الإسلام > القرآن > تفسير > الطبري > تفسير سورة المدثر
تفسيرُ سورةِ المدثر كاملةً من تفسير الطبري (أبو جعفر محمد بن جرير الطبري).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 74 دقيقة قراءةتفسيرُ سورةِ المدثرِ ﷽ القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾: يأيُّها المُتَدَثِّرُ بثيابِه عندَ نومِه.
وذُكِر أن نبيَّ اللهِ ﷺ قيل ذلك له، وهو متدثرٌ بقَطيفةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن المغيرة، عن إبراهيم: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
قال: [كان متدثِّرًا] (١) في قَطيفةٍ (٢).
ذُكِر أن هذه الآيةَ أولُ شيءٍ نزَل من القرآنِ على رسولِ اللهِ ﷺ، وأنه قيل له: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
كما حدَّثنا يونُسَ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرنا يونُسُ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني أبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، أن جابرَ بن عبدِ اللهِ الأنصارى قال: قال رسولُ الله ﷺ وهو يُحَدِّثُ عن فترة الوحي: "بيْنا أنا أمْشِي سمعتُ صوتًا من السماءِ، فرفَعْتُ رأسى، فإذا الملكُ الذي جاءني بحراء، جالسٌ على كرسيٍّ بين السماءِ والأرضِ".
قال رسولُ الله ﷺ: "فَجُثِثْتُ (١) منه فَرَقًا، وجئتُ (٢)، فقلتُ: زَمِّلُوني زَمِّلُوني.
فدثَّروني، فأَنْزِل اللهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ إلى قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ".
قال: "ثم تتابع الوحيُ" (٣).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: ثنا الأوزاعيُّ، قال: ثنى يحيى بنُ أبي كثيرٍ، قال: سألتُ أبا سلمةَ، فقلتُ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل قبلُ (٤)؟
فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ (٥).
[حدَّثنا ابنُ المثنى، [قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ عمرَ بن فارسٍ] (٦)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المباركِ، عن يحيى، قال: سأَلتُ أبا سلمةَ: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ أُولَ؟
فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾] (٧).
فقلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١].
فقال أبو سلمةَ: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ: أَيُّ القرآنِ أُنْزِل أولَ؟
فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
فقلتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فقال: لا أُخبِرُك إلا ما حدَّثنا النبيُّ ﷺ، قال: "جاوَرْتُ في حِراءٍ، فلما قضَيْتُ جوارى هبَطْتُ، فاسْتَبْطَنْتُ الوادىَ، فنُودِيتُ، [فنظَرْتُ عن يميني وعن شمالي وخلفي وقُدَّامى، فلم أر شيئًا] (١)، فنَظَرْتُ فوق رأسى، فإذا هو جالسٌ على عرشٍ بينَ السماءِ والأرض، فخشِيتُ منه - هكذا قال عثمانُ بنُ عمرَ، إنما هو: فجُثِثْتُ منه ولقيتُ خديجةَ، فقلتُ: دَثِّروني.
فدثَّروني، وصَبُّوا عليَّ ماءً، فأنْزَل اللهُ عليَّ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ " (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن عليٍّ بن المبارَكِ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، قال: سألْتُ أبا سلمةَ عن أولِ [ما نزَل] (٣) من القرآنِ، قال: نزلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أولَ.
قال: قلتُ: إنهم يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾.
فقال: سأَلْتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، فقال: لا أُحَدِّثُك إلا ما حدَّثنا رسولُ اللهِ ﷺ، قال: "جاوَزْتُ بحِراءٍ، فلمَّا قضَيْتُ جِوارِي هبَطْتُ، فسمِعْتُ صوتًا، فنظَرْتُ عن يميني فلم أرَ شيئًا، [وعن شمالي فلم أرَ شيئًا، ونظرتُ أمامي فلم أر شيئًا] (٤)، [ونظَرْتُ خلفي فلم أرَ شيئًا، فرفَعْتُ رأسى، فرأيْتُ شيئًا] (٥)، فأتيتُ خديجة، فقلتُ: دَثِّروني، وصُبُّوا عليَّ ماءً (١).
[فدثَّرونى وصَبُّوا على ماءً باردًا] (٢)، فنزَلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ " (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ، قال: فتَر الوحيُ عن رسولِ اللهِ ﷺ فَترةً، فحزِن حزنًا، فجعَل يَغْدُو (٤) إِلى شَواهِقِ رءوسِ الجبالِ ليتَرَدَّى منها، فكلما أوْفَى بذِرُوةٍ جبلٍ تبَدَّى له جبريلُ ﵇ فيقولُ: إنك نبيُّ الله.
فيَسْكُنُ لذلك (٥) جأْشُه، و [ترجعُ إليه] (٦) نفسُه، فكان النبيُّ ﷺ يُحَدِّثُ عن ذلك، قال: "فبينَما أنا أمْشِى يومًا [إذ رأيتُ] (٧) المَلكَ الذي كان يأْتيني بحِراءٍ على كرسيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجُثِثْتُ منه رعبًا، فرجَعْتُ إلى خديجةَ، فقلتُ: زمِّلوني".
فرمَّلْناه، أي: فدَثَّرْناه، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال الزهريُّ: فكان أولَ شيءٍ أُنزِل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ حتى بلغ: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ (٨).
واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيُّها النائمُ في ثيابِه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
قال: يا أَيُّها النائم (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.
يقولُ: المُتَدَثِّرُ في ثيابِه (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يأيُّها المدثرُ النبوةَ وأثقالَها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: وسُئِل داودُ عن هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، فقال عن عكرمةَ أنه قال: دُثِّرْتَ هذا الأمرَ، فقُمْ به (٣).
وقولُه: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قُمْ مِن نومِك، فأنذِرْ عذابَ اللهِ قومَك الذين أشركوا بالله وعبَدوا غيرَه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾.
أي: أنذِرْ عذابَ الله، ووقائعَه في الأممِ، وشدةَ نقمتِه (٢).
وقولُه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وربَّك يا محمد، فعظِّمْ بعبادتِه، والرغبةِ إليه في حاجاتِك دونَ غيرِه من الآلهةِ والأندادِ.
وقولُه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ [إسماعيل الأحمسيُّ، قال: حدَّثنا غالبُ بنُ فائِدٍ، قال: حدَّثنا قاسم بن معن وموسى الأنصاريُّ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ] (١)، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلَانَ بن سلمةَ: وإني بحمد الله لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرِةٍ أَتَقَنَّعُ (٢) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مصعبُ بنُ سَلَّامٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أتاه رجلٌ وأنا جالسٌ، فقال: أرأيْتَ قولَ اللهِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: لا تَلْبَسْها على معصيةٍ، ولا على غَدْرةٍ.
ثم قال: أما سمِعْتَ قولَ غَيْلانَ بن سلمةَ الثقفيِّ: وإني بحمدِ اللهِ لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرة أتَقَنَّعُ (٢) حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى، قال: ثنا حفصُ بنُ غياثٍ، عن الأجلحِ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: لا تَلْبَسُها على غَدْرِةٍ ولا على فَجْرةٍ.
ثم تَمَثَّل بشعرِ غَيْلانَ بن سَلَمةَ هذا (١) حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأجلحِ بن عبدِ اللهِ الكِنْديِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: لا تَلْبَسُ ثيابك على معصيةٍ، ألم تَسْمَعْ قولَ غيلان بن سلمةَ الثقفيِّ: وإني بحمدِ الله لا ثوبَ فاجرٍ … لبِسْتُ ولا من غَدْرةٍ أَتَقَنَّعُ (١) حدَّثني زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حجاجٌ، قال ابنُ جريجٍ: أخبَرني عطاءٌ، أنه سمِع ابن عباسٍ يقولُ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: مِن الإثمِ.
ثم قال: نقيُّ الثيابِ في كلامِ العربِ (٢).
حدَّثنا سعيدٌ بن يحيى الأمويُّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ القاضي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: في كلامِ العربِ نقيُّ الثوبِ (٣).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن شعبةَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾: من الذنوبِ (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٌ، عن (٥) ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، في: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: من الذنوبِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: هي كلمةٌ من العربيةِ، كانت العربُ تقولُها: طهِّرْ ثيابَك، أي: مِن الذنبِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
يقولُ: طهِّرْها مِن المعاصى، فكانت العربُ تُسَمِّى الرجلَ إذا نكَث ولم يَفِ بعهدٍ، أنه لَدَنِسُ الثيابِ، وإذا وفَى وأصْلَح قالوا: إنه لمطهَّرُ الثيابِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرَانُ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: من الإثمِ (٢).
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: من الإثم.
حُدِّثْتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
يقولُ: لا تَلْبَسُ ثيابَك على معصيةٍ (٣).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: من الإثمِ.
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: من الإثمِ (١).
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأجلحِ، سمِع عكرمةَ قال: لا تَلْبَس ثيابَك على معصيةٍ (١).
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ وعطاءٍ، قالا: مِن الخَطايا (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَلْبَسُ ثِيَابَكَ مِنَ مَكْسَبٍ غَيرِ طيبٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: لا تَكُنْ ثيابُك التي تَلْبَسُ من مَكْسَبٍ غيرِ طائبٍ.
ويقالُ: لا تَلْبَسْ ثيابَك على معصيةٍ (٣).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أصْلِحْ عملَك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فُضَيْلُ بنُ عِياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولَه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: عملَك فأَصْلِحْ (٤).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن أبي رَزِينٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: عملَك فأصْلِحْه، وكان الرجلُ إذا كان خبيثَ العملِ قالوا: فلانٌ خبيثُ الثيابِ، وإذا كان حسنَ العملَ قالوا: فلانٌ طاهرُ الثيابِ (١).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: لستَ بكاهنٍ ولا ساحرٍ، فأعْرِضْ عما قالوا.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: اغْسِلْها بالماء، وطهِّرْها من النجاسةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني عباس بن أبي طالبٍ، قال: ثنا عليُّ بنُ عبد اللهِ بن جعفرٍ، عن أحمدَ بن موسى بن أبي مريمَ صاحبِ اللؤلؤَ، قال: أخبَرنا ابنُ عونٍ، عن محمدِ بن سيرينَ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: اغْسِلْها بالماء (٢).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
قال: كان المشركون لا يَتَطَهَّرون، فأمر الله نبيَّه أن يَتَطَهَّرَ، ويُطَهِّرَ ثيابَه (٢).
وهذا القولُ الذي قاله ابن سيرينَ وابنُ زيدٍ في ذلك أظهرُ معانيه، والذي قاله ابنُ عباسٍ وعكرمةُ [ومن ذكرنا قولَه] (١) عليه أكثرُ السلفِ، من أنه عُنِى به جسمَك فطهِّرْ من الذنوبِ، واللهُ أعلمُ بمرادِه مِن ذلك.
وقولُه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
اختَلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: (والرَّجْزَ) بكسرِ الراءِ.
وقرَأه بعضُ المكيين والمدنيين ﴿وَالرُّجْزَ﴾ بضمِّ الراءِ (٢)، فمَن ضمَّ الراءَ وجَّهه إلى الأوثانِ، وقال: معنى الكلامِ: والأوثانَ فاهْجُرْ عبادتَها واتْرُكُ خدمتَها، ومَن كسرَ الراءَ وجَّهه إلى العذابِ، وقال: معناه: والعذابَ فاهْجُرْ، أي: ما أَوْجَب لك العذابَ مِن الأعمال فاهْجُرْ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، والضمُّ والكسرُ في ذلك لغتان بمعنًى واحدٍ، ولم نجد أحدًا مِن مُتَقَدِّمي أهلِ التأويلِ فرَّق بينَ تأويلِ ذلك، وإنما فرَّق بين ذلك فيما بلَغنا الكسائيُّ.
واختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى: ﴿وَالرُّجْزَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هو الأصنامُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
يقولُ: السُّخطَ، وهو الأصنامُ (٣).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال: الأوثانَ (١).
حدَّثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، قال أبو جعفرٍ: أحْسَبُه أنا عن جابرٍ، عن مجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال: الأوثانَ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ عن قتادةَ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾: [إسافَ ونائلةَ] (٣)، وهما صنمان كانا عنِد البيتِ، يَمْسَحُ وجوهَهما مَن أتَى عليهما، فأمَر الله نبيِّه ﷺ أَن يَجْتَنِبَهما ويَعْتَزِلَهما (٤).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال: هي الأوثانُ (٥).
حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال: الرُّجْزَ آلهتُهم التي كانوا يَعْبُدون، أمَرَه أَن يَهْجُرَها، فلا يَأْتِيَها، ولا يَقْرَبَها (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: والمعصيةَ والإثم فاهْجُرْ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
قال: الإثمَ (١).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾.
يقولُ: اهْجُرِ المعصيةَ (٢).
وقد بيَّنَّا معنى الرُّجْز فيما مضَى بشواهدِه المغنيةِ عن إعادتِها في هذا الموضعِ (٣).
وقولُه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: ولا تُعْطِ يا محمدُ عَطِيَّةٌ لِتُعْطَى أكثر منها.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ عطيةً تَلْتَمِسُ بها أفضلَ منها (٤).
حدَّثنا أبو حميدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المغيرةِ، قال: ثني أبو حَيْوةً شُرِيحُ بنُ يزيدَ الحضرميُّ، قال: ثنى أَرْطاةُ، عن ضَمْرَةَ بن حَبيبٍ وأبى الأحوصِ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ شَيْئًا لِتُعْطَى أكثرَ منه (٥).
حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ شيئًا لتُعْطَى أكثرَ منه.
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، قال: أخبَرني مَن سمِع عكرمةَ يقولُ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ العطية لِتريدَ أن تَأْخُذَ أكثرَ منها (١).
حدثَّني يحيى بن طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ كيما تَزْدادَ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ شيئًا لتَأْخُذَ أكثرَ منه.
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سلمةَ، عن الضحاكِ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه] (٢).
قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ [لتأخذَ شيئًا] (٣) أكثرَ منه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٍ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ شيئًا لتزداد (٤).
حدَّثنا أبو كريبٍ قال: ثنا وكيعٌ، عن ابن أبي رَوَّادٍ (١)، عن الضحاكِ، قال: هو الربا الحلالُ، كان للنبيِّ ﷺ ما خاصَّةً (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبى حُجيرةَ، عن الضحاكِ: هما رِبَوَانِ حلالٌ وحرامٌ؛ فأما الحلالُ فالهدايا، وأما الحرامُ فالرِّبا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
يقولُ: لا تُعْطِ شيئًا، إنما بك مُجازاة الدنيا ومعارضُها (٣).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ شيئًا لِتُثابَ أفضل منه.
وقاله أيضًا طاوسٌ (٤).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: [لا تُعْطِ] (٥) مالًا مُصانعةً؛ رجاءَ أفضلَ منه من الثوابِ في الدنيا (٦).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ، قال: لا تُعْطِ لِتُعْطَى أكثرَ منه (٧).
[قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُعْطِ لتَزداد] (١).
قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن الضحاكِ بن مُزاحمٍ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: هي للنبيِّ ﷺ خاصةً، وللناس عامةٌ مُوَسَّعٌ عليهم (٢).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ عملَك على ربِّكَ تَسْتَكْثِرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا مجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ (٣) حسينٍ، عن الحسنِ فى قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تَمْنُنْ عملَك تَسْتَكْثِرُه على ربِّك (٤).
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بن نافعٍ أبو غانمٍ، عن أبي سهلٍ كثير بنِ زيادٍ، عن الحسنِ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
يَقولُ: لا تُمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ عملَك الصالح.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ بن أنسٍ: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا يَكْثُرَنَّ عملَك في عينِك، فإنه فيما أَنْعَم اللهُ عليك وأعْطاك قليلٌ (١).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا تَضْعُفْ [عن الخيرِ] (٢) أن تَسْتَكْثِر منه (٣)، ووجَّهوا معنى قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ﴾.
أي: لا تَضْعُفْ، مِن قولهم: حبلٌ مَنِينٌ.
إذا كان ضعيفًا.
[ذكر من قال ذلك] حدَّثنا أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرةِ الحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو، قال: ثنا محمدُ بنُ سلمةَ، عن خُصَيْفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تَضْعُف أن تَسْتَكْثِرَ مِن الخيرِ.
قال: تَمنُنُ في كلامِ العربِ: تَضْعُفُ (٤).
وقال آخرون في ذلك: لا تُمْنُنْ بالنبوة على الناسِ تَأْخُذُ عليه منهم أجرًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾.
قال: لا تَمْنُنْ بالنبوةِ والقرآنِ الذي أرْسَلْناك به، تَسْتَكْثِرُهم به، تَأْخُذُ عليه عِوَضًا (٥) مِن الدنيا (٦).
وأولى هذه الأقوالِ عندنا بالصوابِ في ذلك قولُ مَن قال: معنى ذلك: ولا تَمْنُنْ على ربِّكَ، مِن أن تَسْتَكْثِر عملَك الصالحَ.
وإنما قلتُ: ذلك أولى بالصوابِ؛ لأن ذلك في سياق آياتٍ تقَدَّم فيهن أمرُ اللهِ جلَّ ثناؤُه نبيِّه ﷺ بالجِدِّ في الدعاءِ إليه، والصبرِ على ما يَلْقَى من الأذى فيه، فهذه بأن تكونَ مِن نوعِ (١) تلك، أشبهُ منها بأن تكونَ مِن غيرها.
وذُكِر عن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ أن ذلك في قراءتِه: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٢).
وقولُه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولربِّك فاصبِرْ على ما لقيتَ فيه من المكروهِ.
[واختلَفت عباراتُ أهلِ التأويلِ فيه؛ فقال بعضُهم فيه: هو الذي قلنا] (٣).
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾: فاصبِرْ (٤) على ما أُوذيتَ (٥).
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
قال: حُمِّل أمرًا عظيمًا؛ محاربةَ العربِ ثم العجمِ من بعدِ العربِ في اللهِ (٦).
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولرَبِّك فاصْبِرْ على عَطِيتِك.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرة، عن إبراهيمَ: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
قال: اصْبِرْ على عطيتِك (١).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن مغيرةً، عن إبراهيمَ، قال: اصْبِرْ على عطيتِك للهِ.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.
قال: عطيتَك اصْبِرْ عليها.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: فإذا نُفِخ في الصُّورِ.
فذلك يومئذٍ يومٌ عسيرٌ شديدٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ فُضيلٍ وأسباطُ، عن مُطَرِّفٍ، عن عطيةَ العَوْفيِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾: قال رسولُ اللهِ ﷺ " كيف أنْعَمُ وصاحب القرنِ قد الْتَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ، يَنْفُخُ فيه".
فقال أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ: كيف نقولُ؟
فقال: "تقولون: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ توَكَّلْنا" (١).
حدثَّني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رَجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: إذا نُفِخ في الصورِ (٢).
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا أبو النُّعمانِ الحكمُ بن عبدِ اللهِ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي رَجاءٍ، عن عكرمةَ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شَريكٍ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: إذا نُفِخ (٣) في الصورِ (٤).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: في الصورِ.
قال: هو شيءٌ كهيئة البوقِ حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: هو يومُ يُنْفَخُ في الصورِ، [والناقورُ هو] (٥) الذي يُنْفَخُ فيه.
قال ابنُ عباسٍ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خرَج إلى أصحابِه، فقال: "كيف أنْعَمُ وصاحبُ القرنِ قد التَقَم القرنَ، وحنَى جبهتَه، ثم أقبل بأُذُنِهِ يَسْتَمِعُ متى يُؤْمَرُ بالصَّيْحَةِ".
فاشْتَدَّ ذلك على أصحابه، فأَمَرَهم أن يقولوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيلُ، على اللهِ تَوَكَّلْنا.
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
يقولُ: الصُّورِ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾.
يقولُ: شديدٌ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال الحسنُ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: إذا نفخ في الصُّورِ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
والناقورُ الصُّورُ، والصورُ الخَلْقُ، ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾.
يقولُ: شديدٌ (٣).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
يعنى الصُّورَ (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيع قولَه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: الناقورُ الصُّورُ (٢).
قال: حدَّثنا مِهْرانُ (٤)، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ مثلَه.
حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾.
قال: الصُّورِ (٥) (٢).
وقولُه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: كِلْ يا محمدُ أمرَ الذي خَلَقْتُه في بطنِ أمِّه وحيدًا لا شيءَ له من مالٍ ولا ولدٍ، إليَّ.
وذُكِر أنه عُنى بذلك الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا وكيعٌ، قال: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ مولى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: أَنْزَلَ اللهُ ﷿ في الوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميِّ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾، وقولَه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ..
إلى آخرِها (١) [الحجر: ٩٢].
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
قال: خلَقْتُه وحدَه، ليس معه مالٌ ولا ولدٌ (٢).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن محمدِ بن شَريكٍ، عن ابن أبي نَحِيحٍ (٣)، عن مجاهدٍ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
قال: نزَلَت في الوليدِ بن المغيرةِ، وكذلك الخلقُ كلُّهم (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾: [وهو الوليدُ بنُ المغيرةِ، أخْرَجه اللهُ مِن بطنِ أمِّه وحيدًا] (١)، لا مالَ له ولا ولدَ، فرزَقه اللهُ المالَ والولدَ والثروةَ والنَّماءَ (٢).
حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى قولِه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ حتى بلَغ: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾.
قال: هذه الآياتُ أُنْزِلت في الوليدِ بن المُغيرةِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
يعنى الوليدَ بنَ المغيرةِ.
وقولُه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾.
اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في هذا المالِ الذي ذكَره اللهُ، وأَخْبَر أنه جعَله للوحيدِ ما هو، وما مبلغُه؛ فقال بعضُهم: كان ذلك دنانيرَ، ومبلغُها ألفُ دينارٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾.
قال: كان مالُه ألفَ دينارٍ (٣).
حدَّثنا صالحُ بنُ مِسْمارٍ المَرْوَزيُّ، قال: ثنا الحارثُ بنُ عمرانَ الكوفيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سُوقةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾.
قال: ألفَ دينار (٤).
وقال آخرون: كان أربعةَ آلافِ دينارٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ قال: بلَغَني أنه أربعةُ آلافِ دينارٍ.
وقال آخرون: كان ماله أرضًا.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنى وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾.
قال: الأرضَ (١).
حدَّثنا أحمد بنُ إسحاقَ الأهْوازِيُّ، قال: ثنا وهبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن النعمانِ بن سالمٍ مثلَه.
وقال آخرون: كان ذلك غَلَّةَ شهرٍ بشهرٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا حَلْبَسٌ إمامُ مسجدِ ابن عُليةً، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ ﵁ في قولِه: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾.
قال: غلة شهرٍ بشهرٍ (٢).
حدثَّني أبو حفصٍ الجُبَيرِيُّ (١)، قال: ثنا حَلْبَسٌ الضُّبَعيُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يقلْ: عن عمرَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ الرَّمْليُّ، قال: ثنا غالب بنُ حَلْبَسٍ، قال: ثنا أبي، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ مثلَه، ولم يَقُلْ: عن عمرَ (٢).
حدَّثنا أحمدُ بنُ الوليدِ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ، قال: ثنا حَلْبَسُ بنُ محمدٍ العِجْليُّ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ، عن عمرَ مثلَه.
والصوابُ من القولِ في ذلك أن يقالَ كما قال اللهُ: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾، وهو الكثيرُ، الممدود عدده أو مساحته.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: وجَعَلْتُ له بنينَ شُهودًا.
ذُكِر أنهم كانوا عشرةً.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسماعيلَ بن إبراهيمَ، عن أبيه، عن مجاهدٍ: ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾.
قال: كان بَنُوه عشرةً (٣).
وقولُه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وبسَطْتُ له في العيشِ بَسْطًا، كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾.
قال: بُسِط له.
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾.
قال: من المالِ والولدِ (١).
وقولُه: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم يَأْمُلُ ويَرْجُو أَن أَزِيدَه مِن المالِ والولدِ، على ما أعْطَيْتُه، ﴿كَلَّا﴾.
يقولُ: ليس ذلك كما يَأْمُلُ ويَرْجُو، مِن أن أزيدَه مالًا وولدًا وتمهيدًا في الدنيا، ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾.
يقولُ: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا كان لآياتِنا؛ وهى حُجَجُ الله على خلقِه، مِن الكتبِ والرسلِ، ﴿عَنِيدًا﴾.
يعنى مُعانِدًا للحقِّ مجانبًا له، كالبعير العنُودِ، ومنه قولُ القائلِ (٢): إذا نزَلْتُ فَاجْعَلانِي وَسَطَا … إني كبيرٌ لا أُطِيقُ العُنَّدَا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾.
يقولُ: لآيتِنا جَحودًا (٣).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾.
قال محمدُ بنُ عمرٍو: مُعانِدًا لها.
وقال الحارثُ: معاندًا عنها، مُجانبًا لها (١).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿عَنِيدًا﴾.
قال: مُعاندًا للحقِّ مُجانبًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: [﴿إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ كَفُورًا بآياتِ اللهِ، جَحودًا بها (٢).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾] (٣).
قال: مُشاقًا، وقيل: عَنيدًا.
وهو من عانَد مُعانَدَةً فهو مُعانِدٌ، كما قيل: عامٌ قابلٌ، وإنما هو مُقْبِلٌ.
وقولُه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سأكَلِّفُه مشقةً من العذاب، لا راحةَ له فيها (٤).
وقيل: إِن الصَّعودَ جبلٌ من (٥) النارِ، يُكَلَّفُ أهلُ النارِ صعودَه.
ذكرُ الرواية بذلك حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسَديُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سعيدِ بن زائدةَ، قال: ثنا شَريكٌ، عن [عمارٍ الدُّهنِيِّ] (١)، عن عطيةَ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
قال: "هو جبلٌ في النارِ من نارٍ يُكَلَّفون أن يَصْعَدوه، فإذا وضَع يدَه ذابَت، فإذا رفَعها عادَت، فإذا وضَع رجلَه كذلك" (٢).
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: ثني عمرُو بنُ الحارثُ، عن دَرَّاجٍ، عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن رسول الله ﷺ قال: "الصَّعودُ جبلٌ مِن نارٍ، يَصْعَدُ فيه سبعين خَريفًا، ثم يَهْوى به كذلك منه أبدًا" (٣).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: [﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
قال: مشقةً من العذابِ] (٤).
حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
أي: عذابًا لا راحةَ فيه (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن قتادةَ: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
قال: مشقةً من العذابِ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾.
قال: تعبًا من العذابِ.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: إن هذا الذي خلَقْتُه وحيدًا، فكَّر فيما أنْزَل اللهُ (١) على عبدِه محمدٍ ﷺ من القرآنِ، وقدَّر ما (٢) يقولُ فيه.
﴿قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه: فلُعِن كيف قدَّر ما هو قائلٌ فيه.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾] (٣).
يقولُ: ثم لعن كيف قدَّر القولَ (٤) فيه.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾.
يقولُ: ثم روَّى في ذلك.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾.
يقولُ: ثم قبَض ما بينَ عينيَه، ﴿وَبَسَرَ﴾.
يقولُ: كلَح [وكَرُه] (٥) وجهُه، ومنه قولُ تَوْبةَ بن الحُمَيِّرِ (٦): وقد رابَني منها صدودٌ رأيْتُه … وإعراضُها عن حاجتي وبُسُورُها وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وجاءت الأخبارُ عن الوحيدِ أنه فعَل.
ذكرُ [من قال ذلك] (١) حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبادِ (٢) بن منصورٍ، عن عكرمةَ، أن الوليدَ بنَ المغيرةِ جاء إلى النبيِّ ﷺ، فقرَأ عليه القرآنَ، فكأنه رَقَّ له، فبلَغ ذلك أبا جهلٍ، فأتاه (٣)، فقال: [أي عمِّ] (٤)، إن قومَك يُريدون أن يَجْمَعوا لك مالًا.
قال: لمَ؟
قال: يُعْطُونكه، فإنك أتيْتَ محمدًا تَتَعَرَّضُ لمَا قِبَلَه.
قال: قد علِمَت قريشٌ أنى أكثرُها مالًا.
قال: فقلْ فيه قولًا يَعْلَمُ قومُك أنك مُنْكِرٌ لما قال، وأنك كارهٌ له.
قال: فماذا أقولُ فيه، فواللهِ ما منكم رجلٌ أعلمُ بالشعرِ منى، ولا أعلمُ برَجَزِه منى، ولا بقَصيده، ولا بأشعارِ الجنِّ، واللهِ ما يُشْبِهُ الذي يقولُ شيئًا مِن هذا، واللهِ إن لقولِه [الذي يقولُ] (٥) لَحلاوةً، وإنه لَيَحْطِمُ ما تحتَه، وإِنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى.
قال: واللهِ لا يَرْضَى قومُك حتى تقولَ فيه.
قال: فدَعْنى حتى أُفَكِّر فيه.
فلما فكَّر قال: هذا سحرٌ يَأْثُره عن غيرِه.
فنَزَلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
قال قتادةُ: خرَج من بطنِ أمِّه وحيدًا، فنَزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ﴾ (٦).
حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ إلى: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾.
قال: دخَل الوليدُ بنُ المغيرةِ على أبى بكرِ بن أبي قُحافةَ ﵁، يَسْأَلُه عن القرآنِ، فلمَّا أَخْبَره خرَج على قريشٍ، فقال: يا عَجَبًا لما يقولُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فواللهِ ما هو بشعرٍ، ولا بسحرٍ، ولا بهَذيٍ من الجنونٍ، وإن قولَه لَمِن كلامِ اللهِ، فلمَّا سمَع بذلك النفرُ من قريشٍ ائْتَمروا، وقالوا: واللهِ لئن صبَأ الوليدُ، لتَصْبَأَنَّ قريشٌ.
فلما سمِع بذلك أبو جهلٍ قال: أنا واللهِ أكْفِيكم شأنَه.
فانْطَلَق حتى دخَل عليه بيتَه، فقال للوليد: ألم تَرَ قومَك قد جمَعوا لك الصدقةَ؟
قال: ألستُ أكثرهم مالًا وولدًا؟
فقال له أبو جهلٍ: يَتَحَدَّثون أنك إنما تَدْخُلُ على ابن أبي قُحافةَ لتُصِيبَ مِن طعامِه.
قال الوليدُ: قد [تَحدَّثَ بهذا] (١) عَشِيرتي، [فَلَايْمُ جَابِرِ بن قُصَيٍّ] (٢)، لا أَقْرَبُ أبا بكرِ، ولا عمرَ ولا ابنَ أبى كبشةَ، وما قولُه إلا سحرٌ يُؤثر.
فأنْزَل اللهُ على نبيِّه ﷺ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ إلى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾.
زعَموا أنه قال: واللهِ لقد نظَرْتُ فيما قال هذا الرجلُ، فإذا هو ليس بشعرٍ، وإنَّ له لَحلاوةً، وإن عليه لَطَلاوةً، وإنه لَيعلو وما يُعْلَى، وما أَشُكُ أنه سحرٌ.
فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿ فيه: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ الآيةَ، ثمَّ عَبَسَ وَبَسَرَه: قبض ما بينَ عينيه وكلَح (٤).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾.
قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ يومَ دارِ النَّدوةِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾.
يعنى: الوليدُ بنُ المغيرةِ، دعاه نبيُّ اللهِ ﷺ إلى الإسلام، فقال: حتى أَنْظُرَ.
فَفَكَّر، ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾، فجعل اللهُ له سقَرَ.
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.
قال: هذا الوليدُ بنُ المغيرةِ، قال: سأَبْتارُ (١) لكم هذا الرجلَ الليلةَ.
فأتَى النبيَّ ﷺ، فوجَده قائمًا يُصَلِّي ويَقْتَرِئُ، وأتاهم فقالوا: مَهْ.
قال: سَمِعْتُ قولًا حُلْوًا أخضرَ مُثْمِرًا يَأْخُذُ القلوبَ.
فقالوا: [هو شعرٌ] (٢).
فقال: لا واللهِ، ما هو بالشعرِ، ليس أحدٌ أعلمَ بالشعرِ منى، أليس قد عرَضَت عليَّ الشعراءُ شعرَهم، نابغةُ وفلانٌ؟
قالوا: فهو كاهنٌ.
فقال: لا واللهِ ما هو بكاهنٍ (٣)، قد عرَفتُ (٤) الكَهانَة.
قالوا (٥): فهذا سحرُ الأَوَّلِين اكْتَتَبه.
قال: لا أدرى، إن كان شيئًا فعسى، هو إذن سحرٌ يُؤْثَرُ.
فقرأ: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ قال: قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بشعرٍ، ثم قُتِل كيف قدَّر حينَ قال: ليس بكَهانةٍ.
وقولُه: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم ولَّى عن الإيمانِ بما أَنْزَل اللهُ من كتابِه والتصديقِ به، واسْتَكْبر عن الإقرارِ بالحقِّ.
فَقَالَ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.
[يقولُ تعالى ذكرُه: فقال إن هذا الذي يتلوه محمدٌ، إلا سحرٌ] (٦) يَأْثُره عن غيره.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.
قال: يَأْخُذُه عن غيرِه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزينٍ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.
قال: يَأْثُرُه عن غيرِه (١).
وقولُه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِ الوحيدِ في القرآنِ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ ما هذا الذي يَتْلُوه محمدٌ إلا قولُ البشرِ، يقولُ: ما هو إلا كلامُ ابن آدمَ، وما هو بكلامِ اللهِ.
القولُ في تأويلِ قوله ﷿: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾، سَأُورِدُه بابًا مِن أبوابِ جهنَم، اسمُه سَقَرُ، ولم يُجْرَ ﴿سَقَرَ﴾؛ لأنه اسمٌ مِن أسماءِ جهنمَ.
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وأى شيءٍ أدْراك يا محمدُ، أَيُّ شيءٍ سَقَرُ؟
ثم بَين جلَّ وعزَّ ما سَقَرُ، فقال: هي نارٌ، ﴿لَا تُبْقِي﴾ [مَن فيها حيًّا، ﴿وَلَا تَذَر﴾] (١) من فيها ميتًا (٢)، ولكنها تُحْرِقُهم كلما جُدِّد خَلْقُهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن (٣) ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.
قال: لا تُمِيتُ ولا تُحيِى (٤).
حدثَّني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ (٥)، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثَّني محمدُ بنُ عُمارةَ الأسديُّ، قال: ثنا عبيدُ الله بنُ موسى، قال: أخبَرنا [ابنُ أبي] (٦) ليلى، عن مَزِيدةَ (٧) في قولِه: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾.
قال: لا تُبْقِى منهم شيئًا أن تَأْكُلهم، فإذا خُلِقوا لها لا تَذَرُهم حتى تَأْخُذَهم فتَأْكُلهم.
وقولُه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه: مُغَيَّرةٌ لبَشَرةِ أهلها، والدَّوَّاحةُ مِن نعتِ سَقَر، وبالردِّ عليها رُفِعَت، وحسُن الرفعُ فيها، وهى نكرةٌ وسَقَرُ معرفةٌ، لما فيها مِن معنى المدحِ وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
قال: الجِلْدِ (١).
حدثَّني أبو السائب، قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
قال: تَلْفَحُ الجُلْدَ لَفْحةً، فتَدَعُه أَشدَّ (٢) سَوادًا مِن الليلِ.
حدثَّني محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن عبدِ الحكم (٣)، قال: ثنا أبى وشعيبُ بنُ الليثِ، عن خالدِ بن يزيدَ، عن ابن أبي هلالٍ، قال: قال زيدُ بنُ أسلمَ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
أي: تُلَوَّحُ أجسادُهم عليها (٤).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
أي: حَرَّاقةٌ للجلدِ (٥).
حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ (٦): ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
يقولُ: تُحرِقُ بشَرةَ الإنسانِ (٤).
حدثَّني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
قال: تُغَيِّرُ البَشَرَ، تُحرِقُ البَشَرَ، يقالُ: قد لاحَه استقبالُه السماءَ، ثم قال: و (١) النارُ تُغَيِّرُ ألوانَهم.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رزَينٍ: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: غيَّرت جلودهم فاسْوَدَّت.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن إسماعيلَ بن سُمَيْعٍ، عن أبي رَزينٍ، مثلَه (٢).
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
يعنى: بَشَرِ الإنسانِ، يقولُ: تُحْرِقُ بَشَرَه.
ورُوِى عن ابن عباسٍ في ذلك ما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾.
يقولُ: مُعَرِّضَةٌ (٣).
وأخْشَى أن يكونَ خبرُ عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ هذا، غَلَطًا، وأن يكونَ موضِعُ "مُعَرِّضة" "مُغَيِّرة"، لكن صُحِّف فيه.
وقولُه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: على سَقَرَ تسعةَ عَشَرَ مِن الخَزَنةِ.
وذُكرِ أن ذلك لما أُنْزِل على رسولِ الله ﷺ، قال أبو جهلٍ ما حدثَّني به محمدُ ابنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ فَلمَّا سمِع أبو جهلٍ بذلك قال لقريشٍ: ثكِلَتْكم أمَّهاتكم، أَسْمَعُ ابنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُم أَن خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ (١)، أفيَعْجِزُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يَبْطِشوا برجلٍ مِن خَزنةِ جهنمَ؟
فأوْحى [الله ﷿] (٢) إلى رسولِ اللهِ ﷺ أن يأتيَ أبا جهلٍ، فيَأْخُذ بيدِه في بَطْحَاءِ مكةَ، فيقولَ له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥،٣٤] فلما فعل ذلك به رسولُ اللهِ ﷺ قال أبو جهلٍ: واللهِ لا تَفْعَلُ أنت وربُّك شيئًا.
فأخزاه اللهُ يومَ بدرٍ (٣).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
ذُكر لنا أن أبا جهلٍ حينَ أُنزِلت هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريشٍ، أما يَسْتطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أن يَغْلِبوا واحدًا مِن خَزَنَةِ النار وأنتم الدُّهُمُ؟
فصاحبُكم يحدِّثُكُم (٤) أَنَّ عليها تسعةَ عَشَرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال أبو جهلٍ: يحدِّثُكم (٥) محمدٌ أَنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعةَ عَشَرَ، وأنتم الدَّهُمُ؛ ليَجْتَمِعُ كُلُّ عَشَرَةٍ على واحدٍ (٦).
حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
قال: خَزَنَتُها تسعةَ عَشَرَ.
وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما جعَلْنا خَزَنَةَ النارِ إلا ملائكةٌ، يقولُ لأبي جهلٍ في قولِه لقريشٍ: أما يَسْتَطِيعُ كلُّ عَشَرَةٍ منكم أنْ تَغْلِبَ منهم (١) واحدًا؟
فمن ذا يَغْلِبُ خَزَنَةَ النارِ، وهم الملائكةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾.
قال: ما جعَلْناهم رجالًا، فيأخُذ كلُّ رجلٍ رجلًا، كما قال هذا.
وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
يقولُ: وما جَعَلْنا عِدَّةَ هؤلاءِ الخَزَنةِ: ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
[يقولُ: إلا بلاءً للذين كفَروا] (٢) باللهِ مِن مُشركي قريشٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشر، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾: إلا بلاءً.
وإنما جعَلَ الله جلَّ وعزَّ الخبَرَ عن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم فتنةً للذين كفروا؛ لتكذيبهم بذلك، وقولِ بعضِهم لأصحابِه: أنا أكْفِيكُموهم.
ذكرُ الخبر عمَّن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
قال: جُعِلوا فتنةً، قال أبو الأشدِّ بنُ الجُمَحِيِّ: لا يبلغون رَتْوَتى (١) حتى أُجْهِضَهم عن جهنمَ (٢).
وقولُه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لِيَسْتَيْقِنَ أَهلُ التوراةِ والإنجيلِ حقيقةَ ما في كُتُبهم من الخبرِ عن عدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم، إذا (٣) وافَق ذلك ما أَنْزَل الله ﷿ في كتابِه على محمدٍ ﷺ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدثَّني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾.
قال: وإنَّها في التوراةِ والإنجيلِ تسعَةَ عشَرَ.
فأراد اللهُ أَنْ يَسْتَيْقِنَ أهل الكتابِ، ويزداد الذين آمنوا إيمانًا (٤).
حدثَّني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
قال: يَجِدُونه مكتوبًا عندَهم، عِدَّةُ خَزَنَةِ أَهلِ النارِ (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: يُصَدِّقُ القرآن الكتب التي كانت قبلَه، فيها كلِّها؛ التوراةِ والإنجيلِ: أنَّ خَزَنَةَ النارِ تسعَةَ عَشَرَ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾.
قال: لِيَسْتَيْفِنَ أهلُ الكتابِ حينَ وافَق عِدَّةُ خَزَنَةِ النارِ ما في كُتُبِهم (٣).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قال: عِدَّةُ خَزَنَةِ جهنمَ تِسْعَةَ عَشَرَ في التوراةِ والإنجيلِ (٤).
وكان ابنُ زيدٍ يقولُ في ذلك، ما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: أَنك رسولُ اللهِ.
وقولُه: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَزْداد الذين آمنوا باللهِ تصديقًا إلى تَصْدِيقِهم بالله وبرسوله، بتَصْدِيقِهِم بِعِدَّةِ خَزَنَةِ جهنم.
وقوله: ﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾.
يقولُ: ولا يَشُكُّ أهلُ التوراةِ والإنجيلِ في حقيقةِ ذلك، والمؤمنون باللهِ من أمةِ محمدٍ ﷺ.
وقولُه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولِيَقُولُ الذين في قلوبِهم مرضُ النفاقِ، والكافرون باللهِ مِن مشركي قريشٍ: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾.
أي: نفاقٌ (١).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾.
[يقولون: حينَ] (٢) يُخَوِّفُنا بهؤلاء التسعةَ عَشَرَ.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: كما أضَلَّ الله هؤلاء المنافقين والمشركين، القائلين في خبرِ اللهِ جَلَّ وعزَّ عَن عِدَّةِ خَزَنَةِ جهنَم: أيُّ شيءٍ أراد اللهُ بهذا الخبرِ مِن المَثَلِ حينَ يُخوِّفنا بذِكْرِ عِدَّتِهم.
[وهَدى به المؤمنين] (٣)، فازْدادوا بتَصْدِيقهم إلى إيمانِهم إيمانًا: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ من خلقِه فيَخْذُلُه عن إصابةِ الحقِّ: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ منهم، فيُوفِّقُه لإصابةِ الصوابِ، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ مِن كَثْرَتِهم (٤)، ﴿إِلَّا هُوَ﴾.
يعنى: الله.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾.
أي: مِن كَثْرتِهم (١).
وقولُه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما النارُ التي وصَفْتُها إلا تذكرةٌ أُذَكِّرُ بها البَشَرَ، وهم بنو آدمَ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى [لِلْبَشَرِ﴾.
يعنى النارَ] (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.
قال: النارُ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿كَلَّا﴾: ليس القولُ كما يقولُ مَن زعم أنه يَكْفِى أصحابَه المشركين خَزَنَةَ جهنَم [التسعةَ العشَرَ] (٤) حتى يُجْهِضَهم عنها، ثم أَقْسَم ربُّنا جلَّ ذكرُه فقال: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾.
يقولُ: والليل إذا (١) ولَّى ذاهبًا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾: إذا (١) ولَّى (٢).
وقال آخرون في ذلك ما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمى، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: (وَاللَّيْلِ [إِذا دَبَرَ] (٣)) قال: دُبُورُه إظلامُه (٤).
واختلَفتِ القرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ (٥)، وبعضُ قرَأَةِ مكةِ والكوفةِ: ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ (٦).
[وكان أبو عمرِو بنُ العلاءِ فيما ذُكِر عنه يقولُ: قريشٌ تقولُ: دبرَ الليلُ.
وقرأ ذلك بعضُ قرَأَةِ مكةَ وبعضُ قرَأَةِ المدينةِ والكوفةِ: (إذا دَبَر)] (٧) (٨).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا أنهما قراءتان معروفتان، صحيحتا المعنى، فبأيَّتهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
وقد اختلَف أهلُ العلمِ بكلامِ العربِ في ذلك؛ فقال بعضُ الكوفيِّين: هما لغتان، يقالُ: دَبَرَ النهارُ [وأَدْبَر] (١)، ودَبَرَ الصيفُ وأَدْبَر (٢).
وكذلك: قَبَل وأَقْبَل.
فإذا قالوا: أَقْبَل الراكبُ وأَدْبَر.
لم يقولوه إلا بالألفِ.
وقال بعضُ البصريِّين: (واللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ).
يعنى: إذا دبَر النهارَ وكان في آخرِه، قال: ويقالُ: دبَرنى.
إذا جاء خَلْفِى، وأَدْبَر.
إذا ولَّى.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنهما لغتان بمعنًى؛ وذلك أنه مَحْكِيٌّ عن العربِ: قَبَح الله ما قَبَل منه وما دَبَر.
وأخرى أنَّ أهل التفسيرِ لم يُمَيِّزوا في تفسيرِهم (٣) بينَ القراءتين، وذلك دليل [على أنَّهم] (٤) فعَلوا ذلك كذلك؛ لأنهما بمعنًى واحدٍ.
وقوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: والصبحِ (٥) إذا أضاء.
[كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾: إذا أَضاء] (٦) وأقبل (٧).
﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ جهنمَ لإحْدَى الكُبَرِ، يعنى (٨).
الأمورَ العِظامَ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
[يعنى: جهنمَ] (١).
[حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يعني: جهنمَ] (٢).
حدَّثنا أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ بن سُميع، عن أبى رَزِينٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
قال: جهنمَ (٣).
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
قال: هذه النارُ.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
قال: هي النارُ (٤).
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يعنى: جهنمَ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
يعنى: جهنمَ (١).
وقولُه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إِنَّ النارَ لإحْدَى الكُبَرِ، نذيرًا لبنى آدمَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾، وما الموصوفُ بذلك؛ فقال بعضُهم: عُنى بذلك النارُ، وقالوا: هي صفةٌ للهاءِ التي في قولِه: ﴿إِنَّهَا﴾، وقالوا: هي النذيرُ، فعلى قولِ هؤلاءِ "النذير" نُصِب على القطعِ من "إحدى الكُبَرِ"؛ لأنَّ إحْدَى الكُبَرِ" معرفةٌ، وقوله: ﴿نَذِيرًا﴾ نكرةٌ، والكلامُ قد يَحْسُنُ الوقوفُ عليه دونَه.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: والله ما أُنْذِرَ الناسُ بشيءٍ أَدهى منها، أو بداهيةٍ هي أَدْهى منها (١).
وقال آخرون: بل هي مِن صفةِ اللهِ تعالى ذكرُه، وهو خبرٌ مِن الله جلَّ ثناؤُه عن نفسِه، أنه نذيرٌ لخَلْقِه، وعلى هذا القولِ، يَجِبُ أن يكونَ نَصْبُ قوله: ﴿نَذِيرًا﴾ على الخروجِ مِن جملةِ الكلامِ المتقدَّمِ، فيكونُ معنى الكلامِ: وما جعَلْنا أصحابَ النارِ إلا ملائكة نذيرًا للبشر، يعنى: إنذارًا لهم، فيكونُ قولُه: ﴿نَذِيرًا﴾ (١).
بمعنى: إنذارًا (٢)، كما قال: [﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾] (٣) [الملك: ١٧].
بمعنى إنذارِى، ويكونُ أيضًا بمعنى: إنَّها لإحْدَى الكُبَرِ، صيَّرنا ذلك كذلك نذيرًا، فيكونُ قولُه: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ مؤدِّيًا عن معنى صَيَّرنا ذلك كذلك، وهذا المعنى قَصْدُ مَن قال ذلك إن شاء اللهُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن إسماعيلَ، عن أبي رَزِينِ: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾.
قال: جهنمَ، ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾.
يقولُ اللهُ جلَّ ثناؤُه: أنا لكم منها نذيرٌ، فاتَّقُوها (٤) وقال آخرون: بل ذلك مِن صفةِ رسولِ اللهِ ﷺ، وقالوا: نُصِب "نذيرا" على الحالِ، مما في قولِه: ﴿قُمْ﴾.
وقالوا: معنى الكلامِ: قُم نذيرًا للبشرِ فَأَنْذِرْ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾.
قال: الخلْقِ، قال: بنو آدمَ البشرُ، فقيل له: محمدٌ النذيرُ؟
قال: نعم يُنْذِرُهم (٥).
وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: نذيرًا للبشرِ، لمن شاء منكم أيُّها الناسُ أنْ يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيةِ اللهِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾.
قال: مَن شَاء اتَّبَع طاعةَ اللهِ، ومَن شاء تأخَّر عنها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾: يتقدَّمَ في طاعةِ اللهِ، أو يتأخَّرَ في معصيتِه (٢).
القول في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ: يقولُ تعالى ذكرُه: كلُّ نفسٍ مأمورةٍ منهيةٍ بما عَمِلت من معصيةِ الله في الدنيا، رهينةٌ في جهنمَ، ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾؛ فإنَّهم غيرُ مُرْتَهَنين، ولكنَّهم ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
يقولُ: مأخُوذَةٌ بعملِها (١).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: غَلق (٢) الناسُ كلُّهم إلا أصحابَ اليمينِ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: لا يُحاسَبون (٤).
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: أصحابُ اليمينِ لا يُرْتَهَنُون بذنوبهم، ولكنْ يَغْفِرُها (٥) اللهُ لهم.
وقرَأ قول اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ٤٠] قال: لا يُؤاخِذُهم اللهُ بسَيِّئ أعمالِهم، ولكنْ يَغْفِرُها (٦) لهم، ويتجاوزُها عنهم كما وعَدهم.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾.
قال: كلُّ نفسٍ سبَقَتْ لها (١) كلمةُ العذاب، يَرْتَهنُها (٢) اللهُ في النارِ، لا يَرْتَهِنُ الله أحدًا من أهلِ الجنةِ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
يقولُ: ليسوا رهينةً، ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٣).
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: إن كان أحدهم سبقَتْ له كلمة العذابِ جُعِل مَنْزله في النارِ، يكونُ فيها رَهْنًا، وليس يُرْتَهِنُ أحدٌ مِن أهلِ الجنةِ، هم في جناتٍ يتساءلون.
واختلَف أهلُ التأويلِ في أصحابِ اليمينِ الذين ذكرَهم اللهُ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: هم أطفالُ المسلمين.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني واصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ فُضَيل، عن الأعمشِ، [عن عثمانَ] (٤)، عن زاذانَ، عن عليٍّ ﵁ في هذه الآيةِ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: هم الولدانُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عثمانَ أبي اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ إلَّا أَصْحَب اليمين.
قال: أطفال المسلمين.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن عثمانَ بن عميرٍ أبى اليقظانِ، عن زاذانَ أبى عمرَ، عن عليٍّ ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: أولادَ المسلمين (١).
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن أبى اليقظانِ، عن زاذانَ، عن عليٍّ، ﵁: ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾.
قال: هم الولدانُ] (٢).
[وقال آخرون: هم الملائكةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك] (٢) حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شريكٍ، عن الأعمشِ، عن أبي ظبيانَ، عن ابن عباسٍ، قال: هم الملائكةُ (٣).
وإنما قال من قال: أصحابُ اليمينِ في هذا الموضعِ هم الولدانُ وأطفالُ المسلمين.
ومن قال: هم الملائكةُ.
لأنَّ هؤلاء لم يكنْ لهم ذنوبٌ، وقالوا: لم يكونوا ليَسْأَلوا المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾، إلا أنهم لم يَقْتَرِفوا في الدنيا مأثمًا (٤)، ولو كانوا اقْتَرفوها وعرفوها، لم يكونوا ليَسْأَلوهم عما سلَكهم (٥) في سَقَرَ؛ لأنَّ كلَّ مَن دخل الجنةَ (١) من بنى آدمَ ممَّن بلَغ حدَّ التكليفِ ولزِمه فرضُ الأمرِ والنَّهْي، قد علمِ أنَّ أحدًا لا يُعاقَبُ إلا على المعصيةِ.
وقولُه: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ يقولُ: أصحاب اليمينِ في بساتينَ، يتساءلون عن المجرمين (٢) الذين سُلِكوا في سَقَرَ: أيُّ شيءٍ (٣) سلَككم في سَقَرَ؟
﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾.
يقولُ: قال المجرمون لهم: لم نَكُ في الدنيا من المصلِّين للهِ وحدَه (٤).
﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ بُخْلًا بما خوَّلهم اللهُ، ومنْعًا له من حقِّه.
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾.
يقولُ: وكنا نخوضُ في الباطلِ، وفيما يَكْرهُه اللهُ مع كلِّ (٤) مَن يخوضُ فيه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾.
قال: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَوْا (٥) معه.
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾.
قال: يقولون: كلما غَوَى غَاوٍ غَوَيْنا معه (٦).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وقولُه: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: قالوا: وكنا نكذِّبُ بيومِ المجازاةِ والثوابِ والعقابِ (١)، فلا (٢) نصدِّقُ بثوابٍ ولا عقابٍ ولا حسابٍ، ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾.
يقولُ: قالوا (٣): حتى أتانا الموتُ الموقَنُ به، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
يقولُ: فما يَشْفَعُ لهم الذين شَفَّعهم اللهُ في أهلِ الذنوبِ مِن أهلِ التوحيدِ، فتنفعَهم شفاعتُهم.
وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الله تعالى ذكرُه مُشَفَّعٌ بعضَ خَلْقِه في بعضٍ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، قال: ثنا أبو الزَّعراءِ، عن عبدِ اللهِ في قصةٍ ذكَرها من (٤) الشفاعةِ، قال: ثم تَشْفَعُ الملائكةُ والنبيون والشهداءُ والصالحون والمؤمنون، ويُشفِّعُهم اللهُ فيقولُ: أنا أرحمُ الراحمين.
فيُخْرِجُ مِن النارِ أكثرَ مما أُخرج مِن جميعِ الخلقِ من النارِ، ثم يقولُ: أنا أرحمُ الراحمين.
ثم قرَأ عبدُ اللهِ: يا أيُّها الكفارُ، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
وعقَد بيدِه أربعًا، ثم قال: هل تَرَوْن في هؤلاء من خيرٍ؟
ألا ما يُتْركُ فيها أحدٌ فيه خيرٌ (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، قال: سمِعتُ عمِّي وإسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن أبي الزَّعراءِ، قال: قال عبدُ اللهِ: لا يَبْقى في النارِ إلا أربعةٌ، أو ذو الأربعةِ - الشكُّ مِن أبي جعفرٍ الطبريِّ - ثم يَتْلو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ المؤمنين يومَ القيامةِ.
ذُكر لنا أنَّ نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إِنَّ مِنْ أمتى رجلًا يُدْخِلُ الله بشفاعتِه الجنةَ أكثرَ مِن بني تميمٍ".
قال الحسنُ: أكثرُ من ربيعةَ ومضرَ، كنا نُحدَّثُ أنَّ الشهيدَ يَشْفَعُ في سبعين مِن أهلِ بيتِه (١).
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾.
قال: تَعَلَّمَنَّ أَنَّ الله يُشَفِّعُ بعضَهم في بعضٍ (٢).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا ابنُ (٣) ثورٍ، عن معمرٍ، و (٤) أخبرَني مَن سمع أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إنَّ الرجلَ ليَشْفَعُ للرجلين والثلاثةِ والرجلِ (٥).
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى قال: ثنا ابنُ (١) ثورٍ، عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن أبى قلابةَ، قال: يُدْخِلُ اللهُ بشفاعةِ رجلٍ مِن هذه الأمةِ الجنةَ، مثلَ بني تميمٍ.
أو قال: أكثرَ مِن بني تميمٍ (١).
وقال الحسنُ: مثلُ ربيعةَ ومُضَرَ (٢).
وقولُه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾.
يقولُ: فما لهؤلاء المشركين عن تذكرةِ اللهِ إيَّاهم بهذا القرآنِ مُعْرِضِين، لا يَسْتمِعون لها، فيتَّعِظوا ويَعْتَبِروا.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ أي عن هذا القرآنِ (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: فما لهؤلاء المشركين باللهِ عن التذكرة مُعْرِضين.
مولِّين عنها توليةَ الحُمُرِ المستنفِرةِ ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
واختلفتِ القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مُسْتَنْفِرَةٌ﴾؛ فقرَأ ذلك [عامةُ قرأةِ المدينة: (مُسْتَتَفَرَةٌ) بفتحِ الفاءِ (٤)، بمعنى مذعورةٌ قد ذعَرتها القسورةُ.
وقرَأته] (٥) عامهُ قرأَةِ الكوفةِ والبصرةِ بكسرِ الفاءِ، وهى (١) قراءةُ بعضِ المكيِّين أيضًا بمعنى نافرةٍ (٢).
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيّتِهما قرَأ القارئُ فمصيبٌ، وكان الفرَّاءُ يقولُ (٣): الفَتْحُ والكَسْرُ في ذلك كثيران في كلامِ العربِ؛ وأنشَد: أمْسِكْ حِمارَكَ إنه مُسْتَنْفِرٌ … في إِثْرِ أَحْمِرَةٍ عَمَدْنَ لِغُرَّب وقولُه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في معنى القَسْوَرَةِ؛ فقال بعضُهم: هم الرماةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن حجاجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: الرماةِ (٤).
حدَّثني ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن الأعمشِ، عن أبي ظَبْيان، عن أبي موسى: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: الرماةِ (٥).
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هي الرماةُ (٦).
[قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ] (١)، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: عُصْبَةِ قُنَّاصٍ [مِن الرماةِ] (٢).
زاد الحارثُ في حديثِه قال: وقال بعضُهم في القَسْوَرَةِ: هو الأسَدُ.
وبعضُهم: الرماةُ.
حدَّثنا هنادُ بنُ السريِّ، قال: ثنا أبو الأحوصِ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ في قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: القَسْوَرَةُ الرماةُ.
فقال رجلٌ (٣) لعكرمةَ: هو الأَسَدُ بلسان الحبشةِ؟
فقال عكرمة: اسمُ الأسدِ بلسانِ الحبشةِ عَنْبَسَةُ (٤).
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: أخبَرنا أبو رجاءٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
[قال: الرماةِ] (٥).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن إسرائيل، عن أبي إسحاقَ، عن [سليمِ بن عبدٍ] (١) السَّلُولِّي، عن ابن عباسٍ، قال: هي الرماةُ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ وهم الرماةُ القُنَّاصُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: [قَسْوَرَةٌ النَّبْلُ (٣).
وقال] (٤) آخرون: هم القُنَّاصُ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
يعنى: رجالِ القَنْصِ (٥).
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبى بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هم القُنَّاصُ (٦).
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن شعبةَ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: هم القُنَّاصُ.
وقال آخرون: هم جماعةُ الرجالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ عن شعبةَ، عن أبي حمزةَ، قال: سألتُ ابنَ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، فقال: ما أَعْلَمُه بِلُغَةِ أحدٍ مِن العرب الأسدَ، هي عُصَبُ الرجالِ (١).
حدَّثنا ابنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمد بنُ عبدِ الوارثِ، قال: سمِعتُ أبى يُحَدِّثُ، قال: ثنا داودُ، قال: ثنى عباسُ بنُ عبدِ الرحمنِ مولى بنى هاشمٍ، قال: سُئِل ابنُ عباسٍ عن القَسْوَرَةِ، قال: جَمْعُ الرجالِ، ألم تَسْمَعْ ما قالت فلانةُ في الجاهليةِ: [يا بنتى كوني] (٢) خَيْرةً لخيِّرَه … أخوالُها في الحيِّ أهلُ (٣) القسورهْ (٤) وقال آخرون: هي أصواتُ الرجالِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ عيينةَ، عن عمرِو، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ في: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هو (١) رِكْزُ الناسِ (٢)؛ أصواتهم (٣).
قال أبو كريبٍ، قال سفيانُ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨].
وقال آخرون: بل هو الأسدُ ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بن (٤) سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هو الأسدُ (٥) حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني هشام بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن ابن سِيْلانَ، أن أبا هريرةَ كان يقولُ في قولِ اللهِ: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هو الأسدُ (٦).
حدَّثني محمدُ بنُ [معمرٍ، [عن عبدِ الملكِ بن عمرٍو] (٧) (٨)، قال: ثنا هشامٌ، عن زيدٍ، [عن ابن سيلانَ، عن أبي هريرةَ في قولِه] (٩): ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: الأسدِ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني داودُ بنُ قيسٍ، عن زيدِ بن أسلمَ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: هو الأسدُ (١).
حدَّثني محمدُ بنُ خالدِ بن خداشٍ، قال: ثنى سَلْمُ بنُ قتيبةَ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليٍّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهْرانَ، عن ابن عباسٍ أنه سُئل عن قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ قال: هو بالعربية الأسدُ، وبالفارسيةِ شار، وبالنَّبَطِيَّة (٢) أريا، وبالحبشية قسورةٌ (٣).
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
يقولُ: الأسدِ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن هشامِ بن سعدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن أبي هريرةَ قال: الأسدِ.
حدَّثني يُونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾.
قال: القسورةُ الأسدُ (٤).
وقولُه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما بهؤلاء المشركين في إعراضِهم (٥) عن هذا القرآنِ أنهم لا يَعْلَمون أنه من عندِ اللهِ، ولكن كلُّ رجلٍ منهم يريدُ أن يؤتَى كتابًا من السماءِ يَنْزِلُ عليه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾.
قال: [قد قال] (١) قائلون من الناسِ: يا محمد، إِنْ سَرَّك أن نَتَّبِعَك فَأتِنا بكتابٍ، خاصةً إلى فلانٍ وفلانٍ، نُؤْمَرُ فيه باتِّباعك.
قال قتادةُ: يُريدون أن يُؤتوا براءةً بغير عملٍ (٢).
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾.
قال: إلى فلانِ [بن فلانٍ] (٣) من ربِّ العالمين (٤).
وقولُه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ما الأمرُ كما يَزْعُمون، من أنهم لو أوتوا صحفًا مُنَشَّرَةً صدَّقوا (٥)، ﴿بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾.
يقولُ: لكنهم لا يَخافون عقابَ (٦) اللهِ، ولا يُصَدِّقون بالبعثِ والثوابِ والعقابِ، فذلك الذي دعاهم إلى الإعراضِ عن تذكرةِ اللهِ، وهوَّن عليهم (١) تركَ الاستماعِ لوحيهِ وتنزيلِه.
وبنحوِ الذي قلْنا [في ذلك] (٢) قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ﴾ إنما أفسَدهم أنهم كانوا لا يُصَدِّقون بالآخرةِ، ولا يَخافونَها، هو الذي أفسَدهم (٣).
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَمَا يَذْكُرُونَ (٤) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُ (٥) تَذْكِرَةٌ﴾: ليس الأمرُ كما يقولُ هؤلاءِ المشرِكون في هذا القرآن من أنه سحرٌ يُؤْثَرُ، وأنه قولُ البشرِ، ولكنه تذكِرةٌ من اللهِ لخلقِه، ذكَّرهم به.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ﴾.
أي: القرآنَ (١).
وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فمن شاء من عباد الله الذين ذكَّرهم اللهُ بهذا القرآنِ ذكرَه، [فاتَّعظ به واستعمَل] (٢) ما فيه من أمرِ اللهِ ونهِيه، ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ (٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وما يَذْكُرون هذا القرآنَ فيتَّعِظون (٤) به، ويَسْتَعْمِلون (٥) ما فيه، إلا أن يَشَاءَ اللهُ أن يَذْكُرُوه (٣)، لأنه لا أحدَ يَقْدِرُ على شيءٍ إلا بأن يَشَاءَ اللهُ أن يُقَدِّرَه عليه ويُعْطِيه القدرة عليه.
وقولُه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى [وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾] (٦).
يقولُ تعالى ذكرُه: اللهُ (٧) أهلٌ أن يَتَّقِى عبادُه عقابَه على معصيتِهم إياه، فيَجْتَنِبوا معاصِيَه، ويُسَارعوا إلى طاعتِه، ﴿وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
يقولُ: هو أهلٌ أن يَغْفِرَ ذنوبهم إذا هم فعَلوا ذلك، [ولا] (٨) يُعاقبهم عليها مع توبتهم منها.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
ربُّنا محقوقٌ أن تُتَّقَى مَحارِمُه، وهو أَهلُ المغفرةِ يَغْفِرُ الذنوبَ (١).
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
قال: أهلٌ أن تُتَّقَى محارمُه، وأهل المغفرةِ: أهلٌ أن يَغْفِرَ الذنوبَ (٢).
آخر تفسير سورة المدثر