تأويلات أهل السنة سورة الصف

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الصف

تفسيرُ سورةِ الصف كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 23 دقيقة قراءة

تفسير سورة الصف كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِهِۦ صَفًّۭا كَأَنَّهُم بُنْيَـٰنٌۭ مَّرْصُوصٌۭ ٤

قوله - عز وجل -: ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

قال هاهنا: ﴿ سَبَّحَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ يُسَبِّحُ  ﴾ ؛ ليعلم أنه تسبيح غير منقطع، وأنه يسبح من حين كان، ويسبح إلى أن يكون.

وفيه تسفيه أولئك الكفرة المتمردة؛ وذلك أن التسبيح والثناء في الشاهد إنما يرجعان إلى المسبح والمثني؛ لأنه لا يثني إلا على من يستحق الثناء، ولا يسبح إلا من يستحقه، فإنما تسبيح المسبح وثناؤه خضوع له وتقرب إليه، وذلك يزيده شرفا ونبلا، فكأن الله - عز وجل -: أخحبر أنه قد خضع لله  ، واستسلم له، وأتى بما فيه شرف له وزين وتقرب إلى ربه - كلُّ شيء إلا الكفرة؛ فإنهم تركوا التسبيح لله  مع ما فيه من نبلهم وشرفهم وزينهم، والله الموفق.

ويجوز أن يكون ذكر سفههم أيضاً من وجه آخر، وهو أنه لو كان لله  بتسبيح شيء من الخلائق حاج، لكان في تسبيح من ذكر كفاية وغناء تسبيح الكفرة، ولكنهم تركوا التسبيح، والله  غني عنهم وعن تسبيحهم؛ فما تركوه إلا لسفههم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ﴾ .

يدل على أنه عزيز في ذاته، وأن ترك التسبيح من الكفرة إياه لا يذله، بل هو عزيز منيع.

وقوله: ﴿ ٱلْحَكِيمُ ﴾ : يعني: حكيم؛ حيث جعل في الأشياء المتضادة علم ألوهيته، وآية وحدانيته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .

قال بعضهم: هذه الآية في أهل النفاق في القتال؛ لأنهم تمنوا القتال، فلما أمرهم الله  به قالوا: ﴿ لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ  ﴾ فأنزل الله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ ، أي لم تعدون ما لا تفون به؟

ومنهم من قال: إنها في بعض المؤمنين في القتال أيضاً، وإنها على التقديم والتأخير.

ووجه ذلك: أنهم أحبوا أن يعملوا بأحب الأعمال إلى الله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم...

﴾ الآية [الصف: 10].

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً ﴾ .

فلما يفوا بما وعدوا؛ فأ،زل الله  ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ .

ويجوز أن تكون هذه الآية في كل مؤمن؛ لأنه قد اعتقد كل من آمن بإيمانه الوفاء بما وعده من الطاعة لله  والاستسلام له والخضوع، فإذا لم يف بما وعد، خيف عليه في كل زلة أن يدخل في هذه الآية، وليس أحد من المؤمنين قد وفى بما وعد كله، والواجب عليه أن يتوب من ذلك توبة بليغة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

المقت: البغض، ومن استوجب مقت الله، لزمه العقاب [عنه] لا محالة، ولكنه يحتمل أن يكون هذا فيمن اعتقد ترك الوفاء بما وعد و استحلال ما نهاه الله  [عنه]؛ فيستوجب مقت الله  ونقمته لا محالة.

وإن كان فيمن تثبت على اعتقاده، وزل في أفعاله، فالواجب أن يقسم الذنوب؛ فيلزمه الخوف على مراتبها ودرجاتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ .

ليس فيه أن الله  لا يحب المبارز؛ لأن الجهاد والقتال على المبارز أشد، وذلك أنه إذا كان في الصف أعانه على القتال غيره؛ فكان أمنه على نفسه في الصف أكثر، وأما المبارز فإنه وحده ليس له معين؛ فإن ظفر على صاحبه وإلا هلك، والخوف عليه في ذلك أشد؛ فيجب أن تكون المحنة فيه أكثر.

ولكنه يجوز أن يكون الله  علمهم بهذه الآية كيفية القتال؛ ليستعين بعضهم ببعض، وليكون كلمتهم واحدة؛ لأنهم إذا تفرقوا اختلفت آراؤهم، فيخشى عليهم الهزيمة والإدبار، وإذا كانت آراؤهم متفقة، وكلمتهم واحدة، وشوكتهم واحدة، فذلك قوة في القتال وزيادة نصرة، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ﴾ ، قال بعضهم: ضرب هذا المثل للثبات، يعني: إذا اصطفوا ثبتوا كالبنيان المرصوص الذي يكون ثابتا مستقرّاً لا ينتقض بأدنى شيء.

ومنهم من [قال]: ضرب هذا المثل؛ لأن يكون كلمتهم واحدة، ويعين بعضهم بعضاً.

ويشبه أن يكون للأمرين جميعاً؛ لأنهم إذا ثبتوا أعان بعضهم بعضاً، وكانت كلمتهم واحدة، وإذا كانت كلمتهم واحدة، كان ذلك أدعى إلى الثبات وأقرب إليه؛ فلذلك قلنا: إنه يجوز أن يكون للأمرين جميعاً، والله أعلم.

ثم المحبة تحتمل وجهين: أحدهما: عن الخلق.

والثاني: الثناء عليهم بما يفعلون.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِى وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٥ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ قَالُوا۟ هَـٰذَا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ ٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَىٰٓ إِلَى ٱلْإِسْلَـٰمِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ٧ يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ٨ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ٩

قوله -  -: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أحدهما: تنبيه لهم، وإعلام عن معاملة اعتادوها فيما بينهم من غير أن يعلموا فيها أذى لموسى -  - نحو أن قال في حق رسولنا  : ﴿ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ  ﴾ ؛ فيجوز أن يكونوا لا يعدون تلك المعاملة أذى لموسى -  - ولا يعلمونها؛ فأخبرهم أنها تؤذيه؛ لينتهوا عن ذلك.

والثاني: أنه يجوز أن يكونوا علموا أن ذلك يؤذيه، ولكنهم عاندوه وكابروه، فيخبرهم عن كيف ﴿ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ ﴾ ، وقد علموا أن حق رسل الملوك التعظيم والتبجيل؛ فيكف رسول رب العالمين؟!

فأخبرهم أنه يؤذنوه شكاية منهم إليهم.

ثم اختلفوا في الأذى: فقال بعضهم: أن موسى -  - كان لا يكشف عن نفسه؛ فأذوه بأن قالوا: إن في بدنه آفة ومكروها.

وقال بعضهم: إن موسى -  - ذهب مع هارون -  - إلى الجبل، فقبض هارون في ذلك الجبل، فآذوه بأن قالوا: قتل موسى اخاه.

ومنهم من قال: كانوا يؤذونه بألسنتهم حيث قالوا: ﴿ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ  ﴾ ، وبقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ  ﴾ ؛ ولكن الوجه أن لا يشار إلى شيء بعينه.

فإن كا التأويل هو الوجه الأول: أنهم آذوه من غير أن يعملوا أن ذلك يؤذيه أن لا يصرف إليه شيء من هذه الأوجه الثلاثة، وإن كان على الوجه الثاني فكذلك، وإن كان على الوجه الثالث جاز أن يصرف إليه أي الوجوه منها، والله أعلم.

ثم حق هذه في رسول الله  يخرج على وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون بنو إسرائيل آذوا رسول الله  فذكره الله  أمر موسى -  - وإياذاءهم إياه؛ ليكون فيه تصبير لرسول الله  ، وتسكين لقلبه.

أو يجوز أن يكون هذا تحذيراً لأصحابه عن أن يرتكبوا ما يخاف أن يكون فيه أذاه -  - والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ له معنيان: أحدهما: أن يقول: ﴿ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ ، يعني: خ لق فعل الزيغ في قلوبهم يعني: خذلهم الله، ووكلهم إلى أنفسهم.

قالت المعتزلة محتجين علينا: إن الله  قال: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ  ﴾ ذكر أنه إنما يضله بعدما فسق، وأنتم تقولون: إنه يضله وهو يهدى؟

قلنا: إن هذا تمويه علينا، وذلك أنا نقول: إن الله  يضله لوقت اختياره الضلال، ويزيغه لوقت اختياره الزيغ، وإذا كان كذلك، لم يلزم ما قالت المعتزلة، مع أنهم يقولون: إن الله  يضله بعد ضلالته بنفسه، عقوبة له، ويريد له هدى بعد اهتدائه ثوابا له.

ولا يستقيم كذلك؛ لأنا قد نراه في الشاهد يكفر بعد إيمان ويؤمن بعد كفره، وإذا كفر بعدما كان مؤمنا، وذلك وقت يريده الله  هُدِي؛ ثوابا لإيمانه المتقدم؛ فإذا كفر فكأن هداية الله  كانت سبباً لكفره، أو إذا آمن بعدما كان كافرا وقت عقوبته بالكفر؛ فكأن عقوبة الله  بالكفر على الكفر المتقدم كان سببا للإيمان، وهذا كلام مستقبح.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ ﴾ .

يعني الذين علم الله منهم أنهم يختارون الضلال والكفر؛ فلا يتوبون منه ولا ينقلعون؛ فلا يهدي أولئك، وأما من علم منهم أنه يتوب ويسلم فإنه يهديه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ ﴾ .

قوله: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ يحتمل وجوهاً: أحدها: أن يقول جئت إليكم بالنعت الذي وصفت في التوراة، أو ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ بالتوراة ويكتب الله  ؛ ليعلم أن الرسل كان يلزمهم [الإيمان] بالكتب المتقدمة والرسل جميعا، كما يلزم ذلك أمتهم.

أو يقول: ﴿ مُّصَدِّقاً ﴾ ، يعني: آمركم بعبادة الله - عز وجل - وتوحيده كما أمرتم به في التوراة؛ ليعلم أن الرسل كان دينهم واحدا، وإن كلهم يدعون إلى التوحيد وعبادجة الرحمن، وأما الشرائع فقد يجوز اختلافها ولا يدل ذلك على اختلاف في الدين؛ لأن الشرائع قد تختلف في رسول واحد ولا يختلف دينه؛ فكذلك الرسل، والله الموفق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

يعني: مبشرا برسول يصدق بالتوراة على تصديقي؛ فكأنه قيل له: [ما] اسمه؟

فقال: ﴿ ٱسْمُهُ أَحْمَدُ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قال بعضهم: الذي جاءهم عيسى،  .

وقال بعضهم: محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقد جاءا جميعاً.

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ، أي: بالبينات التي تبين أن الذي جاء به إنما جاء من عند الله.

وقوله: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، و(ساحر مبين)، واختلفوا فيمن قيل له هذا: قال بعضهم: هو عيسى،  .

وقال بعضهم: هو محمد، عليه الصلاة والسلام.

وقيل: قالوا لهما جميعا.

ويحتمل أن يكون هذا قول أكابر الكفرة للضعفاء منهم؛ وذلك أنهم لم يجدوا سبباً للتمويه سوى أن نسبوه للسحر، وهذا يدل أنه جاءهم بالآيات المعجزة؛ حث نسبوه إلى السحر، وقالوا: ﴿ هَـٰذَا سِحْرٌ ﴾ ، وإنا لا نعلم السحر، ولو كان الذي جاءهم به سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا أن الرسل لم يختلفوا إلى السحرة، ولم يتعلموا منهم، وكان لا يتهيأ لهم اختراعه من تلقاء أنفسهم، فلو كان سحرا كان حجة عليهم؛ لأنهم قد علموا ما ذكرنا، ولكن الله  برأه ونزهه من السحر، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

نور الله يعني: دين الله، أو كتاب الله، أو رسل الله.

وقوله: ﴿ بِأَفْوَٰهِهِمْ ﴾ أي: ليست عندهم حجة ولا معنى يدفعون به هذا النور، سوى أن يقولوا بألسنتهم: هذا سحر.

وقوله - عز جل -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

أي ومن أوحش ظلماً وأقبح ممن بلغ افتراؤه المبلغ [الذي] يفتري على الله  الكذب؛ لأنهم قد علموا أن ما نالوا من نعمه وكرمه، فإنما نالوه بالله، ثم كفروا به، وكذبوا على الله وعلى رسوله.

أو يقول: لا أحد أظلم ممن يفتري عل الله الكذب؛ وذلك أن قوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ كلام استفهام، ومعلوم أن الله  لا يستفهم أحداً، وإذا كان كذلك، كان حق كل ما خرج مخرج الاستفهام أن ينظر إلى جوابه لو كان مستفهماً؛ فيفهم منه معنى قول رب العالمين، وإنما المفهوم من جواب من يسألهم عن مثل هذا أن يقول: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب، والله يدعو إلى الإسلام، وهو أن يجعل الأشياء كلها سالمة له، فهو إذ علم أن ما ناله من نعمة فإما ناله بالله  ، وعلم الأشياء كلها لله  ، فكيف افترى على الله  الكذب، وهو يعلم فإنه علم هذا؟!

فلا أحد أظلم منه حتى افترى على الله الكذب، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ .

له أوجه: أحدها: بالحجج والبراهين.

والثاني: بنصر أهله وغلبتهز والثالث: بإظهار في الأماكن كلها.

فإن كان على النصر والغلبة، فقد كان حتى كأن المشركين في خوف والمسلمون في أمن؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ  ﴾ ، وإلى ما روي عن النبي  : "نصرت بالرغب مسيرة شهرين".

وإن كان بالحجج فقد كان أيضاً، لأهم عجزوا عن أن يأتوا بما يشبه أن يكون مثلا له؛ فضلا من أن يأتوا بمثله؛ فدل أنه قد أتم نوره بالنصر والغلبة والبراهين والحجج.

وإن كان المراد منه إظهاره؛ فإنه يرجى أن يظهر؛ على ما روي أنه إذا نزل عيسى -  - لم يبق على وجه الأرض دين إلا الإسلام.

ثم قوله  ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ليس فيه أنه كان به شيء من الكدر فصفاه؛ ولكن على ما ذكرنا من التأويل؛ فكذلك لا يجب أن يفهم من قوله: ﴿ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ  ﴾ : أنه كان ناقصا فأكلمه بالشرائع؛ ولكنه على هذه الوجوه، يعني: أظهر الدين بالشرائع التي وصفناها في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ .

وقال حين ذكر الإظهار: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ لأن هؤلاء كفروا بالرسول والكتاب، وذلك نعم الله  ؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، [و]أولئك أشركوا به في التوحيد؛ فقال: ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ ، يعني: بما لو اتبعوه اهتدوا به.

وقوله: ﴿ وَدِينِ ٱلْحَقِّ ﴾ له أوجه ثلاثة: أحدها: أن يجعل الحق كناية عن الله  فكأنه قال: ودين الله.

والثاني: أن يجعل الحق نعتا للدين؛ فكأنه قال: والدين الذي هو الحق من بين سائر الأديان.

والثالث: أن يقول: الذي على كل أحد قبوله والانقياد له، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ﴾ له وجهان: أحدهما: أن يقول ﴿ لِيُظْهِرَهُ ﴾ ، يعني: يظهر رسوله  على غيره بما يحتاج في هذا الدين من النوازل؛ فيكون فيه بيان أن ما جاء عنه -  - في هذه النوازل إنما هو بالوحي وبما أظهره الله  عليه.

ويحتمل: بإظهار هذه الدين في الأماكن.

قال: والدين: هو الخضوع والاستسلام لله  ، فحقيقته أن يجعل الأشياء كلها سالمة لهز وقوله ﴿ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾ ، قال الشيخ - رحمه الله -: ويقتضى هذا: ولو كره المعتزلة؛ لأن إتمام نوره كان بالحجج، أو بالنصر والغلبة، أو بإظهاره في الأماكن كلها فإنما يكون ذلك بأفعال العباد، ثم أضاف الله  إلى نفسه؛ فثبت أن لله  في أفعال العباد صنعا وتدبيرا، وإن كان أفعالهم كلها مخلوقة لله لا تخرج عن تدبيره ومشيئته، والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَـٰرَةٍۢ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ١٠ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌۭ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ١١ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ وَمَسَـٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّـٰتِ عَدْنٍۢ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ١٢ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا ۖ نَصْرٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتْحٌۭ قَرِيبٌۭ ۗ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٣ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَـٰهِرِينَ ١٤

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

الإيمان بالله: أن يؤمن بأنه الواحد الأحد، الصمد الفرد، الذي لم يلد، ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، ويؤمن بأن له الخلق والأمر، وأنه قادر لا يعجزه شيء، وعليم لا يخفى عليه شيء، وحيكم لا يخرج خلقه الأشياء والمختلفة من السراء والضراء، والظمة والنور، والمرضى والصحة، عن حكمته.

وأنه ليس كما قالت الثنوية: إن خالق الظلمة والشر والقبيح غير خالق النور؛ بل يعلمه أنه خالق كل شيء، سواء من ظلمة ونور، وشر وخير، وقسم وصحة.

ولا على شبيه ما قالت المجوس: إن الله  غفل غفلة فتولد منه الشيطان؛ بل هو لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء.

ولا على ما قالت النصارى: حيث شبهوه بالخلق حتى أجازوا أن يكون له ولد.

ولا على ما قالت القدرية: إنه لا يقدر شيئا من الشر والقسم والوجع.

وعلى ما قالت المعتزلة: إنه ليس له في أفعال العباد صنع وتدبير؟

بل يعلمه عليما بكل شيء، قديرا على كل شيء، متعاليا عن كل شيء من معاني الخلق، متنزها عن كل آفة وحاجة وعيب، فهذا هو الإيمان بالله  عندنا، والله  أعلم.

والإيمان بالرسول: هو أن يؤمن من بأن ما جاء به  فهو حق وصدق.

وقوله: ﴿ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا على وجهين: أحدهما: أن يقاتلوا أعداء الله  .

والثاني: أن يجاهدوا في طاعة الله  ، وفيما دعا إليه من الأمر بالجهاد ينصرف إلى أنواع أربعة: جهاد في سبيل الله بمقاتلة أعدائه، والاستقصاء في طاعته.

وجهاد فيما بين الإنسان ونفسه أن يجاهد في قهرها ومنعها عن لذاتها وشهواتها، وعما يعلم أنه يهلكها ويرديها.

وجهاد فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع فيهم، وأن يشفق عليهم ويرحمهم، وألا يرجوهم ولا يخافهم.

وجها فيما بينه وبين الدنيا وهو أن يتخذها زادا لمعاده، أو مَرمَّة لمعاشهن ولا يأخذ منها ما يضره في عقباه.

وكل هذه الأنواع يستقيم أن يسميها جهادا في سبيل الله.

ثم إن هذه الآية تنتظم مسائل ثلاثاً: إحدها: أن كيف أمرهم بالإيمان بعد قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ؟

والثانية: أن كيف يرجى له النجاة إذا آمن بالله ورسوله، ولم يجاهد في سبيل الله وقد أوجب عليه ذلك؟

والثالثة: أن كيف يخاف عليه العذاب إذا آمن بالله ورسوله، وجاهد في سبيل الله، وأتى بالكبيرة مع قوله: ﴿ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ؟

أما الجواب عن المسألة الأولى: أنه يحتمل أن يكون المراد من هذه الآية أهل النفاق؛ فيكون المعنى من قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ في الظاهر، ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أي: تصدقون بقلوبكم.

ويجوز أن تكون من أهل الكتاب أيضاً فكأنه قال - عز وجل -: يأيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة، آمنوا بالله وبمحمد  وبهذا الكتاب.

هذا إذا كان الكفار.

فأما إذا في المؤمنين يجوز أن يكون أمر بالإيمان من بعد ما آمنوا، بمعنى: الثبات عليه أو الزيادة وبحق التجدد، وأن الإيمان من حادث الأوقات له أسما ثلاثة: الزيادة، والثبات، والتجدد؛ وذلك أن الله  ذكر هذا النوع في كتابه مرة باسم الزيادة؛ حيث قال: ﴿ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَٰناً مَّعَ إِيمَٰنِهِمْ  ﴾ ، ومرة باسم الثبات بقوله: ﴿ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا  ﴾ ، ومرة بالإيمان بقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

فإن كان الزيادة والثبات، فذلك لطف من الله  ؛ وذلك أن الزيادة والثبات هذا اسمان يطلقان على فعل دائم، وفعل الإيمان منقضٍ، ولكنه يجوز أن يكون الله  بلطفه جعل المنقضي كالدائم؛ فيخرج هذه الفعل مخرج الزيدة والثبات، والله أعلم.

وإن كان على التجدد في الأوقات الحادثة، فذلك مستقيم؛ وذلك لأن المرء منهي عن الكفر في كل وقت يأتي عليه إذا أتى بالإيمان في ذلك الوقت انتهى عن الكفر؛ فصار لإيمانه حكم التجدد، والله أعلم.

وجائز أن يكون المراد بقوله: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : الاعتقاد، وإذا كان المراد منه ذلك، وأتى بما أمر من الاعتقاد بهذه الأمور، ولكنه لم يف بالفعل، فهو في رجاء من النجاة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ .

يعني: ذلك الذي أمركم به من الإيمان بالله  ورسوله والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهوائكم.

﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

عيانا بعلمكم أن ذلك خير لكم.

وقوله  : ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾ .

يعني: يغفر الله لكم بتلك النجاة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً ﴾ .

يجوز أن يكون رغبهم في هذه الآية بما أمرهم بتركها؛ وذلك أنه أمرهم بمفارقة مساكنهم وإنفاق أموالهم والجهاد بأنفسهم، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ذلك آتاهم مكان كل ما فات عنهم خيراً منها: مكان ما فارقوا من المساكن يؤتيهم مساكن طيبة، ومكان ما أنفقوا من أموالهم يؤتيهم النعيم الدائم، ومكان ما أفنوا من حياتهم وأنفسهم يؤتيهم حياة دائمة باقية، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ .

يعني: ذلك الثواب الدائم هو الفوز العظيم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّن ٱللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ﴾ .

فكأنه يقول يعطيكم الله بتلك التجارة التي دلكم عليها ما ذكر من الثواب في الآجل، وأخرى تحبونها نصر من الله على أعدائكم في الدنيا، وفتح البلاد.

﴿ وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ، بهما، وقد فعل الله  ذلك بهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ هذا كلام يورث شبهة في القلب أن كيف قال ﴿ كُونُوۤاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ ﴾ والله  لا يخاف [أحداً] حتى يستنصر عليه غيره؟

ولكن السبيل في كشف هذه الغمة عن القلوب هو المعنى في هذا وفي قوله: ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً  ﴾ وقد وصفنا في ذلك أن الله  جعل ما يصلون به أرحامهم ويتصدقون على فقرائهم كأنهم أقرضوا الله؛ كرماً منه وفضلا ولطفا، فكذل يحتمل أن يكون جعل ما ينصرون به دينه أو رسوله نصرا له  .

وكذلك قوله: ﴿ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ  ﴾ ، والمعنى في هذا: إن تنصروا دين الله ينصركم، أو إن تنصروا رسول الله أو تنصروا الحق، والله أعلم أي ذلك كان.

ويحتمل أن يكون المراد من ذلك كله، أي: اجعلوا ما تنصرون به دينكم لله  ولوجهه.

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقْرَضُواْ ٱللَّهَ  ﴾  : اجعلوا ذلك لله ولوجهه الكريم، ولا بد من أن يكون في هذه الآية إضمار: إما في الابتداء أو في الانتهاء حتى تستقيم عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ فكأنه يقول: قل للذين آمنو: كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين: من أنصاري إلى الله؟

أو يكون معناه وإضماره في حق الإجابة، أي: أجيبوا لله ورسوله وكونوا أنصار له كما أجاب قوم عيسى بقولهم: ﴿ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ﴾ .

والحواريون: المتبصرون المنقون دينهم عن الشبهة، وهم قوم كانوا خيرة عيسى -  - وخاصته حيث دعاهم إلى دينه فأجابوه وآمنوا به، ونقوا دينهم عن كل شبهة وآفة وعيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ ﴾ هذا يحتمل أن يكون في حياة عيسى -  - حين اتبعه الحواريون ثم دعا بعد ذلك قومه إلى دينه فآمنت طائفة وكفرت طائفة، ﴿ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بالبراهين، والحجج على الطائفة الذين كفروا؛ ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ ﴾ على أعدائهم بالحجج والبراهين.

ويجوز أن يكون بعد وفاة عيسى -  - حين اختلفوا في ما هيته: فمنهم من قال: هو الله، ومنهم من قال: هو ابن الله؛ فكفرت به هذه الطائفة وآمنت به طائفة أخرى، فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم حين وقع لهم قتال؛ فنصروا عليهم وظفروا، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله