الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 12 يوسف > الآيات ٧٠-٧٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 4 دقيقة قراءةقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ ﴾ وهو كَيْلُ الطَّعامِ لَهم بَعْدَ إكْرامِهِمْ وإعْطائِهِ بَعِيرًا لِأخِيهِمْ مِثْلَ ما أعْطاهم.
﴿ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ﴾ والسِّقايَةُ والصُّواعُ واحِدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُلُّ شَيْءٍ يُشْرَبُ فِيهِ فَهو صُواعٌ، قالَ الشّاعِرُ: نَشْرَبُ الخَمْرَ بِالصُّواعِ جَهارا وتَرى المَتْكَ بَيْنَنا مُسْتَعارا قالَ قَتادَةُ: وكانَ إناءَ المَتْكِ الَّذِي يُشْرَبُ فِيهِ.
واخْتُلِفَ في جِنْسِهِ، فَقالَ عِكْرِمَةُ كانَ مِن فِضَّةٍ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: كانَ مِن ذَهَبٍ، وبِهِ كالَ طَعامَهم مُبالَغَةً في إكْرامِهِمْ.
وَقالَ السُّدِّيُّ: هو المَكُّوكُ العادِيُّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ.
﴿ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ أيْ نادى مُنادٍ فَسُمِّيَ النِّداءُ أذانًا لِأنَّهُ إعْلامٌ كالأذانِ.
وَفي ﴿ العِيرُ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الرُّفْقَةُ.
الثّانِي: أنَّها الإبِلُ المَرْحُولَةُ المَرْكُوبَةُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَجازَ يُوسُفُ أنْ يَجْعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ لِيُسَرِّقَهم وهم بُرَآءُ، وهَذِهِ مَعْصِيَةٌ؟
قِيلَ عَنْ هَذِهِ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّها مَعْصِيَةٌ فَعَلَها الكَيّالُ ولَمْ يَأْمُرْ بِها يُوسُفُ.
الثّانِي: أنَّ المُنادِيَ الَّذِي كالَ حِينَ فَقْدِ السِّقايَةِ ظَنَّ أنَّهم سَرَقُوها ولَمْ يَعْلَمْ بِما فَعَلَهُ يُوسُفُ، فَلَمْ يَكُنْ عاصِيًا.
الثّالِثُ: أنَّ النِّداءَ كانَ بِأمْرِ يُوسُفَ، وعَنى بِذَلِكَ سَرِقَتَهم لِيُوسُفَ مِن أبِيهِ، وذَلِكَ صِدْقٌ.
الرّابِعُ: أنَّها كانَتْ خَطِيئَةً مِن قِبَلِ يُوسُفَ فَعاقَبَهُ اللَّهُ عَلَيْها بِأنْ قالَ القَوْمُ ﴿ إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ.
وَذَهَبَ بَعْضُ مَن يَقُولُ بِغَوامِضِ المَعانِي إلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ إنَّكم لَسارِقُونَ ﴾ أيْ لَعاقُّونَ لِأبِيكم في أمْرِ أخِيكم حَيْثُ أخَذْتُمُوهُ مِنهُ وخُنْتُمُوهُ فِيهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ ﴾ لِأنَّهُمُ اسْتَنْكَرُوا ما قُذِفُوا بِهِ مَعَ ثِقَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ فاسْتَفْهَمُوا اسْتِفْهامَ المَبْهُوتِ.
﴿ قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ﴾ والصُّواعُ واحِدٌ وحَكى غالِبٌ اللَّيْثِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ صَوْغَ المَلِكِ بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً، مَأْخُوذٌ مِنَ الصِّياغَةِ؛ لِأنَّهُ مَصُوغٌ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ، وقِيلَ مِن نُحاسٍ.
﴿ وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ وهَذِهِ جَعالَةٌ بُذِلَتْ لِلْواجِدِ.
وَفي حِمْلِ البَعِيرِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حِمْلُ جَمَلٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: حِمْلُ حِمارٍ، وهو لُغَةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
واخْتُلِفَ في هَذا البَذْلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ المُنادِيَ بَذَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِأنَّهُ قالَ ﴿ وَأنا بِهِ زَعِيمٌ ﴾ أيْ كَفِيلٌ ضامِنٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ ضَمِنَ حِمْلَ بَعِيرٍ وهو مَجْهُولٌ، وضَمانُ المَجْهُولِ لا يَصِحُّ؟
قِيلَ عَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ حِمْلَ البَعِيرِ قَدْ كانَ عِنْدَهم مَعْلُومًا كالسُّوقِ فَصَحَّ ضَمانُهُ.
الثّانِي: أنَّها جَعالَةٌ وقَدْ أجازَ بَعْضُ الفُقَهاءِ فِيها في الجَهالَةِ، ما لَمْ يُجِزْهُ في غَيْرِها كَما أجازَ فِيها ضَمانَ ما لَمْ يَلْزَمْ، وإنْ مُنِعَ مِنهُ في غَيْرِها.
<div class="verse-tafsir"