تأويلات أهل السنة سورة الحاقة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة الحاقة

تفسيرُ سورةِ الحاقة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 60 دقيقة قراءة

تفسير سورة الحاقة كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

ٱلْحَآقَّةُ ١ مَا ٱلْحَآقَّةُ ٢ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ ٣ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ ٤ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥ وَأَمَّا عَادٌۭ فَأُهْلِكُوا۟ بِرِيحٍۢ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍۢ ٦ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍۢ وَثَمَـٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًۭا فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍۢ ٧ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٍۢ ٨ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُۥ وَٱلْمُؤْتَفِكَـٰتُ بِٱلْخَاطِئَةِ ٩ فَعَصَوْا۟ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةًۭ رَّابِيَةً ١٠ إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَـٰكُمْ فِى ٱلْجَارِيَةِ ١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةًۭ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌۭ وَٰعِيَةٌۭ ١٢

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ ﴾ .

قد ذكرنا أن يوم القيامة سمي بأسماء النوازل التي تكون من البلايا والشدائد؛ ليقع بها التخويف والتهويل، وليس في تبيين وقته ولا في ذكر عينه ترهيب ولا ترغيب، فذكر ذلك اليوم بالأسباب التي هي أسباب الزجر والردع؛ فقوله: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ ﴾ أي: حقت لكل عامل عمله، وتحق لكل ذي حق حقه، فإن كان من أهل النار استوجبها، وإن كان من أهل الجنة دخلها.

وقال بعضهم: الحاقة هي النار التي لا ترتفع أبداً، وهو ما ينزل بالخلق من الجزاء وأنواع ما وعدوا به يوم القيامة.

وقيل: هي الواجبة مثل قوله: ﴿ وَحَاقَ بِهِم  ﴾ أي: وجب، ونزل بهم.

والأصل أن القيامة سميت بالأحوال التي يبتلى الخلق بها فيها؛ من نحو: القارعة، والواقعة، والتناد، والطامة، والصاخة، ونحو ذلك مما جاء في القرآن، أخذت أسماؤها من أحوال ما يبتلى الخلق بها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا ٱلْحَآقَّةُ ﴾ .

فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم أيضاً، كما يقال: فلان ما فلان؛ إذا وصف بالغاية في القوة والسخاوة، ونحوه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، أي فهو على تعظيم أمر ذلك اليوم، أيضاً أو ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ ، أي: لم تكن تدري ما ذلك اليوم؟

فأدراك الله  ؛ لأنه لم يكن خبر القيامة علمك ولا علم قومك، لكن الله  أطلعك عليه؛ لأن قومه كانوا منكري البعث ولم يكن عندهم من خبره شيء، وذلك أن الله  لما ذكرهم من دلائل البعث إلى جهة تدركها العقول، والحكمة من إحالة التسوية بين [الفاجر والبر] والمطيع والعاصي، وأنه لا يجوز خروج كون هذا العالم عبثاً باطلاً، والدلائل الأخرى التي لا يأتي عليها الإحصاء، فلما لم يقنعهم ذلك، ولم يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ولا اعتبروا بالآيات، احتج عليهم بما لقي سلفهم من مكذبي البعث ومنكري الرسل، حيث استأصلهم، فلم يَبْق لهم سلف، ولا خلَفَ عنهم خلف؛ ليكون ذلك أبلغ في الإنذار وذلك قوله: ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ ﴾ ، ذكرهم بما حل بثمود وعاد وما أصابهم بتكذيبهم الرسل، يقول: سيصيبكم بتكذيبكم محمداً  فيما يخبركم من الأنباء عن الله  كما يصيبهم ما أصاب ثمود وعاداً بتكذيبهم رسلهم؛ لينتهوا عن تكذيبه.

أو يخبرهم أن ثمود وعاداً كذبوا رسلهم حتى صاروا إلى الهلاك، وندموا على ما سبق من تكذيبهم، فستندمون أيضاً إن دمتم على تكذيبكم محمداً  فيما يأتيكم من الأنباء بعد موتكم، ثم ذكرهم نبأ عاد وثمود وإن كانوا مكذبين بتلك الأنباء؛ لئلا يبقى لهم يوم القيامة حجة فيقولوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ  ﴾ ولأنهم لو بحثوا عن علم ذلك، لكانت هذه الآيات والأنباء تحقق لهم ذلك، فقد وقعت هذه الآيات موقع الحجاج، لولا إغفالهم وإعراضهم عنها، فانقطع عذرهم، ولزمتهم الحجة وإن تركوا الإيمان بها.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْحَاقَّةُ * مَا ٱلْحَآقَّةُ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِٱلْقَارِعَةِ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلْقَارِعَةُ  مَا ٱلْقَارِعَةُ  وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ  يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ  ﴾ يحتمل أن يكون هذا مخاطبة كل مكذب بالبعث لا مخاطبة الرسول؛ كقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ  ﴾ إنه خطاب لمن يغتر بالدنيا لا لرسول الله  .

وجائز أن [يكون] يخاطب به رسول الله  ، فإن صرف الخطاب إلى الرسول -  - اقتضى معنى غير ما يقتضيه لو أريد بالخطاب المكذبون، والأصل أن قول القائل: (فلان ما فلان) يوجب اجتذاب الأسماع ويستدعي السامع إلى البحث في الشاهد؛ لأنه إنما يذكر فلاناً بهذا؛ لأعجوبة فيه، أو لعظم أمره، فيستبحث عن ذلك؛ ليوقف على تلك الأعجوبة التي فيه، فإن كان الخطاب للمكذبين دعاهم ذلك إلى تعرف ما فيه من الأعجوبة والتعظيم، وفي قوله: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْحَاقَّةُ ﴾ مبالغة في التعجب وإذا نظروا فيه وفهموه دعاهم ذلك إلى الإيمان به، فصارت الآية في موضع الإغراء واجتذاب الأسماع.

وإن كان الخطاب في رسول الله  فتأويله: أن المكذبين يؤذونه ويمكرون به فيتأذى بهم، ويشتد ذلك عليه، فذكر ما ينزل بهم من العذاب ويحق عليهم؛ فيكون في بعض التسلي عما أصابه [من] الأذى من ناحيتهم، أو ذكره أن العذاب يحق عليهم فلا يحزن بصنيعهم، بل يحمله ذلك على الشفقة عليهم والرحمة لهم.

وقيل: إن كان الخطاب في المكذبين، ففيه تخويف لأهل مكة وتهويل أنهم إن كذبوا رسولهم  فيما يخبرهم من أمر البعث، نزل بهم من العذاب ما نزل بعاد وثمود بتكذيبهم الرسل، وقد عرف أهل مكة ما نزل بأولئك.

وإن كان الخطاب في رسول الله  ففي ذكر نبأ عاد وثمود ما يدعوه إلى الصبر على أذاهم، ويكون له بعض التسلي؛ لأنه يخبر أنك لست بأول رسول كذب، بل شركتك الرسل من قبل وابتلوا بالتكذيب، ثم بين ما نزل بعاد وثمود بالتكذيب بالقارعة، وهو قوله: ﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ﴾ ، والطاغية [والعاتية] والرابية يمكن أن يجعل هذا كله صفة للعذاب الذي نزل بهم.

وجائز أن يكون صفة الأحوال التي سبقت منهم وما كانوا عليه، فإن كان هذا صفة العذاب، فالطغيان عبارة عن الشدة، والطاغي: هو العاتي، الشديد لا يراقب ولا يتقي، فوصف العذاب الذي أرسله عليهم أنه لم يُبْقِ منهم أحداً، بل استأصلهم وأهلكهم بجملتهم.

وقيل: ذلك العذاب هو الصاعقة.

وقيل: الصيحة، وسمي: طاغية: ولم يقل: طاغي؛ لهذا.

وقيل: اشتق هذا الاسم للعذاب من أفعال من عذب به ليس أنها طاغية، لكن أخذ اسمه عن فعل القوم؛ كقوله  : ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وقال: ﴿ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ  ﴾ ، وإنما ذلك كله جزاء سيئاتهم واعتدائهم.

وقيل: ﴿ بِٱلطَّاغِيَةِ ﴾ أي: بطغيانهم وذنوبهم الذي سلف منهم؛ كقوله  : ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون هذا صفة لأحوالهم التي كانوا عليها من شدة التمرد والعتوّ ومن طغيانهم التكذيب بالحاقة والقارعة، ففيه تخويف لأهل مكة أن سيهلكهم الله -  - إن لم ينتهوا عن التكذيب كما أهلك أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ﴾ .

قال الحسن: الريح الصرصر هي الصيحة، وهي التي لها صوت.

وقال بعضهم: هي [الريح الباردة] الشديدة البرد؛ كقوله: ﴿ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ...

﴾ الآية [آل عمران: 117]، والصر: البارد، والصرصر المكرر منه، فوصفها لدوامها وتكررها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَاتِيَةٍ ﴾ فتأويلها على ما ذكرنا في الطاغية.

وذكر الكلبي وغيره: أنها سميت: عاتية؛ لأنها عتت على الخزان فلم يطيقوها، وهذا لا يستقيم؛ لأنه لا يجوز أن يوكل الخزان على حفظها، ثم لا يمكنون من الحفظ حتى تعتوا عليهم، إلا أن يقال بأنهم لم يوكلوا بحفظها في ذلك الوقت، فأما إذا وكلوا بحفظها، ثم لا يُجعل لهم إلى حفظها سبيل، فهذا مستحيل، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ .

قوله: ﴿ سَخَّرَهَا ﴾ قيل: أرسلها.

وقيل: أدامها عليهم.

وقيل: التسخير: التذليل، أي: ذللها؛ فصيّرها بحيث لا تمتنع عن المرور عليهم في الوجه الذي جعلها عليهم، وأطاعته في الوجه الذي أرسلها، وإنما أرسل الريح على أبدانهم خاصة، لم تهلك شيئاً من مساكنهم؛ كقوله: ﴿ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأْصْبَحُواْ لاَ يُرَىٰ إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ  ﴾ ، والريح إذا عملت على الأبدان؛ فهي على البنيان أكثر، لكن الله  لم يأمرها بذلك، والله أعلم.

ثم قوله: ﴿ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً ﴾ فيه تبيين أن الأيام لم تكن على عدد الليالي، ولو كانا على عدد واحد، لكان في ذكر أحد العددين ذكر العدد الآخر؛ لأن تسمية الليالي تسمية للأيام، وتسمية الأيام تسمية الليالي؛ ألا ترى إلى قوله في قصة زكريا: ﴿ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً  ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حُسُوماً ﴾ ، قيل: متتابعة دائمة.

وقيل: قطعاً، [قطعاً] من الحسم، يقال: حسمت الريح كل شيء مرت به حسماً، أي: قطعته.

وقيل: مشئومات حيث انقطعت بركتها عنهم.

وقوله  : ﴿ فَتَرَى ٱلْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ ﴾ .

أي: إنك لو أدركتهم وشهدتهم وعاينتهم، لرأيتهم صرعى.

﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ .

وقال بعضهم: أي: ترى الأعضاء المتفرقة، كل قطعة منها كأنها عجز نخلة؛ إذ كانوا هم أعظم في أنفسهم من أعجاز النخل، فيصرف تأويله إلى الأعضاء المتباينة.

ثم ذكر النخل هاهنا بالتأنيث، فقال: ﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾ ، ووصف في سورة ﴿ ٱقْتَرَبَتِ  ﴾ بصفة التذكير فقال: ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ  ﴾ ؛ لأن النخل يذكر ويؤنث؛ كذا قاله الزجاج.

وقيل: النخل يذكر على كل حال، لكن قوله: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ صفة الأعجاز لا صفة النخل، والأعجاز جماعة، والجماعة مؤنثة، والنخل واحد فيذكر، وليس كذلك؛ لأن الخاوية صفة النخل، ألا ترى عند الوصل يذكر بالخفض لا بالرفع.

ولأن النخل اسم جمع، يقال: نخلة ونخل؛ كما يقال: شجرة وشجر، وثمرة وثمر، ونحو ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خَاوِيَةٍ ﴾ .

قال بعضهم: أي: بالية.

وقيل: الخاوية، أي: ساقطة؛ كقوله -  -: ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا  ﴾ ، أي: ساقطة على قوائمها.

وقيل: أي: خالية، فوصفها بالخلاء لأنها أقلعت من أصلها حتى خلا ذلك المكان عنها، وأعجاز النخل: أصوله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ﴾ .

فيه أنه لم يبق لهم نسل يذكرون بهم، بل أهلكوا بأجمعهم، وانقطع نسلهم، وانقطع عنهم الذكر إلا بالسوء، وإلا كان يرى لهم باقية، ففيه أنهم استؤصلوا وعم العذاب الكبير والصغير، يخوف أهل مكة بما يخبرهم عما فعل أولئك، وفيه إخبار أنهم عذبوا بعذاب لا رحمة فيه، وهكذا سنة الله -  - في مكذبي الرسل من قبل، وجعل تعذيب هذه الأمة أن يجاهدوا ويقاتلوا، فتعذيب هذه الأمة تعذيب فيه رحمة؛ لأن الصغار منهم لا يقاتلون، والنساء لا يقاتلن، بل يسبين رجاء أن يسلمن؛ فعلى هذا يخرج قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، والله أعلم.

ويشبه أن يكون هذا جواب قولهم: إن محمداً صرور، أي: ليس له ولد يُبقي نسله وذكره، فأخبر -  - أن كثرة الأولاد لا تغني من الله شيئاً؛ إذ قد كانت لهم أهالٍ وأولاد فأهلكوا عن آخرهم، وانقطع التناسل منهم؛ ليعلموا [أنه يبقى ذكر] لمن أطاع الله -  - ورسوله، كان ثَمَّ أولاد، أو لم يكن، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ .

قرئ بكسر القاف وفتح الباء، وقرئ بنصب القاف وجزم الباء.

فتأويل القراءة الأولى: أي: جاء فرعون ومن معه من جنده وأتباعه، أو من قبله: من كان من أهل القرى التي بغرب المصر، وقد روي [في الشاذ] في بعض الحروف: ﴿ وجاء فرعون ومن دونه ﴾ .

وجائز أن يكونوا من أتباع فرعون.

وجائز ألا يكونوا.

وتأويل القراءة الثانية: أي: جاء فرعون ومن كان متقدماً عليه من الأمم الماضية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ ﴾ .

قيل: قريات لوط، ائتفكت على أهلها، أي: انقلبت عليهم؛ بما عصت رسلها.

وقيل: المؤتفك: الذي يأتفك من الصدق إلى الكذب، ومن الحق إلى الباطل، ومن العدل إلى الجور، فمن قرأه: ﴿ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ بخفض القاف، كان قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ واقعا كله على العصيان لموسى -  - والمراد من المؤتفكات: كل من ائتفك من الحق إلى الباطل، دون أهل قريات لوط؛ لأنهم كانوا قبل زمان موسى بكثير.

ومن قرأه: ﴿ وَمَن قَبْلَهُ ﴾ بنصب القاف، كان قوله: ﴿ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ واقعاً على رسول [كل فريق]، كأنه قال: عصى كل أمة رسولها، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد من المؤتفكات قوم لوط،  .

ثم قوله: ﴿ بِالْخَاطِئَةِ ﴾ ، أي: بالخطايا والشرك.

وذكر أبو معاذ عن مجاهد في تفسير الخاطئة الشرك والكفر، وأنكر ذلك، واحتج بأن الله -  - لم يذكر من قوم لوط -  - كفراً وشركاً في كتابه، إنما ذكر [ركونهم للفاحشة] وبها أهلكوا؛ إذ لم ينزعوا ولم يتوبوا.

قال: ولو كانوا مشركين، لم يقل لهم لوط: ﴿ قَالَ يٰقَوْمِ هَـٰؤُلاۤءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ  ﴾ ، أراد بذلك الإنكاح والكافر لا يصح منه نكاح المسلمة.

وليس كما زعم، بل كانوا أهل شرك وكفر بالله  ؛ ألا ترى إلى قوله فيما حكى عن قوم لوط من قولهم: ﴿ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُخْرَجِينَ  ﴾ ، فإخراج الرسل من أماكنها من صنيع أهل الكفر.

وقال في موضع آخر: ﴿ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ  ﴾ فطابت أنفسهم بإخراج لوط -  - من قراهم، ومن فعل ذلك، لم يشك في كفره.

وقال في قصة لوط أيضاً: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ  فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ ٱلْمُسْلِمِينَ  ﴾ ، فثبت أنهم كانوا كفاراً.

ثم لقائل أن يقول في قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ * فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ ﴾ أخبر أنه جاء فرعون إلى موسى وعصاه كيف ذكر مجيء فرعون إلى موسى، ولم يوجد منه المجيء إلى الرسول، بل الرسول هو الذي جاء فعصاه فرعون، لا أن فرعون أتاه، فاستقبله بالعصيان؟

قيل: إن كل من أتى آخر وجاءه، فقد أتاه الآخر، ومن قرب إلى الآخر، فقد قرب الآخر إليه، لأن المجيء فعل مشترك؛ لأنه اسم الالتقاء، وإنما يقع الالتقاء بهما جميعاً ليس بأحدهما؛ فلذلك استقام [إضافة] المجيء إلى فرعون، وعلى هذا تأويل قوله  : ﴿ وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، أي: قربت للمتقين، وأهلها هم الذي يقربون إليها في الحقيقة، ولكنهم إذا قربوا إليها، فقد قربت هي إليهم، فأضيف إليها التقريب لهذا؛ فعلى هذه العبارة يمكن أن يتأول قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ  ﴾ ، أي: أتاه الخلق، لا أن يكون هو الذي يأتيهم؛ لأنه قال: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ  ﴾ ، ﴿ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ  ﴾ ، فأخبر أن الخلق هم الذين يأتونه، ويرجعون إليه، ولكن نسب المجيء والإتيان إلى الله  ؛ لأنهم إذا أتوه [فكأنه قد] أتاهم من الوجه الذي ذكرنا دون أن يكون فيه إثبات الانتقال في الله  .

والثاني: أن اسم المجيء وإن أطلق واستعمل [في المجيء] إلى مكان من مكان، فقد يستعمل أيضاً في الموضع الذي ليس فيه حركة ولا انتقال؛ قال الله  : ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ  ﴾ ، ومعناه: ظهر الحق، ليس أن الحق كان في موضع فانتقل عنه إلى غيره؛ فأمكن أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ ﴾ أي: كذب بما أنزل على موسى،  .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ ﴾ أي: جاء بالخاطئة؛ فيكون المجيء مصروفاً إلى الخطايا، وهذا التأويل أملك بظاهر الآية؛ لأنه قال: ﴿ وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَٱلْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ ﴾ ، أي: جاءوا بالخطايا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً ﴾ .

أي: عالية؛ حيث علت أبدانهم.

وجائز أن يكون المراد منه: أن عقوبتهم ربت على الأخذ أي: [زادت على الأخذ]؛ لأنها أخذت أبدانهم وأهلكتها، ثم ردت أرواحهم إلى جهنم فتعرض عليها غدوّاً وعشيّاً، فذلك هو الزيادة على الأخذ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ ﴾ .

قال بعضهم: أي: طغى على الخزان؛ لأن الخُزَّان يطلقون القطر بالكيل والوزن والقدر المعلوم، ثم ذكر في موضع آخر: ﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ  ﴾ أي: منصب؛ فيكون تأويله: أن الله -  - لم يمكنهم من حفظ القطر في ذلك الوقت؛ فطغى عليهم لهذا المعنى، وإلا لو لزموا حفظه في ذلك الوقت، لكان الماء لا يطغى عليهم، على ما ذكرنا: أنه لا يجوز أن يؤمروا بحفظه ولا يملكون حفظه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ طَغَا ﴾ ، أي: طغى على الذين أهلكوا من مكذبي نوح -  - وقد وصفنا تأويل الطاغي، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ ﴾ .

قد ذكر أنه حملنا، ولم نكن نحن يومئذ فنُحْمَل، والخطاب للذين كانوا في زمن النبي  وإنما كان لأن بنجاة أولئك المحمولين نجاة ذريتهم، وبهلاك أولئك فناء ذريتهم؛ فكأنه قد حملهم بحمل أولئك؛ لما حصلت لهم النجاة بحملهم.

أو أضاف إليهم؛ لأنه قدر كونهم من آبائهم؛ فكانوا حملوا تقديراً، وهو كقوله: ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ  ﴾ ، ومعناه: أنزلنا عليكم ما قدرنا كون اللباس منه، وهو المطر، فإذا أنزل المطر الذي قدر كون اللباس منه، فكأنه أنزل اللباس، وقال - عز وجل -: ﴿ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، ونحن لم نخلق من التراب، ولكن لما قدر خلقنا من التراب الذي أصلنا منه فكأنا خلقنا منه؛ فعلى ذلك وإن لم نكن محمولين في السفينة، فقد حمل أصلنا؛ لنكون [نحن من] ذلك الأصل، فكأنا قد حملنا فيها؛ إذ كنا في إرادة الله -  - من الكائنين، والله أعلم.

أو ذكر ذلك منّة منه على الأبناء بصنيعه بالآباء؛ ليعلم أن على الأبناء شكر ما أحسن إلى آبائهم وأجدادهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَآ ﴾ فوجه التذكرة فيه: أن أهل مكة أبوا إجابة الرسول، وقالوا: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ  ﴾ فذكرهم أنهم، أولاد من حملوا مع نوح -  - في السفينة، وهم إنما استوجبوا النجاة، وشرفوا في الدارين جميعاً باتباعهم الرسل، فما لكم لا تتبعونهم في تصديق الرسل دون أن تتبعوا المكذبين للرسل، أو يذكرهم كذبهم في قولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ  ﴾ ، بل قد وجدتم آباءكم على خلاف ما أنتم عليه، وقد تعلمون أن آباءكم هم الذين اتبعوا نوحاً فنجوا، وهم المؤمنون دون الكفرة.

ووجه آخر: أنه ذكرهم أحوال المكذبين، وإلى ماذا آل أمرهم من الغرق والهلاك؛ فيكون فيه تخويف من كذب من أهل مكة رسول الله  ؛ فصارت تلك الجارية وهي السفينة موعظة وتذكرة تذكرهم عواقب المصدقين بالرسل والمكذبين لهم.

أو ذكرهم عظيم نعمه على آبائهم الذين حملوا في السفينة؛ ليستأدي منهم شكر ذلك.

وقال بعضهم: كم من سفينة قد هلكت منذ ذلك الوقت وهي قائمة في موضع كذا عبرة وتذكرة.

ثم التذكرة تخرج على وجهين: أحدهما: أن يراد بها الآية والعبرة؛ أي: جعلنا لكم ذلك؛ لتعتبروا، وتكون آية لكم على وحدانية الله -  - وقدرته؛ كقوله: ﴿ فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ .

والثاني: أي: جعلنا تلك الأنباء تذكرة لكم؛ أي: جعلناها قرآنا تقرءونها وتذكرونها إلى آخر الأبد؛ فتشكرون الله -  - على ما صنع إليكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ يقال: وعى الشيء: إذا حفظه، وأوعاه: إذا حفظه بإناء أو غيره؛ أي: تحفظها أذن واعية؛ بمعنى: حافظة؛ فأضاف الوعي والحفظ إلى الأذن، والأذن لا تعي؛ بل تسمع، ثم يعيه القلب، ولكن نسب الوعي [إلى] الأذن، لأنه يوصل إلى الوعي من جهة الأذن؛ إذ بالسمع يوعى، والسمع من عمل الأذن، ثم يقع المسموع فيما فيه يُوعى، وهو القلب؛ فنسب الوعي إلى السمع؛ لما يتطرق به إلى الوعي، كما ذكرنا من إضافة اللباس إلى ما منه قدر اللباس، وهو المطر، وأضيف خلقنا إلى التراب؛ لأن أصل ما منه قدر خلقنا هو التراب.

وجائز أن يكون الله -  - يجعل للقلوب آذاناً بها تعي، وأبصاراً بها تبصر؛ فيضيف الوعي إلى آذان القلوب، ليس إلى آذان الرءوس، والله أعلم.

وقيل: ﴿ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ أي: عقلت عن الله  ، وانتفعت بما سمعت من كتابه، وهي أذن المؤمن، فأما أذن الكافر؛ فإنها تسمع وتقذف ولا تعي؛ لما لم يحصل لهم الانتفاع به؛ ألا ترى أنه وصف آذانهم بالصمم؛ لما لم ينتفعوا بالمسموع، وكذلك قال: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ جعل تركهم الانتفاع به نبذاً؛ فعلى ذلك جعل الانتفاع به وعياً، وكذلك المتعارف في الخلق أنهم إذا أرادوا الانتفاع بعلم أو شيء، اجتهدوا في وعيهما وحفظهما.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ نَفْخَةٌۭ وَٰحِدَةٌۭ ١٣ وَحُمِلَتِ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ ١٤ فَيَوْمَئِذٍۢ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ١٥ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِىَ يَوْمَئِذٍۢ وَاهِيَةٌۭ ١٦ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرْجَآئِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍۢ ثَمَـٰنِيَةٌۭ ١٧ يَوْمَئِذٍۢ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌۭ ١٨

قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فكأنهم سألوا: متى تكون الواقعة والحاقة والقارعة؟

فأخبر عن ذلك بقوله: ﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ * وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ ، فجوابهم في قوله: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ \[ثم\] قد بيّنا أن الأسئلة كلها خرجت [على بيان الوقت، والله -  - لم يبين لهم وقت كونه، وإنما أجاب] عن الأحوال التي تكون في ذلك الوقت؛ لما لا فائدة لهم في تبيين وقته، ولا حاجة إلى معرفته، وإنما الفائدة في تبيين أحواله؛ لما يقع بها الترغيب والترهيب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ فجائز أن يكون على حقيقة النفخ.

واحتمل أن يكون على قدر نفخة واحدة؛ فتكون فائدته ذكر سهولة أمر البعث على الله -  - لأنه قدر النفخة مما يسهل على المرء في الشاهد، ولا يتعذر.

وجائز أن يكون ذكر النفخ؛ لما أن الروح تدخل في أجسادهم، وتنتشر فيها، وذلك عمل النفخ؛ لأن الريح إذا نفخت في وعاء سرت فيه وانتشرت، فكنى عن دخول الروح في الجسد بالنفخ؛ إذ ذلك عمله، وكنى بالنفخ عن خروج الروح من الأجساد لهذا، وعلى هذا تأويل قوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا  ﴾ ليس على حقيقة النفخ؛ ولكن عمل الروح فيها عمل النفخ، فقيل ذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي ٱلصُّورِ ﴾ قيل: الصور: هو القرن ينفخ فيه النفخة الأولى؛ فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم ينفخ [فيه] مرة فإذا هم قيام ينظرون.

ومنهم من يقول: أي: نفخ الروح في صور الخلق؛ لكن جمع الصورة: الصور، بنصب الواو؛ فلا يحتمل أن يكون المراد منه: جمع الصورة، لكنه يجوز أن يكون الله -  - جعل نفخ الصور سبباً لإفنائهم وإحيائهم، لا أنه يعجزه شيء عن الإفناء والإحياء ما لم ينفخ في الصور، لكنه جعله سبباً لنوع الحكمة والمصلحة أو لمحنة ذلك الملك والابتلاء؛ على ما عرف من أنواع المحن في الملائكة من إنزال المطر، وتسيير السحاب، وجعلهم الموكلين على أعمال بني آدم، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴾ كسرتا كسرة واحدة.

وقيل: هدمتا هدمة واحدة.

وقال بعضهم: زلزلتا زلزلة واحدة؛ فكأنه يقول - والله أعلم -: تتزلزل الأرض، فتقذف ما في بطنها من الفضول، وتخرج ما فيها من الجواهر التي ليست منها بتلك الدكة، وتخرج أصول الجبال منها، ثم يجعله الله -  - كثيباً مهيلاً مثل الرمل، ثم يُعْمِل عليه الريح فيجعله هباء منثوراً، وتراه من لينه كالعهن المنفوش، ثم يسير مثل السحاب، فيقع في شعاب الأرض والأودية والأماكن المختلفة؛ فتصير الأرض كما قال -  -: ﴿ فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً  ﴾ ، وهكذا الريح إذا عملت على شيء وتقع عليه، تفرقه في النواحي، وتسوي به الشقوق، وتبسطه على وجه الأرض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ليس أنها تحمل من مكان إلى مكان، ولكن تدخل هذه في هذه، وتضرب هذه على هذه بالدكة؛ فتصير كأنها حملت لذلك، وإذا كان كذلك، فقد وقعت الواقعة يومئذ، وهذا على اختلاف الأوقات؛ ليكون معنى الآيات التي جاءت في الجبال على السواء، والله أعلم.

وقيل: في آيات أخر بيان آخر: بيان تقديم فناء الجبال قبل الأرض بقوله: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا  ﴾ ، أي: يذر الأرض ﴿ قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ وغيرها من الآيات؛ مما يدل على تقديم فناء الجبال قبلها، فإما أن يكون معنى تبديل الأرض تغييرها عن الحالة التي هي عليها اليوم من انهدام البنيان، واستواء الأودية، وإزالة الجبال؛ على ما جاء في الأخبار، فسمي لذلك: تبديلاً؛ كما يقال لمن تغير عن الحالة الحسنة إلى غيرها: تبدلت، يراد: [أي: تغيرت عن حالتك]؛ فعلى ذلك معنى الآية؛ أي: تكسر الجبال، وتتغير حالة الأرض في دفعة واحدة.

أو يكون في الآية إخبار عن شدة الفزع في ذلك اليوم أن [يدكه دكة] واحدة؛ تفني الجبال والأرض، وإن كان إفناء الجبال قبل إفناء الأرض، ليس أنهما يفنيان جميعاً بدفعة واحدة، لكن بالدكة الواحدة تهلك الجبال والأرض؛ فيكون المراد بيان شدة اليوم وهوله؛ لا بيان ترتيب فناء البعض على البعض، والله أعلم.

وقوله -  -: ﴿ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ ﴾ وهو الحساب والجزاء؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٌ  ﴾ وأدخلت الهاء في أسماء القيامة تعظيماً لشأنها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ قال بعضهم: تفرقت، وهكذا الشيء إذا انشق تفرق وتباين، وبه يظهر الشق.

ويحتمل أن يكون الشق كناية عن اللين؛ أي: لين بعد صعوبتها، دليله: قوله - عز وجل -: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة بعدما كانت تنسب إلى الصلابة، ويدل على ذلك قوله: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ  ﴾ وإنما يطوي الشيء في الشاهد بعدما يلين في نفسه.

وجائز أن تنشق السماء لنزول أهلها، فلا يبقى فيها إلا الملائكة الذين على أطرافها، ثم تنضم [فتبين] للطي، والله أعلم.

وجائز أن يكون ذكر [انفطارها وانشقاقها وانفتاحها؛ تهويلاً للخلق من الوجه الذي ذكرنا فيما قبل.

وجائز أن تكون للسماوات أبوابٌ، فتفتح أبوابها؛ فيكون] انشقاقها وانفطارها فتح أبوابها.

وجائز أن يكون الشق ليس فتح الأبواب؛ لأنه ذكر هذا في موضع التهويل، وليس في فتح أبوابها كثير تهويل.

وقوله: ﴿ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴾ أي: ضعيفة مسترخية.

وقيل: الوهي: الخرق، وهو يحتمل؛ لأنها إذا انشقت انخرقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ الأرجاء: النواحي والأطراف، وهي أطراف السماوات ونواحيها، وواحد الأرجاء: رجا، مقصور.

والملك أريد به الملائكة، أخبر أنهم على أطراف السماوات ونواحيها، فيحتمل أنهم وكلوا وامتحنوا بها وبحفظها بعد الشق؛ لئلا تسقط على أهل الأرض.

وجائز أن يجعل أطرافها وجوانبها لبعض الملائكة، فتفتح أبواب السماء فتنزل الملائكة الذين كان مسكنهم عندها إلى الأرض، كما قال -  -: ﴿ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ تَنزِيلاً  ﴾ ويبقى الملائكة الذين كان مسكنهم في أرجائها ينتظرون أمر ربهم.

ثم الملك ليس يحتاج إلى مكان يقر فيه وإن جعلت السماء مسكناً لهم؛ لأن الملائكة ينزلون من السماء إلى الأرض، ويقرون على الهواء من غير أن يكون [في الهواء مقر].

والثالث: يبين أنها لا تتفرق كل التفرق، ولكن وسطها ينشق لما ذكرنا، والباقي بحاله.

ويحتمل: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ على ما يمرّ به في السماء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ فيحتمل أن يكون الملائكة في النفخة الأولى يصعقون إلا الثمانية الذين يحملون العرش كما قال: ﴿ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ ، فيكون هؤلاء الثمانية من الذين استثنوا؛ فلا يصعقون؛ فهم يحملون العرش؛ فتكون أمكنتهم على أرجاء السماوات، وهو قوله: ﴿ وَٱلْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَآئِهَآ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثَمَانِيَةٌ ﴾ جائز أن يكون أراد به ثمانية أملاك.

وجائز أن [يكون أراد به] ثمانية أصناف من الملائكة، كما ذكر في التفسير.

وجائز أن يكون هؤلاء الثمانية يهلكون ثم يحيون قبل أن يحيا سائر الخلق، فيحملون عرش ربنا على أكتافهم، فإذا بعث الله -  - الخلائق رأوا العرش على أكتافهم، والعرش هو سرير الملك.

وجائز أن يكون ذلك من نور، كما ذكر في الخبر: "أن عين الشمس إذا أرادت أن تطلع فإن جبريل -  - يأتي العرش، فيأخذ كفّاً من ضيائه، ثم يلبس الشمس كما يلبس أحدكم قميصه، وإذا أراد القمر أن يطلع أخذ جبريل -  - كفّاً من نور العرش، فيلبس القمر كما يلبس أحدكم قميصه"، فجائز أن يكون العرش من الضياء والنور.

ثم أجل الأشياء وأعظمها في أعين الخلق الضياء والنور، وإليهما ينتهي الرغب؛ فيكون في ذكر العرش ذكر عظيم عرش الرب وملكه  .

ثم إن كل ملك في الشاهد يتخذ لنفسه عرشاً، يتفاوت ذلك على مقدار ملكهم وسلطانهم لا ليجعل ذلك مسكناً لنفسه، فإذا لم يتوهم من الخلق أنهم يتخذون ذلك لمقاعدهم ومجالسهم فلأن لا يتوهم ذلك من الله أولى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ \[أي: تعرضون على أعمالكم فلا تخفى عليكم خافية\]، أي: يظهر لكم في ذلك اليوم، ويصير بارزاً في ذلك اليوم، كما قال -  -: ﴿ يَوْمَ تُبْلَىٰ ٱلسَّرَآئِرُ  ﴾ أي: تظهر لهم سرائرهم حتى يعرفوها، ولا يخفى عليهم شيء منها.

وجائز أن [يكون قوله]: ﴿ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ ﴾ أي: على الله -  - ولكن كل من ادعى إخفاء شيء من أمره على الله -  - وظن أن الله -  - لا يطلع عليه، فسيعلم في ذلك اليوم أنه لا تخفى عليه خافية، وهو كقوله -  - ﴿ لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ  ﴾ ليس فيه أن الملك كان لغيره، ولكن بعض الناس كانوا يدعون الإشراك في الملك في الدنيا، فيتركون في ذلك اليوم دعواهم، ويتيقنون أنه هو المنفرد بالملك، وعلى ذلك قوله -  - ﴿ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً  ﴾ ولم يكونوا بمختفين عنه قبل ذلك؛ بل كانوا له في [كل] وقت بارزين، ولكن من أنكر ادعاء الإخفاء في الدنيا يدع في ذلك اليوم، ويقر بالبروز، والله المستعان.

ثم روي في الخبر "أن العرضات ثلاث: عرضتان فيهما خصومات ومعاذير" ؛ أي: يختصمون ويتنازعون، فإذا ظهر ذلك جعلوا يعتذرون، ويسألون ربهم العفو والصفح عن ذنوبهم وخصومهم، و "العرضة الثالثة عند تطاير الصحف".

ومعنى قوله: ﴿ تُعْرَضُونَ ﴾ أي: يعرض الخلق بعضهم على بعض حتى لا يخفى على أحد خصمه.

أو تعرض أعمالهم حتى يذكر كل أحد صنيعه، وكل خصم خصومته؛ فكأنهم قد نسوا ذلك من كثرة الفزع وشدة الأهوال، لكن الله -  - يطلعهم على ذلك حتى يذكروا ذلك، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقْرَءُوا۟ كِتَـٰبِيَهْ ١٩ إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠ فَهُوَ فِى عِيشَةٍۢ رَّاضِيَةٍۢ ٢١ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍۢ ٢٢ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌۭ ٢٣ كُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ هَنِيٓـًٔۢا بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِى ٱلْأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ٢٤

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ ﴾ ظاهر ما جرى به الخطاب في القرآن يوجب أن يُرحم المؤمنون جميعاً فلا يعذبون في الآخرة، ويعذب الكافرون ولا يرحمون؛ لأنه قسم الخلق يوم القيامة صنفين: فجعل صنفاً [منهم أهل] اليمين، وصنفاً أهل الشمال، ثم وصف كل واحد من الصنفين بأعلام ثلاثة: فذكر مرة أنه يخف ميزانهم بقوله: ﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾ \[المؤمنون: 103\]، وذكر مرة أن وجوههم تسود، وذكر مرة أنهم يعطون كتابهم بشمالهم؛ فهذه الأعلام ذكرها في أحد الصنفين، وذكر في الصنف الثاني، ووصفهم بأعلام ثلاثة: ببياض الوجوه، وبثقل الميزان، وبإعطاء الكتاب بأيمانهم.

ثم فيما فيه سواد الوجوه ذكر فيه: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ  ﴾ ، وكذلك حين ذكر خفة الميزان ذكر في آخره ما يبين أن الذين خفت موازينهم هم الكفرة؛ لأنه قال: ﴿ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ \[المؤمنون: 105\]، وذكر فيه إعطاء الكتاب بشماله، وذكر فيه ما يبين أنه من أهل الكفر؛ لأنه قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ  وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ  ﴾ ؛ فثبت أن الوعيد المطلق ذكر في أهل الكفر، وكذلك قال: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ ولم يقل: أعدت للخلق، وقال: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ؛ فثبت أن أهل النار هم الكفار، ثم المؤمنون قد تعرض منهم زلات ومآثم في هذه الدنيا، والكفار يوجد منهم المحاسن فيها، ولكن أهل الكفر يجزون جزاء حسناتهم في دنياهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وإذا لم يؤمنوا بها لم يقع سعيهم لها، وأمكن أن يكون المؤمن يجعل له العقاب بسيئاته في الدنيا فتخلص له الحسنات في الآخرة فيجزى بها.

وجائز أن تكفر سيئاته بالحسنات التي توجد منه؛ لأن المحاسن جعلت سبباً لتكفير المساوى؛ قال الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ ، وإذا كفرت سيئاته في الدنيا، لم يعذب بها في الآخرة.

وجائز أن يكون الله -  - يعذبهم بقدر ذنوبهم، ثم يعفو عنهم [بحسناتهم التي] سبقت منهم من الإيمان، وغير ذلك، فكل مؤمن - في الحقيقة - [آخره الجنة]، ويثقل ميزانه، ويبيض وجهه، ويعطى كتابه بيمينه.

ثم يجوز أن يكون الذي يعاقب بذنوبه من أهل الإيمان يعاقب به قبل أن يعطى كتابه بيمينه، وقبل أن يبيض وجهه ويثقل ميزانه، وقبل أن يبيض وجهه، لم يكن مسود الوجه، ولكن على ما عليه في الدنيا.

ثم متى عفي عنه؟

في الخبر: "أن الناس يعرضون يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان ففيهما خصومات ومعاذير، وأما العرضة الثالثة فتطاير الصحف في الأيدي" ، فيجوز أن يكون تعذيبه قبل العرضة الثالثة، ثم يعطى كتابه في العرضة الثالثة بيمينه؛ فتظهر له أعلام السعادة إذ ذاك، [فإذا ثبت] أن الوعيد المطلق إنما جاء في أهل الكفر، لم يلحق أهل الكبائر من أهل الإيمان بهم في الحكم؛ بل وجب الوقف في حالهم؛ كما قال أصحابنا، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ قال بعضهم: ﴿ هَآؤُمُ ﴾ أي: تعالوا.

وقال بعضهم: "ها" بمعنى: هاكم؛ أي: خذوا، فأبدلت الهمزة مكان الكاف، فظاهر الآية أن المعطى له الكتاب؛ يقول هذا؛ يدعو الخلق إلى نحوه، أو يناولهم الكتاب؛ استبشاراً وحبوراً، فيبشرهم بعفو الله -  - عنه ورحمته عليه.

ولكن أهل التأويل صرفوا التأويل إلى المعطي، فقالوا بأن المعطي هو الذي يقول هذا؛ فكأن الذي كتب الكتاب في الدنيا من الملك هو الذي يعطي الكتاب إلى المكتوب عليه، ويقول: ﴿ هَآؤُمُ ٱقْرَءُواْ كِتَـٰبيَهْ ﴾ أي: [خذوا اقرءوا] ما كتبت لكم وعليكم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ فإن حملته على حقيقة الظن، فهو يخرج على ثلاثة أوجه.

أحدها: أي: إني ظننت في الدنيا أني ألاقي ﴿ حِسَابِيَهْ ﴾ ، أي: الحساب الشديد فيما سبق من سيئاتي، وأؤاخذ بها، وأجازى عليها، وظننت الساعة ألا أنجو من ذنوبي؛ لفزع هذا اليوم، فوجدت سيئاتي قد غفرت، وخطاياي كفرت عني؛ فيكون قوله منه هذا شكراً لله -  - وإظهاراً لمنته.

والثاني: أي: إني تركت في دار الدنيا إذا عرضت لي الحوادث من الزلات والهفوات، ظننت أني ألاقي الله -  - بها، فأمسكت عنها، وانزجرت عن إتيانها؛ فيكون إخباراً عن بيان سبب نيل ذلك.

والثالث: أني تفكرت في أمري؛ فظننت أن مثلي لا يترك سدى هملاً؛ فأدى ظني إلى اليقين، فآمنت وصدقت الرسل، فإنما نجوت بأول ظني وفكرتي.

ومنهم من صرف الظن إلى اليقين والعلم، فقال: معنى قوله: ﴿ ظَنَنتُ ﴾ أي: أيقنت، وعلمت.

والأصل: أن كل يقين حدث في الأمور المستترة والعلوم الخفية فإنما يتولد ذلك على ظن يسبق، فيحمله ذلك الظن على النظر فيه والبحث عن حاله حتى يفضي به إلى الوقوف على ما استتر منه، ويصير الخفي له جليّاً، فيكون سبب بلوغه إلى اليقين والإحاطة الذي سبق منه؛ فجائز أن يسمّى ذلك يقيناً مرة على الحقيقة وظنّاً ثانياً على المجاز، على ما ذكرنا في قوله: ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ  ﴾ أن الأذن لا تعي شيئاً، بل تسمع، ولكنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن، فصارت الأذن سبباً للإيصال إلى الوعي، فأضاف الوعي إليها؛ فعلى ذلك ظنونهم في الابتداء إذا بلغتهم إلى اليقين والعلم سمّوا يقينهم وعلمهم ظنّاً مرة، ويقيناً ثانياً؛ ألا [ترى] أن الله -  - قال: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  ﴾ ، فجعلهم مرة ظانين، ومرة موقنين، فيما كان [طريقته البحث] وإعمال الفكر؛ ولهذا لا يجوز أن يوصف الله -  - بالإيقان في أمر من الأمور؛ لأن الأشياء له بارزة ظاهرة؛ إذ هو منشئها وخالقها؛ فلا يخفى عليه شيء منها فيحتاج إلى البحث عنها والنظر فيها، والله الموفق.

أو نقول بأن الأمور التي سبيل دركها الاجتهاد، لا يخلو شيء منها من اعتراض وساوس وخواطر فيها، فتلك الوساوس والخواطر تفضي بصاحبها إلى الظنون فاستجازوا إطلاق الظن فيها؛ لما لا تخلو عنه، واستجازوا إطلاق اليقين لما غلب عليها دلالات اليقين والإحاطة؛ ألا ترى أن من تهدد بالوعيد الشديد، أو بالقتل على أن يكفر بالله -  - أبيح له أن يجري كلمة الكفر على لسانه، ويجعل كالموقن بإحلال العذاب من المكره، لو امتنع عن الإجابة إلى ما دعاه و [إن] لم يتيقن بأنه يفعل به لا محالة ما أوعد به؛ لأنه يجوز ألا يمكن من ذلك، ويجوز ألا يبقى إلى ذلك الوقت، ثم وسع له فعل ذلك بأكبر الرأي وغلبة الظن، وحل ذلك محل الإحاطة واليقين؛ فعلى ذلك هاهنا لما غلب دلالات اليقين والصدق، جاز إطلاق لفظة اليقين عليه، فأما الأشياء التي تدرك بالحواس والمشاهدات، فلا سبيل إلى تسمية مثله ظنّاً؛ لما لا يحتمل اعتراض الشبه فيها، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ أي: في حياة راضية، [يقال: عاش وحيا بمعنى واحد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّاضِيَةٍ ﴾ بمعنى: مرضية معناه، أن نفسه في حياة ترضى بها؛ كقوله: ﴿ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ  ﴾ أي: مدفوق، ومثله في الكلام كثير.

ويجوز أن يكون المراد: نفس الجنة قد رضيت بأهلها، وأظهرت رضاها بهم، كما وصفت الجحيم بالسخط والتغيظ على أهلها، فجائز مثله في الجنة رضاء واستبشاراً، أي: على معنى أن الجنة تظهر لهم من أنواع الكرامات والخيرات ما لو كان ذلك من ذي العقل يكون ذلك دليل الرضاء، كما يضاف الغرور إلى الدنيا، وهي أنها تظهر من نفسها ما لو كان ذلك ممن يملك التغرير، يكون ذلك غروراً من نفسها.

وقوله - عز وجل - : ﴿ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴾ قال بعضهم: مرتفعة، على ما يستحب في الدنيا من الجنان في ربوة من الأرض مرتفعة.

وقال بعضهم: الجنة: اسم لروضة ذات أشجار؛ فكأنه يصف أشجارها بالارتفاع والطول والمنظر، وذلك أشهى إلى أربابها، وهذا كما قال: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ من غير ذكر الأشجار؛ لأن ذكر الجنة اقتضى ذكر الأشجار.

والثالث: يكون معنى العالية، أي: عظيمة القدر والخطر مرتفعة، وقد يوصف الشيء الرفيع بالعلو، والله أعلم.

ثم قوله -  -: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ أي: في القطوف متدانية من أهلها لمن يريد قطفها، وبعيدة لمن لا يريد قطفها.

وقيل: ﴿ دَانِيَةٌ ﴾ ينالها القاعد كما ينالها القائم.

وقيل: ثمارها دانية، أي: لا يرد أيديهم منها بعد ولا شوك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ﴾ تأويله أن يقال لهم: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ ﴾ إنما جعلتم أيامكم الخالية سلفاً في أيام الآخرة، وسلف الرجل لآخر هو أن يعطيه قرضاً؛ ليأخذ مثله وقت الحاجة إليه، أو يسلم الرجل رأس ماله في الأشياء التي يأمل منها الربح، فكأنه بما يشري نفسه يجعلها سلفاً ورأس مال، ليأخذ ربح ما باع في الآخرة، فذلك هو الإسلاف.

أو يجعل عمله للآخرة رأس ماله، وما رزق من الأموال ينفقها في سبيل الله، ويجعل ذلك رأس ماله.

وذكر عن وكيع أنه قال: بلغنا أن [المراد] الذين أسلفوا الصوم؛ أي: أنهم صاموا في الدنيا وتركوا الطعام والشراب، فأثابهم الله في الآخرة فقال: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كِتَـٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُوتَ كِتَـٰبِيَهْ ٢٥ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ٢٦ يَـٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ٢٧ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّى مَالِيَهْ ۜ ٢٨ هَلَكَ عَنِّى سُلْطَـٰنِيَهْ ٢٩ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍۢ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًۭا فَٱسْلُكُوهُ ٣٢ إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ٣٣ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ٣٤ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌۭ ٣٥ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍۢ ٣٦ لَّا يَأْكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلْخَـٰطِـُٔونَ ٣٧

قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَٰبِيَهْ ﴾ والإيتاء بالشمال أحد أعلام الشقاء، فتمنى ألا يؤتى بما فيه علم شقائه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴾ يقول هذا في الوقت الذي قرأ ورأى فيه خلاف ما كان يظن في الدنيا ويحسب؛ لأنه كان يحسب أنه في الدنيا أحسن صنعاً من الذين آمنوا، وأقرب منزلة إلى الله -  - كما قال: ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً  ﴾ فظهر [له بقراءته] الكتاب أنه لم يكن على ما حسب؛ بل قد أساء صنيعه؛ فود عند ذلك ألا يعرف ما حسابه؛ لئلا تظهر مساوئه.

ويحتمل أنه يتمنى أنه ترك ميتاً ولم يُحي حتى كان لا يرى الحساب ولا يعرفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ أي: ياليت الميتة الأولى ﴿ كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ ﴾ ، أي: يا ليت الميتة الأولى كانت دائمة علي.

وقال بعض أهل التأويل: يا ليت النفخة الآخرة كانت تقضي بالموت والهلاك، لم تكن محيية باعثة، والله أعلم.

وقال قتادة: تمنّوا الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليهم منه، ثم الموت عليهم مقضي، وليس بقاضٍ، فحقه أن يقول: يا ليتها [كانت مقضية]؛ ولكن هذه اللفظة [يذكرها الناس في كل مكروه] من الأمور؛ ألا ترى أن الناس يدعون الله -  - بأن يصرف عنهم قضاء السوء، وليس بقضاء الله؛ بل هو مقضيِهِ؛ فخرج القول على ما تعارفوا، وهذا كما يقال: (الصلاة أمر الله)، وليست هي بأمره، ولكن تأويله: أنها بأمره ما تقام، فسمي أيضاً قضاء الله، وهو في الحقيقة مقضيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ فالأصل أن الكفرة كانوا يفتخرون بكثرة أموالهم، فيقولون: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ فيزعمون أن الله -  - بما آتاهم من الأموال يدفعون عن أنفسهم العذاب بأموالهم إن حل بهم، فيتبين لهم في ذلك الوقت أنها لا تغني عنهم شيئاً، فيقول كل واحد منهم: ﴿ مَآ أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ ذكر عن ابن عباس -  ما - أنه قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة، فالأصل: أن الكافر كان يحتج في الدنيا لنفسه بحجج باطلة، فمرة يقول: ﴿ مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا  ﴾ ، ويقول مرة: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ  ﴾ ، ومرة يقول: هذا سحر، ومرة يقول: هو مجنون، وغير ذلك، فيعبر بقوله: ﴿ هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ أي: هلكت تلك الحجج التي [كنا] نتشبث بها، واضمحلت، وظننا أنها حجج.

ومنهم من يقول: السلطان: هو القدر والشرف؛ أي: ذهب ذلك كله.

وقيل: أي: هلك عني تكبّري وسلطاني على الأنبياء - عليهم السلام - في الدنيا وترك الاكتراث إليهم.

وجائز أن يكون أراد به: أن السلطان الذي كان لي على نفسي في الدنيا قد انقطع؛ لأنه كان يملك استعمالها في مرضاة الله -  - فيقول: قد انقطع ذلك السلطان؛ لأني لا أملك استعمالها فيما أستوجب به مرضاة الله؛ لأنه يسلم فلا يقبل منه إسلامه.

ثم يجوز أن تكون الهاءات في هذه الخطابات على معنى الإشارات إلى الأنفس، أو على تأكيد الأمر والمبالغة: كالنسابة، أو كأنهم ينادون أنفسهم بذلك، وقد تدخل الهاء في النداء؛ كقوله يا ربّاه، ويا سيّداه.

وجائز أن يكون الوقف وإجمام الكلام، وأهل النحو يسمّونه: هاء الاستراحة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴾ ، وقال في موضع آخر ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ  ﴾ وهو السوق على العنف، وقال في موضع آخر: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً  ﴾ ، فكأنهم - والله أعلم - يغلون، وبدأ بالأمر بالإغلال؛ لأن الناس في الدنيا يجتهدون كل الجهد في منع العذاب بأيديهم، فأخبر أن أيديهم تغل في الآخرة؛ فلا يتهيأ لهم دفع ما يحل بهم من العذاب؛ فيكون ذلك أشد في العذاب عليهم، ويكون حالهم كما قال الله -  -: ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ  ﴾ فتغل يداه؛ كي يتقي النار بوجهه، ثم يدخلون في السلاسل فيجرون ويسحبون ويساقون على وجوههم على اختلاف أحوال القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱلْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴾ أي: أدخلوه، يقال: لحم مصلي: أي مشوي؛ فجائز أن يؤمر بأن يشوى في الجحيم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ ﴾ فذكر أولاً: أنهم يغلون، ثم يصلون الجحيم، ثم يسلسلون إذ ذاك، وحق مثله أن يسلسل، ثم يمد إلى الجهنم، ولكنّه يشبه أن يكونوا أولاً يحشرون، ثم يساقون إلى نار جهنم بقوله: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً  ﴾ وإذا وردوها هموا أن يفروا منها، فيسلسلون إذ ذاك، ويسحبون في النار حينئذ؛ فلا يتهيأ لهم الهرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ ﴾ ففيه بيان السبب الذي لأجله استوجبوا هذا العقاب، وهو أنهم كانوا لا يؤمنون بالله العظيم.

ثم قوله: ﴿ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ﴾ جائز أن يكون لا يؤمن [بوحدانية الله]، أو لا يؤمن بإرسال الرسل، أو كان لا يؤمن بالبعث، وإلا فهم يؤمنون بالله، ولكن من لم [يكن مؤمناً] بالرسل والبعث فهو غير مؤمن في الحقيقة؛ لأن الإله الحق هو الذي أرسل الرسل، ويقدر على البعث، والكافر لا يثبت له قدرة البعث، ولا يراه أرسل الرسل، فصار لا يؤمن بالله العظيم في الحقيقة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ ، إخبار أنه كان لا يؤمن بالبعث؛ لأن الناس ليسوا يطلبون من [المساكين الجزاء] لما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله  ، ورجاء الثواب في الآخرة، والكافر غير مؤمن بالجزاء؛ ليحمله ذلك على الإطعام، وليس هو بكسب يرغب فيه من مكاسب الدنيا؛ فكأنه يقول: إن الذي أفضى به إلى النار تركه الإيمان بالله -  - أو بالبعث.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ إثبات السخرية من الذي ترك الحض على أهله بالإطعام؛ كقوله: ﴿ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُ  ﴾ يقول: كيف أطعمه ومن بيده خزائن السماوات والأرض لا يطعمه؟!

فلو كان أهلاً للإطعام لكان الأولى من يطعمه هو الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَا هُنَا حَمِيمٌ ﴾ أي: قريب يرجو منه، وهو كقوله: ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ \[المؤمنون: 101\] فليس له قريب يرجوه، أو ينفعه ذلك الحميم، وقد كان له في الدنيا حميم ينتفع به ويرجو منه.

وقوله: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضِّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ  لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ  فَمَالِئُونَ مِنْهَا ٱلْبُطُونَ  ﴾ والزقوم غير الضريع؛ فهذا - والله أعلم - يدل أن في جهنم دركات، فأهل دركة منها لا يجدون غير الغسلين، وأهل دركة منها [يجدون غير ذلك، وأهل دركة منها] طعامهم الزقوم، ليس لهم غيره، وإلا لو لم يحمل الأمر على هذا، أوجب ما ذكرناه [اختلافاً، فيخرج أن يكون من عند الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ].

ثم يجوز أن يكون قدر لأهل كل دركة ما توجبه الحكمة أن يكون ذلك طعامهم؛ فعلى ما كانوا يفتخرون في هذه الدنيا بالأطعمة على من دونهم، ويهينون من لم يكن عنده ذلك الطعام، جعل الله -  - لهم من ذلك الوجه طعاماً في الجحيم يهانون به.

وقال الحسن: إن القرآن كله كسورة واحدة، والسورة كأنها آية واحدة، فكأنه جمع بين هذه الأشياء كلها في آية واحدة فقال: ﴿ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ ، ﴿ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ  ﴾ ، و ﴿ مِّن زَقُّومٍ  ﴾ ، وإذا حمل على ما ذكر ارتفع توهم التناقض، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ﴾ فجائز أن يكون هذا اسماً لشيء من الأشياء التي يعذب بها أهل النار، لم يطلع الله -  - الخلق على علم ذلك ومعرفته في الدنيا، وقد ذكر أسامي في الآخرة ليس للخلق بمعرفتها عهد؛ ألا ترى أن الزقوم ليس باسم لشيء يستقبح ويستفظع في الدنيا، ثم جعله الله -  - اسماً للشيء المستبشع الكريه في الآخرة، وقال ﴿ عَيْناً فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلْسَبِيلاً  ﴾ ، والسلسبيل غير معروف فيما بين أهل اللسان.

وقال بعضهم: الغسلين: ما يسيل من جلود أهل النار إذا عذبوا، وذلك هو الصديد والقيح.

وجائز أن يكون إذا اشتد حرهم استغاثوا إلى الله -  - وطلبوا منه ما يرجون أن يرفع عنهم الحر، فيصب عليهم ما يزيد في عذابهم؛ فيسمى ما يزول عنهم: غسلينا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ ٱلْخَاطِئُونَ ﴾ ، فهم الذين قال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ ﴾ .

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ﴾ لا يجوز أن تكون السلسلة تفضل عن أبدانهم فتأخذ فضل مكان من جهنم؛ لأنه -  - وعد أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، ولو كانت تلك السلسلة آخذة فضل مكان، لكان لا يقع الامتلاء بالجنة والناس أجمعين فقط، فيؤدي إلى خلف الوعد، والله - عز وجل - لا يخلف الميعاد، ولكن إن كانت تلك السلسلة أطول من أبدانهم فهي تدار على أهلها؛ ليقع لهم بها فضل تضييق وغم، فأمّا أن تفضل عن أبدانهم فلا يحتمل.

وذكر عن عمر بن الخطاب -  - أنه قال: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا؛ فإنه أهون - أو قال: أيسر - عليكم، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم القيامة؛ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ  ﴾ ".

وعن الحسن أنه قال: "إن المؤمن قوام نفسه، يحاسب نفسه لله -  - وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة؛ لأن المؤمن يفجؤه الشيء فيقول: والله إني لأستهينك وإنك لمن حاجتي، ولكن والله ما لي من صلة إليك، هيهات حيل بيني وبينك، ويفرط منه الشيء؛ فيرجع إلى نفسه، فيقول: ما أردت هذا، ما لي ولهذا، والله ما أعذر، والله لا أعود لهذا إن شاء الله -  - إن المؤمنين قوم أوثقهم العذاب، وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسِير في الدنيا يسعى في فكاك نفسه، لا يأمن شيئاً حتى يلقى الله يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه كلها.

فمحاسبة النفس: أن ينظر في كل فعل يريد أن يقدم عليه إلى عاقبته، فإن كان رشداً أمضاه وأنفذه، وإن كان غيّاً انتهى عنه، كما قال [النبي] -  -: "إذا أردت أمراً فدبّر عاقبته، فإن كان رشداً فأمضه، وإن كان غيّاً فانته عنه" وقال في خبر آخر: "إن المؤمن وقّاف وزان" ، ووزنه: ما ذكر في الخبر الأول من النظر في العواقب، فإذا نظر في العاقبة، ورأى الرشد في إنفاذه، فقد وزنه، وإذا رأى خلاف الرشد، انتهى عنه، ولم يقدم عليه، فذلك وقفه، فهذا الذي ذكرنا محاسبة المرء نفسه فيما يروم من الأمور.

ومحاسبة نفسه في الأفعال التي ارتكبها وأمضاها أن ينظر: فإن كان ارتكب محرماً، تاب عنه، واستغفر لله -  - لعله بفضله يمن عليه بالمغفرة، وإن كان ذلك فعلاً مرضياً حمد الله -  - وسأله التوفيق بمثله؛ فهذه هي [محاسبة العبد لنفسه فيما ارتكب] من الأفعال.

<div class="verse-tafsir"

فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩ إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍۢ كَرِيمٍۢ ٤٠ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تُؤْمِنُونَ ٤١ وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍۢ ۚ قَلِيلًۭا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢ تَنزِيلٌۭ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٣ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ ٤٤ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ٤٥ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ٤٦ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ ٤٧ وَإِنَّهُۥ لَتَذْكِرَةٌۭ لِّلْمُتَّقِينَ ٤٨ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩ وَإِنَّهُۥ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٥٠ وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ٥١ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ٥٢

قوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ ﴾ : قد وصفنا أن تأويل قوله: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ ﴾ أي: فلا أقسم بما تبصرون من خلق السماوات والأرضين وأنفسكم، وما لا تبصرون في أنفسكم من الأسماع، والأبصار، والقلوب، والعقول.

أو ما تبصرون من الخلائق ممن حضركم، وما لا تبصرون من الخلائق ممن غاب عنكم، فيكون القسم بما نبصر وما لا نبصر قسم بالخلائق أجمع؛ لأن جملة الخلائق على هذين الوجهين، فصنف منهم يرى، وصنف لا يرى، وقد ذكرنا أن القسم من الله - عز وجل - لتأكيد ما يقصد إليه مما يعرف بالتدبّر والتأمل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ أي: الذي تسمعونه منه تسمعون من رسول كريم، ثم ذكر - هاهنا - أنه قول رسول كريم، وقال في موضع آخر: ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ  ﴾ فذكر - هاهنا -: كلام الله، وذكر في الآية [الأولى]: أنه قول رسول كريم، فأما ما أضيف إلى الرسول فهو من حيث بلوغنا إليه من جهة الرسول، لا بأمر غيره وصلنا إليه، وأضيف إلى الله -  - لأن مجيئه وبدأه من عنده، وأضيف إلى الرسول؛ لأن ظهوره في حقنا كان به، وهذا كما أضيف ما وعاه القلب إلى الأذن بقوله: ﴿ وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ  ﴾ ؛ لأنه إنما يوصل إلى الوعي بالأذن؛ فعلى ذلك أضيف القول إلى الرسول من حيث كان سماع الخلق من جهة الرسول،  .

ثم الأصل أن [الكلام والقول] لا يسمعان، وإنما المسموع منهما الصوت الذي يعرف الكلام والقول به، ويدل عليه، لا أن يكون كلامه في الحقيقة صوته، فينسب أيضاً هذا القرآن إلى كلام الله -  - لما يدل على كلامه، لا أن يكون المسموع - في الحقيقة - هو كلامه [وجائز أن يكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ ، أي: إن الذي سمعتموه] من النبي  أتاكم به لقول تلقاه من عند الله الرسولُ الكريم، فيذكرهم هذا ليؤمنهم من تخليط يقع فيه من الشياطين وغيرهم من الأعداء.

ثم جائز أن يكون الرسول الكريم هو جبريل -  - كما قال -  - في سورة: (إذا الشمس كورت): ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ  ﴾ .

ويحتمل أن يكون الرسول الكريم هو محمداً  ، والأشبه أن يكون هو المراد؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالته، ولم يكونوا يقولون في جبريل -  - شيئاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ أي: إن هذا القرآن لقول رسول كريم، ليس بقول شاعر، ولا بقول كاهن.

ثم قوله: ﴿ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ﴾ ﴿ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: فبقليل ما تؤمنون، وبقليل ما تذكرون مما جاءكم به الرسول، فالقليل الذي آمنوا به وتذكروا فيه هو الذي كان راجعاً إلى منافعهم، فأما الذي كان عليهم فهم لم يؤمنوا به ولا تذكروا فيه، وإذا كان تأويله ما ذكرنا، فانتصاب القليل؛ لانتزاع حرف الخافض، وفي الحقيقة انتصابه [لكونه] مصدراً، وهو المفعول المطلق.

وجائز أن يكون أضاف القليل إلى قول: الكاهن والساحر، وتأويله: أن الأمور لو كانت على ما تزعمون بأنه قول كاهن و [قول] ساحر، فما بالكم لا تصدقون بالقليل منه، وقد تعلمون أن الساحر وإن كان الغالب عليه الكذب فيما يأتي، فقد يصدق في القليل منه، وكذلك الكاهن، فما لكم لا تصدقون بالقليل منه، وأنتم تعلمون أنه صادق، فإن كان على هذا فهو في موضع إيجاب الحق عليهم أن يصدقوه.

وإن كان على التأويل الأول، ففيه إضمار أنهم لا يؤمنون إلا بالقليل منه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ ، فالتنزيل في الحقيقة لا يحتمل أن يسمع؛ لأنه إخبار عن فعله، وإنما الذي يسمع منه هو المنزل على رسول الله  ، ثم أضاف إلى نفسه التنزيل؛ ليعلم أن هذه الأخبار، وهي قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ ﴾ خرجت على المجاز، ليس على التحقيق؛ لأن التنزيل هو إنزاله، فسمي: تنزيلاً؛ لأنه هو الذي كلفه الإنزال، لا أن يكون هو الذي تولى الإنزال، وإن كان هو خالقه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ ﴾ ، فهذا عطف على ما تقدم من قوله: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ﴾ ، وعليه وقوع القسم، وهو موضعه؛ فكأنه يقول: إن الذي تلقاه من عند رسول كريم، وما هو بقول تلقاه من كاهن أو ساحر، ولا بقول تقوله علينا، ولو تقول، لأخذنا منه باليمين.

ويحتمل وجهاً آخر، وهو أن الذي يسمعون منه رسول كريم، وليس بشاعر، ولا كاهن، ولا متقول؛ لأنهم كانوا مرة ينسبونه إلى الكهانة، ومرة إلى السحر، ومرة أنه تقوله على الله، ولو تقول ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ يبين أن عذاب الله بأخص عباده أسرع وقوعاً إذا هم خالفوا ، وزلوا - منه بأعدائه؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فبين أنّه لو وجد منه شيء مما قالوا فيه، لأخذه على المكان؛ ألا ترى إلى آدم -  - وما حل به عندما ابتلي بالزلة والخلاف، وكذلك يونس -  - وما عوتب على أثر الزلة؛ وهذا لأن عذاب الأولياء يخرج مخرج التنبيه، والتذكير، والاستدعاء إلى ما كانوا عليه من الطاعة، والانقياد قبل ارتكابهم الزلة، ولا كذلك عذاب الأعداء، فأخر عذابهم إلى اليوم الذي يدوم عليهم فيه العذاب.

وفيه وجه آخر: وهو أن الذي سمعتم منه لو كان سحراً أو شعراً أو كهانة أو تقوله، لكان لا يمهله الله -  - بل يؤاخذه على المكان من غير أن حجزوا، كما قال: ﴿ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، فإمهاله دل على أن الأمر ليس كما قالوا، بل هو تنزيل من رب العالمين.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فأخذ الله -  -: عذابه وعقوبته؛ كقوله -  -: ﴿ فَأَخَذْنَٰهُمْ بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ  ﴾ ، وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِٱلْيَمِينِ ﴾ أي: بالقوة؛ أي: لا يعجزنا عنه شيء، ولا يفوتنا عذابه؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ  ﴾ ، و [هو] كقوله -  -: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ  ﴾ ، أي: لا يعجزنا ما عنده من الشرف والقوة من أن نؤاخذه، وننزل عليه النقمة.

وجائز أن يكون اليمين صلة القول، لا على تحقيق اليد، فذكر اليمين؛ لأن التأديب في الشاهد والأخذ يقع بها، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ ، فأضاف التقديم إلى اليد، لا على تحقيق اليد؛ إذ يجوز ألا يكون ليديه بما قدم صنع، لكن لما كان التقديم في الشاهد يقع بالأيدي، فذكرت اليدان على ذلك، لا على تحقيق الفعل بهما، فكذلك يجوز أن تكون اليمين ذكرت؛ لما بها يقع الأخذ والتأديب في الشاهد، وإن لم يكن هناك يمين، والله أعلم.

واليمين: القوة، وسمّيت اليمين: يميناً؛ لأن قدرة الرجل تكون فيها، وسمي ملك الرقاب: ملك يمين؛ لأن ملك اليمين يكتسب بالقهر والغلبة، وإنما يصل المرء إلى القهر والغلبة بالقوة؛ فسمي: ملك يمين لهذا، لا أن يراد بذكر اليمين تحقيق اليمين؛ إذ اليد لا تملك شيئاً حتى يضاف إليها، فكذلك فيما أضيف من اليمين إلى الله -  - فالمراد منه القوة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ ﴾ قيل: الوتين: عرق في القلب.

وقيل: حبل في القلب.

وقيل: هو العرق الذي إذا قطع مات صاحبه، وهو عرق متصل بالظهر، فكأنه قال: نعذبه عذاباً لا بقاء له مع ذلك العذاب، وهذا من أعظم آيات الرسالة في أنهم متى زلوا أخذوا على المكان، ويكون فيه أمان الخلق عن إحداث التغيير والتبديل من الرسل؛ لأنهم لو غيّروا لعذبوا.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ﴾ فجائز أن يكون قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ زيادة في الكلام، وحقه الإسقاط، ويكون معناه: لأخذناه باليمين.

وجائز أن يكون معناه: لأخذنا من تقوله وسحره وكهانته باليمين، فإن كان على هذا فحقه الإثبات، وليس بصلة زائدة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، ففي هذا يأس منه لأولئك الكفرة؛ لأنهم كانوا يطمعون من رسول الله  اتباعهم وموافقتهم على ملتهم؛ فأخبر أنه لو أجابهم لقطع منه وتينه، وأخذه أخذاً لا يملكون منع ذلك عنه، ولا دفعه، ولم يكن أحد ينصره عند ذلك أو يحجزه عنا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، فالمتقون: الموحّدون، فسمّاهم مرة: متقين، ومرة: صابرين شاكرين؛ كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ  ﴾ وهو تذكرة؛ لأنه يذكرهم الوعد والوعيد، وما يتقى وما يؤتى، وغير ذلك، فهو تذكرة، يعني: القرآن.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ ﴾ أي: بآياتي ورسلي، ثم نمهلكم، فهو صلة قوله: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلأَقَاوِيلِ ﴾ فبيّن أنه مع كذبهم بآياته ورسله يمهلهم، ولا يعجل عليهم بالعقوبة، ولو وجد التقول من الرسول، لكان يستأصله، ويقطع وتينه، فهو على ما ذكرنا: أن عذابه على خواص عباده أسرع وقوعاً إذا خالفوا منه بأعدائه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُمْ مُّكَذِّبِينَ ﴾ هم المنافقون؛ لأنهم كانوا يظهرون الموافقة لرسول الله  بألسنتهم، ويخالفونه ويكذبونه بقلوبهم؛ فيكون هذا التأويل راجعاً إلى أهل النفاق، والتأويل الأول إلى أهل الكفر الذين أظهروا التكذيب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ ، أي: العذاب حسرة عليهم يوم القيامة؛ لأنه شافع مشفع لمن اتبعه وعمل بما فيه، وما حل، مصدق لمن نبذه وراء ظهره ولم يعمل به، فهو حسرة عليهم؛ لأنه يخاصمهم، فيخصمهم ويشهد عليهم، فيصدق في شهادته.

أو يذكرون يوم القيامة معاملتهم بالقرآن، فيندمون عليه، ويزيدهم حسرة؛ لأنهم كانوا إذا تلي عليهم القرآن في الدنيا ازدادوا عند تلاوته ضلالاً وكفراً، وازدادوا به رجساً إلى رجسهم، كما قال [الله  ]: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ  ﴾ ، وهو ليس بسبب لازدياد الرجس، ولكنهم كانوا يحدثون زيادة تكذيب وضلال عند التلاوة؛ فأضيفت الزيادة إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي يحملهم على زيادة التكذيب؛ فهذه المعاملة تزيدهم حسرة يوم القيامة؛ فأضيفت إلى القرآن؛ إذ كان القرآن هو الذي عنده وقعوا فيه، كما أضيف الرجس إليه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ ، والأصل: أن الحق اسم لما يحمد عليه، فحقه أن ينظر فيما تستعمل هذه اللفظة، فيصرفها إلى أحمد الوجوه، فإذا استعملت في الإخبار أريد بها الصدق؛ نحو أن يقال: "هذا خبر حق"؛ أي: صدق، وإذا استعملت في الحكم أريد بها: العدل، وإذا استعملت في الأقوال والأفعال، أريد بها: الإصابة؛ فقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَحَقُّ ٱلْيَقِينِ ﴾ أي: صدق ويقين أنه من رب العالمين، فهو صلة قوله - عز وجل -: ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ ﴾ قيل: صلِّ.

وقيل: اذكره بالاسم الذي إذا سميت كان تسبيحاً، أي تنزيهاً عن كل ما قالت فيه الملاحدة، وما نسبت إليه مما لا يليق به، والله الهادي [وعليه التكلان].

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله