الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة هود
تفسيرُ سورةِ هود كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 205 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ : قال الحسن: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالأمر والنهي، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالوعد والوعيد.
وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ بالوعد والوعيد، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالأمر والنهي.
وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ حتى لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولا يملك أحد التبديل، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بينت ما يؤتى و [ما] يتقى، أو بينت ما لهم وما عليهم وما لله عليهم.
وقال بعضهم: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ فلم تنسخ، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ بالحلال والحرام.
وقيل: ﴿ فُصِّلَتْ ﴾ أي: فرقت في الإنزال أنزل شيء بعد شيء على قدر النوازل والأسباب فلم ينزل جملة؛ لأنه لو أنزل جملة لاحتاجوا إلى أن يعرفوا الكل بسببه وشأنه وخصوصه وعمومه، فإذا أنزل متفرقاً في أوقات مختلفة على النوازل والأسباب عرفوا ذلك على غير إعلام ولا بيان، والتفصيل هو اسم التفريق واسم التبيين، وذلك يحتمل المعنيين جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ﴾ : أي: أحكمت حتى لا يرد عليها النقض والانتقاض، أو أحكمت حتى لا يملك أحد التبديل والتغيير، أو أحكمت عن أن يقع فيها الاختلاف.
وقال بعضهم: أحكمت آياته بالفرائض، وفصّلت بالثواب والعقاب.
ثم ﴿ ٱلآيَاتِ ﴾ تحتمل وجوهاً: أحدها: العبر.
والثاني: الحجج.
والثالث: العلامة.
ثم الآية كل كلمة في القرآن تمت فهي [عبرة أو حجة] أو علامة لا تخلو عن أحد هذه الوجوه الثلاثة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ : من عند حكيم عليم جاءت هذه الآيات.
وقوله - عز وجل: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ﴾ أي: من الله ينذر من ينذر ومن عنده يبشر من يبشر؛ يبشر من اتبع وينذر من خالف.
وقوله: ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ في شهادة خلقتكم هو المستحق للعبادة ويحتمل ﴿ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ ألاَّ توحدوا إلا الذي في شهادة خلقتكم وحدانيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : إن كانت الآية في الكفار فيكون قوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: أسلموا ثم توبوا إليه، أي: ارجعوا إليه عن كل معصية وكل مأثم تأتونها، وإن كان في المسلمين فهو ظاهر، فيكون قوله: استغفروا وتوبوا واحدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً ﴾ أي: يمتعكم في الدنيا متاعاً تستحسنون في الآخرة ذلك التمتع، وأمّا الكفار فإنهم لا يستحسنون في الآخرة ما متعوا في الدنيا؛ لأن تمتعهم في الدنيا للدنيا، والمؤمن ما يتمتع في الدنيا يتمتع لأمر الآخرة والتزود لها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ ﴾ في الدنيا جزاء فضله في الآخرة.
ويحتمل ﴿ وَيُؤْتِ ﴾ بمعنى أتى، أي: ما أتى كل ذي فضل في الدنيا إنما أتاه بفضله.
وقوله: ﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ أي: ويؤت كل ذي فضل في دينه في الدنيا فضله في الآخرة، أو يقول: يؤت كل ذي فضل في الدنيا والآخرة فضله؛ لأن أهل الفضل في الدنيا هم أهل الفضل في الآخرة.
﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ : ولم يسلموا، ﴿ فَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ الآية ظاهرة.
وقال بعضهم في موضع آخر، وهذا لما يكبر على الخلق ويعظم ذلك اليوم.
وقال بعض أهل الفقه: في قوله: ﴿ الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ دلالة تأخير البيان؛ لأنه قال: ﴿ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ ، وحرف ثم من حروف الترتيب، ففيه جواز تأخير البيان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ أي: إلى ما أعد لكم مرجعكم من وعد ووعيد.
﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: وهو على كل ما [أوعد ووعد] قدير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ : عن عبد الله بن شداد قال: كان أحدهم إذا مر بالنبي تغشى بثوبه وحنى صدره.
وقال قتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله وذكره.
وقال بعضهم: نزلت الآية في رجل يقال له: الأخنس بن شريق الثقفي، كان يجالس النبي ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر حسن الحديث، وكان النبي يعجبه حديثه ويقر به مجلسه، وكان يضمر خلاف ما يظهر، فأنزل الله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ يقول: يكتمون ما في صدورهم ويستترون؛ وهو قول ابن عباس.
وأصل تثنية الصدور هو أن يضم أحد طرفي الصدر إلى الطرف الآخر ليكون ما أضمروا أستر وأخفى.
ويشبه ما ذكر من ثني الصدور أن يكون كناية عن ضيق الصدور؛ كقوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً ﴾ ، أو عبارة عن الكبر؛ كقوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية [الحج: 9]، وكان أصله الميل إلى غيره، وهو ما قال أبو عوسجة: ﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾ أي: يميلون إلى غيره؛ وكذلك قوله: ﴿ ثَانِيَ عِطْفِهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ ﴾ قال بعضهم: من الله، وقال بعضهم: منه أي من رسول الله، لكن إن كانت الآية في المنافقين على ما ذكره بعض أهل التأويل، فهو الاستسرار والاستتار من رسول الله؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة ويضمرون الخلاف له والعداوة، وإن كانت الآية في المشركين فهو على الاستسرار والاستتار من الله؛ لأنهم لا يبالون الخلاف لرسول الله وإظهار العداوة له، وعندهم أن الله لا يطلع على ما يسرون ويضمرون في قلوبهم، فأخبر أنه يعلم ما أسروا وما أعلنوا، ففيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنهم كانوا يسرون ذلك عنه ويضمرونه، فأخبرهم بذلك ليعلم إنما علم ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ أي: يستترون بها.
قال الحسن: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾ في ظلمة الليل وفي أجواف بيوتهم يعلم تلك الساعة ما يسرون وما يعلنون، وأصله أنهم يعلمون أن الله هو الذي أنشأ هذه الصدور والقلوب، والثياب هم الذين نسجوها واكتسبوها، ثم لا يملكون الاستتار [بما كسبوا هم فلألاَّ يملكوا الاستتار] بما تولى هو إنشاءه أحق.
وقوله: ﴿ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ﴾ ألا إنما هو تأكيد الكلام، وهو قول أبي عبيدة وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ : قال أهل التأويل عليم بما في الصدور ولكن يشبه أن قوله: ﴿ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ عبارة عن صدور لها تدبير وتمييز وهو البشر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : قال بعضهم: عنى بالدابة الممتحن به وهو [البشر، وأما غيره من الدواب فقد سخرها للمتحن به.
وقال قائلون: أراد كل دابة تدب على وجه الأرض من الممتحن به وغيره وتمامه: ما من دابة في الأرض] جعل قوامها وحياتها بالرزق إلا على الله إنشاء ذلك الرزق لها، ثم من الرزق ما جعله بسبب، ومنه ما جعله بغير سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : اختلف فيه أيضاً: قال بعضهم: قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها الذي به قوامها وحياتها؛ وهو كقوله: ﴿ وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ ﴾ أي: ينشئ ويخلق رزقنا بسبب من السماء من المطر وغيره؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله إنشاء رزقها وخلقه لها.
وقيل: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله أن يبلغ إليها رزقها وما قدر لها وما به معاشها كقوله: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا...
﴾ الآية [فصلت: 10]: عليه تبليغ رزقها وما به معاشها.
ثم قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ : قال بعضهم: ما جاءها من الرزق إنما جاءها من الله لم يأتها من غيره وعلى الله بمعنى من الله وذلك جائز في اللغة؛ كقوله: ﴿ إِذَا ٱكْتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ أي: من الناس؛ وهو قول مجاهد.
ويحتمل قوله: ﴿ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ أي: على الله وفاء ما وعد، وقد كان وعد أن يرزقها، فعليه وفاء وعده وإنجازه.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أنه علم لما خلقها علم أنه يبقيها إلى وقت عليه تبليغ ما به تعيش إلى ذلك الوقت والأجل الذي خلقها ليبقيها إلى ذلك؛ وبعضه قريب من بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: مستقرها بالليل، ومستودعها بالنهار في معاشها.
وقال بعضهم: المستقر: الرحم، والمستودع: الصلب.
وقال بعضهم: المستقر: الصلب، والمستودع: الرحم.
وقال بعضهم: المستقر: المتقلب في الدنيا، والمستودع: مثواها في الآخرة؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ ﴾ في الدنيا وتحرككم في معاشكم ﴿ وَمَثْوَاكُمْ ﴾ أي: قراركم ومقامكم في الآخرة.
وقال بعضهم: مستقرها في الدنيا، ومستودعها في القبر.
ويشبه أن يكون هذا إخباراً عن العلم بها في كل حال في حال سكونها وفي حال حركتها؛ لأنها لا تخلو إما أن تكون ساكنة أو متحركة، أي: يعلم عنها كل حالها ويشبه أن يكون صلة ما تقدم وهو قوله: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ...
﴾ الآية [هود: 5]، يخبر أنه إذا لم يخف عليه كون كل دابة في بطن الأرض، وما تغيض به الأرحام وما استودع في الأصلاب، كيف يخفى عليه أعمالهم التي عليها العقاب ولكم بها الثواب وفيها الأمر والنهي؟!
والله أعلم.
و ﴿ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: مبين في كتابه.
قيل: في اللوح المحفوظ، ويحتمل القرآن وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
وقال في موضع آخر: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، وقال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ﴾ .
يجوز أن يكون جعل للأرض يومين: يوماً لوجودها ويوماً لعدمها، وكذلك السماء جعل يوماً لوجودها ويوماً لعدمها؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...
﴾ الآية [إبراهيم: 48]؛ وكقوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ﴾ .
وكذلك ما بينهما جعل يوماً لوجوده ويوماً لعدمه، فيكون يوم السابع يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان: يوم لوجوده، ويوم لعدمه، وقد ذكرنا شيئاً في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف.
وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا تحت الأوقات بقوله: ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ إذ الأيام عند الناس إنما هي مضي الأوقات، فإذا دخلتا تحت الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتانِ - كانا كذلك، والله أعلم، [وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن فيه، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء، أعني من البشر، وقوله:].
﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى ٱلْمَآءِ ﴾ إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض أهل التأويل، فتأويله - والله أعلم - كان أظهر ملكه عن الماء "على" بمعنى "عن"، وذلك جائز في اللغة؛ لأن بالماء ظهور كل شيء وبدأه؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ ، وإن كان العرش اسم السرير والكرسي على ما قاله بعض الناس، فهو عرش الملك وسريره خلقه ليكرم به أولياءه؛ ليمتحن ملائكته بحمله والخدمة له على ما يكون لملوك الأرض سرير يستخدمون خدمهم في ذلك، وهو خلق من خلائقه أضافه إليه كما تضاف الأشياء إلى الله، لكنه يضاف الأشياء إليه مرة بالإجمال مرة جملة ومرة بالإشارة والإفراد، لكن ما أضاف إليه بالإشارة فهو على تعظيم ذلك الشيء، وما أضيف إليه [من] الأشياء بالإجمال والإرسال فهو على ذكر عظمته وكبريائه، كقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ، ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ ونحوه [فيه ذكر سلطانه وعظمته، وقوله: بيت الله ﴿ وَأَنَّ ٱلْمَسَاجِدَ لِلَّهِ ﴾ ونحوه]، وهو يخرج على ذكر تعظيم البيت والمساجد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ أي: خلق السماوات والأرض وما فيهما للممتحن لم يخلق هذه الأشياء لأنفسها إنما خلقها للممتحن فيهما؛ كقوله: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ ؛ لأن خلقها لأنفسها [عبث؛ لأنها مخلوقة للفناء خاصة، فكل مخلوق للفناء خاصة فهو عبث؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ ﴾ : هذا القول نفسه: ﴿ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ ٱلْمَوْتِ ﴾ ليس يقولون هذا سحر، ولكن إذا أخبرهم أنهم مبعوثون من بعد الموت، وأقام الحجج والبراهين على البعث فحينئذ قالوا لحجج البعث وبراهينه: ما هذا إلا سحر.
ويحتمل وجها: وهو أن يذكر سفههم أنهم اعتادوا نسبة كل شيء إلى السحر، حتى الأشياء التي لا تحتمل السحر وهو الإخبار؛ لأن السحر إنما يكون في تقليب الأشياء، وأما فيما يخبر عن شيء يكون فلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ ٱلْعَذَابَ إِلَىٰ أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ ﴾ قيل: إلى وقت معلوم وهو البعث، ذكر ﴿ أُمَّةٍ ﴾ - والله أعلم - لأنه وقت [به ينقضي] آجال الأمم جميعاً.
﴿ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ ﴾ أي: كانوا يقولون: ما يحبس عنا العذاب الذي يعدنا لم تزل عادتهم استعجال العذاب استهزاء بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ﴾ : ذلك العذاب؛ إذا جاء لا يملك أحد صرفه عنهم؛ كقوله: ﴿ مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٍ ﴾ ونحوه.
وقوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ : قيل: نزل بهم، وقيل: لحق بهم ما كانوا به يستهزئون جزاء استهزائهم بالرسول والكتاب.
وقوله: ﴿ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ ﴾ أي: لا يصرف عنهم بشفاعة من طمعوا بشفاعته؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً كَلاَّ ﴾ أي: لا يكون ردّاً على ما طمعوا ورجوا لعبادتهم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ونحو ذلك؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام رجاء أن تشفع لهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ قيل: سعة في المال ونعمة.
﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ إياسه ذهاب ذلك المال عنه ونزعه منه عن العود ذلك إليه ويقنطه، والإياس قد يكون كفرا؛ كقوله: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ في حال ذهاب النعمة، والكَفُور في حال النعمة والسعة، كفور لما رأى نزع ذلك المال والسعة منه جورا وظلماً فهو كفور.
وعن ابن عباس قال: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا ٱلإِنْسَانَ ﴾ يعني الكافر، ﴿ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ يقول: نعمة العافية وسعة في المال وما يسر به، ﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ﴾ يعني الرحمة ﴿ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾ يعني قنوط آيس وأقنطه من رحمة الله؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ .
﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّئَاتُ عَنِّيۤ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾ : الفرح هو الرضا؛ كقوله: ﴿ وَفَرِحُواْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ أي: رضوا بها.
وقيل الفرح: البطر يبطر في حال السعة والرخاء؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ ﴾ ، والفرح قد يبلغ كفرا، ويكون الفرح سرورا ولا يكون كفرا.
فخور: يفتخر على الفقراء بالمال الذي أعطي، أو يفتخر على الأنبياء والرسل بالتكذيب، وكذلك كان عادة رؤسائهم أنهم كانوا ذوي مال وسعة، فلا بد يرون الرسالة تكون فيمن دونهم في المال والسعة؛ كقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ ؛ وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً ﴾ ونحوه.
ويحتمل قوله: ﴿ لَيَئُوسٌ ﴾ في حال الشدة، كفور لله في نعمه [في الرخاء وأصل ذلك] أنهم كانوا لا ينظرون في النعم إلى من أنعم عليهم، إنما ينظرون إلى أعين النعم وأنفسها؛ لذلك حملهم نزع ما أعطوا منهم على الإياس والقنوط، وإعطاؤها إياهم على الكفران والفرح والفخر، ولو نظروا في تلك النعم إلى المنعم لم يقع لهم إياس عند النزع، ولا الكفران والفرح عند النيل، بل يصبرون عند النزع من أيديهم ويشكرون للمنعم عليهم في حال النيل.
ثم استثنى فقال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: [إلا الذين صبروا على البلايا والشدائد وعملوا الصالحات يعني: الطاعات ويشبه أن يكون قوله:] ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ أي: آمنوا على ما ذكر في غير واحد من الآيات: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ﴾ عن المعاصي فلم يرتكبوها، ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ أي: الطاعات والإيمان نفسه هو اعتقاد الانتهاء عن المعاصي كلها، والاتقاء عن جميع ما يدخل نقصاً فيها وإتيان الطاعات جميعاً، وهكذا يعتقد كل مؤمن أن [يتقي وينتهي] كل معصية، ويأتي بكل طاعة ويعمل بها، هذا اعتقاد كل مؤمن وحقيقة الوفاء بذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ : يشبه أن يكون قوله: ﴿ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ لما ارتكبوا على الصغائر من الذنوب، وانتهوا عن الكبائر منها، ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ على ما أتوا وعملوا من الكبائر من الطاعات.
ويحتمل قوله ﴿ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ ﴾ الستر في الدنيا ستر عليهم تلك الذنوب في الدنيا فلم يطلع عليها الخلق ﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ بما أظهر منهم ما كان من الطاعات والخيرات حتى نظر الناس إليهم بعين تعظيم بما ظهر منهم من الخيرات وخفي عليهم ما ارتكبوا من المعاصي.
هذا التأويل يكون في الدنيا، والأول في الآخرة.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ ، وإن كان معلوماً أنه لا يترك؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ وأمثاله، نهاه وإن كان معلوماً أن رسول الله لا يفعل ذلك، وإنما احتمل النهي كما يقول الرجل لآخر لعلك تريد أن تفعل كذا فهو نهاه عن ذلك.
والثاني: يقال عند القرب إلى الفعل والدنو منه؛ كقوله: ﴿ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ﴾ يقال: حرف "كاد" عند الميل إليه والقرب منه طمعا منه في إيمانهم، وذلك فيما يحل له الترك، وذلك ما قيل من نحو سب آلهتهم وذكر العيب فيها، ويحل له ترك سب آلهتهم وشتمها.
وكذلك يخرج قوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ ﴾ على هذين الوجهين، على المنع ألا يحمل على نفسه إشفاقاً على أنفسهم ألا يؤمنوا ما يوجب تلفه.
والثاني: على التخفيف؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ...
﴾ الآية [الحجر: 88]، وقوله: ﴿ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ ﴾ هو على التخفيف ليس على النهي.
وفي قوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ...
﴾ الآية وجه آخر: وهو نهي يخرج مخرج البشارة [له بما] كان يخاف من ضيق صدره واشتغال قلبه عند سوء معاملتهم إياه، فيقع له فيه تأخير في إبلاغ ما أمر بتبليغه فأمنه الله عن ذلك وعصمه.
والوجه الثاني: في النهي عن ذلك هو ما يقع له فيه الرجاء، وذلك أن الأخيار إذا ابتلوا بالأشرار قد يؤذن لهم بمفارقتهم وترك الأمر فيهم، فلعله كان يقع له في مثله الرجاء أنه قد يؤذن له، في حال من الأحوال بتأخير التبليغ، فأيئسه عن ذلك وكلفه بتبليغ ما أمر له في جميع أحواله و ﴿ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ ﴾ يحتمل ما ذكر أهل التأويل من سب آلهتهم وعيبها وما تدعو إليه.
وقوله - عز وجل: ﴿ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ : يضيق صدره بما يقولون له استهزاء، وكذلك الحق أن كل من استهزئ به أن يضيق صدره لما لا يقدر على إتيان ما طلبوا منه من الكنز وإنزال الملك، وقد وعدوا أن يؤمنوا لو فعل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ : لأن للكنز والملك محلاًّ في قلوب أولئك وقدراً فقالوا: لولا أنزل عليه كنز [فيعظموه فيصدق على ما يدعي، وكذلك الملك له محل عظيم عندهم إذا كان معه عظموه وصدقوه.
وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ أثر قولهم: لولا أنزل عليه كنز] أو جاء معه ملك أي: إنما أنت نذير ليس عليك إتيان ما سألوا، إنما ذلك تحكم منهم على الله وأمانيُّ، فعليك إبلاغ ما أنزل إليك؛ كقوله: ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ أي: حفيظ لكل ما يقولون فيك ويتفوهون به، أو هو الوكيل والحفيظ لا أنت؛ كقوله: ﴿ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: قالوا: إنه افتراه، أي: محمد افترى هذا القرآن من عند نفسه.
﴿ قُلْ ﴾ : يا محمد إن كان افتريته على ما تقولون، ﴿ فَأْتُواْ ﴾ : أنتم، ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ : لأنكم أقدر على الافتراء من محمد؛ لأنكم قد عودتم أنفسكم الكذب والافتراء، ومحمد لم تأخذوه بكذب قط ولا ظهر منه افتراء، فمن عود نفسه الافتراء والكذب أقدر [عليه] ممن لم يعرف به [قط]، فأتوا بعشر سور مثله وادعوا أيضاً شهداءكم من الجن والإنس ممن استطعتم من دون الله يعينوكم على إتيان مثله، ﴿ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنه افتراه من عنده.
أو يقول: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ أي أن محمدا قد جاء بسور [فيها أنباء] ما أسررتم وأخفيتم مما لا سبيل إلى معرفة ذلك والاطلاع عليه إلا من جهة الوحي من السماء وإطلاع الله إياه، فأتوا أنتم بسورة مفتراة فيها أنباء ما أضمر هو وأسر، وتطلعون أنتم على سرائره كما اطلع هو على سرائركم، وادعوا من استطعتم ممن تعبدون من دون الله من الآلهة، إن كنتم صادقين أنه افتراه.
أو يقول: إن لسانكم مثل لسان محمد، فإن قدر هو على الافتراء افترى مثله من عنده، فتقدرون أنتم على افتراء مثله: فأتوا به، وادعوا أيضاً من لسانه مثل لسانكم حتى يعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين أنه افتراه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .
قال بعضهم: بعشر نزل قبل ولم تقدروا على مثله، وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ دعوا أولا أن يأتوا بعشر سور، فلما عجزوا عن ذلك عند ذلك قيل لهم: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ \[فإن قيل: كيف ذكر: فأتوا بسور مفتريات\] قيل: معناه إن كان هذا مما يحتمل الافتراء على ما تزعمون، فأتوا بمثله أنتم لأنكم أقدر على الافتراء من محمد، فإن لم تقدروا لم يقدر أحد على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ﴾ أي: فإن لم تقدروا أنتم ولم يجيبوكم أولئك على الإعانة على إتيان مثله، فاعلموا [أنه] إنما أنزل بعلم الله وبأمره أتاه ومن عنده نزل، ليس بمفترى على ما تزعمون، وأن لا إله إلا الله لا ألوهية لمن تعبدون دونه من الأصنام والأوثان.
والثاني: فإن لم يستجيبوا لكم يا أصحاب رسول الله ولم يقدروا على مثله، فاعلموا أنتم أنه إنما أنزل بعلم الله ومن عنده نزل على التنبيه والتذكير لهم، وإن كانوا علموا أنه من عنده نزل؛ كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ على التنبيه والتذكير ليس على أنه لا يعلم فعلى ذلك الأول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ : خاضعون له مخلصون، وعلى التأويل الأول على حقيقة الإسلام، والإيمان، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...
﴾ الآية اختلف فيه: قال بعضهم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم الله في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير الله، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عباس.
وروي في بعض الأخبار "أن نبي الله سئل: ما بال العبد المعروف بالخير يشدد عليه عند الموت، والرجل المعروف بالشرّ يهون عليه الموت؟!
فقال: المؤمن تكون له ذنوب فيجازى بها عند موته، فيفضي إلى الله في الآخرة ولا ذنب عليه، والكافر يكون له الحسنات فيجازى بها عند الموت يخفف عنه بها كرب الموت، ثم يفضي إلى الآخرة وليست له حسنة" أو كلام نحوه.
وقال بعضهم: الآية في أهل الكفر يعملون أعمالا هي في الظاهر صالحة؛ نحو: التصدق على الفقراء وعمارات الطرق واتخاذ القناطر والرباطات هي في الظاهر صالحة، يقول: نوف لهم جزاء أعمالهم التي عملوها في الدنيا لا ننقص منها شيئاً فهو ما وسع عليهم الدنيا.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾ أي: نرد إليهم أعمالهم التي عملوها فلا نقبلها ويكون إيفاء أعمالهم الرد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ﴾ أي: لا ينقصون ما قدر لهم من الرزق إلى انقضاء مدتهم وآجالهم بشركهم بالله.
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ ٱلنَّارُ ﴾ : على هذا التأويل [ظاهر ليس لأهل الكفر في الأخرة إلا النار] وعلى التأويل الذي قال: إنها في أهل الإيمان، أي: لا يستوجبون بتلك الأعمال التي عملوها مراءاة إلا النار؛ لأنه إذا راءى فيها لم يخلصها لله وضيع أمره، وكل من ضيع أمر الله وفريضته يستوجب التعذيب عليه وله العفو، وليس في الآية أنه لا محالة يعذبهم بعملهم المراءاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ فيه دلالة نقض قول الجهمية والمعتزلة بنفيهم العلم عن الله، وفي الآية إثبات العلم له بقوله: ﴿ أُنزِلَ بِعِلْمِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَفَمَن ﴾ حرف يقتضي الجواب لكن الجواب له لم يخرج في الظاهر؛ لأن جوابه أن يقول: أفمن كان على بينة من ربّه كمن ليس على بينة من ربه كما قال في آية أخرى: ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ﴾ لا يعلم، فعلى ذلك جواب قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ كمن لا يكون على بينة من ربه، لكن الجواب عندنا يكون على وجوه: مرة يكون بالتصريح وهو ما ذكرنا، ومرة بالإشارة، ومرة بالكناية على غير تصريح.
ثم منهم من يجعل جوابه ما تقدم وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...
﴾ الآية، [يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها]، أي: لا يكون كذلك، ومنهم من يجعل جوابه فيما تأخر وهو قوله: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ كأنه يقول: أفمن كان على بينة من ربه كمن يكفر به الأحزاب، أي: لا يكون كذلك وقالوا: يجوز تقديم الجواب وتأخيره، كقوله: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱلَّيلِ سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ لم يخرج لهذا أيضاً جواب التصريح.
ثم اختلفوا في جوابه؛ قال بعضهم: جوابه فيما تأخر في قوله: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وصف الذين لا يعلمون، فكأنه يقول: أفمن يعلم كمن لا يعلم.
ومنهم من يجعل جوابه في قوله: ﴿ وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوۤ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ ٱلنَّارِ ﴾ يقول: من جعل لله أنداداً وضل عن سبيله وصار من أصحاب النار، كمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً أي: ليسا بسواء.
وقال مقاتل: ليس الذي على بيان من ربه كالذي موعده النار، والله أعلم.
وجائز أن يكون على طرح الألف: (فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى...) الآية يقول: فمن كان على بيان من ربه أولئك يؤمنون به.
ثم قوله: ﴿ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: دين من ربه، أي: من كان على دين من الله ويتلوه شاهد منه أي: يتلو لما هو عليه من الدين شاهد منه، كمن كان على دين الشيطان ولا شاهد له عليه؟!
وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: على برهان من ربه وحجج ويتلوه شاهد منه على ذلك، كمن لا على برهان من ربه ولا حجج ولا شاهد له على ذلك؟!
ثم قال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ جبريل أو ملك غيره يتلو عليه القرآن.
وقال بعضهم: يتلوه شاهد منه: لسانه.
وقال بعضهم ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ ﴾ هو القرآن ونحوه.
ثم قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ : يحتمل أصحاب عيسى الذين آمنوا به.
﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ ﴾ أصحاب التوراة الذين آمنوا.
﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: هؤلاء الذين آمنوا بهؤلاء هم الذين يؤمنون بمحمد - عليه أفضل الصلوات - وبما جاء به محمد، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: ومن قبل القرآن كتاب موسى جاء جبريل إلى موسى، كما جاء بهذا القرآن إماما يقتدى به ورحمة من العذاب لهم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلِهِ ﴾ يعني قبل القرآن كتاب موسى التوراة إماما فيها أنباء هذا القرآن، وأنباء محمد أنه رسول؛ كقوله: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ وأمثاله.
ويحتمل قوله: ﴿ إِمَاماً وَرَحْمَةً ﴾ \[ما روي\] عن ابن عباس قال: إماماً ورحمة: كان كتاب موسى وهو التوراة إماما يقتدى به، وكان رحمة، أولئك يؤمنون به قال: أصحاب محمد الذين آمنوا به من أهل الكتاب وغيرهم.
ويحتمل قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي: مؤمني أهل التوراة يؤمنون بالقرآن ويقتدون به؛ كما آمنوا بالتوراة واقتدوا بها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ أي: بالقرآن ﴿ مِنَ ٱلأَحْزَابِ ﴾ الأحزاب: الفرق والأصناف.
يحتمل من يكفر به أي: بالقرآن من الفرق.
ويحتمل يكفر به أي: بمحمد.
ويحتمل الدين الذي هو عليه ويدعوهم إليه.
﴿ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ : إن مات على ذلك، وأمّا إذا أسلم ومات على الإسلام، فلا تكون النار موعده.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ﴾ : يحتمل في قوله الوجوه الثلاثة التي ذكرنا من الدين والقرآن والنبي، يحتمل هو نفسه، ويحتمل الخطاب غيره لما ذكرنا في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ ﴾ ، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ وأمثاله؛ فكذلك هذا، وقد ذكرنا أن العصمة لا تزيل النهي والأمر بل تزيدهما؛ لأن بالعصمة يظهر موافقة الأمر ومخالفة النهي والمحظور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ : يحتمل القرآن، ويحتمل الدين الذي عليه ويدعوهم إليه، ويحتمل هو نفسه الحق من ربه، ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ هو ما ذكرنا أن لا أحد أظلم على نفسه ممن أخذ نفسه من معبوده وشغلها في عبادة من لا يملك له نفعاً إن عبده ولا ضر إن ترك عبادته، أو يقول: لا أحد أظلم على نفسه ممن ألقى نفسه الطاهرة في عذاب الله ونقمته أبداً بافترائه على الله، وبالله العصمة والقوة.
وفي التأويل لا أحد أظلم على نفسه ممن افترى على الله كذباً، وفي المعنى لا أحد أفحش ظلماً ممن افترى على الله كذباً بعد معرفته أن جميع ما له من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ أي: أولئك الذين تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم، فإن وافقت أعمالهم [ما في] شهادة خلقتهم أدخلوا الجنة، وإن خالفت أعمالهم شهادة خلقتهم أدخلوا النار، تعرض أعمالهم على أنفسهم عند ربهم؛ لأن الله عز وجل عالم بما كان منهم من الأعمال والأقوال على ربهم، أي: عند ربهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ [أي: عند ربهم] وتأويله ما ذكرنا يعرضون على ربهم لأنفسهم؛ لأنهم إنما يؤمرون وينهون ويمتحنون لأنفسهم ولمنفعة أنفسهم فيكون عرضهم لهم، أو أن يكون قوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ ﴾ على ما وعدهم ربهم في الدنيا، أو يقول: أولئك يعرضون لأنفسهم على ربهم من غير غيبة كانت منه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُ ٱلأَشْهَادُ هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: الأشهاد: الرسل والأنبياء.
وقال بعضهم: الأشهاد: الملائكة.
وقال بعضهم: الأشهاد: المؤمنون.
فمن قال: هم الأنبياء والمؤمنون؛ فهو كقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ شَهِيداً ﴾ ومن قال: هم الملائكة؛ كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ...
﴾ الآية [الانفطار: 10-11]، ونحوه.
ومعناه - والله أعلم - أنه: تعرض أعمالهم وأقوالهم على أنفسهم فإن أقروا بها بعثوا إلى النار، وإن أنكروا يشهد عليهم ما ذكر من الشهداء فإن أنكروا يقال له: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ...
﴾ الآية [الإسراء: 14]، فإن أنكروا ذلك [فعند ذلك] تشهد عليهم جوارحهم؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ...
﴾ الآية [النور: 24].
ويحتمل أن يكون الملائكة نادوا في ملأ الخلق قبل أن يدخلوا النار: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم.
ويحتمل ما ذكر من شهادة الذين كانو موكلين بكتابة أعمالهم وأقوالهم يخبرون عما كتبوا في الكتب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ : اللعنة.
قال بعضهم: هي الطرد عن جميع المنافع والإبعاد عن رحمة الله في الدنيا عن دينه وفي الآخرة عن ثوابه.
وقال بعضهم: اللعنة هي العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ يصدون يحتمل وجهين: يحتمل أن أعرضوا هم بأنفسهم عن دين الله.
ويحتمل صرفوا الناس عن دين الله، لكنه يتبين ذلك بالمصدر أنه أراد ذا أو ذا، يقال في الإعراض بنفسه: صد يصد صدودا؛ كقوله: ﴿ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً ﴾ ، ويقال في صرف غيره: صد يصد صدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ﴾ : قال بعضهم: هم بغاة على دين الله بالجور.
وقال بعضهم: يبغون من النساء الميل عن دين الله إلى دينهم، فذلك هو بغي العوج، كل سبيل غير سبيل الله فهو عوج وبغي، كأنه يقول: يبغون سبيلا غير سبيل الله.
﴿ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ : في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ أي: أولئك لم يكونوا معجزي الله في الدنيا من أن يعذبهم وينتقم منهم إن شاء.
والثاني: أولئك لم يكونوا سابقي الله في الآخرة في دفع العذاب عن أنفسهم.
وجائز أن يكون الآية في الأئمة منهم والجبابرة يخبر أنهم غير معجزي الله فيما يريد منهم من التعذيب لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ هم حسبوا أن أولئك الذين عبدوهم من دون الله يكونون لهم أولياء؛ لأنهم يقولون: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ﴾ كانوا يطمعون في شفاعة الأصنام التي كانوا يعبدونها، أو الذين اتبعوهم يكونون لهم أولياء فأخبر أن ليس لهم أولياء على ما ظنوا وحسبوا، بل يكونون لهم أعداء؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً...
﴾ الآية [الأحقاف: 6]، وأمثاله كثير؛ وكقوله: ﴿ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً ﴾ أي: لم يكن لهم ما طمعوا، وقوله: ﴿ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً ﴾ صاروا لهم أعداء على ما ذكر.
ويحتمل ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي: لا ينفعهم ولاية من اتخذوا أولياء؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ : هذا يدل على أن قوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ في الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله؛ لأنه أخبر أنه يضاعف لهم العذاب.
وهو يحتمل وجهين: أحدهما: لما ضلوا هم بأنفسهم، والآخر: لما صرفوا الناس عن دين الله .
وقوله - عز وجل -: و ﴿ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ ٱلسَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ ﴾ : قالت المعتزلة فيه بوجهين: أحدهما: أنهم كانوا يسمعون ويبصرون، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك، وهو كما يقول الرجل: ما أستطيع أن أنظر إلى فلان ولا أسمع كلامه، وهو ناظر إليه سامع كلامه، لكنه يقول ذلك لاستثقاله النظر إليه وسماع كلامه؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم [فنفى عنهم] ذلك.
والثاني: كانوا لا يستطيعون السمع، أي: كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ولا النظر، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمي، كانوا يتصامون ويتعامون الحق.
وأمّا عندنا: الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول، فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون.
والثاني: يحتمل سمع القلب وبصر القلب، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب؛ كقوله: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ﴾ وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ذكرنا.
وفي حرف ابن مسعود - -: (يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع)، ثم سئل الحسن عن ذلك؟
فقال: هو قول الله: ﴿ ٱلَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ﴾ إذا سمعوا الوحي تقنعوا في ثيابهم، فلم يستطيعوا احتمال ذلك.
وفي حرف حفصة: (وما كانوا يستطيعون السمع) بالواو.
وأما في حرف ابن مسعود ظاهر تأويله أي: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع، فلم يسمعوا عنادا وإبطاء، وأصله ما كانوا يستطيعون السمع المكتسب والبصر المكتسب عندنا، ما ذكر من السمع والبصر هو السمع المكتسب والبصر المكتسب والحياة المكتسبة؛ لأن سمع الآخرة وحياتها مكتسبان، وحياة الدنيا والسمع والبصر مخلوقة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ : أما في الدنيا عبادتهم غير معبودهم الذي كان منه جميع النعم والمنافع، وما لحقهم بذلك من الذل والصغار، وأما في الآخرة فالعذاب والهوان الدائم بدلا عن النعم الدائمة.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ أي: بطل عنهم، ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ : ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ...
﴾ الآية [الزمر: 3] وأمثاله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلأَخْسَرُونَ ﴾ : قال أبو عوسجة: لا جرم واجب من الكلام، أي: الحق أنهم في الآخرة هم الأخسرون.
وقال بعضهم: لا جرم أي: نعم إنهم في الآخرة هم الأخسرون.
وقال الفراء: قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ أي: لا بد، لكن الناس أكثروا استعماله فصار في معارفهم حقا، ولا بد في الحقيقة حقا؛ لأنه إذا كان لا بد فهو حق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ ﴾ : تأويله - والله أعلم - أن الذين آمنوا بالله وبجميع ما أنزل على رسوله، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى صاروا إلى الله أولئك أصحاب الجنة؛ وهو كقوله: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ أي: من تاب من الشرك وآمن بالله وعمل صالحاً ثم اهتدى أي: ثم لزم ذلك حتى صار إلى الله هكذا؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى الله.
ويحتمل قوله: ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ سنن الذين أولئك كذا.
وقوله: ﴿ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الإخبات التخشع والتواضع، أي: تخشعوا وتواضعوا فرقاً من ربهم.
وقال بعضهم: أخبتوا أي: اطمأنوا على ذلك أولئك كذا.
وعن ابن عباس - -: أخبتوا قال: خافوا من ربهم.
وقال القتبي: أخبتوا أي: تواضعوا لربهم، وقال: الإخبات التواضع والوقار.
وقال أبو عوسجة: الإخبات التوبة والمخبت التائب.
وقال غيرهم: الإخبات الإنابة، أخبتوا أي: أنابوا إلى الله؛ وبعضه قريب من بعض.
ومن قال: الإخبات هو التواضع الخشوع فمعناه - والله أعلم - أي: تواضعوا وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ ﴾ أي: الصنفين اللذين سبق وصفهما، وهو قوله: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا...
﴾ الآية [هود: 15] فهو وصف الكافر، والفريق الآخر قوله: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن.
أو يكون وصف الكافر ما ذكر: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أُوْلَـٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ هو وصف أحد الفريقين وهم الكفار، والفريق الآخر ما ذكر: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ﴾ هذا - والله أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى والأصم و [البصير والسميع].
ثم وجه ضرب مثل الكافر بالأعمى والأصم، والمؤمن بالبصير والسميع، فهو - والله أعلم - أن الكافر أعمى القلب وأصم السمع، لم يبصر ما غاب عنه من الموعود، ولا يسمع ما غاب عنه من الموعود، وإنما أبصر ظواهر الأمر؛ وكذلك إنما سمع ظواهر من الأمور وبواديها، لم ينظر إلى الغائب من الموعود ولا سمع ذلك، وهو لم يخلق لمعرفة ذلك الظاهر خاصة، وإنما خلق لما وعد وأوعد في الغائب.
والمؤمن أبصر ذلك الغائب وسمع ما غاب من الموعود، فيقول [كما لم يستو] عندكم في الظاهر البصير والأعمى والسميع والأصم لم يستو من كان أعمى القلب بمن كان بصير القلب بذلك، ولم يستو أيضاً من به صمم القلب بمن كان سميعاً بذلك.
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنهما لا يستويان، أو يقول: ﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: أفلا تتعظون بما نزل من القرآن وتنتهون عما تنهون، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلْفَرِيقَيْنِ كَٱلأَعْمَىٰ وَٱلأَصَمِّ وَٱلْبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ وجوه من الأسئلة: أحدها: أن يقال: كيف احتج عليهم وهو ما ذكر أنهم عميان وصم أو كالعميان والصم، ولا يكلف الأعمى الإبصار والنظر ولا الأصم السماع؟!
والثاني: يقولون: إنا [بصراء سمعاء] ليس بنا صمم ولا عمى، بل أنتم العميان والصم.
والثالث: كيف ذكر المثل لهم، وهم لا يتفكرون ولا ينظرون في المثل ولا يلتفتون إليه؟!
أما جواب الأول: فأنه احتج عليهم؛ لأنهم تركوا اكتساب بصر الآخرة وسمع سماع الآخرة، فنفى عنهم السمع والبصر والحياة؛ لأنه ببصر المخلوق يكتسب بصرا في الدين وسمعا في أمر الدين وحياة الدين، فيصير بذلك مكتسب الحياة الدائمة والبصر الدائم والسمع الدائم، فيكونون في الآخرة بصراء سمعاء أحياء؛ كقوله: ﴿ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ .
والثاني: نفى عنهم هذه الحواس؛ لأنهم لم ينتفعوا بها؛ لأن هذه الحواس إنما أنشئت لهم وخلقت لينتفعوا بها، وهو المقصود بإنشائها، فإذا تركوا الانتفاع بها فكأنها ليست لهم.
وأما جواب ما قالوا: إنا [بصراء وسمعاء] وأنتم العميان والصم، فيقال لهم: إن أهل الإسلام إذا سمعوا ذلك قد اشتغلوا بالتفكر فما فرغ سماعهم من الآيات والنظر فيها، وأنتم لا بل تعاموا عنها وتصاموا، فدل تفكرهم ونظرهم فيها على أنهم بصراء و [سمعاء وأحياء]، وأنتم يا أهل الكفر العميان والصم والأموات.
والثاني: أن هذه الآيات إنما نزلت في محاجة أهل مكة، وهم قد علموا أن آباءهم لم يكونوا حكماء ولا علماء، فلم يكونوا ما ذكر بصراء ولا أحياء ولا سمعاء، فصاروا صمّاً عمياناً أمواتا؛ ولأن أحد الفريقين لا محالة ما ذكر نحن، أوهم ثم قد استووا في هذه الدنيا وفي العقل والحكمة التفريق بينهما؛ فدل أنهم بما ذكر أولى.
وأما جواب ذكر المثل لهم على علم منهم أنهم لا يقبلون المثل ولا ينظرون بأنه إنما ذكر لأهل الإسلام؛ ولأن ذكر المثل به ربما يبعثهم على النظر فيه والتفكر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ : أخبر أنه أرسله إلى قومه، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان؛ وكذلك قوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان؛ وكذلك الإرسال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ﴾ أي: نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ ﴾ أي: لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان.
ويحتمل قوله: ﴿ أَن لاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ أي: وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ : أضاف [الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه؛ لما فيه يؤلم، وهو كقوله: ﴿ ٱلْلَّيْلَ سَكَناً ﴾ والليل لا يسكن ولا يوصف به، لكنه يسكن] فيه، وكذلك قال: ﴿ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً ﴾ والنهار لا يبصر، لكنه يبصر فيه؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ لما فيه يكون العذاب الأليم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفاً؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفاً ورجاء؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير، لكنه يخرج على وجهين: أحدهما: على العلم، أي: إني أعلم أنه ينزل بكم العذاب؛ نحو قوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ أي: علمتم.
وقوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ أي: فإن علمتم أن يضيعا حدود الله.
والثاني: يخاف عليهم إشفاقا منه؛ لأن الخلق جبلوا على أن يتألم بما يحل بغير حتى لا يكون في وسع بعض أن يروا ذلك في غيره.
على هذين الوجهين يخرج الخوف على غيره، وفي الخوف رجاء وفي الرجاء خوف؛ لأن الخوف إذا لم يكن فيه رجاء فهو إياس، وقال الله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ ، والرجاء إذا لم يكن فيه خوف فهو أمن قال: ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ...
﴾ كذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ ﴾ : قيل: أشراف قومه وأئمتهم.
﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ﴾ : وكذلك قال عامة القوم لرسلهم الذين بعثوا إليهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون - والله أعلم -: إن الرسل في الشاهد إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من [عند] أحد في الظاهر، والرسول هو الذي يأتي من عند غير، ويكون للرسول خصوصية عند المرسل، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره، فكيف بعثتم إلينا رسلا دون أن نبعث نحن إليكم رسلا؛ إذ أنتم ونحن في الخلقة سواء وفي الأمور الظاهرة سواء؟!
أو نحوه من الكلام، احتجوا على رسلهم في رد الرسالة؛ وكذلك كان عادة الكفرة يقولون للرسل إذا لزمتهم الحجة وأقيم عليهم نسبوها إلى السحر، ونسبوا الرسل أنهم بشر مثلهم.
فجواب هذا كله ما ذكر: ﴿ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ، وما قال لهم نوح: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: آتاني رحمة من عنده، وجعل لي بينة وبرهانا على ما آتاني رحمة من عنده بمثل هذا يحتج عليهم.
ويقال أيضاً: إنكم لا تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بما جعلكم أئمة ورؤساء بأمور الدنيا على غيرهم، فكيف تنكرون فضل الله وتخصيص بعض على بعض بفضل الدين والرسالة؟!.
وقوله: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ : احتجوا أيضاً في رد الرسالة يقولون: إن الأراذل هم أتباع لكل من دعاهم وأهل طاعة لكل متبوع، فليس في اتباع الأراذل إياك والضعفاء دلالة ثبوت رسالتك؛ إذ هم يتبعون بلا دليل ولا حجة وهم فروع وأتباع لغير، ولم يتبعك أحد من الأصول.
لكن يقال: إن هؤلاء الأراذل لما اتبعوا الرسول ولم يتبعوا الأئمة والرؤساء الذين معهم الأموال والدنيا، ولم يكن في أيدي الرسل ذلك، ثم تركوا اتباع أولئك وفي أيديهم ما يدعوهم إليه واتبعوا الرسل دل أنهم إنما اتبعوا الرسل بالحجج والبراهين التي أقاموها عليهم أو نحوه.
والأراذل: قيل: هم السفهاء والضعفاء.
وقال القتبي: أراذلنا: شرارنا.
و ﴿ بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ \[قال بعضهم: ظاهر الرأي؛\] من قولك: بدا لي ما كان خفيا.
وقال بعضهم: بادي الرأي: خفيف الرأي لا يعرفون حقائق الأمور، إنما يعرفون ظواهرها، كأنهم يقولون: إنما اتبعك من كان خفيف الرأي وباديه، لم يتبعك من يعرف حقائق الأمور والأصول.
وقد قرئ: (بادئ الرأي) بالهمز، وقد قرئ بغير همز.
ومن قرأ بالهمز فهو من الابتداء، أي: في أول الرأي وابتدائه لا ينظر في عواقب الأمور.
ومن قرأ بغير همز فهو من الظهور، أي: ظاهر الرأي على غير تفكر ونظر فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ...
﴾ الآية: يحتمل هذا أي: فضلا في الخلقة، أو في ملك أو مال ولا في شيء، لكن جواب هذا ما سبق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ ﴾ : هكذا كانت عادة الكفرة، يردون دلالات الرسل والحجج بالظن لم يردوا لحقيقة ظهرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيۤ ﴾ أي: على بيان من ربي، أو على حجة من ربي وبرهان فيما آتاني من رحمته.
والرحمة تحتمل النبوة لأنهم كانوا ينكرون رسالته لما أنه بشر مثلهم، فكيف خص هو بها دونهم وهو مثلهم؟!
فيقول: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً ﴾ أي: النبوة، وآتاني - أيضاً - على ذلك بينة وحجة.
وتحتمل الرحمة الدين الذي كان يدعوهم إليه والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ قرئ بالتخفيف والتشديد، أي: لبست، أو التبس عليكم حيث أعرضتم عنه.
ومن قرأ: بالتشديد: ﴿ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يرجع إلى الأتباع والسفلة، أي: عميت عليهم القادة والرؤساء منهم ولبست.
(وعميت) بالتخفيف أي: التبس، وعمي على القادة والرؤساء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَنُلْزِمُكُمُوهَا ﴾ أي: أنوجبها عليكم، وهي التي ذكر أنه آتاها إياه أو البينة التي ذكر أيضاً أو الدين الذي كان يدعوهم إليه، أي: لا نوجبها عليكم ولا نلزمها، وأنتم لها كارهون بلا حجة ولا برهان.
﴿ وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾ أي: لا نلزمها لكم بلا حجة شئتم أو أبيتم ولكن بحجة.
وفيه أن الدين لا يقبل بالإكراه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً ﴾ : على تبليغ الرسالة إليكم، أو على إقامة الحجة على ما أدعي من الرسالة، أو على الدين الذي يدعوهم إليه، أي: لا أسألكم على ذلك أجرا، فلماذا تعرضون عما أدعوكم إليه وأقيمه عليكم ليكون لكم الاحتجاج أو الاعتذار؟!
وكذلك يخرج قوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ [أي: لا تسألهم أجرا على ما تبلغه إليهم ويدعوهم إليه]، فيمنعهم ثقل ذلك الغرم إجابتكم إياه، فعلى ذلك الأول ذكر هذا؛ لأن ما يلحق الإنسان من الضرر إنما يمنعه عن الإذعان بالحق [للخلق] والإقبال إليه والقيام بوفائه، أو يمنع ذلك لما لا يتبين له الحق لئلا يكون لهم الاحتجاج والاعتلال عند الله وإن لم يكن لهم حجة؛ وكقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ليس على أنه إذا سألهم على ذلك أجرا يكون لهم عذر في ردِّ ذلك وترك الإجابة له؛ إذ لله أن يكلفهم الإجابة والطاعة له بالمال وبغير المال.
والثاني: بقوله: لا أسألكم على ما أدعوكم إليه وأبلغكم إياه مالاً، مع حاجتي وقلة مالي، فيقع عندكم أني أدعوكم إليه رغبة فيما في أيديكم من الأموال أو لمنفعة نفسي بل إنما أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه لمنفعة أنفسكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله في ذلك ليس عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : فيه دلالة أنهم كأنهم كانوا سألوا رسولهم أن يتخذ لهم مجلسا على حدة، ويفرد لهم ذلك دون الأراذل والضعفاء الذين اتبعوه ويطرد الضعفاء؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ...
﴾ الآية [الأنعام: 52].
وقال أهل التأويل: ﴿ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ أي: ما أنا بالذي لا يقبل الإيمان من الأراذل والضعفاء عندكم؛ لقولهم حيث قالوا: ﴿ وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ ﴾ لأنهم يقولون: اتبعوك الأراذل ظاهراً، وأما في الباطن فليسوا على ذلك؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيْراً ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يعني: ما في قلوب السفلة فيقول: ما أنا بطارد الذين آمنوا ظاهراً الله أعلم بما في قلوبهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ يحتمل وجهين؛ أي: ملاقو ربهم فيشكون مني إليه في رد إيمانهم، ويخاصمونني في ذلك ويطالبونني في طردي إياهم.
والثاني: أنهم ملاقو ربهم بإيمانهم ظاهراً كان إيمانهم أو باطناً [أي في حال هم يلاقون] ربهم فيجزيهم بما هم عليه ؛ كقوله: ﴿ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنِّيۤ أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ﴾ يحتمل تجهلون ما أدعوكم إليه أو تجهلون في قولكم: إنهم إنما آمنوا واتبعوا في ظاهر الحال، وأما في السر فلا، أو تجهلون ما يلحقني في طردهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ : أي: من يمنعني من عذاب الله، ﴿ إِن طَرَدتُّهُمْ ﴾ : على ما تدعونني إليه، أو من يمنعني من عذاب الله إن لم أقبل منهم الإيمان.
﴿ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴾ : أنه لا يسع لي ما تدعونني إليه من طرد هؤلاء أو رد إيمانهم، أو أفلا تذكرون فتؤمنون.
وما روي في حرف أبي بن كعب: (أنلزمكموها شطر أنفسنا) فمعناه أنلزمكموها نحن أنفسنا وأنتم قوم معاندون.
وفي حرف ابن عباس: (أنلزمكموها من شطر أنفسنا) أي: من تلقاء أنفسنا، أي: لا نقدر أن نلزمكم ذلك من تلقاء أنفسنا وأنتم كارهون لذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ يخرج على وجوه: أحدها: يقول: ليس عندي خزائن الله والسعة، فأبذل لكم لتؤمنوا رغبة في المال والسعة.
والثاني: يقول: ليس عندي سعة، فيقع عندكم أني أدعوكم إلى ما أدعوكم إليه افتعالا رغبة في المال على ما يفعل المفتعلون للرغبة في المال، ولكن لتعلموا أني مكلف في ذلك.
والثالث: يحتمل ما ذكرنا من أسئلة كانت منهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ : هذا القول منه لهم يحتمل الوجهين: أحدهما: أنه قال ذلك لهم على أثر أمور وأسئلة كانت منهم من نحو قولهم ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ ، وقولهم لرسول الله : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ ، وقولهم: ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ ﴾ وأمثال ما كان منهم، فيقول لهم: ليس ذلك عندي وبيدي، إنما ذلك عند الله وبيده.
﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ يحتمل أن يكونوا سألوه أن يخبرهم عن أمور تستقبلهم قبل أن تستقبلهم، إن كان شرا فيعدوا له في دفعه، وإن كان منافع فيستقبلوا لها ويتهيئوا، فيقول لهم: ذا غيب وأنا لا أعلم الغيب إنما العلم في ذلك إلى الله، ولا أقول: إني ملك أعلم أخبار السماء والأمور التي فيها، إنما أنا بشر مثلكم.
وعن ابن عباس - - قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ أي: مفاتيح الله في الرزق، فهذا كأنهم سألوه السعة فيتبعونه، فيقول: ليس عندي ذلك.
ويحتمل أن يكون قال لهم الرسول هذا لدفع الشبهة عنهم، وذلك أن من الكفار من اتخذ الرسول إلها فعبدوه بعدما عاينوا أنه من البشر.
ومنهم من قال: إنه ابن الله.
ومنهم من قال: إنه ملك، وكانوا يعبدون الملائكة وكانوا يخبرونهم عن أشياء غابت عنهم، فظنوا أنه إنما علم ذلك لأنه إله، فيقول لهم ذلك ليدفع عنهم تلك الشبهة ويتبرأ من ذلك؛ ولذلك قال عيسى: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ هو - - كان يعلم في نفسه أنه عبد الله، ولكن يقول لهم لئلا ينسبوه إلى الألوهية والربوبية على ما نسبوا إليه، فأقر بالعبودية له، والله أعلم بذلك.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: مفاتيح الله بأنه يهدي السفلة دونكم، ﴿ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ ﴾ أي: لا أقول: إن عندي علم ذلك أن الله يهديهم وهم مؤمنون في السر؛ وذلك كقوله: ﴿ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِيۤ أَنْفُسِهِمْ ﴾ : من الصدق.
﴿ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ أي: إنما [أنا] بشر لقولهم: ﴿ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا...
﴾ إلى آخر الآية [هود: 27].
ثم قال: ﴿ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِيۤ أَعْيُنُكُمْ ﴾ قيل: الذين حقرتموهم يعني السفلة والأتباع.
وقال ابن عباس: (الذين لم تأخذهم أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا) يعني إيماناً الله أعلم بما في أنفسهم من الصدق، إني إذا لمن الظالمين لهم إن لم أقبل منهم [الإيمان] أو طردتهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا ﴾ : قالوا ذلك لأنه قد كان طال عمره وهو بين أظهرهم ويدعوهم إلى الإيمان، فأكثر حجاجه ومجادلته إياهم.
فقالوا: ﴿ فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ وكان يعدهم العذاب إن لم يجيبوه؛ كقوله: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ﴾ ، وما كان وعد لهم في غير آية من القرآن إن لم يجيبوه فقالوا: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ ﴾ من العذاب، فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ ﴾ أي: ليس لي إتيان ذلك إنما ذلك إلى الله، إن شاء عجل وإن شاء أخر إلى ما بعد الموت؛ وهو كقول رسول الله لقومه: ﴿ لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: لا تعجزون الله عن تعذيبكم فتفوتون عنه، وقيل: وما أنتم بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها؛ وهو واحد، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ : تأويله - والله أعلم - لا ينفعكم دعائي إلى ما به نجاتكم إن كان الله يريد أن يغويكم [ثم اختلف في وقت ذلك: قال بعضهم: لا ينفعكم نصحي عند إقبال العذاب عليكم؛ إن كان في حكم الله ألاَّ تكونوا من الغاوين في ذلك الوقت.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ ﴾ إن كان الله يريد أن يغويكم] أي: لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يعذبكم في نار جهنم ويقول الغي العذاب؛ كقوله: ﴿ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً ﴾ أي: عذاب جهنم ونحوه من الكلام.
وأما عندنا فهو على ما أخبر: إن كان الله يريد إغواء قوم أبدا فهم في الغواية أبداً، وأصله أن الله أراد غواية من في علمه أنه يختار الغواية [وأراد ضلال كل من في علمه أنه يختار الضلال؛ لأن من في علمه أنه يختار الغواية] والضلال اختار عداوته، ولا يجوز أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال.
ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله يخرج على وجهين: أحدهما: أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغاً وضلالا لا بد؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ.
والثاني: أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم، فمن ذلك الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال، فاستوجبوا الذم عليه بذلك، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من الله من هذا الوجه، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما.
وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِيۤ إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ ﴾ دلالة تعليق الشرط على الشرط.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ ﴾ أي: بل يقولون.
إنه افتراه من عند نفسه قل: ﴿ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: قال قوم نوح لنوح - -: إنه افترى على الله أنه رسول إليهم من الله على ما سبق من دعائه قومه إلى دين الله، فقالوا له: إنه افتراه.
وقال بعضهم: هو قول قوم محمد قالوا: افترى محمد هذا القرآن من نفسه ليس هو من الله على ما يزعم، وهو ما قال في صدر السورة، وهو قوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ إلى آخر ما ذكر، فعلى ذلك هذا هو قولهم لرسول الله إنه افترى هذا القرآن الذي يقول هو من الله من نفسه فقال: ﴿ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ أي: إن افتريته فعليَّ جرمُ افترائي وجزاؤه.
﴿ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ ﴾ معناه - والله أعلم - أي: لا تؤاخذون أنتم بجرم افترائي إن افتريته، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ وكقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ ، فعلى ذلك إجرامي، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم؛ كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ لما أيس عن إيمانهم، وانقطع طمعه ورجاؤه عن إسلامهم، قال لهم ذلك أن لا محاجة بيننا وبينكم بعد هذا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ قال بعضهم: إن نوحاً لم يدع على قومه بالهلاك ما دام يرجو ويطمع من قومه الإيمان، فإذا أيس وانقطع رجاؤه وطمعه فيحنئذ دعا عليهم بالهلاك؛ كقوله: ﴿ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾ أي أحداً، ﴿ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ...
﴾ الآية [نوح: 27]، وعرف الإياس عن إيمانهم بقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ...
﴾ الآية؛ وكذلك سائر الأنبياء والرسل لم يؤذن [لهم] بالدعاء على قومهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم، وما داموا يرجون ويطمعون منهم الإيمان والإجابة لهم، فإذا أيسوا وانقطع رجاؤهم وطمعهم عن ذلك، فعند ذلك أذن لهم بالدعاء عليهم بالهلاك والخروج من بين أظهرهم [وعلى ذلك عوتب يونس بالخروج من بين أظهرهم قبل أن يؤذن له بالخروج من بينهم].
وفي قوله: ﴿ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ ﴾ دلالة أن للإيمان حكم التجدد والابتداء في كل وقت [وفي] كل حال؛ لأنه أخبر أن الذي قد آمن قد يؤمن في حادث الوقت؛ وعلى ذلك يخرج الزيادات التي ذكرت في الإيمان فزادتهم إيمانا ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ قيل: لا تحزن بما كانوا يفعلون، فهو يحتمل وجهين: أحدهما: لا تحزن بكفرهم بالله وتكذيبهم إياك، ليس على النهي عن الحزن في ذلك، بل على دفع الحزن عنه والتسلي به؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا يحزنون بكفر قومهم بالله وجعلهم أنفسهم أعداء له؛ كقوله لرسول الله : ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...
﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ ﴾ وأمثاله، كان الأنبياء - عليهم السلام - أشدّ الناس حزنا بكفر قومهم بالله وتكذيبهم آياته وأشدهم رغبة في إيمانهم، وكان حزنهم لم يكن على هلاكهم ألا ترى أن نوحا دعا عليهم بالهلاك وكذلك سائر الأنبياء - عليهم السلام - دل أن حزنهم كان لمكان كفرهم بالله وتكذيبهم آياته، لا لمكان هلاكهم إشفاقاً على أنفسهم.
والثاني: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ يحتمل أنهم كانوا هموا قتله والمكر به، فقال: لا تحزن بما كانوا يسعون في هلاكك فإني كافيهم قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ فَلاَ تَبْتَئِسْ ﴾ هو من الحزن، يقال: ابتأس يبتئس ابتئاساً.
قال الكسائي - أيضاً - لا تبتئس أي: لا تحزن هو من البأس، يقال: لا تبتئس بهذا الأمر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ﴾ : قال بعض أهل التأويل: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ بأمرنا ووحينا، وقال بعضهم: بمنظرنا ومرآنا، ولكن عندنا يحتمل وجهين، أحدهما: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بحفظنا ورعايتنا، يقال: عين الله عليك أي حفظه عليك، ثم لا يفهم من قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ نفس العين على ما لا يفهم من [قوله]: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ و ﴿ كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ ، ولكن ذكر الأيدي لما في الشاهد إنما يقدم باليد ويكتسب باليد؛ فعلى ذلك ذكر العين لما بالعين يحفظ في الشاهد.
والثاني: قوله: ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ أي: بإعلامنا إياك؛ لأنه لولا تعليم الله إياه اتخاذ السفينة ونجرها لم يكن ليعرف أن كيف يتخذ وكيف ينجر، إنما عرف ذلك بتعليم الله أياه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ : هذا يحتمل وجهين.
يحتمل أي: لا تشفع إلي في نجاة الذين ظلموا فإنهم مغرقون في حكم الله.
والثاني: لا تخاطبني في هداية الذين هم في حكم الله أنهم يموتون ظلمة، أي: لا تسألني إيمان من في علم الله أنه لا يؤمن، وفيه نهي السؤال عما في علم الله أنه لا يكون؛ لأنه إذا أخبر أنه لا يكون أو لا يفعل فإذا سأله كان يسأله أن يكذب خبره الذي أخبر أنه لا يكون، وفيه أنه إذا أراد الله إيمان أحد آمن، ومن لم يرد إيمانه لم يؤمن.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ ﴾ : الملأ هم الأشراف والرؤساء من قومه.
﴿ سَخِرُواْ مِنْهُ ﴾ : هم الذين سخروا منه، قال بعضهم: سخريتهم منه أن قالوا: صار نجارا بعدما ادعى لنفسه الرسالة.
وقال بعضهم: سخريتهم منه لما رأوه يتخذ الفلك، ولم يكن هنالك بحر ولا واد ولا مياه جارية، إنما هي آبار لهم فقالوا: يتخذوا السفينة ليسيرها في البراري والمفاوز ونحوه من الكلام.
وقال: ﴿ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ وقالوا: سخريته منهم أنه إذا ركبوا الفلك رأوهم يغرقون، قالوا: كنت على حق وعلى هدى ونحوه من الكلام، لكن هذا لا نعلمه ولا حاجة لنا إلى معرفة سخريتهم أن كيف كانت سوى أن فيه سخروا منه.
ويحتمل قوله: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ ﴾ أي: نجزيهم جزاء سخريتهم.
وقوله: ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ : هو وعيد، أي: سوف تعلمون أن حاصل سخريتكم رجع إليكم؛ كقوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ...
﴾ الآية [البقرة: 9]، أي: سوف تعلمون إذا نجونا نحن، وغرقتم أنتم من ﴿ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي: عذاب يفضحه ويهلكه وهو الغرق.
﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي: عذاب يدوم.
وقال بعضهم: ﴿ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ هو عذاب الآخرة؛ كقوله: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ .
وأما قول أهل التأويل: إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا، فليس لنا بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق، فذلك أيضاً لا نعرفه، ولا قوة إلا بالله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ .
قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه؛ كقولهم: ﴿ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم، وسمي العذاب أمر الله؛ لما لا صنع لأحد فيه، وكذلك المرض سمي أمر الله؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه، وسمى الصلاة أمر الله؛ لما بأمره يصلي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ : قال أبو عوسجة: ﴿ وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾ يقال: فار الماء أي خرج يفور فوراً، أي: غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله: ﴿ وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ...
﴾ قالوا: فار أي: خرج وظهر.
والتنور: اختلف فيه؛ قال بعضهم: التنور هو وجه الأرض، قالوا: إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب.
وقال بعضهم: التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها، قالوا: إذا رأيت الماء نبع من تنورك فاركب، قالوا: كان الماء ينزل من السماء وينبع من الأرض؛ كقوله: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا ٱلأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ، لكن جعل علامة وقت ركوبه السفينة هو خروج الماء من الأرض ونبعه منها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : يحتمل هذا وجهين: يحتمل إن كنا قلنا له إذا فار التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل: إن قلنا له وقت فور الماء من التنور: احمل فيها من كل زوجين اثنين.
ويحتمل وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ : الزوج هو اسم فرد لذي شفع ليس هو اسم الشفع حتى يقال عند الاجتماع ذلك، ولكن ما ذكرنا أنه اسم فرد لذي شفع كان الإناث صنفاً وزوجاً والذكور صنفاً وزوجاً، فيكون الذكر والأنثى زوجين، والله أعلم.
وقوله: ﴿ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾ أي: من ذكر وأنثى ثم يحتمل زوجين من ذوي الأرواح التي تكون لهم النسل؛ لئلا ينقطع نسلهم.
ويحتمل ذوي الأرواح وغيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله والذين آمنوا معه، يقول: احمل فيها من كل زوجين اثنين، واحمل أهلك أيضاً إلا من قد سبق عليه القول، أي: إلا من كان في علم الله أنه لا يؤمن، أو إلا من كان في علم الله أنه يهلك.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَأَهْلَكَ ﴾ أراد أهله خاصّة، ثم استثنى من سبق عليه القول، وهو ابنه وزوجته وهما من أهله، ألا ترى أنه ذكر من بعد من آمن معه وهو قوله: ﴿ وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ ﴾ أي: احمل أهلك الذين آمنوا معك إلا من سبق عليه القول من أهلك وغيره أنه في الهالكين.
أو يقول: إلا من سبق عليه القول أنه لا يؤمن، فهذا يدل أن في أهله من كان ظالماً كافرا حيث استثني من أهله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ : يذكر هذا - والله أعلم - تذكيراً لرسول الله مننه ونعمه التي أنعمها عليه؛ لأن نوحاً مع طول مكثه بين أظهر قومه وكثرة دعائه قومه إلى دين الله ومواعظه لم يؤمن من قومه إلا القليل منهم؛ ورسول الله مع قلة مكثه وقصر عمره آمن من قومه الكثير يعرفه نعمه عليه، وفيه دلالة رد قول من يقول: إن [المواعظ إنما تنفع] الموعوظ على قدر استعمال الواعظ، وليس هكذا ولكن على قدر قبول الموعوظ إياها وقدر الإقبال إليها؛ لأن نوحاً - - كان أشد الناس استعمالا للمواعظ وأكثرهم دعاء، ثم لم يؤمن من قومه إلا القليل؛ دل أنه ليس لما فهموا، ولكن لما ذكرنا.
وأما ما ذكر أهل التأويل أنه حمل في السفينة حبات العنب، فأخذه إبليس فلم يعطه إلا أن أعطى له الشركة، فذلك شيء لا علم لنا به، فإن ثبت ذلك فيكون فيه دلالة أن ليس له في سائر الأنبذة والأشربة نصيب، إنما يكون له فيما يخرج من العنب، وتقدير الثلث والثلثين إنما يكون في عصير العنب خاصة ليس في غيره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱرْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا ﴾ أنه لما قال لهم نوح: اركبوا فيها قولوا ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ ، وهو كقول الناس باسم الله من أوله على ما يقال: ويذكر [اسم الله] في افتتاح كل أمر وكل عمل من ركوب ونزول وغيره.
ويحتمل قوله: ﴿ بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْريٰهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: بالله مجراها ومرساها، أي: به تجري وبه ترسو، وأنه ليس كسائر السفن التي بأهلها تجري وبهم تقف، وهم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقوفها، وأما سفينة نوح كانت جريتها بالله وبه رسوها لا صنع لهم في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ : هو ظاهر لمن آمن به وصدق رسوله ينجيه من الغرق والهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على ما ذكرنا أنها كانت بالله تجري وبه ترسو؛ حيث لم يخافوا الغرق مع ما كان من الأمواج، وأما سائر السفن فإن أهلها خافوا من أمواجها، لما كانوا هم الذين يتولون ويتكلفون إجراءها ووقفها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ ﴾ : هذا يدل على أنها كانت آية؛ لأن الأمواج تمنع من جريان السفينة وسيرها، فإذا أخبر أنها لم تمنع هذه من جريانها دل أنه أراد أن تصير [آية لهم].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي: بمعزل من نوح، أو كان بمعزل من السفينة، أو ما كان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبُنَيَّ ٱرْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ يحتمل لا تكن مع الكافرين: لتغرق، أو لا تكن مع الكافرين لنعم الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَآوِيۤ إِلَىٰ جَبَلٍ ﴾ أي: سأنضم إلى جبل، ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : ظن المسكين أن هذا الماء كغيره من المياه التي يسلم منها بالالتجاء إلى الجبال، فأخبر أنه ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من عذاب الله، سمى عذابه أمر الله لما ذكرنا أمر الله أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج [لقوله: { ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ...
﴾ الآية [النحل: 40]، وهو كما يسمى البعث لقاء الله لأنه هو النهاية في الاحتجاج] على من ينكر البعث؛ فعلى ذلك سمى عذابه أمر الله وهو أمر تكوين؛ لأنه هو النهاية في الاحتجاج على من ينكر العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ ﴾ بهدايته أياه، أو إلا من سبقت له الرحمة من الله بالهداية له والنجاة.
وقوله: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ بين ابنه وبين نوح، ويحتمل بينه وبين السفينة.
﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ ﴾ : يحتمل صار من المغرقين، ويحتمل كان في علم الله أنه يغرق، وهذا يدل على أن قوله في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: أنه كان في علم الله أنه يكفر، أو صار من الكافرين كما ذكر، وكان من المغرقين إذ لم يكن من المغرقين في الأزل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ : قال بعضهم: عاد كل ماء إلى من حيث خرج: ما أرسل من السماء عاد إليها، وما خرج من الأرض غاض في الأرض وغار فيها.
وقال بعضهم: لا ولكن أمسك السماء من إرساله، وأمسك الأرض من نبعه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ﴾ ليس على القول لهم، ولكن الله أمسكهما من إرساله ونبعه.
ويحتمل على القول منه لهم باللطف جعل فيهم ما يفهم هذا.
﴿ وَغِيضَ ٱلْمَآءُ ﴾ أي: غار الماء في الأرض.
﴿ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ : بهلاك قوم نوح ويحتمل على التكوين على ما ذكر ﴿ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ ﴾ أي: استقرت على الجودي وهو جبل ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي هلاكا ويحتمل بعدا للقوم الظالمين من رحمة الله.
وقال القتبي: مرساها أي تقف.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾ : يمنعني من الماء، وقال: ﴿ لاَ عَاصِمَ ٱلْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ قال القتبي: لا معصوم اليوم من عذاب الله؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ ﴾ أي: مدفوق، وأصله لا عاصم أي: لا شيء يمنع اليوم من نزول عذاب الله عليهم ولا دافع لهم منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ...
﴾ الآية، فقال: ﴿ يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ .
هذا - والله أعلم - كان عند نوح أن ابنه كان على دينه لما لعله كان يظهر الموافقة له، وإلا لا يحتمل أن يقول: إن ابنييمن أهلي ويسأله نجاته، وقد سبق منه النهي في سؤال مثله حيث قال: ﴿ وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ ﴾ ولا يحتمل أن يكون يعلم أنه على غير دينه، ثم يسأل له النجاة بعدما نهاه عن المخاطبة في الذين ظلموا، فقال: إنه ليس من أهلك في الباطن والسر، والإخرج هذا القول مخرج تكذيب رسوله، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه كان في الظاهر عنده أنه على دينه لما كان يظهر له الموافقة، وكان لا يعرف ما يضمره فسأله على الظاهر الذي عنده؛ وكذلك أهل النفاق كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله وأصحابه ويضمرون الخلاف له، وكانوا لا يعرفون نفاقهم إلا بعد إطلاع الله إياه؛ فعلى ذلك نوح كان لا يعرف ما كان يضمر هو لذلك خرج سؤاله فقال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ الذي وعدت النجاة لهم، أو ليس من أهلك؛ لأنه لم يؤمن بي ولم يصدقك فيما أخبرت أنه عمل غير صالح.
روي عن رسول الله أنه كان يقرأ: (عَمِلَ غَيْرَ صالحٍ) بغير تنوين.
وعن ابن مسعود - - أنه قرأه: ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ بالتنوين.
فمن قرأ بالنصب: (عَمِلَ غيرَ صالحٍ) أي: أن ابنك عمل غير صالح، ومن قرأه: ﴿ عَمَلٌ ﴾ يكون معناه - والله أعلم - أن سؤالك عمل غير صالح وكلا القراءتين يجوز أن يصرف إلى ابنه، أي: أنه عمل غير صالح وهو عمل الكفر، و ﴿ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ أي: الذي كان عليه عمل غير صالح، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱبْنِي مِنْ أَهْلِي ﴾ ثم قال: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ : هذا في الظاهر يخرج على التكذيب له، لكن الوجه فيه أنه من أهلك على ما عندك، وليس هو من أهلك فيما بشرتك من نجاة أهلك.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ ﴾ : يحتمل وجهين: يحتمل وإن وعدك بإغراق الظلمة حق.
والثاني: وإن وعدك بنجاة المؤمنين حق وأنت أحكم الحاكمين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ : يحتمل هذا نهياً عن سؤال ما لم يؤذن له من بعد؛ لأن الأنبياء - عليهم السلام - كانوا لا يسألون شيئاً إلا بعد الإذن لهم في السؤال، وإن كان يسع لهم السؤال، أو أن يكون عتاباً لما سبق، والأنبياء - عليهم السلام - كانوا يعاتبون في أشياء يحل لهم ذلك؛ نحو قوله لرسول الله : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ ﴾ ، وقد كان له الأمر بالقعود والنهي عن الخروج بقوله: ﴿ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ : هو كما نهى رسول الله: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾ وأمثاله، وإن كان معلوما أنه لا يكون من الجاهلين، وهو ما ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء، بل بالنهي تظهر العصمة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ إني أعوذ بك أن أعود إلى سؤال لا أعلم بالإذن في السؤال هذا يحتمل.
وقوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ أي: إن لم ترحمني بالعصمة من العود إلى مثله أكن من الخاسرين، هذا يشبه أن يكون.
ويحتمل أن يكون ذكر هذا لما لا يستوجبون المغفرة والرحمة إلا برحمة الله وفضله، على ما روي عن رسول الله أنه قال: "لن يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته" وقوله : ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ أَكُن مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ : هو طلب المغفرة بالكناية، وهو أبلغ وأكبر من قوله: اللهم اغفر لي؛ لأن في قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ قطع رجاء المغفرة من غيره، وإخبار ألاَّ يملك أحد ذلك، وليس في قوله: اغفر لي قطع كون ذلك من غيره؛ لذلك كان ذلك أبلغ من هذا، وكذلك سؤال آدم وحواء المغفرة حيث قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا...
﴾ الآية [الأعراف: 23]، هو سؤال بالكناية فهو أبلغ في السؤال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قِيلَ يٰنُوحُ ٱهْبِطْ ﴾ : قال بعضهم: أي: انزل من الجودي إلى قرار الأرض، وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱهْبِطْ ﴾ \[أي\]: انزل وأقم على المقام والمكث في المكان، ليس على الهبوط من مكان مرتفع إلى مكان منحدر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : السلام هو أن يسلم عن الشرور والآفات، والبركة هي نيل كل خير وبرّ على غير تبعة، ثم هما في التحصيل واحد؛ لأنه إذا سلم على كل شر وآفة نال كل خير وبر، وإذا نال كل خير سلم عن كل شر وآفة، هما في الحقيقة واحد لكنهما في العبارة مختلف، وهو كالبر والتقوى من العبد: البر هو كسب كل خير، والتقوى هو اتقاء كل شر ومعصية، هما في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا اتقى كل شر ومعصية عمل كل خير وبر، وإذا كسب كل خير وبر اتقى كل [معصية وشر]؛ وعلى ذلك يخرج الشكر والصبر: الصبر هو كف النفس عن كل مأثم، والشكر هو استعمال النفس في كل طاعة، هما أيضاً في العبارة مختلفان وفي الحقيقة واحد؛ لأنه إذا كف نفسه من كل مأثم استعملها في الطاعة، وإذا استعملها في الطاعة كفها عن كل مأثم ومعصية؛ وعلى ذلك يخرج الإسلام والإيمان: الإسلام هو تسليم النفس [لله] خالصة سالمة لا يجعل لغيره فيها حقا، والإيمان هو أن يصدق الله بالربوبية في نفسه وفي كل شيء، وهما في الحقيقة واحد وفي العبارة مختلفان؛ لأنه إذا جعل نفسه وكل شيء سالما [لله ] أقر بالربوبية له في نفسه وفي كل شيء، وإذا صدقه وأقر له بالربوبية في نفسه وفي كل شيء جعلها لله، وكل شيء له.
هذه أشياء في العبارة مختلفة وفي التحصيل واحد.
ثم قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا ﴾ : جائز أن يكون جواب قوله: ﴿ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِيۤ ﴾ آمنه عما خاف وطلب منه المغفرة والرحمة.
والثاني: السلام له منه هو الثناء الحسن؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَىٰ نُوحٍ فِي ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ ﴾ : يحتمل أن يكون جواب قوله: ﴿ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً ﴾ \[المؤمنون: 29\]، والبركة هي اسم كل خير لا انقطاع له، أو اسم كل شيء لا تبعة له عليه فيه.
ثم قوله: ﴿ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ ، على قول بعض أهل التأويل: ذلك السلام، وتلك البركات في الدنيا: السلام لما سلموا من الغرق والبركات ما نالوا في الدنيا من الخيرات والمنافع.
وعلى قول بعضهم: السلام والبركات جميعاً في الآخرة.
ثم جعل عز وجل المؤمن والكافر مشتركين في منافع الدنيا وبركاتها، وجعل منافع الآخرة وبركاتها للمؤمنين خاصة بقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، وبقوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ﴾ ثم قال: ﴿ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ أشرك المؤمن والكافر في زينة الدنيا، ثم جعل [للمؤمنين خالصة] يوم القيامة، فذلك قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أخبر أنه يمتعهم ثم يصيبهم عذاب أليم، ويمتع المؤمن أيضاً في هذه الدنيا بأنواع المنافع، ثم أخبر أن العاقبة للمتقين ثم جعل العاقبة للمتقين بإزاء ما جعل لهم عذابا أليما أعني الكفرة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ : ولم يكن مع نوح أمم يومئذ، إنما كانوا معه نفراً، لكنه أراد - والله أعلم - الأمم التي كانوا من بعده كأنه قال: وعلى أمم يكونون من بعدك، فهذا يدل أن دين الأنبياء والرسل جميعاً دين واحد، وإن اختلفت شرائعهم؛ لأن تلك الأمم لم يكونوا بأنفسهم مع نوح، ولا كانوا معه في العبادات التي كان فيها نوح؛ دل أنهم كانوا جميعاً على دينه وهو واحد، وعلى ذلك يخرج دعاؤه: ﴿ رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ...
﴾ الآية [نوح: 28]، دعاء بالمغفرة له لكل مؤمن ومؤمنة يكون من بعده؛ وكذلك يحق على كل كافر دعاؤه: ﴿ وَلاَ تَزِدِ ٱلظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ ﴾ أي: قصة نوح من أنباء الغيب غابت عنك لم تشهدها، ولم تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا، إن كان المراد من قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ قصة نوح خاصة وأنباؤه، كان يجيء أن يقول: هذه من أنباء الغيب نوحيها إليك، لكنه كأنه على الإضمار، أي: هذه الأنباء تلك الأنباء التي ذكرت في كتبهم، وإن كان المراد هذه وغيرها من الأنباء يصير كأنه قال: هذه من تلك الأنباء.
ويحتمل قوله: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْغَيْبِ ﴾ القصص كلها قصة نوح وغيره من الأنبياء من أنباء الغيب، غابت عنك لم تشهدها ولا تعلمها أنت ولا قومك، خص قومه لأن غيره من الأقوام قد كانوا عرفوا تلك الأنباء فيخبرونهم فيعرفون به صدق رسول الله .
وفيه دلالة إثبات رسالة محمد لأنه أخبرهم على ما أخبر أولئك الذين عرفوا تلك الأنباء بكتبهم؛ ليعلم أنه إنما عرف ذلك [بالله إذ تلك] الأنباء كانت بغير لسانه، ولم يعرف أنه اختلف إلى أحد منهم؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَٱصْبِرْ ﴾ على تكذيبهم إياك، وعلى أذاهم أو اصبر على ما أمرت ونهيت، واصبر على ما صبر إخوانك من قبل؛ كقوله: ﴿ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ يشبه أن يكون قوله: ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين اتقوا الشرك وأمكن الذين اتقوا الشرك والمعاصي كلها، والأشبه أن يكون المراد منه اتقاء الشرك؛ لأنه ذكر بإزاء قوله: ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فهو في العقد أشبه.
وقال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿ ٱهْبِطْ بِسَلاَمٍ ﴾ من السفينة بسلام منا، فسلمه الله ومن معه من المؤمنين من الغرق، ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ يعني بالبركة أنهم توالدوا وكثروا بعدما خرجوا من السفينة.
وعن ابن عباس - - في قوله: ﴿ وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ ﴾ ممن سبق له في علم الله البركات والسعادة من النبيين وغيرهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً ﴾ : هذا والله أعلم صلة قوله: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ فيقول: ولقد أرسلنا هوداً إلى عاد أخاهم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ الأخوة تكون على وجوه: أخوة جنس يقال: هذا أخو هذا نحو مصراعي الباب، يقال لأحدهما: هذا أخو هذا ونحو أحد زوجي الخف وأمثاله.
وأخوة النسب.
وأخوة الدين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ فهو لم يكن أخا لهم في الدين، فهو يحتمل أنه أخوهم في الجنس وفي النسب؛ لأن الناس كلهم ينسبون إلى آدم فيقال: بنو آدم مع بعد ما بينه وبينهم؛ فعلى ذلك يكون بعضهم لبعض إخوة مع بعد النسب الذي بينهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : يُعبَد أي: الذين تعبدون ليسوا بآلهة يستحقون العبادة [إنما الإله الذي يستحق العبادة] الله الذي خلقكم وخلق لكم الأشياء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ أي: ما أنتم إلا مفترون، لا يحتمل أن يكون هو قال لهم هذا في أول ما دعاهم إلى التوحيد، وفي أول ما ردوا إجابته وكذبوه؛ لأنهم أمروا بلين القول لهم وتذكير النعمة عليهم؛ كقوله لموسى وهارون حيث بعثهما إلى فرعون بقوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ الآية [طه: 44]، ولكن كأنه قال لهم ذلك بعد ما سبق منه إليهم دعاء غير مرة، وأقام عليهم الحجة والبراهين فردوها، فعند ذلك قال لهم هذا حيث قالوا: ﴿ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ...
﴾ الآية [هود: 53].
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ : يحتمل في تسميتهم الأصنام التي عبدوها آلهة، يقول: [إن] أنتم إلا مفترون في ذلك.
ويحتمل أنه سماهم مفترين فيما قالوا الله أمرهم بذلك، يقول: أنتم مفترون فيما ادعيتم الأمر بذلك، أو مفترون في إنكارهم البعث والرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيۤ ﴾ : هذا قد ذكر في غير موضع يقول لهم - والله أعلم -: إني لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجرا يمنعكم ثقل ذلك الأجر وغرمه عن الإجابة، فما الذي يمنعكم عن الإجابة لي ويحملكم على الرد [بل أدعوكم إلى] ما ترغبون فيه، فكيف يمنعكم عن الإجابة والنظر فيما أدعوكم إليه؟!
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ : أني رسول إليكم بآيات وحجج جئت بها، أو: أفلا تعقلون أنها آيات وحجج ونحوه، أو يقول: أفلا تعقلون أن الله واحد وأنه رب كل شيء وخالق كل شيء ومنشئه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله استغفروا ربكم ثم توبوا إليه واحدا.
ويحتمل على التقديم والتأخير توبوا إليه ثم استغفروا ما كان منكم من المساوي، أي: أقبلوا إلى طاعة الله واندموا على أفعالكم.
وقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ : معلوم أن هودا لم يرد بقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ ﴾ أن يقولوا: نستغفر الله، ولكن أمرهم أن يطلبوا السبب الذي به تجب لهم المغفرة وتحق وهو التوحيد، كأنه قال: وحدوا ربكم فآمنوا به ثم توبوا إليه، أو يقول: اطلبوا المغفرة بالانتهاء عن الكفر؛ كقوله : ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ ﴾ : قال بعض أهل التأويل: إنه قد كان انقطع عنهم المطر وانقطع نسلهم، فأخبر أنكم إن تبتم إلى الله، واستغفرتم ربكم ﴿ يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً...
﴾ الآية حتى تناسلوا وتتوالدوا.
ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: يزدكم قوة أفعالكم إلى قوة أبدانكم؛ لأنهم كانوا أهل قوة وأهل بطش بقولهم قالوا: من أشد منا قوة.
ويحتمل على الابتداء: يرسل السماء عليكم مدرارا، ويزدكم قوة إلى قوتكم.
فقوله: ﴿ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ ﴾ عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا ﴿ مُجْرِمِينَ ﴾ ولا تتولوا عما أدعوكم فيه؛ فتكونوا مجرمين.
المجرم قال أبو بكر: هو الوثاب في الإثم، وقيل: هو المكتسب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ : على ما تدعونا إليه، أو على ما تدعي من الرسالة، فعند ذلك قال [لهم هود]: ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ﴾ .
﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيۤ آلِهَتِنَا ﴾ أي: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا عن قولك، أي: بقولك، كان لا يدعوهم هود إلى ترك عبادة آلهتهم بقوله خاصة، ولكن قد دعاهم وأقام على فساد ذلك الحجج والبراهين، لكنهم قالوا متعنتين مكابرين: ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ فيما تدعونا إليه، وتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ ﴾ قيل: [هو كان] يسب آلهتهم ويذكرهم بالعيب فيقولون: إن يعترك من بعض آلهتنا سوء أو يصيبوك بجنون وخبل، فلا عجب أن يصيبك منها فاجتنبها سالما، فذلك يخرج منهم مخرج الامتنان، أي: إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقاً عليك لئلا يصيبك [شيء منها].
وقال ابن عباس - -: قالوا: "شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون"، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها، على ما كانوا يرجون ويطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم؛ قال: ﴿ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ به وتعبدونه من الآلهة، واشهدوا أنتم أيضاً بأني بريء من ذلك، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ : أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ أي: ثم لا تمهلون في ذلك.
ويحتمل قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾ \[أنتم وآلهتكم\]؛ يقول: اعملوا أنتم وآلهتكم جميعاً التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني، ﴿ ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ .
أي: لا تمهلون، وهذا من أشد آيات النبوة؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيداً، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به، وإلا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله ؛ وكذلك قول رسول الله : ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ...
﴾ الآية [الأعراف: 195]، وقول نوح: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ...
﴾ الآية [يونس: 71]، وقول شعيب: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ...
﴾ الآية [هود: 93] وأمثاله، قالوا ذلك بين أظهر الاعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات النبوة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: فوضت أمري [إلى الله]، أو وكلت في جميع عملي إليه، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم، أي: كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم؟!
وهو كما قال إبراهيم: ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ...
﴾ الآية [الأنعام: 81].
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ : يميتها متى شاء.
وقوله: ﴿ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ ﴾ أي: في ملكه وسلطانه، يقال: فلان آخذ بحلقوم فلان، وفلان في قبضة فلان ليس أنه في قبضته بنفسه أو آخذ بحلقوم فلان، ولكن يراد أنه في سلطانه وفي ملكه وفي قبضته.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: على الذي أمرني ربي ودعاني إليه، أو يكون قوله: ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ أي: أن الذي أمرني ربي ودعاني إليه هو صراط مستقيم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ ﴾ .
وقال أبو عوسجة: الاعتراء هو الأخذ، يقال: اعترته الحمى أي أخذته.
وقال القتبي: الاعتراء [هو] الإصابة، بقول: إلا اعتراك: أصابك، يقال: اعتريت: أصبت، وهو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ : يحتمل على الإضمار أي: فإن تولوا عن إجابتك وطاعتك فقل قد أبلغتكم [رسالات ربي]؛ لأن قوله: ﴿ تَوَلَّوْاْ ﴾ إنما هو خبر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَبْلَغْتُكُمْ ﴾ : خطاب، وأمكن أن يكونا جميعاً على الخطاب، يقول: فإن توليتم عن إجابتي فيما أدعوكم إليه، فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم وليس علي إلا تبليغ الرسالة إليكم؛ كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ﴾ ، يقول: إنما علي إبلاغ الرسالة إليكم، ليس على جرم توليكم عن إجابتي؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ ونحوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ ﴾ \[فيه وجهان: أحدهما: يخبر عن هلاكهم؛ لأنه أخبر أنه يستخلف قوماً غيرهم؛ لأنه ما لم يهلك هؤلاء لا يكون غيرهم خلفهم\]: لأنهم كانوا يقولون: ﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾ ، يقول - والله أعلم -: إن قوة أبدانكم وبطشكم لا تعجز الله عن إهلاككم، وفيه أن عاداً ليسوا هم النهاية في العالم، بل يكون بعدهم قوم غيرهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئاً ﴾ أي: لا تضرونه بتوليكم عن إجابتي وردكم رسالة الله إليكم، ليس كملوك الأرض إذا تولى عنهم خدمهم وحشمهم ضرهم ذلك.
والثاني: لا تضرونه كما يضر ملوك الأرض بالقتال والحرب بعضهم بعضا.
والثالث: لا تضرونه لأنه لا منفعة له فيما يدعوكم حتى يضره ضد ذلك؛ إذ ليس يدعوكم إلى ما يدعو لحاجة نفسه ولا لمنفعة له، إنما يأمركم ويدعوكم لحاجة أنفسكم والمنفعة لكم.
ويحتمل أن يكون لا تضرونه شيئاً جواب قوله: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً...
﴾ الآية.
﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ \[لا يخفى عليه شيء وإن لطف، فكيف يخفى عليه أعمالكم وأموالكم مع ظهورها وبدوها.
أو يقول: إن ربي على كل شيء حفيظ\]: فيجزيه عليه، ولا يذهب عنه شيء، أي: لا يفوته، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً ﴾ .
قوله: ﴿ جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أمر تكوين لا أمر يقتضي الساعة؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ ؛ فعلى ذلك هذا هو أمر تكوين وقد ذكرناه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَجَّيْنَا هُوداً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : هذا يدل أن من نجا إنما نجا برحمة منه لا بعمله؛ وعلى ذلك روي في الخبر عن رسول الله قال: "لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته" ، لا على ما يقوله المعتزلة: إن من نجا إنما ينجو بعمله لا برحمته.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ وجوهاً؛ تحتمل الرحمة هاهنا هودا، أي: رحمهم به حيث بعث إليهم رسولا فنجا من اتبعه، فإن كان هذا ففيه أن أهل الفترة معاقبون في حال فترتهم؛ لأنه أخبر أن من نجا إنما نجا بهود، فدل أنهم معاقبون قبل بعث الرسل إليهم.
ويحتمل قوله: ﴿ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ أي: بتوفيق منا إياهم نجا من نجا منهم.
والثالث: ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ \[قال بعضهم: نجيناهم من العذاب الذي أهلك هؤلاء.
ويحتمل أن يكون على الوعد أي: ينجيهم في الآخرة من عذاب غليظ\].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ ﴾ أي: وتلك أهل قرية عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسلهم، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعاً وبالله؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات، والكفر بواحد منها كفر بالله وبجميع الرسل، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ قيل: أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم.
قيل: الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم.
قال أبو عوسجة: الجبار هو المتجبر، والعنيد هو المعاند المخالف.
وقال القتبي: العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك.
وقال أبو عبيدة: العنيد والعنود والمعاند هو الجائر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ : قال بعضهم: اللعن هو العذاب، أي: أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب؛ كقوله: ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ أي: عذاب الله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُتْبِعُواْ ﴾ أي: ألحقوا، وقيل: إن اللعن هو الطرد، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة، إلا أن عاداً كفروا ربهم ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ ، أي: ألا بعداً لهم من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً ﴾ : هو ما ذكرنا، أي: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً.
وقوله: ﴿ أَخَاهُمْ ﴾ : قد ذكرنا أيضاً أن الأخوة تتجه إلى وجوه ثلاثة: أخوة في الدين، وأخوة في الجنس، وأخوة في النسب [فهو لا يحتمل أن يكون أخاهم في الدين، لكنه يحتمل أن يكون أخاهم من الوجهين الآخرين في الجنس والنسب].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ : إن الرسل صلوات الله عليهم جميعاً أول ما دعوا قومهم إنما دعوا إلى توحيد الله وجعل العبادة له؛ لأن غيره من العبادات إنما يقوم بالتوحيد، فكان أول ما دعاهم قومهم إليه لم يزل عادة الرسل وعملهم الدعاء إلى توحيد الله والعبادة له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ : وقال بعض أهل التأويل: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: هو خلقكم من آدم وخلق آدم من الأرض، لكنه أضاف خلق الخلائق إليها؛ كما أضاف في قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...
﴾ الآية [الأعراف: 189]، أخبر أنه خلقنا من نفسه، أي: آدم، وإن لم تكن أنفسنا منه؛ فعلى ذلك إضافته إيانا بالخلق من الأرض، وإن لم يخلق أنفسنا منها، أي: خلق أصلنا وأنشأه من الأرض، فأضاف إنشاءنا إلى ما أنشأ أصلنا.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ أي: جعل نشأة الخلائق كلهم ونماءهم وحياتهم ومعاشهم بالخارج من الأرض؛ إذ به نشوءهم ونماؤهم وحياتهم وقوامهم منها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ : قال بعضهم: [أسكنكم فيها، وقال بعضهم: استخلفكم فيها.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي: جعلكم عمار الأرض تعمرونها لمعادكم ومعاشكم، جعل عمارة هذه الأرض إلى الخلق هم الذين يقومون بعمارتها وبنائها وأنواع الانتفاع بها، ويرجع كله إلى واحد.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ ﴾ ] أي: جعل عمركم طويلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ : هذا قد ذكرنا فيما تقدم في قصة نوح، أي: كونوا بحال يغفر لكم؛ وهو كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ كأنه قال: فإن انتهوا عن الكفر يغفر لهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ : لحفظ الخلائق أو قريب لمن أنعم عليهم وأمثاله، أو قريب إلى كل من يفزغ إليه، مجيب لدعاء كل داع استجاب له؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي...
﴾ الآية [البقرة: 186]؛ وكقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...
﴾ الآية [البقرة: 40].
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ﴾ : قال بعضهم: قولهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنت ترحم الضعفاء وتعود المرضي ونحو ذلك من الكلام، فالساعة صرت على خلاف ذلك.
وقال بعضهم: ﴿ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ كنا نرجو أن ترجع إلى ديننا قبل هذا الذي تدعونا إليه، فالساعة صرت تشتم آلهتنا وتذكرها بعيب، أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا، أي: ما كنا نعرف أن آباءنا عندك سفهاء من قبل هذا، فالساعة تسفه أحلامهم في عبادتهم الأصنام.
﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ \[قالوا هذا؛ احتجاجاً لهم عليه فيما دعاهم إلى توحيد الله وعبادتهم إياه، فقالوا: إنا على يقين أن آباءنا قد عبدوا هذه الآلهة من غير شك فما تدعونا إليه مريب\] أي: يريبنا أمرك ودعاؤك لنا إلى هذا الدين.
قد قيل هذا، ولكنا لا نعلم ما كانوا يرجون فيه، وأما المعنى الذي قالوا له قد كنت فينا مرجوا سوى أنا نعلم أنه كان مرجوا فيهم بالعقل والدين والعلم والبصيرة ونحوه، فكان مرجوا فيهم بالأشياء التي ذكرنا.
هذا نعلمه ولا نعلم ما عنى أولئك بقولهم: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـٰذَا ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: إن كنت على حجة وبرهان وبيان من ربي فيما أدعوكم إلى توحيد الله وصرف العبادة إليه.
والثاني: قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي ﴾ أي: قد كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة يحتمل قوله: رحمة أي: آتاني هدى ونبوة من عنده.
﴿ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ ﴾ أي: من يمنعني من عذاب الله إن عصيته ورجعت إلى دينكم، أي: لا أحد ينصرني إن أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه، أي: لا أحد ينصرني دون الله لو أجبتكم وأطعتكم فيما دعوتموني إليه.
ثم الذي دعوه إليه يحتمل ترك تبليغ الرسالة إليهم، أو دعوه إلى عبادة الأصنام التي عبدوها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾ : قيل فيه بوجوه: قيل: فما تزيدونني بمجادلتكم إياي فيما تجادلونني إلا خسراناً.
وقال بعضهم: فما تزدادون بمعصيتكم إياي إلا خسراناً لأنفسكم.
وقال القتبي: غير تخسير، أي: غير نقصان.
وقال أبو عوسجة: غير تخسير هو من الخسران، يقال: خسرته أي: ألزمته الخسران.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ : قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية على صدق صالح فيما ادعى من الرسالة، أو هذه ناقة الله لكم [فذروها تأكل في أرض الله، قال لهم هذا حين سألوا منه الآية، فقال: هذه ناقة الله لكم آية]، أي: لكم آية التي سألتموها من الرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ : أضاف إليه لخصوصية كانت فيها نحن لا نعرف ذلك، ليست تلك الخصوصية في غيرها من النوق؛ لما جعلها آية لرسالته ونبوته خارجة عما عاينوا من النوق وشاهدوها، وهكذا كانت آيات الرسل كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلم أنها سماوية.
ثم لا نعرف أية خصوصية كانت لها عظم جسمها وغلظ بدنها، حيث قسم الشرب بينهم وبينها حتى جعل يوما لها ويوماً لهم بقوله: ﴿ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ ، ولم يقسم مراعيها بينها وبينهم بقوله: ﴿ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِيۤ أَرْضِ ٱللَّهِ ﴾ ، وأما ما قاله بعض الناس: إنها خرجت من صخرة كذا، وأنها كانت تحلب كل يوم كذا وأشياء أخر ذكروها، فإنا لا نعرف ذلك ولا نقطع القول فيه أنه كان كذلك، سوى أنا نعرف أن لها كانت خصوصية ليست تلك الخصوصية لغيرها من النوق، ولو كانت لنا إلى تلك الخصوصية حاجة لبينتها لنا، وأصله ما ذكرنا أنه إذا أضيف جزئية الأشياء إلى الله فهو على تعظيم تلك الجزئيات المضافة إليه، وإذا أضيف إليه كلية الأشياء فهو على إرادة التعظيم لله والتبجيل له؛ نحو قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ﴿ وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ نهاهم أن يمسوها بسوء، ولم يبين ما ذلك السوء، فيحتمل أن يكون ذلك شيء عرفوا هم ونهاهم عن ذلك.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ ﴾ أي: لا تعقروها فيأخذكم عذاب قريب، لما كان ذلك على أثر عقرهم الناقة بثلاثة أيام حيث قال: ﴿ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ ، وما ذكر أيضاً أن وجوههم اصفرت في اليوم الأول، ثم احمرت في اليوم الثاني، ثم اسودت في اليوم الثالث، ثم نزل بهم العذاب في اليوم الرابع، فذلك أيضاً مما لا نعرفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ قيل: سريعاً لا تمهلون حتى تعذبوا.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ وَعْدٌ ﴾ من الله ﴿ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ : ليس فيه كذب، وكان عذابهم إنما نزل على أثر سؤال الآية، سألوا ذلك فلما أن جاءهم بها كذبوها، فنزل بهم العذاب، وهكذا السنة في الأمم السالفة أنهم إذا سألوا الآية فجاءتهم فلم يؤمنوا بها نزل بهم العذاب، وهو قوله: ﴿ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا...
﴾ الآية [الإسراء: 59]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ أي: جاء ما أمر به كما يقال: جاء وعد ربنا، أي: جاء موعود ربنا؛ لأن وعده وأمره لا يجيء، ولكن جاء ما أمر به ووعد به وهو العذاب، أو نقول: جاء أي أتى وقت وقوع ما أمر به ووعد، وهو العذاب الذي وعد وأمر به، والله أعلم.
﴿ نَجَّيْنَا صَالِحاً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ : بنعمة منا أو بفضل منا، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ قيل: الخزي هو العذاب الذي يفضحهم، وقيل: كل عذاب فهو خزي، أي: نجاهم من خزي ذلك اليوم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلْقَوِيُّ ٱلْعَزِيزُ ﴾ قيل: القوي: هو الذي لا يعجزه شيء، والعزيز هو الذي يذل من دونه، وقيل: القوي هو المنتقم المنتصر لأوليائه من أعدائه، والعزيز: هو المنيع في ملكه وسلطانه الذي لا يعجزه شيء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيْحَةُ ﴾ : قيل: عذابهم كان صيحة صاح بهم جبريل، وقيل: الصيحة الصاعقة وكل عذاب فهو صيحة، لكن لا ندري كيف كان، أو أن يكون عذابهم قدر صيحة لسرعة وقوعه بهم، أو يسمى ذلك العذاب صيحة لما رأوه ما يصيحون فيما بينهم أو ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ : قال هاهنا: ديارهم، وقال في سورة الأعراف: دارهم، والقصة واحدة.
قال بعضهم: دارهم قراهم، وديارهم منازلهم، ولكن هو واحد أصبحوا جاثمين في دارهم ومنازلهم سواءٌ.
وقوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ قيل: خامدين موتى وأصل قوله: ﴿ جَاثِمِينَ ﴾ أي: منكبين على وجوههم، يقال: جثم الطائر إذا انكب على وجهه مخافة الصيد، وقد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ ﴾ قيل: كأن لم يعيشوا فيها، وقيل: كأن لم يسكنوا فيها، وقيل: كأن لم يعمروا فيها، وأصله أنهم صاروا كأن لم يكونوا فيها لما لا يذكرون بعد هلاكهم، فصاروا من حيث لا يذكرون كأن لم يكونوا، وأما الأخيار والأبرار فإنهم وإن ماتت أبدانهم وصارت كأن لم تكن ففي الذكر كأنهم أحياء حيث يذكرون بعد موتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ ﴾ قيل: كفروا نعمة ربهم، أو كفروا بآيات ربهم، فذلك كله كفر بالله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ ﴾ \[أي: ألا بعداً لثمود\] من رحمة الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ : اختلفوا في هذه البشارة؛ قال بعضهم: جاءوا هم ببشارة إسحاق والحافد.
وهو قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .
وقال بعضهم: جاءوا ببشارة إهلاك قوم لوط وإنجاء لوط وأهله، قيل: لأن لوطا كان ابن أخي إبراهيم، وكان لوط فزع إلى الله بسوء عمل قومه وصنيعهم ودعا بالنجاة منهم، وهو قوله: ﴿ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِّنَ ٱلْقَالِينَ...
﴾ الآية [الشعراء: 168] حتى ذكر في بعض القصة أن سارة قالت لإبراهيم: ضم ابن أخيك إلى نفسك فإن قومه يعذبون، كأنها عرفت أنه لا يتركهم على ما هم عليه بسوء عملهم.
قالوا: جاءوا بالبشارتين جميعاً: ببشارة الولد والحافد، وبشارة هلاك قوم لوط ونجاة لوط وأهله؛ إلى هذا يذهب بعض أهل التأويل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ ﴾ : هذا يدل أن السلام هو سنة الأنبياء والرسل والملائكة في الدنيا والآخرة، ولم تخص هذه الأمة به بل كان سنة الرسل الماضية والأمم السالفة وكذلك هو تحية أهل الجنة لقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ ﴾ ونحوه، هذا يدل على ما ذكرنا.
ثم انتصاب قوله: ﴿ سَلاَماً ﴾ وارتفاع الثاني؛ لأن الأول انتصب لوقوع القول عليه كقولك: قال قولا، والثاني حكاية لقولهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ ﴾ أي: ما لبث عندهم حتى اشتغل بتقديم شيء إليهم، وإلا قد يكون في ذبح العجل وشويه لبث إلا أن يكون العجل مشويّاً، فإن لم يكن مشويّاً فتأويله ما ذكرنا أن لم يلبث عندهم في المؤانسة والحديث معهم على ما يفعل مع الأضياف حتى جاء بما ذكر، وفيه ما ذكرنا من الأدب، وفيه دلالة فيمن نزل به ضيف ألا يشتغل بالسؤال عن أحوال ضيفه من أين وإلى أين؟
وما حاجتهم؟
ولكن يشتغل بقراهم وإزاحة حاجتهم؛ لأن إبراهيم - - إنما اشتغل بقراهم، لم يشتغل بالسؤال عن أحوالهم، ولكن اشتغل بما ذكرنا فجاء بعجل حنيذ، وهذا هو الأدب في الضيف، ألا ترى أنه لو كان سأل عن أحوالهم، فعرف أنهم من الملائكة لكان لا يشتغل بما ذكر؛ إذ عرف أنهم من الملائكة والملائكة لا يتناولون شيئاً من الطعام.
وقوله: ﴿ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ ، قال بعضهم: الحنيذ: السمين، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ﴾ .
وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي خد في الأرض خدّاً، فحمي فشوي بالحجر المحمي.
وقال بعضهم: الحنيذ هو المشوي الذي يسيل منه الماء.
وقال ابن عباس: الحنيذ: النضيج.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ ﴾ .
قال بعضهم: نكرهم وأنكرهم واستنكرهم: واحد، وهو من الإنكار، أي: لم يعرفهم؛ ظن أنهم لصوص؛ لأن اللصوص من عادتهم أنهم كانوا إذا أرادوا السرقة من قوم لم يتناولوا من طعامهم، ولم يأكلوا شيئاً عندهم.
وقيل: نكرهم أنهم من البشر.
﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ .
قيل: أضمر منهم خوفاً، قال بعضهم: خاف لما ظن أنهم سراق ولصوص؛ حيث لم يتناولوا شيئاً مما قدم إليهم.
وقال بعضهم: خيفة، أي: وحشة: أي: أضمر وحشة، حيث لم يتناولوا شيئاً مما قرب إليهم؛ فحينئذ علم أنهم ليسوا من البشر؛ لأن منزل إبراهيم كان ينأى من البلد، ولم ينزل أحد من البشر إلا وقد احتاج إلى الطعام، فلما لم يتناولوا علم أنهم ليسوا من البشر، فما جاءوا إلا لأمر عظيم: لتعذيب قوم وهلاكهم؛ فخاف لذلك؛ فقالوا: ﴿ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً...
﴾ الآية [الذاريات: 32-33].
وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ ﴾ ].
وقال في موضع آخر: ﴿ لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ ﴾ ، وقال: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ﴾ يذكر هاهنا أن قولهم: ﴿ إِنَّا أُرْسِلْنَا ﴾ على أثر سؤال، وفيما نحن فيه لا كذلك؛ فالمعنى فيه - والله أعلم - أن ذلك كان على أثر سؤال إبراهيم بقوله: ﴿ فَمَا خَطْبُكُمْ ﴾ ، لكنه جمع ذلك فيما نحن فيه بالحكاية عن قولهم، وإن كان مفصولا عنه، وخرجت الحكاية في موضع آخر على ما كان في الحقيقة، وذلك مستقيم في كلام العرب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ .
قال بعضهم: قائمة على رءوس الأضياف؛ لأنها كانت عجوز، ولا بأس لعجوز ذلك؛ ألا ترى إلى قول الله - - ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ...
﴾ الآية [النور: 60].
وقال بعضهم: ﴿ قَآئِمَةٌ ﴾ من وراء الباب، لكن لسنا ندري أي ذلك كان؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ .
قال بعضهم: ضحكت، تعجباً من خوف إبراهيم أنهم لصوص، وهم كانوا ثلاثة أو أربعة، دون عشرة، وكان خدم إبراهيم - - يبلغ عددهم ثلاثمائة، على ما ذكر في القصة ضحكت تعجباً؛ إذ كيف يخاف من نفر عددهم دون عشرة، وعنده من الخدم ما يبلغ عددهم ما ذكرنا.
وقال بعضهم: ضحكت؛ تعجباً ممّا بشروها بالولد، وقد بلغ سنها ما بلغ من الكبر وهو كذلك، وقالت: أحق أن ألد وقد بلغت من السن كذا.
وقال بعضهم: ضحكت أي: حاضت، من قولهم: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وهو قول ابن عباس وعكرمة.
وقال الفراء: (ضحكت): حاضت غيرُ مسموع ولا معروف فعلى تأويل من قال: إنها ضحكت تعجباً مما بشرت بالولد فهو على التقديم والتأخير، كأنه قال فبشرناها بإسحاق ومن وراء أسحاق يعقوب فضحكت.
وقال بعضهم: ضحكت سروراً بالأمن منهم؛ لأنهما خافا منهم.
وقوله: ﴿ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ .
ظاهر هذا أنها بشرت بإسحاق، ومن وراء أولاد إسحاق أولاد يعقوب، ولكن لم يكن يعقوب ولد من إبراهيم؛ إنما ولد من إسحاق، وهو: حافد إبراهيم أبي إسحاق فتأويله من وراء إسحاق حافد؛ فإنما البشارة بالولد وبالحافد، وهو كقوله: ﴿ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ﴾ .
وقال في هذه السورة: ﴿ وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ ﴾ .
فإن كان على ما قالوا إنها كانت قائمة وراء الباب؛ فيكون إقبالها خروجها إلى القوم، وإن كان قيامها على رءوسهم؛ فيكون معنى الإقبال هو الإقبال في ضرب وجهها وصكها، لكن ذلك من القدوم، لكنه على الإقبال بفعل ما أخبر عنها من صك وجهها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ [وقال في موضع آخر: ﴿ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ ٱمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ ﴾ ؛ وقال هاهنا: ﴿ يَٰوَيْلَتَىٰ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً ﴾ ] إن هذا لشيء عجيب.
هي لم تتعجب [من] قدرة الله أنه قادر على أن يهب الولد في كل وقت؛ ولكنها تعجبت لما رأت العادة في النساء والرجال أنهم إذا بلغوا المبلغ الذي كانوا هم لم يلدوا؛ فتعجبها أنها تلد في الحال التي هي عليها، أو يردان إلى حال الشباب؛ فعند ذلك يولد لهما، وكلاهما عجيب بحيث الخروج على خلاف العادة، لا بحيث قدرة الرب، وهو كما ذكرنا من قول زكريا: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِي عَاقِرٌ ﴾ ، وفي موضع آخر: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً ﴾ ، وقوله: أنى يكون لي غلام في الحال التي أنا عليها أو يرد لي شبابي، فعلى ذلك قولها ﴿ ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـٰذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال أهل التأويل: أتعجبين من قدرة الله هذا؟
[...] لكنه يحتمل وجهين: أحدهما أي: لا تعجبي من أمر الله هذا وكثيرا مما رأيت أمثال ذلك في أهل بيتك.
والثاني [...].
وقوله - عز وجل -: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
يشبه أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ ؛ لأنه معلوم أنهم لم يقولوا سلاماً حسب، لم يزيدوا على هذا؛ بل زادوا؛ فكأنهم قالوا: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو قالوا: سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.
﴿ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ ﴾ .
بالنصب؛ كأنه قال يا أهل البيت، كقوله - - حيث قال: "تركت بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي: أهل بيتي" ، أي: يا أهل بيتي.
﴿ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ ﴾ .
يحتمل حميد الذي يقبل اليسير من المعروف ويعطي الجزيل كالشكور، والمجيد: من المجد والشرف.
وقيل: الحميد: المحمود، والمجيد: الماجد وهو الكريم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ٱلرَّوْعُ ﴾ .
قيل: الروع هو الفرق والفزع الذي دخل فيه بمجيء الملائكة.
﴿ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ ﴾ .
في الولد والحافد، وفي نجاة لوط وأهله، وهو ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾ .
قال بعض أهل التأويل: مجادلته إياهم في قوم لوط ما ذكر في القصّة أنه قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم من المؤمنين كذا تعذبونهم؟
قالوا: لا ونحوه من الكلام فإن ثبت هذا، وإلا لا نعلم ما مجادلته إياهم [وأمكن أن تكون مجادلته إياهم] في دفع العذاب عنهم أو تأخيره دليله قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ ، ويحتمل مجادلته إياهم في استبقاء قوم لوط؛ شفقة عليهم ورحمة، لعلهم يؤمنون ويقبلون ما يدعون إليه؛ لئلا ينزل بهم العذاب: ما أوعدوا يتشفع إليهم ليسألوا ربهم أن يبقيهم والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴾ .
قيل: الحليم هو الذي لا يكافئ من ظلمه ولا يجازيه به، أو يحلم عن سفه كل سفيه ﴿ أَوَّاهٌ ﴾ ، قيل: الأواه: الموقن، بلغة الحبش، وقيل: الأواه: المتأوه، وهو الدعاء وكثير الدعاء، وقيل: الأواه: المتقي الذي لا يفتر لسانه عن ذكره، وقيل: الأواه: الحزين فيما بينه وبين ربّه.
في هذه الأحرف الثلاثة جميع أنواع الخير والطاعة ما كان [فيما] بينه وبين ربه، وما كان بينه وبين الخلق، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه، وأنه منيب، والمنيب، قيل: المخلص لله وقيل: هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ يعني: عن المجادلة [التي كان يجادلهم ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبَّك ﴾ أي: جاء ما أمر به ربك، وجاء موعودهم، وأنهم ﴿ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي: غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة.
ويحتمل قوله: ﴿ يَٰإِبْرَٰهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَآ ﴾ عن المجادلة التي] ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك.
ويحتمل: جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ : قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ ﴾ قيل: أي: ساءه مجيئهم ومكانهم وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ : أي: لم يدر كيف يصنع بهم، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه.
والذرع: قيل: هو المقدرة والقوة، أي: ضاق مقدرته وقوته ﴿ وَقَالَ هَـٰذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ قيل: فضيع شديد؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار، ويفضح الرجال.
وفيه دليل جواز الاجتهاد؛ لأنه قال: يوم عصيب فظيع، فعبد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهاداً، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [يحتمل: أن يكون قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ لما جاءته الرسل بإهلاك قومه ساءه ذلك، وضاق به ذرعاً كذلك أيضاً.
ويحتمل قوله: ﴿ سِيۤءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ ] بسوء صنيع قومه بأضيافه، الحرفان جميعاً ينصرفان إلى لوط لمكان قومه، أو لمكان أضيافه، أو يكون أحد الحرفين لمكان ضيفه، والآخر لمكان ما ينزل بقومه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ قال بعضهم: يسرعون إليه.
وقال بعضهم: ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يهرولون إليه، وهو سير بين السعي وبين المشي بين بينين.
وقال بعضهم: [قوله] ﴿ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: يروعون إليه، من الروع، أي: فزعين إليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل أن يبعث لوط رسولا إليهم كانوا يعملون السيئات.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل نزول الأضياف بلوط كانوا يعملون السيئات، والسيئات تحتمل الشرك وغيره من الفواحش التي كانوا يرتكبونها، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ اختلف في قوله: ﴿ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أراد بنات قومه؛ لأن الرسل هم كالآباء لأولاد قومهم ينسبون إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ .
وفي حرف ابن مسعود ، (وهو أب لهم كما أزواجه أمهاتهم والنبي أب لهم)؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي ﴾ أراد بنات قومه فنسبهن إلى نفسه؛ لما ذكرنا أنّه كالأب لهم.
ثم يحتمل معنى جعل النبي لأولاد قومه كالأب، وأزواجه كالأم وجهين: أحدهما: نسبوا إليه للشفقة، فهو أشفق بهم من الأب والأم.
أو: لحق التربية وتعليم الدين كالأب لهم؛ فهو أولى بهم من أنفسهم لهذين الوجهين.
وقال بعضهم: أراد بنات نفسه.
ثم اختلف فيه.
قال بعضهم: كان ذلك منه تعريضا لهم للنكاح؛ يقول: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم نكاحاً إن كنتم قابلين للإيمان.
ومنهم من قال: هو تعريض منه لما هو زنا عندهم، لا أنه عرض ذلك عند نفسه، وهذا كما يقولون بأن من أكره على أن يشتم محمداً فلا بأس بأن يشتم ويقصد بشتمه محمداً آخر يحل له شتمه، وإن كان عند المكره أنه يشتم رسول الله بعد أن جعل الشاتم في قلبه [غيره]، وكذلك إذا أكره [على] أن يشتم الإله، فيقصد بالشتم شتم آلهتهم، وإن كان عندهم أنه [إنما] يشتم إلهه الذي يعبده؛ فعلى ذلك يحتمل قول لوط: ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ تعريض زنا عندهم، وإن كان عنده أنه ليس لذلك يقصد.
وقال قائلون: قال هذا ليريهم قبح الفعل الذي كانوا يقصدون بأضيافه؛ لأن الزنا كان عندهم محرما فعرض عليهم بناته؛ ليعرفوا قبح ذلك الفعل؛ حيث احتمل فعله في بناته ولم يحتمل في أضيافه؛ ليمتنعوا عن ذلك.
أو يحتمل أن يكون قال ذلك وإن كان كلاهما لا يحلان، لكن أحدهما أيسر وأهون، ويجوز الجمع بين شرين؛ فيقال: هذا أطهر لكم وأحل من هذا، وهذا أيسر من هذا وأهون، وإن كان كلاهما شرين، فالزنا وإن كان حراماً فذلك مما يحل بالنكاح، وأدبار الرجال لا تحل بحال.
وقال بعضهم: إنهم كانوا يخطبون بناته، وكان أبي أن يزوجهن منهم؛ لما لم يكونوا كفؤاً لهن، ثم عرض عليهم في ذلك الوقت؛ ليعلموا قبح ذلك الفعل الذي قصدوا بأضيافه، أو كلام نحو هذا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاتَّقُواْ اللًّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾ ليعلم أن الإخزاء هو الفضيحة؛ هذا يدل أن الخزي هو الذي يفضح من نزل به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ قال بعضهم: هم أن يزوج بعض بناته من يصدر لرأيه فيمنعهم عنهم؛ كأنه يقول: أليس منكم من يرشد ويصدر لرأيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾ أي: أليس منكم رجل يقبل الموعظة، ويرشدكم، ويعظكم، أو يقول: أليس منكم رجل رشيد على النفي فيمنعهم عما يريدون ويقصدون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ على التأويلين اللذين ذكرناهما يكون: الحق: حق النكاح، أو حق الاستمتاع، وفي بعض التأويلات من حق: من حاجة، وبذلك يقول عامة أهل التأويل: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ أي: من حاجة ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ يعنون: الأضياف ﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ أي: قوة في نفسي ﴿ أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ قيل: عشيرته.
والركن الشديد عند العرب: العشيرة؛ يقول: لو أن لي بكم قوة في نفسي أو عشيرة يعينوني لقاتلتكم؛ فيه دلالة أن من رأى آخر على فاحشة فله أن يقاتله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾ تأويله - والله أعلم -: أنك تعلم أن ليس لنا في بناتك من حق كما ليس لنا في أضيافك من حق فكيف تمنعنا عنهم وتعرض علينا بناتك، فهن فيما ليس لنا فيهن حق كأولئك، والله أعلم.
﴿ قَالُواْ يٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوۤاْ إِلَيْكَ ﴾ قيل: قالوا ذلك للوط: لن يصلوا إليك؛ لما طمسوا أعينهم، وهو كقوله: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ .
وقال قائلون قالوا ذلك للوط [لما أوعدوا للوط] حين طمست أعينهم أن ضيفك سحروا أبصارنا، فستعلم غداً ما تلقى أنت وأهلك، فقالوا عند ذلك: لن يصلوا إليك بسوء غداً بأنهم يهلكون.
ودل قوله: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِيۤ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ على أنهم قد هموا للوط وأوعدوه حتى قال ما قال؛ ألا ترى أن الملائكة قالوا له: إنهم لن يصلوا إليك، فهذا على ما ذكرنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: قطع من الليل: آخره وهو وقت السحر.
وقيل: هو ثلث الليل، أو ربعه من آخره، وهو واحد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ قيل: لا يتخلف أحد منكم إلا امرأتك؛ فإنها تتخلف، ويصيبها ما أصاب أولئك.
وقال بعضهم: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ ﴾ من الالتفات والنظر.
وقيل: لا يترك أحد منكم متابعتك إلا امرأتك؛ فإنها لا تتبعك، فيصيبها ما أصاب أولئك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ٱمْرَأَتَكَ ﴾ يحتمل النهي عن الالتفات، كأنه يقول: لا يلتفت أحد.
ويحتمل الخبر كأنه يقول: لا يلتفت منكم أحد إلا من ذكر، وهو زوجته، فلذلك علامة لخلافها له.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ﴾ ، فقالوا: ﴿ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾ : كأن لوطاً استبطأ الصبح لعذابهم، فقالوا: أليس الصبح بقريب، هذا من لوط لا يحتمل أن يكون قال ذلك وهو بين أظهرهم، ويعلم أن قراه يقلب أعلاها أسفلها، وأسفلها أعلاها، ولكن قال [ذلك] - والله أعلم - بعدما أخرجوه وأهله من بين أظهرهم، فعند ذلك قال ما قال، واستبطأ وقت نزول العذاب بهم؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا ﴾ يحتمل: جاء الأمر بالمراد بأمرنا.
أو أمره هو جعله عاليها سافلها.
ثم قال أهل التأويل قوله: ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ أدخل جبريل جناحه تحت [قريات لوط] فرفعها إلى السماء، ثم قلبها فجعل ما [هو] أعلاها أسفلها، فهوت إلى الأرض؛ فذلك قوله: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ ﴾ قيل: [أهوى بها] جبريل من السماء إلى الأرض.
وأمكن أن يكون إذا أهلكهم جعلهم تحت الأرض؛ فذلك جعل أعلاها أسفلها، [لكن أهل التأويل حملوه على ما ذكرنا، وأجمعوا على ذلك.
وقال بعضهم: قلبت القرى، وجعل أعلاها أسفلها] على ما ذكر، وأرسل الحجارة على من كان غائبا عنها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ﴾ .
قال بعضهم: أمطر الحجارة عليها، ثم قلبها جبريل.
وقال بعضهم: أمطر عليها الحجارة بعدما قلبها [جبريل]، فسواها، وكل واحد منهم كان غائبا عن بلده جاءت حجار مكتوب عليها اسمه فقلته حيث كان، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّن سِجِّيلٍ ﴾ \[قال بعضهم\]: السجيل: هو اسم المكان الذي منه رفع الحجر الذي أمطر.
وقال بعضهم: هو طين مطبوخ كالآجر.
وعن ابن عباس - - قال: سَنْك وجيل ﴿ مَّنْضُودٍ ﴾ نضد الحجر بالطين وألصق بعضه ببعض [مسومة]: معلمة، مخططة، سود الحمرة.
وقال بعضهم: [ ﴿ مُّسَوَّمَةً ﴾ ]، أي: مكتوب عليها اسم صاحبها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ .
قال بعضهم: ما هي من ظلمة قوم لوط ببعيد.
وقال بعضهم: ما هي من ظالمي أهل [مكة] وحواليهم ببعيد، [أي: عذاب الله ليس ببعيد، فهو] يعذبهم إن شاء.
ويحتمل قوله: ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: تلك القرى والأمكنة التي أهلك أهلها ليست ببعيدة من مشركي أهل مكة، وهو ما ذكر: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ * وَبِٱلَّيلِ ﴾ الآية [الصافات: 137-138]، وفيه تذكير [منته] على هذه الأمة، حيث لم يجعل عذابهم عذاب استئصال بحيث لا يملكون العود عنه والرجوع، ولكن جعل عذابهم الجهاد، حتى لو أرادوا الرجوع عنه ملكوا، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِلَىٰ مَدْيَنَ ﴾ \[أي: إلى مدين أرسلنا\] ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يٰقَوْمِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُ ﴾ هذا قد ذكرنا فيما تقدم: أن كل نبي أول ما دعا قومه إنما دعا إلى توحيد الله، وجعل العبادة له.
وفي قوله: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ وما ذكر في غيره من الأخوة دلالة على أن الرسل من قبل كانوا يبعثون من جنس قومهم لا من الملائكة حيث قال: ﴿ أَخَاهُمْ شُعَيْباً ﴾ ، ومعلوم أنهم لم يكونوا إخوة لهم في الدين، وفيه أن المؤاخاة لا توجب فضيلة المؤاخى له؛ [لأنه ذكر أن الرسل] إخوة أولئك الأقوام، ومنهم كفرة، وذلك يرد قول الروافض في تفضيل عليّ على أبي بكر بالمؤاخاة التي كانت بين رسول الله وبين علي؛ والخلة توجب الفضيلة، وقد جاء عنه [أنه قال]: "لو اتخذت سوى ربي خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً" وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنقُصُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ ﴾ ، ذكر أنهم [كانوا] ينقصون المكيال والميزان، ولا يوفون الناس حقوقهم، فنهاهم عن ذلك، فهو - والله أعلم - لوجهين: أحدهما: أنهم إنما نهوا عن ذلك؛ لحق الربا؛ لأن النقصان إذا كان برضا من صاحبه يجوز؛ فدل أنه إنما نهاهم بحق الربا، وفيهما يجري الربا.
والثاني: فيه أن [هبة] المشتري للبائع، وتقلبه [فيه] قبل قبضه على قيام البيع فيما بينهما غير جائز؛ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ قيل: [في سعة] من المال.
وقيل: في رخص من السعر، وإنما يحمل المرء على النقصان والظلم على آخر - عز الشيء وضيق [الحال]، فكيف تنقصون أنتم في حال السعة ورخص السعر.
أو يقول: ﴿ إِنِّيۤ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾ في غير هذا، فلا تظلموا الناس في هذا، و [لا] تمنعوا حقوقهم، ﴿ وَإِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ ﴾ ، أي: يوم يحيط بهم العذاب إن كانت الإحاطة مضافة إلى اليوم فهو محيط بالكل، وإن كانت الإحاطة مضافة إلى العذاب، فهو محيط بالكفرة خاصة، وهو - والله أعلم - أنه ما من جارحة من ظاهرة وباطنة إلا وقد يصيبها العذاب، ويحيط بها، ليس كعذاب الدنيا يأخذ جزءاً دون جزء، بل يحيط به، والنهي بتخصيص نقصان الكيل والميزان لا يدل على أن لم يكن فيهم من المآثم والإجرام سوى ذلك، لكنه خص هذا؛ لما كان الظاهر فيهم نقصان الكيل والوزن، فذكر ذلك، وهو ما خص قوم لوط بقوله: ﴿ أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ و ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ...
﴾ الآية [العنكبوت: 28]، ذكر هذا وخصهم، ليس على أنهم لم يكونوا يأتون من الفواحش غيرها، لكن خص هذا؛ لأن الظاهر فيهم هذا؛ فعلى ذلك نقصان الكيل والميزان في قوم شعيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ أَوْفُواْ ٱلْمِكْيَالَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ خص المكيال والميزان [والله أعلم] - لما كانوا يطففون المكيال وينقصون الميزان؛ رغبة فيهما، وفيهما يجري الربا، كما ذكرنا.
وقوله - عز وجل: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ ، فيه دلالة أن المشتري يملك المبيع قبل أن يقبضه؛ لأنه قال: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ ﴾ أضاف إلى الناس أشياءهم، فلو كان لا يملك، لم يكن أشياء الناس، إنما كان [أشياء البائع]، فإنما نقص ماله.
[وقوله]: ﴿ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ ، وهو ما ذكر في موضع آخر: ﴿ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ قال بعضهم: ما أبقى الله لكم من ثوابه في الآخرة خير لكم إن آمنتم به، وأطعتموه مما تجمعون من الأموال.
[و] قال بعضهم: ﴿ بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي: ما جعل الله لكم مما يحل خير لكم مما يحرم عليكم من نقصان الكيل والوزن، ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ بالحلال أو بالآخرة.
وقال بعضهم: طاعة الله - وهو ما يأمركم به، ويدعوكم إليه - خير لكم مما تفعلون.
وقال الحسن: رزق الله خير لكم من بخسكم الناس حقوقهم، لكن هذا يرجع إلى ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ يحتمل: ما أنا عليكم بحفيظ، أي: لست أشهد بياعاتكم وأشريتكم حتى أعلم ببخسكم الناس المكيال والميزان، لكن إنما أعرف ذلك بالله، وفيه دلالة إثبات [رسالة محمد ].
والثاني: ﴿ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ أي: بمسلط عليكم، إنما أبلغ إليكم، كقوله: ﴿ مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰشُعَيْبُ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ قال بعض أهل التأويل: صلاتك، [أي]: قراءتك تأمرك هذا.
وقال ابن عباس: قالوا ذلك له؛ لأن شعيباً كان يكثر الصلاة، كأنه [يخرج] على الإضمار يقولون: أصلواتك تأمرك بأن تأمرنا بترك عبادة ما عبد آباؤنا.
وقوله: و ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ يحتمل [أنها كانت صلوات] معروفة يفعلها، فيقولون: أصلواتك التي تفعلها تأمرك أن نترك كذا، أم صلاة واحدة تكثرها، فقالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ ﴾ ، وخصوا الصلاة من [بين] غيرها من الطاعات؛ لما لعلها كانت من أظهر طاعاته عندهم، فقالوا له هذا.
ثم يحتمل وجهين: [أحدهما: كأنهم] قالوا: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ...
﴾ كذا على التسفيه له [والتجهيل] كمن يوبخ آخر [ويسفهه]، [فيقول له]: أعلمك يأمرك [بذلك]، أو إيمانك يأمرك بهذا، كقوله: ﴿ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ ﴾ ، ونحوه من الكلام يخرج على [التسفيه له أو التجهيل].
والثاني: يقال ذلك على الإنكار، يقول الرجل لآخر: إيمانك يأمرك بذلك، أو علمك يأمرك بهذا، [أي: لا يأمرك بذلك]، فعلى ذلك يحتمل قول هؤلاء: ﴿ أَصَلَٰوتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ \[أي: لا تأمرك بذلك\] هذا إذا كانت الصلاة التي ذكروها مرضية عندهم، فإن لم تكن مرضية، فالتأويل هو الأول.
وقوله - عز وجل -: [ ﴿ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ ﴾ ] الآية، حبب إليهم تقليد آبائهم في عبادة الأصنام واتباعهم إياهم والأموال التي كانت لهم، [فمنعهم هذا] عن النظر في الحجج والآيات؛ [لما] حبب إليهم ذلك، وهكذا جميع الكفرة إنما منعهم عن النظر في آيات الله و [التأمل في] حججه أحد هذه الوجوه التي ذكرنا: حب اللذات، ودوام الرياسات، والميل إلى الشهوات، ظنوا أنهم لو اتبعوا رسل الله وأجابوهم إلى ما دعوهم إليه - لذهب عنهم ذلك.
ثم قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِيۤ أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ﴾ يحتمل: قضاء جميع الشهوات.
ويحتمل: ما ذكر من نقصان المكيال والميزان، يقولون: أموالنا لنا ليس لأحد فيها حق، نفعل فيها ما نشاء.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَوْ أَن نَّفْعَلَ ﴾ : الألف صلة "وأن نفعل في أموالنا ما نشاء".
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ قال [بعضهم من] أهل التأويل: قالوا ذلك له؛ استهزاء به وسخرية، كنوا بالحليم عن السفيه، وبالرشيد [عن] الضال، أي: أنت السفيه [الضال]؛ حيث سفهت آباءنا في عبادتهم الأصنام، [الضال] حيث تركت ملتهم ومذهبهم.
وقال بعضهم: على النفي والإنكار، أي: ما أنت الحليم الرشيد.
ويشبه أن يكون على حقيقة الوصف له بالحلم والرشد؛ لأنهم لم يأخذوا عليه كذبا قط، ولا رأوه على خلاف و [لا على] سفاهة قط؛ فقالوا: ﴿ إِنَّكَ لأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ﴾ ، أي: كنت هكذا؛ فكيف تركت ذلك، وهو ما قال قوم صالح لصالح حيث قالوا: ﴿ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي: على [علم و] بيان وحجج وبرهان من ربي، على ما ذكرنا فيما تقدم، أي: تعلمون أني كنت على بيان من ربي وحجج، ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ : [يحتمل هذا منه مكان ما قال أولئك الأنبياء: ﴿ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ ﴾ أي: قال شعيب: ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ ] الدين والهدى، [و] النبوة على ما ذكر وأمكن أن يكون الرزق الحسن هو الأموال الحلال الطيبة التي لا تبعة عليه فيها فقال ذلك؛ وما رزق أولئك عليهم تبعة في ذلك؛ لأنهم اكتسبوها من وجه لا يحل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ من الناس من يقول: قال لهم ذلك بإزاء ما قالوا فيما ذكر في الأعراف: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ يقول: أأدعوكم إلى الإيمان بالله والتوحيد له، وأنهاكم عن الكفر به، ثم أرتكب ما أنهاكم عنه، وأترك ما أدعوكم إليه؟!
وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر [وأرتكبه]، وهو واحد ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ﴾ \[أي: ما أريد إلا الإصلاح لكم ما استطعت\]، وفيه دلالة [على] أن الاستطاعة تكون مع الفعل [لا غير]، أما أن يكون أراد: استطاعة الإرادة أو استطاعة الفعل، فكيفما كان، فقد أخبر أنه يريد لهم من الصلاح ما استطاع، فيه ما ذكرنا، وهو ينقض على المعتزلة مذهبهم؛ لأنهم يقولون: الاستطاعة تتقدم [على] الفعل، وهي لا تبقى وقتين؛ فيصير على قولهم إرادة الصلاح لهم [في غير زمن] الاستطاعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِيۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ ﴾ ، قال بعضهم: التوفيق: هو صفة كل مطيع، والخذلان: هو صفة كل عاص.
وقال بعضهم: التوفيق: هو ما [يوفق بين فعله وقوله] في الطاعة، والخذلان ما يفرق بين قوله وفعله في المعصية.
وقال الحسين النجار: التوفيق: هو قدرة كل خير وطاعة، والخذلان: هو قدرة كل شر ومعصية.
وعندنا: التوفيق: هو أن يوفق بين عمل الخير والاستطاعة، والخذلان: هو أن يفرق بين عمل الخير والاستطاعة.
أو أن نقول: هو أن يوفق بين عمل الشر والاستطاعة، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي: عليه اعتمدت في جميع أمري، وإليه توكلت، ﴿ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ ، أي: أرجع.
أو يقول: إليه أقبل بالطاعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِيۤ أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ ﴾ \[بالغرق\] ﴿ أَوْ قَوْمَ هُودٍ ﴾ \[بالريح الصرصر\] ﴿ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ ﴾ بالصيحة على ما ذكر.
قال بعضهم: ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يحملنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ قيل: خلافي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.
وقال بعضهم قوله: [ ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ أي: لا يؤثمنكم ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ أي: عداوتي أن يصيبكم مثل ما أصاب أولئك.
وقيل:] ﴿ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾ \[أي:\] لا يكسبنكم عداوتي.
وقال الحسن: ﴿ شِقَاقِيۤ ﴾ : ضراري.
لكن كله يرجع إلى معنى واحد؛ لأنه إذا ثبت العداوة، ثبت المخالفة والبغض والضرر، فكل ما ذكروا فهو واحد.
واصل الجرم: الإثم والذنب.
ثم يخرج إنذاره إياهم بمن هلك من الأمم على وجهين: أحدهما: أن قوم شعيب قوم لا يؤمنون بالبعث وبالقيامة، فأنذرهم بمن هلك من الأمم السالفة؛ لأنه لو كان ينذرهم بالبعث، لكان لا ينجح فيهم؛ لأنهم لا يؤمنون به.
والثاني: أنذرهم بأولئك؛ لأنهم كانوا يقلدون آباءهم في عبادة الأوثان، ويتبعونهم، فيقول: إنكم تقلدون آباءكم وتتبعونهم في عبادة الأوثان فاتبعوهم - أيضاً - فيما بلغوا إليكم من هلاك أولئك بعبادتهم الأوثان، وتكذيبهم الرسل، فإذا قلدتموهم في العبادة [فهلا] تقلدونهم وتتبعونهم فيما أصابهم بم أصابهم؟
أو يقول: [لهم]: إنكم تقلدون آباءكم الذين عبدوا الأوثان وقد هلكوا، فهلا تقلدون من لم يعبد منهم ونجا وقد [عرفتم أن] من هلك منهم [بم] هلك؟
ومن نجا منهم [بم] نجا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ ﴾ أي: إن نسيتم من مضى منهم، فلا تنسوا ما نزل بقوم لوط، وليسوا هم ببعيد منكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ﴾ أي: اطلبوا من ربكم المغفرة؛ أي: اطلبوا السبب الذي يقع لكم المغفرة من ربكم، وهو التوحيد ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه، ولا تعودوا إلى ما كنتم [من] قبل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ تُوبُوۤاْ إِلَيْهِ ﴾ أي: ارجعوا إليه رجوعاً حتى لا تعودوا إلى مثل صنيكعم أبداً ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ﴾ يرحم من تاب إليه، والله يرحمه ﴿ وَدُودٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ودود: أي: حق أن يؤدّ؛ إذ منه كل شيء وكل إحسان، والناس جبلوا على حب من أحسن إليهم.
والثاني: ودود لمن توسل إليه وتقرب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ ﴾ قوله: ﴿ مَا نَفْقَهُ ﴾ يحتمل: ما نفهم وما نعقل كثيراً مما تقول؛ كأنهم يقولون ذلك على الاستهزاء والهزء به؛ كأنهم نسبوه إلى الجنون؛ يقولون: لا نفهم ما تقول؛ لأن كلامك كلام مجانين.
وهذه هي عادة القوم؛ كانوا ينسبون الرسل إلى الجنون.
ويحتمل: ما نفقه: ما نقبل كثيراً مما تقول، فإن كان على الفهم فهو كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ ﴾ وهم كانوا فريقين: فريق كانوا يقولون: قلوبنا أوعية للعلم؛ كقولهم: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ فإن كان ما تقول حقّاً نفهم ونعقل كما نعقل غيره، وفريق قالوا: ﴿ قُلُوبُنَا فِيۤ أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنَا وَقْرٌ ﴾ كانوا يعقلون أنهم لا يفهمون ولا يفقهون؛ لأن قلوبهم في أكنة وفي آذانهم وقر، والفريق الأول يقولون: إن قلوبنا أوعية للعلم، فلو كان حقّاً لعقلناه كما عقلنا غيره، فهؤلاء كانوا يصرفون العيب إلى الرسول، وأولئك إلى أنفسهم، فعلى ذلك قوم شعيب يحتمل أن يكون قولهم كذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أي: إنك لست من كبرائنا وأجلتنا، إنما أنت من أوساطنا، وعلى ذلك الأنبياء إنما بعثوا من أوساط الناس، لا من كبرائهم في أمر الدنيا، فالقوي والعزيز عند أولئك القوم من عنده الدنيا والمال، وأما من لم يكن عنده المال فهو عندهم ضعيف ذليل؛ لأنهم لا يعرفون الدين، ولا يؤمنون بالآخرة، لذلك قالوا ما قالوا.
والثاني: لست أنت بذي قوة وبطش في نفسك، وقد ذكر أنه كان ضعيفاً في بصره ونفسه.
ويحتمل وصفهم بالضعف لهذين الوجهين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: قبيلتك.
وقيل: عشيرتك ﴿ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ الرجم: يحتمل: القتل، ويحتمل: اللعن والشتم.
ثم يحتمل قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ وجهين: أحدهما: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ ﴾ أي: لولا حرمة رهطك وإلا لرجمناك؛ كأنهم كانوا يحترمونه لموافقة رهطه إياهم في العبادة أعني عبادة الأوثان، وعلى ما هم عليه.
والثاني: لولا رهطك لرجمناك خوفاً منهم لما ذكر أنه كان كثير العشيرة، والقبيلة؛ كانوا يخافون عشيرته فلم يؤذوه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا وكبرائنا، إنما أنت من أوساطنا أو ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾ أي: ما أنت من أجلتنا؛ لأن العزيز عندهم من كان عنده المال والدنيا، لا يعرفون [العز في غير] ذلك، ولم يكن عند شعيب الدنيا لذلك نسبوه إلى ما ذكر: أو أنت ذليل عندنا، لست بعزيز، فيكون صلة قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ هذا يخرج على وجهين: يحتمل يا قوم، أرهطي أعظم حقّاً عليكم من الله وأكثر حرمة حتى تركتم ما أوعدتموني من النقمة لحقهم وحرمتهم؟!
والثاني: قوله: ﴿ يٰقَوْمِ أَرَهْطِيۤ أَعَزُّ عَلَيْكُم ﴾ أي: رهطي أشد خوفاً عليكم وأكثر نكاية من الله؛ لأنا قلنا في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ﴾ أنه يخرج على وجهين: أحدهما: الاحترام لرهطه لموافقتهم إياهم في جميع ما هم عليه، والمساعدة لهم.
والثاني: على الخوف والنكاية لقوتهم، وكثرتهم، وفضل بطشهم تركوا ما وعدوا له خوفاً من رهطه، فقال: خوفكم من رهطي أشد وأكثر عليكم من الخوف من الله، وقد بلغكم من نكاية الله ونقمته فيما حل بالأمم الماضية.
أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ قال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه، قال: تقول: العرب: فلان حمل الناس على ظهره: أي: أسخطهم على نفسه.
ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا.
فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال، وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال غيره من أهل التأويل: قوله: ﴿ وَٱتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً ﴾ أي: نبذتم الله وراء ظهركم، أي: نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم، لا تعملون به، ولا تكترثون إليه، هو كالمنبوذ وراء ظهركم؛ هذا على التمثيل أي: جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم، لا يعملون به ولا ينظرون إليه، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله: ﴿ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ وقوله: ﴿ ٱنْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ﴾ على التمثيل، أي: الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب ﴿ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين - أيضاً -: أي: إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها، أو يقول: إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيٰقَوْمِ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه، وأنا أكون على ديني؛ كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ لأن قوم شعيب قالوا لشعيب: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكَ يٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾ فقال لهم [هذا] عند ذلك، وهذا إنما يقال عند الإياس عن إيمانهم، كقوله: ﴿ لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ﴾ وأمثاله.
والثاني: قوله: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَٰمِلٌ ﴾ أي اعملوا في كيدي، والمكر في هلاكي، إني عامل ذلك بكم، وهو كما قال غيره من الرسل: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنْتَظِرِينَ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ في العاقبة وعيد من يأتيه عذاب يخزيه، أو سوف تعلمون في العاقبة من يأتيه منا عذاب يخزيه نحن أو أنتم ومن هو كاذب، وتعلمون - [أيضاً - في العاقبة] من الكاذب منا نحن أو أنتم؛ لأن كل واحد من الفريقين يدعي على الفريق الآخر الكذب والافتراء على الله، فيقول: سوف تعلمون في العاقبة [من] الكاذب منَّا والمفتري على الله، والصادق عليه ﴿ وَٱرْتَقِبُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴾ أي: ارتقبوا هلاكي، وأنا أرتقب هلاككم، أو ارتقبوا لمن العاقبة منا لنا أو لكم إني معكم رقيب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا ﴾ هذا قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ ﴾ قيل: الصيحة صيحة جبريل؛ أي: هلكوا بصيحته.
وقال بعضهم: الصيحة: اسم كل عذاب، وكذلك الرجفة؛ سمي العذاب بأسماء مختلفة: مرة صاعقة ، ومرة صيحة، ومرة رجفة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ * كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ هذا - أيضاً - قد ذكرناه فيما تقدم.
قال بعض أهل التأويل: قوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ في الهلاك ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ : كما أهلكت ثمود؛ لأن كل واحد منهما هلك بالصيحة فمن ثم اختص ذكر ثمود من بين الأمم.
وعن ابن عباس - -: لم يعذب بعذاب واحد إلا قوم شعيب وصالح؛ فأمّا قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وقوم شعيب من فوقهم.
قال: فنشأت لهم سحابة فيها عذابهم، فلم يعلموا كهيئة الظلة فيها ريح، فلما رأوها أتوها يستظلون تحتها من حر الشمس، فسال عليهم العذاب من فوقهم، فذلك قوله: ﴿ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ ﴾ من رحمة الله ﴿ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ﴾ من رحمته.
ويحتمل الهلاك الذي ذكرناه، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ وهي الحجج.
يحتمل قوله: ﴿ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ واحد، على التكرار، فإن كانت الآيات هي الأوامر والنواهي، وما يؤتى وما يتقى فقوله: ﴿ وَسُلْطَانٍ مُّبِين ﴾ هي الحجج والبراهين على ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ قد ذكرنا أن الملأ هو اسم لشيئين: اسم الجماعة، واسم الأجلة والأشراف، وهو كان مبعوثاً إلى الأشراف من قومه، وإلى الجماعة جميعاً؛ خصّ بعثه إلى فرعون وقومه وإن كان مبعوثاً إلى الكل؛ لما العرف في الملوك أنهم إنما يخاطبون الكبراء منهم والأشراف، وإن كان [المقصود من الخطاب] الكل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبَعُوۤاْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ قال بعضهم: هو ما ذكر في حم المؤمن حيث قال لهم: ﴿ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ﴾ فأطاعوا فرعون في قوله؛ يقول الله: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ \[أي\]: يهدي، أو يقول: ما الأمر الذي عليه فرعون برشيد؛ بل هو ضلال.
ولكن عندنا أنهم أطاعوا فرعون في جميع أمره ونهيه في عبادة الأصنام وغيره، وهو ما ذكر: ﴿ فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ أي: ليس بهدى؛ بل كان أمره ضلالا؛ حيث كان هو ضالا مضلا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قال بعضهم: أي: صار قدامهم.
وقال بعضهم: يقدم أي: يقود قومه إلى النار حتى يوردهم النار.
ويحتمل قوله: ﴿ يَقْدُمُ قَوْمَهُ ﴾ أي: يكون إماماً لهم يوم القيامة يتبعون أثره، كما كان إمامهم في الدنيا فاتبعوه؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ وكقوله: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ ﴾ أخبر أنهم يكونون أئمة لهم في الآخرة.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ﴾ أي: دعاهم في الدنيا، وأمرهم بأمور توردهم النار تلك الأعمال كقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ أي: ما أصبرهم على عمل أهل النار.
وقال بعضهم: يتبعونه حتى يدخلهم النار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ قال بعضهم: بئس المدخل المدخول، والورد هو الدخول، والمورود المدخول؛ سمي الجزاء باسم سببه.
قال ابن عباس - -: جميع ما ذكر في القرآن من الورود فهو دخول منهم، قوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ ﴾ وقوله: ﴿ وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا ﴾ وقوله: ﴿ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾ ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ فقال: والله ليردنها كل برّ وفاجر ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَأُتْبِعُواْ فِي هَـٰذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ يحتمل: اللعنة في الدنيا: العذاب الذي نزل بهم.
ويحتمل لعن الخلائق يلعنهم من ذكرهم.
وفي الآخرة يحتمل الوجهين جميعاً.
يحتمل: يعذبون في الآخرة - أيضاً - كما عذبوا في الدنيا.
ويحتمل: لعن الخلائق - أيضاً - من رآهم لعنهم، واللعن هو الطرد في اللغة: طردوا عن رحمة الله ولم يرحموا في عذاب الدنيا؛ ولا يرحمون في عذاب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ عن ابن عباس: ﴿ بِئْسَ ٱلرِّفْدُ ٱلْمَرْفُودُ ﴾ يقول: لعنة الدنيا والآخرة.
وقال قتادة: ترادفت عليهم لعنتان من الله: لعنة الدنيا، ولعنة الآخرة، ولكن على زعمهم يجيء أن يقال: الردف من الترادف.
وقال بعضهم: الردف العون، وهو قول القتبي.
وقال القتبي: الرفد: العطية، والمرفود: المعطي؛ يقال: رفدته: إذا أعطيته وأعنته، كما يقال: بئس العطاء المعطي، وكذلك قال أبو عوسجة: بئس ما أعطوا وأعينوا، وبئس المعطي، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قوله: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ : ذلك ما سبق من ذكر القرى والقرون في هذه السورة من أنباء الغيب نقصه عليك؛ [لتفهم رسالتك بها]، ولتكون آية لنبوتك؛ لأنك لم تشاهدها، ولا اختلفت [إلى أحد] منهم فتعلمت منهم، ولا كانت الكتب بلسانك فيقولون: نظرت فيها فأخذت ذلك منها، ثم أنبأت على ما كان وقصصت عليهم؛ ليعلم أنك إنما عرفت بالله، فتكون آية لرسالتك.
وقوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ ﴾ قال بعض أهل التأويل ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ : ترى مكانها وتنظر إليها، ومنها حصيد لا ترى له أثراً ولا مكاناً.
وقال بعضهم: قائم: أي: خاوية على عروشها، وحصيد: مستأصلة.
وعن الحسن قال: منها قائم وما حصد الله أكثر، أي: وما أهلك الله من القرى أكثر.
وأصله عندنا: منها قائم؛ نحو قرى عاد وثمود ومدين، أهلك أهلها وبقيت القرى لأهل الإسلام؛ لأنه يقول في قرى عاد: ﴿ فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ ﴾ الآية [الأحقاف: 25]، ومنها حصيد: ما أهلك أهلها والقرى جميعاً نحو قوم نوح؛ أهلكوا ببنيانهم، ونحو قريات قوم لوط أهلكت بأهلها أيضاً حتى لم يبق لا الأهل ولا البنيان، فذلك - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ مِنْهَا قَآئِمٌ ﴾ هلك أهلها وبقي البنيان، ومنها حصيد: هو ما أهلك البنيان بأهله، حتى لم يبق لها أثر، وفيه وجوه ثلاثة: أحدها: آية لرسالته؛ لما ذكرناه وعبرة لأهل التقوى، وهو ما ذكر في آخره: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ أي: عبرة لمن خاف عذاب الآخرة، وزجراً لأهل الشرك والكفر؛ لأنهم يذكرون ما نزل بأولئك فينزجرون عن صنيعهم فيه.
هذه الوجوه التي ذكرناها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ فيه وجهان: أي: لم نظلمهم؛ لأنهم وبنيانهم ملك لله - - وكل ذي ملك له أن يهلك ملكه، ولا يوصف بالظلم من أتلف ملكه، وهم ظلموا أنفسهم إذ أنفسهم ليست لهم في الحقيقة وكذلك بنيانهم، ومن أتلف ملك غيره فهو ظالم.
والثاني: أن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ يقول: وما ظلمناهم بالعذاب؛ إذ هم يستوجبون ذلك بما ارتكبوا، فلم نضع العذاب في غير موضعه؛ بل هم الذين وضعوا أنفسهم في غير موضعها؛ حيث صرفوها إلى غير مالكها وعبدوا غيره، فهو ظلم؛ هذا التأويل في أنفسهم، وأما البنيان فهو، أنه إنما جعله لهم، فإذا هلكوا هم أهلك ما جعل لهم، إنما أبقي لهم ما داموا، فأما إذا بادوا هم فلا معنى لإبقاء البنيان.
وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوهاً: أحدها: ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله.
والثاني: ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله.
والثالث: ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب.
وقوله: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ في هذا وجهان: أحدهما: ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك؛ أي: عذاب ربك؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ...
﴾ الآية [الزمر: 3]، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا.
والثاني: فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم؛ كقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾ يحتمل: ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب.
والتتبيب: قال عامة أهل التأويل: هو التخسير.
وقال أبو عوسجة: غير تتبيب: غير فساد، والتتبيب: الفساد.
وكذلك قال في قوله: ﴿ وَمَا كَـيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ أي: فساد.
وقال غيره: إلا في خسار وقال غيره: غير تخسير.
[وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ ﴾ أي: خسرت.
وقال أبو عبيدة: غير تتبيب: غير تدبير وإهلاك].
وكذلك قالوا في قوله: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾ وكذلك قالوا في قول الناس: تبّاً لك.
وقال بعضهم: غير تتبيب غير شر، والتتبيب: الشر، والتبّ: الشر والخسران، وهما واحد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ ﴾ أي: هكذا يأخذ كفار هذه الأمة كما أخذ أولئك، أي: كما عذبنا الأمم الخالية وهي ظالمة مشركة كافرة، كذلك نعذب هذه الأمة [لكن أخر عن هذه الأمة]، وفيه رحمة أن ﴿ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ ، أي: أن أخذه بالعذاب أليم شديد، الأخذ نفسه يوصف بالشدة، ولكن لا يوصف بالألم، والعذاب يوصف بالألم، لكن لما وصف بالألم والشدة دل أن الأخذ أخذ بعذاب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ ٱلآخِرَةِ ﴾ هو ما ذكرناه: فيه عبرة لأهل التقوى ولمن خاف عذاب الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ ٱلنَّاسُ ﴾ خصّ الناس بالذكر وإن كان الجمع لهم ولغيرهم؛ لأن الآية التي ذكر تكون لهم آية، أو لما هم المقصودون بالجمع بذلك اليوم - والله أعلم - قيل: يجمع فيه الأولون والآخرون ﴿ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ﴾ .
قال بعضهم: يشهده أهل السماء وأهل الأرض للعرض والحساب، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ ﴾ أي: ما نؤخر العذاب عن هذه الأمة إلا لأجل معدود، وذكر هذا - والله أعلم - جواب ما استعجلوه من العذاب بقولهم: ﴿ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ونحوه، فقال: وما نؤخر العذاب عنهم إلا لأجل معدود، إلا لوقت موقوت؛ أي: إلا لأجل معدود عند الله، ولو كان ما ذكر ابن عباس أنه سبعة آلاف فيكون معدوداً عند الناس، ويكون وقت القيامة معلوماً على قوله، وقد أخبر الله: ﴿ لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ ﴾ والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ أي: لا تكلم نفس بالشفاعة لأحد إلا بإذنه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ ﴾ أو لا تكلم نفس لأهوال ذلك اليوم ولفزعه؛ كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ ﴾ وكقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً ﴾ أو لا تكلم نفس من الأجلة والعظماء لأحد من دونهم بالشفاعة إلا بإذنه، وهو ما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ : فمنهم شقي بأعماله الخبيثة التي إذا اختارها وعملها أدخلته [النار، ومنهم سعيد بما أكرم من الطاعة والخيرات التي إذا اختارها وعملها أدخلته] الجنة، وكل عمل يعمله فيدخله الجنة فهو سعيد به، وكل عمل يعمله فيدخله النار فهو شقي به.
روي في ذلك خبر عن رسول الله روي عن عمر - - قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ﴾ سألت النبي فقلت: يا نبي الله، فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه أو شيء لم يفرغ منه؟
قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر، ولكن كل ميسر لما خلق له" فإن ثبت هذا فهو يدل لما ذكرناه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ ﴾ لما ذكرناه ﴿ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ﴾ قال بعضهم: الزفير هو كزفير الحمار في الصدر، وهو أول ما ينهق، وأمّا الشهيق فهو كشهيق الحمار في الحلق، فهو آخر ما يفرغ من نهيقه، فهو شهيق.
وقال بعضهم: الزفير هو ما لا يفهم منه شيء إنما هو كالأنين والجزع من شيء يصيبه لا يتبين منه؛ كقوله: ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ والشهيق هو ما يرتفع منه الصوت يسمى شهيقاً.
ويحتمل ما ذكر من الزفير والشهيق أنهم يصيرون بعد كثرة دعائهم وندائهم حتى يكون منهم الزفير والشهيق لا يفهم؛ كصوت الدواب إذا أصابها ألم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ عن الحسن قال: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ : تبدل سماء غير هذه السماء، وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السماء وتلك الأرض؛ لأن السماء هذه أخبر أنها تنشق وتطوى وتبدل؛ كقوله: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ ﴾ و ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ﴾ و ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ﴾ ونحوه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ إنما هو صلة الكلام؛ كأنه قال: خالدين فيها إلا ما شاء ربك، وقد يتكلم بمثل هذا على الصلة.
وقال بعضهم: يدوم لهم العذاب أبداً ما دامت السماوات والأرض [لأهل الدنيا ما كانوا فيها؛ لأنهما إنما تفنيان بعد فناء أهلها وإحياء الأهل والبعث، فأخبر أن العذاب يدوم لهم كما يدوم لأهل الدنيا السماء والأرض].
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت سماء الجنة وأرض الجنة، وسماء النار وأرض النار، لكن ذكر هذا لئلا يتوهم أهل الجنة والنار قبل هلاك سمائها وأرضها على ما يتوهم في توهم هلاك أهل الدنيا قبل هلاك سمائها وأرضها.
وقال بعضهم: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ أي: ما دامت الأرض أرضاً والسماء سماء، يتكلمون على ما بعد من أوهامهم فناؤهما، أو على الصلة؛ يقول الرجل لآخر: لا أكلمك ما دام الليل والنهار: أي أبداً.
هذا تأويل قوله: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ وأما قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ قال بعضهم: إن ناساً من أهل التوحيد يعذبون في النار على قدر ذنوبهم وخطاياهم ثم يخرجون منها.
وقد روي في ذلك آثار؛ روي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة - ما - عن النبي قال: "الاستثناء في الآيتين كلتيهما لأهل الجنة" ، يعني: الذين يخرجون من النار من أهل التوحيد ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ يقول: لم يشقوا شقاء من يخلد في النار وقال في الذين سعدوا إلا ما شاء ربك هم أولئك الذين لم ينالوا من السعادة ما نال أهل الجنة الذين لم يدخلوا النار.
وفي بعضها [عن النبي] أنه قال: "أما من يريد الله إخراجه [من النار] فإنهم يماتون فيها إماتة" وقال في خبر آخر: "أما من يريد الله له الخلود فلا يخرجون منها" وأمثال هذا من الأخبار، فإن ثبت هذا فهو المعتمد.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ أي: قد شاء لأهل النار الأبد والخلود، وشاء لأهل الجنة عطاء غير مجذوذ؛ أي: غير منقطع.
ويؤيد هذا التأويل ما ذكر في حرف ابن مسعود وأبي: ﴿ مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ ﴾ في الآيتين؛ وفي الآية الأولى: ﴿ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ وفي الأخرى: (ما دامت السماوات والأرض عطاء غير مجذوذ) وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود وأبي أنهما لم يذكرا الثنيا في أهل الجنة، وأصل هذا ما ذكر أبو عبيد قال: الاستثناء الذي هو في أهل السعادة فهو المشكل؛ لأنه يقال: كيف يستثني وقد وعدهم خلود الأبد في الجنة.
وقال في ذلك أقوالا لا أدري إلى من تسند، إلا أن لها مخارج في كلام العرب وشواهد في الآثار، وإنما يتكلم الناس في هذا على معاني العربية، والله أعلم بما أراد.
قال: فأحد هذه الوجوه في الاستثناء فيما يقال كالرجل يوجب على نفسه الشيء ليفعلنه، ثم يقول: إن شاء الله، وعزمه [و] ضميره مع استثنائه أنه فاعله، لا يريد غيره.
ومما يقوي هذا المذهب قول الله - -: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ ﴾ فاستثنى، وقد علم أنهم داخلوه ألبتة.
ومنه ما روي في حديث مكة عن النبي حين قال: "ولا تحل لقطتها إلا لمنشد" وقال بعضهم: استثنى المنشد وهي لا تحل له، كما لا تحل لغيره.
والوجه الثاني بأن يكون "إلا" في معنى سوى؛ فإن العرب تفعل ذلك؛ تقول: عليك ألف درهم من قبل كذا وكذا، إلا الألف التي قبل ذلك؛ أي: سوى الألف التي قبل ذلك [وغير الألف التي قبل ذلك، وإلا الألف التي قبل ذلك]، فيكون المعنى على هذا أنه وعدهم خلود الأبد سوى ما أعد لهم من الزيادة في الكرامة والمنزلة التي لم يذكرها لهم.
ومما يقوي هذا التأويل ما روي عن نبي الله قال: "قال الله - -: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما اطلعتم عليه" ثم قرأ: ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ...
﴾ الآية [السجدة: 17]؛ أفلا ترى أن هاهنا من الزيادة ما لم يطلعهم عليه.
والوجه الثالث: أن يكون الاستثناء من خلودهم في الجنة احتباسهم عنها ما بين البعث والحساب، وقد قيل ما ذكرناه أنه ما بين الموت والبعث، وهو البرزخ الذي ذكر، إلى أن يصيروا إلى الجنة، ثم هو خلود الأبد؛ يقول: فلم يغيبوا عن الجنة إلا بقدر إقامتهم في الحساب.
ومما يقوي هذا المذهب ما قيل في قوله: ﴿ وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ قيل: ما بين الموت والبعث، والله أعلم بذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ ﴾ فقد اختلف القراء في قراءتها؛ قرأها الكسائي وحمزة.
بضم السين (سُعِدُواْ) وأما أبو عمرو وأهل المدينة وغيرهم من القراء قرءوا بفتح السين (سُعِدُواْ) على قياس (شَقُواْ).
قال أبو عوسجة: لا أعرف سعدوا بضم السين، وإنما هو سعدوا بفتح السين.
وقال أبو عوسجة (غَيْرَ مَجْذُوذٍ) أي: غير مقطوع؛ كقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً ﴾ أي قطعاً، وقد ذكرنا قولهم في الزفير والشهيق على قدر حفظنا له.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ تأويله - والله أعلم -: لا تكن يا محمد في شك بأن هؤلاء قد بلغوا في عبادتهم الأصنام والأوثان الحد الذي بلغ آباؤهم في عبادتهم الأصنام والأوثان فأهلكوا إذا بلغوا ذلك الحد، فهؤلاء - أيضاً - قد بلغوا ذلك المبلغ؛ أي: مبلغ الهلاك، لكن الله برحمته وفضله أخره عنهم إلى وقت.
أو يقال: إن هؤلاء قد بلغوا في العبادة لغير الله بعد نزول القرآن والحجة المبلغ الذي كان بلغ آباؤهم قبل نزول الحجة والبرهان في عبادتهم غير الله.
أو كان في قوم قد أظهروا الموافقة لهم، وكانوا يعبدون الأصنام في السر على ما كان يعبد آباؤهم، فقال: هؤلاء وإن أظهروا الموافقة لك فقد بلغوا بصنيعهم في السر مبلغ آبائهم، والله أعلم هذا يحتمل وجهين: أحدهما: إخبار عن قوم خاص أنه لا يؤمن أحد منهم؛ ليجعل شغله بغيرهم.
والثاني: إخبار ألا يؤمن جميع قومك كما لم يؤمن قوم موسى بأجمعهم؛ بل قد آمن منهم فريق، ولم يؤمن فريق، فعلى ذلك يكون قومك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ قال بعضهم: قوله: وإنا لموفوهم نصيبهم في الدنيا من الأرزاق، وما قدر لهم من النعم ﴿ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ ، لا ينقص ما قدر لهم؛ أي: لا يهلكون حتى يوفى لهم الرزق.
وقال قائلون: (وإنا لموفوهم بأعمالهم غير منقوص) أي: لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، ولا يزادون عليها، إن كان حسناً فحسن، وإن كان شرّاً فشر؛ فهو على الجزاء.
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ يقول: إنا نوفر لهم حظهم من العذاب في الآخرة، غير منقوص عنهم ذلك العذاب.
وقوله: ﴿ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ ﴾ إن كان التأويل في قوله: ﴿ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـٰؤُلاۤءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ ﴾ على الإياس من قوم علم الله منهم أنهم لا يؤمنون، فيكون تأويله ما ذكر في آية أخرى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 15]، وإن كان الثاني فهو ما ذكر في آية أخرى قوله: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ...
﴾ الآية [هود: 111].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ أي: التوراة ﴿ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ أي: اختلف في الكتاب، والاختلاف فيه يحتمل وجوهاً ثلاثة: أحدها: في الإيمان به والكفر منهم، من آمن به، ومنهم من كفر.
والثاني: اختلفوا فيه: في الزيادة والنقصان، والتبديل والتحويل والتحريف؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78]، وكقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ...
﴾ الآية [البقرة: 79] وقوله: ﴿ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ وأمثاله من الآيات.
والوجه الثالث: من الاختلاف: اختلفوا في تأويله وفي معناه بعد ما آمنوا به وقبلوه، فالاختلاف في التأويل مما احتمل كتابنا، وأمّا التبديل والتحويل والتحريف، والزيادة والنقصان فإنه لا يحتمل لما ضمن الله حفظ هذا الكتاب بقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وقال: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ...
﴾ الآية [فصلت: 42]، وجعله ميسراً على ألسن الناس وقلوبهم، حتى من زاد، أو نقص، أو بدل، أو حرف شيئاً أو قدم، أو أخر عرف ذلك، فهو - والله أعلم - لما لا يحتمل إحكام هذا نسخها ولا شرائعه تبديلها، وأما الكتب السالفة فإنما جعل حفظها إليهم بقوله: ﴿ بِمَا ٱسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ ٱللَّهِ ﴾ فهو - والله أعلم - لما احتمل شرائعها وأحكامها نسخها وتبديلها، لذلك كان الأمر ما ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ فَٱخْتُلِفَ فِيهِ ﴾ ذكر هذا لرسول الله يصبره على ما اختلف فيه قومه في الكتاب الذي أنزل عليه؛ يقول: وقد اختلف فيما أنزل على من كان قبلك كما اختلف فيما أنزل عليك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ بالهلاك إهلاك استئصال واستيعاب.
وكلمته التي سبقت تحتمل ما كان من حكمه أن يختم الرسالة بمحمد وأن يجعله خاتم النبيين، وأمته آخر الأمم، بهم تقوم الساعة، يحتمل أن يكون كلمته التي ذكر هذا الذي ذكرناه.
وتحتمل وجهاً آخر: وهو أن كان من حكمه أنهم إذا اختلفوا في الكتاب والدين، وصاروا بحيث لا يهتدون إلى شيء، ولا يجدون سبيلا إلى الدين أن يبعث رسولا يبين لهم الدين، ويدعوهم إلى الهدى؛ لولا هذا الحكم الذي سبق وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
والثالث: [لولا] ما سبق منه أن يؤخر العذاب عن هذه الأمة إلى وقت وإلا لقضي بينهم بالهلاك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ يحتمل الكملة التي ذكر أنها سبقت في قوم موسى، وهو أنه لا يهلكهم بعد الغرق إهلاك استئصال، والتوراة إنما أنزلت من بعد، فقد آمن [من قومه قوم، وهو ما قال]: ﴿ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ...
﴾ الآية [الأعراف: 159].
[وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ في الدين مريب].
وقال بعضهم: ﴿ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ﴾ يعني: من العذاب مريب وقد ذكرنا الفرق بين الشك والريب فيما تقدم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ ﴾ قيل: ﴿ لَّمَّا ﴾ هاهنا صلة، يقول - والله أعلم -: وإن كلا ليفينهم ربك جزاء أعمالهم في الآخرة إن كان شرّاً فشرّ، وإن كان حسناً فحسن.
ومن قرأ ﴿ لَّمَّا ﴾ بالتشديد [فتأويله يحتمل] وجهين: أحدهما: إلا.
والثاني: لما؛ أي: "لَمِمْمَا" اجتمع فيها ميمات طرحت الواحدة وأدغمت إحداهما في الأخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ فَلِذَلِكَ فَٱدْعُ وَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ قال بعضهم قوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ الاستقامة هو التوحيد؛ أي: استقم عليه حتى تأتي به ربك؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ على ذلك حتى أتوا على الله به.
وقال بعضهم: ﴿ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ ﴾ بما تضمن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ لأن قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱللَّهُ ﴾ إقرار منه له بالربوبية، فيجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويجعل في نفسه العبودية له؛ هذه هي الاستقامة التي ذكر، والله أعلم، أن يجعل في نفسه وجميع أموره الربوبية لله، والألوهية له، ويأتي ما يجب [أن يؤتى، وينتهي عما يجب أن ينتهي]، ويتبع جميع أوامره ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱسْتَقِمْ ﴾ لرسول الله، يحتمل على تبليغ الرسالة إليهم.
وقوله: ﴿ فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: استقم على ما أمرت ومن آمن معك - أيضاً - يستقيم على ما أمروا.
والثاني: يقول: امض إلى ما أمرت حرف ﴿ كَمَآ ﴾ يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما على ما أمرت، وإلى ما أمرت.
وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ مَعَكَ ﴾ من الشرك، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا وأدّوا بلسانهم ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ ﴾ قال بعضهم الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له.
وقوله: ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ هذا وعيد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قال الحسن: هو صلة قوله: فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار.
قال الحسن: بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة، والطغيان في النعمة.
الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.
﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ في دفع العذاب عنهم، أو إحداث نفع لهم.
﴿ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ لا ناصر لهم دونه، ولا مانع، والله أعلم.
وتأويل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في ظلمهم ﴿ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ...
﴾ الآية، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسّه النار، وكأنه إنما خاطب به الأتباع؛ يقول: لا تركنوا إلى الكبراء منهم والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار.
وقال بعض أهل التأويل نزل قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُوۤاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ في رسول الله حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه؛ يقول: ولا تميلوا إلى أهل الشرك، ولا تلحقوا بهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : صلاة المغرب، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث: صلاة الفجر في الطرف الأوّل، وصلاة العصر في الطرف الأخير ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ [صلاة المغرب؛ لأنه ذكر زلفاً من الليل، والزلف هي القرب منه؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة إليه؛ فيكون قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ ] أي: قريباً من طرفي النهار من الليل، وهو المغرب، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيلِ ﴾ ذكر دلوك الشمس، وهو زوال الشمس، وغسق الليل: العشاء، أو في قوله: ﴿ فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ : صلاة العصر، ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ : صلاة الفجر ﴿ وَعَشِيّاً ﴾ : صلاة العشاء ﴿ وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴾ : صلاة الظهر، وليس لصلاة المغرب ذكر في الآية، لكنها ذكرت في قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ .
وقال بعضهم: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : هو ساعات الليل، إلا أن بعض أهل التأويل صرفوها إلى الصلوت الخمس، وقالوا: قوله: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : صلاة الصبح والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ المغرب والعشاء.
وقال الحسن: هما زلفتان من الليل: صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعلى ذلك جاءت الآثار في قوله ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الحسنات هي الصلوات الخمس.
وروي "أن رجلا أصاب من امرأة كل شيء إلا الجماع، فندم على ذلك، فأتى رسول الله، فسأله، فقال رسول الله : ما أدري ما أرد عليك حتى يأتيني فيك شيء من الله.
قال: فبينما هم كذلك إذ حضرت الصلاة، فلما فرغ من صلاته نزل عليه جبريل بتوبته فقال: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ غدوة وعشية، صلاة الغداة والظهر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ صلاة المغرب والعشاء ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ يعني: الصلوات الخمس ﴿ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ .
﴿ ذٰلِكَ ﴾ : يعني: الصلوات الخمس ﴿ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ قال: توبة للتائبين، فقرأ رسول الله فقال عمر: يا رسول الله، أخاص له أم عام؟
قال، لا، بل عام للناس كلهم" فإن ثبت هذا فهو الأصل في ذلك.
وعن عثمان - في بعض الأخبار - أنه سمع النبي يقول: "الصلوات الخمس الحسنات يذهبن السيئات فقالوا: فما الباقيات الصالحات يا عثمان؟
فقال: لا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم]" .
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "الصلوات كفارات الخطايا، واقرءوا إن شئتم: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ " وعن ابن عباس: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال: الصلوات الخمس.
وعن جابر قال: قال رسول الله : "مثل الصلوات الخمس كمثل نهر جار على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات" والأخبار في هذا كثيرة.
وقال بعضهم: فيه ذكر أربع صلوات، يقول: ﴿ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ ﴾ : الفجر والعصر ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : المغرب والعشاء.
وقد جاءت الآثار في أن الحسنات هن خمس صلوات.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ قال بعضهم: فعل الصلوات نفسها، وهو ما ذكرنا من الأخبار إن ثبت.
وقال بعضهم: نفس الصلاة لا تكفر، ولكن تذكر ما ارتكب من الذنوب فيندم عليها؛ فذلك يكفر، وهو كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ...
﴾ الآية، أخبر أن الصلاة تنهى، ولا تنهى إلا بعد أن تذكر ذلك.
وقال بعضهم قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ ﴾ ؛ أي: تمنع عن الفحشاء؛ أي: ما دام فيها.
ويحتمل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ﴾ الصلوات وغيرها من الحسنات؛ فيه إخبار أن من الحسنات [ما يكفر] شيئاً من السيئات، والله أعلم.
وقوله: ﴿ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ ﴾ ﴿ ذٰلِكَ ﴾ الذي سبق ذكره ﴿ ذِكْرَىٰ ﴾ عظة للمتعظين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ظاهر ما ذكر من الكلام أن يقول: فإن الله لا يضيع أجر الصابرين؛ لأنه ذكر الصبر بقوله: ﴿ ٱصْبِر ﴾ لكن يحتمل قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ ﴾ عن الشرور كلها وأحسن، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ بل يجزيهم جزاء إحسانهم.
أو يقول: اصبر على أداء ما كلفت من الطاعات، أو تبليغ ما كلفت التبليغ إليهم.
ويحتمل وجهاً آخر: اصبر على أذاهم ولا تكافئهم [فإذا لم تكافئهم] فقد أحسنت إليهم، فإن الله لا يضيع أجر المحسنين، أو يقول هو له: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ ﴾ والله أعلم.
قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ ﴾ : ساعات من الليل.
وقال: الزلفة: المرحلة، والزلفة: القربة؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ ﴾ أي: لقربة.
وقال أبو عبيدة: الزلف: [جمع] زلفة، وهي الساعة، وهي المنزلة [على ما قلناه].
<div class="verse-tafsir"
قوله - -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ظاهر هذا يخرج على المعاتبة أو التنبيه والتذكير؛ لأنه يقول: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ ﴾ أي: لم لا كانوا كذا؟
فليس ثم من أولئك من يعاتب أو ينبه، لكنها تخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ ﴾ أي: فهلا كانوا ذوي بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ومعناه - والله أعلم -: هلا كثر أهل الإسلام فيهم حتى قدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ لأنهم إذا كانوا قليلا لم يقدروا على النهي عن الفساد في الأرض؛ نحو لوط وأهله، كانوا عدداً قليلا كيف كان يقدر على النهي عن الفساد، أو المنع عن ذلك، وكنوح - أيضاً - كان معه نفر يقل عددهم، لم يقدروا على منع قومه عن الفساد ونحوه.
فإذا كان ما ذكرناه فكأنه - والله أعلم - يقول: هلا كثر أهل الإسلام وأولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض.
والثاني: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي: قد كان منهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوا عن الفساد في الأرض، فأهلكوا جميعاً إلا قليلا ممن أنجينا منهم، وذلك القليل قد نهوا عن الفساد في الأرض، فنجوا بين أولئك.
حاصل هذا يخرج على هذين الوجهين اللذين ذكرناهما: أحدهما: لم يكن منهم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض؛ على ما قاله بعض أهل التأويل.
والثاني: كان فيهم أولو بقية، لكنهم لم ينهوهم عن الفساد [في الأرض] إلا قليلا منهم فإنهم قد نهوهم عن ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ هو يخرج على وجهين: يحتمل: واتبع: الأتباع والسفلة الذين ظلموا من أترفوا فيه من الأموال أي: وسع [عليهم وأعطوا] الأموال وهم الأجلة والأئمة منهم أي: آثروا اتباع الأئمة والأجلة الذين أترفوا فيه على اتباع الرسل والأنبياء.
والثاني: ﴿ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ وهم الأجلة والأئمة ﴿ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ ﴾ أي: ما أعطوا من الأموال أي: آثروا الدنيا وما فيها على اتباع الرسل والأنبياء.
أحد التأويلين يرجع إلى السفلة والأتباع، وهو الأوّل، والثاني إلى الأجلة والأئمة هم آثروا اتباع الدنيا على اتباع الرسل، ثم تبعهم الأتباع والسفلة في ذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: ما كان ربك ليهلك القرى إهلاك استئصال وانتقام وأهلها كلهم مصلحون، أو أكثر أهلها مصلحون، إنما يهلك القرى إذا كان أهلها كلهم مفسدين، أو عامة أهلها مفسدين؛ هذا يدل [على] أن الحكم في الدار إنما يكون بغلبة أهلها: إن كان أكثر أهلها أهل الإسلام فالحكم حكم الإسلام، وإن كان عامة أهلها أهل الحرب والكفر فالحكم حكمهم، ولا يسمّى أهلها كلهم بالكفر والفساد إذا كان أكثر أهلها مصلحين؛ ألا ترى أنه قال في قوم لوط: ﴿ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ سمى أهل [القرية] قرية وإن كان فيها لوط وأهله مصلحون لم يعد لوطاً وأهله من أهلها.
وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ ﴾ أي: لا يكون في إهلاكهم ظالماً.
ثم هو يخرج على وجهين: أحدهما: أن الخلق له، فهو بإهلاكه لم يكن ظالماً؛ لأنه أهلك ماله.
والثاني: أنه إنما يهلكهم بظلم كان منهم؛ كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ...
﴾ الآية، أي: إنما يهلكهم بشيء اكتسبوه، فهم بما اكتسبوا ظلموا أنفسهم، وهو كقوله: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ قالت المعتزلة: هذه المشيئة مشيئة القهر والقسر، وذلك مما يدفع المحنة، ويزول لديه المثوبة والعقوبة، وكذلك في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ .
وأما عندنا فلو شاء لجعلهم أمة واحدة، مشيئة لا تزول معها المحنة، والذي يدل عليه خصال: أحدها: أن الله قد عرفنا الإيمان والدين الذي يقع به اجتماع، أو فيه الاختلاف بما ركب فينا من العقول التي بها نعرف حقائق الأشياء ومجازاتها، ومحاسن الأمور وقبيحها، بمعونة السمع أو بالتأمل فيما يحس بالأمرين جميعاً أنه لا يكون إلا بالاختيار، ولا يوصل إلى السبب الذي به يدان إلا بالاستدلال أو التعليم؛ إذ هو طاعة وتصديق، وذلك يكون ممن لا يحس، وطريقه الاجتهاد، وكل ذي أضداد القسر، فمحال أن يعود الكون لو شاء على وجه قد عرفنا أنه لا يكون سمعاً وعقلا، فيكون في الحقيقة كأنه قال لو شاء أن يكون لا يكون، على أن ذا من يقبل عنه هذه الدعوى على قولهم، وهو منذ كان الخلق بين أن كان فيما شاء إثباته من أفعال الخلق فلم يكن ولم يشأ، فكان عندهم، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز، ثم يدع أن له القدرة بها، يقهر ما يشاء، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه يقدر على الصعود، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض.
على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفة والكذب، إذ من يقدر على فعل شيء لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة.
ثم لو كان ذلك كله بلا غير، يصير له فعلا، فكان يكون في الحقيقة سفيهاً كذوباً، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره أو حكمته تحتمل المضادات، فهو مسئول عما يفعل، مطالب بالحجج، فأنى يكون لمن ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك.
والثاني: أن الذي يكون بالقسر والقهر يكون أمر الخلقة، لا أمر فعل العبد، وذلك في الحقيقة لله، لا للبشر، وما هو له من جهة الخلقة موجود؛ لأن نفس كل أحد بالخلقة مؤمن، وقد شاء الله تلك المشيئة، فالقول بلو شاء لا معنى له؛ بل قد شاء وكان، ولا قوة إلا بالله.
والثالث: أنه وعد أن لو شاء أن يجعل كذا لفعل؛ وهو لو فعل لكان يجعل من قد آمن منهم في الحقيقة مؤمناً في المجاز، كافراً في الحقيقة؛ لأنهم بهذا يصيرون أمّة واحدة؛ إذ صار كثير منهم مؤمنين بالاختيار، لا يحتمل أن يجعلهم على غير ذلك، فيكون محموداً عدلا، والله الموفق.
ثم الأصل أن الله - - قد جعل أدلة كل موعود في الحس ظاهراً، وكل مقدور عليه بالوعد والدعوى له مما جبل عليه أمراً بيّناً، وهذا النوع من المشيئة عندهم والدعوى بما جعل جميع مانعٌ لأن يكون كائناً، فيصير بالذي به ادعى لنفسه من القدرة مكذباً بما جعل لمنع مثله الأدلة، ومن ذلك وصفه، فهو غير حكيم، جل الله عن هذا.
على أن المتأمل بما أخبر يجد حقيقته دون أن يحتاج إلى دليل يوضح قدرته على ما ادعى على بقاء المحنة سبيلا سهلا بحمد الله لا يحتاج إلى ما ذكروا من المكابرة، وهو ما قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً...
﴾ الآية [الزخرف: 33].
ومعلوم أنهم لو كفروا جميعاً بما ذكر لكانوا مختارين، وإلى ما جاءوا به غير مضطرين، فإذا استقام كونهم على دين الكفر بذلك لا يحتمل ألا يوجب ذلك بقاء على الإيمان لو كانوا [مختارين لذلك يستقيم كونهم على دين الإيمان مختارين، أو لو جعل ذلك للمؤمنين] فيقدرون على قولهم أن يجعلهم كفاراً بالمحنة، لا يقدر على أن يجعلهم مؤمنين بها؛ لأن ذلك وصف العجز عندهم، وإن كان لا يكون كذلك عندنا؛ لأنه يستقيم القول بالأقدار على إحداث غيره، ومحال القول على جعل غيره قديماً، أو على إحواج غيره إليه لا يحتمل الوصف بالقدرة على إغناء غيره عنه، وعليهم أوضح؛ إذ أجازوا [له] القدرة على كل حركة للعبد وسكون بالاضطرار، ولم يجوزوا في ذلك بالاختيار، اللهم إلا أن يقولوا: لا يجوز أن يكون العبد غير كامل القدرة، وهي القدرة على مضادات الأشياء، والله يجوز له الوصف بالقدرة الناقصة، فيكون قريباً مما جعلوا للعبد قدرة على ما يجهل الرب، ويجعله كاذباً فيما يخبر على بقاء الربوبية له، والله لا يقدر على مثله في العبد على بقاء العبودية له بالمحنة، أو ما أقدروا العبد على إهلاك من وعد الله فيه الإبقاء، ويريد ذلك، وذلك فضله، ووعد له مع ذلك أن يعطيه كذا، فيأتي معاند فيقتله، ويمنع الرب عن إنجاز وعده، وعن سلطان بقائه؛ جل الرب عن هذا، وذلك في قولهم فيما يضرب الله لنبي أو صديق أجلا يرى به مصلحة عباده يقدر الكافر على قتله قبل مجيء ذلك الأجل، وإبطال جميع ما وعد والإيقاء بما هو صنيعه من إبقاء الحياة فيه، ولا يقدر الله على إنجاز ما وعد وإيفائه على ما أراد، والعبد بحاله إلا أن يعجزه، أو يميته، أو يجعله زمناً، والله المستعان.
ثم الأصل أن كل مريد بفعله فيما فعله أمراً لا يكون ذلك، وهو لم يكن فعله إلا لذلك يوجب أحد أمرين في الحكمة: إما جهلا بالعواقب وخطأ بالفعل؛ كمن يفعل فعلا يحزن عليه أو يلحقه به مكروه، فهو لا يفعله له يظهر فاعله أنه عن جهل فعل، وعلى الخطأ خرج فعله، وعلى ذلك معنى التحذير في الخلق والتنبيه بقولهم: "لدوا للموت وابنوا للخراب" وسرق ليقطع، وبارز ليقتل من حيث كان والثاني متصلا بالأول ينبه عن الغفلة على إرادة التحذير أنه إليه يئول أمر فعله وعلى ذلك قوله: ﴿ فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ...
﴾ الآية [القصص: 8]، أو أن يقال ذلك على أنه كذلك في فعله عند الله وإن جهله هو، أو يوجب السفه في الفعل والعبث؛ إذ هو يقصد بفعله ما يعلم أنه لا يكون، أو يريد ما يتيقن أنه لا يبلغ، وإذا كان كذلك فإعطاء الله - - القدرة ليؤمن، أو خلقه ليعبد، وأراد أنه يفعل ذلك، واختار ذلك الفعل، لذلك يوجب أحد ذينك الوجهين جل الله عنهما وتعالى، وقد ثبت أن الله - - عالم بالعواقب، متعالٍ عن العبث، ثبت أنه خلق من خلق، وأعطى ما أعطى لما علم أنه يكون، وقد علم ما يكون، وعلى هذا التقدير يخرج الأمر في قوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ...
﴾ الآية [الأعراف: 179]، وقوله: ﴿ وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ...
﴾ الآية [التوبة: 85].
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ أنه خلقهم للذي علم أنهم يصيرون إليه من اختلاف أو اتفاق، أو عداوة أو ولاية، لا يريد غير الذي علم، ولا يعلم غير الذي يكون ممن يعلم ما يكون، ولا قوة إلا بالله.
وقالت المعتزلة: قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ أي: للرحمة خلقهم؛ فقال: بعض متكلمي أصحابنا: إن الرحمة تذكر بالتأنيث وهو إنما ذكر بالتذكير؛ حيث قال: ﴿ وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ولم يقل: ولتلك خلقهم دل أنه ليس على ما يقولون.
وقال قائلون: للاختلاف خلقهم إلا من رحم ربك.
وقال بعضهم: هو صلة قوله: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ أي: خلقهم لئلا يهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون.
وعندنا ما ذكرنا أنه خلقهم للذي علم أنه يكون منهم، وأنهم يصيرون إليه من الاختلاف أو الاتفاق، أو العداوة أو الولاية، لا يخلقهم لغير الذي علم أنه يكون منهم، ولا يريد - أيضاً - غير ما علم أنهم يصيرون إليه، ولا يعلم غير ما يكون منهم، والله الموفق.
وتأويل المعتزلة في قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أنها مشيئة [القسر والقهر]، فذلك بعيد؛ لأنه لا يكون في حال القهر والاضطرار إيمان؛ لأن من أكره واضطر على الإيمان حتى آمن فإنه لا يكون إيمانه إيمانا، إنما يكون الإيمان إيماناً في حال الاختيار إذا آمن مختاراً ممتحناً فيه، فعند ذلك يكون إيمانه إيماناً دل أن تأويلهم فاسد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ تأويله - والله أعلم -: كل الذي نقص عليك أو قصصنا عليك من أنباء الرسل، نبأ بعد نبأ، ونبأ على إثر نبأ؛ ما نثبت به فؤادك.
وقوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ يحتمل وجوهاً.
أحدها: نثبت به فؤادك؛ لما يحتمل أن نفسه كانت تنازعه وتناقشه بأن الذي أنزل عليه أو يأتي به ملك، أو كان ذلك من إيحاء الشيطان وإلقائه عليه ووساوسه، فقص عليه من أنباء الرسل وأخبارهم؛ ليكون له آية بينه وبين ربه؛ ليعلم أن ما أنزل عليه وما يأتي به إنما هو ملك من الله؛ جاء ليدفع به نوازع نفسه وخطراته؛ إذ لا سبيل للشيطان إلى معرفة تلك الأنباء، ولا في وسعه إلقاؤها عليه، فيكون له بها طمأنينة قلبه، وهو كقول إبراهيم؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ...
﴾ الآية [البقرة: 260]، كأن نفس إبراهيم تنازعه في كيفية إحياء الموتى، فسأل ربه ليريه ذلك؛ ليطمئن بذلك قلبه، وإن كان يعلم أنه يحيي الموتى، وأنه قادر على ذلك.
والثاني: قص عليه أنباء الرسل واحداً بعد واحد؛ ليثبت به فؤاده ليعلم كيفية معاملتهم قومهم، وماذا لقوا من قومهم، وكيف صبروا على أذاهم ليصبر هو على ما صبر أولئك، وليعامل هو قومه بمثل معاملتهم.
ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ بنبأ بعد نبأ؛ لتنظر وتتفكر في كل نبأ وخبر، وتعرف ما فيه، فيكون ذلك أثبت في قلبه، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ بإنزال الآية واحدة بعد واحدة، وسورة بعد سورة، وذلك أثبت في فؤاده من إنزاله جملة؛ لأنه يزدحم في مسامعه وفؤاده، وإذا كان بالتفاريق نظر وتفكر، فهو أثبت في قلبه وفؤاده، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ قال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه الأنباء التي قصها عليك جاءك فيها الحق، وهو ما ذكرناه.
وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ﴾ أي: في هذه السورة الحق، وهو ما ذكر من الأنباء: نبأ بعد نبأ، وهو كالأول.
وقال بعضهم: ﴿ وَجَآءَكَ فِي هَـٰذِهِ ٱلْحَقُّ ﴾ أي: في هذه الدنيا الحق؛ يعني: الآيات والحجج والبراهين لرسالته ودينه ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: جاءك ما تعظ به قومك، وتذكر به المؤمنين.
[وقوله: ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ خص المؤمنين بذلك لما يكون منفعة الموعظة والذكرى للمؤمنين] وإلا هو موعظة وذكرى للكل.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ ﴾ المكانة هي: المنزلة والقدر، يقول: اعملوا أنتم على مكانتكم ومنزلتكم التي لكم عند أتباعكم، كأنه يخاطب به الأشراف منهم والرؤساء ﴿ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ على المكانة والمنزلة التي لنا عند الله فننظر أينا أرجح؟
نحن أو أنتم؟
وأينا أخسر نحن أو أنتم؟
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱعْمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: على التوبيخ والتخويف عندما بالغ في الحجاج فلم ينجع فيهم، فقال عند ذلك كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ ونحوه.
والثاني: على الإعجاز مما أرادوا به من المكر والكيد بقوله: اعملوا ما تريدون وأنا أعمل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنْتَظِرُوۤاْ ﴾ أنتم بنا ذلك ﴿ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ﴾ بكم ذلك.
أو يقول هذا لما كانوا يوعدونه ويخوفونه من أنواع الوعيد، فيقول: انتظروا بنا ذلك ما تخوفوننا إنا منتظرون بكم ما نخوفكم نحن، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعض أهل التأويل: ولله غيب نزول العذاب وغيب ما في الأرض؛ كأنه خرج جواب ما سألوه من العذاب؛ كقوله: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ ﴾ وكقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ وقوله: ﴿ ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ فقال: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: علم ذلك عند الله، وكقوله: ﴿ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ ٱلأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ وأمثاله.
ويشبه أن يكون جواب ما تحكموا على الله من إنزال القرآن، وجعل الرسالة في غيره كقولهم: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ و ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ فقال: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ...
﴾ الآية [الزخرف: 32]، وقال: ﴿ ٱللَّهِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ لا إلى الخلق، والله أعلم بما أراد ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ ٱلأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ إليه يرجع أمر الخلق كله وتدبيرهم ﴿ فَٱعْبُدْهُ ﴾ أي: اعبده في خاص نفسك ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ في تبليغ الرسالة إليهم، أي: لا يمنعنك كيدهم ومكرهم بك عن تبليغ الرسالة، ولا تخافن منهم، فإن الله يحفظك من كيدهم ومكرهم بك؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ﴾ و ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا يؤيد ما ذكرناه؛ أي: ما ربك بغافل عما يريدون بك من كيدهم ومكرهم؛ بل يعلم ذلك، وينصرك، وينتصر منهم، وهو كقوله لموسى وهارون: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ أي: اسمع قوله وجوابه [إياكما، وأرى ما يفعل، أي: أنصركما فلا تخافا؛ فعلى ذلك الأول، والله وتبارك وتعالى أعلم].