تأويلات أهل السنة سورة النور

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة النور

تفسيرُ سورةِ النور كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 200 دقيقة قراءة

تفسير سورة النور كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍۢ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ١

قوله - عز وجل -: ﴿ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ﴾ .

سماها سورة، وجعل تلاوتها سورة، ولم يجعل لغيرها من السور التلاوة سورة، كما جعل لها، ذلك جائز؛ لكثرة ما فيها من الأحكام: من الفرائض، والآداب: ما بالناس إلى ذلك حاجة، أو لمعنى لم يذكره، أو لا لمعنى، ولكنه ذكر هكذا، وله الخلق والأمر.

قال أبو عوسجة: السورة: القطعة من كل شيء؛ تقول: سورت الشيء، أي: قطعته.

وقال بعض العلماء: إنما سمي القرآن لجماعة السور، وسميت السورة مقطوعة من الأخرى، فلما قرن بعضها إلى بعض سمي قرآناً؛ كقوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: تأليف بعضها إلى بعض، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ﴾ ، أي: فإذا جمعناه وألفناه، فاتبع قرآنه، أي: ما جمع فيه فاعمل به: من أمر أو نهي، ويقال: ليس لشعره قرآن، أي: نظم وتأليف، ويقال للمرأة: ما قرأت سلى قط، أي: لم تجمع في بطنها ولداً.

وقال بعضهم: سورة - بلا همز - أي: المنزلة والرفعة، وبالهمز: سؤرة: البقية، ومنه سمي: سؤر الكلب، وسؤر الهر، وسؤر الطائر، أي: بقيته والقطعة منه.

ثم قرئت بالنصب: (سورةً أنزلنها)، والرفع جميعاً: ﴿ سُورَةٌ ﴾ ، وهي القراءة الظاهرة.

فمن قرأها بالنصب أوقع الفعل عليها، أي: أنزلنا سورة، والفعل إذا وقع على شيء انتصب - تقدم الفعل أو تأخر - كقولك: زيداً ضربناه، وضربنا زيداً.

وقال بعضهم: إنما انتصب لإضمار فيه كأنه قال: اتبعوا سورة، أو: اذكروا سورة أنزلناها؛ كقوله: ﴿ نَاقَةَ ٱللَّهِ  ﴾ ، أي: احذروا ناقة الله.

ومن قرأ بالرفع: على الابتداء، فكل ما يبتدأ به فهو رفع.

وقال بعضهم: رفع على إضمار: هذه سورة أنزلناها، ولذلك كله جائز في اللغة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ .

قرئ بالتخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، وبالتشديد: (وفرَّضناها)، قال الزجاج: قوله: (وفرَّضناها)، بالتشديد، يخرج على وجهين: أحدهما: أي: كثرنا فيها الفرائض والأحكام.

والثاني: (وفرَّضناها)، أي: فصلنا فيها بين ما يؤتى وبين ما يتقى، وبين ما أمر فيها وبين ما نهي.

وقال: وأما التخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: الزموا ما فيها من الفرائض وآدابها.

وقال القتبي: فرضنا، بالتخفيف، أي: بينا فيها الفرائض.

وقال أبو عوسجة: من قرأها بالتخفيف: ﴿ وَفَرَضْنَاهَا ﴾ ، أي: أنزلنا فيها فرائض مختلفة، ومن قرأها: (وفَرَّضناها)، بالتشديد، يقول: فرضناها عليكم وعلى من بعدكم؛ على التكثير، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ ، أي: حججاً بينة يفهمها ويعرفها كل أحد بالبديهة والتأمل.

أو أن يريد بالآيات: الآيات التي جمع فيها أشياء وتتلا؛ لأن الآية إنما تستحق اسم الآية إذا جمع فيها كلمات وحروف، فأما كلمة واحدة [وحرف] واحد فلا يسمى بهذا الاسم.

أو أن يكون قوله: ﴿ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ : ما ذكر فيها وبين مما يؤتى ويتقى؛ وبين ما يحل وما يحرم؛ فذلك كله مبين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بما ذكر فيها من المواعظ، وبين فيها ما يزجر عن المعاودة، وهي الحدود التي ذكر فيها؛ لأن سبب الاتعاظ أحد شيئين: المواعظ التي تلين القلوب، والحدود التي تزجر.

<div class="verse-tafsir"

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٢ ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةًۭ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌۭ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ٣

قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ .

لو كان الخطاب يجب اعتقاده على ظاهر المخرج والعموم على ما قاله بعض الناس، لكان لكل أحد أن يقيم على آخر حدّاً بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فيقول: الله أمرني بذلك بقوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ، أو أن يضربوا جميعاً واحدا من الزنا بظاهر قوله: ﴿ فَٱجْلِدُواْ ﴾ ؛ فيزداد الضرب والحدّ على ما حدّ الله أضعافاً مضاعفة؛ فدل أن اعتقادهم العموم فاسد بظاهر المخرج.

أو أن يقول قائل: روي عن النبي  أنه قال: "العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه" : سمى الناظر إلى ما لا يحل نظره إليه زانيا، والماس لها: كذلك؛ فيلزمه الحدّ بظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ ؛ فإذا لم يفهم من ظاهر قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ ما ذكرنا كله؛ دل أن الاعتقاد على عموم المخرج فاسد، وأن المراد بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ - راجع إلى الخصوص: إلى مقيم دون مقيم، وإلى زان دون زان، وهو الزاني الذي يجمع في فعل الزنا جميع بدنه: العين، واليد، والرجل، والفرج، وجميع بدنه.

ورجع الخطاب به إلى البكرين الحرين والثيبين الحرين الذين لم يستجمعا جميعاً أحكام الإحصان.

فأما من استجمع جميع أسباب الإحصان فإن حدّه الرجم على اتفاق القول منهم جميعاً، إلا أن طائفة من أهل العلم أوجبوا عليه مع الرجم الجلد، وفي البكر مع الجلد تغريب عام.

والدليل على أن المراد راجع إلى الحرين البكرين أو الثيبين اللذين لم يستجمعا أسباب الإحصان ما ذكرنا من القول المتفق.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، دل إيجاب نصف ما على المحصنات على الإماء على أنه أراد بالمحصنات: الحرائر اللاتي لم يستجمعن جميع أسباب الإحصان، وأن الخطاب بقوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ﴾ إلى آخر ما ذكر راجع إلى الحرين اللذين ذكرناهما.

ثم لم يضرب في الزنا الذي به زنا، وهو الفرج، وقطع في السرقة الذي به سرق: وهو اليد؛ فهو - والله أعلم - لما جعل الحدود زواجر عن المعاودة - لم تجعل دافعة مذهبة إمكان ذلك الفعل من الأصل، وفي ضرب الفرج ذهاب إمكان الفعل من الأصل، ولا كذلك في قطع اليد في السرقة؛ إذ تبقى أخرى: بها يأخذ، وبها يقبض؛ لذلك افترقا.

أو أن يقال: في ضرب الفرج خوف هلاكه في الأغلب، وليس ذلك في قطع اليد؛ بل يبقى حيّاً في الغالب، وقد ذكرنا أن الحدود لم تجعل مهلكة متلفة؛ ولكن جعلت زواجر عن المعاودة؛ لذلك افترقا.

وفي قوله: ﴿ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ﴾ دلالة على أن النفي ليس من عذاب الزانيين ولا من عقوبتهما؛ لأنه قال: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، والنفي مما لا يحتمل أن يؤمر بشهوده؛ لأنه لا يمكن؛ فدل أنه ليس من عذابهما.

ويدل عليه - أيضاً - قوله: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ؛ لأنهم أجمعوا على أن لا نفي على الإماء إذا زنين، وقد أوجب عليهن إذا زنين: نصف ما على المحصنات.

أو إن ثبت النفي فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد به قطع الشَّيْن الذي لحقهما بفعل الزنا؛ لأنه ليس جرم من الإجرام أكثر شيناً وأشد من فعل الزنا؛ فأراد أن ينقطع ذلك من بين الناس.

أو أن يكون أراد به قطع الشهوة، التي حملتهم على الزنا: بذل السفر وذلة الغربة.

أو صار منسوخاً لما شدد في الضرب بقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ، وفيما ذكر النفي، لم يذكر فيه الشدة؛ إنما ذكر فيه الجلد فحسب بقوله -  -: "أما على ابنك هذا جلد مائة وتغريب عام" ؛ فجائز أن يكون الضرب كان بالتخفيف وفيه نفي، فلما شدد في الضرب ارتفع النفي، وقد جاء عن عمر -  - أنه نفى رجلا فارتد عن الإسلام ولحق بالروم؛ فقال: كفى بالنفي فتنةً، وقال: لا أنفي بعد هذا أبداً.

وكذلك روي عن علي -  - والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: لا تأخذكم بهما رأفة في تخفيفها؛ فهو - والله أعلم - لأنه من أعظم الإجرام في الشين.

ثم للمعتزلة تعلقٌ بظاهر قوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ ؛ قالوا: إن الله وصف نفسه بالرحمة بقوله: ﴿ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ ، ووصف المؤمنين بالرحمة فيما بينهم، والشدة على الكفار بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ  ﴾ ، ثم نهاهم أن تأخذهم رأفة على الزانيين وقت إقامة الحدّ عليهم؛ دل أن الزاني قد خرج بفعله من الإيمان؛ لما ذكرنا من رفع الرأفة والرحمة عنهما.

لكن عندنا في الآية دلالة أنه ليس على ما ذهبوا إليه؛ لأن الزاني لو كان يخرج من الإيمان بفعل الزنا لكان لا يحتاج إلى أن يقول: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا على ما وصفهم الله بالشدة على غير المؤمنين بقوله: ﴿ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ  ﴾ ، دل أن الزنا لم يخرجه عن الإيمان؛ فنهى ألا تأخذ بهما رأفة الإيمان والدين في تعطيل الحدّ أو تخفيفه.

أو أن يكون النهي عن أخذ الرأفة؛ ليتحمل ذلك الحدّ، وإلا: لم ينتفع به في الآخرة، وهو ألا يعذب به؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، وفائدته ما ذكرنا: أنه لا تأخذكم بهما رأفة في إضاعة الحدّ؛ لما يتأمل من النفع في الآخرة، نحو: من يشرب الأدوية الكريهة، ويفتصد، ويحتجم؛ لما يطمع البرء به والنفع؛ فعلى ذلك جائز أن يكون النهي عن أخذ الرأفة في حد الزاني؛ ليقام ذلك عليه؛ فينجو في الآخرة عن عذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وقال بعضهم: الطائفة: واحد واثنان فصاعداً، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ  ﴾ ، هما رجلان اقتتلا؛ دل على ذلك قوله: ﴿ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ  ﴾ ، وهما اثنان في الظاهر، لكن أن ينضم إلى كل واحد منهما جماعة من عشيرته؛ فيكون الطائفة جماعة لا واحداً.

وقال بعضهم الطائفة: جماعة من العشيرة فصاعداً.

ثم يجب أن ينظر لأي معنى أمر أن يشهد عذابهما طائفة من بين سائر الإجرام؛ فهو - والله أعلم - يحتمل وجوهاً: أحدها: المحنة، أراد أن يمتحن من حضر ذلك، أو المرء قد يتألم على ضرب آخر، وما يحل لغيره؛ لينزجر عن مثله.

والثاني: لانتشار الخبر في الناس؛ لينزجروا عن مثله.

والثالث: لئلا يتعدى الضارب - والمقيم - ذلك الحدّ ويجاوزه على الحدّ الذي جعل له؛ فإن هو تعدى منعه من حضره عن المجاوزة والتعدي.

والرابع: لدفع التهمة عن الحاكم؛ لئلا يتهمه الناس أنه إنما أقام عليه الحدّ بلا سبب كان منه، ولا جرم.

فإن كان الأمر بشهود الطائفة عذابهما هذه الوجوه الثلاثة التي ذكرنا: من انتشار الخبر، ودفع التهمة عنه، ومنع المجاوزة، فالطائفة تحتاج أن تكون جماعة؛ لأن الواحد غير كاف لذلك.

وإن كان الأول - وهو المحنة - فالواحد وما فوقه يكون يمتحن كلا في نفسه بحضور ذلك الحدّ؛ ليتألم به.

وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم قالوا: إنه يجمع مع الرجم والجلد؛ واحتجوا بما روي عن رسول الله  أنه قال: "الثيب بالثيب: جلد مائة ورجم الحجارة، والبكر بالبكر: جلد مائة وتغريب عام" : فأما الجلد فلا خلاف في أنه حد البكر، وأما النفي فمما اختلفوا [فيه]: فمنهم من رآه واجباً، ومنهم من رآه عقوبة لهم يضم إلى الحدّ.

ونحن قد ذكرنا المعنى في ذلك - إن ثبت - ما يغنينا عن تكراره، ونزيد - أيضاً - نكتة، وهي أن الحدود ذوو نهايات للمقدار وغايات، ولذلك سميت حدوداً؛ لأن لها نهاية وغاية، كما يقال: هذا حد فلان، وحدّ الدارين أنه منتهاها وآخرها، فلما لم يكن للنفي حد ينتهي الزاني إليه دل أنه ليس بحدّ؛ ولكن أراد به الوجوه التي ذكرنا، إما حبساً كما يحبس الزاني حتى يحدث توبة، أو قطع الشين والذكر الذي يتحدث الناس به؛ لينسى ذلك ويترك، أو قطع الشهوات التي حملتهم على ذلك بذل السفر والغربة، أو أن كان ثم صار منسوخاً بما يشدد فيه الضرب، والله أعلم.

وأما قول أصحابنا: يفهم أنه لم يكن الجلد عن الثيب إذا كان محصناً؛ بقول النبي  حيث قال: "اغد يا أُنَيْسُ على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ، ولم يذكر جلداً.

وذهبوا أيضاً إلى أن حديث ماعز بن مالك، لما رجمه النبي -  - باعترافه، ولم يذكر جلداً، وروي أن أبا بكر -  - قال له - لما اعترف ثلاثاً -: "لو اعترفت في المرة الرابعة لرجمك"، ولم يقل: جلدك: علم أنه ينفي الرجم الجلد.

وما روي عن عمر -  - أنه أمر برجم امرأة زنت، ولم يجلدها.

وروي عن ابن عمر عن عمر مثله.

إلى كل هذه الأخبار ذهب أصحابنا رحمهم الله، ويقولون: لا يجتمع على رجل في فعل واحد حدّان: الجلد والرجم جميعاً؛ كما لا يجتمع في غيره من الإجرام في فعل واحد حدّان أو عقوبتان.

وقوله -  -: "الثيب بالثيب: يجلد ويرجم" يحتمل الجلد جلد البكر المحصن، ويرجم ثيباً آخر محصناً، أو يجلد ثيباً في حال ويرجم ثيباً في حال، وقد ذكرنا هذه المسألة في سورة النساء.

[وقوله:] ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ .

في ظاهر الآية ألا يحل للزاني أن ينكح إلا الزانية من المؤمنات أو مشركة، وكذلك الزانية من المؤمنات لا ينكحها العفيف من المؤمنين؛ وإنما ينكحها الزاني منهم والمشرك.

وفي ظاهر الآية النهي للزاني عن نكاح العفائف، وإباحة نكاح الزانيات والمشركات؛ فإن كان ذلك، فكان قوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ  ﴾ إلا الزناة منكم؛ فإنه يحل لهم أن ينكحوا المشركات، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ  ﴾ إلا الزانيات؛ فإنه يحل هذا ظاهرا، لكنهم أجمعوا على ألا يحل للمؤمن - وإن كان زانياً - أن ينكح المشركة، وكذلك لا يحل للمشركة أن تتزوج بالزاني من أهل الإيمان.

ثم اختلف أهل التأويل في تأويله: قال مقاتل: ومحمد بن إسحاق، وهؤلاء: الزاني من أهل الكتاب لا ينكح - أي: لا يتزوج - إلا زانية من أهل الكتاب، أو مشركة [من] غير أهل الكتاب، والزانية من أهل الكتاب: لا ينكحها إلا زان من أهل الكتاب أو مشرك من غير أهل الكتاب يزنين علانية.

وعن ابن عباس -  ما - قال: نزلت الآية في نفر من أهل مكة هاجروا إلى المدينة وكانوا ذوي عسرة، وكان بالمدينة بغايا يبغين بأنفسهن ظاهرات بالفجور، وكن مخصبات أو مخاصيب البيوت، فهَمَّ أولئك المهاجرون أن يتزوجوا بأولئك البغايا؛ ليصيبوا من خصبهن وسعتهن، فذكروا ذلك لرسول الله واستأذنوه في ذلك؛ فنزلت الآية في شأنهم: ﴿ ٱلزَّانِي ﴾ من أهل القبلة المعلن به ﴿ لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ من اليهود ﴿ أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ الآية.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

لكن هذا يصلح أن لو كان أولئك المهاجرون مثلهن زناة، فأما إن كانوا مهاجرين أهل إيمان وعفة - فلا يصلح أن يقال فيهم: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ ، وهم لم يكونوا زناة؛ إلا أن يقال على الابتداء: إنه لا يفعل ذلك.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ ﴾ ، أي: لا يجامع، ولا يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا تزني إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا، وهو قول الضحاك وهؤلاء.

وقال سعيد بن المسيب: نسخت هذه الآية: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ ، قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...

﴾ الآية.

وسئل ابن مسعود -  - عن رجل يزني بامرأة ثم يتزوجها؟

قال: هما زانيان ما اصطحبا.

وجائز أن يكون النهي عن نكاح الزانية والزاني - نهياً عن الزنا نفسه لا عن النكاح؛ كأنه قال: لا تزنوا؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به لا تجدون أن تنكحوا إلا زانية أو مشركة التي لا تحرم الزنا؛ لأن العفائف منهن لا يرغبن في نكاح من صار معلن الزنا، فإذا لم يرغبن لم يجدوا إلا من ذكر، وهو ما قال: ﴿ لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَأَنْتُمْ سُكَٰرَىٰ  ﴾ ، ليس النهي عن قربان الصلاة؛ ولكن النهي عن السكر وشرب المسكر.

وكذلك ما روي أنه قال: "لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" : إنما نهى عن نشوزها وعن إباقه؛ ليس عن الصلاة؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ﴾ : إنما نهى عن الزنا، أي: لا تزنوا؛ ليرغب العفائف من المؤمنات فيكم، ولا يزني النساء؛ ليرغب أهل العفاف من المؤمنين؛ فإنكم إذا زنيتم وصرتم معروفين به معلنين لا تجدوا إلا نكاح من ذكر من الزانية أو المشركة.

أو أن يكون ما ذكرنا: لا يرغب الزاني إلا في نكاح زانية أو مشركة، وكذلك المرأة الزانية لا ترغب إلا في نكاح زان مثلها أو مشرك.

أو لا يرغب الزاني في الزنا إلا بزانية أو مشركة لا تحرم الزنا، وكذلك الزانية لا ترغب في الزنا إلا بزان مثلها أو مشرك لا يحرم الزنا.

﴿ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .

وحرم الزنا على المؤمنين.

أو إن كان على النكاح؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ وَحُرِّمَ ﴾ أي: منع عن ذلك المؤمنين، أعني: نكاح الزانيات والزناة.

قال أبو عوسجة: الزانية والزاني يقال منه: زنى يزني زنا، وأما زنأ يزنأ زنئا، أي: ارتقى يرتقي؛ ويقال: الزناء: الضيق، ويقال: زننته أزنه زنا، أي: ظننت به ظنا، والقذف: التهمة، والرمي أشد من القذف.

ومن جعل الآية في الزانيين المسلمين، وجعل قوله: ﴿ لاَ يَنكِحُ ﴾ : على التزويج - لزمه أن يجيز للزانية المسلمة أن تتزوج الزاني المسلم والمشرك على ما ذكرنا بدءاً، وهذا لا يقوله أحد، وفي بطلان هذا القول بيان أن الآية إن كان المراد بها عقد النكاح فإنها نزلت في الزانية المشركة يريد المسلم أن يتزوجها، كما ذكر في حديث مرثد، وإن كان المراد به بذكر النكاح منها: الوطء، فهو كما قال ابن عباس في إحدى الروايتين عنه: إنه الجماع، ليس تحتمل الآية غير هذين الحالين، والله أعلم بما أراد.

وقد زعم قوم أن المرأة إذا زنت حرمت على زوجها؛ فكأنهم ذهبوا إلى أنه لما لا يحل له أن يطأها؛ لأنها إذا كانت زانية لم يحل المقام عليها إذا زنت وهي زوجة.

لكن أهل التأويل في الآية على خلاف ما توهم أولئك بما وصفنا؛ فلا وجه لتحريمهم الزانية على زوجها، ولو كان أهل التأويل على ما توهموه فوجب أن تحرم الزانية على زوجها من غير أن كان ممنوعاً من تزويجها؛ ألا ترى أنه لا يجوز للرجل أن يتزوج امرأة في عدة من غيره، ولو أن رجلا وطئ [امرأة] رجل بشبهة فوجب عليها منه عدة لم تحرم على زوجها، أفلا ترى أن العدة إذا كانت على النكاح مخالفة للنكاح في العدة.

واحتجوا - أيضاً - بأن الرجل إذا قذف امرأته لوعن بينهما وفرق.

لكن الوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٤ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٥ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٦ وَٱلْخَـٰمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٧ وَيَدْرَؤُا۟ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ ٨ وَٱلْخَـٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ ٩ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .

ذكر الرمي ولم يذكر بم؟

فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا.

ثم قوله: ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ : هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ...

﴾ الآية [النساء: 25]؛ [و] ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر.

ولأنا لو جعلنا ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها.

وكذلك يدل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ ، الغافلات: عبارة عن العفائف؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية.

ثم شدد الله -  - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله: منها: ما نهى عن تعطيل الحدّ فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .

ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصناً مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة.

ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحدّ إذا لم يأت بأربعة شهداء.

والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - والله أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعاً، وكذلك في الشرع.

والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم.

فإن قيل: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه.

قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول الله  "أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمِّكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟

فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيْرِكَ ما تكرهُ لنفسك" : دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه.

وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم، فهذا كله يدلّ على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - والله أعلم - ما شدّد الله -  - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام.

ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحدّ في الإماء بقوله: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، ولم يذكر في العبيد شيئاً؛ فيلزم للعبد ذلك الحدّ إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحدّ في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله.

ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حدّ عليه، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة، وقال: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ  ﴾ ، سمّي ملك اليمين: محصنة بقوله: ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ ، أي: تزوجن، وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، أي: الحرائر؛ فقد بان بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسمّى الطيعة من النساء محصنة، قال -  -: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ ، يعني: العفائف، فالإحصان على ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحدّ على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان حراً أو حرة فعليهما الحدّ ثمانين، وإن كان عبداً أو أمة فعليه الحد أربعين سوطاً على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ .

فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتاً، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت.

أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد.

والثاني: أن الحدّ قد لزمه بالقذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أقر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ : وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به وإلا حدّ، والله أعلم.

ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحدّ عندنا، والقياس ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ إنما يشهده الفساق [فالفساق] أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حدّ الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحدّ على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون التوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ليس كالكفار والعبيد، وهؤلاء وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقاً أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - أنا نحدّ قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلمٌ كافراً أو قذف حرٌّ عبداً، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحرّ إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر فلا حدّ على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحدّ، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحدّ عنه؛ لذلك افترقا.

ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدّوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس عندنا ألا يحدّوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه، وأمّا الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن الله أكدّ الشهادة بالزنا بأمرين: أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحاً؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل.

والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعاً؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان ذلك إجماعاً؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهمّ عمر أن يجلده؛ فقال له علي -  -: إن جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ إنما أنكر إذا تم، والله أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر.

ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحدّ؛ لما روي عن ابن عباس -  ما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا.

فإن قيل: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حدّه اللعان إذا قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه.

قيل: إنما يكون حدّ الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أوّل ما بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحدّ قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحدّ الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا يقال: إن أحداً منهم يدفع عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئاً من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا يعلمه إلا الله؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ربه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عند الله إلا الذين تابوا.

وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عندكم.

﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ .

لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئاً من الزنا أبداً؛ فأيّ الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عباس: وإنما توبته فيما بينه وبين الله: إذا تاب غفر الله له ذنبه: الفرية، وكذلك روي عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم فردّها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردّت لتهمة فهي لا تقبلُ أبداً، والتهمة التي بها جلد القاذف هي لا تزول أبداً.

أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت"؛ فكنا نردّ شهادته؛ لتهمة الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد.

وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ  ﴾ ؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد، وأمّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه.

وزعم الشافعي أن حاله قبل الحدّ وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نصّ الله عليه؛ قال الله -  -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً...

﴾ الآية، وقال: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ  ﴾ ؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفاً؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ.

ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد.

ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحاً بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع [ما] وصف؟!

وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي  ما يدل على بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله  : "المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلا محدوداً في قَذْفٍ" وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، وذكر حديث فيه طول، وفيه: "لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، قال: يا رسول الله، لقد رأيت فلاناً مع أهلي؛ فقال رسول الله: ما تقول يا هلال؟!

قال: والله يا رسول الله، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على رسول الله للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟!

فاشتد ذلك على رسول الله، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ؟!

وقول رسول الله: "يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ، وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: "تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب" ؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن يتوب.

وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ ، قال: فتاب الله عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز.

وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربّه.

وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحدّ فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق في نفسي ولم يلزمني الحدّ فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، فإذا تاب فهو يقول: كان الحدّ واجباً علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك أحْرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحدّ.

ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدّع - بقوله هذا - شيئاً قد يجوز أن يكون حقّاً، ولكنه يصير قاذفاً إذا عجز عن إقامة البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه.

فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول.

قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، والحكم إنما يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار.

فإن قيل: فما تقولون في رجل زنى فحدّه الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؟

قيل: بلى.

فإن قيل: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟

قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا.

ومن الدليل - أيضاً - على أن شهادة القاذف إذا حدّ لا تقبل - وإن تاب - أنه إذا قال: تبت من قذفي فلاناً، وكنت في ذلك كاذباً؛ فلسنا ندري هل هو صادق في قوله: كنت كاذباً أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة زانياً فقول القاذف: "كنت في قذفي إياه كاذباً" [كذب] منه، وهو في ذلك آثم؛ فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة.

وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك.

ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول الله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ ، فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا.

على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، إن كان الجلد مأخوذاً من الجلود فجائز أن يستخرج منه حدّ الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ويتوجع، ولا يمزق به الجلود ولا يخرقها.

ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة.

فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك لم يضمنوا.

وقول عمر لأبي بكرة: "تقبل شهادتك إن تبت"، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها.

وقد ذكر أن الحكم والحدّ في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...

﴾ الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في المحصنات.

وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكاً أو قذف كافرة: أما المملوك فلقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ ، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك.

ولأنا لو أجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حدّ خمسين؛ فلا يجوز أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك.

وأما الكافر والكفارة: فسقط عن قاذفهما الحدّ؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم.

ولأنا لو أوجبنا الحدّ وحددنا، لحد بقذف عدو الله، ولا يجوز أن يجلد مسلم بقذف عدو من أعداء الله، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ .

روي عن ابن عباس: قال: "لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: [إن] دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، [و] أراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فَقَتَل قُتِل به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحدّ، ولاعن امرأته، وإن سكت سكت على غيظ!!.

فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول الله فأخبره بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، فجميع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟!

قالت: يا رسول الله، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئاً من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده يدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا عاصم، اتق الله في حليلتك، ولا تقبل إلا حقّاً!!

قال: يا رسول الله، أقسم بالله ما قلت إلا حقّاً، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا وكذا؛ فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد أربع شهادات بالله أنه لكما قلت، وإنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: والخامسة: أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمراة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول الله  : إن ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول الله، فنظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله  يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول الله: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي" .

وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: "فإن الله يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟!" ، [و] قال: "عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" ، وفي بعض الأخبار: "أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

ثم في هذا مسائل: إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف [كانا]؟!

فعندنا أنه إذا كان أحدهما حرّاً والآخر مملوكاً، أو كانا جميعاً مملوكين لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعاً من أهل الشهادة.

وحجتهم في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحدّ ثمانين، وجعل حدّ الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحرّ إذا قذف أمة أو يهودية فلا حدّ عليه؛ فلما لم يكن على الحرّ القاذف للأمة من الحدّ ما على القاذف الحرّ إذا قذف حرة لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة.

وأصل هذا: أن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحدّ إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ ؛ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذا الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان.

ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب الله إن كان من الصادقين، وغضب الله يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي لها: عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقاً، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل حال؛ لذلك بطل.

والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار المسلمين؟!

كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.

ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبي أحدهم حدّ عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ﴾ : أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذ عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحدّ إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحدّ إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله، فوجب إذا أبي أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان.

والثاني: ما قال: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جعل الأيمان سبب درء الحدّ عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحدّ.

وعندنا أنه لا يحدّ بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من أبي اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، [و] لا يظهر بالإباء، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر، وأمّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن الحدّ لا يقام بالإباء ألبتة.

ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدلٍ بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق.

وأما قوله: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول الله  كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت كذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا [بها] قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول الله  : "لولا الأيمان لكان [لي] ولها شأن" كذَّبها؛ حيث قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان.

أو أن يكون العذاب الذي دُرئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبي اليمين حبس، حتى يشهد أربع شهادات بالله، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس عنها بالأيمان التي ذكر.

وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء في الحقيقة إباحة.

ولو أن إنساناً أباح للحاكم أن يقيم عليه الحدَّ لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صوناً لنفسه عن اللعن والغضب الّذي ذكر فلم يحدّ؛ لما ذكرنا.

ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية: إحداهما: في إلحاق الولد أمّه.

والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا.

قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك: إنّه يلحق بفراغ الزوج من اللعان.

والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصّادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان.

وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا يقع بينهما الفرقة، [و] ألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه؛ لذلك افترقا.

والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعاً؛ لأنه روي عن نافع، عن ابن عمر -  ما - أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله  وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة.

وعن ابن عباس أن النبي  لما لاعن بينهما فرق بينهما.

وروي في الأخبار: أن رسول الله  قال لهما: "اللهُ يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ؛ فهل منكما تائبٌ؟" ، قال ذلك لهما ثلاثاً، فأبيا؛ ففرق بينهما.

وفي بعض الأخبار قال: "حسابُكما على اللهِ، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها" فإن قيل: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره النبي أنه لا تحل له، وقال: "لا سبيل لك عليها" قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا وعلى وهم الخصم.

ثم يقال لهم: ألستم تقولون في المولى إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد فرقت بينكما؟!

فإن قيل: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا.

قيل: هما عندنا طلاق.

فإن قيل: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع الفرقة باللعان بتمام اللعان؟!

قيل: لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي.

ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقّاً فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟

فإن قالوا: لا يلزم الحكم حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن [يكون] اللعان مثله؟!

ويقال لهم أيضاً: ما تقولون في العنين: أجّله الحاكم [أيفرق] بينهما؟

فإن قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه كذلك؟!BR>فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم، يقول: طلقها أو فيء إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولى وامرأة العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك افترقا.

فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك إن أكذب الزوج نفسه حدّه وترك عنده امرأته.

وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأنهما إذا التعنا جميعاً عند ذلك يكون أحدهما معلوناً أيهما كذب، والانتفاع بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعاً، فأما بالتعان الزوج خاصة فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا.

وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً.

ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له أن يتزوجها أم لا؟

فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي -  ما -: "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً"، وعن عبد الله كذلك.

وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، وليس في الخبر: "لا يجتمعان أبدا"، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون قوله: "لا يجتمعان أبداً" ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: "لا يجتمعان" قبل التوبة وبعدها، يدل على ما ذكرنا قوله: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً  ﴾ ما داموا في ملتهم، فأمّا إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأمّا إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي.

والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحدّ، ويكونان على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها.

ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي "أن النبي  لما لاعن بين عويمر وامرأته - قال: كذبت عليها إن أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا" ؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع باللعان: طلاقا.

ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهؤلاء، وكذلك يقول أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة.

فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فتقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .

هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره.

ويحتمل: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا ينتفع بأحدهما مما لحقه الّلعن الّذي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ثيابها وتخلي سبيلها.

لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة.

وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحدّ، ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ .

جائز أن يكون ﴿ تَوَّابٌ ﴾ : يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة لقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه.

وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له في الدين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن [يفعل] غير الأصلح في الدّين.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلْإِفْكِ عُصْبَةٌۭ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّۭا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ ٱمْرِئٍۢ مِّنْهُم مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلْإِثْمِ ۚ وَٱلَّذِى تَوَلَّىٰ كِبْرَهُۥ مِنْهُمْ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ١١ لَّوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًۭا وَقَالُوا۟ هَـٰذَآ إِفْكٌۭ مُّبِينٌۭ ١٢ لَّوْلَا جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا۟ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ١٣ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤ إِذْ تَلَقَّوْنَهُۥ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِۦ عِلْمٌۭ وَتَحْسَبُونَهُۥ هَيِّنًۭا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌۭ ١٥ وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَـٰنَكَ هَـٰذَا بُهْتَـٰنٌ عَظِيمٌۭ ١٦ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُوا۟ لِمِثْلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١٧ وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ١٩ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ٢٠

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ ﴾ .

أي: بالكذب.

﴿ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ ﴾ .

أي: جماعة منكم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ مِّنْكُمْ ﴾ .

قال قائلون: كانوا من أصحاب عائشة رموها بما ذكر في الآية.

وقال بعضهم: كانوا منافقين، من نحو: عبد الله بن أبي رأس المنافقين، وحسان ابن ثابت، وغيرهما.

وقال بعضهم: كان ذلك من الفريقين جميعاً: من أصحاب أبي بكر وأقربائه، والمنافقين أيضاً.

فإن كان ذلك من أصحاب عائشة -  ا - وقراباتها فذلك يخرج منهن على الغفلة والعثرة، ليس على الانتقام والحقد؛ لأن القرابات والمتصلين بالرحم لا يقصد بعضهم ببعض الانتقام والحقد بمثله؛ فإذا كان كذلك فيخرج ذلك منهم إن كان مخرج الغفلة والزلة لا مخرج الانتقام.

وإن كان ذلك من المنافقين فهو على الانتقام وطلب الشين منهم لها، وكأن في ظاهر الآية دلالة افتراء الإفك من المنافقين، ثم تسامع المؤمنون بعد ذلك، ويتلقى بعضهم من بعض؛ حيث قال: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ؛ فإن كان ذلك فهو على ما وصفنا: أن ذلك من المؤمنين غفلة وزلّة وعثرة، ومن المنافقين انتقام وطلب شين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: لا تحسبوه شرّاً لكم؛ لأنكم تؤجرون وتثابون على ما قيل فيكم من الفحش والقذف بما قرفوا به؛ بل هو خير لكم في الآخرة؛ على ما ذكرنا من الأجر.

ويحتمل قوله: ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ في الدنيا؛ لما برأه الله مما قرفوا به، ودفع عنهم تمكين ما قرفوا به، ووعد لهم الجنة بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ  ﴾ ، وكان قبل نزول هذه الآية موهوم عند الناس فيها متمكن احتمال ذلك الفعل؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 31] كانت كالمؤمنات جميعاً موهوم عنهن عند الناس، محتمل ذلك؛ فلما قرفت - رفع الله ما كان موهوماً عند الناس قبل ذلك، ووعد لهم الأجر الكريم والرزق الحسن بقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ : فلا شك أن ذلك خير لهم في الدنيا وشر لأولئك الذين رموها حتى لم يتجاسر أحد بعد ذلك، ولا اجترأ أن يظن فيها ظن السوء، فضلا عن أن يقول فيها سوءاً، وقصّة عائشة -  ا - طويلة، لكنا نذكر ما كان بنا إلى ذلك حاجة.

أو أن يقال: بل هو خير لكم لما أنزل الله -  - فيهم آيات فيها براءتهم عما قرفوا به تتلى تلك الآيات إلى يوم القيامة، وذلك خير لهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ ﴾ .

إثمه: ما قرفها به.

﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هو ذلك المنافق الذي ألقى ذلك في الناس، ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ : فيه دلالة أنه يموت على نفاقه، وكذلك مات على نفاقه؛ فلحقه ذلك الوعيد، قيل: هو عبد الله بن أبي ابن سلول، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ ﴾ ، أي عظمه من المعصية، يعني: عبد الله بن أبي ابن سلول ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ؛ لأنه كان منافقاً.

وقوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ .

قال بعضهم: هلا إذ سمعتموه قذف عائشة -  ا - بصفوان كذبتم أنتم أولئك القذفة، يقول: ألا ظن بعضهم ببعض خيرا، وهلا قالوا: ﴿ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾ ، يقول الله: هلا قالوا: القذف كذب مبين، وعلى هذا يخرج - أيضاً - قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: هلا قالوا لهم: جيئوا بأربعة شهداء على قذفكم إياهم؛ فإذا هم ﴿ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

ويحتمل أن يكون قوله: لولا إذ سمعتموه ظننتم بهم ظنا: ما يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا دون أن قالوا: إفك مبين.

أو أن يكون التأويل: إن لم يظن أحد منكم بنفسه إذا كان مع أزواج رسول الله  [ذلك]، فكيف ظن بصفوان ذلك إذا كان هو مع أزواجه؟!

أو أن يقال: إذا لم يكن يظن أحد منكم بأمهاته ومحارمه ذلك، فكيف ظنّ بأزواج رسول الله  وهن أمّهاتكم وأمّهات جميع المؤمنين؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ .

أي: لم يكن لهم بما قذفوا شهداء، ولا يجدون على ذلك شهداء.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَّوْلاَ ﴾ ، أي: لم يكن؛ كقوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ ٱلْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ  ﴾ ، أي: لم يكن من القرون من قبلكم أولو بقية ﴿ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْفَسَادِ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ .

وإلا على تأويل (هَلا) يبعد؛ لأنّه لم يكن لهم شهداء على ذلك؛ فكيف يأتون؟!

وقوله: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ .

وإن أتوا بالشهداء على أمر عائشة كانوا كاذبين أيضا؛ فدل أن تأويل قوله: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، أي: لم يكن شهداء؛ فكيف قذفوها؟!

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: [أحدهما]: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ : حيث أنزل في قذفكم عائشة بصفوان آيات في براءتهما حتى تبتم عن ذلك، وإلا لمسّكم العذاب في الآخرة بذلك.

والثاني: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لمسكم العذاب، ولعاقبكم بما قلتم في عائشة في الدنيا؛ على هذا التأويل: العذاب الموعود: في الدنيا، وعلى التأويل الأول: الوعيد في الآخرة، لكن بفضله ورحمته دفع عنكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ ﴾ ، أي: خضتم فيه.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، أي: بأمثالهم خيراً، تأويله: لولا ظن المؤمنون بأمثالهم خيرا دون أن يظنوا بهم شرا.

وفيما عظم الله - عز وجل - أمر القذف وشدد فيه ما لم يشدد في غيره ولم يعظم وجوه: أحدها: قطع طمع أهل الفجور والريبة فيهن، لئلا يطمع أحد منهم في المحصنات وأولاد الكرام ذلك الفضل، فقطع طمعهم بما شدّد فيه؛ لئلا يقرفن بذلك، ولا يطمع فيهن ذلك.

والثاني: بترك الناس الرغبة في مناكحة المحصنات وأولاد الكرام، ويرغبون فيمن دونهن، ويحدث أيضاً الضغائن والعداوة بين القذفة وبين المتصلين بالمقذوفات.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ لكان كذا: هذا من الله على الإيجاب، أي: قد كان منه ذلك، وإذا كان مضافاً إلى الخلق فهو على أنه لم يكن ذلك؛ ولذلك تأولوه: هلا.

وعن ابن عباس أنّه قال في قوله: ﴿ لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ ﴾ ، يقول: قال للمؤمنين: ﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا إذ بلغكم عن عائشة وصفوان ﴿ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً ﴾ ، يقول: فظننتم بعائشة ظنكم بأنفسكم، وعلمتم أن أمكم لا تفعل ذلك، وكذلك المؤمنة لا تفعل ذلك، وقلتم: هذا إفك مبين.

﴿ لَّوْلاۤ ﴾ : هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء على قولهم، ويصدّقوهم على مقالتهم، فإذا لم يأتوا بالشهداء كذبتموهم؛ فأولئك عند الله هم الكاذبون، وهو قريب مما ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ بالتشديد، أي: تقبلونه، وتلقونه - بالتخفيف - أي: تأخذونه من الولق، وهو الكذب، وكذلك قرأت عائشة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ ﴾ ، أي: تقولونه، قال: تلقيت الكلام، ولقنت وتلقنت: واحد.

وقوله: ﴿ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ﴾ من غيركم.

﴿ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ ﴾ فيما بينكم.

وجائز أن يكونا جميعاً واحداً، أي: تتكلمون بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ﴿ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ﴾ أي: من غير أن تعلموا أن الّذي قلتم من القذف قد كان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ قال بعضهم: تحسبون القذف ذنباً هيناً.

﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ ﴾ في الوزر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً ﴾ : في الّدين؛ لأن القذف يحدث نقصاناً في الدين، والنقصان في الدين عظيم عند الله وتحسبونه أنتم هيناً.

ثم وعظ الذين خاضوا في أمر عائشة فقال: ﴿ وَلَوْلاَ ﴾ يقول: [هلا] ﴿ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ﴾ أي: القذف، ﴿ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ ﴾ أي: ما ينبغي لنا أن نتكلم بهذا الأمر، وهلا قلتم: ﴿ سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ لعظم ما قالوا فيها، والبهتان: الذي يبهت، فيقول: ما لم يكن من قذف أو غيره.

وقال أبو عوسجة: البهتان: الكذب، يقال: بهت أي: كذب.

﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً ﴾ أي: القذف أبداً.

﴿ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ ﴾ في بيان ذلك وبراءتهم، أو يبين أوامره ونواهيه.

﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: عليم بكل شيء من قول أو فعل، حكيم يضع كل شيء موضعه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ كان أصل النفاق هم الذين أحبوا أن تشيع الفاحشة، وإلا أهل الإسلام لا يحبون ذلك في المؤمنين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة؛ لنفاقهم وقرف عائشة.

وأما في المؤمنين فهو ما قال: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وروي عن عمرة عن عائشة قالت: "لما نزل عذري قام رسول الله على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدَّهم" .

وعن ابن عباس أن رسول الله  ضرب عبد الله بن أبي، وحسان، ومسطح بن أثاثة الحد، وفي بعض الأخبار: وامرأة أيضاً، وقيل: خمسة، لكل واحد ثمانين جلدة.

ثم ما ذكر من قذف عائشة أنه بهتان عظيم وقوله: ﴿ وَتَحْسَبُونَهُ ﴾ ﴿ وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ونحوه فجائز أن يكون في قذف كل محصنة بريئة دون أن يكون ذلك خصوصا لعائشة، وهو كما ذكر في قذف المحصنات ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يشيعون الفاحشة ويذيعونها في الذين آمنوا هم الذين تولوا إشاعتها وإذاعتها فيهم لهم ما ذكر من العذاب الأليم.

والثاني: يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ ليكون ذلك ذريعة لهم في المؤمنين فيقولون: إن دينكم لم يمنعكم عن الفواحش والمنكر.

﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ؛ لأنهم كانوا منافقين [و] منهم كان أول بدء القذف، وبهم شاع؛ لذلك كان لهم هذا الوعيد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي: والله يعلم حقائق الأشياء وأنتم لا تعلمون حقائقها.

وفيه دلالة تعليق الحكم بالظواهر دون تعليقه بالحقائق.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لم يذكر جواب قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ ، فجوابه ما ذكر في قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾ بفضله يزكو من زكا، وبرحمته يصلح من صلح، لا يصنع من نفسه.

<div class="verse-tafsir"

۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًۭا وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢١ وَلَا يَأْتَلِ أُو۟لُوا۟ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوٓا۟ أُو۟لِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا۟ وَلْيَصْفَحُوٓا۟ ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ٢٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ لُعِنُوا۟ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٢٤ يَوْمَئِذٍۢ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ٢٥ ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَـٰتِ ۖ وَٱلطَّيِّبَـٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَـٰتِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٢٦

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ نهى المؤمنين أن يتبعوا خطوات الشيطان، ولم يبين ما خطوات الشيطان، لكنه قال: ﴿ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ فجوابه أن يقول: فإن خطواته كذا، ولم يقل أيضاً: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفاحشة، ولكنه قال: ﴿ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، لكن جوابه ما قال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ...

﴾ الآية [البقرة: 168-169] أخبر [أن] من اتبعه أمره بالفحشاء.

والخطوات: من الخُطْوة والخَطْوة وهما من رفع القدم ووضعه، وأصله نَهْي عن اتباع آثاره.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ التزكية تحتمل التوفيق، والعصمة؛ يزكون بما أعطى لهم من التوفيق والعصمة.

أو يزكون بما أرسل إليهم من الكتب والرسل والعصمة، [وهو] أشبه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أن من زكا إنما يزكو بفضله ورحمته، وهم يقولون: لو فعل بهم غير الذي فعل كان جائزاً عندهم فعلى قولهم ليس بمفضل ولكن عادل؛ لأنه فعل ما عليه أن يفعل؛ فعلى قولهم لا يكون مفضلا، ولكن عادلا؛ إذ لم يسم في الشاهد من فعل ما عليه أن يفعل: مفضلا؛ وعلى قولهم: إنه قد أعطى كلا ما به يزكون ويصلحون، لكنهم لم يزكوا هم؛ فعلى قولهم لم يزك من زكا به، ولكنه إنما زكا بما أعطاه له، فقد أخبر أن من زكا إنما زكا به، وأنه قد أبقى عنده ما لو أعطاهم ذلك لزكوا، وقد أعطى ذلك من زكا وصلح، ولم يعط من لم يزك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: سميع لأقوالهم وعليم لأفعالهم، وأصله ما ذكر: يعلم ما يسرون وما يعلنون.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ﴾ قال بعضهم: قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ ﴾ أي: ولا يحلف، وهو (يفتعل) من الإيلاء.

وقال أبو عوسجة: لا يأتل، أي: لا يعجز، ولا يقصر، يقال: ائتلى يأتلي، وألا يألو ألواً، وهو التقصير، وترك المبالغة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ أي: من له الفضل والسعة.

ويحتمل ﴿ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ ﴾ من له الأفضال والمعروف وبر أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله.

ذكر أهل التأويل أن أبا بكر كان حلف ألا ينفع مسطحا بنافعة وكان قريبه بما تكلم في عائشة؛ فأنزل الله النهي عن ذلك فقال: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ ﴾ .

لكن الآية وإن نزلت في أمر ومعنى كان من أبي بكر، فإن غيره من الناس يشترك في معنى ذلك، وفي ذلك النهي، وكذلك ما قال في آية أخرى، وهو قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ...

 ﴾ ، ذكر أن قوماً كانوا يحلفون ألا يبروا الناس، ولا يصلحوا بذلك أن يكون حلفهم في ذلك عذراً لهم في ترك الإنفاق عليهم؛ والتعاون، والإصلاح بين الناس، فنهوا عن ذلك، وذلك اليمين لهم، ولمن كان في معناهم، ليس لهم خاصة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...

﴾ الآية، وإن كان في أبي بكر فهو فيه وفي الذين في معناه.

وإن كان حلف هذا بترك الإنفاق لإساءة كانت منهم إليهم، والأول على الابتداء لإساءة كانت منهم إليهم، وكذلك هذه الآيات نزلت لنازلة كانت في عائشة وصفوان فإنما نزلت لتلك النازلة لمعنى لا نزلت لأنها كانت عائشة أو أبو بكر، لكن لمعنى بكل من وجد ذلك المعنى فيه شرك في ذلك، ويجعل كأن هذه الآيات كلها نزلت فيه، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ فكل محصنة مؤمنة غافلة بريئة مما رميت به دخلت في الآية، وكل رامٍ محصن مؤمن غافل بريء مما رمي به في الآية؛ لوجود المعنى الذي نزلت الآية.

وعلى ذلك القرآن إذا نزل بسبب المرء أو نازلة لمعنى، يشترك من وجد فيه ذلك المعنى فيه شرك في ذلك الحكم؛ فعلى ذلك ما نزل في أبي بكر من النهي بترك الإنفاق، وما عوده من اصطناع المعروف إليه لما كان منه إليه من الإساءة، ثم أمره بالعفو والصفح، وهو قوله: ﴿ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ﴾ ، أي: اعفوا عن إساءته واصفحوا أي: لا تذكروا عفوكم إياه عن إساءة، ولا تذكروا زلته أيضاً؛ لأن ذكر العفو يخرج مخرج الامتنان كقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ  ﴾ ؛ لأن المن والأذى يبطل الصدقة، وذكر الزلة يخرج مخرج التعيير والتوبيخ، فأمره بالعفو وهو ظاهر والصفح ما ذكرنا من ترك ذكر العفو والزلة والإساءة جميعاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ أي: قد تحبون أن يغفر الله لكم ما كان منكم إليه من الإساءة، فإن أحببتم ذلك فاعفوا عمن أساء إليكم، والله غفور رحيم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : قد ذكرنا أن المحصنات هاهنا: هن الحرائر، والغافلات: هن بريئات من الفاحشة، والمؤمنات ظاهر.

وقوله: ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ كأن الآية نزلت في المنافقين الذين كان منهم ابتداء القذف وإشاعته في الناس؛ لذلك ذكر فيهم اللعن؛ فهو كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ والمؤمن لا يحب أن تشيع الفواحش في المؤمنين، إنما ذلك عادة المنافقين.

ثم اللعن في الدنيا هو الحدّ الذي ضرب، وفي الآخرة العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وعظيم كأنه ذكر اللعن والعذاب الأليم إذا لم يتوبوا، وماتوا على النفاق، فعند ذلك يكون لهم ما ذكر؛ ويدل لما ذكرنا أن الآية في المنافقين قوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ...

﴾ الآية، وإنما تشهد هذه الجوارح على الكافر لإنكاره باللسان، وأمّا المؤمن فإنه مقر بذلك كله لا يحتاج إلى أن تشهد عليه الجوارح، وهو ما قال: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ...

﴾ الآية [يس: 65] ونحوه، كأنهم ينكرون ذلك في الآخرة كما أنكروا في الدنيا كقوله: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ  ﴾ أخبر أنهم يحلفون لله في الآخرة كما كانوا يحلفون لرسول الله في الدنيا، فجائز: أن ألسنتهم تشهد عليهم بعد ما أنكروا، وتشهد عليهم سائر الجوارح إذا أنكروا، وهو ما قال في آية أخرى: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

{ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا...

﴾ الآية [فصلت: 21] تكون شهادة الألسن بعد ما أنكروا هم ذلك، وحلفوا؛ فعند ذلك تشهد عليهم ألسنتهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ ﴾ يؤمنون به جميعاً يومئذ، ويقرون بالحق، لكن لا ينفعهم إيمانهم يومئذ؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا  ﴾ ، ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ ، أي: يعلمون أن ما دعاهم الرسول إليه من توحيد الله، والإقرار بالربوبية له والألوهية هو الحق المبين، أي: تبين ذلك، والحق المبين: ما يبين ما يؤتى وما يتقى، وما يحل مما يحرم.

وقوله: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: الخبيثات من الكلمات والقول [للخبيثين من الناس والخبيثون من الناس للخبيثات من الكلمات والقول]، والطيبات من الكلمات للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات.

وقال مجاهد: هو القول السيئ والقول الحسن، فالحسن للمؤمنين والسيئ للكافرين.

وذلك ما قال الكافرون من كلمة طيبة فهي للمؤمنين، وما قال المؤمنون من كلمة خبيثة فهي للكافرين كل بريء مما ليس له، [و] نحوه من الكلام.

ثم قال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ يعني: عائشة وصفوان.

﴿ مُبَرَّءُونَ ﴾ مما يقول أولئك القذفة.

﴿ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: حسن؛ فابن عباس صرف الآية إلى عائشة وصفوان وإلى قذفتهم، وذلك محتمل، وهو قريب من الأول.

وقال بعضهم: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، لكن هذا يتوجه إلى النكاح شرعاً ووجوداً، أما الشرع: فنهيه المؤمنين عن نكاح المشركات بقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً ﴾ فالمشركات من الخبيثات فهن للخبيثين منهم، وهم المشركون، وكذلك الزانيات للزناة منهم، والمؤمنات هن الطيبات فهن للمؤمنين، وكذلك المحصنات الغافلات هن الطيبات فهن للمحصنين من أهل العفاف والصلاح؛ هذا هو الشرع.

وأما الوجود: فهو ما صبر أزواج المنافقين والكفرة على كفر أزواجهن، والسب لرسول الله، والأذى له، وذلك لخبثهن وكفرهن، وموافقة أزواجهن، فلو كنّ طيبات لكن لا يصبرن على ذلك كما لا تصبر المؤمنة بكفر زوجها، والزوج بكفر امرأته، ومن صبر على ذلك إنما صبر لخبثه، فبعضهم لبعض أكفاء: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، وكذلك الطيبات والطيبون، والله أعلم.

وعن عبد الله بن مسعود -  - قال: "إن الكلمة الخبيثة لتكون في جوف الرجل الصالح فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الخبيث فيضمها إلى ما عنده من الشر، وإن الكلمة الصالحة لتكون في جوف الرجل الخبيث فلا يكون لها في قلبه مستقر حتى يلفظها، فيسمعها الرجل الصالح، فيضمها إلى ما عنده من الخير.

ثم تلا عبد الله ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ...

﴾ الآية".

وجائز أن يكون الخبيثات هي الدركات التي تكون في النار للذين عملوا أعمالا خبيثة في الدنيا، والطيبات هي الدرجات التي تكون في الجنة للطيبين الذين عملوا في الدنيا أعمالا طيبة، فالدرجات في الجنة للطيبين الذين عملوا الطيبات في الدنيا، والدركات في النار للذين عملوا الخبائث والمعاصي في الدنيا.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ ﴾ أنزلت في المنافقين الذين قذفوا عائشة: عبد الله بن أبي وأصحابه، وكان قذفها منافقون ومؤمنون، وهو ما ذكرنا لم يقصدوا به قذفها، ولكن كان ذلك زلة منهم أو غفلة، وأمّا المنافقون فقد قصدوا به القذف والفرية؛ فأوجب للمنافقين الحدّ واللعن والعذاب العظيم على ما ذكر ﴿ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ ولهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، وأمّا المؤمنون فقال لهم: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ .

وقال بعضهم: فضله: الإسلام، ورحمته: القرآن، أي: لولا ذلك لعذبكم كما عذب أولئك.

ثم قال: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس نحو ما ذكر أولئك إلا أنه زاد فيه من القول والعمل، وذلك كله قريب بعضه ببعض، والله أعلم بذلك.

وقال: إن الرجل الصالح يتكلم بالكلمة العوراء فيقول القائل: قال فلان: كذا وكذا، فيقول الآخر: ما هذا من كلام فلان.

وروي عن كعب بمثل قِيلِ عبد الله [بن مسعود] فقال: إن الكلمة الخبيثة تخرج من لسان العبد فتصعد إلى السماء فلا يفتح لها أبواب السماء، وترجع إلى الأرض فلا تجد لها مستقرّاً، وتذهب إلى البحور فلا تجد لها فيها مكاناً، فتقول: ما أجد لي موضعاً أسكنه غير الموضع الذي خرجت منه، فترجع إلى صاحبها.

ثم تلا كعب هذه الآية: ﴿ ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ...

﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ٢٧ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فِيهَآ أَحَدًۭا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا۟ فَٱرْجِعُوا۟ ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٢٨ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍۢ فِيهَا مَتَـٰعٌۭ لَّكُمْ ۚ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ٢٩

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا ﴾ روي عن عبد الله بن عباس أنه كان يقرؤها: (حتى تسـتأذنوا وتسلموا على أهلها).

وقال: ﴿ تَسْتَأْنِسُواْ ﴾ وهم من الكاتب.

وقال بعضهم: الاستئناس: الاستئذان.

وقال بعضهم: الاستئناس: الاستعلام، وهو أن يطلب من أهل البيت الإذن بالدخول، والاستئذان هو طلب الإذن منهم للدخول.

وروي عن أبي أيوب قال: "قلنا: يا رسول الله، هذا السلام قد عرفناه فما الاستئذان؟

قال: أن يرفع صوته بالتحميد أو بالتسبيح أو بالتكبير ليؤذن للدخول" .

فإن ثبت هذا فهو إلى الاستعلام أقرب وهو كقوله: ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً  ﴾ أي: علمتم.

ثم قال بعضهم: قوله: (حتى تستأذنوا وتسلموا على أهلها) على التقديم والتأخير، أي: حتى تسلموا وتستأنسوا، وهو أن يبدأ فيقول: السلام عليكم ورحمة الله!

أدخل أو لا؟

ثم يستأذن، وهو ما روي: "السلام قبل الكلام" ولكن عندنا أن الاستئذان للدخول فإذا أذن بالدخول فدخل فعند ذلك يسلم عليهم كقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً  ﴾ فإنما أمر بالسلام بعد الدخول؛ فعلى ذلك هذا يستأذن للدخول فإذا أذن له فدخل فبعد الدخول يسلم عليهم؛ لأنه لو سلم أولا ثم استأذن احتاج إلى أن يسلم ثانياً إذا دخل؛ فهذا الذي ذكرنا أشبه بعمل الناس وظاهر الآية، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ لم يرجع إلى المساجد ونحوه بل يرجع ذلك إلى بيوت مسكونة؛ فذلك يدل لقولنا: إن من حلف ألا يدخل بيتاً فدخل المسجد لم يحنث.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم من ترك الاستئذان؛ لأنه ترك التأدب بما أدبه الله وعلمه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ، أي: تتعظون بأدب الله، وروي في بعض الأخبار: "أن من دخل بيتاً بغير إذن قال له الملك الموكل به: عصيت وآذيت فيسمع صوته الخلق كله غير الثقلين، ويصعد صوته إلى السماء الدنيا، فيقول ملائكة السماء: إن فلاناً عصى ربه وأذى" وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ هذا يدل على أن الاستئذان وطلب الإذن لا لحيث أنفسهم خاصة ولكن لأنفسهم ولما لهم في البيوت من الأموال؛ لأنه قال: ﴿ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً فَلاَ تَدْخُلُوهَا ﴾ لم يأذن لهم بالدخول فيها وإن لم يكن فيها أحد حتى يأذن أرباب الأموال والمنازل بالدخول فيها؛ ليعلم أن النهي عن الدخول للأنفس والأموال جميعاً؛ لأن الناس يتخذون البيوت والمنازل صوناً للأنفس والأموال جميعاً، فكما يكرهون اطلاع غيرهم على أنفسهم وعيالاتهم فلا يطيب أنفسهم أيضاً [باطلاع غيرهم] على أموالهم وأمتعتهم فلا يدخل إلا بإذن من أهلها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ ذكر في بعض الأخبار أن الاستئذان ثلاث من لم يأذن له فيهن فليرجع؛ أما الأولى: فيستمع الحي، وأمّا الثانية: فيأخذون حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا.

وقيل: لا تقعدن على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أعذر بالعذر.

وفي بعضها: وما تنقم من شيء بابن آدم هو أزكى لكم.

وقوله: ﴿ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ﴾ ؛ لأنه إذا لم يؤذن بالدخول فقعدوا على بابهم ولم يرجعوا، أورث ذلك معاني تكره: أحدها: تهمة على أهل الدار على ما يقعد على أبواب أهل التهم من الشرطي وغيره فذلك مكروه عند الناس.

والثاني: يكون للناس أشغال وحاجات في منازلهم وخارج المنازل، فإن انتظر عقد وقعد على بابهم ضاق بذلك ذرعهم وشغل قلوبهم ذلك فلعل حاجاتهم لا تلتئم لشغلهم به؛ لذلك كان الرجوع أزكى لهم وخيراً لهم من القعود على الباب والانتظار، والله أعلم.

وروي عن النبي  قال: "الاستذانُ ثلاثٌ فإِنْ أُذِنَ لكَ فيهن وإلا فَارْجِعْ" وقال بعضهم: معنى ﴿ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ ﴾ : يقول: إن سكت عنكم فلم يؤذن لكم فقد قيل لكم: ارجعوا، وإن لم يقولوا بألسنتهم: ارجعوا.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وعيد؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ .

ثم الاستئذان على محارمه لازم، وإن كان يجوز له أن ينظر إلى شعر ذات محرمه ووجهها فإنه منهي عن النظر إلى ما سوى ذلك من عورتها؛ لما يخشى أن يبدو من عورة المرأة إن دخل عليها بدون إذن.

"روي أن رجلاً سأل نبي الله  فقال: أنا أخدم أمي وأفرشتها أستأذن عليها؟

قال: نعم.

فسأله ثلاثاً؛ فقال له: أيسرك أن تراها عريانة؟!

قال: لا قال: فاستأذن عليها" وكذلك روي عن حذيفة "أن رجلا سأله فقال: أستأذن على أختي؟

فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما يسوءك" .

وكذلك قال ابن مسعود وابن عباس عن أحدهما في الأم وعن الآخر في الأخت.

لكن أمره في الاستئذان على هؤلاء أسهل وأيسر من أمر الأجنبي؛ إذ كان مطلقاً له أن ينظر إلى شعر محرمه ووجهها، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ﴾ وجهين: أحدهما: بيوتاً غير محتملة للسكنى، وهي الخربات، والمواضع التي يقضى فيها الحوائج، وكذلك ذكر في حرف حفصة: (بيوتاً غير معمورة لكم فيها منافع).

والثاني: بيوتاً مسكونة محتملة للسكنى إلا أن أهلها لم يسكنوها؛ لنزول الناس فيها، وهي نحو الخانات والرباط التي تكون للمارة، وعلى ذلك روي في الخبر أنه لما نزلت آية الاستئذان قال أبو بكر: يا رسول الله، فكيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة وبين المدينة والشام ليس فيها مساكن؟

فأنزل الله -  -: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ .

وذكر في حرف ابن مسعود: (ليس عليكم جناح في بيت ليس فيه ساكن أن تدخلوه).

وقوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ إن كان ذلك البيوت الخانات والبيوت التي ينزل فيها أهل السفر فيكون قوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ أي: فيها منفعة لكم من الدفء في الشتاء، والظل في الصيف، ودفع الحرّ في أيام الحرّ، ودفع البرد في أيام البرد.

وإن كان البيوت هي الخربات وقباب وأمتعات التي كانوا يضعون في الطهور لقضاء الحوائج، فيكون قوله: ﴿ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ ﴾ أي: الخلاء والبول، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ﴾ قال: ما تبدون من السلام، وما تخفون منه، أو في كل شيء؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ يذكر هذا لنكونن أبداً على حذر وخوف، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ إِخْوَٰنِهِنَّ أَوْ بَنِىٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّـٰبِعِينَ غَيْرِ أُو۟لِى ٱلْإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا۟ عَلَىٰ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٣١

قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ روي عن علي -  - قال: قال رسول الله  : "يا علي إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" .

وعن أنس -  - [قال]: قال رسول الله  : "يا بن آدم لك أول نظرة فإياك الثانية" وعن جرير قال: "سألت النبي  عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري" .

وعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عن شهواتهم فيما يكره الله.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: غضوا أبصارهم لكي يحفظوا فروجهم؛ فإن حفظ الفرج إنما يكون بغض البصر وحفظه.

والثاني: يغضوا أبصارهم عن النظر إلى من لا تحل من الأجنبيات؛ لأن النظر إلى المحارم يحل، ويحفظوا فروجهم عن الكل من المحارم والأجنبيات إلا الذين استثناهم في آية أخرى.

والثالث: غضوا أبصارهم عما في أيدي الخلق، ولا تفتحوها إلى ما في أيديهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...

﴾ الآية [طه: 131].

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أطهر لهم، وأدعى لهم إلى الصلاح من النظر.

وعلى هذه يخرج قوله: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الرداء والثياب.

وعن ابن عباس قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الكحل والخاتم.

وفي رواية أخرى: الكف والوجه.

وعن عائشة قالت: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : القلب والفتخة، وهي خاتم أصبع الرجل.

وعن عبد: الله الزينة زينتان: زينة باطنة لا يراها إلا الزوج.

وأما الزينة الظاهرة فالثياب.

والباطنة كالإكليل والسوار والخاتم.

فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود حيث جعلها من الثياب وغيره، ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى وجه امرأة أجنبية.

وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة.

وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتحة ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين؛ لأنهما ظاهرتان باديتان؛ ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء، وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم.

وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة، لكن غض البصر وترك النظر أرفق وأزكى، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ  ﴾ أنهن حرائر ﴿ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ كما تؤذى الإماء.

والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه - قول رسول الله  لعلي -  -: "إنما لك الأولى وليست لك الآخرة" وفي بعضها: "الأولى لك والآخرة عليك" ؛ لأنه كأنه إنما كرر النظر في الثانية؛ لشهوة تحدث في قلبه.

وإذنه للذي يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام؛ لأنه لو كان حراماً لم يأذن فيه النبي لأحد.

ونرى - والله أعلم - أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة، فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن يؤدي به ذلك إلى ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح فإنه قد رخص في ذلك؛ "روي أن المغيرة أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله  : اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وقال في بعض الأخبار: "إذا خطب أحدكم المراة فلا بأس أن ينظر إليها؛ إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم" وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال ليس لأن ذلك حرام وإليها معصية، ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة، ووقوع الفتنة بها، فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخاً كبيراً، أو كانت المرأة دميمة، أو عجوزاً فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وأصله قول الله -  -: ﴿ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ .

ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة.

فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة؛ دخل في ذلك معنى قول رسول الله  : "العينان تزنيان" ؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله  .

وروي في الخبر عن رسول الله  ما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة، [وهو] ما روي عن عائشة قالت: "دخلت عليّ أختي أسماء وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله  : هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت، فقلت: يا رسول الله، زارتني أختي فقلت لها ما قلت، فقال: يا عائش، إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفاها" ، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ قد ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل [النظر] إلى المرأة الأجنبية؛ ألا ترى أنه روي "أن أعميين دخلا على رسول الله  وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول الله  : قوما، فقالتا: إنهما أعميان يا رسول الله!!

فقال لهما: هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين" ، أو كلام نحو هذا، فدل أنه ما ذكرنا.

وعلى ذلك أخبار: روي عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله  : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم [الآخر] أن تبيت في مكان تسمع فيه نفس رجل ليس بمحرم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست له بمحرم" وفي بعض الأخبار: أنه لم يرخص للمرأة أن يرى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول الله  على كوع عائشة وقال: "هذا".

وعن الحسن أنه قال في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الوجه وما ظهر من الثياب.

فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله  حيث رخص النظر إلى الوجه والكف؛ لقوله: "إلا الوجه والكف" فاستثنى الوجه والكف من بين سائر الجوارح - كان ذلك تفسيراً لقوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ كأنه قال: "ولا يبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها وهو الكحل والخاتم"، ثم الكحل يكون في الوجه والخاتم في اليد فذكر الزينة يكون كناية عن موضعها؛ لأن النظر إلى الزينة حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة الحلي وما ذكره القوم، فدل أن المراد بذكر الزينة موضع الزينة لا نفس الزينة والحلي، ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض مواضع الزينة وهو ما ظهر منها من الوجه والكف ولم يرخص ما خفي منها وما بطن.

ثم استثنى المحارم منها، ورخص لهم النظر إلى ذلك بقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم مواضع الزينة الخفية منها الصدر، ومنها الأذنان وهما في الرأس، ومنها الساق.

ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة، ولا خلاف في أن الأب لا يجوز له أن ينظر من عورة ابنته إلا إلى رأسها وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرط ونحوه، وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها ولا خمار عليها؛ فله أن ينظر إلى صدرها وهو موضع الزينة؛ لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعيها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي النظر إليها.

ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة؛ لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن وغيره من مواضع الزينة ليس فيها محاسن لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع؛ لأنها عورة في نفسها؛ فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي؛ ولأن النظر إليها - أعني: مواضع الزينة - لا يكون إلا للشهوة والنظر إليها للشهوة حرام.

فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة ولا يقصدون به ذلك ألبتة؛ فأبيح لهم النظر إليها لحاجة.

وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي حيث أبيح النظر إلى الزينة الظاهرة فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها.

ثم غيرها من الزينة لا يحل لأحد النظر إليها: الأب وغيره - إلا للزوج خاصة وللمولى إلى مملوكته وهو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\] استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم؛ لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة لا يقع فيه حاجة فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء الشهوة والوطء وهو الزوج والمولى.

فانقسمت العورة إلى جهتين: جهة يحل للمحارم منها النظر إليها لحاجة وضرورة تقع لهم.

وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا يقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك؛ ألا ترى أن الأمة ينظر إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شرائها ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا.

ثم ذكر في الآية المحارم جميعاً عدا الأعمام والأخوال، قال بعضهم: إنما لم يذكرا في هذه الآية؛ لأنها تحل لبنيهما بالنكاح فكره أن يصفاها لبنيهما؛ ولهذا كره من كره للمرأة المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ إلى المسلمات.

لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكثر ذلك من أجناسهم وأمثالهم، فذكر الرخصة في أمثالهم كافية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل النساء [اللاتي] يختلطن بهن، أو نساء قرابتهن وأرحامهن، أو النساء اللاتي توافقهن في دينهن، وهن المسلمات على ما قاله أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ .

قال قائلون: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ كقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 6\] ونحوه.

وقال قائلون: الإماء والعبيد جميعاً.

فإن كان المراد به الإماء فهو ظاهر.

وإن كان المراد به الأمة والعبد، ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقوله بعض الناس.

والأشبه أن يكون المراد به والله أعلم الإماء دون العبيد؛ لما ذكر في آخر الآية ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ والعبد من الرجال.

أو ذكر التابع والمتابع وإن كان خصيّا أو عنيناً أو معتوها على ما قالوا، فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال فعلى ذلك العبد؛ فيكون الدخول عليهن مضمر في الآية، وكن النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن؛ لأنه ذكر المتابعين وهم تابعو الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوماً عندهن فيتأهبن لهم ويستترن، والله أعلم بذلك؛ ألا ترى [أنه] لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها، دل أنه ليس بمحرم لها؛ لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته.

فإن قيل: ما معنى ذكر إمائهن ونسائهن وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا؟

قيل: خصّ الله - عز وجل - بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات؛ تأديبا لا حظراً، وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها، لكثرة رؤيتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها؛ لقلة رؤيتها لها؛ ألا ترى أنه قد نهى المرأة أن تضرب برجلها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها، وفي ذلك صيانة للرجل والمرأة وإبعاد لهما عما يحذر عليهما ويخاف؛ فليس ببعيد أن يجعل نهيه المراة أن تظهر زينتها ومحاسنها للأجنبية؛ لما يخاف على الأجنبية من فساد قلبها وحدوث الشهوات لها؛ صيانة للنساء والرجال جميعاً، وإبعاداً لهم عن الزينة، ولئلا تصفها لرجل يفتتن بها، ويتكلف الوصول إليها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية، أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها" ، وعن ابن عباس: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ يقول: وليشددن بخمرهن على جيوبهن، يقول: ليرخين بخمرهن على الصدر والنحر فلا يرين منها شيئاً.

قال: وكن النساء قبل هذه الآية إنما يسدلن خمرهن سدلا من ورائهن كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النحر والصدر.

وفي الآية دلالة أن دروع النساء كانت جيب؛ لأن الجيب إنما تكون للدروع، وذلك كان لباس النساء، وقد روي عن النبي  أنه نهى الرجال عن لبسة النساء، وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء.

وروي أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

وعن ابن عباس: "لعن النبي المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء" .

وكأنه مكروه للرجل - والله أعلم - أن يلبس فراعة وحدها لا قميص تحتها؛ لأن ذلك لباس النساء إلا أن يكون لها شق ذيل، فخرجت من لبس النساء، ولم تكره للرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة، وأما على غير الحاجة فلا يباح؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 59]، وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ  ﴾ ؛ فعلى ذلك ترك النظر إلى وجه المرأة أطهر للنساء وللناس جميعاً؛ فلا يباح ذلك إلا عند الحاجة إليه، وهو معرفتها؛ ليقيم به الشهادة.

فإن قيل: أليس النظر يسع إلى مواضع الزينة الخفية للأجنبي؛ للتداوي بها؟

قيل: يسع ذلك للضرورة وأما للحاجة فلا، ومسألتنا في الحاجة ليست في الضرورة.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى آخره ما ذكر: جائز أن يكون المراد برخصة النظر إلى الزينة لهؤلاء المسمين في الآية رخصة النظر إلى نفس الزينة لا موضع الزينة؛ فيدخل في هذه الرخصة من ذًكِرَ من التابعين غير [أولي] الإربة من الرجال ونحوه؛ لأن الزينة في الصدر وما ذكر إنما تكون من وراء ثياب تكون على الصدر، ثم رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الخفية بغير هذه الآية.

أو أن يكون رخصة النظر للمحارم إلى مواضع الزينة ولغير المحارم من المماليك والتابعين غير أولي الإربة ومن ذكر - رخصة الدخول عليهن؛ فيكون في الآية إضمار الدخول؛ كأنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن ذكر من المحارم، ولا يدخل عليهن إلا العبيد والتابعون ومن ذكر من غير أولي الإربة، فيكن في وقت دخول هؤلاء متأهبات؛ لأن وقت دخول هؤلاء يكون معلوماً يعرفن فيتأهبن لهم؛ لأن العبيد إنما يدخلون على ساداتهم ومواليهم عند حاجتهن إليهم، والتابعون ومن ذكر إنما يدخلون إذا دخل أزواجهن عليهن فيتأهبن لذلك، ومثل هذه الإضمار جائز في الكلام يتبين ذلك بالثنيا كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ ، دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أنه قد كان الصيد مذكوراً فيه مراداً؛ إذ لو لم يكن مذكوراً لم يكن استثنى منه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون في الأول إضمار الدخول فيه لهؤلاء الذين لا يحل لهم النظر إلى مواضع الزينة منهن ورخصة الإبداء للمحارم، أو أن يكون ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ قال بعضهم: الشيخ الكبير الذي لا حاجة له في النساء.

وقال بعضهم: المعتوه الأحمق الذي لا يشتهي النساء، ولا يغار عليه الأزواج.

وقال بعضهم: العنين والخصي، وهؤلاء الذين لا يطيقون الجماع.

لكن عندنا لا يسع للعنين ولا للخصي أن يخلو بامرأة أجنبية.

وقال الحسن: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ هم المخنثون؛ روي عن عائشة قالت: "كان يدخل على أزواج النبي  مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل النبي ذات يوم وهو ينعت امرأة، فقال: لا أرى هذا يعلم ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم؛ فحجبوه" .

وعن أم سلمة "أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد الله، إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: لا أرى [هذا] يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم" وقال بعضهم: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ ﴾ الذين لا تهمهم ولا يخافون على النساء، وكله واحد، وهم الذين ليست لهم الحاجة إلى النساء.

قال أبو عوسجة: الإربة: الحاجة: والإرب جمع، وكذلك قال القتبي.

وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء.

وقوله: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ قال بعضهم: هو الإطلاع، أي: لم يطلعوا، ولم يعلموا، ولم يدروا ما هو من الصغر.

وقال بعضهم: لم يظهروا على عورات النساء، أي: لم يبلغوا الحلم.

والأول أشبه عندنا؛ وذلك أن الطفل الذي لم يحتلم قد أمر بالاستئذان في بعض الأوقات؛ لقوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ  ﴾ فالذي يؤمر بالاستئذان هو الطفل الذي لم يحتلم، وقد يطلع على عورات النساء، والذي لا يؤمر بالاستئذان هو أصغر من ذلك، وهو الذي لا يطلع على عورات النساء لصغره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: لا تضربن إحدى رجليها على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال.

﴿ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: ما يواري الثياب من الزينة وهو الخلخال قد أخفاه الثياب؛ نهيت المرأة عن ضرب رجلها؛ ليعلم الرجال ما تخفي من زينتها، وذلك محظور عليها، لما يخرج ذلك مخرج ترغيب الناس وحثهم عليها، فالزينة في الأصل ما جعلت إلا للترغيب والتحريض على أنفسهم، وهي الداعية إلى النظر والشهوة، وفي ترك ذلك وترك المرأة الزينة صيانتها، وصيانة الرجال، وإبعادهم جميعاً من الزينة، والرغبة، فكشف الشابة عن وجهها، ونظر الرجل بشهوة إليها أحرى أن يكون محظورا عليه، منهيّاً عنه، والله أعلم بالصواب.

وقوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالطاعة له والخضوع؛ لتكونوا مفلحين.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ارجعوا عما قدمتم من المعاصي والمساوئ، واجعلوا مكان ذلك طاعة له؛ ليعفوا عنكم ما قدمتم من المعاصي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَأَنكِحُوا۟ ٱلْأَيَـٰمَىٰ مِنكُمْ وَٱلصَّـٰلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَآئِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا۟ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٣٢ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٣ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ وَمَثَلًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةًۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٣٤

قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ الأمر بالإنكاح وإن خرج مخرج أمر واحد في الظاهر فهو في الحقيقة على أقسام: الأمر في تزويج الإماء والعبيد يخرج مخرج الترغيب والتحريض.

وفي الأحرار يخرج مخرج المعونة والتقوية؛ لأن من بلغ ولده النكاح ذكراً أو أنثى استثار أقرباءه، وأهل أنسابه، والمتصلين به في ذلك، واستعانهم على ذلك، ولا كذلك السادات في المماليك؛ دل أن الأمر في أحدهما يخرج على المعونة، وفي الآخر على الترغيب.

ثم تزويج العبد يخرج كأنه فعل المعروف؛ إذ في ذلك إلزام مؤن بلا عوض يحصل له؛ ألا ترى أنه لا يملكه إلا من يملك المعروف من نحو الوصي والأب والمكاتب والعبد المأذون له في التجارة؟

ولا كذلك تزويج الإماء؛ إذ يملك هؤلاء ذلك، وكل مكتسب خير له لنفسه أو لغيره.

ثم جرى الوفاق بينهم: أن للولي أن يزوج أمته شاءت هي أو أبت، واختلفوا في تزويج العبد امرأة: قال بعضهم: [ليس] له ذلك إلا برضاء العبد.

وقال بعضهم: له ذلك شاء أو أبى.

ثم الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأيامى منهن: الإناث من الأحرار دون الذكور، واستدلوا ببطلان النكاح وفساده إذا كان بغير إذن الولي بهذه الآية؛ لأن الله  أمر الأولياء وخاطبهم أن يزوجوهن؛ كما أمر المولى بتزويج أمته، فأوجب للمولى الولاية كما أوجبها للولي وإن كانا مختلفين في الولاية.

لكن عندنا لو كانت الآية خرجت على التفسير على ما يقول خصومنا ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ الإناث - لم يكن فيه دليل على ما قالوا هم، ويخرج ذلك على وجوه: أحدها: على الترغيب في إنكاحهن لما [لا] يتولى هن النكاح بأنفسهن حياء، ويستحيين التكلم بذلك حتى من فعلت ذلك منهم بنفسها صارت مطعونة عندهن.

أو أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهن على ما ذكرنا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله  : "أنه من بلغ ولده النكاح وعنده ما ينكحه فأحدث، فالإثم بينهما" ، فهذا يدل - والله أعلم - على وجه المعونة في تزويج الأب الابن البالغ، فإذا كان الأب مأموراً من جهة التأديب على المعونة بتزويج ابنه، ولا يوجب ذلك عليه ولاية إذا كره ذلك؛ فكذلك يكون مأموراً بتزويج ابنه من طريق المعونة، أو جهة الحياء، أو أن يخرج ذلك على ما قال خصومنا من إيجاب الولاية له عليها.

ثم رأينا أنها إذا رغبت في النكاح ورضيت به وكره وليها ذلك، جبر الولي على الإنكاح، وإن هي كرهت النكاح وأبت، ورغب الولي في ذلك وشاء، لم تجبر هي على ذلك؛ دل ذلك على أن الحق لها عليه دون أن يكون الحق في ذلك له عليها، فإذا كان الحق لها عليه جاز ذلك إذا تولت بنفسها؛ لما ذكرنا أن الخطاب للأولياء يخرج على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

هذا إذا كان في الآية ذكر الإناث دون الذكور، فكيف أن ليس في الآية ذكر تخصيص الإناث دون الذكور، واسم "الأيم" يقع على الإناث والذكور جميعاً؛ ألا ترى أنه روي عن عمر -  - قال: "لما نزلت هذه الآية ما رأيت مثل ما يلتمس بعد هذه الآية إنما التمسوا الغناء في الباءة" وما روي عن نجدة: أن عمر دعانا إلى أن ينكح من أيمنا وفي الشعر: لله در بني على أيم منهم وناكح *** وفي بعضها: وأيم تأبى من القوم إيماه.

*** جمع فيها اسم "الأيم": الرجال والنساء.

ومن الدليل - أيضاً - على ذلك قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ فدل ذلك على أنه حث على تزويج البالغين من الأحرار رجالهم ونسائهم.

فإن قيل: فما وجه أمره بتزويج الرجال والأمر إليهم؟

فجواب ذلك ما ذكرنا من المعونة، والترغيب فيه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: المؤمنين.

وجائز أن يكون الصالحين: من طلب منكم الصلاح والعفة.

أو ذكر الصالحين لما كانت العادة في الملوك أنهم يخاطبون أهل الصلاح منهم والأخيار، لا على إخراج غيرهم من حكم ذلك الخطاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ من الناس من استدل بهذه الآية [على] أن العبد يملك؛ لأنه ذكر العبيد والأحرار جميعاً، ثم ذكر في آخره الغناء دل أنه يملك.

ويستدل بقوله: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أضاف الأجور والإيتاء إليهن؛ دل أنهن يملكن، لكن عندنا أن المماليك يملكون ملك التوسيع، وملك التصرف، ويقع لهم غناء التوسيع وغناء التصرف، ولا يقع لهم التمليك، ولا حقيقة الملك، والدلالة على ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ  ﴾ لو كان ما ملكت أيمانهم يملكون ما يملك الموالي والسادات لكان المماليك يفضلون على السادات، في الملك؛ إذ هم الذين يتصرفون ويكتسبون الأموال دون السادات، فدل ذكر تفضيل بعض على بعض أنهم لا يملكون ما يملك الموالي.

والثاني قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ...

﴾ الآية [الزمر: 29]، ولو كانوا يملكون على ما يملك السادات، لكانوا لهم فيه شركاء، دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك، ولكن يملكون ملك التوسيع والتصرف.

أو أن يكون قوله: ﴿ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجعاً إلى الأحرار منهم دون المماليك، وذلك جائز في اللسان كقوله: [ ] ثم روي عن أبي هريرة -  - عن النبي  قال: "ثلاثة حق على الله  أن يغنيهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء" وعن عمر قال: "ما رأيت مثل الرجل لا يلتمس الغناء في الباءة" والله  يقول: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

وروي في الخبر قال: قال رسول الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ، وروي في الخبر "عن نبي الله  قال لعمر بن الخطاب: ما فعلت ببناتك؟

قال: هن عندي يا رسول الله.

قال: وقد حضن؟

قال: نعم.

قال: إنك لم تحبس واحدة منهن عن كفؤ إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط" ، وفي بعض الأخبار: "من بلغ ولده النكاح، وعنده ما ينكحه، فأحدث فالإثم بينهما" وقوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ الاستعفاف: هو طلب العفاف؛ كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا، وتصيره عفيفاً حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون أشياء: أحدها: ما روي عن نبي الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" ونحوه، يطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن أغناه الله، كقوله  : "من استعف أعفه الله" وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أي: يتعفف الذين لا يجدون نكاحاً، لم يجعل الله - عز وجل - للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها - رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح.

والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل والتوالد.

والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة، وقضاء الشهوة، فإذا كان فقيراً لا يجد ما ينكح زال عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ وجهان من المعتبر على نقض قول المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الإغناء إلى نفسه، وهو ليس يعطي أحداً شيئا يطرحه ويلقيه في يده بلا سبب، ولكن إنما يغنيه ويعطيه بأسباب تجعل لهم؛ فدل إضافة الإغناء إلى نفسه على أن له في تلك الأسباب التي فيها لهم غناء صنعاً وفعلا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا صنع لله في أفعال عباده.

والثاني: فيه دلالة: أن غناهم وسعتهم فضل منه ورحمة لا شيء يستوجبون هم بأنفسهم ذلك قبله، لكن إفضالا منه لهم وإحساناً؛ إذ لو كان عليه ذلك كان منه عدلا لا فضلا؛ فدل تسمية الفضل ذلك على أن من أعطاه الله يقال: ذلك أعطاه فضلا منه وإنعاماً لا استيجاباً واستحقاقاً، وذلك رد عليهم في الأصلح في الدين.

ثم من الناس من استدل بهذه الآية بقوله: ﴿ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : حتى يغنيهم الله من فضله على تفضيل الغناء على الفقر قالوا: لأنه سماه فضلا بقوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ وسماه في غير آي من القرآن: رحمة وحسنة، وسماه: خيراً أيضاً في غير موضع، وسمى الفقر والضيق: بلاء مرة، و: سيئة ثانياً، و: ضرّاً و: شدة بقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وكأن ما سمي من البلاء والشدة والشر والضر والسيئة كله عبارة وكناية عن الضيق والفقر، وما ذكر من الخير والحسنة والرحمة ونحوه، كله عبارة عن السعة والغناء؛ فدل تسمية الغناء خيراً وحسنة ورحمة على أنه أفضل؛ إذ لا شك أن الخير والحسنة والرحمة خير من الشر والسيئة والبلاء؛ لذلك كان الغناء أفضل من الفقر.

فيقال لهم: هو كما قلتم: إنها خير مما ذكرتم، إلا أن هذه الأسباب التي ذكرتم هي الداعية إلى الفساد، الباعثة على قضاء الحاجات، والشهوات، وأنواع المعاصي في أنواع المحرمات، ولا كذلك الفقر والضيق والشدة، بل هي أسباب تمنع صاحبها عن التعاطي في أنواع المعاصي والمحرمات؛ فضلا أن تدعوه وتبعثه إلى ذلك، فقولنا: إن أفضل؛ للمعنى الذي ذكرنا، لا لمعنى فهمتموه أنتم.

أو أن يكون ما ذكر وسُمي: خيراً: السعة عند الناس، وكذلك ما ذكر من الضيق شرّاً وسيئة عندهم؛ لأنه كذلك عند الناس لا أنهما في الحقيقة كذلك؛ لما يحتمل أن يكون الغناء والسعة سبب الفساد، والضيق والفقر سبب منعه عن الفساد.

أو ألا يتكلم في تفضيل أحدهما على الآخر؛ إذ هما محنتان يمتحن بهما العباد: هؤلاء بالصبر على الفقر والضيق، وهؤلاء بشكرهم على الغناء والسعة، فالتكلم في فضل أحدهما على الآخر فضل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ : ظاهر هذا ليس على الكناية، ولكن على الكتاب المعروف وهو كتاب الله -  - لأن الكتاب المطلق هو كتاب الله  ، يسألون ساداتهم تعليم الكتاب لهم، إلا أن الناس لم يفهموا من هذا هذا، ولكن فهموا كتابة العبيد والإماء حيث صرفوا الآية إليها.

ثم قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ليس على الوجوب والإلزام، ولكن على الترغيب فيها والحث؛ دليله ترك الأمة المماليك بعد موتهم دون مكاتبتهم من لدن رسول الله إلى يومنا هذا، ولو كان على الوجوب واللزوم لم يكونوا يتركون لازماً واجباً عليهم؛ فدل تركهم المكاتبة على أنه خرج مخرج الترغيب عليها، والحث لا على الوجوب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: كاتبوهم إن علمتم أنهم يرغبون في أنواع الخير، وإقامة الصلاة، وأنواع الصلاح، وفرغوا أنفسهم لذلك.

قال بعضهم: إن علمتم فيهم خيراً، أي: وفاء وأمانة وصلاحاً، وهو قول الحسن.

وتأويل هذا: أي: كاتبوهم؛ إن علمتم أنهم يقدرون على وفاء ما كوتبوا، وأداء ذلك.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ أي: حيلة.

وقال قائلون: مالا.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ ، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبراً عن رسول الله  مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله  : "إن علمتم فيهم خيراً - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كلا على الناس" .

إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم خيراً، جاز أن يقال: معنى ﴿ خَيْراً ﴾ مالاً، ولكنه قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ \[الجاه الذي\] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - والله أعلم - أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، وأمانته، ثم في الآية دلالة أن العبيد لا يملكون شيئاً؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى.

وفي الكتابة أيضاً نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقاً لم يملكوا ردهم إلى منافع أنفسهم، ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة.

وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ اختلف في خطابه: قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما جعل الله من الحق للمكاتبين في الصدقات؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ  ﴾ وهم المكاتبون، أمر أرباب الأموال بدفع الصدقات للمكاتبين، وجعلهم أهلا لها، ليستعينوا بها على أداء ما عليهم من الكتابة.

فإن كان ذلك فذلك حق لهم.

والثاني: جائز أن يأمر الناس بمعونة هؤلاء المكاتبين على أداء ما عليهم من الكتابة بأموالهم سوى الصدقات؛ ليفكوا رقابهم عن ذل الرق والكسب.

وقال قائلون: إنما الخطاب للموالي خاصة؛ لما أن أوّل الخطاب بالكتابة راجع إلى الموالي؛ فعلى ذلك هذا.

ثمّ اختلفوا فيه: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - قال: "يترك المولي الثلث من مكاتبته له".

وروي عنه أنه قال: "ربع المكاتبة".

وروي عن عمر -  - أنه كاتب غلاماً له، فحطّ عنه أول نجمه، وقال له: حط عني آخره، فقال عمر: "لعلي لا أصل إليه"، أو كلام نحو هذا، ثم تلا هذه الآية، قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ...

﴾ الآية.

وروي عن غلام لعثمان بن عفان -  - قال: "كاتبني عثمان، ولم يحطّ عني شيئاً"، دل ما روي عن عثمان أنه لم يحط عنه شيئاً على أن الأمر بالإيتاء للمكاتبين من الأموال والحطّ عنهم إنما هو على الاختيار والإفضال ليس على الوجوب واللزوم؛ لأنه لو كان على الوجوب، لكان عثمان بن عفان لا يحتمل ألا يحط عنه شيئاً.

ومن جعل ذلك واجباً على المولى أن يؤتيه من ماله، ويعجله له كان ذلك خارجاً عما روي عن الصحابة - رضوان الله  عليهم أجمعين - خلافاً لهم؛ لأنه روي عن بعضهم الحط عنهم، والوضع دون الإيتاء من ماله.

وروي عن بعضهم: الاستيفاء على الكمال لا حطّ فيه ولا إيتاء؛ دل أن قول من يأمرهم بالإيتاء من أموالهم دون الكتابة خارج عن قولهم جملة.

ثم يبطل ذلك من وجهين: أحدهما: أن من قال لعبده: "إذا أديت إليَّ كذا فأنت حر"، فحط عنه بعض ذلك، فأدّى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار.

والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حرّ، وإنما ذكر الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَآتُوهُمْ ﴾ ، فلو كان على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ .

ليس قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء المال، وهنّ كنّ يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك شرطاً فيه.

أو أن يكون ذلك إكراهاً إذا كن مطاوعات في ذلك.

وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على أن يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك.

وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد الله بن أبي وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ذكروا، ففيه دلالة أن الزنا حرام في الأديان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ هذا يحتمل وجهين: [أحدهما:] يرجع إلى الإماء يقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم).

والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن الله لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بخفض الياء ونصبها، ثم يحتمل أن يكون المراد بالآيات: آيات القرآن جميعاً، وقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين للخلق ما لهم، وما عليهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: مبينات أنها من عند الله.

وجائز أن يكون المراد بالآيات: الحجج والبراهين، فإن كان هذا، فقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين وحدانية الله -  - وعلم رسالة رسوله و ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: واضحات بينات أنها حجج وبراهين.

وقوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: أنزلنا إليكم أيضاً مثل الذين خلوا من قبلكم ما حل بهم، ونزل بالمكذبين من العذاب، وموعظة ما يتعظ المتقون، أو جعل لكم فيما أنزل من الآيات عليكم أمثالا من الذين خلوا من قبلكم؛ لتتعظوا به والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٣٥ فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْـَٔاصَالِ ٣٦ رِجَالٌۭ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌۭ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًۭا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلْأَبْصَـٰرُ ٣٧ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٣٨

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: الله هادي السماوات والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت محمد  وما ضرب له من الأمثال، فقال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، يقول: نور محمد إذ كان في صلب أبيه ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج المصباح.

يقول - والله أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ، الزجاجة نعتها الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد الله، والزجاجة وصفاؤها: محمد رسول الله، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب رسول الله  ، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: محمد  ذكره مع أسماء الأنبياء، والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر الكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: استنار نور محمد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ والزيتونة: المحاسن وطاعة إبراهيم لربه؛ فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ والدهن والدباغة يعني: زيتونة ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ يقول: إن إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن نصرانيّاً لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديّاً لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ببيت المقدس، يقول الله  : لم يكن كما قال هؤلاء، ولكن كان حنيفاً مسلماً مصليّاً إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ يقول - والله أعلم -: لو أن إبراهيم لم يكن نبيّاً لأصاب بحسن طاعة الله في الدنيا الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة.

وقوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ؛ لأن محمدا وما جاء به من الدين والكتاب أصل نوره من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه وسنته وكتابه ومنهاجه.

ثم قال: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ الذي جاء [به] محمد  ، وهو النور، وهو القرآن [يهدي إليه] من يشاء ممن سبق [له] في علمه السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن سبق له في علمه الشقاء.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: ويصف الله الأمثال للناس؛ ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد - عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل.

وقال أهل الكلام: قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنار الله لأهل السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بالله نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا، ولم يقل: مثله، ولو كان النور هو الله على ما قاله قوم وفهموه، لقال: "الله نور السماوات والأرض مثله كذا"، ولم يقل: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فدل قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا أنه لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أنه لم يرد بالنور ما فهموا، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ دل أنه ليس على ما فهموه به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا يخرج تأويل ابن عباس حيث قال: الله هادي أهل السماوات والأرض.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها يدخل فيها الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه"، أخبر أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن).

وقال الحسن: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال: مثل القرآن في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ كوة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ ، أو أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: نوراً، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى الله: نورا؛ لما به يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال بعضهم: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في صدر المؤمن.

وقال بعضهم: مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره.

وقال بعضهم: مثل نور القرآن.

وقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: موضع الفتيلة من القنديل.

وقال بعضهم: الحدايد التي تعلق بها القنديل.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت.

وقال بعضهم: هي شجرة في كنّ لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها إذا غربت.

وقال بعضهم: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية.

فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ولا تصيبه في وقت؟

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هو الله  هادي أهل السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم [فإذا أتاه العلم] ازداد هدى على هدى ونوراً على نور، وعن أبيّ بن كعب قال في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ : يقول: مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل.

قال: فهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره.

قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: المشكاة: صدره ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ : قال: المصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره.

قال: ﴿ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ فالزجاجة: قلبه.

قال: ﴿ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ يقول: كوكب مضيء.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله وحده لا يشرك به.

قال: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.

قال: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة.

قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ وهو يحسبه عند الله خيراً فلا يجده، فيدخله الله النار، وقال في آية أخرى له مثلا فقال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ  ﴾ فهو يتقلب في ظلمات.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بنوره يهتدي من في السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مضيء، أي: منسوب إلى الدرّ؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ : الكوة التي تكون في الحائظ؛ ومثال جماعته: الكوة، و ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مثل لسانه وصدره وقلبه ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ ﴾ قال: يكاد محمد يبين للناس وإن لم ينطق.

وعن الضحاك بن مزاحم ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: خلقت الكواكب من نار يقال لها: دري؛ فمن ثمة قال: ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ .

وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: قال بعضهم: الكوة: التي لا منفذ لها.

وقال بعضهم: الفتيلة.

وقال بعضهم: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه.

وقال بعضهم: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة.

وقال بعضهم: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل.

وأما الزجاجة فهي القنديل.

ثم إن كان قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ ، وهي قلبه ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو صدره الذي في قلبه المصباح والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: مضيء.

وقال بعضهم: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد وخبثه حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ .

وإن كان وصف محمد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ الذي ذكرنا يحتمل المؤمن ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يحتمل: يهدي الله لنور محمد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: الإيمان والهدى.

وقال بعضهم: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور.

ويحتمل: قوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: بنوره.

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقول: بنوره أضاء السماوات والأرض على ما ذكرنا: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن مسعود -  -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ يعني: الكوة، ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ يعني: الإيمان، والقرآن ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب أولئك، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمداً وما كان على اختلاف ما قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين على الإيمان والقرآن ومحمد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ...

﴾ الآية [النور: 40] ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

وقال ابن عباس -  ما -: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: الأنجم الخمسة دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل.

قال قتادة: الدري: الضخم المنير.

قال الكسائي: من همز "دريء" فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة.

وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ويذهب.

وقد روي في الخبر عن رسول الله  قال: "إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري" ، [و] روي أن أبا بكر وعمر -  ما - لمنهم، وأنعم.

وأيضاً روي دري بالرفع.

وفي خبر آخر عنه: "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس محمد بيده ما فيها غرب" وقوله: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ اختلف في قراءته: قرأه بعضهم: ﴿ يُوقَدُ ﴾ بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد.

ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم طرح إحدى التاءين.

ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد.

و [قرأ] أهل مكة: (تَوقّد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ فلذلك انتصب.

ومن قرأ: ﴿ يُوقَدُ ﴾ يعني: الكوكب أو المصباح.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد فيها شيئاً.

قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه.

وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق دون المغرب، وليست بغربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس النهار كله، وهو مثل الأول.

وقال الكسائي: ليست بشرقية وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية؛ كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلاناً، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك [لا] تأتيهما معا، ومثله: والله لا آكل ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب الفتنة: إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال الله  : ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ﴾ يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا غربية عليها ظل من أوّل النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة.

وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب.

وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب.

والحسن يقول: والله لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثلٌ ضربه الله  لنوره وهو هذا القرآن.

وأما قوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال بعضهم: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو نور على نور.

قال بعضهم: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: الزيت.

وقال بعضهم: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئاً إلا بصاحبه.

وقال بعضهم: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم.

ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره [منه]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم، ويرفع قدرها - وهي المساجد - على غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم الله فيها، والتسبيح والتنزيه من الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تبنى وتتخذ.

فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها.

وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر الله والتسبيح فيها.

ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها في الأصل جعلت مسجداً؛ حيث قال رسول الله  : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" .

فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة الجماعات.

والثاني: أمر بها خصوصاً للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصاً لها؛ إذ لو كان إذناً على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ فإن كان تأويل قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم ويرفع قدرها؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ تفسيرا لذلك التعظيم والقدر الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم الله فيها، وما ذكر من التسبيح.

وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويا مساجد، وأمر أن يذكر فيها اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال.

ثم اختلف في تلاوة قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ : قرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بنصب الباء.

وقرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بخفض الباء.

فمن قرأها بالنصب صيره على الأول ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ .

ومن قرأها بالخفض - أعني: خفض الباء - صيره مقطوعاً من الأول مبتدأ به، أي: يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ ثم قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح.

ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير.

ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة.

ثم قال بعضهم: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في أوقاتها.

وقال بعضهم: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ ﴾ ، أي: لا تشغلهم تجارة ولا بيع، ذكر التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، وللذي يبيع شيئاً خاصّاً: بائع.

أخر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

ثم جاز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر الله، وإقامة الصلاة، وما ذكر.

وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم عن ذكر الله، يكونون أبداً في ذكر الله.

ثم قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الصلاة.

وقوله: ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، وجميع أسبابها، وشرائطها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ جميع أنواع الأذكار ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة.

وقال بعضهم: جائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ الخطبة ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ صلاة الجمعة؛ لأنه قال: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً...

﴾ الآية [الجمعة: 11]، وقال: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ  ﴾ وهي الخطبة.

[وهذا القول] غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ وهو يوم القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعاً منه وخوفاً، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وكقوله: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ يعرفون مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما لم يقروا.

وقال بعضهم: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ ﴾ ، حين زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: ﴿ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ أي: تتقلب أبصارهم فيكونون رزقا، وهو قول مقاتل.

وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: يجزيهم الله جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وكقوله: ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ على قدر حسناتهم، ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال بعضهم: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة بلا محاسبة.

وجائز أن يكون ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب أضعافاً مضاعفة ما لا يحصى لا على قدر أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ بِقِيعَةٍۢ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـًۭٔا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ٣٩ أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً ﴾ جائز أن يكون ضرب مثل أعمال الكفرة بالسراب الذي ذكر من وجهين: أحدهما: أنهم قد عملوا في الظاهر أعمالا طمعوا أن يصلوا إليها في الآخرة، وينتفعوا بها من نحو الصدقات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونحوه مما هي في الظاهر أعمال الخير، فإذا هم حُرِمُوا أجرها ولم يجدوا شيئاً كالذي يرى السراب من بعيد يحسبه ماء فسار إليه، فإذا هو لا شيء؛ فعلى ذلك الكفار عملوا تلك الأعمال على طمع منهم أنهم ينتفعون بها، فإذا هم على لا شيء كالعطشان الذي يرى [السراب] فحسبه أنه ماء، فإذا هو سراب.

والثاني: ضرب مثل أعمالهم بالسراب الذي ذكر، وذلك أنهم قد عبدوا الأصنام والأوثان رجاء أن ينتفعوا بشفاعتهم في الآخرة؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وكانت عبادتهم لما ذكروا من شفاعتهم عند الله ثم لم ينتفعوا فصاروا كالعطشان الذي يرى السراب يحسب أنه ماء؛ فإذا جاءه وجده سراباً؛ لم يجده ماء كما حسبه، إلى هذا تمام المثل.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ أي: وجد الله يوفيه حساب عمله وجزاءه.

أو يقول: قدم على عمله يوم القيامة لم يجد عمله الذي عمل في الدنيا شيئاً إلا كما وجد هذا العطشان هذا السراب، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، يقول: قدم على الله فوفاه حسابه؛ أي: عمله.

وقال بعضهم: هذا المثل ضرب للكفار؛ وذلك أنهم يبعثون يوم القيامة وقد تقطعت أعناقهم من العطش، فيرفع لهم سراب بقيعة من الأرض؛ فإذا نظروا إليه حسبوه ماء؛ فأتوه ليشربوا منه فلم يجدوا شيئاً، ويؤخذون ثمة فيحاسبون، وكذلك أعمالهم تضمحل يوم القيامة فلا يصيبون منها خيراً.

وقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ .

هذا مثل آخر ضربه الله لأحوال الكافر؛ أو ﴿ كَظُلُمَاتٍ ﴾ جسده، شبهه بظلمات؛ وذلك أن البحر إذا كان عميقاً كان أشدّ لظلمته؛ فقال: والبحر اللجي: قلب الكافر، ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ : فوق الماء ﴿ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ﴾ : فهو ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، هذه ظلمات ﴿ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ ، فكذا الكافر قلبه مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، لا يبصر الإيمان كما أن صاحب البحر [إذا] أخرج يده في تلك الظلمة لم يكد يراها؛ أي: لم يرها ألبتة.

أو أن يكون ضرب المثل بظلمات ثلاث بظلمات أحوال لا يزال يزداد ظلمة كفره في كل وقت وفي كل حال بعمله الذي يعمله؛ كالظلمات التي ذكرها؛ فكان كضرب المثل الذي سبق لأنوار أحوال المؤمن؛ حيث قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ والنور جسده وصدره وقلبه.

ثم قوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ : ليس هو حرف شك، ولكنه كأنه قال: إن ضربت مثل عمله بالسراب فمستقيم، وإن ضربته بالظلمات التي ذكرها فمستقيم، بأيهما ضربت فمستقيم صحيح، لا أنه ذا أو ذا.

ثم ذكر في أعمال الكفرة مثلين: أحدهما: السراب، والثاني: الظلمات.

فجائز أن يكون في المؤمن أيضاً مثلين: الظلمة التي ذكر مقابل النور الذي ذكر في المؤمن، والسراب الذي ذكر لأعمالهم مقابل ما ذكر من أعمال المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

قال بعضهم: من لم يجعل الله له إيماناً فما له من إيمان.

وقيل: هدى، فما له من هدى، وهما واحد.

والآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يجعل الله للمؤمن من النور إلا وقد جعله مثله للكافر، وفي الآية إخبار أنه لم يجعل للكافر النور؛ إذ لو كان جعل للكافر كما جعل للمؤمن لم يكن لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ - معنى؛ دل أنه لم يجعل للكافر النور.

وقوله: ﴿ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ يقول: فجازاه بعمله فلم يظلمه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

قال القتبي: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما رأيته في أوّل النهار وآخره؛ الذي يرفع كل شيء، والقيعة: القاع.

وقال أبو عوسجة: السراب الذي يثيره الحرّ فتراه كأنه ماء يجري وهو الذي يكون نصف النهار إلى السماء، والآل في أوّل النهار إلى قريب من نصف النهار، والقيعة: القاع؛ وهي الأرض اليابسة الطيبة التي يستنقع فيها الماء، وقاع واحد، وقيعان جمع، والظمآن: العطشان، وقوم ظِمَاء، وامرأة ظمأى، ونسوة ظماء، وأظمأته: أعطشته، وظمأته أيضاً.

﴿ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ اللجي: الكثير الماء، واللجة: وسط البحر ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ ؛ أي: يصير فوقه، قال: الموج طرائق في الماء تكون إذا هبت الريح.

وقال الكسائي: الظمآن والصديان والعطشان واحد، قيل: والسراب: الزوال، والآل: بعد الزوال؛ وهو أرفع من السراب، والرواق بعد العصر.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ : يقول: لم يقاربه البصر؛ كقوله: الرجل لم يصب ولم يقارب.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلطَّيْرُ صَـٰٓفَّـٰتٍۢ ۖ كُلٌّۭ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسْبِيحَهُۥ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِمَا يَفْعَلُونَ ٤١ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ٤٢ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَابًۭا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُۥ ثُمَّ يَجْعَلُهُۥ رُكَامًۭا فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَـٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍۢ فِيهَا مِنۢ بَرَدٍۢ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِۦ يَذْهَبُ بِٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٣ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةًۭ لِّأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ ٤٤ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍۢ مِّن مَّآءٍۢ ۖ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِۦ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَىٰٓ أَرْبَعٍۢ ۚ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ ٤٥

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، و ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ ، ونحوه في الظاهر حرف تعجيب واستفهام، يقول الرجل لآخر: ألم تر كذا، وألم تعلم كذا؛ على التعجيب أو على الاستفهام، لكنه يخرج من الله على وجهين: أحدهما: أي: قد رأيت وعلمت؛ إذ الاستفهام لا يجوز عنه.

والثاني: على الأمر؛ أي: اعلم ورِه؛ على ما ذكرنا في غير موضع.

وقوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

يحتمل تسبيح من ذكر وجهين: أحدهما: تسبيح خلقة وصنعة؛ إذ في خلقة كل أحد دلالة وحدانيته وتعاليه عن الأشباه وتنزيهه، والشهادة له بالربوبية، والتفرد بالألوهية له.

والثاني: يجعل الله -  - في هذه الخلائق من الطيور والدوابّ وغيرها معنى يسبحون له بذلك، يفهمون هم ذلك من أنفسهم، ويعرفون أنه تسبيح؛ وإن لم يفهم غيرهم من الخلائق، نحو ما ذكر من تسبيح الجبال والطير في قصة سليمان في قوله: ﴿ يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ  ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ  وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ  ﴾ .

ولو كان التسبيح ممن ذكر تسبيح خلقة لكان سليمان وغيره من الناس في ذلك شرعاً سواء؛ والعشي وغيره من الأوقات سواء، فدل تخصيص سليمان في ذلك، وتخصيص الأوقات من بين غيرهم على أن تسبيح هذه الأشياء ليس بتسبيح خلقة؛ ولكنه تسبيح عبادة بالمعنى الذي جعل له فيه، وإن لم يفهم غيره من الخلائق تسبيحهم؛ ألا ترى أن الله  أخبر عن قول النملة؛ حيث قال: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ...

﴾ الآية [النمل: 18]، ثم معلوم أنه لم يكن حقيقة قوله كقول المميز والممتحن، ولكنه معنى، فهموا منها ذلك، فعلى ذلك الأول؛ ألا ترى أنه أخبر عن نظر الجوارح وشهادتها عليه يومئذ؛ حيث قال: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [النور: 24] وقال: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20] فيفهم هؤلاء من شهادة الجوارح عليهم ما لم يفهمه غيرهم حتى أنكروا عليها؛ دل ذلك أنه ما ذكرنا.

وذلك جائز أن يكون لمعنى فيهم فهموه هم ولا يفهمه غيرهم؛ ألا ترى أنه الله جعل في سرّية الماء معنى يحيا به كل شيء إذا أصابه ووصل إليه، وذلك المعنى لا يعلمه إلا الله أو من أطلعه الله عليه وارتضاه لنفسه رسولا، فعلى ذلك تسبيح من في السماوات والأرض والطير وغيره، جعل في سرّيتهم معنى يعرفون هم من أنفسهم ذلك تسبيحاً له وتنزيهاً؛ وإن لم يفهمه غيرهم، والله أعلم؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴾ .

حرف "من" إنما يعبر به عن التمييز وحرف "ما" يعبر به [عن] المميز.

وقوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ .

قال بعضهم: كل من فيها قد علم صلاته وتسبيحه؛ من الملائكة وغيرهم؛ بلغته ولسانه غير كفار الإنس والجن.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ ما ذكرنا أن كلا منهم يعرف ويفهم أنه يسبح له، وإن لم يفهم غيره، كأنه يذكر سلطانه وملكه وغناه عن عبادة هؤلاء والتسبيح؛ لأن من سبح له كل شيء في السماوات والأرض، فترك عبادة هؤلاء له وعبادته بمحل واحد لا ينفع ولا يضر.

أو أن يقول: من له ملك السماوات والأرض لا يقع له الحاجة إلى عبادة أحد ولا طاعته، وإنما الحاجة والمنفعة في الطاعة والعبادة لهم دون الله؛ ولذلك قال: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ على أثر ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ جائز أن يكون هذا على الأول؛ أي: عليم بما يفعل من ذكر من التسبيح وغيره، أو أن يكون على ابتداء وعيد للخلق؛ أي: عليم بجميع ما يفعلون.

وقوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكر في غير موضع.

وقوله: ﴿ وَٱلطَّيْرُ صَآفَّاتٍ ﴾ أي: قد صفت أجنحتها في الطيران، وكذلك قال أبو عوسجة، أي: صفت أجنحتها في الهواء فلا تحركها.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ﴾ قيل: يسوق سحاباً ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: بعضه إلى بعض ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ قال: فيها تقديم وتأخير ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ﴾ أي: قطعاً يحمل بعضه على أثر بعض ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ أي: يضم السحاب بعضه إلى بعض بعد الركام.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يخرجه من الأرض فيسخره بين السماء والأرض ثم يجعله ركاماً.

وقوله: ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ وقيل: "خلله"؛ أي: من خلال السحاب ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قال بعضهم: جبال من ثلج ينزل الله على السحاب منها الثلج والبرد.

وقال بعضهم: جبال خلقها الله من برد في السماء ثم ينزل.

وليس في الآية بيان أن الجبال التي ذكر أنها من السماء أنها من ثلج أو برد، سوى أنه أخبر أن فيها برداً؛ فالأشياء تشبه بالجبال وتنسب إليها؛ إما للكثرة، وإما للشدة والغلظ والعظم ثانياً؛ كقوله: ﴿ وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً...

﴾ الآية [النمل: 88]؛ فجائز أن تكون الجبال المذكورة في هذه الآية هي الجبال التي أخبر أنه ينزلها، أو لا يدري أين هي: في السماء أو فيما بين السماء والأرض؟

وقوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ في نفسه أو زرعه أو ثمره فيضره، ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ فلا يصيبه، وإن كان على هذا فهو يخرج على التعذيب، وكذلك عمل البرد يفسد في مكان، ويترك مكاناً لا يعمه، ولكن يصيب مكاناً ويخطئ مكاناً.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ من بركته ﴿ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ﴾ من بركته، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ قيل: ضوء برقه، كاد أن يقارب أن يذهب ضوء البرق بالأبصار من شدة نوره، ﴿ يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ تقليبه الليل والنهار واختلافهما: يأتي بهذا ويذهب بالآخر.

يذكر هذا - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ يخبر عن سلطانه، وقدرته، وتدبيره، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وقدرته، ما ذكر من سوق السحاب بين السماء والأرض، وتسخيره، وضم بعضه إلى بعض - دل ذلك أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء، ودل نزول المطر وإصابته في مكان دون مكان، وتخطيه موضعاً دون موضع مع اتصال السحاب وانضمام بعض على بعض على السواء أنه على التدبير والعلم كان ذلك، لا بطباع السحاب، أو على جزاف.

ودل جريان الأمر واتساق التدبير فيما ذكرنا، وفي اختلاف الليل والنهار، وتقليبهما من حال إلى حال، من النقصان إلى الزيادة، ومن الزيادة إلى النقصان، واتصال منافع السماء بمنافع الأرض على بعد ما بينهما - أنّه تدبير واحد، لا عدد؛ إذ لو كان تدبير عدد، لمنع بعض بعضاً عما يريد من التدبير والنفع، دل ذلك كله على أنه واحد، عليم، قادر، مدبّر، لا يعجزه شيء؛ ولذلك قال: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ ﴾ ؛ لما ذكرنا فيه من وجوه الاستدلال والاعتبار.

قال القتبي وأبو عوسجة: ﴿ يُزْجِي ﴾ أي: يسوق ﴿ رُكَاماً ﴾ بعضه فوق بعض ﴿ فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ﴾ أي: المطر ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ و ﴿ خِلاَلِهِ ﴾ ، ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ ضوءه.

قال أبو عوسجة: والركام: الكثير المتراكم الذي بعضه فوق بعض؛ يقال: ارتكم الشيء، أي: صار بعضه على بعض، ويقال: ركمت المتاع أركمه ركماً: إذا جعلت بعضه فوق بعض، والودق: المطر؛ يقال: ودقت السماء تدق ودقاً: أي: مطرت ﴿ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي: من بينه، وواحد الخلال: خلل، ﴿ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا مقصور، وهو الضوء؛ يقال: السنا: النار، وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ هو - والله أعلم - صلة قوله: ﴿ وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية؛ ذكر السحاب وما فيه من التدبير والعلم والحكمة، وذكر - أيضاً - تقليبه الليل والنهار وما فيهما من التدبير والعلم والحكمة والقدرة؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ ﴾ يذكر قدرته وسلطانه وعلمه وتدبيره؛ أخبر أنه خلق الخلائق كلهم من هذا الماء، على اختلاف أجناسهم وجواهرهم من شيء واحد وأنهم لم يكونوا بالطباع كذلك، ولكن بتدبير واحد عالم بذاته، لا بعلم وتدبير مستفاد، ولكن علم ذاتي؛ إذ لو كانوا بالطباع لخرجوا على تقدير واحد وصفة واحدة.

والثاني: أنه لا أحد من حكماء البشر يدرك كيفية إنشاء هذا العالم، وخلق هذه الخلائق من هذه المياه فإنه خلق ذلك، وليس في تلك المياه معنى ولا شيء من جوهر الخلائق دل إنشاؤه إياهم أنه قادر بذاته، لا يعجزه شيء يخلق بسبب وبغير سبب، وأنه خلق الخلائق بحكمة ذاتية؛ إذ لم يدرك ذلك حكماء البشر.

ودل خلق هذه الخلائق على هذه المعاني والأسباب أنه لم يخلقهم عبثاً ليتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم؛ فإذا ثبت الأمر والنهي ثبت الإحياء من بعد الممات للجزاء.

ودلت قدرته على خلق هذه الخلائق من الماء أنه قادر على الإحياء، وأنه لا يعجزه شيء؛ لأن من قدر على هذا لقادر على ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ ﴾ يذكر هذا - والله أعلم - لأحد وجهين: إما تذكيراً إياه نعمه ومننه وفضله الذي أعطاهم وإحسانه الذي أحسن إليهم؛ لأنه أخبر أنه خلق هذا العالم معتدلا سويّاً من غير أن كان منهم اختيار لذلك.

أو يستوجبون ذلك قبله، وخلق غيرهم من الدواب منكبين على وجوههم وماشين على بطونهم، وذلك فضل منه ونعمة.

أو ذكر مثالا بحال الكفرة في الآخرة؛ كقوله: ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ...

﴾ الآية [الملك: 22]؛ أخبر أن الكفرة يكونون منكبين على وجوههم، وأهل الإسلام يمشون منتصبين مستوين ﴿ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ﴾ بسبب وبغير سبب ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ؛ لأنه قادر بذاته، لا بقدرة مستفادة بالطباع.

<div class="verse-tafsir"

لَّقَدْ أَنزَلْنَآ ءَايَـٰتٍۢ مُّبَيِّنَـٰتٍۢ ۚ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ٤٦ وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ٤٧ وَإِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ٤٨ وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوٓا۟ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ٤٩ أَفِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوٓا۟ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُۥ ۚ بَلْ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٥٠ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ٥١ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ٥٢ ۞ وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا۟ ۖ طَاعَةٌۭ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ ٥٣ قُلْ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا۟ ۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ٥٤

قوله: ﴿ لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ...

﴾ الآية؛ قد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ ﴾ اختلف فيه: قال بعض أهل التأويل - ابن عباس وغيره -: إنه وقعت بين علي بن أبي طالب وبين عثمان -  - خصومة في أرض اشتراها عثمان من علي، فاختصما إلى رسول الله  في تلك، فقضى لعلي على عثمان، وألزمه الأرض، فقال قوم لعثمان: إنه ابن عمه وأكرم عليه فقضى عليك له، أو نحو هذا من الكلام، فنزل في قوم عثمان ذلك ...

إلى آخر ما ذكر.

لكن هذا بعيد؛ إذ لا يحتمل أن يكون عثمان أو قومه يخطر ببالهم في رسول الله ما ذكر.

وقال بعضهم: نزل هذا في بشر المنافق، وذلك أن رجلا من اليهود كان بينه وبين بشر خصومة، وأن اليهودي دعا بشراً إلى رسول الله، ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف، فقال: إن محمداً يحيف علينا، أو نحوه من الكلام؛ فنزل هذا؛ لكنا لا نعلم أنه فيمن نزل سوى أن فيه بياناً أنها إنما نزلت في المنافقين.

وفي ظاهر الآية دلالة أنهم علموا أن رسول الله لا يقضي إلا بالحق؛ ألا ترى أنه ذكر في آخره: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ مسرعين مطيعين، ولو كان عندهم أنه يقضي بالجور لكانوا لا يأتونه للقضاء، وإن كان الحق لهم مخافة الجور والظلم عليهم، لكن ما ذكر في سياق هذا يمنع هذا التأويل.

وقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ في هذا من الدلالة أن عندهم أنه لا يقضي بالحق لهم، وأنه يجور؛ حيث قال: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ إن كان على هذا الوصف فهو يخاف جوره وحيفه، إلا أن تجعل الآية في فرق من المنافقين: فرقة منهم عرفوا أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم كان في قلوبهم مرض، وفرقة ارتابوا، وفرقة خافوا جوره، وهم كانوا فرقاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ  ﴾ ومنهم من قال: كذا، ومنهم من قال: كذا.

أو أن يكون تأويل قوله: ﴿ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: وإن يكن لهم القضاء بالحق أتوه مذعنين؛ أي: إذا عرفوا أنه يقضي لهم لا محالة أتوه، وإلا لا يأتونه، فإن كان على هذا، فما ذكر على سياقه من المرض والارتياب والخوف في الحيف فمستقيم.

على هذين الوجهين يحتمل أن يخرج تأويل الآية، وأما على غير ذلك فإنا لا نعلم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ؛ لأن من ارتاب، أو شك في رسالته، أو خاف جوره وحيفه فهو كافر، ليس بمؤمن.

وفي قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ ﴾ يخرج على وجهين وإن كان ظاهره حرف شك: أحدهما: على الإيجاب والتحقيق، أي: في قلوبهم مرض وارتابوا وخافوا على ما ذكرنا في حرف الاستفهام أنه في الظاهر، وإن كان استفهاماً فهو في التحقيق علم وإيجاب؛ أي: قد علمت ورأيت ونحوه؛ لما لا يجوز الاستفهام منه، فعلى ذلك هذا.

والثاني: ما ذكرنا أنه في فرق: فرقة عرفت أنه لا يقضي إلا بالحق، وفرقة منهم ارتابت، وفرقة منهم خافت جوره وظلمه.

قال القتبي: قوله: ﴿ مُذْعِنِينَ ﴾ أي: خاضعين.

وقال أبو عوسجة: مسرعين، مطيعين؛ يقال: ناقة مذعان: أي سريعة، ونوق مذاعين، والحيف: الجور، حاف يحيف حيفاً فهو حائف.

وقوله: ﴿ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ﴾ قوله: ﴿ دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ يحتمل إضافة الدعاء إلى الله وجهين: أحدهما: دعوا إلى كتاب الله وإلى رسوله: ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ ، كقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً  ﴾ .

والثاني: إضافته إلى الله هي إضافة إلى رسوله، كقوله: ﴿ مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ  ﴾ جعل طاعة الرسول طاعة لله؛ فعلى ذلك جائز أن يراد بإضافة الدعاء إلى الله دعاء إلى رسول الله، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ ﴾ لا يحتمل أن يكونوا يخافون حيف الله وجوره، لكن إنما يخافون جور رسوله أو كتابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ قد ذكرنا إضافة الدعاء إلى الله في قصّة المنافقين ونعتهم، فعلى ذلك في نعت المؤمنين.

وقوله: ﴿ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ يحتمل قوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ أي: سمعنا الدعاء وأطعنا الأمر.

ويحتمل: سمعنا: أجبنا وأطعنا الأمر.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ ليس على حقيقة القول منهم والنطق به، ولكن إخبار من الله -  - عما هم عليه واعتقدوا به؛ إذ كل مؤمن يعتقد في أصل اعتقاده طاعة الله وطاعة رسوله، فيكون كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ هذا أخبار عما أطعموهم، ليس أنهم قالوا باللسان: إنما نطعمكم لكذا، ولكن إخبار عما في قلوبهم، فعلى ذلك الأوّل.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ المفلح هو الذي يظفر بحاجته دنيوية وأخروية؛ يقال: فلان أفلح: أي: ظفر بحاجته، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَيَخْشَ ٱللَّهَ ﴾ أي: يخشى الله على ما مضى من ذنوبه ويتقيه فيما بقي من عمره.

أو يخشى الله على ما يكون منه من التقصير والتفريط ويتقي ذلك وكل معصية الله ومخالفته ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون ﴾ وفي حرف ابن مسعود وأبيّ وحفصة (فأولئك هم المؤمنون) فهما واحد.

وقوله: ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ﴾ قال بعضهم: كل يمين بالله فهي جهد اليمين؛ لأنهم من عاداتهم أنهم كانوا لا يحلفون بالله إلا في العظيم من الأمر والخطير، فأمّا الأمر الدون فإنما يحلفون بغيره، فيكون على هذا كل يمين بالله فهو جهد اليمين.

ويحتمل أن يكونوا حلفوا بيمين غليظة شديدة على ما يغلظ الناس في أيمانهم ربّما، فسمي ذلك جهد اليمين.

أو أن يكون جهد اليمين ما ذكر على أثره، وهو قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ هو جهد أيمانهم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ ﴾ يحتمل وجوهاً: لئن أمرتهم ليخرجن من أرضهم التي تخاصموا إليه فيها؛ أي: ليخرجن ويسلمونها إلى خصمهم.

ويحتمل: لئن أمرتهم ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من جميع أملاكهم وما تحويه أيديهم، تعظيماً لأمرك وإجلالا، فكيف لا يتبعون لقضائك وينقادون لحكمك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ من المدينة بعيالاتهم وجميع حواشيهم إلى بلدة أخرى.

وقال بعضهم: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ﴾ أي: أمرتهم أن يخرجوا في الجهاد ليخرجن؛ لأنهم كانوا يتخلّفون.

ثم أمر رسوله أن ينهاهم عن القسم الذي أقسموا فقال: ﴿ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: لا تقسموا؛ فإن الله لو بلغ منكم الجهد لهم تبلغوه، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: أطيعوه وقولوا له المعروف.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ ﴾ تم الكلام، ثم قال: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ .

وفي هذا الكلام حذف؛ للإيجاز يستدل بظاهره عليه؛ كأن القوم كانوا ينافقون ويحلفون في الظاهر على ما يضمرون خلافه، فقيل لهم: لا تقسموا هي طاعة معروفة صحيحة لا نفاق فيها، لا طاعة فيها نفاق.

وقال بعضهم: لا تحلفوا، ولتكن هذه منكم للنبيّ طاعة معروفة حسنة.

وقال بعضهم: ﴿ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ﴾ يقول: طاعة يعرف أنها طاعة بالقول والعمل، لا تكونوا كاذبين فيها بالقول دون العمل، وبعضه قريب من بعض: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلا تقسموا.

وفيه دلالة إثبات رسالته؛ لأنهم كانوا يسرون ويضمرون فيما بينهم التولي والإعراض عن حكمه، ثم أخبرهم بذلك؛ فعلموا أنه بالله عرف ذلك.

وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ أي: فإن تولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ ﴾ قال: فإنما على النبي ما أمر بتبليغ الرسالة وعليكم ما حملتم وأمرتم من الطاعة لله ورسوله.

ويحتمل: فأنما عليه أداء ما حمل من الفرائض، وعليكم أداء ما حملتم وأمرتم من الفرائض.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ ﴾ أي: لا يسأل هو، ولا يؤاخذ بما عليكم، ولا تسألون أنتم ولا تؤاخذون - أيضاً - بما عليه؛ إنما يسأل كل عما عليه؛ كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ ﴾ لا شك أنهم إن أطاعوه اهتدوا ﴿ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ ظاهر.

<div class="verse-tafsir"

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِى ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًۭا ۚ يَعْبُدُونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِى شَيْـًۭٔا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ ٥٥ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٥٦ لَا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ٥٧

قوله: ﴿ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قال بعضهم: مكث رسول الله بمكة سنين من بعد ما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه يدعون الناس إلى الله -  - سرّاً وعلانية، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة فكانوا بها خائفين، يصبحون في السلاح، ويمسون في السلاح، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله، أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع فيه السلاح، فقال رسول الله: "لن تلبثوا إلا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس معهم حديدة"، فأنزل الله هذه الآية على أثر ما ذكر.

وقال بعضهم: لما صدّ المشركون رسول الله وأصحابه يوم الحديبية وعد الله المسلمين أن يظهرهم وأن يفتح لهم مكة، وقال: وتصديق ذلك ما ذكر في سورة الفتح، وهو قوله: ﴿ هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ...

﴾ الآية [الفتح: 25]، حتى قال في آخر ذلك: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 33]؛ وعد رسوله في القرآن أنه يستخلفهم في الأرض وينزل فيها كما استخلف الذين من قبلهم فجعلهم خلفاء في الأرض.

وقال قائلون: كان وعده إياهم في التوراة والإنجيل والزبور أنه يجعلهم خلفاء في الأرض كما فعل بالذين من قبلهم، ولكن كيفما كان ذلك الوعد لهم في القرآن أو في الكتب المتقدمة ففيه أمران اثنان: أحدهما: البشارة للمسلمين، والحجة على الكافرين؛ لأنه وعد لهم الأمن في النصر في وقت لا يرجون ولا يطمعون [في] النجاة فضلا أن يطمعوا [في] الاستخلاف، والتمكن في الأرض، وإظهار الدين الذي ارتضى لهم وهو الإسلام على الأديان كلها، فإذا كان مثل ذلك الوعد والبشارة لا يطمع ولا يرجى في مثل ذلك الوقت والخوف - علم أنه إنما بشرهم بذلك بوحي من الله، ووعد منه، فكان ما وعد دل أنه بالله وعد ذلك وبشر، فذلك حجة على أولئك، وبشارة للمؤمنين، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس بشرط فيه؛ لأنه لو كفر قبل ذلك - أيضاً - فهو فاسق.

ثم من الناس من قال: ومن كفر بعد هذه النعم التي أنعمها عليهم ولم يشكره عليها فهو كذا.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ ﴾ ليس له جواب.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ هو ظاهر، قد ذكرنا هذا فيما تقدم في غير موضع.

ثم قال: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ مُعْجِزِينَ ﴾ أي: فائتين في الأرض هرباً من عذابه؛ فلا يدركهم.

وقال بعضهم: سابقين في الأرض هرباً - أيضاً - حتى لا يجزون بكفرهم، وهو واحد ﴿ وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ وَلَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ قد ذكرناه أيضاً.

وقوله: ﴿ لاَ تَحْسَبَنَّ ﴾ كان رسول الله  يعلم أنهم ليسوا بفائتين ولا بسابقين عنه، لكنه ذكر له هذا كما ذكر في قوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ  ﴾ هما واحد.

وفي حرف ابن مسعود وأبي وحفصة: (حسب الذين كفروا أن يعجزوا الله في السماوات والأرض) إنه وإن اختلفت الحروف فالمعنى واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٨ وَإِذَا بَلَغَ ٱلْأَطْفَـٰلُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَـْٔذِنُوا۟ كَمَا ٱسْتَـْٔذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٩ وَٱلْقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّـٰتِى لَا يَرْجُونَ نِكَاحًۭا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـٰتٍۭ بِزِينَةٍۢ ۖ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌۭ لَّهُنَّ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٦٠

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ قال بعضهم: ذكر أن رجلا وامرأته تسمى أسماء بنت مرثد اتخذا طعاماً للنبي، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا يا رسول الله أن يدخل على الرجل وامرأته بغير إذن وهما في ثوب واحد غلامها المملوك، فأنزل الله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: نزل هذا في شأن عمر بن الخطاب، وهو ما قال: "وافقت ربّي في ثلاث"؛ ذكر أن رسول الله  بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق إليه ليدعوه، فوجده قائلا قد أغلق عليه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنه في هذا البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر وسلم، فلم يستيقظ عمر، فرجع الغلام ورد الباب، فقام من خلفه وحركه، فلم يستيقظ، فقال الغلام: اللهم أيقظه لي، قال: ودفع الباب، ثم ناداه ودخل فاستيقظ عمر فجلس، فانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه، فقال عمر: وددت - والله - أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذنه، ثم انطلق معه إلى رسول الله  فوجده قد نزل عليه هذه الآية وأمر بالاستئذان على دخولهم في هذه الساعات.

لكن لا حاجة لنا إلى أن نتعرف أنها نزلت في شأن فلان أو فلان، أو في أمر فلان وسببه، سوى أن نتعرف المودع فيها وما ذكر من أنواع الآداب والأحكام.

ثم خاطب بالاستئذان المستأذن عليه لا المستأذن والسادات والآباء ومن يعول الصغار حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وذلك الخطاب - والله أعلم - يخرج مخرج الأمر للآباء والسادات بتعليم صبيانهم أمور الدين والقيام بما يحتاجون إليه، والتأديب على ذلك إن أبت أنفسهم، وكذلك ما روي عن رسول الله  حيث قال: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع" خاطب به الآباء والأولياء أن يأمروهم بأمور الدين أمر عادة، والتعليم لهم والتأديب إن امتنعوا عن ذلك، ولم يخاطبهم في أنفسهم لجهلهم وقلة معرفتهم بأمرهم، وإذا بلغوا وعرفوا النهي والأمر، فعند ذلك خاطبهم بأنفسهم بالاستئذان؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ خاطبهم إذا بلغوا، وأمرهم بالاستئذان في أنفسهم، وما داموا صغاراً خاطب به الآباء والأولياء لما لا يجري عليهم القلم، وليس الخطاب والأمر والنهي إلا لجرية القلم عليهم، وترك الأمر والخطاب لرفع القلم عنهم.

وأمّا أمر الآباء لهم بذلك فيخرج مخرج الشفقة لهم عليهم والقيام لبعض مصالحهم، وذلك جائز.

ثم اختلف فيما ملكت أيماننا: قال جماعة: هن النساء دون الرجال، وأما الرجال فإنهم يستأذنون في جميع الأوقات.

وقال بعضهم: هم النساء والرجال جميعاً، والنهي عن الدخول في هذه الأوقات الثلاث؛ إذ هي أوقات غرة وساعات غفلة للذكور والإناث جميعاً.

ومنهم من يقول: هم الكبار فإنهم دون الصغار.

والأشبه أن يكون في الصغار منهم؛ لأن الكبار منهم والأحرار سواء في حظر النظر إلى العورة وإباحته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وهم الأحرار والصغار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ الصغار منهم؛ أمر السادات بتعليمهم ما ذكرنا من الأمور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ أي: لم يحتلموا، ويحتمل الذين لم يبلغوا الحلم أو لم يبلغوا مبلغ الحلم بعد ما جعلهم في مراتب ثلاث؛ أعني: الصغار في حال لا يؤمرون ولا ينهون، وهي الحال التي لا يميزون بين العورة وبين غير العورة، وهو ما قال: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ أي: لا يعرفون العورة من غير العورة، وحال يعرفون ذلك إلا أنه لا يقع لهم الحاجة إليها فيؤمرون بالستر عنهم، وحال يقع الحاجة إليها وقضاء الوطر، فيؤمرون بالحجاب والتفريق في المضاجع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ثلاث أوقات عورات لكم وساعاتها.

ويحتمل: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ أي: ثلاث حالات تظهر فيها العورة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ  ﴾ أي: ليس مما يمنع السرق عن السرقة فيها.

وفيه أن العمل بالاجتهاد في الأغلب والأكبر من الرأي والأمر ليس على الحقيقة جائز؛ لأنه قد سمّى بثلاث عورات من الأمر، ونهى عن الدخول بلا استئذان، وإن كان يجوز أن تكون العورة مستورة، والمباح في غيرها من الأوقات الدخول بلا استئذان، ويجوز أن يكون هناك كشف العورة؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد ثلاث ساعات ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ لكنه أباح وحظر بالأغلب والأكبر، لا على الحقيقة، وهكذا العمل بالاجتهاد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: يخدمونكم بعد هذه الثلاث ساعات يدخلون عليكم بغير إذن بعضكم على بعض بالخدمة؛ فلا إذن عليهم؛ لما ذكرنا أن الأغلب أن تكون العورات مستورة في غير هذه الثلاث ساعات، وفي الثلاث لا.

قال القتبي: ﴿ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ : العبيد والإماء ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يريد هذه الأوقات؛ لأنها أوقات التجرد وظهور العورة.

أما قبل صلاة الفجر فللخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار.

وأما عند الظهيرة فلوضع الثياب للقيلولة.

وأما بعد صلاة العشاء فلوضع الثياب للنوم.

﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد هذه الأوقات.

ثم قال: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يريد: أنهم خدمكم؛ فلا بأس بأن يدخلوا؛ قال الله -  -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ  ﴾ أي: يطوف عليهم في الخدمة.

وقال أبو عوسجة: الظهيرة: نصف النهار، وظهائر: جمع، وأظهرت، أي: دخلت في الظهيرة.

وقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ فقد ذكرنا أنه خاطب به الأولياء في تعليم الآداب وأمور الدين الصغار، ولم يخاطبهم هو؛ حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ وإذا بلغوا خاطبهم بأنفسهم؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ﴾ وجهين: يحتمل: إذا احتلموا.

ويحتمل: إذا بلغوا وقت الحلم؛ فالأوّل على حقيقة الاحتلام، والثاني على قرب بلوغ الاحتلام؛ فكأن الأوّل أشبه؛ لأنه خاطبهم في أنفسهم، وأمرهم بالاستئذان، فلو لم يكونوا بالغين لم يخاطبهم، ولكن خاطب به الأولياء، كما خاطبهم في الآية الأولى.

وفيه دلالة أن الحدّ في بلوغ الصغير الاحتلام، وعلى ذلك اتفاق القول منهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يقول: والله أعلم -: ما أمر به قبل هذه الآية البالغين ألا يدخلوا بيتاً حتى يستأذنوا على أهله.

أو أن يكون قوله: ﴿ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني: الكبار، أي: يكون الاستئذان في الكبار معروفاً ظاهراً، وفي الصغار لا، فأمر إذا بلغوا أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار منهم.

وروي عن النبي  ما يوافق ظاهر الآية، وهو رفع القلم عن ثلاث: أحدهم: الصبي حتى يحتلم، وأما إذا بلغ خمس عشرة سنة فمما اختلف أصحابنا فيه: رآه أبو يوسف ومحمد بالغاً؛ لحديث ابن عمر أن النبي  أجازه في القتال وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجز له وهو ابن أربع عشرة سنة، لكن ليس فيه أنه أجازه لبلوغه، ولم يجزه لأنه لم يبلغ؛ جائز إجازته في العام الثاني لقوته وطاقته على القتال، ولم يجزه في العام الأول لضعفه ووهنه وعجزه عن القتال.

واحتج بعض مشايخنا - رحمهم الله - لقول أبي حنيفة في تحديده بثماني عشرة سنة لبلوغ الغلام إذا لم يحتلم، قال: لأن الوسط من احتلام الغلمان أن يبلغوا خمس عشرة سنة، وربما احتلموا قبل ذلك، وربما تأخر احتلامهم عنه، ووجد المعروف فيمن نقصت سنه عن اثنتي عشرة ألا يحتلم، فإذا بلغها فربما احتلم، فجعل حدّ الزيادة على الخمس عشرة سنة التي هي وسط بين المختلفين - ثلاث سنين، كما كان مقدار النقصان عنها ثلاث سنين، وهذا القول من قوله استحسان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أعلامه؛ أي: يبين لكم الأعلام التي تحتاجون إليها وتعرفون ما يسع لكم مما لا يسع وما يؤتى مما يتقى.

وقال بعضهم: آياته - هاهنا -: أمره ونهيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ قال أهل التأويل: قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ لا يريدون نكاحاً، لكن الأشبه أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ أي: لا يطمعن أن يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وإلا كن يردن النكاح، وإن كبرن وعجزن.

وقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: ثيابهن: الرداء، وكذلك روي في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (أن يضعن من ثيابهن) وهو الرداء.

وقال بعضهم: هو الجلباب؛ يقال: الجلباب: هو القناع الذي يكون فوق الخمار؛ فلا بأس أن تضع ذلك عند أجنبي وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: من غير أن تكون وضعت الرداء أو الجلباب تريد بذلك إظهار الزينة والتبرج.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ أي: وألا يضعن ما ذكرنا من الثياب خير لهن من أن يضعن.

وقال بعضهم: الخمار.

لكنه لا يحتمل؛ لأنه معلوم أن المرأة وإن كبرت وعجزت لا تكشف عورتها لأحد.

ثم الزينة ربما تكشف للمحارم، ولا تكشف للغريب، وهو الرأس والصدر ونحوه، فإذا بلغت في السن مبلغاً لا تطمع أن يرغب في نكاحها لا تتزين، ومع ما لا تفعل لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، ولا إلى ساقها، وإنها وإن صلت ورأسها مكشوف فصلاتها فاسدة، وإذا كان كذلك فليس يجوز أن يجعل تأويل وضع الثياب الخمار؛ لما ذكرنا، ولكن الرداء والجلباب الذي يلبس إذا خرجن من منازلهن.

فإن قيل: إنما أطلق لها بهذه الآية أن تضع خمارها عن رأسها؛ إذا لم يرها أحد.

قيل: الشابة - أيضاً - يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا خلت في البيت؛ فلذلك يدل على أن العجوز أُذن لها أن تضع ثوبها وهو الجلباب أو الملاءة التي كانت تغطي بها وجهها إذا خرجت، وإذا كان المطلق لها هذا فالواجب على الشابة ألا تظهر وجهها إذا كانت تُشتهى ولا يهديها، فإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا  ﴾ وهو الزينة التي لا يمكن سترها بحال، وهو الكحل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: أي: غير مظهرات محاسنهن.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ ﴾ أي: غير متزينات بزينة، والمتبرجة: المتزينة؛ لإظهار الزينة، والزينة: هي الداعية المرغبة إلى النظر إليها وقضاء الشهوة، فكأنه أباح لها وضع الثياب إذا كانت غير متزينة، وإذا كانت متزينة فلا، وأباح لها - أيضاً - إذا لم يكن بها محاسن يرغب فيها، وإذا كان بها ذلك لم يبح.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ يحتمل وجهين: [أحدهما:] يحتمل: وإن يستعففن ولا يبدين محاسنهن خير لهن من أن يبدين.

والثاني: وإن يستعففن ولا يضعن ثيابهن حتى يكون ذلك علماً بين معرفة الحرة من الأمة خير لهن من الوضع؛ كقوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين كما تؤذى الإماء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ كأن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ هاهنا صلة قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ وإلا ليس في هذه الآية ما يوصل به.

أو أن يكون جواباً له.

قال القتبي: القواعد من النساء: هن العجزة، واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد؛ لقعودها من الحيض والولد، ومثلها لا ترجو النكاح، أي: تطمع فيه، ولا أراها سميت قاعداً بالقعود عما ذكر، إلا أنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: قاعد، بلا هاء؛ ليدل بحذف الهاء على أنه قعود كِبَر، كما قالوا: امرأة حامل بلا هاء؛ ليعرف على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة علي ظهرها، وقال: والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الثياب، ولا يكون هذا إلا في الهرمة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ كل واحد من الحرفين يكون معناه معنى الآخر؛ كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ إذا كن محصنات كن غير مسافحات، وإذا كن غير مسافحات كن محصنات؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ ، إذا كن لا يرجون النكاح كن غير متبرجات - والله أعلم - لأن التزين إنما يكون منهن طمعاً في النكاح والناس مع ما لا يرجون النكاح يتزين ويتبرجن، فقال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ غير مظهرات الزينة.

على هذين الوجهين جائز أن يخرج تأويل الآية.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ عن ذلك كله ﴿ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦١

قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ...

﴾ الآية.

اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الرجل الصحيح كان يتحرج من مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض؛ إشفاقاً عليهم ورحمة؛ يقول: إنه لا يبصر طيب الطعام، فلعله يأكل الخبيث وأنا آكل الطيب، ويقول: إن الأعرج لا يستوي جالساً إذا قعد فلا يقدر أن يتناول فيما أتناول أنا، وإن المريض لا يأكل مثل ما يأكل الصحيح.

وكان الرجل لا يأكل من بيت أبيه، ولا من بيت أمه إذا لم يكونا فيه، وكذلك ما ذكر ...

إلى آخره، حتى يكونوا فيه، وكذلك الصديق وهؤلاء، فأنزل الله هذه الآية في رخصة ذلك كله.

وقال بعضهم: إن هؤلاء الزمنى والعميان والعرجى والمرضى وأولي الحاجة منهم يستتبعهم رجال إلى بيوتهم ويستضيفونهم، فإن لم يجدوا لهم طعاماً أو شيئاً يأكلونه ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدَّد معهم، فكره ذلك المستتبعون التناول من غير بيوت أولئك بلا دعوة ولا إذن سبق منهم؛ فأنزل الله في ذلك إباحة لهم ورخصة، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه.

وقال [بعضهم]: إن الأعمى والأعرج والمريض وهؤلاء الذين كانت بهم زمانة كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء؛ مخافة أن يتقذذوا منهم ويستقذروا؛ يقول الأعرج: لا أؤاكل الناس؛ لأني آخذ من المجلس مكان رجلين وأضيق عليهم، وقال الأعمى: إنّي أفسد عليهم طعامهم، وكذلك المريض منهم يقول مثل ذلك؛ فأنزل الله الرخصة في ذلك ورفع عنهم الجناح في مؤاكلتهم، فيقول: إن الحق عليهم أن يرجوكم؛ لما بكم من الزمانة وأن يدعوا لكم بالرفع عنكم، لا التقذذ والاستقذار عنكم.

وقال بعضهم: إن الرجل الغني كان يدخل على الرجل الفقير والزمن فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح وأحرج أن آكل من طعامك وأنا غني وأنت فقير؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...

﴾ إلى آخر الآية.

وقال بعضهم: كان هذا في أهل الجهاد، وأن الرجل كان يخرج إلى الجهاد فيخلف آخر في منزله في حفظ ماله وأهله، والقيام بكفايتهم، فكان يحرج ولا يأكل من ماله شيئاً ولا من طعامه لما لم يسبق منه الإذن في ذلك؛ فأنزل الله في ذلك رخصة إباحة التناول من ذلك.

إلى هذا انتهت أقاويل أهل التأويل وتأويلهم.

والأشبه عندنا أن يكون تأويل الآية في غير ما ذهبوا هم إليه، وهو أن يكون قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أي: ليس على هؤلاء حرج أن يأكلوا من بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بيوت إخوانهم، أو بيوت أخواتهم، أو بيوت أعمامهم إلى قوله: ﴿ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ ﴾ ؛ لأنهم إنما يأكلون بالحق؛ لأن من كان به زمانة كان له التناول من أموال من ذكر من الآباء والأمهات والقرابات؛ إذ تفرض لهم النفقة في أموالهم؛ فيكون في ذلك دلالة وجوب النفقة لهم في أموالهم، ويكون ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ أي: لا بأس أن تأكلوا من بيوتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو من بيوت صديقكم؛ إذ ليس يباح للرجل التناول من مال نفسه ومن مال صديقه في حال عذر، ولا يباح في حال الصحة والسلامة؛ بل يباح في الأحوال كلها دل أن التأويل الذي ذكرنا أشبه، فيصرف تناول الزمنى في أموال القرابات بحق النفقة والحق، ومن ليس به زمانة في ماله ومال صديقه بحق الملك والصداقة؛ لأن الزمانة ترفع الصداقة من بينهم، وكذلك وجوب النفقة في مال الصديق يرفع الصداقة، ولا يرفع القرابة، ولا تزول صلتها.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ قال بعضهم: من بيوت أولادكم.

وقال بعضهم: من بيوت أزواجهم ونسائهم.

وقال بعضهم: من بيوت أنفسهم، وهو ما يجد الرجل في بيته من طعام فإنه لا بأس أن يأكله، وكذلك لا بأس للرجل أن يتناول من بيت زوجته؛ لأنه لم يذكر في الآية الولد وبيت الزوجة على الإشارة والتفسير، فيصرفون تأويل قوله: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ إلى هؤلاء.

وقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ﴾ أي: خزائنه؛ يحتمل: العبيد؛ لأن السيد يملك مال عبده.

ويحتمل: الوكيل والخازن أن يأكل من طعامه وأدمه بغير إذن السيد.

ويحتمل قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ﴾ السيد نفسه صاحب الخزانة ومالكها.

ثم ذكر الأكل من بيوت من ذكر على التأويل الذي ذكرنا، واستدللنا على إيجاب النفقة لهؤلاء الزمنى في أموال من ذكرنا من القربات يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر البيوت؛ لأنهم إذا كانوا زمنى يستوجبون السكنى - أيضاً - مع النفقة، فذكر البيوت لكونهم فيها وسكناهم معهم.

والثاني: ذكر الأكل من بيوتهم، لئلا يفهم من الأكل الأخذ منها؛ لأنه ذكر في آيات الأكل، والمراد المفهوم منه: الأخذ؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ مفهوم المراد من الأكل المذكور في هذه الآيات: الأخذ، لا الأكل نفسه، فذكر - هاهنا - الأكل من بيوتهم؛ لئلا يفهم منه الأخذ كما فهم من ذلك.

وعلى تأويل أهل التأويل يستقيم ظاهر ذكر البيوت؛ إذ لا يجعلون ذلك الأكل والتناول منه أكلا وتناولا بحق.

وقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ قال بعضهم: ذكر هذا لأن قوماً كانوا لا يأكلون وحدهم، ولا يرون ذلك حسناً في الخلق، ويتحرجون من ذلك حتى يكون معهم غير، فرخص الله -  - لهم ذلك ورفع عنهم الحرج، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ .

وعلى تأويل من يقول: إنهم استضافوا قوماً فلم يجدوا في بيتهم شيئاً يأكلون ذهبوا بهم إلى بيوت هؤلاء، فتحرج أولئك الأضياف [من] الأكل من بيوت من ذكر وأرباب البيوت ليسوا فيها فرخص لهم في ذلك.

وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع الأعمى ومن ذكر؛ إشفاقاً عليهم وترحماً؛ لما لا يبصرون طيب الطعام، ولا يأكلون ما يأكل الصحيح، فرفع عنهم ذلك الحرج، ورخص لهم في ذلك.

وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع هؤلاء تقذذاً واستقذاراً، يرغبهم في الأكل مع أولئك، وترك التقذذ من ذلك.

ويدل للتأويل الأول ما روي عن أصحاب رسول الله؛ روي عن محمد بن علي قال: كان أصحاب رسول الله  لا يرى أحدهم أنه أحق بالدنانير والدراهم من أخيه المسلم، قال: وقال النبي  : "ليأتين على الناس زمان يكون الدينار والدرهم أحبّ إلى الرجل من أخيه المسلم" وعن ابن عمر قال: لقد رأيتني وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".

وقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: يسلم بعضكم على بعض، فيصير المسلمين أجمع بعضهم لبعض كأنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ ونحو ذلك من الآيات، فصيّر بعضهم لبعض كأنفسهم؛ لأنهم كشيء واحد، يتألم بعضهم بألم بعض، ويحزن بعضهم بحزن بعض، ويسرّ بعضهم بسرور بعض، ونحوه؛ فهم جميعاً كشيء واحد، وأنفسهم جميعاً كنفس واحدة؛ لذلك جعل سلام بعضهم على بعض في حق السلام واحداً.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن بعضهم إذا سلم على بعض يرد عليه مثله؛ فيصير كأنه هو يسلم على نفسه، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي: لا يقتل أحد آخر فيقتل به؛ فيكون قاتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه لم يقتل به، وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ أنه إذا أكل مال غيره بغير رضاه ضمنه، فإذا ضمنه فكأنه أكل مال نفسه بالباطل.

ويحتمل أنه أراد به السلام على أنفسهم؛ أي: يسلم كل على نفسه إن لم يكن فيه أحد، وكذلك روي عن ابن عباس قال: أراد المساجد: إذا دخلتها فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعلى ذلك رويت الأخبار: "من دخل بيتاً أو مسجداً ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، والسلام على عباد الله الصالحين"؛ وعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بترك الإنفاق عليها وغيره، وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ وجائز أن يريد بالأنفس: أهلهم؛ أي: سلموا على أهليكم، وهو الأولى.

ثم اختلف في السلام: قال بعضهم: السلام: من السلامة؛ أي: عليك السلامة من جميع الآفات والنكبات.

وقال بعضهم: السلام هو اسم من أسماء الله؛ فتأويله: عليك اسم الله الذي لا يضرك معه شيء، ولا يلحقك به أذى، وفي الخبر: "باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء" وقوله: ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ التحية كأنها الكرامة، كأنه قال: كرامة من الله لكم.

وقوله: ﴿ مُبَٰرَكَةً ﴾ المبارك: هو الذي ينال به كل خير وبرّ.

أو أن تسمي مباركة؛ لما بها ينمو الشيء ويزكو وقوله: ﴿ طَيِّبَةً ﴾ أي: يستطيب بها كل أحد.

وقال بعضهم: طيبة: أي: حسنة، فتأويله: ما يستحسن به كل أحد.

وقال بعضهم قوله: ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ يقول: تحية من أمر الله لكم، مباركة بالأجر، طيبة بالمغفرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ﴾ أي: مثل الذين يبين الله ﴿ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: كي تعقلوا ما لكم وما عليكم، وما لله عليكم، وما لبعضكم على بعض.

وقوله ﴿ بُيُوتِكُمْ ﴾ : ما ذكرنا.

قال بعضهم: المساجد.

وقال بعضهم: البيوت المسكونة؛ كقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُوا۟ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمْرٍۢ جَامِعٍۢ لَّمْ يَذْهَبُوا۟ حَتَّىٰ يَسْتَـْٔذِنُوهُ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَـْٔذِنُونَكَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ فَإِذَا ٱسْتَـْٔذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٦٢ لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًۭا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ٦٤

قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ ، [و] قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ هذا - والله أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - والله أعلم - أن الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة [و] ما ذكر، ليس على جعله شرطاً للإيمان، ولكن ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا بالاستئذان منهم من رسول الله، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ولواذاً؛ حيث قال: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ ذكر أنهم لا يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال.

وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أولئك للخروج منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأولئك يستأذنونه للخروج لا للعذر؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  ﴾ ونحوه، وأمّا المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر.

أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون له عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول الله على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه أقاموا معه، والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - والله أعلم - جائز أن يخرج تأويل الآيات التي ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ ﴾ أي: مع رسول الله ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ اختلف فيه: قال: بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد.

وقال بعضهم: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، وأصله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أي: على أمر طاعة ﴿ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال في تلك: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقال هاهنا: ﴿ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الأمر بالاستغفار لهم يخرج مخرج الأمر بالتشفع لهم.

وقوله: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم بعضاً: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضاً إذا دعاه مرة، ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول الله في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال تكونون.

والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضاً يقول يا فلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول الله، ويا نبي الله؛ على ما أقررتم أنه مخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصاً تعظيماً له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ .

قال بعضهم: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول الله يذكر مثالبهم ومساوئهم وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض.

وقال بعضهم: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من عنده بغير استئذان.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ويخرجون.

وقوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يخالفون أمره، وحرف "عن" يكون صلة فيه.

وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ : فإن كان على هذا فكأنه قال: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ يحتمل: الفتنة: الكفر.

ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا؛ أو يصيبهم العذاب في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ليس هاهنا ما يستقيم أن يجعل قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة له، اللهم إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك.

أو صلة قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] أي: أن من له ما في السماوات والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة [له] إلى الولد أو الشريك.

أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشراً أو ملكاً، ليس لأحد القول في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك.

أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو أرسل إليكم رسولاً لا على جهل بذلك وغفلة.

أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ .

[وقوله:] ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى يوم الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم.

قال أبو عوسجة: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: انسرق من الناس، أو فارقهم، و [هم] لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ : يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى.

ويقال: لاذ بي، أي: استتر بي.

وقال القتبي: قوله: ﴿ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ويخرج، يقال: لاذ فلان، و اللواذ: مصدر.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل