تفسير سورة الطور الآيات ٢٩-٤٣ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 52 الطور > الآيات ٢٩-٤٣

فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍۢ وَلَا مَجْنُونٍ ٢٩ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌۭ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ٣٠ قُلْ تَرَبَّصُوا۟ فَإِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ٣١ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَـٰمُهُم بِهَـٰذَآ ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌۭ طَاغُونَ ٣٢ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ ٣٣ فَلْيَأْتُوا۟ بِحَدِيثٍۢ مِّثْلِهِۦٓ إِن كَانُوا۟ صَـٰدِقِينَ ٣٤ أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ٣٥ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَۣيْطِرُونَ ٣٧ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌۭ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَـٰنٍۢ مُّبِينٍ ٣٨ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَـٰتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ ٣٩ أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ أَجْرًۭا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍۢ مُّثْقَلُونَ ٤٠ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ٤١ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًۭا ۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ٤٢ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ٤٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله: ﴿ فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ ﴾ .

أي: بما أنعم عليك من النبوة والقرآن لست بكاهن ولا مجنون.

ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أي: إنك لم تقابل نعمة ربك [بذلك،] عوفيت وعصمت عما ذكروا من الجنون، والسحر وغير ذلك، والله أعلم.

دلت هذه الآية على أنهم قالوا له: إنه كاهن، ومجنون، وكذا كانت عادة أولئك أنهم ينسبون الحجج عند عجزهم عن مقابلتها إلى السحر، والأنباء المتقدمة إلى الكهانة، وخلاف الرسل - عليهم السلام - لقادتهم وفراعنتهم إلى الجنون، والكلام المستملح والنظم الجيد إلى الشعر؛ تلبيسا للأمر على أتباعهم، هذه كانت عادتهم، مع العلم منهم أن رسول الله  ليس كذلك، ولا اختلف إلى أحد من الكهان ولا السحرة ولا كان القرآن على نظم الشعر؛ إذ عجزوا عن إتيان مثله، وهم عن الشعر غير عاجزين، لم لم عجزوا عن مقابلة ما آتاهم من الحجج قالوا: ﴿ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ ﴾ ، أي: عن قريب يرجعون إلى ديننا، وإلى ما نحن فيه، وكانوا يقولون للضعفاء أصحاب رسول الله  : إن محمداً يموت ويصير الأمر لنا؛ فترجعون إلينا؛ فقال  : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ ، أي: تربصوا ذلك؛ فإني متربص ذلك بكم؛ فكانوا جميعاً أو عامتهم - أعني: الذين قالوا لرسول الله  : إنه شاعر نتربص به ريب المنون - أهلكوا قبل وفاة رسول الله  - فحل بهم ما ظنوا برسول الله  ، والله أعلم.

قال القتبي: ريب المنون: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، والمنون: الدهر.

وقال أبو عوسجة: ريب المنون، أي: المنية، وريبها: ما تأتي به.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاَمُهُمْ بِهَـٰذَآ ﴾ قد ذكرنا في غير موضع معنى حرف "أم" أي: ليست لهم عقول تأمرهم بذلك، أي: من يأمر بهذا فليس بعاقل.

والثاني: على تسفيه أحلامهم، أي: أي عقل يأمر بعبادة الأصنام، وينهى عن عبادة الله  ؟!

أي: لا عقل يأمر به.

وقوله: ﴿ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾ .

أي: طاغون في ذلك، والطغيان: هو المجاوزة عن الحد في العداوة.

وقوله: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: يعلمون أنك لست بمتقول، ولكن ينسبونك إلى التقول، لتكذيبهم بآيات الله  ؛ وهو وما ذكر في آية أخرى: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ﴾ - بالتخفيف والتشديد - ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ  ﴾ يقول: إنهم لا يقولون: إنك كاذب فيما تقول، ولا ينسبونك إلى الكذب، ولكن إنما يكذبون الآيات، ويعتقدون كذبها؛ فعلى ذلك تقوله على علم منهم: أنك لم تتقول، ولكن اعتقدوا تكذيب الآيات والجحود لها، فيقولون: إنك تتقول من [عند نفسك]، قال: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ ﴾ ، أي: لو كانوا صادقين بأن محمداً يتقول على الله، فليأتوا بمثل ما أتى به محمد.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ﴾ وإن خرج مخرج الأمر في الظاهر، فهو في الحقيقة ليس بأمر؛ لأنه لا يحمل أن يأمرهم أن يأتوا بالكذب والافتراء، ثم هذا يخرج على وجهين: أحدهما: على الإعجاز عن أن يأتوا بمثله.

والثاني: على التوبيخ والتوعيد على ما قالوا على رسول الله  من الافتراء والتقول، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: أم خلقوا من غير أب، ولكن ليس فيما ذكروا كثير فائدة، لو خلقوا من غير أب، إلا أن يريدوا بذلك: حتى لم يعرفوا من خلقهم، وممن خلقوا، بل كانت لهم آباء عودوهم وأعلموهم بأن لهم خالقا، وأنهم مخلوقون، وليسوا بخالقين، أن كلام نحوه، فكيف يتكلمون بما هو سفه، وكيف يصرون عليه.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: ﴿ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوا لغير شيء، إذ [لو] خلقوا من تراب، ولغير معنى وحكمة، لكان خلقهم عبثاً باطلا، وهم يعلمون أنهم لم يخلقوا لعباً باطلا.

والثاني: يقال: لا يلخو إما أن يكون خلقوا من غير شيء، أو خلقوا من تراب وماء، فكيفما كان، فدل أن قدرته ذاتية لا مستفادة؛ فلا يحتمل أن يعجزه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْخَالِقُونَ ﴾ .

أي: ليسوا هم بخالقين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: يعلمون أنهم لم يخلقوهما.

وقوله: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ يخرج على وجهين: أحدهما: أن ما يقولون إما يقولون على الظن لا على اليقين.

والثاني: ﴿ بَل لاَّ يُوقِنُونَ ﴾ أي: لا يصدقون، وذلك في قوة علم الله  بأنهم لا يؤمنون.

فإن كان التأويل هذا، ففيه دلالة إثبات الرسالة؛ حيث أخبر عن الغيب.

وإن كان التأويل هو الأول، ففيه أن جميع ما يقولون، إنما يقولون على الظن والجهل، لا على اليقين، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ...

﴾ الآية؛ أي: ليس عندهم خزائن ربك، على ما ذكرنا في قوله  : ﴿ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ ﴾ أي: لم يخلقوا؛ فعلى ذلك هذا: ليس عندهم خزائن ربك، ولا هم المصيطرون.

ثم الآية تحتمل وجوها أيضاً: تحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: الذي منعهم عن اتباع رسول الله  هو المنعة التي عندهم، ليس ذلك عند رسول الله  ؛ فيكونون هم الذلك أحق بالرسالة، أي: ليسوا بأحق.

ويحتمل قوله  : ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم الغيب، أطلعوا على ذلك فعلموا أن رسول الله  قد تقوَّلَ على الله  ؟!

أي: ليس لهم علم الغيب.

ويحتمل ﴿ أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَبِّكَ ﴾ ، أي: علم الغيب، ليس ذلك عند رسول الله  ، بل عند رسوله ما يخبره ربه - جل وعلا - ليس عندهم شيء من ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ هُمُ ٱلْمُصَيْطِرُونَ ﴾ .

أي: ليس هم المسلطين على أرزاقهم، ولا أرزاق غيرهم.

وقال بعضهم: المسيطر: الرب  ، يقال: سيطر فلان، أي: صار ربا؛ وهو قول القتبي.

وقال الزجاج: المسطير: المسلط؛ يقال: سيطر، اي: تسلط.

وقال أبو بكر: المسيطر: الغالب القاهر، لكن الغلبة والقهر بالحجة عليهم، وهذا يخرج على المقابلة برسول الله  ما ذكر، ويحتمل على غير المقابلة والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ﴾ .

هذا يخرج على وجهين: أحدهما: أم لهم سبب وقوة؛ فيصعدون السماء؛ فيستمعون من أخبارها؛ فعلموا بذلك أن محمداً  تقول على الله  .

والثاني: ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، أي: لهم حجة وبرهان يستمعون يه أن رسول الله  على ما ذكروا، فإن قالوا: نعم لنا ذلك، يقال لهم عند ذلك: ﴿ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: بحجة بينة، ليس لهم ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُ ٱلْبَنَاتُ وَلَكُمُ ٱلْبَنُونَ...

﴾ الآية.

هذا ليس من نوع ما سبق ذكره؛ لأن ما تقدم من الآيات بينهم وبين رسول الله  على المقابلة، وهذا راجع إلى الله  في الظاهر على ما سبق منهم القول: إن الملائكة بنات الله، وهو ما قال: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ  ﴾ ، يذكر سفههم في نسبتهم البنات إلى الله - عز وجل - وهم يأنفون من نسبتهن إليهم، فيسكن بذلك صدر رسول الله  ، ويصبره على أذاهم، أي: إنهم يقولون فيَّ ما قالوا؛ فاصبر على ما يقولون فيك، والله أعلم.

ويحتمل أن خرج ما ذكرنا من المقابلة برسول الله  ، [و]معناه: أم لرسول الله البنات، ولكم البنون؛ فتتركون اتباعه لذلك؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ﴾ .

أي: لست تسألهم أجرا على اتباعك، فيمنعهم ذلك عن اتباعك، يذكر أن ليس لهم أسباب المنع، وهذه أسباب المنع، وإنما امتنعوا عن الاتباع تعنتا ومكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ عِندَهُمُ ٱلْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ﴾ ، أي: عندهم علم الغيب؛ فيعلمون أن رسول الله  تقوله؛ بل ليس عندهم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلْمَكِيدُونَ ﴾ .

أي: يريدون كيدا برسول الله  ، لكن هم المكيدون، أي: إليهم يرجع ذلك الكيد، والذي أرادوا برسول الله  .

ثم يحتمل ذلك الكيد الذي أخبر - عز وجل - أنه عليهم في الدنيا؛ على ما قاله أهل التأويل: إنهم قتلوا يوم بدر، ويحتمل ذلك في الآخرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: أم لهم إله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  ؟

أي: أم لهم إله غير الله يمنعهم ن عذاب الله  ؟!

أي: ليس لهم.

ويحتمل: أم لهم إله غير الله يأمرهم بالذي يدعون على رسول الله  من التقول على الله  ، أو يطعلهم على ذلك؟

أي: ليس لهم إله يطلعهم على ذلك، ويدفع عنهم ما ينزل من السماء من العذاب، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ  مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ  ﴾ .

ثم نزه نفسه عما أشركوا معه من الأوثان في تسمية الألوهية واستحقاق العبادة، فقال: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده