تفسير سورة المزمل الآيات ١-٩ عند الماوردي

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > سورة 73 المزمل > الآيات ١-٩

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُزَّمِّلُ ١ قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًۭا ٢ نِّصْفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا ٤ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًۭا ثَقِيلًا ٥ إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْـًۭٔا وَأَقْوَمُ قِيلًا ٦ إِنَّ لَكَ فِى ٱلنَّهَارِ سَبْحًۭا طَوِيلًۭا ٧ وَٱذْكُرِ ٱسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًۭا ٨ رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذْهُ وَكِيلًۭا ٩

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

سُورَةُ المُزَّمِّلِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَطاءٍ وجابِرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ إلّا آيَتَيْنِ مِنها: قَوْلُهُ ﴿ واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ ﴾ واَلَّتِي بَعْدَها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها المُزَّمِّلُ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: أصْلُهُ المُتَزَمِّلُ فَأدْغَمَ التّاءَ في الزّايِ، وكَذا المُدَّثِّرُ.

وَفي أصْلِ المُزَّمِّلِ: قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُحْتَمِلُ، يُقالُ زَمَلَ الشَّيْءَ إذا حَمَلَهُ، ومِنهُ الزّامِلَةُ الَّتِي تَحْمِلُ القُماشَ.

الثّانِي: المُزَّمِّلُ هو المُتَلَفِّفُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: كَأنَّ ثَبِيرًا في عَراثِينِ وبْلِهِ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يا أيُّها المُزَّمِّلُ بِالنُّبُوَّةِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: بِالقُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: بِثِيابِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

قالَ إبْراهِيمُ: نَزَلَتْ عَلَيْهِ وهو في قَطِيفَةٍ.

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ يَعْنِي صَلِّ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إلّا قَلِيلًا مِن أعْدادِ اللَّيالِي لا تَقُمْها.

الثّانِي: إلّا قَلِيلًا مِن زَمانِ كُلِّ لَيْلَةٍ لا تَقُمْهُ وقَدْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ.

وَفي فَرْضِهِ عَلى مَن سِواهُ مِن أُمَّتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: فَرْضٌ عَلَيْهِ دُونَهم لِتُوَجِّهِ الخِطابِ إلَيْهِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ قَوْلَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ فَرْضٌ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ فَقامُوا حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعائِشَةُ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا يَقُومُونَ نَحْوَ قِيامِهِ في شَهْرِ رَمَضانَ ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ قِيامِهِ عَلى الأُمَّةِ، واخْتُلِفَ بِماذا نُسِخَ عَنْهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ وهو قَوْلُ عائِشَةَ.

الثّانِي: بِآخِرِ السُّورَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفُوا مِن مُدَّةِ فَرْضِهِ إلى أنْ نُسِخَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: سَنَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ بَيْنَ أوَّلِ المُزَّمِّلِ وآخِرِها سَنَةٌ.

الثّانِي: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَتْهُ عائِشَةُ، فَهَذا حُكْمُ قِيامِهِ في فَرْضِهِ ونَسْخِهِ عَلى الأُمَّةِ.

فَأمّا رَسُولُ اللَّهِ  فَقَدْ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِ، وفي نَسْخِهِ عَنْهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: المُدَّةُ المَفْرُوضَةُ عَلى أُمَّتِهِ في القَوْلَيْنِ الماضِيَيْنِ.

الثّانِي: أنَّها عَشْرُ سِنِينَ إلى أنْ خُفِّفَ عَنْها بِالنَّسْخِ زِيادَةً في التَّكْلِيفِ لِتَمَيُّزِهِ بِفَضْلِ الرِّسالَةِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

وَقَوْلُهُ ﴿ قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا ﴾ لِأنَّ قِيامَ جَمِيعِهِ عَلى الدَّوامِ غَيْرُ مُمْكِنٍ فاسْتَثْنى مِنهُ القَلِيلَ لِراحَةِ الجَسَدِ، والقَلِيلُ مِنَ الشَّيْءِ ما دُونَ النِّصْفِ.

حُكِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ قالَ: القَلِيلُ ما دُونَ المِعْشارِ والسُّدُسُ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: القَلِيلُ الثُّلُثُ.

وَحَدُّ اللَّيْلِ ما بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا ﴾ فَكانَ ذَلِكَ تَخْفِيفًا إذا لَمْ يَكُنْ زَمانُ القِيامِ مَحْدُودًا، فَقامَ النّاسُ حَتّى ورِمَتْ أقْدامُهم، فَرَوَتْ عائِشَةُ «أنَّ النَّبِيَّ  قامَ في اللَّيْلِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ اكْلُفُوا مِنَ الأعْمالِ ما تُطِيقُونَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَمَلُّ مِنَ الثَّوابِ حَتّى تَمَلُّوا مِنَ العَمَلِ، وخَيْرُ الأعْمالِ ما دِيمَ عَلَيْهِ» .

ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ﴾ .

﴿ أوْ زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بَيِّنِ القُرْآنَ تِبْيانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: فَسِّرْهُ تَفْسِيرًا، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّالِثُ: أنْ تَقْرَأهُ عَلى نَظْمِهِ وتَوالِيهِ، لا تُغَيِّرْ لَفْظًا ولا تُقَدِّمْ مُؤَخِّرًا مَأْخُوذٌ مِن تَرْتِيلِ الأسْنانِ إذا اسْتَوى نَبْتُها وحَسُنَ انْتِظامُها، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

﴿ إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴾ وهو القُرْآنُ، وفي كَوْنِهِ ثَقِيلًا أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ كانَ ثَقِيلًا عَلَيْهِ لا يَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ حَتّى يَنْجَلِيَ عَنْهُ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

الثّانِي: العَمَلُ بِهِ ثَقِيلٌ في فُرُوضِهِ وأحْكامِهِ وحَلالِهِ وحَرامِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ في المِيزانِ يَوْمَ القِيامَةِ ثَقِيلٌ، قالَهُ ابْنُ زُبَيْرٍ.

الرّابِعُ: ثَقِيلٌ بِمَعْنى كَرِيمٍ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ ثَقِيلٌ عَلَيَّ أيْ كَرِيمٌ عَلَيَّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا خامِسًا: أنْ يَكُونَ ثَقِيلٌ بِمَعْنى ثابِتٍ، لِثُبُوتِ الثَّقِيلِ في مَحَلِّهِ، ويَكُونُ مَعْناهُ أنَّهُ ثابِتُ الإعْجازِ لا يَزُولُ إعْجازُهُ أبَدًا.

﴿ إنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا ﴾ فِيها سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ قِيامُ اللَّيْلِ، بِالحَبَشِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

الثّانِي: أنَّهُ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

الثّالِثُ: ما بَعْدُ العِشاءِ الآخِرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: أنَّها ساعاتُ اللَّيْلِ لِأنَّها تَنْشَأُ ساعَةً بَعْدَ ساعَةٍ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

الخامِسُ: أنَّهُ بَدْءُ اللَّيْلِ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ.

السّادِسُ: أنَّ اللَّيْلَ كُلُّ ناشِئَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأنَّهُ يَنْشَأُ بَعْدَ النَّهارِ.

وَفي ﴿ أشَدُّ وطْئًا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُواطَأةُ قَلْبِكَ وسَمْعِكَ وبَصَرِكَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: مُواطَأةُ قَوْلِكَ لِعَمَلِكَ، وهو مَأْثُورٌ.

الثّالِثُ: مُواطَأةُ عَمَلِكَ لِفَراغِكَ، وهو مُحْتَمَلٌ.

الرّابِعُ: أشَدُّ نَشاطًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ، لِأنَّهُ زَمانُ راحَتِكَ.

الخامِسُ: قالَهُ عِبادَةُ: أشُدُّ وأثْبَتُ وأحْفَظُ لِلْقِراءَةِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأقْوَمُ قِيلا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أبْلَغُ في الخَيْرِ وأمْعَنُ في العَدْلِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: أصْوَبُ لِلْقِراءَةِ وأثْبَتُ لِلْقَوْلِ لِأنَّهُ زَمانُ التَّفَهُّمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ (وَأهْيَأُ قِيلًا) وقالَ أهْيَأُ وأقْوَمُ سَواءٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أعْجَلُ إجابَةً لِلدُّعاءِ، حَكاهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

﴿ إنَّ لَكَ في النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي فَراغًا طَوْيًا لِنَوْمِكَ وراحَتِكَ، فاجْعَلْ ناشِئَةَ اللَّيْلِ لِعِبادَتِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ.

الثّانِي: دُعاءً كَثِيرًا، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والسَّبْحُ بِكَلامِهِمْ هو الذَّهابُ، ومِنهُ سَبَحَ السّابِحُ في الماءِ.

﴿ واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: اقْصُدْ بِعَمَلِكَ وجْهَ رَبِّكَ.

الثّانِي: أنَّهُ إذا أرَدْتَ القِراءَةَ فابْدَأْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِتَتَوَفَّرَ عَلى طاعَتِهِ وتَعْدِلَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أخْلِصْ إلَيْهِ إخْلاصًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: تَعَبَّدْ لَهُ تَعَبُّدًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّالِثُ: انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطاعًا، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، ومِنهُ مَرْيَمُ البَتُولُ لِانْقِطاعِها إلى اللَّهِ تَعالى، وجاءَ في الحَدِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّبَتُّلِ الَّذِي هو الِانْقِطاعُ عَنِ النّاسِ والجَماعاتِ.

الرّابِعُ: وتَضَرَّعْ إلَيْهِ تَضَرُّعًا.

﴿ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: رَبُّ العالَمِ بِما فِيهِ لِأنَّهم بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: يَعْنِي مَشْرِقَ الشَّمْسِ ومَغْرِبَها.

وَفي المُرادِ بِالمَشْرِقِ والمَغْرِبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ اسْتِواءُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

الثّانِي: أنَّهُ دُجْنَةُ اللَّيْلِ ووَجْهُ النَّهارِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ، لِأنَّ نِصْفَ النَّهارِ أوَّلُهُ فَأُضِيفَ إلى المَشْرِقِ، ونِصْفَهُ آخِرُهُ فَأُضِيفَ إلى المَغْرِبِ.

﴿ فاتَّخِذْهُ وكِيلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُعِينًا.

الثّانِي: كَفِيلًا.

الثّالِثُ: حافِظًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله