تفسير سورة النساء الآيات ٨٦-٨٧ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 4 النساء > الآيات ٨٦-٨٧

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ٨٦ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا ٨٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 7 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ .

ذكر التحية، ولم يذكر ما تلك التحية، واسم التحية يقع على أشياء: من نحو ما جعل الصلاة لتحية المسجد، والطواف تحية البيت، وغير ذلك مما يكثر عددها، لكن أهل التأويل أجمعوا على صرف هذه التحية إلى السلام دون غيرها من التحية التي ذكرنا؛ ألا ترى أنه قال - عز وجل -: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؟!

ولو كان غيرها أراد - لم يقل: ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ ؛ لأن غيرها من التحية لا يرد؛ إذ في الرد ترك القبول، ولم يؤمر بذلك؛ دل أنه أراد بالتحية: السلام، ويدل على ذلك آيات من كتاب الله -  -: قال الله - عز وجل -: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ فجعل تحية الملائكة للمؤمنين السلام؛ كقوله -  -: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ  ﴾ ، وجعل تحية أهل الجنة السلام؛ كقوله -  -: ﴿ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً  ﴾ ، وكقوله -  -: ﴿ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ  ﴾ ، وتحية الملائكة بعضهم على بعض: بالسلام؛ ألا ترى أنه قال [الله -  -:] ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [النور: 61]، فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد من قوله -  -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ ﴾ : السلام، وجعل الله - عز وجل - السلام علماً وشعاراً فيما بين المسلمين، وأماناً يؤمن بعضهم بعضاً من شره؛ ألا ترى أن أهل الريبة لا يسلِّمون ولا يردون السلام، وإن كانوا لا يعرفون تفسيره ولا معناه؟!

ولكن على الطبع جعل ذلك لهم.

والسلام: قيل: هم اسم من أسماء الله -  - فهو يحتمل وجوهاً: يحتمل: سلامٌ مسَلَّمٌ طاهر عن الأشباه والأشكال، وسلام عدل منزه عن العيوب كلها، والجور والظلم.

وقوله: "رحمت الله"، أي: برحمته ينجو مَنْ نجا، وسعد من سعد: "وبركاته": به ينال كل خير، وهو اسم كل خير؛ ألا ترى أنه جعل التحليل من الصلاة بالسلام بقوله: "السلام عليكم ورحمة الله"؛ على ما جعل تحريمها باسم الله؛ فعلى ذلك جعل الافتتاح بما به جعل الختم.

ثم اختلف في قوله - عز وجل -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : فقيل: حيوا بأحسن منها للمسلمين، أو ردوها على أهل الكتاب.

وعن أنس -  - قال: نهينا أن نزيد على أهل الكتاب على: عليك، وعليكم.

وعن ابن مسعود -  - قال: السلام: [اسم] من أسماء الله وصفاته في الأرض، فأفشوه بينكم؛ فإن الرجل إذا سلَّم كتبت له عشر حسنات، فإن [هم] ردوها عليه كتب لهم مثله.

وقيل: قوله -  -: ﴿ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ ﴾ بالزيادة، ﴿ أَوْ رُدُّوهَآ ﴾ : بمثلها.

وروي عن رسول الله  : "[أنه جاءه رجل] فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله]، فقال رسول الله  : عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم، [يا رسول الله] ورحمة الله، فقال [النبي  ]: عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، ثم جاءه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: عَلَيْكُم؛ فقيل له: إنك زدّت في الأول والثاني؟

فقال: إِنَّ الأَوَّلَ وَالثَّانِي قَدْ أَبْقَيَا لِي زِيَادَةً، وَهَذَا لَمْ يُبْقِ لِي زِيَادةً" وقيل: "إنه روي أنه سلَّم عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال النبي  : عَشْرٌ يعني: عشر حسنات، وسلم عليه آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله؛ فقال: عِشْرُونَ، وقال آخر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ فقال: ثَلاثُونَ" .

ومنتهى السلام قوله: "وبركاته"، لا يزاد عليه؛ كقوله: ﴿ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

فإن قيل: يسلم في الصلاة على رسول الله  : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ولا يقول في التحليل من الصلاة: وبركاته؟

قيل: لوجهين: أحدهما: تفضيلا لرسول الله  .

والثاني: إبقاء لهم في الرد زيادة.

ويسلم الراكب على الماشي، والماشي على القائم، [والقائم على القاعد]: روي عن رسول الله  قال: "يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَائِمِ، وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الكَثِيرِ" وروي عن أبي هريرة -  - أن النبي  قال: "إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى المَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسْ فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ قَامَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ فَلْيُسَلِّمْ؛ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الأُخْرَِى" وعن جابر -  - قال: قال رسول الله  "مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا فَلَيْسَ مِنَّا" ، وقال: "لاَ تُسَلِّمُوا تَسْلِيمَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تَسْلِّيمَ النَّصَارَى بِالأَكُفِّ، وَتَسْلِّيمَ الْيَهُودِ بِالإِشَارَةِ" ويكره أن يبتدئ أهل الكتاب بالتسليم، ولكن إذا بدءوا هم - يردّ؛ وعلى ذلك جاءت الآثار: روي عن أبي هريرة -  - قال: قال رسول الله  : "لاَ تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالتَّسْلِيمِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهَا" وعن أبي نضرة الغفاري -  - أن النبي  قال لهم يوماً: "إِنِّي رَاكِبٌ إِلَى يَهُودَ؛ فَإِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولوُا: وَعَلَيْكُمْ" ثم قيل في تفسير: "السلام عليكم" بوجوه: قال بعضهم: تأويله: الله شهيد عليكم.

وقيل: الله قائم عليكم، وهو كقوله الله -  -: ﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ  ﴾ برّاً وفاجراً، يرزقهم، ويحفظهم، ويستجيب لهم.

وقيل: هو الدعاء لهم بالمغفرة والسلامة، وهو ما ذكرنا بدءاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ﴾ .

قيل: شهيداً.

وقيل: حفيظاً.

وقيل: كافياً مقتدراً؛ يقال: أَحْسَبَني هذا، أي: كفاني.

وقال الكسائي: مشتقة من الحساب؛ كقوله -  -: ﴿ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً  ﴾ أي: حاسباً؛ كالأمير والآمر، والقدير والقادر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

هذا - والله أعلم - لما ألزم الله، وأجرى على ألسنتهم أنه الله، وأنه خالق السماوات والأرض، وأنه خالقهم؛ كقوله -  -: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ : أخبر أن الذي سميتموه "الله" وقلتم: إنه خالق السماوات والأرض - هو واحد، لا إله غيره، ولا رب سواه، هو واحد، لا شريك معه ولا نِد، وأن الأصنام التي تعبدونها دون الله قد تعلمون أنها لا تنفعكم إن عبدتموها، ولا تضركم إن تركتم عبادتها، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ قيل فيه بوجهين: قيل: "ليجمعنكم ليوم القيامة"؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ  ﴾ .

وقيل: ليجمعنكم في القبور إلى يوم القيامة ثم يبعثكم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً ﴾ .

معناه - والله أعلم -: أنكم تقبلون الحديث بعضكم من بعض، وإن حديثكم يكون صدقاً ويكون كذباً؛ فكيف لا تقبلون حديث الله وخبره في البعث وما أخبر في القرآن، وحديثه لا يحتمل الكذب؟!

هذا - والله أعلم - تأويله.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل