الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة النبأ
تفسيرُ سورةِ النبأ كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 18 دقيقة قراءةسُورَةُ النَّبَإ ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ ﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا ﴾ ﴿ والجِبالَ أوْتادًا ﴾ ﴿ وَخَلَقْناكم أزْواجًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ ﴿ وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا ﴾ ﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ ﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ ﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ عَمَّ يَتَساءَلُونَ ﴾ ﴿ عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ ﴾ يَعْنِي عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُ المُشْرِكُونَ؟
لِأنَّ قُرَيْشًا حَيْثُ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ جَعَلَتْ تُجادِلُ وتَخْتَصِمُ في الَّذِي دَعا إلَيْهِ.
وَفي " النَّبَأ العَظِيم " أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: القُرْآنُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يَوْمُ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: عَنْ أمْرِ النَّبِيِّ .
﴿ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴾ هو البَعْثُ، فَأمّا المَوْتُ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتَلَفَ فِيهِ المُشْرِكُونَ مِن بَيْنِ مُصَدِّقٍ مِنهم ومُكَذِّبٍ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: اخْتَلَفَ فِيهِ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، فَصَدَّقَ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذَّبَ بِهِ المُشْرِكُونَ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
﴿ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ وعِيدٌ بَعْدَ وعِيدٍ لِلْكُفّارِ، قالَهُ الحَسَنُ، فالأوَّلُ: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ، والثّانِي: كَلّا سَيَعْلَمُونَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في جَهَنَّمَ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأوَّلَ لِلْكُفّارِ فِيما يَنالُهم مِنَ العَذابِ في النّارِ، والثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ فِيما يَنالُهم مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
﴿ وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نُعاسًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: سَكَنًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: راحَةً ودَعَةً، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ السَّبْتَ سَبْتًا لِأنَّهُ يَوْمُ راحَةٍ ودَعَةٍ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ: يُقالُ سَبَتَ الرَّجُلُ إذا اسْتَراحَ.
الرّابِعُ: سُباتًا أيْ قِطَعًا لِأعْمالِهِمْ، لِأنَّ أصْلَ السُّباتِ القَطْعُ ومِنهُ قَوْلُهم سَبَتَ الرَّجُلُ شَعْرَهُ إذا قَطَعَهُ، قالَ الأنْبارِيُّ: وسُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطاعِ الأعْمالِ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: أنَّ السُّباتَ ما قَرَّتْ فِيهِ الحَواسُّ حَتّى لَمَّ تُدْرِكْ بِها الحِسَّ.
﴿ وَجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَكَنًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ.
الثّانِي: غِطاءً، لِأنَّهُ يُغَطِّي سَوادَهُ كَما يُغَطِّي الثَّوْبُ لابِسَهُ، قالَهُ أبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ.
﴿ وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا ﴾ يَعْنِي وقْتَ اكْتِسابٍ، وهو مَعاشٌ لِأنَّهُ يُعاشُ فِيهِ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنَّهُ زَمانُ العَيْشِ واللَّذَّةِ.
﴿ وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا ﴾ يَعْنِي بِالسِّراجِ الشَّمْسَ، وفي الوَهّاجِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: المُنِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُتَلَأْلِئُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: أنَّهُ مِن وهَجِ الحَرِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ الوَقّادُ، الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الضِّياءِ والجِمالِ.
﴿ وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ المُعْصِراتِ الرِّياحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ هي الجَنُوبُ.
الثّانِي: أنَّها السَّحابُ، قالَهُ سُفْيانُ والرَّبِيعُ.
الثّالِثُ: أنَّ المُعْصِراتِ السَّماءُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
وَفي الثَّجّاجِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الكَثِيرُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: المُنْصَبُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ فَثَجَّ أعْلاهُ ثُمَّ ارْتَجَّ أسْفَلُهُ وضاقَ ذَرْعًا بِحَمْلِ الماءِ مُنْصاحِ ﴿ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا ونَباتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الحَبَّ ما كانَ في كِمامِ الزَّرْعِ الَّذِي يُحْصَدُ، والنَّباتُ: الكَلَأُ الَّذِي يُرْعى، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الضَّحّاكِ.
الثّانِي: أنَّ الحَبَّ اللُّؤْلُؤُ، والنَّباتُ: العُشْبُ، قالَ عِكْرِمَةُ: ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ قَطْرَةً إلّا أنْبَتَتْ في الأرْضِ عُشْبَةً أوْ في البَحْرِ لُؤْلُؤَةً.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الحَبَّ ما بَذَرَهُ الآدَمِيُّونَ، والنَّباتَ ما لَمْ يَبْذُرُوهُ.
﴿ وَجَنّاتٍ ألْفافًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها الزَّرْعُ المُجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلى جَنْبِ بَعْضٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بِالثَّمَرِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أنَّها ذاتُ الألْوانِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها الَّتِي يَلُفُّ الزَّرْعُ أرْضَها والشَّجَرُ أعالِيَها، فَيَجْتَمِعُ فِيها الزَّرْعُ والشَّجَرُ مُلْتَفّاتٍ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيهِ الحَكَمُ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ والمُثابِينَ والمُعاقَبِينَ.
﴿ كانَ مِيقاتًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِيعادًا لِلِاجْتِماعِ.
والثّانِي: وقْتًا لِلثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سُيِّرَتْ أيْ أُزِيلَتْ عَنْ مَواضِعِها.
الثّانِي: نُسِفَتْ مِن أُصُولِها.
﴿ فَكانَتْ سَرابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَكانَتْ هَباءً.
الثّانِي: كالسَّرابِ لا يَحْصُلُ مِنهُ شَيْءٌ كاَلَّذِي يَرى السَّرابَ يَظُنُّهُ ماءً ولَيْسَ بِماءٍ.
﴿ إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّها راصِدَةٌ فَجازَتْهم بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ أبُو سِنانُ.
الثّانِي: أنْ عَلى النّارِ رَصَدًا، لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ حَتّى يَجْتازَ عَلَيْهِ، فَمَن جاءَ بِجَوازٍ جازَ، ومَن لَمْ يَجِئْ بِجَوازٍ لَمْ يَجُزْ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّ المِرْصادَ وعِيدٌ أوْعَدَ اللَّهُ بِهِ الكُفّارَ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ لِلطّاغِينَ مَآبًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَرْجِعًا ومُنْقَلَبًا، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: مَأْوًى ومَنزِلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
والمُرادُ بِالطّاغِينَ مَن طَغى في دِينِهِ بِالكُفْرِ أوْ في دُنْياهُ بِالظُّلْمِ.
﴿ لابِثِينَ فِيها أحْقابًا ﴾ يَعْنِي كُلَّما مَضى حِقَبٌ جاءَ حِقَبٌ وكَذَلِكَ إلى الأبَدِ واخْتَلَفُوا في مُدَّةِ الحِقَبِ عَلى سَبْعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ثَمانُونَ سَنَةً، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ.
الثّانِي: أرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّالِثُ: سَبْعُونَ سَنَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ألْفُ شَهْرٍ، رَواهُ أبُو أُمامَةَ مَرْفُوعًا.
الخامِسُ: ثَلاثُمِائَةِ سَنَةٍ، قالَهُ بَشِيرُ بْنُ كَعْبٍ.
السّادِسُ: سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ.
السّابِعُ: أنَّهُ دَهْرٌ طَوِيلٌ غَيْرُ مَحْدُودٍ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
وَفي تَعْلِيقِ لُبْثِهِمْ بِالأحْقابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى وجْهِ التَّكْثِيرِ، كُلَّما مَضَتْ أحْقابٌ جاءَتْ بَعْدَها أحْقابٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِحَدٍّ لِخُلُودِهِمْ في النّارِ.
الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ حَدٌّ لِعَذابِهِمْ بِالحَمِيمِ والغَسّاقِ، فَإذا انْقَضَتِ الأحْقابُ عُذِّبُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.
﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا ﴾ في البَرْدِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ بَرْدُ الماءِ، وبَرْدُ الهَواءِ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
الثّانِي: أنَّهُ الرّاحَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ النَّوْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ.
وَأنْشَدَ قَوْلَ الكِنْدِيِّ بَرَدَتْ مَراشِفُها عَلَيَّ فَصَدَّنِي عَنْها وعَنْ تَقْبِيلِها البَرْدُ يَعْنِي النَّوْمَ.
والشَّرابُ ها هُنا: العَذابُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالشَّرابِ الرِّيَّ، لِأنَّ الشَّرابَ يَرْوِي وهم فِيها عِطاشٌ أبَدًا.
﴿ إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا ﴾ أمّا الحَمِيمُ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الحارُّ الَّذِي يَحْرُقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: دُمُوعُ أعْيُنِهِمْ في النّارِ تَجْتَمِعُ في حِياضٍ في النّارِ فَيُسْقَوْنَهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الشَّرابِ لِأهْلِ النّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَأمّا الغَسّاقُ فَفِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها أنَّهُ القَيْحُ الغَلِيظُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.
الثّانِي: أنَّهُ الزَّمْهَرِيرُ البارِدُ الَّذِي يَحْرُقُ مِن بَرْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ المُنْتِنُ بِاللُّغَةِ الطَّحاوِيَّةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ جَزاءً وِفاقًا ﴾ وهو جَمْعُ وفْقٍ، قالَ أهْلُ التَّأْوِيلِ: وافَقَ سُوءُ الجَزاءِ سُوءَ العَمَلِ.
﴿ إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَرْجُونَ ثَوابًا ولا يَخافُونَ عِقابًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: لا يَخافُونَ وعِيدَ اللَّهِ بِحِسابِهِمْ ومُجازاتِهِمْ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
﴿ وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّابًا ﴾ يَعْنِي بِآياتِ القُرْآنِ، وفي ﴿ كِذّابًا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الكَذِبُ الكَثِيرُ.
الثّانِي: تَكْذِيبُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها ∗∗∗ والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذّابُهُ وَهِيَ لُغَةٌ يَمانِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نَجاةٌ مِن شَرِّها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: فازُوا بِأنْ نَجَوْا مِنَ النّارِ بِالجَنَّةِ، ومِنَ العَذابِ بِالرَّحْمَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وتَحْقِيقُ هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ الخَلاصُ مِنَ الهَلاكِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْفَلاةِ إذا قَلَّ ماؤُها مَفازَةٌ تَفاؤُلًا بِالخَلاصِ مِنها.
﴿ وَكَواعِبَ أتْرابًا ﴾ في الكَواعِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: النَّواهِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: العَذارى، قالَهُ الضَّحّاكُ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ وكَمْ مِن حَصانٍ قَدْ حَوَيْنا كَرِيمَةٍ ومِن كاعِبٍ لَمْ تَدْرِ ما البُؤْسُ مُعْصِرُ وَفِي الأتْرابِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الأقْرانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الأمْثالُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: المُتَصافِياتُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: المَتَآخِياتُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ وَكَأْسًا دِهاقًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَمْلُوءَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانًا عامِرٌ يَبْغِي قِرانًا ∗∗∗ فَأتْرَعْنا لَهُ كَأْسًا دِهاقًا الثّانِي: مُتَتابِعَةٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: صافِيَةٌ، رَواهُ عُمَرُ بْنُ عَطاءٍ، قالَ الشّاعِرُ لَأنْتِ آلى الفُؤادِ أحَبُّ قُرْبًا ∗∗∗ مِنَ الصّادِي إلى كَأْسٍ دِهاقِ.
﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا كِذّابًا ﴾ في اللَّغْوِ ها هُنا أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها الباطِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: الحَلِفُ عِنْدَ شُرْبِها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: الشَّتْمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: المَعْصِيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
وَفي ﴿ كِذّابًا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الخُصُومَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ المَأْثَمُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ لا يَسْمَعُونَ فِيها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الجَنَّةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: في شُرْبِ الخَمْرِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
﴿ جَزاءً مِن رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: كافِيًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: كَثِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: حِسابًا لِما عَمِلُوا، فالحِسابُ بِمَعْنى العَدِّ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا ﴾ في الرُّوحِ ها هُنا ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الرُّوحُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ كَهَيْئَةِ النّاسِ ولَيْسُوا أُناسًا، وهم جُنْدٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّانِي: أنَّهُمُ أشْرَفُ المَلائِكَةِ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ.
الثّالِثُ: أنَّهم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ.
الثّالِثُ: أنَّهم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ مَلَكٌ مِن أعْظَمِ المَلائِكَةِ خَلْقًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الخامِسُ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
السّادِسُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
السّابِعُ: أنَّهم بَنُو آدَمَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّامِنُ: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
﴿ لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَشْفَعُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في الشَّفاعَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: لا يَتَكَلَّمُونَ في شَيْءٍ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي حَقًّا، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.
الثّالِثُ: أنَّ الرُّوحَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: لا تَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا بِالرَّحْمَةِ، ولا النّارَ إلّا بِالعَمَلِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ وَقالَ صَوابًا ﴾ قالَهُ الحَسَنُ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّهُ سُؤالُ الطّالِبِ وجَوابُ المَطْلُوبِ، لِأنَّ كَلامَ الخَلْقِ في القِيامَةِ مَقْصُورٌ عَلى السُّؤالِ والجَوابِ.
﴿ ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، وفي تَسْمِيَتِهِ الحَقَّ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ مَجِيئَهُ حَقٌّ وقَدْ كانُوا عَلى شَكٍّ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَحْكُمُ فِيهِ بِالحَقِّ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
﴿ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: سَبِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مَرْجِعًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: اتَّخَذَ ثَوابًا لِاسْتِحْقاقِهِ بِالعَمَلِ لِأنَّ المَرْجِعَ يَسْتَحِقُّ عَلى المُؤْمِنِ والكافِرِ.
﴿ إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عُقُوبَةُ الدُّنْيا، لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَهُ مُقاتِلٌ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ.
الثّانِي: عَذابُ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.
﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ يَعْنِي يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ، قالَ الحَسَنُ: قَدَّمَ فَقَدِمَ عَلى ما قَدَّمَ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا في نَظَرِ المُؤْمِنِ إلى ما قَدَّمَ مِن خَيْرٍ، ونَظَرِ الكافِرِ إلى ما قَدَّمَ مِن شَرٍّ.
﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ قالَ مُجاهِدٌ يُبْعَثُ الحَيَوانُ فَيُقادُ لِلْمَنقُورَةِ مِنَ النّاقِرَةِ، ولِلْمَرْكُوضَةِ مِنَ الرّاكِضَةِ، ولِلْمَنطُوحَةِ مِنَ النّاطِحَةِ، ثُمَّ يَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: كُونُوا تُرابًا بِلا جَنَّةٍ ولا نارٍ، فَيَقُولُ الكافِرُ حِينَئِذٍ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا وفي قَوْلِهِ ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: يا لَيْتَنِي صِرْتُ اليَوْمَ مِثْلَها تُرابًا بِلا جَنَّةٍ ولا نارٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مِثْلَ هَذا الحَيَوانِ في الدُّنْيا وأكُونُ اليَوْمَ تُرابًا، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ: وهَذِهِ مِنَ الأمانِي الكاذِبَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ ألا يا لَيْتَنِي والمَرْءُ مَيْتُ وما يُغْنِي مِنَ الحَدَثانِ لَيْتَ.
قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ﴾ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ المَخْزُومِيِّ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا ﴾ في أخِيهِ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.