تأويلات أهل السنة سورة الفاتحة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الفاتحة

تفسيرُ سورةِ الفاتحة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 26 دقيقة قراءة

تفسير سورة الفاتحة كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

التَّسْمِيةُ هِيَ آيةٌ مِنَ الْقُرْآن، وَلَيْسَتْ مِنْ فاتِحةِ الكِتاب.

دليل جعلها آية: ما روي عن النبي  أنه قال لأبيِّ بن كعب: "لأُعلِّمنَّكَ آيةً لَمْ تَنْزِلْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي إِلاَّ عَلَى سُلَيْمَانَ بنِ دَاودَ فأَخْرَجَ إِحْدَى قَدَمَيْهِ، ثمَّ قَالَ له: بأَيِّ آيةٍ تفتتح بها القرآن؟

قال: ﴿ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ ﴾ .

فَقَالَ: هِيَ هِيَ" ففي هذا أنها آية من القرآن، وأنها لو كانت من السور لكان يعلمه نَيِّفاً ومائةَ آيةٍ لا آيةٌ واحدةً.

ولو كانت منها أيضاً؛ لكان لا يجعلها مفتاح القرآن، بل يجعلها من السور.

ثم الظاهر أن من لم يتكلف تفسيرها عند ابتداء السورة ثبت أَنها ليست منها.

وكذلك تركُ الأُمةِ الجهرَ بها، على العلم بأنه لا يجوز أن يكون رسولُ الله  يجهر بها ثم يخفي ذلك على من معه، وأن يكونوا غفلوا ثم يضيعون سُنَّةً بلا نفع يحصل لهم، حتى توارثت الأُمةُ تركَها فيما يحتمل أن يكون الجهر سنة ثم يخفى، فيكون في فعل الناس دليل واضح أنها ليست من السور.

ودليل آخر على ذلك ما روي عن رسول الله  عن الله أنه قال: "قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَينِ، فإِذَا قَالَ العَبْدُ: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ إلى قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

فقال: هذا لي" .

وهي ثلاث آيات.

وقال بعد قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ إلى آخرها: "هَذَا لِعَبْدِي" ، ثبت أنها ثلاثُ آيات؛ لتستويَ القسمة.

ثم قال في قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ : "هذا بيني وبين عبدي نصفين" فثبت أنها آية واحدة؛ فصارت بغير التسمية سبعاً.

وذلك قول الجميع: إنها سبع آيات مع ما لم يذكر في خبر القسمة؛ فثبت أنها دونها سبع آيات.

وقد روى عن أنس بن مالك -  - أنه قال: "صَلَّيْتُ خلفَ رسولِ اللهِ  ، وخلف أبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمان -  م - فَلمْ يكونوا يَجْهرُونَ بـ بسم الله الرحمن الرحيم" وروي ذلك عن علي -  - وعبد الله بن عمر وجماعة، وهو الأَمر المعروف في الأُمة، مع ما جاءَ في قصة السحر: أن العُقَد كانت إحدى عشرة، وقرأَ عليها المعوذتين دون التسمية؛ فكذا غيرها من السور مع ما إذا جعلت مفتاحاً كانت كالتعوذ، والله الموفق.

والأصل عندنا أن المعنى الذي تَضَمنُه فاتحةُ القرآن فرض على جميع البشر؛ إذ فيه الحمد لله والوصف له بالمجد، والتوحيد له، والاستعانة به، وطلب الهداية، وذلك كله يَلزَم كافَّةَ العقلاء من البشر، إذ فيه معرفة الصانع على ما هو معروف، والحمدُ له على ما يستحقه، إذ هو المبتدئ بنعمه على جميع خلقه، وإليه فقر كلِّ عبدٍ، وحاجةُ كلِّ محتاج، فصارت لنفسها - بما جمعت الخصال التي بَيَّنَّا - فريضةً على عباد الله.

ثم ليست هي في حق الصلاة فريضة، وذلك نحو التسبيحات بما فيها من تَنزيه الله.

والتكبيرات بما فيها من تعظيمه فريضة لنفسها؛ إذ ليس لأَحد ألا ينزه ربه، ولا يعظمه من غير أن يوجب ذلك فرضيتها في حق الصلاة، وفي حق كل مجعولة هي فيه، لا من طريق توضيح الفرضية من غير طريق الذي ذكرت.

