الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الحشر
تفسيرُ سورةِ الحشر كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 59 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .
قد سبق تأويل التسبيح وبيان وجوهه.
وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .
العزيز: هو الغالب القاهر، وقيل: هو العزيز؛ حيث جعل في كل شيء من خلقه أثر الذل والحاجة، وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ له أحد معنيين: معنى الإحكام ومعنى الحكمة: فأما معنى الإحكام فهو أنه أحكم الأشياء على اختلافها وتضادها؛ حيث تشهد له بالوحدانية فهو حكيم؛ حيث وضع الأشياء مواضعها، وخلق الأشياء مواضع.
ثم الأصول التي يتولد منها هذه الأشياء والأفعال ثلاثة: الكيانات والطبائع والعقول: أما الكيانات: فنحو النطفة أنها بحيث تصلح أن يكون منها البشر إذا اتصلت بها موادها، ونحو الماء فإنه بحيث يحيا به كل شيء، وبحيث يصلح به كل شيء.
والطبائع: حيث خلق في البشر، وهي ما يميلون بها إلى المحاسن والمنافع ويحترزون من المساوي والمضار.
والعقول: ليدركوا بها العواقب، ثم إنه علمهم الوجوه التي تتولد من هذه الأشياء؛ فهو حكيم حيث خلق الأصول التي وصفنا، وعلم عباده الأسباب التي بها يولدون، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ هم بنو قريظة، وقال غيره من المفسرين: هم بنو النضير وهو أقرب.
ثم المعنى في إضافة الإخراج إليه يخرج على وجهين: أحطهما: أنه اضطرهم إلى الخروج فنسب الإخراج إليه؛ كما قال الله - عز وجل -: ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...
﴾ الآية [التوبة: 40].
والثاني: أنه خلق الخروج من ديارهم منهم؛ فأضيف إليه بحكم الخلق، ثم الأصل في إضافة الفعل إلى الله أنه يجوز أن يضاف إليه على التحقيق وعلى التسبيب، وأما الخلق قلما يضاف الفعل إليهم على جهة التسبيب لا على التمكين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ﴾ .
اختلفوا فيه: قال بعضهم: أول الحشر الجلاء إلى الشارم، والحشر الثاني: حشر القيامة.
وقال بعضهم: أو الحشر حشر أهل الكتاب وجلاؤهم من جزيرة العرب، والحشر الثاني: حين أجلاهم عمر - - إلى الشام.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ ﴾ أي: ما ظننتم أيها المؤمنون أن تنتصروا منهم، فضلا عن أن يخرجوا من ديارهم، ولكن ذلك من لطف الله ومنته عليكم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
لا يحتمل أن يتوهم أحدا هذا، والمعنى في ذلك عندنا وجهان - والله أعلم -: أحدهما: أنهم ظنوا أن الله - - حيث آتاهم القوة والحصون لا يبلغ بهم حكمه المبلغ الذي يخرجون من ديارهم؛ لأنهم كانوا أهل كتاب وكانوا يزعمون أنهم أولى بالله من غيرهم كقوله: ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ ﴾ ، ويكون قوله: ﴿ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، اي: بالله وبأمره؛ كقوله - -: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: بأمر الله؛ فعلى ذلك، الأول.
والثاني: أي: ظنوا أن حصونهم وقوتهم تمنعهم من أولياء الله أن يظهروا عليهم، أو من دين الله أن يظهر فيهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ﴾ .
يعني: أنه قذف في قلوبهم الرعب من حيث لم يحتسب المؤمن ولا الكافر؛ لأن المسلمين لم يظنوا أن يقهرهم ويغلبوهم؛ مع قلة عددهم وكثرة عدد أولئك، وكذا لم يحتسب الكفرة أنهم مع قوتهم وقوة حصونهم يقهرون ويغلبون، حتى منّ الله - - على المؤمنين بأن قذف الرعب في قلوب الكفرة، ذلك لطف عظيم من الله - - إلى المؤمنين، والله أعلم.
ثم الأصل فيما خرج هذه المخرج من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ ﴾ ، ومن نحو قوله : ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ ، ومن نحو قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ ﴾ ، وما يشاكله أن نحمله على أحد معان ثلاث: أحدها: أن نقول: المراد إتيان آثار فعل الله - - ويجوز أن يضاف إليه سبيل إضافة حقيقة العمل؛ كما يقال: الصلاة أمر الله، ونحن نعلم أنها ليست بعين أمر الله؛ لكنها أثر أمر الله - - وكذلك يقال: المطر رحمة الله - - يعني: أثر رحمته؛ فكذلك إذا نزل بهم آثار حكم الله - - وتدبيره وفعله: وهو العذاب جاز أن يضاف إليه إضافة حقيقة الفعل، والله أعلم.
والثاني: أن يقال بأن ما كان من هذه الأفعال موصولا بصلة فإنه يجوز أن يراد منه تلك الصلة، وإما نتكلم بإضافة هذا الفعل إليه مجازا؛ على ما اعتاد الناس من أفعالهم إذا أرادوها أن يأتوها بأنفسهم، وشرح ذلك وبيانه أنه قال: ﴿ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، فكان المقصود من هذا تلك الصلة، وهو قوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ﴾ ، وكذلك قوله - -: ﴿ فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ﴾ ، وكذلك ما أشبهه من نحو قوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾ ، ومن قوله - -: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ ، أي: استوى تدبيره من حيث صل منافع الأرض بمنافع السماء، وكذلك ما أشبه، هذا، والله أعلم.
والثالث: نقول بأن هذه أسماء مشتركة المعنى، وما كان سبيله هذا السبيل جاز أن يضاف إلى الله - - على معنى ليس يقع فيه الاشتراك بالمخلوقين؛ ألا ترى أنه يقال: جاء الليل وذهب النهار، ونحو ذلك على معنى الظهور ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
هذا يدل على أن المالك للمسلمين في أموال أهل الحرب ليس يقع بمجرد الغلبة ما لم يكن ثم أسر؛ لأنه أخبر أن المؤمنين كانوا يخربون بيوتهم: أضاف الملك إلى الكفرة، مع أن الغلبة للمسلمين؛ فإنكم إذا اعتبرتم علمتم أن الله - - من عليكم؛ حيث أخرج الكفار من ديارهم؛ فإنه لم يكن ذلك بقوتكم.
ويحتمل أن يكون المعنى فيه: فاعتبروا يا أولي الأبصار من أهل الكفار؛ فإن ذلك يدلكم ويعرفكم أن اتفاقكم على النصرة على النبي لا يغنيكم، كما لم يغن هؤلاء الذين خرجوا إلى مكة واتفقوا مع المشركين، ثم لم يغنهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .
يعني: لولا أن كتب اله عليهم الجلاء في اللوح المحفوظ، لعذبهم في الدنيا بالقتل.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ﴾ .
قال هذا في قوم علم أنهم يموتون على الكفر، وما روي أن أحداً منهم مات على الإسلام؛ فيكون فيه دلالة أن رسول الله كان يخبر ذلك بالوحي والتنزيل، لا من تلقاء نفسه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: ﴿ ذَلِكَ ﴾ ، يعني: ذلك العذاب في الآخرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، ثم المشاقة والمعاداة والمحادة والمضادة بمنزلة واحدة، وذلك كله: بمعنى المعاداة.
وقوله: ﴿ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .
يحتمل أن يكون علم التقديم والتأخير؛ ووجهه أن يقول: إن الله شديد العقاب لمن يشاقق الله ورسوله، أو يكن فيه إضمار كأنه يقول: إن عقوبته لمن يشاق الله ورسوله شديدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
وما ذكر أن اليهود نادوا المسلمين: إنكم تزعمون أن الله لا يحب الفساد، وأنتم تفسدون بقطع النخيل لا يحتمل هذا؛ قال الله - -: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، فإذا كانت أنفسهم تسخو بتخريب البيوت؛ فما بالهم لا تسخو بقطع الاشجار؟!
ومعلوم أنه لا يؤمل في البيوت منفعة بعد تخريبها، وقد يؤمل في النخيل منافع بعد قطعها، ولكن إن كان يصح ذلك الخبر فتأويله عندنا أنه يجوز أن يكون المسلمون خوفوهم بالقتل؛ فقالوا على أثر ذلك: إنكم إذا قتلتمونا صارت هذه النخيل لكم؛ فيكف تفسدون أملاككم؟!
ثم في إذن الله بقطع النخيل أوجه من التأويل: أحدها: أن يكون فيه بيان أن مقاتلة المسلمين إياهم لم تكن لرغبة في أموالهم؛ بل ليستسلموا لله ولرسولله، ويخضعوا لدينه.
والوجه الثاني: أن حرمة هذه الأموال إنما هي لحرمة أربابها، وأبيح قتلهم وإتلافهم؛ فما ظنك بأموالهم؟!
والوجه الثالث: أن الله - عز وجل - كتب عليهم الجلاء، ومعلوم أن أنفسهم بالجلاء إذا خربت بيوتهم وقطعت أشجارهم أسخى منه إذا بقيت ليقطع طمع من أجلي عن المقام؛ فأذن الله - - في قطع النخيل إتماماً لما كتب علهيم من الجلاء، والله أعلم.
والرابع: أن هؤلاء كانوا أئمة اليهود، والتحريف والتبديل للتوراة إنما وقع منهم؛ رغبة في الدنيا وسعها؛ فأذن الله - - في قطع النخيل عقوب له، وحزناً من الوجه الذي وقع له التبديل منهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
إن كان المراد منه العلم فوجهه أن الله - - علم منهم ذلك، ولو كان فسادا فيه لنهاهم عن ذلك.
وإن كان المراد منه الأمر فهو أن الله - - أمر بالقطع والترك جميعاً.
وإن كان المراد منه المشيئة فهو أن الله - - قد شاء الأمرين جميعاً، والله أعلم.
واللينة: اللون من النخيل؛ كما تقول: فوت وفيته.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِيُخْزِيَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .
أي: ليكون كبتاً وغيظاً للفاسقين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ .
قال: حق هذه الآية أن تكون مؤخرة، وأن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ متقدمة؛ لوجهين: أحدهما: أنه ذكر فيه الواو، والواو لا يبتدأ بها إلا في القسم.
والثاني: أن قوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ حرف كناية، والكناية لا بد لها من معرفة تعطف عليها فترجع إليها؛ فلذلك قلنا: إن حقه التأخير وحق الثانية التقديم، وعلى ذلك قراءة عبد الله بن مسعود - - وإذا كان كذلك فوجهه: أن الذي وجب صرف إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة، فأبان بقوله: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ أنه إنما يصرف هذا الأربعة الأخماس إلى النبي دونهم؛ لهذا المعنى: أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب، والله أعلم.
وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال، ليس على التقديم والتأخير، فإنه يحتمل أن يكون قوله - -: ﴿ وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ ﴾ صلة قوله: ﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ ....
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ ﴾ ، وإذا كان بناؤه على ذلك، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية.
قال - -: إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه، وكيف آثر بها نفسه؟
والجواب عن هذا: أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مؤنتهم لولا هذه الغنيمة، ومعلوم أن أنفس المسلمين يبذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا: أحدها: ما روي عن عمر - - أنه جعل العقل على أهل الديوان؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة، ومعلوم أن المعونة على عامتهم؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم، وكذلك قوله: ﴿ وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى ٱلْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِّثْلَ مَآ أَنفَقُواْ ﴾ ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء مال زوجها كان واجباً على العامة، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون: أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل، وإذا قسموا، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل؛ فكذلك الأول، والله أعلم.
قال الفقيه - رحمه الله -: والذي يجب أن من جهة العرف والشريعة: أن يكون تحمل مؤنة رسول الله على أمته: أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مؤنته على ذلك القول له، وكذلك من جهة الشريعة، ومعلوم أن رسول الله كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول الله هو مال العامة، وذلك هو الفيء، هذا لو اختصه النبي لنفسه؛ فكيف وقد قسمه بين الفقراء وأهل الحاجة، ولم يأخذه لنفسه؟!
ووجه آخر في هذا: ما وري عن رسول الله أنه قال: "أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" ، وقال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، فلو اختص ذلك رسول الله لنفسه، فجاز له بما قال، ولكن الله جعل الفيء له بين من كان تحمل مؤمنتهم على المسلمين لولا هذا الفيء؛ كي يكون منة له على أمته ولئلا يكون لأحد من أمته عنده - عليه الصلاة والسلام - يد ولا صنيعة، والله أعلم.
ووجه آخر: أنه لما لم يؤذن لرسول الله في كسب شيء من الدنيا وفضولها؛ حتى يصطنع من فضولها بالمعروف، فجعل الله له الفيء ليكتسب به الفضائل والمعروف، والله أعلم.
وفي قوله: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" : دلالة أن ما أفاء الله على رسوله وأعطاه فهو له خاصة، يصنع به ما شاء، ويفرقه فيمن شاء، والقول عند أصحابنا في الإمام إذا أعطاه أهل الحرب فيئاً يشترك فيه قومه؛ لأن هبة الأئمة إنما هي لقومهم، وكان هبة رسول الله بما نصر بالرعب؛ فجا أن يختص بها قومه والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ثم قوله: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ .
يعني: رد الله على رسوله من ملك الكفرة، أو ما أعطى الله لرسوله من ملك الكفرة.
وقوله: ﴿ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ ﴾ يجوز أن يكون قرى قد أعطوه، أو يكون هذه بشارة لرسول الله في فتح القرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .
يجوز أن يقال: إن الظاهر من هذه الآية أن يكون المراد منها غير قرابة رسول الله : "إن ما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى"، فقرابة رسول الله إنما تدخل في هذه الآية بالتأويل، وذلك أن المفهوم من ذكر القرابة إنما هو قرابة المخاطبين في الآية، ومعلوم أن الخطاب بالقسم إنما هو للمغتنمين.
وفي قوله - عز وجل -: ﴿ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ﴾ إنما يفهم منه قرابة الرسول - - وذوو القربى من أصحابنا يسلكون في ذلك مذهبين: منهم من يقول: إن هذا الحق في الأصل للمحتاجين من القرابة لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ﴾ وكان المراد منه منصرفاً إلى المحتاجين؛ فكذلك في القرابة.
ومنهم من قال: إن الخمس كان لرسول الله يصل به إلى قرابته، فلما قبض - - انقطع ذلك الحق؛ لوجهين: أحدهما: قوله - -: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة" والثاني: إنما كانوا يستوجبونه برسول الله فإذا قبض انقطع ذلك عنهم؛ على سبيل انقطاع الحقوق ع أصحابها عند وفاتهم، ثم الفائدة في منع ما كان لرسول الله عن الوراثة من وجهين: أحدهما: أن رسول الله كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائماً لله [ ]؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، والله أعلم.
فإن قيل: أليست الأملاك كلها لله؟
قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله - -: ﴿ نَاقَةُ ٱللَّهِ ﴾ ، وبيت الله.
ووجه آخر: ما كان لرسول الله فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضاً - أن يوقف عليه ملكه - - ومعلوم أن ما كان موقوفاً فسبيله التصدق، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ ٱلأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ﴾ .
له معنيان: أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول الله يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.
ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول [ما]يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، والله أعلم.
قال بعضهم: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ ﴾ .
يعني: ما أعطاكم رسول الله من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنّاً مكروهاً وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.
وعلى قراءة ابن مسعود - -: ﴿ وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ﴾ ، يحمل معنى الأمر ومعنى الإعطاء، أي: ما آتاكم من الدنيا فخذوه، وما نهاكم من الدنيا عنه - يعني: زجركم عنه - فانتهوا عنه.
قال - رحمه الله -: ويروى: [أن] عامة الفقهاء يحتجون بهذه الآية في موضع الآمر مع لفظ الإتياء، وليس يوجب ظاهره هذا؛ إذ الإيتاء هو الإعطاء والتمليك، كقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ ، ولكن وجه الاحتجاج به: أن الله - - لما أمرنا بأخذ معروفه - - وإن كان في أخذ المعروف من غيره خيار: فلأن يلزمنا الأخذ بأمره والاتباع له أحرى وأولى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .
هذا يؤكد ما ذكر من اتباع أمره، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ...
﴾ الآية.
وما نسق عليه من قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ...
﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ...
﴾ الآيات ظاهره هذا يقتضي إيجاب حق لهم؛ لأنه إذا قيل: لفلان، لم يكن بد من أن يقال: كذا وكذا، وإذا كان كذلك لم يكن به من حق يذكر لهم، ولا يحتمل أيضاً أن يخفي الله - - علم ذلك الحق الذي أوجب لهذه الأصناف عن خلقه؛ فالسبيل في ذلك من جهة التأويل عندنا، والله أعلم.
ثم يحتمل أن يكون رسول الله سئل عن جوابه: لمن؟
قال: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .
ويحتمل أن يكون الرسول سأل ربه - جل وعلا - عن جوابه: لمن؟
فأخبر: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ .
ثم إنه يجوز أن يكون ذلك الحق، هو ما وظف من الخراج على أهل القرية إذا فتحت وهو ما روي عن عمر بن الخطاب - - أنه قال لعلي وابن مسعود - ما - حين فتح سواد الكوفة: أني أستبشركم في أمر، قد أغناني الله - - عن مشورتكم حين تلوت هذه الآية، ثم تلا: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، ثم قال: لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ وَٱلإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ، ثم قال: ليس لهؤلاء خاصة، وتلا قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ .
وروي أن بلالا قال له: اقسم بيننا كما قسم رسول الله خيبر بين أهل العسكر، وقال: اللهم اكفني بلالا وأهله.
ثم قال عمر - -: "لو قسمتها بينكم لتركت آخر عصابة في الإسلام لم تصب من هذا، وأخبر الله بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أنهم شركاء هؤلاء؛ فجائز أن يكون عمر - - حين تلا هذه الآيات تذكر خبرا أخبر به رسول الله فعلم أن الحق الذي أوجب الله - - لهؤلاء ذلك.
أو يجوز أن يكون الله - - بلطفه ألهمه وعليا وابن مسعود - م - لأنه روي أنهما أشارا عليه بذلك؛ ولذلك قال أصحابنا: إن الإمام إذا افتتح قرية من قرى أهل الحرب فهو فيها بالخيار: إن شاء قسمها بين أهلها ووظف عليهم الخراج، وإن شاء قسمها بين أهل العسكر.
وإنما كان كذلك؛ لأن المقصود من المقاتلة أحد معنيين: إما لتوسيع أمكنة الإسلام أن يضيق، أو يضيق المكان بهم؛ ليستسلموا لدين الله، وينقادوا لأمره، وينظروا في حججه، وليست مقاتلتهم عقوبة كفرهم؛ بل لما وصفنا من المعنى، وهذا المعنى قد يستفاد إذا وظف عليهم الخراج؛ فلذلك كان الإمام الخيار، والله أعلم.
ولو فهم بلال - - المعنى الذي لأجله قسم رسول الله خيبر بينهم لم يقس سواد الكوفة عليه.
والمعنى من قسمته - - خيبر بينهم، عندنا - والله أعلم -: هو أن المسلمين لما صدوا عن البيت بالحديبية بشرهم الله - - بفتح قريب؛ عوضاً عما نالهم فيما أصابهم، وأما سواد الكوفة فلم يكن يها شء من هذا المعنى؛ فلم يجز أن يكون أمره مقيساً عليه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ ﴾ يحتمل أن يكن المراد منه المجاهدين المقاطعين لأسباب عيشهم من الأموال والديار، أي: لهم هذا الحق الذي سبق وصفه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ﴾ .
لم يخرجوهم من ديارهم في الحقيقة، ولكنهم ضيقوا عليهم حتى خرجوا، فإذن أضيف الإخراج إليهم؛ لما كانوا أسباباً لخروجهم، وهذا كقوله - -: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ ، وإبليس - عليه اللعنة - لم يتول إخراجهما من الجنة، ولكن حرضهما على سبب إتيانه؛ فلم يستقرا بعده في ذلك المكان؛ فأضيف الفعل إليه، وقد وصفنا أن اهذه الأفعال إذا أضيفت إلى العباد فإنما معنى ذلك أسباب تكون منهم لا حقيقة تلك الأفعال، وما أضيف إلى الله - - من ذلك فهو يحتمل الأمرين جميعاً: الحقيقة والسبب في ذلك؛ لأجل أن العبد لا يمكنه أن يقدر آخر على فعل في وقت فعله إلا على التسبب، فأما رب العالمين فإنه قادر على إقدار العبد على فعل وقت فعله؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يراد حقيقة الفعل فيما يضاف إلى الله ، وهو الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ﴾ .
يدل على أنه كانت لهم بمكة ديار وأموال، ثم مع هذه لم يرو عن رسول الله رد شيء من ديارهم عليهم بعد فتح مكة، ولا تضمين أولئك شيئاً من أموالهم؛ ليعلم أن أهل الحرب إذا غلبوا على أموال المسلمين ملكوها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
يعني: أنهم هاجروا لدينهم، وانقطعوا عن أسباب عيشهم من الأموال؛ يبتغون الرزق من الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ .
دل أن هذا الحق للمجاهدين منهم، ثم قوله: ﴿ وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ ﴾ ؛ يحتمل وجهين: أحدهما: ينصرون رسول الله ، وذكر الهل صلة.
والثاني: ينصرون دين الله، ويطيعون رسوله، .
وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلصَّادِقُونَ ﴾ .
يعني: الذين أظهروا صدق الإيمان من قلوبهم؛ لهجرتهم لدينهم وسعيهم إلى ما يزلهم إلى الله - - ويقرب إليه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُوا ٱلدَّارَ ﴾ .
يعني: الذين اتخذوا ديارا واسعة تسعهم والمهاجرين، وهم الأنصار.
وقوله: ﴿ وَٱلإِيمَانَ ﴾ .
أي: أنهم آمنوا قبل هجرة هؤلاء، لك يأمن هؤلاء المهاجرون من أحنهم، ولا يخافوا شرهم.
وقوله: ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .
يعني: من قبل الهجرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ﴾ ، يعني: أن الله - - ألقى [إليهم] محبة؛ حتى أنزلوا المهاجرين ديارهم، وأنفقوا عليهم أموالهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ ﴾ .
يعني: أن رسول الله لما قسم خيبر بين المهاجرين، ورتك الأنصار لم يقسم بينهم، لم يجد الأنصار في قلوبهم حاجة مما أعطى المهاجرين، يعني: أن الله - - أغنى قلوبهم حتى لا يفكروا عن حاجة ولا مقت ألبتة.
ويحتمل أن يكون المعنى من الحاجة - هاهنا -: الغل والحسد، يعني: أن الله - - ظهر قلوبهم حتى لم يجدوا في صدورهم حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ .
أي: يؤثرون على أنفسهم في أملاكهم أنهم لا يجدون بما يبذلون هم حاجة مما يملكون، ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم، ولو كان بهم حاجة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
إن الله - - خلق في طبع البشر محبة المحاسن والمنافع الطلب لها، وبغض المساوي والمضار والهرب عنها، ثم إنه امتحنهم بالإنفاق مما يحبون، وحمل النفس على ما يكرهون؛ طلباً لنجاتهم، وتوصلا إلى ثوابهم، ثم وقاية الأنفس من الشح تكون بوجهين: أحدهما: أن يمن الله على عبده ليصير ما هو غائب عنه من الثواب في الأجل كالشاهد؛ فيخفف عليه الإنفاق مما يحب، ويصير ذلك كالطبع له.
والثاني: يوفقه الله - - ويعصمه، ويلهمه تعظيم أمره ونهيه؛ حتى يقهر نفسه ويحملها على الائتمار بأمر الله - - والانتهاء عما نهى عنه، وإن كان طبعها على خلاف ذلك.
ثم إضافة الوقاية إلى نفسه تدل على أنه قد بقي في خزانته شيء لم يؤته عبده، حتى يصف نفسه بأنه يقي عنه شح نفسه، ولولا ذلك لم يكن لوعده بوقاية نفسه عن شحها معنى، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .
يعني: الباقون في النعيم الدائم، والفلاح في الحقيقة: هو البقاء في النعيم.
وقوله - عز جل -: ﴿ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا...
﴾ الآية.
قد علم الله - - أنه قد يكون في أمة محمد من يلعن سلفه حتى أمرهم بالاستغفار لهم.
وفيه دلالة على فساد قول الروافض والخوارج والمعتزلة؛ لأن الروافض من قولهم: إن القوم لما ولو الخلافة أبا بكر الصديق - - كفروا.
ومن قول الخوارج: إن عليا 0- - كفر بقتاله معاوية وأصحابه.
وقال المعتزلة بأن من عدل عن الحق في القتال خرج عن الإيمان، ولو كان ما ارتكبوا من الزلات يكفرهم أو يخرجهم عن الإيمان لم يكن للاستغفار لهم معنى؛ لأن الله - - نهى عن الاستغفار للمشركين، فإذا أذن - هاهنا - بالاستغفار لهم تبين بهذا أن ما ارتكبوا من الذنوب، ولم يخرجهم من الإيمان، ولأ،ه أبقى الأخوة فيما بينهم، مع علمنا أنه لم يكن بين الآخرين والأولين أخوة إلا في الدين، فلولا أنهم كانوا مؤمنين لم يكن لإبقاء الأخوة معنى، والله أعلم.
ولأنه قال - -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولو كان ذلك يخرجهم من الإيمان، لم يكن لهذا الدعاء معنى؛ لأن الواجب أن يكون في قلوب المؤمنين عداوة الكفار ومقتهم، فلما ندب جل شأنه في هذه الآية إلى نفي الغل والحسد عن قلوبهم بتلك الدعوة ثبت أ،هم كانوا مؤمنين، والله أعلم.
ثم في الأمر بالاستغفار لهم دلالة أنه قد كانت منهم ذنوب يستوجبون بها العقوبة لولا فضل الله ومغفرته، وإن كانوا فيما يتعاطونه مجتهدين؛ ليعلم أنه ليس كل مجتهد مصيباً.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .
يعني: عداوة يحتمل أن يكون المراد منه المؤمنين الذين سبقوهم.
ويحتمل أن يكون هذا في كل المؤمنين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
الرحمة من الله - - فضل منه على عباده وإحسان إليهم؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْوَهَّابُ ﴾ : فأخبر أن رحمته هبة منه وإحسان إلى عبده، والله أعلم.
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان: أحدهما: طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة.
والثاني: حقيقة المغفرة.
وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلى على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناءه - ألا تحل مغفرتهم إذ ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة، والله أعلم.
وقال جعفر بن حرب: إنه ليس في قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ ﴾ ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم؛ لأنه إذا قيل: لا تفعل بنا شيئاً لم يفهم منه أ،ه يفعله إذا أحب، ولكن يجاب عن هذا أنه قال نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .
فإن قال: تأويله: أنه خفلى بينهم وبينها، لا أنه جعلها.
قلنا: غير محتمل أن يخلق الله - - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ ﴾ .
هذه الآية تدل على أن الله - - جعل حجة رسالة محمد قول المنافقين في أنفسهم؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين؛ ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحداً من المؤمنين، فلما أخبر بما قال المنافقون، ثبت أنه ما علمه إلا من الوحي والتنزيل، وذلك علم نبوته عليهم، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكونوا قالوا لهم هذا على أن يتكثر أتباعهم في القتال.
والثاني: أنهم قالوا ذلك لأهل الكتاب على حسبان منهم أن رسول الله إذا علم بحال هؤلاء، لم يخرجهم من المدينة؛ خوفاً أن يقال: أخرج أصحابه، وإذن لهم لم يخرج أهل الكتاب ولم يقاتلوا.
وقوله: ﴿ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً ﴾ .
يعني: لا ننظر أحداً فيكم أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكونوا وعدوا نصرهم هذا في قرى محصنة، ثم أخبر أنهم: وإن نصروهم ثم انهزموا، هربوا ونفروا وتولوا ولم ينصروهم بعد ذلك أبداً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ .
لقائل أن يقول: كيف يشهد عليهم بالكذب، والكذب إنما يدخل في الأخبار، وقولهم الذي قالوا إنما هو وعد منهم؛ فحقه أن يقال: إنهم لمخلفوا الوعد؟
وبمثل هذه الحجة احتج الخوارج في تكفير من أذنب ذنباً، وذلك أنهم يقولون: إن من آمن بالله - - فقد اعتقد ألا يعصيه، فإذا عصاه تبين بعصيانه أنه كذب في اعتقاده؛ فكفر لهذا المعنى.
ومن جوابنا عن هذا: أن قول المنافقين لأهل الكتاب إخبار منهم من موالاتهم أياهم، فأخبر الله - - أنهم كاذبون فيما أخبروا عن الموالاة، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ .
في هذه الآية حجة رسالته على الفريقين جميعاً وذلكأن هذا خبر عن الغائب، وذلك لا يوصل إلى علمه إلا بالتعليم، ولم يكن النبي اختلف إلى أحد غيره، ولا تلقن شيئاً من أحد من البشر، فإذا أخبر عما يحدث وعما هو غائب، ثبت أنه ما قاله إلا عن الرسالة والوحي، والله أعلم.
قال: ويجوز أن يكون الله - - ذكر المؤمنين بهذه الآيات على ما لقي الرسول - - ممن كان الواجب [عليهم] - على ما عليه عادتهم -: الإحسان إليه؛ وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة، وإن كان ظالماً، ثم إن الله - وتعالى - أرسل محمداً من بين أظهرهمه من قريش، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله، وجعل محمداً حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل [الكتاب] ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة، وكان هذا كله - والله أعلم - حجة وعلامة، يعلم بها أن رسالته - - لم تظهر بمعاونة أحد؛ بل بنصر الله وفضله وتأييده، والله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ .
يحتمل أن يكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق، ويجوز أن تكون على التمثيل: فأما وجه التمثيل فهو ما قال: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف؛ فيجوز أن يكون معاملتهم هذه - التمثيل - معاملة من يرهبهم؛ فسمى ذلك: رهبة في قلوبهم، وهذا نحو قوله - -: ﴿ ٱلَّذِى جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ ، يعني: جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده؛ فكذلك الأول.
ويجوز أن يكون على التحقيق؛ ولذلك أوجه من التأويل: أحدها: أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق، وكان عندهم أن الله - - ولي أحد الفريقين لا محالة، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضاً؛ فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعاً، لا أن يختص به المؤمنون، وكانوا لا يرهبون الله؛ لأنهم أمنوا ناحتيه من الوجه الذي وصفنا.
ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين: أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب، وإن كانوا أهل كتاب فنافقوا، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون الله - - لما كانوا غير مقربين بالصانع، وإن كانوا أهل كتاب، فإنهم قد آمنوا - أيضاً - لما كانوا يصفون من قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَٰؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰؤُهُ ﴾ ، وإذا سقطت الرهبة من كلا الجنابين من الله - - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة، والله أعلم.
ويجوز أن يكون تفسير قوله - -: ﴿ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ في قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ﴾ ، وذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يفقهون أن البلايا التي في الدنيا ونعيمها تذكير لبلايا الآخرة ونعيمها، وكانوا يرون أنها جعلت لأنفسها، وإذا كان هذا وهمهم وحسبانهم لم يرهبوا من الله .
والثاني: أنهم قوم لا يفقهون من الوعد والوعيد؛ بل كانت رهبتهم ممن كانوا يأملون منهم المنافع ويحذرون مضارهم، فلا يرهبون من الله .
ولقائل أن يقول: إنه لا أحد من أهل الإسلام إلا ورهبته من الناس أشد من ربهة الله - - لأنك ترى الرجل يمتنع عن الزلة عند اطلاع الناس عليه ما لا يمتنع عن كثير من الزلات فيما بينه وبين الله .
والجواب عن هذا وجهان: أحدهما: أنه ليس بإزاء الخوف من الإنسان رجاء يرجوه، وبإزاء رهبته من الله - - رجاء يرجوه من رحمته وفضله وإحسانه؛ فيجوز أن يكون الرجاء من رحمته وفضله يغلب عليه؛ فيقترف الذنوب ويرتكبها.
والوجه الثاني: إذا كان يما يرتكبه من الذنب شرك فليس يهابهم، وإنما خوفه من قوم فيهم سمعة الصلاح وأمارة النصر لدين الله - - ليس من نفس المخلوقين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ ﴾ .
قوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ ، أي: لا يقاتلكم أهل النفاق وأهل الكتاب جميعاً معا، وإنهم ليسوا بفاعلين ما وعدوا لأهل الكتاب من النصر والقتال.
واحتمل أن يكون استثناؤه من الوعد الذي وعدوا لأهل الكتاب، فإن كان من القتال فهو يحتمل وجهين: أحدهما: أنهم لا يقاتلون إلا أن يكونوا في قرى أو حصون أو من وراء جدر، لا يعلم بهم أهل الإسلام، والله أعلم.
وإن كان من الوجه الثاني فهو يحتمل وجهين أيضاً.
أحدهما: أنهم لا يوفون ما وعدوا من النصر في القتال لأهل الكتاب، ولكنهم يلتجئون إلى قرى محصنة؛ ألا ترى إلى ما أخبر الله - - منهم من ناحية المسلمين: ﴿ وَإِن يَأْتِ ٱلأَحْزَابُ يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي ٱلأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ﴾ ، فأخبر أنهم قد أظهروا الموالاة للمسلمين كما اظهروا لأهل الكتاب إلى أن جاء القتال التجئوا إلى مكان يستمعون من أخبارهم؛ فعلى ذلك النحو يجوز أن يكون في أهل الكتاب.
والوجه الثاني: أنهم لا يقاتلون، ولكنهم يدخلون في قرى محصنة يتربصون لمن يكون الظفر والعاقبة؟
كما أخبر عنهم في آية أخرى، وهو قوله - -: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوۤاْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ﴾ : فأخبر الله - -: أنهم يتربصون العاقبة، فالتجاؤهم إلى قرى محصنة يجوز أن يكون بهذا التأويل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: أحدهما: أن يقول: ﴿ بَأْسُهُمْ ﴾ ، يعني: قوتهم ﴿ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ﴾ ، لما لم يروا أعداء ظاهرة.
أو يقول: بأسهم شديد ما دام القتال بينهم؛ لأنه ليس فيهم من أكرم بالرعب مسيرة شهرين، فإذا أكرم بالرعب هذا المقدار من المسير، فلا يحرم ذكل في أهل قريته، وإذا كان كذلك ثبت أن التأويل ما وصفنا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ﴾ .
لأن همة المنافقين سلامة الأنفس وراحة الأبدان، وهمة أهل الكتاب الذب عن المذهب والسعي في إقامته، فإذا اختلف همتهم ومقاصدهم تشتت قلوبهم، وذلك معنى قوله: ﴿ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذٰلِكَ لاَ إِلَىٰ هَـٰؤُلاۤءِ وَلاَ إِلَى هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ يعني: في الهمم والقلوب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ ﴾ .
يحمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم لا يعقلون حق الوعد والوعيد.
والثاني: أنهم لا ينتفعون بما يعقلون.
والثالث: أنهم لا يعقلون لمن يكون له العاقبة، وقد وصفنا أن عادتهم التربص لمن يكون الظفر والعاقبة، فإذا اشتبهت عليم العاقبة ولم يعقلوها لم يوالوا واحداً من الفريقين في الظاهر والباطن جميعاً، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ...
﴾ الآية.
يجوز أن يكون في هذا إضمار مثل آخر؛ كأنه يقول: مثل هؤلاء الكفار كمثل الذين كانوا من قبلهم، وكذلك في قوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً ﴾ ، يعني: مثل محمد [و]مثل هؤلاء الكفار، على إضمار مثل آخر، ثم التمثيل وكيفيته يحتمل أوجهاً ثلاثة: أحدها: أن يقول: مثل هؤلاء الكفار الذين أساءوا لرسوله كمثل الكفار الذين أساءوا للرسل من قبله، كان قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم.
والوجه الثاني: أن يقول: مثل أهل المدينة من الكفار حين هموا بإخراج الرسول من المدينة كمثل أهل مكة حين أخرجوا الرسول من مكة وكان قريباً، حتى ذقوا وبال أمرهم من الأسر والقتل، والدليل على أن كفار المدينة هموا بإخراج الرسول قول - عز وجل -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا...
﴾ الآية [الإسراء: 76].
ويحتمل أن يكون تخصيصاً لقرية أو قبيلة، ووجه ذلك أن يقول: مثل بني قريظة كمثل الذين من قبلهم وهم بنو النضير، وإن كانوا قريباً أن ذاقوا وبال أمرهم، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .
هذا أخبار أنهم يموتون على الكفر، وفيه دلالة رسالته حيث أخبر عن الغيب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ .
فكذلك المنافقون يظهرون الموالاة والنصر، فإذا جاء القتال امتنعوا وتبرءوا عنهم.
ثم قوله: ﴿ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنكَ ﴾ يجوز أن يكون في الآخرة؛ حيث يقول: ﴿ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ .
ويجوز أن يكون في الدنيا، وهو قوله: ﴿ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّنْكُمْ إِنَّيۤ أَرَىٰ مَا لاَ تَرَوْنَ...
﴾ الآية [الأنفال: 48].
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
الأصل إذا ذكرت الحال بين البعد وبين سيده، لم يكن بد من إضمار يدخل في ذلك، مثاله قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ ﴾ ، يعني: أنه معهم في النصر والمعونة، وقوله: ﴿ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ : في التوفيق والولاية.
وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ لأنه لا يحتمل أن يتقوا الله حتى يكون معهم في التقوى؛ إذ ظاهر اللفظ يقتضي هذا؛ كقوله: ﴿ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ ﴾ ، أي: في الصدق، وإذا ثبت فيه الإضمار كان الوجه في ذلك أحد معانٍ: إما أن يقول: اتقوا حق الله - - أن تضيعوه، أو اتقوا حده أن تعدوه وتبطلوه، أو اتقوا سخطه واتقوا مخالفته، أو اتقوا الأسباب التي تستوجبون بها مقت الله .
ويحتمل أن يراد من التقوى في هذه الآية أوامره ونواهيه، على ما وصفنا أن [لفظ] التقوى إذا أطلق جاز أن يراد به الأوامر والنواهي، وإذا ذكر مقابلة أمر كان المعنى منه محارمة ونواهيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ، قال [بعضهم]: من عمل بما أمر في هذه الآية سلم من تبعات الآخرة؛ لأنه إذا شعر قلبه أن الذي يفعله يقدمه لغد امتنع عن ارتكاب ما يجب أن يستحي منه أو يخرب عليه في ذلك الوقت، وأتى بما يستر عليه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون معنى الآية على النظر لما قدمته نفسه للغد، وذلك أنه إذا تذكر، فنظر فيما قدمت نفسه للغد، وذلك أنه دعاه إلى أحد أمرين: إما إلى التوبة عن السيئة التي قدمها أو إلى الشكر على الحسنة التي يتعاطاها، وكل ذلك منه زيادة في الخير، فكان الواجب ألا يغفل المرء عن ذلك، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون هذا على المستأنف من الأفعال أنه ينظر فيما يريد أن يقدمه لغد، فإن كانت عاقبة الهلاك: انتهى عنه، وإن كانت عاقبته النجاة: مضى عليه وأتى به، والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ أن يكون المراد منه: الاتقاء عن ترك النظر لما تقدمه نفسه لغد، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ : ذكر قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ مرة أخرى، والآية واحدة، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المراد من الأول: أن اتقوا مخالفة الله في أوامره ونواهيه، وفي الثاني: اتقوةا سخطه وعقوبته.
والثاني: أنه خرج على التكرار على ما جرت العادة في الكلام في التكرير عند الوعيد على التأكيد؛ كقوله - -: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾ \[المؤمنون: 36\]، وكقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ ، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
فيه تحريض على المراقبة والتيقظ وقت فعله؛ لأن من علم وقت فعله أن الله - - مطلع على ما يرتكبه من الذنوب ويقربه من الشرور، امتنع عنها وازدجر، وقالوا: في قوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ وعيد من أربعة أوجه: أحدها: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والثاني: في قوله: ﴿ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ .
والثالث: في قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
والرابع: في قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم ذكر هذا الوعيد خرج بعدما خاطب المؤمنين، كقوله - -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ﴾ ، فكان الوعيد للمؤمنين أكثر من الوعيد في الكفرة، لكن المؤمنين يوعدهم عما هي معدة للكافرين؛ لئلا يعملوا عملا يستوجبون بذلك ما أعد للكافرين، وهو كقوله - -: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، ثم إن الله - عز وجل - سمى الآخرة باسم الغد؛ لسرعة مجيئه، وسمى الدنيا باسم الأمس؛ لسرعة فنائها، وهو كقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ ، فيذكرهم ويعظهم بهذه الآية؛ ليتفكر كل أحد في نفسه ما به: خلق للعبث، أم خلق لأمر عظيم؟
على ما ذكره الله، .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ .
قال بعض المفسرين: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ، أي: نسوا العمل لله، والنسيان هو الترك، أي: تركوا العمل الواجب لله - - فأنساهم أنفسهم، أي: خذلهم الله - - بما نسوا.
ثم الوجه عندنا في الآية: أن ليس أحد من البشر يعمل عملا إلا وهو يأم بذلك نفعاً لنفسه؛ إذ من لا يعمل للنفع فهو عابث في الشاهد في ذلك العمل؛ فهؤلاء الكفرة لما لم يأتمروا بأمر الله - - ولم يطيعوا، وتركوا العمل له - صار تركهم العمل لله - والعمل له عمل لأنفسهم - فاصروا تاركين العمل لأنفسهم؛ فكأنه قال: نسوا أنفسهم؛ فاصروا منسيين.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ، أي: خلق فعل النسيان والترك فيهم: أضاف اختيار النسيان إليهم، ثم أضاف الإنساء إلى نفسه وأثبت فعله فيه، وليس هذا على أن تقدم منهم فعل النسيان، ثم هو أنساهم بعد ذلك؛ لكن على أن خلق ذلك فيهم وقتما اختاروا ذلك الفعل، وهو كقولهم: هداه الله - - فاهتدى، واهتدى فهداه الله؛ فذلك كله في وقت واحد؛ فكذلك هذا في الخذلان والنسيان: لما اختار هو فعل النسيان خلق الله - - ذلك النسيان فيه، كما خلق الهداية والكفر باختياره، ولا يجوز أن يحمل ذلك على تقدم بعض على بعض.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ كقوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ قوله - - هذا داخل في قوله: ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ ﴾ ؛ إذ العمل لله هو العمل لأنفسهم، والعمل لأنفسهم هو العمل للذي أريد به وجه الله؛ فلذلك قلنا بأن المراد منهما ما في الآخرة.
ويحتمل وجهاً آخر، وهو أنهم لما تركوا طاعة الله فخذلهم الله - - بتركهم أمر الله تركهم أنفسهم لهم [فلم يهتدوا] ثَمَّ للخيرات والطاعات، وهذا من أشد العقوبات.
ويحتمل أن يكون معناه: أي: يجازيهم في الآخرة جزاء ما عملوا بأن تركهم في الآخرة في العذاب الدائم؛ فيكون ذلك جزاء لهم بما عملوا في الدنيا وبما تركوا من الإيمان بالله ، وهذان التأويلان يرجعان إلى ما ذكر من الخذلان فيما فعلوا، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
فالفسق هو الخروج عن أمر الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ ﴾ .
أي: الناجون، والفوز: هو الظفر بالحاجة، ثم قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ يَسْتَوِيۤ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ألا يستووا في الدنيا، أو لا يستووا في الآخرة، فإن كان على الأول فمعناه: لا يستوي عمل أهل الجنة في الدنيا في العقول [و]عمل أهل النار، إذ عمل أهل النار بالذي يستقبحه العقول، وأما أفعال أهل الجنة الداعية إليها بالتي يستحسنها العقول؛ لأن عمل هؤلاء بالذي ظهر بالبراهين والحجج، وليس لعمل أولئك براهين وما أقيم بالبراهين والحجج فهو في العقول أحسن من الذي لا برهان عليه، وكذلك كل عمل يستحق صاحبه عليه الثواب فهو في العقول مستحسن، وما يستحق صاحبه عليه العقاب فهو في العقول مستقبح؛ فلم يستويا.
وأما الوجه الثاني: لا يستوي جزاء أهل النار [و]جزاء أهل الجنة؛ إذ في الجنة النعيم الدائم وفي النار الشدة والنقمة الدائمة؛ فلم يستويا، يذكرهم الله - - هذا؛ لينتهوا عن غفلتهم، ويعملوا لله - - حتى يستوجبوا بها الثواب في الآخرة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ الآية.
اختلف الناس في تأويل هذه الآية: [قال بعضهم: هي] على التمثيل، وهي على التنبيه والتذكير، وذهبوا في ذلك إلى أن العرب إذا استقبلهم أمر، وأرادوا أن يصفوه بالعظم والشدة كانوا يضربون الأمثال بما يعظم ذلك عندهم وصفه - لم يكن يريدون به الحقيقة في ذلك، وهو كقولهم عند شدة الأمر: أظلم علي ما بين السماء والأرض، وكقولهم: ضافت علي الأرض برحبها، وكما وصف الله - - من أمر لوط - -: ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ .
فهذا القول من العرب إنما كان على التمثيل فيما يريدون أن يصفوا الشيء بغايته لا على الحقيقة؛ لأنه معلوم أن الدنيا عليه كما كانت لم تتغير، وكذلك لم يظلم عليه ذلك، لكنهم تكلموا على التمثيل من شدة ما نزل بهم من الأمر، وكذلك قوله - -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ...
﴾ ، يقول: لو كانت هذه الحجج أنزلت على جبل مع صلابته وشدته، لخضع لله - - وانصدع؛ من خشيته على وجه التمثيل، لكن قلوب هؤلاء أقسى منه؛ حيث لم يتخضع ولم تشخع، وهو كقوله: ﴿ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ؛ إذ الحجارة قد تكون فيها منافع: نحو خروج الماء وغيره، فأما قلوب هؤلاء الكفرة فليس فيها شيء من المنافع، بل هي قاسية لا تخشع ولا تتصدع، وعلى ذلك حملوا تأويل قوله - -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ على التمثيل، وليس على حقيقة ذلك.
وقال قائلون: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ ﴾ : إنه حقيقة ذلك الفعل منه: وهو الانصداع والخشوع، وكذلك تأويل قوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ ، فمعناه: لو كان نزول هذا القرآن وما فيه من الأحكام والأمانات التي أوجب على البشر على الجبل، وكان هو بحيث يملك قبول ذلك باختياره لقيام شرئطه - لكان هو يفزع ويخضع ويتصدع من خشية الله - - وكان لا يقبل؛ مخافة ألا يمكنه أداء ما لزمه بنزوله، وهو كقوله - -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72]: فيقول: معناه: لو أنزلنا هذه الأمانات التي في هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً؛ إذ الأمانات التي في هذا القرآن مما قد يلزم المرء لا يمكن أداؤها كلها؛ لأن الأمانات مما يكثر عدها، فضلا من أن يمكن أداؤها؛ فعلى هذا التأويل يخرج على حقيقة التصدع أو لو أنزل عليه - مع عظمه وصلابته - لانصدع؛ فعلى هذا تنبيه للخلق وتذكير لهم.
وقال بعضهم: إن في هذه الآية تذكير الرسول منته عليه وعلى جميع الرسل: لولا فضل الله ومنته على الرسل، لكان لا يطيق أحد من الرسل حمل ما في الكتب، ولا أداء ما افترض مدَّكرٌ؛ فيسر عليهم وثقل العمل بما فيه، فيقولون كذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ : لثقل ما فيه، لكنه [أنزله] عليك، ويسر ذكره [و]وفقك تبليغ ما فيه إلى أهله.
وقال قائلون: إن الله - - لما أراد أن ينزل التوراة على موسى - - وكانت في لوح من زبرجدة حمراء - أم الملائكة أن يحملوها فلم يطيقوا حملها، ثم أمرهم أن يحملوا كل حرف منها، فلم يطيقوا ذلك؛ فخفف الله - - على موسى - - حتى حمل ذلك، فكذلك ذكر ذلك في عيسى وداود - عليهما الصلاة والسلام - ثم خفف ذلك على الأنبياء - عليهم الصلاة ولاسلام - فكانه يقول لرسوله : ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ ﴾ كذا، لكنه خفف ذلك عليك كما خفف على الأنبياء من قبلك، وإليه يذهب الكلبي، لكن إن صح هذا الخبر فإن ذلك الثقل لم يكن في تلك الكتابة التي في الألواح، لكن ذلك فيما يلزمهم من العمل بذلك من أداء الأمانات وغيرها؛ لأنه - - أخبر أنه لو كان أنزل هذا القرآن على جبل ﴿ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ...
﴾ الآية [الأحزاب: 72].
ثم كانت تلك الألواح قد احتملها الأرض، وأمكن لموسى - - حملها؛ فكذلك هذا القرآن كله والتوراة والإنجيل والزبور مما قد يحتمل حقيقة، ويمكن كتابته في قليل الألواح، ثبت أن المراد من ذكره ليس هو الحروف، إنما كان على ما فيه من الأمر والنهي وأداء الأمانات واتقاء الله حق تقاته، لا على نفس تلك الألواح، وهذا الذي ذكرنا هو تأويل القوم في نزول هذه الآية، فأما أنا لا علم لي بحقيقة تأويل هذه الآية، ولولا أن في الآية تذكيراً وتنبيهاً لكنا نقول: هي من المتشابه المكتوم الذي لا يفسر، لكنه لما خرج مخرج التذكير واستئداء شكر ما سهل علينا قراءته - احتجنا إلى تأويله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
هو ظاهر.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
فمن الناس من يقول: إن قوله: ﴿ هُوَ ﴾ من أرفع أسماء الله - - وذكر عن بعض أهل بيت رسول الله أنه كان يدعو بقوله: يا هو، يا من لا إله إلا هو، تأويل هذا الكلام: أن كل شيء بهويته كان.
وقوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ ، قيل فيه بوجوه ثلاثة: أحدها: أنه عالم بما غاب عن الخلق وبما شهدوا.
والثاني: بما قد كان وبما يكون.
والثالث: أنه عليم بما قد كان ويعلمه أن كيف يكون إذا كان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ فهما اسمان مشتقان من الرحمة، وفي هذه الآية بيان وجوه أربعة: أحدها: فيها بيان التوحيد، وهو قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ اسم المعبود: أن كل معبود دونه باطل.
والثاني: أن فيها تنبيهاً وتحذيراً بأن يتذكر الإنسان في جميع أحواله اطلاع الله - - عليه، وعلمه فيه، وذلك في قوله: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .
والثالث: فيها ترغيب في رحمته وإخبار لهم: أن كل نعمة لهم في الدنيا والآخرة من الله ؛ إذ هو عز وجل -: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
والرابع: ما ذكرنا في قوله: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ...
﴾ الآية: ﴿ ٱلْمَلِكُ ﴾ من الملك، أي: ملك كل شيء له، ليس لأحد سواه حقيقة الملك، ﴿ ٱلْقُدُّوسُ ﴾ قيل فيه بوجهين: قال بعضهم: القدوس هو المبارك، والبركة اسم كل خير، أي: منه ميع الخيرات، لكن لا يجوز أن يقال لله - -: يا مبارك، وإن كان المعنى منه يؤدي إلى أن يأتي منه كل خير؛ لأنه لا يعرف في أسمائه هذا بالنقل، وعلينا أن نسكت عن تسميته بما لم يسم نفسه بذلك؛ لذلك قلنا بأنه لا يجوز التسمي بالمبارك، والله الموفق.
والثاني: القدوس هو الطاهر، يعني: هو مقدس عما قالت الملاحدة والكفرة فيه من الولد والشريك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّلاَمُ ﴾ .
اختلف في تأويله منهم من قال: سمى نفسه: سلاماً؛ لما هو سالم عن الآفات، وغيره من المخلوقين لا يسلمون من حلول الآفات بهم.
وقال آخرون: سمى نفسه: سلاماً؛ لما سلم المؤمنون من عذابه.
والتأويل الأول أقرب.
وقوله: ﴿ ٱلْمُؤْمِنُ ﴾ .
اختلف الناس في تأويله: قال قائلون: والأمان: أن يؤمن المؤمنين من العذاب، ولا يمكن لأحد أن يؤمن أحداً من عذابه.
وقال قائلون: أصله من الإيمان: وهو التصديق، ثم ذلك يتوجه إلى وجهين: أحدهما: أي: مصدق القول بما وعد للمؤمنين الجنة.
والثاني: المؤمن هو المصدق لما قال المؤمنون المصدقون من تصديقهم، فيصدقهم بما قالوا.
ومن الناس من قال: سمى نفسه بما أخبر أن هذا القرآن لما بين يديه مصدق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُهَيْمِنُ ﴾ اختلف فيه - أيضاً -: قال قائلون: المهيمن هو الأمين.
وقال قائلون: المهيمن هو المسلط.
وقال قائلون: المهيمن هو الشاهد.
فمن قال بالأول فإنه يذهب إلى أن أصل ذلك من المؤتمن، وهو من الأمانة، وإلى هذا التأويل يذهب القتبي، أي: أمين في كل ما يقول، وفي كل ما يفعل لا يجور.
ومن قال بأنه هو المسلط، أصله من: هيمن يهيمن، أي: سلط يسلط، سئل عن تأويل المسلط؛ فقال: هو كالظاهر؛ إذ قهر العباد كلهم، وهم ملك له.
ومن فسره بالشاهد فإنه يحتمل تأويلين: أحدهما: أي: شاهد على أفعال العباد من حيث لا يغيب عنه شيء.
والثاني: أي: شاهد بما أنزل على رسوله بالصدق، وهو كقوله - -: ﴿ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ﴾ ، أي: شاهداً عليه.
وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .
أي: ما من عزيز دونه إلا وهو ذليل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْجَبَّارُ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: أحدهما: سمى نفسه: الجبار؛ لأنه هو المجبر لكل كبير.
فقال قائلون: سمى نفسه: [الجبار]؛ لجبروته وعظمته، ولا يجوز لأحد أن يسمى بذل الاسم إلا هو أي: الله وتجبر عن أن يكون له أمثال وأشكال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْمُتَكَبِّرُ ﴾ .
من الكبرياء والعظمة، هذا الاسم لا يليق بغيره؛ لأن الخلق بعضهم لبعض أكفاء في الخلقة؛ فلا فضل لأحد على آخر، فلما استووا لم يجز لأحد على آخر التكبر؛ فصار الحق في ذلك لله ، والتكبر على الآخر هو الارتفاع، والأصل فيه واحد، وهو ألا يرى لنفسه شكلا، والله أعلم.
إنما سمى نفسه: متكبراً؛ إذ هو المتكبر لذاته لم يكن تكبره بغيره؛ فلذلك قلنا: إنه لا يستحق أحد من الخلائق التكبر إلا الله - - إذ لم يكن أحد [له] شكلا ولا ضدا ولا ندّاً، وأما غيره من الخلائق فكل واحد منهم بالذي له شكل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ .
فيه تنزيه لله - - عما قالت الملاحدة فيه، فهذا اسم سمى به نفسه، وأمر الملائكة والأنبياء والمؤمنين أن يقولوا ذلك، ومعنى قوله: ﴿ سُبْحَانَ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: معاذ الله أن يكون ذلك على ما قالت الكفرة، وسمى نفسه: جباراً؛ لما أنه يجبر الأشياء فيجعلها على ما يشاء، وهو كقوله: ﴿ يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ ﴾ على ما يريد هو الأشياء، لا على ما يريده غيره.
قال [الشيخ] - رحمه الله -: إن الله - - يتعالى بمعان أربعة: أحدها: تعاليه عن الظلم والجور وجميع ما لا يليق.
والثاني: تعاليه على الأشياء كلها بقهره لها وتصريفه إياها على ما شاء، أي: ليس أحد يقهره، بل هو يقهر الخلائق.
والثالث: تعاليه عن أن تمسه الحاجة والآفة وكل من هو ونه لا يخلو عن ذلك.
والرابع: تعاليه عما قال الظالمون فيه من الولد والأضداد والأشكال والأنداد، وتعاليه عن جميع الآفات التي تصيب الخلق، و الله المستعان.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ .
فالخالق والبارئ واحد، ويقل: برأ، أي: خلق، والبرية هي الخلق، ويقال: سميت البرية: برية؛ لأنه خلق من التراب إذ البري من التراب.
وقوله: ﴿ ٱلْمُصَوِّرُ ﴾ ، والمصور هو الذي يعطي كل شيء صورته، فيصوره على ما هو، فالتصوير هو بيان الحدود، وهو قول الناس: صورت الأمر عند فلان؛ أي: حددته.
وقوله: ﴿ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .
أي: الأمثال العلا، وهي الصفات؛ إذ الصفة ترجع إلى وجهين: إلى الصفة مرة، وإلى التشبيه مرة أخرى، فإذا رجع إلى الصفة فإنه يرجع إلى حقيقة ذلك، وإن رجع إلى التشبيه فإنه لا يرجع إلى حقيقة ذلك.
ثم قوله: ﴿ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ ، أي: الصفات العلا، أي: لا يسمى بذلك إلا هو؛ إذ لا يقال لغيره: الرب، ولا الرحمن، ولا المالك إلا أن يضاف ذلك إلى شيء، فأما على الإطلاق فلا يطلق ذلك إلا له جل وعلا.
ويحتمل وجهاً آخر: أي: لا شبيه له في أسمائه وألا يشركه أحد في تلك الأسماء؛ بل هي [له] خاصة، والله المستعان.