تأويلات أهل السنة سورة المزمل

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة المزمل

تفسيرُ سورةِ المزمل كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 60 دقيقة قراءة

تفسير سورة المزمل كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٢ نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ٤ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًۭا ثَقِيلًا ٥ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًۭٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا ٦ إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًۭا طَوِيلًۭا ٧ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًۭا ٨ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًۭا ٩ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْرًۭا جَمِيلًۭا ١٠ وَذَرْنِى وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُو۟لِى ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ١١ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالًۭا وَجَحِيمًۭا ١٢ وَطَعَامًۭا ذَا غُصَّةٍۢ وَعَذَابًا أَلِيمًۭا ١٣ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًۭا مَّهِيلًا ١٤

قوله - عز وجل -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ﴾ .

المزمل والمدثر يقتضيان معنى واحدا، على ما نذكر في سورة المدثر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ .

جائز أن يكون هذا الأمر كله منصرفا إلى وقت واحد، فإذا صرفته إلى وقت واحد، فإما أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ منصرفا إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ ﴾ ، أو إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، فإن صرفت النقصان إلى قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، زدت في الأمر بالقيام، وإن صرفت النقصان إلى قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ ﴾ ، فقد زدت في قوله: ﴿ نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ ؛ فإلى أيهما صرف، اقتضى الزيادة في أحدهما، والنقصان في الآخر؛ فيتفق معناهما، وهذا نظير قوله  : ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي ٱلْكَلاَلَةِ  ﴾ ؛ فمنهم من جعل الكلالة اسما للميت الموروث عنه، ومنهم من أوقع هذا الاسم على الحي الذي يرث الميت، وأيهما كان فهو يقتضي معنى واحدا؛ لأن منزلة الحي من مورثه ومنزلة المورث من الحي واحدة، لا تختلف.

وجائز أن يكون هذا على اختلاف الأوقات، على ما ذكره أهل التفسير؛ فيكون قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ أمر بإحياء أكثر الليل، ثم يكون في قوله: ﴿ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً ﴾ تخفيف الأمر عليه؛ فيكون فيه أن له أن ينقص عن الأكثر.

وقوله: ﴿ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ﴾ ، أي: على المقدار الذي أبيح له الانتقاص، وإذا ارتفع الانتقاص عاد الأمر إلى ما كان مأمورا به في الابتداء.

ثم القليل ليس باسم لأعين الأشياء؛ ولكنه من الأسماء المضافة، فإذا قيل اقتضى ذكره تثبيت ما هو أكثر منه حتى يصير هذا قليلا إذا قوبل بما هو أكثر منه؛ فلذلك قالوا بأن قوله ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ ، يقتضي أمر القيام أكثر الليل؛ ولهذا قال أصحابنا فيمن أقر أن لفلان عليه ألف درهم إلا قليلا: [إنه] يلزمه أكثر من نصف الألف؛ لأنه استثنى القليل؛ فلا بد [من] أن يكون المستثنى منه أكثر من المستثنى حتى [يكون المستثنى قليلا، كما استثنى] والله أعلم.

[وقوله] - عز وجل -: ﴿ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ﴾ : [الترتيل] هو التبيين في اللغة، أي: بينه تبيينا.

وقيل: اقرأه حرفا حرفا على التقطيع؛ لما ذكر أن رسول الله  كان يقطع القراءة، ولكن جائز أن يكون على قراءة التقطيع؛ لأن التبيين كان في تقطيعه؛ وإنما أمر بالتبيين لأن القرآن لم ينزل لمجرد قراءته فقط، لكنه لمعان ثلاثة: أحدهما: أن يقرأ للحفظ والبقاء إلى يوم القيامة؛ لئلا يذهب، ولا ينسى.

والثاني: أن يقرأ؛ لتذكر ما فيه، وفهم ما أودع من الأحكام، وما لله عليهم من الحقوق، وما لبعضهم على بعض.

والثالث: يقرأ؛ ليعمل بما فيه، ويتعظ بمواعظه، ويجعلونه إماما يتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه؛ فنفذ قراءته في الصلاة يلزمنا هذا كله، ولا ندرك ذلك إلا بالتأمل، وذلك عند قراءته على الترتيل، وهذا الذي ذكرناه يوجب اختيار من يرى الوقوف في القرآن؛ لأن ذلك يدل على المعنى وأقرب إلى الإفهام.

وفيه دلالة أن المستحب فيه ترك الإدغام، وترك الهمز الفاحش؛ لأن ذلك أبلغ في التبيين، والأصل أن السامع للقرآن مأمور بالاستماع إليه، وإذا لزمه الاستماع، وفي الاستماع الوقوف على حسن نظمه وعجيب حكمته، والوقوف على معانيه؛ فلزم القارئ تبيينه؛ ليصل السامع إلى معرفة معانيه، ويقف على حسن نظمه، وعجيب تأليفه، وذلك يكون أقرب في إفهام السامع والقارئ؛ لما فيه من لطائف المعاني.

ثم الترتيل منصرف إلى القراءة، وسمى القراءة: قرآنا على جهة المصدر؛ إذ ما هو كلام الله  لا يوصف بالترتيل، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ ، ولم يقل: ثقيلا على من؟

فجائز أن يكون الثقل راجعا إلى الكفرة والمنافقين، ويكون الثقيل الأمر بالجهاد؛ لأنه اشتد على الفريقين جميعا، وأيس الكفار من المسلمين أن يعودوا إلى ملتهم؛ قال الله  : ﴿ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ  ﴾ ، وتخلف المنافقون عن القتال مع رسول الله  وثقل ذلك عليهم، فجائز أن يكون قوله ﴿ ثَقِيلاً ﴾ ؛ أي: على الكفرة والمنافقين، وكذا على أهل الكبائر ثقيل أيضا؛ لأنهم لم يتمنوا أن ينزل عليهم الكتاب، وأما على المسلمين فليس بثقيل بل هو كما قال  : ﴿ وَلَقَد يَسَّرْنَا ٱلْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ  ﴾ .

وجائز أن يصرف ذلك إلى رسول الله  ؛ لأنه أمر بتبليغ الرسالة إلى الفراعنة وإلى الخلق كافة، وفي القيام بالتبليغ إلى الفراعنة مخاطرة بالروح والجسد، والقيام بما فيه مخاطرة بالروح والجسد أمر ثقيل صعب جدّاً.

أو يكون ذلك منصرفا إلى قيام الليل؛ فيكون معنى: ﴿ قَوْلاً ثَقِيلاً ﴾ ،: أي الوفاء بما يوجبه ذلك القول.

وجائز أن يكون هذا منصرفا إلى اتباع رسول الله  وأنصاره؛ فيكون ثقله من الوجه الذي كلفوا القيام بفرائضه، وحفظ حدوده، وتحليل حلاله، واجتناب حرامه.

وزعمت الباطنية أن القول الثقيل هو أن كلف الناطق - وهو الرسول  - بتفويض الأمر إلى الأساس، وهو الباب، وذلك الأساس والباب هو علي [بن أبي طالب] -  - عندهم، وهم يسمون [الرسول -  -: ناطقا]، ويقولون بأن رسول الله  كان مأمورا بتبليغ التنزيل إلى الخلق؛ فلما بلغ التنزيل إليهم، واستغنوا عنه، احتاجوا إلى من يعلمهم التأويل؛ فأمر رسول الله  بأن يسند أمر التأويل إلى علي بن أبي طالب -  - ليكون هو الذي يتولى تعليم الخلق تأويله؛ فذلك هو القول الثقيل؛ إذ أمر أن يستند إلى غيره؛ فاشتد عليه إذ صار غيره ولي الأمر، وبقي هو ساكنا لا ينطق.

فيقال لهم: إن في الأمر بإسناد الأمر إلى من ذكر تخفيفَ الأمر على رسول الله  بزعمكم؛ لأن من مذهبكم: أنه إذا فوض الأمر إلى علي -  - قبض هو -  - وصورة القبض عندكم: أن يميز الصورة الروحانية النورانية من الصورة الجسدانية التي كانت محتبسة في الصورة الجسدانية، ثم تتلف الصورة الجسدانية، وتبعث الصورة الروحانية النورانية إلى دار الكرامة والحبور والخلاص من الحبس - لم يشتد ذلك عليه، ولم يثقل؛ بل كان فيه ما يرغبه إلى التفويض، ويدعوه إليه.

ومن مذهب الباطنية: أنهم لا يعلمون أحدا مذهبهم إلا بعد أن يحلفوه بالأيمان المغلظة بألا يخبر به أحداً؛ إشفاقا على أنفسهم، ولو كان الأمر على ما قدروا أن التلف يرد على الصورة الجسدانية التي هي سبب لحبس الصورة الروحانية، وإذا تلفت ردت الروحانية إلى دار فيها كل أنواع السرور - فما الذي يحوجهم إلى الاستحلاف، وما بالهم يشفقون على أنفسهم، وليس في إتلاف أنفسهم إلا الخلاص من الحبس، والوصول إلى الكرامات، ومن هذا وصفه حق عليه الموت؛ ليعلموا أنهم يعاملون الخلق على خلاف ما يوجبه اعتقادهم، ولو كان ما اعتقدوا حقا، لما استجازوا مخالفته، ولكن الذي دعاهم إلى ما ذكرنا تسويل الشيطان وتزيينه في قلوبهم، وما مثلهم إلا مثل اليهود، الذين ادعوا أن الدار الآخرة خالصة لهم من دون الناس؛ فقيل لهم: ﴿ فَتَمَنَّوُاْ ٱلْمَوْتَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ ؛ لأنكم لا تصلون إلى الآخرة إلا بالموت، فإن كنتم محقين في دعواكم فتمنوا [الموت] لتصلوا إليها؛ فكان في امتناعهم عن التمني ما يظهر كذبهم، ويبطل مقالتهم، ويبين تمويههم؛ فكذلك في إشفاق هؤلاء على أنفسهم من الهلاك إظهار وإنباء أنهم قصدوا به قصد التمويه على الضعفة؛ ليصلوا إلى المأكلة ويتوسعوا به في أمر دنياهم من غير حجة لهم في ذلك.