ثم ليست هي بفريضة في حق القراءة في الصلاة؛ لوجوه: أحدها: أَن فرضية القراءَة عرفنا بقوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ  ﴾ وفيها الدلالة من وجهين: أحدهما: أنه قد يكون غيرها أَيسرَ.

والثاني: أن فرضيَّة القراءَة في هذه الآية من حيث الامتنان بالتخفيف علينا والتيسير، ولو لم يكن فريضة لم يكن علينا في التخفيف منَّةٌ إذاً بالترك.

ثم لا نخير في فاتحة القرآن، والآية التي بها عرفنا الفرضية فيما تخير ما يختار من الأَيسر، ثبت أنها رجعت إلى غيرها، وبالله التوفيق.

والثاني: أن نبيَّ الله أخبر عن الله: أنه جعل بها في حق الثناء، وهو ما ذكر في خبر القسمة فصارت تقرأ بذلك الحق، فلم يخلص لها حق القراءَة، بل أَلحق بها حق الدعاء والثناءِ، وليس ذلك من فرائض الصلاة، وبالله التوفيق.

والثالث: ما روي عن عبد الله بن مسعود -  -: "أَنَّ النبيَّ  أَحْيَا ليلة بقوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ الآية.

وبه كان يقوم، وبه كان يركع، وبه يسجد، وبه يقعد" .

فثبت أنه لا يتعين قراءَتها في الصلاة مع ما أَيَّده الخبر الذي فيه "أَنِ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ؛ إذ قال له وقت التعليم: "اقْرَأْ مَا تيسَّرَ عَلَيْكَ" فثبت أَن المفروض ذلك.

وأيضاً روي عن رسول الله  أَنه قال: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ" ثم روي عنه بيان محلها: "إِنَّ كُلَّ صَلاةٍ لَمْ يُقْرَأْ فيها بِفَاتِحَةِ الكتابِ فهِيَ خِدَاجٌ، نُقْصَانٌ، غَيْرُ تَمَامٍ" والفاسدُ لا يوصف بالنقصان، وإنما الموصوف بمثله ما جاز مع النقصان.

وبالله التوفيق.

ثم خص فاتحة القرآن بالتأْمين بما سُمِّي بالذي ذكَره خبرُ القسمة.

وغير الفاتحة وإن كان فيه الدعاءُ، فإنه لم يخص بهذا الاسم، لذلك لم يجهر به، فالسبيل فيه ما ذكرنا في القسمة، ما كان هو أخلص بمعنى الدعاء منها.

ثم السُّنَّة في جميع الدعوات المخافَتةُ.

والأَصل: أنَّ كل ذِكر يشترك فيه الإمام والقوم فَسُنتُه المخافتة إلا لحاجة الإعلام، وهذا يعلم من قوله: ﴿ وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ فيزول معناه.

وسبيل مثله المخافتة مع ما جاءَ به مرفوعاً ومتوارثاً.

وخبرُ الجهر يحتمل: السبق، كما كان يُسْمِعُهُم في صلاة النهار أحياناً.

ويحتمل: الإعلام، أنه كان يقرأُ به.

وبالله التوفيق.

ثم جمعت هذه خصالاً من الخير، ثم كل خصلة منها تجمع جميع خصال الخير.

منها: أَن في الحرف الأَول من قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ شكراً لجميع النعم، وتوجيهاً لها إلى الله لا شريك له، ومَدْحاً له بأَعلى ما يحتمل المدح، وهو ما ذكرنا من عموم نعمه وآلائه جميعَ بريَّته.

ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاءِ البرِيَّة كلها، وتحقيق الربوبية له عليها بقوله: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ وكل واحد منها يجمع خصال خير الدارين، ويوجب القائل به - عن صدق القلب - درك الدارين.

ثم الوصف لله - عز وجل - بالاسمين يتعالى عن أن يكون لأَحد من معناهما حقيقة، أو يجوز أن يكون منه الاستحقاق نحو "الله" و"الرحمن".

ثم الوصف بالرحمة التي بها نجاة كل ناج، وسعادة كل سعيد، وبها يتقي المهالكَ كلها مع ما من رحمته خلق الرحمة التي بها تعاطف بينهم وتراحمهم.

ثم الإيمان بالقيامة بقوله  : ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ مع الوصف له بالمجد، وحسن الثناء عليه.

ثم التوحيد، وما يلزم العباد من إخلاص العبادة له، والصدق فيها، مع جعل كل رفعة وشرف منالاً به عز وجل.

ثم رفع جميع الحوائج إليه، والاستعانة به على قضائها، والظفر بها على طمأْنينة القلب وسكونه، إذ لا خيبة عند معونته، ولا زيغ عند عصمته.

ثم الاستهداء إلى ما يرضيه، والعصمة عما يغويه في حادث الوقت، على العلم بأنه لا ضلال لأَحد مع هدايته في التحقيق.

والرجاء والخوف من الله لا من غيره.

وعلى ذلك جميع معاملات العباد، ومكاسبهم على الرجاء من الله  أَن يكون جعل ذلك سبباً به يصل إلى مقصوده، ويظفر بمراده.

ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ٤

قولهُ عز وجلَّ: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ .

احتمل أن يكون جلَّ ثناؤُه حمدَ نفسه؛ ليُعلِم الخلقَ استحقاقَه الحمد بذاته؛ فيَحمَدوهُ.

فإن قيل: كيف يجوز أن يحمدَ نفسه، ومثلهُ في الخلق غير محمود؟!

قيل له: لوجهين: أحدهما: أَنَّه استحقَّ الحمدَ بذاته، لا بأَحدٍ؛ ليكون في ذلك تعريفُ الخلقِ لما يُزلفُهم لديه بما أَثْنَى على نفسه؛ ليُثْنُوا عليه.

وغيرُه إنما يكون ذلك له به - جل وعز - فعليه: توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه؛ إذ نفسُه لا تستوجبه بها، بل بالله  .

والثاني: أَن الله  حقيق بذلك؛ إذ لا عيب يمسُّهُ، ولا آفة تحل به فيدخل نقصان في ذلك.

ولا هو خاصّ بشيء.

والعبْدُ لا يخلو عن عيوب تمسُّه، وآفات تحل به، ويُمدح بالائتمار، ويذم بتركه.

وفي ذلك تمكن النقصان، وحق لمثله الفزع إلى الله، والتضرع إليه، ليتغمدهُ برحمته، ويتجاوز عن صنيعه.

وعلى ذلك معنى التكبير، نحمد به ربنا ولا نحمد غيره؛ إذ ليس للعبد معنى يستقيم معه تكبُّره، إذ هُم جميعاً أَكفاء من طريق المحبَّة، والخلق، وما أَدرك أَحدٌ منهم من فضيلة أو رفعة فبالله أدركه، لا بنفسه؛ فعليه تنزيه الرب، والفزعُ إليه بالشكر، لا بالتكبر على أمثاله.

والله عن هذا الوصفِ مُتَعَالٍ.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ﴾ على إضمار الأَمر، أي: قولوا: الحمد لله؛ لأن الحمد يضاف إلى الله، فلا بد من أن يكون له علينا؛ فأَمرَ بالحمد لذلك.

ثم يخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما روي عن ابن عباس -  - أنه قال: "الحمد لله: أي الشكر لله بما صنع إلى خلقه".

فيخرج تأويل الآية على هذا؛ لأنه - على هذا الترتيب - على الأَمر بتوجيه الشكر إليه، وذلك بتضمن الأَمر أيضاً بكل الممكن من الطاعة على ما روي عن النبي -  - "أَنَّه صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فقِيلَ لَهُ: أليسَ قَدْ غَفَرَ اللهُ لكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ؟

قَالَ: أَفلا أكونُ عَبْداً شَكُوراً" !.

فصيَّر أَنواع الطاعات شكراً له، فمن أَطاع الله -  - فقد شكر له، فيخرج تأْويل الآية على هذا.

والوجه الثاني: أنه يخرج مخرج الثناء على الله - عز وجل - والمدح له، والوصفِ بما يستحقه، والتنزيه عما لا يليق به، من توجيه النعم إليه، وقطع الشركة عنه في الإنعام والإفضال على عباده.

وعلى ذلك ما روي عن رسول الله  : "أَن الله - عز وجل - يقول: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمين، قال الله  : حَمِدَني عَبْدي" ؛ فجعل الحمدَ هذا الحرف، وصيَّر منه ثناءً؛ لوجهين: أحدهما: أنه نسب الربوبية إليه في جميع العالم، وقطعها عن غيره.

والثاني: أَنه سَمَّى ذلك صلاةً، والصلاةُ اسْم للثناءِ والدعاءِ، وذلك خلاف الذم ونقيضه.

وفي الوصف بالبراءَة من الذم مدحٌ، وثناءٌ بغاية المدح والثناءِ؛ ولذلك يفرق القول بين الحمد والشكر؛ إذ أُمِرْنا بالشكر للناس بما جاءَ عن رسول الله -  -: "إنَّ من لم يَشكُرِ النَّاس لم يشكرِ الله" صيره بمعنى المجازاة، والحمدُ بمعنى الوصف بما هو أَهله؛ فلم يُسْتَحَب الحمد إلا لله.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

رُوي عن ابن عباس -  - أنه قال: "سيد العالَمين".

والعالم: كل من دَبَّ على وجه الأرض.

وقد يتوجه: الربُّ" إلى الرُّبُوبية لا إلى السؤدد؛ إذ يستقيم القول برب كل شيء من بني آدم و غيره، نحو رب السماوات والأرضين، ورب العرش ونحوه، وغير مستقيم القول بسيد السماوات ونحوه.

وقد يتوجه اسم الرب إلى المالك؛ إذ كل من يُنْسب إليه الملك يُسمَّى أنه مالكه.

ولا يُسمَّى أنه سيد إلا في بني آدم خاصةً.

واسم الرب يجمع ذلك كلَّه؛ لذلك كان التوجيه إلى المالك أقرب، وإن احتمل المروى عن ابن عباس -  - إذا هو في الحقيقة سيِّدُ من ذُكِر ورَبُّهم.

والله الموفق.

ثم اختلَف أَهلُ التفسير في العَالَمِين: فمنهم من رد إلى كل ذي روح دب على وجه الأرض.

ومنهم من رد إلى كل ذي روح في الأَرض وغيرها.

ومنهم من قال: لله كذا، كذا عالم.

والتأْويل عندنا ما أجمع عليه أَهل الكلام: أن العالَمين: اسم لجميع الأَنام والخلق جميعاً.

وقول أَهلِ التفسير يرجع إلى مثله، إلا أَنهم ذكروا أَسماءَ الأَعلام، وأَهل الكلام ما يجمع ذلك وغيرَهم.

ثم العالَم اسم للجميع، وكذلك الخلق، ثم تعريف ذلك بالعالَمين والخلائق يتوجه إلى جمع الجمع، من غير أن يكون في التحقيق تفاوتٌ، وقد يتوجه إلى عالم كل زمان وكذا خلقِ كل زمان على حكم تجدد العالم.

وبالله التوفيق.

وفي ذلك أن الله - عز وجل - ادعى لنفسه: رب العالمين كلهم، من تقدم وتأَخر، ومن كان ويكون، لم يَقْدر أَحد أَن ينطق بالتكذيب، يدَّعى شيئاً من ذلك لنفسه؛ فدل ذلك على أن لا رب غيره، ولا خالق لشيء من ذلك سواه؛ إذ لا يجوز أَن يكون حكيم أَو إليه ينشىء ويبدع ولا يدعيه، ولا يفصل ما كان منه ما كان لغيره، وبنفسه قام ذلك لا بغيره؛ وعلى ذلك معنى قوله  : ﴿ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ ﴾ \[المؤمنون: 91\] فهذا - مع ما في اتِّساق التدبير، واجتماع التضاد، وتعلق حوائج بعضٍ ببعض، وقيام منافع بعضٍ ببعض، على تباعد بعضٍ من بعض وتضادها - دليلٌ واضح على أن مدبر ذلك كله واحد، وأَنه لا يجوز كون مثل ذلك من غير مُدبِّر عليم.

والله المستعان.

وقوله: ﴿ ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ .

اسمان مأْخوذان من الرحمة، لكنه رُوِي فيهما: رقيقان أَحُدهما أَرقُّ من الآخر، وكأن الذي رُوِي عنه هذا أَراد به لطيفان أَحُدُهما أَلطف من الآخر، دليل ذلك وجهان: أَحدهما: مجيء الأَثر في ذلك - اللطيف - في أسماء الله  مع ما نطق به الكتاب، ولم يذكر في شيء من ذلك رقيق.

ومعنى اللطيف: استخراج الأُمور الخفية وظهورها له؛ كقوله: ﴿ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ لَطِيفٌ خَبِيرٌ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

والثاني: أن اللطيفَ حرف يدل على البرِّ والعطفِ.

والرقة على رقة الشيء التي هي نقيض الغلظ والكثافة كما يقال: فلان رقيق القلب.

وإذا قيل: فلان لطيف، فإنما يراد به بارٌّ: عاطف؛ فلذلك يجوز: لطيف، ولا يجوز: رقيق، وكذلك فسر من فسر "الرحمن" بالعاطف على خلْقه بالرزق.

وذهب بعضهم - وهو الأول - إلى اللطافة وذلك بعيد، وإنما هو من اللُّطف.

وقوله: أَحدُهما أَرق من الآخر، بمعنى اللطف - يحتمل وجهين: أحدهما: التحقيق بأَن اللطف بأَحد الحرفين أَخص وأَليق، وأَوفر وأَكمل، فذلك رحمته بالمؤمنين أنه يقال: رحيم بالمؤمنين على تخصيصهم بالهداية لدينه؛ ولذا ذكر أُمته وإن أشركهُم في الرزِق فيما يراهم غيرهم؛ ألا ترى أنه لا يقال: رحمن بالمؤمنين، وجائز القول: رحيم بهم، وكذلك لا يقال: رحيم بالكافرين، مطلقاً؟!

وبالله التوفيق.

ووجه آخر: أَن أحدهما أَلطف من الآخر؛ كأنه وصف الغاية في اللطف حتى يتعذر وجه إدراك ما في كل واحد منهما من اللطف، أو يوصف بقطع الغاية عما يتضمنه كل حرف.

وبالله التوفيق.

ثم في هذا أن اسم "الرحمن" هو المخصوص به الله لا يسمى به غيره، و"الرحيم" يجوز تسمية غيره به؛ فلذلك يوصف أن "الرحمن" اسم ذاتي، و"الرحيم" فِعْلى، وإن احتمل أن يكونا مشتقين من الرحمة؛ ودليل ذلك: إنكار العرب "الرحمن"، ولا أحد منهم أنكر "الرحيم"، حيث قالوا: ﴿ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا  ﴾ وذلك قوله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ  ﴾ يَدُل على أنَّه ذاتيٌّ لا فعلىٌّ، وإن كان الفعل صفة الذات؛ إذ محالٌ صفته بغيره؛ لما يوجب ذلك الحاجة إلى غيره ليحدث له الثناءَ والمدح.

وفي ذلك خَلَق الخلق لنفع الامتداح، وهو عن ذلك متعالٍ، بل بنفسه مستحقٌّ لكل حمدٍ ومدح، ولا قوة إلا بالله.

وروي في خبر القسمة: "أَن العبد إذا قال: الرحمن الرَّحيم، قال الله  : أَثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجدني عبدي".

وذكر أنه قال في الأول: بالتمجيد، وفي الثاني: بالثناء، وذلك واحد؛ لأن معنى الثناء الوصف بالمجد والكرم والجود، والتمجيد هو الوصف بذلك، وبالله التوفيق.

ثم أُجمع على أن قوله: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ أنه يوم الحسابِ والجزاءِ.

وعلى ذلك القول: ﴿ أَءِنَّا لَمَدِينُونَ  ﴾ ، وقوله  : ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ  ﴾ وهو الجزاء.

ومن ذلك قول الناس: "كما تدين تدان".

وجائز أن يكون ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ على جعل ذلك اليوم لما يدان اليوم؛ إذ به يظهر حقيقتُه، وعِظمُ مرتبته، وجليلُ موقعه عند ربه.

وفي الآية دلالة وصف الرب بملكِ ما ليس بموجود لوقت الوصفِ بملكه، وهو يوم القيامة.

ثبت أن الله بجميع ما يستحق الوصف به يستحقه بنفسه لا بغيره.

ولذلك قلنا نحن: هو خالق لم يزل، ورحيم لم يزل، وجواد لم يزل، وسميع لم يزل - وإن كان ما عليه وقع ذلك لم يكن - وكذلك نقول: هو رب كل شيء، وإله كل شيء في الأزل - وإن كانت الأَشياء حادثة - كما قال: ﴿ مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ ﴾ وإن كان اليومُ بعدُ غير حادثٍ.

وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧

وقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ .

فهو - والله أعلم - على إضمار الأَمر، أي: قل: ذا.

ثم لم يجعل له أن يَسْتثنى في القول به، بل ألزمه القول بالقول فيه.

ثم هو يتوجه وجهين: أحدهما: يحال القول به على الخبر عن حاله؛ فيجب ألا يستثنى في التوحيد، وأن من يَسْتَثْني فيه عن شَكٍّ يُسْتَثْنَى.

والله -  - وصف المؤمنين بقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 15].

وكذلك "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال: إيمان لا شكَّ فيه" والثاني: عن الأحوال التي ترد في ذلك.

لكنه إذا كان ذلك على اعتقاد المذهب لم يجز الشك فيه؛ إذ المذاهب لا تعتقد لأوقات، إنما تعتقد للأبد؛ لذلك لم يجز الثناء فيه في الأبد.

وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ يتوجه وجهين: أحدهما: إلى التوحيد، وكذا رُوِيَ عن ابن عباس -  ما - أنه قال: "كُلُّ عبادةٍ في القرآنِ فهو توحيدٌ" والوجه الآخر: أن يكون على كل طاعة أن يعبد الله بها، وأصلها يرجع إلى واحد؛ لما على العبد أن يوحد الله -  - في كل عبادة لا يُشرك فيها أحداً، بل يخلصها فيكون موحِّداً لله  بالعبادة والدين جميعاً.

وعلى ذلك قطعُ الطمع، والخوف، والحوائج كلها عن الخلقِ.

وتوجيهُ ذلك إلى الله  بقوله: ﴿ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ  ﴾ وعلى ذلك المؤمن لا يطمعُ في الحقيقة بأحدٍ غير الله، ولا يرفع إليه الحوائج، ولاَ يخاف إلا من الوجه الذي يخشى أن الله جعله سبباً لوصول بلاءٍ من بلاياه إليه على يديه؛ فعلى ذلك يخافُه، أو يرجو أن يكون الله  جعلَ سببَ ما دفعه إليه على يديه، فبذلك يرجو ويطمع، فيكون ذلك من الضَّالِّين، فيكون في ذلك التعوُّذُ من جميع أنواع الذنوب، والاستهداءُ إلى كل أنواع البر.

وقوله: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ .

فذلك طلب المعونة من الله  على قضاء جميع حوائجه ديناً ودنيا.

ويحتمل أن يكون هو على أثر الفزع إلى الله بقوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ على طلب التوفيقِ لما أَمر به، والعصمة عما حذَّره عنه، وكذلك الأَمر البيّن في الخلق من طلب التوفيق، والمعونة من الله، والعصمةِ عن المنهى عنه جرت به سنة الأَخيار.

والله الموفق.

ثم لا يصلح هذا على قول المعتزلة؛ لأن تلك المعونةَ على أَداءِ ما كلف قد أَعطى؛ إذ هو على قولهم لا يجوز أن يكون مكلفاً قد بقي شىء - مما به أَداءُ ما كلف - عند الله، وطلبُ ما أُعْطِي كتمانُ العطيةِ، وكتمانُ العطيةِ كفرانٌ؛ فيصير كأَنَّ الله أَمر أَن يَكْفُر نعمَهُ ويكتمها ويطلبها منه تعنتاً.

وظنُّ مثله بالله كفرٌ.

ثم لا يخلو من أَن يكون عند الله ما يُطْلب لم يُعطه التمام إذاً، أَوْ ليس عندهُ فيكون طلبه استهزاءً به، إذ مَنْ طَلَب إلى آخَرَ مَا يَعْلم أنه ليس عنده فهو هازئ به في العرف، مع ما كان الذي يُطلب إما أن يكون لله ألا يعطيه مع التكليف فيبطل قولهم؛ إذ لا يجوز أَن يكلف وعنده ما به الصلاح في الدين فلا يعطى، أَوْ ليس له أَلا يعطى فكأَنه قال: اللهم لا تَجُرْ.

وَمَنْ هذا عِلْمهُ بربه فالإسلام أَولى به، وهذا مع ما كان لا يدعو الله أَحدٌ بالمعونة إلا ويطمئن قلبهُ أَنه لا يذل عند المعونة، ولا يزيغ عند العصمة، وليس مثلهُ يملك الله عند المعتزلة.

ولا قوة إلا بالله.

وقد روي عن النبي  أنه قال في خبر القسمة: "الله يقول: هذا بَيْني وبينَ عبْدي نِصْفين" وذلك يحتمل: أن يكون كل حرف من ذلك بما فيها جميعاً الفزعُ إلى الله بالعبادة، والاستعانة ورفع الحاجة إليه، وإظهار غناه - جل وعلا - عنه؛ فيتضمن ذلك الثناء عليه، وطلب الحاجة إليه.

ويحتمل: أن يكون الحرفُ الأَول لله بما فيه عبادتُه وتوحيدهُ، والثاني للعبد بما فيه طلبُ معونته وقضاءُ حاجته.

ويؤيد ذلك بقية السورة أنه أُخرج على الدعاء فقال الله - عز وجل -: "هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل" وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .

قال ابنُ عباس -  ما -: أرْشِدْنا.

والإرشاد، والهداية واحد، بل الهدايةُ في حق التوفيق أقربُ إلى فهم الخلق من الإرشاد بما هي أعم في تعارفهم.

ثم القول بالهداية يُخرَّج على وجوهٍ ثلاثة: أحدها: البيانُ.

ومعلومٌ أن البيانَ قد تقدم من الله لا أحد يريد به ذلك لمضى ما به البيان من كتابٍ وسنةٍ، وإلى هذا تذهب المعتزلة.

والثاني: التوفيقُ له، والعصمةُ عن زيغة.

وذلك معنى قوله: "اللهمَّ اهْدِنَا فيمَنْ هَدَيْتَ"، وقوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ ﴾ وصَفَهم إلى آخر السورة، ولو كان على البيان على ما قالت المعتزلة فهو والمغضوب عليهم في ذلك سواء، فثبت أَنه على ما قلنا دون ما ذهبوا إليه.

والثالث: أَن يكون على طلب خلق الهداية لنا؛ إذ نسب إليه من جهة الفعل، وكل ما يفعله خلق؛ كأَنه قال: اخلُق لنا هدايتنا، وهو الاهتداءُ منا.

وبالله التوفيق.

ثم تأويل طلب الهداية، ممن قد هداه الله يتوجه وجهين: أحدهما: طلب الثبات على ما هداه الله، وعلى هذا معنى زيادات الإيمان، أنها بمعنى الثبات عليه، وذلك كرجلين ينظران إلى شيء فيرفع أَحدهما بصره عنه، جائز القول بازدياد نظر الآخر.

ووجه آخر: على أن في كل حال يخاف على المرءِ ضد الهدى، فيهديه مكانه أبداً فيكون له حكم الاهتداءِ؛ إذْ في كل وقت إيمانٌ منه دفع به ضده.

وعلى ذلك قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [النساء: 136] ونحو ذلك من الآيات.

وقد يحتمل أيضاً معنى الزيادةِ هذا النوعُ.

وبالله التوفيق.

وأما ﴿ ٱلصِّرَاطَ ﴾ فهو الطريق والسبيل في جميع التآويل وهو قوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي...

﴾ الآية [الأنعام: 153]، وقوله: ﴿ قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ  ﴾ .

ثم اختلفوا فيما يراد به: فقال بعضهم: هو القرآن.

وقال بعضهم: هو الإيمان.

وأيهما كان فهو القائم الذي لا عوج له، والقيِّم الذي لا اختلاف فيه، مَنْ لزِمهُ وصَلَ إلى ما ذكر.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ .

قيل: هو القائم بمعنى الثابت بالبراهين والأَدلة، لا يُزيله شيء، ولا ينقضُ حُجَجه كيدُ الكائدين، ولا حيلُ المريبين.

وقيل: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ الذي يستقيم بمن تمسك به حتى يُنجيه، ويدخله الجنة.

وقيل: ﴿ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ بمعنَى: يُستقامُ به؛ كقوله: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً  ﴾ ، أي: يُبْصَرُ به.

يدل عليه قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ...

﴾ الآية [فصلت: 30]، فالمستقيم هو المتبع له.

وبالله التوفيق.

ثم ذكر من ذكر من المُنعَم عليهم؛ ولله على كل مؤمن نعَمٌ بالهداية.

وما ذكر دليل على أن "الصراط" هو الدين؛ لأَنه أنعم به على جميع المؤمنين.

لكن تأْويل من يردُّ إلى الخُصوص يتوجه وجهين: أحدهما: أنه أَنعم عليهم بمعرفة الكتب والبراهين، فيكون على التأْويل الثاني من القرآن والأدلة.

والثاني: أن يكون لهم خصوص في الدين قُدِّموا به على جميع المؤمنين؛ كقول داود، وسليمان: ﴿ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وعلى هذا الوجه يكون ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ .

ووجه آخر: وهو المخصوص الذي خص به كثيراً من المؤمنين من بين غيرهم، لكن الثُّنْيَا يدل على صرف الإرادة إلى جملة المؤمنين؛ إذ انصرف إلى غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

وقولَهُ: ﴿ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ .

على قول المعتزلة: ليس لله على أحد من المؤمنين نعمة ليست على المغضوب عليهم ولا الضالين؛ إذ لا نعمة من الله على أحد إلا الأَصلح في الدين والبيان للسبيل المرضي، وتلك قد كانت على جميع الكفرة فيبطل على قولهم الثُّنْيَا.

والله الموفق.

ثم اختلف فى ﴿ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .

منهم من قال: هو واحد؛ إذ كل ضال قد استحق الغضب عليه، وكل مغضوب عليه استحق الوصف بالضلال.

ومنهم من قال: ﴿ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم ﴾ هم اليهود، وإنما خصوا بهذا: بما كان منهم من فضل تمرد وعُتُو لم يكن ذلك من النصارى نحو إنكارهم بعيسى، وقصدهم قتله مما لم يكن ذلك من النصارى.

ثم قولهم في الله: ﴿ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ...

﴾ الآية [المائدة: 64].

قولهم: ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ...

﴾ الآية [آل عمران: 181].

وقول الله  فيهم: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلْيَهُودَ...

﴾ الآية [المائدة: 82].

وكفرِهم برسول الله صلى الله عليهم وسلم بعد استفتاحهم، وشدة تعنتهم، وظهور النفاق؛ فاستحقوا بذلك اسم الغضب عليهم، وإن كانوا شركاء غيرهم في اسم الضلال.

وبالله التوفيق.

وفي هذا وجه آخر: أَن يُحْمل الذنوب على وجهين: منها ما يوجب الغضب: وهو الكفر - ومنها ما يوجب اسم الضلال - وهو ما دونه - كقول موسى: ﴿ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ  ﴾ .

ورؤية الهداية لأَهلها والتعوذ به من كل ضلال، ومن جميع ما يوجب مقته وغضبه - وبالله النجاة والخلاص - مع ما في خبر القسمة، وعد جليل من رب العالمين في إجابة العبد مما يرفع إليه من الحوائج، إذْ قال: "قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين" ثم صَيَّر آخر السورة لعبده، وليس في صلاته سوى إظهار الفقر، ودفع الحاجة، وطلب المعونة، والاستهداء إلى ما ذكر مع التعوذ عما وصف، وليس ذلك مما يوصف به العبد أَنَّه له؛ فثبت أن له في ذلك إجابة ربه فيما أمره به، ووعد ذلك، وهو لا يخلف وعده.

فأَنَّى يحتمل ذلك بعد أمره العبدَ بالذي تضمنه أول السورة، فقام به العبد مع لُؤمه وجفائه، والله بكرمه وجوده لا ينجز له ما وعد؟!

لا يكون هذا أَلبتة، وقد قال: ﴿ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ وغير ذلك مما فيه الإنجاز، وأنه لا يخلف الميعاد.

ثم قد جعلت - بما جاء من الحديث في تلاوتها - أن قدمها على التوراة، والإنجيل، وعدلها بثلثي القرآن، وجعلها شفاءً من أَنواع الأدواء للدين، والنفس، والدنيا، وجعلها معاذاً من كل ضلال، وملجأً إلى كل نعمة.

وبالله نستعين.

مع ما أَوضح - في الأَسماء التي لقب بها فاتحة القرآنَ - عظيمَ موقعه، وجليلَ قدره، وهو أن سمَّاه فاتحة القرآن بما به يفتح القرآن، وكذلك روى عن رسول الله  أنه كان يفتتح القراءَة به وسمى فاتحة الكتاب بما به يفتتح كتابة المصاحف والقرآن.

وسمى أُم القرآن لما يؤم غيره في القراءَة.

وقيل: الأُم بمعنى الأَصل، وهو ألا يحتمل شيء مما فيه النسخَ ولا الرفعَ فصار أصلاً.

وسمى المثاني؛ لما يثنى في الركعات، ولا قوة إلا بالله.

وفي قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ﴾ إلى آخره وجهان سوى ما ذكرنا؛ إذ قوله: ﴿ ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ﴾ دعاء كاف عما تضمن إلى آخر السورة؛ إذ ليس فيها غير تفسير هذه الجملة.

أحدهما: تذكير نعم الله على الذين يقبلون دينه في قلوبهم، والتوفيق لهم بذلك، وأفضاله عليهم بما ليس لهم عليه.

والثاني: تعوذهم عن زيغ ومقت، وضلال، وذنب، والتجاؤم إليه في ذلك بقوله: ﴿ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله