الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ٤٤-٤٦
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً ﴾ يقول: أعطوا حظّاً من علم الكتاب، وهم علماؤهم، يشترون الضلالة بعلم الكتاب.
ويحتمل: يشترون الضلالة بالهدى، [وكذلك قيل في حرف حفصة على ما ذكر في غير هذه الآية: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ] وذلك أنهم كانوا آمنوا بمحمد قبل أن يبعث، فلما لم يبعث على هواهم، كفروا به؛ كقوله - -: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ .
ويحتمل: يشترون ضلالة غيرهم بالتحريف، والرشاء، ونحو ذلك؛ كقوله - -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ وقوله: ﴿ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا ﴾ .
﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ حرف التعجب عن أمر قد بلغه؛ فيخرج مخرج التذكير، أو لم يبلغه؛ فيخرج مخرج التعليم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ يحتمل وجهين: ﴿ وَيُرِيدُونَ ﴾ أي: يتمنون أن تضلوا السبيل؛ لتدوم لهم الرياسة والسياسة؛ إذ كانت لهم الرياسة على من كان على دينهم، ولم يكن لهم ذلك على من لم يكن على دينهم؛ فتمنوا أن يكونوا على دينهم؛ لتكون لهم الرياسة عليهم.
وقيل: ﴿ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ﴾ أي: يأمرونهم ويدعونهم إلى دينهم؛ لما ذكرنا من طلب المنافع، وإبقاء الرياسة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ .
كأنهم - والله أعلم - يطلبون موالاة المؤمنين، ويظهرون لهم الموافقة، فنهي الله - - المؤمنين عن موالاتهم؛ كقوله - -: ﴿ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ...
﴾ إلى قوله - وتعالى -: ﴿ هَآأَنْتُمْ أُوْلاۤءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ...
﴾ الآية فأخبر الله - - المؤمنين أنه أعلم بأعدائكم منكم.
ويحتمل أن يكون المؤمنون استنصروهم، واستعانوا بهم في أمر، فأخبر - عز وجل - أنهم أعداؤكم، وهو أعلم بهم منكم.
ثم قال: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً ﴾ .
أي: كفي به وليّاً ومعيناً، وكفي به ناصراً.
ويحتمل قوله: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً ﴾ مما أعطاكم من أعطاكم؛ أي: لا ولي أفضل من الله - - ولا ناصراً أفضل منه، منه البراهين والحجج، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود - -: ﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيراً * مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ على الاستئناف، والابتداء خبر، وفي حرف غيره: ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ - معناه والله أعلم: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا، لا ذكر للنصارى في ذلك.
وفي حرف ابن مسعود - - ذكر النصارى في الذين أوتوا نصيباً.
وفي حرف حفصة - ا -: "من الذين هادوا من يحرف الكلم عن مواضعه".
ثم تحريف الكلم يحتمل وجهين: يحتمل: تغيير المعاني وتبديل التأويل على جهالهم؛ كقوله - -: ﴿ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 78].
ويحتمل: تغيير اللفظ والكتابة نفسها؛ كقوله - وتعالى -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِنْدِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ .
قيل: سمعنا قولك، وعصينا أمرك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ .
قيل: اسمع قولنا غير مسمع، أي: غير مجيب.
وقيل: اسمع قولنا غير مسمع لا سمعت؛ على السب.
وقوله: ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ .
الإسرار به منهم أظهره الله - - عليهم؛ ليكون آية للرسالة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَرَٰعِنَا ﴾ .
قيل: يقولون لمحمد : راعنا سمعك.
وقيل: ﴿ وَرَٰعِنَا ﴾ : أرعنا حقوقنا؛ وهو من الرعاية.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ أي: تحريفاً، والتحريف ما ذكرنا؛ كقوله - - ﴿ يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [آل عمران: 78].
وقيل: في قوله - -: ﴿ وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي: اسمع يا محمد منا قولنا غير مسمع منك قولك، ولا مقبول ما تقول.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .
أي: لو قالوا: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك، وانظرنا فلا تعجل علينا ننظر.
وقيل في قوله: ﴿ وَٱنْظُرْنَا ﴾ : أفهمنا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ .
مما قالوا: سمعنا قولك وعصينا أمرك، لكان خيراً لهم في الدنيا والآخرة: أما في الدنيا: فدوام الرياسة التي خافوا فوتها لو أطاعوه واتبعوه؛ إذ قد [من] آمن منهم وأطاعوا نبيه فلم تذهب عنهم الرياسة والذكر في الدنيا؛ بل ازداد لهم شرفاً وذكراً في الحياة وبعد الممات، وأمّا في الآخرة فثواب دائم غير زائل أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ .
أي: أعدل وأصوب لما ذكرنا.
﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .
واللعن: هو الطرد، طردهم الله - عز وجل - من رحمته ودينه، لما علم منهم أنهم لا يؤمنون باختيارهم الكفر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ .
قيل: والقليل من أسلم؛ من نحو ابن سلام وأصحابه وغيرهم.
وقيل: قوله - -: ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ منهم، أو لا يؤمنون إلا بالقليل من الكتب والأنبياء، عليهم السلام؛ كقوله - -: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"