وبهذا الفصل الذي ذكرنا يحتج على الثنوية؛ فإن من مذهبهم تحريم القتل والذبح، وأحق من يرى القتل والذبح مباحين هم؛ لأن من مذهبهم: أن العالم إنما هو بامتزاج النور والظلمة، فما من جزء من أجزاء النور إلا هو مشوب بجزء من أجزاء الظلمة، وكانا متباينين، فغلبت الظلمة على النور، فامتزجت به؛ فصارت الظلمة حابسة للنور، ومعلوم أن في القتل تخليص أجزاء النوراني من [حبس الظلمات]؛ لأن في القتل إزالة السمع والبصر والعقل، ومعلوم أن السمع والبصر في هذه الأشياء، إذ بها رؤية الأنوار، فإذا امتازت هذه الأشياء من الجسد، وبقي الجسد الظلماني لا يبصر شيئا، فقد وصل جوهر النور إلى غرضه ومقصوده بالقتل، وصار إلى مقره، فإذا كان القتل يوصله إلى غرضه ويخلصه عن وثاق الظلمة وحبسه، فقد أحسن القاتل إليه بالقتل والذبح؛ فلا يجيء أن يجرَّم القتل على مذهبهم: بل يجب أن يمدح المرء على ذلك الفعل، ويستصوب ذلك منه.

وقال القتبي: القول الثقيل كلام الله  ، وثقله: هو تبجيله وتعظيم حرمته، ليس كلام السفهاء الذي لا يكترث به، ولا يؤبه له.

وقال الزجاج: الثقيل: الوزين، [أي]: الذي له وزن وقدر في القلوب، الذي يجب أن يعظم ويوقر، ليس بالقول الذي يستصغر.

وجائز أن يكون القول الثقيل [هو] الحق؛ على ما روي في بعض الأخبار: "إن الحق ثقيل مر، والباطل خفيف وفر" وروي عن أبي بكر الصديق -  - أنه قال: "حق لميزان لا يوضع فيه إلا الخير أن يثقل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يخف"؛ فيكون ثقله العمل بما فيه.

وجائز أن يكون القول الثقيل هو تكليف القيام عامة الليل.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ : قرئ: ﴿ وطاء ﴾ و ﴿ وَطْأً ﴾ ، فمن قرأ: ﴿ وطاء ﴾ بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك [معاني الأشياء]، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكا لمعانيه.

ومن قرأه: ﴿ وَطْأً ﴾ ، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فيه القيام، كان ذلك أشد عليه وأصعب على بدنه.

ولأن المرء بالنهار ليس ينتصب قائما في مكان واحد، فيمكث فيه [كذلك]؛ بل ينتقل من موضع إلى موضع، ولو كلف الانتصاب في مكان اشتد عليه ذلك، ولحقه الكلال والعناء من ذلك.

ثم أمر رسول الله  أن ينتصب قائما يصلي إلى نصف الليل أو أكثر؛ فكان في ذلك محنة شديدة، وكلفة شاقة، والله أعلم.

ثم الأصل أن المرء ينتشر بالنهار؛ لطلب ما يعيش به وليصل إلى ما يتمتع به في أمر دنياه، وينام الليل؛ طلبا للراحة، وإيثاراً للتخفيف، وكان رسول الله  ممنوعا عن اكتساب الأشياء التي يتوصل بها إلى سعة الدنيا إلا القدر الذي يقيم به مهجته، وكذلك منع عن الراحة بالليالي، وأمر بإحياء الليل إلا القدر الذي لا بد منه، والله أعلم.

وجائز أن يكون في الأمر بقيام الليل نوع [من الراحة والتخفيف]؛ وذلك أن رسول الله  ألزم بتبليغ الرسالة إلى الناس كافة، فحُمِّل تبليغها إليهم بالنهار، ورفعت عنه الكلفة بالليل، وأمر بأن يتفرغ لعبادة ربه، وكان الأمر بالتفرغ للعبادة أيسر من الأمر بتبليغ الرسالة؛ لأن في الأمر بالتبليغ أمراً بما فيه المخاطرة بالروح والجسد، وليس في الأمر بالانتصاب قائما أكثر الليل ذلك؛ وإنما فيه إيصال الوجع إلى بعض أعضائه؛ فيكون فيه بعض التخفيف.

فإن قيل على التأويل [الأول]: كيف خص رسول الله  في باب النكاح؛ حيث أبيح له فضل العدد، ولم يبح لأمته، وفي ذلك زيادة تمتع بشهوات الدنيا؟

فجوابه أن يقال: بأن المعنى الذي به حظر على غيره الزيادة على الأربع، وقصر الأمر على الأربع هو خوف الجور؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً  ﴾ ، وإذا كان التحريم للوجه الذي ذكرنا، ارتفع الحظر عن رسول الله  ؛ لأن الله - عز وجل - عصمه عن الجور، ومكنه من العدل بين نسائه، ثم ليس في إباحة زيادة العدد سوى فضل محنة وكلفة لرسول الله  [لأنه إذا أمر أن يقوم فيما بينهن بالعدل، وأن يبتغي مرضاتهن بحسن العشرة معهن، وإنما يصل المرء إلى الإرضاء بالأموال، ولم يتمتع هو من الدنيا مقدار ما يصل إلى إرضائهن بالأموال، ولم يتهيأ له أن يصيبهن إلا بسعة الأخلاق، وأن يبين لهن لتقر أعينهن ولا يحزن - فثبت أنه ليس في إباحة العدد فضل تمتع، بل فيه زيادة محنة وابتلاء.

وفيه أيضا ما يحقق رسالته، ويثبت نبوته؛ لأن المرء إنما يصل إلى توفير الحقوق الواجبة عليه بالنكاح إذا تناول من فضول الدنيا وطعم لذاتها، وأعطى النفس شهواتها، ثم رسول الله  كان ممنوعا من إعطائه النفس شهواتها، ومع ذلك قام بإيفاء حقوق الأزواج؛ فثبت أنه باللطف من الله  وصل إلى إيفاء حقهن، ليس بأسباب البشرية.

وفي هذه الآية دلالة أن الصلاة تشتمل على الذكر والفعل جميعا؛ لأنه قال: أشد على البدن، وشدته تكون بالفعل، وقال: ﴿ وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ ، وذلك يرجع إلى الذكر.

ثم يجوز أن يكون رسول الله  لم يكلف تبليغ الرسالة بالليالي؛ لأن أعداءه من الفراعنة وغيرهم كانت همتهم أن يقتلوه ويمكروا [به]، ولم يكن يتهيأ لهم إيصال الأذى به؛ لمكان أتباعه، والليالي هي أوقات غفلة الأتباع، [فلو] كلف التبليغ فيها لتمكنوا من إيصال المكر به؛ فوضع عنه التبليغ، وامتحنه بالقيام لعبادة ربه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱللَّيْلِ ﴾ قيل: هو من نشأ ينشأ، أي: نما، فسميت: ناشئة؛ لأن الأوقات تحدث، وتترادف.

وجائز أن يكون المراد من ناشئة الليل، أي: ما يوجد من الأحوال في الليل من القيام للصلاة، والاشتغال بعبادة الرب،  .

وقوله: ﴿ وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾ ، أي: أصوب كلاما، والأقوم: هو المبالغة في الوصف بما أريد بالقيام؛ فإن أريد به الكلام، فحقه أن نصرفه إلى الصدق؛ إذ الأقوم من الأخبار أصدقها، وإن أريد به القيام بقاء ما يقتضيه لك الكلام فمعنى قوله ﴿ أَقْوَمُ ﴾ ، أي: أبلغ في وفاء ما يوجبه القول، وإن أريد [به] القراءة نفسها فهو بالليالي أقوم قراءة.

[و] قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ : أي: فراغا وسعة ومنقلبا؛ فالسبح يذكر ويراد به الفراغ، ويذكر ويراد به المشي والتقلب، وهذا الذي قالوه محتمل، ولكن لا يجيء أن يصرف تأويل الآية إلى الفراغ، والتقلب إلى حوائج نفسه؛ لأن رسول الله  لم يكن يتناول من الدنيا إلا قدر ما يقيم به مهجته؛ فلا يحتاج إلى فضل تقلب، ولا إلى كثير فراغ؛ ليتوسع في أمر دنياه.

ولكن حقه أن يصرف قلبه إلى تبليغ الرسالة، ودعاء الخلق إلى توحيد الله  ، وإلى ما يحق عليهم؛ فيكون في قوله: ﴿ إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً ﴾ ترخيص لرسول الله  في أن ينصب بالليالي للقيام بين يديه، واجتزأ منه بتبليغ الرسالة بالنهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ ﴾ : أي: اذكر ربك؛ دليله قوله على أثره: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ ، والتبتل يقع إليه لا إلى اسمه، ثم ذكر المولى  - هو أن ينظر إلى أحوال نفسه، ما الذي يلزمه من العبادة في تلك الحال؟

فيكون ذكر ربه بإقامة تلك العبادة، لا بأن يذكر الله  بلسانه فقط، وهو كقوله: ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، واستغفارهم أن يأتمروا بما أمروا، وينتهوا عما نهوا، لا أن يقولوا بألسنتهم: "نستغفر الله"؛ لأنهم وإن قالوا "نستغفر الله"، لم يقبل ذلك منهم إذا كانوا كفرة؛ فثبت أن استغفارهم أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه نوح؛ فكذلك ذكر الله  يقع بوفاء ما يلزمهم حالة القيام به، وذلك يكون بالأفعال مرة، وبالأقوال ثانيا.

ومنهم من صرف الأمر إلى الاسم على ما يؤديه ظاهر اللفظ، فأمر بذكر اسم الرب لما يحصل له من الفوائد بذكره؛ لأن من أسمائه أسماء ترغبه في اكتساب الخيرات] والإقبال على [عبادة الرب]، ومنها ما يدعو الذاكر إلى الخوف والرهبة، ومنها ما يوقفه على عجائب حكمته، ولطيف تدبيره، وتقرير سلطانه وعظمته في قلبه، ومنها ما يحدث له زيادة علم وبصيره، وهي الأسماء المشتقة من الأفعال، فإذا تأمل فيها عرف الوجه الذي منه اشْتَقَّ تلك الأسماء، فذكر أسمائه يحدث له ما ذكرنا من الفوائد والعلوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ .

التبتل هو الانقطاع إلى الله  ، وأن يقطع نفسه من شهواتها، ويصرفها عن لذاتها؛ فكأنه قال: وتبتل إليه، وبتل نفسك تبتيلا من الشهوات واللذات؛ ولذلك سميت مريم -  ا -: البتول؛ لأنها قطعت نفسها عن منافع الدنيا، وأقبلت إلى الآخرة، وانقطعت إليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: تأويله: [ملك المشرق والمغرب]، وحقه أن يقال: مالك المشرق والمغرب؛ لأنه هو المالك على التحقيق.

وقال بعضهم: الرب هو المصلح، ثم خص المشرق والمغرب بالذكر وإن كان هو مالكهما ومالك الخلائق أجمع؛ لأن ذكر المشرق يقتضي ذكر السماوات والأرضين، وفي ذكر السماوات والأرضين ذكر أعلى العليين وأسفل السافلين؛ لأنه إذا نظر إلى المشرق ورأى ما يطلع في المشرق من عين الشمس، ثم تجري في أقطار السماء، وتقطع كل يوم مسيرة ألف عام، ثم تغرب في عين حمئة؛ فتصير إلى أسفل السافلين، وتجري كذلك حتى تصل إلى مطلعها، ثم تطلع هنالك؛ فدل ذلك على أن مدبر السماوات والأرضين ومنشئهما واحد، وأن سلطانه في الأرض كسلطانه في السماء، ويعلم أن من بلغت قدرته هذا المبلغ في أن يسير عين الشمس في يوم واحد مسيرة ألف عام ما يشتد على الخلق قطع هذه المسافة في مدد كثيرة - لا يجوز أن يعجزه شيء، ودل على أن ملكه دائم لا ينقطع؛ لأن عين الشمس تجري في كل يوم، على ما سخرت، لا تتبدل، ولا تتغير باختلاف الأزمنة والأوقات، وجعل منافع أهل الأرض متصلة بمنافع السماء، ولو لم يكن مدبرهما واحدا لارتفع الاتصال، وانقطعت منافع السماء عن أهل الأرض؛ فكان في ذكر المشرق والمغرب دلالة وحدانيته، وإظهار قوته وسلطانه، والوقوف على عجائب حكمته ولطائف تدبيره.

ثم تخصيص ذكر المشرق والمغرب دون السماء والأرض؛ هو - والله أعلم - لأن هذا أوصل إلى معرفة التوحيد، وأسرع إلى الإدراك من ذكر السماوات والأض، وإن كان في [التدبر في] أمر السماء والأرض تحقيق ذلك.

وفي قوله - عز وجل -: ﴿ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ ﴾ ، أي: الذي أمرت بذكره هو رب المشرق والمغرب، وفيه تعريف الوجه الذي يوصل إلى معرفة ربوبيته.

وقوله: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ ، أي: لا معبود يستحق العبادة إلا هو؛ لأن الذي يحمل الإنسان على عبادة المعبود الخوف والرجاء، وإذا عرفهم بذكر المشرق والمغرب أن تدبير الخلائق كلها راجع إليه، وأنه هو القاهر عليهم والقادر [عليهم]، وبيده الخزائن والمنافع أجمع، علموا أنه هو الإله الحق، والرب القاهر، وأن من سواه مربوب مقهور، لا يملك نفعا ولا ضرّاً، فكيف يستوجب العبادة والإلهية؟!.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ : جائز أن يكون أراد به أن كِلْ أمورك كلها إلى الله  حتى يكون هو الذي يدبر ويحكم، ولا تر لنفسك فيها تدبيرا.

والوكيل في الشاهد هو الذي يدخل في أمر آخر على جهة التبرع؛ لينصره فيه، ويعينه؛ فيكون قوله: ﴿ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ ، أي: اطلب من عنده النصر والمعونة، والمرء في الشاهد إنما يفزع إلى الوكيل؛ ليزيح [عن نفسه] علله، ويقضي عنه حوائجه، ويقوم عنه في النوائب؛ فكأنه يقول: افزع إلى الله  في نوائبك، فيكون هو الذي يزيح عنك العلل، ويقضي عنك الحوائج، ويكون معتمدك في النوائب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ .

قال أهل التفسير: تأويله: اصبر على تكذيبهم إياك؛ ألا ترى إلى قوله في سياق الآية: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ، فثبت أنه دعي إلى الصبر على التكذيب.

وجائز أن يكون منصرفا إلى هذا وإلى غيره؛ لأنهم كانوا لا يقتصرون على تكذيبه، بل كانوا ينسبونه إلى الكذب مرة، وإلى السحر ثانيا، وإلى الجنون ثالثا، وإلى أنه يتيم رابعا؛ فكانوا يؤذونه بأنواع الأذى؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ منصرفا إلى كل ذلك.

ثم الأمر بالصبر يقع بخصال ثلاث: أحدها: ألا تجازهم على تكذيبهم إياك تكذيبك إياهم، أو لا تجزع عليهم، وفي الجزع بعض التسلي والتشفي.

ولا تدع عليهم بالهلاك والتبار بل اصبر لذلك.

ولقائل أن يقول: كيف كان يشتد عليه تكذيبهم إياه حتى كاد يتحزن لذلك، والذين نسبوه إلى الكذب كانوا من أعدائه، وليس يستثقل التكذيب من العدو، ولا يستكثر منه؛ لأنه بما يعاديه يعتقد أن يسيء إليه بجميع ما يمكنه وسعه، وإنما يستثقل التكذيب من أهل الصفوة والمودة؛ فكيف استثقله؟

وكيف بلغ به التكذيب مبلغا يحزن به؛ حتى يدعى إلى الصبر بقوله: ﴿ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ...

﴾ الآية [الأنعام: 33]، وبقوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ؟

والجواب عن هذا أن الكذب والجهل مما يستثقلهما العقل والطبع جميعا، وكذلك التكذيب والتجهيل، أمر ثقيل على الطبع والعقل جميعا، حتى إن الكذاب إذا نسب إلى الكذب، اشتد عليه ذلك، ولم يتحامل، وكذلك الجهول إذا عرف بالجهل، ثقل ذلك عليه؛ فإذا كان التكذيب مستقبحا في عقول الخلق وطبائعهم، وإن كانت طبائعهم مشوبة بالآفات وفي عقولهم نقص، فرسول الله  مع صفاء عقله، وسلامة طبعه عن الآفات أحق أن يثقل عليه؛ فيحزن لذلك.

ثم ما من إنسان ينسب إلى الكذب فيما يحدث عن نفسه أو عمن سواه من الخلائق ممن علت رتبتهم أو انحطت إلا وهو يجد لذلك ثقلاً، فكيف إذا أخبر [عن] الله  وكذب فيه، أليس هذا أحق أن يثقل على القلب ويتحزن له؟!

ويجوز أن يكون حمله على الحزن شدة إشفاقه على المكذبين؛ لأن تكذيبهم يفضي بهم إلى العطب والهلاك؛ فأشفق عليهم باشتغالهم بما به هلاكهم، وحزن لذلك.

أو يكون حزنه غضبا لله  ؛ إذ الرسل كانوا يغضبون لله  ، ويشتدون على أعدائه.

والجواب عن قوله: إن المكذبين كانوا من أعدائه، فكيف اشتد عليه تكذيبهم، وذلك أمر غير مستشنع من الأعداء؟

فنقول: إن رسول الله  كان يعاملهم معاملة الولي مع وليه الصفي، ولم يكن يعاملهم بما يعامل به الأعداء؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، ومن عامل آخر معاملة أقرب الأصفياء معه، كان الحق عليهم أن يجازوه بالإحسان؛ فإذا تركوا ذلك، وقابلوه بالتكذيب، اشتد عليه، وحزن لذلك.

ثم في قوله: ﴿ وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ  ﴾ إبطال قول من قال: إن الله  لا يفعل بعبده إلا ما هو أصلح له؛ لأنا نعلم أنه إذا أذن لنبي من الأنبياء بالدعاء على استعجال الهلاك، واستجيب [له] فيما دعا، كان فيه ما يحمل القوم على الإيمان، ويردعهم عن التكذيب؛ لأنهم يخافون حلول النقمة عليهم؛ فيتركون التكذيب، ويقبلون على الإجابة؛ فيكون فيه نجاتهم عن الهلاك، وشرفهم في أمر دنياهم وآخرتهم، فإذا لم يؤذن دل أنه ليس من شرط الله  أن يفعل بعباده ما هو أصلح لهم.

فإن قيل: كيف لم يؤذن بالدعاء عليهم؛ ليحملهم ذلك على الإسلام، ويمنعهم عن التكذيب؟

قيل له: لأن فيما ذكرته رفع المحنة والابتلاء؛ لأن الحجة إذ ذاك تقع من جهة الضرورة؛ لأنهم إذا علموا أنهم يستأصلون بالتكذيب، امتنعوا عنه، وأجابوا إلى الإسلام كرها؛ فتصير الحجج اضطرارية، لا تمييزية واختيارية، وحجج الرسل - عليهم السلام - اختيارية، لا ضرورية؛ لما ذكرنا أنها لو جعلت اضطرارية، لارتفعت المحنة؛ فجعلت حججهم من وجه يقع بها الشبه؛ ليوصل إلى معرفتها بالفكر؛ لئلا ترتفع المحنة.

فإن قال قائل: إن أبا حنيفة - رحمه الله - ذكر في كتاب العالم والمتعلم: أن إيمان الملائكة وإيمان الرسل وإيماننا واحد، ثم قال: فإذا استوينا نحن والرسل في الإيمان، فكيف صار الثواب لهم أكمل، وخوفهم من الله أشد؟

فأجاب عن هذا السؤال بأجوبة، وقال في جملة ما أجاب: إنهم لو ارتكبوا الزلات يحل بهم العقاب عقيب الزلل؛ فصار خوفهم بالله  ألزم من هذه الجهة.

ولسائل أن يسأل على هذا، فيقول: فإذن إيمانهم بالله  ، وتركهم المعاصي ضروري لا اختياري؟!

فيجاب عنه بأن يقال بأن الأنبياء - عليهم السلام - لم يُبَيَّنْ لهم العصمة، بل كانوا على خوف من وقوعهم في المهالك؛ ألا ترى إلى قول إبراهيم -  -: ﴿ وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ  ﴾ ، ولو كانت العصمة له ظاهرة، لكان يستغني عن السؤال.

وقال في قصة شعيب -  -: ﴿ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً  ﴾ ، فثبت أنه لم يبين لهم العصمة، ونحن إنما شهدنا لهم بالعصمة بالوجود؛ لأن الحكمة توجب العصمة، والرسل - عليهم السلام - أمروا بتبليغ الرسالة، ولم يؤذن لهم بالنظر في أمر من تقدمهم من الرسل؛ ليظهر لهم العصمة بالتدبر والتفكر؛ فثبت أنهم كانوا على الخوف والرجاء في فكاك أنفسهم، وفي وقوعها [في المهالك]، وأن إيمانهم بالله  لم يكن ضروريّاً، بل وصلوا إلى معرفته بالتمييز؛ لذلك عظمت درجاتهم.

والثاني: أن الأنبياء - عليهم السلام - قد كان تقرر في قلوبهم هيبة الله  وعظمته؛ فكانت المعرفة هي التي دعتهم إلى الإيمان به، لا خوف حلول العقوبة بهم لو ارتكبوا الزلات، وأما الكفرة، فلم يعرفوا عظمة الله  ، ولا قدرته، ولا سلطانه حتى يحملهم ذلك على الإيمان به، فلو حلت العقوبة بهم بالتكذيب، لكان الخوف هو الذي يحملهم على الإيمان لا غير؛ فيصير إيمانهم ضروريا؛ فلهذا لم يعاقبوا بالتكذيب؛ لئلا ترتفع المحنة، وخولف بينهم وبين غيرهم، وهذا كما نقول بأن أنباء من تقدم من الرسل حجة لرسولنا  في إثبات نبوته، وإن كانت تلك الأنباء قد عرفها أهل الكتاب، وأخبروا بها؛ لأن أهل الكتاب عرفوا تلك الأنباء بالتعلم والتلقين، ولم يختلف رسول الله  إلى من عنده علم تلك الأنباء؛ فعلم أنه بالله  علم، لا بتعليم أحد؛ فصارت الأنباء حججا لذلك، ولو لم تصر لغيره حجة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ : جائز أن يكون تأويله: اهجرهم وقت سبهم، ونسبتهم إياك إلى ما لا يليق بك، ولا تعبأ بهم، ولا تكترث إليهم، وإلى ما يتقولون عليك؛ لأن ذلك بعض ما يزجر المتقول والساب عما هو فيه، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً  ﴾ .

ويحتمل أن يكون تأويله: أن انقطع عنهم انقطاعا جميلا، والانقطاع الجميل: ألا يترك شفقته عليهم، ولا يدعو عليهم بالهلاك، ولا يمتنع عن دعائهم إلى ما فيه رشدهم وصلاحهم؛ ولذلك قال في وقت أذاهم إياه: "اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون" ويحتمل أن يكون هجره إياهم هجرا جميلا هو ألا يكافئهم بالسيئة السيئة، بل يدفع السيئة بالحسنة؛ كقوله  : ﴿ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ \[المؤمنون: 96\]؛ إذ ذاك أدعى للخلق إلى إجابة من يفعل ذلك بهم عند المعاملة، والله أعلم.

ثم من الناس من يقول بأن هذه الآية نسختها آية السيف.

ومنهم من قال بأنها لم تنسخ، وصرفوا تأويل الآية إلى جهة لا يعمل عليها النسخ، وذلك أن في قوله: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ منع المكافأة لأجل ما آذوه، ولم يفرض عليه القتال؛ ليكافئهم بأذاهم، وينتقم منهم بذلك؛ بل رجع قتاله إلى نصرة الدين؛ ولتكون كلمة الله  هي العليا؛ لذلك لم يكن في آية السيف ما يوجب نسخ هذا، ولا نسخ العمل بقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ  ﴾ .

الثاني: أنه ليس في قتالهم انتقام منهم، بل فيه ما يدعوهم إلى الإيمان بالله  ورسوله، وإذا آمنوا بذلك نجوا من العقاب، وفازوا بعظيم الثواب؛ فيصير القتال رحمة لهم لا عقوبة.

ووجه جعله رحمة: هو أنهم إذا رأوا غلبة المسلمين عليهم مع قلة عددهم والضعف الذي حل بأبدانهم؛ لاشتغالهم بعبادتهم ربهم، وكثرة عدد المشركين مع قوة أبدانهم - أيقنوا أنهم لم ينالوا الغلبة بالحيل والأسباب؛ بل الله  هو الذي قواهم عليهم، وقام بنصرهم؛ فيتقرر عندهم كون أهل الإسلام على الحق، وإذا أيقنوا بالحق التزموه فيحرزون به جزيل الثواب، وكريم المآب؛ فصار القتال رحمة لهم، لا أن يكون عقوبة عليهم؛ لسوء صنيعهم، وإذا كان كذلك، بقي العمل بقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ﴾ ثابتا باقيا، وبهذا يجاب من سأل فقال: إن الله  يقول لنبيه  : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ  ﴾ ، وفي القتال ترك الرحمة؛ فيكف فرض عليه؟

فيقال أن ليس في القتال ترك الرحمة؛ بل هو من أبلغ الرحمة وتمامها؛ إذ يحملهم على الإيمان، وترك التكذيب؛ فتعلو منزلتهم، ويشرف قدرهم في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

وجواب آخر: أن يقال بأن الحجة في القتال ليس في القتل؛ لأنهم إذا خافوا القتال، تركوا التكذيب، وأقبلوا على الداعي؛ ألا ترى أنه ذكر أن القوم قبل أن يفرض عليهم القتال، كان يدخل الواحد منهم بعد الواحد في هذا الدين؛ فلما شرع القتال، جعلوا يدخلون فيه فوجا فوجا، وقبيلة قبيلة.

ثم إباحة القتل يكون بالضرورة؛ لأنهم إذا علموا [أنهم] لا يقتلون، لم يقع لهم الخوف بالقتال، وإذا لم يخافوا تركوا الإجابة؛ فشرع القتل فيه؛ لتحقيق الخوف؛ فلم يكن فيه ترك الرحمة، وهو كقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ  ﴾ ، وفي إقامة القصاص تلف النفس، وليس فيه إحياء، ولكن وجه الإحياء فيه: هو أن القاتل إذا فكر [في] قتل نفسه بقتل صاحبه، ردعه ذلك عن القتل؛ فيكون فيه إحياء النفسين جميعا؛ فيصير إيجاب القصاص سببا للإحياء في الحقيقة، وإن كان في الظاهر سببا للإتلاف؛ فكذلك هؤلاء إذا أيقنوا بالقتل بامتناعهم عن الإجابة، تركوا الامتناع، وأقبلوا على الإجابة؛ فيكون موضوع القتل للرحمة في التحقيق، وإن كان في الظاهر خارجا مخرج ترك الرحمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ففيه أن أهل الخصب والرغد هم الذين اشتغلوا بالتكذيب، وهم الذين كانوا يصدون الناس عن سبيل الله؛ كما قال: ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ  ﴾ ؛ فخص أولي النعمة بالذكر لهذا.

