تفسير الماوردي سورة الأنفال

الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة الأنفال

تفسيرُ سورةِ الأنفال كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 84 دقيقة قراءة

تفسير سورة الأنفال كاملةً (أبو الحسن الماوردي)

يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ ۖ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُوا۟ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ۖ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ١

سُورَةُ الأنْفالِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وجابِرٍ وعَطاءٍ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إلّا سَبْعَ آياتٍ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلى آخِرِ سَبْعِ آياتٍ.

﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ ﴾ وهَذا الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ  حِينَ سَألَهُ أصْحابُهُ يَوْمَ بَدْرٍ عَنِ الأنْفالِ.

وَفي هَذِهِ الأنْفالِ الَّتِي سَألُوهُ عَنْها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها الغَنائِمُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ.

الثّانِي: أنَّها السَّرايا الَّتِي تَتَقَدَّمُ الجَيْشَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

الثّالِثُ: الأنْفالُ ما نَدَّ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ بِغَيْرِ قِتالٍ مِن دابَّةٍ أوْ عَبْدٍ، وهَذا أحَدُ قَوْلَيِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: أنَّ الأنْفالَ الخُمُسُ مِنَ الفَيْءِ والغَنائِمِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تَعالى لِأهْلِ الخُمُسِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

الخامِسُ: أنَّها زِياداتٌ يَزِيدُها الإمامُ بَعْضَ الجَيْشِ لِما قَدْ يَراهُ مِنَ الصَّلاحِ.

والأنْفالُ جَمْعُ نَفَلٍ، وفي النَّفَلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ العَطِيَّةُ، ومِنهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ الكَثِيرِ العَطاءِ: نَوْفَلٌ، قالَ الشّاعِرُ: يَأْتِي الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ فالنَّوْفَلُ: الكَثِيرُ العَطاءِ.

والزُّفَرُ: الحَمّالُ لِلْأنْفالِ، ومِنهُ سُمِّيَ الرَّجُلُ زُفَرَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ النَّفَلَ الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ ومِنهُ صَلاةُ النّافِلَةِ.

قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيُرُ نَفَلٍ ∗∗∗ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلُ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما رَواهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : مَن كَذا وكَذا فَلَهُ كَذا وكَذا فَسارَعَ إلَيْهِ الشُّبّانُ وبَقِيَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرّاياتِ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جاءُوا يَطْلُبُونَ ما جَعَلَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ  فَقالَ الشُّيُوخُ: لا تَسْتَأْثِرُوا عَلَيْنا فَإنّا كُنّا رِدْءًا لَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ.

» الثّانِي: «ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمَ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ بْنِ أُمَيَّةَ وأخَذْتُ سَيْفَهُ وكانَ يُسَمّى ذا الكَتِيفَةِ فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ  فَقُلْتُ: هَبْهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (اطْرَحْهُ في القَبْضِ فَطَرَحْتُهُ ورَجَعْتُ وبِي مِنَ الغَمِّ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما تَجاوَزْتُ إلّا قَرِيبًا حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الأنْفالِ فَقالَ: (اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ) .» الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ والأنْصارِ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا فاخْتَلَفُوا وكانُوا أثْلاثًا فَنَزَلَتْ ﴿ يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ ﴾ الآيَةَ.

فَمَلَّكَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقَسَّمَهُ كَما أراهُ اللَّهُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا حُكْمَها وشَكُّوا في إحْلالِها لَهم مَعَ تَحْرِيمِها عَلى مَن كانَ قَبْلَهم فَسَألُوا عَنْها لِيَعْلَمُوا حُكْمَها مِن تَحْلِيلٍ أوْ تَحْرِيمٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ  ﴾ .

الآيَةَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ ومَعْنى ذَلِكَ; قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ، وهي لا شَكَّ لِلَّهِ مَعَ الدُّنْيا بِما فِيها والآخِرَةِ، والرَّسُولُ يَضَعُها في مَواضِعِها الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِوَضْعِها فِيها، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَرُدَّ أهْلَ القُوَّةِ عَلى أهْلِ الضَّعْفِ.

الثّانِي: أنْ يُسَلِّمُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ لِيَحْكُما في الغَنِيمَةِ بِما شاءَ اللَّهُ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ٢ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٤

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: خافَتْ.

الثّانِي: رَقَّتْ.

﴿ وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ ﴾ يَعْنِي آياتِ القُرْآنِ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.

﴿ زادَتْهم إيمانًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَصْدِيقًا.

الثّانِي: خَشْيَةً.

﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِيما يَخافُونَهُ مِنَ الشِّدَّةِ في الدُّنْيا.

الثّانِي: فِيما يَرْجُونَهُ مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًۭا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ ٥ يُجَـٰدِلُونَكَ فِى ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ ٦ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧ لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ ٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِالحَقِّ مَعَ كَراهَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ يُنْجِزُ وعْدَكَ في نَصْرِكَ عَلى أعْدائِكَ بِالحَقِّ.

والثّانِي: كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ مِنَ المَدِينَةِ إلى بَدْرٍ بِالحَقِّ كَذَلِكَ جَعَلَ لَكَ غَنِيمَةَ بَدْرٍ بِالحَقِّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ بِالحَقِّ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّكَ خَرَجْتَ ومَعَكَ الحَقُّ.

الثّانِي: أنَّهُ أخْرَجَكَ بِالحَقِّ الَّذِي وجَبَ عَلَيْكَ.

﴿ وَإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: كارِهُونَ خُرُوجَكَ.

الثّانِي: كارِهُونَ صَرْفَ الغَنِيمَةِ عَنْهم لِأنَّهم لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَعَلَها لِرَسُولِهِ دُونَهم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَعْنِي في القِتالِ يَوْمَ بَدْرٍ.

وَ ﴿ بَعْدَما تَبَيَّنَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم صَوابُهُ.

الثّانِي: بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لَهم فَرْضُهُ.

وَفي المُجادِلِ لَهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ إسْحاقَ، لِأنَّهم خَرَجُوا لِأخْذِ العِيرِ المُقْبِلَةِ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ فَلَمّا فاتَهم ذَلِكَ أُمِرُوا بِالقِتالِ فَجادَلُوا طَلَبًا لِلرُّخْصَةِ وقالُوا ما تَأهَّبْنا في الخُرُوجِ لِقِتالِ العَدُوِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ ﴾ يَعْنِي كَأنَّهم في قِتالِ عَدُوِّهِمْ يُساقُونَ إلى المَوْتِ، رُعْبًا وأسَفًا لِأنَّهُ أشَدُّ لِحالِ مَن سِيقَ إلى المَوْتِ أنْ يَكُونَ ناظِرًا لَهُ وعالِمًا بِهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وَسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ عِيرَ قُرَيْشٍ لَمّا أقْبَلَتْ مِنَ الشّامِ مَعَ أبِي سُفْيانَ هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِالخُرُوجِ لِأخْذِها، وسارَ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا فَخَرَجَتْ لِلْمَنعِ عَنْها، فَلَمّا عَلِمَ النَّبِيُّ  بِخُرُوجِها شاوَرَ أصْحابَهُ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَوالَّذِي بَعَثَكَ إنِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَنَخُوضَنَّهُ مَعَكَ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْلِ سَعْدٍ وقالَ: (سِيرُوا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ وأبْشِرُوا فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَنِي إحْدى الطّائِفَتَيْنِ واللَّهِ لَكَأنِّي أنْظُرُ الآنَ إلى مَصارِعِ القَوْمِ» فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ ﴾ يَعْنِي العِيرَ الَّتِي مَعَ أبِي سُفْيانَ أوِ الظَّفْرَ بِقُرَيْشٍ الخارِجِينَ لِلْمَنعِ مِنها.

﴿ وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ أيْ غَيْرَ ذاتِ الحَرْبِ وهي العِيرُ لِأنَّ نُفُوسَهم في لِقائِها أسْكَنُ، وهم إلى ما فِيها مِنَ الأمْوالِ أحْوَجُ.

وَفي الشَّوْكَةِ الَّتِي كُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّدَّةُ فَكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ الشِّدَّةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّانِي: أنَّها السِّلاحُ، وكُنِّيَ بِها عَنِ الحَرْبِ لِما فِيها مِنَ السِّلاحِ، مِن قَوْلِهِمْ رَجُلٌ شاكٍ في السِّلاحِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إظْهارُ الحَقِّ بِإعْزازِ الدِّينِ في وقْتِهِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِهِ.

والثّانِي: أنَّ الحَقَّ في أمْرِهِ لَكم أنْ تُجاهِدُوا عَدُوَّكم.

وَفي صِفَةِ ذَلِكَ وجْهانِ لِأصْحابِ الخَواطِرِ.

أحَدُهُما: يُحِقُّ الحَقَّ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالإعْراضِ عَنْهُ.

الثّانِي: يُحِقُّ الحَقَّ بِالقَبُولِ ويُبْطِلُ الباطِلَ بِالرَّدِّ.

﴿ لِيُحِقَّ الحَقَّ ﴾ مَعْناهُ لِيُظْهِرَ الحَقَّ يَعْنِي الإسْلامَ.

﴿ وَيُبْطِلَ الباطِلَ ﴾ أيْ يَذْهَبُ بِالباطِلِ يَعْنِي الشِّرْكَ.

قالَ الحَسَنُ.

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿ كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ ﴾ وهي في القِراءَةِ بَعْدَها.

