الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 13 الرعد > الآيات ٣١-٣٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ إلى آخر ما ذكر.
قال بعض أهل التأويل: تأويله: لو أن قرآنا [ما] غير قرآنك؛ سيرت به الجبال؛ من أماكنها؛ أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى، لفعلناه بقرآنك أيضاً، ذلك ولكن لم نفعل بكتاب من الكتب التي أنزلتها على الرسل الذين من قبلك، ولكن شيء أعطيته أنبيائي ورسلي.
﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ .
يقول: بل جميع ذلك الأمر كان من الله؛ وليس من قبل القرآن؛ أي: لو فعل بالقرآن ذلك كان جميع ذلك من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَل للَّهِ ٱلأَمْرُ جَمِيعاً ﴾ إن شاء فعل ما سألتم، وإن شاء لم يفعل ويشبه أن يكون غير هذا أقرب؛ أن يكون صلة ما تقدم من سؤالهم الآيات؛ وهو قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ فيقول: لو أن قرآنك الذي تقرؤه عليهم: لو سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض، أو كلم به الموتى لما آمنوا بك؛ ولما صدقوك على رسالتك على ما لا يؤمنون بالرحمن، وكل الخلائق له آية لوحدانيته وألوهيته، يخبر عن شدة تعنتهم وتمردهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه سلم؛ [ليعلم رسول الله ] أن سؤالهم الآية سؤال تعنت وتمرد؛ ليس سؤال استرشاد واستهداء.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ ﴾ .
أي: لو أن قرآنا ما عمل [ما] ذكر لكان هذا القرآن؛ تعظيماً لهذا القرآن.
والتأويل الذي ذكرنا قبل هذا كأنه أقرب.
والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ .
قال بعضهم: هو صلة ما تقدم؛ من قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ...
﴾ الآية، يقول - والله أعلم -: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمان من كان على ما وصف الله، وتمام هذا كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات، ليؤمنوا؛ لما سألوا هم آيات من رسول الله؛ فيقول: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ عن إيمان هؤلاء؛ وهو كما قال: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ﴾ كأن المؤمنين سألوا لهم الآيات ليؤمنوا؛ فقال: ﴿ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ ﴾ يأيها المؤمنون ﴿ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يؤمنون على طرح (لا) على هذا التأويل.
وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ : أفلم يتبين للذين آمنوا أنهم لا يؤمنون؛ لكثرة ما رأوا منهم من العناد والمكابرة.
فسروا الإياس بالعلم والأيس؛ لأن الإياس إذا غلب يعمل عمل العلم؛ كالخوف والظن ونحوه جعلوه يقيناً، وعلماً للغلبة؛ لأنه إذا غلب يعمل عمل اليقين والعلم.
وقال بعضهم: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ ﴾ : أي: أفلم يعلم الذين آمنوا أن الله يفعل [ذلك]، لو شاء لهدى الناس جميعاً.
وقوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ قالت عائشة - ا -: قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ خطأ من الكاتب، إنما هو (أفلم يتبين للذين آمنوا أن لو يشاء الله) فمعناه: أي: قد تبين للذين آمنوا.
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ﴾ أي: أفلم يعلم الذين آمنوا، أي: قد علم الذين آمنوا، لو شاء الله إيمان الناس واهتداءهم لآمنوا واهتدوا.
وقال صاحب هذا التأويل: إن [هذا] جائز في اللغة: ييئس: يعلم، وذكر أنها لغة "نخع" وغيرها.
والله أعلم.
وقال بعضهم قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع من قوله ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية، وهو موصول بما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ﴾ ثم قال جواباً لما قالوا؛ كأنه قال: لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، أي: علم منه أنه يختار [الضلال] ويؤثره؛ يشاء ذلك له، ومن علم منه أنه يختار الهدى يشاء ذلك له، ويكون قوله: ﴿ أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ ﴾ مقطوع لا جواب له، كأنه قال: أفلم ييئس الذين آمنوا عن إيمانهم لكثرة ما رأوا منهم من العناد والتعنت بعد رؤيتهم الآيات والحجج، كأن أهل الإيمان والإسلام سألوا رسول الله الآيات التي سألوا هم؛ رغبة في إسلامهم؛ وإشفاقاً عليهم؛ فيقول - والله أعلم -: ألم يأن للذين آمنوا الإياس من إيمانهم؛ أي: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من [إيمانهم؛ كقوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ...
﴾ الآية [الأنعام: 111] فعلى ذلك هذا يقول: قد أنى للذين آمنوا أن ييئسوا من إيمانهم]، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً؛ وقوله: ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ صلته قوله: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ ﴿ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً ﴾ كقوله: ﴿ مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُوۤاْ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .
قال بعضهم: الذين حاربوا رسول الله.
﴿ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .
القارعة: هي ما يقرع القلوب ويكسرها، ثم قرعهم يكون بعذاب، وقتل، وغيره؛ من الهزيمة ونحوه وبسبي ذراريهم ويغنم المسلمين أموالهم.
﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾ أنت ﴿ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ .
قال بعضهم: أو تكون القارعة بجيرانهم الذين قرب منكم دارهم.
وقال بعضهم: لا تزال سرية من سرايا رسول الله تحل ببعضهم؛ أو ينزل هو قريباً منهم؛ حتى يأتي وعد الله، وعد الله يكون بوجهين: أحدهما: أن يظفره بهم جميعاً، وأن يورث المؤمنين أرضهم وديارهم وأموالهم.
والثاني: يكون وعد الله فتح مكة؛ كقوله: ﴿ وَأُخْرَىٰ لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَا...
﴾ الآية.
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ما وعد رسوله؛ من الفتح والنصر وغيره.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ﴾ .
يحتمل ما ذكر؛ من إصابة القارعة؛ الجوع والشدائد التي أصابتهم، ويحتمل القتال والحرب؛ التي كانت بينهم وبينهم.
وقوله: ﴿ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ ﴾ نزول السرايا بقرب من دارهم.
﴿ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل فتح مكة، أي: تحل قريباً من دارهم حتى يأتي ما وعد الله؛ من فتح مكة عليك، أو أن يكون وعد الله هو البعث والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .
يقول: ولقد استهزأ برسل من قبلك قومهم؛ كما استهزأ بك قومك، يُعَزّي نبيهُ ليصبر على تكذيبهم.
وقال أبو بكر الأصم: ﴿ وَلَقَدِ ٱسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ من تقدم من الرسل سألهم قومهم الآيات والعذاب بالهزء، ثم بين بهذا أن ما سألوه من الآية أرادوا الهزء، وهو صلة ما تقدم من قوله: ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يقول: أمهلتهم [في كفرهم وهزئهم.
هذا يدل أن تأخر العذاب عنهم لا يؤمنهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ يقول: أحللت] بهم جزاء ما كانوا يهزءون منه.
وقال بعضهم: فكيف كان عقاب الله؛ أي: شديد عقابه؛ وهو كقوله: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا...
﴾ الآية [الحج: 48] وقيل: كيف رأيت عذابي لهم أي: أليس وجدوه شديداً.
والثالث: ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾ : أي: أليس ما أوعدهم الرسل من العذاب كان حقاً وصدقاً.
<div class="verse-tafsir"