الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 17 الإسراء > الآيات ٤-٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ ﴾ مَعْنى قَضَيْنا ها هُنا أخْبَرْنا.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ مَعْناهُ حَكَمْنا، قالَهُ قَتادَةُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ قَضَيْنا عَلَيْهِمْ.
﴿ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ﴾ الفَسادُ الَّذِي فَعَلُوهُ قَتْلُهم لِلنّاسِ ظُلْمًا وتَغَلُّبُهم عَلى أمْوالِهِمْ قَهْرًا، وإخْرابُ دِيارِهِمْ بَغْيًا.
وَفِيمَن قَتَلُوهُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الأوَّلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زَكَرِيّا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ شِعْيا، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأنَّ زَكَرِيّا ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ.
أمّا المَقْتُولُ مِنَ الأنْبِياءِ في الفَسادِ الثّانِي فَيَحْيى بْنُ زَكَرِيّا في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُقاتِلٌ: وإنْ كانَ بَيْنَهُما مِائَتا سَنَةٍ وعَشْرٌ.
﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما ﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ مِن فَسادِهِمْ.
﴿ بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾ في قَوْلِهِ بَعَثْنا وجْهانِ: أحَدُهُما: خَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خِذْلانًا لَكم بِظُلْمِكم، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: أمَرْنا بِقِتالِكُمُ انْتِقامًا مِنكم.
وَفي المَبْعُوثِ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ الأُولى خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: جالُوتُ وكانَ مَلِكُهم طالُوتَ إلى أنْ قَتَلَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ بُخْتُنَصَّرُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ سَنْحارِيبُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُمُ العَمالِقَةُ وكانُوا كُفّارًا، قالَهُ الحَسَنُ.
الخامِسُ: أنَّهم كانُوا قَوْمًا مِن أهْلِ فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ أخْبارَهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي مَشَوْا وتَرَدَّدُوا بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وهو أبْلَغُ في القَهْرِ.
الثّانِي: مَعْناهُ فَداسُوا خِلالَ الدِّيارِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: إلَيْكَ جُسْتُ اللَّيْلَ بِالمَطِيِّ الثّالِثُ: مَعْناهُ فَقَتَلُوهم بَيْنَ الدُّورِ والمَساكِنِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ: ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ فَجاسَ بِهِ الأعْداءَ عَرْضَ العَساكِرِ الرّابِعُ: مَعْناهُ فَتَّشُوا وطَلَبُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
الخامِسُ: مَعْناهُ نَزَلُوا خِلالَ الدِّيارِ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَجُسْنا دِيارَهم عَنْوَةً ∗∗∗ وأُبْنا بِساداتِهِمْ مُوَثَّقِينا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي الظَّفَرَ بِهِمْ، وفي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَزَوْا مَلِكَ بابِلَ واسْتَنْقَذُوا ما في يَدَيْهِ مِنَ الأسْرى والأمْوالِ.
الثّانِي: أنَّ مَلِكَ بابِلَ أطْلَقَ مَن في يَدِهِ مِنَ الأسْرى، ورَدَّ ما في يَدِهِ مِنَ الأمْوالِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ بِقَتْلِ جالُوتَ حِينَ قَتَلَهُ داوُدُ.
﴿ وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ﴾ بِتَجْدِيدِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ.
﴿ وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أكْثَرَ عِزًّا وجاهًا مِنهم.
الثّانِي: أكْثَرَ عَدَدًا، وكَثْرَةُ العَدَدِ تُنَفِّرُ عَدُوَّهم مِنهم، قالَ تُبَعُ بْنُ بَكْرٍ: فَأكْرِمْ بِقَحْطانَ مِن والِدٍ ∗∗∗ وحِمْيَرَ أكْرِمْ بِقَوْمٍ نَفِيرا قالَ قَتادَةُ: فَكانُوا بِها مِائَتَيْ سَنَةٍ وعَشْرَ سِنِينَ، وبُعِثَ فِيهِمْ أنْبِياءُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ ﴾ لِأنَّ الجَزاءَ بِالثَّوابِ يَعُودُ إلَيْها، فَصارَ ذَلِكَ إحْسانًا لَها.
﴿ وَإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ أيْ فَإلَيْها تَرْجِعُ الإساءَةُ لِما يَتَوَجَّهُ إلَيْها مِنَ العِقابِ، فَرَغَّبَ في الإحْسانِ وحَذَّرَ مِنَ الإساءَةِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ﴾ يَعْنِي وعَدَ المُقابَلَةَ عَلى فَسادِهِمْ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ.
وَفِيمَن جاءَهم فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: بُخْتُنَصَّرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: أنَّهُ انْطِياخُوسُ الرُّومِيُّ مَلِكُ أرْضِ نِينَوى، وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، وقِيلَ إنَّهُ قَتَلَ مِنهم مِائَةَ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفًا، وحَرَقَ التَّوْراةَ وأخْرَبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، ولَمْ يَزَلْ عَلى خَرابِهِ حَتّى بَناهُ المُسْلِمُونَ.
﴿ وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ.
﴿ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الهَلاكُ والدَّمارُ.
الثّانِي: أنَّهُ الهَدْمُ والإخْرابُ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وما النّاسُ إلّا عامِلانِ فَعامِلٌ ∗∗∗ يُتَبِّرُ ما يَبْنِي وآخَرُ رافِعُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِمّا حَلَّ بِكم مِنَ الِانْتِقامِ مِنكم.
﴿ وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إنْ عُدْتُمْ إلى الإساءَةِ عُدْنا إلى الِانْتِقامِ، فَعادُوا.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ يُذِلُّونَهم بِالجِزْيَةِ والمُحارِبَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الثّانِي: إنْ عُدْتُمْ إلى الطّاعَةِ عُدْنا إلى القَبُولِ، قالَهُ بَعْضُ الصّالِحِينَ.
﴿ وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي فِراشًا ومِهادًا، قالَهُ الحَسَنُ: مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصِيرِ المُفْتَرَشِ.
الثّانِي: حَبْسًا يُحْبَسُونَ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ.
والعَرَبُ تُسَمِّي المَلِكَ حَصِيرًا لِأنَّهُ بِالحُجّابِ مَحْصُورٌ، قالَ لَبِيدٌ: ؎ ومَقامَةٍ غُلْبِ الرِّقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ <div class="verse-tafsir"