رَوى سِماكٌ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ بَدْرٍ عَلَيْكَ بِالعِيرِ لَيْسَ دُونَها شَيْءٌ فَقالَ لَهُ العَبّاسُ وهو أسِيرٌ في أيْدِيهِمْ: لَيْسَ لَكَ ذَلِكَ، فَقالَ: لِمَ؟

فَقالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكَ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ وقَدْ أعْطاكَ ما وعَدَكَ.

» <div class="verse-tafsir"

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍۢ مِّنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ ٩ وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَسْتَنْصِرُونَ.

الثّانِي: تَسْتَجِيرُونَ.

والفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَنْصِرِ والمُسْتَجِيرِ أنَّ المُسْتَنْصِرَ: طالِبٌ الظَّفْرَ، والمُسْتَجِيرَ: طالِبٌ الخَلاصَ.

والفَرْقُ بَيْنَ المُسْتَغِيثِ والمُسْتَعِينِ أنَّ المُسْتَغِيثَ: المَسْلُوبُ القُدْرَةِ، والمُسْتَعِينُ الضَّعِيفُ القُدْرَةِ.

﴿ فاسْتَجابَ لَكُمْ ﴾ أيْ فَأعانَكم.

والفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِجابَةِ والإجابَةِ أنَّ الإجابَةَ ما لَمْ يَتَقَدَّمْها امْتِناعٌ.

﴿ أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعَ كُلِّ مَلَكٍ مَلَكٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ فَتَكُونُ الألْفُ ألْفَيْنِ.

قالَ الشّاعِرُ: إذا الجَوْزاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيّا ظَنَنْتُ بِآلِ فاطِمَةَ الظَّنُونا الثّانِي: مَعْناهُ مُتَتابِعِينَ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: مَعْنى مُرْدِفِينَ أيْ مُمِدِّينَ، والإرْدافُ إمْدادُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى هي في مَدَدِهِمْ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ بَشَّرُوهم بِالنَّصْرِ فَكانَتْ هي البُشْرى الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى.

والثّانِي: البُشْرى النُّصْرَةُ الَّتِي عَمِلَها اللَّهُ لَهم.

﴿ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالبُشْرى.

والثّانِي: بِالمَلائِكَةِ.

واخْتَلَفُوا في قِتالِ المَلائِكَةِ مَعَهم عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لَمْ يُقاتِلُوا وإنَّما نَزَلُوا بِالبُشْرى لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهم، وإلّا فَمَلَكٌ واحِدٌ يُهْلِكُ جَمِيعَ المُشْرِكِينَ كَما أهْلَكَ جِبْرِيلُ قَوْمَ لُوطٍ.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ قاتَلَتْ مَعَ النَّبِيِّ  كَما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَهُ أبُو جَهْلٍ: مِن أيْنَ كانَ يَأْتِينا الضَّرْبُ ولا نَرى الشَّخْصَ؟

قالَ: (مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ فَقالَ: هم غَلَبُونا لا أنْتُمْ).

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أنَّ النَّصْرَ مِن قِبَلِ المَلائِكَةِ لا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةًۭ مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلْأَقْدَامَ ١١ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا۟ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۚ سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُوا۟ فَوْقَ ٱلْأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُوا۟ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍۢ ١٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ١٣ ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ ﴾ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ  وكَثِيرًا مِن أصْحابِهِ غَشِيَهُمُ النُّعاسُ بِبَدْرٍ.

قالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: النُّعاسُ يَحِلُّ في الرَّأْسِ مَعَ حَياةِ القَلْبِ، والنَّوْمُ يَحِلُّ في القَلْبِ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ الرَّأْسِ، فَهَوَّمَ رَسُولُ اللَّهِ  حَتّى نامُوا فَبَشَّرَ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ  بِالنَّصْرِ فَأخْبَرَ بِهِ أبا بَكْرٍ.

وَفي امْتِنانِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالنَّوْمِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قَوّاهم بِالِاسْتِراحَةِ عَلى القِتالِ مِنَ الغَدِ.

الثّانِي: أنْ أمَّنَهم بِزَوالِ الرُّعْبِ مِن قُلُوبِهِمْ، كَما قالَ: الأمْنُ مُنِيمٌ، والخَوْفُ مُسْهِرٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمَنَةً مِنهُ ﴾ يَعْنِي بِهِ الدَّعَةَ وسُكُونَ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أمَنَةٌ مِنَ العَدُوِّ.

الثّانِي: أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ ﴾ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءَ السَّماءِ مَعُونَةً لَهم بِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أحَدُها: الشُّرْبُ وإنْ كانُوا عَلى ماءٍ.

الثّانِي: وهو أخَصُّ أحْوالِهِ بِهِمْ في ذَلِكَ المَكانِ وهو أنَّ الرَّمْلَ تَلَبَّدَ بِالماءِ حَتّى أمْكَنَ المُسْلِمِينَ القِتالُ عَلَيْهِ.

والثّالِثُ: ما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ مِن حالِ التَّطْهِيرِ.

وَفي تَطْهِيرِهِمْ بِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي ألْقى بِها في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والثّانِي: مِنَ الأحْداثِ والأنْجاسِ الَّتِي نالَتْهم، قالَهُ الجُمْهُورُ.

قالَ ابْنُ عَطاءٍ: أنْزَلَ عَلَيْهِمْ ماءً طَهَّرَ بِهِ ظَواهِرَ أبْدانِهِمْ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً نَقّى بِها سَرائِرَ قُلُوبِهِمْ.

وَإنَّما خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِأمْرَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها أخَصُّ صِفاتِهِ.

والثّانِي: أنَّها ألْزَمُ صِفاتِهِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وسْوَسَتُهُ أنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ غَلَبُوهم عَلى الماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كَيْدُهُ وهو قَوْلُهُ: لَيْسَ لَكم بِهَؤُلاءِ القَوْمِ طاقَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ثِقَةٌ بِالنَّصْرِ.

والثّانِي: بِاسْتِيلائِهِمْ عَلى الماءِ.

﴿ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: بِالصَّبْرِ الَّذِي أفْرَغَهُ اللَّهُ تَعالى حَتّى يَثْبُتُوا لِعَدُوِّهِمْ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّانِي: تَلْبِيدُ الرَّمْلِ بِالمَطَرِ الَّذِي لا يَثْبُتُ عَلَيْهِ قَدَمٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ ﴾ مَعْناهُ مُعِينُكم ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ إنِّي مَعَكم في نُصْرَةِ الرَّسُولِ، فَتَكُونُ المَلائِكَةُ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ، واللَّهُ تَعالى مُتَوَلِّي النَّصْرِ بِما ألْقاهُ مِنَ الرُّعْبِ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ.

﴿ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَثَبِّتُوهم بِحُضُورِكم مَعَهم في الحَرْبِ.

والثّانِي: بِقِتالِكم مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِإخْبارِهِمْ أنَّهُ لا بَأْسَ عَلَيْهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ.

﴿ سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ﴾ يَعْنِي الخَوْفَ، ويَحْتَمِلُ أحَدَ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرُّعْبِ بِتَخاذُلِهِمْ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِتَكْثِيرِ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِهِمْ.

وَفي ذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ مَعُونَةً لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ لَهُ لِيُثَبِّتُوا بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا.

﴿ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فاضْرِبُوا الأعْناقَ، وفَوْقَ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ، قالَهُ عَطِيَّةُ والضَّحّاكُ.

وَقَدْ رَوى المَسْعُودِيُّ عَنِ القاسِمِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لِأُعَذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ وإنَّما بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأعْناقِ وشَدِّ الوَثاقِ» .

والثّانِي: مَعْناهُ واضْرِبُوا الرُّؤُوسَ فَوْقَ الأعْناقِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.

والرّابِعُ: فاضْرِبُوا عَلى الأعْناقِ.

والخامِسُ: فاضْرِبُوا فَوْقَ جِلْدَةِ الأعْناقِ.

﴿ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ ﴾ يَعْنِي المَفاصِلَ مِن أطْرافِ الأيْدِي والأرْجُلِ والبَنانِ: أطْرافُ الأصابِعِ مِنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ زَحْفًۭا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلْأَدْبَارَ ١٥ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍۢ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفًۭا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍۢ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَىٰهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا ﴾ والزَّحْفُ: الدُّنُوُّ قَلِيلًا قَلِيلًا.

﴿ فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ ﴾ يَعْنِي بِالهَزِيمَةِ مِنهم والِانْصِرافِ عَنْهم.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا عَلى العُمُومِ في تَحْرِيمِ الهَزِيمَةِ بَعْدَ لِقاءِ العَدُوِّ.

والثّانِي: مَخْصُوصٌ وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ في أوَّلِ الإسْلامِ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَقِفَ بِإزاءِ عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ لا يَحِلُّ لَهُ بَعْدَ اللِّقاءِ أنْ يَنْهَزِمَ عَنْهم وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ  ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَعْلَمُونَ ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ.

الثّانِي: لا يَعْلَمُونَ ما فَرَضَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ القِتالِ.

ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ عَنْهم بَعْدَ كَثْرَتِهِمْ واشْتِدادِ شَوْكَتِهِمْ فَأوْجَبَ اللَّهُ تَعالى عَلى كُلِّ رَجُلٍ لاقى المُشْرِكِينَ مُحارِبًا أنْ يَقِفَ بِإزاءِ رَجُلَيْنِ بَعْدَ أنْ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَقِفَ بِإزاءِ عَشَرَةٍ تَخْفِيفًا ورُخْصَةً وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ الضّادِ وفَتْحِها، وفي اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ ومَعْناهُما واحِدٌ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ.

