الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة آل عمران
تفسيرُ سورةِ آل عمران كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 701 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هَذِهِ السُورَةُ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ اسْمَ هَذِهِ السُورَةِ في التَوْراةِ طَيِّبَةُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الم ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ العُلَماءِ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، ومِن حَيْثُ جاءَ في هَذِهِ السُورَةِ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةً قائِمَةً بِنَفْسِها فَتُتَصَوَّرُ تِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها فِي: "الم" في هَذِهِ السُورَةِ، وذَهَبَ الجُرْجانِيُّ في النَظْمِ إلى أنَّ أحْسَنَ الأقْوالِ هُنا أنْ يَكُونَ "الم" إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ كَأنَّهُ يَقُولُ: هَذِهِ الحُرُوفُ كِتابُكَ أو نَحْوُ هَذا، ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ ﴾ عَلى ما تَرَكَ ذِكْرَهُ مِمّا هو خَبَرٌ عَنِ الحُرُوفِ، قالَ: وذَلِكَ في نَظْمِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ ﴾ وتَرْكُ الجَوابِ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللهِ ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَمَن قَسا قَلْبُهُ.
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ∗∗∗ عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ خامِرِي أُمَّ عامِرِ التَقْدِيرُ: ولَكِنِ اتْرُكُونِي لِلَّتِي يُقالُ لَها: "خامِرِي أُمَّ عامِرٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يَحْسُنُ في هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ "نَزَّلَ" خَبَرَ قَوْلِهِ "اللهُ" حَتّى يَرْتَبِطَ الكَلامُ إلى هَذا المَعْنى.
وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ القاضِي الجُرْجانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مِثْلَهُ لَيْسَتْ صَحِيحَةَ الشَبَهِ بِالمَعْنى الَّذِي نَحا إلَيْهِ، وما قالَهُ في الآيَةِ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الأبْرَعَ في نَظْمِ الآيَةِ أنْ تَكُونَ "الم" لا تَضُمُّ ما بَعْدَها إلى نَفْسِها في المَعْنى، وأنْ يَكُونَ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ كَلامًا مُبْتَدَأً جَزْمًا جُمْلَةً رادَّةً عَلى نَصارى نَجْرانَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ فَحاجُّوهُ في عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وقالُوا: إنَّهُ اللهُ، وذَلِكَ أنَّ ابْنَ إسْحاقَ والرَبِيعَ وغَيْرَهُما مِمَّنْ ذَكَرَ السِيَرَ، رَوَوْا «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللهِ : نَصارى سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ مِن أشْرافِهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، في الأرْبَعَةَ عَشَرَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، إلَيْهِ يَرْجِعُ أمْرُهُمُ: العاقِبُ أمِيرُ القَوْمِ وذُو رَأْيِهِمْ واسْمُهُ عَبْدُ المَسِيحِ، والسَيِّدُ ثِمالُهم وصاحِبُ مُجْتَمَعِهِمْ واسْمُهُ الأيْهَمُ، وأبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ أُسْقُفُهم وعالِمُهُمْ؛ فَدَخَلُوا عَلى رَسُولِ اللهِ المَسْجِدَ إثْرَ صَلاةِ العَصْرِ، عَلَيْهِمُ الحَبِراتُ جِبَبٌ وأرْدِيَةٌ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: ما رَأيْنا وفْدًا مِثْلَهم جَمالًا وجَلالَةً، وحانَتْ صَلاتُهم فَقامُوا فَصَلُّوا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ إلى المَشْرِقِ، فَقالَ النَبِيُّ : "دَعُوهُمْ"؛ ثُمَّ أقامُوا بِالمَدِينَةِ أيّامًا يُناظِرُونَ رَسُولَ اللهِ في عِيسى ويَزْعُمُونَ أنَّهُ اللهُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أقْوالٍ بَشِعَةٍ مُضْطَرِبَةٍ، ورَسُولُ اللهِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِالبَراهِينِ الساطِعَةِ وهم لا يُبْصِرُونَ، ونَزَلَ فِيهِمْ صَدْرُ هَذِهِ السُوَرِ إلى نَيِّفٍ وثَمانِينَ آيَةً، إلى أنْ آلَ أمْرُهم إلى أنْ دَعاهم رَسُولُ اللهِ إلى الِابْتِهالِ،» وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وَقَرَأ السَبْعَةُ "ألَمَ اللهُ" بِفَتْحِ المِيمِ والألِفِ ساقِطَةً، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ سَكَّنَ المِيمَ ثُمَّ قَطَعَ الألِفَ، رَوى الأُولى الَّتِي هي كالجَماعَةِ حَفْصٌ، ورَوى الثانِيَةَ أبُو بَكْرٍ، وذَكَرَها الفَرّاءُ عن عاصِمٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرُؤاسِيُّ وأبُو حَيْوَةَ " ألَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ وذَلِكَ رَدِيءٌ لِأنَّ الياءَ تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والصَوابُ الفَتْحُ قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: حُرُوفُ التَهَجِّي مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ فالمِيمُ ساكِنَةٌ واللامُ ساكِنَةٌ، فَحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ كَما حُرِّكَتِ النُونُ في قَوْلِكَ: مِنَ اللهِ ومِنَ المُسْلِمِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَن قالَ بِأنَّ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ أُلْقِيَتْ عَلى المِيمِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّ الألِفَ المَوْصُولَةَ في التَعْرِيفِ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، فَما يَسْقُطُ فَلا تُلْقى حَرَكَتُهُ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: "الحَيُّ القَيُّومُ" في آيَةِ الكُرْسِيِّ، والآيَةُ هُنالِكَ إخْبارٌ لِجَمِيعِ الناسِ، وكُرِّرَتْ هُنا إخْبارًا لِحُجَجِ هَؤُلاءِ النَصارى، ولِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ هَذِهِ الصِفاتِ لا يُمْكِنُهُمُ ادِّعاؤُها لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهم إذْ يَقُولُونَ إنَّهُ صُلِبَ، فَذَلِكَ مَوْتٌ في مُعْتَقَدِهِمْ لا مَحالَةَ، إذْ مِنَ البَيِّنِ أنَّهُ لَيْسَ بِقَيُّومٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ "القَيُّومُ" وزْنُهُ فَيْعُولُ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ "القَيّامُ" وزْنُهُ- فَيْعالُ- ورُوِيَ عن عَلْقَمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ "القَيِّمُ" وزْنُهُ فَيْعِلُ، وهَذا كُلُّهُ مِن: قامَ بِالأمْرِ يَقُومُ بِهِ إذا اضْطَلَعَ بِحِفْظِهِ وبِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في وُجُودِهِ، فاللهُ تَعالى القَيّامُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِما يَنْبَغِي لَهُ أو فِيهِ أو عَلَيْهِ.
وتَنْزِيلُ اللهِ الكِتابَ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"الكِتابَ" في هَذا المَوْضِعِ القُرْآنُ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نَزَّلَ عَلَيْكَ" بِتَشْدِيدِ الزايِ "الكِتابَ" بِنَصْبِ الباءِ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "نَزَلَ عَلَيْكَ الكِتابُ" بِتَخْفِيفِ الزايِ ورَفْعِ الباءِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُنْحازَةٌ.
وقَوْلُهُ "بِالحَقِّ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المَعْنى ضِمْنَ الحَقائِقِ مِن خَيْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ ومَواعِظِهِ، فالباءُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: جاءَنِي كِتابٌ بِخَبَرِ كَذا وكَذا، أيْ ذَلِكَ الخَبَرُ مُقْتَصٌّ فِيهِ، والثانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ بِاسْتِحْقاقِ أنْ يَنْزِلَ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ الشامِلَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ واجِبٌ عَلى اللهِ تَعالى أنْ يَفْعَلَهُ، بَلْ لَهُ بِالحَقِّ أنْ يَفْعَلَهُ، فالباءُ في هَذا المَعْنى عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ﴾ .
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: مَعْنى قَوْلِهِ "بِالحَقِّ": أيْ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ واضْطَرَبَ فِيهِ هَؤُلاءِ النَصارى الوافِدُونَ، وهَذا داخِلٌ في المَعْنى الأوَّلِ.
و"مُصَدِّقًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، وهي راتِبَةٌ غَيْرُ مُنْتَقِلَةٍ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن كِتابِ اللهِ، فَهو كَقَوْلِ ابْنِ دارَةَ: أنا ابْنُ دارَةَ مَعْرُوفًا بِها نَسَبِي ∗∗∗ ∗∗∗ وهَلْ بِدارَةَ يا لَلنّاسِ مِن عارِ؟
و"ما بَيْنَ يَدَيْهِ" التَوْراةُ والإنْجِيلُ وسائِرُ كُتُبِ اللهِ الَّتِي تُلُقِّيَتْ مِن شَرْعِنا كالزَبُورِ والصُحُفِ؛ وما بَيْنَ اليَدِ في هَذِهِ الحَوادِثِ هو المُتَقَدِّمُ في الزَمَنِ.
و"التَوْراةَ والإنْجِيلَ" اسْمانِ أصْلُهُما عِبْرانِيٌّ، لَكِنَّ النُحاةَ وأهْلَ اللِسانِ حَمَلُوها عَلى الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ، فَقالُوا في التَوْراةِ: إنَّها مِن ورِيَ الزَنْدُ يَرِي إذا قُدِحَ وظَهَرَتْ نارُهُ، يُقالُ: أورَيْتُهُ فَوَرِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "فالمُورِياتِ" وقَوْلُهُ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ النارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾ .
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَأمّا قَوْلُهُمْ: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي عَلى وزْنِ فَعِلَتْ، فَزَعَمَ أبُو عُثْمانَ أنَّهُ اسْتُعْمِلَ في هَذا الكَلامِ فَقَطْ ولَمْ يُجاوَزْ بِهِ غَيْرُهُ.
وتَوْراةٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وسائِرِ البَصْرِيِّينَ فَوْعَلَةٌ، كَحَوْقَلَةٍ، أصْلُها ووْرَيَةٌ قُلِبَتِ الواوُ الأُولى تاءً، كَما قُلِبَتْ في "تَوْلَجَ" وأصْلُهُ "وَوْلَجَ" مِن: ولَجَتْ.
وحَكى الزَجّاجُ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ: أنَّ تَوْراةً أصْلُها تَفْعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، مِن: ورِيَتْ بِكَ زِنادِي، قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مِن: أورَيْتَ، قالَ: فَهي تَوْرِيَةٌ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ تَفْعِلَةً بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلَ تَوْصِيَةٍ "ثُمَّ رُدَّتْ إلى تَفْعَلَةٍ بِفَتْحِ العَيْنِ.
قالَ الزَجّاجُ وكَأنَّهُ يُجِيزُ في تَوْصِيَةٍ" تَوْصِأةً وذَلِكَ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالياءُ لَمّا انْفَتَحَ ما قَبْلَها وتَحَرَّكَتْ هي انْقَلَبَتْ ألِفًا فَقِيلَ: تَوْراةٌ، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قَوْلَ البَصْرِيِّينَ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "التَوْراةَ" مَفْتُوحَةَ الراءِ، وكانَ حَمْزَةُ ونافِعٌ يَلْفِظانِ بِالراءِ بَيْنَ اللَفْظَيْنِ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وكَذَلِكَ فَعَلا في قَوْلِهِ: "مَعَ الأبْرارِ" و"مِنَ الأشْرارِ" و"مِن قَرارٍ" إذا كانَ الحَرْفُ مَخْفُوضًا.
ورَوى المُسَيِّبِيُّ عن نافِعٍ فَتْحَ الراءِ مِنَ التَوْراةِ، ورَوى ورْشٌ عنهُ كَسْرَها، وكانَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ يَكْسِرانِ الراءَ مِنَ التَوْراةِ ويُمِيلانِ "مِنَ الأبْرارِ" وغَيْرَها أشَدَّ مِن إمالَةِ حَمْزَةَ ونافِعٍ.
وقالُوا في الإنْجِيلِ: إنَّهُ إفْعِيلٌ مِنَ النَجْلِ، وهو الماءُ الَّذِي يَنِزُّ مِنَ الأرْضِ؛ قالَ الخَلِيلُ: اسْتَنْجَلَتِ الأرْضُ وبِها نِجالٌ إذا خَرَجَ مِنها الماءُ.
والنَجْلُ أيْضًا الوَلَدُ والنَسْلُ قالَهُ الخَلِيلُ وغَيْرُهُ، ونَجَلَهُ أبُوهُ أيْ ولَدَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الأعْشى: أنْجَبَ أيّامَ والِداهُ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ إذْ نَجَلاهُ فَنِعْمَ ما نَجَلا قالَ ابْنُ سِيدَهْ عن أبِي عَلِيٍّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "أيّامَ والِداهُ بِهِ" كَما تَقُولُ: أنا بِاللهِ وبِكَ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: مَعْنى البَيْتِ: أنْجَبَ والِداهُ بِهِ أيّامَ إذْ نَجَلاهُ، فَهو كَقَوْلِكَ: حِينَئِذٍ ويَوْمَئِذٍ لَكِنَّهُ حالٌ بِالفاعِلِ بَيْنَ المُضافِ الَّذِي هو "أيّامَ" وبَيْنَ المُضافِ إلَيْهِ الَّذِي هو "إذْ".
ويُرْوى هَذا البَيْتُ: "أنْجَبَ أيّامَ والِدَيْهِ".
والنَجْلُ: الرَمْيُ بِالشَيْءِ وذَلِكَ أيْضًا مِن مَعْنى الظُهُورِ وفِراقِ شَيْءٍ شَيْئًا، وحَكى أبُو القاسِمِ الزَجّاجِيُّ في نَوادِرِهِ: أنَّ الوالِدَ يُقالُ لَهُ: نَجْلٌ، وأنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا بَيْتُ زُهَيْرٍ فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ فِيهِ: .......................
∗∗∗ وكُلُّ فَحْلٍ لَهُ نَجْلُ أيْ ولَدٌ كَرِيمٌ ونَسْلٌ.
ورَوى الأصْمَعِيُّ فِيما حُكِيَ "عنهُ" "وَكُلُّ فَرْعٍ لَهُ نَجْلُ"، وهَذا لا يَتَّجِهُ إلّا عَلى تَسْمِيَةِ الوالِدِ نَجْلًا.
وقالَ الزَجّاجُ: الإنْجِيلُ مَأْخُوذٌ مِنَ النَجْلِ وهو الأصْلُ، فَهَذا يَنْحُو إلى ما حَكى أبُو القاسِمِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: فالتَوْراةُ مِن ورى الزِنادُ إذا ظَهَرَتْ نارُهُ والإنْجِيلُ مِن نَجَلَ إذا ظَهَرَ ولَدُهُ، أو مِن ظُهُورِ الماءِ مِنَ الأرْضِ، فَهو مُسْتَخْرَجٌ إمّا مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ وإمّا مِنَ التَوْراةِ.
و"الفُرْقانَ" مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَحُرُوفُها مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، إذْ كُلُّها مَعْناهُ: ظُهُورُ الحَقِّ، وبَيانُ الشَرْعِ وفَصْلُهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأباطِيلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ "الأنْجِيلَ" - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - وذَلِكَ لا يَتَّجِهُ في كَلامِ العَرَبِ، ولَكِنْ تَحْمِيهِ مَكانَةُ الحَسَنِ مِنَ الفَصاحَةِ، وأنَّهُ لا يَقْرَأُ إلّا بِما رَوى، وأراهُ نَحا بِهِ نَحْوَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ يَعْنِي مِن قَبْلِ القُرْآنِ.
وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلنّاسِ" مَعْناهُ دُعاءٌ، والناسُ: بَنُو إسْرائِيلَ في هَذا المَوْضِعِ، لِأنَّهُمُ المَدْعُوُّونَ بِهِما لا غَيْرُ، وإنْ أرادَ أنَّهُما هُدىً في ذاتِهِما مَدْعُوٌّ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ، مَنصُوبٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ، فالناسُ عامٌّ في كُلِّ مَن شاءَ حِينَئِذٍ أنْ يَسْتَبْصِرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ هُنا "لِلنّاسِ"، وقالَ في القُرْآنِ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" وذَلِكَ عِنْدِي لِأنَّ هَذا خَبَرٌ مُجَرَّدٌ، وقَوْلُهُ: "هُدىً لِلْمُتَّقِينَ" خَبَرٌ مُقْتَرِنٌ بِهِ الِاسْتِدْعاءُ والصَرْفُ إلى الإيمانِ، فَحَسُنَتِ الصِفَةُ، لِيَقَعَ مِنَ السامِعِ النَشاطُ والبِدارُ، وذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو إيجادُ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهُنا إنَّما ذَكَرَ الهُدى الَّذِي هو الدُعاءُ، والهُدى الَّذِي هو في نَفْسِهِ مُعَدٌّ يَهْتَدِي بِهِ الناسُ، فَسُمِّيَ هُدىً لِذَلِكَ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: التَقْدِيرُ هُنا: هُدىً لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، ويَرُدُّ هَذا العامَّ إلى ذَلِكَ الخاصِّ، وفي هَذا نَظَرٌ.
والفُرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، الَّذِي جادَلَ فِيهِ الوَفْدُ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ في أحْكامِ الشَرائِعِ، وفي الحَلالِ والحَرامِ وَنَحْوِهِ، والفُرْقانُ يَعُمُّ هَذا كُلَّهُ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الفُرْقانُ هُنا: كُلُّ أمْرٍ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيما قَدُمَ وحَدُثَ، فَيَدْخُلُ في هَذا التَأْوِيلِ طُوفانُ نُوحٍ، وفَرْقُ البَحْرِ لِغَرَقِ فِرْعَوْنَ، ويَوْمُ بَدْرٍ، وسائِرُ أفْعالِ اللهِ تَعالى المُفَرِّقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَكَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الكِتابَ العَزِيزَ، ثُمَّ التَوْراةَ والإنْجِيلَ، ثُمَّ كُلَّ أفْعالِهِ ومَخْلُوقاتِهِ الَّتِي فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، كَما فَعَلَتْ هَذِهِ الكُتُبُ ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى الكُفّارَ عُمُومًا بِالعَذابِ الشَدِيدِ، وذَلِكَ يَعُمُّ عَذابَ الدُنْيا بِالسَيْفِ والغَلَبَةِ، وعَذابَ الآخِرَةِ بِالنارِ، والإشارَةُ بِهَذا الوَعِيدِ إلى نَصارى نَجْرانَ، وقالَ النَقّاشُ: إلى اليَهُودِ، كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وكَعْبِ بْنِ أسَدٍ، وابْنَيْ أخْطَبَ وغَيْرِهِمْ.
و"عَزِيزٌ"، مَعْناهُ: غالِبٌ، وقَدْ ذَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ والنِقْمَةُ والِانْتِقامُ: مُعاقَبَةُ المُذْنِبِ بِمُبالَغَةٍ في ذَلِكَ..
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابَ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن عِلْمِ اللهِ تَعالى بِالأشْياءِ عَلى التَفْصِيلِ، وهَذِهِ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ لِعِيسى وَلا لِأحَدٍ مِنَ المَخْلُوقِينَ، ثُمَّ أخْبَرَ عن تَصْوِيرِهِ البَشَرَ في أرْحامِ الأُمَّهاتِ، وهَذا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى وسائِرَ البَشَرِ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا يُنْكِرُ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ المُصَوَّرِينَ في الأرْحامِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ تَعالى في ضِمْنِها الرَدُّ عَلى نَصارى نَجْرانَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴾ وعِيدٌ ما لَهُمْ؛ فَسَّرَ بِنَحْوِ هَذا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ والرَبِيعُ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ ﴾ رَدٌّ عَلى أهْلِ الطَبِيعَةِ، إذْ يَجْعَلُونَها فاعِلَةً مُسْتَبِدَّةً، وشَرَحَ النَبِيُّ كَيْفِيَّةَ التَصْوِيرِ في الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: « "إنَّ النُطْفَةَ إذا وقَعَتْ في الرَحِمِ مَكَثَتْ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إلَيْها مَلَكًا فَيَقُولُ: يا رَبُّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟
أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟".» الحَدِيثُ بِطُولِهِ عَلى اخْتِلافِ ألْفاظِهِ.
وفي مُسْنَدِ ابْنِ سَنْجَرٍ حَدِيثُ: « "إنَّ اللهَ يَخْلُقُ عِظامَ الجَنِينِ وغَضارِيفَهُ مِن مَنِيِّ الرَجُلِ، ولَحْمَهُ وشَحْمَهُ وسائِرَ ذَلِكَ مِن مَنِيِّ المَرْأةِ".» و"صَوَّرَ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن: صارَ يَصُورُ إذا أمالَ وثَنى إلى حالٍ ما، فَلَمّا كانَ التَصْوِيرُ إمالَةً إلى حالٍ وإثْباتًا فِيها، جاءَ بِناؤُهُ عَلى المُبالَغَةِ.
والرَحِمُ: مَوْضِعُ نَشْأةِ الجَنِينِ.
و"كَيْفَ يَشاءُ" يَعْنِي مِن طُولٍ وقِصَرٍ ولَوْنٍ وسَلامَةٍ وعاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ.
و"العَزِيزُ": الغالِبُ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ أوِ المُحَكِّمُ في مَخْلُوقاتِهِ، وهَذا أخَصُّ بِما ذَكَرَ مِنَ التَصْوِيرِ.
و"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ: القُرْآنُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، والمُحْكَماتُ: المُفَصَّلاتُ المُبَيَّناتُ الثابِتاتُ الأحْكامِ، والمُتَشابِهاتُ: هي الَّتِي فِيها نَظَرٌ وتَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ، ويَظْهَرُ فِيها بِبادِئِ النَظَرِ إمّا تَعارُضٌ مَعَ أُخْرى أو مَعَ العَقْلِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ التَشابُهِ، فَهَذا الشَبَهُ الَّذِي مِن أجْلِهِ تُوصَفُ بِمُتَشابِهاتٍ إنَّما هو بَيْنَها وبَيْنَ المَعانِي الفاسِدَةِ الَّتِي يَظُنُّها أهْلُ الزَيْغِ ومَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ، وهَذا نَحْوَ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ"» أيْ يَكُونُ الشَيْءُ حَرامًا في نَفْسِهِ فَيُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ شَيْئًا حَلالًا، وكَذَلِكَ الآيَةُ يَكُونُ لَها في نَفْسِها مَعْنىً صَحِيحٌ فَتُشْبِهُ عِنْدَ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَظَرَ أو عِنْدَ الزائِغِ مَعْنىً آخَرَ فاسِدًا، فَرُبَّما أرادَ الِاعْتِراضَ بِهِ عَلى كِتابِ اللهِ، هَذا عِنْدِي مَعْنى الإحْكامِ والتَشابُهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ألا تَرى «أنَّ نَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: ألَيْسَ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنَّ عِيسى كَلِمَةُ اللهِ ورُوحٌ مِنهُ؟
قالَ نَعَمْ، قالُوا: فَحَسْبُنا إذًا،» فَهَذا التَشابُهُ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْكَماتُ: هي قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿ قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ ﴾ إلى ثَلاثِ آياتٍ، وقَوْلُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ ﴾ ، وهَذا عِنْدِي مِثالٌ أعْطاهُ في المُحْكَماتِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المُحْكَماتُ: ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ويُعْمَلُ بِهِ؛ والمُتَشابِهاتُ: مَنسُوخُهُ ومُقَدَّمُهُ ومُؤَخَّرُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما يُؤْمَنُ بِهِ ولا يُعْمَلُ بِهِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: المُحْكَماتُ الناسِخاتُ، والمُتَشابِهاتُ: المَنسُوخاتُ.
وهَذا عِنْدِي عَلى جِهَةِ التَمْثِيلِ أيْ يُوجَدُ الإحْكامُ في هَذا والتَشابُهُ في هَذا، لا أنَّهُ وقْفٌ عَلى هَذا النَوْعِ مِنَ الآياتِ.
وقالَ بِهَذا القَوْلِ قَتادَةُ والرَبِيعُ والضَحّاكُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: المُحْكَماتُ: ما فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وما سِوى ذَلِكَ فَهو مُتَشابِهٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ وَما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .
وهَذِهِ الأقْوالُ وما ضارَعَها؛ يُضْعِفُها أنَّ أهْلَ الزَيْغِ لا تَعَلُّقَ لَهم بِنَوْعٍ مِمّا ذُكِرَ دُونَ سِواهُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُحْكَماتُ: هي الَّتِي فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَبِّ وعِصْمَةُ العِبادِ ودَفْعُ الخُصُومِ والباطِلِ، لَيْسَ لَها تَصْرِيفٌ ولا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهاتُ: لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيفٌ وتَأْوِيلٌ ابْتَلى اللهُ فِيهِنَّ العِبادَ، وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُحْكَمُ: ما أُحْكِمَ فِيهِ قِصَصُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، وبُيِّنَ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، والمُتَشابِهُ: هو ما اشْتَبَهَتِ الألْفاظُ بِهِ مِن قِصَصِهِمْ عِنْدَ التَكْرِيرِ في السُوَرِ بَعْضُهُ بِاتِّفاقِ الألْفاظِ واخْتِلافِ المَعانِي، وبَعْضُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ نَحْوِ قَوْلِهِ: "حَيَّةٌ تَسْعى" و"ثُعْبانٌ مُبِينٌ" ونَحْوِ: "اسْلُكْ يَدَكَ" و"أدْخِلْ يَدَكَ".
وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ؛ مِنهم جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِئابٍ، وهو مُقْتَضى قَوْلِ الشَعْبِيِّ وسُفْيانَ الثَوْرِيِّ وغَيْرِهِما: المُحْكَماتُ مِن آيِ القُرْآنِ: ما عَرَفَ العُلَماءُ تَأْوِيلَهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ وتَفْسِيرَهُ، والمُتَشابِهُ: ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.
قالَ بَعْضُهُمْ: وذَلِكَ مِثْلُ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وخُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ والدَجّالِ ونُزُولِ عِيسى، ونَحْوِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أمّا الغُيُوبُ الَّتِي تَأْتِي فَهي مِنَ المُحْكَماتِ، لِأنَّ ما يَعْلَمُ البَشَرُ مِنها مَحْدُودٌ، وما لا يَعْلَمُونَهُ وهو تَحْدِيدُ الوَقْتِ مَحْدُودٌ أيْضًا.
وأمّا أوائِلُ السُوَرِ فَمِنَ المُتَشابِهِ لِأنَّها مُعَرَّضَةٌ لِلتَّأْوِيلِ، ولِذَلِكَ اتَّبَعَتْهُ اليَهُودُ وأرادُوا أنْ يَفْهَمُوا مِنهُ مُدَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
وفِي بَعْضِ هَذِهِ العِباراتِ الَّتِي ذَكَرْنا لِلْعُلَماءِ اعْتِراضاتٌ، وذَلِكَ أنَّ التَشابُهَ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ مُقَيَّدٌ بِأنَّهُ مِمّا لِأهْلِ الزَيْغِ بِهِ تَعَلُّقٌ، وفي بَعْضِ عِباراتِ المُفَسِّرِينَ تَشابُهٌ لا يَقْتَضِي لِأهْلِ الزَيْغِ تَعَلُّقًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ ﴾ فَمَعْناهُ الإعْلامُ بِأنَّها مُعْظَمُ الكِتابِ وعُمْدَةُ ما فِيهِ، إذِ المُحْكَمُ في آياتِ اللهِ كَثِيرٌ قَدْ فُصِّلَ ولَمْ يُفَرَّطْ في شَيْءٍ مِنهُ.
قالَ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: هَذا كَما يُقالُ لِمَكَّةَ: أُمُّ القُرى، ولِمُرْوٍ: أُمُّ خُراسانَ، وكَما يُقالُ: أُمُّ الرَأْسِ لِمُجْتَمَعِ الشُؤُونِ إذْ هو أخْطَرُ مَكانٍ.
قالَ المَهْدَوِيُّ والنَقّاشُ: كُلُّ آيَةٍ مُحْكَمَةٍ في كِتابِ اللهِ يُقالُ لَها أُمُّ الكِتابِ؛ وهَذا مَرْدُودٌ بَلْ جَمِيعُ المُحْكَمِ هو أُمُّ الكِتابِ، وقالَ النَقّاشُ: وهَذا كَما تَقُولُ: كُلُّكم عَلَيَّ أسَدٌ ضارٍ، وهَذا المِثالُ غَيْرُ مُحْكَمٍ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "أُمُّ الكِتابِ" مَعْناهُ: جِماعُ الكِتابِ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي فاخِتَةَ أنَّهُ قالَ: "هُنَّ أُمُّ الكِتابِ" يُرادُ بِهِ فَواتِحُ السُوَرِ إذْ مِنها يُسْتَخْرَجُ القُرْآنُ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ، ﴿ الم ﴾ ﴿ اللهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ ﴾ مِنهُ اسْتُخْرِجَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ.
وهَذا قَوْلٌ مُتَداعٍ لِلسُّقُوطِ، مُضْطَرِبٌ لَمْ يَنْظُرْ قائِلُهُ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها ومَقْصِدَها، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ الإنْحاءُ عَلى أهْلِ الزَيْغِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ أوَّلًا إلى نَصارى نَجْرانَ، وإلى اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا مُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهم كانُوا يَعْتَرِضُونَ مَعانِيَ القُرْآنِ، ثُمَّ تَعُمُّ بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ زائِغٍ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ نَزَّلَ الكِتابَ عَلى مُحَمَّدٍ إفْضالًا مِنهُ ونِعْمَةً، وأنَّ مُحْكَمَهُ وبَيِّنَهُ الَّذِي لا اعْتِراضَ فِيهِ هو مُعْظَمُهُ والغالِبُ عَلَيْهِ، وأنَّ مُتَشابِهَهُ الَّذِي يَحْتَمِلُ التَأْوِيلَ ويَحْتاجُ إلى التَفَهُّمِ، هو أقَلُّهُ.
ثُمَّ إنَّ أهْلَ الزَيْغِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ الَّذِي فِيهِ غُنْيَتُهُمْ، ويَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ، ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وأنْ يُفْسِدُوا ذاتَ البَيْنِ ويَرُدُّوا الناسَ إلى زَيْغِهِمْ، فَهَكَذا تَتَوَجَّهُ المَذَمَّةُ عَلَيْهِمْ.
"وَأُخَرُ" جَمْعُ أُخْرى لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ صِفَةٌ، وعُدِلَ عَنِ الألِفِ واللامِ في أنَّهُ يُثَنّى ويُجْمَعُ، وصِفاتُ التَفْضِيلِ كُلُّها إذا عَرِيَتْ عَنِ الألِفِ واللامِ لَمْ تُثَنَّ ولَمْ تُجْمَعْ، كَأفْضَلِ وما جَرى مَجْراهُ، ولا يُفاضَلُ بِهَذِهِ الصِفاتِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إلّا وهي مُنَكَّرَةٌ، ومَتى دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ زالَ مَعْنى التَفْضِيلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ، ولَيْسَ عَدْلُ "أُخَرُ" عَنِ الألِفِ واللامِ مُؤَثِّرًا في التَعْرِيفِ كَما هو عَدْلُ "سَحَرْ" بَلْ أُخَرُ نَكِرَةٌ، وأمّا سَحَرٌ فَعَدَلَ بِأنَّهُ زالَتِ الألِفُ واللامُ، وبَقِيَ مَعْرِفَةً في قَوْلِهِ "جِئْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَحَرْ".
وخَلَطَ المَهْدَوِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ وأفْسَدَ كَلامَ سِيبَوَيْهِ فَتَأمَّلْهُ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلِهِ إلا اللهُ والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ يَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن كافِرٍ وزِنْدِيقٍ وجاهِلٍ صاحِبِ بِدْعَةٍ.
والزَيْغُ: المَيْلُ، ومِنهُ زاغَتِ الشَمْسُ، وزاغَتِ الأبْصارُ.
والإشارَةُ بِالآيَةِ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَتْ إلى نَصارى نَجْرانَ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلْقُرْآنِ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ الرَبِيعُ، وإلى اليَهُودِ، ثُمَّ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ ذِي بِدْعَةٍ أو كُفْرٍ، وبِالمَيْلِ عَنِ الهُدى فَسَّرَ الزَيْغَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ، وابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهم.
و ﴿ ما تَشابَهَ مِنهُ ﴾ هو المَوْصُوفُ آنِفًا بِـ "مُتَشابِهاتٌ".
وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ : إنْ لَمْ يَكُونُوا الحَرُورِيَّةَ وأنْواعَ الخَوارِجِ فَلا أدْرِي مَن هم.
وقالَتْ عائِشَةُ: "إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في القُرْآنِ فَهُمُ الَّذِي عَنى اللهُ فاحْذَرُوهُمْ" وقالَ الطَبَرِيُّ: الأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ في الَّذِينَ جادَلُوا رَسُولَ اللهِ في مُدَّتِهِ ومُدَّةِ أُمَّتِهِ بِسَبَبِ حُرُوفِ أوائِلِ السُوَرِ، وهَؤُلاءِ هُمُ اليَهُودُ.
و"ابْتِغاءَ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، ومَعْناهُ طَلَبُ الفِتْنَةِ.
وقالَ الرَبِيعُ: الفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الفِتْنَةُ الشُبُهاتُ واللَبْسُ عَلى المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قالَ: و"ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ" والتَأْوِيلُ هو مَرَدُّ الكَلامِ ومَرْجِعُهُ، والشَيْءُ الَّذِي يَقِفُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، وهو مِن آلَ يَؤُولُ، إذا رَجَعَ، فالمَعْنى: وطَلَبَ تَأْوِيلَهُ عَلى مَنازِعِهِمُ الفاسِدَةِ.
هَذا فِيما لَهُ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ، وإنْ كانَ مِمّا لا يُتَأوَّلُ، بَلْ يُوقَفُ فِيهِ كالكَلامِ في مَعْنى الرُوحِ ونَحْوِهِ، فَنَفْسُ طَلَبِ تَأْوِيلِهِ هو اتِّباعُ ما تَشابَهَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ابْتَغَوْا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللهُ ﴾ فَهَذا عَلى الكَمالِ والتَوْفِيَةِ فِيما لا يُتَأوَّلُ ولا سَبِيلَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ كَأمْرِ الرُوحِ، وتَعَرُّفِ وقْتِ قِيامِ الساعَةِ وسائِرِ الأحْداثِ الَّتِي أنْذَرَ بِها الشَرْعُ، وفِيما يُمْكِنُ أنْ يَتَأوَّلَهُ العُلَماءُ ويَصِحَّ التَطَرُّقُ إلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الكَمالِ إلّا اللهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والراسِخُونَ في العِلْمِ ﴾ فَرَأتْ فِرْقَةٌ أنَّ رَفْعَ "والراسِخُونَ" هو بِالعَطْفِ عَلى اسْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ في كِتابِ اللهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ "يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ"...
الآيَةُ، قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: والراسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ويَقُولُونَ آمَنّا بِهِ، وقالَهُ الرَبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُمْ، و"يَقُولُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ نُصِبَ عَلى الحالِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: "والراسِخُونَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ وهو مَقْطُوعٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، وخَبَرُهُ "يَقُولُونَ".
والمُنْفَرِدُ بِعِلْمِ المُتَشابِهِ هو اللهُ وحْدَهُ بِحَسَبِ اللَفْظِ في الآيَةِ، وفِعْلُ الراسِخِينَ قَوْلُهُمْ: "آمَنّا بِهِ" قالَتْهُ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا.
وقالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: إنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: "آمَنّا بِهِ".
وقالَ أبُو نَهِيكٍ الأسَدِيُّ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وإنَّها مَقْطُوعَةٌ، وما انْتَهى عِلْمُ الراسِخِينَ إلّا إلى قَوْلِهِمْ: ﴿ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ وقالَ مِثْلَ هَذا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وحَكى نَحْوَهُ الطَبَرِيُّ عن يُونُسَ عن أشْهَبَ عن مالِكِ بْنِ أنَسٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ المَسْألَةُ إذا تُؤُمِّلَتْ قَرُبَ الخِلافُ فِيها مِنَ الِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَسَمَ آيَ الكِتابِ قِسْمَيْنِ: مُحْكَمًا ومُتَشابِهًا، فالمُحْكَمُ هو المُتَّضِحُ المَعْنى لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى نَظَرٍ ولا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ يُلْبِسُ، ويَسْتَوِي في عِلْمِهِ الراسِخُ وغَيْرُهُ، والمُتَشابِهُ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ البَتَّةَ، كَأمْرِ الرُوحِ، وآمادِ المُغَيَّباتِ الَّتِي قَدْ أعْلَمَ اللهُ بِوُقُوعِها، إلى سائِرِ ذَلِكَ، ومِنهُ ما يُحْمَلُ عَلى وُجُوهٍ في اللُغَةِ ومَناحٍ في كَلامِ العَرَبِ، فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ، ويُزالُ ما فِيهِ مِمّا عَسى أنْ يُتَعَلَّقَ بِهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ كَقَوْلِهِ في عِيسى: "وَرُوحٌ مِنهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولا يُسَمّى أحَدٌ راسِخًا إلّا بِأنْ يَعْلَمَ مِن هَذا النَوْعِ كَثِيرًا بِحَسَبِ ما قُدِّرَ لَهُ، وإلّا فَمَن لا يَعْلَمُ سِوى المُحْكَمِ فَلَيْسَ يُسَمّى راسِخًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى جَمِيعِ مُتَشابِهِ القُرْآنِ، وهو نَوْعانِ كَما ذَكَرْنا، فَقَوْلُهُ: "إلّا اللهُ" مُقْتَضٍ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّهُ يَعْلَمُهُ عَلى الكَمالِ والِاسْتِيفاءِ، يَعْلَمُ نَوْعَيْهِ جَمِيعًا.
فَإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، فالمَعْنى إدْخالُهم في عِلْمِ التَأْوِيلِ لا عَلى الكَمالِ، بَلْ عِلْمُهم إنَّما هو في النَوْعِ الثانِي مِنَ المُتَشابِهِ، وبَدِيهَةُ العَقْلِ تَقْضِي بِهَذا، والكَلامُ مُسْتَقِيمٌ عَلى فَصاحَةِ العَرَبِ كَما تَقُولُ: ما قامَ لِنُصْرَتِي إلّا فُلانٌ وفُلانٌ، وأحَدُهُما قَدْ نَصَرَكَ بِأنْ حارَبَ مَعَكَ، والآخَرُ إنَّما أعانَكَ بِكَلامٍ فَقَطْ، إلى كَثِيرٍ مِنَ المُثُلِ، فالمَعْنى "وَما يَعْلَمُ" تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ إلّا اللهُ والراسِخُونَ كُلٌّ بِقَدْرِهِ وما يَصْلُحُ لَهُ، والراسِخُونَ بِحالِ قَوْلٍ في جَمِيعِهِ "آمَنّا بِهِ"، وإذا تَحَصَّلَ لَهم في الَّذِي لا يُعْلَمُ ولا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُهُ مِن غَيْرِهِ، فَذَلِكَ قَدْرٌ مِنَ العِلْمِ بِتَأْوِيلِهِ، وإنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: "والراسِخُونَ" رَفْعًا بِالِابْتِداءِ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، فَتَسْمِيَتُهم راسِخِينَ يَقْتَضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهُمْ، إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ؟
وما الرُسُوخُ إلّا المَعْرِفَةُ بِتَصارِيفِ الكَلامِ، ومَوارِدِ الأحْكامِ، ومَواقِعِ المَواعِظِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَرِيحَةٍ مُعَدَّةٍ، فالمَعْنى: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عَلى الِاسْتِيفاءِ إلّا اللهُ، والقَوْمُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مِنهُ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ يَقُولُونَ في جَمِيعِهِ: "آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا" وهَذا القَدْرُ هو الَّذِي تَعاطى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهو تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِ أنَّهُ عَلِمَ وقْتَ الساعَةِ وأمْرَ الرُوحِ وما شاكَلَهُ.
فَإعْرابُ "الراسِخُونَ" يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ بِهِما، والمَعْنى فِيهِما يَتَقارَبُ بِهَذا النَظَرِ الَّذِي سَطَّرْناهُ.
فَأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ إنَّما هو ما لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إخْراجُ الراسِخِينَ مِن عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، لَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَحِيحُ في ذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا تَأْوِيلًا واحِدًا والمُتَشابِهُ ما احْتَمَلَ مِنَ التَأْوِيلِ أوجُهًا.
وهَذا هو مُتَّبَعُ أهْلِ الزَيْغِ، وعَلى ذَلِكَ يَتَرَتَّبُ النَظَرُ الَّذِي ذَكَرْتُهُ.
ومَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الراسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادُوا هَذا النَوْعَ، وخافُوا أنْ يَظُنَّ أحَدٌ أنَّ اللهَ وصَفَ الراسِخِينَ بِعِلْمِ التَأْوِيلِ عَلى الكَمالِ، وكَذَلِكَ ذَهَبَ الزَجّاجُ إلى أنَّ الإشارَةَ بِما تَشابَهَ مِنهُ إنَّما هي إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرَهُ وفَسَّرَ باقِي الآيَةِ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا تَخْصِيصٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وأمّا مَن يَقُولُ: إنَّ المُتَشابِهَ هو المَنسُوخُ فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ إدْخالُ الراسِخِينَ في عِلْمِ التَأْوِيلِ، ولَكِنَّ تَخْصِيصَهُ المُتَشابِهاتِ بِهَذا النَوْعِ غَيْرُ صَحِيحٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الراسِخِينَ يَعْلَمُونَ التَأْوِيلَ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "إلّا اللهُ ويَقُولُ الراسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ".
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إنْ تَأْوِيلُهُ إلّا عِنْدَ اللهِ، والراسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ".
والرُسُوخُ: الثُبُوتُ في الشَيْءِ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ يَرْسَخَ الجَبَلُ أوِ الشَجَرُ في الأرْضِ.
وسُئِلَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ فَقالَ: "هُوَ مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ وصَدَقَ لِسانُهُ واسْتَقامَ قَلْبُهُ".
وقَوْلُهُ: ﴿ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، والتَقْدِيرُ: كُلُّهُ مِن عِنْدِ رَبِّنا، وحُذِفَ الضَمِيرُ لِدَلالَةِ لَفْظِ "كُلٌّ" عَلَيْهِ، إذْ هي لَفْظَةٌ تَقْتَضِي الإضافَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما يَذَّكَّرُ إلا أُولُو الألْبابِ ﴾ أيْ ما يَقُولُ هَذا ويُؤْمِنُ بِهِ ويَقِفُ حَيْثُ وقَفَ ويَدَعُ اتِّباعَ المُتَشابِهِ إلّا ذُو لُبٍّ، وهو العَقْلُ، وأولو: جَمْعُ ذُو.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ حِكايَةً عَنِ الراسِخِينَ في العِلْمِ أنَّهم يَقُولُونَ هَذا مَعَ قَوْلِهِمْ "آمَنّا بِهِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا مِنَ الأوَّلِ، لَمّا ذَكَرَ أهْلَ الزَيْغِ وذَكَرَ نَقِيضَهم وظَهَرَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ عَلَّمَ عِبادَهُ الدُعاءَ إلَيْهِ في أنْ لا يَكُونُوا مِنَ الطائِفَةِ الذَمِيمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي أهْلُ الزَيْغِ.
وهَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يُضِلُّ العِبادَ، ولَوْ لَمْ تَكُنِ الإزاغَةُ مِن قِبَلِهِ لَما جازَ أنْ يُدْعى في دَفْعِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ.
وتُزِغْ مَعْناهُ: تُمِلْ قُلُوبَنا عَنِ الهُدى والحَقِّ.
وقَرَأ أبُو واقِدٍ والجَرّاحُ: "لا تَزِغْ قُلُوبُنا" بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى القُلُوبِ، وهَذِهِ أيْضًا رَغْبَةٌ إلى اللهِ تَعالى.
وقالَ أبُو الفَتْحِ: ظاهِرُ هَذا ونَحْوِهِ الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ وإنَّما المَسْؤُولُ اللهُ تَعالى، [وَقَوْلُهُ: "الرَغْبَةُ إلى القُلُوبِ" غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ].
ومَعْنى الآيَةِ عَلى القِراءَتَيْنِ أيْ لا يَكُنْ مِثْلَ خَلْقِ الزَيْغِ فَتَزِيغُ هِيَ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ: لا تُكَلِّفْنا عِبادَةً ثَقِيلَةً تَزِيغُ مِنها قُلُوبُنا، وهَذا قَوْلٌ فِيهِ التَحَفُّظُ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى الزَيْغَ والضَلالَةَ في قَلْبِ أحَدٍ مِنَ العِبادِ.
و"مِن لَدُنْكَ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِكَ ومِن قِبَلِكَ، أيْ يَكُونُ تَفَضُّلًا لا عن سَبَبٍ مِنًّا ولا عن عَمَلٍ.
وفي هَذا اسْتِسْلامٌ وتَطارُحٌ.
والمُرادُ: هَبْ لَنا نَعِيمًا صادِرًا عَنِ الرَحْمَةِ، لِأنَّ الرَحْمَةَ راجِعَةٌ إلى صِفاتِ الذاتِ، فَلا تُتَصَوَّرُ فِيها الهِبَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ الناسِ ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ لِيَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ الزَجّاجُ: هَذا هو التَأْوِيلُ الَّذِي عَلِمَهُ الراسِخُونَ فَأقَرُّوا بِهِ، وخالَفَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما تَشابَهَ عَلَيْهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ حِينَ أنْكَرُوهُ.
والرَيْبُ: الشَكُّ، والمَعْنى: أنَّهُ في نَفْسِهِ حَقٌّ لا رَيْبَ فِيهِ، وإنْ وقَعَ فِيهِ رَيْبٌ عِنْدَ المُكَذِّبِينَ بِهِ فَذَلِكَ لا يُعْتَدُّ بِهِ، إذْ هو خَطَأٌ مِنهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنهُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَّتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً مِن قَوْلِ الداعِينَ، فَفي ذَلِكَ إقْرارٌ بِصِفَةِ ذاتِ اللهِ تَعالى.
والمِيعادُ: مِفْعالٌ مِنَ الوَعْدِ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ هم وقُودُ النارِ ﴾ ﴿ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ واللهُ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ هِمَمُ الكُفّارِ الَّذِينَ لا يُقِرُّونَ بِبَعْثٍ إنَّما هي عَلى وجْهِ الدَهْرِ وإلى يَوْمِ القِيامَةِ - في زِينَةِ الدُنْيا، وهي المالُ والبَنُونَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، أنَّ ذَلِكَ المُتَهَمَّمَ فِيهِ لا يُغْنِي عن صاحِبِهِ شَيْئًا، ولا يَمْنَعُهُ مِن عَذابِ اللهِ وعِقابِهِ.
و"مِنَ" في قَوْلِهِ: "مِنَ اللهِ" لِابْتِداءِ الغايَةِ، والإشارَةُ بِالآيَةِ إلى مُعاصِرِي النَبِيِّ ، وكانُوا يَفْخَرُونَ بِأمْوالِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهِيَ- بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "لَنْ يُغْنِيَ" بِالياءِ، عَلى تَذْكِيرِ العَلامَةِ.
والوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ: ما يَحْتَرِقُ في النارِ مِن حَطَبٍ ونَحْوِهِ، وكَذَلِكَ هي قِراءَةُ جُمْهُورِ الناسِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهُما: "وُقُودُ" بِضَمِّ الواوِ، وهَذا عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: "حَطَبُ وُقُودِ النارِ" والوُقُودُ بِضَمِّ الواوِ: المَصْدَرُ، وقَدَتِ النارُ تَقِدُ إذا اشْتَعَلَتْ.
والدَأْبُ والدَأبُ - بِسُكُونِ الهَمْزَةِ وفَتْحِها - مَصْدَرُ دَأبَ يَدْأبُ، إذا لازَمَ فِعْلَ شَيْءٍ ودامَ عَلَيْهِ مُجْتَهِدًا فِيهِ، ويُقالُ لِلْعادَةِ "دَأْبٌ"، فالمَعْنى في الآيَةِ: تَشْبِيهُ هَؤُلاءِ في لُزُومِهِمُ الكُفْرَ ودَوامِهِمْ عَلَيْهِ بِأُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، وآخِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي الوَعِيدَ بِأنْ يُصِيبَ هَؤُلاءِ مِثْلَ ما أصابَ أُولَئِكَ مِنَ العِقابِ.
والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كَدَأْبِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والتَقْدِيرُ: دَأْبُهم كَدَأْبِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
قالَ الفَرّاءُ: هو نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: كُفْرًا كَدَأْبِ، فالعامِلُ فِيهِ "كَفَرُوا"، ورَدَّ هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ بِأنَّ الكافَ خارِجَةٌ مِنَ الصِلَةِ فَلا يُعْمَلُ فِيهِ ما في الصِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ ويَكُونَ التَشْبِيهُ في نَفْسِ الِاحْتِراقِ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ ﴾ ﴿ النارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ﴾ والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ الأقْوالِ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والهاءُ في "قَبْلِهِمْ" عائِدَةٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَعُودَ عَلى مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ مِنَ الكُفّارِ.
وقَوْلُهُ: "بِآياتِنا" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ: المَتْلُوَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: العَلاماتِ المَنصُوبَةَ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الدَأْبِ، وذَلِكَ كُلُّهُ راجِعٌ إلى المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللهِ وأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ واللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصارِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "سَتُغْلَبُونَ وتُحْشَرُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وحَكى أبانُ عن عاصِمٍ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وقَرَأ نافِعٌ ثَلاثَتَهُنَّ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ ثَلاثَتَهُنَّ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "يُرَوْنَهُمْ" بِالياءِ المَضْمُومَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ مَضْمُومَةً.
واخْتُلِفَ، مَنِ الَّذِينَ أُمِرَ بِالقَوْلِ لَهم مِنَ الكُفّارِ؟
فَقِيلَ: هم جَمِيعُ مُعاصِرِيهِ مِنَ الكُفّارِ، أُمِرَ بِأنْ يَقُولَ لَهم هَذا الَّذِي فِيهِ إعْلامٌ بِغَيْبٍ ووَعِيدٌ قَدْ صَدَقَ بِحَمْدِ اللهِ، غُلِبَ الكُفْرُ وصارَ مَن ماتَ عَلَيْهِ إلى جَهَنَّمَ.
ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ في "الحُجَّةِ" وتَظاهَرَتْ رِواياتٌ بِأنَّ المُرادَ يَهُودُ المَدِينَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: « "لَمّا أصابَ رَسُولُ اللهِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ فَقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلَ ما أصابَ قُرَيْشًا" فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، لا يَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا مِن قُرَيْشٍ كانُوا أغْمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ الناسُ، فَأنْزَلَ اللهُ في قَوْلِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ".» ورُوِيَ حَدِيثٌ آخَرُ ذَكَرَهُ النَقّاشُ، وهو « "أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا غَلَبَ قُرَيْشًا بِبَدْرٍ قالَتِ اليَهُودُ: هَذا هو النَبِيُّ المَبْعُوثُ الَّذِي في كِتابِنا وهو الَّذِي لا تُهْزَمُ لَهُ رايَةٌ، وكَثُرَتْ فِتْنَتُهم بِالأمْرِ، فَقالَ لَهم رُؤَساؤُهم وشَياطِينُهُمْ: لا تَعْجَلُوا وأمْهِلُوا حَتّى نَرى أمْرَهُ في وقْعَةٍ أُخْرى، فَلَمّا وقَعَتْ أُحُدٌ كَفَرَ جَمِيعُهم وبَقُوا عَلى أوَّلِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ بِالنَبِيِّ المَنصُورِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ.
سَيَغْلِبُونَ "يَعْنِي قُرَيْشًا" وهَذا التَأْوِيلُ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى قِراءَةِ "سَيُغْلَبُونَ ويُحْشَرُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لِلْكُفّارِ جَمِيعًا هَذِهِ الألْفاظَ.
ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: قُلْ لَهم كَلامًا هَذا مَعْناهُ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةُ التاءِ التَأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْناهُ آنِفًا، أيْ قُلْ لِلْيَهُودِ: سَتُغْلَبُ قُرَيْشٌ.
ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ التاءِ عَلى المُواجَهَةِ، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعُمُّ الفَرِيقَيْنِ: المُشْرِكِينَ واليَهُودَ، وكُلٌّ قَدْ غُلِبَ بِالسَيْفِ والجِزْيَةِ والذِلَّةِ.
والحَشْرُ: الجَمْعُ والإحْضارُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبِئْسَ المِهادُ ﴾ يَعْنِي جَهَنَّمَ، هَذا ظاهِرُ الآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى بِئْسَ ما مَهَّدُوا لِأنْفُسِهِمْ، فَكَأنَّ المَعْنى: وبِئْسَ فِعْلُهُمُ الَّذِي أدّاهم إلى جَهَنَّمَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ ﴾ ...
الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ يُخاطَبَ بِها المُؤْمِنُونَ، وأنْ يُخاطَبَ بِها جَمِيعُ الكُفّارِ، وأنْ يُخاطَبَ بِها يَهُودُ المَدِينَةِ، وبِكُلِّ احْتِمالٍ مِنها قَدْ قالَ قَوْمٌ، فَمَن رَأى أنَّ الخِطابَ بِها لِلْمُؤْمِنِينَ، فَمَعْنى الآيَةِ تَثْبِيتُ النُفُوسِ وتَشْجِيعُها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ ما أُمِرَ بِهِ أمْكَنَ أنْ يَسْتَبْعِدَ ذَلِكَ المُنافِقُونَ وبَعْضُ ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ قائِلٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ: "يَعِدُنا مُحَمَّدٌ أمْوالَ كِسْرى وقَيْصَرٍ، ونَحْنُ لا نَأْمَنُ عَلى أنْفُسِنا في المَذْهَبِ"، وكَما قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ حِينَ أخْبَرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِالأمَنَةِ الَّتِي تَأْتِي، فَقُلْتُ في نَفْسِي: « "وَأيْنَ دُعّارُ طَيِّئٍ الَّذِينَ سَعَّرُوا البِلادَ"؟...» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُقَوِّيَةً لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ومُبَيِّنَةً صِحَّةَ ما أخْبَرَ بِهِ بِالمِثالِ الواقِعِ.
فَمَن قَرَأ "تَرَوْنَهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَهي مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ إذْ قَدْ رَأى ذَلِكَ جُمْهُورٌ مِنهُمْ، والهاءُ والمِيمُ في "تَرَوْنَهُمْ" لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ، وفي "مِثْلَيْهِمْ" لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن رَأى أنَّ الخِطابَ لِجَمِيعِ الكُفّارِ ومَن رَأى أنَّهُ لِلْيَهُودِ فالآيَةُ عِنْدَهُ داخِلَةٌ فِيما أُمِرَ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، وتَبْيِينًا لِصُورَةِ الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في أنَّهم سَيُغْلَبُونَ.
فَمَن قَرَأ "يَرَوْنَهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، فالمَعْنى: يَرى الجَمْعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ جَمْعَ الكُفّارِ مِثْلَيْ جَمْعِ المُؤْمِنِينَ، ومَن قَرَأ بِالتاءِ فالمَعْنى: فَلَوْ حَضَرْتُمْ أو إنْ كُنْتُمْ حَضَرْتُمْ، وساغَتِ العِبارَةُ لِوُضُوحِ الأمْرِ في نَفْسِهِ ووُقُوعِ اليَقِينِ بِهِ لِكُلِّ إنْسانٍ في ذَلِكَ العَصْرِ، ومَن قَرَأ بِضَمِّ التاءِ أوِ الياءِ فَكَأنَّ المَعْنى: إنَّ اعْتِقادَ التَضْعِيفِ في جَمِيعِ الكُفّارِ إنَّما كانَ تَخْمِينًا وظَنًّا لا يَقِينًا، فَلِذَلِكَ تُرِكَ في العِبارَةِ ضَرْبٌ مِنَ الشَكِّ، وذَلِكَ أنَّ أُرى - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما بَقِيَ عِنْدَكَ فِيهِ نَظَرٌ، وأرى- بِفَتْحِ الهَمْزَةِ - تَقُولُها فِيما قَدْ صَحَّ نَظَرُكَ فِيهِ.
ونَحا هَذا المَنحى أبُو الفَتْحِ وهو صَحِيحٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: والرُؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ عَيْنٌ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وَ"مِثْلَيْهِمْ" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في "تَرَوْنَهُمْ"، وأجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ الفاعِلَ بِـ "تَرَوْنَ" هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَمِيرَ المُتَّصِلَ هو لِلْكُفّارِ، إلّا ما حَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: بَلْ كَثَّرَ اللهُ عَدَدَ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكافِرِينَ حَتّى كانُوا عِنْدَهم ضِعْفَيْهِمْ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وكَذَلِكَ هو مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، بَلْ قَلَّلَ اللهُ كُلَّ طائِفَةٍ في عَيْنِ الأُخْرى، لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، فَقَلَّلَ الكُفّارَ في عُيُونِ المُؤْمِنِينَ لِيَقَعَ التَجاسُرُ ويُحْتَقَرَ العَدُوُّ، وهَذا مَعَ اعْتِقادِ النَبِيِّ وقَوْلِهِ، واعْتِقادِ أُولِي الفَهْمِ مِن أصْحابِهِ أنَّهم مِنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، لَكِنْ أذْهَبَ اللهُ عنهُمُ البَهاءَ وانْتِشارَ العَساكِرِ وفَخامَةَ التَرْتِيبِ، حَتّى قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: لَقَدْ قُلْتُ لِرَجُلٍ إلى جَنْبِي أتَراهم سَبْعِينَ؟
فَقالَ: أظُنُّهم مِائَةً، فَلَمّا أخَذْنا الأسْرى أخْبَرُونا أنَّهم كانُوا ألْفًا.
وقَلَّلَ اللهُ المُؤْمِنِينَ في عُيُونِ الكُفّارِ لِيَغْتَرُّوا ولا يَحْزَمُوا، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ أنَّ جَمْعَ الكُفّارِ بِبَدْرٍ كانَ نَحْوَ الألْفِ فَوْقَ التِسْعِمِائَةِ، وأنَّ جَمْعَ المُؤْمِنِينَ كانَ ثَلاثَمِائَةً وأرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا وقِيلَ: وثَلاثَةَ عَشَرَ، فَكانَ الكُفّارُ ثَلاثَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ رَجَعَ بَنُو زُهْرَةَ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، ورَجَعَ طالِبُ بْنُ أبِي طالِبٍ وأتْباعٌ وناسٌ كَثِيرٌ حَتّى بَقِيَ لِلْقِتالِ مَن يَقْرُبُ مِنَ المِثْلَيْنِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ نَحْوًا مِن هَذا.
فَذِكْرُ اللهِ تَعالى المَثَلَيْنِ إذْ أمَرَهُما مُتَيَقَّنٌ لَمْ يَدْفَعْهُ قَطُّ أحَدٌ، وقَدْ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُشْرِكِينَ في قِتالِ بَدْرٍ كانُوا سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ رَجُلًا.
وقَدْ ذَهَبَ الزَجّاجُ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهم كانُوا نَحْوَ الألْفِ، وأراهُمُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ فَقَطْ، قالَ: فَهَذا التَقْلِيلُ في الآيَةِ الأُخْرى، ثُمَّ نَصَرَهم عَلَيْهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم مِثْلاهم في العَدَدِ، لِأنَّهُ كانَ أعْلَمَ المُسْلِمِينَ أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ "القَوْمُ ألْفٌ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكم آيَةٌ ﴾ يُرِيدُ عَلامَةً وأمارَةً ومُعْتَبَرًا، والفِئَةُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها يُفاءُ إلَيْها، أيْ يُرْجَعُ في وقْتِ الشِدَّةِ، وقالَ الزَجّاجُ: الفِئَةُ: الفِرْقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن فَأوتُ رَأْسَهُ بِالسَيْفِ، ويُقالُ: فَأيْتُهُ إذا فَلَقْتُهُ، ولا خِلافَ أنَّ الإشارَةَ بِهاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ هي إلى يَوْمِ بَدْرٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِئَةٌ تُقاتِلُ" بِرَفْعِ فِئَةٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: إحْداهُما فِئَةٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والزُهْرِيُّ وحُمَيْدٌ: "فِئَةٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ، ومِنهم مَن رَفَعَ "كافِرَةٌ".
ومِنهم مَن خَفَضَها عَلى العَطْفِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فِئَةً" بِالنَصْبِ وكَذَلِكَ "كافِرَةً" قالَ الزَجّاجُ: يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: التَقَتا مُؤْمِنَةً وكافِرَةً، ويَتَّجِهُ أنْ يُضْمِرَ فِعْلَ أعْنِي ونَحْوَهُ.
و"رَأْيَ العَيْنِ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.
و"يُؤَيِّدُ" مَعْناهُ: يُقَوِّي مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَهَواتِ مِنَ النِساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَهَبِ والفِضَّةِ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ والأنْعامِ والحَرْثِ ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ "حُبُّ" عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَرَأ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "حُبَّ" عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ، واخْتَلَفَ الناسُ مَنِ المُزَيِّنُ؟
فَقالَتْ فِرْقَةٌ: اللهُ زَيَّنَ ذَلِكَ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: قُلْتُ: الآنَ يا رَبُّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ ﴾ ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُزَيِّنُ هو الشَيْطانُ، وهَذا ظاهِرُ قَوْلِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، فَإنَّهُ قالَ: مَن زَيَّنَها؟
ما أحَدٌ أشَدُّ لَها ذَمًّا مِن خالِقِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا قِيلَ: زَيَّنَ اللهُ، فَمَعْناهُ بِالإيجادِ والتَهْيِئَةِ لِانْتِفاعٍ وإنْشاءِ الجِبِلَّةِ عَلى المَيْلِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ.
وإذا قِيلَ: زَيَّنَ الشَيْطانُ فَمَعْناهُ: بِالوَسْوَسَةِ والخَدِيعَةِ وتَحْسِينِ أخْذِها مِن غَيْرِ وُجُوهِها.
والآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذِهِ النَوْعَيْنِ مِنَ التَزْيِينِ، ولا يَخْتَلِفُ مَعَ هَذا النَظَرُ.
وهَذِهِ الآيَةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ ابْتِداءُ وعْظٍ لِجَمِيعِ الناسِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، والشَهَواتُ ذَمِيمَةٌ، واتِّباعُها مُرْدٍ وطاعَتُها مُهْلِكَةٌ، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "حُفَّتِ النارُ بِالشَهَواتِ وحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ"» فَحَسْبُكَ أنَّ النارَ حُفَّتْ بِها، فَمَن واقَعَها خَلَصَ إلى النارِ.
و"القَناطِيرِ" جَمْعُ قِنْطارٍ، وهو العُقْدَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ المالِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَحْرِيرِ حَدِّهِ كَمْ هُوَ؟
فَرَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: « "القِنْطارُ ألْفٌ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ"،» وقالَ بِذَلِكَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَجُودِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ.
لَكِنَّ القِنْطارَ عَلى هَذا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ البِلادِ في قَدْرِ الأُوقِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: القِنْطارُ: ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ.
ورَوى الحَسَنُ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.
قالَ الضَحّاكُ: وهو مِنَ الفِضَّةِ ألْفٌ ومِائَتا مِثْقالٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ مِنَ الفِضَّةِ اثْنا عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ، ومِنَ الذَهَبِ ألْفُ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ والضَحّاكِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا.
وقالَ قَتادَةُ: القِنْطارُ مِائَةُ رِطْلٍ مِنَ الذَهَبِ أو ثَمانُونَ ألْفَ دِرْهَمٍ مِنَ الفِضَّةِ.
وقالَ السُدِّيُّ: القِنْطارُ ثَمانِيَةُ آلافِ مِثْقالٍ وهي مِائَةُ رِطْلٍ.
وقالَ مُجاهِدٌ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفَ دِينارٍ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وقالَ أبُو نَضْرَةَ: القِنْطارُ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.
قالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَكَذا هو بِالسُرْيانِيَّةِ.
وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: القِنْطارُ المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ.
وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ: أنَّ القِنْطارَ بِلُغَةِ الرُومِ مَلْءُ مَسْكِ ثَوْرٍ ذَهَبًا.
وقالَ النَقّاشُ: القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ لِأنَّهُ جَمْعُ الجَمْعِ، وهَذا ضَعْفُ نَظَرٍ وكَلامٌ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَدْ حَكى مَكِّيٌّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ كَيْسانَ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن تِسْعَةٍ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عنهُ وعَنِ الفَرّاءِ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أكْثَرَ مِن تِسْعَةٍ..
وهَذا كُلُّهُ تَحَكُّمٌ.
قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ.
وحَكى مَكِّيٌّ قَوْلًا إنَّ القِنْطارَ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً ذَهَبًا أو فِضَّةً، وقالَهُ ابْنُ سِيدَهْ في المُحْكَمِ، وقالَ: القِنْطارُ بِلُغَةِ بَرْبَرٍ ألْفُ مِثْقالٍ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ «عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا ﴾ قالَ: ألْفَ دِينارٍ،» ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحَكى الزَجّاجُ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ القِنْطارَ هو رِطْلٌ ذَهَبًا أو فِضَّةً، وأظُنُّها وهْمًا، وأنَّ القَوْلَ مِائَةُ رِطْلٍ فَسَقَطَتْ "مِائَةُ" لِلنّاقِلِ.
والقِنْطارُ إنَّما هو اسْمُ المِعْيارِ الَّذِي يُوزَنُ بِهِ، كَما هو الرِطْلُ والرُبْعُ، ويُقالُ لِما بَلَغَ ذَلِكَ الوَزْنَ: هَذا قِنْطارٌ أيْ يَعْدِلُ القِنْطارَ.
والعَرَبُ تَقُولُ: قَنْطَرَ الرَجُلُ إذا بَلَغَ مالُهُ أنْ يُوزَنَ بِالقِنْطارِ.
وقالَ الزَجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَيْءِ وإحْكامِهِ، والقَنْطَرَةُ المَعْقُودَةُ نَحْوُهُ، فَكَأنَّ القِنْطارَ عُقْدَةُ مالٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "المُقَنْطَرَةِ" فَقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْناهُ: المُضَعَّفَةُ، وكَأنَّ القَناطِيرَ ثَلاثَةٌ والمُقَنْطَرَةَ تِسْعٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا النَظَرِ، وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ: المالُ الكَثِيرُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى المُقَنْطَرَةِ: المَضْرُوبَةُ حَتّى صارَتْ دَنانِيرَ أو دَراهِمَ.
وقالَ مَكِّيٌّ: المُقَنْطَرَةُ المُكَمَّلَةُ، والَّذِي أقُولُ: إنَّها إشارَةٌ إلى حُضُورِ المالِ وكَوْنِهِ عَتِيدًا، فَذَلِكَ أشْهى في أمْرِهِ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ في رَجُلٍ غَنِيٍّ مِنَ الحَيَوانِ والأمْلاكِ: فُلانٌ صاحِبُ قَناطِيرِ مالٍ، أيْ لَوْ قُوِّمَتْ أمْلاكُهُ لاجْتَمَعَ مِن ذَلِكَ ما يَعْدِلُ قَناطِيرَ، وتَقُولُ في صاحِبِ المالِ الحاضِرِ العَتِيدِ: هو صاحِبُ قَناطِيرَ مُقَنْطَرَةٍ، أيْ قَدْ حَصَلَتْ كَذَلِكَ بِالفِعْلِ بِها، أيْ قُنْطِرَتْ فَهي مُقَنْطَرَةٌ، وذَلِكَ أشْهى لِلنُّفُوسِ وأقْرَبُ لِلِانْتِفاعِ وبُلُوغِ الآمالِ.
وقَدْ قالَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ: ما المالُ إلّا ما حازَتْهُ العِيابُ، وإذا كانَ هَذا فَسَواءٌ كانَ المالُ مَسْكُوكًا أو غَيْرَ مَسْكُوكٍ، أمّا أنَّ المَسْكُوكَ أشْهى لِما ذَكَرْناهُ، ولَكِنْ لا تُعْطِي ذَلِكَ لَفْظَةُ "المُقَنْطَرَةِ".
"والخَيْلِ" جَمْعُ خائِلٍ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الفَرَسُ لِأنَّهُ يَخْتالُ في مَشْيِهِ فَهو كَطائِرٍ وطَيْرٍ، وقالَ غَيْرُهُ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى "المُسَوَّمَةِ"، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبْزى والحَسَنُ والرَبِيعُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: الراعِيَةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، تَقُولُ: سامَتِ الدابَّةُ والشاةُ إذا سَرَحَتْ وأخَذَتْ سَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، أيْ غايَةَ جُهْدِها ولَمْ تُقَصِّرْ عن حالٍ دُونَ حالٍ، وأسْمَتُها أنا إذا تَرَكْتُها لِذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "فِي سائِمَةِ الغَنَمِ الزَكاةُ"» ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾ ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُطَهَّمَةُ الحِسانُ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ: سَوَّمَها الحُسْنُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المُسَوَّمَةُ مَعْناهُ: المُعَلَّمَةُ، شِياتُ الخَيْلِ في وُجُوهِها، "وَقالَهُ قَتادَةُ" ويَشْهَدُ لِهَذا القَوْلِ بَيْتُ لَبِيدٍ: وغَداةَ قاعِ القَرْنَتَيْنِ أتَيْنَهم ∗∗∗ زُجَلًا يَلُوحُ خِلالَها التَسْوِيمُ وأمّا قَوْلُ النابِغَةِ:: بِسُمْرٍ كالقِداحِ مُسَوَّماتٍ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْها مَعْشَرٌ أشْباهُ جِنِّ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُطَهَّمَةَ الحِسانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَلَّمَةَ بِالشِياتِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المُعَدَّةَ.
وقَدْ فَسَّرَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾ بِمَعْنى مُعَدَّةٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ ﴾ مَعْناهُ: المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ لِلْجِهادِ لَيْسَ مِن تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ.
"والأنْعامِ" الأصْنافُ الأرْبَعَةُ: الإبِلُ والبَقَرُ والضَأْنُ والمَعْزُ.
"والحَرْثِ" هُنا اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، تَقُولُ: حَرَثَ الرَجُلُ حَرْثًا إذا أثارَ الأرْضَ لِمَعْنى الفِلاحَةِ، فَيَقَعُ اسْمُ الحَرْثِ عَلى زَرْعِ الحُبُوبِ وعَلى الجَنّاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفِلاحَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: كانَ كَرْمًا.
والمَتاعُ: ما يُسْتَمْتَعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ مُدَّةً ما مُنْحَصِرَةً.
و"المَآبِ": المَرْجِعُ، تَقُولُ: آبَ الرَجُلُ يَؤُوبُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........................
∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ وقَوْلُ الآخَرِ: .......................
∗∗∗ إذا ما القارِظُ العنزِيُّ آبا وقَوْلُ عَبِيدٍ: .......................
∗∗∗ وغائِبُ المَوْتِ لا يَؤُوبُ وأصْلُ مَآبٍ مَأْوَبٌ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الهَمْزَةِ وأُبْدِلَ مِنَ الواوِ ألِفٌ، مِثْلُ مَقالٍ، فَمَعْنى الآيَةِ تَقْلِيلُ أمْرِ الدُنْيا وتَحْقِيرُها، والتَرْغِيبُ في حُسْنِ المَرْجِعِ إلى اللهِ تَعالى في الآخِرَةِ.
وفِي قَوْلِهِ: "زُيِّنَ لِلنّاسِ" الآيَةِ، تَحَسُّرٌ ما عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "تُتَزَوَّجُ المَرْأةُ لِأرْبَعٍ"....» الحَدِيثِ؛.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكُمْ ﴾ الآيَةُ بِمَثابَةِ قَوْلِ النَبِيِّ : « "فاظْفَرْ بِذاتِ الدِينِ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِن اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ فِي هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةٌ عَنِ الدُنْيا وتَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ تارِكِيها، وذَكَرَ تَعالى حالَ الدُنْيا وكَيْفَ اسْتَقَرَّ تَزْيِينُ شَهَواتِها، ثُمَّ جاءَ الإنْباءُ بِخَيْرٍ مِن ذَلِكَ، هازًّا لِلنُّفُوسِ وجامِعًا لَها، لِتَسْمَعَ هَذا النَبَأ المُسْتَغْرَبَ النافِعَ لِمَن عَقَلَ.
وأُنَبِّئُ: مَعْناهُ أُخْبِرُ.
وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الناسِ إلى أنَّ الكَلامَ الَّذِي أُمِرَ النَبِيُّ بِقَوْلِهِ تَمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: "عِنْدَ رَبِّهِمْ".
و"جَنّاتٌ" عَلى هَذا؛ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ المُضْمَرِ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ جَنّاتٌ؛ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "مِن ذَلِكُمْ" وأنَّ قَوْلَهُ "لِلَّذِينَ" خَبَرٌ مُتَقَدِّمٌ، و"جَنّاتٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجُوزُ في "جَنّاتٌ" الخَفْضُ بَدَلًا مِن "خَيْرٍ"، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى التَأْوِيلِ الثانِي، والتَأْوِيلانِ مُحْتَمَلانِ.
وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها" يَعْنِي مِن تَحْتِ أشْجارِها، وعُلُوِّها مِنَ الغُرَفِ ونَحْوِها.
"وَخالِدِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ: "وَأزْواجٌ" عَطْفٌ عَلى الجَنّاتِ، وهو جَمْعُ زَوْجٍ، وهي امْرَأةُ الإنْسانِ، وقَدْ يُقالُ زَوْجَةٌ، ولَمْ يَأْتِ في القُرْآنِ.
و"مُطَهَّرَةٌ"، مَعْناهُ مِنَ المَعْهُودِ في الدُنْيا مِنَ الأقْذارِ والرَيْبِ وكُلِّ ما يَصِمُ في الخَلْقِ والخُلُقِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأزْواجُ: الأنْواعَ والأشْباهَ.
والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ إذا اسْتَقَرُّوا فِيها وحَصَلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؛ قالَ اللهُ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ أُعْطِيَكم ما هو أفْضَلُ مِن هَذا؟
قالُوا: يا رَبَّنا وأيُّ شَيْءٍ أفْضَلُ مِن هَذا؟
فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: أُحِلُّ عَلَيْكم رِضْوانِي فَلا أسْخَطُ عَلَيْكم أبَدًا"» هَذا سِياقُ الحَدِيثِ، وقَدْ يَجِيءُ مُخْتَلِفَ الألْفاظِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إنَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ الصابِرِينَ والصادِقِينَ والقانِتِينَ والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ اتَّقَوْا"، فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ أحْوالَ المُتَّقِينَ المَوْعُودِينَ بِالجَنّاتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ: "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ رَفْعًا عَلى القَطْعِ وَإضْمارِ الِابْتِداءِ، ويَحْتاجُ إلى القَطْعِ وإضْمارِ فِعْلٍ في قَوْلِهِ "الصابِرِينَ"، والخَفْضُ في ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى البَدَلِ أوجَهُ.
ويَجُوزُ في "الَّذِينَ"، وما بَعْدَهُ النَصْبُ عَلى المَدْحِ.
والصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: عَلى الطاعاتِ وعَنِ المَعاصِي والشَهَواتِ.
والصِدْقُ مَعْناهُ: في الأقْوالِ والأفْعالِ.
والقُنُوتُ: الطاعَةُ والدُعاءُ أيْضًا وبِكُلِّ ذَلِكَ يَتَّصِفُ المُتَّقِي.
والإنْفاقُ مَعْناهُ: في سَبِيلِ اللهِ ومَظانِّ الأجْرِ كالصِلَةِ لِلرَّحِمِ وغَيْرِها، ولا يَخْتَصُّ هَذا الإنْفاقُ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ.
والِاسْتِغْفارُ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ تَعالى، وخَصَّ تَعالى السَحَرَ لِما فَسَّرَ النَبِيُّ في قَوْلِهِ: « "يَنْزِلُ رَبُّنا عَزَّ وجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُنْيا حِينَ يَبْقى ثُلُثُ اللَيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟
مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟
فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ.» ورُوِيَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ: "سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي" أنَّهُ أخَّرَ الأمْرَ إلى السَحَرِ، ورَوى إبْراهِيمُ بْنُ حاطِبٍ عن أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا في السَحَرِ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ يَقُولُ: رَبِّ أمَرْتَنِي فَأطَعْتُكَ، وهَذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لِي، فَنَظَرْتُ فَإذا ابْنُ مَسْعُودٍ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: أُمِرْنا أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالسَحَرِ سَبْعِينَ اسْتِغْفارَةً.
وقالَ نافِعٌ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْيِي اللَيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحِرْنا؟
فَأقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَلاةَ ثُمَّ يَسْألُ، فَإذا قُلْتُ نَعَمْ قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ.
فَلَفْظُ الآيَةِ إنَّما يُعْطِي طَلَبَ المَغْفِرَةِ، وهَكَذا تَأوَّلَهُ مَن ذَكَرْناهُ مِنَ الصَحابَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِالآيَةِ، المُصَلُّونَ بِالسَحَرِ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المُرادُ بِها الَّذِينَ يُصَلُّونَ صَلاةَ الصُبْحِ في جَماعَةٍ، وهَذا كُلُّهُ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاسْتِغْفارُ.
والسَحَرُ - بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها-: آخِرُ اللَيْلِ.
قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهَذا صَحِيحٌ لِأنَّ ما بَعْدَ الفَجْرِ هو مِنَ اليَوْمِ لا مِنَ اللَيْلَةِ.
وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: السَحَرُ مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الآخِرِ إلى الفَجْرِ.
والحَدِيثُ في التَنَزُّلِ وهَذِهِ الآيَةُ في الِاسْتِغْفارِ يُؤَيِّدانِ هَذا.
وقَدْ يَجِيءُ في أشْعارِ العَرَبِ ما يَقْتَضِي أنَّ حُكْمَ السَحَرِ يَسْتَمِرُّ فِيما بَعْدَ الفَجْرِ، نَحْوِ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: يُعَلُّ بِهِ بَرْدُ أنْيابِها ∗∗∗ إذا غَرَّدَ الطائِرُ المُسْتَحِرْ يُقالُ: أسْحَرَ واسْتَحَرَ إذا دَخَلَ في السَحَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: نَسِيمُ السَحَرِ، يَقَعُ لِما بَعْدَ الفَجْرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يَجِدُ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ فَقَدْ قَضى أنَّ السَحَرَ يَتَبَلَّجُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولَكِنَّ حَقِيقَةَ السَحَرِ في هَذِهِ الأحْكامِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ المَحْمُودِ، ومِن سَحُورِ الصائِمِ، ومِن يَمِينٍ لَوْ وقَعَتْ - إنَّما هي مِن ثُلُثِ اللَيْلِ الباقِي إلى الفَجْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ أصْلُ شَهِدَ في كَلامِ العَرَبِ: حَضَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ثُمَّ صُرِّفَتِ الكَلِمَةُ حَتّى قِيلَ في أداءِ ما تَقَرَّرَ عِلْمُهُ في النَفْسِ، بِأيِّ وجْهٍ تَقَرَّرَ؛ مِن حُضُورٍ أو غَيْرِهِ: شَهِدَ يَشْهَدُ؛ فَمَعْنى "شَهِدَ اللهُ": أعْلَمَ عِبادَهُ بِهَذا الأمْرِ الحَقِّ وبَيَّنَهُ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَهِدَ اللهُ مَعْناهُ: قَضى اللهُ، وهَذا مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ.
وقَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ: "أنَّهُ لا إلَهَ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّهُ" وبِكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "إنَّ الدِينَ" واسْتِئْنافِ الكَلامِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "أنَّ الدِينَ" بِفَتْحِ الألِفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: "أنَّ" بَدَلٌ مِن "أنَّهُ" الأُولى، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الشَيْءِ مِنَ الشَيْءِ وهو هُوَ، لِأنَّهُ الإسْلامُ هو التَوْحِيدُ والعَدْلُ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مِن بَدَلِ الِاشْتِمالِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَشْتَمِلُ عَلى التَوْحِيدِ والعَدْلِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ "إنَّ الدِينَ" بَدَلًا مِنَ "القِسْطِ" لِأنَّهُ هو في المَعْنى.
ووَجَّهَ الطَبَرِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنْ قَدَّرَ في الكَلامِ واوَ عَطْفٍ ثُمَّ حُذِفَتْ وهي مُرادَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: "وَإنَّ الدِينَ" وهَذا ضَعِيفٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبّاسِ: "إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنَّهُ"، وقَرَأ "أنَّ الدِينَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَأعْمَلَ "شَهِدَ" في "أنَّ الدِينَ" وجاءَ قَوْلُهُ: "إنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ" اعْتِراضًا جَمِيلًا في نَفْسِ الكَلامِ المُتَّصِلِ.
وتَأوَّلَ السُدِّيُّ الآيَةَ عَلى نَحْوِ قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: اللهُ ومَلائِكَتُهُ والعُلَماءُ يَشْهَدُونَ: "أنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ".
وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ عَمُّ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ: "شُهَداءَ اللهِ" عَلى وزْنِ فُعَلاءَ وبِالإضافَةِ إلى المَكْتُوبَةِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ، هو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "المُسْتَغْفِرِينَ"، وهو جَمْعُ شَهِيدٍ أو جَمْعُ شاهِدٍ كَعالِمٍ وعُلَماءٍ، ورُوِيَ عن أبِي المُهَلَّبِ هَذا أنَّهُ قَرَأ "شُهَداءُ اللهِ" بِرَفْعِ الشُهَداءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "شُهُدَ اللهِ" عَلى وزْنِ فُعُلٍ، بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، ونَصْبِ شُهَداءَ عَلى الحالِ.
وحَكى النَقّاشُ أنَّهُ قُرِئَ: "شُهُدُ اللهِ" بِضَمِّ الشِينِ والهاءِ والإضافَةِ إلى المَكْتُوبَةِ، قالَ: فَمِنهم مَن نَصَبَ الدالَ ومِنهم مَن رَفَعَها.
وأصْوَبُ هَذِهِ القِراءاتِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وإيقاعُ الشَهادَةِ عَلى التَوْحِيدِ.
﴿ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ عَطْفٌ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى.
وعَلى بَعْضِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ القِراءاتِ يَجِيءُ قَوْلُهُ: ﴿ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ ﴾ يَشْهَدُونَ و ﴿ قائِمًا ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ شَهِدَ اللهُ ﴾ أو مِن قَوْلِهِ: ﴿ إلا هُوَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "القائِمُ بِالقِسْطِ" والقِسْطُ العَدْلُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلامُ وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اخْتِلافِ القُرّاءِ في كَسْرِ الألِفِ مِن إنَّ الدِينَ وفَتْحِها، والدِينُ في هَذِهِ الآيَةِ: الطاعَةُ والمِلَّةُ، والمَعْنى: أنَّ الدِينَ المَقْبُولَ أوِ النافِعَ أوِ المُقَرَّرَ.
و"الإسْلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ هو الإيمانُ والطاعَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتَكَلِّمِينَ، وعَبَّرَ عنهُ قَتادَةُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ بِالإيمانِ، ومُرادُهُما أنَّهُ مَعَ الأعْمالِ.
والإسْلامُ هو الَّذِي سَألَ عنهُ جِبْرِيلُ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ جاءَ يُعَلِّمُ الناسَ دِينَهُمُ....
الحَدِيثُ، وجَوابُ النَبِيِّ لَهُ في الإيمانِ والإسْلامِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ تَفْسِيرُهُ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ"...» الحَدِيثَ.
وكُلُّ مُؤْمِنٍ بِنَبِيِّهِ مُلْتَزِمٍ لِطاعاتِ شَرْعِهِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ هَذِهِ الصِفَةِ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "إنَّ الدِينَ عِنْدَ اللهِ لَلْإسْلامُ" بِاللامِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ كانَ عَلى عِلْمٍ مِنهم بِالحَقائِقِ، وأنَّهُ كانَ بَغْيًا وطَلَبًا لِلدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ.
"والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ "والنَصارى، لَكِنَّ الرَبِيعَ بْنَ أنَسٍ قالَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ" وذَلِكَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ، دَعا سَبْعِينَ حَبْرًا مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْتَوْدَعَهُمُ التَوْراةَ، عِنْدَ كُلِّ حَبْرٍ جُزْءٌ، واسْتَخْلَفَ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، فَلَمّا مَضَتْ ثَلاثَةُ قُرُونٍ وقَعَتِ الفُرْقَةُ بَيْنَهم.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ النَصارى، وهي تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ.
و"بَغْيًا" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أو عَلى الحالِ مِنَ "الَّذِينَ" ثُمَّ تَوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ الكُفّارَ.
وسُرْعَةُ الحِسابِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها سُرْعَةُ مَجِيءِ القِيامَةِ والحِسابِ، إذْ هي مُتَيَقَّنَةُ الوُقُوعِ، فَكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِسُرْعَةِ الحِسابِ أنَّ اللهَ تَعالى بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ ولا فِكْرَةٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ..
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ ومَنِ اتَّبَعَنِ وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والأُمِّيِّينَ أأسْلَمْتُمْ فَإنْ أسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ "حاجُّوكَ" فاعَلُوكَ مِنَ الحُجَّةِ، والضَمِيرُ في حاجُّوكَ لِلْيَهُودِ ولِنَصارى نَجْرانَ، والمَعْنى: إنْ جادَلُوكَ وتَعَنَّتُوا بِالأقاوِيلِ المُزَوَّرَةِ، والمُغالَطاتِ، فَأسْنِدْ إلى ما كُلِّفْتَ مِنَ الإيمانِ والتَبْلِيغِ، وعَلى اللهِ نَصْرُكَ.
وقَوْلُهُ "وَجْهِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَقْصِدُ كَما تَقُولُ: خَرَجَ فُلانٌ في وجْهِ كَذا، فَيَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أسْلَمْتُ شَخْصِي وذاتِي وكُلِّيَّتِي؛ وجَعَلْتُ ذَلِكَ لِلَّهِ.
وعَبَّرَ بِالوَجْهِ إذِ الوَجْهُ أشْرَفُ أعْضاءِ الشَخْصِ وأجْمَعُها لِلْحَواسِّ.
وقَدْ قالَ حُذّاقُ المُتَكَلِّمِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ﴾ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ.
"أسْلَمْتُ" في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى دَفَعْتُ وأمْضَيْتُ، ولَيْسَتْ بِمَعْنى دَخَلْتُ في السَلْمِ لِأنَّ تِلْكَ لا تَتَعَدّى.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عُطِفَ عَلى الضَمِيرِ في "أسْلَمْتُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، أىْ: ومَنِ اتَّبَعَنِ أسْلَمَ وجْهَهُ.
وقالَ بَعْضُهُمْ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى كَأنَّهُ يَقُولُ: جَعَلْتُ مَقْصِدِي لِلَّهِ بِالإيمانِ بِهِ والطاعَةِ لَهُ، ولِمَنِ اتَّبَعَنِ بِالحِفْظِ لَهُ والتَحَفِّي بِتَعْلِيمِهِ وصُحْبَتِهِ.
ولَكَ في "اتَّبَعَنِ" حَذْفُ الياءِ وإثْباتُها، وحَذْفُها أحْسَنُ اتِّباعًا لِخَطِّ المُصْحَفِ.
وهَذِهِ النُونُ إنَّما هي لِتَسْلَمَ فَتْحَةُ لامِ الفِعْلِ، فَهي مَعَ الكَسْرَةِ تُغْنِي عَنِ الياءِ لا سِيَّما إذا كانَتْ رَأْسَ آيَةٍ، فَإنَّها تُشَبَّهُ بِقَوافِي الشِعْرِ، كَما قالَ الأعْشى: وهَلْ يَمْنَعُنَّ ارْتِيادِي البِلادَ ∗∗∗ مِن حَذَرِ المَوْتِ أنْ يَأْتِيَنْ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبِّي أكْرَمَنِ ﴾ ، فَإذا لَمْ تَكُنْ نُونٌ فَإثْباتُ الياءِ أحْسَنُ، لَكِنَّهم قَدْ قالُوا: هَذا غُلامِ قَدْ جاءَ، فاكْتَفَوْا بِالكَسْرَةِ دَلالَةً عَلى الياءِ.
و( الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ) في هَذا المَوْضِعِ يَجْمَعُ اليَهُودَ والنَصارى بِاتِّفاقٍ.
والأُمِّيُّونَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ، وهُمُالعَرَبُ في هَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ النِسْبَةُ هي إلى الأُمِّ أو إلى الأُمَّةِ أيْ كَما هي الأُمُّ، أو عَلى حالِ خُرُوجِ الإنْسانِ عَنِ الأُمِّ، أو عَلى حالِ الأُمَّةِ الساذَجَةِ قَبْلَ التَعَلُّمِ والتَحَذُّقِ.
وقَوْلُهُ: "أأسْلَمْتُمْ" تَقْرِيرٌ في ضِمْنِهِ الأمْرُ، كَذا قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، "وَذَلِكَ بَيِّنٌ"، وقالَ الزَجّاجُ "أأسْلَمْتُمْ" تَهَدُّدٌ، وهَذا حَسَنٌ، لِأنَّ المَعْنى: أأسْلَمْتُمْ أمْ لا؟
وَقَوْلُهُ: ﴿ فَقَدِ اهْتَدَوْا ﴾ جاءَتِ العِبارَةُ بِالماضِي مُبالَغَةً في الإخْبارِ بِوُقُوعِ الهُدى لَهم وتَحَصُّلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ ، ذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّها آيَةُ مُوادَعَةٍ، وأنَّها مِمّا نَسَخَتْهُ آيَةُ السَيْفِ.
وهَذا يَحْتاجُ أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَعْرِفَةُ تارِيخِ نُزُولِها، وأمّا عَلى ظاهِرِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في وقْتِ وفْدِ نَجْرانَ فَإنَّما المَعْنى: ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ ﴾ بِما فِيهِ قِتالٌ وغَيْرُهُ، والبَلاغُ مَصْدَرُ بَلَغَ بِتَخْفِيفِ عَيْنِ الفِعْلِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ ﴾ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ..
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ النَبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ الناسِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَعُمُّ كُلَّ مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ.
والآيَةُ تَوْبِيخٌ لِلْمُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللهِ بِمَساوِئِ أسْلافِهِمْ وبِبَقائِهِمْ أنْفُسِهِمْ عَلى فِعْلِ ما أمْكَنَهم مِن تِلْكَ المَساوِئِ؛ لِأنَّهم كانُوا حَرْصى عَلى قَتْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا في يَوْمٍ واحِدٍ سَبْعِينَ نَبِيًّا وقامَتْ سُوقُ البَقْلِ بَعْدَ ذَلِكَ.
ورَوى أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ «أنَّهم قَتَلُوا ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا، فاجْتَمَعَ مِن خِيارِهِمْ وأحْبارِهِمْ مِائَةٌ وعِشْرُونَ لِيُغَيِّرُوا ويُنْكِرُوا فَقُتِلُوا أجْمَعِينَ، كُلُّ ذَلِكَ في يَوْمٍ واحِدٍ؛» وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ مُبالَغَةٌ في "التَحْرِيرِ لِلذَّنْبِ إذْ في الإمْكانِ" أنْ يَقْتَضِيَ ذَلِكَ أمْرُ اللهِ تَعالى بِوَجْهٍ ما مِن تَكْرِمَةِ النَبِيِّ أو غَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى هَذا المَعْنى تَجِيءُ أفْعَلُ مِن كَذا، إذا كانَ فِيها شِياعٌ مِثْلُ: أحَبُّ وخَيْرٌ وأفْضَلُ ونَحْوُهُ مَقُولَةً بَيْنَ شَيْئَيْنِ ظاهِرُهُما الِاشْتِراكُ بَيْنَهُما.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ" وقَرَأ حَمْزَةُ وجَماعَةٌ مِن غَيْرِ السَبْعَةِ: "وَيُقاتِلُونَ الَّذِينَ"، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَقاتِلُوا الَّذِينَ"، وقَرَأها الأعْمَشُ، وكُلُّها مُتَوَجِّهَةٌ، وأبْيَنُها قِراءَةُ الجُمْهُورِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ نُصَّ عَلَيْهِ، وإذا جاءَتِ البِشارَةُ مُطْلَقَةً فَمُجْمَلُها فِيما يُسْتَحْسَنُ.
ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبَشِّرْهُمْ" لِما في "الَّذِي" مِن مَعْنى الشَرْطِ في هَذا المَوْضِعِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: الَّذِي يَفْعَلُ كَذا فَلَهُ كَذا، إذا أرَدْتَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ لَهُ بِسَبَبِ فِعْلِهِ الشَيْءَ الآخَرَ، فَيَكُونُ الفِعْلُ في صِلَتِها، وتَكُونُ بِحَيْثُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْها عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناها، كَلَيْتَ ولَعَلَّ، وهَذا المَعْنى نَصٌّ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ في بابٍ تَرْجَمَتُهُ "هَذا بابُ الحُرُوفِ الَّتِي تَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأمْرِ والنَهْيِ، لِأنَّ فِيها مَعْنى الأمْرِ والنَهْيِ".
"وَحَبِطَتْ" مَعْناهُ: بَطَلَتْ وسَقَطَ حُكْمُها، وحَبْطُها في الدُنْيا: بَقاءُ الذَمِّ واللَعْنَةِ عَلَيْهِمْ، وحَبْطُها في الآخِرَةِ: كَوْنُها هَباءً مُنْبَثًّا وتَعْذِيبُهم عَلَيْها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو السَمّالِ العَدَوِيُّ: "حَبَطَتْ" بِفَتْحِ الباءِ وهي لُغَةٌ، ثُمَّ نَفى النَصْرَ عنهم في كِلا الحالَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُوداتٍ وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ دَخَلَ بَيْتَ المَدارِسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ فَدَعاهم إلى اللهِ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "أنا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ" فَقالا: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا، فَقالَ لَهُما النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "فَهَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" فَأبَيا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ.» وذَكَرَ النَقّاشُ «أنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ أنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ .
فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "هَلُمُّوا إلى التَوْراةِ فَفِيها صِفَتِي" فَأبَوْا.» فالكِتابُ في قَوْلِهِ: "مِنَ الكِتابِ" هو اسْمُ الجِنْسِ، والكِتابُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلى كِتابِ اللهِ ﴾ هو التَوْراةُ.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: الكِتابُ في قَوْلِهِ ﴿ إلى كِتابِ اللهِ ﴾ هو القُرْآنُ، كانَ رَسُولُ اللهِ يَدْعُوهم إلَيْهِ فَكانُوا يُعْرِضُونَ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ القَوْلَ الأوَّلَ، وَقالَ مَكِّيٌّ: الكِتابُ الأوَّلُ اللَوْحُ المَحْفُوظُ، والثانِي؛ التَوْراةُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيَحْكُمَ" بِفَتْحِ الياءِ أيْ لِيَحْكُمَ الكِتابُ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "لِيُحْكَمَ" بِضَمِّ الياءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ.
وخَصَّ اللهُ تَعالى بِالتَوَلِّي فَرِيقًا دُونَ الكُلِّ، لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَتَوَلَّ كابْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُمْ" الإشارَةُ فِيهِ إلى التَوَلِّي والإعْراضِ، أيْ إنَّما تَوَلَّوْا وأعْرَضُوا لِاغْتِرارِهِمْ بِهَذِهِ الأقْوالِ والِافْتِراءِ الَّذِي لَهم في قَوْلِهِمْ: "نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن هَذا المَعْنى.
وكانَ مِن قَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهم لَنْ تَمَسَّهُمُ النارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ الرَبِيعُ وقَتادَةُ.
وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهم قالُوا: إنَّ اللهَ وعَدَ أباهم يَعْقُوبَ ألّا يُدْخِلَ أحَدًا مِن ولَدِهِ النارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أوَّلُ مَن يَدْخُلُ النارَ؟
فَقالُوا نَحْنُ، فَتْرَةً يَسِيرَةً ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ: كَذَبْتُمْ"...» الحَدِيثُ بِطُولِهِ و"يَفْتَرُونَ" مَعْناهُ: يُشَقِّقُونَ ويَخْتَلِقُونَ مِنَ الأحادِيثِ في مَدْحِ دِينِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وادِّعاءِ الفَضائِلِ لَها.
ثُمَّ قالَ تَعالى خِطابًا لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَعْجِيبِ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ المُغْتَرِّينَ بِالأباطِيلِ إذا حُشِرُوا يَوْمَ القِيامَةِ، واضْمَحَلَّتْ تِلْكَ الزَخارِفُ الَّتِي ادَّعَوْها في الدُنْيا وجُوزُوا بِما اكْتَسَبُوهُ مِن كُفْرِهِمْ وأعْمالِهِمُ القَبِيحَةِ؟
قالَ النَقّاشُ: واليَوْمُ: الوَقْتُ.
وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فِي سِتَّةِ أيّامٍ ﴾ و ﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ و ﴿ أرْبَعَةِ أيّامٍ ﴾ إنَّما هي عِبارَةٌ عن أوقاتٍ، فَإنَّما الأيّامُ واللَيالِي عِنْدَنا.
والصَحِيحُ في يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ يَوْمٌ لِأنَّ قَبْلَهُ لَيْلَةً وفِيهِ شَمْسٌ، واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَوْمٍ" طالِبَةٌ لِمَحْذُوفٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: تَقْدِيرُهُ: لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ..
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلِ اللهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكِ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكِ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ وتُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيَّ وتَرْزُقُ مِنَ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دافِعَةٌ لِباطِلِ نَصارى نَجْرانَ في قَوْلِهِمْ: إنَّ عِيسى هو اللهُ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأوصافَ تُبَيِّنُ لِكُلِّ صَحِيحِ الفِطْرَةِ؛ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها، وقالَ قَتادَةُ: "ذُكِرَ لَنا «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ في أُمَّتِهِ مُلْكَ فارِسَ والرُومِ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ مُجاهِدٌ: المُلْكُ في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ.
والصَحِيحُ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ أنْواعِهِ، وأشْرَفُ مُلْكٍ يُؤْتِيهِ سَعادَةُ الآخِرَةِ، ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بَشَّرَ أُمَّتَهُ بِفَتْحِ مُلْكِ فارِسَ وغَيْرِهِ فَقالَتِ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: هَيْهاتَ وكَذَّبُوا ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ النَحْوِيُّونَ في تَرْكِيبِ لَفْظَةِ "اللهُمَّ" بَعْدَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها مَضْمُومَةُ الهاءِ مُشَدَّدَةُ المِيمِ المَفْتُوحَةِ وأنَّها مُنادى، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّها لا تَأْتِي مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى خَبَرٍ، فَمَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الأصْلَ: "يا اللهُ"، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِداءِ الَّذِي هو "يا" جَعَلُوا بَدَلَ حَرْفِ النِداءِ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ، والضَمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ، وذَهَبَ حَرْفانِ فَعُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.
ومَذْهَبُالفَرّاءِ والكُوفِيِّينَ أنَّ أصْلَ "اللهُمَّ" يا اللهَ أُمَّ: أيْ أُمَّ بِخَيْرٍ، وأنَّ ضَمَّةَ الهاءِ هي ضَمَّةُ الهَمْزَةِ الَّتِي كانَتْ في "أُمَّ" نُقِلَتْ.
ورَدَّ الزَجّاجُ عَلى هَذا القَوْلِ وقالَ: مُحالٌ أنْ يُتْرَكَ الضَمُّ الَّذِي هو دَلِيلٌ عَلى نِداءِ المُفْرَدِ وأنْ تُجْعَلَ في اسْمِ اللهِ ضَمَّةُ "أُمَّ"، هَذا إلْحادٌ في اسْمِ اللهِ تَعالى.
وهَذا غُلُوٌّ مِنَ الزَجّاجِ.
وقالَ أيْضًا: إنَّ هَذا الهَمْزَ الَّذِي يُطْرَحُ في الكَلامِ، فَشَأْنُهُ أنْ يُؤْتى بِهِ أحْيانًا كَما قالُوا: ويْلُمِّهِ في ويْلُ أُمِّهِ، والأكْثَرُ إثْباتُ الهَمْزَةِ، وما سُمِعَ قَطُّ يا اللهَ أُمَّ في هَذا اللَفْظِ.
وقالَ أيْضًا: ولا تَقُولُ العَرَبُ يا اللهُمَّ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ حَرْفُ النِداءِ عَلى "اللهُمَّ" وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ: وما عَلَيْكِ أنْ تَقُولِي كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتِ أو هَلَّلْتِ ياللهُمَّ ما ارْدُدْ عَلَيْنا شَيْخَنا مُسَلَّما قالُوا: فَلَوْ كانَتِ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِداءِ لَما اجْتَمَعا.
قالَ الزَجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا يُتْرَكُ لَهُ ما في كِتابِ اللهِ وفي جَمِيعِ دِيوانِ العَرَبِ.
قالَ الكُوفِيُّونَ: وإنَّما تُزادُ المِيمُ مُخَفَّفَةً في فَمِ وابْنَمِ ونَحْوِهِ، فَأمّا مِيمٌ مُشَدَّدَةٌ فَلا تُزادُ.
قالَ البَصْرِيُّونَ: لَمّا ذَهَبَ حَرْفانِ، عُوِّضَ بِحَرْفَيْنِ.
و"مالِكَ" نُصِبَ عَلى النِداءِ، نَصَّ سِيبَوَيْهِ "عَلى" ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ وقالَ: إنَّ "اللهُمَّ" لا يُوصَفُ لِأنَّهُ قَدْ ضُمَّتْ إلَيْهِ المِيمُ، قالَ الزَجّاجُ: و"مالِكَ" عِنْدِي صِفَةٌ لِاسْمِ اللهِ تَعالى، وكَذَلِكَ ( فاطِرِ السَماواتِ ) قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهو مَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ، وما قالَ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الأسْماءِ المَوْصُوفَةِ شَيْءٌ عَلى حَدِّ "اللهُمَّ" لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ، والأصْواتُ لا تُوصَفُ، نَحْوَ، "غاقِ" وما أشْبَهَهُ.
وكَأنَّ حُكْمَ الِاسْمِ المُفْرَدِ أنْ لا يُوصَفَ، وإنْ كانُوا قَدْ وصَفُوهُ في مَواضِعَ، فَلَمّا ضُمَّ هُنا ما لا يُوصَفُ إلى ما كانَ قِياسُهُ ألّا يُوصَفَ صارَ بِمَنزِلَةِ صَوْتٍ ضُمَّ إلى صَوْتٍ نَحْوِ "حَيْهَلَ" فَلَمْ يُوصَفْ.
قالَ النَضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، مَن قالَ: اللهُمَّ، فَقَدْ دَعا اللهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ كُلِّها، وقالَ الحَسَنُ: اللهُمَّ مَجْمَعُ الدُعاءِ.
