الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > تفسير سورة المرسلات
تفسيرُ سورةِ المرسلات كاملةً من تأويلات أهل السنة (الماتريدي) (أبو منصور الماتريدي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 26 دقيقة قراءةقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً * فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ اختلفوا في تأويلها: فمنهم من حمل تأويل هذا كله على الملاكئة.
ومنهم من صرفها إلى الرياح.
ومنهم من صرف البعض إلى الرياح، والبعض إلى الملائكة.
وجائز أن يجعل هذا كله في الرياح، ويستقيم أن يصرف كله إلى الملائكة، ويستقيم أن يجعل البعض في الملائكة والبعض في الرياح.
فإن كان في الرياح، استقام القسم بها؛ لأن من الرياح رياحا هن مبشرات برحمته، سائقات للنعم إلى عباده؛ كقوله : ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ .
ومن الرياح رياح [هي] منجيات؛ قال الله : ﴿ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا ﴾ ؛ فجعل الله الريح سببا لتسيير السفن في البحار، وكام جعل الماء سببا لذلك، وجعل منها مهلكات مذكرات لقوته وسلطانه؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغْرِقَكُم ﴾ الآية [الإسراء: 69]، فهي تميتهم وتهلكهم من غير أن يدركوها بأبصارهم، وإن كانت الأبصار هي أول ما يقع بها درك الأشياء، ولو أراد أحد أن يعرف الوجه الذي له صارت المنجيات منجيات، أو يعرف الوجه الذي له صارت الرياح مهلكات، أو مبشرات - لم يقف عليه؛ فصارت الرياح مذكرات للنعم، وفي تذكير النعم إيجاب القول بالبعث، وبكل ما يخبرهم به الرسل؛ لأنهم كانوا ينكرون البعث، ورأوا فيها من لطائف الحكمة وعجائب التدبير ما لا يبلغها تدبيرهم وحكمتهم، فعلموا أن الأمر غير مقدر بعقولهم ولا بحكمتهم؛ فيكون في ذكر ما ذكرنا إزاحة ما اعترض له من الشك والشبه في أمر البعث؛ فأقسم بها - على ما ذكرنا أن القسم جعل لتأكيل ما يقصد إليه باليمين.
فرجعنا إلى قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ قيل: هي الرياح المبشرات؛ سميت: عرفا؛ لأن ما تأتى به من النعم معروفة.
وقيل: العرف: المتتابع، وسمي عرف الفرس: عرفا؛ لتتابع بعض الشعر على بعض؛ فجائز أن يكون منصرفا إلى الرياح المبشرة.
وكذلك قوله - -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يحمل على الرياح، لكن على الرياح المُنْشِرَات، وهي الرياح السهلة الخفيفة؛ لأن النشر مذكور في رياح الرحمة بقوله: (وهو الذي يرسل الرياح نشراً بين يدي رحمته) في بعض القراءات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ هي الرياح الشديدة التي تكسر الأشياء وتقصمها، وهي التي ترسل للإهلاك؛ كقوله : ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِ ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي اسم الرياح التي لم يظهر أنها أرسلت للهلاك أو للتبشير؛ لأن الرياح التي ترسل للرحمة يظهر أثر رحمتها من ساعتها من إرسال السحاب، وغير ذلك قبل أن تتتابع، وكذلك الرياح التي هي رياح إهلاك يظهر علم الإهلاك من ساعتها، وهو أن تكف قاصفة شديدة قبل أن تتتابع.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ .
يحتمل الرياح - أيضا - وأنما سميت: فارقات؛ لأنها تفرق السحاب؛ فيصير البعض في أفق، والبعض في أفق أخرى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ .
جائز أن يصرف إلى الرياح، وإلقاء ذكرها ما ذكرنا: أنه تظهر بها النعم، وتتذكر، وتبين بها النجاة، ويقع ببعضها الهلاك، فذلك إلقاء ذكرها، والله أعلم.
وإن صرف الكل إلى الملائكة فيحتمل أيضا: فقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين أرسلوا بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْعَاصِفَاتِ عَصْفاً ﴾ ، أي: الملائكة الذين يعصفون أرواح الكفار، أي: يأخذونها على شدة وغضب.
وقوله - عزو جل -: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ جائز أن يكون أريد بها السفرة من الملائكة، سموا: ناشرات؛ لأنهم ينشرون الصحف ويقرءونها.
وجائز أن يراد بها الملائكة الذين يأخذون أرواح المؤمنين على لين ورفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ جائز أن يراد بها الملائكة، وسميت: فارقات؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الملائكة الذين يلقون الذكر على ألسن الرسل، عليهم السلام.
وإن صرف البعض إلى الملائكة والبعض إلى الرياح، فمستقيم أيضا.
فتكون "المرسلات": الذين أ رسلوا بالمعروف والخير.
و"العاصفات" الريح الشديدة، و"الناشرات": الرياح الخفيفة السهلة.
و"الفارقات فرقا" و"الملقيات ذكرا": هم الملائكة.
ويحتمل وجها آخر: أن يراد بقوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هم الرسل من البشر الذين بعثوا إلى الخلق، فيما من رسول بعث إلا وهو مرسل بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وكذلك جائز أن يراد بقوله : ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ هم الرسل؛ لأنهم يفرقون بين الحق والباطل، ويلقون الذكر في مسامع الخلق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً ﴾ هي الكتب المنزلة من السماء؛ لأنها أرسلت بالمعروف وكل أنواع الخير.
وكذا قوله: ﴿ وٱلنَّاشِرَاتِ نَشْراً ﴾ ، أي: ناشرات للحق والهدى، وكذا قوله - عز وجل -: ﴿ فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً ﴾ ؛ لأنها تفرق بين الحق والباطل أيضا.
وكذلك ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْراً ﴾ ؛ فإنها سبب لذلك، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عُذْراً أَوْ نُذْراً ﴾ : أي: عذراً من الله - - وهو أن الله - - أرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبين الحجج؛ حتى لم يبق لأحد على الله حجة بعد ذلك، فهذا هو الإعذار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نُذْراً ﴾ ، أي: أنذرهم، ولم يعجل في إهلاكهم؛ بل بين لهم ما يتقى ويجتنب، وما يندب إليه ويؤتى، فهذا هو الإنذار على تأويل الرياح ما ذكرنا: أنها مذكرات نعم الله ونقمته؛ فيكون في ذلك إيجاب ذكر المنعم والمنتقم؛ فيكون في ذلك إعذار وإنذار، والله أعلم.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ .
فهذا موضع القسم بما ذكر من المرسلات إلى آخرها.
ثم إن كان الموعود هو البعث؛ فمعناه: إن الذي توعدون به من البعث لكائن، وإن كان على الجزاء والعقاب، فتأويله: إن ما توعدون به من العذاب لنازل بكم؛ فتكون الآية في قوم علم الله - - أنهم لا يؤمنون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ .
فكأنه - والله أعلم - لما نزل قوله : ﴿ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٌ ﴾ سألوا رسول الله عن وقت وقوعه متى يكون؟
فنزلت: ﴿ فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ ، فأشار إلى الأحوال التي تكون يومئذ، لا إلى نفس الوقت، فقوله: ﴿ طُمِسَتْ ﴾ ، أي: ذهب ضوءها ونورها، ثم تناثرت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ ﴾ : أي: انشقت.
﴿ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴾ .
أي: قلعت من أصلها؛ فسويت بالأرض.
وقال الزجاج: نسفت الشيء إذا أخذته على سرعة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴾ ، وقرئ (وقتت)، وكذلك أصله، لكن الهمزة أبدلت مكان الواو؛ طلبا للتخفيف، وهو من التوقيت، أي: جمعت لوقت.
وقيل: أحضرت الرسل؛ ليشهد كل واحد منهم على قومه الذين بعث إ ليهم؛ كما قال [الله] : ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَىٰ هَـٰؤُلآءِ ﴾ .
وقيل: ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ أي: وعد لهم بيان حقيقة ما إليه دعوا من وقوع ما أوعدوا قومهم الذين تركوا إجابتهم من العذاب، ووعد لهم الوصول إلى من آمن بالله وأجاب الرسل فيما دعوهم إليه من الثواب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴾ : ﴿ أُجِّلَتْ ﴾ و ﴿ أُقِّتَتْ ﴾ واحد؛ لأن في التأجيل توقيتا، وفي التوقيت تأجيلا، ثم بين وقت حلول الأجل - أجل العذاب - بقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَوْمِ ٱلْفَصْلِ ﴾ ، أي: ليوم الحكم والقضاء، قال الله - -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ ، وقال: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ .
فجائز أن تكون الكلمة التي سبقت منه هي تأخير الجزاء إلى يوم البعث؛ فجعل ذلك يوم الجزاء؛ وذلك يكون بالمعاينة، وجعل هذه الدار دار محنة وابتلاء، وذلك يكون بالحجج والبينات؛ فكأنه قال: لولا ما سبق من كلمة [الله - - من تأخير الجزاء العذاب، وإلا كان العذاب واقعا بهم في هذه الدنيا بالتكذيب.
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن الله - - أخر] الجزاء والعقاب إلى اليوم الذي يجمع فيه الأولين والآخرين، وقدر في هذه الدنيا خلق هذه البشر على التتابع إلى ذلك اليوم؛ إذ ذلك اليوم هو الذي يوجد فيه الجمع، والله أعلم.
وسمى يوم الفصل لهذا أنه يوم القضاء والحكم، ولأنه اليوم الذي يظهر فيه مثوى أهل الشقاء وأهل السعادة، ويفصل بين الأولياء والأعداء ويفصل بين الخصماء، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ ﴾ : أي: لم تكن تدري، فدراك الله ؛ ذكر هذا: إما على التعظيم والتهويل لذلك اليوم، أو على الامتنان على رسوله - - بإطلاعه عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾ : في هذا دليل على أن الوعيد المذكور على الإطلاق منصرف إلى أهل التكذيب، ثم لم يذكر ما للمصدقين، وحقه أن يقال: "طوبى للمصدقين"؛ لأن حرف "الويل" يتكلم به عند الوقوع في المهلكة، وحرف "طوبى" يتكلم به في موضع السرور والعطية، فإذا ذكر في أهل التكذيب حرف الهلاك؛ كان من كان بخلاف حالهم مستوجبا للسرور، ولكنه إن لم يذكرها هنا فقد ذكرها في موضع آخر بقوله: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ ، وقال - عز وجل -: ﴿ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ : تقديم وتأخير.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ ﴾ : جائز أن يكون ذكر هذا؛ ليدفع عنهم الإشكال والريب الذي اعترض لهم في أمر البعث؛ لأن الأعجوبة في الإعادة ليست بأكثر من الأعجوبة في الإنشاء والابتداء، فذكر ابتداء خلقهم؛ لينتفي عنهم الريب في الإعادة.
وجائز أن يكون ذكر خلقهم من الماء المهين، وهو الماء المستعاف المستقذر؛ ليدعوا تكبرهم وتجبرهم وعلى رسول الله ، وينقادوا له، ويجيبوا إلى ما دعاهم إليه.
وأخبر أنه خلقهم في الظلمات التي لا ينتهي إليها تدبير البشر؛ ليعلموا أنه قادر على ما يشاء، ويعرفوا أنه لا يخفى عليه شيء؛ فيحملهم ذلك على المراقبة، وعلى التيقظ والتبصر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ : القرار المكين هو الرحم، جعله الله - - قرارا مكينا يتمكن فيه الماء المهين، فيخلق منه علقة ومضغفة، ويقر فيه إلى الوقت الذي قدر الله الخروج منه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَدَرْنَا ﴾ ، قرئ: (قَدَّرنا) و(قَدَرنا)، فـ (قَدَّرنا)، أين خلقنا كل شيء منه يقدر؛ و(قَدَرنا)، أي: سويناه على ممما توجبه الحكمة على الوجوه التي تذكر في قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَنِعْمَ ٱلْقَادِرُونَ ﴾ : أي: أنعم به من قادر؛ فيخرج مخرج ذكر الآلاء والنعم، أي: إن الذي فعل بكم هذا هو الله - - لم يقدر أحد أن يفعل بكم هذا الفعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً ﴾ : جائز أن يكون هذا صلة قوله: ﴿ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ﴾ و ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَآءً وَأَمْوٰتاً ﴾ .
فيكون في ذكر هذا كله تذكير للآلاء والنعم، وتذكير القدرة والسلطان والحكمة.