وَفي اخْتِلافِهِما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِالفَتْحِ: الضَّعْفُ في الأمْوالِ، وبِالضَّمِّ: الضَّعْفُ في الأحْوالِ.

الثّانِي: أنَّها بِالفَتْحِ: الضَّعْفُ في النِّيّاتِ، وبِالضَّمِّ: الضَّعْفُ في الأبْدانِ.

وَقِيلَ بِعَكْسِ الوَجْهَيْنِ في الوَجْهَيْنِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعَ الصّابِرِينَ عَلى القِتالِ في مَعُونَتِهِمْ عَلى أعْدائِهِمْ.

الثّانِي: مَعَ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ في قَبُولِ عَمَلِهِمْ وإجْزالِ ثَوابِهِمْ، فَصارَ حَتْمًا عَلى مَن لاقى عَدُوَّهُ مِنَ المُشْرِكِينَ زَحْفًا أنْ لا يَنْهَزِمَ مَعَ القُوَّةِ عَلى المُصابَرَةِ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ مِن أمْرِهِ ما شاءَ فَأمّا الهَزِيمَةُ مَعَ العَجْزِ عَنِ المُصابَرَةِ فَإنْ قاتَلَهُ أكْثَرَ مِن مِثْلَيْهِ جازَ أنْ يُوَلِّيَ عَنْهم مُنْهَزِمًا، وإنْ قاتَلَهُ مِثْلاهُ فَمِن دُونِ حُرُمٍ عَلَيْهِ أنْ يُوَلِّيَ عَنْهم مُنْهَزِمًا عَلى صِفَتَيْنِ: إمّا أنْ يَتَحَرَّفَ لِقِتالٍ وهو أنْ يَهْرُبَ لِيَطْلُبَ، ويَفِرَّ لِيَكِرَّ فَإنَّ الحَرْبَ كَرٌّ وفَرٌّ، وهَرَبٌ وطَلَبٌ، وإمّا أنْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرى لِيُقاتِلَ مَعَها، قَرُبَتِ الفِئَةَ أوْ بَعُدَتْ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ أيْ صارَ بِالمَكانِ الَّذِي يَحِقُّ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ المُبَوَّأِ وهو المَكانُ.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ ومُوافِقِيهِ أنَّ هَذا عَلى العُمُومِ، مَحْكُومٌ بِهِ في كُلِّ مُسْلِمٍ لاقى عَدُوًّا، وبِهِ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ.

وَحُكِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ: أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ في أهْلِ بَدْرٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

<div class="verse-tafsir"

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ ۚ وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَنًا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ١٧ ذَٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ١٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِسَوْقِهِمْ إلَيْكم حَتّى أمْكَنَكم مِنهم.

والثّانِي: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِمَعُونَتِهِ لَكم حِينَ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وفي قُلُوبِكُمُ النَّصْرَ.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ: ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّكم بِهِمْ.

وَقِيلَ لَمْ تَقْتُلُوهم بِقُوَّتِكم وسِلاحِكم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم بِخِذْلانِهِمْ وقَبْضِ أرْماحِهِمْ.

﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ، والسُّدِّيُّ: «أنَّ النَّبِيَّ  قَبَضَ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ رَماهم بِها وقالَ: (شاهَتِ الوُجُوهُ)» أيْ قَبُحَتْ ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: أرى لِي وجْهًا شَوَّهَ اللَّهُ خَلْقَهُ فَقُبِّحَ مِن وجْهٍ وقُبِّحَ حامِلُهُ فَألْقى اللَّهُ تَعالى القَبْضَةَ في أبْصارِهِمْ حَتّى شَغَلَتْهم بِأنْفُسِهِمْ وأظْفَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِهِمْ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ الثّانِي: مَعْناهُ وما ظَفِرْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ أظْفَرَكَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

الثّالِثُ: وما رَمَيْتَ قُلُوبَهم بِالرُّعْبِ إذْ رَمَيْتَ وُجُوهَهم بِالتُّرابِ ولَكِنَّ اللَّهَ مَلَأ قُلُوبَهم رُعْبًا.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ رَمى أصْحابُهُ بِالسَّهْمِ فَأصابَ رَمْيُهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمى ﴾ يَعْنِي بِما أرْسَلَهُ مِنَ الرِّيحِ المُعَيَّنَةِ لِسِهامِهِمْ حَتّى سُدِّدَتْ وأصابَتْ.

والمُرادُ بِالرَّمْيِ الإصابَةُ لِأنَّ مَعْنى الرَّمْيِ مَحْمُولٌ عَلى الإصابَةِ، فَإنْ لَمْ يُصِبْ قِيلَ رَمى فَأخْطَأ.

وَإذا قِيلَ مُطْلَقًا: قَدْ رَمى، لَمْ يُعْقَلْ مِنهُ إلّا الإصابَةُ.

ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فَرَماها في فَرائِصِها فاسْتَغْنى بِذِكْرِ الرَّمْيِ عَنْ وصْفِهِ بِالإصابَةِ.

وَقالَ ذُو الرُّمَّةِ في الرَّأْيِ: رَمى فَأخْطَأ والأقْدارُ غالِبَةٌ ∗∗∗ فانْصاعَ والوَيْلُ هُجَيْراهُ والحَرْبُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا ﴾ قالَ أصْحابُ الخَواطِرِ: البَلاءُ الحَسَنُ ما يُورِثُكَ الرِّضا بِهِ والصَّبْرَ عَلَيْهِ.

وَقالَ المُفَسِّرُونَ: البَلاءُ الحَسَنُ ها هُنا النِّعْمَةُ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

إِن تَسْتَفْتِحُوا۟ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا۟ فَهُوَ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا۟ نَعُدْ وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ١٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، فالفَتْحُ النَّصْرُ، فَقَدْ جاءَكم فَضْلُ اللَّهِ بِنَصْرِنا، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ إنْ تَسْتَنْصِرُوا اللَّهَ، والفَتْحُ النَّصْرُ، فَقَدْ جاءَكم نَصْرُ اللَّهِ لَنا عَلَيْكم، وفي هَذا الخِطابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ لِأنَّهُمُ اسْتَنْصَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ بِأنْ قالُوا: اللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ وأظْلَمُنا لِصاحِبِهِ فانْصُرْهُ عَلَيْهِ، فَنَصَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ والمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ قالَ ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ لِأنَّ الِاسْتِنْصارَ كانَ عَلَيْهِمْ لا لَهم.

﴿ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا التَّكْذِيبِ نَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا التَّصْدِيقِ.

والثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ هَذا الِاسْتِفْتاحِ نَعُدْ إلى مِثْلِ هَذا النَّصْرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ اسْتَنْصَرُوهُ ﴿ وَإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي عَمّا فَعَلْتُمُوهُ في الأسْرى والغَنِيمَةِ.

﴿ وَإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وإنْ تَعُودُوا إلى الطَّمَعِ نَعُدْ إلى المُؤاخَذَةِ.

الثّانِي: وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ما كانَ مِنكم في الأسْرى والغَنِيمَةِ نَعُدْ إلى الإنْكارِ عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوْا۟ عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ ٢٠ وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ٢١ ۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ٢٢ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ٢٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ أمّا الدَّوابُّ فاسْمٌ لِكُلِّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانِها لِدَبِيبِهِ عَلَيْها مَشْيًا، وكانَ بِالخَيْلِ أخَصَّ.

والمُرادُ بِشَرِّ الدَّوابِّ الكُفّارُ لِأنَّهم شَرُّ ما دَبَّ عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَوانِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ الصُّمُّ ﴾ لِأنَّهم لا يَسْمَعُونَ الوَعْظَ.

﴿ البُكْمُ ﴾ والأبْكَمُ هو المَخْلُوقُ أخْرَسَ، وإنَّما وصَفَهم بِالبُكْمِ لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى ولا بِلَوازِمِ طاعَتِهِ.

﴿ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ.

والثّانِي: لا يَعْتَبِرُونَ اعْتِبارَ العُقَلاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي عَبْدِ الدّارِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: اهْتِداءٌ.

الثّانِي: إصْغاءٌ.

﴿ لأسْمَعَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُهُما: لَأسْمَعَهُمُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَفْهِيمٍ وتَعْلِيمٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: لَأسْمَعَهم كَلامَ الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم مِن قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ يَشْهَدُونَ بِنُبُوَّتِكَ قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

والثّالِثُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولَوْ أسْمَعَهُمُ الحُجَجَ والمَواعِظَ لَأعْرَضُوا عَنِ الإصْغاءِ والتَّفَهُّمِ.

والثّانِي: ولَوْ أجابَهم إلى ما اقْتَرَحُوهُ لَأعْرَضُوا عَنِ التَّصْدِيقِ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱسْتَجِيبُوا۟ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ٢٤

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ﴾ يَعْنِي أجِيبُوا اللَّهَ والرَّسُولَ قالَ كَعْبُ بْنُ سَعْدٍ الغَنَوِيُّ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ وَإجابَةُ اللَّهِ تَعالى هي طاعَةُ أمْرِهِ، وإنَّما خَرَجَتْ عَنْ هَذا اللَّفْظِ لِأنَّها في مُقابَلَةِ الدُّعاءِ إلَيْها فَصارَتْ إجابَةً لَها.

﴿ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إذا دَعاكم إلى الإيمانِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: إذا دَعاكم إلى الحَقِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: إذا دَعاكم إلى ما في القُرْآنِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: إذا دَعاكم إلى الحَرْبِ وجِهادِ العَدُوِّ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والخامِسُ: إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ دَوامُ حَياتِكم في الآخِرَةِ، ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والسّادِسُ: إذا دَعاكم إلى ما فِيهِ إحْياءُ أمْرِكم في الدُّنْيا، قالَهُ الفَرّاءُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ عَلى عُمُومِ الدُّعاءِ فِيما أمَرَهم بِهِ.

رَوى العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ  عَلى أُبَيٍّ وهو قائِمٌ يُصَلِّي فَصَرَخَ بِهِ قالَ: (يا أُبَيُّ قالَ فَعَجَّلَ في صَلاتِهِ، ثُمَّ جاءَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (ما مَنَعَكَ إذْ دَعَوْتُكَ أنْ تُجِيبَنِي؟

قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ أُصَلِّي، فَقالَ: (ألَمْ تَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ ﴿ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ ﴾ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، لا أعُودُ.

» ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ ﴾ فِيهِ لِأهْلِ التَّأْوِيلِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وبَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ أنْ يَقْدِرَ عَلى إيمانٍ أوْ كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: مَعْناهُ أنَّهُ قَرِيبٌ مِن قَلْبِهِ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن سِرِّهِ أوْ جَهْرِهِ فَصارَ أقْرَبَ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ، وهَذا تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: مَعْناهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ بِالمَوْتِ فَلا يَقْدِرُ عَلى اسْتِدْراكِ فائِتٍ.

ذَكَرَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

والسّادِسُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وما يَتَمَنّاهُ بِقَلْبِهِ مِنَ البَقاءِ وطُولِ العُمْرِ والظَّفَرِ والنَّصْرِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والسّابِعُ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وما يُوقِعُهُ في قَلْبِهِ مِن رُعْبٍ وخَوْفٍ أوْ قُوَّةٍ وأمْنٍ، فَيَأْمَنُ المُؤْمِنُ مِن خَوْفِهِ، ويَخافُ الكافِرُ عَذابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱتَّقُوا۟ فِتْنَةًۭ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنكُمْ خَآصَّةًۭ ۖ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٢٥

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُنْكَرُ، أمَرَ اللَّهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ ألّا يُقِرُّوهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمُ العَذابُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها الفِتْنَةُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ  ﴾ قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الفِتْنَةَ ها هُنا البَلِيَّةُ الَّتِي يَبْلى الإنْسانُ بِها، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في النِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ، قالَهُ بِشْرُ بْنُ الحارِثِ.

وَيُحْتَمَلُ خامِسًا: أنَّها إظْهارُ البِدَعِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا تُصِيبُنَّ الفِتْنَةُ الَّذِينَ ظَلَمُوا.

الثّانِي: لا يُصِيبَنَّ عِقابُ الفِتْنَةِ، فَتَكُونُ لِأهْلِ الجَرائِمِ عُقُوبَةً، ولِأهْلِ الصَّلاحِ ابْتِلاءً.

وَفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهُ دُعاءٌ لِلْمُؤْمِنِ أنْ لا تُصِيبَهُ فِتْنَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌۭ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ٢٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ ﴾ يُرِيدُ بِذَلِكَ قِلَّتَهم إذْ كانُوا بِمَكَّةَ وذِلَّتَهم بِاسْتِضْعافِ قُرَيْشٍ لَهم.

وَفي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ ذَكَّرَهم بِذَلِكَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: الإخْبارُ بِصِدْقِ وعْدِهِ لَهم.

﴿ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالنّاسِ كُفّارَ قُرَيْشٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.

والثّانِي: فارِسَ والرُّومَ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

ثُمَّ بَيَّنَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَقالَ ﴿ فَآواكُمْ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ جَعَلَ لَكم مَأْوًى تَسْكُنُونَ فِيهِ آمِنِينَ.

والثّانِي: فَآواكم بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ وَأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ﴾ أيْ قَوّاكم بِنَصْرِهِ لَكم عَلى أعْدائِكم يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ وَرَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَلالِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما مَكَّنَكم فِيهِ مِنَ الخَيْراتِ.

والثّانِي: ما أباحَكم مِنَ الغَنائِمِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُهاجِرِينَ خاصَّةً بَعْدَ بَدْرٍ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓا۟ أَمَـٰنَـٰتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٧ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌۭ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌۭ ٢٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَخُونُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ والرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما صَنَعَ المُنافِقُونَ في خِيانَتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ فِيما جَعَلَهُ لِعِبادِهِ مِن أمْوالِكم.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ خِيانَةَ اللَّهِ بِمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ، وخِيانَةَ الرَّسُولِ، بِمَعْصِيَةِ كَلِماتِهِ.

﴿ وَتَخُونُوا أماناتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فِيما أخَذْتُمُوهُ مِنَ الغَنِيمَةِ أنْ تَحْضُرُوهُ إلى المَغْنَمِ.

الثّانِي: فِيما ائْتَمَنَ اللَّهُ العِبادَ عَلَيْهِ مِنَ الفَرائِضِ والأحْكامِ أنْ تُؤَدُّوها بِحَقِّها ولا تَخُونُوها بِتَرْكِها.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى العُمُومِ في كُلِّ أمانَةٍ أنْ تُؤَدّى ولا تُخانُ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها أمانَةٌ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ.

والثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في الخِيانَةِ مِنَ المَأْثَمِ بِخِلافٍ مِن جَهْلٍ.

قالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ أرْسَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ  إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدٍ فاسْتَشارُوهُ وكانَ قَدْ أحْرَزَ أوْلادَهُ وأمْوالَهُ عِنْدَهم فَأشارَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفْعَلُوا وأوْمَأ بِيَدِهِ إلى حَلْقَةٍ أنَّهُ الذَّبْحُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» إلى قَوْلِهِ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجْرِ خَيْرٌ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.

والثّانِي: أنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مِن أجْرِ الحَسَنَةِ الَّتِي يُجازِي عَلَيْها بِعَشْرِ أمْثالِها أكْثَرُ مِن عُقُوبَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي لا يُجازِي عَلَيْها إلّا بِمِثْلِها.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًۭا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ ٢٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْنى فُرْقانًا أيْ هِدايَةً في قُلُوبِكم تُفَرِّقُونَ بِها بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: يَعْنِي مُخْرَجًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَعْنِي نَجاةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: فَتْحًا ونَصْرًا، قالَهُ الفَرّاءُ.

وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: يُفَرِّقُ بَيْنَكم وبَيْنَ الكافِرِ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ ٣٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ وذَلِكَ أنْ قُرَيْشًا تَآمَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ  فَقالَ عَمْرُو بْنُ هِشامٍ: قَيِّدُوهُ واحْبِسُوهُ في بَيْتٍ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ.

وَقالَ أبُو البَخْتَرِيِّ: أخْرِجُوهُ عَنْكم عَلى بَعِيرٍ مَطْرُودٍ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ ومِن أذاهُ لَكم.

قالَ أبُو جَهْلٍ: ما هَذا بِرَأْيٍ ولَكِنِ اقْتُلُوهُ ولْيَجْتَمِعْ عَلَيْهِ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَيَضْرِبُوهُ بِأسْيافِهِمْ ضَرْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ فَتَرْضى حِينَئِذٍ بَنُو هاشِمٍ بِالدِّيَةِ.

فَأوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ إلى نَبِيِّهِ  فَخَرَجَ إلى الغارِ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ هاجَرَ مِنهُ إلى المَدِينَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

فَهَذا بَيانُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِيُثْبِتُوكَ في الوِثاقِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

والثّانِي: لِيُثْبِتُوكَ في الحَبْسِ، قالَهُ عَطاءٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَعْنى يُثْبِتُوكَ أيْ يُخْرِجُوكَ، كَما يُقالُ قَدْ أُثْبِتُهُ في الحَرْبِ إذا أخْرَجْتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

﴿ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أوْ يُخْرِجُوكَ مِن مَكَّةَ إلى طَرَفٍ مِن أطْرافِ الأرْضِ كالنَّفْيِ.

والثّانِي: أوْ يُخْرِجُوكَ عَلى بَعِيرٍ مَطْرُودٍ حَتّى تَهْلَكَ، أوْ يَأْخُذَكَ بَعْضُ العَرَبِ فَتَقْتُلُكَ فَتُرِيحُهم مِنكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا قَالُوا۟ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَآ ۙ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٣١ وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٣٢ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ٣٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: قَدْ سَمِعْنا هَذا مِنكم ولا نُطِيعُكم.

والثّانِي: قَدْ سَمِعْنا قَبْلَ هَذا مِثْلَهُ فَماذا أغْناكم.

﴿ لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلَ هَذا في النُّظُمِ والبَيانِ مُعارَضَةً لَهُ في الإعْجازِ.

والثّانِي: مِثْلَ هَذا في الِاحْتِجاجِ مُعارَضَةً لَهُ في الِاسْتِدْعاءِ إلى الكُفْرِ.

﴿ إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ ﴾ يَعْنِي أحادِيثَ الأوَّلِينَ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قِصَصُ مَن مَضى وأخْبارُ مَن تَقَدَّمَ.

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ولَيْسَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحارِثِ بْنِ كِلْدَةَ، «وَقَدْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ  صَبْرًا في جُمْلَةِ ثَلاثَةٍ مِن قُرَيْشٍ: عُقْبَهُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، والمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ، والنَّضِرُ بْنُ الحارِثُ وكانَ أسِيرَ المِقْدادِ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَتْلِ النَّضِرِ قالَ المِقْدادُ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ  : (اللَّهم أعِنِ المِقْدادَ)، فَقالَ: هَذا أرَدْتُ.

» وفِيهِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ الَّتِي بَعْدَها.

﴿ وَإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ وفي هَذا القَوْلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ عِنادًا لِلْحَقِّ وبُغْضًا لِلرَّسُولِ  .

والثّانِي: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِقادًا أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ.

وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَألَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ  ﴾ وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا  ﴾ .

قالَ عَطاءٌ: لَقَدْ نَزَلَتْ في النَّضِرِ بِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ إكْرامًا لِنَبِيِّهِ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ أنْ يُعَذِّبَ قَوْمًا هو بَيْنَهم.

تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ.

والثّانِي: إرْسالُهُ فِيهِمْ رَحْمَةً لَهم ونِعْمَةً عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُجِزْ أنْ يُعَذِّبَهم وهو فِيهِمْ حَتّى يَسْتَحِقُّوا سَلْبَ النِّعْمَةِ بِإخْراجِهِ عَنْهم.

﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ وقَدْ بَقِيَ فِيهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ يَسْتَغْفِرُونَ وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ وأبِي مالِكٍ وعَطِيَّةَ.

والثّانِي: لا يُعَذِّبُهم في الدُّنْيا وهم يَسْتَغْفِرُونَ فِيها فَيَقُولُونَ: غُفْرانَكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ  : (قَدْ قَدْ فَيَقُولُونَ: إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، ويَقُولُونَ غُفْرانَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ » قالَهُ أبُو مُوسى ويَزِيدُ بْنُ رُومانَ ومُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الِاسْتِغْفارَ في هَذا المَوْضِعِ الإسْلامُ، ومَعْنى الكَلامِ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يُسَلِمُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ مَن قَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الدُّخُولُ في الإسْلامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: مَعْناهُ أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا لَمْ يُعَذَّبُوا اسْتِدْعاءً لَهم إلى الِاسْتِغْفارِ، قالَهُ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ.

والسّادِسُ: وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم أيْ مُهْلِكَهم وقَدْ عَلِمَ أنَّ لَهم أوْلادًا وذُرِّيَّةً يُؤْمِنُونَ ويَسْتَغْفِرُونَ.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ٣٤ وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ ٣٥

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً ﴾ في المُكاءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إدْخالُ أصابِعِهِمْ في أفْواهِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: هو أنْ يَشْبِكَ بَيْنَ أصابِعِهِ ويَصْفُرَ في كَفِّهِ بِفِيهِ فَيَكُونُ المُكاءُ هو الصَّفِيرَ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: وحَلِيلُ غَنِيَّةٍ تَرَكَتْ مُجَدَّلًا تَمْكُو فَرِيصَتُهُ بِشِدْقِ الأعْلَمِ أيْ تَصْفُرُ بِالرِّيحِ لَمّا طَعَنَتْهُ.

وَأمّا التَّصْدِيَةُ فَفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّصْفِيقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الإطْنابَةِ: وظَلُّوا جَمِيعًا لَهم ضَجَّةُ ∗∗∗ مُكاءٍ لَدى البَيْتِ بِالتَّصْدِيَةِ والثّانِي: أنَّهُ الصَّدُّ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَتَصَدّى بَعْضُهم لِبَعْضٍ لِيَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ، ويَصْفُرُ لَهُ إنْ غَفَلَ عَنْهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

الرّابِعُ: أنَّها تَفْعِلَةٌ مِن صَدَّ يَصِدُّ، وهو الضَّجِيجُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ  ﴾ أيْ يَضِجُّونَ.

الخامِسُ: أنَّهُ الصَّدى الَّذِي يُجِيبُ الصّائِحَ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ سَمّى اللَّهُ تَعالى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ البَيْتِ مِنَ المُكاءِ والتَّصْدِيَةِ صَلاةً ولَيْسَ مِنها؟

قِيلَ عَنْ ذَلِكَ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يُقِيمُونَ التَّصْفِيقَ والصَّفِيرَ مَقامَ الدُّعاءِ والتَّسْبِيحِ فَجَعَلُوا ذَلِكَ صَلاةً وإنْ لَمْ يَكُنْ في حُكْمِ الشَّرْعِ صَلاةً.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ كَعَمَلِ الصَّلاةِ.

﴿ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عَذابُ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: أنَّهُ يُقالُ لَهم في الآخِرَةِ ﴿ فَذُوقُوا العَذابَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فالقُوا.

الثّانِي: فَجَرِّبُوا.

وَحَكى مُقاتِلٌ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ النَّبِيَّ  كانَ إذا صَلّى في المَسْجِدِ الحَرامِ قامَ مِن كُفّارِ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ رَجُلانِ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ  يَصْفُرانِ كَما يَصْفُرُ المُكاءُ والمُكاءُ طائِرٌ، ورَجُلانِ مِنهم عَنْ يَسارِهِ يُصَفِّقانِ بِأيْدِيهِما لِيَخْلِطُوا عَلَيْهِ صَلاتَهُ وقِراءَتَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ.

» <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ لِيَصُدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةًۭ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ٣٦ لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ ٱلْخَبِيثَ بَعْضَهُۥ عَلَىٰ بَعْضٍۢ فَيَرْكُمَهُۥ جَمِيعًۭا فَيَجْعَلَهُۥ فِى جَهَنَّمَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ ٣٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَفَقَةُ قُرَيْشٍ في قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ  يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ أبُو سُفْيانَ اسْتَأْجَرَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ ومِنهُ كِنانَةُ لِيُقاتِلَ بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ  ، سِوى مَنِ انْحازَ إلَيْهِ مِنَ العَرَبِ، قالَهُ سَعِيدٌ ومُجاهِدٌ والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: وجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسَطُهُ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقْنِعُ ∗∗∗ ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ نَصِيَّةٌ ∗∗∗ ثَلاثُ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا فَأرْبَعُ ﴿ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَكُونُ إنْفاقُها عَلَيْهِمْ حَسْرَةً وأسَفًا عَلَيْها.

والثّانِي: تَكُونُ خَيْبَتُهم فِيما أمَّلُوهُ مِنَ الظَّفَرِ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً تُحَذِّرُهم بَعْدَها.

﴿ ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾ وعَدَ بِالنَّصْرِ فَحَقَّقَ وعْدَهُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحَلالُ مِنَ الحَرامِ.

الثّانِي: الخَبِيثُ ما لَمْ تَخْرُجْ مِنهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى، والطَّيِّبُ: ما أُخْرِجَتْ مِنهُ حُقُوقُ اللَّهِ تَعالى.

يَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الخَبِيثَ: ما أُنْفِقَ في المَعاصِي، والطَّيِّبُ: ما أُنْفِقَ في الطّاعاتِ.

﴿ وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ يَجْمَعُهُ في الآخِرَةِ وإنْ تَفَرَّقَ في الدُّنْيا ﴿ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا ﴾ أيْ يَجْعَلُ بَعْضَهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا  ﴾ .

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ ﴾ وإنْ كانَتِ الأمْوالُ لا تُعَذِّبُ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَها عَذابًا في النّارِ يُعَذَّبُونَ بِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ  ﴾ الآيَةَ.

الثّانِي: أنَّهُ يَجْعَلُ أمْوالَهم مَعَهم في جَهَنَّمَ لِأنَّهُمُ اسْتَطالُوا بِها وتَقَوَّوْا عَلى مَعاصِي اللَّهِ فَجَعَلَها مَعَهم في الذُّلِّ والعَذابِ كَما كانَتْ لَهم في الدُّنْيا عِزًّا ونَعِيمًا.

<div class="verse-tafsir"

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِن يَنتَهُوا۟ يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا۟ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ ٱلْأَوَّلِينَ ٣٨ وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٣٩ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَىٰكُمْ ۚ نِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ ٤٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ المُحارَبَةِ إلى المُوادَعَةِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ المُؤاخَذَةِ والمُعاقَبَةِ.

والثّانِي: إنْ يَنْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ بِالإسْلامِ يَغْفِرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ مِنَ الآثامِ.

﴿ وَإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى احْتِمالِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَأْوِيلُهُ: وإنْ يَعُودُوا إلى المُحارَبَةِ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وأُسِرَ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.

وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ فِيما أخَذَهُمُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ أنْ دَخَلَها رَسُولُ اللَّهِ  عامَ الفَتْحِ وقالَ لَهُمْ: (ما ظَنُّكم بِي وما الَّذِي تَرَوْنَ أنِّي صانِعٌ بِكُمْ؟

قالُوا: ابْنُ عَمٍّ كَرِيمٍ فَإنْ تَعْفُ فَذاكَ الظَّنُّ بِكَ وإنْ تَنْتَقِمْ فَقَدْ أسَأْنا، فَقالَ  : (أقُولُ لَكم كَما قالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ  ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.

» <div class="verse-tafsir"

۞ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍۢ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ ٤١

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ ﴾ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الفَيْءَ في سُورَةِ الحَشْرِ والغَنِيمَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ.

واخْتَلَفُوا في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الغَنِيمَةَ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ والفَيْءُ ما ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، قالَهُ عَطاءُ بْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: أنَّ الغَنِيمَةَ ما أُخِذَ عَنْوَةً، والفَيْءَ ما أُخِذَ عَنْ صُلْحٍ، قالَهُ الشّافِعِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ الفَيْءَ والغَنِيمَةَ سَواءٌ وهو كُلُّ مالٍ أُخِذَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وآيَةُ الفَيْءِ الَّتِي هي في سُورَةِ الحَشْرِ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الغَنِيمَةِ الَّتِي في سُورَةِ الأنْفالِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَيْءٍ ﴾ يُرِيدُ جَمِيعَ ما وقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُباحٍ حَواهُ المُسْلِمُونَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ.

﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِفْتاحُ كَلامٍ، فَلِلَّهِ الدُّنْيا والآخِرَةُ وما فِيهِما، ومَعْنى الكَلامِ فَأنَّ لِلرَّسُولِ خُمُسَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وإبْراهِيمُ والشّافِعِيُّ، ورَوى نَهْشَلٌ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا بَعَثَ سَرِيَّةً فَغَنِمُوا خَمَّسَ الغَنِيمَةَ فَصَرَفَ ذَلِكَ الخُمُسَ في خَمْسَةٍ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿ واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ﴾ وإنَّما قَوْلُهُ ﴿ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ﴾ مِفْتاحُ كَلامٍ، ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَجَعَلَ سَهْمَ اللَّهِ وسَهْمَ الرَّسُولِ واحِدٌ.

والثّانِي: أنَّ سَهْمَ اللَّهِ مُسْتَحِقٌّ لِبَيْتِهِ، ومَعْناهُ فَإنَّ لِبَيْتِ اللَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ، وقَدْ رَوى الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُؤْتى بِالغَنِيمَةِ فَيُقَسِّمُها عَلى خَمْسَةٍ تَكُونُ أرْبَعَةَ أخْماسٍ لِمَن شَهِدَها، ثُمَّ يَأْخُذُ الخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فِيهِ فَيَأْخُذُ مِنهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ وهو سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ ما بَقِيَ عَلى خَمْسَةِ أسْهُمٍ فَيَكُونُ سَهْمٌ لِلرَّسُولِ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبى، وسَهْمٌ لِلْيَتامى، وسَهْمٌ لِلْمَساكِينِ وسَهْمٌ لِابْنِ السَّبِيلِ.

» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلرَّسُولِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِفْتاحُ كَلامٍ اقْتَرَنَ بِذِكْرِ اللَّهِ ولَيْسَ لِلرَّسُولِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَما لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وأنَّ الخُمُسَ مَقْسُومٌ عَلى أرْبَعَةِ أسْهُمٍ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مِن رِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ.

والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لِلرَّسُولِ وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

واخْتَلَفُوا في سَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ  بَعْدَهُ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ النَّبِيِّ  إرْثًا، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَ النَّبِيَّ مَوْرُوثًا.

والثّالِثُ: أنَّ سَهْمَ الرَّسُولِ  مَرْدُودٌ عَلى السِّهامِ الباقِيَةِ ويُقَسِّمُ الخُمُسَ عَلى أرْبَعَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ مَصْرُوفٌ في مَصالِحِ المُسْلِمِينَ العامَّةِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

والخامِسُ: أنَّ ذَلِكَ مَصْرُوفٌ في الكُراعِ والسِّلاحِ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، رَواهُ النَّخَعِيُّ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِذِي القُرْبى ﴾ فاخْتُلِفَ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهم قُرَيْشٌ كُلُّها، رَوى سَعِيدٌ المَقْرِيُّ قالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ يَسْألُهُ عَنْ ذِي القُرْبى، قالَ: فَكَتَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: كُنّا نَقُولُ إنَّنا هم فَأبى ذَلِكَ عَلَيْنا قَوْمُنا وقالُوا: قُرَيْشٌ كُلُّها ذَوُو قُرْبى.

الثّالِثُ: أنَّهم بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، قالَهُ الشّافِعِيُّ والطَّبَرَيُّ.

واخْتَلَفُوا في سَهْمِهِمُ اليَوْمَ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَهم أبَدًا كَما كانَ لَهم مِن قَبْلُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ لِقَرابَةِ الخَلِيفَةِ القائِمِ بِأُمُورِ الأُمَّةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إلى الإمامِ يَضَعُهُ حَيْثُ شاءَ.

والرّابِعُ: أنَّ سَهْمَهم وسَهْمَ رَسُولِ اللَّهِ  مَرْدُودٌ عَلى باقِي السِّهامِ وهي ثَلاثَةٌ، قالَهُ أبُو حَنِيفَةَ.

وَأمّا ﴿ واليَتامى ﴾ فَهم مِنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِمْ أرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أحَدُها: مَوْتُ الأبِ وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً، لِأنَّ يُتْمَ الآدَمِيِّينَ بِمَوْتِ الآباءِ دُونَ الأُمَّهاتِ ويُتْمَ البَهائِمِ بِمَوْتِ الأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ.

والثّانِي: الصِّغَرُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ  : «لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلُمٍ» .

والثّالِثُ: الإسْلامُ لِأنَّهُ مالُ المُسْلِمِينَ.

والرّابِعُ: الحاجَةُ لِأنَّهُ مُعَدٌّ لِلْمَصالِحِ.

ثُمَّ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لِأيْتامِ أهْلِ الفَيْءِ خاصَّةً.

والثّانِي: أنَّهُ لِجَمِيعِ الأيْتامِ.

وَأمّا ﴿ والمَساكِينِ ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يَكْفِيهِمْ.

وَأمّا أبْناءُ السَّبِيلِ فَهُمُ المُسافِرُونَ مِن ذَوِي الحاجاتِ، والإسْلامُ فِيهِمْ مُعْتَبَرٌ.

وَهَلْ يَخْتَصُّ بِأهْلِ الفَيْءِ؟

عَلى القَوْلَيْنِ.

وَقالَ مالِكٌ: الخُمُسُ مَوْقُوفٌ عَلى رَأْيِ الإمامِ فِيمَن يَراهُ أحَقَّ بِهِ، وإنَّما ذُكِرَتْ هَذِهِ الأصْنافُ لِصِدْقِ حاجَتِها في وقْتِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ وهو يَوْمُ بَدْرٍ فَرَقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ أَنتُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلدُّنْيَا وَهُم بِٱلْعُدْوَةِ ٱلْقُصْوَىٰ وَٱلرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَٱخْتَلَفْتُمْ فِى ٱلْمِيعَـٰدِ ۙ وَلَـٰكِن لِّيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَىَّ عَنۢ بَيِّنَةٍۢ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ ٤٢

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي بِبَدْرٍ، الأدْنى إلى المَدِينَةِ.

﴿ وَهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى ﴾ يَعْنِي شَفِيرَ الوادِي الأقْصى إلى مَكَّةَ.

وَقالَ الأخْفَشُ: عُدْوَةُ الوادِي هو مِلْطاطُ شَفِيرِهِ الَّذِي هو أعْلى مِن أسْفَلِهِ، وأسْفَلَ مِن أعْلاهُ.

﴿ والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ ﴾ يَعْنِي عِيرَ أبِي سُفْيانَ أسْفَلَ الوادِي، قالَ الكَلْبِيُّ: عَلى شاطِئِ البَحْرِ بِثَلاثَةِ أمْيالٍ.

﴿ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ولَوْ تَواعَدْتُمْ أنْ تَتَّفِقُوا مُجْتَمِعِينَ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ، بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ.

والثّانِي: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مَعَ قِلَّةِ عَدَدِكم لَتَأخَّرْتُمْ فَنَقَضْتُمُ المِيعادَ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والثّالِثُ: ولَوْ تَواعَدْتُمْ ثُمَّ بَلَغَكم كَثْرَةُ عَدُوِّكم مِن غَيْرِ مَعُونَةِ اللَّهِ لَكم لَأخْلَفْتُمْ بِالقَواطِعِ والعَوائِقِ في المِيعادِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِيُقْتَلَ بِبَدْرٍ مَن قُتِلَ مِن مُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَنْ حُجَّةٍ، ولِيَبْقى مَن بَقِيَ عَنْ قُدْرَةٍ.

والثّانِي: لِيَكْفُرَ مِن قُرَيْشٍ مَن كَفَرَ بَعْدَ الحُجَّةِ بِبَيانِ ما وُعِدُوا، ويُؤْمِنَ مَن آمَنَ بَعْدَ العِلْمِ بِصِحَّةِ إيمانِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

إِذْ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِى مَنَامِكَ قَلِيلًۭا ۖ وَلَوْ أَرَىٰكَهُمْ كَثِيرًۭا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَـٰزَعْتُمْ فِى ٱلْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُۥ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤٣ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ ٱلْتَقَيْتُمْ فِىٓ أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًۭا وَيُقَلِّلُكُمْ فِىٓ أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِىَ ٱللَّهُ أَمْرًۭا كَانَ مَفْعُولًۭا ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ ٤٤

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ أرى نَبِيَّهُ  قِلَّةَ المُشْرِكِينَ عَيانًا، وقَوْلُهُ ﴿ فِي مَنامِكَ ﴾ يُرِيدُ في عَيْنَيْكَ الَّتِي هي مَحَلُّ النَّوْمِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنَّهُ ألْقى عَلَيْهِ النَّوْمَ وأراهُ قِلَّتَهم في نَوْمِهِ، وهو الظّاهِرُ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ.

وَإنَّما أراهُ ذَلِكَ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ لُطْفًا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ، لِيَكُونَ أثْبَتَ لِقُلُوبِهِمْ وأقْدَمَ لَهم عَلى لِقاءِ عَدُوِّهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما جازَتْ هَذِهِ الحالَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في نَبِيِّهِ  .

﴿ وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لاخْتَلَفْتُمْ في لِقائِهِمْ أوِ الكَفِّ عَنْهم.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَلَّمَ مِنَ الفَشَلِ.

والثّانِي: لَجَبُنْتُمْ عَنْهم وانْهَزَمْتُمْ مِنهم ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ مِنَ العَدُوِّ.

وَفِيهِ ثالِثٌ: ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أمْرَهُ فِيهِمْ حَتّى نَفَذَ ما حَكَمَ فِيهِمْ بِهِ مِن هَلاكِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةًۭ فَٱثْبُتُوا۟ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ٤٥ وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٤٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا ﴾ والفَشَلُ هو التَّقاعُدُ عَنِ القِتالِ جُبْنًا.

﴿ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يُرِيدُ بِالرِّيحِ القُوَّةَ، وضَرَبَ الرِّيحَ لَها مَثَلًا.

والثّانِي: يُرِيدُ بِالرِّيحِ الدَّوْلَةَ.

وَمَعْناهُ فَتَذْهَبَ دَوْلَتُكم، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: يُرِيدُ رِيحَ النَّصْرِ الَّتِي يُرْسِلُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِنَصْرِ أوْلِيائِهِ وهَلاكِ أعْدائِهِ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا، أنَّ الرِّيحَ الهَيْبَةُ، ورِيحُ القَوْمِ هَيْبَتُهُمُ الَّتِي تَتَقَدَّمُهم كَتَقَدُّمِ الرِّيحِ.

وَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: فَتَذْهَبَ رِيحُكم وهَيْبَتُكم.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ خَرَجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بَطَرًۭا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌۭ ٤٧ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلْيَوْمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّى جَارٌۭ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌۭ مِّنكُمْ إِنِّىٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ ۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٤٨ إِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمْ ۗ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٤٩

﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ بَطَرًا ورِئاءَ النّاسِ ﴾ هم قُرَيْشٌ حِينَ خَرَجُوا في حِمايَةِ العِيرِ فَنَجا بِها أبُو سُفْيانَ، فَقالَ لَهم أبُو جَهْلٍ: لا نَرْجِعُ حَتّى نَرِدَ بَدْرًا ونَنْحَرَ جَزُورًا ونَشْرَبَ خَمْرًا وتَعْزِفَ عَلَيْنا القِيانُ، فَكانَ مِن أمْرِ اللَّهِ فِيهِمْ ما كانَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: ظَهَرَ لَهم في صُورَةِ سُراقَةَ بْنِ جَعْشَمٍ مِن بَنِي كِنانَةَ فَزَيَّنَ لِلْمُشْرِكِينَ أعْمالَهم.

يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: زَيَّنَ لَهم شِرْكَهم.

والثّانِي: زَيَّنَ لَهم قِتالَ رَسُولِ اللَّهِ  .

وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّهُ زَيَّنَ لَهم قُوَّتَهم حَتّى اعْتَمَدُوها.

﴿ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ ﴾ يَعْنِي أنَّكُمُ الغالِبُونَ دُونَ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَإنِّي جارٌ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنِّي مَعَكم.

وَفي جِوارِكم يَنالُنِي ما نالَكم.

الثّانِي: مُجِيرٌ لَكم وناصِرٌ.

فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الجِوارِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مِنَ الإجارَةِ.

﴿ فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فِئَةُ المُسْلِمِينَ وفِئَةُ المُشْرِكِينَ.

والثّانِي: المُسْلِمُونَ ومَن أُمِدُّوا بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَكانُوا فِئَتَيْنِ.

﴿ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ والنُّكُوصُ أنْ يَهْرُبَ ذَلِيلًا خازِيًا، قالَ الشّاعِرُ: وما يَنْفَعُ المُسْتَأْخِرِينَ نُكُوصُهم ولا ضَرَّ أهْلَ السّابِقاتِ التَّقَدُّمُ ﴿ وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكم إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ ﴾ يَعْنِي مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ أمَدَّ اللَّهُ بِهِمْ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ.

﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ ﴾ وإنَّما ذَكَرَ خَوْفَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ولَمْ يَذْكُرْهُ في امْتِناعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ سَألَ الإنْظارَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلَمّا رَأى نُزُولَ المَلائِكَةِ بِبَدْرٍ تَصَوَّرُ قِيامِ السّاعَةِ فَخافَ فَقالَ: ﴿ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم قَوْمٌ في قُلُوبِهِمْ شَكٌّ كانُوا تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وهم بِمَكَّةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ مُرْتابُونَ لَمْ يُظْهِرُوا العَداوَةَ لِلنَّبِيِّ  بِخِلافِ المُنافِقِينَ.

والمَرَضُ في القَلْبِ كُلِّهِ هو الشَّكُّ، وهو مَشْهُورٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ولا مَرَضًا أتَّقِيهِ إنِّي لَصائِنٌ ∗∗∗ لِعِرْضِي ولِي في الألِيَّةِ مَفْخَرُ وَقَوْلُهُ تَعالى ﴿ غَرَّ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي المُسْلِمِينَ.

﴿ دِينُهُمْ ﴾ يَعْنِي الإسْلامَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَلَّلَ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ لِيَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ، وقَلَّلَ المُسْلِمِينَ في أعْيُنِ المُشْرِكِينَ لِيَسْتَهِينُوا بِهِمْ حَتّى أظْفَرَ بِهِمُ المُسْلِمِينَ فَقَتَلُوا مَن قَتَلُوا وأسَرُوا مَن أسَرُوا.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۙ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ ٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّـٰمٍۢ لِّلْعَبِيدِ ٥١

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَلَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَتَوَفّاهم مَلَكُ المَوْتِ عِنْدَ قَبْضِ أرْواحِهِمْ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: قَتْلُ المَلائِكَةِ لَهم حِينَ قاتَلُوهم يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ ﴾ تَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم يَوْمَ القِيامَةِ إذا واجَهُوهم، وأدْبارَهم إذا ساقُوهم إلى النّارِ.

وَتَأْوِيلُهُ عَلى القَوْلِ الثّانِي يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم بِبَدْرٍ لَمّا قاتَلُوا، وأدْبارَهم لَمّا انْهَزَمُوا.

والثّانِي: أنَّهم جاءُوهم مِن أمامِهِمْ ووَرائِهِمْ، فَمَن كانَ مِن أمامِهِمْ ضَرَبَ وُجُوهَهم، ومَن كانَ مِن ورائِهِمْ ضَرَبَ أدْبارَهم.

<div class="verse-tafsir"

كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّۭ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ٥٢ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًۭا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٥٣ كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ ۙ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّۭ كَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ ٥٤

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ ﴾ يَحْتَمِلُ خَمْسَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ لَهم عَلى أعْدائِهِمْ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في كَفِّ أعْدائِهِمْ عَنْهم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِن طاعَتِهِ والكَفِّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

والثّالِثُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الغِنى والسِّعَةِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ.

مِن تَأْدِيَةِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى مِنهُ.

والرّابِعُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ في الثَّوابِ والجَزاءِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الإيمانِ.

والخامِسُ: لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في الإرْشادِ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ مِنَ الِانْقِيادِ.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٥٥ ٱلَّذِينَ عَـٰهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلِّ مَرَّةٍۢ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ٥٦ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِى ٱلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ٥٧

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُصادِفُهم.

والثّانِي: تَظْفَرُ بِهِمْ.

﴿ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنْذِرْ بِهِمْ مَن خَلْفَهم، قالَ الشّاعِرُ مِن هُذَيْلٍ: ؎ أُطَوِّفُ في الأباطِحِ كُلَّ يَوْمٍ مَخافَةَ أنْ يُشَرِّدَ بِي حَكِيمُ <div class="verse-tafsir"

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ ٥٨

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً ﴾ يَعْنِي في نَقْضِ العَهْدِ.

﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ﴾ أيْ فَألْقِ إلَيْهِمْ عَهْدَهم حَتّى لا يَنْسِبُوكَ إلى الغَدْرِبِهِمْ.

والنَّبْذُ هو الإلْقاءُ.

قالَ الشّاعِرُ: فَهُنَّ يَنْبِذْنَ مِن قَوْلٍ يُصِبْنَ بِهِ مَواقِعَ الماءِ مِن ذِي الغَلَّةِ الصّادِي وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى سَواءٍ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى مَهْلٍ، قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ.

والثّانِي: عَلى مُحاجَزَةٍ مِمّا يَفْعَلُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

والثّالِثُ: عَلى سَواءٍ في العِلْمِ حَتّى لا يَسْبِقُوكَ إلى فِعْلِ ما يُرِيدُونَهُ بِكَ.

والرّابِعُ: عَلى عَدْلٍ مِن غَيْرِ حَيْفٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: فاضْرِبْ وُجُوهَ الغَدِ والأعْداءِ ∗∗∗ حَتّى يُجِيبُوكَ إلى السَّواءِ أيْ إلى العَدْلِ.

والخامِسُ: عَلى الوَسَطِ واسْتَشْهَدَ قائِلُهُ بِقَوْلِ حَسّانَ: يا ويْحُ أنْصارِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ ∗∗∗ بَعْدَ المَغِيبِ في سَواءِ المُلْحِدِ وَذَكَرَ مُجاهِدٌ أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ.

<div class="verse-tafsir"

وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ سَبَقُوٓا۟ ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ٥٩ وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍۢ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَىْءٍۢ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ٦٠

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ ذُكُورُ الخَيْلِ، ورِباطُ الخَيْلِ إناثُها، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّانِي: القُوَّةُ السِّلاحُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

والثّالِثُ: القُوَّةُ التَّصافِي واتِّفاقُ الكَلِمَةِ.

والرّابِعُ: القُوَّةُ الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعالى والرَّغْبَةُ إلَيْهِ.

والخامِسُ: القُوَّةُ الرَّمْيُ.

رَوى يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي عَلِيٍّ الهَمَذانِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ عَلى المِنبَرِ: « ﴿ وَأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ ﴾ ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ قالَها ثَلاثًا.

» ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ إناثُها خاصَّةً، وعَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى العُمُومِ الذُّكُورُ والإناثُ.

وَقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ارْتَبِطُوا الخَيْلَ فَإنَّ ظُهُورَها لَكم عِزٌّ، وأجْوافَها لَكم كَنْزٌ» .

﴿ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَدُوُّ اللَّهِ بِالكُفْرِ وعَدُوُّكم بِالمُبايَنَةِ.

والثّانِي: عَدُوُّ اللَّهِ هو عَدُوُّكم لِأنَّ عَدُوَّ اللَّهِ عَدُوٌّ لِأوْلِيائِهِ.

والإرْهابُ: التَّخْوِيفُ.

﴿ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هم بَنُو قُرَيْظَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أهْلُ فارِسَ والرُّومِ قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: المُنافِقُونَ; قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: الشَّياطِينُ، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.

والخامِسُ: كُلُّ مَن لا تَعْرِفُونَ عَداوَتَهُ، قالَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦١ وَإِن يُرِيدُوٓا۟ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ ٱللَّهُ ۚ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِۦ وَبِٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٢ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٦٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: وإنْ مالُوا إلى المُوادَعَةِ فَمِلْ إلَيْها.

والثّانِي: وإنْ تَوَقَّفُوا عَنِ الحَرْبِ مُسالَمَةً لَكَ فَتَوَقَّفْ عَنْهم مُسالَمَةً لَهم.

والثّالِثُ: وإنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ فاقْبَلْ مِنهم ظاهِرَ إسْلامِهِمْ وإنْ تَخَلَّفَ باطِنُ اعْتِقادِهِمْ.

وَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها عامَّةٌ في مُوادَعَةِ كُلِّ مَن سَألَها مِنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ  ﴾ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّها في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً إذا بَذَلُوا الجِزْيَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها في قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ سَألُوا المُوادَعَةَ فَأمَرَ بِإجابَتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَسْبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٦٤ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفًۭا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَفْقَهُونَ ٦٥ ٱلْـَٔـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًۭا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّا۟ئَةٌۭ صَابِرَةٌۭ يَغْلِبُوا۟ مِا۟ئَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌۭ يَغْلِبُوٓا۟ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٦٦

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: حَسْبُكَ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: حَسْبُكَ اللَّهُ أنْ تَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ والمُؤْمِنُونَ أنْ تُقاتِلَ بِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالبَيْداءِ مِن غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ القِتالِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا ﴾ يَعْنِي يُقاتِلُوا ألْفًا قالَ مُجاهِدٌ: وهَذا يَوْمَ بَدْرٍ جَعَلَ عَلى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قِتال عَشَرَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَنَسَخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾ وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُ كُلَّ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى عَشَرَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن قَبْلُ.

<div class="verse-tafsir"

مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلْـَٔاخِرَةَ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٦٧ لَّوْلَا كِتَـٰبٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌۭ ٦٨ فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٦٩

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ وهَذا نَزَلَ في أسْرى بِدُرٍّ حِينَ اسْتَقَرَّ رَأْيُ النَّبِيِّ  فِيهِمْ بَعْدَ مُشاوَرَةِ أصْحابِهِ عَلى الفِداءِ بِالمالِ، كُلُّ أسِيرٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَأنْكَرَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَلَيْهِ وأنَّهُ ما كانَ لَهُ أنْ يُفادِيَ الأسْرى.

﴿ حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما هو الغَلَبَةُ والِاسْتِيلاءُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: هو كَثْرَةُ القَتْلِ لِيُعَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ ويُذِلَّ بِهِ المُشْرِكِينَ.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

﴿ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا ﴾ يَعْنِي المالَ، سَمّاهُ عَرَضًا لِقِلَّةِ بَقائِهِ.

﴿ واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ يَعْنِي العَمَلَ بِما يُوجِبُ ثَوابَ الآخِرَةِ.

﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي ما أخَذْتُمُوهُ مِنَ المالِ في فِداءِ أسْرى بَدْرٍ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنْ يُعَذِّبَهم لَمَسَّهم فِيما أخَذُوهُ مِن فِداءِ أسْرى بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم في تَعَجُّلِها مِن أهْلِ بَدْرٍ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ وعُبَيْدَةُ.

والثّالِثُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنْ لا يُؤاخِذَ أحَدًا بِعَمَلٍ أتاهُ عَلى جَهالَةٍ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.

والرّابِعُ: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ وهو القُرْآنُ الَّذِي آمَنتُمْ بِهِ المُقْتَضِي غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.

«وَكانَ النَّبِيُّ  شاوَرَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ في أسْرى بَدْرٍ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هم قَوْمُكَ وعَشِيرَتُكَ فاسْتَبْقِهِمْ لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهم، وقالَ عُمَرُ: هم أعْداءُ اللَّهِ وأعْداءُ رَسُولِهِ كَذَّبُوكَ وأخْرَجُوكَ فاضْرِبْ أعْناقَهم، فَمالَ رَسُولُ اللَّهِ  ، بَعْدَ انْصِرافِهِ عَنْهم إلى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ وأخَذَ فِداءَ الأسْرى لِيَتَقَوّى بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ: (أنْتُمْ عالَةٌ بِعَيْنَيِ المُهاجِرِينَ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ  : (لَوْ عُذِّبْنا في هَذا الأمْرِ يا عُمَرُ لَما نَجا غَيْرُكَ» ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ تَحْلِيلَ الغَنائِمِ والفِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا ﴾ <div class="verse-tafsir"

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىٓ أَيْدِيكُم مِّنَ ٱلْأَسْرَىٰٓ إِن يَعْلَمِ ٱللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًۭا يُؤْتِكُمْ خَيْرًۭا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٧٠ وَإِن يُرِيدُوا۟ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا۟ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٧١

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأسْرى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أحَلُّ مِمّا أُخِذَ مِنكم.

الثّانِي: أكْثَرُ مِمّا أُخِذَ مِنكم.

قِيلَ «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مَعَ أسْرى بَدْرٍ وأخَذَ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ  فِداءَ نَفْسِهِ وابْنَيْ أخَوَيْهِ عَقِيلٍ ونَوْفَلٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتُ مُسْلِمًا وأُخْرِجْتُ مُكْرَهًا ولَقَدْ تَرَكْتَنِي فَقِيرًا أتَكَفَّفُ النّاسَ.

قالَ: (فَأيْنَ الأمْوالُ الَّتِي دَفَعْتَها إلى أُمِّ الفَضْلِ عِنْدَ خُرُوجِكَ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُنا ثِقَةً بِنُبُوَّتِكَ.

قالَ العَبّاسُ.

فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ فِيما آتانِي وإنَّ لِي لَعِشْرِينَ مَمْلُوكًا كُلُّ مَمْلُوكٍ يَضْرِبُ بِعِشْرِينَ ألْفًا في التِّجارَةِ فَقَدْ أعْطانِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنِّي يَوْمَ بَدْرٍ.

» <div class="verse-tafsir"

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يُهَاجِرُوا۟ مَا لَكُم مِّن وَلَـٰيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ۚ وَإِنِ ٱسْتَنصَرُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ فَعَلَيْكُمُ ٱلنَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ٧٢

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يَعْنِي بِاللَّهِ.

﴿ وَهاجَرُوا ﴾ يَعْنِي هاجَرُوا وتَرَكُوا دِيارَهم في طاعَةِ اللَّهِ.

﴿ وَجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ والمُجاهَدَةُ بِالمالِ: النَّفَقَةُ، والمُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ القِتالُ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُهاجِرُونَ مَعَ النَّبِيِّ  إلى المَدِينَةِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا ﴾ يَعْنِي الأنْصارَ الَّذِينَ آوَوُا المُهاجِرِينَ في مَنازِلِهِمْ ونَصَرُوا النَّبِيَّ  ونَصَرُوهم.

﴿ أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أُولَئِكَ بَعْضُهم أعْوانُ بَعْضٍ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أُولَئِكَ بَعْضُهم أوْلى بِمِيراثِ بَعْضٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى المِيراثَ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ دُونَ ذَوِي الأرْحامِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا ﴾ يَعْنِي ما لَكم مِن مِيراثِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا فَكانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي في المِيراثِ فَنَسَخَتِ الَّتِي قَبْلَها وصارَ التَّوارُثُ لِذَوِي الأرْحامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ ٧٣

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بَعْضُهم أنْصارُ بَعْضٍ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ.

والثّانِي: بَعْضُهم وارِثُ بَعْضٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ.

﴿ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلّا تُناصِرُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ﴾ يَعْنِي بِغَلَبَةِ الكُفّارِ.

﴿ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ﴾ بِضَعْفِ الإيمانِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ.

والثّانِي: إلّا تَتَوارَثُوا بِالإسْلامِ والهِجْرَةِ ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ﴾ بِاخْتِلافِ الكَلِمَةِ.

﴿ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ﴾ بِتَقْوِيَةِ الخارِجِ عَلى الجَماعَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ واللَّهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَوا۟ وَّنَصَرُوٓا۟ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقًّۭا ۚ لَّهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَرِزْقٌۭ كَرِيمٌۭ ٧٤ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنۢ بَعْدُ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ مَعَكُمْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مِنكُمْ ۚ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۢ ٧٥

﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ آوَوْا ونَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكم وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله