الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة العاديات
تفسيرُ سورةِ العاديات كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةسُورَةُ العادِياتِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وجابِرٍ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسِ بْنِ مالِكٍ وقَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والعادِياتِ ضَبْحًا ﴾ في العادِياتِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ في الجِهادِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسٌ والحَسَنُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وطَعْنَةٍ ذاتِ رَشاشٍ واهِيَهْ طَعَنْتُها عِنْدَ صُدُورِ العادِيَهْ يَعْنِي الخَيْلَ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ في الحَجِّ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وابْنُ مَسْعُودٍ ومِنهُ قَوْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَلا والعادِياتِ غَداةَ جَمْعٍ ∗∗∗ بِأيْدِيها إذا صَدَعَ الغُبارُ يَعْنِي الإبِلَ، وسُمِّيَتِ العادِياتِ لِاشْتِقاقِها مِنَ العَدْوِ، وهو تُباعُدُ الرِّجْلِ في سُرْعَةِ المَشْيِ; وفي قَوْلِهِ ﴿ ضَبْحًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الضَّبْحَ حَمْحَمَةُ الخَيْلِ عِنْدَ العَدْوِ، قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ العادِياتِ الخَيْلُ.
الثّانِي: أنَّهُ شِدَّةُ النَّفْسِ عِنْدَ سُرْعَةِ السَّيْرِ، قالَهُ مَن زُعِمَ أنَّها الإبِلُ، وقِيلَ إنَّهُ لا يَضْبَحُ بِالحَمْحَمَةِ في عَدْوِهِ إلّا الفَرَسُ والكَلْبُ، وأمّا الإبِلُ فَضَبْحُها بِالنَّفَسِ; وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضَبْحُها: قَوْلُ سائِقِها أجَّ أجَّ; وهَذا قَسَمٌ، ﴿ فالمُورِياتِ قَدْحًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الخَيْلُ تُورِي النّارَ بِحَوافِرِها إذا جَرَتْ مِن شِدَّةِ الوَقْعِ، قالَهُ عَطاءٌ.
الثّانِي: أنَّها نِيرانُ الحَجِيجِ بِمُزْدَلِفَةَ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّها نِيرانُ المُجاهِدِينَ إذا اشْتَعَلَتْ فَكَثَّرَتْ نِيرانَها إرْهابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّها تَهَيُّجُ الحَرْبِ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.
الخامِسُ: أنَّهُ مَكْرُ الرِّجالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ ; يَعْنِي في الحُرُوبِ.
السّادِسُ: أنَّها الألْسِنَةُ إذا ظَهَرَتْ بِها الحُجَجُ وأُقِيمَتْ بِها الدَّلائِلُ وأُوضَحَ بِها الحَقُّ وفُضِحَ بِها الباطِلُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وهو قَسَمٌ ثانٍ.
﴿ فالمُغِيراتِ صُبْحًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الخَيْلُ تُغِيرُ عَلى العَدُوِّ صُبْحًا، أيْ عَلانِيَةً، تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الصُّبْحِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ حِينَ تَعْدُو صُبْحًا مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿ فَأثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَأثَرْنَ بِهِ غُبارًا، والنَّقْعُ الغُبارُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ: عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لَمْ تَرَوْها ∗∗∗ تُثِيرُ النَّقْعَ مِن كَنَفِي كَداءِ الثّانِي: النَّقْعُ ما بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ بَطْنُ الوادِي، فَلَعَلَّهُ يَرْجِعُ إلى الغُبارِ المُثارِ مِن هَذا المَوْضِعِ.
﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمْعُ العَدُوِّ حَتّى يَلْتَقِيَ الزَّحْفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ.
الثّانِي: أنَّها مُزْدَلِفَةُ تُسَمّى جَمْعًا لِاجْتِماعِ الحاجِّ لَها وإثارَةِ النَّقْعِ في الدَّفْعِ إلى مِنًى، قالَهُ مَكْحُولٌ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَكَفُورٌ قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى أحْدِثْ لَها تَحْدُثْ لِوَصْلِكَ إنَّها ∗∗∗ كُنُدٌ لِوَصْلِ الزّائِرِ المُعْتادِ وَقِيلَ: إنَّ الكَنُودَ هو الَّذِي يَكْفُرُ اليَسِيرَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ.
الثّانِي: أنَّهُ اللَّوّامُ لِرَبِّهِ، يَذْكُرُ المَصائِبَ ويَنْسى النِّعَمَ، قالَهُ الحَسَنُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ المَعْنى الأوَّلِ.
الثّالِثُ: أنَّ الكَنُودَ الجاحِدُ لِلْحَقِّ، وقِيلَ إنَّما سُمِّيَتْ كِنْدَةَ لِأنَّها جَحَدَتْ أباها، وقالَ إبْراهِيمُ بْنُ زُهَيْرٍ الشّاعِرُ دَعِ البُخَلاءَ إنْ شَمَخُوا وصَدُّوا ∗∗∗ وذِكْرى بُخْلِ غانِيَةٍ كَنُودِ الرّابِعُ: أنَّ الكَنُودَ العاصِي بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ، وذَكَرَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الخامِسُ: أنَّهُ البَخِيلُ بِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: الكَنُودُ بِلِسانِ كِنْدَةَ وحَضْرَمَوْتَ: العاصِي، وبِلِسانِ مُضَرَ ورَبِيعَةَ: الكَفُورُ، وبِلِسانِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ: البَخِيلُ.
السّادِسُ: أنَّهُ يُنْفِقُ نِعَمَ اللَّهِ في مَعاصِي اللَّهِ.
السّابِعُ: ما رَواهُ القاسِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : «الكَنُودُ الَّذِي يَضْرِبُ عَبْدَهُ ويَأْكُلُ وحْدَهُ ويَمْنَعُ رِفْدَهُ»، وقالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وعَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ بِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ السُّورَةِ.
﴿ وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى كُفْرِ الإنْسانِ لَشَهِيدٌ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّانِي: أنَّ الإنْسانَ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، لِأنَّهُ كَنُودٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ يَعْنِي الإنْسانَ، وفي الخَيْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
الثّانِي: الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَيْرَ ها هُنا الِاخْتِيارُ، ويَكُونُ مَعْناهُ: وإنَّهُ لِحُبِّ اخْتِيارِهِ لِنَفْسِهِ لَشَدِيدٌ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لَشَدِيدٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَشَدِيدُ الحُبِّ لِلْخَيْرِ، وشِدَّةُ الحُبِّ قُوَّتُهُ وتَزايُدُهُ.
الثّانِي: لَشَحِيحٌ بِالمالِ يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ، قالَهُ الحَسَنُ، مِن قَوْلِهِمْ فُلانٌ شَدِيدٌ أيْ شَحِيحٌ.
﴿ أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَن فِيها مِنَ الأمْواتِ.
الثّانِي: مَعْناهُ ماتَ.
الثّالِثُ: بُحِثَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (بُحْثِرَ ما في القُبُورِ( .
﴿ وَحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُيِّزَ ما فِيها، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: اسْتُخْرِجَ ما فِيها.
الثّالِثُ: كُشِفَ ما فِيها.
﴿ إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴾ أيْ عالِمٌ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لَخَبِيرٌ بِما في نُفُوسِهِمْ.
الثّانِي: لَخَبِيرٌ، بِما تَؤُولُ إلَيْهِ أُمُورُهم.