تأويلات أهل السنة سورة القيامة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة القيامة

تفسيرُ سورةِ القيامة كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 44 دقيقة قراءة

تفسير سورة القيامة كاملةً (أبو منصور الماتريدي)

لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ١ وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢ أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُۥ ٣ بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ ٤ بَلْ يُرِيدُ ٱلْإِنسَـٰنُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُۥ ٥ يَسْـَٔلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ ٦ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ٧ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ٨ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ٩ يَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ١٠ كَلَّا لَا وَزَرَ ١١ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ ١٢ يُنَبَّؤُا۟ ٱلْإِنسَـٰنُ يَوْمَئِذٍۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣ بَلِ ٱلْإِنسَـٰنُ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ بَصِيرَةٌۭ ١٤ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ * وَلاَ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ ﴾ ، اختلف في تأويله: فمنهم من ذكر: أنه أقسم الله  بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة، ذكر ذلك عن الحسن، ويكون معناه: لأقسم بسوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة.

لكن ذكر عنه أنه يقول في قوله  : ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَأَنتَ حِلٌّ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ  وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ  ﴾ : إن القسم يقع على البلد [ووالد وما ولد، والوالد هو آدم]  ، وما ولد جملة أولاده  ، فإذا كان القسم جائزا بالوالد والمولود جميعا، كانت النفس اللوامة داخلة في جملة المولود فقد أقسم بالنفس اللوامة عنده؛ فلا معنى للرد هاهنا [ثم موقع "لا" في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ ﴾ وتأويله - يذكر في قوله: ﴿ لاَ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ﴾ في سورة يذكر فيها الكبد.

ومنهم من ذكر أن القسم وقع بهما جميعا، ولله  أن يقسم بما شاء من خلقه.

ثم صرف بعض أهل التأويل معنى القسم إلى قوله  : ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ ، وجعله موضع القسم، فإن كان على هذا، فالإشكال عليه أن يقول قائل: كيف أكد أمر البعث، وجمع العظام بالقسم بيوم القيامة، وقد جرى من القوم الذين احتج عليهم بهذه الآية الإنكار بيوم القيامة، فكأنه أكد القسم بشيء جرى به الإنكار؟

والجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن يكون القيم منصرفا إلى الحكمة التي توجب القول بالبعث؛ إذ قد بينا في غير موضع: أنه بالبعث ما خرج خلق هذا العالم مخرج الحكمة، ولولا البعث، لكان خلقه عبثا باطلا، كقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ \[المؤمنون: 115\]، كأنه قال: لا أقسم بحكمته الداعية إلى كون القايمة كذا أن يكون كذا.

وجائز أن يكون القسم في الحقيقة بالدلائل والبراهين التي من تفكر وأمعن النظر فيها، حمله ذلك على القول بالبعث، وإذا كان محتملا صح القسم بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ لأن التفكر في النفس اللوامة والاعتبار بها يدعو إلى القول بالبعث.

ثم العادة جرت على القسم بالأشياء التي عظم خطرها، وجل قدرها في القلوب؛ وجلالة خطرها يكون بأحد وجهين: إما بما كثرت منافعها؛ فيكون خطرها مشاهدا معروفا.

أو يعظم خطرها بالدلائل الأخبار، فالسماوات والأرضون قد عرف الخلق جلالة أقدارهما بالعيان؛ بما كثرت منافع الخلق بهما.

وعظم يوم القيامة بما جل خطره في القلوب؛ وثبت القول بكونه بالدلالات والبراهين.

ثم قد وصفنا أن الله -  - أقسم بأشياء؛ لتأكيد ما يعرف بيانه ويجب القول به لولا القسم لو أمعن النظر فيه؛ وأعملت فيه الروية؛ لذلك استقام القسم بها، والله أعلم.

واختلف في النفس اللوامة: قال بعضهم: النفس اللوامة هي النفس الكافرة، تلوم ربها في الدنيا أبدا في تضييق العيش عليها، وتشكو ربها من الفقر والإقتار عليها، مع كثرة نعم الله عليها وإحسانه إليها.

ومنهم من صرف التأويل إلى كل نفس مؤمنة كانت أو كافرة، فهي تلوم غيرها؛ لتعاطيها أشياء قد تعاطت نفسه مثلها، وامتحنت بها، والحق على كل أحد ألا يلوم أخاه بما تعاطى فعلا قد أتى هو ذلك الفعل بعينه أو مثله، ولكنها أنشئت كذلك لوامة، كما قال: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً  إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعاً  ﴾ .

ومنهم من ذكر أن هذا يكون في الآخرة، فالكافر إذا أيقن بالعذاب وما حل به من نقمة الله  ندم على ما فرط في جنب الله، وأدركته الحسرة؛ فعند ذلك يلوم نفسه، والمؤمن إذا عاين الثواب يلوم نفسه لما أمسك عن المعصية وتاب، وأطال المقام في المحراب؛ و أبصر للعاملين بالطاعة حسن المآب، وللعاصي نفسه بما شذ منه وغاب، عند كمال القوة وعنفوان الشباب، وقال: كيف لم أزدد في العمل؛ لأزداد في الثواب!

ومنهم من خص الكافر في الآخرة باللوم على نفسه، وهذا أظهر؛ لأن المسلم إذا أكرم بالثواب فشكره لذلك بشغله عن اللوم [على نفسه]؛ فلا يتفرغ له.

ولأن الله -  - يضاعف له من الحسنات، ويعطيه من الدرجات زيادة على ما استوجبه ب عمله؛ فضلا منه وإنعاما، فكيف يلوم انفسه بتقصيرها في العمل، وهو يعل أن ما وصل إليه من الكرامات، لم ينل جملتها بعمله، بل بفضل الله  وبكرمه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ : فقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ ﴾ وإن خرج مخرج الاستفهام في الظاهر فليس هو باستفهام؛ ولكنه تحقيق حسبان من الإنسان؛ فجائز أن يكون [ما] حمله على الحسبان هو أن القدرة لا تنتهي إلى هذا في أن تجمع العظام وتؤلف بعد تفتتها وتلاشيها، فيدفع حسبانه هذا بقوله: ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ فمن تفكر في النشاة الأولى، علم أن القدرة تنتهي إلى جمع العظام بعد أن صارت رميما، وأن الذي قدر على إنشائها لقادر على جمعها بعد تفريقها.

وجائز أن يكون حسب أن العظام لا تجمع بعد تفريقها؛ لأنها لو جمعت بعد التفريقب، لم تكن تفرق بعد أن وجدت مجموعة؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد لا يقصد إلى نقض ما بنى؛ ليعيده مرة أخرى إلى الجهة المقتدمة، ومن فعل ذلك كان عابثا في هدمه، ولم يكن حكيما، فإن كان هذا المعنى هو الذي حمله على الحسبان، فجوابه أن يقال بأن الجمع الأول وقع لمكان المحنة والابتلاء، والجمع بعد التفريق لمكان الجزاء؛ فإذا كان الجمع الثاني لغير الوجه الذي وقع [له] الجمع في الابتداء، كان مستقيما صحيحاً، وإنما يخرج عن حد الحكمة إذا لم تكن الإعادة إلا للوجه الذي وقع الابتداء [له]؛ ألا ترى أن الذي نقض بناءه إذا أعاده لا للوجه الذي كان يني أول مرة، لم ينكر عليه.

وفيما ذكرنا رد قول الباطنية؛ لأنهم زعموا أن هذه الأنفس تتلاشى وتتلف؛ فلا تبعث، وأن البعث يقع على الأنفس الروحانية، ولو كان كما زعموا، لم يكن لقوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ معنى؛ لأن العظام لا تجمع على قولهم بعدما صارت رميمة؛ فيكون الأمر إذن على ما وقع في حسبان هذا الإنسان؛ فلا معنى للرد عليه بقوله: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ؛ ألا ترى أن الذي حمله على الإنكار لجمع العظام بعد تفريقها هو أنه لم ير هذا موجودا في الشاهد، ولو كان الأمر على ما زعمت الباطنية، لكن الإنكار مدفوعا؛ إذ وجد النفس الروحانية مبعوثة في الشاهد بعد توفيها، وقال [الله]  : ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، فأخبر أن الأنفس التي أنشئت أول مرة هي التي تحيا، لا غير.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ : فمنهم من حمل هذه الآية على الابتداء، وزعم أنه ليس فيها جواب لما يقتضيه قوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ ﴾ .

ومنهم من ذكر أن قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ ، جواب قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَلَّن نَّجْمَعَ ﴾ ، فاكتفى بقوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ بما سبق منه من الدلالات والحجج على القول بالبعث؛ فاقتصر على قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ على الوصل بما تقدم من الدلالات.

ومنهم من جعل جوابه في قوله: ﴿ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾ ، معنى تسوية البنان: هو الجعل من عظم واحد، مجموعا غير متفرق، مثل خف البعير، وحافر الدواب.

ووجه الاستدلال: أنهم أقروا بأن الله  قادر على [أن يسوي] البنان؛ لما رأوا التسوية موجودة في الدواب، ثم الجمع بعد التفريق أظهر وجودا أيسر فعلا من تسوية البنان؛ ألا ترى أن المرء في الشاهد قد يقدر على التأليف والجمع بين أشياء متفرقة، ويعجز عن تسوية البنان؛ فإذا كانت التسوية أعسر وجودا من الجمع بعد التفريق، ثم وصفوا الله  بالقدرة على تسوية البنان، فكيف أنكروا قدرته على جمع العظام بعد تفريقها؟

 الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيرا!!.

ومنهم من يقول بأن الله  لم يسو بين بنان الإنسان، وسوى بين بنان الدواب؛ ليصل إلى الأخذ والإعطاء، وإلى التقديم والتأخير، والقبض والبسط، وأنواع المنافع التي خص بها من نحو ما يملكون بالبنان تسخير الدواب والأنعام؛ فعلم بالتفريق بين الدواب وبينهم أن البشر هم المقصودون بالمحنة، وألا يتركهم سدى، لا بأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يستأديهم شكر ما أنعم الله عليهم؛ وقد ائتمر البعض وعصى البعض؛ فلا بد من دار أخرى للمجازاة؛ فالنظر في هذا يحمله على القول بالبعث والجزاء.

ولأن الاستواء يقع في الابتداء، والجمع بعد التفريق يكون عند الإعادة، والعقول تشهد على أن أمر الإعادة أيسر من أمر الابتداء، فإذا لم يتعذر عليه الاستواء في الابتداء؛ فأنى يعسر عليه إعادة الجمع مع قدرته على الجمع في الابتداء؟

ولأ،هم لما لم يخلقوا مستوية البنان، فليعلموا أن في ترك الاستواء حكمة، ولو كان الأمر على ما قدروا أن لا بعث لكان ذل يخرج عن حد الحكمة؛ فيكون فيما ذكر تثبيت البعث والقول بالقدرة على جمع العظام بعد تفرقها، وتفتتها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ : قال أهل التفسير: يؤخر التوبة، ويقدم المعصية، ويقول: "سوف أتوب"، فيأتيه الموت على شر حاله.

وعندنا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون ذكر الإرادة لا على تحقيقها؛ ولكن من فعل شيئا فعله على الإرادة والاختيار، فكنى بالإرادة عن الفعل؛ لأنها تقترن بالفعل؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ولم يظن أحد من الكفرة أن السماء والأرض خلقتا باطلاً، ولكن خلقهما خرج على الحكمة بالبعث والجزاء، ففي تركم القول بالبعث وصف بأن خلقهما للعب والباطل، ويؤدي إلى هذا؛ فيصير كأنهم قالوا ذلك، وظنوا كذلك؛ فعلى هذا يحمل الأمر على الظن، لا أن وجد منهم الظن في الحقيقة؛ فكذلك إذا فعلوا فعل الفجور، وكان فعلهم على الإرادة والاختيار؛ فكأنهم أرادوا أن يفجروا أمامهم، لا أن كانت الإرادة منهم متحققة مقصودا.

وجائز أن يكون ذلك على تحقيق الإرادة، وذلك أن للشر والفجور سبلا من سلكها أفضت به إلى أن يستحق اسم الفجور، وللخير والهدى سبلا من سلكها أفضى به الأمر إلى أن يستحق اسم البر والتقوى، فإنما صار إلى الفجور وإلى أنواع الشرور بسلوكه ذلك السبيل، وصار مريدا من هذه الجهة.

ثم قوله: ﴿ أَمَامَهُ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: فيما بقي من عمره؛ لأنه يترك الاستهداء والاسترشاد، ويمضي على العادة التي عود نفسه على ذلك من الشرور والضلال.

ويحتمل أن يكون الأمام هو يوم القيامة، ثم قال في موضع: ﴿ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً  ﴾ بعد ذكر ذلك اليوم بالأمام والوراء جميعا؛ فيكون قوله: ﴿ وَرَآءَهُمْ ﴾ ، أي: وراء الأوقات التي خلت ومضت؛ فعلى اعتبار الإضافة إلى الأوقات الماضية يكون يوم القيامة وراءها، وعلى اعتبار الإضافة إلى ذلك الفاجر يكون أماما؛ لأنه يكون أمام هذال الفاجر؛ فكذلك استقام الوصف بالأمام والوراء جميعا.

ثم ذكر الفجور، ولم يذكر الكفر وإن كان الإنسان الذي يريد أن يفجر أمامه كافرا؛ لأن في ذكر الفجور تعبيراً وتنشييناً؛ إذ هو اسم للتعيير خاصة، وليس في نفس الكفر تعيير؛ إذ كل أحد - مؤمنا كان أو كفارا - مؤمن بشيء كافر بشيء، فالكافر من حيث اسمه لم يصر قبيحا؛ بل بمعناه ما قبح؛ فكان الفجور أبلغ في التعبير من الكفر؛ فسمي به، والله أعلم.

وقال أبو بكر: معنى قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴾ ، أي: يريد أن يعاين يوم القيامة، ويعلم به أنه متى هو؟

تفسيره على أثره.

قوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ ، أي: يريد أن يعلمه بسؤاله متى هو؟

فأخبر أنها تقوم إذا ﴿ بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ سؤاله هذا سؤال تعنت واستهزاء؛ لما ذكرنا أنه ليس في تعرف وقت كونه مزجر ولا مرغب، وإنما يقع الزجر والرغبة بتكذير الأحوال التي تكون في ذلك اليوم؛ فلذلك ذكر الأحوال التي تكومن في ذكل اليوم، ولم يوقفهم على ذلك الوقت متى يكون؟

إذ ليس في معرفة وقته كثير حكم، فيجيبهم رسول الله  بجواب الحكماء، لا أن يجيبهم بجواب مثلهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قيل: دهش وتحير، ثم اختلف بعد هذا: فمنهم من صرف هذا إلى حالة الموت.

ومنهم من ذكر أن هذه الأحوال تكون يوم القيامة.

وإلى أي الحالين صرف التأويل، فهو مستقيم؛ لأن المنكر بالبعث إذا جاءه بأس الله  ، ورأى ما حل به من الأهوال - أيقن بالبعث، وعلم به.

ثم إن كان المراد به حالة الموت؛ فقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ * وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ * وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ * يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ يخرج على التمثيل، ليس على التحقيق؛ لأن بصره إذا دهش وتحير، صار بحيث لا ينتفع ببصر وجهه، ولا ببصر قلبه، لا يرى ضوء القمر؛ فيصير القمر كالمنخسف، وتصير الشمس والقمر كالمجموعين، ولا يرى ضوء الشمس ولا نور القمر؛ فيصير النهار عليه ليلا، والليل نهارا؛ شغلا بما حل به من البلايا والأهوال، وهو كما روي عن النبي  أنه قا ل: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والآخرة جنة المؤمن وسجن الكافر" ، وقال النبي  : "من كره لقاء الله، كره الله لقاءه، ومن أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه" فصرفوا تأويل هذه الخبرين إلى حالة الموت؛ وذلك أن الكافر يعاين في ذلك الوقت ما أوعد من الأهوال والشدائد؛ فكره مفارقة روحه من جسده؛ لئلا يقع في تلك الأهوال والشدائد، وتصير الدنيا له في ذلك الوقت كالجنة، لا يجب مفارقتها.

والمؤمن إذا عاين ما وعد له من البشارات، وأنواع الكرامات، ود الخروج من الدنيا؛ ليصل إلى ما أعد له؛ فتصير الدنيا عليه كالسجن في ذلك الوقت؛ فيكون هذا كله على التمثيل من الوجه الذي ذكرنا.

وإن كان ذلك على يوم القيامة، فهو على تحقيق الخسف، وجمع الشمس والقمر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ : يحتمل أن يكون قوله -  -: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي.

أو يقول: إلى أين المفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من العذاب؟

والله أعلم.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا بَرِقَ ٱلْبَصَرُ ﴾ : قال بعضهم: إذا شخص البصر نحو الداعي يوم القيامة، وهو كقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ ٱلأَبْصَارُ  ﴾ ، فيشخص ببصره إلى الداعي؛ لأنه قد علم أن الذي حل به من بأس الله  هو لامتناعه عن الإجابة للداعي في هذه الدنيا؛ فيسارع يوم القيامة في إشخاص بصره إلى الداعي؛ ابتدارا منه إلى إجابة الداعي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَخَسَفَ ٱلْقَمَرُ ﴾ ، أي ذهب ضوءه ونوره؛ ففيه أن العالم في ذلك اليوم يغير ويبدل، كقوله -  -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً  فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً  ﴾ .

وقوله -  -: ﴿ وَجُمِعَ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ﴾ : فيه أن سلطانهما يذهب؛ فلا يعملان عملهما بعد ذلك.

ثم من الناس من زعم أنهما يجمعان يوم القيام كالبعيرين القرينين، أو كالثورين القرينين، فيلقيان في النار، ويعذبان بها.

وذكر عن ابن عباس -  ما - أنه أنكر هذا، وقال: "إنهما خَلقْان لله  ، طائعان له - عز وجل - ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ  ﴾ يدأبان في طاعة الله  ، ومن كان هذا وصفه؛ فلا يجوز أن يعذب".

وعندنا إن إلقاءهما إن ثبت، فهما يلقيان في النار؛ ليعذب بهما غيرهما، وهم الذي عبدوهما من دون الله  ، وذلك كقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية [الأنبياء: 98]، ومعلوم أن الأصنام التي عبدت من ون الله لا تعذب بالنار، ولكنها تجعل حصبا ونارا يعذب بها من عبدها، وقال [الله]  : ﴿ وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَٰئِكَةً  ﴾ ، ولا يجوز أن يكون الملائكة يمسهم أذى النار، بل هم الذين يُعَذِبُون؛ فعلى ذلك الشمس والقمر إن ثبت أنهما يلقيان في النار، فهما يلقيان؛ ليعذب بهما من عبدهما، لا أن يعذبا بأنفسهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَقُولُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ على طلب الحيلة أن كيف أحتال إلى أن أفر؟

وإلى من ألتجئ؛ لأتخلص من بأس الله وعذابه؟!

ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ أَيْنَ ٱلْمَفَرُّ ﴾ ، أي: ليس لي موضع فرار عما حل بي؛ لإيقانه أن ليس له مفر.

وجائز أن يكون هذا كله عند الموت على ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ لاَ وَزَرَ ﴾ .

ذكر أهل التأويل أن الوزر هو الجبل بلغة حمير؟

وذكر عن الحسن قال: كانت العرب يخيف بعضها بعضا، ويغير بعضها على بعض؛ فكان يكون الرجلان في ماشيتهما فلا يشعران حتى يريا نواصي الخيل، فيقول أحدهما لصاحبه: الوزر الوزر، يعني: الجبل؛ فكأنه يقول: ليس لهما إذ ذاك تفريج ولا تسلٍّ من الأحزان كما يتسلى من يأوي إلى الجبل في الدنيا عن بعض ما يحل به من الأفزاع.

وقيلأ: الوزر: الملجأ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُنَبَّأُ ٱلإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ ، فتأويله: أنه ينبأ من أول ما عمل إلى آخر ما انتهى إليه عمله؛ كقوله: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا  ﴾ .

وقال بعض أهل التأويل: بما قدم من أنواع الطاعة، وما أخر من حق الله  من اللوازم التي كانت عليه.

وقال بعضهم: بما أعلن، وأسر.

وقال بعضهم: بما قدم في حياته من أعمال، وما أخر، أي: ما سن من سنة، فاستن [بها] بعد موته.

وقد ذكرنا أنه باللطف من الله  ما يعلم بالذي قدم من الأعمال وأخرها، فيتذكر بذلك حتى يصير ما كتب في الكتاب حجة عليه؛ وإلا فالمرء في هذه الدنيا إذا كتب كتابا، ثم أتت عليه مدة، لم يتذكر جميع ما كتب فيه، ولا وقف على علم ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ : هذا يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن يكون أراد بهذا في الدنيا: أن الإنسان بصير بعمل نفسه، وإن جادل عنها: أنه لم يفعل ذلك، وأسر ذلك عن الناس، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: أرخى الستور بما كسبت نفسه، والمعذار هو الستر.

والوجه الثاني: أن يكون في الآخرة، وهو يحتمل وجهين: أحدهما: أن الإنسان وإن كان يعتذر يوم القيامة بقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ  ﴾ ، فيقدمون على الحلف؛ اعتذارا منهم على العلم منهم أنهم مبطلون في جدالهم.

والثاني: أن يكون معنى البصيرة: الشاهد، أي: أن الإنسان على نفسه شاهد يوم القيامة بسوء أفعاله، ﴿ وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ ﴾ ، أي: وإن ستر على نفسه، شهدت عليه جوارحه، وذلك نحو قوله - عز وجل -: ﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ...

﴾ الآية [فصلت: 20].

فإن قيل: إن الإنسان مذكر، كيف وصف بالبصر بلفظه التأنيث بقوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، ولم يقل "بصير"؟

فجوابه من أوجه: أحدها: ما قيل: إن الإنسان تسمية جنسٍ فيه الجماعة، لا أن يكون تسمية للشخص الواحد فقط؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ  إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ  ﴾ ، استثنى الذين آمنوا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، ولا يستثنى الجماعة من الواحد، وكذلك قوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ  ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ  إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ  ﴾ ، فاستثنى الذين آمنوا من الإنسان؛ فثبت أن الإنسان تسمية جنس، والجنس جماعة، وتكون الجماعة مضمرة فيه؛ كأنه قال: إن جماعة الناس على أنفسهم بصيرة؛ فيكون قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ راجعا إلى الجماعة، والله أعلم.

وجواب ثاني قوله: ﴿ بَصِيرَةٌ ﴾ وصف للإنسان بالغاية من البصر بكل ما عمل، حتى لا يعزب عنه شيء، والهاء قد تدخل في خطاب المذكر عند الوصف بالمبالغة؛ كقولك: فلان علامة ونسابة، ورواية للشعر، وبالغة في النحو.

والثالث: أن الإنسان تسمية ما يراه بجوارحه كلها من الأيدي والأرجل والسمع والبصر والرأس وغير ذلك، وفيها نفس أمارة بالسوء؛ فتصير جوارحه كلها بصيرة، أي: شاهدة عليه بما قدم وأخر.

وجائز أن يكون هذا على الإضمار؛ فيكون قوله: ﴿ بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ ، أي: نفس الإنسان بصيرة بما عملت.

ثم من الناس من ثبت للجوارح العلم بما كسبت نفسه؛ حتى تصير شاهدة عليه يوم القيامة بقوله: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، ولو لم يكن لها العلم بما قدمت نفسه، لكانت لا تشهد بما لا تعلم.

وليس الأمر عندنا على ما زعموا؛ لأنها لو علمت بذلك، لكان صاحبها يصل إلى العلم من جهتها؛ ألا ترى أن القلب لما ثبت له المعرفة، وقع لصاحبه علم المسموع به، ولما كان بعينه يبصر الأشياء كان علم البصر واقعا من جهتها؛ فلما لم يقع له العلم بيديه، ولا برجليه، ولا بشيء من جوارحه سوى القلب - علم أنه لا حظ لها في المعرفة، ولكن جعلت هي شاهدة وحجة يوم القيامة تشهد على صاحبها، بما يحدث الله  فيها علما ضروريّاً بذلك، لا أن كان لها علم بالذي شهدت قبل ذلك، كما جعلت نطوقة في ذلك الوقت، لا أن كان النطق فيها موجودا من قبل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ ١٦ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ ١٧ فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ١٨ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ ١٩

قوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ : هذا كلام مبتدأ منفصل عن الأول، وذكر أهل التأويل أن جبريل -  - كان إذا أتى نبي الله  بالوحي، فكان لا يفرغ من آخر آية حتى يقول نبي الله -  - في أولها؛ مخافة النسيان، على ما عليه عرف الخلق أنهم إذا أرادوا وعي الكلام وحفظه، كرروها بألسنتهم؛ كي يضبطوها ولا ينسوها؛ فكان النبي -  - يفعل ذلك؛ خشية النسيان؛ فَنُهِي عن ذلك بقوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ .

وهذا عندنا مما لا يجوز أن نشهد على رسول الله  أنه كان يحرك لسانه قبل مجيء هذه الآية، ويستذكره؛ مخافة النسيان إلا بأخبار متواترة؛ لأن هذا في حق الشهادة على رسول الله  [ولا تجوز الشهادة على رسول الله  ] أنه كان يفعل كذلك إلا بتواتر الأخبار، فأما أن يثبت بخبر واحد فلا.

ولا يقال بأنه لو لم يتقدم منه التحريك، لكان لا معنى للنهي؛ فإنه ليس فيه ما ثيبت مقالتهم، ويصحح تأويلهم، ويسوغ لهم الشهادة؛ لأنه يستقيم في الابتداء أن ينهى فيقال: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، ولا تفعل كذا، وإن لم يسبق منه ارتكاب ذلك الفعل، ولا تقدم منه تحريك لسان؛ فثبت أنه ليس في ضمن هذه الآية بيان ما ادعوا.

هذا إذا ثبت أن قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْءانِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ  ﴾ على النهي؛ فكيف وهو يحتمل معنى آخر غير النهي، وهو أن يكون هذا على البشارة له بالكفاية: أن قد كفيت مؤنة الاستذكار للحفظ، وهذا من عظيم آيات الرسالة أن السورة تلقى عليه؛ فيحفظها كما هي، ما يشتد على الناس حفظه وقراءته إلا أن يتكلفوا، ويجتهدوا في ذلك؛ فيعلم بهذا أن الله - عز وجل - هو الذي أقدجره على ذلك، وجعله آية من آياته، والله أعلم.

ثم الأصل أن من ألقى إلى آخر كلاما متتابعا، نظر في ذلك الكلام: فإن كان القصد منه حفظ عين الكلام، فإن المخاطب به لا ينتظر فراغ المتكلم عن ذلك الكلام، بل يشتغل بالتقائه وتحفظه ساعة ما يلقى إليه، كمن ينشد بين يدي آخر شعراً، وأراد الآخر أن يحفظ ذلك الشعر ويعيه، فهو لا ينتظر فراغ المنشد عن شعره، بل هو يأخذ بالتقائه في أول ما يسمع منه؛ إذ الغرض من الأشعار حفظ أعينها دون معانيها؛ ألا ترى أن الألفاظ إذا حذفت منها خرجت عن أن تكون شعرا.

وأما إذا لم يكن القصد من الكلام ضبط عينه، وإنما أريد به تفهيم ما أودع فيه من المعنى، فالعادة في مثله الإصغاء إلى آخر الكلام؛ ليفهم معناه، وما يراد به؛ ألا ترى أن من كتب إلى آخر كتابا فإن المكتوب إليه يقرأ بالكتاب من أوله إلى آخره؛ ليعرف مراد الكتاب، لا أن يشتغل بضبط ما أودع فيه من الألفاظ؛ إذ ليس يقصد بالكتابة إلى حفظ الألفاظ.

فإذا كان المراد يتوجه من الكلام إلى ما ذكرنا، ثم القرآن قصد به الوجهان جميعا: ضبط حروفه ونظمه، وتعرف ما أودع فيه من المعاني؛ إذ صار حجة بنظمه ولفظه، وبالمعاني المودعة فيه - فقيل: لا تعجل بتحريك اللسان كما يفعل من يريد التقاء الكلام الذي يلقى إليه؛ فإنك وإن أحوجت إلى حفظ نظمه وحروفه، فقد كفيت حفظه بدون تحريك اللسان.

وجائز أن يكون نُهي عن تحريك اللسان والمبادرة إلى حفظه قبل أن يُقضى إليه بالوحي؛ لما فيه من ترك التعظيم لمن يأتيه بالوحي، فأمر أن يصغي إليه سمعه، ويستمع إلى آخره؛ تعظيما للذي أتاه بالوحي، وتوقيرا له.

ثم هذ هالآية تنقض على الباطنية قولهم؛ لأن من قولهم: إن القرآن لم ينزل على رسول الله  مؤلفا منظوما؛ بل أنزل على قلبه كالخيال، فصوره بقلبه، وألفه بلسانه؛ فأتى بتأليف، عجز الآخرون عن أن يؤلفوا مثله.

ونحن نقول: بل أنزل هذا القرآن مؤلفا منظوما على رسول الله  ، ولم يكن التأليف من فعله؛ والذي يدل على صحة مقالتنا قوله  : ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ ﴾ ؛ لأن التأليف لو كان فعله -  - لكان لا يوجد منه تحريك اللسان وقتما نزل عليه؛ لأنه إذا كان كالخيال فهو يحتاج إلى أن يصوره في قلبه، ثم يصل إلى التأليف بعد التصوير، وتتأتى له العبارة باللسان، وإنما يقع التحريك من مؤلَّف منظوم، ثبت أنه أنُزل هذا مولفٌ منظوم.

والثاني: أنه قال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  ﴾ ، فهذه الآية نفت طعن أولئك الكفرة الذين زعموا أن هذا عليس بقرآن، بل إنما عليه فلان، وكان لسان ذلك البشر أعجميا، وهذا القرآن عربي؛ فكيف يستقيم أن يعلمه ذلك البشر، ولسانه غير هذا اللسان، ولو كان هذا القرآن وقتما أنزل كالخيال، ولكان ذلك الطعن قائما؛ لأنه كان يؤلفه، ويجمعه باللسان العربي، وإن علم بالأعجمية لما قدر أن يؤلفه، وينظمه بعد أن كان خيالا باللسان العربي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ : فقوله: ﴿ عَلَيْنَا ﴾ يخرج على أوجه ثلاثة: أحدها: أن علينا في حق الوعد جمعه وقرآنه؛ لأنه قد سبق منا الوعد في الكتب المتقدمة بإنزال هذا القرآن وإرسال هذا الرسول؛ فعلينا إنجاز ذلك الوعد ووفاؤه.

أو علينا في حق الحكمة جمعه؛ لأن رسول الله  أمر بتبليغ الرسالة، و لايتهيأ له ذلك إلا بعد أن يجمع له فيؤديه إلى الخلق.

ولأن الله  حكيم في فعله؛ ففعله موصوف بالحكمة، وإن لم نعرف نحن وجه الحكمة من فعله.

وجائم أن يكون قوله: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ ﴾ في حق الرحمة والرأفة على الخلق، ولا أن يكون ذلك حقا لهم قبله  ، وهو كقوله -  -: ﴿ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...

﴾ إلى قوله: ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ  ﴾ ، فأخبر أنه أبقى القرآن، ولم يذهب به؛ رحمة منه على عباده وفضلا.

وقوله - عز وجل - ﴿ وَقُرْآنَهُ ﴾ ، أي: قراءته، وتسميته: قرآنا؛ كما قيل في تأويل قوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ  ﴾ ، أي: جعلناه فرقانا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ : أي: جمعناه في قلبك، أو جمعنا حدوده، وما أودع فيه من المعاني.

أو جمعناه بعد أن فرقناه في التنزيل.

وقوله: ﴿ فَٱتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ اتباعه يكون بأوجه: في أن يبلغه إلى الخلق، ويعلم أمته، ويتبع حلاله، ويجتنب حرامه، وغير ذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ، أي: بيان ما أنزلناه إليك مجملا؛ فيكون بيانه في تعريف ما هو بحق الائتمار، وما هو في حلق الجواز، وما هو في حق التحسين والتزيين؛ لأن الفرائض لها شعب وأركان وحواشٍ.

أو نقول: فيها فرائض، ولوازم، وآداب، وأركان.

على هذا ففيه منع تعليق الحكم بظاهر المخرج؛ لأنه لو كان متعلقا به، لكان البيان منقضيا بنفس المنزل؛ فلا يحتاج إلى أن يبين، وفيه دلالة تأخير البيان عن وقت وقوع الخطاب في السمع.

ويحتمل أن يكون قوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ أي: بيان ما هو بحق الكنايات والنتائج منها، ما هو بحق الأصول والفروع، وما هو بحق المقصود، فبين لرسوله -  - معنى الأصول والكنايات؛ ليتعرف به فروعها ونتائجها، ويبين لمن بعده ممن جاهد في الله حق جهاده، ويهديه لذلك، قال الله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ﴾ .

أو يكون قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ في أن نحفظك ونعصمك من الناس؛ لتمكن من تبليغ ما أنزل إليك إلى الخلق، وتبين لهم، والله أعلم.

ووجه آخر: أن رسول الله  بعث إلى كل من كان شاهدا من الخلائق إلى يوم التناد، ثم لم يمكن من تبليغ الرسالة إلى كل أحد مما ذكرنا بنفسه؛ فكأنه ضمن عن رسول الله  التبليغ إلى الخلائق كافة بما شاء  - بتسخير الرواة والحفاظ والعلماء ليبلغوا عن رسول الله  ما أدى إليهم.

أو يكون قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ ، أي: بيان المحق من المبطل، والولي من العدو، وذلك يكون يوم القيامة؛ فيعرف الأولياء بما يجنون من الكرامات، ويبين للأعداء والمبطلين ما يحل بهم من الحساب وأنواع العذاب.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ٢٠ وَتَذَرُونَ ٱلْـَٔاخِرَةَ ٢١ وُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۢ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌۭ ٢٣ وَوُجُوهٌۭ يَوْمَئِذٍۭ بَاسِرَةٌۭ ٢٤ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌۭ ٢٥

قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ .

فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردع ومنع عما سبق منهم.

وفي قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ ﴾ إبانة أن الذي حملهم على ما هم فيه من الحسبان: أن العظام لا تجمع، وأن البعث ليس بشيء - حبهم العاجلة، وذلك أنهم أولعوا بالعاجلة، وأحبوها حبا أنساهم عن الإيمان بالآخرة، أو عن النظر في الحجج والبراهين التي لو أمعنوا النظر فيها أدتهم إلى القول بالبعث، وحتى صاروا إلى ألا يرجوا الآخرة كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا...

﴾ الآية [يونس: 7].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ : ففيه بيان ما ينتهي إليه عواقب من التزم طاعة الله  ، وآمن بالبعث والحساب، وبيان ما ينتهي إليه عواقب من تولى عن طاعته؛ فقوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ جائز أن يكون أريد بها نفس الوجوه.

وجائز أن يكون أريد بها الأنفس، وتكون الوجوه كناية عنها، والذي يدل على أنه أريد بها الأنفس لا أعينها قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ ، والوجوه لا تظن ذلك، ولا تعلم به، فثبت أن ذكر الوجوه على الكناية، لا أن أريد بها أعينها، فهذا التأويل أوفق بما يقتضيه ظاهر اللفظ، وإنما صلح أن تكون الوجوه كناية عن الأنفس؛ وذلك أن النفس إذا تلذذت بأمر، ونالت شهوتها، ظهر سرور ذلك في وجهه، وإذا تألمت بأمر فاعتراها الحزن، ظهر أن الحزن في وجهه؛ فيكون في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ وصف لهم بما هم عليه من غاية السرور بالكرامات التي أكرموا بها حتى نضرت وجوههم بذلك.

وإذا ثبت أنهم قد نالوا الكرامات، ووصلوا إلى أنواع اللذات، لم يبقى لقوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ موضع، إلا أن يصرف إلى حقيقة النظر؛ فيكون في هذا إثبات القول بالرؤية.

والثاني: أن الملوك الذين من عادتهم الاحتجاب عن الخلق، إذا قربوا إنسانا لم يحتجبوا عنه، ويكون تركهم الاحتجاب آثر إلى ذلك الذي أكرم بالتقريب من سائر ما يكرمه به؛ فجائز أن يكون الله  يكرم أولياءه بالنظر إليه، ويتفضل عليهم بذلك.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ منصرفا إلى انتظار الثواب؛ كما قاله بعض أهل التأويل، فنتنظر ما يأتيها من التحق والكرامات حتى وصفوا بنضارة الوجوه؛ فجائز أن يكون بعد تلك الكرامات [كرامات] وتحف أخر لم تأتهم بعد؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ والبسور من أدنى أحوال التغير، وغاية التغير أن تسود الوجوه وتكلح؛ فإذا لم يحل بهؤلاء بعد غاية ما أوعدوا من العذاب، فجائز أن يكون الذين وعد لهم الكرامات لم ينتهوا بعدُ إلى أقصاها، ولم ينالوا بعد أرفعها؛ وإنما أكرموا ببعضها، وهم منتظرون لما يأتيهم من بعد.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، أي: نجعل نظرها فيما أكرمت إلى الله  ، ولا ترى ذلك الفضل مستوجبا من جهتها كما قد يرى المرء في الشاهد بعض ما خول من المال بحيله وسعيه، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ، أن ليس كل الكرامات في نفسه خاصة وإلى ما ينتهي إليه نظره؛ بل يكون وراء ذلك كرامات أخر، فينصرف قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ إلى ذلك.

ويحتمل: أي: إلى أمر ربها ناظرة.

وإذا كان قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ محتملا أن يصرف إلى حقيقة النظر، ويصرف إلى الكرامات من الوجوه التي بيناها - لم يكن لأحد أن يجعل الأمر على الكرامات، فينفي عنه حقيقة الرؤية للأبد؛ لا بل ظاهره يُحِيلُ القول بالرؤية؛ فيدفع هذا التأويل بتلك الدلائل.

فأما إذا لم يمكنه إقامة الدلائل على إحالة الرؤية، فليس له قطع هذا التأويل، وصرف التأويل إلى انتظار الكرامات؛ فيكون الآية حجة في جواز الرؤية، [و] إن لم تكن حجة في الوجوب، والخلاف فيهما واحد.

واحتج من نفى صرف التأويل إلى حقيقة الرؤية بأن قوله: ﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴾ هو مقابل قوه: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ مقابل قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ثم لم يكن قوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ على فقد الرؤية، ولكن على العقاب نفسه؛ فكذلك قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ليس هو على حقيقة الرؤية ووجودها؛ ولكن واقع على الثواب نفسه.

وجواب هذا الفصل من وجهين: أحدهما: أن أهل العقاب بعد لم ينزل بهم جميع ما أوعدوا في هذه الدنيا من العقاب، لما ذكرنا أن نهاية العذاب في تسود الوجوه وتكلحها، ليس في بسورها؛ فلذلك استقام أن يكون قوله: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ على نفس العذاب، وأهل الجنة قد وصلوا إلى رفيع الدرجات وعظيم الكرامات بما وصفوا بنضارة الوجوه؛ فاستقام أن يكون قوله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ منصرفا إلى حقيقة النظر، لا إلى غيره من الكرامات.

ولأن الرؤية من أعلى الكرامات وأرفعها، وأهل العقاب لم ينالوا أدنى الكرامات، فكيف يتوقعون أرفعها؟!

أما أهل الجنة فهم قد نالوا من النعم والكرامات ما لا يحصى؛ فجائز أن يكرموا بالرؤية أيضا.

والأصل أن القول بالرؤية عندنا واجب، والنظر إليه ثابت؛ كما قال - عز وجل - ولما جاء في غيرِ خبرٍ النظرُ إلى الله  ، وقد قال -  -: "إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضارون في رؤيته" وأهل التوحيد لم يختلفوا في صحة الأخبار التي جاءت في إثبات الرؤية، ولكن من نفى الرؤية بالبصر صرف الأخبار إلى العلم، وذلك غير مستقيم لوجهين: أحدهما: أن البشارة بالرؤية خص بها أهل الجنة، ولو كان المراد من الرؤية العلم، لارتفع الاختصاص؛ لأن العلم به مما يقع به الاشتراك بين الفريقين.

ولأن كلا يجمع على العلم بالله  في الآخرة، العلم الذي لا يعتريه الوسواس ولا الريب، والعلم الذي لا يعتريه الوسواس والريب هو علم العيان والمشاهدة، لا علم الاستدلال؛ لأن الآيات لا تضطر أهلها إلى العلم الحقيقي؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ...

 ﴾ ، وقال: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ﴾ ، وقال: ﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ  ﴾ ، فإذا ثبت ما ذكرنا، فقد صاروا مثبتين للرؤية من الوجه الذي أرادوا نفيها؛ فتثبت الرؤية على نفي جميع معاني الشبه عن الله  ، ولا نصب الرؤية بالكيفية؛ إذ الكيفية تكون لذي صورة؛ وهو يُرى بلا كيف، والله الموفق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴾ جائز أن يكون الظن في موضع العلم هاهنا.

وجائز أن يكون على حقيقة الظن، وذلك أن الظن يتولد من ظواهر الأشياء فالأسباب إذا كثرت، وازدحمت، وقع بها العلم، إذا قلت وخفيت، لم يقع بها علم؛ فجائز أن تكون أسباب الشر أحاطت به من كل حانب حتى وقع له اليأس من النجاة، وأيقن أنه يفعل به الشر.

وجائز أن يكون الأمر بعد لم يبلغ مبلغ الإياس؛ فيتوقع النجامة، ولا يتيقن أن يفعل به فاقرة، بل يكون منه على ظن، والله أعلم.

والفاقرة: قيل: الشر، والمنكر، والداهية.

وقيل: الفقير: هو كسير الظهر، والفقر: الكسر، والفقار: عظم في الظهر يكسر، فكأن عظم الظهر يكسر في الآخرة ويسحب في النار على وجهه.

قال - رحمه الله -: كأن هذه السورة من أولها إلى أخرها إلا آيات منها؛ وهي قوله: ﴿ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ - نزلت في تبيين معاملة واحد من الكفرة على الإشارة إليه مع رسول الله  ، يشترك في حكم من يشاركه في معاملته، فأمر الله  نبيه -  - أن يعامله ويستقبله بالذي يحق على الحكماء معاملة السفهاء، ولم يأمره أن يعامله معاملة مثله من السفهاء، وبين معاملَته في هذه السورة؛ ليعلم أمته ما لقي رسول الله  من الجهد والبلاء في إظهار دين الله  ، فيعلموه قدره ومنزلته، ويعظموا دين الله  بما نالوه سمحا سهلا، وأمره أن يتعامل معه معاملة من يرجع إلى المنعة والشوكة بقوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ  ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ  ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِىَ ٢٦ وَقِيلَ مَنْ ۜ رَاقٍۢ ٢٧ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ ٢٨ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ ٣٠ فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ٣٤ ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰٓ ٣٥

قوله - عز وجل -: ﴿ كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ فقوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ، يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أريد به: حقا.

ويحتمل أن يكون على الردع والرد؛ أي: لا تفعل مثل هذا؛ فإنك ستندم في الوقت الذي قال: ﴿ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ ؛ كأنهم سألوا رسول الله  عن وقت ندمه، فبين لهم ذلك بقوله  : ﴿ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ﴾ ، والتراقي: هي عروق العنق، كأنه يقول: حين تزول النفس، أي: الروح عن مكانها، وتنتهي إلى التراقي.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾ جائز: أن يكون الملائكة هم الذين يقولون هذا، فيقول بعضهم: من يرقى بروحه: أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟

مِنْ رقي يرقى، أي: صعد.

أو: من يقبض روحه؟

ويحتمل أن يقول أهله: من الذي يرقيه رقية فيشفى؟

فيكون فيه إخبار عما حل به من الضعف والشدة؛ أنه يمتنع عن أن يقول: ادعوا لي راقيا لعلي أُشفَى؛ فيكون أهله هم الذين يقولون هذا فيما بينهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلْفِرَاقُ ﴾ : جائز أن يكون الظن على الإيقان هاهنا؛ لما وقع له اليأس من الحياة، وكذلك روي في قراءة ابن عباس -  -: (وأيقن أنه الفراق).

وجائز أن يكون على حقيقة الظن؛ لما لم يقع له الإياس من حياته بعد، فهو يأملها بعد.

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ : اختلفوا في تأويله: قيل: لفت ساقاه إحداهما على الأخرى؛ فلا يفترقان؛ كالتفاف الأشجار حتى لا يجد نفاذا فيها ولا هربا.

وقيل: إن ساقيه في القايمة لتضعف عن حمله؛ من شدة الفزع.

وقيل: أريد بالساق: الشدة، يقال: قامت الحرب على ساق؛ أي: على شدة؛ أي وصلت شدة الموت بشدة الآخرة، واجتمعت شدة الدنيا مع شدة الآخرة عليه؛ لأنه قد حل به سكرات الموت، ونزلت به شدائد الآخرة، وذلك آخر يومه من الدنيا وأول يوم من الآخرة.

وقيل: ما من ميت يموت إلا التفت ساقاه من شدة ما يقاسي من الموت.

وقال بعضهم: ﴿ وَٱلْتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ﴾ ، معناه: أن الملائكة يجهزون روحه، وبني آدم يجهزون بدنه، فذلك التفاف الساق بالساق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمَسَاقُ ﴾ : أي: إلى ما وعد ربك يومئذ يساق: إما إلى خير، وإما إلى شر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ ﴾ ، أي: فلا صدق بما جاء من عند الله  من الأخبار، ولا صدق رسوله  .

﴿ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ يحتمل أن يكون أريد به نفس الصلاة، وذلك أن الصلاة حببت إلى الأنفس كلها حتى لا ترى أه ل دين إلا وقد حببت الصلاة إليهم؛ فيكون في قوله: ﴿ فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ إبانة سفهه وجهله.

أو يكون قوله: ﴿ وَلاَ صَلَّىٰ ﴾ ، أي: ولا أتى بالمعنى الذي له الصلاة، وهو الاستسلام والانقياد لله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَـٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ﴾ : أي: ولكن كذب بالأخبار التي جاءته.

﴿ وَتَوَلَّىٰ ﴾ ، أي: أعرض عن طاعة الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ يَتَمَطَّىٰ ﴾ ، أي: يتبختر ويتكبر، وذكل أن الاحتيال والتكبر إنما يليق بمن أتى بفعل عظيم يعجز غيره عن إتيان مثله؛ نحو أن يهزم جندا عظيما، أو يفتح كورة حصينة، وهذا الذي تمطى لم يفعل سوى أن كذب بآيات الله  ، وأعرض عن طاعته، وما هذا إلا فعل السفهاء الحمقى، فأنى يليق بمثله التمطي؟!

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ : جائز أن يكون رسول الله  قيل له: قل: أولى لك فأولى.

أو كان رسول الله قال له: أولى لك فأولى، فبين الله  ذلك في كتابه.

وقال أهل التأويل: هذا وعيد على وعيد، كأنه قال: "ويل لك فويل، ثم ويل لك فويل".

وذكر أن رسول الله  أخذ بجميع ثيابه، وقال له هذا، فلم يتهيأ لذلك المسكين أن يدفع رسول الله  عن نفسه، وكان يفتخر بكثرة أنصاره، وأنه أعز من يمشي بين الجبلين، فاله  بلطفه أذله وأهانه حتى لم يتهيأ له الحراك عما نزل به، ولا نفعه قواه وكثرة أتباعه.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ أي: أجدر لك، وأحرى، لا أن يكون محمولاً على الإبعاد؛ فيكون قوله: ﴿ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ ﴾ ، أي: الأجدر لك أن تنظر فيما جاء به محمد  ؛ وفي الذي كان عليك آباؤك؛ ليظهر لك الصواب من الخطأ، ولاحق من الباطل، فتتبع الصواب من ذلك فتحرز به شرف الدنيا والآخرة؛ إذ كان يفتخر بشرفه وعزه، فإن أردت أن يدوم لك الشرف، فالأولى لك أن تنظر إلى ما ذكرنا، فتتبع الصواب من ذلك.

والثاني: أن العرب كانت عادتها أن تقوم بنصر قبيلتها والذب عنها، [سواء] كانت ظالمة في ذلك أو لم تكن ظالمة، ورسول الله  كان من قبيلة أبي جهل - لعنه الله - فلو كان على غير حق عنده، كان الأولى به أن ينصره، ويعينه، وعلى ما عليه عادة العرب، وإن كان محقا فهو أولى، فترك ما هو أولى به من النصر والحماية، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ٣٦ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةًۭ مِّن مَّنِىٍّۢ يُمْنَىٰ ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨ فَجَعَلَ مِنْهُ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلْأُنثَىٰٓ ٣٩ أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ٤٠

قوله - عز وجل -: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ .

جائز أن يكون هذا الإنسان دهري المذهب؛ فيكون قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ ﴾ على حقيقة الحسبان؛ لأنه يحسب أن لا بع ث ولا حساب، وقد كان في أهل مكة من هو دهري المذهب، وإن كان الخطاب في قوله: ﴿ أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ليس على تحقيق الحسبان، ولكن معناه: أيفعل فعل من يُؤْذِن عن أمره، كان فعله موافقا لفعل من يحسب أن يترك سدى؛ كما ذكرنا في قولخه: ﴿ بَلْ يُرِيدُ ٱلإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ  ﴾ ، وهو لا يريد أن يكون فاجرا في الحقيقة؛ ولكن يفعل فعل من يعقب فعله الفجور، وهو كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ  ﴾ ، وليس على حقيقة الظن؛ ولكن إذا لم يقل بالبعث، ولم يؤمن به، فقد وصف أن خلقهما إذن على باطل، وذلك الفعل الذي ذكرنا يكون في ترك الإيمان بالبعث وفي جحد الرسالة؛ لأن المحاسن لا بد من أن يكون لها عواقب، وكذلك المساوئ، ثم تمر هذه الدار على المسيء والمحسن مرّاً واحدا؛ فلا بد من أن يكون بعده دار أخرى فيها تتبين مرتبة المحسن ومذلة المسيء، فما لم يؤمن بالبعث فهو لا يجعل للمحاسن والمساوئ عواقب، وسوى بين مرتبة المسيء ومرتبة المحسن، وذلك عبث.

والثاني: أن من عرف أنه لم يخلق عبثا، ولا يترك سدى؛ فلا بد لمثله من أن يرغب ويرهب، ويؤمر وينهى؛ ولا يعرف ذلك إلا بالرسول، فالضرورة أحوجت إلى رسول، يبين لهم ما يأتون وما يتقون، وما يرغبون في مثله، وعما يحذرون، فمن أنكر الرسالة فقد أهمل نفسه عن المرغوب والمرهوب، وعن الأمر والنهي، وذلك حال من خلق سدى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ ﴾ : فالوجه فيه أن كل أحد يعلم أن نشوءه كان من نطفة، وتلك النطفة لو رئيت موضوعة على طبق، ثم اجتمع حكماء الأرض على أن يقدروا منها بشرا سويا كما قدره الله - عز وجل - في تلك الظلمات، لم يصلوا إليه أبدا وإن استفرغوا مجهودهم وأنفدوا حيلهم وقواهم، ولو أرادوا أن يتعرفوا المعنى الذي لذلك المعنى صلحت النطفة أن ينشء منها العلقة والمضغة إلى أن أنشأ منها بشرا سويا، ولم يقفوا عليه، فيعلمون أن من بلغت قدرته هذا هو أحكم الحاكمين.

ولو كان الأمر على ما زعموا: أن لا بعث، لم يكن هو أحكم الحاكمين؛ بل كان واحدا من اللاعبين.

[وتبين بما] ذكرنا أن الذي بلغت قدرته [ذلك] لا يوصف بالعجز، ومن زعم أن قدرته لا تنتهي إلى البعث فقد وصف الرب بالعجز،  الله عما يشركون.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ : فقوله: ﴿ أَلَيْسَ ﴾ ، في موضع التحقيق والتقرير، وإن كان خارجا مخرج الاستفهام على ما ذكرنا: أن ما يخرج مخرج الاستفهام من الله  ، فحقه أن نصرفه إلى الوجه الذي يقتضيه ذلك الخطاب أن لو كان من مستفهم؛ فمن قال لآخر في الشاهد: أليس الله  بقادر على إحياء الموتى؟

فحقه أن يقول: بلى هو قادر على ذلك، وكذلك ذكر "أن النبي  قال حين تلا هذه الآية: سبحانك، فبلى" فقوله: ﴿ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ ﴾ أي: هو قادر على إحياء الموتى، والله الموفق.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده