تأويلات أهل السنة سورة طه

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة طه

تفسيرُ سورةِ طه كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 124 دقيقة قراءة

تفسير سورة طه كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

طه ١ مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ ٢ إِلَّا تَذْكِرَةًۭ لِّمَن يَخْشَىٰ ٣ تَنزِيلًۭا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ٤ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ٥ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ٦ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ٧ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ٨

قوله - عز وجل -: ﴿ طه ﴾ : قال بعضهم من أهل التأويل: قوله: ﴿ طه ﴾ : يا رجل بالنبطية، وقال بعضهم: بالسريانية، وقيل: يا فلان، وقيل: هو اسم من أسماء الله، وقيل: حروف من أسمائه ونحو ذلك، وقد ذكرنا القول في الحروف المقطعة فيما تقدم في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ : لا يحتمل أن يكون هذا نزل على الابتداء من غير سبب ولا أمر، لكنه لم يبيّن السّبب [الذي] به نزل هذا، فيحتمل أن يكون سببه وجوهاً: أحدها: ما حمل نفسه من الشدائد والمؤن العظام، وأجهد نفسه في ذلك؛ فنزل: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، أي: لتتعب به نفسك، كقوله: ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ  ﴾ أي: تتعب؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ .

والثاني: أنه لما كف نفسه عن الشهوات ومنعها عن جميع ما تهواه من اللذات، فقال أولئك الكفرة: إنه شقى؛ حيث رأوه لم يعط نفسه شيئاً من شهواتها ولذاتها.

والثالث: أنهم قالوا ذلك لما رأوه أنه دعا الفراعنة والجبابرة إلى دينه واتباعه، وأظهر لهم الخلاف، واستقبلهم بما يكرهون، وكانت عادتهم القتل وإهلاك من يظهر لهم الخلاف، فخاطر بذلك، فعند ذلك قالوا: إنّه شقيّ؛ حيث يخاطر بنفسه، فقال: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ على ما يقول أولئك، بل أنزله عليك؛ لتسعد حيث أخبر أنه عصمه بقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ  ﴾ .

أو ألا يفسر ولا يذكر ذلك الأمر والسبب الذي به نزل؛ لأنه لم يبيّن، ولا حاجة بنا [إلا] إلى معرفة ما ذكر، وهو قوله: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: ﴿ مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ ﴾ ، بل أنزلناه لتسعد، وأنزلناه ليتذكر به من يخشى، كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخشِيَ ٱلرَّحْمـٰنَ بِٱلْغَيْبِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ ، أي: عظة لمن يتقى ما به يخشى.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ ﴾ : كل مؤمن؛ لأن كل مؤمن يعتقد في أصل إيمانه الخشية منه والاتقاء من نقمته وعذابه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ .

كأن هذا نزل على إثر قول قاله أولئك الكفرة، وهو ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، وإنه شاعر [و] إنما يعلمه بشر ونحوه، فقال جواباً لقولهم: ﴿ تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلْعُلَى ﴾ ليس كما يقول أولئك: إنه ساحر وإنه مفتر وإنما يعلمه بشر، بل تنزيلاً ممّن خلق الأرض والسّماوات العلا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: القول بالكون على العرش - وهو موضع - بمعنى كونه بذاته أو في كل الأمكنة لا يعدو عن إحاطة ذلك به أو الاستواء أو مجاوزته عنه أو إحاطته: فإن كان الأول فهو إذن محدود محاط به منقوص عن الخلق؛ إذ هو دونه، ولو جاز الوصف له بذاته بما يحيط به الأمكنة لجاز [أن] يحيط به الأوقات؛ فيصير متناهياً بذاته مقصراً عن خلقه.

وإن كان على الوجه الثاني، فلو زيد في الخلق، لانتقص أيضاً، وفيه ما في الأوّل.

ولو كان على الوجه الثالث فهو الأمر المكروه الدال على الحاجة وعلى التقصير من أن ينشئ ما لا يفضل عنه مما يذم ذا من فعل الملوك أن يفضل عنهم من المقاعد شيئاً.

وبعد: فإن في ذلك تجزئة بما كان بعضه في ذي أبعاض، وبعضه يفضل عن ذلك، وذلك كله وصف الخلائق، والله يتعالى عن ذلك.

وبعد: فإنه ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من المكان للجلوس شرف ولا علو ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح أو الجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر؛ فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه[؛ حيث] فيها ذكر العظمة والجلال؛ إذ ذكر في قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ﴾ وصفه بالعظمة والسلطان، والقدرة، فكذلك على تعظيم العرش، أي شيء كان من نور أو جوهر؟

لا يبلغه علم الخلق، وإضافة الاستواء إليه لوجهين: أحدهما: على تعظيمه، بما ذكر على إثره، ذكر سلطانه في ربوبيته، وقدرته وخلقه ما ذكر.

والثاني: على تخصيصه بالذكر بما هو أعظم الخلق وأجله؛ على المعروف من إضافة الأمور العظيمة إلى أعظم الأشياء، كما يقال: تم لفلان ملك بلد كذا، واستوى على موضع كذا لا على خصوص ذلك في الحق، ولكن معلوم أن من له ملك ذلك فما دونه أحق به؛ وعلى ذلك قوله: ﴿ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي...

﴾ الآية [المائدة: 3] بما صارت له أم القرى وأيس الذين كفروا من دينهم، وكذا ما ذكر من إرسال الرسل إلى الفراعنة، وإلى أم القرى لا بتخصيص ذلك، ولكن يذكر عظم الأمر، فمثله أمر العرش، وهو كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا  ﴾ وقوله: ﴿ أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا  ﴾ على لحوق غيرٍ بهم، ويحتمل أن يكون على المنع بوصف المكان؛ إذ هو أعلى الأمكنة عند الخلق ولا تقدر العقول شيئاً، فأشار إليه ليعلم علوّه عن الأمكنة وتعاليه عن الحاجة، وعلى ذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ...

﴾ الآية [المجادلة: 7]، والنجوى ليس من نوع ما يضاف إلى المكان، ولكن يضاف إلى الإسرار فأخبر بعلوه عن الأمكنة، وتعاليه عن أن يخفى عليه شيء، ثم بقدرته وقوته بقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، أي: بالسلطان والقوة، وبالألوهية في البقاع كلها؛ لأنها أمكنة العادة بقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمآءِ إِلَـٰهٌ وَفِي ٱلأَرْضِ إِلَـٰهٌ  ﴾ ويملك كل شيء بقوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ وبقوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ ثم بعلوّه وجلاله بقوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ فجمع في هذه الأحرف ما فرق في تلك، ليعلم أنه بكل ما سمي به ووصف كان ذلك له بذاته لا بشيء من خلقه، وكذلك عزّه وشرفه ومجده، جل ثناؤه عن الأشباه ولا إله غيره.

وقال بعضهم: يريد بالعرش: الملك؛ إذ هو اسم ما ارتفع من الأشياء وعلا حتى سمى به السطوح ورءوس الأشجار، والاستواء قيل فيه بأوجه ثلاثة: أحدها: الاستيلاء، كما يقال: استوى فلان على كورة كذا، بمعنى: استولى.

والثاني: العلو [و] الارتفاع، كقوله: ﴿ فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ ﴾ \[المؤمنون: 28\] وقوله: ﴿ إِذَا ٱسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ  ﴾ أي: علوتهم.

والثالث: التمام، كقوله: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ ، أي: تم واستقر.

وقد قيل بالقصد، وإلى ذلك وَجَّهَ أهل الأدب قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ بمعنى: خلق على التمثيل بفعل الخلق فيما يتلو فعلهم فعلاً أن يكون بالقصد، وإن كان لا يقال له القصد، ولا قوة إلا بالله.

ثم الوجه في ذلك لو كان على الاستيلاء، والعزيز الملك أنه مستولٍ على جميع خلقه، وعلى هذا التأويل المحمول غير هذا، يدلّ على الأمرين قوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ  ﴾ بمعنى: الملك العظيم، وفيه إثبات عروش غيره، فذلك يحتمل ما يحمل ويحف به الملائكة، والله الموفق.

وأمّا على تأويل التمام والعلو، فهو أن الله  قال: ﴿ قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ...

﴾ الآية [فصلت: 9]، فأخبر بخلق ما ذكر في ستة أيام على التفاريق، ثم أجملها في موضع، فقال: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ...

 ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ ﴾ بمعنى خلق الممتحن من خلق الأرض والسماوات فبهم ظهر تمام الملك، وعلا، وارتفع؛ إذ هم المقصودون من خلق ما بيّنا، فبذلك تم معنى الملك وعلا؛ إذ وصل إلى الذين لهم خلقوا وقد قيل ذا في خلق البشر خاصّة بقوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...

﴾ الآية [البقرة: 29]، وقوله: ﴿ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ  ﴾ ونحوه.

وذكر عن ابن عباس: أن البشر خلق اليوم السابع فبه التمام والعلو؛ إذ خلق لهم كل شيء وخلقهم لعبادة الله، وألحق بهم الجن بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ...

﴾ الآية [الذاريات: 56]، لكن المقصود البشر؛ إذ تسخير ما ذكرت كله إنما يرجع إلى منافعهم، والله الموفق.

والأصل عندنا في ذلك: أن الله - عز وجل - قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، فنفى عن نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه؛ فيجب القول بـ ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ على ما جاء به التنزيل، وينفي عنه شبه الخلق لما أضاف إليه، وإذ لزم القول في الله بالتعالي عن الأشباه ذاتاً وفعلاً، لم يجز أن يفهم من الإضافة إليه المفهوم من غيره في الوجود، والله الموفق، وقد ذكرنا هذا في غير موضع من القرآن.

وفي قوله: ﴿ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ ﴾ ، الوصف له بالسلطان والقدرة والملك على ما ذكرنا.

وفي قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ الوصف له بالعلم في الغيب والسر والعلانية جميعاً؛ ليكونوا أبداً على حذر وخوف ويقظة في جميع أفعالهم وأقوالهم، وفي الأوّل؛ ليصرفوا طمعهم ورجاءهم من الخلق إلى خالقهم، وألا يطمع ولا يرجى غيره.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به إلى غيرك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما أضمرته وأكننته في نفسك، لم تسره إلى أحد.

قال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسررت به وحدثت به نفسك، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما علم الله أنه كائن يكون، ولم يكن بعد، ولم تعلم به.

وقال قائلون: ﴿ ٱلسِّرَّ ﴾ : ما أسره في نفسه، ﴿ وَأَخْفَى ﴾ : ما خطر في قلبه، وهو لا يضبطه، ونحو ذلك، وأصله في قوله: ﴿ وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ ﴾ كأنه يقول: وإن تجهر بالقول أو تسرّ ﴿ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ : قال أبو بكر الأصم: أي: من وحّد الله بأسمائه فله الحسنى، وهي الجنة، وقد ذكرناه فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩ إِذْ رَءَا نَارًۭا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًۭا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًۭى ١٠ فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَـٰمُوسَىٰٓ ١١ إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًۭى ١٢ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣ إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ ١٤ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ ١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ ١٦ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ ١٧ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ ١٨ قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ ١٩ فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌۭ تَسْعَىٰ ٢٠ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ ٢١ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ ٢٢ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى ٢٣

قوله - عز وجل -: و ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَى نَاراً ﴾ ، ظاهر، هذا سؤال واستفهام، لكن المراد منه الإيجاب، ثم اختلف في معنى الإيجاب: قال الحسن وأبو بكر: قوله ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: لم يأتك حديث موسى وسيأتيك، ثم أخبره وأعلمه بحديثه ونبئه.

وقال بعضهم: ﴿ هَلْ أَتَاكَ ﴾ ، أي: قد أتاك حديث موسى؛ لتخبرهم عما كان في كتبهم؛ ليكون ذلك آية لنبوتك ورسالتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالَ لأَهْلِهِ ٱمْكُثُوۤاْ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : قيل: رأيت ناراً، وقيل: علمت ناراً؛ ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ ليس في هذه الآية بيان أن موسى في أي حال كان؟

وفي أيّ وقت؟

لكن في موضع آخر بيان ذلك، وهو ما قال: ﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَاراً  ﴾ ، هذا يدل أنه كان في حال السير والسفر رأى ذلك، وقال في آية أخرى: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فهذا يدل أنه كان في أيام الشتاء والبرد، حيث قال: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ ﴾ القبس: النار، والأقباس: النيران، ويقال: قبس يقبس قبساً، أي: جاء بالنار، ويقال: اقتبست ناراً، واقتبست - أيضاً -: تعلمت، وهذا من ذاك؛ لأن العلم ضوء، ويقال: اقتبستك، أي: علمتك، واقتبستك أي النار والعلم.

وقال القتبي: ﴿ آنَسْتُ نَاراً ﴾ : أبصرت، ويكون في موضع آخر: علمت، كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: علمتم منهم رشداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ : هذا يشبه أن يكون قد استقبلته الطرق؛ فلم يعلم الطريق الذي له من غيره، فقال: ﴿ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى ﴾ ، أي: من يدلني ويرشدني على الطريق.

أو أن كان قد ضل الطريق وعدل عنه، فقال عند ذلك ما قال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ نداء وحي ﴿ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ﴾ : قال بعضهم: إنما أمره بخلع نعليه؛ لأنهما كانا من جلد ميتة.

وقال قائلون: أمره ينزع نعليه؛ ليمس قدماه بركة ذلك الوادي، أو يصيبه من يمنه.

وقال بعضهم: أمره بذلك؛ للتواضع والخضوع له؛ لأن لبس النعل يخرج مخرج المباهاة، فأمر بذلك؛ ليكون أخضع له وأكثر تواضعاً، والله أعلم بذلك، وليس لنا أن نفسّر ذلك أنه لماذا أمره بذلك؟

إذ له أن يأمر بخلع نعليه لا لمعنى، وليس لنا أن نقول: أمره لهذا، أو لعله أمره بذلك لمعنى آخر، أو لا لمعنى؛ فيخرج ذلك مخرج الشهادة على الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى ﴾ : المقدّس: المطهر، ولعلّه سماه مطهراً؛ لما لم يعبد عليه سواه ودونه، أو سماه: مطهراً؛ لمعنى خصّ به؛ لفضل عبادة أو غيرها على ما خصّ بقاعاً بفضل عبادة تقام فيها من نحو المساجد والحرم وغيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ طُوًى ﴾ : قال بعضهم: هو من وطء الأرض، أي: طأ الوادي المبارك حافياً.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ : قد قدس مرتين، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ طُوًى ﴾ يقول: يطوي مسيره.

نحو هذا قد قالوا، لكن الأصوب ألا يفسّر إلا بعد حقيقة به؛ لأنه أنباء كانت في كتبهم ذكرت لرسول؛ لتكون له حجة ودلالة على رسالته عليهم، ففي التفسير خوف دخول الغلط فيه وتغييره، فإذا تغير لم يصر له عليهم حجة ودلالة على رسالته؛ لذلك كان السكوت عنه أولى، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ إما بالرسالة والنبوة، أو بأشياء أخر كقوله: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي...

﴾ الآية [طه: 41]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً  ﴾ أخلصه الله لنفسه بأشياء.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ ﴾ : هذا يدل أن النداء الّذي نودي كان نداء وحي، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي ﴾ وهو ظاهر، كذلك أمر رسله أوّل ما أمروا بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ لتكون ذاكراً لي؛ لأن أكثر ما يذكر المرء به إنّما يذكر في الصّلاة؛ لأن الصلاة من أولها إلى آخرها ذكر لله؛ ولذلك سمى الصلاة: مناجاة الربّ، أو أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ ، أي: لتذكرني بها يا موسى.

وقال قائلون: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ ﴾ إذا أنت نسيت إذا ذكرتها، وعلى هذا رويت الأخبار عن رسول الله  أنه قال ذلك، وقرأ هذه الآية إن ثبتت.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: أقم الصّلاة لتستوجب بها ذكرى.

وقال القتبي: ﴿ وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ ﴾ أي: لتذكرني فيها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ : قال الحسن: ﴿ أَكَادُ ﴾ صلة، كأنّه قال: إن السّاعة آتية أخفيها، وفي حرف أُبيّ بن كعب: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها من نفسي)، ثم يحتمل قوله: من نفسي وجهين: أحدهما: أخفيها من خلقي، ولا يجب أن يفهم من نفسه: ذاته بالإضافة إليه، كما لم يفهم من قوله: ﴿ رُّوحِي ﴾ و ﴿ رُوحَنَا ﴾ ، وهو أخفى من الناس: ذاته، ولكن فهم منه: خلقه؛ فعلى ذلك لا يفهم من قوله: من نفسي ذاته، هذا يحتمل، والله أعلم.

والثاني أن يكون قوله: (أكاد أخفيها من نفسي)، أي: من أخيار عبادي، أي: أخفيها من أخيار عبادي مع عظيم قدرهم ومنزلتهم عندي من نحو الملائكة والأنبياء والرسل؛ فإن عادة ملوك الأرض: أنهم لا يكتمون سرائرهم من خواصهم، بل يطلعونهم على ذلك، فأخبر - عز وجل - والله أعلم - أنه أخفاها من خواص عباده وأخيارهم، فكيف من دونهم؟

فيكون إضافته إياهم إلى نفسه؛ لعظم قدر أولئك وفضل منزلتهم كقوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ والله لا يُنصر، ولكن إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا أولياء الله ينصركم، وكذلك قوله: ﴿ يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ  ﴾ والله لا يخادع، ولكن يخادعون أولياءه ونحوه؛ فعلى ذلك قوله: (أخفيها من نفسي): أي: من خواصي وأخيار عبادي، والله أعلم.

هذا على إسقاط قوله: ﴿ أَكَادُ ﴾ وجعله صلة، وأما على إثبات ﴿ أَكَادُ ﴾ فهو على وجهين.

أحدهما: يقال: كاد: أراد، أي: أريد أخفيها، وهو معروف باللّغة.

والثاني: كاد، يقال: قارب، وهو سائغ في اللغة، جارٍ (كاد) على إرادة مقاربة: كادت الشمس أن تطلع، أو تغرب، أي: قاربت وكدت أن أسقط، أي: قاربت، وإلا لا يريد السقوط، إذا كان على هذا فهو قال ذلك - والله أعلم - على التعظيم لها، أي: قارب أن يخفيها من نفسه فكيف من غيره؟!.

وقال ابن عباس قريباً من هذا، أي: (أكاد أخفيها من نفسي) فكيف أعلنها لكم؟!

أي: لا أظهر عليها أبداً غيري، فكأنه استجاز الإخفاء في موضع الإظهار باللغة، نحو ما قالوا في قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ  ﴾ أي: أظهروا، فعلى ما كان الإسرار في موضع الإظهار والكتمان، فعلى ذلك رأوا الإخفاء مستعملاً في الأمرين جميعاً، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أُخْفِيهَا ﴾ ، أي: أظهرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ، أي: لهذا ما أخفيها ﴿ لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ ﴾ ؛ لأنها لو كانت ظاهرة يعاينها كل أحد، ويعلمها، لما كان ذلك جزاء، ولكن كان دفعاً؛ لأنه يعاين كل إنسان ما نزل بهذه النفس بما سعت من العذاب فيمتنع هو عنه، وإذا رأى كل أحد ثواب هذا بسعيه يرغب في مثله؛ فيكون ذلك كله بحق الدفع، لا بحق الجزاء، فأخبر أنه أخفاها؛ للجزاء والمحنة، لا للدفع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ ، أي: عن الإيمان بها ﴿ مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا ﴾ يعني: السّاعة، والله أعلم.

لا يصدنك عنها بأسباب ألقاها إليك، وقد يمتنع الإنسان عن الشيء بأسباب تعترض وشبه تستقبل، وإن لم يقدر على منعه بالتصريح والإفصاح، والله أعلم، أي: لا يصدنك عن الإيمان بها - يعني: الساعة - من لا يؤمن بها واتبع هواه في التكذيب بها بالشبه والأسباب التي ذكرنا ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ أي: فتهلك لو صدّك عنها، فالخطاب وإن كان لرسول الله فهو لكل أحد من المؤمنين، على ما ذكرنا في غير آي من القرآن فيما خاطب رسوله به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا...

﴾ الآية كأن موسى - صلوات الله عليه - لم يفهم مراده بسؤاله إياه أنه ما أراد بقوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ : أنه يسأله عن اسمها [أو] عما له فيها؟

فأجاب الأمرين جميعاً عن اسمها وعما له فيها، حيث قال: ﴿ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ ﴾ .

ثم قال الحسن: إنه والله كان يعلم أنّ في يده عصًا، لكنّه أراد أن يقرر عنده: أنها عصا لا حيّة؛ ليرى له منها آية فيعلم ذلك.

أو أن يريد بذلك تنبيهه وإيقاظه؛ ليعلم أنه وقت ما أخذها عصاً، فيعلم أنها إنما صارت كذا بالآية التي جعلها له لا أنها كانت يومئذ كذلك حية، والله أعلم.

﴿ قَالَ أَلْقِهَا يٰمُوسَىٰ * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ ﴾ ثم يحتمل: جعلها حيّة تسعى، ثم جعلها حيّة، وأراد الآية له منها؛ لما أن قوم فرعون كانوا أهل بصر وحذق في ذلك النوع من السحر، فأحب أن يريهم الآية والعلامة من النوع الذي كان لهم فيه بصر وحذاقة؛ ليعلموا بخروجها عن وسعهم وطوقهم أنها آية وعلامة سماوية وربوبية لا بشرية؛ إذ الأعلام التي جعلها آيات وأعلاماً لرسله على رسالتهم إنما جعلها ما كانت خارجة عن وسع البشر وطوقهم؛ ليعلموا بذلك أنها سماوية ربوبية، لا بشرية سحراً ولا كهانة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلأُولَىٰ ﴾ على ما كانت في الحالة الأولى عصاً، كأنه موسى خاف حين صارت حيّة، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ وَلَّىٰ مُدْبِراً  ﴾ فعند ذلك قال له: ﴿ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ ﴾ ، وأخبره أنه يعيدها عصاً على ما كانت، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ دلالة أن العصا إنما تمسك باليد اليمنى.

قال أبو عوسجة: ﴿ فَتَرْدَىٰ ﴾ ، أي: تهلك أرداه: أهلكه، ويقال: تردى الرجل: إذا وقع في البئر أو من فوق حائط، ويقال: رديته، أي: ألبسته الرداء، وارتديت: أي: لبست الرداء، وترديت: مثله.

وقوله: ﴿ أَتَوَكَّأُ ﴾ ، أي: أستعين بها على المشي.

وقوله: ﴿ وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي ﴾ ، أي: أضرب الشجرة حتى تنثر ورقها فتأكله غنمه، والهش: الكريم، والبشّ: من البشاشة، قال: والمآرب: الحوائج، والأرب - أيضاً -: الحاجة، والآراب جمع، ويقال: أربت الشيء: قسمته، وجعلته إرباً أقساماً: أي: جزأته أجزاء.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾ دلالة أن الإنسان إذا استخبر عن شيء، فإن عليه أن يخبر المستخبر عما يستخبر على الإجابة له، ولو كان يعلم أن المستخبر له عن ذلك عالم بذلك؛ لأن موسى كان يعلم أن ربّه كان أعلم بما في يده منه، ولم يقل حين استخبر عما في يده: إنك أنت أعلم به مني، ولكنه قال: هي عصاي إجابة له وتعظيماً لأمره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ  ﴾ ، وكأن في هذا تفسير الأوّل.

وقوله: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ ، أي: من غير برص، كأنهم ذهبوا إلى أن البياض في الإنسان إذا اشتد به حتى يغلف سائر بدنه لا يكون إلا بالبرص؛ لذلك قال: ﴿ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير برص بك ﴿ آيَةً أُخْرَىٰ ﴾ سوى آية العصا.

وجائز أن يكون ﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ﴾ أي: من غير آفة وعيب بك وأذى؛ لأنّ التغيّر إذا وقع في بعض بدن الإنسان لا يكون إلا بعيب وآفة تحل به، فبين أن ذلك البياض ليس لآفة بك، ولا عيب في بدنك، ولا فيه أذى، ولكن آية ليريها منها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ .

قال قائلون: الآية في اليد أكبر من الآية في العصا؛ لأن سحر أولئك كان في العصا.

[وقال قائلون:] آية العصا أكبر من آية اليد؛ لأن أولئك كانوا أهل بصر وعلم في السحر في العصا، فخروج عصا موسى عما احتمل وسعهم وما لهم فيه بصر وعلم، يدلّ على أن ما أتى موسى ليس هو بسحر، ولكن آية من الله؛ لأن فضل بصر الرجل وعلمه في شيء إنما يظهر بمجاوزته في ذلك عن أهل بصر في ذلك النوع وعلم، لا يظهر ذلك على أهل الجهل في ذلك، فعلى ذلك أمر عصا موسى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ ﴾ التي ذكر في آية أخرى، هو قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ...

﴾ الآية [الإسراء: 101]، الآيات الكبرى هي التسع التي ذكر في هذه الآية؛ [لا] أن كان لموسى آيات سوى التسع هي أكبر.

أو أن يكون ذلك لا على تخصيص آية دون آية بالكبر والعظم، ولكن وصف الكل بذلك، كقوله: ﴿ وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا  ﴾ هو على وصف آياته كلها بالكبر والعظم، وهو كقوله: ﴿ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً  ﴾ هو على إثبات النفع في كل واحد عليها في الآخر فعلى ذلك الأول، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى ٢٥ وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى ٢٦ وَٱحْلُلْ عُقْدَةًۭ مِّن لِّسَانِى ٢٧ يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى ٢٨ وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًۭا مِّنْ أَهْلِى ٢٩ هَـٰرُونَ أَخِى ٣٠ ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى ٣١ وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى ٣٢ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًۭا ٣٣ وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًۭا ٣٥ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ ٣٦

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، كان فرعون قد تعدى، وجاوز الحدّ في كل شيء، حتى ادعى لنفسه الربوبيّة، حيث قال: ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ إن موسى سأل ربّه أن يشرح له صدره، وذكر محمد أنه شرح له صدره بقوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ  وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ﴾ ، ثم جائز أن يكون شرح صدرهم لتسع ما حمل عليهم من ثقل النبوة والرسالة؛ ليتسع صدرهم لذلك، ويقدروا على القيام بذلك والوفاء به.

أو أن يكون سأله شرح صدره؛ لما كان الرسل يغضبون لله عند تكذيبهم قومهم حين دعوهم إلى دينه، ويحزنون على ذلك، فيمنعهم غضبهم وحزنهم عن القيام بتبليغ الرسالة، كقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ...

﴾ الآية [الشعراء: 12]، أخبر أنه يخاف عند تكذيب قومه ضيق صدره وثقل لسانه؛ لذلك أن يشرح له صدره، ويطلق له لسانه.

ويحتمل ما قاله بعض أهل التأويل: ﴿ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي ﴾ ، أي: ليّن لي قلبي؛ لأن الرسل قد امتحنوا في حال واحدة بشيئين متضادين: بالغضب لله عند تكذيب قومهم إياهم، والرأفة لهم، والرحمة بما حل بهم بالتكذيب من العذاب، فذلك أمران يتضادان خصّ الرسل بهما، فجائز أن يكون سأل ربه أن يشرح له صدره؛ ليتسع للأمرين جميعاً: الغضب له، والرحمة عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي ﴾ : يحتمل: تبليغ الرسالة إليهم، والقيام بها، أو سأله التيسير بجميع ما أمره به ونهاه عنه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي ﴾ : يحتمل ما ذكرنا أنه إذا اشتد به الغضب يحبس لسانه ويثقل حتى يمنعه عن النطق به؛ فيظن ذلك اللعين أنه لخوف صار كذلك.

أو أن يكون سأل ذلك لآفة كانت بلسانه ما كان يمنعه عن التكلم به، فسأله أن يحل تلك الآفة والرتوتة التي كانت به.

وأمّا قول أهل التأويل: إنه أخذ بلحية فرعون، فلطمه، فأراد أن يعاقبه، فقالت له امرأته: إن فعل ذلك؛ فإنه لا يعقل.

فأتى بطشت من جمر وطشت من حلو، فهم أن يتناول من الحلو، فأهوى جبريل بيده إلى الجمر، فأخذه وجعله في فيه، فتلك الرتوتة التي سأله أن يحلها لذلك، لكن ذلك لا يعلم إلا بالوحي عن الله أنه كذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي ﴾ سأل ربّه أن يجعل أخاه معه وزيراً له ويشاوره؛ ليتحمل عنه بعض ما حمل عليه من الأثقال؛ إذ قيل: الوزير: هو الذي يتحمل عن الملك بعض ثقل ما حمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ : قال بعضهم: ﴿ أَزْرِي ﴾ ظهري.

وقال بعضهم: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ أي: عوني، وكذلك ذكر في حرف حفصة.

وقرأ بعضهم: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ على الخبر من موسى، وكذلك في قوله: ﴿ وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي ﴾ ، وأمّا قراءة عامة القراء فهي على الدعاء والسؤال.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ﴾ ، أي: ظهري، ويقال: آزرته: أعنته، ويقال: توازروا: أي: تعاونوا، واستوزرته: أي: استعنت به، ومن هذا أخذ الوزير.

وقال القتبي: ﴿ أَزْرِي ﴾ : ظهري، ويقال: آزرت فلاناً على الأمر، أي: قويته عليه، فأمّا وازرته: فصرت له وزيراً، وأصل الوزارة من الوزر: وهو الحمل، كأنّ الوزير يتحمل عن السلطان بعض الثقل ويرفع عنه.

موسى سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به فيما حمله، وأن يشركه فيما قلّده من الرسالة والقيام بها، فأجابه الله لذلك، حيث قال: ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ﴾ يحتمل: كي نسبّحك كثيراً بالجماعة؛ لأن الصلاة بالجماعة تتضاعف على الصلاة وحده، وأن يعين بعضنا على التسبيح لك والذكر، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ﴾ ، أي: إنك بضعفنا وعجزنا فيما حملتنا وقلدتنا بصيراً، عالماً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، أي: أعطيت ما سألته، وكان سأله أشياء فأوفي، فقوله: [ ﴿ سُؤْلَكَ ﴾ ، وسؤالك] ومسألتك لغات ثلاثة، كلها واحد.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ ٣٧ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّۭ لِّى وَعَدُوٌّۭ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةًۭ مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ ٣٩ إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ ۖ فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًۭا فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًۭا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍۢ يَـٰمُوسَىٰ ٤٠ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى ٤١

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ * إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ...

﴾ الآية يشبه أن يكون المنة حين أنجاه فيما ابتلى بالرّد واشتباه الطريق، حتى قال: ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  ﴾ فتلك المنة الأخرى.

أو أن يكون المنة التي ذكر هي ما أنجاه الله حيث [قتل] ذلك القبطي فاشتد له ذلك الخوف حتى بلغ الإياس، فتلك المنة التي ذكر، أو ما ذكر من الوحي إلى أمه ﴿ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ مع النبوة مرة أخرى، ثم بيّن النعمة، ثم قال: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ ﴾ إلى آخر ما ذكر، وإلى هذا ذهب أهل التأويل، وإلا قد كان منه إليه من المنن ما لا يحصى، والله أعلم.

ثم الكلام فيما ألهم أمّه في روعها أن تقذفه في البحر أنه يسع لهذا أن يفعل ذلك، ويحل أو لا؟

إذ قد يجوز أن يكون من الشيطان مثل هذا، نحو ما قال: ﴿ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ...

﴾ الآية [الأنفال: 48]، فلم يعرفوا وقت ما كلمهم بهذا: هو شيطان أو غيره؟

فعلى ذلك يجوز أن يلقي الشيطان إليها؛ فكيف وسع لها أن تعمل ما علمت من الأخطار؟

لكن يجوز أن يكون في ذلك الإلهام وما ألقى إليها - آية ومعنى، عرفت بذلك أنّ ذلك من الله، لا من أحد سواه.

أو أن يكون رفع الحجاب والموانع من قلبها، وصار لها ذلك كالعيان.

أو كانت كالمضطرة إلى ذلك؛ فوسع لها ذلك لما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ﴾ : قال عامة أهل التأويل: ألقى عليه محبة في قلب امرأة فرعون، حيث قالت: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ...

﴾ الآية [القصص: 9]، لكن ألقى [عليه] محبّة في قلب امرأته وقلب فرعون أيضاً، حتى كان أشفق الناس عليه وأحبهم، بعد ما كان يقتل الولدان بسببه؛ ليجده ويظفر به، يذكره - عز وجل - رحمته عليه ومننه له، وهي المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ، الصنع: هو فعل الخير والمعروف، أي: لنصنع إليك المعروف والإحسان.

وقوله: ﴿ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ : قال بعضهم: لتُغَذَّى على حفظي، يقال: عين الله عليك: أي كن في حفظ الله، وهو قول الحسن وقتادة.

وقال بعضهم: لتربي على عيني، أي: على علمي، والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، أي: من يضمه، يسمى كافل اليتيم الذي يضمه ويضمنه ويحفظه، وهو كقوله: ﴿ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ  ﴾ أي: يضمها ويحفظها، فهذا يدل أنه كان عندهم من أحبّ الناس إليهم، وأشفقهم عليه، حيث قال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ﴾ حيث قال لها: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ  ﴾ وعد لها أن يرده إليها فردّه.

وقوله: ﴿ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان؛ لأنها قد كانت حزينة بطرحها إياه في اليم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ...

﴾ الآية [القصص: 10]، [و] هذا يدلّ أن قوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنَ ﴾ ، أي: يذهب حزنها الذي كان بها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ ﴾ : يحتمل أن يكون الغم الذي أخبر أنه نجاه منه هو الخوف الذي كان به بعد مقتل ذلك القبطي، حيث قال: ﴿ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ  ﴾ وقوله: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ  ﴾ ، ونحوه، أو نجاه من أنواع الغموم؛ إذ كان له غموم.

وفي الآية دلالة أن لا قصاص يجب في شبه العمد وإن كان الضرب بشيء لا نجاة فيه؛ لأن موسى - صلوات الله عليه - كانت له قوة أربعين نفراً على ما ذكر، فإنما لطمه لطمة، فقضى عليه، ثم قال: ﴿ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ  ﴾ هذا يدل أنه كان لا يحل له قتله، ثم قال: ﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ سمّاهم: ظلمة، فلو كان يحل القتل ويجب القصاص، لكان لا يسميهم ظلمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً ﴾ قال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ : هو جمع فتنة، أي: فتناك فتوناً.

[وقال بعضهم: ﴿ فُتُوناً ﴾ :] هو مصدر الفتنة، أي: ابتليناك ابتلاء، أي: بلاء، والفتنة في البلايا والشدائد: الغموم الّتي ذكر أنه نجاه منها.

ويحتمل: النعم والخيرات؛ إذ لم يكن الأنبياء في جميع الأوقات في البلاء، ولكن كانوا في وقت في بلاء وشدة، وفي وقت آخر في نعمة وخير.

أو فتنة بهما جميعاً، على ما أخبر: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - من المنة التي ذكر، حيث قال: ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: بالنبوة والرّسالة.

وقال بعضهم: على موعود، أو على قدر وقت المجيء، فكيفما كان ففيه أن مجيء العبد وذهابه وجميع سعيه يكون بقدر من الله، وتقدير منه، وفيه أنه يجعل الأمور بأسباب، وإن كان يجعل [بعضها] بغير أسباب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ ، أي: اخترتك، واصطفيتك لرسالتي.

ونبوّتي، فذكر نفسه؛ لأن بأمره يقوم بأداء ذلك.

<div class="verse-tafsir"

ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى وَلَا تَنِيَا فِى ذِكْرِى ٤٢ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣ فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًۭا لَّيِّنًۭا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ٤٤ قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ٤٥ قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦ فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ ۖ قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّكَ ۖ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ ٤٧ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ ٤٩ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ ٥١ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍۢ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى ٥٢ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًۭا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًۭا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّن نَّبَاتٍۢ شَتَّىٰ ٥٣ كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ٥٤ ۞ مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ٥٥

قوله: ﴿ ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي ﴾ : هو ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ ، أي: لا تضعفا في الدعاء إلى ديني وتوحيدي.

[و] في حرف عبد الله بن مسعود: (ولا تهينا في ذكرى) في البلاغ ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ أمرهما ألا يقصرا ولا يعجزا في تبليغ الرسالة إليه، والدعاء إلى دينه، حيث قال: ﴿ ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ؛ أي: تربى بعيني، وسئل عن العين، فقال: العين: العلم هاهنا، والعين في غير هذا: المال، والعين: الأديم المتخرق، والعين: المصدر من عان يعين، فهو عائن، والمفعول به معيون: إذا أصابه بعين، والعين: الحقيقة، كقولك: هذا بعينه، أي: بحقيقته، قال: والعينة: السلف، ومثله قوله: ﴿ وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا  ﴾ .

﴿ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ﴾ أي: يضمه لا يضمنه.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، أي: وقت المجيء ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ ، أي: أخلصتك ﴿ لِنَفْسِي ﴾ ، ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ ؛ لأن القول اللّين يكون أقرّ وأثبت في القلوب، وأنجع، وأقرب إلى الإجابة والقبول من القول الخشن البارد، وخاصّة في الملوك والرّؤساء؛ إذ طباعهم لا تحتمل ذلك، ولا تنجع فيهم، بل أكثر صولتهم على من دونهم إنما يكون عند استقبالهم بالخلاف وبما يكرهون، فأمر - عز وجل - رسوله موسى وهارون أن يقولا له قولاً ليناً، ويلطفا معاملته؛ ليكون أقرب وأثبت في قلبه وأنجع؛ ولذلك قال: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ .

قال الحسن: كل (لعل) من الله فهو على الإيجاب؛ لأنه قد تذكر وخشي، حيث قال: ﴿ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ...

﴾ الآية [الأعراف: 134]، وحيث قال: ﴿ آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ  ﴾ لكن لم ينفعه إيمانه في ذلك الوقت؛ لأنه إيمان دفع واضطرار.

وقال بعضهم: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ﴾ في علومكم، فإن كان على هذا فهو يحتمل الشك، وإن كان على الأوّل فهو على الإيجاب لا يحصل الشك.

ثم اختلف في القول اللّين: قال ابن عباس: هو قول الله: ﴿ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ  وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ  ﴾ [أي:] فتوحّد، قال: هذا القول اللّين.

وعن الحسن: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قولا له: إن لك معاداً، إن لك مرجعاً.

وقال بعضهم: ﴿ قَوْلاً لَّيِّناً ﴾ : قول: لا إله إلا الله.

وقال بعضهم: أي: ليناً، ونحوه، وأصله ما ذكرنا بدءاً.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ ، قال أهل التأويل: قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ ، أي: يعجل بالعقوبة من قبل أن يسمع حجتنا.

أو أن يطغى بقتلنا بعدما سمع الحجة منا.

وجائز أن يكون أحد هذين في الفعل، والآخر في القول: أن يفرط علينا أو أن يطغى أيهما كان؟

لأنه قال في الجواب لهما: ﴿ قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾ ، أي: أسمع ما يقول لكما، وأرى ما يفعل بكما، فهذا يدل - والله أعلم - أن قوله: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾ يرجع أحدهما إلى القول، والآخر إلى الفعل؛ لأنه قال في وقت: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَخَافَآ ﴾ ، يحتمل على نفي الخوف، والأمن منه، كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ليس على النهي عن الحزن، فعلى ذلك الأول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَآ ﴾ : في النصر والمعونة لكم والذب عنكم والدفع، ﴿ أَسْمَعُ ﴾ ما يقول ﴿ وَأَرَىٰ ﴾ ما يفعل، وقد كان منه إليهما: النصر والمعونة لهما، والدفع عنهما.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأْتِيَاهُ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ ﴾ : يشبه أن يكون ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ هذا، أي: لا تضعفا في تبليغ الرسالة، ولكن قولا: ﴿ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ لا يحتمل أن يكون أوّل ما أتياه قالا: ﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ [ولكن] قد سبق منهما الدعاء إلى توحيد الله والإفراد له بالألوهية والربوبية؛ فإذا ترك الإجابة، فعند ذلك قالا له: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

[و] هذا يحتمل وجهين: أحدهما: كأنه كان يمنع بني إسرائيل عن الإسلام، وهم أرادوا الإسلام، فقالا: أرسل معنا بني إسرائيل ولا تمنعهم عن الإسلام.

أو: كان يستعبدهم، فأمره أن يستنقذهم من يديه، كقوله: ﴿ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ ألا ترى أنّه قال: ﴿ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ ﴾ وهو ما قال: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .

هذا يدل على أنه لا يبدأ بالسلام على أهل الكفر، ولكن يبدأ بأهل الإسلام، وفيه أن تحية أهل الإسلام هو السلام، لا قول الناس: (أطال الله بقاءك)، ونحوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ كأنه قال: والسلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى.

والسلام هو اسم كل خير وبر.

وقال القتبي: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل ويقدم، قالوا: الفرط: التقدم والسبق، وفي الخبر عن رسول الله  : "أنَا فَرَطكم على الحَوْض" ، وهو من السبق، وكذلك قال أبو عوسجة: ﴿ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ أي: يعجل، يقال: فرط يفرط فرطاً: أي: عجل، وقال: ﴿ وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ أي: لا تقصرا ولا تعجزا في البلاغ، ﴿ وَٱصْطَنَعْتُكَ ﴾ أي: استخلصتك لنفسي، فإذا لم يفهم من قوله: ﴿ لِنَفْسِي ﴾ : ذاته فكيف يفهم ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ ﴾ ما لم يفهم من الخلق، ولا يتصور هذا وأمثاله إلا في وهم من اعتقد التشبيه ولم يعرف ربّه، وإلاّ لو عرف ربّه حق معرفته، لكان لا يتصور في وهمه تشبيه الخلق به، ولا تشبيهه بخلقه،  وتعالى عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ * قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ ﴾ الآية [الشعراء: 23-24]، ﴿ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ  ﴾ ، سأله عن ماهيته، فأجابه موسى عن آثار صنعه في خلقه، وأنه ربّ كل شيء، وربّ ما ذكر، لم يجبه عما سأله من ماهيته وكيفيته، حيث قال: ﴿ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ ﴾ ، فجوابه عن الماهية: ربنا فلان، وأنه كذا، ففيه دلالة أن الله لا يعرف من جهة الماهية والكيفية؛ أذ لا ماهية ولا كيفيّة؛ إذ هما أوصاف الخلق، فالله  يتعالى عن أن يوصف بشيء من صفات الخلق.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ وجوهاً: أحدها: أعطى كل شيء يكون، صورة ما قد كان معاشه وقوامه؛ ليعلم أنه قادر على بعثهم على الصّورة التي كانت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ فهو على قوله: أعطى كل شيء ثم هدى، فإن كان التأويل: أعطى كل شيء صورته وهيئته، فقوله: ﴿ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ للنجاة، وإن كان أعطى جنسه وشكله ثم هداه للنسل، وإن كان قوله: ﴿ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ ﴾ ما به معاشهم وقوامهم، ثم هداه لما يتعيشون به، ويقومون به، وهداه لما يصلح لهم وما لا يصلح لهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ﴾ .

قال بعضهم: إنما سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؛ لأنه سمع من ذلك الرجل المؤمن حين قال: ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ ٱلأَحْزَابِ  ﴾ ولم يكن لموسى بهم علم، فوكل علمهم إلى الله، ثم أنزل الله عليه التوراة، فبيّن له فيها أمرهم.

وقال بعضهم: سأل فرعون موسى ذلك؛ لأن موسى أخبر أنه يبعث، وخوفه على ذلك، فعند ذلك قال: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ لم يبعثوا منذ أهلكوا؟

فقال له ما قال.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ إنمّا سأله عن حال القرون الأولى أهم في الجنة أو في النار، فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ .

وقال بعضهم: إنما سأله عن أعمالهم: فما أعمال القرون الأولى؟

فقال: ﴿ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ﴾ أي: أعمالهم عند ربي في كتاب مرقوم، وقوله: ﴿ سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ وقوله: ﴿ فِي كِتَابٍ ﴾ قال بعضهم: الكتاب الذي أثبتت فيه أعمالهم، وقال بعضهم: في اللوح المحفوظ، ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى ﴾ قال: هما واحد: لا يضل ولا ينسى ذلك الكتاب، وقرئ: (يُضِلُّ) ولا يُضِلُّ من ختم بالهدى، و ﴿ لاَّ يَضِلُّ ﴾ أي: لا يَضِلُّ ذلك الكتاب الذي ذكر، ليس أنه يرجع إلى قوله: ﴿ لاَّ يَضِلُّ رَبِّي ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ هو على قوله: ﴿ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ﴾ ، ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً ﴾ أي: فراشاً، والذي ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ﴾ يذكر نعمه التي أنعمها عليهم؛ يقول: جعل لكم الأرض بحيث تفترشون، وتعيشون فيها، وتقرون عليها بعدما كانت تميد بكم، ﴿ وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً ﴾ أي: طرقاً تسلكون فيها، وتختلفون إلى البلدان النائية في حوائجكم وما به معاشكم وقوامكم ما لولا ذلك ما قام معاشكم، ولا قضيت حوائجكم ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ أي: الماء ﴿ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ ﴾ : ما به معاشكم وقوامكم وقوام أنعامكم، على اختلاف ما جعل لكل دابة من ذلك قوتاً وغذاء، ولم يجعل ذلك لغيرها؛ لأن من الدواب ما يأكل النبات؛ ومنها ما يأكل الحب، ومنها ما يأكل اللحم، ونحوه.

﴿ كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ ﴾ ، أي: كلوا أنتم وارعوا أنعامكم فيما به قوامها.

﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ أي: لأولي العقول.

وقال الحسن: إن في ذلك لآيات للذين يتناهون عما نهوا عنه.

وقال بعضهم: لآيات لأولي الورع، وأولي النهى: هم أهل العقول؛ لأنه بالعقل ينهى، وبه ينتهي، وبه يؤمر ويؤتمر، فذلك آيات لهم، وكذلك قال القتبي: لأولي النهي: أولي العقول، وقال: النهية: العقل.

وقال بعضهم: ﴿ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: ما حالها؟

يقال: أصلح الله بالك، أي: حالك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ ﴾ وجوهاً: أحدها: منها خلقنا أصلكم، وهو خلق آدم، لكنه أضاف خلقنا إليها وإن لم نخلق منها كما أضاف الإنسان إلى النطفة وإن لم يكن الإنسان منها، لكنه أضاف إليها؛ لأنها أصل الإنسان؛ فعلى ذلك إضافة خلق أنفسنا إلى الأرض.

والثاني: نسب إليها؛ لأنا من أول ما ننشأ إلى آخر ما ننتهي إليه يكون قوامنا ومعاشنا من الخارج من الأرض؛ فنسب خلقنا إليه، وهو ما قال: ﴿ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً  ﴾ واللّباس على هيئته ما هو لم ينزل من السماء، لكنّه أضافه إليها؛ لأنه كان بأسباب من السماء وأصله منها.

وقال بعضهم: ذكر أن الملك ينطلق فيأخذ من تراب ذلك المكان الذي يدفن فيه الإنسان فيذره على النطفة التي قضى الله منها الولد؛ فيخلق من التراب والنطفة، فذلك معنى الإضافة إليهما، لكن هذا سمعيّ لا يعرف إلا بالخبر، فإن ثبت فهو هو، وإلاّ لا يجوز أن يقال ذلك رأياً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ إذا متم، أي: تقبرون فيها، فيخرج مخرج الامتنان علينا، وذلك لنا خاصّة دون غيرنا من الحيوان، لئلا نتأذى بهم، كقوله: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ  ﴾ أو أن يكون قوله: ﴿ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ ﴾ ، أي: تصيرون تراباً إذا متم، فيخبر عن قدرته وسلطانه، أي: من قدر على أن صيّر الإنسان تراباً، بعد أن لم يكن تراباً لقادر على أن يصيره إنساناً على ما كان بعدما صار تراباً، وهو ما قال: ﴿ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ﴾ أي: منها نبعثكم وننشئكم مرة أخرى، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٥٧ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍۢ مِّثْلِهِۦ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًۭا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًۭا سُوًۭى ٥٨ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًۭى ٥٩ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًۭا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍۢ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ٦١ فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ ٦٢ قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ٦٣ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّۭا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ٦٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا ﴾ لم يره جميع آياته، إنما أراه بعض آياته، لكن إن كان المراد منها الإعلام له، فقد أعلم الآيات كلها؛ لأنه إنما أراه آية واحدة أو بعض الآيات، فرؤية آية واحدة وبعضها يدل على إعلام غيرها من الآيات، فهو على الإعلام قد أعلمه كلها، وهو ما قال له موسى: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ علم اللعين أنها الآيات وليست بسحر.

أو أن يكون يريد بالآيات كلها الآيات التي أرسلها إلى موسى، فقد أراه آياته كلها، فكذب بتلك الآيات وأبى أن يصدّقها ويقبلها فيسلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ قد علم اللّعين أنه لم يجئهم ليخرجهم من أرضهم، ولكنه يريد منهم الإسلام، لكنه أراد أن يغري قومه عليه، كقوله: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ  ﴾ فهذا إغراء منه قومه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى ﴾ : قال بعضهم: ﴿ سُوًى ﴾ المكان الذي نحن فيه الآن، وغير هذا المجلس.

وقال بعضهم: مكاناً عدلاً لا نخلف نحن و [لا] أنت ذلك المكان.

وقال بعضهم: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ أي: منصفاً.

وقال القتبي: ﴿ مَكَاناً سُوًى ﴾ ، أي: وسطاً بين فريقين.

وقال الكسائي: سُوى وسِوى يريد به سواء، وهما لغتان، إلا أنه يقرأ: "سوى" وقال أبو عبيدة: هو مثل ﴿ طُوًى ﴾ وهو المنصف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ ﴾ : قال بعضهم: يوم عاشوراء.

وقال بعضهم: يوم العيد.

وقال بعضهم: يوم سوقهم، لكنّا لا نعلم ذلك، وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة، وهم قوم قد عرفوا ذلك، حيث رضوا بذلك ولم يتنازعوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ بيّنوا اليوم، وبيّنوا الوقت، وهو وقت الضحى.

﴿ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى ﴾ قال بعضهم: أي: نهاراً جهاراً، كقوله: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى  ﴾ نهاراً، يعني: جهاراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ ﴾ ، أي: أقبل على أمره، وجمع كيده، ليس على الإعراض عما دعوا إليه، ثم أتى بهم، وهو كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: أقبل على السعي في الأرض بالفساد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً ﴾ ، هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تفتروا على الله كذباً فيما بان لكم الحق، وظهر لكم الحجة باتخاذكم فرعون إلهاً؛ لأنكم إذا اتخذتم دونه سواه إلهاً - ولا إله غيره - فقد افتريتم عليه.

والثاني: لا تفتروا على الله كذباً فيما بأن لكم الحق وظهر لكم الحجة، فلا تفتروا على الله كذباً بقوله: إنه سحر، وإنه كذاب.

وقوله - عزّ وجلّ -: ﴿ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ﴾ برفع الياء ونصبها جميعاً.

﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ : قال أبو معاذ: يقال: أسحته وسحته، قهره وأقهره.

وقال أهل التأويل: أي: يهلككم ويستأصلكم بعذاب.

ثم يحتمل ذلك العذاب في الدّنيا، أوعدهم بعذاب يأتيهم إذا افتروا على الله كذباً بعدما بان الحق، وظهر لهم البرهان والحجة.

وقوله: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ ﴾ في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ أي: [تناجى] السحرة فيما بينهم سرّاً من فرعون، فذلك قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من فرعون، فقال لهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ يعنون: موسى وهارون.

وقال بعضهم: ﴿ فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ ﴾ من موسى وهارون، فنجواهم أن قالوا: ﴿ قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ والأشبه هنا أنهم اعتزلوا قومهم وأسرّوا النجوى عنهم فيما بينهم أنهما كذا.

ثم قوله: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ ﴾ بالألف، قال أبو عبيدة: هذه لغة قوم من العرب، يقال: مررت ورأيت رجلان، فهو على تلك اللّغة.

وقال بعضهم: إن هذه الألف لا تسقط في الوحدان بحال، يقال: مررت بهذا ورأيت هذا، ونحوه، فهو الأصل لا يحتمل السقوط في الأحوال كلها في الوحدان والتثنية.

وقال بعضهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ ﴾ ، أي: نعم هذان، وذلك لغة قوم أيضاً، يقولون: (إن) مكان (نعم)، كقول القائل في آخر بيته: ....

.....

.....

*** فقُلْتُ إِنَّهْ أي نعم.

وقال بعضهم: لا، ولكن هذا خطأ من الكاتب، وكذلك عن عثمان: أنه لما نظر في الكتاب فقال: إني أرى فيه خطاباً فيقومها العرب بألسنتها، أو نحو هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا ﴾ هذا القول إنما أخذوا من فرعون، حيث قال: ﴿ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ...

﴾ الآية [الشعراء: 35]، وقوله أيضاً حيث قال: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ ، علم فرعون أن ذلك ليس بسحر لكنه أراد أن يغري قومه عليه؛ لئلا يتبعوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بعيشكم أمثل العيش؛ لأنهم كانوا جبابرة وفراعنة، وكانوا بنو إسرائيل لهم خدماً وخولاً يستخدمونهم ويستعملونهم في حوائجهم، فكان تعيشهم بهم، فقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بأمثل عيشكم، حيث قال له موسى: ﴿ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: يذهبا بدينكم ومذهبكم الأمثل؛ لأنه يقول: إن الذي يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعوهم موسى إليه هو باطل، وإنه سحر وفساد، كقوله: ﴿ ذَرُونِيۤ أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ  ﴾ ، وحيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ ، وحيث قالوا: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ  ﴾ ، ونحوه، يدعى أن ما يدعوهم إليه هو الرشاد، وأن الذي يدعو موسى إليه هو السحر والفساد.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: خياركم وأشرافكم والأمثل منكم.

قال القتبي: ﴿ فَيُسْحِتَكُم ﴾ ، أي: يهلككم ويستأصلكم، يقال: سحته الله، وأسحته، وقال: ﴿ وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: الأشراف، ويقال: هؤلاء طريقة قومهم، أي: أشرافهم، اشتقاق الطريقة من الشريف، ويقال: أراد: بسنتكم ودينكم، و ﴿ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ : مؤنت أمثل، مثل كبرى وأكبر.

﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ ، أي: حيلتكم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ ﴾ ، أي: بدينكم الأفضل، وهو من الأمثل.

وقال أبو عبيدة: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: مصلى، والصف: المصلى، وقال: حكى عن بعضهم أنه قال: ما استطعت أن آتي الصف اليوم أي: المصلى.

وقال القتبي: ﴿ صَفّاً ﴾ : أي: جميعاً، وكذلك [قال] غيره من أهل التأويل.

وقوله: ﴿ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: غلب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ﴾ حرف الإجماع يستعمل في العزم مرة والاجتماع ثانياً:BR>أما في العزم فما ذكر في الخبر: "لاَ صَوْمَ لِمَنْ لَم يَجْمَع رَأيَهُ مِنَ اللَّيْل" أي: لمن لم يعزم، على ما روي في الخبر: "لا صَوْمَ لمن لم يَعْزِمُ مِنَ الليل" وأما الاجتماع فظاهر، فإن كان على الاجتماع، فكأنه قال: فاجتمعوا على عمل واحد لا تختلفوا فيه.

وعلى العزم، أي: اعرفوا شيئاً واحداً؛ واقصدوا أمراً واحداً لكي تغلبوا.

﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ قال بعضهم: جميعاً غير متفرقين، وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً ﴾ أي: المصلى الذي كان موعود الاجتماع، وهو يوم الزينة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ قيل: من غلب، كقوله: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ أي: غلب.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱسْتَعْلَىٰ ﴾ أي: من طلب العلو، وأراد أن يسعد بما وعد فرعون للسحرة من الأجر إذا كانوا هم الغالبين، كقوله: ﴿ أَإِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَالِبِينَ  قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ  ﴾ فذلك هو ما طلبوا منه، فأخبر أنهم يظفرون بذلك، هذا إذا كان القول من فرعون، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ ٦٥ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ ٦٦ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةًۭ مُّوسَىٰ ٦٧ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ ٦٨ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍۢ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ٦٩ فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًۭا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍۢ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًۭا وَأَبْقَىٰ ٧١ قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ ٧٢ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰٓ ٧٣

قوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ * قَالَ بَلْ أَلْقُواْ ﴾ ، إنما ألقوا بأمر من الله وإذن منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ إلى موسى ﴿ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ أي: وقع في قلبه الخوف، وخاف إذ صنع القوم ما صنعوا من السّحر، ثمّ يحتمل ذلك الخوف منه وجهين: أحدهما: خاف على ما طبع البشر عليه من خوف الطبع، لا خوف غلبة؛ لأنه قال لهم: ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ ٱلسِّحْرُ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُ  ﴾ كان يعلم - صلوات الله عليه - أن تمويهات السحر لا تبطل حجج الله وآياته، فدل ذلك أنه خاف خوف الطبع والجِبِلَّة، لا خوف القهر والغلبة.

أو أن يكون خوفه لما أخذ سحر أولئك أعين الناس؛ خاف موسى أن يمنعهم ذلك عن أن يبصروا ما جاء هو من الآية والبرهان.

وقال بعضهم: خاف أن يشكوا فيه فلا يتابعوه، ويشك فيه من تابعه، وهو ما ذكرنا قريباً منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ أي: الغالب، فإن كان الخوف الذي ذكر خوف طبع وما جبل عليه المرء، فيكون قوله: ﴿ لاَ تَخَفْ ﴾ على تسكين القلب وتثبيته، وإن كان الثاني فهو على البشارة له، والإخبار على ألا يمنع سحر أولئك عن أن يبصروا ما تأتي به أنت من الآية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ هذا يدل أن سحر أولئك إنما صار بعدما ألقوا ما في أيديهم، لم يكن سحراً وقت كونه في أيديهم، وكذلك عصا موسى إنما صارت آية وحجة بعدما ألقاها من يده لم تكن وقت كونها في يده، وكذلك حيث قال: ﴿ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوۤاْ ﴾ ، أي: تلقم وتأكل ما صنعوا ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ ﴾ أي: لا يفلح الساحر حيث أتى بسحره، وإلا قد أفلح سحرة فرعون، وفي حرف ابن مسعود: (أين أتى).

وقال بعضهم: حيث كان.

وحيث وحوث لغتان، وهو قول الكسائي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوۤاْ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ ﴾ ؛ لأنهم عرفوا حقيقة ما أتى به موسى، فعلموا أنه سماوي وأنه آية ليس بسحر، فآمنوا إيمانا لم يرتابوا فيه قط، وهذا يدل أن كل ذي بصر وعلم في شيء يكون أبصر وأعلم في ذلك الشيء من غيره؛ حيث لم ينظروا لما رأوا ما أتى به موسى وعاينوا وقتاً ينظروا فيه، بل لسرعة معرفتهم، لم يملكوا أنفسهم، بل ألقوا على وجوههم على ما أخبر؛ حيث قال: ﴿ فَأُلْقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَاجِدِينَ  ﴾ و ﴿ سُجَّداً ﴾ .

وقال القتبي: ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾ : أي: أضمر خوفاً.

وقال غيره: وقع في قلبه حيث أنَّى كان.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ﴾ ، أي: يظن، يقول: يخيل إلي، أي: يريني فهمي وعلمي أن هذا الشيء كذا وكذا، ﴿ فَأَوْجَسَ ﴾ أي: أحس.

﴿ تَلْقَفْ ﴾ وتلقم: واحدٌ.

وقوله  : ﴿ قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ﴾ .

قال بعضهم: يعني: موسى.

وقال بعضهم: كبير السحرة الذي علم غيره السحر.

وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَآ أَهْلَهَا...

﴾ الآية [الأعراف: 123]، قد علم اللعين أن ذلك ليس بسحر ولا مكر مكروا به، لكنه أراد أن يموّه على قومه ويلبس عليهم أمر موسى وما جاء [به] من الآيات والحجج؛ لأنه هو الذي رباه ونشأ بين ظهرانيه وأهله، فعلم أنه لم يتعلم السحر من أحد، [و] لما فارقه وخرج من عندهم إلى مدين لم يكن هناك من يتعلم منه السحر، لكنه أراد التمويه والتلبيس على قومه، وكذلك أهل مكة حيث نسبوا رسول الله إلى السحر والكهانة والافتراء والجنون وغيره، علموا أنه ليس بساحر ولا كاهن ولا مجنون ولا مفتر؛ لأنه نشأ بين أظهرهم صغيراً لم يؤخذ عليه كذب قط على أحد من الخلائق، فكيف على الله  ؟

ولا رأوه اختلف إلى أحد من السحرة والكهنة في تعلم ذلك، لكنهم أرادوا بذلك التمويه والتلبيس على الناس؛ لئلا يتبعوه ولا يجيبوه إلى ما دعاهم إليه من دين الله وتوحيده.

ثم الرسل - صلوات الله عليهم - لو لم يكن معهم الآيات المعجزة ولا الحجج النيرة، كانت أنفسهم وما طبعوا عليه من السيرة الحسنة والأخلاق الكريمة الجميلة وما اختاروا من الأمور العظيمة الرفيعة - دالة على رسالتهم ونبوتهم، فكيف وقد جاءوا بالآيات المعجزة والبراهين المنيرة؟

وما بطبع السحرة من السيرة المذمومة والأخلاق الدنيئة والأمور الخسيسة، يدل على كذبهم وافتعالهم، فكيف أشكل عليهم معرفة السحر من الرسالة والتمويه من الحجة، لكنهم أرادوا بذلك ما ذكرنا من التمويه على قومهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ﴾ .

يشبه أن يكون هذا الوعيد منه في وقتين: أوعدهم أولا بقطع اليد والرجل من خلاف على الإبقاء؛ رجاء أن ينتهوا عما اختاروا، فإذا لم ينتهوا عنه، فعند ذلك أوعدهم بالقتل والصلب؛ إذ في القتل والصلب إتلاف ما دونه من الجوارح، فإن كان على هذا ففيه أن كل حد يراد به الإبقاء، فإنه لا يؤتى على الجوارح كلها، والقطع في السرقة قد يراد به الإبقاء؛ لذلك لا يؤتى على الجوارح كلها، وكذلك [حد] قطاع الطريق؛ إذ يراد به الإبقاء لم يزد على قطع اليد والرجل من خلاف.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ .

لو ذاق اللعين شيئاً من عذاب ربه لم يقل مثل هذه المقالة، ولولا ما عرف من حلم ربه، وإلا لم يتجاسر أن يتكلم بمثل هذا ويوعدهم أن عذابه أشدّ من عذاب الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

أي: لن نؤثرك بالربوبية والعبادة لك والطاعة على ما جاءنا من البينات على ربوبية الله وألوهيته وعبادته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ .

قال بعضهم: لو نؤثرك على الذي خلقنا، لكن غيره كأنه أشبه، وهو أن قوله: ﴿ وَٱلَّذِي فَطَرَنَا ﴾ على القسم، أي: بالذي فطرنا، كأنهم أيأسوه عن العود إلى عبادته وخدمته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ ليس على الأمر لكن على عناد لك، أي: إنك وإن فعلت بنا ما أوعدت فإنا لا نؤثرك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا تَقْضِي هَـٰذِهِ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَآ ﴾ أي: إنما تقضي في هذه الحياة الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَيْرٌ ﴾ معبود وثوابه أبقى من ثواب غيره.

أو أن يكون هذا جواب قوله: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَىٰ ﴾ فيقول: عذاب الله أبقى، والله أعلم.

قال أبو عوسجة: جذوع النخل: ساق النخل وأصله.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًۭا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ ٧٤ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًۭا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ ٧٥ جَنَّـٰتُ عَدْنٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ٧٦

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَىٰ * وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .

أصل هذا - والله أعلم -: أن من قبل من الله حياته بالشكر وطيبها بالأعمال الصالحات، طيب الله حياته وعيشه في الآخرة، [و] من لم يقبل حياته من الله بالشكر في الدنيا، بل كفر بها وخبثها وقبحها بالأعمال القبيحة الخبيثة الدنية خبث حياته في الآخرة وعيشه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ .

هي ما يرتفع ويعلو، والدركات: ما يتسفل وينحدر في الأرض، والدرجات للمؤمنين في الآخرة، لاختيارهم في الدنيا الأعمال الصالحة الرفيعة العالية، فعلى ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الرفيعة العلية، فلهم في الآخرة مقابل ذلك الدرجات العلا، وأما الدركات فهي لأهل الكفر مقابل ما اختاروا في الدنيا من الأعمال الدنية الخبيثة أخزاهم، كمثل من زرع بذر الشوك لم يحصد بُرّاً قط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ ﴾ .

أي: ذلك الذي ذكر جزاء من صلح عمله وأنماه، والزكاة: هي النماء في اللغة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًۭا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًۭا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًۭا وَلَا تَخْشَىٰ ٧٧ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ٧٨ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ ٧٩ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ٨٠ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ ٨١ وَإِنِّى لَغَفَّارٌۭ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًۭا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ٨٢

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ﴾ : وهو السير بالليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً ﴾ أي: اضرب بعصاك البحر، اجعل لهم طريقاً في البحر يابساً؛ كقوله: ﴿ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ...

﴾ الآية [الشعراء: 63].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ ﴾ .

أي: لا تخاف لحوق فرعون وجنوده، ولا تخشى غرق البحر، ليس على النهي، ولكن على رفع الخوف عنه والأمن عن أن يدركهم ويلحقهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ  قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ .

دل قوله: ﴿ بِجُنُودِهِ ﴾ على أن كان معه جنود لا جند واحد، وأما العدد فإنهم كذا وكذا ألفا وقوم موسى كذا وكذا ألفا، فذلك لا يعلم إلا بالخبر وليس بنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ ﴾ ؛ أي: من الغرق والهلاك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداه الله.

وقال بعضهم: وأضل فرعون قومه وما هداهم حيث قال: ﴿ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ  ﴾ .

وقيل: أضل قومه وما هدى نفسه.

وقال بعضهم: ﴿ وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ  ﴾ ، أي: آمن؛ وذلك أنه بالإيمان تزكو الأعمال وتنمو، وبه يثاب عليها ويؤجر.

وقال القتبي: ﴿ لاَّ تَخَافُ دَرَكاً ﴾ أي: لحاقاً.

وقوله: ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ ﴾ أي: لحقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ ﴾ .

هذا خبر يخبر عما أنعم عليهم ومن على أوائلهم وآبائهم من حضر رسول الله، يذكر هؤلاء بما أنعم ومَنَّ على أولئك، وإلا لم يكن هؤلاء يومئذ، وفيه تذكير النعم والمنن على الصحابة في أواخر أمورهم؛ لأنه أمنهم في آخر أمرهم من عدوهم وأيأسهم عن عود هؤلاء إلى دينهم.

وفيه تذكير لنا فيما أنعم علينا ومَنَّ في أوائل أمورنا وآخرها، ليس التذكير لبني إسرائيل خاصة، ولكن لكل من أنعم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ ﴾ .

لسنا ندري أن الأيمن هو اسم ذلك الجبل، أو سماه الأيمن؛ ليمنه وبركته، وقال - عز وجل - في آية أخرى: ﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ ٱلْوَادِي ٱلأَيْمَنِ  ﴾ .

أو سماه الأيمن من يمين موسى  .

فإن كان هو من اليمن والبركة فهو كذلك؛ لأنه به كان بدء وحي موسى  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ﴾ .

يذكر هؤلاء ما وسع على أوائلهم من الرزق وأخصهم؛ ليستأدي بذلك الشكر على ما أنعم عليهم، وذلك تذكير لنا ولمن وسع عليه ذلك؛ إذ لم يزل علينا يوسع الرزق من أول عمرنا إلى آخره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

أي: قلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم.

ثم يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي: من حلالات ما رزقناكم، فإن كان على هذا ففيه دلالة أنه يرزق ما ليس بحلال.

والثاني: ﴿ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ أي: ما تطيب به أنفسكم، ففيه دلالة أنه يجوز لنا أن نختار من الأطعمة ما هو أطيب إن كان على ما تستطيب به الأنفس.

وقوله  : ﴿ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ ﴾ .

الطغيان: هو المجاوزة عن الحدود التي جعلت، أي: لا تطغوا فيما رزقكم من الطيبات وتجعلونه في غير ما جعل وتتجاوزوا عن القدر الذي جعل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي ﴾ برفع الحاء والخفض جميعاً، يحل أن ينزل عليكم غضبي؛ ويحل بالرفع: يجب.

وقوله: ﴿ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ .

قيل: ﴿ هَوَىٰ ﴾ : هلك، أي: من يجب عليه عذابي فقد هلك، وكذلك قال القتبي: ﴿ هَوَىٰ ﴾ ، أي هلك، يقال: هوت أمه: هلكت.

وقيل: ﴿ فَقَدْ هَوَىٰ ﴾ ، أي: سقط في النار، يقال: هوى في موضع كذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ عن الشرك، ورجع عنه، وآمن بتوحيده، وعمل صالحاً فيما بين ذلك، ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ : في حفظ أمره والنهي عما نهى.

والثاني: ﴿ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ ﴾ : عن جميع المناهي وآمن بجميع ما أمر.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ ﴾ أي: دام على ذلك وثبت؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمْ أُو۟لَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ ٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًۭا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى ٨٦ قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًۭا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ ٨٧ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًۭا جَسَدًۭا لَّهُۥ خُوَارٌۭ فَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ ٨٨ أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًۭا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّۭا وَلَا نَفْعًۭا ٨٩

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: إن موسى - صلوات الله عليه - خرج بنفر من قومه إلى الجبل؛ ليأخذ التوراة، فجعل حتى خلفهم وتركهم وراءه، فعند ذلك قال له ربه: ﴿ وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ ﴾ .

وقال بعضهم: لم يخرج بنفر، ولكن خرج وحده وترك قومه، فأصابهم ما أصاب من الافتتان بالعجل الذي اتخذه السامري.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ .

هذا على التأويل الأول، أي: هم يجيئون على أثري.

وعلى التأويل الثاني، أي: تركتهم على ديني وسبيلي، وهو قول الحسن وقتادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ .

أي: عجلت إليك ربّ فيما دعوتني إجابة وطاعة فيما أمرتني؛ لترضى، هذا على التأويل الذي قال: إنه خرج وحده.

وعلى التأويل الذي يقول: إنه خرج بنفر يقول - والله أعلم -: ﴿ وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ ﴾ ؛ إذ لم يكن لي سبب ولا معنى يمنعني عن الإسراع إلى ما دعوتني وأمرتني.

وهكذا عندنا أن من لزمه أمر الله وفرضه، لزمه الإسراع والعجلة إلى القيام بأدائه، إذا لم يكن هناك سبب يمنعه عن التعجيل له والقيام به، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ ﴾ .

الفتنة: هي المحنة التي فيها شدائد وبلايا، ومعنى الافتتان هاهنا: هو ما فتنهم بالعجل الذي اتخذه السامري، جعله جسداً بدم ولحم على ما ذكر، ونفخ فيه الروح، وجعل له خوار، فذلك معنى الافتتان منه إياهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أضاف الإضلال إلى السامري؛ لأنه كان سبب إضلالهم حيث اتخذ لهم العجل، ودعاهم إلى عبادته، وقال: ﴿ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ ﴾ ، فأضاف الإضلال إليه؛ لما ذكرنا من دعائه إليه والسبب الذي كان منه، وإلا لم يكن لأحد إضلال أحد، وأضاف الافتتان إلى نفسه؛ لما ذكرنا من جعل العجل جسداني من لحم ودم وروحاني.

فإن قيل: ما معنى إجراء ما أجري على يدي السامري مع ضلالة من الآية؟

قيل: هو - والله أعلم - أنه لو ادعى لنفسه الرسالة، لكان لا يتهيأ له ذلك، لكنه إنما ادعى أنه إله وآثار العبودية فيه ظاهرة قائمة يعرف كل أحد أنه ليس بإله، وأما الرسالة فإنه يجوز أن تشتبه على الناس وتلتبس عليهم، فيمنع الله - عز وجل - من ليس برسول إذا ادعى الرسالة إقامة دلالة الرسالة لاشتباهها على الناس، وأما الألوهية فلا يمنع عن إجراء ذلك؛ لأن آثار العبودة وأعلام العجز فيها ظاهرة يعرفها كل أحد.

وهكذا من أتى [أهل] قرية لم يبلغهم هذا القرآن فقرأ هذا القرآن وقال: إني رسول الله إليكم [لم] يقدره الله على قراءته، ولو ادعى الربوبية لم يمنع؛ لأن آثار العجز عن إتيان مثله ظاهرة وفي الرسالة لا؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً ﴾ .

والأسف: هو النهاية في الغضب، والنهاية في الحزن، وهكذا جبل الله رسله وأنشأهم على نهاية الغضب لله والأسف له عند معاينتهم الخلاف لله والتكذيب له؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ...

﴾ الآية [الشعراء: 3]، وقوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً ﴾ .

على تأويل الحسن: وعداً حسناً، هو الثواب الذي وعد لهم بالدين والسبيل.

﴿ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي ﴾ ، أي: على ديني وسبيلي.

وقال بعضهم: ﴿ وَعْداً حَسَناً ﴾ أي: عدلا وصدقا؛ حيث وعد لهم أنه يرجع إليهم عند رأس أربعين أو ثلاثين ليلة، على ما ذكر - عز وجل -: ﴿ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ ﴾ على تأويل الحسن: أفطال عليكم عهد ما وعد لكم من دون الثواب والجزاء على دينه وسبيله حتى نسيتم ذلك.

وعلى تأويل من قال: إن الوعد هو ما وعد أنه يرجع إليهم على رأس كذا يقول: أفطال عليكم ومضى وعدي حتى فعلتم ما فعلتم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

أي: أم تعمدتم الخلاف فيحل عليكم غضب من ربكم.

﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي ﴾ يحتمل الموعد الوجهين اللذين ذكرناهما فيما مضى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا ﴾ برفع الميم وكسره: فمن قرأه (بِمُلْكِنَا) برفع الميم، أي: بسلطاننا وطاقتنا، أي: لم نفعل بسلطاننا وطاقتنا.

ومن قرأه: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم [أي]: بما ملكت أيدينا.

وقال الكسائي: من قرأ (بِمُلْكِنَا)، معناه: بسلطاننا، ومن قرأه: (بِمَلْكِنَا) بكسر الميم ونصبه معناهما: وهو ما ملكت أيدينا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ ﴾ .

قيل: أثقالا من زينة القوم، أي: من حلي القبط.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَذَفْنَاهَا ﴾ ، أي: قذفنا ما حملنا من حليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ .

أي: كذلك قذف ما حمل السامري من حليهم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ ﴾ ما أخذ من قبضته من أثر الرسول؛ كقوله: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ ﴾ .

أي: عجلا جسده جسد عجل، وليس هو بعجل في الحقيقة.

وقال بعضهم: عجلا جسداً لا يتعيش كما يتعيش العجل المولود من البقر، والأول أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ﴾ .

هذا القول إنما قاله السامري.

وقوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ قال بعضهم: نسي السامري حيث قال لهم: هذا إلهكم فنسي هذا القول، فيكون النسيان على هذا التأويل التضييع والترك؛ كأنه قال: ضيع السامري بعد ما علم وعرف رب العالمين ونسب الألوهية إلى العجل.

وقال بعضهم: إن السامري لما قال: هذا إلهكم وإله موسى، لكن موسى نسي هذا حيث خرج في طلب غيره، ولا يحتمل أن يقبلوا هذا القول منه، ويجعلوا العجل الذي اتخذه السامري إلها، وقد علموا أنه إنما اتخذه من حلي حملوه من القبط، لكنه كان في عقدهم أنه يجوز اتخاذ إله دون إله رب العالمين والعبادة له؛ رجاء أن تقرب عبادتهم تلك الآلهة إلى الله، وعلى هذا كانوا يعبدون الأصنام دون الله؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، و ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ ، وكذلك قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وكذلك ما اتخذ لهم فرعون من آلهة عبدوها دونه، وإلا لم يحتمل أن يقع عندهم أن رب العالمين هو ذلك العجل، لكنه ما ذكرنا أنهم كانوا يستجيزون في اعتقادهم عبادة من دونه، فقال عند ذلك ورد عليهم اعتقادهم فقال: ﴿ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ، أي: ألا يرون أن لا إذن في عبادة من يرجع إليه القول ويملك النفع والضر وهو البشر، فكيف أذن في عبادة من لا يملك شيئاً من ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يَـٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦ ۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوٓا۟ أَمْرِى ٩٠ قَالُوا۟ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ٩١ قَالَ يَـٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوٓا۟ ٩٢ أَلَّا تَتَّبِعَنِ ۖ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ٩٣ قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ۖ إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى ٩٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ .

يذكر - والله [أعلم] - بهذا رسوله: أن الذين كذبوك وجحدوا رسالتك لم يكذبوك لجهلهم بالرسالة، ولكن لتعنتهم وعنادهم على ما ذكروا نبأه من قول هارون لقومه لما عبدوا العجل حيث قال: ﴿ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ فكأنه يؤيسه عن إيمان أولئك لعنادهم، وهو ما قال: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ ، أي: صرتم مفتونين بالعجل بصوته وخواره أو بغيره.

والثاني: ﴿ فُتِنتُمْ ﴾ أي: ضللتم به، أي: بالعجل وإن ربكم الرحمن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّبِعُونِي ﴾ ، أي: أجيبوا لي إلى ما أدعوكم به ﴿ وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي ﴾ ، أي: ما آمركم به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نزال على عبادة العجل مقيمين حتى يرجع إلينا موسى.

وقال بعضهم: ﴿ لَن نَّبْرَحَ ﴾ ، أي: لن نفارق عبادته، ثم قال موسى: ﴿ يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ ﴾ هذا يدل أن قول هارون لهم: ﴿ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ ﴾ أراد به: الضلال؛ حيث قال له موسى: ﴿ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي ﴾ يحتمل ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا صرت إلى ما كنت صرت أنا؟

وقد علمت إلى أين صرت أنا، أو أن يكون قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ ، أي: ألا تتبع ديني وسنتي وكانت [سنته] ومذهبه القتال والحرب معهم إذا ضلوا وتركوا دين الله.

فاعتذر إليه هارون فقال: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ ، هذا أيضاً يخرج على وجهين: أحدهما: أني خشيت إن اتبعتك وصرت إلى ما صرت أنت تقول لي: ﴿ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآءِيلَ ﴾ ؛ لأنك لو نهيتهم عما اختاروا من عبادة العجل وبينت لهم السبيل لعلهم يتبعونك، فحيث لم تفعل فأنت الذي فرقت بينهم.

والثاني: على تأويل القتال والحرب في قوله: ﴿ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ ﴾ إني خشيت لو قاتلتهم ونصبت الحرب بينهم صاروا فريقين، فإذا تفرقوا اقتتلوا وسفكوا الدماء وتفانوا، فترك القتال لما أطمعوه الإيمان إذا رجع إليهم موسى ونهاهم عن ذلك، فلعل سنته في القتال مع من لم يطمع منه الإيمان، هذا على تأويل من يقول بأن هارون اعتزلهم لما عبدوا العجل مع عشرة آلاف نفر وأكثر أو أقل على ما ذكر.

وأما الحسن فإنه يقول: كلهم قد عبدوا العجل إلا هارون، فعلى قوله لا يحتمل الحرب والقتال معهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ .

قيل: هو ما قال: ﴿ وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ  ﴾ ، ودل قوله: ﴿ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي ﴾ بأن كان له الشعر، فكنى بالرأس عن الشعر.

<div class="verse-tafsir"

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَـٰسَـٰمِرِىُّ ٩٥ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا۟ بِهِۦ فَقَبَضْتُ قَبْضَةًۭ مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ٩٦ قَالَ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًۭا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًۭا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا ٩٧ إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًۭا ٩٨

قوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ ﴾ .

قال الحسن: ما حجتك يا سامري على ما فعلت؟

ولا حجة كانت له قط.

وقال غيره: (ما خطبك) ما شأنك وما أمرك، والخطب هو الشأن والأمر في اللغة.

وتأويله - والله أعلم -: فما شأنك؟

أي: ما الذي حملك على صنيعك الذي صنعت؟

ثم قوله: ﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ بالياء والتاء جميعاً، ثم بين ما الذي بصر هو ما لم يبصروا هم؟

فقال: ﴿ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا ﴾ ، أما عامة أهل التأويل: فإنهم يقولون: إنه قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل فنبذتها، وليس في الآية ذكر التراب ولا ذكر الفرس، ولا أن ذلك الرسول جبريل أو غيره.

ويشبه أن يكون الذي قبضه هو تراب من أثر الفرس، على ما قاله أهل التأويل، وقد ذكر في حرف أبي: (فقبضت قبضة من أثر فرس الرسول)، فإن ثبت ما قالوا، وإلا لم نزد على ما ذكر في الكتاب من هذه الأنباء والقصص [التي] كانت في كتبهم، فذكرت في القرآن؛ ليحتج بها رسول الله على أولئك؛ ليعرفوا أنه إنما عرف بالله  ، فلو زيد أو نقص عما في كتبهم، لذهب موضع الاحتجاج عليهم، بل يوجب ذلك شبه الكذب عليهم؛ لذلك وجب حفظ ما حكى في الكتاب من الأنباء والأخبار من غير زيادة ولا نقصان مخافة الكذب، إلا إن ثبت شيء يذكر عن رسول الله أنه كان، فعند ذلك يقال، وإلا الكف أولى لما ذكرناه.

[و] في قراءة الحسن وقتادة: (فقبصت قبصة) بالصاد، والقبصة: هو الأخذ بأطراف الأصابع، والقبضة: هو بالكف؛ فلا يحتمل أن يصح الحرفان جميعاً، لأن الأخذ بأطراف الأصابع دون الكف فهو خبر يخبر عما في كتبهم، فإما أن يكون ذا أو ذا؟

فأما أن يكونا جميعاً فلا يحتمل، إلا أن يقال: إنه أخذه بأطراف الأصابع، ثم رده إلى الكف؛ فحينئذ يكون، أو أن يكون ثَمَّ مرتان، والله أعلم.

وقوله -: ﴿ وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أي: كذلك سولت لي نفسي أنك متى تأخذ قبضة من أثر الرسول فنبذتها في الحلي يحيا.

أو أن يكون سولت له نفسه على ما كان عادتهم وطبيعتهم أنهم لا يعبدون [ما] لا يرونه ولا يقع بصرهم عليه؛ حيث قالوا: ﴿ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، فقال: سولت لي نفسي أن أتخذ لهم عجلا يرونه فيعبدونه.

أو سولت لي نفسي أن في قبضة أثر الرسول بناءً عظيماً.

أو قال ذلك اعتذاراً لجميع ما كان منه من أول الأمر إلى آخر أمره، والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَٱذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ ﴾ .

قال بعضهم: أي: لا تزال تقول: لا مساس، لا تقول غيره؛ عقوبة له وجزاء لصنيعه.

وقال بعضهم: أن تقول: لا مساس لم تمسني، ولا أمسك، أي: لا تمسني أبداً، أخرجه من بين أظهرهم؛ لما علم موسى منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَّن تُخْلَفَهُ ﴾ .

يحتمل: أن لك موعدا لعذابك لن تخلفه، يحتمل ذلك في الدنيا والآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ .

قوله: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ﴾ الذي تزعم أنه إله، لا أن موسى سمى ذلك، وهو كما قال: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ التي في زعمهم آلهة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ فقوله: ﴿ ظَلْتَ ﴾ يقال بالنهار، وفي الليل يقال: بات.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي ٱلْيَمِّ نَسْفاً ﴾ .

وفي هذا إثبات آية لموسى؛ حيث قال: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ ، والعجل الذي هو من لحم ودم ليس من طبع النار إحراقه، وكذلك الحلي والذهب والفضة ليس من طبع النار إحراقهما حتى تصير رماداً، ولكن من طبعهما الإذابة، ثم أخبر أنه محرقه، فدل أنه آية.

وفي قوله: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ لغتان: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بالتشديد وبرفع النون وهو التحريق بالنار، و ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بنصب النون وهو القطع بالمبرد.

وقال أبو معاذ: فمن قرأه ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ بنصب النون، فقد كان العجل من الحلي فلم يقدر على تحريقه بالنار فحرق بالمبرد.

ومن قرأه: ﴿ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ﴾ برفع النون والتشديد يقول: كان لحماً ودماً فأحرق بالنار صار رماداً ثم نسف في اليم.

قال أبو معاذ: يا سبحان الله، إن كنت أحرقته بالنار فما حاجتك إلى المبرد، لكن أراد مقاتل أن يجمع القراءتين والتأويلين في قراءة واحدة.

لكنه عندنا لا يجوز أن يكون العجل من لحم ودم في إحدى القراءتين وفي الأخرى من الحلي لا لحم فيه ولا دم، وتكون القراءتان جميعاً منزلتين.

وما قاله مقاتل: إنه حرق بالنار ثم حرق بالمبرد حسن؛ لأن النار لا تحرق العجل إذا كان لحماً ودما، ولكنها تذيبه، فأبرد بالمبرد، فعند ذلك نسف في اليم.

قال أبو معاذ: تقول العرب: نسفت البرد أنسفته نسفاً: إذا أخرجت المنسفة فطيرت غباره، ويقال في المشي: ما زلنا ننسف يومنا كله نسفا، أي: نمشي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ لَنَنسِفَنَّهُ ﴾ ، أي: لنرمين به نسفاً، أي: رمياً، والنسف: القلع من الأصل، وصرفه: نسف ينسفه نسفاً.

وقال: ﴿ لَن نَّبْرَحَ  ﴾ أي: لن نزال.

﴿ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ ﴾ يقال: بصرت وأبصرت، بصر يبصر بصراً.

وقبصت قبصة، والقبص بأطراف الأصابع.

وقال: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ أي: لا يمسك أحد ولا يؤذيك.

وقال: "ظلت عليه" لغة سوء، وإنما هو: ظلت، وظَلِلْتَ.

وروي في حرف ابن مسعود: (بصرت بما لم يبصروا به إذ جاء الرسول فقبضت قبضة فألقيتها)، وفي حرف حفصة: (إذ مرَّ الرسول)، وفي حرف أبي بن كعب: (إن لك في الحياة أن لا مساس)، ليس فيه ﴿ أَن تَقُولَ ﴾ ، وفي حرف حفصة: (إن لك في الحياة الدنيا أن تقول لا مساس).

وقال بعضهم: تأويله: لا تخالط الناس ولا يخالطونك.

قال أبو معاذ: المساس: مصدر ماسه مماسا ومماسة، كما يقال: ضاره ضراراً ومضارة، وساره سرارا ومسارة، ومن قرأه: ﴿ لاَ مِسَاسَ ﴾ كان كقولك: نزل ودراك.

وفي حرف ابن مسعود وأُبّي: (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا وانظر كيف يفعل بإلهك الذي ظلت).

وقوله: ﴿ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي ﴾ قال بعضهم: شجعت، وظاهره: زينت لي نفسي.

وقيل: سمي السامري: سامريّاً؛ لأنه كان من قبيلة يقال لها: السامرة.

وقول هارون لموسى: ﴿ يَبْنَؤُمَّ ﴾ وكان أخاه لأبيه وأمه، قيل: أراد بذلك أن يرفقه عليه فتركه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَآ إِلَـٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ .

جائز أن يكون موسى لما أحرق العجل ونسفه في البحر قال عند ذلك: إنما إلهكم الله الذي تعرفونه لا إله إلا هو وسع كل شيء علما، لا يعزب عنه شيء ولا يخفى عليه شيء، فيشبه أن يكون موسى ذكر هذا لهم لما أضمروا هم وأسروا حب العجل في قلوبهم، على ما أخبر الله عنهم بقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ ، فقال لهم: ﴿ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾ يعلم ما تسرون وما تظهرون.

أو أن يكون لا يعلمون أنه [يعلم] ما يسرون وما يضمرون وما يغيب عن الخلق ويكون عندهم كملوك الأرض يعلمون الظاهر من الأمور الحاضرة منها [ولا يعلمون] الغائب، فأخبر أنه عز وجل يعلم الظاهر والباطن والسر والعلانية والحاضرة والغائبة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ ءَاتَيْنَـٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًۭا ٩٩ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُۥ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وِزْرًا ١٠٠ خَـٰلِدِينَ فِيهِ ۖ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ حِمْلًۭا ١٠١ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍۢ زُرْقًۭا ١٠٢ يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًۭا ١٠٣ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًۭا ١٠٤

قوله - عز وجل -: ﴿ كَذٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَآءِ مَا قَدْ سَبَقَ ﴾ .

أي: هكذا نقص عليك من أنباء ما قد سبق؛ ليكون آية لرسالتك ونبوتك.

أو أن يقول: كما قصصنا عليك هذا النبأ كذلك نقص عليك سائر النبأ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴾ .

قال أهل التأويل: الذكر هاهنا: القرآن، وهو الظاهر؛ ألا ترى أنه [قال] على أثره: من أعرض عنه فإنه كذا، وجائز أن يكون قوله: ﴿ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْراً ﴾ أي: شرفا وذكرا، يذكر هو بعده أبداً، ومن اتبعه وأجابه إلى ما دعاه يصير مذكوراً به.

وقوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً ﴾ .

والوزر: الحمل، وسميت الآثام: حملا؛ لأن الآثام تنقض ظهور أصحابها في النار وتكسرها؛ كالحمل في الدنيا ينقض ظهر صاحبه ويكسره، وهو ما ذكر: ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ  ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَالِدِينَ فِيهِ ﴾ ، أي: في ذلك الوزر، أي: لن تفارقهم أوزارهم أبد الآبدين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً ﴾ .

حمل السوء، حمل يورد صاحبه النار، بئس الحمل حمل يورد صاحبه النار، ويقال: بئسما حملوا على أنفسهم من الأعمال.

وقوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً ﴾ يحتمل الإعراض عنه وجهين: أحدهما: ﴿ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ ، أي: كفر به وكذبه ولم يلتفت إليه.

والثاني: ﴿ أَعْرَضَ عَنْهُ ﴾ ، أي: لم يعمل بما فيه، ومن لم يعمل من المسلمين بما فيه يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحْشُرُ ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ زُرْقاً * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ .

قيل: يتسارون بينهم ويتكلمون فيما بينهم كلاما خفيا ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً ﴾ مثل هذا الكلام، إنما يقولون تلهفاً وتحزنا على ما كان منهم في وقت قليل؛ لاستقلالهم واستصغارهم الدنيا، يقولون: كيف كان منا كل هذا العمل في ذلك الوقت القليل؟!

ثم اختلفوا في ذلك اللبث الذي قالوا ذلك؛ قال بعضهم: في الدنيا، استقلوا مقام الدنيا؛ لما عاينوا الآخرة، وقال بعضهم: ذلك في القبور، ويستدل من ينكر عذاب القبر بهذه الآية، يقول: لأنهم استقلوا مقامهم في القبور، ولو كان لهم عذاب في ذلك لاستعظموا ذلك واستكثروا؛ لأن قليل اللبث في العذاب يستعظم ويستكثر لا يستقل ولا يستحقر، فلما استقلوا ذلك، دل أنهم لا يعذبون في القبور.

واستدلوا أيضاً لنفي العذاب فيه بقوله: ﴿ يٰوَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا  ﴾ .

ومن يقول بعذاب القبر يزعم أن ذلك إنما قالوا في القبر يقول: ذلك بين النفختين، يقول: هم يعذبون ويكونون في العذاب إلى النفخة الأولى، ثم يرفع عنهم العذاب إلى النفخة الثانية، عند ذلك يرقدون فيستصغرون مقامهم للنوم، وقد يستصغر الوقت الطويل ويستقل في حال النوم على ما ذكر في قصة أصحاب الكهف حين قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ وهم قد ناموا ثلاثمائة سنة وزيادة.

وجائز أن يكون عذاب القبر عذاب عرض وعذاب الآخرة عذاب عين؛ كقوله: ﴿ ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً  ﴾ ، فاستصغروا عذاب العرض واستقلوه عند معاينة عذاب العين.

ومن يقول ذلك في الدنيا، يقول: تحاقرت الدنيا في أعينهم ومقامهم فيها حين عاينوا الآخرة وأهوالها.

وقوله  : ﴿ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ .

قوله: ﴿ أَمْثَلُهُمْ ﴾ قيل: أعقلهم، وقيل: أفضلهم ﴿ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً ﴾ من كان أبصر وأعلم بأمور الآخرة وأهوالها، كان أكثر استخفافاً بالدنيا واستحقاراً لها.

وفي حرف ابن مسعود: (نحن أعلم بما يقولون إذ عيل عليهم إذ يقول أمثلهم طريقة) قال أبو معاذ: قوله: (عيل عليهم) أي: اشتبه وخفي وفاتهم علمه، وقال: ومنه يقول: عالت الفريضة تعول عولا: إذا جاوزت السهام فأشكل على الفارض واشتبه، ومنه قيل: عيل صبري.

<div class="verse-tafsir"

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًۭا ١٠٥ فَيَذَرُهَا قَاعًۭا صَفْصَفًۭا ١٠٦ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًۭا وَلَآ أَمْتًۭا ١٠٧ يَوْمَئِذٍۢ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُۥ ۖ وَخَشَعَتِ ٱلْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًۭا ١٠٨ يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا ١٠٩ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلْمًۭا ١١٠ ۞ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَىِّ ٱلْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًۭا ١١١ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًۭا وَلَا هَضْمًۭا ١١٢

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ .

يشبه أن يكون سؤالهم عن أحوال الجبال في ذلك اليوم لما بين أحوال الناس في الساعة بقوله: ﴿ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ...

﴾ الآية [الحج: 1-2]، وكقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ...

﴾ الآية [الحج: 2]، وصف لهم أحوال الخلق في ذلك اليوم، ولم يصف أحوال الجبال والأرض، فعند ذلك سألوه عن أحوال الجبال، فأمر رسوله أن يخبرهم بما ذكر أنه ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾ ، وما ذكر أيضاً في آية أخرى: ﴿ هَبَآءً مَّنثُوراً  ﴾ ، ﴿ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ ، ﴿ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  ﴾ ونحوه، فجائز أن يكون ذلك على اختلاف الأحوال، وقد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ أي: مستوية، والقاع والصفصف واحد.

وقال بعضهم: هي الأرض الملساء التي لا نبات فيها ولا زرع.

وقوله: ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ قيل: لا واديا ولا أمتا ولا رابية.

وقال بعضهم: العوج: الارتفاع، والأمت: الهبوط.

وقال بعضهم: العوج: أَحْناء الأودية، والأمت: التلال.

وقيل: لا انخفاضاً ولا ارتفاعاً، والقاع الصفصف: هو تفسير ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ ، و ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ تفسير قوله: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ ﴾ : لا خلاف له، ليس كالداعي في الدنيا منهم من يطيعه ويجيبه ومنهم من لا يطيعه ولا يجيبه، فأخبر أنهم في الآخرة يجيبون الداعي في أي حال كانوا لا يخالفونه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ ﴾ : لا تخشع، لكن تنخفض وتلين عند خوف أهلها، وترتفع عند الأمن.

أو أن يكون خشوع الأصوات كناية عنهم، أي يخشعون ويذلون لشدة فزعهم لأهوال ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ .

قيل: الهمس: الكلام الخفي الذي لا يكاد يسمعه.

وقيل: رفع الأقدام ونقلها وهو تحريكها.

قال أبو عوسجة: ﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، أي: أخفى صوته.

وقوله: ﴿ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً ﴾ أي: أفضلهم.

فأمّا ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً ﴾ ، قال: القاع: الأرض الصلبة التي لا شيء فيها، والصفصف: المستوية، والصفاصف جمع، والقيعان: جمع القاع، و ﴿ عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ الأمت: هو العوج وهو التل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ ﴾ ، أي: سكنت [ ﴿ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ﴾ ]، والهمس: الخفى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تنفع الشفاعة، ليس أن يكون لهم الشفاعة فلا تنفع، ولكن لا شافع لهم إلا من أذن له الرحمن بالشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه، فضلا أن يؤذن لأحد بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ يقول: الشفاعة أنه لا أحد يتكلم يومئذ إلا بإذنه فضلا، وقال: صوابا.

والثاني: لا تنفع الشفاعة إلا من وفق له بما يستوجب الشفاعة له ورضي له قولا وسأله ذلك، وهو قول الشهادة والتوحيد.

فيرجع أحد التأويلين إلى الشفعاء: أنه لا أحد يشفع لأحد إلا بإذنه ورضاه بالقول: قول الشفاعة، والثاني: يرجع إلى المشفوع له: أنه لا أحد يستوجب شفاعة إلا من وفق له الرحمن في الدنيا بالتوحيد وشهادة الإخلاص، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ قبل أن يخلقوا، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ بعد ما خلقوا وكانوا.

أو أن يكون قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ : ما قدموا من الأعمال، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ : من بعدهم.

أو أن يكون قوله: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ كناية عن الخيرات، أي: لا يعلم ما يعملون من الخيرات، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من الشرور، وما نبذوا وراء ظهورهم.

وجائز أن يكون المراد من البين والخلف: الأحوال كلها، أي: عالم بجميع أحوالهم وبكل شيء يكون منهم، وهو كقوله: ﴿ لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ  ﴾ أي: لا يأتيه الباطل ألبتة؛ لأنه ليس للقرآن بين ولا خلف، ولكن المراد ما ذكرنا، فعلى ذلك الأول.

وجائز أن يكون المراد منه: ليس البين ولا الخلف، ولكن إخبار عن إحاطة علمه بهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: لا يحيطون بالله علما، ولكن إنما يعرفونه على ما تشهد لهم الشواهد من خلقه؛ لأن الخلق إنما يعرفون ربهم من جهة ما يشهد ويدل لهم من الدلالات من خلقه، والإحاطة بالشيء إنما تكون فيما كان سبيل معرفته الحس والمشاهدات، فأما ما كان سبيل معرفته الاستدلال فإنه لا يحاط به العلم.

والثاني: لا يحيطون به علما، أي: بعلمه؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ  ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ...

﴾ الآية [الجن: 26-27].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ .

قيل: ﴿ عَنَتِ ﴾ : ذلت وخضعت الوجوه.

وجائز أن يكون ذكر [الوجوه] كناية عن أنفسهم؛ لما بالوجوه يظهر الذلة والخضوع، فكنى بها عنهم.

فإن كان ما أخبر من خضوعهم وذلهم في الآخرة، فهو على ما أخبر من خضوع الخلائق له في الآخرة.

وإن كان بعضهم يتكبر في الدنيا، وإن كان في الدنيا فهو على خضوع الخلقة له خضعت خلقة الخلائق كلهم له.

وقوله: ﴿ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ قد ذكرنا تأويل الحي القيوم فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ .

أي: قد خاب من حمل الشرك، والظلم هاهنا الشرك، وقد خاب من حمل ما ذكر من الحمل والوزر، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وِزْراً  خَالِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ حِمْلاً  ﴾ أي: خاب من حمل ذلك الحمل، والله أعلم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ من أمر الآخرة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من أمر الدنيا، ﴿ وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ ﴾ يعني: [لا يحيط] الملائكة به ﴿ عِلْماً ﴾ ، يقول: هم لا يعلمون من كلامه إلا ما علمهم إياه، فإن كان هذا في الملائكة خاصة، فإنه لا يحتمل ما ذكرنا من التأويل في قوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ من الشرور وما نبذوه وراء ظهورهم؛ لأنهم مطيعون لله لا يعصونه طرفة عين، ويحتمل غيره من التأويلات التي ذكرنا، والله أعلم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ  ﴾ : في الشفاعة، ﴿ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً  ﴾ : قول: لا إله إلا الله، مسلماً في الدنيا مؤمناً حقا، فذلك الذي رضي، والشفاعة تحل لهم، فأما غيرهم فلا يشفع لهم، وهو ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ ﴾ أي: عملت الوجوه للحي القيوم، قالوا: وتأويل ﴿ عَنَتِ ﴾ العمل، أي: خضعت له بالعمل الصالح في الدنيا، على ما ذكر بعضهم من الركوع والسجود وغيره، وهو في المؤمنين خاصة ليس أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَعَنَتِ ﴾ أي: عملت حقيقة، ولكن من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان التأويل في الآخرة فهو في الفريقين جميعاً يذلون له جميعاً ويخضعون في الآخرة، وإن كان من بعضهم التكبر في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

فيه دلالة أنه قد يستحق اسم الإيمان بدون الأعمال الصالحات؛ حيث قال: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ .

وفيه أن الإيمان شرط في قبول الطاعات وجعلها طاعة لله؛ حيث شرط الإيمان فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ﴾ .

الظلم هاهنا على مذهبنا: النقصان، لا ظلم الجور؛ لأن الثواب على الأعمال بحق الإفضال لا بحق العدل، فإذا كان على هذا فيخرج قوله: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ﴾ أن ينقص من حسناته شيئاً أو يزيد في سيئاته شيئاً، ويجوز في اللغة ذكر الظلم على إرادة النقصان؛ كقوله في ذكر الجنتين: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ ، والجنة لا توصف بالظلم الذي هو ظلم جور؛ فدل أنه أراد بالظلم هاهنا النقصان، أي: لم تنقص، بل أتت بثمارها وافية وافرة.

وإن كان على الظلم الذي هو ظلم الجور فهو على النهي، أي: لا تخف منه الظلم والجور.

<div class="verse-tafsir"

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّۭا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًۭا ١١٣ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰٓ إِلَيْكَ وَحْيُهُۥ ۖ وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا ١١٤

قوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ﴾ .

أي: كما ذكرنا: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما، كذلك أنزلناه في القرآن العربي.

﴿ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .

حرف (لعل) في جميع ما ذكر في القرآن يحتمل وجهين: أحدهما: على الوعد أنهم يتقون فهو على الإيجاب.

والثاني: لعلهم يتقون، أي: ألزمهم أن يتقوا بما صرف من الوعيد.

وإن كان على الوعد والإيجاب منه فهو لمن علم أنهم يتقون.

وإن كان على الإلزام - أي: ألزمهم - فهو في الكل.

ثم إن كان على الوعد فيخرج قوله: ﴿ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ ، فيكون كقوله: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ  ﴾ إذا تذكر خشي، وإذا خشي تذكر؛ فعلى ذلك إذا اتقى فقد أحدث له الذكر، وإذا أحدث له الذكر اتقى، وإن كان ألزمهم أن يتقوا فهو على أو ثم.

ثم قال: بعضهم: ﴿ ذِكْراً ﴾ ، أي: عذاباً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

مثل هذا إنما يذكر على نوازل كانت إما قولا أو فعلا، يقال: فتعالى الله عن ذلك، لكن لم يذكر النوازل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .

يحتمل ما قاله أهل التأويل أن جبريل كان إذا أتاه بالسورة وبالآي فيتلوها عليه، فلا يفرغ جبريل من التلاوة حتى يتكلم رسول الله بأولها؛ مخافة أن ينساها؛ فأنزل الله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ ﴾ فتقرأه من قبل أن يفرغ من تلاوته عليك، وقد أمنه عن النسيان بقوله: ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ...

﴾ الآية [الأعلى: 6]، وكذلك: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ الآية [القيامة: 16]، ثم أمره عز وجل أن يسأله أن يزيد له علما.

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .

أي: لا تعجل بما ذكر من الوعيد لهم في القرآن من قبل أن يأتي وقته؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ جائز ما قال أهل التأويل: إنه كان يتلو مع تلاوة جبريل، فقال له: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ ، إن ثبت عنه أنه كان يتلو مع تلاوة جبريل.

وجائز النهي من غير أن كان منه ما ذكر - والله أعلم - على ما نهى عن أشياء من غير أن كان منه ذلك.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًۭا ١١٥ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ ١١٦ فَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّۭ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ ١١٧ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ١١٨ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ١١٩ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَـٰنُ قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍۢ لَّا يَبْلَىٰ ١٢٠ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١ ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ١٢٢ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّۭ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ١٢٣ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةًۭ ضَنكًۭا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِىٓ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًۭا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ ءَايَـٰتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنسَىٰ ١٢٦ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنۢ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِۦ ۚ وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰٓ ١٢٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن وعامة أهل التأويل: إن قوله: ﴿ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ضيع وترك، ليس نسيان السهو؛ لأنه عوتب عليه وعوقب به، ولا يعاتب المرء على ما هو حقيقة السهو والنسيان؛ فدل أنه على التضييع والترك، ليس على النسيان والسهو، إلى هذا يذهب هؤلاء، لكن يقبح هذا أن يقال في آدم، أو في نبي من أنبيائه، أو في رسول من رسله - صلوات الله عليهم -: إنه ضيع، والنسيان عندنا على قسمين: نسيان يكون عن غفلة منه وشغل، ما لولا ذلك الشغل منه والغفلة، لحفظه وذكره ولا ينساه، وجائز المعاتبة على هذا النسيان؛ إذ لو كان تكلف لكان لا ينساه ولا يقع فيه.

ونسيان آخر يقع فيه من غير سبب كان منه لا يملك دفعه، وذلك نسيان ما لا يعاتب عليه ولا يعاقب به، وهكذا الكلفة من الله  والمحنة: أنه جائز أن يكلف ويمتحن من لا يعلم ولا يعقل الكلفة وقت تكليفه إياه بعد أن يحتمل عقله إدراك ذلك لو استعمله، فأما من كان عقله لا يحتمل إدراك ما كلفه وإن استعمله وأجهد نفسه فيه، فإنه لا يكلف ألبتة؛ فعلى ذلك النسيان الذي ذكر من آدم جائز أنه لو تكلف، حفظه وذكره؛ فإنما عوتب لذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ .

قال الحسن: أي: منعاً من الشيطان.

وقال بعضهم: حفظا لم يحفظ أمره.

وقال بعضهم: صبراً، ونحوه.

والعزم: حقيقة القصد والقطع على الشيء، وهو ضد النسيان الذي ذكر.

وقال بعضهم: العزم: هو المحافظة على أمر الله والتمسك به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ .

أي: قال [بعضهم]: لولا قول أهل التأويل في سجود الملائكة لآدم إلى حقيقة السجود، وإلا جائز أن يصرف الأمر بالسجود إلى الخضوع له، والسجود: هو الخضوع؛ حيث قال: ﴿ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ  ﴾ وقد يؤمر الإنسان بالخضوع لمن يتعلم منه العلم.

وقوله  : ﴿ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ ﴾ .

قال أهل التأويل: ليس شقاء الدين، ولكن تعب النفس والنصب في العمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ ﴾ .

أي: لا تصيبك الشمس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ ٱلشَّيْطَانُ قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ ﴾ .

أي: لا يفنى.

﴿ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ﴾ قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

قال أبو عوسجة: قوله: ﴿ وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ  ﴾ ، أي: ذلت، يقال: عنا يعنو عنوا، وقال: ﴿ وَلاَ هَضْماً  ﴾ أي: ظلما، يقال: هضمته، أي: ظلمته، وأهضمته مثله.

وقال أبو عبيدة: الهضم: النقصان، وقال: ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ : القاع: الأرض التي يعلوها الماء، وهو قريب مما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ﴾ .

كل من عصى ربه فقد غوى، العصيان والغواية واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾ .

قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ ﴾ يحتمل وجوها: أحدها: اجتباه للتوبة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للرسالة وهداه لها.

أو اجتباه ربه للدين وهداه للتوحيد، وهذا جائز عندنا، للتوحيد والإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت وكل ساعة؛ لأنه مأمور بترك الكفر ونفيه في كل وقت، فإذا كان مأموراً بترك الكفر في كل وقت منهيا عنه كان مأموراً بالإيمان والتوحيد، فإذا كان ما ذكرنا دل أن للإيمان والتوحيد حكم التجدد والحدوث في كل وقت، وإلا ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ ﴾ : أنه لم يكن يجتبيه قبل ذلك فاجتباه من بعد، لكن الوجه ما ذكرنا من اجتبائه إياه للرسالة، واجتبائه للتوحيد والطاعات والخيرات ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قال الحسن: قوله: ﴿ ٱهْبِطَا ﴾ أي: آدم والشيطان، ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ، يعني: ذرية آدم وذرية إبليس بعضهم لبعض عدو.

وقال فيما قال: ﴿ ٱهْبِطُواْ  ﴾ عنى: آدم وحواء وإبليس، والهبوط: ليس هو الانحدار والتسفل من المكان العالي المرتفع، إنما هو النزول في المكان، فجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  ﴾ أراد ذريتهما: ذرية آدم وذرية إبليس، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ يعني: الذرية، ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ ﴾ وقت اتباعه الهدى، أو لا يضل ولا يشقى إذا ختم بالهدى، أو لا يضل طريق الجنة ولا يشقى في النار، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ هو الشدة والضيق، ثم اختلفوا فيه.

قال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في الدنيا، وإن كانت في الظاهر واسعة عليه؛ لأنهم ينفقون ولا يرون لنفقتهم خلفا ولا عاقبة، ويريدون الدنيا أنها تدوم، فذلك يمنعهم عن التوسيع في الإنفاق؛ خوفاً لنفاد ذلك المال وبقاء أنفسهم؛ لما ذكرنا أنهم لا يرون لنفقتهم خلفا ولا عوضاً ولا عاقبة لها، فذلك الضنك.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ ؛ لأنهم يعصون بما أعطوا من المال وأنعموا فيه؛ لأن توسعهم يكون في معصية، فنفى عنهم الانتفاع به كما نفى عنهم السمع والبصر واللسان باستعمالهم هذه الجوارح في المعصية على قيامها؛ لما ذهبت منافعها في الطاعة.

وقال بعضهم: ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً ﴾ في عذاب القبر، لكن لا يقال لمن في القبر: إن له معيشة ضنكا حتى يوصف بالضيق، وعذاب القبر سبيل معرفته السمع، فإن ثبت السمع وإلا فالترك أولى.

وقال قائلون: ذلك في الآخرة - والله أعلم - كقوله: ﴿ مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: نحشره أعمى عن حججه في دينه، لكن متى كانت له الحجج في الدنيا حتى يعمى عنها في الآخرة؟!

وقال بعضهم: نحشره يوم القيامة أعمى: عمى الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ فهو على حقيقة عمى البصر، وهو أشبه، والله أعلم.

وقال مجاهد: قوله: ﴿ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ ﴾ قال: بلا حجة لي، ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ في الدنيا لكن الأشبه هو ما ذكرنا من حقيقة ذهاب البصر؛ إذ لم يكن للكافر حجة في الدنيا حتى يقول: ﴿ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .

ثم اختلف فيه: قال بعضهم: ذلك بعد ما حوسبوا وسيقوا إلى النار - نعوذ بالله من النار - فعند ذلك يعمى عليه البصر.

وقال بعضهم: لا ولكن يبعثون من قبورهم ويحشرون عمياناً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ ﴾ .

أي: كما أتتك آياتنا فصيرتها كالشيء المنسي، لم تكترث إليها ولم تنظر فيها ولم ترغب فيها، كذلك تصير في النار كالشيء المنسي عن رحمته، لا يكترث إليك ولا ينظر إليك.

أو أن يقول: كما ضيعت آياتنا التي أتتك لنجاتك كذلك تضيع أنت وتترك في النار لا نجاة لك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ ﴾ .

أي: كذلك نجزي كل من أسرف في الدنيا ولم يؤمن بآيات ربه، ليس أحد المخصوص بذلك دون غيره، ولكن كل من كان [هذا] صنيعه في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

كأنه قد سبق منه الوعيد لهم بعذاب، ثم قال: ﴿ وَلَعَذَابُ ٱلآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ ﴾ من العذاب الذي أوعدتم، وإلا فعلى الابتداء لا يقال هذا.

<div class="verse-tafsir"

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ ١٢٨ وَلَوْلَا كَلِمَةٌۭ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًۭا وَأَجَلٌۭ مُّسَمًّۭى ١٢٩ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ۖ وَمِنْ ءَانَآئِ ٱلَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ١٣٠ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًۭا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌۭ وَأَبْقَىٰ ١٣١ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًۭا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ١٣٢

قوله - عز وجل -: ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ ، جميع ما ذكر في القرآن مثل هذا ﴿ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ ﴾ ، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ ﴾ ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ ، وأمثاله كله أنه قد بين لهم وراء ذلك، أي: قد بين لهؤلاء أنهم قد وافقوا أولئك الذين أهلكهم من القرون الماضية وما نزل بهم بتكذيبهم الرسل والآيات التي أتوا بها، وهم آمنون يمشون في مساكنهم، فكيف أمن هؤلاء من عذاب الله [مع] موافقتهم أولئك في جميع صنيعهم.

أو يقول: أفلم نبين لهم سنتي فيمن كان قبلهم من القرون الماضية بتكذيبهم الرسل وردهم الآيات، وهم كانوا آمنين في مساكنهم فكيف أمن هؤلاء من عذابه وقد ساووا أولئك في جميع صنيعهم وفعلهم، وهما واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ لأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ﴾ : هم الذين انتهوا عما نهاهم الله عنه، وهم ذوو العقول، وقد ذكرنا هذا في غير موضع.

قال أبو عوسجة: ﴿ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ  ﴾ ، أي: لا تظهر للشمس، والظمأ: العطش، والضحى: الحر.

قال أبو عبيدة: وقال أبو عوسجة: وطفقا وعلقا واحد، يقال: علق يعلق علقا فهو عالق وطافق.

وقال: يقال من الخصف: خصفت الخف، إذا أنعلته، ونعلت الخف، ويسمى ذلك: النعيلة، والنعائل جمع.

وقال: قوله: ﴿ مَعِيشَةً ضَنكاً  ﴾ ، أي: ضيقة.

قال أبو عبيدة: وكل ضيق - منزل أو غيره - فهو ضنك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ .

هو على التقديم والتأخير، أي: لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان العذاب لازماً لهم، يقول - والله أعلم -: يلزم كل إنسان بما عمل.

قال: والأجل المسمى: الساعة التي قال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله على غير التقديم والتأخير، لكنه على الإضمار، أي: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ولكن سيلزمهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَلٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ ﴾ بما يكون بحق الإفضال أو توجبه الحكمة، لكان العذاب لازماً لهم، وحق الإفضال ما سبق منه من الوعيد أنه يؤخر، ولا يقال فيما كان طريقه الإفضال: لم تفضلت؟

وأصل هذا: لولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما، لولا ما سبق من وعده: أنه لا يعذب هذه الأمة تعذيب إهلاك وقت تكذيبهم الرسل وردهم الآيات، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى، وهو ما ذكرنا، وهو قوله: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ : يصبر رسوله على أذاهم بلسانهم من السب والنسبة إلى السحر والجنون والافتراء على الله ونحوه، وإن كان وعد أنه يعصمه منهم حتى لا يقدروا على إتلافه وإهلاكه؛ لأن في حفظ نفسه من الإتلاف والإهلاك آية من آيات رسالته؛ إذ بعثه إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم وعادتهم قتل من يخالفهم في شيء وإهلاك من يستقبلهم بما يكرهون؛ فدل عجزهم عن إتلافه وإهلاكه وحفظ نفسه منهم: أنه كان ذلك لآية في نفسه، وأما أذاهم إياه باللسان ليس في حفظه عنه آية؛ لأن ذلك لو كان آية، لمنعهم وذلك مما لم يؤثر نقصاً في نفسه أو شيئاً؛ ألا ترى أنهم قالوا في الله ما لا يليق به من الولد وغيره، فدل أنه ليس في حفظ نفسه عن أذاهم بلسانهم آية، إنما الآية فيما ذكرنا من حفظ نفسه من الإتلاف، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾ : قال أهل التأويل: صل بأمر ربك، وتأويل قولهم هذا صل بأمر ربك؛ لأنه أمره أن يصلي لله بقوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ  ﴾ ، فيكون قوله: ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ أي: صل بأمر ربك الذي أمرك بقوله: ﴿ أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ  ﴾ ، ولولا صرف أهل التأويل التسبيح في هذه الآية إلى الصلاة وإلا يجوز أن يصرف إلى غيرها من الأذكار في كل وقت، لكن صرفوا إلى الصلاة؛ لأن الصلاة تشتمل على معان: قولا وفعلا، وسائر الأذكار لا تشتمل إلا معنى الذكر قولا، فهي أجمع وأشمل لذكره، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ ﴾ : قبل صلاة الفجر، ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ صلاة العصر.

وقال بعضهم: ﴿ قَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ الظهر والعصر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمِنْ آنَآءِ ٱلْلَّيْلِ ﴾ قيل: صلاة المغرب والعشاء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ ؛ قيل: صلاة الفجر والعصر؛ فهو على التكرار والإعادة تأكيداً؛ كقوله: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ  ﴾ ، ذكر الصلوات بجملتها، ثم خص الصلاة [الوسطى] بالذكر لمعنى؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ تكرارا منه لصلاة الفجر والعصر لمعنى.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَطْرَافَ ٱلنَّهَارِ ﴾ أنه ليس على إرادة وقت دون وقت، ولكن يريد به الأوقات كلها، وعلى ذلك يخرج قول من قال في قوله: ﴿ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ﴾ : صلاة الظهر والعصر، والله [أعلم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكَ تَرْضَىٰ ﴾ بالنصب والرفع جميعاً، أي: يرضيك ربك بما عملت أو يرضى بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ﴾ .

هذه الآية تحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ أي: لا ترغبن في هذه الدنيا، ولا تركنن إلى ما متع به هؤلاء من ألوانها وزهرتها، وهو كقوله  : ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 55].

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ﴾ على حقيقة مدّ البصر، أي: لا تمدن بصرك إلى أعين الدنيا وإلى ظاهر ما هم عليه من الغرور والتزيين، ولكن انظر إلى الدنيا إلى ما جعلت الدنيا؟

وإلى ما فيها من سمومها وتنغيصها على أهلها، فإن من نظر إليها لما فيها من سمومها وتنغيصها، لزهد فيها ورغب عنها، ومن نظر إليها وإلى عينها وظاهرها [و] ما هي عليها من الغرور والتزيين، لاغتر بها ورغب فيها وركن إليها، ومن نظر إلى حقيقة ما هي عليه وجعلت على ما ذكرنا لزهد فيها ورغب عنها.

ثم معلوم أن رسول الله لم يكن يمد بصره إلى الدنيا أو يركن إليها ويرغب فيها لها، وإنما هو ابتداء نهي رسوله.

ومعلوم أيضاً أنه لو رغب في شيء منها لم يكن يرغب ليتمتع هو به، إنما يرغب ويتناوله ليوسع به على أهل الحاجة والفقر، ثم نهاه عن ذلك؛ فدل أن الزهد فيها والرغبة عنها خير من الأخذ منها والوضع في حق؛ حيث نهاه عن ذلك على علم منه أنه لا يتناولها ليتمتع هو بها [و] ليوسع بها على نفسه، ولكن يأخذها؛ ليضعها في المستحقين لها.

ثم اختلف أهل التأويل في التقديم والتأخير: قال الحسن: هو على تقديم قوله: ﴿ مِّنْهُمْ ﴾ على قوله: ﴿ أَزْوَاجاً ﴾ يقول: تأويله: لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به منهم أزواجاً ﴿ زَهْرَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

فعلى تأويله: أزواجاً: زهرة الحياة الدنيا، أي: ألواناً وأصنافاً من النبات؛ فذلك زهرة الدنيا.

وقال بعضهم: على غير تقديم، ولكن على سياق ما ذكر في الآية؛ فعلى هذا يكون تأويل الأزواج، أي: رجالا منهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾ .

قال أهل التأويل: أي: لنبتليهم ونختبرهم، وكأن الفتنة هي المحنة التي فيها شدة وبلاء، كأنه أخبر أنه إنما متعهم بما متع من زهرة الحياة الدنيا ليمتحنهم فيها بالشدائد؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 55]، وقال في آية أخرى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، ففي هذه الآيات دلالة أن السعة والضيق فيها ليس لفضل أهلها ولا لهواهم، ولكن إنما هو محنة يمتحنهم، فيمتحن [بعضهم] بالسعة والغناء وبعضهم بالشدة والضيق، فالتكلم بأن هذا خير من هذا كلام لا معنى له مع ما ذكرنا من البينات في قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ ﴾ أن الزهد في الدنيا وترك التناول منها حلالاً خير من التناول منها حلالا ووضعها موضعها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ .

أي: ما رزق ربك من النبوة والرسالة والتوحيد له والإيمان به خير وأبقى مما متع [به] هؤلاء من ألوان زهرة الحياة الدنيا وأصنافها.

وقال بعضهم: ﴿ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ أي: حظك من ربك خير في البقاء مما متع به هؤلاء من زهرة الدنيا، وهو قول أهل التأويل: إن نبي الله  نزل به ضيف فاستسلف من يهودي طعاماً، فأبى أن يعطيه إلا برهن، فرهن درعه عنده، فنزل قوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ...

﴾ الآية؛ تعزية له عن الدنيا، لكن لسنا نعرف نزول الآية على ما ذكر إلا أن يثبت، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ ﴾ قال بعضهم: أراد بأهله: قومه، وقد يسمى قوم الرسل: أهلهم، وجائز أن يكون المراد بالأهل: الذين تأهلهم وكانوا في عياله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ ، أي: داوم عليها والزمها، [و] فيه أن الصلاة فرضت على الدوام عليها واللزوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾ قال بعضهم: لا نسألك جعلا وأجراً على نبوتك ورسالتك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾ قال بعضهم: لا نسألك للخلق رزقاً بل نحن نرزقهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ ؛ كقوله: ﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍۢ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ ١٣٣ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍۢ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًۭا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ ١٣٤ قُلْ كُلٌّۭ مُّتَرَبِّصٌۭ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ١٣٥

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ .

سألوه أن يأتيهم بآية من عند ربه على رسالته ونبوته، فقال - عز وجل -: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ ، أي: قد أتاهم بينة على رسالته ونبوته ما في الصحف الأولى؛ لأن الكتب المتقدمة كانت بغير لسان رسول الله  ، ولم يكن يعرف الكتابة بلسانه فضلا عن أن يعرف غيرها من الكتب التي كانت على غير لسانه، ثم أخبر عن الأنباء التي كانت في الكتب المتقدمة على ما كانت فيها؛ دل أنه إنما عرف تلك الأنباء والقصص التي كانت في كتبهم بالله  ، فهذا - والله أعلم - تأويل قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلأُولَىٰ ﴾ أي: قد أتاهم على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ ﴾ ، أي: من قبل رسوله، ﴿ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ ، من الناس من يقول: ليس لله أن يعذبهم تعذيب إهلاك قبل أن يبعث رسولا، ويحتج بظاهر هذه الآية: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً ﴾ .

وعندنا: له أن يهلكهم بعذاب قبل بعث الرسول إليهم؛ لأنه  قد أقام عليهم حجة العقل ما لو تأملوا أو نظروا فيه، لعرفوا وأدركوا حق الله عليهم، فإذا كان كذلك فكان إهلاكه إياهم إهلاكاً عن بينة وحجة، لكنه بفضله ورحمته لا يهلكهم بأول آية يرسل عليهم حتى يرسل الآيات؛ إفضالا منه ومنة، وإلا كان له إهلاكهم بآية واحدة؛ فيكون قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...

﴾ كذا، إنما ذلك لقطع ذلك القول منهم، لا أن كان لهم ذلك القول والاحتجاج بذلك؛ ولأن قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ...

﴾ كذا يخرج مخرج الامتنان به أنه لم يهلكهم قبل بعث الرسول؛ فدل أن له إهلاكهم قبل بعث الرسول؛ لما ذكرنا من إقامة حجة العقل عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ ﴾ كانوا يتربصون هلاك رسول الله  وانقلاب أمره، ورسول الله يتربص بهم عذاب الله ومواعيده فيهم.

قال الحسن: ﴿ قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ ﴾ ، أي: تربصوا أنتم مواعيد الشيطان، ونحن نتربص مواعيد الله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ .

قوله: ﴿ فَسَتَعْلَمُونَ ﴾ في الآخرة علم عيان ﴿ مَنْ أَصْحَابُ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ ﴾ نحن أو أنتم، وفي الدنيا لو تأملوا ونظروا، لعلموا علم استدلال وإدراك من أصحاب الصراط السوي؟

قال بعضهم: ﴿ ٱلصِّرَاطِ ٱلسَّوِيِّ ﴾ : العدل.

وقال [بعضهم]: السوي: القيم.

وفي حرف ابن مسعود وأبي: (ومن اهتدى ومن على الهدى).

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر