الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 2 البقرة > الآيات ٢٦١-٢٦٣
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقوله : ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
يحتمل ضرب مثل النفقة في سبيل الله بالحبة التي ذكر وجهان: أحدهما: أن يبارك في تلك النفقة، فيزداد وينمو، على ما بارك في حبة واحدة فصارت سبعمائة وأكثر.
والثاني: قال: ﴿ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ ﴾ ، ورأوا الصدقة تتلف وتتلاشى في أيدي الفقراء فقالوا: كيف تربى، وهي تالفة؟
فقال: تربى كما أربي الحبة في الأرض بعد ما تلفت فيها وفسدت، فصارت مائة وزيادة.
فعلى ذلك الصدقة في طاعة الله والنفقة فيما يربي وإن كانت تالفة.
وقيل: إنها منسوخة بالفرائض.
لكن هذا لا يحتمل؛ لأنه نسخ وعد في الآخرة، والوعد لا يحتمل النسخ، إلا أن يعنون نسخ عين الصدقة بغيرها، فأما الوعد فهو حالة.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، غني.
وقيل: ﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، جواد، يوسع على ما يشاء.
وقوله : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .
قال المفسرون: للجهاد، خصوا الجهاد بهذا.
والله أعلم.
لأن العدو إذا خرجوا لقتال المسلمين خرجوا للشيطان، ويسلكون سبيله وطريقه، والمؤمنون إنما يخرجون ليسلكوا طريق الله ، وينصروا دينه وأولياءه؛ لذلك كان التخصيص له لقولهم، وإلا كان يجيء أن يسمي الطاعات كلها والخيرات (سبيل الله)؛ لأنه سبيل الله وطاعته، كقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوۤاْ أَوْلِيَاءَ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ .
وقوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى ﴾ .
اختلف فيه: قيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الله، و ﴿ أَذًى ﴾ ، للفقير.
وقيل: ﴿ مَنّاً ﴾ ، على الفقير، و ﴿ أَذًى ﴾ ، له.
ثم قيل: منه على الفقير عد ما أنفق عليه وتصدق، وأذاه وتوبيخه عليه بذلك.
وأما منّه على الله ؛ كقوله : ﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلإِيمَانِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .
وقوله : ﴿ لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .
قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.
وقوله : ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، كلام حسن، يدعو الرجل لأخيه بظهر الغيب.
وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، يستغفر الله ذنوبه في السر و ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ له، يغفر له، ويتجاوز عن مظلمته.
وقيل: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، الأمر بالمعروف خير ثوابا عند الله من صدقة فيها أذى ومن.
فإن قيل: كيف جمع بين قول المعروف والمغفرة وبين الأذى والمن، فقال: (خير من كذا..)، وأحدهما خير والآخر شر، وإنما يفعل هذا إذا كانا جميعاً خيرين، فيقال: "أيهما أخير"؟
قيل: معناه - والله أعلم - هذا خبر لكم من ذلك، وهو كقوله: ﴿ قُلْ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ ٱللَّهْوِ وَمِنَ ٱلتِّجَارَةِ ﴾ ، [أي: خير لكم في الآخرة من اللهو والتجارة] في دنياكم، وإن لم يكن اللهو والتجارة من جنس ما عند الله، فعلى ذلك الأول.
ويحتمل: أن تكون الآية على الابتداء، لا على الجمع: هذا خير، وهذا شر.
قال الشيخ - رحمه الله -: ووجه ذلك أن الصدقة قربة، وهي خير، فإذا أتبعها الأذى أبطلها، فيكون ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، أي: رد جميل للسائل خير من إجابة في البذل، ثم الرد بالأذى؛ لأن هذا يبقى، وإن كان لا ينشفع به الآخر، والصدقة [لا]، وإن كان ينتفع بها الفقير.
والله أعلم.
وقال بعضهم: (المن) و(الأذى)، أن يقول للسائل: خذه، لا بارك الله فيه لك.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ ، عن صدقاتكم، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ ، لا يعجل بالعقوبة عليكم بالمن والأذى.
<div class="verse-tafsir"