقولُ: إني عَلِمْتُ أنى ملاقٍ حسابِيَه، إذا وَرَدْتُ يومَ القيامةِ على ربِّى.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
يقولُ: أَيقَنْتُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾: ظنَّ ظَنًّا يَقِينًّا، فنفعه اللهُ بظنِّه (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
قال: إِنَّ الظَّنَّ مِن المؤمنِ يقينٌ، وإنَّ "عسى" مِن اللهِ واجبٌ، ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
و: ﴿فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧].
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
قال: ما كان من ظنِّ الآخرة فهو عِلْمٌ (٣).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، قال: كلُّ ظنٍّ في القرآنِ ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾.
يقولُ: إنى (١) علِمْتُ (٢).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فالذى وصَفْتُ أَمرَه، وهو الذي أُوتِيَ كتابَه بيمينِه، في عيشةٍ مُرْضِيةٍ، أو عيشةٍ فيها الرضا.
فوُصِفَتِ العيشةُ بالرضا وهى مُرْضِيةٌ؛ لأن ذلك مدحٌ للعيشةِ.
والعربُ تفعَلُ ذلك في المدحِ والذمِّ فتقولُ: هذا ليلٌ نائمٌ، وسرٌّ كاتمٌ، وماءٌ دافقٌ.
فيُوجِّهون الفعلَ إليه، وهو في الأصلِ مفعولٌ لما يُرادُ من المدحِ أو الذمِّ، ومَن قال ذلك لم يَجُزْ له أنْ يقولَ للضاربِ: مضروبٌ.
ولا للمضروبِ: ضاربٌ.
لأنه لا مدحَ فيه ولا ذمَّ.
وقولُه: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
يقولُ: في بستانٍ عالٍ رفيعٍ.
و ﴿فِي﴾ من قولِه: ﴿فِي جَنَّةٍ﴾.
من صلةِ ﴿عِيشَةٍ﴾.
وقولُه: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
يقولُ: ما يُقْطَفُ مِن الجنة من ثمارِها دانٍ قريبٌ من قاطفِه.
وذُكر أنَّ الذى يريدُ ثمرَها يتناولُه كيف شاء، قائمًا وقاعدًا، لا يَمْنَعُه منه بُعْدٌ، ولا يَحُولُ بينَه شَوْكٌ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي إسحاقَ، قال: سمِعتُ البَراءَ يقولُ فى هذه الآية: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
قال: يتناولُ الرجلُ من فواكهِها وهو قائمٌ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾: دَنَتْ فلا يَرُدُّ أَيدِيَهم عنها بُعْدٌ ولا شَوْكٌ (٢).
وقولُه: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
يقولُ لهم ربُّهم جلَّ ثناؤُه: كُلوا معشرَ مَن رَضِيتُ عنه، فأَدْخَلْتُه جَنَّتَى، من ثمارِها وطيبِ ما فيها من الأطعمةِ، واشْربُوا من أَشرِبتِها، هنيئًا لكم، لا تتأَذَّون بما تَأْكلون، ولا بما تَشْربُون، ولا تَحْتاجون مِن أكلِ ذلك إلى غائطٍ ولا بَوْلٍ، ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
يقولُ: كُلوا واشْرَبُوا هنيئًا، جزاءً من الله لكم وثوابًا بما أَسْلَفْتم، أو على ما أَسْلَفْتم.
أى: على ما قَدَّمتم في دنياكم لآخرتكم من العمل بطاعة اللهِ، ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
يقولُ: فى أيامِ الدنيا التي خَلَتْ فمَضَتْ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾: إِنَّ أيَّامَكم هذه أيامٌ خاليةٌ؛ هى أيامٌ فانيةٌ، تؤدِّى إلى أيامٍ باقيةٍ، فاعمَلوا في هذه الأيامِ، وقدِّموا فيها خيرًا إِن اسْتَطَعْتم، ولا قُوَّةَ إلا باللهِ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
قال: أيامُ الدنيا، بما عَمِلوا فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأَمَّا مَن أُعْطِى يومَئِذٍ كتابَ أعمالِه بشمالِه، فيقولُ: يا لَيْتَنى لم أُعْطَ كتابِيَه، ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
يقولُ: ولم أَدْرِ أَيَّ شيءٍ حسابِيَه.
وقولُه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
يقولُ: يا لَيْت الموتةَ التي مِتُّها في الدنيا كانت هي الفراغَ من كلِّ ما بعدَها، ولم يكن بعدها حياةٌ ولا بعثٌ.
والقضاءُ هو الفَراغُ.
وقيل: إنه تمنَّى الموتَ الذي يَقْضِى عليه، فتَخْرُجُ منه نفسُه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: تمنَّى الموتَ، ولم يكن فى الدنيا شيءٌ أكرَهَ عندَه مِن الموتِ (١).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾: الموتَ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبرًا عن قيلِ الذى أُوتى كتابَه بشمالِه: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾.
يعنى أنَّه لم يَدْفَعْ عنه ماله الذى كان يَمْلِكُه في الدنيا مِن عذابِ اللهِ شيئًا، ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
يقولُ: ذهبَتْ عنى حُجَجِى وضَلَّت، فلا حُجَّةَ لى أَحْتَجُّ بها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
يقولُ: ضَلَّت عَنِّى كلُّ بَيِّنَةٍ، فلم تُغْنِ عنِّى شيئًا (١).
حدَّثني عبدُ الرحمن بنُ الأسود الطُّفَاوِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ ربيعةَ، عن النَّضْرِ ابن عربيٍّ، قال: سمعتُ عكرمةَ يقولُ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال: حُجَّتى (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال: حُجَّتى (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾: أمَا واللهِ ما كلَّ من دخَل النارَ كان أميرَ قريةٍ يَجبِيها؛ ولكنَّ اللهَ خلَقهم وسلَّطهم على أقرانِهم، وأَمرهم بطاعةِ الله ونهاهم عن معصيةِ اللهِ (٢).
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
يقولُ: بَينَتى ضَلَّت عنى.
وقال آخرون: عُنِى بالسلطانِ في هذا الموضعِ المُلْكُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾.
قال: سلطانُ الدنيا.
وقولُه: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لملائكتِه مِن خُزَّانِ جهنمَ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾.
يقولُ: ثم في نارِ جهنمَ أَوْرِدوه ليَصلَى فيها، ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
يقولُ: ثم اسْلُكوه في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعون ذراعًا.
بذراعٍ اللهُ أعلَمُ بقدرِ طولِها.
وقيل: إنَّها تَدخُلُ في دُبُرِه، ثم تَخْرُجُ مِن مَنْخَرَيْه.
وقال بعضُهم: تَدْخُلُ في فِيهِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن نُسَيْرِ (١) ابنِ ذُعْلُوقٍ، قال: سمعتُ نوفًا يقولُ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾.
قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، قال: ثني نُسَيرٌ، قال: سمِعتُ نوفًا يقولُ في رَحْبَةِ الكوفةِ في إمارةِ مصعبِ بنِ الزبيرِ في قولِه: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾.
قال: الذراعُ سبعون باعًا، الباعُ أَبْعَدُ ما بينَك وبينَ مكةَ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن نُسَيْرِ بن ذُعْلُوقٍ أبى طُعمةَ، عن نوفٍ البِكَاليِّ: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾.
قال: كلُّ ذراعٍ سبْعون باعًا، كلُّ باعٍ أَبْعَدُ مما بينَك وبينَ مكةَ.
وهو يومئذٍ في مسجدِ الكوفةِ (١).
حدّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
قال: بذراعِ المَلِكِ فاسْلُكُوه.
قال: تُسْلَكُ في دُبُرِه حتى تَخْرُجَ مِن مَنْخَرَيْه، حتى لا يقومَ على رجلَيْه (٢).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا يَعمرُ بنُ بشرٍ (٣) المِنْقَريُّ، قال: ثنا ابنُ المباركِ، قال: أخبَرنا سعيدُ بنُ يزيدَ، عن أبي السَّمْحِ، عن عيسى بنِ هلالٍ الصَّدَفيِّ، عن عبدِ اللهِ ابن عمرِو بنِ العاصِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لو أنَّ رصَاصَةً مِثْلَ هذه -وأشار إلى جُمْجُمَةٍ -أُرْسِلَت من السماءِ إلى الأرضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمسِمائِةِ سَنةٍ، لبَلَغَتِ الأرضَ قبلَ الليلِ، ولو أنَّها أُرْسِلَت مِن رأْسِ السِّلْسِلَةِ لسارَتْ أربعينَ خَرِيفًا الليلَ والنهارَ قبلَ أَنْ تَبْلُغَ قَعْرَها، أو أَصْلَها" (٤).
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ (١)، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾.
قال: السَّلْكُ: أَنْ تَدخُلَ السِّلْسِلَةُ فِي فِيه، وتَخْرُجَ مِن دُبُرِه (٢).
وقيل: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾.
وإنما تُسْلَكُ السِّلْسِلَةُ في فِيه، كما قالت العربُ: أَدْخَلْتُ رَأْسى فى القَلَنْسُوَةِ.
وإِنما تَدْخُلُ القَلَنْسُوَةُ في الرأْسِ، وكما قال الأعشى (٣): إذَا مَا السَّرابُ ارْتَدَى بالأَكَمْ وإنما [يَرْتَدى الأَكَمُ] (٤) بالسَّرابِ، وما أشبَه ذلك، وإنما قيل ذلك كذلك لمعرفةِ السامعين معناه، وأنه لا يُشْكِلُ على سامعِه ما أراد قائلُه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾.
يقولُ: افْعَلوا ذلك به، جزاءً له على كفرِه باللهِ في الدنيا، إنه كان لا يُصَدِّقُ بوحدانيةِ اللهِ العظيمِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مخبِرًا عن هذا الشَّقيِّ الذى أُوتِي كتابَه بشمالِه: إنه كان في الدنيا لا يَحُضُّ الناسَ على إطعامِ أهل المسكنةِ والحاجةِ.
وقولُه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: فليس له اليومَ، وذلك يوم القيامةِ، ﴿هَاهُنَا﴾.
يعنى: فى الدار الآخرةِ، ﴿حَمِيمٌ﴾.
يعنى: قريبٌ يَدْفَعُ عنه ويُغِيثُه مما هو فيه مِن البلاءِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾: القريبُ في كلامِ العربِ.
﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ولا له طعامٌ كما كان لا يحُضُّ في الدنيا على طعامِ المسكينِ، إلا طعامٌ من غِسْلينٍ.
وذلك ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِ أهل النارِ.
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ من أهلِ البصرةِ (١) يقولُ: كلُّ جُرْحٍ غَسَلْتَه فخرَج منه شيءٌ، فهو غِسْلِينٌ؛ فِعْلِينٌ.
مِن الغَسْلِ مِن الجرَاحِ والدَّبَرِ (٢).
وزِيد فيه الياءُ والنونُ، بمَنْزِلةِ "عِفْرِين" (٣).
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ.
عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: صديدُ أهلِ النارِ (٤).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.
قال: ما يَخْرُجُ من لحومِهم (٥).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾: شرُّ الطعامِ وأَخْبثُه وأَبْشعُه (١).
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾.
قال: الغِسْلينُ والزَّقُّومُ لا يَعْلَمُ أحدٌ ما هو (٢).
وقولُه: ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾.
يقولُ: لا يَأْكُلُ الطعامَ الذى مِن غِسْلِينٍ إلا الخاطِئون.
وهم المُذْنبون الذين ذُنُوبُهم كُفْرٌ باللهِ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَا﴾: ما الأمرُ كما تقولون معشرَ أهلِ التكذيبِ بكتاب اللهِ ورسلِه، أُقسِمُ بالأشياءِ كلِّها؛ التي تُبْصرون منها، والتي لا تُبْصِرون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
[ذكرُ مَن قال ذلك] حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾.
قال: أَقْسَم بالأشياءِ، حتى أَقْسَم بما تُبْصِرون وما لا تُبْصِرون.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾.
يقولُ: بما تَرَوْن وبما لا تَرَوْن (١).
وقولُه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ هذا القرآنَ لقولُ رسولٍ كريمٍ، وهو محمدٌ ﷺ يَتْلُوه عليهم.
وقولُه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ جلَّ ثناؤُه: ما هذا القرآنُ بقولِ شاعرٍ؛ لأنَّ محمدًا لا يُحْسِنُ قِيلَ الشعرِ، فتقولوا: هو شِعرٌ، ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ: تُصدِّقون قليلًا به أنتم.
وذلك خطابٌ من اللهِ لمشركي قريشٍ، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: ولا هو بقولِ كاهنٍ؛ لأنَّ محمدًا ليس بكاهنٍ، فتقولوا: هو مِن سَجْعِ الكُهَّانِ، ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾.
يقولُ: تَتَّعظون به أنتم قليلًا، [وقليلًا] (٢) ما تَعْتَبِرُون به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾: طهَّره اللهُ من ذلك وعصَمه، ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: طهَّره اللهُ مِن الكَهانة، وعصَمه منها (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولكنه تنزيلٌ من ربِّ العالمين نزَل عليه، ولو تَقَوَّل عليْنا محمدٌ بعضَ الأقاويلِ الباطلةِ، وتكذَّب علينا.
﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾.
يقولُ: لأَخَذْنا منه بالقوَّة منا والقدرةِ، ثم لقطَعْنا منه نِياطَ القلبِ.
وإنما يعنى بذلك أنه كان يُعاجِلُه بالعقوبةِ، ولا يُؤَخِّرُه بها.
وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾: لأَخَذْنا منه باليد اليمنى مِن يدَيه.
قالوا: وإِنما ذلك مَثَلٌ، ومعناه: إِنَّا كنَّا نُذِلُّه ونُهِينُه، ثم نَقْطَعُ منه بعد ذلك الوتينَ.
قالوا: وإنما ذلك كقولِ ذى السلطانِ إذا أراد الاستخفاف ببعضِ مَن بينَ يدَيه، لبعضِ أعوانِه: خُذْ بيدِه فَأَقِمْه، وافْعَل به كذا وكذا.
قالوا: وكذلك معنى قولِه: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾.
أى: لأَهنَّاه.
كالذي يُفْعَلُ بالذى وصَفْنا حالَه.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿الْوَتِينَ﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصَّلْتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾.
قال: نِياطَ القلبِ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن عطاءٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ: الوتينُ نِياطُ القلبِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾.
يقولُ: عِرْقَ القلبِ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: يعنى عِرْقًا في القلبِ، ويقالُ: هو حبلُ القلبِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿الْوَتِينَ﴾.
قال: حبلُ القلبِ الذى فى الظَّهْرِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾.
قال: حبلَ القلبِ (١).
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾: وتينَ القلبِ؛ وهو عِرْقٌ يكونُ في القلبِ، فإذا قُطِع مات الإنسانُ (٢).
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾.
قال: الوتينُ نِياطُ القلبِ، الذى القلبُ مُتعلقٌ به.
وإيَّاه عنى الشماخُ بنُ ضرارٍ التَّغْلِبيُّ بقولِه (٣): إذا بلَّغتِنِي وحملت رَحْلِي … عَرَابَةَ فَاشْرَقِي بِدَمِ الوَتِينِ القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فما منكم أيُّها الناسُ مِن أحدٍ عن محمدٍ، لو تقوَّل علينا بعضَ الأقاويلِ، فَأَخَذْنا منه باليمينِ، ثم لقطَعْنا منه الوتينَ -حاجزين يَحْجِزوننا عن عقوبتِه وما نفْعَلُه به.
وقيل: ﴿حَاجِزِينَ﴾.
فجُمِع وهو فعلٌ لـ ﴿أَحَدٍ﴾، و ﴿أَحَدٍ﴾ في لفظِ واحدٍ ردًّا على معناه؛ لأنَّ معناه الجمعُ، والعربُ تَجعَلُ "أحدًا" للواحدِ والاثنينِ والجمعِ، كما قيل: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
و"بين" لا تقعُ إلا على اثنين فصاعدًا.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإنَّ هذا القرآنَ ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾.
يعني: عظةٌ يُتَذَكَّرُ به ويُتَّعظُ (١)، ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهم الذين يتقون عقابَ اللهِ؛ بأداءِ فرائضِه، واجتنابِ معاصيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال: القرآنُ (٢).
وقولُه: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وإنا لنعلَمُ أَنَّ منكم مكذِّبين أيُّها الناسُ بهذا القرآنِ، ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
يقولُ جَلَّ ثناؤُه: وإِنَّ التكذيبَ به لحَسْرةٌ وندامةٌ على الكافرين بالقرآنِ يومَ القيامةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ذاكم يومَ القيامةِ (٢).
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾.
يقولُ: وإنَّه للحقُّ اليقينُ الذي لا شكَّ فيه أنَّه من عندِ اللهِ، لم يتقوَّلْه محمدٌ ﷺ.
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.
[يقولُ: فَسَبِّحْ] (١) بذكرِ ربِّك وتسميتِه العظيمِ، الذى كلُّ شيءٍ في عظمتِه صغيرٌ.
آخرُ تفسيرِ سورةِ "الحاقةِ"