الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 2 البقرة > الآية ٧٤
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ اخْتُلِفَ في المُشارِ إلَيْهِ بِالقَسْوَةِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَنُو أخِي المَيِّتِ حِينَ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، بَعْدَ أنْ سَمِعُوهُ مِنهُ عِنْدَ إحْياءِ اللَّهِ لَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ: أيْ مِن بَعْدِ آياتِهِ كُلِّها الَّتِي أظْهَرَها عَلى مُوسى.
وَفي قَسْوَتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلابَتُها حَتّى لا تَلِينَ.
والثّانِي: عُنْفُها حَتّى لا تَرْأفَ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ إحْياءِ المَوْتى، ويَكُونُ هَذا الخِطابُ راجِعًا إلى جَماعَتِهِمْ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ كَلامِ القَتِيلِ، ويَكُونُ الخِطابُ راجِعًا إلى بَنِي أخِيهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ يَعْنِي القُلُوبَ الَّتِي قَسَتْ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ وأشْباهِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْهامٌ عَلى المُخاطَبِينَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا، أيْ ذَلِكَ هُوَ، كَما قالَأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أوْ عَلِيّا ∗∗∗ فَإنْ يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمُخْطِئٍ إنْ كانَ غَيّا وَلا شَكَّ، أنَّ أبا الأسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ، لَمْ يَكُنْ شاكًّا في حُبِّهِمْ، ولَكِنْ أبْهَمَ عَلى مَن خاطَبَهُ، وقَدْ قِيلَ لِأبِي الأسْوَدِ حِينَ قالَ ذَلِكَ: شَكَكْتَ؟
فَقالَ: كَلّا، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ وقالَ: أفَكانَ شاكًّا مَن أخْبَرَ بِهَذا؟
والثّانِي: أنَّ ( أوْ ) هَهُنا بِمَعْنى الواوِ، وتَقْدِيرُهُ: فَهو كالحِجارَةِ وأشَدُّ قَسْوَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: جاءَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ والثّالِثُ: أنَّ ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ، بِمَعْنى بَلْ أشَدُّ قَسْوَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ يَعْنِي بَلْ يَزِيدُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها الإباحَةُ وتَقْدِيرُهُ، فَإنْ شَبَّهْتُمُوها بِالحِجارَةِ كانَتْ مِثْلَها، وإنْ شَبَّهْتُمُوها بِما هو أشَدُّ، كانَتْ مِثْلَها.
والخامِسُ: فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً عِنْدَكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما هو أنْفَعُ مِن قُلُوبِكُمُ القاسِيَةِ، لِتَفَجُّرِ الأنْهارِ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ فاخْتَلَفُوا في ضَمِيرِ الهاءِ في (مِنها)، إلى ماذا يَرْجِعُ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إلى القُلُوبِ لا إلى الحِجارَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: وإنَّ مِنَ القُلُوبِ لَما يَخْضَعُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحِجارَةِ، لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في هَذِهِ الحِجارَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها البَرَدُ الهابِطُ مِنَ السَّحابِ، وهَذا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّها حِجارَةُ الجِبالِ الصَّلْدَةُ، لِأنَّها أشَدُّ صَلابَةً.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَكًّا، حِينَ كَلَّمَ مُوسى.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ الجِبالِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في تَأْوِيلِ هُبُوطِها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنَّ هُبُوطَ ما هَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، نَزَلَ في ذَلِكَ القُرْآنُ.
والثّانِي: ...
...
...
والثّالِثُ: أنَّ مَن عَظَّمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، يُرى كَأنَّهُ هابِطٌ خاشِعٌ، كَما قالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ أعْطى بَعْضَ الجِبالِ المَعْرِفَةَ، فَعَقَلَ طاعَةَ اللَّهِ، فَأطاعَهُ، كالَّذِي رُوِيَ عَنِ الجِذْعِ، الَّذِي كانَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَلَمّا تَحَوَّلَ عَنْهُ حَنَّ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ في الجاهِلِيَّةِ إنِّي لَأعْرِفُهُ الآنَ» ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ مِنَ الجِبالِ ما لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، لَهَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وخُضُوعًا.
<div class="verse-tafsir"