تفسير سورة الضحى الآيات ١-١١ عند تأويلات أهل السنة

الإسلام > القرآن > تفسير > الماتريدي > سورة 93 الضحى > الآيات ١-١١

وَٱلضُّحَىٰ ١ وَٱلَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣ وَلَلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌۭ لَّكَ مِنَ ٱلْأُولَىٰ ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰٓ ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًۭا فَـَٔاوَىٰ ٦ وَوَجَدَكَ ضَآلًّۭا فَهَدَىٰ ٧ وَوَجَدَكَ عَآئِلًۭا فَأَغْنَىٰ ٨ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 14 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلضُّحَىٰ * وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ .

قال بعضهم: الضحى: هو ضوء النهار، كقوله: ﴿ وَضُحَاهَا  ﴾ ، أي: ضوءها.

وقال بعضهم: هو ساعة من النهار، وهي [من] أول النهار، ويقال: صلاة الضحى، وهي عند ضحوة النهار.

ومنهم من يقول: هو كناية عن الحر؛ كقوله: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَضْحَىٰ  ﴾ ، أي: لا يصيبك الحر، والله أعلم.

ومنهم من يقول: هو كناية عن النهار كله، أقسم به، وبالليل الذي ذكر.

فإن كان المراد من الضحى هو ضوء النهار، ومن ﴿ وَٱللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ﴾ : ظلمته؛ فيخرج القسم به على أن ظلمة الليل تستر الخلاق كلهم في طرفة عين، وكذلك ضوء النهار يكشف الستر، ويجلي بطرفة عين جميع الخلائق، من غير أن يعلم أحد ثقل ذل الستر أو خفة ذلك الضوء، فأقسم بذلك لعظيم ما فيهما من الآية.

وإن كان المراد منه نفس الليل والنهار؛ فالقسم بهما لما جعل فيهما من المنافع الكثيرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا سَجَىٰ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: إذا استوى.

وقال بعضهم: إذا سكن وركد.

وقال بعضهم: ﴿ إِذَا سَجَىٰ ﴾ : إذا غشي وأظلم، وغطى كل شيء وستر، وهو من التسجي والتستر؛ يقال: تسجى قبر المرأة؛ إذا تستر وتغطى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ على هذا وقع القسم، ثم اختلف في السبب الذي [لأجله] نزل هذا: قال بعضهم: إن النبي  كان سئل عن شيء إذا طلبوا منه شيئا، فقال: أفعل ذلك غدا، أو أجيبكم عنه غدا، ولم يستثن؛ فاحتبس عنه الوحى أياما لذلك؛ فقال المشركون: ودعه ربه وقلاه، أي: تركه وأبغضه.

ومنهم من قال: إنه أبطأ عليه الوحى، فجزع جزعا شديدا، فقالت له خديجة -  -: "إني لأرى قلاك ربك ووعدك"؛ مما ترى من جزعه؛ فنزل قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ﴾ .

ولسنا ندري كيف كان الأمر؟

فإن كان نزل ذلك لقول قريش، فالقسم يحتمل كذلك؛ ردا لقولهم.

والقول الثاني: أنه نزل لقول خديجة -  ا - فهو غير محتمل؛ لأن خديجة تعلم أن الله -  - لم يودعه ولا قلاه، وكذا كل مؤمن معتقد أن الله -  - لا يودع أحدا من رسله.

ولأنها تصدق الرسول -  - أنه لم يودعه ولا قلاه إذا أخبرها بغير قسم؛ فلا معنى للقسم؛ فدل أن هذا الوجه غير محتمل.

ثم صرف تأويل الآية إلى غير ما قالوا أشبه عندنا وأقرب مما قالوا، وهو أنه -  - بعث إلى الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم قتل من خالفهم، وإهلاك من استقبلهم بالخلاف، ولم يكن معه فضل مال وسعة يستميل به قلوب الناس؛ فيقول أولئك الكفرة: إن ربه قد خذله وتركه وقلاه، حيث بعثه إلى من ذكرنا من الفراعنة والجبابرة الذين كانت همتهم القتل وعادتهم إهلاك من خالفهم بلا أنصار ولا أعوان من الملائكة، ولا مالا وسعة يستميل به القلوب والأنفس؛ لأن من سلم إنسانا إلى أعدائه الذين يعلم أنهم أعداؤه، ويخلي بينه وبين الأعداء بلا أنصار وأعوان ولا مال وسعة من الدنيا - يقال: أنه قد خذهل وتركه وقلاه؛ إذ لا يفعل ذلك في الأصل إلا لذلك؛ فعند ذلك قالوا: إنه ودعه وقلاه، وهو ما قالوا: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً  أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا  ﴾ ، وقولهم: ﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ، ونحو ذلك مما قالوا، فلولا صرف أهل التأويل تأويل الآية إلى ما ذكروان وإلا صرفه إلى ما ذكرنا أشبه.

وفي قولهم: "قد ودعه [ربه]" دلالة أنهم قد عرفوا أنه رسول [الله  ] وأقروا بذلك حتى قالوا؛ فنزل قوله: ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ ﴾ .

والثاني: أنه لو كان يخترع على ما كانوا يقولون أولئك، لكان لا يحتبس عن الاختراع، ويكون يخترع أبداً؛ حتى لا يقولوا: "إنه ودعه"؛ فدل ظهور احتباس الوحي: أنه عن أمر يخبر، وأنه مأمور بذلك، ثم أخبر أنه لم يبعث إلى هؤلاء الفراعنة والجبابرة لما ذكر أولئك الكفرة أنه خذله وتركه وقلاه، ولكن بعثه وهو ينصره ويعينه على تبليغ ما أمر بتبليغه إلى من أمر بتبليغه، ولم يقله، ولكن اصطفاه واختاره؛ حتى يعلو أمره، ويكثر ذكره، وفي ذلك آية عظيمة على إثبات الرسالة، وهو ما ذكرنا أنه بعث إلى من همتهم القتل والإهلاك لمن خالفهم، فقهرهم جميعا، وغلب على الكل حتى أظهر الإسلام فيمن قرب منه ومن بعد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ ٱلأُولَىٰ ﴾ : يقول: مع ما أعطيت في الدنيا من الشرف والذكر والغلبة على الفراعنة، فالآخرة خير لك من الأولى؛ يرغبه في الآخرة، ويزهده في الدينا.

أو يقول: إن أولى لك أن يكون سعيك للآخرة؛ فهو خير لك من الأولى، وهو كقوله -  -: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ ﴾ .

أي: لتعطى في الآخرة ما ترضى من الكرامة والشرف.

وقال بعضهم: أي: ولسوف يعطيك ربك فترضى في الدنيا من الذكر والشرف والمنزلة والغلبة على الأعداء.

ويحتمل: يعطيك في أمتك ما ترجو وتأمل من الشفاعة لهم وترضى.

ويقول بعض الناس: إن أرجى آية هذه؛ حيث وعد له أن يعطيه ما يرضى، ولا يرضى أن يكون أمته في النار.

ومنهم من قال: أرجى آية قوله -  -: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً  ﴾ ، وهو قول ابن مسعود،  .

وعندا أرجى الآيات هي التي أمر الله -  - رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك ما أمر الملائكة بالاستغفار لهم؛ فاستغفروا لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ الآية: ما ذكر من الأحوال التي ذكر فيه من قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ ﴾ الآية، وقوله  : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ  ﴾ ، ونحو ذلك من الأحوال التي ذكر فيه [وهي] في الظاهر أحوال تذكر للشين فيمن تقال فيه، لكن في ذكر ما ذكر فيه من الأحوال: ذكر بشارة لرسول الله  بالنصر له والعون؛ وآية له على رسالته ونبوته؛ لأن نقاذ القول وغلبة الأمر مع الأحوال التي ذكر - أعظم في الأعجوبة من نفاذه في حال السعة وحال قوة الأسباب وتأكيدها.

أو أن يكون قوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ * فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، ونحوه؛ لأن أولئك الكفرة كانوا ينسبونه إلى الافتراء والاختراع من ذات نفسه، فأخبر أن اليتيم والفقير ليس يبلغ في العلم والمعرفة المبلغ الذي يقدر على الاختراع وإنشاء الشيء من نفسه على وجه يعجز عن مثله جميع الخلق؛ لما لا يجد ما ينفق في ذلك، ويتحمل من المؤن حتى يبلغ مبلغ الاختراع، وكذلك ما ذكر حيث قال: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ...

﴾ الآية [العنكبوت: 48]؛ لأنهم قالوا: ﴿ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ  ﴾ ، والبشر إنما يتعلمون بالكتابة والخط، فإذا لم يكن لرسول الله - عليه الصلاة والسلام - شيء من ذلك؛ دلَّ أنه بالله -  - عرف وحده.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ ، أي: وجدك يتيما فآواك.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فَآوَىٰ ﴾ وجوها: أحدها: وجدك يتيما فآواك إلى [عمك حتى رباك] ودفع عنك كل أذى وآفة، وساق إليك كل خير وبر، إلى أن بلغت المبلغ الذي بلغت.

والثاني: يقول: قد وجدك يتيما فآواك إلى عدو من أعدائك حتى تولى تربيتك وبرك، وعطف عليك، وتولى عنك دفع المكروه والأذى، يكذر منته وعظيم نعمه عليه أنه كان ما ذكر، ثم صير عدوا من أعدائه أشفق الناس عليه وأعطف، والله أعلم.

والثالث: قد وجدك يتيما فآواك إلى نفسه، وعطف عليك حتى اختصك واصطفاك للرسالة والنبوة؛ حتى صرت مذكورا في الدنيا والأخرة، وحتى أحوج جميع الناس إليك، وليس ذلك من أمر اليتيم أنه يبلغ شأنه وأمره إلى ما بلغ من أمرك وشأنك حتى صرت مخصوصا من بين الناس جميعا، فيما ذكرنا من اختصاصه إياك بالرسالة، وأحوج جميع الناس إليك؛ يذكر عظيم مننه ونعمه عليه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ هذا يخرج على وجوه: أحدها: يقول - والله أعلم -: لولا أن الله  هداك لدينه، ووفقك له، وإلا وجدك ضالا؛ إذ كان نشوءه بين قوم ضلال، لم يكن أحد يهديه ويدعوه إلى الله  ، ولكنه هداك وأرشدك، فلم يجد ضالا، وهو كقوله -  -: ﴿ وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا...

 ﴾ ، أي: لولا أنه أنقذكم منها، وإلا صرتم على شفا حفرة من النار لون لم ينقذكم منها، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  ﴾ ؛ لأن البشر أنشئ وطبع على الركون والميل إلى النعم العاجلة، واختيار الأيسر والألذ، ولكنه بفضله ولطفه ثبتك وعصمك، ولم يكلك على ما طبعت وأنشئت في أصل الخلقة؛ فعلى ذلك نقول في قوله: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: لولا أنه هداك؛ وإلا وجدك ضالا لو لم يهدك، ففيه أنه هداه ولم يجده ضالا.

والثاني: يقول: ووجدك ضالا لا ضلال كسب واختيار، ولكن ضلال الخلقة التي أنشئ عليها الخلق، والضلال بمعنى الجهل؛ لأن الخلق في ابتداء أحوالهم يكونون جهالا، لا جهل كسب بذمون عليه، أو يكون لهم علم يحمدون عليه، ولكن جهل خلقة وضلال خلقة؛ لما ليس معهم آلة درك العلم؛ فلا صنع له في كسف الجهل، فأما بعد الظفر بآلة العلم يكون الجهل مكتسبا؛ فيذم عليه، وكذا العلم؛ فيترتب عليه الحمد والذم؛ فعلى هذا يكون قوله -  -: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ ﴾ ، أي: وجدك جاهلا على ما يكون في أصل الخلقة وحالة الصغر فهداك، أي: علمك، وهو كقوله -  -: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً...

 ﴾ ، وقوله -  -: ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ...

 ﴾ ، يذكر أنه لم يكن يدري شيئا حتى أدروه وعلَّمه.

والثالث: يقول: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ ، أي: غافلا عن الأنباء المتقدمة وأخبارهم حتى أطلعك الله -  - على ذلك، كقوله: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ  ﴾ .

أو يقول: ووجدك في أمر القرآن أو ما فيه جاهلا غافلا عن علم ذلك، فأعلمك.

وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ ، أي: وجدك بين قوم ضلال فهداك، أي: أخرجك من بينهم ما لو لم يخرجك من بين أظهرهم، لدعوك إلى ما هم عليه، ويجبروك على ذلك، ولم يرضوا منك إلا ذلك، والله أعلم.

وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ من طريق مكة فهداك الطريق.

وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ حقيقة الضلال، فهداك للتوحيد.

لكن هذا وحش من القول؛ إذ لا يليق به أن ينسب إلى ذلك.

وقال بعضهم: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ ﴾ عن النبوة أي: جاهلا، فهداك للنبوة، وهو قريب [مما ذكرناه].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَىٰ ﴾ ، أي: فقيرا فأغناك بما أراد من أمر الآخرة، وما يسوق إليك من نعيمها، أي: بما أعد له في الآخرة، وما وعد له من النعيم والكرامات هانت عليه الدنيا، حتى ذكر أن الدنيا لم تكن تعدل عنده -  - جناح بعوضة؛ ولذلك روى أن الغنى غنى القلب.

ويحتمل أنه جعل فيه حالا بلطفه أغناه؛ كما روي عن النبي  "أنه نهى عن الوصال، فقيل: أنت تواصل، يا رسول الله؟

فقال -  -: أنا لست كأحدكم؛ إن ربي يطعمني ويسقيني" ؛ فجائز أن يكون لله - عز وجل - فيه لطف أغناه به، وإن لم يطلعنا عليه، والله أعلم.

وقال بعضهم: أغناك بمال خديجة،  ا.

وقال بعضنم: فأغناك، أي: فأرضاك بما أعطاك من الرزق، وأقنعك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، وفي حرف ابن مسعود -  -: "فأما اليتيم فلا تكهر"، فالكهر: الزجر، كأنه قال: فلا تزجر.

[و]جائز أن يكون قوله: ﴿ فَلاَ تَقْهَرْ ﴾ ، أي: لا تمنع حقه، وادفع إليه حقه وماله.

أو يكون ذكر هذا، يقول: كنت يتيما ورأيت حال اليتيم؛ فلا تقهر اليتيم؛ فيكون على الصلة لقوله: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَىٰ ﴾ ، فلا تقهر اليتيم بعد ذلك.

﴿ وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ : أي: كنت محتاجا فقيرا، فعرفت محل الفقر والحاجة وشدة حاله؛ فلا تنهر السائل - أي: لا تزجره - ولكن أعطه.

وجائز أن يكون الأمر لا على النهي، ولكن على الأمر بالبر لهؤلاء الإعطاء لهم.

وجائز أن يراد من نفي شيء إثبات ضده، كقوله -  -: ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ  ﴾ ، أي: خسرت، وعلى هذا الحديث، وهو ما روي عن النبي  أنه قال: "إذا أتاكم السائل فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه برفق ولين، إما ببذل يسير، أو برد جميل؛ فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جن؛ يرى كيف صنيعكم فيما خولكم الله  " وقال قوم: تزويج اليتيم قهره؛ لما فيه من الاستذلال والإضرار؛ فلم يجوزوه من ير الأب والجد، وأجازوا بيع ماله من وصيه إن كان وصي الأب أو وصي أمه في تركتها؛ فدل أن تزويج اليتيم ليس من قهره في شيء، وقد روي عن النبي  أنه زوج بنت حمزة بن سلمة بن أبي سلمة، وهو صغير يتيم؛ وزوج ابن عمر بنت أخيه وهي صغيرة، وزوج عروة ابنته من مصعب وهي صغيرة.

وقهر اليتيم في ظلمه والاعتداء عليه، وليس في التزويج ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: يقول: حدثهم بنعم الله -  - التي أنعم عليهم؛ ليعرفوا ويفوا بما فيه شكرها.

أو يقول: حدثهم بما أنعم الله عليك، وهو هذا القرآن؛ إذ القرآن من أعظم ما أنعم الله عليه، فأمر بتحديث ما عليه من النعم، ليعرفوا عظيم ما أنعم الله عليه من الاختصاص لهم؛ حيث جعلهم من أمته ومن قومه.

أو أمر بأن يقرأه ويحدث بما فيه.

وقد روي عن أبي رجاء العطاردي قال: "خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف خز، لم نره عليه قبل، ولا بعدن فقال: إن رسول الله  قال: إن الله -  - إذا أنعم على عبد نعمة يجب أن يرى أثر نعمته عليه" وعن عطية عن أبي سعيد عن رسول الله  أنه قال: "إن الله  - جميل يجب الجمال، ويجب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتبؤس" وعن الأحوص عن ابن مسعود -  - قال: قال رسول الله  : "من أعطاه الله -  - خيرا؛ فلْيُرَ عليه، وابدأ بمن تعول، وارضخ من الفضل، ولا تلام على كفاف، وتعجز عن نفسك" وعن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة -  - عن النبي  أنه قال: "إذا بسط الله -  - على عبد نعمه فلْتُرَ عليه" يعني به: الصدقة والمعروف.

وقول ابن مسعود -  - "وابدأ بمن تعول" دليل عليه.

قال أهل الأدب: عال: افتقر، وأعال، أي: ك ثر عياله، ويقال: [أسجيته:] أسكنته، وقالوا: الانتهار الكلام الخشن.

[وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين].

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.6 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر