الإسلام > القرآن > تفسير > الماوردي > تفسير سورة الطارق
تفسيرُ سورةِ الطارق كاملةً من تفسير الماوردي (النكت والعيون) (أبو الحسن الماوردي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 9 دقيقة قراءةسُورَةُ الطّارِقِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والسَّماءِ والطّارِقِ ﴾ هُما قَسَمانِ: (والسَّماءِ) قَسَمٌ، (والطّارِقِ) قَسَمٌ.
(اَلطّارِقُ) نَجْمٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما أدْراكَ ما الطّارِقُ ﴾ ﴿ النَّجْمُ الثّاقِبُ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ نَحْنُ بَناتُ طارِقِ نَمْشِي عَلى النَّمارِقِ تَقُولُ: نَحْنُ بَناتُ النَّجْمِ افْتِخارًا بِشَرَفِها، وإنَّما سُمِّيَ النَّجْمُ طارِقًا لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّيْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ قاصِدٍ في اللَّيْلِ طارِقًا، قالَ الشّاعِرُ ألا طَرَقْتَ بِاللَّيْلِ ما هَجَعُوا هِنْدُ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والصَّدُّ وَأصْلُ الطَّرْقِ الدَّقُّ، ومِنهُ سُمِّيَتِ المِطْرَقَةُ، فَسُمِّيَ قاصِدُ اللَّيْلِ طارِقًا لِاحْتِياجِهِ في الوُصُولِ إلى الدَّقِّ.
وَفِي قَوْلِهِ (اَلنَّجْمُ) الثّاقِبُ سِتَّةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: المُضِيءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: المُتَوَهِّجُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: المُنْقِصُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: أنَّ الثّاقِبَ الَّذِي قَدِ ارْتَفَعَ عَلى النُّجُومِ كُلِّها، قالَهُ الفَرّاءُ.
الخامِسُ: الثّاقِبُ: الشَّياطِينُ حِينَ تُرْمى، قالَهُ السُّدِّيُّ.
السّادِسُ: الثّاقِبُ في مَسِيرِهِ ومَجْراهُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
وَفي هَذا النَّجْمِ الثّاقِبِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ زُحَلُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
الثّانِي: الثُّرَيّا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
﴿ إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كَلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّ (ما) الَّتِي بَعْدَ اللّامِ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَعَلَيْها حافِظٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
وَفي الحافِظِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حافِظٌ مِنَ اللَّهِ يَحْفَظُ عَلَيْهِ أجْلَهُ ورِزْقَهُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: مِنَ المَلائِكَةِ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِ عَمَلَهُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ الحافِظُ الَّذِي عَلَيْهِ عَقْلَهُ، لِأنَّهُ يُرْشِدُهُ إلى مَصالِحِهِ، ويَكُفُّهُ عَنْ مَضارِّهِ.
﴿ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ وتَرائِبِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.
الثّانِي: بِمَعْنى أصْلابِ الرِّجالِ وتَرائِبِ النِّساءِ.
وَفي التَّرائِبِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّدْرُ، قالَهُ ابْنُ عِياضٍ، ومِنهُ قَوْلُ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ.
فَإنْ تُدْبِرُوا نَأْخُذْكم في ظُهُورِكم ∗∗∗ وإنْ تُقْبِلُوا نَأْخُذْكم في التَّرائِبِ الثّانِي: ما بَيْنَ المَنكِبَيْنِ إلى الصَّدْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّالِثُ: مَوْضِعُ القِلادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ الشّاعِرُ والزَّعْفَرانُ عَلى تَرائِبِها ∗∗∗ شَرِقَ بِهِ اللَّبّاتُ والنَّحْرُ الرّابِعُ: أنَّها أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِنَ الجانِبِ الأسْفَلِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ التَّرائِبَ أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُمْنَةِ الصَّدْرِ وأرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يُسْرَةِ الصَّدْرِ.
الخامِسُ: أنَّها بَيْنَ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ والعَيْنَيْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
السّادِسُ: هي عُصارَةُ القَلْبِ، قالَهُ مَعْمَرُ بْنُ أبِي حَبِيبَةَ.
﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: عَلى أنْ يَرُدَّ المَنِيَّ في الإحْلِيلِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: عَلى أنْ يَرُدَّ الماءَ في الصُّلْبِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الثّالِثُ: عَلى أنْ يَرُدَّ الإنْسانَ مِنَ الكِبَرِ إلى الشَّبابِ، ومِنَ الشَّبابِ إلى الصِّبا، ومِنَ الصِّبا إلى النُّطْفَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الرّابِعُ: عَلى أنْ يُعِيدَهُ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ وعِكْرِمَةُ وقَتادَةُ.
الخامِسُ: عَلى أنْ يَحْبِسَ الماءَ فَلا يَخْرُجُ.
وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: عَلى أنْ يُعِيدَهُ إلى الدُّنْيا بَعْدَ بَعْثِهِ في الآخِرَةِ لِأنَّ الكُفّارَ يَسْألُونَ اللَّهَ فِيها الرَّجْعَةَ.
﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ أيْ تَظْهَرُ.