ثم في قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ إيهام بأن رسول الله  سبق منه المنع، ولم يوجد من رسول الله حيلولة ومنع، ولكن مثل هذا الخطاب موجود في كتاب الله  في غير آي من كتابه، وهو أن يخرج مخرجا يوهم أن هناك مقدمة، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق؛ قال الله  : ﴿ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا  ﴾ ، ولم يكن فيه تحقيق الوضع، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع؛ فكان تأويل الرفع هاهنا بأنها خلقت مرفوعة.

وقال: ﴿ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ  ﴾ ، ولم تكن مرفوعة فوضعها، وكان معناه: أنها خلقت موضوعة.

وقال يوسف -  -: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ  ﴾ ، ولم يسبق منه دخول في دين أولئك؛ فيكون تاركا له بعدما دخل فيه.

وقال الله  : ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ  ﴾ ، ولم يقتضِ قوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ كونهم في الظلمات، ولا اقتضى قوله: ﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَاتِ ﴾ كونهم في النور، فيخرجهم منه، وإن كان في الظاهر يؤدي ذلك؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ وإن كان في الظاهر يقتضي حيلولة ومنعا، فليس في الحقيقة إثبات منع.

ويذكر غير هذا في سورة المدثر.

ثم قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ ﴾ معناه: لا تجازهم بصنيعهم، ولا تستعجل عليهم بالدعاء؛ بل أمهلهم قليلا ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقيل في الفرق بين النِّعَمِ والنَّعْمَةِ: إن النَّعْمَة ما يعطى للعبد إرادة استدراجه فيها وهلاكه، كقوله - عز وجل -: ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ  ﴾ ، والنعم هي منة الله  على عباده؛ تفضلا عليهم، كقوله، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  ﴾ ، والله أعلم.

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ﴾ .

قال ابن عباس -  -: الأنكال هي السلاسل والقيود.

وقال أبو بكر الأصم: الأنكال: ما ينكل به ويعتبر به غيره؛ قال الله  : ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً  ﴾ تأويله ما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى أيضا.

فإن كان على ما ذكره أبو بكر الأصم فقد يكون في الدنيا، ويكون منصرفا إلى يوم بدر [وكأن الأول أشبه.

والجحيم: هو معظم النار.

ثم في هذه الآية دلالة نبوة نبينا  ، وآية رسالته] لأن قوله: ﴿ إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً ﴾ راجع إلى قوله: ﴿ وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ ﴾ ، فإن لهم لدينا أنكالا وجحيما، وإنما ينكلون ويعذبون بالجحيم إذا ماتوا على الكفر؛ ففيه إبانة أنهم يموتون وهم كفار، وعلى ذلك ماتوا، وختم أمرهم، ولم يسلم منهم أحد؛ فيخرج ما أخبر عن غيب كما أخبر، وذلك لا يعلم لا بالله -  - فثبت أنه لم يخترعه من تلقاء نفسه، بل علم بالله  ، وعلم الغيب من أعظم آيات رسالته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ﴾ فالذي يغص، ولا يقدر على ابتلاعه ليس بطعام في الحقيقة، وقال: ﴿ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ  ﴾ والحميم ليس بشراب في التحقيق؛ ولكن سمي الأول: طعاما؛ لأنه يمضغ مضغ الطعام، والصديد والحميم يسيلان سيل الشراب، فذكر في الأول طعاما، وفي الثاني شرابا لهذا.

ولأن الطعام اسم لما يطعم؛ فهو مطعوم، وإن كان كريها، والحميم مشروب وإن كان في نفسه كريها.

ثم الأصل أن الكفرة بكفرهم تركوا شكر نعم الله -  ذكره - وقابلوها بالكفران؛ فأبدل الله  لهم في الآخرة مكان كل نعمة نقمة؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً  ﴾ ، فأبدلهم مكان البصر عمى، ومكان السمع صمما؛ لتركهم شكر ما أنعموا من البصر والسمع واللسان، وأبدلهم مكان اللباس قطرانا، ومكان المراكب: السحْب إلى النار على أقدامهم ووجوههم؛ فكذلك أبدلهم مكان الطعام والشراب زقوما وحميما؛ لتركهم شكر نعم الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا الرجفة في غير موضع.

وقوله: ﴿ كَثِيباً مَّهِيلاً ﴾ ، أي: رملا سائلا؛ ففيه إخبار عن شدة هول ذلك اليوم؛ لأن الجبال من أصلب الأشياء وأشدها في أنفسها، ثم يبلغ هول ذلك اليوم مبلغا لا يحتمله الجبال مع شدتها وصلابتها، فالإنسان الضعيف المهين أنى يقوم لشدته وهوله؟

فذكرهم حال ذلك اليوم؛ ليرتدعوا، وينتهوا عما هم عليه في التكذيب والضلال.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولًۭا شَـٰهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًۭا ١٥ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَـٰهُ أَخْذًۭا وَبِيلًۭا ١٦ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًۭا يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَٰنَ شِيبًا ١٧ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌۢ بِهِۦ ۚ كَانَ وَعْدُهُۥ مَفْعُولًا ١٨ إِنَّ هَـٰذِهِۦ تَذْكِرَةٌۭ ۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ .

قوله: ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ قال أبو بكر الأصم: تأويله: مبينا لكم ما لله  عليكم من الحق.

وجائز أن يكون ﴿ شَاهِداً عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: لكم وعليكم جميعا؛ فيكون على الكفرة شاهدا بقوله: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ  ﴾ ، ويكون للمؤمنين شاهدا، وقد يذكر "عليكم" ويراد به "لكم" كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب؛ لأنهم كانوا يذبحون لها، لا عليها.

وخص ذكر موسى -  - وفرعون من بين الجملة؛ ففائدة ذكر التخصيص هو - والله أعلم - أن رسول الله  كان منشَؤه بين ظهراني الذين كذبوه، ولم يكن وقفوا منه على كذبة قط؛ بل كانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وكان بمحل يرونه أهلا للشهادة؛ فكيف ينسبونه إلى الكذب، ولم يعهدوا ذلك منه، وكذلك موسى -  - كان نشأ بين ظهراني أولئك الذين أرسل إليهم، وكانوا عرفوه بالصيانة والعدالة، وعرفوا أنه يصلح للشهادة.

ومنهم من يقول بأنهم ازدروا برسول الله  ، واستصغروه؛ اعتبارا بما شهدوا من حاله عند الصغر؛ إذ كان نشوءه فيهم؛ وكذلك ازدروا بموسى -  - حين بعث إليهم، واستخفوا به استخفافهم به في حال الصغر، حتى قالوا: ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ  ﴾ ، فنزل بهم ما نزل بأولئك من الاستئصال بتكذيبهم إياه، وازدرائهم به، فذكرهم حال مكذبي موسى -  - وما نزل بهم من مقت الله  بتكذيبهم وازدرائهم به ليعتبروا به؛ فينقلعوا عن الازدراء؛ لئلا يحل بهم ما حل بأولئك.

ولئلا يغتروا بقواهم، وكثرة عددهم وأموالهم؛ فإن مكذبي موسى -  - كانوا أكثر أموالا وأولادا وأعدادا، وأشد بطشا؛ فلم يغنهم ذلك من الله -  - شيئا.

وجائز أن يكون خص ذكر موسى -  - وفرعون ونبأهما؛ لأن خبره كان منتشرا فيما بين أهل مكة؛ لأنهم كانوا جيرة اليهود الذين عندهم نبأ موسى -  - وفرعون، فكانوا يخبرونهم بما حل بفرعون وقومه بتكذيبهم الرسول؛ فذكرهم نبأ موسى -  - لينتهوا ما هم عليه من التكذيب.

ولأن لله  أن يحتج عليهم بآحاد الحجج، وله أن يحتج عليهم بجملتها؛ إذ في ذلك قطع الشبه، وإزاحة العذر.

أو ذكرهم نبأ موسى -  - وقومه؛ لأن العهد بهم كان أقرب؛ إذ قومه كانوا آخر قوم استؤصلوا في الدنيا.

وقوله: ﴿ فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً ﴾ ، أي: شديدا: ومنه: المطر الشديد يسمى الوابل.

وقال أبو بكر: اسم لكل معضلة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فهو يحتمل أوجها: أحدها: أي: كيف تتقون النار في الآخرة إذا سلكتم في الدنيا سبيلها - وهو الكفر - وأنتم تعلمون أن من سلك طريقا لشيء ولا منفذ لذلك الطريق إلا إلى ذلك الشيء؛ فإنه يرد عليه لا محالة.

أو كيف تتقون النار في الآخرة، وقد تركتم القيام بما عليكم من شكر النعم.

أو كيف تتقون العذاب في الآخرة وأنتم تدفعون إليها، وتضطرون بقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ ، وقد مكنتم في الدنيا من الإيمان بالله  ، ومكنتم من الانتهاء عن الكفر، ثم لم تنقلعوا عنه، فأنى يتهيأ لكم المخلص من عذابه، وأنتم تدفعون إليه.

أو كيف تنتفعون بإيمانكم في الآخرة، ولم تؤمنوا في الدنيا، وقد مكنتم به.

والأصل أن دار الآخرة ليست بدار لاستحداث الأسباب، وإنما هي دار وقوع المسببات؛ فهم إذا لم يستحدثوا الأسباب التي جعلت لدفع العذاب في الدنيا، لم يمكنوا من استحداثها في الآخرة فينتفعوا بها، ولم يكونوا أهلا لوقوع المسببات؛ لما لم يستحدثوا الأسباب في الدنيا، وإنما قلنا: إنها ليست بدار محنة وابتلاء؛ لأن المحنة؛ لاستظهار الخفيات، والثواب والعقاب قد شوهد وعوين؛ فإذا قيل: إذا فعلت كذا، دخلت النار وهو يعاين النار، ويراها، فهو يمتنع عن الإقدام على ذلك الفعل، وإذا قيل له: إذا آمنت بالله  أكرمت بالجنة، وهو يشاهد الجنة، ويراها، فهو يؤمن لا محالة؛ فلا وجه للابتلاء في الآخرة؛ بل هي دار وقوع المسببات يعني: الثواب والعقاب؛ والذي يدل على هذا قوله: ﴿ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ ، فأخبر أنهم يشيبون لا بسبب المشيب، والمشيب في الدنيا لا يوجد إلا بعد وجود سببه، وهو الكبر ليعلم أن الدار الآخرة ليست بدار استحداث الأسباب؛ فما يستحدثون من الإيمان بالله  لا ينفعهم في ذلك اليوم، ولا يقيهم من عذاب الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً ﴾ جائز أن يكون هذا على التحقيق، فيشيب الولدان لهول ذلك اليوم، ويصير الشيب سكارى؛ لشدة هوله؛ كما قال  : ﴿ وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ  ﴾ .

وجائز أن يكون على التمثيل، لا على [تحقيق الشيب]، فمثله به؛ لعظم ذلك اليوم، وشدة هوله، وقد يجوز أن يمثل الشيء بما يبعد عن الأوهام تحقيقه؛ على تعظيم ذلك الشيء، كقوله: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً  أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً  ﴾ ، فذكر هذا على التمثيل؛ لعظم ما قيل فيه، لا على تحقيق الانفطار والانشقاق.

وجائز أن يكون معناه: أنه لولا أن الله -  - بعثهم للإبقاء وألا يتغيروا، ولا يتفانوا، وإلا كان هول ذلك اليوم يبلغ مبلغا يشيب به الولدان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ : أي: بما يجعل الولدان شيبا، وهو هول ذلك اليوم، وشدة فزعه.

أو منفطر بالغمام.

وقيل: منفطر بالله، أي: بقضائه وحكمه، والله أعلم.

ثم قال: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، ولم يقل: "منفطرة"، والسماء مؤنث؛ فذكر الزجاج: أن معنى قوله: ﴿ مُنفَطِرٌ بِهِ ﴾ ، أي: ذات انفطار، فعبر بها كما يعبر عن الذكور؛ كما يقال: امرأة مرضع، أي: ذات إرضاع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً ﴾ : أي: الذي وقع به الوعد مفعول، لا أن يكون الوعد هو المفعول، وكذا قوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً  ﴾ ، والوعد لا يؤتى، بل الموعود هو الذي يؤتى، ولكن نسب الموعود إلى الوعد؛ لأنه من آثاره، وهذا كما يقال: المطر رحمة الله، أي: برحمة الله ما أمطروا، لا أن يكون المطر رحمته، ويقال: الصلاة أمر الله، أي: بأمر الله ما تقام، لا أن تكون أمره الذي يوصف به؛ فكذلك الموعود نسب إلى الوعد؛ إذ بالوعد ما استوجبوا، لا أن يكون الوعد هو المفعول وهو المأتي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ هَـٰذِهِ تَذْكِرَةٌ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ هَـٰذِهِ ﴾ منصرفا إلى الأهوال التي ذكرها فيكون ذكرها تذكرة.

ويحتمل أن ينصرف إلى الرسالة، أي: رسالة محمد  تذكرة.

ويحتمل: أي: هذه السورة، أو الآيات كلها تذكرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ : قال بعضهم: من شاء اتخذ عند ربه جاهاً ومنزلة لنفسه.

أو ﴿ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ .

[أي] إلى ما دعاه إليه ربه، وذلك يكون بالإجابة فيما دعاه إليه.

أو من شاء اتخذ إلى ما وعد له ربه في الآخرة سبيلا في أن يقبل على طاعته، ويشغل نفسه بعبادته.

<div class="verse-tafsir"

۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًۭا وَأَعْظَمَ أَجْرًۭا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۢ ٢٠

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ : قال أبو عبيد: الصواب أن يقرأ: ﴿ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ ﴾ بالخفض؛ على معنى إضافة ﴿ أَدْنَىٰ ﴾ إليها، فكأنه يقول: إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، وأدنى من نصفه، وأدنى من ثلثه، و ﴿ أَدْنَىٰ ﴾ يكون على الزيادة والنقصان جميعا؛ لأن فضل ما بين الثلث، إلى النصف هو السدس؛ فإذا زاد على الثلث أقل من نصف السدس، فهو إلى الثلث أدنى، وكذلك إذا نقص من الثلث شيئا قليلا، فهو إلى الثلث قريب؛ فيكون إليه أدنى، وكذلك الفضل فيما بين النصف إلى الثلثين هو السدس، فإذا زاد على النصف أكثر من نصف السدس، فهو إلى الثلثين أدنى، وإذا نقص من نصف السدس فهو إلى النصف أدنى وأقرب.

ومنهم من اختار النصب فيهما، والوجهان جميعا محتملان؛ لأن قوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ ﴾ ليس فيه إيجاب حكم مبتدأ؛ وإنما فيه إخبار عن القيام الذي وجد من رسول الله  ؛ فجائز أن يكون وجد منه [ذلك كله، وهو أن يكون قريباً من الثلثين، وقريباً من النصف، وأدنى من الثلث؛ على ما ذكره أهل المقالة الأولى، ويكون قد قام] أدنى من ثلثي الليل، وقام نصفه وثلثه، وأدنى من نصفه وأدنى من ثلثه، فذكر في الثلثين الأدنى؛ لما وجد منه الأدنى من جهة الزيادة والنقصان، ولم يوجد موافقة الثلثين، وأخبر بالنصف والثلث بالأمرين جميعا؛ لوجود الموافقة، وهو أن يكون قام نصف الليل، وقام ثلثه، وقام أدنى من النصف، وأدنى من الثلث، وإذا كان هذا كله محتملا، لم يجز أن يدفع أحد الوجهين، ويتمسك بالوجه الآخر؛ وهذا كقوله  : ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ  ﴾ ، فقرئ برفع التاء ونصبه جميعا؛ لما وجد الأمران جميعا، وهو أن يكون موسى -  - وفرعون عَلِما بها أي: بالآيات جميعا.

وكذلك قال في سورة سبأ: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا  ﴾ ، وقرئ: ﴿ رَبُّنَا بَاعَدَ بين أسفارنا ﴾ ؛ لوجود الأمرين جميعا وهو الدعاء والإجابة؛ فقوله - عز وجل -: ﴿ رَبَّنَا بَاعِدْ ﴾ دعاء، وقوله: ﴿ رَبُّنَا بَاعَدَ ﴾ على الإجابة، ففرق بينهما بالإعراب؛ فكذلك هاهنا لما استقام وجود الوجهين من رسول الله  ، استقام أن يقرأ بالنصب والخفض جميعا، ويفرق بينهما بالإعراب، والله أعلم.

ثم يجوز أن يكون المفروض من القيام قدر ثلث الليل، ويكون الزيادة بحكم النافلة.

ويجوز أن يكون مفروضا، وإن طال، وزاد على الثلث والنصف والثلثين، وإن كان يجوز له الاقتصار على ثلث الليل؛ ألا ترى أن فرض الركوع والسجود يقضى بإدراك جزء منه، وكذلك فرض القيام [يقضى] بالجزء منه، ثم إن الركوع وإن طال فهو من أوله إلى آخره فرض حتى لو أن داخلا شاركه في أول الركوع، ثم رفع رأسه، وشاركه ثالث في آخر ركوعه، ثم رفع رأسه مع الإمام، صار كل واحد منهم مدركا لفرض الركوع، وإن كان الإمام لو اقتصر على جزء منه، كفاه ذلك عن فرضه؛ فكذلك الفرض لما انصرف إلى قيام الليل فصار جميع ما يؤتى من القيام في الليل وإن طال فرضا، وإن كان قد يجوز الاجتزاء ببعضه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ﴾ : في هذه الآية، وفي قوله - عز وجل -: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ - دليل على أن فرض القيام كان على النبي  ، وعلى من تبعه من المؤمنين، وإن كان رسول الله  هو المخصوص بالخطاب بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ  ﴾ ؛ لأنه لو لم يكن الفرض شاملا لهم، لم يكن لقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ معنى؛ ألا ترى أنه إذا لم يفرض علينا قيام الليل في يومنا هذا، لم نحتج في ترك القيام إلى أن يتوب الله علينا.

ثم إن الله  ذكر في التوبة وفيما فيه التبع خطابا يجمع الجميع بقوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوة ﴾ وذكر فيما فيه الأمر خطابا يقتضى الآحاد، وهو قوله: ﴿ قُمِ ٱلَّيلَ إِلاَّ قَلِيلاً  نِّصْفَهُ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً  ﴾ ؛ ففي هذا أنه قد يجوز أن يخاطب النبي  على إدخال غيره فيه تبعاً له، ولا يجوز أن يخاطب غير النبي  ويراد به إشراك النبي  في ذكر الخطاب؛ لأن رسول الله  هوالمتبوع؛ فجاز إلحاق غيره به، وغيره لا يكون متبوعا حتى يلحق به رسول الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ ﴾ : فيه أن الليل والنهار ليسا يمضيان على الجزاف؛ ولكن بتقدير سبق من الله - عز وجل - وآية ذلك ظاهرة؛ لأنهما يجريان مذ خلقهما على تقدير واحد، لم يتقدما، ولم يتأخرا، ولم ينتقصا ولم يزادا؛ فيكون فيه إبانة أن مدبرهما واحد، وأن الذي قدرهما هكذا ممن لا يبيد ملكه، ولا ينفذ سلطانه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ : قال بعضهم: علم أن لن تطيقوه.

قال أبو بكر الأصم: هذا لا يستقيم؛ لأنه لا جائز أن يكلفهم الله  ما لا يطيقونه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا  ﴾ .

وليس فيما ذكره أبو بكر ما يدفع هذا التأويل؛ لأنه يقال للأمر إذا اشتد وتعسر: لا يطاق هذا الأمر، وإن لم يكن ذلك خارجا من الوسع؛ ألا ترى إلى [قوله  ]: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ ، وتأويله: لا تحملنا أمرا يشتد علينا عمله، ليس أنهم خافوا أن يحملهم أمرا لا يحتمله وسعهم؛ فيكون قوله: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ - إن كان تأويله: أن لن تطيقوه - على ذلك، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ أي: لا تحملنا أمرا تهلك فيه طاقتنا، لا أن تحملوا أمرا لا يطيقونه؛ ألا ترى الإنسان يحتمل القتل، ولكن قتله يهلك طاقته.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ  ﴾ ، أي: اعصمنا من الشهوات واللذات؛ لئلا نؤثرها؛ فنكون مضيعين بارتكابها قوة الفعل الذي تعبدنا به؛ فلا نصل إلى فعله، وهذه هي القوة التي لا تزايل الفعل، بل تطابقه، وأما الفعل الذي هو خارج عن احتمال الوسع والطاقة، فذلك هو الذي لا يقع بمثله التكليف.

وجائز أن يكون تأويل قوله  : ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ ، أي: لن تحصوا حد ما أمركم به، لو أخذ عليكم في أمر بتقدير الثلث والنصف، لم يمكنكم ذلك إلا بعد جهد؛ ففرض عليكم قيام الثلث من الليل، وجعل لكم الإمكان في أن تزيدوا عليه فيحيط عملكم بقيام الثلث، ولو كان على حد واحد، لم يمكنكم حفظه إلا بعد شدة وجهد، وفي ذلك كلفة عسيرة.

ويؤيد هذا تأويل من قال: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ ﴾ ، أي: لن تطيقوه، وتكون الطاقة عبارة عن التعسير، واشتداد الأمر.

ثم في هذه الآية دلالة على إباحة تعليق الحكم بالاستحسان؛ لأنه قد فرض عليهم قيام ثلث الليل، ولا يمكنهم تدارك الثلث بتقدير الإحاطة، وإنما يمكنهم بالتقدير الذي يغلب على القلب؛ فثبت أنه قد يجوز أن يكون الحكم معتبرا بما يقع في القلوب، ويغلب على الظنون، والاستحسان ليس إلا تعليق الحكم بما يغلب على القلوب.

والذي يدل على أن الحكم لازم بما ذكرنا: أن الله  ألزم الحد على القاذف وعلى الزاني، ولم يبين مبلغ قوع الضرب فيه، ولا ما يضرب به، فقدر ذلك بما يقع في القلوب أن مثل هذا الضرب يصلح لمثل هذه الجناية، وكذلك قيم الأشياء، والأروش، والنفقات، وتسوية المكاييل، والموازين يعتبر ذلك كله بغلبة الظنون من غير أن كان في شيء من ذلك أصل تقدر النوازل به وتنتزع منه؛ فثبت أنه يجوز أن يحكم بالذي يغلب على القلوب، وأن المجتهد يرجع إلى وجهين: مرة ينظر غيره فيتمثل بها؛ فيسمى ذلك: قياسا، ومرة يحكم فيها بما يغلب على الظنون؛ فيسمى ذلك: استحسانا.

وفي هذه الآية دلالة أن سؤال من يسأل أبا حنيفة - رحمه الله - أن الوتر لو كان له مشابه في الفرض، لكان لا يختلف لعدده - سؤال غير مستقيم؛ لأنه قد فرض على القوم أن يقوموا ثلث الليل، وقد أخبر - عز وجل - أنه لا يحصون حد ما أمرهم به، وإذا لم يحصوا فلا بد أن يقع هناك زيادة ونقصان؛ فكذلك الوتر وإن كان حد عدده غير معروف فهو لا يخرجه عن حكم الفرائض، والله أعلم.

ثم في قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ أن الله وقتما فرض عليهم علم أنهم لا يحصونه؛ ولكن بيّن هذا؛ ليعلموا أن لله  أن يكلفهم إقامة العبادة إلى وقت لا يتهيأ لهم إحاطة مبلغ ذلك الوقت إلا بعد جهد؛ ليعرفوا منة الله  عليهم إذا أسقط عنهم ذلك التكليف، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً  ﴾ ، ولكن ذكر هذا؛ ليعلموا أنهم يكلفون القيام للعشرة وإن كان بهم ضعف، لكن إذا خفف عنهم، عرفوا ما لله عليهم من عظيم المنة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ يحتمل أن تكون طائفة منهم امتنعوا عن القيام؛ فتكون التوبة راجعة إليهم؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ﴾ ، فهذا يبين أنهم جميعاً لم يقوموا معه؛ وإنما قامت معه طائفة؛ فتكون التوبة راجعة إلى الطائفة التي امتنعت عن القيام.

وجائز أن تكون راجعة إليهم، وإلى الذين قاموا معه؛ فيكون الذين قاموا معه قصروا [في] القيام عن الحد الذي شرط عليهم؛ فافتقروا إلى التوبة - أيضا - كما افتقر إليها من تخلف عن القيام؛ فتاب الله عليهم جميعا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ ﴾ : فمنهم من ذكر أن قيام الليل صار منسوخا بهذه الآية.

ومنهم من يقول بأن النسخ وقع بقوله  : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ ﴾ ، وهي الصلاة المفروضة، وليس بينهما فرق عندنا؛ وإنما نسخ بهما جميعا.

ووجه النسخ: هو أن فرض القيام لو كان باقيا، لكان لا يجوز لهم أن يكتفوا من القراءة بما تيسر عليهم؛ لأنهم إذا قاموا إلى ثلث الليل لزمهم تبليغ القراءة إلى حدٍّ يتعسَّر عليهم ويشتد، فإذا أذن بالاقتصار على القدر الذي تيسَّر، عُلِمَ أنه قد سقط عنهم أن يقوموا ثلث الليل.

ثم هو إذا قام صلاة المغرب والعشاء قد قرأ من القرآن ما تيسر عليه؛ فصار قاضيا لما اقتضاه قوله: ﴿ فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ ﴾ ، فمن هذا الوجه استدلوا بهذه الآية على نسخ حكم القيام بالليل، ثم هذه القراءة يقيمها في الصلاة؛ فيكون النسخ واقعا بهما.

ثم من الناس من يزعم أن فرض القيام سقط عن رسول الله  وعن أمته؛ واستدل بقوله: ﴿ وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ  ﴾ ؛ فإن كان الفرض عليه قائما، لم يكن التهجد به نافلة.

ومنهم من زعم أنه لم يسقط عنه فرض القيام؛ بل دام عليه إلى أن قبض -  -.

واحتج بما روي عن النبي  أنه قال: "كتب عليّ قيام الليل، ولم يكتب عليكم" ، ومعناه: بقي عليّ مكتوبا، ورفع عنكم؛ إذ قد دللنا [أن] القيام في الابتداء كان [واجباً] عليه وعليهم جميعا.

وقد قال بعض الناس: إن صلاة الليل، لم تكن فرضا على أمته بهذا الحديث، وما ذكرناه عليهم.

ثم الجواب عن التعلق [أن قوله:] ﴿ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ﴾ معناه: غنيمة لك، لا أن يكون القيام منه تطوعا.

ووجه صرفه إلى الغنيمة: هو أن العبادة من رسول الله  تخرج مخرج الشكر لله  ؛ فيصير بها مكتسبا للفضيلة، وليس يقع ذلك موقع التكفير للسيئات؛ لأنه  قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فلم يكن يحتاج إلى إتيان الحسنات؛ ليكفر عنه السيئات، فثبت أن الفعل منه يقع موقع اكتساب الفضيلة؛ فتدوم له بذلك الفضيلة ويستوجب بها جزيل الثواب، وذلك من أعظم الغنائم.

والذي يدل على أن فعله يخرج مخرج الشكر: ما روي عن رسول الله  [أنه قام] حتى تورمت قدماه؛ فقيل له: يا رسول الله، ألم يغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟

فقال -  -: "أفلا أكون عبدا شكورا؟"، وأما غيره فإن الحسنات منهم مكفرة لسيئاتهم، ومطهرة لزلاتهم؛ قال الله  : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ ؛ فهم بحسناتهم لم يصيروا مكتسبين الفضيلة في مستأنف الأوقات، فيصيروا بها مغتنمين، بل رفعوا زلاتهم، وطهروا أنفسهم من المآثم؛ فلم تصر القربة منهم، والله أعلم.

فلهذا ما سمى تهجده: نافلة، لا أن يكون قيامه نفلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ .

فمنهم من زعم أن هذه السورة كلها مكية، ومنهم من زعم أن أولها مكية، وآخرها مدنية، ويحتج هؤلاء بقوله  : ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، وبقوله: ﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ ؛ وذلك لأن الجهاد فرض على المسلمين بعد الهجرة إلى المدينة، ولم يوجد منهم الضرب في الأرض في حال كونهم بمكة، وفي هذا إخبار عن جهاد طائفة، وعن ضرب بعض في الأرض؛ فثبت أن نزول هذه الآيات كانت بالمدينة.

واحتجوا - أيضا - بقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ ، قالوا: إن الزكاة إنما فرضت عليهم بعدما هاجروا إلى المدينة، وفي هذا أمر بإيتاء الزكاة؛ فثبت أن نزولها كان بالمدينة، وأما أول السورة فهي في موضع المحاجة على أهل الشرك، ولم يكن بالمدينة مشرك؛ بل كانوا أهل كتاب.

ومن ذكر أنها كلها مكية، فهو يحمل قوله: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي ٱلأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ على الوعد والبشارة، ليس على الإيجاب والوجوب؛ ألا ترى إلى قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ ﴾ ، فأخبر أنه سيكون منكم مرضى، لا أن كانوا مرضى في ذلك الوقت؛ فلم يكن فيما ذكر دلالة كونها مدنية.

ثم الآية إن كانت على الوعد؛ ففيه أنهم كانوا في ضيق من العيش، وكانوا من القوم في خوف؛ فيكون فيه بشارة أنه يرفع عنهم الضيق بما يضربون في الأرض، ويوسع عليهم العيش، وأنه يفتح لهم الفتوح، ويكثر أنصارهم حتى يقهروا العدو، ويقع لهم من ناحيتهم الأمن، وقد آل الأمر إلى ما بشروا به، فيه] آية رسالته -  - إذا أخبرهم عن علم الغيب، وكان الأمر على ما أخبر.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مَّرْضَىٰ ﴾ في موضع الاعتلال، أنه إنما خفف عليهم الأمر بما ذكر من الأعذار من المرض، والضرب في الأرض، والمجاهدة في سبيل الله  ، والتخفيف إذا وجب لعذر مما لم يلاق العذر حالة الفعل، لم يخفف؛ فكيف خفف عنهم قبل وقوع الأعذار، ولكن هذه الأعذار وإن تحققت [هي لا تلاقي الفعل]؛ بل تتقدمه؛ لأن المجاهدة تكون بالنهار، لا بالليل، وكذلك الضرب في الأرض وقت النهار لا الليل، والقيام كان بالليل ليس بالنهار، ثم قد وضع عنهم قيام الليل وإن لم يكن العذر ملاقيا للقيام؛ فعلى ذلك جائز أن يرفع عنهم القيام بالليل وإن لم يأت بعد وقت المجاهدة، ولا كان الضرب موجودا؛ إذ ليس في ذلك كله إلا عدم ملاقاة العذر حالة القيام.

ثم وجه رفع قيام الليل عنهم بالمجاهدة والضرب في الأرض وإن كانا يحصلان في النهار لا في الليل: هو أن المجاهدة بالنهار تضعفهم، وتوهن قواهم؛ فيتعذر عليهم قيام الليل، وكذلك الضرب في الأرض؛ فمن الله  عليهم بأن رفع عنهم قيام الليل، وإن لم يوجد منهم الاشتغال بالجهاد بالليالي، والله أعلم.

ثم الضرب في الأرض يكون للتجارة، ولغيرها من الوجوه: لطلب العلم، وغيره من الأسباب؛ فلا يحصل أمر الضرب على التجارة خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

قال أبو بكر في قوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ دلالة أن هذه الآية مدنية؛ لأن الزكاة إنما فرضت عليهم بالمدينة، فإن كان الأمر على ما ذكر: أن فرضها نزل بالمدينة فذلك عندنا مصروف إلى زكاة المواشي خاصة؛ لأن أصحاب رسول الله  ، لم يكن لهم بمكة سوائم؛ لأنه كانوا يخافون العدو؛ فلم يتهيأ لهم إسامة المواشي، وأما ما رجع من الزكوات إلى غيرها من الأموال، فيشبه أن تكون واجبة عليهم في حال كونهم بمكة، وبعد مفارقتهم منها، ولا يكون في الأمر بإيتاء الزكاة دلالة نزولها بالمدينة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ : فالقرض - في لغة العرب -: القطع، يقال: قرض الفأر الجراب، أي: قطعه؛ فسمي القرض: قرضا لهذا؛ لأنه يقطع ذلك القدر من ماله فيدفعه إلى غيره، وكذلك هو بالتصدق يقطع ذلك القدر؛ فيجعله لله  خالصا؛ فسمي: إقراضا لهذا.

ويجوز أن يكون أضاف إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق عليه؛ إذ الإقراض حصل فيما بينه وبين ربه؛ فيصير الفقير معاونا له في تلك القربة.

ولأن المرء في الشاهد إنما يقرض ما يفضل عن حاجته، فيدفعه إلى من يثق به، ليسترده منه عند حاجته إليه؛ فكذلك الصدقة أُوجبت في المال الذي يفضل عن حاجاته، فيقرضها الله  فيجدها مهيأة عندما تمسه الحاجة.

ثم المال الذي يدفعه إلى الفقير على جهة التصدق هو مال الله  ، ثم جعل الله  ذلك منه إقراضا له  وأضافه إلى نفسه؛ فتكون الفائدة في الإضافة إلى نفسه هي تفضيل عمله؛ ليرغبه في مثل ذلك الفعل على جهة التكرم منه، وهو كما سمى الثواب الذي يتفضل [به] على عباده أجرا بقوله: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ  ﴾ ، ومن عمل لنفسه لم يستوجب الأجر على غيره، وسمى الذي يقتل: شهيدا بائعا نفسه لله  ؛ على تفضيل وترغيب للعباد في مثله؛ لقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ معناه: تجدوه حاصلاً لكم، وإلا فكل شيء تقدمونه من خير أو شر تجدونه حاضراً في ذلك اليوم، ولكن الشر يكون عليهم، قال الله  : ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوۤءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَاً بَعِيداً  ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ، وفي حق الكلام أن يقول: "هو خير"؛ لأن "هو" يرفع ما بعده، ولكن "هو" كالفصل هاهنا، وحقه الحذف، وإذا حذف انتصب الكلام؛ لأن معناه: تجدونه عند الله خيرا لكم مما خلفتم، فيكون "خيرا" مفعولا.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ يحتمل أوجها: أحدها: أنه خير لكم، وأعظم أجرا مما خلفتم لورثتكم، فيكون فيه أن الذي يخلفه لورثته له فيه خير، ولكن ما يقدم لآخرته خير له، والذي يدل على أن له فيما يخلفه لورثته خيرا قوله -  -: "إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس" والثاني: أن المرء في الشاهد قد تسخو نفسه ببذل [الأموال] للآجلة الآجلة لما يأمل منهم من المال الثواب العاجل، فيكون في قوله: ﴿ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ترغيب للعباد في تقديم الأموال لوجه الله  ؛ لأنهم إذا رغبت أنفسهم في بذل الأموال للآجلة؛ طمعا للمنافع التي تحصل لهم؛ فكان بذلك المال لوجه الله  أعظم في الأجر، وأولى أن يقع فيه الرغبة.

ولأن النفس قد تتحمل المكروه في الشاهد لمنافع تأملها في ثاني الحال، فإذا طمعت لما تبذل لوجه الله  الثواب الجزيل والأجر العظيم خف عليها تحمل المكروه، والذي يناله بالبذل.

ويجوز أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ وَأَعْظَمَ ﴾ بمعنى: عظيم؛ إذ قد يستعمل حرف "أفعل" في موضع "فعيل"؛ كما يقال "أكبر" بمعنى: "كبير"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ ﴾ فالاستغفار: هو طلب المغفرة، وذلك يكون باللسان مرة، وبالأفعال ثانيا.

فطلب المغفرة من جهة الفعل: أن ينتهي عن الفعل الذي يستحق عليه العقاب ويجيب إلى ما [دعا الله إليه]؛ قال الله -  -: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ فجعل انتهاءهم عن الكفر ودخولهم في الإسلام سبب مغفرتهم، وقال الله  : ﴿ ٱسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً  ﴾ ، وليس استغفارهم [أن يقولوا باللسان: "اللهم اغفر لنا"، ولكن معناه: أن انتهوا عما أنتم فيه من الكفر، وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه، فهذا هو الاستغفار] من جهة الأفعال.

وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة، يكون على وجهين: أحدهما: أن تسأل ربك التجاوز عن سيئاتك.

والثاني: أن يسأل حتى يوفقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة، وعلى هذا التأويل يخرج استغفار إبراهيم  لأبيه، وهو أنه طلب من ربه أن يوفقه لما فيه نجاته، وهو الإسلام، لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه على الكفر؛ ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله  ، وعلم أنه لم يوفق للسبب الذي يستوجب به المغفرة؛ قال الله  : ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ  ﴾ ، فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع دوامه على الكفر، ولكن للوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل