الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 2 البقرة > الآيات ١٣٠-١٣٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .
ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدين.
وقيل: الملة السنة.
وقيل: الإسلام.
وكله واحد.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ .
بما يعمل من عمل السفه.
ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض.
وقيل: جهل نفسه فيضعها في غير موضعها.
وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .
بالنبوة والرسالة والعصمة.
ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .
فى المنزلة والثواب.
ويحتمل: ﴿ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : لمن المرسلين.
ويحتمل: أَن يكو بشِّره في الدنيا؛ أَنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون - في ذلك - وعدٌ له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمداً مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأَخر.
وفي ذلك أيضاً: وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأَخبر بما كان بشَّره.
ويجوز: تفاضُلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه.
وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .
قيل: أَخْلِصْ.
ويحتمل: أَن يكون أَمراً بابتداءِ إِسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد.
ثم يحتمل: أَن يكون وحياً أوحى إليه، أَن قل كذا، فقال به.
فإِن كان وحياً فهو على أَن يُسلم نفسه لله.
ويحتمل: أَن يكون إِسلام القلب - بتغاضي الخلقة بالإسلام - فإن كان على هذا؛ فهو على الإسلام دون توحيده.
ويحتمل: أَن يكون إٍسلام خِلقة؛ كقوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ ﴾ ، بالخلْقة.
وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ ؛ فدعاهم، فأَجابوه في أَصلاب آبائهم إِجابة الخِلقة وقت كونهم.
وقيل: يحتمل: أَن يكون أَمر بابتداءِ الإسلام، كقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ...
﴾ إلى آخره.
ثم قال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً ﴾ يكون جواب قوله: ﴿ أَسْلِمْ ﴾ والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ ﴾ .
يعني بالملة.
والملةُ تحتمل ما ذكرنا.
وقوله ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .
وهو الإسلام؛ ردّاً على قول أولئك الكفرة: إِن إبراهيم كان على دينهم؛ لأَن اليهود زعمت أَنه كان على دينهم يهوديّاً.
وقالت النصارى: بل كان على النصرانية.
وعلى ذلك قالوا لغيرهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ ﴾ .
فلما ادَّعى كلُّ واحد من الفريقين: أَنه كان على دينهم، أَكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، ورد عليهم في ذلك فقال: قل يا محمد: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .
أَخبر - عز وجل - أَن دينه كان دينَ الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله : ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ ﴾ أي ليس له.
وقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .
يقول أَكنتم شهداءَ إِذ حضر يعقوب الموت؟!
أَي: ما كنتم شهداءَ حين حضر يعقوب الموت.
قيل: ويحتمل: أَن اليهود قالوا للنبي : أَلست تعلم أَن يعقوب يوم مات أوصى بَنِيه بدين اليهودية؟
فأَنزل الله : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أَي: أَكنتم شهداءَ وصية يعقوب بنيه؟!
أَي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ذلك؟!
ثم أَخبر - عز وجل - عن وصية يعقوبَ بنيه فقال: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ...
﴾ الآية.
وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ .
يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ثم يدعون: أَن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه.
ثم في الآية دلالة رسالة محمد ؛ لأَنه أخبر عن الأَخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، دل: أَنه بالله علم، وعنه أَخْبر.
وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .
كان - والله أعلم - لما ادعَوْا أَن إِبراهيم ومن ذكر من الأَنبياءِ كانوا على دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تُسْأَلون أَنتم عن دينهم وأَعمالهم، ولا هم يُسْأَلون عن دينكم وأَعمالكم، بل كلٌّ يُسْأَل عن دينه وما يعمل به.
<div class="verse-tafsir"