وَيَحْتَمِلُ ثانِيًا: أنْ تُبْتَلى بِظُهُورِ السَّرائِرِ في الآخِرَةِ بَعْدَ اسْتِتارِها في الدُّنْيا.
وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: كُلُّ ما اسْتَتَرَ بِهِ الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وأضْمَرَهُ مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، كَما قالَ الأحْوَصُ سَتُبْلى لَكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحَشا ∗∗∗ سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ.
الثّانِي: هو ما رَواهُ خالِدٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « (اَلْأماناتُ ثَلاثٌ: الصَّلاةُ والصَّوْمُ والجَنابَةُ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّلاةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صَلَّيْتُ ولَمْ يُصَلِّ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الصَّوْمِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدْ صُمْتُ ولَمْ يَصُمْ، اسْتَأْمَنَ اللَّهُ ابْنَ آدَمَ عَلى الجَنابَةِ، فَإنْ شاءَ قالَ: قَدِ اغْتَسَلْتُ ولَمْ يَغْتَسِلْ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ )» .
﴿ فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ القُوَّةَ العَشِيرَةُ، والنّاصِرَ: الحَلِيفُ، قالَهُ سُفْيانُ.
الثّانِي: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في بَدَنِهِ، ولا ناصِرٍ مِن غَيْرِهِ يَمْتَنِعُ بِهِ مِنَ اللَّهِ، أوْ يَنْتَصِرُ بِهِ عَلى اللَّهِ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ في الِامْتِناعِ، ولا ناصِرٍ في الِاحْتِجاجِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ المَطَرِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ في كُلِّ عامٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي ذاتُ السَّحابِ، لِأنَّهُ يَرْجِعُ بِالمَطَرِ.
الثّالِثُ: ذاتُ الرُّجُوعِ إلى ما كانَتْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
الرّابِعُ: ذاتُ النُّجُومِ الرّاجِعَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ذاتُ المَلائِكَةِ لِرُجُوعِهِمْ إلَيْها بِأعْمالِ العِبادِ، وهَذا قَسَمٌ.
﴿ والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ ﴾ فِيها أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ذاتُ النَّباتِ لِانْصِداعِ الأرْضِ عَنْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ذاتُ الأوْدِيَةِ، لِأنَّ الأرْضَ قَدِ انْصَدَعَتْ بِها، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: ذاتُ الطُّرُقِ الَّتِي تُصَدِّعُها المُشاةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الرّابِعُ: ذاتُ الحَرْثِ لِأنَّهُ يُصَدِّعُها.
وَيَحْتَمِلُ خامِسًا: ذاتُ الأمْواتِ، لِانْصِداعِها عَنْهم لِلنُّشُورِ وهَذانَ قَسَمانِ: ﴿ إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾ عَلى هَذا وقَعَ القَسَمُ، وفي المُرادِ بِأنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما قَدَّمَهُ عَنِ الوَعِيدِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ ﴾ الآيَةَ.
تَحْقِيقًا لِوَعِيدِهِ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (فَصْلٌ) وجْهانِ: أحَدُها: حَدٌّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.
الثّانِي: عَدْلٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
القَوْلُ: إنَّ المُرادَ بِالفَصْلِ القُرْآنُ تَصْدِيقًا لِكِتابِهِ، فَعَلى هَذا في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ (فَصْلٌ) وجْهانِ: أحَدُهُما: حَقٌّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ما رَواهُ الحارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: « (كِتابُ اللَّهِ فِيهِ خَيْرُ ما قَبْلَكم، وحُكْمُ ما بَعْدَكم، هو الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَن تَرَكَهُ مِن جَبّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، ومَنِ ابْتَغى الهُدى في غَيْرِهِ أضَلَّهُ اللَّهُ)» .
﴿ وَما هو بِالهَزْلِ ﴾ وهَذا تَمامُ ما وقَعَ عَلَيْهِ القَسَمُ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: بِاللَّعِبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.
الثّانِي: بِالباطِلِ، قالَهُ وكِيعٌ والضَّحّاكُ.
الثّالِثُ: بِالكَذِبِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ حِينَ اجْتَمَعُوا في دارِ النَّدْوَةِ عَلى المَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ﴾ فَقالَ ها هُنا: ﴿ إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا ﴾ أيْ يَمْكُرُونَ مَكْرًا.
﴿ وَأكِيدُ كَيْدًا ﴾ يَعْنِي بِالِانْتِقامِ في الآخِرَةِ بِالنّارِ، وفي الدُّنْيا بِالسَّيْفِ.
﴿ فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قَرِيبًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: انْتِظارًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ رُوَيْدَكَ حَتّى تَنْطَوِيَ ثُمَّ تَنْجَلِي عَمايَةُ هَذا العارِضِ المُتَألِّقِ الثّالِثُ: قَلِيلًا، قالَهُ قَتادَةُ.
قالَ الضَّحّاكُ: فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ.
وَفي (مَهَّلَ (وَأمْهَلَ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما لُغَتانِ مَعْناهُما واحِدٌ.
الثّانِي: مَعْناهُما مُخْتَلِفٌ، فَمَهَّلَ الكَفُّ عَنْهم، وأمْهَلَ انْتِظارُ العَذابِ لَهم.