فوجه تذكير النعم: أن الله - - في أول ما أنشأه، أنشأه نطفة قذرة، وجعل لها مكانا يغيب عن أبصار الخلق، ولم يفوض تدبيرها إلى البشر، وكذلك في الوقت الذي أنشأه علقة ومضغة، لم يفرض تدبيره إلى أحد من خلائقه؛ لأنه في ذلك الوقت بحيث يستعاف ويستقذر، ولا يدفع عنه المعنى الذي به وقعت الاستعافة والاستقذار بالتطهير؛ فجعل له قرارا مكينا يستتر به عن أبصار الخلائق، ثم لم أنشأه نسمة، وسوى خلقه أخرجه من بطن أمه وألقى في قلب أبويه الرقة والعطف؛ ليقوموا بتربيته وإمساكه إلى أن يبلغ مبلغا يقوم بتدبير نفسه ومصالحه، ثم جعل له بعد مماته أرضا تكفته وتضمه إلى نفسها؛ فيستتر بها عن أبصار الناظرين؛ إذ رجع بعد موته إلى حالة تستعاف وتستقذر ولا تقبل التطهير؛ فكان في ذكره أول أحواله إلى ما ينتهي إليه تذكير النعم؛ ليصل إلى أداء شكره.
أو جعل الرحم قرارا له في وقت كونه نطفة وعلقة ومضغة؛ لما لا يعرف الخلائق أنه بم يغذى حتى ينمو ويزيد؟
فرفع عنهم مؤنة التربية في ذلك الوقت، ثم إذا صار بحيث يعرف وجه غذائه، وعرف الخلق المعنى الذي يعمل في دفع حاجته، أخرجه من بطن الأم، وفوض تدبيره إلى أبويه؛ فهذا وجه تذكير النعم، وفي ذكره ذكر القوة والسلطان والحكمة، وهو أن الله جعل النطفة التي أنشأ منها النسمة، بحيث تصلح أن ينشأ منها علقة ومضغة، ولو أراد الخلائق أن يعرفوا المعنى الذي له صلحت النطفة بأن ينشأ منها العلقة والمضغة والعظام واللحم، ثم يكون منها نسمة سوية - لم يصلوا إلى معرفته، وإذا تفكروا في هذا علموا أن حكمته ليست على ما ينتهي إليه علم البشر ولا قوته تقتصر على الحد الذي تنتهي إليه قوى البشر، والذي كان يحملهم على إنكار البعث بعد الإماتة تقديرهم الأمور على قوى أنفسهم وتسويتها بعقولهم، فإذا تدبروا في ابتداء أحوالهم ورأوا من لطائف التدبير وعجائب الحكمة، علموا أن الأمر ليس كما قالوا وقدروا؛ فيدعوهم ذلك إلى التصديق بكل ما يأتي به الرسل وتخبرهم من أمر البعث وغيره.
وجائز أن يكون ذكرهم ابتداء أحوالهم ونشوءهم، وإلى ما يصيرون إليه؛ ليدعوا التكبر على دين الله وينقادوا له بالإجابة، ولا يستكبروا على أحد من خلائقه؛ لأنهم في ابتداء أحوالهم كانوا نطفة يستقذرها الخلائق، ثم علقة ومضغة، ويصيرون في منتهى الأمر جيفة قذرة؛ ومن كان هذا وصفه فأنى يليق به التكبر على أحد؟!
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً ﴾ : تكفتهم، أي: تضمهم وتجمعهم في حياتهم وبعد مماتهم، فالانضمام إليها [ف] حال حياتهم ما جعل لهم من المساكن فيها والبيوت، وجعل لهم بعد مماتهم مقابر يدفنون فيها، أو جعل متقلبهم ومثواهم في ظهورها في حياتهم، وجعل بطنها مأوى لهم بعد وفاتهم، وجعل ظهرها بساطا لهم؛ ليسلكوا فيها سبلا فجاجا؛ وقدر لهم فيها أقواتهم، فذكرهم وجوه النعم في خلقه الأرض؛ ليستأدي منهم الشكر، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ﴾ : الرواسي هي الجبال الثابتات في الأرض أثبتها في الأرض؛ لتقر بها، ولا تميد بأهلها؛ إذ لو مادت لم يصل أهلها إلى ما قدر لهم من المنافع، فذكرهم بذكره الجبال الرواسي عظيم نعمه عليهم؛ ليستأدي منهم الشكر.
والشامخات: هي الطوال.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً ﴾ : ولولا أنزاله عليكم لم تكونوا تصلون إليه بقواكم وحيلكم، ثم أنزله من السماء إلى الأرض، ولم يخرج من حد العذوبة، ولا حل به التغير بما مسته الأرض، واختلطت به، وهذا منصرف إلى الشرب خاصة، ثم لغير العذاب من المنافع ما للعذاب إلا الشرب خاصة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ نُهْلِكِ ٱلأَوَّلِينَ ﴾ : وهم قوم نوح - - وقوم عاد وثمود.
﴿ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ ٱلآخِرِينَ ﴾ : قوم فرعون اللعين وقوم لوط - - وغيرهم.
﴿ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ : قيل: مجرمي هذه الأمة.
ثم اختلف في وقت فعله: فمنهم من يقول بأن هذا الإهلاك في الآخرة، لقوله - عزو جل -: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَٱلسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ ﴾ .
ومنهم من ذكر أنه فعل بهم يوم بدر.
ومنهم من ذكر أن فعله بمجرمى أمة محمد ما روي عن النبي أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، ألقى الله في قلوبهم الرعب؛ حتى تركوا الانتداب إلى رسول الله وأصحابه للمحاربة، ومع كثرة شوكتهم، وقلة أصحاب رسول الله ؛ فهذا فعله بالمجرمين، وفي إلقاءه الرغب ألطف آيات رسالته، وأبين حجة عليها إذ كان فيه ما ينبههم أن الذي أقعدهم عن القتال، وقذف في قلوبهم الرغب أمر سماوي لا غير، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ ، معناه - والله أعلم -: إلى ما كنتم به تكذبون من عذاب الله ، وهم كانوا يكذبون بالبعث وبالعذاب، لكن يقال لهم هذا بعد البعث؛ فهو منصرف إلى ما ذكرنا من العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ : ذكر أن ذلك الظل دخان يخرج من جهنم؛ فيظنون أنه ظل؛ فينطلقون إليه؛ رجاء أن ينتفعون به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون أصله واحدا، ثم يتشعب منه شعب ثلاث: وجائز أن يكون في الأصل ذا شعب ثلاث تأتي كل شعبة من ناحية، ثم تجمتع، فتصير شيئا واحدا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَّ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ﴾ : أي: لا ينتفعون به ما ينتفع بالظل في الدنيا؛ لأن ظل الدنيا يهرب إليه لدفع الحر، أو ليسكن فيه؛ لأن ظل البيت مما يسكن فيه، وظل الشجر والحيطان؛ ليأووا إليه؛ للتروح، وذلك الظل لا يغني عنهم في الآخرة في دفع الحرارة ولا في غيرها.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُغْنِي مِنَ ٱللَّهَبِ ﴾ : جائز أن يكونوا هربوا إلى ذلك الظل من اللهب؛ فيخبر أن ذلك الظل لا يدفع عنهم، أذى اللهب.
وجائز أن يكون [اللهب] في ذلك الظل، ويكون كثافة الظل ساترة عما فيها من اللهب؛ فيخبر أن سترها لا يمنع اللهب عن أن يمسهم إذا انضموا إلى الظل.
وقوله - عزو جل -: ﴿ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَٱلْقَصْرِ ﴾ مفتوحة [الصاد]: فالقراءة المعروفة قيل: يراد بالقَصْر: المعروف المبني باللبن والخشب.
وقيل: يراد بها قصور أهل البادية، وهي الخيام.
ومن قرأ بالنصب اختلفوا في تأويله: عن ابن عباس - -: ﴿ كَٱلْقَصْرِ ﴾ قصر النخل؛ الواحدة: قصرة، وذلك أن النخلة تقطع قدر ثلاثة أذرع وأقصر وأطول، يستوقدون بها في الشتاء.
وقال بعضهم: هو أصل النخل المقطوع المنقعر من الأرض.
وقيل: هو أعناق النخيل.
وقيل: القصرة: اسم الخشبة التي تقطع عليها اللحوم، وتكسر العظام، تكون للقصابين.
وعن الحسن أنه قرأ مخففة (كالقَصْر)؛ غير أنه فسرها: أي: الجزل من الخشب؛ الواحد: قصرة؛ كقولك: تمرة وتمر، والله أعلم.
وفيه إخبار عن عظم شررها وقدرها خلافا لما عليه سائر الشرر في الدنيا؛ لأن شرر الدنيا لا يأخذ مكانا؛ بل يتبين ثم ينطفئ.
ثم جائز أن يكون بعض شررها في العظم كالخيام، وبعضه كالقصور، وبعضه كأصول الأشجار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كَأَنَّهُ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ ﴾ قرئ: ﴿ جِمَٰلَتٌ صُفْرٌ ﴾ جماعة الجمل، وقرئ: (جمالات) جمع جمالة.
والصفر: قيل: السود، وإنما سميت السود: صفرا؛ لأن السود تعلوها الصفرة في الإبل، فتمسى بهما؛ يدلك قول القائل: تلك حبلى منه وتلك ركابي *** هن صفر أولادها كالزبيب شبه الشرر بالقصر، والقصر بالجمالة، وهي الإبل السود.
وقرئ (جمالات) برفع الجيم، وهي حبال السفن تمد، ثم إذا ضمت تكون كأوساط الرجال؛ فشبه الشرر بالحبال الممدودة الصفر عند الامتداد وعند الانضمام كأوساط الرجال؛ فتكون كالقصر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ ﴾ جائز أن يكون معناه: أنهم لا ينطقون نطقا ينتفعون به كما لم يكونوا ينطقون في الدنيا كلاما يقربهم إلى الله ، فعاملهم في الآخرة حسب معاملتهم الله في الدنيا، وهو كقوله : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ﴾ ، وقوله : ﴿ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيۤ أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً ﴾ .
ومنهم من يقول: لا ينطقون في بعض المواضع، وينطقون في بعضها.
ويحتمل: أي: لا ينطقون بحجة؛ بل يكذبون؛ كقوله: ﴿ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴾ : ليس أنه لا يقبل العذر منهم إذا أتوا به، ولكن معناه: أنه لا عذر لهم؛ ليقبل منهم، وهو كقوله : ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ ﴾ ، معناه: أنه لا شفيع لهم، لا أنهم إذا أتوا بشفعاء لم يشفع لهم، وإذا لم يكن لهم عذر، فهم لا يعتذرون بعذر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ هَـٰذَا يَوْمُ ٱلْفَصْلِ جَمَعْنَٰكُمْ وَٱلأَوَّلِينَ ﴾ فيه إخبار أنه لا يخص بالبعث فريقا دون فريق، بل يجمع الخلائق كلهم، ثم يفصل بينهم؛ فينزل كلا منزلته التي استوجبها ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ .
وقيل: هو يوم الحكم؛ فجائز أن يكون سمي؛ لما يختصم فيه أهل المذاهب؛ فيحكم فيه بين المحق وبين الذي كان على الباطل، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ : جائز أن يكون يقال لهم هذا في الآخرة: أن كيدوا حتى تنجوا أنفسكم مما نزل بكم؛ أي: إن كانت لكم حيل تحتالون بها فافعلوا، وهو حرف التقريع والتوبيخ على نفي نفاذ المكر والحيلة، ليس على ما عليه أمر الدنيا: أنهم يحتالون ويمكرون بأنواع الخداع والتمويهات.
ويحتمل أن قيل لهم هذا في الدنيا، أمر رسول الله أن يعارضهم بهذا فيقول لهم: ﴿ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴾ في قتلي أو أخراجي من بين أظهركم، كما قال هود - لقومه: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ، فعجزهم عن ذلك يظهر لهم آية رسالته، وحجة نبوته؛ إذ خوف الأعداء من غير أعوان كانوا له ولا جنود مجندة؛ بل كان وحيدا فريدا بين ظهراني قوم مشركين، ليست همتهم إلا إطفاء هذا النور.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ ﴾ ، فالمتقون: هم الذين اتقوا عذاب الله، قال الله : ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ ، وقال في آية أخرى: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ وقال: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، فهذا هو التقوى.
ثم [إن] أهل التوحيد أقروا بالعذاب، في اتقائه، فقيل لهم: انطلقوا إلى ظلال وعيون؛ وأهل النار كانوا مكذبين بالعذاب، فقيل لهم: ﴿ ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴾ من العذاب.
ثم أخبرنا بالوجه الذي يقع به الاتقاء فقال: ﴿ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾ ، وأمرنا بالانتصاب لمحاربته، ثم علمنا وجه المحاربة بقوله: ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ﴾ ، وقال: - -: ﴿ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ ﴾ \[المؤمنون: 97\]، وقال: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، فألزمنا الفزع إليه، وبين أنا لا نقوى هاهنا مقابل التكذيب في الأولين.
وجائز أن يكون منصرفا إلى المصدقين بالأقوال، والموفين بالأعمال؛ فالمتقي: هو الذي اتقى إساءة صحبة نعم الله فوقاه الله - - شر يوم القيامة، مجازاة له، والمحسن: هو الذي أحسن صحبة نعمه، فأحسن الله منقلبه، وأحله بدار كرامته، في ظلال وعيون وفواكه.
أو المتقي: هو الذي وقى نفسه عن المهالك، فوقاه الله يوم القيامة، والمحسن: هو الذي أحسن إلى نفسه، وهو الذي استعملها في طاعة الله ؛ فأحسن الله إليه بما أنعم عليه من الظلال والعيونز ثم أخبر أنهم في ظلال؛ لأن الظلال مما ترغب إليه الأنفس في الدنيا؛ لأنها تدفع عنهم أذى الحر والبرد وأذى المطر والرياح، وغير ذلك، وظلال الأشجار والحيطان تدفع أذى الحر، وظلال البنيان تدفع أذى الحر والبرد والمطر، وهي لا تحول - أيضا - بين المرء والأشياء، عن أن يدرك حقائقها؛ فعظمت النعمة في الظلال، ووقعت إليها الرغبة في الدنيا؛ فقال: ﴿ إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي ظِلاَلٍ وَعُيُونٍ ﴾ ، وقال : ﴿ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ ﴾ ، ثم الأنفس إذا أوت أوت إلى الظلال، اشتهت ما تتمتع به الأبصار، وأعظم ما تتلذذ به الأبصار أن يكن نظرها إلى المياه الجارية؛ فأخبر أنهم في ظلال وعيون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ ، أي: فواكه أيضا؛ فأخبر أن لهم فيها ما تتلذذ به الأبصار، وتتمتع به، وفيها ما تشتهى أنفسهم، وفيها ما يدفع عن أنفسهم الأذى.
وقوله - عز وجل -: ﴿ كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيـۤئاً ﴾ لا تبعة عليكم من جهة السؤال، ولا تنغيص؛ أي: لايؤذيهم ما يأكلون ويشربون، فالهنيء الذي لا تبعة على صاحبه، ولا تنغيص فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، فسمى المتقي: محسنا؛ لأنه بدأ بذكر المتقين، وذكر ما أعد لهم، ثم أخبر أنهم جوزوا بإحسانهم؛ فيكون فيه دلالة على أن الاتقاء متى ذكر على الانفراد يقتضي إتيان المحاسن والاتقاء عن المهالك.
ثم رجع إلى المكذبين، فقال: ﴿ كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ ﴾ ، فهذا في الظاهر أمر بالأكل والشرب، وهو في الحقيقة وعيد، وهو أن تمتعكم بالأكل وغيره الذي يمنعكم عن النظر في الآيات قليل، عن سريع تفارقونه، وتصيرون إلى عذاب الله .
وقوله - -: ﴿ إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ ﴾ قد ذكرنا أن المجرم هو الوثاب في المعاصي.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرْكَعُواْ لاَ يَرْكَعُونَ ﴾ ، أي: إذا قال لهم الرسول : اركعوا؛ أي: اخضعوا، واستسلموا لله - - امتنعوا عن ذلك؛ استكبارا منهم على الرسل، وإعراضا عن النظر في حجج الله .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي: فبأى حديث يصدقون بعد حديث الله - - الذي لا حديث أصدق منه، وأقوى في الدلالة.
وجائز أن يكون هذا على تسفيه عقولهم وأحلامهم، وهو أنهم يمتنعون عن التصديق بحديث الله ؛ إذ لا حديث أصدق منه، ثم يصدقون الأحاديث الكاذبة والأباطيل المزخرفة، والله أعلم [بالصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين].