تأويلات أهل السنة سورة التغابن

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة التغابن

تفسيرُ سورةِ التغابن كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 37 دقيقة قراءة

تفسير سورة التغابن كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ١ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌۭ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌۭ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ٣ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤

قوله - عز وجل -: ﴿ يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ الآية.

والتسبيح يحتمل أوجهاً ثلاثة، وقد سبق ذكره.

وقوله: ﴿ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يحتمل الملك: الولاية والسلطان.

والثاني: يقول: ﴿ لَهُ ٱلْمُلْكُ ﴾ يعني: ملك كل الملوك، كما قال في آيات أخرى: ﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَالِكَ ٱلْمُلْكِ...

﴾ الآية [آل عمران: 26]، فأخبر أن ملك الملوك كلها له، وأن من استفاد الملك إنما يستفيده بالله  ، وبامتنانه عليه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ .

يحتمل أوجها ثلاثة من التأويل: أحدها: أن يقول: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ يعني: له الثناء الحسن بصفاته العلا وأسمائه الحسنى.

والوجه الثاني: أن يقول: ﴿ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ﴾ يعني: حمد كل من يحمد، فحقيقة ذلك الحمد له بما أحسن إلى عباده وأنعم عليهم، وذلك معنى قوله: ﴿ ٱلْحَمْدُ للَّهِ  ﴾ أي: الحمد والثناء الحسن لله  على إحسانه إلينا وإنعامه علينا.

والثالث: أن يجعل معنى الحمد معنى الشكر؛ لأن الحمد قد يستعمل في موضع الشكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل أن يكون معناه: وهو على كل شيء أراده قدير، وهو [حجة] على المعتزلة؛ لأن الله -تعالى- لا يزال يمدح نفسه بأنه بصير عليم وأنه على كل شيء قدير، وأقرت المعتزلة بأنه بصير عليم، وأبت عن الإقرار بأنه قدير على أفعال العباد، أو على إصلاح أحد من العباد، وهذا خلاف ما مدح الله [تعالى نفسه به] والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ ، يحتمل أن يكون تأويله: فمنكم من يدين بدين الكفر، ومنكم من يدين بدين الإسلام، ودل هذا على أن المعصية والطاعة يجتمعان في دين واحد، وأن المعصية لا تخرجه من دينه؛ لأن المعصية، لم يرتكبها تدينا بها، ولكن لغلبة شهوة أو غضب عليه، وأما الكفر والإيمان فإنه يأتي بهما المرء اختيارا ويتدين بالكفر والإيمان؛ لما عنده أنه حق، وفي هذه الآية دلالة أنه ليس بين الكفر والإيمان منزلة ثالثة، وليس كما قالت المعتزلة: إن صاحب الكبيرة بين منزلتين بين الكفر والإيمان، والله  قسم الناس [صنفين]: فمنهم من خلقه كافرا، ومنهم من خلقه مؤمنا، ولم يجعل فيما بينهما منزلة ثالثة، فلا يجب أن نجعل، والله الموفق.

وفيه أيضاً وجه لطيف سوى ما ذكرنا، وهو أن كل أحد في الدنيا مؤمن وكافر في الحقيقة؛ لأن من كان مؤمنا بالله فهو كافر بالطاغوت، ومن كان كافرا بالله فهو مؤمن بالطاغوت، وإذا كان كذلك، وجب أن يبحث عن معنى قوله: ﴿ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ ﴾ ومعناه عندنا: أن الحقيقة وإن كانت كذلك فالإيمان إذا ذكر مطلقا لم يفهم منه إلا الإيمان بالله  ، والكفر إذا أطلق أيضاً لم يفهم منه إلا الكفر بالله  ، وإذا كان كذلك، جاز أن يكون لفظ الكتاب خارجا على ما عليه المعهود من المتعارف المعتاد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ في الأزل بما يعمله العباد، وأنه ليس كما قال بعض الناس: ألا يعلم فعل العبد إلا وقت فعله، واحتجوا في ذلك أنا لو قلنا إن الله  بصير في الأزل بما نفعله، لكان قولا بما لا يستقيم في المعقول؛ ألا ترى أنا لا نرى في الشاهد من يبني بناء يعلم أنه يضره أو يشتري عبدا يعلم أنه يعاديه، فكذا لا يستقيم أن يقال [إن الله]  خلق عبداً قد كان يعلم من قبل أنه إذا خلقه عاداه.

والجواب عن هذا: أن هذا الذي وصفه غير مستقيم في الشاهد؛ لأن منافع ما يفعله العباد ومضاره ترجع إلى أنفسهم، وليس من العقل أن يفعل المرء فعلا يعلم أنه يضره، وأما رب العالمين فإنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه؛ فجاز أن يخلق خلقا يعلم أنه يختار عداوته؛ ليظهر عند الخلق أنه لا يرجع شيء من المنافع والمضار إليه بعد أن يكون في الحكمة ذلك، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ و ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ و ﴿ ٱلْوَكِيلُ  ﴾ ، و ﴿ بِحَفِيظٍ  ﴾ إلزام المراقبة والتحفظ والتيقظ وبيان الترغيب والترهيب؛ لأنه إذا علم المرء أن عليه في كل ما يفعله رقيباً يتيقظ، ولم يفعل إلا ما يُرضي به ربه، والله المستعان.

وقوله -عز وجل-: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ﴾ .

قد وصفنا أن الحق إذا جرى ذكره يصرف في كل شيء إلى ما هو أليق به؛ فإذا ذكر في الأخبار أريد به: الصدق، وإذا ذكر في الأحكام أريد به: العدل، وإذا ذكر في الأقوال أريد به: الإصابة، فلما قال: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ هاهنا [فكأنه] أراد به: الحكمة، كأنه يقول: خلق السماوات والأرض بالحكمة.

وقال بعضهم: ﴿ بِٱلْحَقِّ ﴾ يعني: للحق، وهو البعث، فكأنهم عنوا به: أن الله  لم يخلقهما عبثاً بل خلقهما للعبادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ يحتمل هذا وجهين: أحدهما: ﴿ فَأَحْسَنَ ﴾ ، أي: أتقن، وأحكم، ومعنى ذلك: أن الله  خص صور بني آدم في الاستدلال بوحدانيته وربوبيته في أن جعل في أنفسهم حقيقة المعرفة والاستدلال بأنفسهم على [وحدانية الله]  ، وأما غيرهم من الصور فإنما يقع الاستدلال لغيرها بما ليس لنفس تلك الصور حقيقة المعرفة والاستدلال بوحدانية الله  ؛ ولذلك كان خلق صور بني آدم أتقن وأحكم، والله أعلم.

والثاني: أن يصرف الحسن إلى حسن المنظر، ومعنى ذلك: أن الله  خلق بني آدم على صورة لا يودون أن يكون صورتهم مثل صورة غيرهم من الخلائق، فثبت أن صورتهم في المنظر أحسن صورة، فذلك معنى قوله  : ﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ يعني: البعث، وأضاف ذلك إلى نفسه؛ لأنه هو النهاية والمقصود في خلقهم، ولما لم يفهم أحد من قوله: ﴿ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ ﴾ معنى الانتقال والتحول من مكان إلى مكان من حيث إنه يضاف إلى الله  ؛ لأن هذا فعل يكون باثنين، فإن من صار إلى شيء صار ذلك إليه، مثل الملاقاة والإتيان ونحو ذلك، فلما لم يفهم منه الانتقال لم ينبغ أن يفهم من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ معنى الانتقال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ .

في إخباره عن علمه بذلك كله إيجاب المراقبة والتيقظ والتبصر، والمحافظة على ما أمره الله  ونهاه، وفي هذا إخبار أن الله  مطلع على ما يضمرون، محصٍ عليكم جميع ما تظهرون، فاحذروا أن ترتكبوا ما فيه سخطه في الحالين جميعاً، والله المستعان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ﴾ قال أهل التفسير: أي: بما في الصدور.

ويحتمل أن يكون المراد منه بالأنفس التي لها الصدور، وكل من كان ذا فكرة وتدبير فإنه يسمى: ذات الصدور، ومعناه: أن التدبير إنما يصدر عن ذلك الموضع، ويرجع إليه، وكل بنو آدم خصوا بهذا المعنى؛ فلذلك ذكر هذا فيهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ فَذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَقَالُوٓا۟ أَبَشَرٌۭ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا۟ وَتَوَلَّوا۟ ۚ وَّٱسْتَغْنَى ٱللَّهُ ۚ وَٱللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌۭ ٦ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَن لَّن يُبْعَثُوا۟ ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌۭ ٧ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلْنَا ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌۭ ٨ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ۖ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَـٰلِحًۭا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ٩ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٠

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ﴾ .

فتأويله عندنا - والله أعلم - أي: قد أتاكم نبأ الذين كفروا من قبل، وماذا نزل بهم حين كفروا وعاندوا، ومعنى ذلك أن الله  [قد] حذرهم بما يكون في الآخرة من ألوان العذاب، فلم يتعظوا، لما لم يكونوا يؤمنون بالبعث، فلما لم ينجع فيهم ذلك، حذرهم بعقوبات تنزل بهم لو لم ينتهوا عما هم فيه من الطغيان.

وقوله -عز وجل-: ﴿ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ ﴾ ، أي: شدة أمرهم، ويحتمل أن يكون عاقبة أمرهم.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فيه إخبار أن ما نزل بهم من العذاب في الدنيا، لم يكفر عنهم الذنب، أعني: ذنب الكفر، وأن عذاب الدنيا إنما كان جزاء شرهم في الكفر، وأنه يعذبهم في الآخرة عذاب [الكفر والشرك]، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَاتِ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ .

فكأنه يريد بقوله: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي: تلك العقوبات التي نزلت بالأمم الماضية، إنما كان سببها: أن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، ﴿ فَقَالُوۤاْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ ، وكان قولهم: ﴿ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا ﴾ تلقين إبليس؛ حيث لقنهم مخالفة الرسول وتكذيبه، وأنكم لو احتجتم إلى طاعته ففيكم من هو أعظم منه درجة وأكثر منزلة، فإذا لم تطيعوه فكيف تطيعون بشراً مثلكم؟!

وهذا كله عناد وخطأ، وذلك أنهم قد كانوا يعبدون الأصنام؛ تقليدا منهم لبشر؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ ، ومعلوم أن جعل الأصنام معبودا يعبدونه بقول البشر؛ تقليدا له - أكثر وأعظم من تصديق البشر: أنه رسول من عند الله -  - عند قيام الدليل المعجز، فإذا استجازوا تقليد البشر في ذلك، فكيف لا استجازوا تصديق الرسول فيما يدعوهم إلى توحيد الله وطاعته فيما يرجع إليهم من المنافع والمضار، ولكنهم كانوا قوما سفهاء، فاتبعوا سفههم وعنادهم، والله أعلم.

وكذلك قولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ ، وكيف يكون سحراً، وقد أتاهم بآيات أعجزتهم وأعجزت السحرة أن يأتوا بمثلها؟!

ولكنهم عاندوا، ولم يجدوا حيلة سوى أن قالوا: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: كفروا بالرسل ﴿ وَتَوَلَّواْ ﴾ : أعرضوا عن طاعته، وطاعة رسوله.

وقوله: ﴿ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ لم يسمع من أحد من المتكلمين يقول: ﴿ وَّٱسْتَغْنَىٰ ٱللَّهُ ﴾ على الابتداء إلا ما ذكر في ظاهر هذه الآية، والقول [في الاستغناء فيما يريد به الإخبار جائز؛ نحو قولك: الله مستغن، فأما أن تبتدئ، فتقول: الله مستغن، فيما فيه شك وريب، فإنه لا يجوز البداية به].

وقد غلط بعض المفسرين حيث قالوا: استغنى الله: بطاعة من أطاعه عن معصية من عصاه؛ لأن الله  لم يمتحن عباده بالطاعة والمعصية لمنافع يأملها أو مضرة يخشاها ويخافها، بل هو مستغنٍ بذاته عن ذلك في الأزل، والله أعلم.

ويجوز أن يكون في هذا إضمار، يعني: واستغنى الرسول عن طاعتهم بالله  ، أو يصرف الاستغناء إلى الإخبار عن ذاته: أنه مستغنٍ بذاته في الأزل، لا تمسه حاجة، وأنه لا يضره كفر من كفر، ولا ينفعه إيمان من آمن، بل إنما يحصل ذلك كله للممتحن بهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

قد وصفنا معنى الغني، وأما الحميد يحتمل وجهين: أحدهما: يعني: المحمود، أي: المستحق للحمد بذاته؛ إذ يستحق من كل أحد الحمد على ما يحسن إليه، أو يحمل معنى الحميد على معنى الحامد، ووجه ذلك أن الله  يحمد محاسن الخلق وآثار أفعالهم، وأن حقيقة تلك الأفعال من جهة التوفيق والتسديد إنما كانت به، وذلك غاية الكرم.

وقوله -عز وجل-: ﴿ زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ .

قوله: ﴿ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أنه يجوز أن يكون هذا تعليما [لرسول الله]  أن يعلمه القسم تأكيدا؛ لما كان يخبر عن البعث، وكذلك جميع ما ذكر من القسم في القرآن يجوز أن يكون على هذا المعنى؛ لأن القسم إنما هو لنفي تهمة تمكنت، والله  لا يتهم في خبره، والرسول هو الذي كانوا يتهمونه فيما يخبر؛ لما لم يثبت عندهم رسالته لعدم تأملهم في دلائله، فعلمه القسم؛ تأكيدا لما يخبر ونفيا للتهمة عما يقوله، والله أعلم.

ويجوز أن يكون هذا قسماً مقابلا لما أقسم به الكفرة في أمر البعث؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً  ﴾ .

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن أمر البعث على الله يسير هين لأنهم أنكروا البعث بعدما صاروا ترابا؛ فأخبر أن بعثهم وإعادتهم [أهون في عقولهم من إنشائهم، ولم يكونوا شيئاً؛ فكيف أنكروا قدرته على إعادتهم] بعد أن صاروا ترابا، فأخبر - جل وعلا - أن ذلك على الله يسير.

والوجه الثاني من التأويل: أن يذكر ما عملوا من خير أو شر أحصاه عليهم [كل] سر وعلانية وكل صغير وكبير؛ ليعاينوا ذلك في كتبهم، ويعلموا تحقيقاً: أنها على الله يسير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ .

يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم، وذلك أن الله  ذكر ما نزل من العقوبة بالأمم الماضية، وأن ذلك إنما نزل بهم؛ لكفرهم بالله  ، وتكذيبهم الرسل، فآمنوا [أنتم بالله ورسوله] لئلا ينزل بكم ما نزل بهم من البأس والعقوبة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلنّورِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلْنَا ﴾ النور: هو القرآن، ويجوز أن يكون سماه: نوراً؛ لأنه يبصر به حقيقة المذاهب في الطاعة والمعصية والإحسان والإساءة والإيمان والكفر كما يبصر بنور النهار حقيقة الأشياء من جيدها ورديئها، كذلك يبصر بهذا منافع الطاعة ومضار المعصية، فسمي: نوراً من هذا الوجه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

أي: أن الله خبير بما تسرون وما تعلنون، فراقبوه وحافظوه في الحالين جميعاً، وفي هذا بيان أن الله  عالم بما يعمله العباد في الأزل، وبما يكون منهم، وأنه ليس كما وصفه بعض الجهال، والله المستعان.

وقوله: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ ٱلْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ﴾ .

ذلك اليوم في الحقيقة يوم جمع وتفريق، وهو أيضاً في الحقيقة يوم تغابن وترابح، وإن ذكر أحدهما؛ دليل ذلك ما ذكر في غيرها من الآيات؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ  ﴾ ، وإلى ما ذكر في عقيب قوله: ﴿ ذَلِكَ يَوْمُ ٱلتَّغَابُنِ ﴾ \[من قوله\]: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ﴾ ، وهذا هو معنى الترابح، ولكنه -جل ثناؤه- يجوز أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر.

ثم الغبن يذكر في التجارات، والأصل في ذلك [عندنا] أن كل سليم طبعه لا يخلو من عمل، وعمله لا يخلو من إحدى ثلاثة أوجه: إما أن يكون في مباح أو أمر أو نهي، ومعلوم أن من استعمل المباح فهو يستعين به في إقامة الأمر، إذ لا بد من البقاء لإقامة الأمر؛ وذلك باستعمال المباح والاشتغال بأسبابه، فكأنه في إقامة ذلك الأمر؛ فحقيقته ترجع إلى أن الأعمال في الحقيقة تنصرف إلى نوعين: إلى أمر ونهي، ومعلوم أن من كان في أمر، فهو تارك لما نُهِي عنه، ومن كان في نهي فهو تارك لما أمر به، والتجارة في الحقيقة هو أن يأخذ شيئاً [و] يترك شيئاً آخر، وإذا تحقق معنى التجارة في أعمال بني آدم، أطلق لها لفظ: التجارة.

قال: والدنيا لها ثلاثة أسماء: المتجر، والمزرع، والمسلك، وقد وصفنا معنى التجارة، وأما معنى المزرع؛ فلأجل أن كل من يعمل في الدنيا فإنما يعمل لعاقبة، ولا بد أن تكون عاقبته خيرا أو شرّاً، فكل من كانت عاقبته الخير فهو زارع للخير، ومن كانت عاقبته الشر، فهو زارع للشر، والله أعلم.

وأما معنى المسلك [والطريق، فلأجل أن الخلق لم يخلقوا في هذه الدنيا ليقروا فيها، وإنما خلقوا] لأحد أمرين: [إما للثواب أو العقاب] فكل من عمل عملا يفضي به إلى الثواب والجنة فكأنه يسلك طريق الجنة، وكل من عمل عملا يفضي به إلى النار؛ فكأنه يسلك طريق النار؛ فلذلك سمي: مسلكا وطريقا، والله أعلم.

ثم التغابن عندنا يجوز أن يكون معناه: أن أهل الكفر يغبنون في أهلهم وأموالهم في [الدار] الآخرة؛ لأنهم كانوا يتعاونون بهم في الدنيا، فحسبوا أنهم يكونون كذلك في الآخرة، فإذا لم يجدوا وصاروا يلعن بعضهم بعضا، غبنوا ما كانوا يأملونه منهم.

وقال بعضهم: إن لكل كافر في الجنة قصرا وبيتا وأهلا، فإذا صاروا إلى النار، ورث المؤمن أهله وقصره الذي كان له في الجنة؛ [فهذا هو التغابن، ولكن هذا] غير صحيح عندنا؛ لأنه لا يحتمل أن يبني الله  للكافر في الجنة بيتا مع علمه أن لا يأتيه؛ لأن هذا فعل من لا يعلم العواقب ومن هو عابث في فعله، جل الله  عن مثل هذا الوصف، إلا أن يحمل على الوعد إن ثبت الخبر، أي: إن أسلم الكافر كان له ذلك المنزل في الجنة، وإن ارتد المسلم عن الإسلام، كان له ذلك المنزل في النار، وهو عالم أن عاقبة أمره ماذا: الكفر أو الإسلام؟

وأن مأواه النار أو الجنة وحكمه على ما علم وأراد، ولكن الله  عالم بما كان وما يكون وبما لا يكون أن لو كان كيف يكون، فأخبر على ذلك، وإلا لم يصح، لما ذكرنا من المعنى، والله الموفق.

ويحتمل: أنه إنما سماه: يوم التغابن؛ لأن الدنيا جعلت أسواقا، والأحوال التي تكون لهم رءوس الأموال، والأعمال التي يعملون فيها ويكتسبون تجارة؛ قال الله  : ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، ثم قال: ﴿ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ...

﴾ الآية [الصف: 11]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 111] وقال ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ ، وقال: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ  ﴾ ، فإذا كانت الدنيا متجراً فالآخرة هي التي يقسم فيها الأرباح، وفي ذلك يقع الربح والخسران، ويظهر الغبن والفضل أو النقصان والزيادة، والله أعلم.

أو سماه: يوم التغابن؛ لما يظهر لهم في ذلك أنهم خسروا أو ربحوا، ولا يظهر لهم ذلك في الدنيا، ثم بين العمل الذي يربح عليه، والعمل الذي يخسر به، والتجارة التي يوصل بها إلى الأرباح، والتي يلحق بها الخسران، وهو ما قال: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ...

﴾ الآية ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ...

﴾ الآية.

ثم قوله -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحا ﴾ .

يعني: ومن يؤمن بالله على ما جاءت به الرسل جملة، وأن له الخلق والأمر، ويؤمن بالرسل والبعث - فذلك هو الإيمان بالله  .

وقوله: ﴿ وَيَعْمَلْ صَالِحا ﴾ .

[يعني: ومن يؤمن بالله ويعمل] في إيمانه صالحا إلى أن يموت.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ ﴾ .

يعني: كفروا بوحدانية الله  وبقدرته، وكذبوا بآياته، أي: بحججه، أو كذبوا بالبعث ﴿ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ١١ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ ١٢ ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ١٣

قوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بأمر الله، وهو قول الحسن.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بعلم الله.

وقال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ يعني: بمشيئة الله.

ولكل من ذلك وجه: فأما من قال: بأمر الله، فمعناه وحجته: أن هذه المصائب كلها عقوبات؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ومعلوم أن جزاء ما كسبت يده عقوبة له، والتعذيب والعقوبة إنما يكون بأمر الله؛ فلذلك قال: معنى قوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله.

لكن عندنا هذا يرجع إلى ما يصيبهم من أيدي الخلق، كقوله  : ﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ هَلْ تَرَبَّصُونَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا  ﴾ ونحو ذلك، وهذه المصائب لا تحتمل [تأويلاً للأمر] من الله  .

ومن قال: بعلم الله، فوجه ذلك: أن هذه المصائب فيها إهلاك العبيد، وفي الشاهد أنه لا يحب أحداً أن يعلم بما فيه هلاك عبيده وخدمه، فأخبر -عز وجل- أن هذه المصائب وإن كان فيها هلاك عبيده فإنما يكون ذلك بعلمه، وأن هلاكهم لا يضره، ولا ينقص من ملكه؛ لأن الله -  وتعالى - أنشأ ما أنشأ من الخلائق لحاجة لهم، ولمنفعة ترجع إليهم ومضرة تلحقهم؛ فحلول ما يحل بهم من المصائب لا يضره ولا ينفعه [لذلك كان علمها ما ذكر].

ومن قال: بمشيئة الله وإرادته فوجه ذلك: أن الله  وعد وأوعد، ولا محالة يريد من عبيده ما يكون بوعيده عادلا وأن يضع وعده موضعه، وإذا كان كذلك ثبت أنه يريد من كل أحد ما يعلم أنه يكون منه؛ لأنه إذا خلق النار، وأوعد عليها، فلو أراد من كل منهم الطاعة، لكان إذا أحرق بالنار أحرق من أراد منه الطاعة فدخل في حد الجور، ولو كان يريد [من كل منهم] المعصية، لكان إذا أنجز وعده، وأدخله [الجنة، كان يضع ثوابه غير موضعه ويخرج عن حد الحكمة، وإذا كان] كذلك، ثبت أنه أراد من كل ما علم أنه يختاره، ويكون منه ليخرج فعله على الحكمة، والله الموفق.

ونحن نقول: قد ذكر الله  الإذن في مواضع مختلفة، ولكل من ذلك وجه غير وجه صاحبه، فالواجب أن يصرف معناه في كل موضع إلى ما يليق به، والله أعلم.

وقوله عز وجل: ﴿ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ .

قال أبو بكر: أي: من آمن بما شاهد من التدبير، يهديه الله  ؛ ليعلم أن من دبر هذا التدبير هو الذي ابتلاه بهذه المعصية.

ويجوز أن يكون تأويله على وجه آخر، وهو أن يقول: من يؤمن بالله أن له الخلق والأمر -يهدِ قلبه؛ ليسكن، ويعلم أن الله أولى به؛ فيسترجع عند ذلك، وذلك تأويل من قرأ ﴿ يهدأ قلبه ﴾ أي: يسكن؛ من الهدوء وهو السكون، والله أعلم.

والثاني: يحتمل أن تكون هذه الهداية وإن خرجت على لفظ الإحداث، فليس على الإحداث ولكن معناه: أن إيمانه بالله  إنما كان بهدايته منه؛ لأنه لا يجوز أن يكون الإيمان متقدما والهداية متأخرة، ولكن حين هداه، آمن بما هداه؛ وهذا على ما قال الله  : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ فهذا خرج في الظاهر على لفظ الإحداث، ولكنه في الحقيقة ليس عليه ولكن على معنى أنهم لما آمنوا، أخرجهم بالإيمان من الظلمات إلى النور بعد الإيمان، فكذلك الأول، والله أعلم.

ويجوز أن يكون تأويله: أن الله يهدي قلبه، أي: يتوب عليه من الزلات عند الموت؛ على ما قال الله  : ﴿ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ  ﴾ .

وقيل: فيه لغات أربع ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ بنصب الياء والباء جميعاً، و ﴿ يُهد قَلبُه ﴾ برفع الياء والباء جميعاً، و ﴿ يَهْدَ قَلبُه ﴾ بفتح الياء وضم الباء، أي: يهتدي، و ﴿ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ من السكون.

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

الأصل في الأسماء المشتركة إذا أضيف شيء منها إلى الله  ، فحق التخصيص في الإضافة إليه أن يضاف بحق الكليات ليكون فرقا بينه وبين العباد فيقال: ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، ويقال في الخلق: فلان عليم بكذا على الخصوص، وليعلموا أن العبيد إنما يعملون ما يعملون بعلمه، وكذلك هذا في قوله: ﴿ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ وهذا على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله -عز وجل- ليس بقادر على كثير من الأشياء فكأنهم أشركوا في اسم القدرة غيره؛ لأنه لا أحد من الخلق إلا وله جزء من القدرة، فلو قلنا: إن الله  يقدر على بعض [ولا يقدر على بعض] لسوينا بينه وبين خلقه، وشبهناه بهم، جل الله -  وتعالى - عن [مثل هذا الوصف] والله المستعان.

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ .

يعني: أطيعوا الله فيما تعبدكم به، وأطيعوا الرسول فيما أخبر عنه.

أو أطيعوا الله فيما أمركم وأطيعوا الرسول فيما دعاكم إليه، وهذا كله واحد إلا التعبُّد؛ فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الرسول، وما سواه من الألفاظ من الأمر والدعاء والإخبار، فهو جائز أن يضاف [إلى الله  ] وإلى الرسول -  -.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَولَّيْتُمْ ﴾ .

يعني: توليتم عن إجابة الرسول إلى ما دعاكم إليه وعن طاعته.

وقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

فيه بيان: أن توليهم عن إجابته وكفرهم به، لا يوجب تقصيرا في التبليغ.

وقوله -عز وجل-: ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُو ﴾ .

يجوز أن يكون هذا صلة ما تقدم من الآيات من قوله: ﴿ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ و ﴿ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  ﴾ ، ثم قال الله الذي له الأوصاف التي تقدمت هو الذي لا إله إلا هو، أي: لا معبود إلا هو، وأن معبودهم ليس يجوز أن يكون معبودا؛ لتعريه عن هذه الأوصاف التي تقدم ذكرها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ .

فيه بيان: أن معتمد المؤمنين على الله  ، وإن قلت أعوانهم وأنصارهم، وأنهم ليسوا كالمنافقين والكفرة؛ حيث تركوا اتباع المؤمنين لما رأوا من قلة الأتباع والأعوان لهم وأخبر أن المؤمنين بخلاف تلك الصفة، وأن ثقتهم واعتمادهم على الله  ليس على كثرة الأنصار، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ مِنْ أَزْوَٰجِكُمْ وَأَوْلَـٰدِكُمْ عَدُوًّۭا لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا۟ وَتَصْفَحُوا۟ وَتَغْفِرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٤ إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ١٥ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُوا۟ وَأَطِيعُوا۟ وَأَنفِقُوا۟ خَيْرًۭا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ١٦ إِن تُقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا يُضَـٰعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ١٨

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَٱحْذَرُوهُمْ ﴾ .

يحتمل أن يكون على تحقيق العداوة، ويحتمل أن يكون على فعل العداوة؛ فإن كان على تحقيق العداوة فهو يحتمل وجهين: أحدهما: عداوة ظاهرة، وهي عداوة الكفر والشرك؛ وذلك أنه كان في ذلك الزمان يسلم الرجل ويبقى ولده وزوجته على الكفر، فعلمهم الله  صحبة الأولاد والزوجات: أنه إذا دعوكم إلى الكفر والشرك، فاحذروهم أن تطيعوهم وأن تعفوا عن عقوبتهم على ما دعوكم إليه، وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم.

ثم ذكر الله - عز وجل - في صحبة الأولاد والزوجات إذا كانوا كفارا -العفو والصفح، ولم يذكر ذلك في الوالدين المشركين، ولكنه أمره أن يصاحبهما في الدنيا معروفا لقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ ، فوجه ذلك - عندنا والله أعلم -: أن يجري سلطانه وغلبته وقهره على زوجته وولده، فأمره هاهنا بالعفو والصفح، وأما في الوالدين فليس يجري [له عليهما] السلطان والقهر والغلبة؛ فلا معنى [للعفو والصفح] عنهما، لكنه أمر [أن يصاحبهما] في الدنيا معروفا وألا يطيعهما فيما أمراه من المنكر، والله أعلم.

ويحتمل أن تكون هذه العداوة عداوة مستورة، وهي عداوة النفاق، فكأنه قال: إن من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم وأنتم لا تشعرون، وإن تعفوا عن جنايتهم ولم تؤذوهم عليها وتصفحوا وتغفروا؛ فإن الله غفور رحيم؛ ألا ترى إلى ما حذر الله المؤمنين من أهل النفاق مع أنهم من الضعف والفشل [؛ كما أخبر الله] - عز وجل - عنهم بقوله: ﴿ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ  ﴾ فكذلك الأزواج والأولاد وإن كانوا تحت قهره [وغلبته، أمره] بالحذر عنهم، والله أعلم.

ويحتمل أن يكون على فعل العداوة، ليس أنهم أعداء في الحقيقة، وذلك أنهم في المتعارف والمعتاد يدعون الآباء إلى البخل والمنع عن الإنفاق على غيرهم، ويشتد عليهم صنع أبيهم من الإحسان والبر في حق الناس، ويكرهون ذلك، وهذا في الظاهر فعل العدو؛ فيجوز أن يكون الله  علم صحبة هؤلاء أن من أزواجهم وأولادكم من يظهر فعل العداوة فاحذروهم أن تمتنعوا عن وجوه الإحسان إليهم والتبرع بقولهم، وإن تعفوا عن صنيعهم بكم وتغفروا ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله -عز وجل-: ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ .

المفتون: [هو] المولع بالشيء العاشق له، فكأنه قال: إنما أموالكم وأولادكم معشوقكم؛ فلا يحملكم حبهم على أن تتركوا ابتغاء الأجر العظيم عند الله  .

ويحتمل أن يكون معناه: أن الله  لم يخلق الأزواج والأولاد لكم مجانا، وإنما خلقهم ليبتليكم، ويمتحنكم: أن كيف تعاملون الله  فيما أمركم به ونهاكم عن حبهم، ثم أخبر أن الله عنده أجر عظيم؛ ليتحملوا المؤنة العظيمة في أوامره ونواهيه عن حبهم الأولاد والأموال، وهذا معنى ما قال بعضهم: إن الأزواج والأولاد كانوا يتعلقون بهم، ويقولون: ننشدك بالله أن [لا] تذرنا وتضيعنا، إذا أراد الرجل أن يهاجر إلى المدينة.

والأشبه ألا يكون هذا؛ لأن هذه الآية نزلت بالمدينة وأفعالهم هذه إنما كانت بمكة، إلا أن يكونوا كتبوا إليهم بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ .

قال بعضهم: نسخت هذه الآية قوله  : ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ حيث أمر هاهنا بالاتقاء على قدر الاستطاعة، وثم بخلافه، ولكن هذا لا يستقيم؛ لأن قوله: ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ لا يراد به الاتقاء فيما لا يستطيعون لا فوق الطاقة والاستطاعة، ولكنه إن كان [فوجهه: أن] ﴿ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ  ﴾ وإن هلكت فيه طاقتكم؛ لأنهم أمروا بتقوى تهلك به طاقتهم على ما قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُمْ  ﴾ ، ولو كتب عليهم أن يقتلوا أنفسهم جاز ولكنه تهلك طاقتهم فيه، فكذلك الأول، ثم قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ تخفيفا عليهم وتيسيرا والله أعلم.

ولكن الكلام في أن كيف قال: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ ولم نكن نتقي لولا هذه الآية إلا ما استطعنا، ولكن معناه -والله أعلم-: على جهة البشارة: أنكم إذا قصدتم قصد التقوى، آتاكم الله -تعالى- الاستطاعة في تقواه، وهو كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَٱسْتَغْنَىٰ  ﴾ .

وهذه الآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الاستطاعة تتقدم الفعل، وهي تزول عن الفاعل وتقدم عند الفعل، ولو كان كذلك كان يجعل قوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ ﴾ استطاعة زالت عنهم، وكذلك قوله: ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ  ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ  ﴾ ، زالت عنهم هذا مستحيل، والذي يؤيد قولنا قول الله جل ثناؤه: ﴿ فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً  ﴾ ، والحاجة إلى هذه الاستطاعة تقع عند أداء البدل عن الأصل، فأما قبل ذلك إن كان مستطيعا أو غير مستطيع فهو سواء.

قوله  : ﴿ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ ﴾ .

أي: اسمعوا إلى ما أمركم الله  به ورسوله.

أو يكون قوله: ﴿ وَٱسْمَعُواْ ﴾ بمعنى: أجيبوا لما أمركم الله به، وإلى ما دعاكم الله ورسوله؛ كقوله: "سمع الله لمن حمده"، أي أجابه.

وقوله -تعالى-: ﴿ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ ﴾ .

أي: وأنفقوا مما زرقناكم خيرا لكم من أن تدعوا الإجابة لما أمركم والإنفاق مما رزقكم.

وقوله -عز وجل-: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ .

قال سفيان بين عيينة: أي: ومن يوق ظلم نفسه، والشح: الظلم.

[وقال بعضهم: الشح: البخل، الذي فيه الحرص.

قال: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ ] أضاف الوقاية إلى نفسه؛ ليعلم أن من اتقاه فإنما اتقاه بما وقاه الله  بلطفه وكرمه، ألا ترى إلى قوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ كيف علمهم ذلك التقوى بقوله: ﴿ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ  ﴾ [أن قولوا: وقنا عذاب النار؛ ليعلم أن] جميع أفعال العباد إنما تقوم وتصح بتدبير الله -تعالى- وتوفيقه وتسديده وتقديره، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ فيه أوجه من الدلالة: أحدها: أن قوله: ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾ لم يبين فاعله، ففيه بيان أن في سلطان الله وملكه ما يقي به شح عبده، وأنه إذا وقاه شح نفسه أفلح، وكذلك في قوله: ﴿ إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ  ﴾ إخبار أن من ينصره الله فلا يغلب، وقد يرى في الشاهد من لا يوق شح نفسه ألبتة، ومن قد يوق شح نفسه ولا يفلح، وقد نرى من يجاهد أعداءه فيغلب، مع ما وعده وأخبر أنه هو الغالب وأنه لا يغلب، فلا بد في ذلك من أحد وجهين: إما أن لم يكن لله  النصرة في ملكه وسلطانه كما ادعى، فهو كاذب فيما ادعى، وإما أن آتاه من القوة ما يقي به شح نفسه فلم يفلح؛ فصار كاذبا في خبره.

[فأما المعتزلة فإنهم زعموا] أن الله  قد آتى عبده جميع ما يقي به شح نفسه حتى لم يبق في خزانته شيء يؤتيه ليقي به شح نفسه -كذبة، وإذا لم يكن بد من نسبة الكذب إلى الله  أو إلى المعتزلة، كانت المعتزلة أولى أن ينسبوا إلى الكذب من رب العالمين فيما أخبروا هم، وأن الله  [فيما أخبر صادق] وأن في ملكه وسلطانه ما لم يؤت عبده ليقي به شح نفسه، والله المستعان.

وفيه دلالة على إبطال قول من قال: إن على الكفرة أداء هذه العبادات، والحقوق واجبة، وذلك أن الله  وعد في هذه الآية أن من وقي شح نفسه، وأدى ما وجب عليه من هذه الحقوق فقد أفلح، وقد ترى الكافر في الشاهد [يوقي شح نفسه] ويؤدي [حقوق أمواله] ويسخو بماله على الناس، ولا يفلح ولو كان عليه هذه الحقوق واجبة، لكان يحصل له الفلاح، ثبت أنه ليس عليه أداءها وإنما عليه قبولها، والله أعلم.

وفيه أن صاحب الكبيرة قد يرجى له الفلاح وإن لم يتب عن الكبيرة حتى مات؛ لأنا قد نرى صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه، وقد وعد الله -عز وجل- أن من وقي شح نفسه، فهو من المفلحين، فإذا كان صاحب الكبيرة قد يوقي شح نفسه؛ فقد ثبت أنه يرجى له الفلاح، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ ، تولد من هذه الآيات ظنون فاسدة: أحدها: ظن اليهود، حيث قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؛ وذلك أنهم لما سمعوا أن الله  يقول: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ والاستقراض في الشاهد يدل على الحاجة إلى ما يستقرض، وكذلك قوله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ  ﴾ ، والشراء يدل على حاجة في المشتري، وحيث استعمل عبيده في الأعمال، ثم قال: ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ  ﴾ ، ورأوا أن من يستعمل آخر فإنما يستعمله في عمل ترجع منفعته عليه ويحتاج إلى عمله، ظنوا بذلك أن الله فقير وأنه محتاج.

وظنت المعتزلة أن أنفس العبيد وأملاكهم ملك لهم حقيقة ليس لله -تعالى- في شيء من ذلك ملك ولا تدبير، قالوا: وذلك أن الله  استقرض من عبيده، والمرء في الشاهد لا يستقرض ملك نفسه، فلما استقرض واستباع دل أن هذه الأشياء كانت ملكا لهم حقيقة.

والذي يدل على أن قول المعتزلة على ما وصفنا: أن من قولهم: إن ليس لله  أن يمرض أحداً ولا يؤلم ذاته إلا بعوض، ومن لم يملك فعل شيء إلا بعوض أو بدل تبين أنه لا يملكه؛ فثبت على أن عندهم أنه لا يملك حقيقة، وأن حقيقة الملك فيه للعبيد.

ويشبه أن يكون ظن [اليهود والمعتزلة] جميعاً إنما تولد من قولهم: إن ليس لله  أن يفعل بعبيده إلا ما هو أصلح لهم في دينهم، فذهبت اليهود إلى أن هذا لما كان حقّاً على الله أن يفعله لا محالة حتى إذا لم يفعله يكون جائرا، ومن كان مأخوذا بحق أو بشيء يفعله، ففيه بيان أن حقيقة ذلك الفعل لغيره حتى أخذ به لا محالة؛ لذلك قلنا: إن ظنونهم تولدت عن القول بالأصلح، والله المستعان.

وأما الحكماء وأهل العقل ومن انتفع بعقله، حمل هذه الآيات من الله  على نهاية الكرم وغاية الغناء؛ لأن الله  أعطى عبده، ثم استقرض منه ذلك الذي أعطاه؛ ليصير ذلك العطاء دائما ببدله الدائم، وهو النعيم في الآخرة، ومعلوم أن من أراد دوام عطاء من أعطاه فهو في غاية الكرم، وكذلك اشترى منه حياة فانية؛ [ليعطي له] حياة دائمة، وهذا من غاية الجود، ومن استعمل عبده في عمل يوصف بأنه جواد سخي ويشرف به، ويكرم ثم وعد له على ما فيه شرفه أجراً دائماً، دل على غناه، فثبت أنه أراد بهذه الآيات أن يعلمنا غاية كرمه وغاية جوده ونهاية غناه، وأن جوده وكرمه مما لا تدركه عقولنا، والله المستعان.

والذي يدل على غاية كرمه وغاية جوده: أن جعل ما نتصدق به على فقرائنا وما نصل به أرحامنا قرضا حسنا على نفسه، ووعد الأجر بعمل يعمله العبد لنفسه، وعلى عمل [على] العبد فعله لا محالة، ولا شك أن ذلك من غاية [الجود والكرم] والله المستعان.

ثم قوله: ﴿ إِن تُقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ .

قال بعضهم: القرض: هو القطع، كأنه قال: اقطعوا شيئاً من أموالكم لله  قطعا حسنا.

وقال بعضهم: اقرضوا، أي: اجعلوا ما تتصدقون به مما فضل عن حاجاتكم على فقرائكم قرضا حسنا على الله  يؤتكم أجره عند حاجتكم إليه.

وقوله: ﴿ يُضَاعِفْهُ لَكُمْ ﴾ .

يعني: يضاعف ما يعطيكم في الآخرة من الثواب الذي تكرمون به، بما شرفتم به، وتزينتم في الدنيا بالتصدق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

يعني: شكور؛ حيث شكر لكم على ما أعطيتموه شيئاً هو أعطاكم إياه.

وقوله: ﴿ حَلِيمٌ ﴾ .

وصف نفسه بالحلم، وعلى قول المعتزلة لا يتحقق هذا الوصف؛ لأنهم يقولون: إنه إذا وجبت العقوبة، فليس لله  أن يؤخرها كرماً منه، وأنه فيما أخرها كان ذلك حقّاً عليه؛ حيث رأى الأصلح في تأخيرها، ومعلوم أن من أدى حقّاً عليه لم يوصف بالحلم، ولكنه يقال: إنه ينفي الجور، والحليم من يحلم عن عقوبة لزمت فيؤخرها ويتركها ويعفو صاحبها عنها؛ فيوصف بالحلم عند ذلك، وأما أن يكون عليه تأخيرها، فلا يوصف بالحلم في هذا الموضع، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَالِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَادَةِ ﴾ .

يعني: عالم ما غاب من أفعال الخلق عن الملائكة، وعالم بما شهدوا من أفعالهم، وعالم بما غاب عن العباد، وبما شهده العباد.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

[العزيز]: الذي لا يعجزه شيء، والحكيم: الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره، ثم المعتاد في القرآن أنه يذكر العزيز الحكيم بعد ذكره خلق الكفرة؛ ليعلم أن فسادهم لا يوجب وهْناً في حكمته وتدبيره، ولا يبطل عزه وسلطانه؛ لأن من صنع إلى آخر شيئاً يعلم أنه يفسد؛ دل ذلك على جهله بالتدبير وإذا استعمل عبده بما يهلكه؛ دل على ذله فأخبر بعد خلق الكفرة: أنه عزيز ليعلم أن كفرهم لا يوجب نقصا في عزه، ولا يدخل ذلا عليه، وأن فسادهم لا يخرجه عن الحكمة والتدبير، [والله أعلم بالصواب].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده