الإسلام > القرآن > تفسير > الكشاف > سورة 78 النبأ > الآيات ٦-١٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةفإن قلت: كيف اتصل به قوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا (6) ﴾ قلت: لما أنكروا البعث قيل لهم: ألم يخلق من يضاف إليه البعث هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة، فما وجه إنكار قدرته على البعث، وما هو إلا اختراع كهذه الاختراعات أو قيل لهم: ألم يفعل هذه الأفعال المتكاثرة.
والحكيم لا يفعل فعلا عبثاً، وما تنكرونه من البعث والجزاء مؤدّ إلى أنه عابث في كل ما فعل ﴿ مهادا ﴾ فراشاً.
وقرئ ﴿ مهداً ﴾ ومعناه: أنها لهم كالمهد للصبي: وهو ما يمهد له فينوّم عليه، تسمية للممهود بالمصدر، كضرب الأمير.
أو وصفت بالمصدر.
أو بمعنى: ذات مهد، أي أرسيناها بالجبال كما يرسى البيت بالأوتاد ﴿ سُبَاتاً ﴾ موتاً.
والمسبوت.
الميت، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة.
والنوم: أحد التوفيين، وهو على بناء الأدواء.
ولما جعل النوم موتاً، جعل اليقظة معاشاً، أي: حياة في قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً ﴾ [النبأ: 11] ، أي: وقت معاش تستيقظون فيه وتتقلبون في حوائجكم ومكاسبكم.
وقيل: السبات الراحة ﴿ لِبَاساً ﴾ يستركم عن العيون إذا أردتم هرباً من عدوّ، أو بياتاً له.
أو إخفاء ما لا تحبون الاطلاع عليه من كثير من الأمور.
وَكَمْ لِظَلاَمِ اللَّيْلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدٍ ** تُخَبِّرُ أَنَّ المَانَوِيَّةَ تَكْذِبُ ﴿ سَبْعاً ﴾ سبع سموات ﴿ شِدَاداً ﴾ جمع شديدة، يعني: محكمة قوية الخلق لا يؤثر فيها مرور الأزمان ﴿ وَهَّاجاً ﴾ متلألئا وقاداً، يعني: الشمس: وتوهجت النار: إذا تلمظت فتوهجت بضوئها وحرها.
المعصرات: السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، كقولك: أجز الزرع، إذا حان له أن يجز.
ومنه: أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض.
وقرأ عكرمة: ﴿ بالمعصرات ﴾ ، وفيه وجهان: أن تراد الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب، وأن تراد السحائب؛ لأنه إذا كان الإنزال منها فهو بها، كما تقول: أعطى من يده درهما، وأعطى بيده، وعن مجاهد: المعصرات الرياح ذوات الأعاصير.
وعن الحسن وقتادة: هي السموات.
وتأويله: أن الماء ينزل من السماء إلى السحاب، فكأنّ السموات يعصرن، أي: يحملن على العصر ويمكنّ منه.
فإن قلت: فما وجه من قرأ.
﴿ مِنَ المعصرات ﴾ وفسرها بالرياح ذوات الأعاصير، والمطر لا ينزل من الرياح؟
قلت: الرياح هي التي تنشئ السحاب وتدرّ أخلافه فصحّ أن تجعل مبدأ للإنزال؛ وقد جاء: أنّ الله تعالى يبعث الرياح فتحمل الماء من السماء إلى السحاب، فإن صحّ ذلك فالإنزال منها ظاهر، فإن قلت: ذكر ابن كيسان أنه جعل المعصرات بمعنى المغيثات، والعاصر هو المغيث لا المعصر.
يقال: عصره فاعتصر.
قلت: وجهه أن يريد اللاتي أعصرن، أي حان لها أن تعصر، أي: تغيث ﴿ ثَجَّاجاً ﴾ منصباً بكثرة يقال: ثجه وثج نفسه وفي الحديث: «أفضل الحج: العجّ والثجّ» أي رفع الصوت بالتلبية، وصب دماء الهدي.
وكان ابن عباس مثجاً يسيل غرباً، يعني أنه يثج الكلام ثجا في خطبته.
وقرأ الأعرج: ﴿ ثجاجاً ﴾ ومثاجج الماء: مصابه، والماء ينثجج في الوادي ﴿ حَبّاً وَنَبَاتاً ﴾ يريد ما يتقوّت من الحنطة والشعير وما يعتلف من التبن والحشيش، كما قال: ﴿ كُلُواْ وارعوا أنعامكم ﴾ [طه: 54] ، و ﴿ والحب ذُو العصف والريحان ﴾ [الرحمن: 12] .
﴿ أَلْفَافاً ﴾ ملتفة ولا واحد له، كالأوزاع والأخياف.
وقيل: الواحد لف.
وقال صاحب الإقليد: أنشدني الحسن بن علي الطوسي: جَنَّةٌ لِفٌّ وَعَيْشٌ مُغْدِقٌ ** ونَدَامَى كُلُّهُمْ بِيضٌ زُهُرْ وزعم ابن قتيبة أنه لفاء ولف، ثم ألفاف: وما أظنه واجداً له نظيراً من نحو خضر وأخضار وحمر وأحمار، ولو قيل: هو جمع ملتفة بتقدير حذف الزوائد، لكان قولاً وجيها.
<div class="verse-tafsir"