الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 2 البقرة > الآيات ١٤٩-١٥٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
نقول - والله أعلم: حيثما كنت من المدائن والبلدان ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، شطره: تلقاءه ونحوه وجهته.
وهذا يبطل قول من يقول: إن الحرم قبلة لمن نأى عن البيت، وبعد من أهل الآفاق، حيث أمر نبيه بالتوجه إلى شطر المسجد الحرام حيث ما كانت من البلدان.
وبالله العصمة والتوفيق.
وقال الشيخ رحمه الله : ذكر المسجد، ومعناه موضعاً منه عرف ذلك بالفحص من البقاع البعيدة والأمكنة الخفية، لا بالظاهر ولا ذكر وصل البيان به.
وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
قيل: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ تحويل القبلة، هو الحق ﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَإِنَّهُ ﴾ يعني محمداً ، هو الحق ﴿ مِن رَّبِّكَ ﴾ \[ويحتمل يعني: القرآن هو الحق من ربك\].
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .
خاطب الكل، وأمرهم بالتوجه إليه حيثما كانوا، حتى لا يكون هو المخصوص به دونهم.
وقوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ .
تأويل هذا الكلام - والله أعلم - أنه لما اختار اليهود ناحية المغرب قبلة، والنصارى ناحية المشرق بهواهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ، وقال: فأينما تولوا وجوهكم شطره، فثم وجه الله.
فيقطع عذرهم وحجاجهم بما بين في كتب لهم أنه يحولهم.
وذلك معنى قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
ثم اختلف في قوله: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ .
قيل: أراد بـ"الناس" أهل الكتاب، وأراد بـ"الذين ظلموا" غيرهم من الكفرة.
وتأويله: لئلا يكون لأهل الكتاب عليكم حجة، ولا الذين ظلموا.
وقيل: ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ يعني أهل الكتاب ﴿ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ فيقولوا: ليس هذا الوصف في كتبهم أنه يصلى إلى بيت المقدس وقتاً ثم يتحول إلى الكعبة، ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ يقول: إلا من ظلم منهم عليكم في الكلام بلا حجة ولا دليل فيقولوا: ليس هذا الوصف.
ومثل هذا جائز في الكلام، يقول لآخر: ليس لك على حجة إلا أن تظلمني بلا حجة.
وقال الفراء: هذا كما يقول الرجل الآخر: الناس لك حامدون إلا الظالم المتعدي عليك، صواب في المعنى، خطأ في العربية.
وذكر بيتاً يدل على الجواز.
ما بالمدينة دار غير واحدة *** دار الخليفة إلا دار مروان بمعنى: ولا دار مروان.
وقيل أيضاً: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِي ﴾ على القطع من الأول والابتداء بهذا، أي: لا تخشوا الذين ظلموا في الضرر لكم، ولكن اخشوني في ترككم إياها، وأن يقال: لا تخشوهم بالقتال والغلبة، فذلك لهم منه أمن وإظهار على الأعداء، وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ يعني الأمن من الأعداء، [ولا نعمة أعظم من الأمن وإظهار الحق كقوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ قيل: هو الأمن من الأعداء] أو أراد بالنعمة كل نعمة من الإسلام، والنصر، وغيره.
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ القبلة.
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ الإرشاد والصواب.
وقوله: ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
﴿ كَمَآ ﴾ حرف لا يصح ذكره إلا على تقدم كلام؛ إذ هو حرف عطف ونسق، وهو - والله أعلم - كما أرسلنا إليكم رسولاً، وأنعم عليكم بمعرفة وحدانيته وبمعرفة محاجة الكفرة وأنعم عليكم بإكرامه إياكم بمحمد ، كذلك يجب عليكم أن تذكروه وتشكروا له.
ويحتمل على التقديم والتأخير على ما قاله أهل التفسير: كأنه قال: فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم، وذلك في القرآن كثير.
قال الفراء: يحتمل: كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم أذكركم، فيكون فيه جوابه؛ لذلك جزم، وهذا كقول الرجل: كما أحسنت فأحسن.
وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾ ، قال ابن عباس - -: يأخذ زكاة أموالكم، ففيه زكاتهم.
وقيل: ﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾ يدعوكم إلى ما به زكاة أنفسكم وصلاحها، وهو التوحيد، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ ﴾ هو القرآن.
﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، قيل فيه بوجوه: قيل: "الحكمة": الفقه.
وقيل: "الحكمة": الحلال والحرام.
وقيل: "الحكمة": السنة.
وقيل: "الحكمة": المواعظ.
وقيل: "الحكمة": هي الإصابة؛ ومنه سمي الحكيم حكيماً؛ لأنه مصيب.
وقال الحسن: ﴿ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ : واحد، وهو على التكرار؛ كقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱلْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ ، وهما واحد.
وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ من التوحيد، والشرائع، والمحاجة مع الكفرة، وما أكرمهم بمحمد ، وما أنعم عليهم من أنواع النعم.
وقوله: ﴿ رَسُولاً مِّنْكُمْ ﴾ : خاطب العرب، وذكرهم بما أنعم عليهم من بعث الرسول فيهم ومنهم، وإنزال الكتاب بلسانهم وهم كانوا يتمنون ذلك، كقوله: ﴿ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَابُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَآءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ ، فمنّ عليهم بذلك، وبه استوجبوا الفضيلة على غيرهم، وكفى بهم فضلاً، وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ﴾ .
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ .
قيل: ﴿ فَٱذْكُرُونِيۤ ﴾ قيل: بالطاعة في الدنيا، ﴿ أَذْكُرْكُمْ ﴾ في الآخرة بالتجاوز عن سيئاتكم.
وقيل: اذكروني في الرخاء والسعة، أذكركم في الضيق والشدة.
وقيل: اذكروني في الخلوات، أذكركم في ملأ الناس وأذكركم في ملأ من الملائكة.
ويحتمل: اذكروني بالشكر بما أنعمت عليكم، أذكركم بالزيادة عليها.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ ، أي: وجهوا شكر نعمتي إليّ، ولا تشكروا غيري.
ويحتمل: ﴿ وَٱشْكُرُواْ لِي ﴾ : أي وجهوا العبادة إليّ، ﴿ وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ : ولا تعبدوا غيري.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"