وخَصَّ اللهُ تَعالى: "الخَيْرُ" بِالذِكْرِ وهو تَعالى بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، إذِ الآيَةُ في مَعْنى دُعاءٍ وَرَغْبَةٍ، فَكَأنَّ المَعْنى: بِيَدِكَ الخَيْرُ فَأجْزِلْ حَظِّي مِنهُ.
وقِيلَ: المُرادُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَرُّ فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، كَما قالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ .
قالَ النَقّاشُ: بِيَدِكَ الخَيْرُ أيِ: النَصْرُ والغَنِيمَةُ، فَحُذِفَ لِدَلالَةِ أحَدِهِما.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ﴾ ....
الآيَةِ: أنَّهُ ما يَنْتَقِصُ مِنَ النَهارِ فَيَزِيدُ في اللَيْلِ، وما يَنْتَقِصُ مِنَ اللَيْلِ فَيَزِيدُ في النَهارِ، دَأبًا كُلَّ فَصْلٍ مِنَ السَنَةِ، وتَحْتَمِلُ ألْفاظُ الآيَةِ أنْ يَدْخُلَ فِيها تَعاقُبُ اللَيْلِ والنَهارِ كَأنَّ زَوالَ أحَدِهِما وُلُوجٌ في الآخَرِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ﴾ ....
الآيَةِ، فَقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ تُخْرِجُ المُؤْمِنَ مِنَ الكافِرِ والكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عن سَلْمانَ الفارِسِيِّ.
ورَوى الزُهْرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ دَخَلَ عَلى بَعْضِ أزْواجِهِ فَإذا بِامْرَأةٍ حَسَنَةِ النَغْمَةِ فَقالَ: "مَن هَذِهِ؟
قالَتْ: إحْدى خالاتِكَ، فَقالَ: إنَّ خالاتِي بِهَذِهِ البَلْدَةِ لَغَرائِبٌ، أيُّ خالاتِي هِيَ؟
قالَتْ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقالَ النَبِيُّ : سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ"» وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً، وكانَ أبُوها كافِرًا وهو أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كُفِيَهُمُ النَبِيُّ .
عَلَيْهِ السَلامُ.
فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مَوْتُ قَلْبِ الكافِرِ وحَياةُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، والحَياةُ والمَوْتُ مُسْتَعارانِ.
وذَهَبَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ الحَياةَ والمَوْتَ في الآيَةِ إنَّما هُما الحَياةُ حَقِيقَةً والمَوْتُ حَقِيقَةً لا بِاسْتِعارَةٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُثُلِ الَّتِي فَسَّرُوا بِها فَقالَ عِكْرِمَةُ: هو إخْراجُ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيِّتَةٌ مِنَ الدَجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، ولَفْظُ الإخْراجِ في هَذا المِثالِ وما ناسَبَهُ لَفْظٌ مُتَمَكِّنٌ عَلى عُرْفِ اسْتِعْمالِهِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي النُطْفَةُ تَخْرُجُ مِنَ الرَجُلِ وهي مَيِّتَةٌ وهو حَيٌّ، ويَخْرُجُ الرَجُلُ مِنها وهي مَيِّتَةٌ.
ولَفْظُ الإخْراجِ في تَنَقُّلِ النُطْفَةِ حَتّى تَكُونَ رَجُلًا إنَّما هو عِبارَةٌ عن تَغَيُّرِ الحالِ، كَما تَقُولُ في صَبِيٍّ جَيِّدِ البِنْيَةِ: يَخْرُجُ مِن هَذا رَجُلٌ قَوِيٌّ، وهَذا المَعْنى يُسَمِّيهِ ابْنُ جِنِّيٍّ: التَجْرِيدَ، أيْ تَجَرُّدُ الشَيْءِ مِن حالٍ إلى حالٍ هو خُرُوجٌ.
وقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى: ( ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ) أنْ يُرادَ بِهِ أنَّ الحَيَوانَ كُلَّهُ يُمِيتُهُ فَهَذا هو مَعْنى التَجْرِيدِ بِعَيْنِهِ، وأنْشَدَ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلى ذَلِكَ: أفاءَتْ بَنُو مَرْوانَ ظُلْمًا دِماءَنا ∗∗∗ ∗∗∗ وفي اللهِ - إنْ لَمْ يُنْصِفُوا- حَكَمٌ عَدْلُ ورَوى السُدِّيُّ عن أبِي مالِكٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هي الحَبَّةُ تَخْرُجُ مِنَ السُنْبُلَةِ، والسُنْبُلَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَبَّةِ، والنَواةُ تَخْرُجُ مِنَ النَخْلَةِ، والنَخْلَةُ تَخْرُجُ مِنَ النَواةِ، والحَياةُ في النَخْلَةِ والسُنْبُلَةِ تَشْبِيهٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: بِغَيْرِ حِسابٍ مِنكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا يَخافُ أنْ تُنْتَقَصَ خَزائِنُهُ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وغَيْرِهِ.
وقِيلَ: مَعْنى بِغَيْرِ حِسابٍ: أيْ مِن أحَدٍ لَكَ، لِأنَّهُ تَعالى لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ "المَيْتَ" بِسُكُونِ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
ورَوى حَفْصٌ عن عاصِمٍ "مِنَ المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ "المَيِّتِ" بِتَشْدِيدِ الياءِ في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ: إلى "بَلَدٍ مَيِّتٍ" و"لِبَلَدٍ مَيِّتٍ" وخَفَّفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ غَيْرَ هَذِهِ الحُرُوفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَيِّتُ هو الأصْلُ، والواوُ الَّتِي هي عَيْنٌ مِنهُ انْقَلَبَتْ ياءً لِإدْغامِ الياءِ فِيها، و"مَيْتُ" بِالتَخْفِيفِ مَحْذُوفٌ مِنهُ عَيْنُهُ أُعِلَّتْ بِالحَذْفِ كَما أُعِلَّتْ بِالقَلْبِ، والحَذْفُ حَسَنٌ والإتْمامُ حَسَنٌ، وما ماتَ وما لَمْ يَمُتْ في هَذا البابِ يَسْتَوِيانِ في الِاسْتِعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المَيْتَ بِالتَخْفِيفِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ فِيما قَدْ ماتَ، وأمّا المَيِّتُ بِالتَشْدِيدِ فَيُسْتَعْمَلُ فِيما ماتَ وفِيما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أولِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِن اللهِ في شَيْءٍ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ويُحَذِّرُكُمُ اللهِ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ هَذا النَهْيُ عَنِ الاتِّخاذِ إنَّما هو فِيما يُظْهِرُهُ المَرْءُ، فَأمّا أنْ يَتَّخِذَهُ بِقَلْبِهِ ونِيَّتِهِ فَلا يَفْعَلُ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ، والمَنهِيُّونَ هُنا قَدْ قَرَّرَ لَهُمُ الإيمانَ، فالنَهْيُ إنَّما هو عِبارَةٌ عن إظْهارِ اللُطْفِ لِلْكُفّارِ والمَيْلِ إلَيْهِمْ، ولَفْظُ الآيَةِ عامٌّ في جَمِيعِ الأعْصارِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وابْنُ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ بَطَنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عن دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ بْنِ زَبِيرٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ لِأُولَئِكَ النَفَرِ: اجْتَنِبُوا هَؤُلاءِ اليَهُودَ واحْذَرُوا مُباطَنَتَهُمْ، فَأبى أُولَئِكَ النَفَرُ إلّا مُوالاةَ اليَهُودِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ وكِتابِهِ إلى أهْلِ مَكَّةَ، والآيَةُ عامَّةٌ في جَمِيعِ هَذا، ويَدْخُلُ فِيها فِعْلُ أبِي لُبابَةَ في إشارَتِهِ إلى حَلْقِهِ حِينَ بَعَثَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في اسْتِنْزالِ بَنِي قُرَيْظَةَ.
وأمّا تَعْذِيبُ بَنِي المُغِيرَةِ لِعَمّارٍ فَنَزَلَ فِيما أباحَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَمّارٍ ﴿ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِ ﴾ عِبارَةٌ عن كَوْنِ الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ "دُونَ" غائِبًا مُتَنَحِّيًا لَيْسَ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ في شَيْءٍ، وفي المَثَلِ: "وَأُمِرَّ دُونَ عُبَيْدَةَ الوَذَمُ" كَأنَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَهِيَ إلى الشَيْءِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ، ورَتَّبَها الزَجّاجُ: المُضادَّةَ لِلشَّرَفِ مِنَ الشَيْءِ الدُونِ، وفِيما قالَهُ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: ﴿ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: في شَيْءٍ مَرْضِيٍّ عَلى الكَمالِ والصَوابِ، وهَذا كَما قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا"» وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، تَقْدِيرُهُ: فَلَيْسَ مِنَ التَقَرُّبِ إلى اللهِ أوِ التَزَلُّفِ ونَحْوِ هَذا.
وقَوْلُهُ "فِي شَيْءٍ" هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي في قَوْلِهِ ( لَيْسَ مِن اللهِ ) ثُمَّ أباحَ اللهُ إظْهارَ اتِّخاذِهِمْ بِشَرْطِ الِاتِّقاءِ، فَأمّا إبْطانُهُ فَلا يَصِحُّ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ مُؤْمِنٌ في حالٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تُقاةً" أصْلُهُ وُقَيَةٌ - عَلى وزْنِ فُعَلَةٍ- بِضَمِّ الفاءِ وفَتْحِ العَيْنِ - أبْدَلُوا مِنَ الواوِ تاءً كَتُجاهَ وتُكَأةٍ فَصارَ تُقَيَةً ثُمَّ قُلِبَتِ الياءُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها فَجاءَ تُقاةً قالَ أبُو عَلِيٍّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ تُقاةً مِثْلَ رُماةٍ حالًا مِن "تَتَّقُوا" وهو جَمْعُ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يُسْتَعْمَلْ مِنهُ فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ وجُعِلَ فَعِيلٌ بِمَنزِلَةِ فاعِلٍ.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَحّاكُ وأبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ "تَقِيَّةً" - بِفَتْحِ التاءِ وشَدِّ الياءِ - عَلى وزْنِ فَعِيلَةٍ، وكَذَلِكَ رَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ، وأمالَ الكِسائِيُّ القافَ في "تُقاةً" في المَوْضِعَيْنِ، وأمالَ حَمْزَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ولَمْ يُمِلْ في قَوْلِهِ: ﴿ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ ، وفَتَحَ سائِرُ القُرّاءِ القافَ إلّا أنَّ نافِعًا كانَ يَقْرَؤُها بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ.
وذَهَبَ قَتادَةُ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ مِن جِهَةِ صِلَةِ الرَحِمِ أيْ: مَلامَةً، فَكَأنَّ الآيَةَ عِنْدَهُ مُبِيحَةٌ الإحْسانَ إلى القَرابَةِ مِنَ الكُفّارِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم خَوْفًا، وهَذا هو مَعْنى التَقِيَّةِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَقِيَّةِ مِمَّنْ تَكُونُ؟
وبِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ؟
وأيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟
فَأمّا الَّذِي تَكُونُ مِنهُ التَقِيَّةُ؛ فَكُلُّ قادِرٍ غالِبٍ يُكْرِهُ بِجَوْرٍ مِنهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الكُفّارُ إذا غَلَبُوا وجَوَرَةُ الرُؤَساءِ والسَلّابَةُ، وأهْلُ الجاهِ في الحَواضِرِ.
قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: وزَوْجُ المَرْأةِ قَدْ يُكْرِهُ.
وأمّا بِأيِّ شَيْءٍ تَكُونُ التَقِيَّةُ ويَتَرَتَّبُ حُكْمُها؟
فَذَلِكَ بِخَوْفِ القَتْلِ، وبِالخَوْفِ عَلى الجَوارِحِ، وبِالضَرْبِ بِالسَوْطِ، وبِسائِرِ التَعْذِيبِ، فَإذا فُعِلَ بِالإنْسانِ شَيْءٌ مِن هَذا أو خافَهُ خَوْفًا مُتَمَكِّنًا؛ فَهو مُكْرَهٌ ولَهُ حُكْمُ التَقِيَّةِ.
والسَجْنُ إكْراهٌ، والتَقْيِيدُ إكْراهٌ، والتَهْدِيدُ والوَعِيدُ إكْراهٌ، وعَداوَةُ أهْلِ الجاهِ الجَوَرَةِ تَقِيَّةٌ.
وهَذِهِ كُلُّها بِحَسَبِ حالِ المُكْرَهِ وبِحَسَبِ الشَيْءِ الَّذِي يُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَكَمْ مِنَ الناسِ لَيْسَ السَجْنُ فِيهِمْ بِإكْراهٍ، وكَذَلِكَ الرَجُلُ العَظِيمُ يُكْرَهُ بِالسَجْنِ والضَرْبِ غَيْرِ المُتْلِفِ لِيَكْفُرَ، فَهَذا لا تُتَصَوَّرُ تَقِيَّتُهُ مِن جِهَةِ عِظَمِ الشَيْءِ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ، ومَسائِلُ الإكْراهِ هي مِنَ النَوْعِ الَّذِي يَدْخُلُهُ فِقْهُ الحالِ.
وأمّا أيَّ شَيْءٍ تُبِيحُ؟
فاتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى إباحَتِها لِلْأقْوالِ بِاللِسانِ؛ مِنَ الكُفْرِ وما دُونَهُ، ومِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وطَلاقٍ، وإطْلاقِ القَوْلِ بِهَذا كُلِّهِ، ومِن مُداراةٍ ومُصانَعَةٍ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن كَلامٍ يَدْرَأُ عَنِّي سَوْطَيْنِ مِن ذِي سُلْطانٍ إلّا كُنْتُ مُتَكَلِّمًا بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الأفْعالِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ ومَكْحُولٌ ومَسْرُوقٌ: يَفْعَلُ المُكْرَهُ كُلَّ ما حُمِلَ عَلَيْهِ مِمّا حَرَّمَ اللهُ فِعْلَهُ، ويُنْجِي نَفْسَهُ بِذَلِكَ.
وقالَ مَسْرُوقٌ: فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ دَخَلَ النارَ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم سَحْنُونُ: بَلْ إنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتّى ماتَ فَهو مَأْجُورٌ، وتَرْكُهُ ذَلِكَ المُباحَ أفْضَلُ مِنَ اسْتِعْمالِهِ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ في رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: نَهِيتُ بْنُ الحارِثِ، أخَذَتْهُ الفُرْسُ أسِيرًا، فَعُرِضَ عَلَيْهِ شُرْبُ الخَمْرِ وأكْلُ الخِنْزِيرِ وهُدِّدَ بِالنارِ فَلَمْ يَفْعَلْ فَقَذَفُوهُ فِيها، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَقالَ: وما كانَ عَلى نَهِيتٍ أنْ يَأْكُلَ؟
وقالَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: التَقِيَّةُ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْأقْوالِ، فَأمّا الأفْعالُ فَلا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَبِيعِ والضَحّاكِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن سَحْنُونٍ، وقالَ الحَسَنُ في الرَجُلِ يُقالُ لَهُ: اسْجُدْ لِصَنَمٍ وإلّا قَتَلْناكَ، قالَ: إنْ كانَ الصَنَمُ مُقابِلَ القِبْلَةِ فَلْيَسْجُدْ ويَجْعَلْ نِيَّتَهُ لِلَّهِ، فَإنْ كانَ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ فَلا وإنْ قَتَلُوهُ، قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما يَمْنَعُهُ أنْ يَجْعَلَ نِيَّتَهُ لِلَّهِ وإنْ كانَ لِغَيْرِ قِبْلَةٍ، وفي كِتابِ اللهِ: ﴿ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .
وفي الشَرْعِ إباحَةُ التَنَفُّلِ لِلْمُسافِرِ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ.
هَذِهِ قَواعِدُ مَسْألَةِ التَقِيَّةِ، وأمّا تَشَعُّبُ مَسائِلِها فَكَثِيرٌ لا يَقْتَضِي الإيجازُ جَمْعَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ ...
إلى آخِرِ الآيَةِ، وعِيدٌ وتَنْبِيهٌ ووَعْظٌ وتَذْكِيرٌ بِالآخِرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى:" نَفْسَهُ" نائِبَةٌ عن إيّاهُ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْهُودِ ما يَفْهَمُهُ البَشَرُ، والنَفْسُ في مِثْلِ هَذا راجِعٌ إلى الذاتِ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ لِأنَّ التَحْذِيرَ إنَّما هو مِن عِقابٍ وتَنْكِيلٍ ونَحْوِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ عِقابَهُ..
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أو تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ ويَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ الضَمِيرُ في "تُخْفُوا" هو لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ نُهُوا عَنِ اتِّخاذِ الكافِرِينَ أولِياءً، والمَعْنى: إنَّكم إنْ أبْطَنْتُمُ الحِرْصَ عَلى إظْهارِ مُوالاتِهِمْ؛ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُ ذَلِكَ ويَكْرَهُهُ مِنكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مَعْناهُ: عَلى التَفْصِيلِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ عُمُومٌ، والشَيْءُ في كَلامِ العَرَبِ: المَوْجُودُ.
و"يَوْمَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في العامِلِ فِيهِ، فَقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: العامِلُ فِيهِ "قَدِيرٌ"، وقالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ وَإلى اللهِ المَصِيرُ ﴾ ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ أيْضًا: العامِلُ فِيهِ ( ويُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ يَوْم ) ورَجَّحَهُ، وقالَ مَكِّيٌّ حِكايَةً: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ يَوْمَ" و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"مُحْضَرًا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: مُوَفَّرًا، وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، والحُضُورُ أبْيَنُ مِن أنْ يُفَسَّرَ بِلَفْظٍ آخَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَعْطُوفَةً عَلى "ما" الأُولى فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ وتَكُونَ "تَوَدُّ" في مَوْضِعِ الحالِ، وإلى هَذا العَطْفِ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ "تَوَدُّ" وما بَعْدَهُ، كَأنَّهُ قالَ: وعَمَلُها السَيِّءُ مَرْدُودٌ عِنْدَها، إنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا.
وفِي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ "مِن سُوءٍ ودَّتْ"، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ويَجُوزُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ "ما" شَرْطِيَّةً، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ "تَوَدُّ" لِأنَّ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ مَرْفُوعٌ، والشَرْطُ يَقْتَضِي جَزْمَهُ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ "فَهِيَ تَوَدُّ" وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ.
والأمَدُ: الغايَةُ المَحْدُودَةُ مِنَ المَكانِ أوِ الزَمانِ.
قالَ النابِغَةُ: .......................
سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ فَهَذِهِ غايَةٌ في المَكانِ.
وقالَ الطِرِمّاحُ: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ عِدَّةَ العُمْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـرِ ومُودٍ إذا انْقَضى أمَدُهُ فَهَذِهِ غايَةٌ في الزَمانِ.
وَقالَ الحَسَنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَسُرُّ أحَدَهم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، ذَلِكَ مُناهُ، وأمّا في الدُنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذُّها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى التَحْذِيرِ، لِأنَّ تَحْذِيرَهُ وتَنْبِيهَهُ عَلى النَجاةِ؛ رَأْفَةٌ مِنهُ بِعِبادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ إعْلامٍ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَمُقْتَضى ذَلِكَ التَأْنِيسُ لِئَلّا يَفْرُطَ الوَعِيدُ عَلى نَفْسِ مُؤْمِنٍ، وتَجِيءُ الآيَةُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ( إنَّ رَبَّكَ شَدِيدُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ﴾ مَعْناهُ: واللهُ مَحْذُورُ العِقابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهَ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن أُمِرَ مُحَمَّدٌ أنْ يَقُولَ لَهُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ: «إنَّ قَوْمًا عَلى عَهْدِ النَبِيِّ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنّا نُحِبُّ رَبَّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِمْ،» جَعَلَ اللهُ فِيها اتِّباعَ مُحَمَّدٍ عَلَمًا لِحُبِّهِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ بْنِ الزُبَيْرِ: أُمِرَ رَسُولُ اللهِ أنْ يَقُولَ هَذا القَوْلَ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: إنْ كانَ قَوْلُكم في عِيسى وغُلُوُّكم في أمْرِهِ حُبًّا لِلَّهِ، فاتَّبِعُونِي.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ عامَّةً لِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَصارى لِأنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم يُحِبُّونَ اللهَ ويُحِبُّهم.
ألا تَرى أنَّ جَمِيعَهم قالُوا: ﴿ نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ ﴾ ، ولَفْظُ "أحِبّاؤُهُ" إنَّما يُعْطِي أنَّ اللهَ يُحِبُّهُمْ، لَكِنْ يَعْلَمُ أنَّ مُرادَهم "وَمُحِبُّوهُ" فَيَحْسُنُ أنْ يُقالَ لَهُمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ ﴾ .
وقَرَأ الزُهْرِيُّ "فاتَّبِعُونِي" بِتَشْدِيدِ النُونِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ "يَحْبُبْكُمْ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الباءِ الأُولى مِن "حَبَّ" وهي لُغَةٌ، قالَ الزَجّاجُ: حَبُبْتُ قَلِيلَةٌ في اللُغَةِ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّها لُغَةٌ قَدْ ماتَتْ، وعَلَيْها اسْتُعْمِلَ مَحْبُوبٌ.
والمَحَبَّةُ إرادَةٌ يَقْتَرِنُ بِها إقْبالٌ مِنَ النَفْسِ ومَيْلٌ بِالمُعْتَقَدِ.
وقَدْ تَكُونُ الإرادَةُ المُجَرَّدَةُ فِيما يَكْرَهُ المُرِيدُ، واللهُ تَعالى يُرِيدُ وُقُوعَ الكُفْرِ ولا يُحِبُّهُ، ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى يَلْزَمُ عنها ولا بُدَّ أنْ يُطِيعَهُ، وتَكُونُ أعْمالُهُ بِحَسَبِ إقْبالِ النَفْسِ، وقَدْ تَمَثَّلَ بَعْضُ العُلَماءِ حِينَ رَأى الكَعْبَةَ فَأنْشَدَ: هَذِهِ دارُهُ وأنْتَ مُحِبٌّ ∗∗∗ ما بَقاءُ الدُمُوعِ في الآماقِ ومَحَبَّةُ اللهِ لِلْعَبْدِ أمارَتُها لِلْمُتَأمِّلِ؛ أنْ يَرى العَبْدَ مَهْدِيًّا مُسَدَّدًا ذا قَبُولٍ في الأرْضِ، فَلُطْفُ اللهِ بِالعَبْدِ ورَحْمَتُهُ إيّاهُ، هي ثَمَرَةُ مَحَبَّتِهِ، وبِهَذا النَظَرِ يَتَفَسَّرُ لَفْظُ المَحَبَّةِ حَيْثُ وقَعَتْ مِن كِتابِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
وذَكَرَ الزَجّاجُ: أنَّ أبا عَمْرٍو قَرَأ: "وَيَغْفِر لَّكُمْ" بِإدْغامِ الراءِ في اللامِ، وخَطَّأ القُرّاءَ، وغَلَّطَ مَن رَواها عن أبِي عَمْرٍو فِيما حَسِبْتُ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ قُلْ أطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ ﴾ خِطابٌ لِنَصارى نَجْرانَ وفي قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ وعِيدٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ الصَدْعِ بِالقِتالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ لَمّا مَضى صَدْرٌ مِن مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ والرَدِّ عَلَيْهِمْ وبَيانِ فَسادِ ما هم عَلَيْهِ، جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُعْلِمَةً بِصُورَةِ الأمْرِ الَّذِي قَدْ ضَلُّوا فِيهِ، ومُنْبِئَةً عن حَقِيقَتِهِ كَيْفَ كانَتْ، فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ فَضْلِهِ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ إلى آلِ عِمْرانَ مِنها، ثُمَّ خَصَّ امْرَأةَ عِمْرانَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ القَصْدَ وصْفُ قِصَّةِ القَوْمِ إلى أنْ يَبِينَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وكَيْفَ كانَ.
و"اصْطَفى" مَعْناهُ: اخْتارَ صَفْوَ الناسِ، فَكانَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وبَقِيَ الكُفّارُ كَدَرًا.
و"آدَمَ" هو أبُونا عَلَيْهِ السَلامُ، اصْطَفاهُ اللهُ تَعالى بِالإيجادِ والرِسالَةِ إلى بَنِيهِ والنُبُوَّةِ والتَكْلِيمِ، حَسْبَما ورَدَ في الحَدِيثِ، وحَكى الزَجّاجُ عن قَوْمٍ إنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالرِسالَةِ إلى المَلائِكَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ ﴾ وهَذا ضَعِيفٌ؛ ونُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ هو أبُونا الأصْغَرُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ إلى الكُفّارِ، وانْصَرَفَ نُوحٌ مَعَ عُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ لِخِفَّةِ الِاسْمِ، كَهُودٍ ولُوطٍ.
"وَآلَ إبْراهِيمَ" يَعْنِي بِإبْراهِيمَ الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، والآلُ في اللُغَةِ: الأهْلُ والقَرابَةُ، ويُقالُ لِلْأتْباعِ وأهْلِ الطاعَةِ: آلٌ، فَمِنهُ آلُ فِرْعَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو أراكَةُ الثَقَفِيُّ في رِثاءِ النَبِيِّ وهو يُعَزِّي نَفْسَهُ في أخِيهِ عَمْرٍو: فَلا تَبْكِ مَيْتًا بَعْدَ مَيْتٍ أجَنَّهُ ∗∗∗ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلُ أبِي بَكْرِ أرادَ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ.
والآلُ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ، فَإذا قُلْنا أرادَ بِالآلِ القَرابَةَ والبَيْتِيَّةَ، فالتَقْدِيرُ: إنَّ اللهَ اصْطَفى هَؤُلاءِ عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، أو عَلى العالَمِينَ عامًّا بِأنْ يُقَدِّرَ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَلامُ مِن آلِ إبْراهِيمَ؛ وإنْ قُلْنا: أرادَ بِالآلِ الأتْباعَ فَيَسْتَقِيمُ دُخُولُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في الآلِ لِأنَّها عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وذَهَبَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ وغَيْرُهُ إلى أنَّ ذِكْرَ آدَمَ يَتَضَمَّنُ الإشارَةَ إلى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِن بَنِيهِ، وكَذَلِكَ ذِكْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّ الآلَ الأتْباعُ، فَعَمَّتِ الآيَةُ جَمِيعَ مُؤْمِنِي العالَمِ، فَكانَ المَعْنى: أنَّ اللهَ اصْطَفى المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ، وخَصَّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، ولِأنَّ الكَلامَ في قِصَّةِ بَعْضِهِمْ.
﴿ وَآلَ عِمْرانَ ﴾ أيْضًا يَحْتَمِلُ مِنَ التَأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ في آلَ إبْراهِيمَ.
وعِمْرانُ هو رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن ولَدِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ فِيما حَكى الطَبَرِيُّ؛ قالَ مَكِّيٌّ: هو عِمْرانُ بْنُ ماثالَ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: ذَكَرَ اللهُ تَعالى أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنِ ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ مِن آلِ إبْراهِيمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اصْطَفى اللهُ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِالدِينِ والنُبُوَّةِ والطاعَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذُرِّيَّةً" نُصِبَ عَلى البَدَلِ، وقِيلَ عَلى الحالِ لِأنَّ مَعْنى ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ مُتَشابِهُونَ في الدِينِ والحالِ، وهَذا أظْهَرُ مِنَ البَدَلِ.
والذُرِّيَّةُ في عُرْفِ الِاسْتِعْمالِ تَقَعُ لِما تَناسَلَ مِنَ الأولادِ سِفْلًا، واشْتِقاقُ اللَفْظَةِ في اللُغَةِ يُعْطِي أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ الناسِ، أيْ كُلُّ أحَدٍ ذُرِّيَّةٌ لِغَيْرِهِ، فالناسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وهَكَذا اسْتُعْمِلَتِ الذُرِّيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ أيْ ذُرِّيَّةَ هَذا الجِنْسِ، ولا يَسُوغُ أنْ يَقُولَ في والِدٍ: هَذا ذُرِّيَّةٌ لِوَلَدِهِ وإذِ اللَفْظَةُ مِن "ذَرَّ" إذا بَثَّ، فَهَكَذا يَجِيءُ مَعْناها، وكَذَلِكَ إنْ جَعَلْناها مِن "ذَرا"، وكَذَلِكَ إنْ جُعِلَتْ مِن "ذَرَأ" أو مِنَ الذَرِّ الَّذِي هو صِغارُ النَمْلِ..
قالَ أبُو الفَتْحِ: الذُرِّيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُشْتَقَّةً مِن هَذِهِ الحُرُوفِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ طَوَّلَ أبُو الفَتْحِ القَوْلَ في وزْنِها عَلى كُلِّ اشْتِقاقٍ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأحْرُفِ تَطْوِيلًا لا يَقْتَضِي هَذا الإيجازُ ذِكْرَهُ، وذَكَرَها أبُو عَلِيٍّ في الأعْرافِ في تَرْجَمَةِ: ﴿ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: أصْلُها فُعْلِيَّةٌ مِنَ الذَرِّ، لِأنَّ اللهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آدَمَ كالذَرِّ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: هَذِهِ نِسْبَةٌ إلى الذَرِّ غُيِّرَ أوَّلُها، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرْمِيٌّ - بِكَسْرِ الحاءِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَغْيِيرِ النَسَبِ، قالَ الزَجّاجُ: وقِيلَ أصْلُ "ذُرِّيَّةً" ذُرُّورَةٌ، وزْنُها فُعْلُولَةٌ، فَلَمّا كَثُرَتِ الراءاتُ أبْدَلُوا مِنَ الأخِيرَةِ ياءً فَصارَتْ ذُرُّويَةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ فَجاءَتْ ذُرِّيَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا اشْتِقاقٌ مِن ذَرَّ يَذُرُّ، أو مِن ذَرى، وإذا كانَتْ مِن ذَرَأ فَوَزْنُها فَعِيلَةٌ كَمَرِيقَةٍ، أصْلُها ذَرِيئَةٌ، فَأُلْزِمَتِ البَدَلَ والتَخْفِيفَ،كَما فَعَلُوا في البَرِيَّةِ في قَوْلِ مَن رَآها مِن بَرَأ اللهُ الخَلْقَ، وفي كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ، في قَوْلِ مَن رَآهُ مِن "دَرَأ" لِأنَّهُ يَدْفَعُ الظُلْمَةَ بِضَوْئِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "ذُرِّيَّةً" بِضَمِّ الذالِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ والضَحّاكُ: "ذِرِّيَّةً" - بِكَسْرِ الذالِ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُها مِن بَعْضٍ ﴾ أيْ في الإيمانِ والطاعَةِ وإنْعامِ اللهِ عَلَيْهِمْ بِالنُبُوَّةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في العامِلِ في قَوْلِهِ: "إذْ قالَتِ"، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: "إذْ" زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ المُبَرِّدُ والأخْفَشُ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "اذْكُرْ إذْ" وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ مَعْنى الِاصْطِفاءِ، التَقْدِيرُ: "واصْطَفى آلَ عِمْرانَ إذْ".
وعَلى هَذا القَوْلِ يَخْرُجُ عِمْرانُ مِنَ الاصْطِفاءِ؛ وقالَ الطَبَرِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ العامِلَ في "إذْ" قَوْلُهُ "سَمِيعٌ".
وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حِنَةُ بِنْتُ قاذُوذَ فِيما ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾ أيْ: جَعَلْتُ نَذْرًا أنْ يَكُونَ هَذا الوَلَدُ الَّذِي في بَطْنِي حَبِيسًا عَلى خِدْمَةِ بَيْتِكَ مُحَرَّرًا مِن كُلِّ خِدْمَةٍ وشُغْلٍ مِن أشْغالِ الدُنْيا، أيْ: عَتِيقًا مِن ذَلِكَ، فَهو مِن لَفْظِ الحُرِّيَّةِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ.
قالَ مَكِّيٌّ: فَمَن نَصَبَهُ عَلى النَعْتِ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ يُقَدِّرُهُ: غُلامًا مُحَرَّرًا، وفي هَذا نَظَرٌ، والبَيْتُ الَّذِي نَذَرَتْهُ لَهُ، هو بَيْتُ المَقْدِسِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَ سَبَبُ نَذْرِ حِنَةَ، أنَّها كانَتْ قَدْ أُمْسِكَ عنها الوَلَدُ حَتّى أسَنَّتْ، فَبَيْنَما هي في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ رَأتْ طائِرًا يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحَمَلَتْ بِمَرْيَمَ، وهَلَكَ عِمْرانُ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّ في بَطْنِها جَنِينًا؛ جَعَلَتْهُ نَذِيرَةً لِلَّهِ أنْ يَخْدُمَ الكَنِيسَةَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدُنْيا.
وقالَ مُجاهِدٌ: "مُحَرَّرًا" مَعْناهُ: خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وقالَ مِثْلَهُ الشَعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وكانَ هَذا المَعْنى مِنَ التَحْرِيرِ لِلْكَنائِسِ عُرْفًا في الذُكُورِ خاصَّةً، وكانَ فَرْضًا عَلى الأبْناءِ التِزامُ ذَلِكَ فَقالَتْ: "ما في بَطْنِي" ولَمْ تَنُصَّ عَلى ذُكُورَتِهِ لِمَكانِ الإشْكالِ، ولَكِنَّها جَزَمَتِ الدَعْوَةَ رَجاءً مِنها أنْ يَكُونَ ذَكَرًا.
وتَقَبُّلُ الشَيْءِ وقَبُولُهُ: أخْذُهُ حَيْثُ يُتَصَوَّرُ الأخْذُ والرِضى بِهِ في كُلِّ حالٍ، فَمَعْنى قَوْلِها "فَتَقَبَّلْ مِنِّي": أيِ ارْضَ عَنِّي في ذَلِكَ، واجْعَلْهُ فِعْلًا مَقْبُولًا مُجازىً بِهِ، و"السَمِيعُ" إشارَةٌ إلى دُعائِها، "العَلِيمُ" إشارَةٌ إلى نِيَّتِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعَتْها أُنْثى واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ ﴿ فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللهِ إنَّ اللهِ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والوَضْعُ: الوِلادَةُ، وأنَّثَ الضَمِيرَ في "وَضَعَتْها" حَمْلًا عَلى المَوْجُودَةِ ورَفْعًا لِلَفْظِ "ما" الَّتِي في قَوْلِها: ﴿ ما في بَطْنِي ﴾ وقَوْلُها: ﴿ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى ﴾ لَفْظُ خَبَرٍ في ضِمْنِهِ التَحَسُّرُ والتَلَهُّفُ، وبَيَّنَ اللهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ﴾ .
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "وَضَعَتْ" بِفَتْحِ العَيْنِ وإسْكانِ التاءِ - وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَضَعْتُ" - بِضَمِّ التاءِ وإسْكانِ العَيْنِ - وهَذا أيْضًا مَخْرَجُ قَوْلِها: "رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى" مِن مَعْنى الخَبَرِ إلى مَعْنى التَلَهُّفِ، وإنَّما تَلَهَّفَتْ لِأنَّهم كانُوا لا يُحَرِّرُونَ الإناثَ لِخِدْمَةِ الكَنائِسِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وكانَتْ قَدْ رَجَتْ أنْ يَكُونَ ما في بَطْنِها ذَكَرًا، فَلَمّا وضَعَتْ أُنْثى تَلَهَّفَتْ عَلى فَوْتِ الأمَلِ وأفْزَعَها أنْ نَذَرَتْ ما لا يَجُوزُ نَذْرُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَضَعْتِ" - بِكَسْرِ التاءِ - عَلى الخِطابِ مِنَ اللهِ لَها.
وقَوْلُها: "وَلَيْسَ الذَكَرُ كالأُنْثى" تُرِيدُ في امْتِناعِ نَذْرِهِ، إذِ الأُنْثى تَحِيضُ ولا تَصْلُحُ لِصُحْبَةِ الرُهْبانِ، قالَهُ قَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ، وبَدَأتْ بِذِكْرِ الأهَمِّ في نَفْسِها، وإلّا فَسِياقُ قِصَّتِها يَقْتَضِي أنْ تَقُولَ: ولَيْسَتِ الأُنْثى كالذَكَرِ، فَتَضَعَ حَرْفَ النَفْيِ مَعَ الشَيْءِ الَّذِي عِنْدَها وانْتَفَتْ عنهُ صِفاتُ الكَمالِ لِلْغَرَضِ المُرادِ.
وفِي قَوْلِها ﴿ وَإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ ﴾ سُنَّةُ تَسْمِيَةِ الأطْفالِ قُرْبَ الوِلادَةِ ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "وُلِدَ لِيَ اللَيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْراهِيمَ".» وقَدْ رُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ « "أنَّ ذَلِكَ في يَوْمِ السابِعِ يُعَقُّ عَنِ المَوْلُودِ ويُسَمّى"» قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَن ماتَ ولَدُهُ قَبْلَ السابِعِ فَلا عَقِيقَةَ عَلَيْهِ ولا تَسْمِيَةَ" قالَ ابْنُ حَبِيبٍ: "أحَبُّ إلَيَّ أنْ يُسَمّى، وأنْ يُسَمّى السَقْطُ لِما رُوِيَ مِن رَجاءِ شَفاعَتِهِ".
ومَرْيَمُ لا يَنْصَرِفُ لِعُجْمَتِهِ وتَعْرِيفِهِ وتَأْنِيثِهِ.
وباقِي الآيَةِ إعادَةٌ، ووَرَدَ في الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ مِن بَنِي آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ وابْنِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَيْطانِ الرَجِيمِ ﴾ فَضُرِبَ بَيْنَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ الشَيْطانُ في الحِجابِ» وقَدِ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُ الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ، والمَعْنى واحِدٌ كَما ذَكَرْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَقَبَّلَها ﴾ إخْبارٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِأنَّ اللهَ رَضِيَ مَرْيَمَ لِخِدْمَةِ المَسْجِدِ كَما نَذَرَتْ أُمُّها وسَنّى لَها الأمَلَ في ذَلِكَ، والمَعْنى يَقْتَضِي أنَّ اللهَ أوحى إلى زَكَرِيّا ومَن كانَ هُنالِكَ بِأنَّهُ تَقَبَّلَها، ولِذَلِكَ جَعَلُوها كَما نَذَرَتْ.
وقَوْلُهُ "بِقَبُولٍ" مَصْدَرٌ جاءَ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: "نَباتًا" بَعْدَ أنْبَتَ.
وقَوْلُهُ ﴿ وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا ﴾ ، عِبارَةٌ عن حُسْنِ النَشْأةِ وسُرْعَةِ الجَوْدَةِ فِيها في خِلْقَةٍ وخُلُقٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَفَّلَها زَكَرِيّا ﴾ مَعْناهُ: ضَمَّها إلى إنْفاقِهِ وحِضْنِهِ، والكافِلُ هو المُرَبِّي الحاضِنُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّ زَكَرِيّا كانَ زَوْجَ خالَتِها، لِأنَّهُ وعِمْرانَ كانا سِلْفَيْنِ عَلى أُخْتَيْنِ، ولَدَتِ امْرَأةُ زَكَرِيّا يَحْيى، ووَلَدَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ مَرْيَمَ، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ زَوْجَ ابْنَةٍ أُخْرى لِعِمْرانَ، ويُعَضِّدُ هَذا القَوْلَ «قَوْلُ النَبِيِّ في يَحْيى وعِيسى: "ابْنا الخالَةِ"» قالَ مَكِّيٌّ: وهو زَكَرِيّا بْنُ آذَنَ.
وذَكَرَ قَتادَةُ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم كانُوا في ذَلِكَ الزَمانِ يَتَشاحُّونَ في المُحَرَّرِ عِنْدَ مَن يَكُونُ مِنَ القائِمِينَ بِأمْرِ المَسْجِدِ فَيَتَساهَمُونَ عَلَيْهِ، وأنَّهم فَعَلُوا في مَرْيَمَ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها التَوْراةَ في النَهْرِ، وقِيلَ: أقْلامًا بَرَوْها مِن عُودٍ كالسِهامِ والقِداحِ، وقِيلَ: عِصِيًّا لَهُمْ، وهَذِهِ كُلُّها تُقَلَّمُ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا ذَلِكَ في نَهْرِ الأُرْدُنِّ، ورُوِيَ أنَّهم ألْقَوْهُ في عَيْنٍ.
ورُوِيَ أنَّ قَلَمَ زَكَرِيّا صاعَدَ الجَرْيَةَ ومَضَتْ أقْلامُ الآخَرِينَ مَعَ الماءِ في جَرْيَتِهِ.
ورُوِيَ أنَّ أقْلامَ القَوْمِ عامَتْ عَلى الماءِ مَعْرُوضَةً كَما تَفْعَلُ العِيدانُ وبَقِيَ قَلَمُ زَكَرِيّا مُرْتَزًّا واقِفًا كَأنَّما رُكِزَ في طِينٍ، فَكَفَّلَها زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ بِهَذا الِاسْتِهامِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّها لَمّا تَرَعْرَعَتْ أصابَتْ بَنِي إسْرائِيلَ مَجاعَةٌ فَقالَ لَهم زَكَرِيّا: إنِّي قَدْ عَجَزْتُ عن إنْفاقِ مَرْيَمَ فاقْتَرِعُوا عَلى مَن يَكْفُلُها، فَفَعَلُوا، فَخَرَجَ السَهْمُ عَلى رَجُلٍ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ، فَجَعَلَ يُنْفِقُ عَلَيْها، وحِينَئِذٍ كانَ زَكَرِيّا يَدْخُلُ عَلَيْها المِحْرابَ عِنْدَ جُرَيْجٍ فَيَجِدُ عِنْدَها الرِزْقَ.
وهَذا اسْتِهامٌ غَيْرُ الأوَّلِ، هَذا المُرادُ مِنهُ دَفْعُها، والأوَّلُ المُرادُ مِنهُ أخْذُها.
ومُضَمَّنُ هَذِهِ الرِوايَةِ أنَّ زَكَرِيّا كَفَّلَها مِن لَدُنِ طُفُولَتِها دُونَ اسْتِهامٍ، لَكِنْ لِأنَّ أُمَّها هَلَكَتْ، وقَدْ كانَ أبُوها هَلَكَ وهي في بَطْنِ أُمِّها، فَضَمَّها زَكَرِيّا إلى نَفْسِهِ لِقَرابَتِها مِنِ امْرَأتِهِ، وهَكَذا قالَ ابْنُ إسْحاقَ.
والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أنَّ زَكَرِيّا إنَّما كَفَّلَ بِالِاسْتِهامِ لِتَشاحِّهِمْ حِينَئِذٍ فِيمَن يَكْفُلُ المُحَرَّرَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "وَكَفَلَها" - مَفْتُوحَةَ الفاءِ خَفِيفَةً "زَكَرِيّاءُ" مَرْفُوعًا مَمْدُودًا، وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ، "زَكَرِيّاءَ" مَمْدُودًا مَنصُوبًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: و"كَفَّلَها" - مُشَدَّدَةَ الفاءِ مَفْتُوحَةً، "زَكَرِيّا" مَقْصُورًا في جَمِيعِ القُرْآنِ، وفي رِوايَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: و"أكْفَلَها زَكَرِيّاءَ" - بِفَتْحِ الفاءِ - عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "فَتَقَبَّلْها" - بِسُكُونِ اللامِ - عَلى الدُعاءِ "رَبَّها" بِنَصْبِ الباءِ عَلى النِداءِ و"أنْبِتْها" - بِكَسْرِ الباءِ - عَلى الدُعاءِ، و"كَفِّلْها" - بِكَسْرِ الفاءِ وشَدِّها - عَلى الدُعاءِ "زَكَرِيّاءَ" مَنصُوبًا مَمْدُودًا، ورُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، وأبِي عَبْدِ اللهِ المُزْنِيِّ، "وَكَفِلَها" - بِكَسْرِ الفاءِ خَفِيفَةً - وهي لُغَةٌ يُقالُ: كَفِلَ يَكْفُلُ- بِضَمِّ العَيْنِ في المُضارِعِ، وكَفِلَ-بِكَسْرِ العَيْنِ- يَكْفَلُ- بِفَتْحِها- في المُضارِعِ.
"زَكَرِيّا": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمّا عُرِّبَ صادَفَ العَرَبِيَّةَ في بِنائِهِ فَهو كالهَيْجاءِ تُمَدُّ وتُقْصَرُ.
قالَ الزَجّاجُ: فَأمّا تَرْكُ صَرْفِهِ فَلِأنَّ فِيهِ في المَدِّ ألِفَيْ تَأْنِيثٍ وفي القَصْرِ ألِفَ تَأْنِيثٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ألِفُ زَكَرِيّا ألِفُ تَأْنِيثٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ألِفَ إلْحاقٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ شَيْءٌ عَلى وزْنِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُنْقَلِبَةً، ويُقالُ في لُغَةٍ: زَكَرِيٌّ مُنَوَّنٌ مُعَرَّبٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هاتانِ ياءُ نَسَبٍ ولَوْ كانَتا اللَتَيْنِ في زَكَرِيّا لَوَجَبَ ألّا يَنْصَرِفَ الِاسْمُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، وإنَّما حُذِفَتْ تِلْكَ وجُلِبَتْ ياءُ النَسَبِ.
وحَكى أبُو حاتِمٍ زَكَرِيُّ بِغَيْرِ صَرْفٍ وهو غَلَطٌ عِنْدَ النُحاةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "وَجَدَ"، والمِحْرابُ: المَبْنى الحَسَنُ كالغُرَفِ والعَلالِيِّ ونَحْوِهِ، ومِحْرابُ القَصْرِ أشْرَفُ ما فِيهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأشْرَفِ ما في المُصَلّى - وهو مَوْقِفُ الإمامِ-: مِحْرابٌ، وقالَ الشاعِرُ: رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أو أرْتَقِي سُلَّما ومِثْلُ قَوْلِ الآخَرِ: كَدُمى العاجِ في المَحارِيبِ أو كالـ ∗∗∗ ∗∗∗ بَيْضِ في الرَوْضِ زَهْرُهُ مُسْتَنِيرُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا ﴾ مَعْناهُ: طَعامًا تَتَغَذّى بِهِ ما لَمْ يَعْهَدْهُ ولا عَرَفَ كَيْفَ جُلِبَ إلَيْها، وكانَتْ- فِيما ذَكَرَ الرَبِيعُ- تَحْتَ سَبْعَةِ أبْوابٍ مُغْلَقَةٍ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّها كانَتْ في غُرْفَةٍ يُطْلَعُ إلَيْها بِسُلَّمٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، وقالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ الضَحّاكُ ومُجاهِدٌ أيْضًا وقَتادَةُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وفاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ: فاكِهَةَ الصَيْفِ في الشِتاءِ وفاكِهَةَ الشِتاءِ في الصَيْفِ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَجِدُ عِنْدَها رِزْقًا مِنَ السَماءِ لَيْسَ عِنْدَ الناسِ، ولَوْ أنَّهُ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ الرِزْقَ مِن عِنْدِهِ لَمْ يَسْألْها عنهُ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هَذا الدُخُولُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها ﴾ إنَّما هو دُخُولُ زَكَرِيّا عَلَيْها وهي في كَفالَةِ جُرَيْجٍ أخِيرًا، وذَلِكَ أنَّ جُرَيْجًا كانَ يَأْتِيها بِطَعامِها فَيُنَمِّيهِ اللهُ ويُكَثِّرُهُ، حَتّى إذا دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا عَجِبَ مِن كَثْرَتِهِ فَقالَ: ﴿ يا مَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا ﴾ والَّذِي عَلَيْهِ الناسُ أقْوى مِمّا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وقَوْلُهُ "أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
وقَوْلُها: ﴿ هُوَ مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن جَلْبِ بَشَرٍ، وهَكَذا تَلَقّى زَكَرِيّا المَعْنى، وإلّا فَلَيْسَ كانَ يَقْنَعُ بِهَذا الجَوابِ.
قالَ الزَجّاجُ: وهَذا مِنَ الآيَةِ الَّتِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ ﴾ ورُوِيَ أنَّها لَمْ تَلْقَمْ ثَدْيًا قَطُّ.
وقَوْلُها: ﴿ إنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ ذَلِكَ الرِزْقِ مِن عِنْدِ اللهِ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن قَوْلِ مَرْيَمَ وأنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ، واللهُ تَعالى لا تَنْتَقِصُ خَزائِنُهُ، فَلَيْسَ يَحْسِبُ ما يَخْرُجُ مِنها، وقَدْ يُعَبَّرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ عَنِ المُكْثِرِينَ مِنَ الناسِ أنَّهم يُنْفِقُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ، وذَلِكَ مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، والحَقِيقَةُ هي فِيما يَنْتَفِقُ مِن خَزائِنِ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إنَّكَ سَمِيعُ الدُعاءِ ﴾ ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهَ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ ﴾ هُناكَ - في كَلامِ العَرَبِ - إشارَةٌ إلى مَكانٍ فِيهِ بُعْدٌ أو زَمانٌ، وهُنالِكَ بِاللامِ - أبْلَغُ في الدَلالَةِ عَلى البُعْدِ، ولا يُعْرَبُ "هُنالِكَ" لِأنَّهُ إشارَةٌ فَأشْبَهَ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنىً.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ في الوَقْتِ الَّذِي رَأى زَكَرِيّا رِزْقَ اللهِ لِمَرْيَمَ ومَكانَتَها مِنهُ، وفَكَّرَ في أنَّها جاءَتْ أُمَّها بَعْدَ أنْ أسَنَّتْ، وأنَّ اللهَ تَقَبَّلَها وجَعَلَها مِنَ الصالِحاتِ، تَحَرَّكَ أمَلُهُ لِطَلَبِ الوَلَدِ وقَوِيَ رَجاؤُهُ، وذَلِكَ مِنهُ عَلى حالِ سِنٍّ ووَهْنِ عَظْمٍ واشْتِعالِ شَيْبٍ، وذَلِكَ لِخَوْفِهِ المَوالِيَ مِن ورائِهِ - حَسْبَما يَتَفَسَّرُ في سُورَةِ مَرْيَمَ إنْ شاءَ اللهُ - فَدَعا رَبَّهُ أنْ يَهَبَ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً.
و"الذُرِّيَّةُ": اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى واحِدٍ فَصاعِدًا كَما الوَلِيُّ اسْمُ جِنْسٍ كَذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أرادَ هُنا بِالذُرِّيَّةِ واحِدًا ودَلِيلُ ذَلِكَ طَلَبُهُ ولِيًّا ولَمْ يَطْلُبْ أولِياءَ، وأنَّثَ "الطَيِّبَةَ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ الذُرِّيَّةِ كَما قالَ الشاعِرُ: أبُوكَ خَلِيفَةٌ ولَدَتْهُ أُخْرى ∗∗∗ وأنْتَ خَلِيفَةٌ ذاكَ الكَمالُ وَكَما قالَ الآخَرُ: فَما تَزْدَرِي مِن حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ سُكاتٍ إذا ما عَضَّ لَيْسَ بِأدْرَدا وفِيما قالَ الطَبَرِيُّ تَعَقُّبٌ، وإنَّما الذُرِّيَّةُ والوَلِيُّ اسْما جِنْسٍ يَقَعانِ لِلْواحِدِ فَما زادَ، وهَكَذا كانَ طَلَبُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ، و"طَيِّبَةً" مَعْناهُ: سَلِيمَةٌ في الخُلُقِ والدِينِ نَقِيَّةٌ، "سَمِيعُ" في هَذِهِ الآيَةِ بِناءُ اسْمِ فاعِلٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ وتُرِكَ مَحْذُوفٌ كَثِيرٌ دَلَّ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: فَقَبِلَ اللهُ دُعاءَهُ، ووَهَبَهُ يَحْيى، وبَعَثَ المَلَكَ أوِ المَلائِكَةَ بِذَلِكَ إلَيْهِ، فَنادَتْهُ، وذُكِرَ أنَّهُ كانَ بَيْنَ دُعائِهِ والِاسْتِجابَةِ لَهُ بِالبِشارَةِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وذَكَرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ المُنادِي المُخْبِرَ إنَّما كانَ جِبْرِيلَ وحْدَهُ، وهَذا هو العُرْفُ في الوَحْيِ إلى الأنْبِياءِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ نادَتْ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ.
وقَدْ وجَدْنا اللهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَةً إلى لُوطٍ وإلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ وفي غَيْرِ ما قِصَّةٍ.
وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وقِراءَتِهِ: "فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: "فَنادَتْهُ" بِالتاءِ "المَلائِكَةُ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ" - بِالألِفِ وإمالَةِ الدالِ -.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِالتاءِ فَلِمَوْضِعِ الجَماعَةِ،والجَماعَةُ مِمَّنْ يَعْقِلُ في جَمْعِ التَكْسِيرِ؛ تَجْرِي مَجْرى ما لا يَعْقِلُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: هي الرِجالُ كَما تَقُولُ: هي الجُذُوعُ وهي الجِمالُ، ومِثْلُهُ "قالَتِ الأعْرابُ".
فَفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ عَلى أنَّ المُنادِيَ مَلائِكَةٌ كَثِيرَةٌ، والقِراءَةُ بِالتاءِ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: المُنادِي جِبْرِيلُ وحْدَهُ مُتَّجِهَةً عَلى مُراعاةِ لَفْظِ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو مِنهُمْ، فَذَكَرَ اسْمَ الجِنْسِ كَما قالَ تَعالى: "الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ومَن قَرَأ: "فَناداهُ المَلائِكَةُ"، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: "وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ".
قالَ القاضِي: وهَذا عَلى أنَّ المُنادِيَ كَثِيرٌ، ومَن قالَ إنَّهُ جِبْرِيلُ وحْدَهُ كالسُدِّيِّ وغَيْرِهِ فَأفْرَدَ الفِعْلَ مُراعاةً لِلْمَعْنى، وعَبَّرَ عن جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالمَلائِكَةِ إذْ هو اسْمُ جِنْسِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَنادَتْهُ" عِبارَةٌ تُسْتَعْمَلُ في التَبْشِيرِ وفِيما يَنْبَغِي أنْ يُسْرَعَ بِهِ ويُنْهى إلى نَفْسِ السامِعِ لِيُسَرَّ بِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هَذا مِنَ المَلائِكَةِ إخْبارًا عَلى عُرْفِ الوَحْيِ، بَلْ نِداءً كَما نادى الرَجُلُ الأنْصارِيُّ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ مِن أعْلى الجَبَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ قائِمٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، و"يُصَلِّي" صِفَةٌ لِـ "قائِمٌ"، و"المِحْرابِ" في هَذا المَوْضِعِ مَوْقِفُ الإمامِ مِنَ المَسْجِدِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "إنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: "فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ" فَقالَتْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: "فَدَعا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ" عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: كُسِرَتْ بَعْدَ النِداءِ والدُعاءِ لِأنَّ النِداءَ والدُعاءَ أقْوالٌ.
وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الألِفِ مِن قَوْلِهِ: "أنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى: فَنادَتْهُ بِأنَّ اللهَ، فَلَمّا حُذِفَ الجارُّ مِنها وصَلَ الفِعْلُ إلَيْها فَنَصَبَها، فَأنَّ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وعَلى قِياسِ قَوْلِ الخَلِيلِ في مَوْضِعِ جَرٍّ.
وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "فِي المِحْرابِ يا زَكَرِيّاءُ إنَّ اللهَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَقَوْلُهُ: "زَكَرِيّاءُ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ النِداءِ عَلَيْهِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ في "إنَّ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِأنَّ "نادَتْهُ" قَدِ اسْتَوْفَتْ مَفْعُولَيْها، أحَدُهُما الضَمِيرُ،، والآخَرُ المُنادى، فَإنْ فَتَحْتَ "إنَّ" لَمْ يَبْقَ لَها شَيْءٌ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكُلُّهم قَرَأ: "فِي المِحْرابِ" بِفَتْحِ الراءِ - إلّا ابْنَ عامِرٍ فَإنَّهُ أمالَها، وأطْلَقَ ابْنُ مُجاهِدٍ القَوْلَ في إمالَةِ ابْنِ عامِرٍ الألِفَ مِن "مِحْرابْ" ولَمْ يَخُصَّ بِهِ الجَرَّ مِن غَيْرِهِ، وقالَ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ: إنَّما نُمِيلُهُ في الجَرِّ فَقَطْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: "يُبَشِّرُكَ"، بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ والتَشْدِيدِ - في كُلِّ القُرْآنِ إلّا فِي: "عسق" فَإنَّهُما قَرَآ "ذَلِكَ الَّذِي يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ: - بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: "يُبَشِّرُكَ" بِشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "يَبْشُرُ" خَفِيفًا - بِضَمِّ الشِينِ "مِمّا لَمْ يَقَعْ" في كُلِّ القُرْآنِ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: "فَبِمَ تُبَشِّرُونَ".
وقَرَأ الكِسائِيُّ: "يَبْشُرُ" مُخَفَّفَةً في خَمْسَةِ مَواضِعَ: في آلِ عِمْرانَ في قِصَّةِ زَكَرِيّا وقِصَّةِ مَرْيَمَ، وفي سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ والكَهْفِ: "وَيَبْشُرُ المُؤْمِنِينَ" وفي عسق- "يَبْشُرُ اللهُ عِبادَهُ".
قالَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: في هَذِهِ اللَفْظَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ، بَشَّرَ بِشَدِّ الشِينِ، وبَشَرَ بِتَخْفِيفِها، وأبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا، وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها مُتَّجِهَةٌ فَصِيحَةٌ مَرْوِيَّةٌ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "يُبْشِرُكَ" -بِضَمِّ الياءِ وتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ- مِن "أبْشَرَ" وهَكَذا قَرَأ في كُلِّ القُرْآنِ.
و"يَحْيى" اسْمٌ سَمّاهُ اللهُ بِهِ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو اسْمٌ بِالعِبْرانِيَّةِ صادَفَ هَذا البِناءَ، والمَعْنى مِنَ العَرَبِيَّةِ، قالَ الزَجّاجُ: لا يَنْصَرِفُ لِأنَّهُ إنْ كانَ أعْجَمِيًّا فَفِيهِ التَعْرِيفُ والعُجْمَةُ، وإنْ كانَ عَرَبِيًّا فالتَعْرِيفُ ووَزْنُ الفِعْلِ، وقالَ قَتادَةُ: سَمّاهُ اللهُ يَحْيى لِأنَّهُ أحْياهُ بِالإيمانِ و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي مُؤَكِّدَةٌ بِحَسَبِ حالِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والحَسَنُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمُ: الكَلِمَةُ هُنا يُرادُ بِها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ.
وسَمّى اللهُ تَعالى عِيسى كَلِمَةً إذْ صَدَرَ عن كَلِمَةٍ مِنهُ تَعالى لا بِسَبَبِ إنْسانٍ آخَرَ كَعُرْفِ البَشَرِ.
ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ امْرَأةَ زَكَرِيّاءَ قالَتْ لِمَرْيَمَ وهُما حامِلَتانِ: إنِّي أجِدُ ما في بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِما في بَطْنِكِ، وفي بَعْضِ الرِواياتِ: يَسْجُدُ لِما في بَطْنِكِ قالَ: فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ، أيْ: أوَّلُ التَصْدِيقِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: "بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ" مَعْناهُ: بِكِتابٍ مِنَ اللهِ، الإنْجِيلِ وغَيْرِهِ مِن كُتُبِ اللهِ، فَأوقَعَ المُفْرَدَ مَوْقِعَ الجَمْعِ، فَـ "كَلِمَةٍ": اسْمُ جِنْسٍ، وعَلى هَذا النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ القَصِيدَةَ الطَوِيلَةَ كَلِمَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَيِّدًا ﴾ قالَ فِيهِ قَتادَةُ: أيْ واللهِ، سَيِّدٌ في الحِلْمِ والعِبادَةِ والوَرَعِ، وقالَ مَرَّةً: مَعْناهُ: في العِلْمِ والعِبادَةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "وَسَيِّدًا" أيْ حَلِيمًا، وقالَ مَرَّةً: السَيِّدُ: التَقِيُّ، وقالَ الضَحّاكُ: "وَسَيِّدًا" أيْ تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَيِّدُ الشَرِيفُ، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: السَيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَسَيِّدًا" يَقُولُ، تَقِيًّا حَلِيمًا، وقالَ عِكْرِمَةُ: السَيِّدُ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ الغَضَبُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ مَن فَسَّرَ مِن هَؤُلاءِ العُلَماءِ المَذْكُورِينَ السُؤْدُدَ بِالحِلْمِ، فَقَدْ أحْرَزَ أكْثَرَ مَعْنى السُؤْدُدِ، ومَن جَرَّدَ تَفْسِيرَهُ بِالعِلْمِ والتُقى ونَحْوِهِ فَلَمْ يُفَسِّرْ بِحَسَبِ كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ تَحَصَّلَ العِلْمُ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ ، وتَحَصَّلَ التُقى بِباقِي الآيَةِ.
وخَصَّهُ اللهُ بِذِكْرِ السُؤْدُدِ الَّذِي هو الِاعْتِمالُ في رِضى الناسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ دُونَ أنْ يَقَعَ في باطِلٍ- هَذا لَفْظٌ يَعُمُّ السُؤْدُدَ، وتَفْصِيلُهُ أنْ يُقالَ: بَذْلُ النَدى وهَذا هو الكَرَمُ، وكَفُّ الأذى وهُنا هي العِفَّةُ بِالفَرْجِ واليَدِ واللِسانِ، واحْتِمالُ العَظائِمِ وهُنا هو الحِلْمُ وغَيْرُهُ مِن تَحَمُّلِ الغَراماتِ وجَبْرِ الكَسِيرِ والإفْضالِ عَلى المُسْتَرْفِدِ والإنْقاذِ مِنَ الهَلَكاتِ.
وانْظُرْ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ،» يَجْمَعُ اللهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ"، وذَكَرَ حَدِيثَ الشَفاعَةِ في إطْلاقِ المَوْقِفِ، وذَلِكَ مِنهُ احْتِمالٌ في رِضى ولَدِ آدَمَ فَهو سَيِّدُهم بِذَلِكَ.
وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الثِقاتِ العُلَماءِ مَن لا يَبْرُزُ في هَذِهِ الخِصالِ، وقَدْ يُوجَدُ مَن يَبْرُزُ في هَذِهِ فَيُسَمّى سَيِّدًا وإنْ قَصَّرَ في كَثِيرٍ مِنَ الواجِباتِ، أعْنِي واجِباتِ النَدْبِ والمُكافَحَةِ في الحَقِّ وقِلَّةِ المُبالاةِ بِاللائِمَةِ.
وقَدْ قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، قِيلَ لَهُ: وَأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ؟
قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما.
فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مُعاوِيَةَ بَرَزَ في هَذِهِ الخِصالِ ما لَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا؛ وأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الاسْتِضْلاعِ بِالواجِباتِ وتَتَبُّعِ ذَلِكَ مِن أنْفُسِهِما وإقامَةِ الحَقائِقِ عَلى الناسِ بِحَيْثُ كانا خَيْرًا مِن مُعاوِيَةَ، ومَعَ تَتَبُّعِ الحَقائِقِ، وحَمْلِ الناسِ عَلى الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضاهُمْ، والوَزْنِ بِقِسْطاسِ الشَرِيعَةِ تَحْرِيرًا يَنْخَرِمُ كَثِيرٌ مِن هَذِهِ الخِصالِ الَّتِي هي السُؤْدُدُ ويَشْغَلُ الزَمَنُ عنها.
والتُقى والعِلْمُ والأخْذُ بِالأشَدِّ أوكَدُ وأعْلى مِنَ السُؤْدُدِ، أمّا إنَّهُ يَحْسُنُ بِالتَقِيِّ العالِمِ أنْ يَأْخُذَ مِنَ السُؤْدُدِ بِكُلِّ ما لا يُخِلُّ بِعِلْمِهِ وتُقاهُ، وهَكَذا كانَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ، ولَيْسَ هَذا الَّذِي يَحْسُنُ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، كَما لَيْسَ التَتَبُّعُ والتَحْرِيرُ في الشِدَّةِ بِواجِبٍ ولا بُدَّ، وهُما طَرَفا خَيْرٍ حَفَّتْهُما الشَرِيعَةُ، فَمِن صائِرٍ إلى هَذا ومِن صائِرٍ إلى هَذا، ومِثالُ ذَلِكَ، حاكِمٌ صَلِيبٌ مُعَبِّسٌ فَظٌّ عَلى مَن عِنْدَهُ أدْنى عِوَجٍ لا يَعْتَنِي في حَوائِجِ الناسِ، وآخَرُ بَسْطُ الوَجْهِ بَسّامٌ يَعْتَنِي فِيما يَجُوزُ، ولا يَتَتَبَّعُ ما لَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ ويُنَفِّذُ الحُكْمَ مَعَ رِفْقٍ بِالمَحْكُومِ عَلَيْهِ، فَهُما طَرِيقانِ حَسَنانِ.
وقَوْلُهُ: "وَحَصُورًا" أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ الحَبْسُ والمَنعُ، ومِنهُ الحَصِيرُ لِأنَّهُ يَحْصُرُ مَن جَلَسَ عَلَيْهِ، ومِنهُ سُمِّيَ السِجْنُ حَصِيرًا وجَهَنَّمُ حَصِيرًا، ومِنهُ حَصْرُ العَدُوِّ وإحْصارُ المَرَضِ والعُذْرِ، ومِنهُ قِيلَ: لِلَّذِي لا يُنْفِقُ مَعَ نُدَمائِهِ حَصُورٌ، قالَ الأخْطَلُ: وشارِبٍ مُرْبِحٍ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ ويُقالُ لِلَّذِي يَكْتُمُ السِرَّ حَصُورٌ وحَصِرٌ، قالَ جَرِيرٌ: ولَقَدْ تَساقَطَنِي الوُشاةُ فَصادَفُوا ∗∗∗ ∗∗∗ حَصِرًا بِسِرِّكِ يا أُمَيْمُ ضَنِينا وأجْمَعَ مَن يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الصِفَةَ لِيَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي الِامْتِناعُ مِن وطْءِ النِساءِ، إلّا ما حَكى مَكِّيٌّ مِن قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ الحَصُورُ عَنِ الذُنُوبِ أيْ لا يَأْتِيها.
ورَوى ابْنُ المُسَيِّبِ عَنِ ابْنِ العاصِي- إمّا عَبْدُ اللهِ وإمّا أبُوهُ- عَنِ النَبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ" قالَ: ثُمَّ دَلّى رَسُولُ اللهِ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ فَأخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا، ثُمَّ قالَ: "وَذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ما لِلرِّجالِ إلّا مِثْلُ هَذا العُودِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللهُ سَيِّدًا وحَصُورًا"» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الحَصُورُ: العِنِّينُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِساءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: الحَصُورُ: الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ حَصْرَ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا مِثْلُ الهُدْبَةِ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ لِأنَّهُ كانَ عِنِّينًا لا يَأْتِي النِساءَ وإنْ كانَتْ خِلْقَتُهُ غَيْرَ ناقِصَةٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ حَصْرَهُ كانَ بِأنَّهُ كانَ يُمْسِكُ نَفْسَهُ تُقىً وجَلَدًا في طاعَةِ اللهِ، وكانَتْ بِهِ القُدْرَةُ عَلى جِماعِ النِساءِ.
قالُوا: وهَذا أمْدَحُ لَهُ ولَيْسَ لَهُ في التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَدْحٌ، إلّا بِأنَّ اللهَ يَسَّرَ لَهُ شَيْئًا لا تَكَسُّبَ لَهُ فِيهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، ورُوِيَ مِن صَلاحِهِ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ كانَ يَعِيشُ مِنَ العُشْبِ، وأنَّهُ كانَ كَثِيرَ البُكاءِ مِن خَشْيَةِ اللهِ حَتّى خَدَّدَ الدَمْعُ في وجْهِهِ طُرُقًا وأخادِيدَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ لِمَ قالَ زَكَرِيّاءُ ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ ؟
فَقالَ عِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ: إنَّهُ نُودِيَ بِهَذِهِ البِشارَةِ، جاءَ الشَيْطانُ يُكَدِّرُ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي مَن ناداكَ؟
قالَ: نادَتْنِي مَلائِكَةُ رَبِّي، قالَ بَلْ ذَلِكَ الشَيْطانُ، ولَوْ كانَ هَذا مِن عِنْدِ رَبِّكَ لَأخْفاهُ لَكَ كَما أخْفَيْتَ نِداءَكَ، قالَ: فَخالَطَتْ قَلْبَهُ وسْوَسَةٌ وشَكٌّ مَكانَهُ، فَقالَ: ﴿ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ زَكَرِيّاءَ لَمّا رَأى حالَ نَفْسِهِ وحالَ امْرَأتِهِ وأنَّها لَيْسَتْ بِحالِ نَسْلٍ؛ سَألَ عَنِ الوَجْهِ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الغُلامُ، أتُبَدَّلُ المَرْأةُ خِلْقَتَها أمْ كَيْفَ يَكُونُ؟
وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ يَلِيقُ بِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ.
وقالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ إنَّما سَألَ لِأنَّهُ نَسِيَ دُعاءَهُ لِطُولِ المُدَّةِ بَيْنَ الدُعاءِ والبِشارَةِ، وذَلِكَ أرْبَعُونَ سَنَةً.
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفُ المَعْنى.
و"أنّى" مَعْناهُ: كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ اسْتِعارَةٌ، كَأنَّ الزَمانَ طَرِيقٌ والحَوادِثَ تَتَساوَقُ فِيهِ، فَإذا التَقى حادِثانِ؛ فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ بَلَغَ صاحِبَهُ، وحَقِيقَةُ البُلُوغِ في الأجْرامِ أنْ يَنْتَقِلَ البالِغُ إلى المَبْلُوغِ إلَيْهِ.
وحَسُنَ في الآيَةِ ﴿ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ ﴾ مِن حَيْثُ هي عِبارَةُ واهِنٍ مُنْفَعِلٍ، و"بَلَغْتُ" عِبارَةُ فاعِلٍ مُسْتَعْلٍ، فَتَأمَّلْهُ.
ولا يُعْتَرَضُ عَلى هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ لِأنَّهُ قَدْ أفْصَحَ بِضَعْفِ حالِهِ في ذِكْرِ العِتِيِّ.
والعاقِرُ: الإنْسانُ الَّذِي لا يَلِدُ، يُقالُ ذَلِكَ لِلْمَرْأةِ والرَجُلِ.
قالَ عامِرُ بْنُ الطُفَيْلِ: لَبِئْسَ الفَتى إنْ كُنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا ∗∗∗ جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ وعاقِرٌ: بِناءُ فاعِلٍ وهو عَلى النَسَبِ ولَيْسَ بِجارٍ عَلى الفِعْلِ.
والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ الغَرِيبَةِ الَّتِي بَشَّرَ بِها، أيْ كَهَذِهِ القُدْرَةِ المُسْتَغْرَبَةِ هي قُدْرَةُ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ، والكَلامُ تامٌّ في قَوْلِهِ: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ شَرَحَ الإبْهامَ الَّذِي في ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى حالِ زَكَرِيّاءَ وحالِ امْرَأتِهِ كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ عَلى أيِّ وجْهٍ يَكُونُ لَنا غُلامٌ ونَحْنُ بِحالِ كَذا؟
فَقالَ لَهُ:" كَما أنْتُما يَكُونُ لَكُما الغُلامُ"، والكَلامُ تامٌّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُقَرِّرَةٌ في النَفْسِ وُقُوعَ هَذا الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ ﴾ الآيَةُ: العَلامَةُ.
وقالَ الرَبِيعُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: إنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ إنْ كانَ ذَلِكَ الكَلامُ مِن قِبَلِكَ والبِشارَةُ حَقٌّ، فاجْعَلْ لِي عَلامَةً أعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ بِها، فَعُوقِبَ عَلى هَذا الشَكِّ في أمْرِ اللهِ بِأنْ مُنِعَ الكَلامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مَعَ الناسِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يَشُكَّ قَطُّ زَكَرِيّاءُ، وإنَّما سَألَ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي بِها يَكُونُ الوَلَدُ وتَتِمُّ البِشارَةُ، فَلَمّا قِيلَ لَهُ: ﴿ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ﴾ سَألَ عَلامَةً عَلى وقْتِ الحَمْلِ لِيَعْرِفَ مَتى يُحْمَلُ بِيَحْيى.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، هَلْ كانَ مَنعُهُ الكَلامَ لِآفَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أمْ كانَ ذَلِكَ لِغَيْرِ آفَةٍ؟
فَقالَ جُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ: رَبّا لِسانَهُ في فِيهِ حَتّى مَلَأهُ ثُمَّ أطْلَقَهُ اللهُ بَعْدَ ثَلاثٍ.
وقالَ الرَبِيعُ وغَيْرُهُ: عُوقِبَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِالبِشارَةِ فَسَألَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلامَةً فَأخَذَ اللهُ عَلَيْهِ لِسانَهُ، فَجَعَلَ لا يَقْدِرُ عَلى الكَلامِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمْ تَكُنْ آفَةً، ولَكِنَّهُ مُنِعَ مُحاوَرَةَ الناسِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وكانَ يَقْدِرُ عَلى ذِكْرِ اللهِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، وذُكِرَ نَحْوُهُ عن مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
ثُمَّ اسْتَثْنى الرَمْزَ، وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.
وذَهَبَ الفُقَهاءُ في الإشارَةِ ونَحْوِها إلى أنَّها في حُكْمِ الكَلامِ في الأيْمانِ ونَحْوِها، فَعَلى هَذا يَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، والكَلامُ المُرادُ بِالآيَةِ إنَّما هو النُطْقُ بِاللِسانِ لا الإعْلامُ بِما في النَفْسِ، فَحَقِيقَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مُنْقَطِعٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "رَمْزًا" - بِفَتْحِ الراءِ وسُكُونِ المِيمِ - وقَرَأ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: "رُمُزًا" بِضَمِّهِما، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رَمَزًا" بِفَتْحِهِما.
والرَمْزُ في اللُغَةِ: حَرَكَةٌ تُعْلِمُ بِما في نَفْسِ الرامِزِ بِأيِّ شَيْءٍ كانَتِ الحَرَكَةُ؛ مِن عَيْنٍ أو حاجِبٍ أو شَفَةٍ أو يَدٍ أو عُودٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَدْ قِيلَ لِلْكَلامِ المُحَرَّفِ عن ظاهِرِهِ: رُمُوزٌ، لِأنَّها عَلاماتٌ بِغَيْرِ اللَفْظِ المَوْضُوعِ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ الإعْلامُ بِهِ.
وقَدْ يُقالُ لِلتَّصْوِيتِ الدالِّ عَلى مَعْنىً: رَمْزٌ، ومِنهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عائِدٍ: وكانَ تَكَلُّمُ الأبْطالِ رَمْزًا ∗∗∗ وغَمْغَمَةً لَهم مِثْلَ الهَدِيرِ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَخَصَّصَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم نَوْعًا مِنَ الرَمْزِ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُجاهِدٌ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا تَحْرِيكًا بِالشَفَتَيْنِ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ إلّا إشارَةً بِاليَدِ والرَأْسِ، وبِهِ قالَ السُدِّيُّ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ، وقالَ الحَسَنُ: أُمْسِكَ لِسانُهُ فَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إلى قَوْمِهِ، وقالَ قَتادَةُ: "إلّا رَمْزًا" مَعْناهُ: إلّا إيماءً.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ألّا تُكَلِّمَ الناسَ" بِنَصْبِ الفِعْلِ بِأنْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ألّا تُكَلِّمُ" بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ ويَكُونَ فِيها ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، والتَقْدِيرُ: آيَتُكَ أنَّهُ لا تُكَلِّمُ الناسَ.
والقَوْلُ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا صُمْتُ يَوْمًا إلى اللَيْلِ"» قَوْلٌ ظاهِرُ الفَسادِ مِن جِهاتٍ.
وأمَرَهُ تَعالى بِالذِكْرِ لِرَبِّهِ كَثِيرًا لِأنَّهُ لَمْ يَحِلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذِكْرِ اللهِ، وهَذا قاضٍ بِأنَّهُ لَمْ تُدْرِكْهُ آفَةٌ ولا عِلَّةٌ في لِسانِهِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: لَوْ كانَ اللهُ رَخَّصَ لِأحَدٍ في تَرْكِ الذِكْرِ؛ لَرَخَّصَ لِزَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلا رَمْزًا ﴾ لَكِنَّهُ قالَ لَهُ: ﴿ واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "وَسَبِّحْ" مَعْناهُ: قُلْ: سُبْحانَ اللهِ، وقالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: صَلِّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ يُناسِبُ الذِكْرَ ويُسْتَغْرَبُ مَعَ امْتِناعِ الكَلامِ مَعَ الناسِ.
والعَشِيُّ في اللُغَةِ: مِن زَوالِ الشَمْسِ إلى مَغِيبِها، ومِنهُ قَوْلُ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلّا وهم يُصَلُّونَ الظُهْرَ بِعَشِيٍّ، والعَشِيُّ مِن حِينِ يَفِيءُ الفَيْءُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: فَلا الظِلَّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءَ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذُوقُ و العَشِيُّ: اسْمٌ مُفْرَدٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وجَمْعُ عَشِيَّةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَسَفِينَةٍ وسَفِينٍ، و"الإبْكارِ" مَصْدَرُ أبْكَرَ الرَجُلُ، إذا بادَرَ أمْرَهُ مِن لَدُنِ طُلُوعِ الشَمْسِ، وتَتَمادى البُكْرَةُ شَيْئًا بَعْدَ طُلُوعِ الشَمْسِ، يُقالُ: أبْكَرَ الرَجُلُ وبَكَّرَ فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ ابْنِ أبِي رَبِيعَةَ: أمِن آلِ نُعْمى أنْتَ غادٍ فَمُبْكِرُ...
∗∗∗..............
ومِنَ الثانِي قَوْلُ جَرِيرٍ: ألا بَكَّرَتْ سَلْمى فَجَدَّ بُكُورُها ∗∗∗ ∗∗∗ وشَقَّ العَصا بَعْدَ اجْتِماعٍ أمِيرُها وقالَ مُجاهِدٌ في تَفْسِيرِ الإبْكارِ: أوَّلُ الفَجْرِ، والعَشِيِّ: مَيْلُ الشَمْسِ حَتّى تَغِيبَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ ﴿ يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "سَمِيعٌ" فَهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ إذْ قالَتِ امْرَأتُ عِمْرانَ ﴾ ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ في "إذْ" في هَذِهِ الآيَةِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "واذْكُرْ" وهَذا هو الراجِحُ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها إنَّما هي إخْباراتٌ بِغَيْبٍ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ، مَقْصِدُ ذِكْرِها هو الأظْهَرُ في حِفْظِ رَوْنَقِ الكَلامِ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَإذْ قالَ المَلائِكَةُ".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ - هَلِ المُرادُ هُنا بِالمَلائِكَةِ جِبْرِيلُ وحْدَهُ، أو جَمْعٌ مِنَ المَلائِكَةِ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مَعْنى مِثْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ .
و"اصْطَفاكِ": مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو وزْنُهُ "افْتَعَلَ"، وبُدِّلَتْ طاءً لِتُناسِبَ الصادَ.
فالمَعْنى: تَخَيَّرَكِ لِطاعَتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَطَهَّرَكِ " مَعْناهُ: مِن كُلِّ ما يَصِمُ النِساءَ في خَلْقٍ أو خُلُقٍ أو دِينٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: قَدْ جاءَ في التَفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: مِنَ الحَيْضِ والنِفاسِ؛ وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ قَوِيٍّ وما أحْفَظُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ ﴾ إنْ جَعَلْنا "العالَمِينَ" عامًّا فِيمَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ مَخْصُوصًا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وأنَّها اصْطُفِيَتْ لِتَلِدَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وإنْ جَعَلْنا الِاصْطِفاءَ عامًّا جَعَلْنا قَوْلَهُ: "العالَمِينَ" مَخْصُوصًا في عالَمِ ذَلِكَ الزَمانِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ، وقَدْ رُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، خَيْرُ نِساءِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"،» ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: « "خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ"» فَذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: « "خَيْرُ نِسائِها"» يُرادُ بِهِ الجَنَّةُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يُرادُ بِهِ الدُنْيا، أيْ كُلُّ امْرَأةٍ في زَمانِها، وقالَ النَبِيُّ « "خَيْرُ نِساءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صالِحُ نِساءِ قُرَيْشٍ، أحْناهُ عَلى ولَدٍ في صِغَرِهِ، وأرْعاهُ إلى زَوْجٍ في ذاتِ يَدِهِ"».قالَ أبُو هُرَيْرَةَ راوِي الحَدِيثِ: ولَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ بَعِيرًا قَطُّ، وهَذِهِ الزِيادَةُ فِيها غَيْبٌ، فَلا يُتَأوَّلُ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَها إلّا عن سَماعٍ مِنَ النَبِيِّ ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "خَيْرُ نِساءِ العالَمِينَ أرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ".» وقَدْ أسْنَدَ الطَبَرِيُّ «أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِفاطِمَةَ بِنْتِهِ: "أنْتِ سَيِّدَةُ نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ، إلّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرانَ البَتُولَ"،» وأنَّهُ قالَ: « "فُضِّلَتْ خَدِيجَةُ عَلى نِساءِ أُمَّتِي، كَما فُضِّلَتْ مَرْيَمُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ".» وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الأحادِيثَ وغَيْرَها مِمّا هو في مَعْناها، وجَدْتَ مَرْيَمَ فِيها مُتَقَدِّمَةً، فَسائِغٌ أنْ يُتَأوَّلَ عُمُومُ الِاصْطِفاءِ عَلى العالَمِينَ عُمُومًا أيْضًا.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقْبِلُ عَلى مَرْيَمَ فَتَقُولُ: ﴿ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ اصْطَفاكِ ﴾ الآيَةَ، فَيَسْمَعُ ذَلِكَ زَكَرِيّاءُ فَيَقُولُ: إنَّ لِمَرْيَمَ لَشَأْنًا، فَمِن مُخاطَبَةِ المَلائِكَةِ لَها، جَعَلَها هَذا القائِلُ نَبِيَّةً، وجُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّهُ لَمْ تُنَبَّإ امْرَأةٌ.
و"اقْنُتِي" مَعْناهُ: اعْبُدِي وأطِيعِي، قالَهُ قَتادَةُ والحَسَنُ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "كُلُّ قُنُوتٍ في القُرْآنِ فَهو بِمَعْنى طاعَةِ اللهِ"» ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: أطِيلِي القِيامَ في الصَلاةِ، وهَذا هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو المُناسِبُ في المَعْنى لِقَوْلِهِ: ﴿ واسْجُدِي وارْكَعِي ﴾ وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والرَبِيعُ، ورَوى مُجاهِدٌ أنَّها لَمّا خُوطِبَتْ بِهَذا قامَتْ حَتّى ورِمَتْ قَدَماها.
ورَوى الأوزاعِيُّ أنَّها قامَتْ حَتّى سالَ الدَمُ والقَيْحُ مِن قَدَمَيْها.
ورُوِيَ أنَّ الطَيْرَ كانَتْ تَنْزِلُ عَلى رَأْسِها، تَظُنُّها جَمادًا لِسُكُونِها في طُولِ قِيامِها.
وَقَدْ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "اقْنُتِي لِرَبِّكِ" مَعْناهُ: أخْلِصِي لِرَبِّكِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: لِمَ قَدَّمَ السُجُودَ عَلى الرُكُوعِ؟
فَقالَ قَوْمٌ: كانَ ذَلِكَ في شَرْعِ زَكَرِيّاءَ وغَيْرِهِ مِنهم وقالَ قَوْمٌ: الواوُ لا تُعْطِي رُتْبَةً، وإنَّما المَعْنى: افْعَلِي هَذا وهَذا، وقَدْ عُلِمَ تَقْدِيمُ الرُكُوعِ، وهَذِهِ الآيَةُ أكْثَرُ إشْكالًا مِن قَوْلِنا: "قامَ زَيْدٌ وعَمْرٌو" لِأنَّ قِيامَ زَيْدٍ وعَمْرٍو لَيْسَ لَهُ رُتْبَةٌ مَعْلُومَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ قَدْ عُلِمَ أنَّ السُجُودَ بَعْدَ الرُكُوعِ، فَكَيْفَ جاءَتِ الواوُ بِعَكْسِ ذَلِكَ؟
فالقَوْلُ عِنْدِي في ذَلِكَ أنَّ مَرْيَمَ أُمِرَتْ بِفَصْلَيْنِ ومَعْلَمَيْنِ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، وهُما طُولُ القِيامِ والسُجُودِ، وخُصّا بِالذِكْرِ لِشَرَفِهِما في أرْكانِ الصَلاةِ، إذِ العَبْدُ يَقْرُبُ في وقْتِ سُجُودِهِ مِنَ اللهِ تَعالى، وهَذانِ يَخْتَصّانِ بِصَلاتِها مُفْرَدَةً، وإلّا فَمَن يُصَلِّي وراءَ إمامٍ فَلَيْسَ يُقالُ لَهُ: أطِلْ قِيامَكَ، ثُمَّ أُمِرَتْ - بَعْدُ- بِالصَلاةِ في الجَماعَةِ، فَقِيلَ لَها: ﴿ وارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ ﴾ وقُصِدَ هُنا مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الصَلاةِ، لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظٌ، ولَمْ يُرِدْ بِالآيَةِ السُجُودَ والرُكُوعَ الَّذِي هو مُنْتَظَمٌ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمُ وجِيهًا في الدُنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ ﴾ هَذِهِ المُخاطَبَةُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ القِصَصِ.
والأنْباءُ الأخْبارُ، و"الغَيْبِ" ما غابَ عن مَدارِكِ الإنْسانِ.
و"نُوحِيهِ" مَعْناهُ: نُلْقِيهِ في نَفْسِكَ في خَفاءٍ.
وحَدُّ الوَحْيِ إلْقاءُ المَعْنى في النَفْسِ في خَفاءٍ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ أنْواعُهُ، فَمِنهُ بِالمَلَكِ، ومِنهُ بِالإلْهامِ، ومِنهُ بِالإشارَةِ، ومِنهُ بِالكِتابِ، كَما قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: أتى العُجْمَ والآفاقَ مِنهُ قَصائِدٌ ∗∗∗ بَقِينَ بَقاءَ الوَحْيِ في الحَجَرِ الأصَمْ تَقُولُ العَرَبُ: أوحى، وتَقُولُ وحى.
وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانٌ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، إذْ جاءَهم بِغُيُوبٍ لا يَعْلَمُها إلّا مَن شاهَدَها وهو لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ، أو مَن قَرَأها في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أُمِّيٌّ مِن قَوْمٍ أُمِّيِّينَ، أو مَن أعْلَمَهُ اللهُ بِها وهو ذاكَ ، و"لَدَيْهِمْ" مَعْناهُ: عِنْدَهم ومَعَهُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في الأقْلامِ والكِفْلِ.
وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ اسْتِهامٌ لِأخْذِها والمُنافَسَةِ فِيها.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: إنَّما كانَ اسْتِهامُهم حِينَ نالَتْهُمُ المَجاعَةُ دَفْعًا مِنهم لِتُحْمَلَ مَئُونَتُها.
"يَخْتَصِمُونَ" مَعْناهُ: يَتَراجَعُونَ القَوْلَ الجَهِيرَ في أمْرِها، وفي هَذِهِ الآيَةِ اسْتِعْمالُ القُرْعَةِ والقُرْعَةُ سُنَّةٌ، «وَكانَ النَبِيُّ إذا سافَرَ أقْرَعَ بَيْنَ نِسائِهِ،» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَوْ يَعْلَمُونَ ما في الصَفِّ الأوَّلِ لاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ"» وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى تَجْوِيزِ القُرْعَةِ إلّا مَن شَذَّ فَظَنَّ أنَّها قِمارٌ، وهَذا كُلُّهُ فِيما يَصْلُحُ التَراضِي بِكَوْنِهِ دُونَ قُرْعَةٍ، فَكَأنَّ القُرْعَةَ مُحَسِّنَةٌ لِذَلِكَ الِاخْتِصاصِ.
وأمّا حَيْثُ لا يَجُوزُ التَراضِي كَعِتْقِ العَبِيدِ في ثُلُثِ المَيِّتِ فَجَوَّزَها الجُمْهُورُ ومَنَعَها أبُو حَنِيفَةَ.
وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ أقْرَعَ بَيْنَ سِتَّةِ أعْبُدٍ، فَأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: يَنْظُرُونَ ﴿ أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ ﴾ ، والعامِلُ في قَوْلِهِ: ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ ﴿ إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ ﴾ ، وهَكَذا يَطَّرِدُ وصْفُ الآيَةِ وتَتَوالى الإعْلاماتُ بِهَذِهِ الغُيُوبِ.
وقالَ الزَجّاجُ: العامِلُ فِيها: "يَخْتَصِمُونَ"، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ ﴾ ، وهَذا كُلُّهُ يَرُدُّهُ المَعْنى، لِأنَّ الِاخْتِصامَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ قَوْلِ المَلائِكَةِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "إذْ قالَ المَلائِكَةُ".
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ هَلِ المَلائِكَةُ هُنا عِبارَةٌ عن جِبْرِيلَ وحْدَهُ أو عن جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ؟
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ في قَوْلِهِ آنِفًا: ﴿ فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ ﴾ فَتَأمَّلْهُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ القِراءاتِ في قَوْلِهِ: "يُبَشِّرُكِ".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، لِمَ عَبَّرَ عن عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِـ "كَلِمَةٍ" فَقالَ قَتادَةُ: جَعَلَهُ اللهُ "كَلِمَةً" إذْ هو مَوْجُودٌ بِكَلِمَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى لِمُراداتِهِ: "كُنْ" وهَذا كَما تَقُولُ في شَيْءٍ حادِثٍ: هَذا قَدَرُ اللهِ، أيْ هو عِنْدَ قَدَرِ اللهِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: هَذا أمْرُ اللهِ.
وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فَقالَ: وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الكَلِمَةُ اسْمٌ لِعِيسى سَمّاهُ اللهُ بِها كَما سَمّى سائِرَ خَلْقِهِ بِما شاءَ مِنَ الأسْماءِ، فَمُقْتَضى هَذِهِ التَرْجَمَةِ أنَّ الكَلِمَةَ اسْمٌ مُرْتَجَلٌ لِعِيسى، ثُمَّ أدْخَلَ الطَبَرِيُّ تَحْتَ التَرْجَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الكَلِمَةُ هي عِيسى، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ مُحْتَمِلٌ أنْ يُفَسَّرَ بِما قالَ قَتادَةُ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا سَنَذْكُرُهُ الآنَ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا ادَّعى الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ.
وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: سَمّاهُ اللهُ كَلِمَةً مِن حَيْثُ كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في تَوْراةِ مُوسى وغَيْرِها مِن كُتُبِ اللهِ وأنَّهُ سَيَكُونُ، فَهَذِهِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ فِيهِ مِنَ اللهِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنْتِ يا مَرْيَمُ مُبَشَّرَةٌ بِأنَّكِ المَخْصُوصَةُ بِوِلادَةِ الإنْسانِ الَّذِي قَدْ تَكَلَّمَ اللهُ بِأمْرِهِ، وأخْبَرَ بِهِ في ماضِي كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى أنْبِيائِهِ.
و"اسْمُهُ" في هَذا المَوْضِعِ، مَعْناهُ: تَسْمِيَتُهُ، وجاءَ الضَمِيرُ مُذَكَّرًا مِن أجْلِ المَعْنى، إذِ الكَلِمَةُ عِبارَةٌ عن ولَدٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ لَفْظَةِ "المَسِيحُ"، فَقالَ قَوْمٌ: هو مِن ساحَ يَسِيحُ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ ومَشى أقْطارَها، فَوَزْنُهُ "مُفْعِلٌ".
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: هو مِن "مَسَحَ" فَوَزْنُهُ "فَعِيلٌ".
واخْتَلَفُوا- بَعْدُ- في صُورَةِ اشْتِقاقِهِ مِن" مَسَحَ"؛ فَقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: سُمِّيَ بِذَلِكَ مِن مِساحَةِ الأرْضِ لِأنَّهُ مَشاها فَكَأنَّهُ مَسَحَها، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ ما مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى ذِي عِلَّةٍ إلّا بَرِئَ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "فاعِلٌ".
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِالبَرَكَةِ، وقالَ آخَرُونَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ القُدْسِ، فَهو عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"، وكَذَلِكَ هو في قَوْلِ مَن قالَ: مَسَحَهُ اللهُ، فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُنُوبِ.
قالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: المَسِيحُ الصِدِّيقُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المَسِيحُ: المَلِكُ، وسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلَكَ إحْياءَ المَوْتى وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "عِيسى" يَحْتَمِلُ مِنَ الإعْرابِ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: البَدَلَ مِنَ "المَسِيحُ"، وعَطْفَ البَيانِ، وأنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ومَنَعَ بَعْضُ النُحاةِ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ وقالَ: كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أسْماؤُهُ عَلى المَعْنى أو أسْماؤُها عَلى اللَفْظِ لِلْكَلِمَةِ، ويَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ "عِيسى" خَبَرَ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ويَدْعُو إلى هَذا كَوْنُ قَوْلِهِ: "ابْنُ مَرْيَمَ" صِفَةً لِعِيسى إذْ قَدْ أجْمَعَ الناسُ عَلى كَتْبِهِ دُونَ ألِفٍ، وأمّا عَلى البَدَلِ أو عَطْفِ البَيانِ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ مَرْيَمَ صِفَةً لِعِيسى لِأنَّ الِاسْمَ هُنا لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَخْصُ، هَذِهِ النَزْعَةُ لِأبِي عَلِيٍّ، وفي صَدْرِ الكَلامِ نَظَرٌ.
و"وَجِيهًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهو مِنَ الوَجْهِ، أيْ: لَهُ وجْهٌ ومَنزِلَةٌ عِنْدَ اللهِ والمَعْنى في الوَجِيهِ أنَّهُ حَيْثُما أقْبَلَ بِوَجْهِهِ، عُظِّمَ ورُوعِيَ أمْرُهُ، وتَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ لَهُ وجْهٌ في الناسِ ولَهُ جاهٌ، وهَذا عَلى قَلْبٍ في اللَفْظَةِ يَقُولُونَ: جاهَنِي يَجُوهُنِي بِكَذا أيْ واجَهَنِي بِهِ، وجاهُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في الدُنْيا نُبُوَّتُهُ وذِكْرُهُ، ورَفْعُهُ في الآخِرَةِ مَكانَتُهُ ونَعِيمُهُ وشَفاعَتُهُ.
و"مِنَ المُقَرَّبِينَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُكَلِّمُ الناسَ في المَهْدِ وكَهْلا ومِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ قَوْلُهُ: "وَيُكَلِّمُ" نائِبٌ عن حالٍ تَقْدِيرُها: "وَمُكَلِّمًا"، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا"، وجاءَ عَطْفُ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ عَلى اسْمِ الفاعِلِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُضارَعَةِ، كَما جازَ عَطْفُ اسْمِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِ الشاعِرِ:.
بِتُّ أُعَشِّيها بِعَضْبٍ باتِرٍ ∗∗∗ يَقْصِدُ في أسْؤُقِها وجائِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ فِي المَهْدِ ﴾ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُكَلِّمُ"، و"كَهْلًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ فِي المَهْدِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ( مِنَ الصالِحِينَ ) حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَيُكَلِّمُ" وهَذِهِ الآيَةُ إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَرْيَمَ؛ بِأنَّ ابْنَها يَتَكَلَّمُ في مَهْدِهِ مَعَ الناسِ آيَةً دالَّةً عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِمّا عَسى أنْ يَقْذِفَها بِهِ مُتَعَسِّفٌ ظانٌّ.
والمَهْدُ: مَوْضِعُ اضْطِجاعِ الصَبِيِّ وقْتَ تَرْبِيَتِهِ.
وأخْبَرَ تَعالى عنهُ أنَّهُ أيْضًا يُكَلِّمُ الناسَ كَهْلًا، وفائِدَةُ ذَلِكَ -إذْ كَلامُ الكَهْلِ عُرِفَ- أنَّهُ إخْبارٌ لَها بِحَياتِهِ إلى سِنِّ الكُهُولَةِ، هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: فائِدَةُ قَوْلِهِ: "وَكَهْلًا: الإخْبارُ بِنُزُولِهِ عِنْدَ قَتْلِهِ الدَجّالَ كَهْلًا.
وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الكَهْلُ الَّذِي بَلَغَ سِنَّ الكُهُولَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وهَذا تَفْسِيرُ الكُهُولَةِ بِعَرَضٍ مُصاحِبٍ لَها في الأغْلَبِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّ الكُهُولَةِ، فَقِيلَ: الكَهْلُ: ابْنُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ خَمْسٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، وقِيلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ، وهَذا حَدُّ أوَّلِها،.
وأمّا آخِرُها فاثْنَتانِ وخَمْسُونَ، ثُمَّ يَدْخُلُ سِنَّ الشَيْخُوخَةِ.
وقَوْلُ مَرْيَمَ: ﴿ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ﴾ اسْتِفْهامٌ عن جِهَةِ حَمْلِها، واسْتِغْرابٌ لِلْحَمْلِ عَلى حالِ بَكارَتِها.
و"يَمْسَسْنِي" مَعْناهُ: يَطَأُ ويُجامِعُ، والمَسِيسُ: الجِماعُ،وَمَرْيَمُ لَمْ تَنْفِ مَسِيسَ الأيْدِي، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى هَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُها البِشارَةُ بِالكَلِمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى حالِ مَرْيَمَ وبَكارَتِها، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَيْنِ التَأْوِيلَيْنِ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ، وجاءَتِ العِبارَةُ في أمْرِ زَكَرِيّاءَ "يَفْعَلُ" وجاءَتْ هُنا، "يَخْلُقُ" مِن حَيْثُ أمْرُ زَكَرِيّاءَ داخِلٌ في الإمْكانِ الَّذِي يُتَعارَفُ وإنْ قَلَّ، وقِصَّةُ مَرْيَمَ لا تُتَعارَفُ البَتَّةَ، فَلَفْظُ الخَلْقِ أقْرَبُ إلى الِاخْتِراعِ وأدَلُّ عَلَيْهِ.
ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ فَلِذَلِكَ لا يَعِيشُ مَن يُولَدُ مِن غَيْرِهِ لِمِثْلِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا قَضى ﴾ مَعْناهُ إذا أرادَ إيجادَهُ، والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ، والضَمِيرُ في "لَهُ" عائِدٌ عَلى الأمْرِ والقَوْلِ عَلى جِهَةِ المُخاطَبَةِ، قالَ مَكِّيٌّ وقِيلَ: المَعْنى يَقُولُ لِأجْلِهِ، وهَذا يَنْحُو إلى ما نُورِدُهُ عن أبِي عَلِيٍّ بَعْدُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ، العَطْفُ عَلى "يَقُولُ" أو تَقْدِيرُ: فَهو يَكُونُ.
وأمّا قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ فَغَيْرُ مُتَّجِهَةٍ لِأنَّ الأمْرَ المُتَقَدِّمَ خِطابٌ لِلْمَقْضِيِّ وقَوْلُهُ: "فَيَكُونَ" خِطابٌ لِلْمُخْبَرِ، فَلَيْسَ كَقَوْلِهِ: قُمْ فَأُحْسِنْ إلَيْكَ، لَكِنَّ وجْهَها أنَّهُ راعى الشَبَهَ اللَفْظِيَّ في أنْ يُقَدَّمَ في الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ كَما قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَلاةَ ﴾ إنَّهُ مَجْرى جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ جَوابًا في الحَقِيقَةِ، فَكَذَلِكَ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ يَكُونُ قَوْلُهُ: "فَيَكُونُ" بِمَنزِلَةِ جَوابِ الأمْرِ وإنْ لَمْ يَكُنْ جَوابًا.
وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ في هَذِهِ المَسْألَةِ إلى أنَّ القَوْلَ فِيها لَيْسَ بِالمُخاطَبَةِ المَحْضَةِ، وإنَّما هو قَوْلٌ مَجازِيٌّ كَما قالَ: امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي...
∗∗∗.........................
وغَيْرُ ذَلِكَ، قالَ: لِأنَّ المُنْتَفِيَ لَيْسَ بِكائِنٍ فَلا يُخاطَبُ كَما لا يُؤْمَرُ، وإنَّما المَعْنى: فَإنَّما يَكُونُهُ فَهو يَكُونُ، فَهَذِهِ نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ، رَحِمَهُ اللهُ وغَفَرَ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ ﴿ وَرَسُولا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِن الطِينِ كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ "وَيُعَلِّمُهُ" بِالياءِ، وذَلِكَ عَطْفٌ عَلى: "يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ"، كَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى: "وَيُكَلِّمُ".
وقَرَأ الباقُونَ: و"نُعَلِّمُهُ" بِالنُونِ وهي مِثْلُ قِراءَةِ الياءِ في المَعْنى لَكِنْ جاءَتْ بِنُونِ العَظَمَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ الياءِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "يَخْلُقُ ما يَشاءُ"، وقِراءَةُ النُونِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "نُوحِيهِ إلَيْكَ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الَّذِي قالَهُ خَطَأٌ في الوَجْهَيْنِ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى.
و"الكِتابَ" هو الخَطُّ بِاليَدِ، فَهو مَصْدَرُ كَتَبَ يَكْتُبُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ وجَماعَةِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هي إشارَةٌ إلى كِتابٍ مُنَزَّلٍ لَمْ يُعَيَّنْ، وهَذِهِ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.
وأمّا "الحِكْمَةَ" فَهي السُنَّةُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِها الأنْبِياءُ في الشَرْعِيّاتِ والمَواعِظِ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ ولا بِمَلَكٍ، لَكِنَّهم يُلْهَمُونَ إلَيْهِ وتَقْوى غَرائِزُهم عَلَيْهِ.
وقَدْ عَبَّرَ بَعْضُ العُلَماءِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها الإصابَةُ في القَوْلِ والعَمَلِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ الحِكْمَةَ، والتَعْلِيمُ مُتَمَكِّنٌ فِيما كانَ مِنَ الحِكْمَةِ بِوَحْيٍ أو مَأْثُورًا عَمَّنْ تَقَدَّمَ عِيسى مِن نَبِيٍّ وعالِمٍ.
وأمّا ما كانَ مِن حِكْمَةِ عِيسى الخاصَّةِ بِهِ فَإنَّما يُقالُ فِيها نُعَلِّمُهُ عَلى مَعْنى نُهَيِّئُ غَرِيزَتَهُ لَها ونُقَدِّرُهُ ونَجْعَلُهُ يَتَمَرَّنُ في اسْتِخْراجِها ويَجْرِي ذِهْنُهُ إلى ذَلِكَ.
و"التَوْراةَ" هي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ويُرْوى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَسْتَظْهِرُ التَوْراةَ، وكانَ أعْلَمَ الناسِ وأعْمَلَ بِما فِيها، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْها عن ظَهْرِ قَلْبٍ إلّا أرْبَعَةٌ: مُوسى ويُوشَعُ بْنُ نُونَ وعُزَيْزٌ وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وذَكَرَ: "الإنْجِيلَ" لِمَرْيَمَ وهو لَمْ يُنْزَلْ- بَعْدُ- لِأنَّهُ كانَ كِتابًا مَذْكُورًا عِنْدَ الأنْبِياءِ والعُلَماءِ وأنَّهُ سَيَنْزِلُ.
وقَوْلُهُ: "وَرَسُولًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى "وَيُعَلِّمُهُ" إذِ التَقْدِيرُ: ومُعَلَّمًا الكِتابَ، فَهَذا كُلُّهُ عَطْفٌ بِالمَعْنى عَلى قَوْلِهِ: "وَجِيهًا" ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ويَجْعَلُهُ رَسُولًا.
وكانَتْ رِسالَةُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، مُبَيِّنًا حُكْمَ التَوْراةِ، ونادِبًا إلى العَمَلِ بِها، ومُحَلِّلًا أشْياءَ مِمّا حُرِّمَ فِيها، كالشُحُومِ ولُحُومِ الإبِلِ وأشْياءَ مِنَ الحِيتانِ والطَيْرِ.
ومِن أوَّلِ القَوْلِ لِمَرْيَمَ إلى قَوْلِهِ "إسْرائِيلَ" خِطابٌ لِمَرْيَمَ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "مُسْتَقِيمٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمَرْيَمَ عَلى مَعْنى: يَكُونُ مِن قَوْلِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: كَيْتَ وكَيْتَ، ويَكُونُ في آخِرِ الكَلامِ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى بَنِي إسْرائِيلَ رَسُولًا فَقالَ لَهم ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ: "فَلَمّا أحَسَّ".
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتْرُوكُ مُقَدَّرًا في صَدْرِ الكَلامِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ إلى بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ فَيَكُونَ تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى كَما بَشَّرَ اللهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ ﴾ لَيْسَ بِخِطابٍ لِمَرْيَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، تَقْدِيرُهُ: بِأنِّي، وقُرِئَ في الشاذِّ: "إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ"، وجُمْهُورُ الناسِ قَرَؤُوا "بِآيَةٍ" عَلى الإفْرادِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِآياتٍ"، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ".
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في فَتْحِ الألِفِ وكَسْرِها مِن قَوْلِهِ: "أنِّي أخْلُقُ"، فَقَرَأ نافِعٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "إنِّي" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: "أنِّي" بِفَتْحِ الألِفِ.
فَوَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ: إمّا القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وإمّا أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: "إنِّي" كَما فَسَّرَ المَثَلَ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ آدَمَ" بِقَوْلِهِ: "خَلَقَهُ مِن تُرابٍ" إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ البَدَلُ مِن "آيَةٍ"، كَأنَّهُ قالَ: وجِئْتُكم بِأنِّي أخْلُقُ، وقِيلَ: هي بَدَلٌ مِن "أنِّي" الأُولى، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ في المَعْنى.
و"أخْلُقُ" مَعْناهُ: أقْدِرُ وأُهَيِّئُ بِيَدِي، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وقَوْلُهُ "لَكُمْ" تَقْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: "أخْلُقُ" لِأنَّهُ يَدُلُّ دَلالَةً ما عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ.
ويُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ"، وحَقِيقَةُ الخَلْقِ في الأجْرامِ، ويُسْتَعْمَلُ في المَعانِي، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقُو ∗∗∗ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةْ وجُمْهُورُ الناسِ قَرَأ "كَهَيْئَةِ" عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ - بِفَتْحِ الفاءِ- وهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: هاءَ الشَيْءُ يَهاءُ هَيْئًا وهَيْئَةً، إذا تَرَتَّبَ واسْتَقَرَّ عَلى حالٍ ما، وهو الَّذِي تُعَدِّيهِ فَتَقُولُ: هَيَّأْتُ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "كَهِيَّئَةِ الطَيْرِ"، بِكَسْرِ الهاءِ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "كَهَيْئَةِ الطائِرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" عَلى الإفْرادِ في المَوْضِعَيْنِ، فالأوَّلُ اسْمُ الجِنْسِ والثانِي مُفْرَدٌ، أيْ يَكُونُ طائِرًا مِنَ الطُيُورِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طائِرًا" بِالإفْرادِ في الأخِيرِ، وهَكَذا قَرَأ في المائِدَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "كَهَيْئَةِ الطَيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا" بِالجَمْعِ فِيهِما، وكَذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، ومَعانِي هَذِهِ القِراءاتِ بَيِّنَةٌ.
والطَيْرُ: اسْمُ جَمْعٍ ولَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، وإنَّما البِناءُ في جَمْعِ طائِرٍ أطْيارٌ، وجَمْعُ الجَمْعِ طُيُورٌ، وحَكاهُ أبُو عَلِيٍّ عن أبِي الحَسَنِ.
وقَوْلُهُ "فَأنْفُخُ فِيهِ" ذَكَّرَ الضَمِيرَ هُنا لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الطِينِ المُهَيَّإ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ فَأنْفُخُ في المَذْكُورِ.
وأنَّثَ الضَمِيرَ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ: "فَتَنْفُخُ فِيها" لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الهَيْئَةِ أو عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: "الطَيْرِ".
وكَوْنُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ خالِقًا بِيَدِهِ ونافِخًا بِفِيهِ إنَّما هو لِيَبِينَ تَلَبُّسُهُ بِالمُعْجِزَةِ، وأنَّها جاءَتْ مِن قِبَلِهِ، وأمّا الإيجادُ مِنَ العَدَمِ وخَلْقُ الحَياةِ في ذَلِكَ الطِينِ فَمِنَ اللهِ تَعالى وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
وقَوْلُهُ: "بِإذْنِ اللهِ" مَعْناهُ: بِعِلْمٍ مِنهُ تَعالى أنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ وتَمْكِينٍ مِنهُ لِي.
وحَقِيقَةُ الإذْنِ في الشَيْءِ، هي العِلْمُ بِأنَّهُ يُفْعَلُ والتَمْكِينُ مِن ذَلِكَ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ قَوْلٌ فَذَلِكَ أمْكَنُ في الإذْنِ وأبْلَغُ، ويَخْرُجُ مِن حَدِّ الإذْنِ إلى حَدِّ الأمْرِ، ولَكِنْ تَجِدُهُ أبَدًا في قِسْمِ الإباحَةِ.
وتَأمَّلْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ ﴾ وقَوْلَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "وَإذْنُها صُماتُها".» ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ الطَيْرِ أشَدُّ خِلْقَةً وأصْعَبُ أنْ يُحْكى؟
فَيَقُولُونَ: الخُفّاشُ، لِأنَّهُ طائِرٌ لا رِيشَ لَهُ، فَكانَ يَصْنَعُ مِنَ الطِينِ خَفافِيشَ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيها فَتَطِيرُ، وكُلُّ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الناسِ ومُعايَنَتِهِمْ، فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا ساحِرٌ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لَكم إنَّ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
و"أُبْرِئُ" مَعْناهُ: أُزِيلُ المَرَضَ، يُقالُ: بَرَأ المَرِيضُ وأبْرَأهُ غَيْرُهُ، ويُقالُ: بَرِئَ المَرِيضُ أيْضًا كَما يُقالُ في الذَنْبِ والدَيْنِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِي: "الأكْمَهَ" فَقالَ مُجاهِدٌ: الأكْمَهُ: هو الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَيْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُدِّيُّ: الأكْمَهُ: الأعْمى عَلى الإطْلاقِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: الأكْمَهُ الأعْمَشُ، وحَكى النَقّاشُ قَوْلًا: أنَّ الأكْمَهَ هو الأبْكَمُ الَّذِي لا يَفْهَمُ ولا يُفْهَمُ، المَيِّتُ الفُؤادِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ: الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى مَضْمُومَ العَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُبْرِئُ بِدُعائِهِ ومَسْحِ يَدِهِ كُلَّ عِلَّةٍ فَتُشْفى، ولَكِنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في مَعْنى النُبُوَّةِ لا يَقُومُ إلّا بِالإبْراءِ مِنَ العِلَلِ الَّتِي لا يُبْرِئُ مِنها طَبِيبٌ بِوَجْهٍ، فَلَيْسَ يَتَخَلَّصُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ في الأكْمَهِ إلّا القَوْلُ الأخِيرُ، إذِ الأكْمَهُ في اللُغَةِ هو الأعْمى، وكَمِهَتِ العَيْنُ عَمِيَتْ، ولَوْلا ضَبْطُ اللُغَةِ لَكانَ القَوْلُ الَّذِي حَكى النَقّاشُ حَسَنًا في مَعْنى قِيامِ الحُجَّةِ بِهِ، "والأبْرَصَ" مَعْرُوفٌ، وهو داءٌ لا يُبْرَأُ مِنهُ إذا تَمَكَّنَ.
ورُوِيَ في إحْيائِهِ المَوْتى، أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ بِعَصاهُ المَيِّتَ أوِ القَبْرَ أوِ الجُمْجُمَةَ، فَيُحْيِي الإنْسانَ ويُكَلِّمُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ أحْيا سامَ بْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ يُحْيِيهِ كانَتْ تَدُومُ حَياتُهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعُودُ لِمَوْتِهِ سَرِيعًا، وفي قِصَصِ الإحْياءِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا يُوقَفُ عَلى صِحَّتِها.
وإحْياءُ المَوْتى هي آيَتُهُ المُعْجِزَةُ المُعَرَّضَةُ لِلتَّحَدِّي، وهي بِالمَعْنى مُتَحَدّىً بِها وإنْ كانَ لَمْ يُنَصَّ عَلى التَحَدِّي بِها.
وآياتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَجْرِي فِيما يُعارِضُ الطِبَّ لِأنَّ عِلْمَ الطِبِّ كانَ شَرَفَ الناسِ في ذَلِكَ الزَمانِ وشُغْلَهُمْ، وحِينَئِذٍ أُثِيرَتْ فِيهِ العَجائِبُ، فَلَمّا جاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ بِغَرائِبَ لا تَقْتَضِيها الأمْزِجَةُ وأُصُولُ الطِبِّ، وذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَلِمَتِ الأطِبّاءُ أنَّ هَذِهِ القُوَّةَ مِن عِنْدِ اللهِ، وهَذا كَأمْرِ السَحَرَةِ مَعَ مُوسى والفُصَحاءِ مَعَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَلامُ، ووَقَعَ في التَوارِيخِ المُتَرْجَمَةِ عَنِ الأطِبّاءِ أنَّ جالِينُوسَ كانَ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ رَحَلَ إلَيْهِ مِن رُومِيَّةَ إلى الشامِ لِيَلْقاهُ فَماتَ في طَرِيقِهِ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَأُنَبِّئُكُمْ"...
الآيَةِ فَقالَ السُدِّيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ إسْحاقَ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ: كانَ عِيسى مِن لَدُنِ طُفُولَتِهِ وهو في الكُتّابِ يُخْبِرُ الصِبْيانَ بِما يَفْعَلُ آباؤُهم في مَنازِلِهِمْ، وبِما يُؤْكَلُ مِنَ الطَعامِ ويُدَّخَرُ حَتّى قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِأبْنائِهِمْ: لا تُخالِطُوا هَذا الساحِرَ، وكَذَلِكَ إلى أنْ نُبِّئَ، فَكانَ يَقُولُ لِكُلِّ مَن سَألَهُ عن هَذا المَعْنى: أكَلْتَ البارِحَةَ كَذا وادَّخَرْتَ كَذا.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مُعَلِّمُهُ يُرِيدُ أنْ يُعَلِّمَهُ الشَيْءَ فَيَسْبِقُهُ إلَيْهِ عِيسى، فَيَتَعَجَّبُ مُعَلِّمُهُ مِن ذَلِكَ ويَذْكُرُهُ لِلنّاسِ.
وقالَ قَتادَةُ: مَعْنى الآيَةِ إنَّما هو في نُزُولِ المائِدَةِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّها لَمّا أُنْزِلَتْ أخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أنْ يَأْكُلُوا ولا يُخَبِّئَ أحَدٌ شَيْئًا ولا يَدَّخِرَهُ ويَحْمِلَهُ إلى بَيْتِهِ، فَخانُوا وجَعَلُوا يُخَبِّئُونَ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ وطَعامِها الَّذِي كانَ يَنْزِلُ عَلى المائِدَةِ، فَكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ كُلَّ أحَدٍ عَمّا أكَلَ وعَمّا ادَّخَرَ في بَيْتِهِ مِن ذَلِكَ، وعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ.
و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ بِما تَأْكُلُونَ ﴾ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "الَّذِي" وتَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ، وكَذَلِكَ "وَما تَدَّخِرُونَ".
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَدَّخِرُونَ" بِدالٍ مُشَدَّدَةٍ وخاءٍ مَكْسُورَةٍ، وهو تَفْتَعِلُونَ مِن ذَخَرْتَ، أصْلُهُ، "تَذْتَخِرُونَ" اسْتُثْقِلَ النُطْقُ بِالذالِ والتاءِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ فَأُبْدِلَتِ التاءُ دالًا وأُدْغِمَتِ الذالُ في الدالِ، كَما صُنِعَ في مُدَّكِرٍ ومُطَّلِعٍ، بِمَعْنى مُضْطَلِعٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: إنَّ الكَرِيمَ الَّذِي يُعْطِيكَ نائِلَهُ ∗∗∗ عَفْوًا ويُظْلَمُ أحْيانًا فَيَطَّلِمُ بِالطاءِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ ومُجاهِدٌ وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ وأبُو السَمّالِ: "تَدْخَرُونَ" بِدالٍ ساكِنَةٍ وخاءٍ مَفْتُوحَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ في ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذَكَرَ مِنَ الإحْياءِ والإبْراءِ والإنْباءِ.
وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَآياتٍ" عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ تَوْقِيفٌ، والمَعْنى: لَآياتٍ نافِعَةً هادِيَةً إنْ آمَنتُمْ وأبْصَرْتُمْ، وإلّا فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ ولا هادِيَةٍ، فَأمّا كَوْنُها آياتٍ فَعَلى كُلِّ حالٍ آمَنُوا أو كَفَرُوا، هَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِمَن لَمْ يُؤْمِن- بَعْدُ- وهو ظاهِرُ حالِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنْ كانَ خِطابُهُ لِمُؤْمِنِينَ، أو لِمَن كانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، فَمَعْنى الآيَةِ: التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ إلى شَيْءٍ: أمّا أنْتَ يا فُلانُ يَلْزَمُكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا إنْ كُنْتَ مِنَ الرِجالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَوْراةِ ولأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِنَ رَبِّكم فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ قَوْلُهُ: "مُصَدِّقًا" حالٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ .
لِأنَّ قَوْلَهُ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ مُصَدِّقًا لِلتَّوْراةِ مُتَّبِعًا عامِلًا بِما فِيها.
قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ.
وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألْيَنَ مِنَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أحَلَّ لَهم لُحُومَ الإبِلِ والشُحُومَ، قالَ الرَبِيعُ: وأشْياءَ مِنَ السَمَكِ، وما لا صِئْصِئَةَ لَهُ مِنَ الطَيْرِ.
وكانَ في التَوْراةِ مُحَرَّماتٌ تَرَكَها شَرْعُ عِيسى عَلى حالِها، فَلَفْظَةُ البَعْضِ عَلى هَذا مُتَمَكِّنَةٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: البَعْضُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الكُلِّ، وخَطَّأهُ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ شاهِدًا عَلى قَوْلِهِ بَيْتَ لَبِيدٍ: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ يَرْضَها أو يَخْتَرِمْ بَعْضَ النُفُوسِ حِمامُها وَلَيْسَتْ في البَيْتِ لَهُ حُجَّةٌ، لِأنَّ لَبِيدًا أرادَ نَفْسَهُ فَهو تَبْعِيضٌ صَحِيحٌ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَهُ الأحْبارُ بَعْدَ مُوسى وشَرَعُوهُ، فَكَأنَّ عِيسى رَدَّ أحْكامَ التَوْراةِ إلى حَقائِقِها الَّتِي نَزَلَتْ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "حَرَّمَ عَلَيْكُمْ" بِفَتْحِ الحاءِ والراءِ المُشَدَّدَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى أو إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَجِئْتُكم بِآيَةٍ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَجِئْتُكم بِآياتٍ مِن رَبِّكُمْ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ وأطِيعُونِ ﴾ تَحْذِيرٌ ودُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ ﴾ بِكَسْرِ الألِفِ عَلى اسْتِئْنافِ الخَبَرِ، وقَرَأهُ قَوْمٌ "أنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ.
قالَ الطَبَرِيُّ: "إنَّ" بَدَلٌ مِن "آيَةٍ"، في قَوْلِهِ: ﴿ جِئْتُكم بِآيَةٍ ﴾ ، وفي هَذا ضَعْفٌ، وإنَّما التَقْدِيرُ: أطِيعُونِي، لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى: لِأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ ﴾ ، لِأنَّ ألْفاظَهُ جَمَعَتِ الإيمانَ والطاعاتِ.
والصِراطُ: الطَرِيقُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ، بِهِ يَتِمُّ اتِّساقُ الآياتِ، تَقْدِيرُهُ: فَجاءَ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ كَما بَشَّرَ اللهُ بِهِ، فَقالَ جَمِيعَ ما ذَكَرَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿ فَلَمّا أحَسَّ ﴾ ومَعْنى "أحَسَّ": عَلِمَ مِن جِهَةِ الحَواسِّ بِما سَمِعَ مِن أقْوالِهِمْ في تَكْذِيبِهِ، ورَأى مِن قَرائِنِ الأحْوالِ وشِدَّةِ العَداوَةِ والإعْراضِ؛ يُقالُ: أحْسَسْتُ بِالشَيْءِ وحَسَيْتُ بِهِ، أصْلُهُ: حَسَسْتُ فَأُبْدِلَتْ إحْدى السِينَيْنِ ياءً.
و"الكُفْرَ" هو التَكْذِيبُ بِهِ، ورُوِيَ أنَّهُ رَأى مِنهم إرادَةَ قَتْلِهِ، فَحِينَئِذٍ طَلَبَ النَصْرَ، والضَمِيرُ في "مِنهُمُ" لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ عِبارَةٌ عن حالِ عِيسى في طَلَبِهِ مَن يَقُومُ بِالدِينِ ويُؤْمِنُ بِالشَرْعِ ويَحْمِيهِ، كَما كانَ مُحَمَّدٌ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ ويَتَعَرَّضُ لِلْأحْياءِ في المَواسِمِ.
وهَذِهِ الأفْعالُ كُلُّها وما فِيها مِن أقْوالٍ يُعَبَّرُ عنها.
بِـ ﴿ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ .
ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الألْفاظَ كانَتْ في جُمْلَةِ أقْوالِهِ لِلنّاسِ.
والأنْصارُ: جَمْعُ نَصِيرٍ، كَشَهِيدٍ وأشْهادٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقِيلَ: جَمْعُ ناصِرٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ.
وقَوْلُهُ: "إلى اللهِ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: مَن يَنْصُرُنِي في السَبِيلِ إلى اللهِ؟
فَتَكُونُ "إلى" دالَّةً عَلى الغايَةِ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى بابِها، والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: مَن يُضِيفُ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللهِ لِي؟
فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ ﴾ فَإذا تَأمَّلْتَها وجَدْتَ فِيها مَعْنى الغايَةِ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ إضافَةَ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ.
وَقَدْ عَبَّرَ عنها ابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ بِأنَّها بِمَعْنى- "مَعَ"، ونَعَمْ إنَّ "مَعَ" تَسُدُّ في هَذِهِ المَعانِي مَسَدَّ "إلى" لَكِنْ لَيْسَ يُباحُ مِن هَذا أنْ يُقالَ إنَّ "إلى" بِمَعْنى "مَعَ"، حَتّى غَلِطَ في ذَلِكَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ ﴾ .
فَقالَ: "إلى" بِمَعْنى "مَعَ" وهَذِهِ عُجْمَةٌ، بَلْ "إلى" في هَذِهِ الآيَةِ غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، ويُنْظَرُ هَلْ يَدْخُلُ ما بَعْدَ "إلى" فِيما قَبْلَها مِن طَرِيقٍ آخَرٍ؟
و"الحَوارِيُّونَ" قَوْمٌ مَرَّ بِهِمْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ فَدَعاهم إلى نَصْرِهِ واتِّباعِ مِلَّتِهِ، فَأجابُوهُ وقامُوا بِذَلِكَ خَيْرَ قِيامٍ، وصَبَرُوا في ذاتِ اللهِ.
ورُوِيَ أنَّهُ مَرَّ بِهِمْ وهم يَصْطادُونَ السَمَكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ؛ لِمَ قِيلَ لَهُمُ الحَوارِيُّونَ؟
فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ ونَقائِها، وقالَ أبُو أرْطَأةَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا قَصّارِينَ يُحَوِّرُونَ الثِيابَ، أيْ يُبَيِّضُونَها، وقالَ قَتادَةُ، الحَوارِيُّونَ: أصْفِياءُ الأنْبِياءِ، الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ، وقالَ الضَحّاكُ نَحْوَهُ، وهَذا تَقْرِيرُ حالِ القَوْمِ ولَيْسَ بِتَفْسِيرِ اللَفْظَةِ؛ وعَلى هَذا الحَدِّ شَبَّهَ النَبِيُّ ابْنَ عَمَّتِهِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: « "وَحَوارِيِّ الزُبَيْرُ"» والأقْوالُ الأُولى هي تَفْسِيرُ اللَفْظِ، إذْ هي مِنَ الحَوَرِ، وهو البَياضُ، حَوَّرْتُ الثَوْبَ: بَيَّضْتُهُ، ومِنهُ الحَوارِيُّ.
وقَدْ تُسَمِّي العَرَبُ النِساءَ الساكِناتِ في الأمْصارِ: الحَوارِيّاتِ، لِغَلَبَةِ البَياضِ عَلَيْهِنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي جِلْدَةٍ اليَشْكُرِيِّ: فَقُلْ لِلْحَوارِيّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ∗∗∗ ولا تَبْكِنا إلّا الكِلابُ النَوابِحُ وذَكَرَ مَكِّيٌّ أنَّ مَرْيَمَ دَفَعَتْ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في صِغَرِهِ في أعْمالٍ شَتّى، وكانَ آخِرَ ما دَفَعَتْهُ إلى الحَوارِيِّينَ، وهُمُ الَّذِينَ يُقَصِّرُونَ الثِيابَ ثُمَّ يَصْبِغُونَها، فَأراهم آياتٍ وصَبَغَ لَهم ألْوانًا شَتّى مِن ماءٍ واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الحَوارِيُّونَ" بِتَشْدِيدِ الياءِ، واحِدُهم "حَوارِيٌّ" ولَيْسَتْ بِياءِ نَسَبٍ وإنَّما هي كَياءِ كُرْسِيٍّ، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وأبُو بَكْرٍ الثَقَفِيُّ: "الحَوارِيُونَ" مُخَفَّفَةَ الياءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: العَرَبُ تَعافُ ضَمَّةَ الياءِ الخَفِيفَةَ المَكْسُورِ ما قَبْلَها وتَمْتَنِعُ مِنها، ومَتى جاءَتْ في نَحْوِ قَوْلِهِمُ: العادِيُونَ والقاضِيُونَ والساعِيُونَ أعْلَتْ بِأنْ تَسْتَثْقِلَ الضَمَّةَ فَتُسَكِّنَ الياءَ وتَنْقُلَ حَرَكَتَها ثُمَّ تُحْذَفَ لِسُكُونِها وسُكُونِ الواوِ بَعْدَها، فَيَجِيءُ العادُونَ ونَحْوُهُ، فَكانَ يَجِبُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: الحَوارُونَ، لَكِنَّ وجْهَ القِراءَةِ عَلى ضَعْفِها أنَّ الياءَ خُفِّفَتِ اسْتِثْقالًا لِتَضْعِيفِها، وحَمَلَتِ الضَمَّةَ دَلالَةً عَلى أنَّ التَشْدِيدَ مُرادٌ، إذِ التَشْدِيدُ مُحْتَمِلٌ لِلضَّمَّةِ، وهَذا كَما ذَهَبَ أبُو الحَسَنِ في تَخْفِيفِ يَسْتَهْزِيُونَ، إلى أنْ أخْلَصَ الهَمْزَةَ ياءً البَتَّةَ، وحَمَّلَها الضَمَّةَ تَذَكُّرًا لِحالِ الهَمْزَةِ المُرادَةِ فِيها.
وقَوْلُ الحَوارِيِّينَ: "واشْهَدْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، أيِ: اشْهَدْ لَنا عِنْدَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلَّهِ تَعالى كَما تَقُولُ: أنا أُشْهِدُ اللهَ عَلى كَذا، إذا عَزَمْتَ وبالَغْتَ في الِالتِزامِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في حَجَّةِ الوَداعِ: « "اللهُمَّ اشْهَدْ".» قالَ الطَبَرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ تَوْبِيخٌ لِنَصارى نَجْرانَ، أيْ: هَذِهِ مَقالَةُ الأسْلافِ المُؤْمِنِينَ بِعِيسى، لا ما تَقُولُونَهُ أنْتُمْ، يا مَن يَدَّعِي لَهُ الأُلُوهِيَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ ﴾ يُرِيدُونَ الإنْجِيلَ وآياتِ عِيسى.
و"الرَسُولَ" عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ فاكْتُبْنا مَعَ الشاهِدِينَ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَغْبَةِ في أنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ في عِدادِ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ مِن مُؤْمِنِي الأُمَمِ، ولَمّا كانَ البَشَرُ يُقَيِّدُ ما يَحْتاجُ إلى عِلْمِهِ وتَحْقِيقِهِ في ثانِي حالٍ بِالكِتابِ، عَبَّرُوا عن فِعْلِ اللهِ بِهِمْ ذَلِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم "مَعَ الشاهِدِينَ" مَعْناهُ: اجْعَلْنا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ في أنْ نَكُونَ مِمَّنْ يَشْهَدُ عَلى الناسِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن بَنِي إسْرائِيلَ الكافِرِينَ بِعِيسى، فَقالَ: "وَمَكَرُوا" يُرِيدُ تَحَيُّلَهم في أخْذِ عِيسى لِلْقَتْلِ بِزَعْمِهِمْ، ويُرْوى أنَّهم تَحَيَّلُوا لَهُ، وأذْكَوْا عَلَيْهِ العُيُونَ حَتّى دَخَلَ هو والحَوارِيُّونَ بَيْتًا فَأخَذُوهم فِيهِ، فَهَذا مَكْرُ بَنِي إسْرائِيلَ، وجازاهُمُ اللهُ تَعالى بِأنْ طَرَحَ شَبَهَ عِيسى عَلى أحَدِ الحَوارِيِّينَ ورَفَعَ عِيسى، وأعْقَبَ بَنِي إسْرائِيلَ مَذَلَّةً وهَوانًا في الدُنْيا والآخِرَةِ.
فَهَذِهِ العُقُوبَةُ هي الَّتِي سَمّاها اللهُ مَكْرًا في قَوْلِهِ ﴿ وَمَكَرَ اللهُ ﴾ وذَلِكَ مَهْيَعٌ أنْ تُسَمّى العُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَنْبِ وإنْ لَمْ تَكُنْ في مَعْناهُ؛ وعَلى هَذا فَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ الآيَةَ، وعَلى أنَّ عِيسى قالَ لِلْحَوارِيِّينَ: مَن يَصْبِرُ فَيُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ؟
فَقالَ أحَدُهُمْ: أنا، فَكانَ ذَلِكَ.
ورَوى قَوْمٌ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ دَسَّتْ يَهُودِيًّا جاسُوسًا عَلى عِيسى حَتّى صَحِبَهُ ودَلَّهم عَلَيْهِ ودَخَلَ مَعَهُ البَيْتَ، فَلَمّا أُحِيطَ بِهِمْ ألْقى اللهُ شَبَهَ عِيسى عَلى ذَلِكَ الرَجُلِ اليَهُودِيِّ فَأُخِذَ وصُلِبَ.
فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللهُ ﴾ وهَذِهِ أيْضًا تَسْمِيَةُ عُقُوبَةٍ بِاسْمِ الذَنْبِ.
والمَكْرُ في اللُغَةِ: السَعْيُ عَلى الإنْسانِ دُونَ أنْ يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أنْ يُبْطِنَ الماكِرُ ضِدَّ ما يُبْدِي.
وقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: في أنَّهُ فاعِلُ حَقٍّ في ذَلِكَ، والماكِرُ مِنَ البَشَرِ فاعِلُ باطِلٍ في الأغْلَبِ، لِأنَّهُ في الأباطِيلِ يُحْتاجُ إلى التَحَيُّلِ، واللهُ سُبْحانَهُ أشَدُّ بَطْشًا وأنْفَذُ إرادَةً، فَهو خَيْرٌ مِن جِهاتٍ لا تُحْصى، لا إلَهَ إلّا هو.
وذِكْرُ حَصْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، وعِدَةِ أصْحابِهِ بِهِ وأمْرِ الشَبَهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ سَيَأْتِي في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَكَرَ اللهُ ﴾ وقالَ غَيْرُهُ مِنَ النُحاةِ: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وهَذا هو الأصْوَبُ.
وهَذا القَوْلُ هو بِواسِطَةِ المَلَكِ لِأنَّ عِيسى لَيْسَ بِمُكَلَّمٍ.
و"عِيسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ فَلِذَلِكَ لا يَنْصَرِفُ، وهو بِالسُرْيانِيَّةِ- إيسُوعُ- عَدَّلَتْهُ العَرَبُ إلى "عِيسى".
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذا التَوَفِّي؛ فَقالَ الرَبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ، رَفَعَهُ اللهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ ومَطَرٌ الوَرّاقُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: المَعْنى: أنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ ومُحَصِّلُكَ في السَماءِ فَهو تَوَفِّي قَبْضٍ وتَحْصِيلٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي وفاةُ مَوْتٍ، مَعْناهُ: أنِّي مُمِيتُكَ، هَذا لَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ ولَمْ يُفَسِّرْ.
فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللهُ بِالمَوْتِ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ في السَماءِ وفي بَعْضِ الكُتُبِ: سَبْعَ ساعاتٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: هي وفاةُ مَوْتٍ ولَكِنَّ المَعْنى: إنِّي مُتَوَفِّيكَ في آخِرِ أمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وقَتْلِكَ الدَجّالَ، فَفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وقالَ مالِكٌ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً.
ووَقَعَ في كِتابِ مَكِّيٍّ عن قَوْمٍ: إنَّ مَعْنى "مُتَوَفِّيكَ" مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ اللَفْظِ.
وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ المُتَواتِرُ مِن أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ في السَماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَمانِ فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ ويَكْسِرُ الصَلِيبَ ويَقْتُلُ الدَجّالَ ويُفِيضُ العَدْلَ ويُظْهِرُ هَذِهِ المِلَّةَ، مِلَّةَ مُحَمَّدٍ، ويَحُجُّ البَيْتَ ويَعْتَمِرُ، ويَبْقى في الأرْضِ أرْبَعًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يُمِيتُهُ اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي وفاةُ مَوْتٍ لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ، إمّا عَلى قَوْلِ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، وإمّا عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرافِعُكَ إلَيَّ ﴾ عِبارَةٌ عن نَقْلِهِ إلى عُلُوٍّ مِن سُفْلٍ، وقَوْلُهُ: "إلَيَّ" إضافَةُ تَشْرِيفٍ لِما كانَتْ سَماءَهُ والجِهَةَ المُكَرَّمَةَ المُعَظَّمَةَ المَرْجُوَّةَ، وإلّا فَمَعْلُومٌ أنَّ اللهَ تَعالى غَيْرُ مُتَحَيِّزٍ في جِهَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمُطَهِّرُكَ ﴾ حَقِيقَةُ التَطْهِيرِ إنَّما هي مِن دَنَسٍ ونَحْوِهِ، واسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في السَبِّ والدَعاوى والآثامِ وخِلْطَةِ الشِرارِ ومُعاشَرَتِهِمْ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ كُلِّهِ بِالأدْناسِ، فَطَهَّرَ اللهُ العَظِيمُ عِيسى مِن دَعاوى الكَفَرَةِ ومُعاشَرَتِهِمُ القَبِيحَةِ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجاعِلُ ﴾ اسْمُ فاعِلٍ لِلِاسْتِقْبالِ، وحُذِفَ تَنْوِينُهُ تَخْفِيفًا، وهو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّهُ بِمَعْنى مُصَيِّرٌ، فَأحَدُهُما "الَّذِينَ"، والآخَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ هُمُ النَصارى، والَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ، والآيَةُ مُخْبِرَةٌ عن إذْلالِ اليَهُودِ وعُقُوبَتِهِمْ بِأنَّ النَصارى فَوْقَهم في جَمِيعِ أقْطارِ الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ المُتَّبِعِينَ والكافِرِينَ وجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فَضِيلَةَ فِيهِ لِلْمُتَّبِعِينَ الكُفّارِ مِنهم بَلْ كَوْنُهم فَوْقَ اليَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ فَقَطْ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِعُمُومِ اللَفْظِ في المُتَّبِعِينَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ لِأنَّها مُتَّبِعَةٌ لِعِيسى، نَصَّ عَلى ذَلِكَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ قالُوا بِعُمُومِ اللَفْظِ في الكافِرِينَ.
فَمُقْتَضى الآيَةِ إعْلامُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ بِهِ كَما يَجِبُ هم فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ وبِالعِزَّةِ والغَلَبَةِ، ويَظْهَرُ مِن قَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِ أنَّ المُرادَ المُتَّبِعُونَ لَهُ في وقْتِ اسْتِنْصارِهِ وهُمُ الحَوارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللهُ فَوْقَ الكافِرِينَ لِأنَّهُ شَرَّفَهم وأبْقى لَهم في الصالِحِينَ ذِكْرًا، فَهم فَوْقَهم بِالحُجَّةِ والبُرْهانِ، وما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن أماراتِ رِضْوانِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ الخِطابُ لِعِيسى، والمُرادُ الإخْبارُ بِالقِيامَةِ والحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جاءَ اللَفْظُ عامًّا مِن حَيْثُ الأمْرُ في نَفْسِهِ لا يَخُصُّ عِيسى وحْدَهُ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ: ثُمَّ إلَيَّ - أيْ إلى حُكْمِي وعَدْلِي - يَرْجِعُ الناسُ، فَخاطَبَهُ كَما تُخاطَبُ الجَماعَةُ إذْ هو أحَدُها، وإذْ هي مُرادَةٌ في المَعْنى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "فَأحْكُمُ"..
إلى آخِرِ الآيَةِ، وعْدٌ لِعِيسى والمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ بِما يُجْعَلُ عَلَيْهِ حالُهم مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ، ولَيْسَ بِإخْبارٍ عَمّا يُفْعَلُ بَعْدَ يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الدُنْيا وهي قَبْلُ.
وإنَّما المَعْنى: فَأمّا الكافِرُونَ فالصُنْعُ بِهِمْ أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَذابًا شَدِيدًا في الدُنْيا بِالأسْرِ والقَتْلِ والجِزْيَةِ والذُلِّ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ مِنهم فَهو تَحْتَ خَوْفِهِ إذْ يَعْلَمُ أنَّ شَرْعَ الإسْلامِ طالِبٌ لَهُ بِذَلِكَ، وقَدْ أبْرَزَ الوُجُودُ هَذا.
وفي الآخِرَةِ مَعْناهُ: بِعَذابِ النارِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِسْمَ الإيمانِ وقَرَنَ بِهِ الأعْمالَ الصالِحاتِ تَنْبِيهًا عَلى دَرَجَةِ الكَمالِ ودُعاءً إلَيْها.
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ "فَيُوَفِّيهِمْ" بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، والفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ الباقُونَ وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ "فَنُوَفِّيهِمْ" بِالنُونِ، وهي نُونُ العَظَمَةِ.
وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ هي قَسْمُ المَنازِلِ في الجَنَّةِ فَذَلِكَ هو بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ فَبِرَحْمَةِ اللهِ وبِفَضْلِهِ.
وتَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ في قَوْلِهِ قَبْلُ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِكْرِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِن المُمْتَرِينَ ﴾ ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِينَ ﴾ "ذَلِكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والإشارَةُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأنْباءِ.
و ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: ﴿ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ﴾ حالًا، ويَكُونَ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ، وعَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ يَكُونُ قَوْلُهُ "نَتْلُوهُ" صِلَةً لِذَلِكَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ في بَيْتِ ابْنِ مُفَرِّغٍ الحِمْيَرِيِّ: ................
وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ .
وقَوْلُ البَصْرِيِّينَ في البَيْتِ: أنَّ "تَحْمِلِينَ" حالٌ، التَقْدِيرُ: وهَذا مَحْمُولًا.
و"نَتْلُوهُ" مَعْناهُ: نَسْرُدُهُ، و ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ ظاهِرُهُ آياتُ القُرْآنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِنَ الآياتِ ﴾ مِنَ المُعْجِزاتِ والمُسْتَغْرَباتِ أنْ تَأْتِيَهم بِهَذِهِ الغُيُوبِ مِن قِبَلِنا، وبِسَبَبِ تِلاوَتِنا وأنْتَ أُمِّيٌّ لا تَقْرَأُ.
ولَسْتَ مِمَّنْ صَحِبَ أهْلَ الكِتابِ.
فالمَعْنى: أنَّها آياتٌ لِنُبُوَّتِكَ.
وهَذا الِاحْتِمالُ إنَّما يَتَمَكَّنُ مَعَ كَوْنِ "نَتْلُوهُ" حالًا.
و"الذِكْرِ" ما يَنْزِلُ مِن عِنْدِ اللهِ، "الحَكِيمِ" يَجُوزُ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى المُحْكَمِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَصِحُّ أنْ يُتَأوَّلَ بِمَعْنى مُصَرِّحٍ بِالحِكْمَةِ، فَيَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الذِكْرِ": القُرْآنُ، و"الحَكِيمِ": الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حِكْمَتِهِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ، قالُوا: سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ ﴾ ....
الآيَةِ «أنَّ وفْدَ نَصارى نَجْرانَ جادَلُوا النَبِيَّ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَبِيُّ : وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أو سَمِعْتَ بِهِ؟
وخَرَجُوا مِن عِنْدِ النَبِيِّ فَأنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ مَثَلَ ﴾ عَبَّرَ عنهُ بَعْضُ الناسِ، بِأنَّهُ صِفَةُ عِيسى، وقَرَنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الجَنَّةِ ﴾ قالُوا: مَعْناهُ: صِفَةُ الجَنَّةِ.
وهَذا عِنْدِي ضَعْفٌ في فَهْمِ مَعْنى الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى: أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُفُوسُ والعُقُولُ مِن عِيسى؛ هو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ الناسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، وكَذَلِكَ مَثَلُ الجَنَّةِ عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها، وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ، أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ؛ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.
والكافُ في قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ" اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى، وقَوْلُهُ: "عِنْدَ اللهِ" عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ في نَفْسِهِ، أيْ: هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عنكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ﴾ تَفْسِيرٌ لِمَثَلِ آدَمَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَصَوَّرَ، والمَثَلُ والمِثالُ بِمَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "خَلَقَهُ" صِلَةً لِآدَمَ ولا حالًا مِنهُ، قالَ الزَجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ، مُضَمَّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ.
وقوله عزّ وجلّ: "ثُمَّ قالَ" تَرْتِيبٌ لِلْأخْبارِ لِمُحَمَّدٍ ، المَعْنى: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ كانَ مِن أمْرِهِ في الأزَلِ أنْ قالَ لَهُ: كُنْ وقْتَ كَذا، وعَلى مَذْهَبِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في أنَّ القَوْلَ مَجازِيٌّ، مِثْلُ "وَقالَ قَطْنِي" وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عِبارَةٌ عَنِ التَكْوِينِ، فَـ "ثُمَّ" عَلى بابِها في تَرْتِيبِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ: "فَيَكُونُ" بِالرَفْعِ عَلى مَعْنى: فَهو يَكُونُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "فَيَكُونَ" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةُ الوَجْهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُها آنِفًا في مُخاطَبَةِ مَرْيَمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ﴾ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ قَوْلُهُ: "مِن رَبِّكَ"، أوِ الحَقُّ ذَلِكَ، أو ما قُلْنا لَكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ ابْتِداءٍ، تَقْدِيرُهُ هَذا الحَقُّ.
و"المُمْتَرِينَ" هُمُ الشاكُّونَ، والمِرْيَةُ: الشَكُّ.
ونُهِيَ النَبِيُّ في عِبارَةٍ اقْتَضَتْ ذَمَّ المُمْتَرِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِامْتِراءِ غَيْرُهُ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَكُنْ مُمْتَرِيًا لَكانَتْ هَذِهِ الدَلالَةُ أقَلَّ، ولَوْ قِيلَ: فَلا تَمْتَرِ لَكانَتْ أقَلَّ ونَهْيُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الامْتِراءِ مَعَ بُعْدِهِ عنهُ عَلى جِهَةِ التَثْبِيتِ والدَوامِ عَلى حالِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن حاجَّكَ فِيهِ ﴾ مَعْناهُ: جادَلَكَ ونازَعَكَ الحُجَّةَ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى عِيسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَقِّ.
و"العِلْمِ" الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمَجِيءِ هو ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ مِن أمْرِ عِيسى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "فَقُلْ تَعالَوْا"...
الآيَةُ، اسْتِدْعاءُ المُباهَلَةِ، و"تَعالَوْا" تَفاعَلُوا مِنَ العُلُوِّ، وهي كَلِمَةٌ قُصِدَ بِها أوَّلًا تَحْسِينُ الأدَبِ مَعَ المَدْعُوِّ ثُمَّ اطَّرَدَتْ حَتّى يَقُولَها الإنْسانُ لِعَدُوِّهِ ولِلْبَهِيمَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
و"نَبْتَهِلْ" مَعْناهُ: نَلْتَعِنْ، ويُقالُ عَلَيْهِمْ بَهْلَةُ اللهِ بِمَعْنى اللَعْنَةِ، والِابْتِهالُ: الجِدُّ في الدُعاءِ بِالبَهْلَةِ.
ورُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ مُحاجَّةِ نَصارى نَجْرانَ في عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ وقَوْلِهِمْ: هو اللهُ، وكانُوا يُكْثِرُونَ الجِدالَ، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ الحارِثِ بْنِ جُزْءٍ السِوائِيُّ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أهْلِ نَجْرانَ حِجابًا فَلا أراهم ولا يَرَوْنِي"» لِشِدَّةِ ما كانُوا يُمارُونَ، فَلَمّا قَرَأ النَبِيُّ الآيَةَ دَعاهم إلى ذَلِكَ.
فَرَوى الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ «أنَّهم وعَدُوهُ بِالغَدِ أنْ يُلاعِنُوهُ، فانْطَلَقُوا إلى السَيِّدِ والعاقِبِ فَتابَعاهم عَلى أنْ يُلاعِنُوا، فانْطَلَقُوا إلى رَجُلٍ آخَرَ مِنهم عاقِلٍ فَذَكَرُوا لَهُ ما صَنَعُوا فَذَمَّهم وقالَ لَهُمْ: إنْ كانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعا عَلَيْكم هَلَكْتُمْ، وإنْ كانَ مَلِكًا فَظَهَرَ لَمْ يُبْقِ عَلَيْكُمْ، قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ وقَدْ واعَدْناهُ؟
قالَ: إذا غَدَوْتُمْ فَدَعاكم إلى ذَلِكَ فاسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِن ذَلِكَ، فَعَسى أنْ يُعْفِيَكُمْ؛ فَلَمّا كانَ الغَدُ غَدا رَسُولُ اللهِ مُحْتَضِنًا حُسَيْنًا آخِذًا بِيَدِ الحَسَنِ، وفاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعاهم إلى المِيعادِ، فَقالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ، فَأعادَ فَأعادُوا التَعَوُّذَ، فَقالَ النَبِيُّ : فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا، فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عن يَدٍ وأنْتُمْ صاغِرُونَ، فَإنْ أبَيْتُمْ فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ، قالُوا: لا طاقَةَ لَنا بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُؤَدِّي الجِزْيَةَ قالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ كُلَّ سَنَةٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ "ألْفًا في رَجَبَ وألْفًا في صَفَرَ"، وطَلَبُوا مِنهُ رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَقَدْ أتانِي البَشِيرُ بِهَلَكَةِ أهْلِ نَجْرانَ لَوْ تَمُّوا عَلى المُلاعَنَةِ"» ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا دَعاهم قالُوا: دَعْنا نَنْظُرْ في أمْرِنا ثُمَّ نَأْتِيكَ بِما نَفْعَلُ، فَذَهَبُوا إلى العاقِبِ وهو ذُو رَأْيِهِمْ فَقالُوا: يا عَبْدَ المَسِيحِ ما تَرى؟
فَقالَ: يا مَعْشَرَ النَصارى، واللهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ولَقَدْ جاءَكم بِالفَصْلِ مِن خَبَرِ صاحِبِكم عِيسى، ولَقَدْ عَلِمْتُمْ ما لاعَنَ قَوْمٌ قَطُّ نَبِيًّا فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وإنَّهُ الِاسْتِئْصالُ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإنْ أبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ في صاحِبِكُمْ؛ فَوادِعُوا الرَجُلَ وانْصَرِفُوا إلى بِلادِكم حَتّى يُرِيَكُمُ الزَمانُ رَأْيَهُ.
فَأتَوُا النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، قَدْ رَأيْنا ألّا نُلاعِنَكَ وأنْ نَبْقى عَلى دِينِنا، وصالَحُوهُ عَلى أمْوالٍ وقالُوا لَهُ: ابْعَثْ مَعَنا رَجُلًا مِن أصْحابِكَ تَرْضاهُ لَنا يَحْكُمُ في أشْياءَ قَدِ اخْتَلَفْنا فِيها مِن أمْوالِنا، فَإنَّكم عِنْدَنا رِضىً.» ورَوى السُدِّيُّ وغَيْرُهُ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ جاءَ هو وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ والحَسَنُ والحُسَيْنُ ودَعاهم فَأبَوْا وجَزِعُوا، وقالَ لَهم أحْبارُهُمْ: إنْ فَعَلْتُمُ اضْطَرَمَ الوادِي عَلَيْكم نارًا، فَصالَحُوا النَبِيَّ عَلى ثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في العامِ، فَما عَجَزَتْ عنهُ الدَراهِمُ فَفي العُرُوضِ: الحُلَّةُ بِأرْبَعِينَ، وعَلى أنَّ عَلَيْهِمْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ دِرْعًا، وثَلاثَةً وثَلاثِينَ بَعِيرًا وأرْبَعًا وثَلاثِينَ فَرَسًا عارِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، ورَسُولُ اللهِ ضامِنٌ لِذَلِكَ حَتّى يُؤَدِّيَها إلَيْهِمْ.
وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "لَوْ لاعَنُوا لاسْتُؤْصِلُوا مِن جَدِيدِ الأرْضِ"،» وقالَ أيْضًا: « "لَوْ فَعَلُوا لاضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ الوادِي نارًا".» ورَوى عِلْباءُ بْنُ أحْمَرَ اليَشْكُرِيُّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أرْسَلَ مُحَمَّدٌ إلى عَلِيٍّ وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما الحَسَنِ والحُسَيْنِ ودَعا اليَهُودَ لِيُلاعِنَهُمْ، فَقالَ شابٌّ مِنَ اليَهُودِ: ويْحَكُمْ، ألَيْسَ عَهْدُكم بِالأمْسِ بِإخْوانِكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟
فَلا تُلاعِنُوا، فانْتَهَوْا.» وفي هَذِهِ القِصَّةِ اخْتِلافاتٌ لِلرُّواةِ وعِباراتٌ تَجْرِي كُلُّها في مَعْنى ما ذَكَرْناهُ، لَكِنّا قَصَدْنا الإيجازَ.
وَفِي تَرْكِ النَصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ، وما رُوِيَ مِن ذَلِكَ خَيْرٌ مِمّا رَوى الشَعْبِيُّ مِن تَقْسِيمِ ذَلِكَ الرَجُلِ العاقِلِ فِيهِمْ أمْرَ مُحَمَّدٍ بِأنَّهُ إمّا نَبِيٌّ وإمّا مَلِكٌ، لِأنَّ هَذا نَظَرٌ دُنْياوِيٌّ، وما رَوى الرُواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ؛ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ .
ودُعاءُ النِساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ وأدْعى لِرَحْمَةِ اللهِ، أو لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ.
وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَبِيَّ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا؛ اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وخاصَّتِهِ فَقَطْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلا اللهُ وإنَّ اللهُ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنْ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألا نَعْبُدَ إلا اللهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللهَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ فَصَلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" هي إلى ما تَقَدَّمَ في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.
و"القَصَصُ" مَعْناهُ: الأخْبارُ، تَقُولُ: قَصَّ يَقُصُّ قَصًّا وقَصَصًا، إذا تَتَبَّعَ الأمْرَ يُخْبِرُ بِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، قالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَصَّ الأثَرَ.
وقَوْلُهُ "لَهُوَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فَصْلًا ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن إلَهٍ" مُؤَكِّدَةٌ بَعْدَ النَفْيِ، وهي الَّتِي يَتِمُّ الكَلامُ دُونَها لَكِنَّها تُعْطِي مَعْنى التَأْكِيدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ ﴾ وعِيدٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ؛ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا ﴾ فَقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللهِ : دَعا يَهُودَ المَدِينَةِ إلى الكَلِمَةِ السَواءِ، وهُمُ الَّذِينَ حاجُّوا في إبْراهِيمَ، وقالَهُ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في وفْدِ نَجْرانَ، وقالَهُ السُدِّيُّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمّا أبى أهْلُ نَجْرانَ ما دُعُوا إلَيْهِ مِنَ المُلاعَنَةِ، دُعُوا إلى أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهي الكَلِمَةُ السَواءُ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في وفْدِ نَجْرانَ، لَكِنَّ لَفْظَ أهْلِ الكِتابِ يَعُمُّهم وسِواهم مِنَ النَصارى واليَهُودِ، فَدَعا النَبِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ يَهُودَ المَدِينَةِ بِالآيَةِ، وكَذَلِكَ كَتَبَ بِها إلى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُومِ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُدْعى بِها أهْلُ الكِتابِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "إلى كَلِمَةٍ" بِفَتْحِ الكافِ وكَسْرِ اللامِ، ورَوى أبُو السَمّالِ: "كَلْمَةٍ" - بِفَتْحِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كِلْمَةٍ" - بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللامِ - وذَلِكَ عَلى إلْقاءِ حَرَكَةِ اللامِ عَلى الكافِ، كَما قالُوا في كَبِدٍ، كِبْدْ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الباءِ.
والكَلِمَةُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الألْفاظِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ المَعانِيَ المَدْعُوَّ إلَيْها، وهي ما فَسَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "ألّا نَعْبُدَ"....
الآيَةِ، وهَذا كَما تُسَمِّي العَرَبُ القَصِيدَةَ كَلِمَةً، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هي ما فُسِّرَ بَعْدُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الكَلِمَةُ السَواءُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، والقَوْلانِ مُجْتَمِعانِ، لِأنَّ كُلَّ ما فُسِّرَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِ مَعْنى: لا إلَهَ إلّا اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سَواءٍ" نَعْتٌ لِلْكَلِمَةِ.
قالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وغَيْرُهُما: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ، فَهَذا مَعْنى السَواءِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "إلى كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ" كَما فَسَّرَ قَتادَةُ والرَبِيعُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: إلى كَلِمَةِ قَصْدٍ.
وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ، والسَواءُ والعَدْلُ والقَصْدُ مَصادِرُ وُصِفَ بِها في هَذِهِ التَقْدِيراتِ كُلِّها.
والَّذِي أقُولُهُ في لَفْظَةِ "سَواءٍ" أنَّها يَنْبَغِي أنْ تُفَسَّرَ بِتَفْسِيرٍ خاصٍّ بِها في هَذا المَوْضِعِ، وهو أنَّهُ دَعاهم إلى مَعانٍ، جَمِيعُ الناسِ فِيها مُسْتَوُونَ، صَغِيرُهم وكَبِيرُهم.
وقَدْ كانَتْ سِيرَةُ المَدْعُوِّينَ أنْ يَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا أرْبابًا فَلَمْ يَكُونُوا عَلى اسْتِواءِ حالٍ، فَدَعاهم بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ما تَأْلَفُهُ النُفُوسُ "مِن حَقٍّ" لا يَتَفاضَلُ الناسُ فِيهِ، فَـ "سَواءٍ" - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِآخَرٍ: هَذا شَرِيكِي في مالٍ سَواءٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ.
والفَرْقُ بَيْنَ هَذا التَفْسِيرِ وبَيْنَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ بِعَدْلٍ، أنَّكَ لَوْ دَعَوْتَ أسِيرًا عِنْدَكَ إلى أنْ يُسْلِمَ أو تَضْرِبَ عُنُقَهُ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو العَدْلُ، وعَلى هَذا الحَدِّ جاءَتْ لَفْظَةُ "سَواءٍ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ ﴾ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، ولَوْ دَعَوْتَ أسِيرَكَ إلى أنْ يُؤْمِنَ فَيَكُونَ حُرًّا مُقاسِمًا لَكَ في عَيْشِكَ، لَكُنْتَ قَدْ دَعَوْتَهُ إلى السَواءِ الَّذِي هو اسْتِواءُ الحالِ عَلى ما فَسَّرْتُهُ.
واللَفْظَةُ عَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فِيها مَعْنى العَدْلِ، ولَكِنِّي لَمْ أرَ لِمُتَقَدِّمٍ أنْ يَكُونَ في اللَفْظَةِ مَعْنىً قَصَدَ اسْتِواءَ الحالِ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، لِأنَّ النُفُوسَ تَأْلَفُهُ، واللهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.
وقَوْلُهُ: "ألّا نَعْبُدَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنى: إلى ألّا نَعْبُدَ، فَذَلِكَ عَلى البَدَلِ مِن "كَلِمَةٍ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِمَعْنى: هي ألّا نَعْبُدَ، وما ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجائِزاتِ الَّتِي يَلْزَمُ عنها رَفْعُ "نَعْبُدُ" إكْثارٌ مِنهم فاخْتَصَرْتُهُ.
واتِّخاذُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا هو عَلى مَراتِبَ، أعْلاها اعْتِقادُهم فِيهِمُ الأُلُوهِيَّةَ، وعِبادَتُهم لَهم عَلى ذَلِكَ، كَعُزَيْرٍ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبِهَذا فَسَّرَ عِكْرِمَةُ، وأدْنى ذَلِكَ طاعَتُهم لِأساقِفَتِهِمْ ورُؤَسائِهِمْ في كُلِّ ما أمَرُوا بِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي والتِزامُهم طاعَتَهم شَرْعًا، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ جُرَيْجٍ.
فَجاءَتِ الآيَةُ بِالدُعاءِ إلى تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنْ يَكُونَ المُمْتَثَلُ ما قالَهُ اللهُ تَعالى عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ ﴾ أمْرٌ بِالإعْلانِ بِمُخالَفَتِهِمْ ومُواجَهَتِهِمْ بِذَلِكَ، وإشْهادِهِمْ عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والتَهْدِيدِ، أيْ سَتَرَوْنَ أنْتُمْ أيُّها المُتَوَلُّونَ عاقِبَةَ تَوَلِّيكم كَيْفَ تَكُونُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اجْتَمَعَتْ نَصارى نَجْرانَ وأحْبارُ يَهُودَ عِنْدَ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ فَتَنازَعُوا عِنْدَهُ، فَقالَتِ الأحْبارُ: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَصارى: ما كانَ إبْراهِيمُ إلّا نَصْرانِيًّا، فَأنْزَلَ اللهُ الآيَةَ.» وقالَ السُدِّيُّ وقَتادَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أيْضًا أنَّهُما قالا: نَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ دَعْوى اليَهُودِ أنَّهُ مِنهم وأنَّهُ ماتَ يَهُودِيًّا، وجَعَلَ هَذا القَوْلَ تَحْتَ تَرْجَمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَهُ.
والصَحِيحُ أنَّ جَمِيعَ المُتَأوِّلِينَ إنَّما نَحَوْا مَنحىً واحِدًا، وأنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ والنَصارى، وألْفاظُ الآيَةِ تُعْطِي ذَلِكَ، فَكَيْفَ يُدافِعُ أحَدٌ أحَدَ الفَرِيقَيْنِ عن ذَلِكَ؟
وهَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةٌ فَسادَ هَذِهِ الدَعاوى الَّتِي لا تُشَبَّهُ لِقِيامِ الدَلِيلِ القاطِعِ عَلى فَسادِها، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ نِحَلًا لَمْ تَحْدُثْ في الأرْضِ، ولا وُجِدَتْ إلّا بَعْدَ مَوْتِهِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ولَمّا كانَ الدَلِيلُ عَقْلِيًّا؛ قالَ اللهُ تَعالى لَهم مُوَبِّخًا "أفَلا تَعْقِلُونَ"؟
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: "ها أنْتُمْ" في المَدِّ والهَمْزِ وتَرْكِهِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "هَأنْتُمْ" في وزْنِ هَعنتُمْ، وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "هانْتُمْ"؟
اسْتِفْهامًا بِلا هَمْزٍ، وقَرَأ الباقُونَ: "ها أنْتُمْ" مَمْدُودًا مَهْمُوزًا، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في مَدِّ "هَؤُلاءِ" و"أُولاءِ".
فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ أنَّهُ أبْدَلَ مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ الهاءَ، أرادَ: "أأنْتُمْ"،، ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو أحَدُ أمْرَيْنِ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ها- الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى أنْتُمْ - ويَكُونَ التَنْبِيهُ داخِلًا عَلى الجُمْلَةِ، كَما دَخَلَ عَلى قَوْلِهِمْ: هَلُمَّ، وكَما دَخَلَتْ "يا" الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ في قَوْلِهِ: "ألّا يا سْجُدُوا"، وفي قَوْلِ الشاعِرِ: يا قاتَلَ اللهُ صِبْيانًا تَجِيءُ بِهِمْ ∗∗∗ أُمُّ الهُنَيِّدِ مِن زَنْدٍ لَها وارى وَقَوْلِ الآخَرِ: يا لَعْنَةَ اللهِ والأقْوامِ كُلِّهِمُ ∗∗∗ ∗∗∗ والصالِحِينَ عَلى سَمْعانَ مِن جارِ وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ مِن "أنْتُمْ" ولَمْ تُحَقَّقْ بَعْدَ الألِفِ، كَما قالُوا في هَباءَةٍ: هَباةً، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ في "هانْتُمْ" بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَوَجْهِ قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَكُونَ الألِفُ هي الَّتِي تَدْخُلُ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ، لِتَفْصِلَ بَيْنَهُما.
ووَجْهُ قِراءَةِ الباقِينَ "ها أنْتُمْ" مَهْمُوزًا مَمْدُودًا يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ اللَذَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ وأبِي عَمْرٍو، وحَقَّقُوا الهَمْزَةَ الَّتِي بَعْدَ الألِفِ، ولَمْ يُخَفِّفُوها كَما خَفَّفَها أبُو عَمْرٍو ونافِعٌ، ومَن لَمْ يَرَ إلْحاقَ الألِفِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ كَما يَراهُ أبُو عَمْرٍو، فَيَنْبَغِي أنْ تَكُونَ ها في قَوْلِهِ لِلتَّنْبِيهِ، ولا تَكُونَ بَدَلًا مِن هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وأمّا "هَؤُلاءِ" فَفِيهِ لُغَتانِ، المَدُّ والقَصْرُ، وقَدْ جَمَعَهُما بَيْتُ الأعْشى في بَعْضِ الرِواياتِ: هَؤُلاءِ ثُمَّ هَؤُلاءِ قَدْ أعْطَيْـ ∗∗∗ ـتُ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ وأمّا إعْرابُ: "ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ" فابْتِداءٌ وخَبَرٌ، و"حاجَجْتُمْ" في مَوْضِعِ الحالِ لا يُسْتَغْنى عنها، وهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ ﴾ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "هَؤُلاءِ" بَدَلًا أو صِفَةً ويَكُونَ الخَبَرُ "حاجَجْتُمْ" وعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ "حاجَجْتُمْ" صِلَةٌ لِأُولاءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "فَلِمَ تُحاجُّونَ" ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ أيْ عَلى زَعْمِكُمْ، وإنَّما المَعْنى فِيما تُشَبَّهُ فِيهِ دَعْواكُمْ، ويَكُونُ الدَلِيلُ العَقْلِيُّ لا يَرُدُّ عَلَيْكُمْ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ هَذا المَوْضِعَ بِأنَّهُ فِيما لَهم بِهِ عِلْمٌ مِن جِهَةِ كُتُبِهِمْ وأنْبائِهِمْ، مِمّا أيْقَنُوهُ وثَبَتَ عِنْدَهم صِحَّتُهُ؛ وذُهِبَ عنهُ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ما كانَ هَكَذا فَلا يُحْتاجُ مَعَهم فِيهِ إلى مُحاجَّةٍ، لِأنَّهم يَجِدُونَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ، كَما كانَ هُنالِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، عن حَقِيقَةِ أمْرِ إبْراهِيمَ، فَنَفى عنهُ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ والإشْراكَ الَّذِي هو عِبادَةُ الأوثانِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإشْراكُ الَّذِي تَتَضَمَّنُهُ اليَهُودِيَّةُ والنَصْرانِيَّةُ.
وجاءَ تَرْتِيبُ النَفْيِ عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ: نَفى نَفْسَ المِلَلِ وقَرَّرَ الحالَةَ الحَسَنَةَ، ثُمَّ نَفى نَفْيًا بَيَّنَ بِهِ أنَّ تِلْكَ المِلَلَ فِيها هَذا الفَسادُ الَّذِي هو الشِرْكُ، وهَذا كَما تَقُولُ: ما أخَذْتُ لَكَ مالًا بَلْ حَفِظْتُهُ، وما كُنْتُ سارِقًا، فَنَفَيْتَ أقْبَحَ ما يَكُونُ في الأخْذِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا مُؤَكَّدًا أنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ، هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى مِلَّتِهِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهُنا يَدْخُلُ كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ في الفَتَراتِ، وهَذا النَبِيُّ مُحَمَّدٌ لِأنَّهُ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ، و"النَبِيُّ" في الإعْرابِ نَعْتٌ، أو عَطْفُ بَيانٍ، أو بَدَلٌ، وفي كَوْنِهِ بَدَلًا نَظَرٌ.
"والَّذِينَ آمَنُوا" يَعْنِي بِمُحَمَّدٍ وسائِرِ الأنْبِياءِ عَلى ما يَجِبُ دُونَ المُحَرِّفِينَ المُبَدِّلِينَ.
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى "وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ" وعْدًا مِنهُ لَهم بِالنَصْرِ في الدُنْيا والنَعِيمِ في الآخِرَةِ.
والحَنِيفُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَنَفِ، وهو الِاسْتِقامَةُ، وقِيلَ: هو المَيْلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْمائِلِ الرِجْلِ: أحْنَفٌ، فالحَنِيفُ مِنَ الاسْتِقامَةِ مَعْناهُ المُسْتَقِيمُ، ومِنَ المَيْلِ مَعْناهُ: المائِلُ عن مُعْوَجِّ الأدْيانِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عن لَفْظَةِ الحَنِيفِ حَتّى قالَ بَعْضُهُمُ: الحَنِيفُ: الحاجُّ، وكُلُّها عِبارَةٌ عَنِ الحَنَفِ بِإجْراءٍ مِنهُ كالحَجِّ وغَيْرِهِ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عن أبِيهِ، أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشامِ يَسْألُ عَنِ الدِينِ ويَتْبَعُهُ، فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عن دِينِهِ، وقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكُمْ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّكَ لَنْ تَكُونَ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللهِ، قالَ زَيْدٌ: ما أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا؟
قالَ: ما أعْلَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ حَنِيفًا، قالَ وما الحَنِيفُ؟
قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ، لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا، وكانَ لا يَعْبُدُ إلّا اللهَ.
فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَصارى فَقاوَلَهُ بِمِثْلِ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، إلّا أنَّ النَصْرانِيَّ قالَ: بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى اللهِ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ورَوى عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَبِيِّينَ وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ إنَّ أولى الناسِ بِإبْراهِيمَ ﴾ الآيَةَ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ ﴿ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن طائِفَةٍ أنَّها تَوَدُّ وتَشْتَهِي أنْ تُضِلَّ المُسْلِمِينَ، أيْ تُتْلِفَهم عن دِينِهِمْ وتَجْعَلَهم في ضَلالٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الطائِفَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ فَتَحْتَمِلُ "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ الرُؤَساءَ والأحْبارَ الَّذِينَ يَسْكُنُ الناسُ إلى قَوْلِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونَ الطائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: "يُضِلُّونَكُمْ" مَعْناهُ: يُهْلِكُونَكُمْ، واسْتَشْهَدَ بِبَيْتِ جَرِيرٍ.
كُنْتَ القَذى في مَوْجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ ∗∗∗ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا وقَوْلِ النابِغَةِ: فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ...
∗∗∗ البَيْتِ.
وَهَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ خاصٍّ بِاللَفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ هَذا الضَلالُ في الآيَةِ وفي البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ تُفَسَّرَ لَفْظَةُ الضَلالِ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم بِبُعْدِهِمْ عَنِ الإسْلامِ هُمُ الضالُّونَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَشْعُرُونَ لِذَلِكَ أىْ لا يَتَفَطَّنُونَ، مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ المَأْخُوذِ مِنَ الشَعْرِ، وقِيلَ: المَعْنى: ولا يَشْعُرُونَ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم.
ثُمَّ وقَّفَهم تَعالى مُوَبِّخًا لَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ، والمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لِأيِّ سَبَبٍ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي هي آيَةُ القُرْآنِ؛ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ أنَّ أمْرَهُ وصِفَةَ مُحَمَّدٍ الَّذِي هو الآتِي بِهِ في كِتابِكُمْ؟
قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ والسُدِّيُّ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِالآياتِ ما ظَهَرَ عَلى يَدَيْ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ مِن تَعْجِيزِ العَرَبِ والإعْلامِ بِالغُيُوبِ وتَكَلُّمِ الجَماعاتِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ و"تَشْهَدُونَ" - عَلى هَذا - يَكُونُ بِمَعْنى تَحْضُرُونَ وتُعايِنُونَ.
والتَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ يُخْبِرُونَ بِصِفَةِ النَبِيِّ الخارِجِ وحالِهِ، فَلَمّا ظَهَرَ كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا، فَإخْبارُهُمُ المُتَقَدِّمُ لِظُهُورِهِ هو الشَهادَةُ الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها.
قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ عُنِيَ بِها قُرَيْظَةُ والنَضِيرُ وبَنُو قَيْنُقاعَ ونَصارى نَجْرانَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ ﴾ مَعْناهُ: تَخْلِطُونَ، تَقُولُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- بِمَعْنى خَلَطْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ﴾ وتَقُولُ: لَبِسْتُ الثَوْبَ، بِكَسْرِ الباءِ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ هو التَوْراةُ المُنَزَّلَةُ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ هو ما كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ ونَسَبُوهُ إلى التَوْراةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَقُّ إسْلامُهم بُكْرَةً، والباطِلُ كُفْرُهم عَشِيَّةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَيْفِ وعَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ والحارِثِ بْنِ عَوْفٍ:.
تَعالَوْا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ وجْهَ النَهارِ، وَنَكْفُرُ آخِرَهُ، عَسى أنْ نَلْبِسَ عَلى المُسْلِمِينَ أمْرَهم.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: "لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ" لِمَ تَخْلِطُونَ اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ دِينَ اللهِ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ الإسْلامُ؟
فَكَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا: لِمَ تُبْقُونَ عَلى هَذِهِ الأدْيانِ وتُوجِدُونَها فَيَكُونُ في ذَلِكَ لَبْسٌ عَلى الناسِ أجْمَعِينَ؟
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الحَقُّ الَّذِي لَبَسُوهُ قَوْلُهُمْ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، والباطِلُ الَّذِي لَبَسُوهُ بِهِ؛ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَكِنْ لَيْسَ إلَيْنا، بَلْ مِلَّةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ شَأْنَ مُحَمَّدٍ ، كَذَلِكَ قالَ الرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى العِنادِ ظاهِرٌ؛ قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: ولَوْ قِيلَ: "وَتَكْتُمُوا الحَقَّ" لَجازَ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا؟
عَلى أنَّ "تَكْتُمُوا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الظَرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ "أنْ" في قَوْلِ أصْحابِنا.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الظَرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ "أنْ" لِأنَّ "تَكْتُمُونَ" مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عنهُ، وإنَّما اسْتَفْهَمَ عَنِ السَبَبِ في اللَبْسِ، واللَبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: أتَأْكُلُ السَمَكَ وتَشْرَبُ اللَبَنَ؟
وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومُ؟
والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ كَما رُوِيَ: ..............
∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَ المَدِينَةَ؟
لا يَجُوزُ إلّا النَصْبُ في "تَدْخُلَ" لِأنَّ السَيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عنهُ غَيْرُ مُوجَبٍ، وإذا قُلْتَ: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها؟
رَفَعْتَ، لِأنَّ السَيْرَ مُوجَبٌ والِاسْتِفْهامَ إنَّما وقَعَ عن غَيْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ ﴾ ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم.
﴾ أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ طائِفَةً مِنَ اليَهُودِ مِن أحْبارِهِمْ ذَهَبَتْ إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ بِهَذا المَنزَعِ، قالَ الحَسَنُ: قالَتْ ذَلِكَ يَهُودُ خَيْبَرَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ، قالَ قَتادَةُ وأبُو مالِكٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ: قالَ بَعْضُ الأحْبارِ: لِنُظْهِرِ الإيمانَ لِمُحَمَّدٍ صَدْرَ النَهارِ ثُمَّ لْنَكْفُرْ بِهِ آخِرَ النَهارِ، فَسَيَقُولُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ: ما بالُ هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنّا؟
ما ذَلِكَ إلّا لِأنَّهُمُ انْكَشَفَتْ لَهم حَقِيقَةٌ في الأمْرِ فَيَشُكُّونَ، ولَعَلَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ .
ولَمّا كانَتِ الأحْبارُ يُظَنُّ بِهِمُ العِلْمُ وجَوْدَةُ النَظَرِ والِاطِّلاعُ عَلى الكِتابِ القَدِيمِ، طَمِعُوا أنْ تَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهَذِهِ النَزْعَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ: جاؤُوا إلى النَبِيِّ بُكْرَةً فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنْتَ هو المَوْصُوفُ في كِتابِنا، ولَكِنْ أمْهِلْنا إلى العَشِيِّ حَتّى نَنْظُرَ في أمْرِنا، ثُمَّ رَجَعُوا بِالعَشِيِّ، فَقالُوا: قَدْ نَظَرْنا ولَسْتَ بِهِ.
"وَجْهَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: "آمِنُوا" والمَعْنى: أظْهِرُوا الإيمانَ في وجْهِ النَهارِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" عائِدٌ عَلى النَهارِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: نَزَلَتِ الآيَةُ، لِأنَّ اليَهُودَ ذَهَبَتْ إلى المَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ، فَصَلُّوا مَعَ النَبِيِّ صَلاةَ الصُبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَهارِ، فَصَلُّوا صَلاتَهم لِيَرى الناسُ أنَّهم بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ.
وهَذا القَوْلُ قَرِيبٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ.
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أمْرِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّى صَلاةَ الصُبْحِ إلى الشامِ كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ فَصَلّى الظُهْرَ - وقِيلَ العَصْرُ- إلى مَكَّةَ، فَقالَتِ الأحْبارُ لِتُبّاعِهِمْ ولِلْعَرَبِ: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ في أوَّلِ النَهارِ واكْفُرُوا بِهَذِهِ القِبْلَةِ الأخِيرَةِ.
والعامِلُ في قَوْلِهِ "وَجْهَ النَهارِ"- عَلى هَذا التَأْوِيلِ- قَوْلُهُ: "أُنْزِلَ" والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "آخِرَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَهارِ أو يَعُودَ عَلى "الَّذِي أُنْزِلَ".
"وَيَرْجِعُونَ" - في هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عن مَكَّةَ إلى قِبْلَتِنا الَّتِي هي الشامُ، كَذَلِكَ قالَ قائِلُ هَذا التَأْوِيلِ.
و"وَجْهَ النَهارِ" أوَّلُهُ الَّذِي يُواجَهُ مِنهُ، تَشْبِيهًا بِوَجْهِ الإنْسانِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ: صَدْرُ النَهارِ وغُرَّةُ العامِ والشَهْرِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ « "أقَتَلْتَهُ في غُرَّةِ الإسْلامِ"؟» ومِن هَذا قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ زِيادٍ العَبْسِيِّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ ∗∗∗ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ يَجِدِ النِساءَ حَواسِرًا يَنْدُبْنَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الأسْحارِ يَقُولُ هَذا في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُذَيْمَةَ العَبْسِيِّ وكانُوا قَدْ أخَذُوا بِثَأْرِهِ، وكانَ القَتِيلُ عِنْدَهم لا يُناحُ عَلَيْهِ ولا يُنْدَبُ إلّا بَعْدَ أخْذِ ثَأْرِهِ.
فالمَعْنى: مَن سَرَّهُ مُصابُنا فِيهِ فَلْيَنْظُرْ إلى ما يَدُلُّهُ عَلى أنّا قَدْ أدْرَكْنا ثَأْرَهُ، فَيُكْمَدْ لِذَلِكَ ويَغْتَمَّ، ومِنِ اسْتِعارَةِ الوَجْهِ قَوْلُهُمْ: فَعَلْتُ كَذا عَلى وجْهِ الدَهْرِ، أيْ في القَدِيمِ.
وذَكَرَ اللهُ تَعالى عن هَذِهِ الطائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، أنَّهم قالُوا: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ ولا خِلافَ بَيْنِ أهْلِ التَأْوِيلِ أنَّ هَذا القَوْلَ هو مِن كَلامِ الطائِفَةِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أو يُحاجُّوكُمْ ﴾ فَقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ لِأتْباعِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكَلامُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ أحَدُها: ولا تُصَدِّقُوا تَصْدِيقًا صَحِيحًا وتُؤْمِنُوا إلّا لِمَن جاءَ بِمِثْلِ دِينِكم كَراهَةً أو مَخافَةً أو حِذارًا أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِنَ النُبُوَّةِ والكَرامَةِ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، وحَذَرًا أنْ يُحاجُّوكم بِتَصْدِيقِكم إيّاهم عِنْدَ رَبِّكم إذا لَمْ تَسْتَمِرُّوا عَلَيْهِ.
وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ الحَسَدِ والكُفْرِ، مَعَ المَعْرِفَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ، أنْ "لا يُؤْتى" فَحُذِفَتْ "لا" لِدَلالَةِ الكَلامِ، ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُصَدِّقُوا وتُؤْمِنُوا بِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم وجاءَ بِمِثْلِهِ وعاضِدًا لَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُؤْتاهُ غَيْرُكُمْ، ﴿ أو يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، كَما تَقُولُ: أنا لا أتْرُكُكَ أو تَقْتَضِينِي حَقِّي.
وهَذا القَوْلُ عَلى هَذا المَعْنى ثَمَرَةُ التَكْذِيبِ بِمُحَمَّدٍ عَلى اعْتِقادٍ مِنهم أنَّ النُبُوَّةَ لا تَكُونُ إلّا في بَنِي إسْرائِيلَ.
ويَحْتَمِلُ الكَلامُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ولا تُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ وتُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ إذْ قَدْ عَلِمْتُمْ صِحَّتَها إلّا لِلْيَهُودِ الَّذِينَ هم مِنكُمْ، و ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ صِفَةٌ لِحالِ مُحَمَّدٍ، فالمَعْنى: تَسَتَّرُوا بِإقْرارِكم أنْ قَدْ أُوتِيَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أو فَإنَّهم -يَعْنُونَ العَرَبَ - يُحاجُّوكم بِالإقْرارِ عِنْدَ رَبِّكم.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"تُؤْمِنُوا" تَعَدّى بِالباءِ المُقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتى" كَما تَعَدّى أوَّلَ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "بِالَّذِي أُنْزِلَ".
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِمَن تَبِعَ" لا يَسْهُلُ أنْ تُعَلَّقَ بِـ "تُؤْمِنُوا" وأنْتَ قَدْ أوصَلْتَهُ بِالباءِ فَتُعَلِّقَ بِالفِعْلِ جارَّيْنِ، كَما لا يَسْتَقِيمُ أنْ تُعَدِّيَهُ إلى مَفْعُولَيْنِ إذا كانَ لا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ.
وإنَّما يُحْمَلُ أمْرُ هَذِهِ اللامِ عَلى المَعْنى، والمَعْنى: لا تُقِرُّوا بِأنَّ اللهَ يُؤْتِي أحَدًا مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ إلّا لِمَن، فَهَذا كَما تَقُولُ: أقْرَرْتُ لِزَيْدٍ بِألْفٍ، فَتَكُونُ اللامُ مُتَعَلِّقَةً بِالمَعْنى ولا تَكُونُ زائِدَةً عَلى حَدِّ ﴿ إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ ﴾ ولا تَتَعَلَّقُ عَلى حَدِّ المَفْعُولِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ تَعَدّى "آمَنَ" بِاللامِ في قَوْلِهِ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ ﴾ وقَوْلِهِ: "آمَنتُمْ لَهُ" وقَوْلِهِ: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
و"أحَدٌ" إنَّما دَخَلَ في هَذا الكَلامِ بِسَبَبِ النَفْيِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: "وَلا تُؤْمِنُوا" كَما دَخَلَتْ "مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ ﴾ فَكَما دَخَلَتْ "مِن" في صِلَةِ "أنْ يُنَزَّلَ" لِأنَّهُ مَفْعُولُ النَفْيِ اللاحِقِ لِأوَّلِ الكَلامِ، فَكَذَلِكَ دَخَلَ "أحَدٌ" في صِلَةِ "أنْ" في قَوْلِهِ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ﴾ لِدُخُولِ النَفْيِ في أوَّلِ الكَلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِأنَّ أحَدًا الَّذِي فِيهِ الشِياعُ لا يَجِيءُ في واجِبٍ مِنَ الكَلامِ، لِأنَّهُ لا يُفِيدُ مَعْنىً.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ بَيْنَ السَبْعَةِ: "آنْ يُؤْتى" بِالمَدِّ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ الَّذِي هو تَقْرِيرٌ.
وفَسَّرَ أبُو عَلِيٍّ قِراءَةَ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى أنَّ الكَلامَ كُلَّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ، إلّا الِاعْتِراضَ الَّذِي هُوَ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ فَإنَّهُ لا يُخْتَلَفُ أنَّهُ مِن قَوْلِ اللهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ قالَ: فَلا يَجُوزُ مَعَ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُحْمَلَ: "أنْ يُؤْتى" عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ قاطِعٌ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُصَدِّقُونَ بِهِ أو تَعْتَرِفُونَ أو تَذْكُرُونَهُ لِغَيْرِكُمْ، ونَحْوُ هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، ويَكُونَ "يُحاجُّوكُمْ"- عَلى هَذا- مَعْطُوفًا عَلى "أنْ يُؤْتى" قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "أنْ" مَنصُوبًا، فَيَكُونَ المَعْنى: أتُشِيعُونَ أو أتَذْكُرُونَ ﴿ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ ﴾ ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى عنهُمْ: ﴿ أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ ﴾ فَعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخٌ مِنَ الأحْبارِ لِلْأتْباعِ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" في تَأْوِيلِ نَصْبِ "أنْ" أيْ: أو تُرِيدُونَ أنْ يُحاجُّوكُمْ؟
قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"أحَدٌ" عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ، وقَدْ مَنَعَ الِاسْتِفْهامُ القاطِعُ مِن أنْ يَشْفَعَ لِدُخُولِهِ النَفْيُ الَّذِي في أوَّلِ الكَلامِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ "أحَدٌ" الَّذِي في قَوْلِكَ: "أحَدٌ وعِشْرُونَ"، وهو يَقَعُ في الإيجابِ لِأنَّهُ بِمَعْنى واحِدٍ، وجَمَعَ ضَمِيرَهُ في قَوْلِهِ: "أو يُحاجُّوكُمْ" جَمْعًا عَلى المَعْنى، إذْ لِـ "أحَدٌ" المُرادِ بِمِثْلِ النُبُوَّةِ أتْباعٌ، فَهو في مَعْنى الكَثْرَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ تُرَجَّحَ فِيهِ قِراءَةُ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، لِأنَّ الأسْماءَ المُفْرَدَةَ لَيْسَ بِالمُسْتَمِرِّ أنْ تَدُلَّ عَلى الكَثْرَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إلّا أنَّ "أحَدًا" في مِثْلِ النُبُوَّةِ يَدُلُّ عَلَيْها مِن حَيْثُ يَقْتَضِي الأتْباعَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وشُعَيْبُ بْنُ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الكَرامَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ خِطابًا مِنَ الطائِفَةِ القائِلَةِ، ويَكُونَ قَوْلُها: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكم.
وهَذا عَلى التَصْمِيمِ عَلى أنَّهُ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: إلّا أنْ يُحاجُّوكُمْ، وهَذا عَلى تَجْوِيزِ أنْ يُؤْتى أحَدٌ ذَلِكَ إذا قامَتِ الحُجَّةُ لَهُ، فَهَذا تَرْتِيبُ التَفْسِيرِ والقِراءاتِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِ الطائِفَةِ.
وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: الكَلامُ كُلُّهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ ...
إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِأُمَّتِهِ.
وحَكى الزَجّاجُ وغَيْرُهُ أنَّ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هو هَذا الهُدى، لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ.
وحُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ أنَّ المَعْنى: أنْ لا يُؤْتِي أحَدًا، وحُذِفَتْ "لا" لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا ﴾ أيْ أنْ لا تَضِلُّوا.
وحُكِيَ عن أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ: لا تُحْذَفُ "لا" وإنَّما المَعْنى كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا، وكَذَلِكَ هُنا: كَراهَةَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ، أيْ مِمَّنْ خالَفَ دِينَ الإسْلامِ، لِأنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ، فَهُدى اللهِ بَعِيدٌ مِن غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَبْعُدُ مِن هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتُحْمَلُ عَلَيْهِ قِراءَةُ الأعْمَشِ وابْنِ أبِي حَمْزَةَ: "إنْ يُؤْتى" بِكَسْرِ الألِفِ، كَأنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ يُخْبِرُ أُمَّتَهُ أنَّ اللهَ لا يُعْطِي أحَدًا ولا أعْطى فِيما سَلَفَ مِثْلَ ما أعْطى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِكَوْنِها وسَطًا ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" -عَلى هَذِهِ المَعانِي الَّتِي تَرَتَّبَتْ في قَوْلِ السُدِّيِّ- يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: أو فَلْيُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، يَعْنِي اليَهُودَ، فالمَعْنى: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِثْلَ حَظِّكم وإلّا فَلْيُحاجُّوكم مَنِ ادَّعى سِوى ذَلِكَ.
والمَعْنى الثانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى التَقْرِيرِ والإزْراءِ بِاليَهُودِ، كَأنَّهُ قالَ: أو هَلْ لَهم أنْ يُحاجُّوكم أو يُخاصِمُوكم فِيما وهَبَكُمُ اللهُ وفَضَّلَكم بِهِ؟
وقَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ خَبَرُ"إنَّ"؛ وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ: الكَلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، هو مِمّا أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَهُ لِلطّائِفَةِ الَّتِي قالَتْ: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ وتَتَّفِقُ مَعَ هَذا القَوْلِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالِاسْتِفْهامِ والمَدِّ، وتَقْدِيرُ الخَبَرِ المَحْذُوفِ "أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ": "حَسَدْتُمْ وكَفَرْتُمْ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قالَ: أتَحْسُدُونَ أو تَكْفُرُونَ لِأنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ؟
أو يُحاجُّوكم عَلى ما أُوتُوهُ فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم بِالحُجَّةِ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ بِغَيْرِ المَدِّ فَيَحْتَمِلُ "ذَلِكَ"أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَقْرِيرِ بِغَيْرِ حَرْفِ اسْتِفْهامٍ، وذَلِكَ هو الظاهِرُ مِن لَفْظِ قَتادَةَ فَإنَّهُ قالَ: يَقُولُ لَمّا أنْزَلَ اللهُ كِتابًا مِثْلَ كِتابِكم وبَعَثَ نَبِيًّا مِثْلَ نَبِيِّكم حَسَدْتُمُوهم عَلى ذَلِكَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: "هُدى اللهِ" ويَكُونَ المَعْنى: قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللهِ، وهو أنْ يُؤْتى أحَدٌ كالَّذِي جاءَنا نَحْنُ.
ويَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يُحاجُّوكُمْ" بِمَعْنى: أو فَلْيُحاجُّوكُمْ، فَإنَّهُ يَغْلِبُونَكم.
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: "أنْ يُؤْتى" خَبَرَ "إنَّ" ويَكُونُ قَوْلُهُ: "هُدى اللهِ" بَدَلًا مِنَ "الهُدى"، وهَذا في المَعْنى قَرِيبٌ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُهُ تَعالى: "أنْ يُؤْتى" هو مِن قَوْلِ مُحَمَّدٍ لِلْيَهُودِ، وتَمَّ الكَلامُ في قَوْلِهِ: "أُوتِيتُمْ" وقَوْلُهُ تَعالى: "أو يُحاجُّوكُمْ" مُتَّصِلٌ بِقَوْلِ الطائِفَةِ: "وَلا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ"، وهَذا القَوْلُ يُفَسِّرُ مَعانِيهِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ التَقْسِيمِ واللهُ المُسْتَعانُ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ يُحاجُّوكُمْ" بَدَلَ "أو" وهَذِهِ القِراءَةُ تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ، ولا تَلْتَئِمُ مَعَ بَعْضِها.
وَقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّكُمْ" يَجِيءُ في بَعْضِ المَعانِي عَلى مَعْنى "عِنْدَ رَبِّكم في الآخِرَةِ"، ويَجِيءُ في بَعْضِها عَلى مَعْنى "عِنْدَ كُتُبِ رَبِّكم والعِلْمِ الَّذِي جَعَلَ في العِبادِ"، فَأضافَ ذَلِكَ إلى الرَبِّ تَشْرِيفًا، وكَأنَّ المَعْنى: أو يُحاجُّوكم عِنْدَ الحَقِّ.
وقَرَأ الحَسَنُ "إنْ يُؤْتِي أحَدٌ"، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والتاءِ، عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "أحَدٌ" والمَعْنى: أنَّ إنْعامَ اللهِ لا يُشْبِهُهُ إنْعامُ أحَدٍ مِن خَلْقِهِ.
وأظْهَرُ ما في القِراءَةِ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِن مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ لِأُمَّتِهِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ.
إنْ يُؤْتِي أحَدٌ أحَدًا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ ﴾ ﴿ وَمِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "العَظِيمِ" تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: "نُبُوءَةُ مُوسى مُؤَبَّدَةٌ، ولَنْ يُؤْتِيَ اللهُ أحَدًا مِثْلَ ما آتى بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ النُبُوَّةِ والشَرَفِ"، وسائِرُ ما في الآيَةِ مِن لَفْظَةِ "واسِعٌ" وغَيْرِ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ أنَّهم قِسْمانِ في الأمانَةِ، ومَقْصِدُ الآيَةِ ذَمُّ الخَوَنَةِ مِنهُمْ، والتَفْنِيدُ لِرَأْيِهِمْ وكَذِبِهِمْ عَلى اللهِ في اسْتِحْلالِهِمْ أمْوالَ العَرَبِ.
وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "تِيمَنهُ" بِتاءٍ وياءٍ في الحَرْفَيْنِ وكَذَلِكَ: "تِيمَنّا" في يُوسُفَ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِي: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ إلّا لُغَةً قُرَشِيَّةً، وهي كَسْرُ نُونِ الجَماعَةِ كَنِسْتَعِينَ، وألِفِ المُتَكَلِّمِ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لا إخالُهُ، وتاءِ المُخاطَبِ كَهَذِهِ الآيَةِ، ولا يَكْسِرُونَ الياءَ في الغائِبِ وبِها قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في "تِيمَنّا" وابْنُ مَسْعُودٍ والأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ وابْنُ وثّابٍ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في القِنْطارِ في صَدْرِ السُورَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، "يُؤَدِّهِ إلَيْكَ" بِكَسْرِ الهاءِ الَّتِي هي ضَمِيرُ القِنْطارِ، وكَذَلِكَ فِي الأُخْرى الَّتِي هي ضَمِيرُ الدِينارِ، واتَّفَقَ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ وعاصِمٌ والأعْمَشُ عَلى إسْكانِ الهاءِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما أشْبَهَهُ في القُرْآنِ، نَحْوُ: "نُصْلِهْ جَهَنَّمَ" و"نُؤْتِهْ" و"نُوَلِّهْ" إلّا حَرْفًا حُكِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ كَسَرَهُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ﴾ .
قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عن هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ، وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُسَكَّنَ في الوَصْلِ.
وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَةَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ، كَما غَلِطَ عَلَيْهِ في "بارِئِكُمْ" وقَدْ حَكى عنهُ سِيبَوَيْهِ -وَهُوَ ضابِطٌ لِمِثْلِ هَذا- أنَّهُ يَكْسِرُ كَسْرًا خَفِيفًا.
والقِنْطارُ في هَذِهِ الآيَةِ: مِثالٌ لِلْمالِ الكَثِيرِ يَدْخُلُ فِيهِ أكْثَرُ مِنَ القِنْطارِ وأقَلُّ، وأمّا الدِينارُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، مِثالًا لِما قَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ طَبَقَةً لا تَخُونُ إلّا في دِينارٍ فَما زادَ، ولَمْ يُعْنَ لِذِكْرِ الخائِنِينَ في أقَلَّ إذْ هم طَغامٌ حُثالَةٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "دُمْتَ" بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى والفَيّاضُ بْنُ غَزْوانَ وغَيْرُهُمْ: "دِمْتَ" "وَدِمْتُمْ" بِكَسْرِ الدالِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: مِن قَوْلِهِمْ: دِمْتَ، تَدامُ مِثْلُ نِمْتَ، تَنامُ، وهي لُغَةٌ.
ودامَ مَعْناهُ: ثَبَتَ عَلى حالٍ ما، والتَدْوِيمُ عَلى الشَيْءِ الِاسْتِدارَةُ حَوْلَ الشَيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ.
..........................
والشَمْسُ حَيْرى لَها في الجَوِّ تَدْوِيمُ.
والدُوامُ: الدُوارُ يَأْخُذُ في رَأْسِ الإنْسانِ فَيَرى الأشْياءَ تَدُورُ لَهُ، وتَدَوُّرُ الطائِرِ في السَماءِ، وهو ثُبُوتُهُ إذا صَفَّ واسْتَدارَ، والماءُ الدائِمُ وغَيْرُهُ هو الَّذِي كَأنَّهُ يَسْتَدِيرُ حَوْلَ مَرْكَزِهِ.
وقَوْلُهُ: "قائِمًا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، قالَ الزَجّاجُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ: مَعْناهُ: قائِمًا عَلى اقْتِضاءِ دَيْنِكَ؛.
يُرِيدُونَ بِأنْواعِ الِاقْتِضاءِ مِنَ الحَفْزِ والمُرافَعَةِ إلى الحُكّامِ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ لا تُراعى هَيْئَةُ هَذا الدائِمِ، بَلِ اللَفْظَةُ مِن قِيامِ المَرْءِ عَلى أشْغالِهِ، أيِ اجْتِهادُهُ فِيها.
وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: "قائِمًا" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قائِمًا عَلى رَأْسِهِ، عَلى الهَيْئَةِ المَعْرُوفَةِ، وتِلْكَ نِهايَةُ الحَفْزِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ في صَدْرِ شُغْلٍ آخَرَ يُرِيدُ أنْ يَسْتَقْبِلَهُ.
وذَهَبَ إلى هَذا التَأْوِيلِ جَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وانْتَزَعُوا مِنَ الآياتِ جَوازَ السَجْنِ، لِأنَّ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ غَرِيمُهُ فَهو يَمْنَعُهُ مِن تَصَرُّفاتِهِ في غَيْرِ القَضاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المَنعِ مِنَ التَصَرُّفاتِ وبَيْنَ السَجْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها نَزَلَتْ فِيما رُوِيَ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ العَرَبِ كانَتْ لَهم دُيُونٌ في ذِمَمِ قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَلَمّا أسْلَمَ أُولَئِكَ العَرَبُ قالَتْ لَهُمُ اليَهُودُ: نَحْنُ لا نُؤَدِّي إلَيْكم شَيْئًا حِينَ فارَقْتُمْ دِينَكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ عَلَيْهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
ورُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ اسْتِحْلالَ أمْوالِ العَرَبِ لِكَوْنِهِمْ أهْلَ أوثانٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمَ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ، بَقِيَ اليَهُودُ فِيهِمْ عَلى ذَلِكَ المُعْتَقَدِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حامِيَةً مِن ذَلِكَ.
وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "ألا كُلُّ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ فَهو تَحْتَ قَدَمِي، إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ"».
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن أوفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهِ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .
الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى كَوْنِهِمْ لا يُؤَدُّونَ الأمانَةَ في دِينارٍ فَما فَوْقَهُ، عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ، والضَمِيرُ فِي: "قالُوا" يَعْنِي بِهِ لَفِيفَ بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الكِتابِ، والعَرَبُ أُمِّيُّونَ أصْحابُ أوثانٍ، فَأمْوالُهم لَنا حَلالٌ مَتى قَدِرْنا عَلى شَيْءٍ مِنها لا حُجَّةَ عَلَيْنا في ذَلِكَ ولا سَبِيلَ لِمُعْتَرِضٍ وناقِدٍ إلَيْنا في ذَلِكَ.
والأُمِّيُّونَ: القَوْمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ لِأنَّهم لا يُحْسِنُونَ الكِتابَةَ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ اشْتِقاقُ اللَفْظِ.
واسْتِعارَةُ السَبِيلِ هُنا في الحُجَّةِ هو عَلى نَحْوِ قَوْلِ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ؟
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ ﴾ هو مِن هَذا المَعْنى، وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنّا نَمُرُّ في الغَزْوِ بِأمْوالِ أهْلِ الذِمَّةِ فَنَأْخُذُ مِنها الشاةَ والدَجاجَةَ ونَحْوَها قالَ: وتَقُولُونَ ماذا؟
قالَ نَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْنا بَأْسٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا كَما قالَ أهْلُ الكِتابِ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ﴾ إنَّهم إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ لَمْ تَحِلَّ لَكم أمْوالُهم إلّا بِطِيبِ أنْفُسِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ذَمٌّ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِأنَّهم يَكْذِبُونَ عَلى اللهِ تَعالى في غَيْرِ ما شَيْءٍ، وهم عُلَماءُ بِمَواضِعِ الصِدْقِ لَوْ قَصَدُوها، ومِن أخْطَرِ ذَلِكَ أمْرُ مُحَمَّدٍ ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
ورُوِيَ عَنِ السُدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ وغَيْرِهِما أنَّ طائِفَةً مِن أهْلِ الكِتابِ ادَّعَتْ أنَّ في التَوْراةِ إحْلالَ اللهِ لَهم أمْوالَ الأُمِّيِّينَ كَذِبًا مِنها وهي عالِمَةٌ بِكَذِبِها في ذَلِكَ، وقالا: والإشارَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ الكَذِبِ المَخْصُوصِ في هَذا الفَصْلِ.
ثُمَّ رَدَّ اللهُ تَعالى في صَدْرِ قَوْلِهِمْ: "لَيْسَ عَلَيْنا" بِقَوْلِهِ "بَلى" أيْ: عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ وحُجَّةٌ وتِباعَةٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَلى جِهَةِ الشَرْطِ أنَّ مَن أوفى بِالعَهْدِ واتَّقى عُقُوبَةَ اللهِ في نَقْضِهِ، فَإنَّهُ مَحْبُوبٌ عِنْدَ اللهِ.
وتَقُولُ العَرَبُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوفى بِهِ بِمَعْنىً، وأوفى هي لُغَةُ الحِجازِ، وفَسَّرَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَلى أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "بِعَهْدِهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو عائِدٌ عَلى "مَن".
والقَوْلانِ يَرْجِعانِ إلى مَعْنىً واحِدٍ، لِأنَّ أمْرَ اللهِ تَعالى بِالوَفاءِ مُقْتَرِنٌ بِعَهْدِ كُلِّ إنْسانٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "اتَّقى" في هَذِهِ الآيَةِ، مَعْناهُ: اتَّقى الشِرْكَ، ثُمَّ خَرَجَ جَوابُ الشَرْطِ عَلى تَعْمِيمِ المُتَّقِينَ تَشْرِيفًا لِلتَّقْوى وحَضًّا عَلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ ﴾ .....الآيَةُ، وعِيدٌ لِمَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهي آيَةٌ يَدْخُلُ فِيها الكُفْرُ فَما دُونَهُ مِن جَحْدِ الحُقُوقِ، وخَتْرِ المَواثِيقِ.
وكُلُّ أحَدٍ يَأْخُذُ مِن وعِيدِ الآيَةِ عَلى قَدْرِ جَرِيمَتِهِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ نُزُولِها، فَقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ، أبِي رافِعٍ وكِنانَةِ بْنِ أبِي الحَقِيقِ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، تَرَكُوا عَهْدَ اللهِ في التَوْراةِ لِلْمَكاسِبِ والرِياسَةِ الَّتِي كانُوا بِسَبِيلِها.
ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ مَعَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ في أرْضٍ، فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى اليَهُودِيِّ فَقالَ الأشْعَثُ: إذَنْ يَحْلِفُ يا رَسُولَ اللهِ ويَذْهَبُ بِمالِي، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
ورُوِيَ أنَّ الأشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ اخْتَصَمَ في أرْضٍ مَعَ رَجُلٍ مِن قَرابَتِهِ فَوَجَبَتِ اليَمِينُ عَلى الأشْعَثِ، وكانَ في الحَقِيقَةِ مُبْطِلًا قَدْ غَصَبَ تِلْكَ الأرْضَ في جاهِلِيَّتِهِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَنَكَلَ الأشْعَثُ عَنِ اليَمِينِ، وتَحَرَّجَ وأعْطى الأرْضَ وزادَ مِن عِنْدِهِ أرْضًا أُخْرى.
ورُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ لِغَيْرِ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: نَزَلَتِ الآيَةُ في رَجُلٍ أقامَ سِلْعَةً في السُوقِ مِن أوَّلِ النَهارِ، فَلَمّا كانَ في آخِرِهِ جاءَهُ رَجُلٌ فَساوَمَهُ فَحَلَفَ حانِثًا: لَقَدْ مَنَعَها في أوَّلِ النَهارِ مِن كَذا وكَذا ولَوْلا المَساءُ ما باعَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: اليَمِينُ الفاجِرَةُ مِنَ الكَبائِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنّا نَرى ونَحْنُ مَعَ نَبِيِّنا أنَّ مِنَ الذَنْبِ الَّذِي لا يُغْفَرُ يَمِينَ الصَبْرِ إذا فَجَرَ فِيها صاحِبُها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ الأيْمانَ في هَذِهِ الألْفاظِ مُشْتَراةً، فَهي مَثْمُونَةٌ أيْضًا.
والخَلاقُ: الحَظُّ والنَصِيبُ والقَدْرُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في المُسْتَحَبّاتِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: "وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ" مَعْناهُ: بِما يَسُرُّهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: نَفى تَعالى أنْ يُكَلِّمَهم جُمْلَةً لِأنَّهُ يُكَلِّمُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ المُتَّقِينَ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: وهي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ؛ المَعْنى: لا يَحْفِلُ بِهِمْ ولا يَرْضى عنهم.
"وَلا يُزَكِّيهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: يُطَهِّرُهم مِنَ الذُنُوبِ وأدْرانِها، والآخَرُ: يُنَمِّي أعْمالَهُمْ، فَهي تَنْمِيَةٌ لَهُمْ، والوَجْهانِ مَنفِيّانِ عنهم في الآخِرَةِ، و"ألِيمٌ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٌ، فالمَعْنى، مُؤْلِمٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِنَ عِنْدِ اللهِ وما هو مِنَ عِنْدِ اللهِ ويَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهُ ﴾ الضَمِيرُ في "مِنهُمْ" عائِدٌ عَلى أهْلِ الكِتابِ؛ والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، هي مَأْخُوذَةٌ مِن فَرَقَ إذا فَصَلَ وأبانَ شَيْئًا عن شَيْءٍ.
و"يَلْوُونَ" مَعْناهُ: يُحَرِّفُونَ ويَتَحَيَّلُونَ بِتَبْدِيلِ المَعانِي مِن جِهَةِ اشْتِباهِ الألْفاظِ واشْتِراكِها وتَشَعُّبِ التَأْوِيلاتِ فِيها، ومِثالُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولَيْسَ التَبْدِيلُ المَحْضُ بِلَيٍّ، وَحَقِيقَةُ اللَيِّ في الثِيابِ والحِبالِ ونَحْوِها: فَتْلُها وإراغَتُها، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ ذَلِكَ في الحُجَجِ والخُصُوماتِ والمُجادَلاتِ تَشْبِيهًا بِتِلْكَ الإراغَةِ الَّتِي في الأجْرامِ، فَمِنهُ قَوْلُهُمْ: خَصْمٌ ألْوى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَوْ كانَ في لَيْلى شَذىً مِن خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أعْناقَ الخُصُومِ المَلاوِيا وقالَ الآخَرُ: ألْفَيْتُنِي ألْوى بَعِيدَ المُسْتَمَرْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَلْوُونَ" مُضارِعُ لَوى، عَلى وزْنِ فَعَلَ بِتَخْفِيفِ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نِصاحٍ: "يُلَوُّونَ" بِتَشْدِيدِ الواوِ وفَتْحِ اللامِ مِن لَوّى، عَلى وزْنِ فَعَّلَ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ، وهو تَضْعِيفُ مُبالَغَةٍ لا تَضْعِيفَ تَعْدِيَةٍ.
وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وسُكُونِ الواوِ، وهي في الأصْلِ: "يَلُوُنَ" مِثْلُ قِراءَةِ الجَماعَةِ، فَهُمِزَتِ الواوُ المَضْمُومَةُ لِأنَّها عُرْفُها في بَعْضِ اللُغاتِ، فَجاءَ-يَلْؤُونَ- فَنُقِلَتْ ضَمَّةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ فَجاءَ "يَلُونَ".
والكِتابُ في هَذا المَوْضِعِ: التَوْراةُ، وضَمِيرُ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: "لِتَحْسَبُوهُ" هو لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ نَفْيُ أنْ يَكُونَ مُنَزَّلًا كَما ادَّعَوْا، وهو مِن عِنْدِ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والإيجادِ، ومِنهم بِالتَكَسُّبِ، ولَمْ تُعْنَ الآيَةُ إلّا لِمَعْنى التَنْزِيلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُ القَدَرِيَّةِ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ وَما هو مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ مَعْناهُ: لِأحَدٍ مِنَ الناسِ.
والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ لِلْكَثِيرِ والواحِدِ، ولا مُفْرَدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ النَفْيُ التامُّ كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ، وإنَّما يُعْلَمُ مَبْلَغُها مِنَ النَفْيِ بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ فَهَذا مُنْتَفٍ عَقْلًا، وأمّا آيَتُنا هَذِهِ فَإنَّ النَفْيَ عَلى الكَمالِ لِأنّا نَقْطَعُ أنَّ اللهَ تَعالى لا يُؤْتِي النُبُوَّةَ لِلْكَذَبَةِ والمُدَّعِينَ و:"الكِتابَ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، "والحُكْمَ" بِمَعْنى: الحِكْمَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّ مِنَ الشِعْرِ لَحُكْمًا"،» و"ثُمَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ يَقُولَ" مُعْطِيَةٌ تَعْظِيمَ الذَنْبِ في القَوْلِ، بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ.
وقَوْلُهُ "عِبادًا" هو جَمْعُ عَبْدٍ، ومِن جُمُوعِهِ عَبِيدٌ وعِبِدّى قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ بِمَعْنىً، وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ والعِبِدّى لِلْبَشَرِ، وقالَ قَوْمٌ: العِبِدّى، إنَّما تُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، وكَأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ تَقْتَضِي الإغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.
والَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظَةِ العِبادِ: أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ مَتى سِيقَتِ اللَفْظَةُ في مِضْمارِ التَرْفِيعِ والدَلالَةِ عَلى الطاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَأْنِ؛ وانْظُرْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ واللهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ ﴾ "عِبادٌ مُكْرَمُونَ" ﴿ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ ﴾ وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَفاعَةِ والتَعْرِيضِ لِرَحْمَةِ اللهِ: ﴿ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ ﴾ فَنَوَّهَ بِهِمْ.
وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: إنَّ نَصارى الحِيرَةِ وهم عَرَبٌ لَمّا أطاعُوا كِسْرى ودَخَلُوا تَحْتَ أمْرِهِ سَمَّتْهُمُ العَرَبُ العِبادَ، فَلَمْ يُنْتَهَ بِهِمْ إلى اسْمِ العَبِيدِ.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هم قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَبائِلَ شَتّى اجْتَمَعُوا وتَنَصَّرُوا وسَمُّوا أنْفُسَهُمُ العِبادَ، كَأنَّهُ انْتِسابٌ إلى عِبادَةِ اللهِ.
وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:.
قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ∗∗∗ ∗∗∗ ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "وَهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي" ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ وَما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ﴾ .
فَهَذا النَوْعُ مِنَ النَظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَلِيمَةِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللهِ ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ لِبَشَرٍ ﴾ فَقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ ومُسْتَنِدَةٌ إلى أوامِرِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: بَلِ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ: «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَصارى عِيسى، فَقالَ الرَئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ وإلَيْهِ تَدْعُونا؟
فَقالَ النَبِيُّ : "مَعاذَ اللهِ، ما بِذَلِكَ أُمِرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ" فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أرادَتِ الأحْبارُ أنْ تُلْزِمَ هَذا القَوْلَ مُحَمَّدًا ، لَمّا تَلا عَلَيْهِمْ: ﴿ قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعُونِي ﴾ ، وإنَّما مَعْنى الآيَةِ: فاتَّبِعُونِي فِيما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللهِ، فَحَرَّفُوها بِتَأْوِيلِهِمْ، وهَذا مِن نَوْعِ لَيِّهِمُ الكِتابَ بِألْسِنَتِهِمْ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "ثُمَّ يَقُولَ" بِالنَصْبِ، ورَوى شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ثُمَّ يَقُولُ" بِرَفْعِ اللامِ، وهَذا عَلى القَطْعِ وإضْمارِ مُبْتَدَأٍ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عِبادًا لِيَ" بِتَحْرِيكِ الياءِ مَفْتُوحَةً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ ﴿ وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَبِيِّينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لَما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ ﴾ .
المَعْنى: ولَكِنْ يَقُولُ: "كُونُوا رَبّانِيِّينَ" وهو جَمْعُ رَبّانِيٍّ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في هَذِهِ النِسْبَةِ، فَقالَ قَوْمٌ: هو مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ مِن حَيْثُ هو عالِمُ عِلْمِهِ، العامِلُ بِطاعَتِهِ، المُعَلِّمُ لِلنّاسِ ما أمَرَ بِهِ؛ وزِيدَتِ الألِفُ والنُونُ مُبالَغَةً كَما قالُوا: لِحْيانِيٌّ وشَعْرانِيٌّ في النِسْبَةِ إلى اللِحْيَةِ والشَعْرِ.
وقالَ قَوْمٌ: الرَبّانِيُّ مَنسُوبٌ إلى الرُبّانِ وهو مُعَلِّمُ الناسِ وعالِمُهُمُ السائِسُ لِأمْرِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِن رَبَّ يَرُبُّ إذا أصْلَحَ ورَبّى، وزِيدَتْ فِيهِ هَذِهِ النُونُ كَما زِيدَتْ في غَضْبانَ وعَطْشانَ، ثُمَّ نُسِبَ إلَيْهِ رَبّانِيٌّ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: رَبّانِيٌّ، فَقالَ أبُو رَزِينٍ الرَبّانِيُّ: الحَكِيمُ العالِمُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: الفَقِيهُ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الرَبّانِيُّ: العالِمُ الحَلِيمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الحَكِيمُ الفَقِيهُ، وقالَ الضَحّاكُ: هو الفَقِيهُ العالِمُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّ: والِي الأمْرِ، يَرُبُّ الناسَ أيْ يُصْلِحُهُمْ، فالرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ والأحْبارُ والعُلَماءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الرَبّانِيُّ: فَوْقَ الحَبْرِ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَبّانِيُّ هو الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ البَصَرَ بِالسِياسَةِ والتَدْبِيرَ والقِيامَ بِأُمُورِ الرَعِيَّةِ وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وفي البُخارِيِّ: الرَبّانِيُّ: الَّذِي يُرَبِّي الناسَ بِصِغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ.
فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَبّانِيِّ إنَّهُ العالِمُ بِالرَبِّ والشَرْعِ، المُصِيبُ في التَقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في الناسِ.
وقَوْلُهُ: "بِما كُنْتُمْ" مَعْناهُ: بِسَبَبِ كَوْنِكم عالِمِينَ دارِسِينَ، فَـ ما مَصْدَرِيَّةٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، لِأنَّ العائِدَ الَّذِي كانَ يَلْزَمُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ أنْ يَتَضَمَّنَهُ "كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ"، ولا يَصِحُّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّ كانَ قَدِ اسْتَوْفَتْ خَبَرَها ظاهِرًا وهُوَ: "تُعَلِّمُونَ"، وكَذَلِكَ "تُعَلِّمُونَ" قَدِ اسْتَوْفى مَفْعُولَهُ وهو "الكِتابَ" ظاهِرًا، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ ما مَصْدَرِيَّةٌ، إذْ لا يُمْكِنُ عائِدٌ، و:"تُعَلِّمُونَ" بِمَعْنى تُعَرِّفُونَ، فَهي مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: "تَعْلَمُونَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وتَخْفِيفِ اللامِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تُعَلِّمُونَ" مُثْقَلًا، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ اللامِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ بِالتَضْعِيفِ، والمَفْعُولُ الثانِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ الناسَ الكِتابَ.
والقِراءَتانِ مُتَقارِبَتا المَعْنى، وقَدْ رَجَّحْتُ قِراءَةَ التَخْفِيفِ بِتَخْفِيفِهِمْ "تَدْرُسُونَ"، وبِأنَّ العِلْمَ هو العِلَّةُ الَّتِي تُوجِبُ لِلْمُوَفَّقِ مِنَ الناسِ أنْ يَكُونَ رَبّانِيًّا، ولَيْسَ التَعْلِيمُ شَرْطًا في ذَلِكَ، ورَجَّحْتُ الأُخْرى بِأنَّ التَعْلِيمَ يَتَضَمَّنُ العِلْمَ، والعِلْمَ لا يَتَضَمَّنُ التَعْلِيمَ، فَتَجِيءُ قِراءَةُ التَثْقِيلِ أبْلَغَ في المَدْحِ.
ومِن حَيْثُ العالِمُ بِحالِ مَن يَعْلَمُ، فالتَعْلِيمُ كَأنَّهُ في ضِمْنِ العِلْمِ.
وقِراءَةُ التَخْفِيفِ عِنْدِي أرْجَحُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: "تَعَلَّمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ وشَدِّ اللامِ المَفْتُوحَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَدْرُسُونَ" بِضَمِّ الراءِ، مِن دَرَسَ إذا أدْمَنَ قِراءَةَ الكِتابِ وكَرَّرَهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "تَدْرِسُونَ" بِكَسْرِ الراءِ، وهَذا عَلى أنَّهُ يُقالُ في مُضارِعِ دَرَسَ، يَدْرُسُ ويَدْرِسُ ورُوِيَ عن أبِي حَيْوَةَ، أنَّهُ قَرَأ: "تُدَرِّسُونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، بِمَعْنى: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكم.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: "وَلا يَأْمُرُكُمْ" بِرَفْعِ الراءِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَخْتَلِسُ حَرَكَةَ الراءِ تَخْفِيفًا، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: "وَلا يَأْمُرَكُمْ" نَصْبًا، ولا خِلافَ في الراءِ مِن قَوْلِهِ: "أيَأْمُرُكُمْ" إلّا اخْتِلاسُ أبِي عَمْرٍو، فَمَن رَفَعَ قَوْلَهُ: "لا يَأْمُرُكُمْ"، فَهو عَلى القَطْعِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكُمُ اللهُ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يَأْمُرُكم هَذا البَشَرُ الَّذِي أُوتِيَ هَذِهِ النِعَمَ، وهو مُحَمَّدٌ ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَلَنْ يَأْمُرَكُمْ"، فَهَذِهِ قِراءَةٌ تَدُلُّ عَلى القَطْعِ.
وأمّا قِراءَةُ مَن نَصَبَ الراءَ فَهي عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "أنْ يُؤْتِيَهُ" والمَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكُمْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: قَوْلُهُ "وَلا يَأْمُرَكُمْ" بِالنَصْبِ - مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "ثُمَّ يَقُولَ"؛ وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى، والأرْبابُ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الآلِهَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ" تَقْرِيرٌ عَلى هَذا المَعْنى الظاهِرِ فَسادُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ ﴾ ...
الآيَةُ، المَعْنى: واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ إذْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أخْذُ هَذا المِيثاقِ حِينَ أخْرَجَ بَنِي آدَمَ مِن ظَهْرِ آدَمَ نَسَمًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الأخْذُ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ ووَقْتِ بَعْثِهِ، ثُمَّ جَمَعَ اللَفْظَ في حِكايَةِ الحالِ في هَذِهِ الآيَةِ، والمَعْنى: أنَّ اللهَ تَعالى أخَذَ مِيثاقَ كُلِّ نَبِيٍّ بِأنَّهُ يَلْتَزِمُ هو ومَن آمَنَ بِهِ، الإيمانَ بِمَن أُوتِيَ بَعْدَهُ مِنَ الرُسُلِ الظاهِرَةِ بَراهِينُهُمْ، والنُصْرَةَ لَهُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في العِبارَةِ عن مُقْتَضى ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ: إنَّما أخَذَ مِيثاقَ أهْلِ الكِتابِ لا مِيثاقَ النَبِيِّينَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ" قالَ مُجاهِدٌ: هَكَذا هو القُرْآنُ، وإثْباتُ "النَبِيِّينَ" خَطَأٌ مِنَ الكُتّابِ.
وهَذا لَفْظٌ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ الصَحابَةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ، فَهُوَ أخْذٌ لِمِيثاقِ الجَمِيعِ.
وقالَ طاوُسُ: أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ أنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهم بَعْضًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا - آدَمَ فَمَن بَعْدَهُ - إلّا أُخِذَ عَلَيْهِ العَهْدُ في مُحَمَّدٍ؛ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ بِأخْذِهِ عَلى قَوْمِهِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، وقالَهُ السُدِّيُّ، ورُوِيَ عن طاوُسَ أنَّهُ قالَ: صَدْرُ الآيَةِ أخْذُ المِيثاقِ عَلى النَبِيِّينَ وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِأهْلِ الكِتابِ بِأخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ - حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ يُفْسِدُهُ إعْرابُ الآيَةِ.
وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَرْجِعُ إلى ما قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ، لِأنَّ الأخْذَ عَلى الأنْبِياءِ أخْذٌ عَلى الأُمَمِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وغَيْرُهُ سِوى السَبْعَةِ: "لِما" بِكَسْرِ اللامِ، وهي لامُ الجَرِّ، والتَقْدِيرُ: لِأجْلِ ما آتَيْناكُمْ، إذْ أنْتُمُ القادَةُ والرُؤُوسُ، ومَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو الَّذِي يُؤْخَذُ مِيثاقُهُ.
و"ما" في هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي المَوْصُولَةُ، والعائِدُ إلَيْها مِنَ الصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: آتَيْناكُمُوهُ، و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "ثُمَّ جاءَكُمْ"...
الآيَةُ، جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِلَةِ، ولا بُدَّ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن ضَمِيرٍ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، فَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: رَسُولٌ بِهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ، وحُذِفَ تَخْفِيفًا كَما حُذِفَ الَّذِي في الصِلَةِ بِعَيْنِها لِطُولِ الكَلامِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللهُ رَسُولا ﴾ ؛ والحَذْفُ مِنَ الصِلاتِ كَثِيرٌ جَمِيلٌ، وأمّا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ فَقالَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِما مَعَكُمْ".
هو العائِدُ عِنْدَهُ عَلى المَوْصُولِ، إذْ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ الضَمِيرِ الَّذِي قَدَّرَ سِيبَوَيْهِ، وكَذَلِكَ قالَ الأخْفَشُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ ﴾ لِأنَّ المَعْنى: لا يَضِيعُ أجْرُهُمْ، إذِ المُحْسِنُونَ هم مَن يَتَّقِي ويَصْبِرُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا ﴾ وكَذَلِكَ ما ضارَعَ هَذِهِ الآياتِ.
وسِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى أنْ يَضَعَ المُظْهَرَ مَوْقِعَ المُضْمَرِ، كَما يَراهُ أبُو الحَسَنِ.
واللامُ فِي: "لَتُؤْمِنُنَّ" هي اللامُ المُتَعَلِّقَةُ لِلْقَسَمِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ أخْذُ المِيثاقِ، وفَصَلَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، وذَلِكَ جائِزٌ.
وَقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ: "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، وذَلِكَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، واللامُ لامٌ بِالِابْتِداءِ، وهي مُتَلَقِّيَةٌ لِما أُجْرِيَ مَجْرى القَسَمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ ﴾ وخَبَرُ الِابْتِداءِ قَوْلُهُ: "لَتُؤْمِنُنَّ" و"لَتُؤْمِنُنَّ" مُتَعَلِّقٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: واللهِ لَتُؤْمِنُنَّ؛ هَكَذا قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وفِيهِ مِن جِهَةِ المَعْنى نَظَرٌ إذا تَأمَّلْتَ عَلى أيِّ شَيْءٍ وقَعَ التَحْلِيفُ، لَكِنَّهُ مُتَوَجِّهٌ بِأنَّ الحَلِفَ يَقَعُ مَرَّتَيْنِ تَأْكِيدًا، فَتَأمَّلْ.
والعائِدُ الَّذِي في الصِلَةِ، والعائِدُ الَّذِي في الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلى الصِلَةِ هُنا في هَذِهِ القِراءَةِ هُما عَلى حَدِّ ما ذَكَرْناهُما في قِراءَةِ حَمْزَةَ، أمّا أنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي عائِدًا مِنَ الخَبَرِ الَّذِي هو "لَتُؤْمِنُنَّ" فَهو قَوْلُهُ تَعالى: "بِهِ" فالهاءُ مِن "بِهِ" عائِدَةٌ عَلى "ما" ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عَلى "رَسُولٌ" فَيَبْقى المَوْصُولُ حِينَئِذٍ غَيْرَ عائِدٍ عَلَيْهِ مِن خَبَرِهِ ذِكْرٌ.
والوَجْهُ الثانِي الَّذِي تَتَخَرَّجُ عَلَيْهِ قِراءَةُ القُرّاءِ "لَما" بِفَتْحِ اللامِ، هو أنْ تَكُونَ "ما" لِلْجَزاءِ شَرْطًا، فَتَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها وهو مَجْزُومٌ، و"جاءَكُمْ" مَعْطُوفٌ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "ما" لَيْسَتِ المُتَلَقِّيَةَ لِلْقَسَمِ، ولَكِنَّها المُوَطِّئَةُ المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ لامِ القَسَمِ، فَهي بِمَنزِلَةِ اللامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ لِأنَّها مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ﴾ ، وكَذَلِكَ هَذِهِ مُؤْذِنَةٌ بِمَجِيءِ المُتَلَقِّيَةِ لِلْقَسَمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ ، وهَذِهِ اللامُ الداخِلَةُ عَلى "إنَّ" لا يَعْتَمِدُ القَسَمُ عَلَيْها، فَلِذَلِكَ جازَ حَذْفُها تارَةً وإثْباتُها تارَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ .
قالَ الزَجّاجُ: لِأنَّ قَوْلَكَ، واللهِ لَئِنْ جِئْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ، إنَّما هو حَلِفٌ عَلى فِعْلِكَ، لا أنَّ الشَرْطَ مُعَلَّقٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتِ اللامُ عَلى الشَرْطِ، وما في هَذا الوَجْهِ مِن كَوْنِها جَزاءً لا تَحْتاجُ إلى عائِدٍ لِأنَّها مَفْعُولَةٌ والمَفْعُولُ لا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ عائِدٍ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ﴾ عائِدٌ عَلى "رَسُولٌ"، وكَذَلِكَ هو عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ اللامَ، وأمّا الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلَتَنْصُرُنَّهُ" فَلا يَحْتَمِلُ بِوَجْهٍ إلّا العَوْدَ عَلى "رَسُولٌ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الإغْفالِ: وجَزاءُ الشَرْطِ مَحْذُوفٌ بِدَلالَةِ قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" عَلَيْهِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُهُ -يَعْنِي الخَلِيلَ- عن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ ﴾ فَقالَ: ما هُنا بِمَنزِلَةِ الَّذِي ودَخَلَتْها اللامُ كَما دَخَلَتْ عَلى "إنَّ" حِينَ قُلْتَ: لَئِنْ فَعَلْتَ لَأفْعَلَنَّ، ثُمَّ اسْتَمَرَّ يُفَسِّرُ وجْهَ الجَزاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: أرادَ الخَلِيلُ بِقَوْلِهِ: هي بِمَنزِلَةِ الَّذِي، أنَّها اسْمٌ كَما أنَّ الَّذِي اسْمٌ، ولَمْ يُرِدْ أنَّها مَوْصُولَةٌ كالَّذِي، وإنَّما فَرَّ مِن أنْ تَكُونَ "ما" حَرْفًا كَما جاءَتْ حَرْفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ .
واللهُ المُسْتَعانُ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ ومَكِّيٌّ عن سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ: أنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ فِيمَن جَعَلَ ما ابْتِداءً عَلى قِراءَةِ مَن فَتَحَ اللامَ هو في قَوْلِهِ: ﴿ مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ﴾ ولا أعْرِفُ مِن أيْنَ حَكَياهُ، لِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِمَعْنى الآيَةِ، لا يَلِيقُ بِسِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ؛ وإنَّما الخَبَرُ في قَوْلِهِ: "لَتُؤْمِنُنَّ" كَما قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ ومَن جَرى مَجْراهُ كالزَجّاجِ وغَيْرِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "لَمّا آتَيْناكُمْ" بِفَتْحِ اللامِ وشَدِّ المِيمِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أيْ لَمّا آتاكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ أخَذَ المِيثاقَ، وتَكُونُ اللامُ تَؤُولُ إلى الجَزاءِ، كَما تَقُولُ لَمّا جِئْتَنِي أكْرَمْتُكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ أنَّ "لَمّا" هَذِهِ هي الظَرْفِيَّةُ، أيْ لَمّا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الحالِ رُؤَساءَ الناسِ وأماثِلَهُمْ، أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ، إذْ عَلى القادَةِ يُؤْخَذُ، فَيَجِيءُ هَذا المَعْنى كالمَعْنى في قِراءَةِ حَمْزَةَ.
وذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ في "لَمّا" في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ أصْلَها "لِمَن ما"، وزِيدَتْ "مِن" في الواجِبِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، كَما يَجِبُ في مِثْلِ هَذا، فَجاءَ "لَمِّما"، فَثَقُلَ اجْتِماعُ ثَلاثِ مِيماتٍ فَحُذِفَتِ المِيمُ الأُولى فَبَقِيَ "لَمّا".
وتَتَفَسَّرُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى هَذا التَوْجِيهِ المُحَلِّقِ تَفَسُّرَ "لَما" بِفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ: "آتَيْناكُمْ" بِالنُونِ، وقَرَأ الباقُونَ: "آتَيْتُكُمْ" بِالتاءِ، و"رَسُولٌ" في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى مُحَمَّدٍ ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "مُصَدِّقًا" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ ﴿ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ﴿ أفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ هي وصْفُ تَوْقِيفِ الأنْبِياءِ عَلى إقْرارِهِمْ بِهَذا المِيثاقِ والتِزامِهِمْ لَهُ وأخْذِ عَهْدِ اللهِ فِيهِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَوْطِنَ القَسَمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ العِبارَةِ الجامِعَةِ وصْفُ ما فَعَلَ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ في زَمَنِهِ.
"وَأخَذْتُمْ" في هَذِهِ الآيَةِ عِبارَةٌ عَمّا تَحَصَّلَ لَهم مِن إيتاءِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، فَمِن حَيْثُ أُخِذَ عَلَيْهِمْ أخَذُوا هم أيْضًا؛ وقالَ الطَبَرِيُّ: أخَذْتُمْ في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ: قَبِلْتُمْ، والإصْرُ: العَهْدُ، لا تَفْسِيرَ لَهُ في هَذا المَوْضِعِ إلّا لِذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فاشْهَدُوا" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكُمُ المُؤْمِنِينَ بِكُمْ، وعَلى أنْفُسِكم بِالتِزامِ هَذا العَهْدِ، هَذا قَوْلُ الطَبَرِيِّ وجَماعَةٍ، والمَعْنى الثانِي: بَيِّنُوا الأمْرَ عِنْدَ أُمَمِكم واشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَةُ اللهِ تَعالى عَلى هَذا التَأْوِيلِ وهي الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَأنا مَعَكم مِنَ الشاهِدِينَ ﴾ هي إعْطاءُ المُعْجِزاتِ وإقْرارُ نُبُوءاتِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَجّاجِ وغَيْرِهِ، فَتَأمَّلِ.
القَوْلُ الأوَّلُ هو إيداعُ الشَهادَةِ واسْتِحْفاظُها، والقَوْلُ الثانِي هو الأمْرُ بِأدائِها.
وحَكَمَ اللهُ تَعالى بِالفِسْقِ عَلى مَن تَوَلّى مِنَ الأُمَمِ بَعْدَ هَذا المِيثاقِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بَعْدَ الشَهادَةِ عِنْدَ الأُمَمِ بِهَذا المِيثاقِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: "فاشْهَدُوا" أمْرٌ بِالأداءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَبْغُونَ" بِالياءِ مَفْتُوحَةً، "وَتَرْجِعُونَ" بِالتاءِ مَضْمُومَةً، وقَرَأ عاصِمٌ "يَبْغُونَ" و"يَرْجِعُونَ" بِالياءِ مُعْجَمَةً مِن تَحْتٍ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ فِيهِما.
ووُجُوهُ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَخْفى بِأدْنى تَأمُّلٍ.
و"تَبْغُونَ" مَعْناهُ: تَطْلُبُونَ.
و"أسْلَمَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: اسْتَسْلَمَ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، و"مَن" في هَذِهِ الآيَةِ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والثَقَلَيْنِ.
واخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ "طَوْعًا وكَرْهًا" - فَقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ﴾ ، فالمَعْنى أنَّ إقْرارَ كُلِّ كافِرٍ بِالصانِعِ هو إسْلامٌ كَرْهًا.
فَهَذا عُمُومٌ في لَفْظِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يَبْقى مَن لا يُسْلِمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، و"أسْلَمَ" فِيهِ بِمَعْنى اسْتَسْلَمَ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ، وعِبارَتُهُ رَحِمَهُ اللهُ: كُلُّ آدَمِيٍّ فَقَدْ أقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّ اللهَ حَيٌّ وأنا أعْبُدُهُ، فَمَن أشْرَكَ في عِبادَتِهِ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ كَرْهًا، ومَن أخْلَصَ فَهَذا الَّذِي أسْلَمَ طَوْعًا.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلْ إسْلامُ الكارِهِ مِنهم كانَ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ.
ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الكَرْهُ في هَذِهِ الآيَةِ هو بِسُجُودِ ظِلِّ الكافِرِ، فَيَسْجُدُ المُؤْمِنُ طَوْعًا ويَسْجُدُ ظِلُّ الكافِرِ وهو كارِهٌ.
وقالالشَعْبِيُّ: الآيَةُ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِقادَةِ جَمِيعِ البَشَرِ لِلَّهِ وإذْعانِهِمْ لِقُدْرَتِهِ وإنْ نَسَبَ بَعْضُهُمُ الأُلُوهِيَّةَ إلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي يَسْجُدُ كَرْهًا؛.
وهَذا هو قَوْلُ مُجاهِدٍ وأبِي العالِيَةِ المُتَقَدِّمُ وإنِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ قَوْمٌ طَوْعًا، وأسْلَمَ قَوْمٌ خَوْفَ السَيْفِ.
وقالَ مَطَرٌ الوَرّاقُ: أسْلَمَتِ المَلائِكَةُ طَوْعًا، وكَذَلِكَ الأنْصارُ وبَنُو سَلِيمٍ وعَبْدِ القَيْسِ، وأسْلَمَ سائِرُ الناسِ كَرْهًا حَذَرَ القِتالِ والسَيْفِ.
وهَذا قَوْلٌ الإسْلامُ فِيهِ هو الَّذِي في ضِمْنِهِ الإيمانُ، والآيَةُ ظاهِرُها العُمُومُ ومَعْناها الخُصُوصُ، إذْ مِن أهْلِ الأرْضِ مَن لَمْ يُسْلِمْ طَوْعًا ولا كَرْهًا عَلى هَذا الحَدِّ.
وقالَ قَتادَةُ: الإسْلامُ كَرْهًا هو إسْلامُ الكافِرِ عِنْدَ المَوْتِ والمُعايَنَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ.
ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ إلّا في أفْرادٍ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ يَفْهَمُ كُلُّ ناظِرٍ أنَّ هَذا القَسَمَ الَّذِي هو الكَرْهُ إنَّما هو في أهْلِ الأرْضِ خاصَّةً، والتَوْقِيفُ بِقَوْلِهِ "أفَغَيْرَ" إنَّما هو لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ مِنَ الأحْبارِ والكُفّارِ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، "أُصْرِي" بِضَمِّ الألِفِ وهي لُغَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ أنْتَ وأُمَّتُكَ: آمَنّا بِاللهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا، وهو القُرْآنُ وأمْرُ مُحَمَّدٍ ؛ والإنْزالُ عَلى نَبِيِّ الأُمَّةِ إنْزالٌ عَلَيْها، وقَدَّمَ إسْماعِيلَ لِسِنِّهِ، وسائِرُ الآيَةِ بَيِّنٌ.
ثُمَّ حَكَمَ تَعالى في قَوْلِهِ: "وَمَن يَبْتَغِ"....
الآيَةِ، بِأنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن آدَمِيٍّ دِينًا غَيْرَ دِينِ الإسْلامِ، وهو الَّذِي وافَقَ في مُعْتَقَداتِهِ دِينَ كُلِّ مَن سَمّى مِنَ الأنْبِياءِ، وهو الحَنِيفِيَّةُ السَمْحَةُ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ لِلنَّبِيِّ : قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ فَأنْزَلَ اللهُ بَعْدَها: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ...
الآيَةَ.
فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى نَسْخٍ.
وقَوْلُهُ: "فِي الآخِرَةِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: خاسِرٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ الألِفَ واللامَ في الخاسِرِينَ في مَعْنى المَوْصُولِ.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ قَوْلَهُ: "وَمَن يَبْتَغِ" الآيَةَ، نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ والمَلائِكَةِ والناسِ أجْمَعِينَ ﴾ ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ،» كانَ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ولَحِقَ بِالشِرْكِ، ثُمَّ نَدِمَ فَأرْسَلَ إلى قَوْمِهِ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟
قالَ: فَنَزَلَتْ ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ ...
الآياتُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ ، فَأرْسَلَ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَأسْلَمَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: حَمَلَ الآياتِ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقَرَأها عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ الحارِثُ: إنَّكَ واللهِ لَما عَلِمْتُ لَصَدُوقٌ، وإنَّ رَسُولَ اللهِ لَأصْدَقُ مِنكَ، وإنَّ اللهَ لَأصْدَقُ الثَلاثَةِ قالَ فَرَجَعَ الحارِثُ فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وقالَ السُدِّيُّ: نَسَخَ اللهُ تَعالى، بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ قَوْلَهُ: ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ ﴾ .
وفي هَذِهِ العِبارَةِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ، ولَيْسَ هَذا بِمَوْضِعِ نَسْخٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي عامِرٍ الراهِبِ والحارِثِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصامِتِ ووَحْوَحِ بْنِ الأسْلَتِ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ كَتَبُوا إلى أهْلِيهِمْ: هَلْ لَنا مِن تَوْبَةٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَصارى، شَهِدُوا بِنَعْتِ الرَسُولِ وآمَنُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَ مِنَ العَرَبِ حَسَدُوهُ، وكَفَرُوا بِهِ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في طُعَيْمَةِ بْنِ أُبَيْرِقَ.
وكُلُّ مَن ذُكِرَ فَألْفاظُ الآيَةِ تَعُمُّهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ ﴾ سُؤالٌ عن حالٍ، لَكِنَّهُ سُؤالُ تَوْقِيفٍ عَلى جِهَةِ الِاسْتِبْعادِ لِلْأمْرِ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "كَيْفَ تُفْلِحُ أُمَّةٌ أدْمَتْ وجْهَ نَبِيِّها؟"» فالمَعْنى: أنَّهم لِشِدَّةِ هَذِهِ الجَرائِمِ يَبْعُدُ أنْ يَهْدِيَهُمُ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى "كَفَرُوا" بِحُكْمِ اللَفْظِ، والمَعْنى مَفْهُومٌ أنَّ الشَهادَةَ قَبْلَ الكُفْرِ، والواوُ لا تُرَتِّبُ.
وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: "بَعْدَ إيمانِهِمْ" بَعْدَ أنْ آمَنُوا، فَقَوْلُهُ: "وَشَهِدُوا" عَطْفٌ عَلى هَذا التَقْدِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظالِمِينَ ﴾ عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ فِيمَن حَتَمَ كُفْرَهُ ومُوافاتَهُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الإخْبارَ عن أنَّ الظالِمَ في ظُلْمِهِ لَيْسَ عَلى هُدىً مِنَ اللهِ، فَتَجِيءُ الآيَةُ عامَّةً تامَّةَ العُمُومِ.
واللَعْنَةُ: الإبْعادُ وعَدَمُ الرَحْمَةِ والعَطْفِ، وذَلِكَ مَعَ قَرِينَةِ الكُفْرِ زَعِيمٌ بِتَخْلِيدِهِمْ في النارِ، ولَعْنَةُ المَلائِكَةِ: قَوْلٌ.
"والناسِ": بَنُو آدَمَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ في بَعْضِ تَعالِيقِهِ، أنَّ الجِنَّ يَدْخُلُونَ في لَفْظَةِ الناسِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ: فَقُلْتُ إلى الطَعامِ فَقالَ مِنهم ∗∗∗ أُناسٌ نَحْسُدُ الإنْسَ الطَعاما قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" إذا جاءَتْ مُطْلَقَةً فَإنَّما هي في كَلامِ العَرَبِ بَنُو آدَمَ لا غَيْرَ، فَإذا جاءَتْ مُقَيَّدَةً بِالجِنِّ، فَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، إذْ هي جَماعَةٌ كَجَماعَةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿ بِرِجالٍ مِنَ الجِنِّ ﴾ وكَذَلِكَ: ﴿ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ ﴾ ، ولَفْظَةُ النَفَرِ أقْرَبُ إلى الِاشْتِراكِ مِن رِجالٍ وناسٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنَ الجِنَّةِ والناسِ ﴾ قاضٍ بِتَبايُنِ الصِنْفَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "والناسِ أجْمَعِينَ" إمّا يَكُونُ لِمَعْنى الخُصُوصِ في المُؤْمِنِينَ سَمّاهُمُ الناسَ إذْ هُمُ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّهم في الآخِرَةِ يَلْعَنُهُمُ المُؤْمِنُونَ ويَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَيَجِيءُ مِن هَذا في كُلِّ شَخْصٍ مِنهم أنْ لَعَنَهُ جَمِيعُ الناسِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ تَقَعُ في الدُنْيا مِن جَمِيعِ الناسِ عَلى مَن هَذِهِ صِفَتُهُ.
وكُلُّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ -وَقَدْ أغْواهُ الشَيْطانُ- يَلْعَنُ صاحِبَ الصِفاتِ ولا يَشْعُرُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِها، فَيَجِيءُ مِن هَذا أنَّهم يَلْعَنُهم جَمِيعُ الناسِ في الدُنْيا حَتّى أنَّهم لَيَلْعَنُونَ أنْفُسَهُمْ، لَكِنْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينٍ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "خالِدِينَ فِيها" قالَ الطَبَرِيُّ: يَعُودُ عَلى عُقُوبَةِ اللهِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها مَعْنى اللَعْنَةِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَعْنَةِ.
وقَرائِنُ الآيَةِ تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ اللَعْنَةَ مُخَلِّدَةٌ لَهم في جَهَنَّمَ، فالضَمِيرُ عائِدٌ عَلى النارِ، وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ، لِأنَّ المَعْنى يُفْهِمُها في هَذا المَوْضِعِ، كَما يُفْهِمُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ أنَّها الأرْضُ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الخُراسانِيِّينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها ﴾ : إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى النارِ.
و"يُنْظَرُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، بِمَعْنى يُؤَخَّرُونَ، ولا راحَةَ إلّا في التَخْفِيفِ أوِ التَأْخِيرِ فَهُما مُرْتَفِعانِ عنهُمْ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يُنْظَرُونَ" هُنا مِن نَظَرِ العَيْنِ إلّا عَلى تَوْجِيهٍ غَيْرِ فَصِيحٍ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللهِ تَعالى.
وقوله عزّ وجلّ: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ والتَوْبَةُ: الرُجُوعُ، والإصْلاحُ عامٌّ في القَوْلِ والعَمَلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وعْدٌ؛ وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والناسِ أجْمَعُونَ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضالُّونَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في كَيْفَ يَتَرَتَّبُ كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ثُمَّ زِيادَةُ كُفْرٍ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ؛ وفي هَذا القَوْلِ اضْطِرابٌ، لِأنَّ الَّذِي كَفَرَ بِعِيسى بَعْدَ الإيمانِ بِمُوسى لَيْسَ بِالَّذِي كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ، فالآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ تَخْلِطُ الأسْلافَ بِالمُخاطَبِينَ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ رَفِيعٌ: الآيَةُ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَبِيِّ ، مِنَ الافْتِراءِ والبَهْتِ والسَعْيِ عَلى الإسْلامِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وعَلى هَذا التَرْتِيبِ يَدْخُلُ في الآيَةِ المُرْتَدُّونَ اللاحِقُونَ بِقُرَيْشٍ وغَيْرُهم.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا ﴾ أيْ تَمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ.
فَيَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ اليَهُودُ والمُرْتَدُّونَ.
وقالَ السُدِّيُّ نَحْوَهُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ تَوْبَةَ هَؤُلاءِ لَنْ تُقْبَلَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ، سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ وازْدادَ كُفْرًا، أو كانَ كافِرًا مِن أوَّلِ أمْرِهِ، فَلا بُدَّ في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَخْصِيصٍ تُحْمَلُ عَلَيْهِ ويَصِحُّ بِهِ نَفْيُ قَبُولِ التَوْبَةِ، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والسُدِّيُّ: نَفْيُ قَبُولِ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ، فالمَعْنى لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى الآيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِن تِلْكَ الذُنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في بَعْضِ الأحْيانِ: نَحْنُ نَتُوبُ مِن هَذِهِ الأفْعالِ وهم مُقِيمُونَ عَلى كُفْرِهِمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى، أنَّهُ لا يَقْبَلُ تِلْكَ التَوْبَةَ.
وتَحْتَمِلُ الآيَةُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ إشارَةً إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ مِنَ المُرْتَدِّينَ خَتَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، وجَعَلَ ذَلِكَ جَزاءً لِجَرِيمَتِهِمْ ونِكايَتِهِمْ في الدِينِ، وهُمُ الَّذِينَ أشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا ﴾ فَأخْبَرَ عنهم أنَّهم لا تَكُونُ لَهم تَوْبَةٌ فَيُتَصَوَّرُ قَبُولُها، فَتَجِيءُ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِ الشاعِرِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ.........................
أيْ: قَدْ جَعَلَهُمُ اللهُ مِن سَخَطِهِ في حَيِّزِ مَن لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ إذْ لَيْسَتْ لَهُمْ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ.
ولِذَلِكَ بَيَّنَ حُكْمَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ كُفّارًا بِعَقِبِ الآيَةِ، فَبانَتْ مَنزِلَةُ هَؤُلاءِ، فَكَأنَّهُ أخْبَرَ عن هَؤُلاءِ المُعَيَّنِينَ أنَّهم يَمُوتُونَ كُفّارًا، ثُمَّ أخْبَرَ الناسَ عن حُكْمِ مَن يَمُوتُ كافِرًا و"الضالُّونَ" المُخْطِئُونَ الطَرِيقَ القَوِيمَ في الأقْوالِ والأفْعالِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "لَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "تَوْبَتَهُمْ" بِنَصْبِ التاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ ....
الآيَةُ، جَزْمٌ لِلْحُكْمِ عَلى كُلِّ مُوافٍ عَلى الكُفْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "فَلَنْ نَقْبَلَ" بِنُونِ العَظَمَةِ "مَلْءَ الأرْضِ" بِالنَصْبِ، و"المِلْءُ" ما شُحِنَ بِهِ الوِعاءُ، فَهو بِكَسْرِ المِيمِ: الِاسْمُ، وبِفَتْحِها: المَصْدَرُ، تَقُولُ مَلَأْتُ الشَيْءَ أمْلَؤُهُ مَلْئًا والمِلْءُ: اسْمُ ما مَلَأْتَ بِهِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وأبُو السَمّالِ: "مِلُّ" دُونَ هَمْزَةٍ، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ؛ و"ذَهَبًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "ذَهَبًا لَوِ افْتَدى" بِهِ، دُونَ واوٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: "وَلَوِ افْتَدى"؛ فَقالَ الطَبَرِيُّ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ في آخِرِ الكَلامِ دَلَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الواوِ، كَما دَخَلَتْ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ ﴾ لِمَتْرُوكٍ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ أرَيْناهُ مَلَكُوتَ السَماواتِ والأرْضِ؛ وفي هَذا التَمْثِيلِ نَظَرٌ فَتَأمَّلْهُ.
وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُنْيا ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، قالَ: فَأعْلَمَ اللهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلُ مِنهُمُ الافْتِداءَ مِنَ العَذابِ؛ وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ.
وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى نَفْيَ القَبُولِ جُمْلَةً عَلى كُلِّ الوُجُوهِ، ثُمَّ خَصَّ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ ألْيَقَها وأحْراها بِالقَبُولِ، كَما تَقُولُ: أنا لا أفْعَلُ لَكَ كَذا بِوَجْهٍ ولَوْ رَغِبْتَ إلَيَّ؛ وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنْ يَصِلَ مَعانِيَ هَذِهِ الآياتِ بَعْضَها بِبَعْضٍ، مِن حَيْثُ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ المُوافِي عَلى الكُفْرِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، وقَدْ بانَ أنَّهُ يَقْبَلُ مِنَ المُؤْمِنِ القَلِيلَ والكَثِيرَ، فَحَضَّ عَلى الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ المَرْغُوبِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقَرُّبَ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ بِتَحْرِيمِ ما كانَ يُحِبُّ عَلى نَفْسِهِ، لِيَدُلَّ تَعالى عَلى أنَّ جَمِيعَ التَقَرُّباتِ تَدْخُلُ بِالمَعْنى في جُمْلَةِ الإنْفاقِ مِنَ المَحْبُوبِ.
وفَسَّرَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّها مَعانٍ مُنْحازَةٌ، نَظَمَتْها الفَصاحَةُ المُعْجِزَةُ أجْمَلَ نَظْمٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى "لَنْ تَنالُوا".....
الآيَةُ، خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ؛ وقالَ السُدِّيُّ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: البِرُّ الجَنَّةُ.
وهَذا تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى، وإنَّما الخاصُّ بِاللَفْظَةِ أنَّهُ ما يَفْعَلُهُ البَرُّ مِن أفاعِيلِ الخَيْرِ، فَتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللهِ تَعالى بِكُمْ، أيْ رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا، إلّا بِالإنْفاقِ المُنْضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم.
وَبِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «تَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِحائِطِهِ، المُسَمّى بَيْرَحا، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ كانَ يُحِبُّها، فَأعْطاها رَسُولُ اللهِ أُسامَةَ ابْنَهُ، فَكَأنَّ زَيْدًا شَقَّ عَلَيْهِ فَقالَ لَهُ النَبِيُّ: "أما إنَّ اللهَ قَدْ قَبِلَ صَدَقَتَكَ".» وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ أنْ يَشْتَرِيَ لَهُ جارِيَةً مِن سَبْيِ جَلُولاءَ وقْتَ فَتْحِ مَدائِنِ كِسْرى عَلى يَدَيْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، فَسِيقَتْ إلَيْهِ وأحَبَّها فَدَعا بِها يَوْمًا وقالَ: إنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ ﴾ فَأعْتَقَها.
فَهَذا كُلُّهُ حَمْلٌ لِلْآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "مِمّا تُحِبُّونَ" أيْ: مِن رَغائِبِ الأمْوالِ الَّتِي يُضَنُّ بِها، ويَتَفَسَّرُ بِقَوْلِ النَبِيِّ : « "خَيْرُ الصَدَقَةِ أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى"...» الحَدِيثُ وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ ما يُحَبُّ مِنَ المَطْعُوماتِ عَلى قَدْرِ الِاشْتِهاءِ يَدْخُلُ في الآيَةِ، فَكانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَشْتَهِي أكْلَ السُكَّرِ بِاللَوْزِ فَكانَ يَشْتَرِي ذَلِكَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ ويَتْلُو الآيَةَ.
وإذا تَأمَّلْتَ جَمِيعَ الطاعاتِ وجَدْتَها إنْفاقًا مِمّا يُحِبُّ الإنْسانُ، إمّا مِن مالِهِ، وإمّا مِن صِحَّتِهِ، وإمّا مِن دَعَتِهِ وتَرَفُّهِهِ، وهَذِهِ كُلُّها مَحْبُوباتٌ.
وسَألَ رَجُلٌ أبا ذَرٍّ الغِفارِيَّ رَضِيَ اللهُ عنهُ، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟
فَقالَ: الصَلاةُ عِمادُ الإسْلامِ، والجِهادُ سَنامُ العَمَلِ، والصَدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، فَقالَ لَهُ الرَجُلُ: أراكَ تَرَكْتَ شَيْئًا وهو أوثَقُها في نَفْسِي: الصِيامَ، فَقالَ أبُو ذَرٍّ: قُرْبَةٌ ولَيْسَ هُناكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿ لَنْ تَنالُوا البِرَّ ﴾ ...
الآيَةَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ شَرْطٌ وجَوابٌ فِيهِ وعْدٌ، أيْ: عَلِيمٌ مُجازٍ بِهِ وإنْ قَلَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: "كُلُ الطَعامِ"...
الآيَةُ، إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ عن مُحَمَّدٍ وجَمِيعِ الأُمِّيِّينَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ وعُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى اليَهُودِ في قَوْلِهِمْ في كُلِّ ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأشْياءِ: إنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ بِأمْرِ اللهِ في التَوْراةِ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأخْبَرَ أنَّ جَمِيعَ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهُمْ، إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُرِدْ بِهِ ولَدَهُ، فَلَمّا اسْتَنُّوا هم بِهِ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِنَ التَوْراةِ شَيْءٌ مِنَ الزَوائِدِ الَّتِي يَدَّعُونَ أنَّ اللهَ حَرَّمَها، وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ السُدِّيِّ، قالَ: إنَّ اللهَ تَعالى: حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في التَوْراةِ عُقُوبَةً لِاسْتِنانِهِمْ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ إنَّما فَعَلَهُ يَعْقُوبُ خاصَّةً لِنَفْسِهِ، قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ .
قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والظاهِرُ في لَفْظَةِ "ظُلْمٍ" أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِتَحْرِيمٍ ونَحْوِهِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُقُوبَةَ وقَعَتْ بِذَلِكَ النَوْعِ.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ مَعْنى الآيَةِ: الرَدُّ عَلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قالُوا: إنَّ ما نُحَرِّمُهُ الآنَ عَلى أنْفُسِنا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ في التَوْراةِ كانَ عَلَيْنا حَرامًا في مِلَّةِ أبِينا إبْراهِيمَ، فَأكْذَبَهُمُ اللهُ وأخْبَرَ أنَّ الطَعامَ كُلَّهُ كانَ حَلالًا لَهم قَبْلَ التَوْراةِ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ في خاصَّتِهِ، ثُمَّ جاءَتِ التَوْراةُ بِتَحْرِيمِ ما نَصَّتْ عَلَيْهِ، وبَقِيَتْ هَذِهِ الزَوائِدُ في حَيِّزِ افْتِرائِهِمْ وكَذِبِهِمْ؛ وإلى هَذا تَنْحُو ألْفاظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وتَرْجَمَ الطَبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِتَراجِمَ، وأدْخَلَ تَحْتَها أقْوالًا تُوافِقُ تَراجِمَهُ، وحَمَّلَ ألْفاظَ الضَحّاكِ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ وكَأنَّ المَعْنى: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لَهم قَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ وبَعْدَ نُزُولِها، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَقُلْهُ الضَحّاكُ ولا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ، لَكِنَّهُ في نَفْسِهِ كَلامٌ مُتَخَرِّجٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ "كانَ" لا تَخُصُّ الماضِيَ مِنَ الزَمانِ، بَلْ تَكُونُ بِمَنزِلَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ: ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ؛ فَيَرْجِعُ المَعْنى إلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي حَكَيْناهُ.
وحَمَّلَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ الضَحّاكِ أنَّ مَعْناهُ: لَكِنَّ إسْرائِيلَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ خاصَّةً ولَمْ يُحَرِّمِ اللهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في تَوْراةٍ ولا غَيْرِها.
وهَذا تَحْمِيلٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ( حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ ) وقَوْلُهُ : « "حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُحُومُ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "حِلًّا" مَعْناهُ: حَلالًا، و"إسْرائِيلُ" هو يَعْقُوبُ.
وانْتُزِعَ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِلْأنْبِياءِ أنْ يُحَرِّمُوا بِاجْتِهادِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ ما اقْتَضاهُ النَظَرُ لِمَصْلَحَةٍ أو قُرْبَةٍ أو زُهْدٍ، ومِن هَذا عَلى جِهَةِ المَصْلَحَةِ تَحْرِيمُ النَبِيِّ جارِيَتَهُ عَلى نَفْسِهِ، فَعاتَبَهُ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ ولَمْ يُعاتِبْ يَعْقُوبَ، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ تَرَتَّبَ في نازِلَةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ وقِيلَ: إنَّ هَذا تَحْرِيمُ تَقَرُّبٍ وزُهْدٍ، وتَحْرِيمُ الجارِيَةِ تَحْرِيمُ غَضَبٍ ومَصْلَحَةُ نُفُوسٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ -فَقالَ يُوسُفُ بْنُ ماهَكَ: جاءَ أعْرابِيٌّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ: إنَّهُ جَعَلَ امْرَأتَهُ عَلَيْهِ حَرامًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرامٍ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ولِمَ واللهُ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ ﴾ ؟
فَضَحِكَ ابْنُ عَبّاسٍ وقالَ: وما يُدْرِيكَ ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ؟
ثُمَّ أقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُحَدِّثُهم فَقالَ: إنَّ إسْرائِيلَ عَرَضَتْ لَهُ الأنْساءُ فَأضْنَتْهُ فَجَعَلَ لِلَّهِ إنْ شَفاهُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَطْعَمَ عِرْقًا، قالَ: فَلِذَلِكَ اليَهُودُ تَنْزِعُ العُرُوقَ مِنَ اللَحْمِ، وقالَ بِمِثْلِ هَذا القَوْلِ قَتادَةُ وأبُو مِجْلَزٍ وغَيْرُهم.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ هو لُحُومُ الإبِلِ وألْبانُها، ولَمْ يُخْتَلَفْ فِيما عَلِمْتُ أنَّ سَبَبَ التَحْرِيمِ هو مِن مَرَضٍ أصابَهُ، فَجَعَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى إنْ شُفِيَ.
وقِيلَ: هو وجَعُ عِرْقِ النَسا.
وفي حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ «أنَّ عِصابَةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ما الَّذِي حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ؟
فَقالَ لَهُمْ: "أنْشُدُكم بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ يَعْقُوبَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا فَطالَ سَقَمُهُ مِنهُ فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا إنْ عافاهُ اللهُ مِن سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الطَعامِ والشَرابِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبُّ الطَعامِ إلَيْهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها؟
قالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ".» وظاهِرُ الأحادِيثِ والتَفاسِيرِ في هَذا الأمْرِ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَلامُ حَرَّمَ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها -وَهُوَ يُحِبُّها- تَقَرُّبًا إلى اللهِ بِذَلِكَ، إذْ تَرْكُ التَرَفُّهِ والتَنَعُّمِ مِنَ القُرَبِ، وهَذا هو الزُهْدُ في الدُنْيا، وإلَيْهِ نَحا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِقَوْلِهِ: "إيّاكم وهَذِهِ المَجازِرُ فَإنَّ لَها ضَراوَةً كَضَراوَةِ الخَمْرِ" ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي حازِمٍ الزاهِدِ، وقَدْ مَرَّ بِسُوقِ الفاكِهَةِ فَرَأى مَحاسِنَها فَقالَ: مَوْعِدُكِ الجَنَّةُ إنْ شاءَ اللهُ، وحَرَّمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَلامُ أيْضًا العُرُوقَ، لَكِنْ بِغْضَةً لَها لَمّا كانَ امْتُحِنَ بِها، وهَذا شَيْءٌ يَعْتَرِي نُفُوسَ البَشَرِ في غَيْرِ ما شَيْءٍ، ولَيْسَ في تَحْرِيمِ العُرُوقِ قُرْبَةٌ فِيما يَظْهَرُ، واللهُ أعْلَمُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ العُرُوقَ ولُحُومَ الإبِلِ.
وَأمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا أنْ يَأْمُرَهم بِالإتْيانِ بِالتَوْراةِ، حَتّى يَبِينَ مِنها كَيْفَ الأمْرُ، المَعْنى: فَإنَّهُ أيُّها اليَهُودُ، كَما أنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ لا كَما تَدَّعُونَ أنْتُمْ؛ قالَ الزَجّاجُ: وفي هَذا تَعْجِيزٌ لَهم وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهي كَقِصَّةِ المُباهَلَةِ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ﴿ قُلْ صَدَقَ اللهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ ﴾ قَوْلُهُ: ﴿ فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ تَحْتَمِلُ الإشارَةُ بِـ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ إلى ثَلاثَةِ أشْياءٍ: أحَدُها: أنْ تَكُونَ إلى التِلاوَةِ إذْ مُضَمَّنُها بَيانُ المَذْهَبِ وقِيامُ الحُجَّةِ، أيْ: فَمَن كَذَبَ مِنّا عَلى اللهِ تَعالى أو نَسَبَ إلى كُتُبِ اللهِ ما لَيْسَ فِيها فَهو ظالِمٌ، واضِعٌ الشَيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ؛ والآخَرُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى اسْتِقْرارِ التَحْرِيمِ في التَوْراةِ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: كُلُّ الطَعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، ثُمَّ حَرَّمَتْهُ التَوْراةُ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللهِ الكَذِبَ وزادَ في المُحَرَّماتِ فَهو الظالِمُ؛ والثالِثُ: أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى الحالِ بَعْدَ تَحْرِيمِ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ وقَبْلَ نُزُولِ التَوْراةِ، أيْ مَن تَسَنَّنَ بِيَعْقُوبَ وشَرَعَ ذَلِكَ دُونَ إذْنٍ مِنَ اللهِ، ومَن حَرَّمَ شَيْئًا ونَسَبَهُ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ فَهو الظالِمُ.
ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ الأخِيرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ فَنَصَّ عَلى أنَّهُ كانَ لَهم ظُلْمٌ في مَعْنى التَحْلِيلِ والتَحْرِيمِ، وكانُوا يُشَدِّدُونَ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، كَما فَعَلُوا في أمْرِ البَقَرَةِ.
وبِخِلافِ هَذِهِ السِيرَةِ جاءَ الإسْلامُ في قَوْلِهِ : « "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا"،» وقَوْلِهِ: « "دِينُ اللهِ يُسْرٌ"» وقَوْلِهِ: « "بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَمْحَةِ.» ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَصْدَعَ بِالخِلافِ والجِدالِ مَعَ الأحْبارِ بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ صَدَقَ اللهُ ﴾ أيِ: الأمْرُ كَما وصَفَ لا كَما تَكْذِبُونَ أنْتُمْ، فَإنْ كُنْتُمْ تَعْتَزُّونَ بِإبْراهِيمَ فاتَّبِعُوا مِلَّتَهُ عَلى ما ذَكَرَ اللهُ.
وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: "قُل صَّدَقَ" بِإدْغامِ اللامِ في الصادِ، وكَذَلِكَ: "قُل سِّيرُوا" قَرَأها بِإدْغامِ اللامِ في السِينِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: عِلَّةُ جَوازِ ذَلِكَ فُشُوُّ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ في الفَمِ وانْتِشارُ الصَدى المُنْبَثِّ عنهُما، فَقارَبَتا بِذَلِكَ مَخْرَجَ اللامِ، فَجازَ إدْغامُهُما فِيهِما.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وُضِعَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَجْهُولِ عَلى مَعْنى: وضَعَهُ اللهُ فالآيَةُ عَلى هَذا ابْتِداءُ مَعْنىً مُنْقَطِعٍ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَضَعَ" بِفَتْحِ الواوِ والضادِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وضَعَ اللهُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُنْقَطِعًا كَما هو في قِراءَةِ الجُمْهُورِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ وضَعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ، فَيَكُونَ المَعْنى مُتَّصِلًا بِالَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ اسْتِدْعاءً لَهم إلى مِلَّتِهِ، في الحَجِّ وغَيْرِهِ عَلى ما رَوى عِكْرِمَةُ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا ﴾ ....
الآيَةُ، قالَ اليَهُودُ: نَحْنُ عَلى الإسْلامِ، فَقُرِئَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ قِيلَ لَهُ: أحِجَّهم يا مُحَمَّدُ إنْ كانُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ الَّتِي هي الإسْلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما قالَ أبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ؟
قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟
قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟
قالَ أرْبَعُونَ سَنَةً".» فَيَظْهَرُ مِن هَذا أنَّهُما مِن وضْعِ إبْراهِيمَ جَمِيعًا، ويُضْعِفُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، اللهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ جَدَّدَهُ، وأيْنَ مُدَّةُ سُلَيْمانَ مِن مُدَّةِ إبْراهِيمَ؟
ولا مِرْيَةَ في أنَّ إبْراهِيمَ وضَعَ بَيْتَ مَكَّةَ، وإنَّما الخِلافُ هَلْ وضْعُ بَدْأةٍ أو وضْعُ تَجْدِيدٍ؟
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى هَذِهِ "الأوَّلِيَّةِ" الَّتِي في قَوْلِهِ: "إنَّ أوَّلَ"، فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ: إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ مُبارَكًا وهُدىً هَذا البَيْتُ الَّذِي بِمَكَّةَ، وقَدْ كانَتْ قَبْلَهُ بُيُوتٌ لَمْ تُوضَعْ وضْعَهُ مِنَ البَرَكَةِ والهُدى.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو أوَّلُ بَيْتٍ خَلَقَ اللهُ تَعالى ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ.
وَرُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ مِن نُزُولِ آدَمَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ ومِن تَحْدِيدٍ حَدَّدَ ما بَيْنَ خَلْقِهِ ودَحْوِ الأرْضِ، ونَحْوُ ما قالَ الزَجّاجُ مِن أنَّهُ البَيْتُ المَعْمُورُ، أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها.
وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ رَفْعُ إبْراهِيمَ القَواعِدَ تَجْدِيدًا؛ قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ مَعَ آدَمَ ورُفِعَ وقْتَ الطُوفانِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "بَكَّةَ" - فَقالَ الضَحّاكُ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: بَكَّةُ هي مَكَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا مِن إبْدالِ الباءِ بِالمِيمِ، عَلى لُغَةِ مازِنَ وغَيْرِهِمْ.
وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ شِهابٍ وجَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، وبَكَّةُ: مُزْدَحَمُ الناسِ حَيْثُ يَتَباكَوْنَ، وهو المَسْجِدُ وما حَوْلَ البَيْتِ.
وقالَ مالِكٌ في سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ: بَكَّةُ: مَوْضِعُ البَيْتِ، ومَكَّةُ: غَيْرُهُ مِنَ المَواضِعِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: يُرِيدُ القَرْيَةَ.
قالَ الطَبَرِيُّ: ما خَرَجَ عن مَوْضِعِ الطَوافِ فَهو مَكَّةُ لا بَكَّةَ.
وقالَ قَوْمٌ: بَكَّةُ: ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ومَكَّةُ: الحَرَمُ كُلُّهُ.
و"مُبارَكًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ إنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ بِهَذِهِ الحالِ قَوْلُهُ: "وُضِعَ" والعامِلُ فِيهِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ باءُ الجَرِّ في قَوْلِهِ: "بِبَكَّةَ" تَقْدِيرُهُ: اسْتَقَرَّ بِبَكَّةَ مُبارَكًا.
وفي وصْفِ البَيْتِ بِهُدىً مَجازِيَّةٌ بَلِيغَةٌ، لِأنَّهُ مُقَوِّمٌ مُصْلِحٌ، فَهو مُرْشِدٌ، وفِيهِ إرْشادٌ، فَجاءَ قَوْلُهُ: "وَهُدىً" بِمَعْنى: وذا هُدىً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُدىً في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى الدُعاءِ، أيْ مِن حَيْثُ دُعِيَ العالَمُونَ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فِيهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، وساغَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِ الآياتِ خارِجَةً عنهُ، لِأنَّ البَيْتَ إنَّما وُضِعَ بِحَرَمِهِ، وجَمِيعِ فَضائِلِهِ فَهي فِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ داخِلَ جُدْرانِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "آياتٌ بَيِّناتٌ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وعُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ: "آيَةٌ بَيِّنَةٌ" عَلى الإفْرادِ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ عَلامَةً واحِدَةً؛ المَقامَ وحْدَهُ، وحُكِيَ ذَلِكَ عن مُجاهِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآيَةِ اسْمُ الجِنْسِ، فَيَقْرُبُ مِن مَعْنى القِراءَةِ الأُولى.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ عَنِ الآياتِ البَيِّناتِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِنَ الآياتِ المَقامُ، يُرِيدُ الحَجَرَ المَعْرُوفَ والمَشْعَرُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قِراءَتَهُ "آيَةٌ" بِالإفْرادِ إنَّما يُرادُ بِها اسْمُ الجِنْسِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآياتُ البَيِّناتُ مَقامُ إبْراهِيمَ، وأنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وقالَ مُجاهِدٌ: المَقامُ الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ كَلامٌ آخَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَرَفْعُ "مَقامُ" عَلى قَوْلِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ - عَلى البَدَلِ مِن "آياتٌ"، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: هُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَن نَحا نَحْوَهُ- هو مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: مِنهُنَّ مَقامُ إبْراهِيمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُتَرَجِّحُ عِنْدِي أنَّ المَقامَ وأمْنَ الداخِلِ جُعِلا مِثالًا مِمّا في حَرَمِ اللهِ مِنَ الآياتِ وخُصّا بِالذِكْرِ لِعِظَمِهِما، وأنَّهُما تَقُومُ بِهِما الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ، إذْ هُمُ المُدْرِكُونَ لِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِحَواسِّهِمْ.
ومِن آياتِ الحَرَمِ والبَيْتِ الَّتِي تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى الكُفّارِ أمْرُ الفِيلِ، ورَمْيُ طَيْرِ اللهِ عنهُ بِحِجارَةِ السِجِّيلِ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ تَخْتَلِفْ كافَّةُ العَرَبِ في نَقْلِهِ وصِحَّتِهِ إلى أنْ أنْزَلَهُ اللهُ في كِتابِهِ.
ومِن آياتِهِ كَفُّ الجَبابِرَةِ عنهُ عَلى وجْهِ الدَهْرِ.
ومِن آياتِهِ الحَجَرُ الأسْوَدُ وما رُوِيَ فِيهِ أنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ، وما أُشْرِبَتْ قُلُوبُ العالَمِ مِن تَعْظِيمِهِ قَبْلَ الإسْلامِ.
ومِن آياتِهِ حَجَرُ المَقامِ، وذَلِكَ أنَّهُ قامَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ رَفْعِهِ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ لَمّا طالَ البِناءُ، فَكُلَّما عَلا الجِدارُ ارْتَفَعَ الحَجَرُ بِهِ في الهَواءِ، فَما زالَ يَبْنِي وهو قائِمٌ عَلَيْهِ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ والطِينَ حَتّى أكْمَلَ الجِدارَ، ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعالى لَمّا أرادَ إبْقاءَ ذَلِكَ آيَةً لِلْعالَمِينَ لَيَّنَ الحَجَرَ، فَغَرِقَتْ فِيهِ قَدَما إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كَأنَّها في طِينٍ، فَذَلِكَ الأثَرُ العَظِيمُ باقٍ في الحَجَرِ إلى اليَوْمِ.
وقَدْ نَقَلَتْ كافَّةُ العَرَبِ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ عَلى مُرُورِ الأعْصارِ، وقالَ أبُو طالِبٍ: ومَوْطِئُ إبْراهِيمَ في الصَخْرِ رَطْبَةٌ عَلى قَدَمىَّ حافِيًا غَيْرَ ناعِلِ فَما حُفِظَ أنَّ أحَدًا مِنَ الناسِ نازَعَ في هَذا القَوْلِ.
ومِن آياتِهِ البَيِّناتِ زَمْزَمُ في نَبْعِها لِهاجَرَ بِهَمْزِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ الأرْضَ بِعَقِبِهِ، وفي حَفْرِ عَبْدِ المُطَّلِبِ لَها آخَرًا بَعْدَ دُثُورِها بِتِلْكَ الرُؤْيا المَشْهُورَةِ، وبِما نَبَعَ مِنَ الماءِ تَحْتَ خُفِّ ناقَتِهِ في سَفَرِهِ، إلى مُنافَرَةِ قُرَيْشٍ ومُخاصَمَتِها في أمْرِ زَمْزَمَ، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ مُسْتَوْعِبًا، ومِن آياتِ البَيْتِ نَفْعُ ماءِ زَمْزَمَ لِما شُرِبَ لَهُ، وأنَّهُ يَعْظُمُ ماؤُها في المَوْسِمِ ويَكْثُرُ كَثْرَةً خارِقَةً لِلْعادَةِ في الآبارِ.
ومِن آياتِهِ: الأمَنَةُ الثابِتَةُ فِيهِ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ، وأنَّ العَرَبَ كانَتْ يُغِيرُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ ويُتَخَطَّفُ الناسُ بِالقَتْلِ وأخْذِ الأمْوالِ وأنْواعِ الظُلْمِ إلّا في الحَرَمِ؛ وتَرَكَّبَ عَلى هَذا أمْنُ الحَيَوانِ فِيهِ وسَلامَةُ الشَجَرِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِلْبَرَكَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللهُ بِها، والدَعْوَةِ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَلامُ في قَوْلِهِ، ﴿ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ ،.
وإذْعانُ نُفُوسِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ قاطِبَةً لِتَوْقِيرِ هَذِهِ البُقْعَةِ دُونَ ناهٍ ولا زاجِرٍ، آيَةٌ عُظْمى تَقُومُ بِها الحُجَّةُ، وهي الَّتِي فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ .
ومِن آياتِهِ كَوْنُهُ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ، والأرْزاقُ مِن كُلِّ قُطْرٍ تَجِيءُ إلَيْهِ عن قُرْبٍ وعن بُعْدٍ.
ومِن آياتِهِ، ما ذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ العَتَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ في النَوادِرِ وغَيْرِها: سَمِعْتُ أنَّ الحَرَمَ يُعْرَفُ بِأنْ لا يَجِيءَ سَيْلٌ مِنَ الحِلِّ فَيَدْخُلُ الحَرَمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: -هَذا واللهُ أعْلَمُ- لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَهُ رَبْوَةً أو في حُكْمِها لِيَكُونَ أصْوَنَ لَهُ، والحَرَمُ، فِيما حَكى ابْنُ أبِي زَيْدٍ في الحَجِّ الثانِي مِنَ النَوادِرِ -.
مِمّا يَلِي المَدِينَةَ نَحْوًا مِن أرْبَعَةِ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى التَنْعِيمِ، ومِمّا يَلِي العِراقَ نَحْوُ ثَمانِيَةِ أمْيالٍ إلى مَكانٍ يُقالُ لَهُ المَقْطَعُ، ومِمّا يَلِي عَرَفَةَ تِسْعَةُ أمْيالٍ، ومِمّا يَلِي طَرِيقَ اليَمَنِ سَبْعَةُ أمْيالٍ إلى مَوْضِعٍ يُقالُ لَهُ أضاةُ، ومِمّا يَلِي جَدَّةَ عَشْرَةُ أمْيالٍ إلى مُنْتَهى الحُدَيْبِيَةِ.
قالَ مالِكٌ في العُتْبِيَّةِ: والحُدَيْبِيَةُ في الحَرَمِ.
ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ أنَّ الطَيْرَ لا تَعْلُوهُ، وإنْ عَلاهُ طائِرٌ فَإنَّما ذَلِكَ لِمَرَضٍ بِهِ، فَهو يَسْتَشْفِي بِالبَيْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وهَذا كُلُّهُ عِنْدِي ضَعِيفٌ، والطَيْرُ تُعايَنُ تَعْلُوهُ، وقَدْ عَلَتْهُ العُقابُ الَّتِي أخَذَتِ الحَيَّةَ المُشْرِفَةَ عَلى جِدارِهِ، وتِلْكَ كانَتْ مِن آياتِهِ.
ومِن آياتِهِ فِيما ذَكَرَ الناسُ قَدِيمًا وحَدِيثًا، أنَّهُ إذا عَمَّهُ المَطَرُ مِن جَوانِبِهِ الأرْبَعَةِ في العامِ الواحِدِ، أخْصَبَتْ آفاقُ الأرْضِ، وإنْ لَمْ يُصِبْ جانِبًا مِنهُ لَمْ يَخْصَبْ ذَلِكَ الأُفُقُ الَّذِي يَلِيهِ ذَلِكَ العامُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَقامِ إبْراهِيمَ، فَقالَ الجُمْهُورُ: هو الحَجَرُ المَعْرُوفُ، وقالَ قَوْمٌ: البَيْتُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ لِأنَّهُ بَناهُ وقامَ في جَمِيعِ أقْطارِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ: مَكَّةُ كُلُّها مَقامُ إبْراهِيمَ، وقالَ قَوْمٌ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ ﴾ عائِدٌ عَلى الحَرَمِ في قَوْلِ مَن قالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ هو الحَرَمُ، وعائِدٌ عَلى البَيْتِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ لِغَيْرِهِ، إلّا أنَّ المَعْنى يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ مَن دَخَلَ الحَرَمَ فَهو في الأمْنِ، إذِ الحَرَمُ جُزْءٌ مِنَ البَيْتِ، إذْ هو بِسَبَبِهِ وبِحُرْمَتِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "كانَ آمِنًا"؛ فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ وصْفُ حالٍ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ أنَّ الَّذِي يَجُرُّ جَرِيرَةً ثُمَّ يَدْخُلُ الحَرَمَ فَإنَّهُ كانَ لا يُتَناوَلُ ولا يُطْلَبُ، فَأمّا في الإسْلامِ وأمْنِ جَمِيعِ الأقْطارِ فَإنَّ الحَرَمَ لا يَمْنَعُ مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ: مَن سَرَقَ فِيهِ قُطِعَ، ومَن زَنى رُجِمَ، ومَن قَتَلَ قُتِلَ.
واسْتَحْسَنَ كَثِيرٌ مِمَّنْ قالَ هَذا القَوْلَ أنْ يَخْرُجَ مَن وجَبَ عَلَيْهِ القَتْلُ إلى الحِلِّ فَيُقْتَلَ هُنالِكَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَن أحْدَثَ حَدَثًا ثُمَّ اسْتَجارَ بِالبَيْتِ فَهو آمِنٌ، وإنَّ الأمْرَ في الإسْلامِ عَلى ما كانَ في الجاهِلِيَّةِ، والإسْلامُ زادَ البَيْتَ شَرَفًا وتَوْقِيرًا، فَلا يَعْرِضُ أحَدٌ بِمَكَّةَ لِقاتِلِ ولِيِّهِ، إلّا أنَّهُ يَجِبُ عَلى المُسْلِمِينَ ألّا يُبايِعُوا ذَلِكَ الجانِيَ ولا يُكَلِّمُوهُ ولا يُؤْوُوهُ حَتّى يَتَبَرَّمَ فَيَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ فَيُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ.
وقالَ بِمِثْلِ هَذا عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والشَعْبِيُّ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُمْ؛ إلّا أنَّ أكْثَرَهم قالُوا هَذا فِيمَن يَقْتُلُ خارِجَ الحَرَمِ ثُمَّ يَعُوذُ بِالحَرَمِ، فَأمّا مَن يَقْتُلُ في الحَرَمِ فَإنَّهُ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحَرَمِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ: وإذا تُؤُمِّلَ أمْرُ هَذا الَّذِي لا يُكَلَّمُ ولا يُبايَعُ، فَلَيْسَ بِآمِنٍ.
وقالَ يَحْيى بْنُ جَعْدَةَ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن دَخَلَ البَيْتَ كانَ آمِنًا مِنَ النارِ.
وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِ العِبادِ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ حَوْلَ الكَعْبَةِ لَيْلًا فَقُلْتُ: يا رَبُّ إنَّكَ قُلْتَ: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ﴾ فَمِن ماذا هو آمِنٌ يا رَبُّ؟
فَسَمِعْتُ مُكَلِّمًا يُكَلِّمُنِي وهو يَقُولُ: مِنَ النارِ، فَنَظَرْتُ وتَأمَّلْتُ فَما كانَ في المَكانِ أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلى الناسِ حِجُّ البَيْتِ ﴾ ....
الآيَةُ، هو فَرْضُ الحَجِّ في كِتابِ اللهِ بِإجْماعٍ.
وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: الحَجُّ كُلُّهُ في كِتابِ اللهِ، فَأمّا الصَلاةُ والزَكاةُ فَهي مِن مُجْمَلِهِ الَّذِي فَسَّرَهُ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ، والحَجُّ مِن دَعائِمِ الإسْلامِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْها حَسَبَ الحَدِيثِ، وشُرُوطُ وُجُوبِهِ خَمْسَةٌ: البُلُوغُ، والعَقْلُ، والحُرِّيَّةُ، والإسْلامُ، واسْتِطاعَةُ السَبِيلِ.
والحَجُّ في اللُغَةِ: القَصْدُ، لَكِنَّهُ في بَيْتِ اللهِ مُخَصَّصٌ بِأعْمالٍ وأقْوالٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "حِجُّ البَيْتِ" بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الباقُونَ: "حَجُّ البَيْتِ" بِفَتْحِها.
قالَ سِيبَوَيْهِ: حَجَّ حِجًّا مِثْلُ ذَكَرَ ذِكْرًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَحِجُّ عَلى هَذا مَصْدَرٌ، وقالَ سِيبَوَيْهِ أيْضًا: قالُوا غَزاةً فَأرادُوا عَمَلَ وجْهٍ واحِدٍ كَما قِيلَ حِجَّةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ حِجُّ بِكَسْرِ الحاءِ، يُرِيدُونَ عَمَلَ سَنَةٍ واحِدَةٍ، ولَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ لَكِنَّهُ اسْمٌ لَهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: قَوْلُهُ: "لَمْ يَجِيئُوا بِهِ عَلى الأصْلِ" يُرِيدُ عَلى الفَتْحِ الَّذِي هو الدُفْعَةُ مِنَ الفِعْلِ، ولَكِنْ كَسَرُوهُ فَجَعَلُوهُ اسْمًا لِهَذا المَعْنى، كَما أنَّ غَزاةً كَذَلِكَ، ولَمْ تَجِئْ فِيهِ الغَزْوَةُ وكانَ القِياسَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأكْثَرُ ما التُزِمَ كَسْرُ الحاءِ في قَوْلِهِمْ ذُو الحِجَّةِ، وأمّا قَوْلُهُمْ: حِجَّةُ الوَداعِ ونَحْوُهُ فَإنَّها عَلى الأصْلِ.
وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: الحَجُّ بِفَتْحِ الحاءِ- المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها اسْمُ العَمَلِ.
وقالَ الطَبَرِيُّ: هُما لُغَتانِ: الكَسْرُ لُغَةُ نَجْدٍ، والفَتْحُ لُغَةُ أهْلِ العالِيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ : "مَن" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" وهو بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.
وقالَ الكِسائِيُّ وغَيْرُهُ: هي شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ.
والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ الحَجُّ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ عَطْفُ الشَرْطِ الآخَرِ بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: "وَمَن كَفَرَ" وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: "مَن" رُفِعَ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالمَصْدَرِ الَّذِي هو "حِجُّ البَيْتِ" ويَكُونُ المَصْدَرُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في حالِ مُسْتَطِيعِ السَبِيلِ كَيْفَ هِيَ؟
فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هي حالُ الَّذِي يَجِدُ زادًا وراحِلَةً.
ورَوى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ مِن طَرِيقِ إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ «أنَّ رَسُولَ اللهِ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ ما السَبِيلُ؟
قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن مَلَكَ زادًا وراحِلَةً فَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرانِيًّا".» ورَوى عَبْدُ الرَزّاقِ وسُفْيانُ عن إبْراهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الخُوزِيِّ عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبّادِ بْنِ جَعْفَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قامَ رَجُلٌ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَقالَ: ما السَبِيلُ؟
قالَ: "الزادُ والراحِلَةُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وضَعَّفَ قَوْمٌ هَذا الحَدِيثَ لِأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ يَزِيدَ الخُوزِيَّ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وغَيْرُهُ، والحَدِيثُ مُسْتَغْنٍ عن طَرِيقِ إبْراهِيمَ، وقالَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ: هَذا الحَدِيثُ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ مَشْيًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي أقُولُ: إنَّ هَذا الحَدِيثَ إنَّما خَرَجَ عَلى الغالِبِ مِن أحْوالِ الناسِ وهو البُعْدُ عن مَكَّةَ واسْتِصْعابُ المَشْيِ عَلى القَدَمِ كَثِيرًا، فَأمّا القَرِيبُ الدارِ فَلا يَدْخُلُ في الحَدِيثِ، لِأنَّ القُرْبَ أغْناهُ عن زادٍ وراحِلَةٍ.
وأمّا الَّذِي يَسْتَطِيعُ المَشْيَ مِنَ الأقْطارِ البَعِيدَةِ، فالراحِلَةُ عِنْدَهُ بِالمَعْنى والقُوَّةِ الَّتِي وُهِبَ.
وقَدْ ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ "يَأْتُوكَ رِجالًا" وكَذَلِكَ أيْضًا مَعْنى الحَدِيثِ: الزادُ والراحِلَةُ لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ في بَدَنِهِ، مِن مَرَضٍ أو خَوْفٍ عَلى أقْسامِهِ أوِ اسْتِحْقاقٍ بِأُجْرَةٍ أو دَيْنٍ وهو يُحاوِلُ الأداءَ، ويَطْمَعُ فِيهِ بِتَصَرُّفِهِ في مالٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأمّا العَدِيمُ فَلَهُ أنْ يَحُجَّ إذا تَكَلَّفَ واسْتَطاعَ، فَمَقْصِدُ الحَدِيثِ أنْ يَتَحَدَّدَ مَوْضِعُ الوُجُوبِ عَلى البَعِيدِ الدارِ، وأمّا المُشاةُ وأصْحابُ الأعْذارِ فَكَثِيرٌ مِنهم مَن يَتَكَلَّفُ السَفَرَ وإنْ كانَ الحَجُّ غَيْرَ واجِبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُؤَدِّيهِ ذَلِكَ التَكَلُّفُ إلى مَوْضِعٍ يَجِبُ فِيهِ الحَجُّ عَلَيْهِ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في طَلَبِ الأجْرِ ونَيْلِهِ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ﴾ كَلامٌ عامٌّ لا يَتَفَسَّرُ بِزادٍ وراحِلَةٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ إذا كانَ مُسْتَطِيعًا غَيْرَ شاقٍّ عَلى نَفْسِهِ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ الحَجُّ، قالَ ذَلِكَ ابْنُ الزُبَيْرِ والضَحّاكُ.
وقالَ الحَسَنُ: مَن وجَدَ شَيْئًا يُبَلِّغُهُ فَقَدِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا.
وقالَ عِكْرِمَةُ: اسْتِطاعَةُ السَبِيلِ: الصِحَّةُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن مَلَكَ ثَلاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَهو السَبِيلُ إلَيْهِ.
وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، في سَماعِ أشْهَبَ مِنَ العُتْبِيَّةِ، وفي كِتابِ مُحَمَّدٍ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: أتَقُولُ إنَّ السَبِيلَ الزادُ والراحِلَةُ؟
فَقالَ: لا واللهِ، قَدْ يَجِدُ زادًا وراحِلَةً ولا يَقْدِرُ عَلى مَسِيرٍ، وآخَرُ يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ راجِلًا، ورُبَّ صَغِيرٍ أجْلَدُ مِن كَبِيرٍ، فَلا صِفَةَ في هَذا أبْيَنُ مِمّا قالَ اللهُ تَعالى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أنْبَلُ كَلامٍ؛ وجَمِيعُ ما حُكِيَ عَنِ العُلَماءِ لا يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا، الزادُ والراحِلَةُ عَلى الأغْلَبِ مِن أمْرِ الناسِ في البُعْدِ، وأنَّهم أصِحّاءُ غَيْرُ مُسْتَطِيعِينَ لِلْمَشْيِ عَلى الأقْدامِ، والِاسْتِطاعَةُ- مَتى تَحَصَّلَتْ- عامَّةٌ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، فَإذا فَرَضْنا رَجُلًا مُسْتَطِيعًا لِلسَّفَرِ ماشِيًا مُعْتادًا لِذَلِكَ، وهو مِمَّنْ يَسْألُ الناسَ في إقامَتِهِ ويَعِيشُ مِن خِدْمَتِهِمْ وسُؤالِهِمْ، ووَجَدَ صَحابَةً، فالحَجُّ عَلَيْهِ واجِبٌ دُونَ زادٍ ولا راحِلَةٍ.
وهَذِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيها فِقْهُ الحالِ.
وكانَ الشافِعِيُّ يَقُولُ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى وجْهَيْنِ؛ بِنَفْسِهِ أوَّلًا، فَمَن مَنَعَهُ مَرَضٌ أو عُذْرٌ ولَهُ مالٌ فَعَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ مَن يَحُجُّ عنهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لِذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ وُجُوبُ الحَجِّ عَلى الفَوْرِ أو عَلى التَراخِي؟
عَلى قَوْلَيْنِ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مَسائِلُ تَقْتَضِي القَوْلَيْنِ، قالَ في "المَجْمُوعَةِ" فِيمَن أرادَ الحَجَّ ومَنَعَهُ أبَواهُ: لا يَعْجَلُ عَلَيْهِما في حِجَّةِ الفَرِيضَةِ ولْيَسْتَأْذِنْهُما العامَ والعامَيْنِ، فَهَذا عَلى التَراخِي.
وقالَ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: لا يَحُجُّ أحَدٌ إلّا بِإذْنِ أبَوَيْهِ إلّا الفَرِيضَةَ، فَلْيَخْرُجْ ولْيَدَعْهُما، فَهَذا عَلى الفَوْرِ.
وقالَ مالِكٌ في المَرْأةِ يَمُوتُ عنها زَوْجُها فَتُرِيدُ الخُرُوجَ إلى الحَجِّ: لا تَخْرُجُ في أيّامِ عِدَّتِها، قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيُّ: فَجَعَلَهُ عَلى التَراخِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اسْتِقْراءٌ فِيهِ نَظَرٌ.
واخْتَلَفَ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ فِيمَن يَخْرُجُ إلى الحَجِّ عَلى أنْ يَسْألَ الناسَ جائِيًا وذاهِبًا، مِمَّنْ لَيْسَتْ تِلْكَ عادَتَهُ في إقامَتِهِ، فَرَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ قالَ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، قِيلَ لَهُ فَإنْ ماتَ في الطَرِيقِ؟
قالَ: حِسابُهُ عَلى اللهِ.
ورَوى عنهُ ابْنُ القاسِمِ أنَّهُ قالَ: لا أرى لِلَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أنْ يَخْرُجُوا إلى الحَجِّ والغَزْوِ ويَسْألُوا وإنِّي لَأكْرَهُ ذَلِكَ، لِقَوْلِ اللهِ سُبْحانَهُ ﴿ وَلا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ .
قالَ ابْنُ القاسِمِ: وكَرِهَ مالِكٌ أنْ يَحُجَّ النِساءُ في البَحْرِ لِأنَّها كَشْفَةٌ، وكَرِهَ أنْ يَحُجَّ أحَدٌ في البَحْرِ إلّا مِثْلَ أهْلِ الأنْدَلُسِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مِنهُ بُدًّا، وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِهِ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَأذِّنْ في الناسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ وما أسْمَعُ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَأْنِيسٌ مِن مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ لِسُقُوطِ لَفْظَةِ البَحْرِ، ولَيْسَ تَقْتَضِي الآيَةُ سُقُوطَ البَحْرِ، وسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ مُلُوكًا عَلى الأسِرَّةِ أو مِثْلَ المُلُوكِ عَلى الأسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ الأخْضَرِ غُزاةً في سَبِيلِ اللهِ.".» ولا فَرْقَ بَيْنَ الغَزْوِ والحَجِّ.
واخْتُلِفَ في حَجِّ النِساءِ ماشِياتٍ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ في "المُدَوَّنَةِ" في المَرْأةِ تَنْذِرُ مَشْيًا فَتَمْشِي وتَعْجِزُ في بَعْضِ الطَرِيقِ: إنَّها تَعُودُ ثانِيَةً؛ قالَ: والرِجالُ والنِساءُ في ذَلِكَ سَواءٌ، فَعَلى هَذا يَجِبُ الحَجُّ إذا كانَتْ قادِرَةً عَلى المَشْيِ، لِأنَّ حِجَّةَ الفَرِيضَةِ آكَدُ مِنَ النَذْرِ.
وقالَ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: لا أرى عَلى المَرْأةِ الحَجَّ ماشِيَةً وإنْ قَوِيَتْ عَلَيْهِ، لِأنَّ مَشْيَهُنَّ عَوْرَةٌ، إلّا أنْ يَكُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِن مَكَّةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَنْظُرُ بِفِقْهِ الحالِ إلى رائِعَةٍ أو مُتَجالَّةٍ.
ولا حَجَّ عَلى المَرْأةِ إلّا إذا كانَ مَعَها ذُو مَحْرَمٍ، واخْتُلِفَ إذا عَدِمَتْهُ هَلْ يَجِبُ الحَجُّ بِما هو في مَعْناهُ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ يُصْطَحَبْنَ في القافِلَةِ، أو رِجالٍ ثِقاتٍ؟
فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ وابْنُ حَنْبَلَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: المَحْرَمُ مِنَ السَبِيلِ، ولا حَجَّ عَلَيْها إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وُقُوفٌ مَعَ لَفْظِ الحَدِيثِ.
وقالَ مالِكٌ: تَخْرُجُ مَعَ جَماعَةِ نِساءٍ، وقالَ الشافِعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ حُرَّةٍ ثِقَةٍ مُسْلِمَةٍ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مَعَ رَجُلٍ ثِقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالَ الأوزاعِيُّ: تَخْرُجُ مَعَ قَوْمٍ عُدُولٍ، وتَتَّخِذُ سُلَّمًا تَصْعَدُ عَلَيْهِ وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رَجُلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الأقْوالُ راعَتْ مَعْنى الحَدِيثِ.
وجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَحُجَّ الفَرِيضَةَ وإنْ كَرِهَ زَوْجُها، ولَيْسَ لَهُ مَنعُها.
واضْطَرَبَ قَوْلُ الشافِعِيِّ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في وُجُوبِ الحَجِّ مَعَ وُجُودِ المُكُوسِ والغَرامَةِ؛ فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: إذا كانَ المَكْسُ ولَوْ دِرْهَمًا سَقَطَ الفَرْضُ، فَظاهِرُ هَذا أنَّها إذا كانَتْ كَثِيرَةً غَيْرَ مُجْحِفَةٍ لِسَعَةِ الحالِ فَإنَّ الفَرْضَ لا يَسْقُطُ، وعَلى هَذا المَنزَعِ جَماعَةُ أهْلِ العِلْمِ وعَلَيْهِ مَضَتِ الأعْصارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن فِقْهِ الِاسْتِطاعَةِ، ولَيْسَ هَذا الجَمْعُ بِمَوْضِعٍ لِتَقَصِّي ذَلِكَ، واللهُ المُسْتَعانُ.
والسَبِيلُ: تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، والأغْلَبُ والأفْصَحُ التَأْنِيثُ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ تَبْغُونَها عِوَجًا ﴾ وقالَ: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللهِ ﴾ ؛ ومِنَ التَذْكِيرِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ: قَضى يَوْمَ بَدْرٍ أنْ تُلاقِيَ مَعْشَرًا بَغَوْا، وسَبِيلُ البَغْيِ بِالناسِ جائِزُ والضَمِيرُ فِي: "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى البَيْتِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحَجِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى: مَن زَعَمَ أنَّ الحَجَّ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَيْهِ، وقالَ مِثْلَهُ الضَحّاكُ وعَطاءٌ وعِمْرانُ القَطّانُ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ.
ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «أنَّهُ قَرَأ الآيَةَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن هُذَيْلٍ: يا رَسُولَ اللهِ مَن تَرَكَهُ كَفَرَ، فَقالَ لَهُ النَبِيُّ "مَن تَرَكَهُ لا يَخافُ عُقُوبَتَهُ، ومَن حَجَّهُ لا يَرْجُو ثَوابَهُ فَهو ذَلِكَ".» وقالَ بِمَعْنى هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ أيْضًا.
وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ يَرْجِعُ إلى كُفْرِ الجَحْدِ والخُرُوجِ عَنِ المِلَّةِ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: مَن كَفَرَ بِهَذِهِ الآياتِ الَّتِي في البَيْتِ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: ومَن كَفَرَ بِأنْ وجَدَ ما يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ، قالَ السُدِّيُّ: مَن كانَ بِهَذِهِ الحالِ فَهو كافِرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُفْرُ مَعْصِيَةٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: « "مَن تَرَكَ الصَلاةَ فَقَدْ كَفَرَ"» وقَوْلِهِ: « "لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكم رِقابَ بَعْضٍ"» عَلى أظْهَرِ مُحْتَمَلاتِ هَذا الحَدِيثِ.
وبَيِّنٌ أنَّ مَن أنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِمالٍ وصِحَّةٍ ولَمْ يَحُجَّ فَقَدْ كَفَرَ النِعْمَةَ.
ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ الوَعِيدُ لِمَن كَفَرَ.
والقَصْدُ بِالكَلامِ: فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنهُمْ، ولَكِنْ عَمَّمَ اللَفْظَ لِيَبْرَعَ المَعْنى، ويُنَبِّهَ الفِكْرَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ وسُلْطانِهِ واسْتِغْنائِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ حَتّى لَيْسَ بِهِ افْتِقارٌ إلى شَيْءٍ، لا رَبَّ سِواهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ تَوْبِيخٌ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ و"الكِتابِ": التَوْراةُ، وجَعَلَهم أهْلَهُ بِحَسَبِ زَعْمِهِمْ ونَسَبِهِمْ، وإلّا فَأهْلُهُ عَلى الحَقِيقَةِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها القُرْآنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ العَلاماتُ الظاهِرَةُ عَلى يَدَيْمُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ مَحْضٌ: أيْ يُجازِيكم بِهِ ويُعاقِبُكم.
قالَ الطَبَرِيُّ: هاتانِ الآيَتانِ قَوْلُهُ: ﴿ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ ﴾ وما بَعْدَهُما، إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ رَجُلٍ مِن يَهُودَ حاوَلَ الإغْواءَ بَيْنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي الثِقَةُ عن زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: «مَرَّ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الكُفْرِ شَدِيدَ الضَغَنِ عَلى المُسْلِمِينَ والحَسَدِ لَهُمْ، عَلى نَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وهم في مَجْلِسٍ يَتَحَدَّثُونَ، فَغاظَهُ ما رَأى مِن جَماعَتِهِمْ، وصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ، بَعْدَ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ فَقالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ البِلادِ، واللهِ ما لَنا مَعَهم إذا اجْتَمَعَ مَلَؤُهم بِها مِن قَرارٍ، فَأمَرَ فَتىً شابًّا مِن يَهُودَ، فَقالَ: اعْمَدْ إلَيْهِمْ واجْلِسْ مَعَهم وذَكِّرْهم يَوْمَ بُعاثٍ، وما كانَ قَبْلَهُ مِن أيّامِ حَرْبِهِمْ، وأنْشِدْهم ما قالُوهُ مِنَ الشِعْرِ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ الفَتى، فَتَكَلَّمَ القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَتَفاخَرُوا وتَنازَعُوا، حَتّى تَواثَبَ رَجُلانِ مِنَ الحَيَّيْنِ عَلى الرُكَبِ: أوسُ بْنُ قَيْظِي، أحَدُ بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ مِنَ الأوسِ، وجَبّارُ بْنُ صَخْرٍ مِنَ الخَزْرَجِ، فَتَقاوَلا، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنْ شِئْتُمْ واللهِ رَدَدْناها جَذَعَةً، فَغَضِبَ الفَرِيقانِ، وقالُوا: قَدْ فَعَلْنا، السِلاحَ السِلاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظاهِرَةُ، يُرِيدُونَ الحَرَّةَ، فَخَرَجُوا إلَيْها، وتَحاوَرَ الناسُ عَلى دَعْواهُمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ، وبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِيمَن مَعَهُ مِنَ المُهاجِرِينَ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، اللهَ اللهَ، أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟
ووَعَظَهم فَعَرَفَ القَوْمُ أنَّها نَزْغَةٌ مِنَ الشَيْطانِ، فَألْقَوُا السِلاحَ وبَكَوْا وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأوسِ والخَزْرَجِ، وانْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ سامِعِينَ مُطِيعِينَ، فَأنْزَلَ اللهُ في شاسِ بْنِ قَيْسٍ وما صَنَعَ هَذِهِ الآياتِ.» وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والسُدِّيُّ: إنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ المُسْلِمِينَ عَنِ الإسْلامِ، بِأنْ يَقُولُوا لَهم: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ في كِتابِنا.قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا شَكَّ في وُقُوعِ هَذَيْنَ السَبَبَيْنِ وما شاكَلَهُما مِن أفْعالِ اليَهُودِ وأقْوالِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآياتُ في جَمِيعِ ذَلِكَ.
وصَدَّ مَعْناهُ: أعْرَضَ عَنِ الشَيْءِ وانْصَرَفَ عنهُ، وهو فِعْلٌ، يَقِفُ ويَتَعَدّى بِلَفْظٍ واحِدٍ، تَقُولُ: صَدَدْتُ عن كَذا، وصَدَدْتُ غَيْرِي عنهُ، فالَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الفِعْلُ المُتَعَدِّي، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "تُصِدُّونَ"، بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ، وهَذا هو الفِعْلُ الواقِفُ، نُقِلَ بِالهَمْزَةِ فَعُدِّيَ.
و"سَبِيلِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ، هو الإسْلامُ الَّذِي هو طَرِيقٌ إلى رِضى اللهِ وجَنَّتِهِ، و"مَن" مَفْعُولَةٌ بِـ "تَصُدُّونَ"، والضَمِيرُ في "تَبْغُونَها" عائِدٌ عَلى السَبِيلِ، ومَعْنى "تَبْغُونَ" عَلى ما فَسَّرَ الزَجّاجُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: تَطْلُبُونَ، فالمَعْنى: تَطْلُبُونَ لَها العِوَجَ، أيِ الاعْوِجاجَ والِانْفِسادَ، تَقُولُ العَرَبُ: ابْغِنِي كَذا "بِألِفٍ مَوْصُولَةٍ"، بِمَعْنى اطْلُبْهُ لِي، فَإذا أرادُوا أعِنِّي عَلى طَلَبِهِ واطْلُبْهُ مَعِي، قَطَعُوا الألِفَ مَفْتُوحَةً.
وقِيلَ: إنَّ "تَبْغُونَ" هُنا، مِنَ البَغْيِ الَّذِي هو التَعَدِّي، أيْ: تَبْغُونَ عَلَيْها، ويَكُونُ، "عِوَجًا" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- نَصْبُهُ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "تَبْغُونَ" أيْ: عِوَجًا مِنكم وعَدَمَ اسْتِقامَةٍ.
والعِوَجُ بِكَسْرِ العَيْنِ: ما كانَ في الأُمُورِ والحُجَجِ غَيْرِ الأجْرامِ، والعَوَجُ بِفَتْحِ العَيْنِ ما كانَ في الأجْرامِ كالجِدارِ والعَصا ونَحْوِ ذَلِكَ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والأرْضُ خاصَّةً مِنَ الأجْرامِ يُقالُ فِيها: عِوَجٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا ﴾ .
قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأنْتُمْ شُهَداءُ" ﴾ يُرِيدُ جَمْعَ شاهِدٍ، عَلى ما في التَوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ وصِدْقِهِ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ الخِطابُ في قَوْلِهِ: "يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا" عامٌّ في المُؤْمِنِينَ، والإشارَةُ في ذَلِكَ وقْتَ نُزُولِهِ إلى الأوسِ والخَزْرَجِ بِسَبَبِ نائِرَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ.
والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ الناسِ، والمُرادُ بِها هُنا الأحْبارُ والرُؤُوسُ، و"يَرُدُّوكُمْ" مَعْناهُ: بِالإضْلالِ والتَشْكِيكِ والمُخادَعَةِ وإظْهارِ الغِشِّ في مَعْرِضِ النُصْحِ.
ثُمَّ وقَفَ المُؤْمِنِينَ عَلى هَذا الأمْرِ المُسْتَبْعَدِ المُسْتَشْنَعِ الَّذِي يُرِيدُهُ بِهِمُ اليَهُودُ، فَقالَ: ﴿ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ ﴾ بِهَذِهِ الأحْوالِ المَوْصُوفَةِ؟
و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ ﴾ والمَعْنى أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟
أجاهِلِينَ أمُسْتَخِفِّينَ أمُرْتَدِّينَ؟
ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ.
والواوُ في قَوْلِهِ: "وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ" عاطِفَةُ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "كَيْفَ" في هَذِهِ الآيَةِ كَما هي في قَوْلِكَ: "كَيْفَ تَفْعَلُ كَذا"؟
وأنْتَ تَسْألُ عن شَيْءٍ ثابِتِ الوُقُوعِ مُتَحَصِّلِهِ، لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ المُؤْمِنِينَ مُقَرَّرًا مُثْبَتَ الوُقُوعِ.
وتَأمَّلْ مَعْنى "كَيْفَ" إذا ولِيَها فِعْلٌ، ومَعْناها إذا ولِيَها اسْمٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُتْلى" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "يُتْلى" بِالياءِ إذِ الآياتُ هي القُرْآنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَفِيكُمْ" هي ظَرْفِيَّةُ الحُضُورِ والمُشاهَدَةِ لِشَخْصِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وهو في أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِأقْوالِهِ وآثارِهِ، و"يَعْتَصِمْ" مَعْناهُ: يَتَمَسَّكُ ويَسْتَذْرِي، وعُصِمَ الشَيْءُ إذا مُنِعَ وحُمِيَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ ﴾ والعُصُمُ: الأسْبابُ الَّتِي يُمَتُّ بِها، ويُعْتَصَمُ مِنَ الخَيْبَةِ في الغَرَضِ المَطْلُوبِ، وقالَ الأعْشى: إلى المَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُرى وآخُذُ مِن كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ وَتَصَرُّفُ اللَفْظَةِ كَثِيرٌ جِدًّا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، واللهُ المُسْتَعانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا ﴾ .
الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ، والمَقْصُودُ بِهِ وقْتَ نُزُولِها الأوسُ والخَزْرَجُ الَّذِينَ شَجَرَ بَيْنَهم بِسِعايَةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ ما شَجَرَ.
وتُقاةٌ: مَصْدَرٌ وزْنُهُ فُعْلَةٌ، أصْلُهُ تُقْيَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً ﴾ ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ التُقاةُ في هَذِهِ الآيَةِ جَمْعَ فاعِلٍ وإنْ كانَ لَمْ يَتَصَرَّفْ مِنهُ فَيَكُونَ كَرُماةٍ ورامٍ، أو يَكُونَ جَمْعَ تَقِيٍّ إذْ فَعِيلٌ وفاعِلٌ بِمَنزِلَةٍ، والمَعْنى عَلى هَذا: اتَّقُوا اللهَ كَما يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مُتَّقُوهُ المُخْتَصُّونَ بِهِ، ولِذَلِكَ أُضِيفُوا إلى ضَمِيرِ اللهِ تَعالى.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في قَوْلِهِ: "حَقَّ تُقاتِهِ"؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ عَلى عُمُومِ لَفْظِها، وألْزَمَتِ الأُمَّةَ أنْ تَتَّقِيَ اللهَ غايَةَ التَقْوى حَتّى لا يَقَعَ إخْلالٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ثُمَّ إنَّ اللهَ نَسَخَ ذَلِكَ عَنِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ ﴾ وبِقَوْلِهِ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ قالَ ذَلِكَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم.
وقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: لا نَسْخَ في شَيْءٍ مِن هَذا، وهَذِهِ الآياتِ مُتَّفِقاتٌ، فَمَعْنى هَذِهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ فِيما اسْتَطَعْتُمْ، وذَلِكَ أنَّ "حَقَّ تُقاتِهِ" هو بِحَسَبِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وقَدْ جَعَلَ تَعالى الدِينَ يُسْرًا، وهَذا هو القَوْلُ الصَحِيحُ، وألّا يَعْصِيَ ابْنُ آدَمَ جُمْلَةً لا في صَغِيرَةٍ ولا في كَبِيرَةٍ وألّا يَفْتُرَ في العِبادَةِ، أمْرٌ مُتَعَذِّرٌ في جِبِلَّةِ البَشَرِ، ولَوْ كَلَّفَ اللهُ هَذا لَكانَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ، ولَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ أحَدٌ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما عَبَّرُوا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "حَقَّ تُقاتِهِ": هو أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرُ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، وكَذَلِكَ عَبَّرَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وقَتادَةُ والحَسَنُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : جاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ، ولا نَسْخَ في الآيَةِ.
وقالَ طاوُوسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ ﴾ : يَقُولُ تَعالى: إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ ولَمْ تَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ مَعْناهُ: دُومُوا عَلى الإسْلامِ حَتّى يُوافِيَكُمُ المَوْتُ وأنْتُمْ عَلَيْهِ.
هَكَذا هو وجْهُ الأمْرِ في المَعْنى، وجاءَتِ العِبارَةُ عَلى هَذا النَظْمِ الرائِقِ الوَجِيزِ، ونَظِيرُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هاهُنا، وإنَّما المُرادُ: لا تَكُنْ هُنا فَتَكُونُ رُؤْيَتِي لَكَ.
و"مُسْلِمُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: هو المَعْنى الجامِعُ في التَصْدِيقِ والأعْمالِ، وهو الدِينُ عِنْدَ اللهِ وهو الَّذِي بُنِيَ عَلى خَمْسٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ مَعْناهُ تَمَنَّعُوا وتَحَصَّنُوا بِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الِاعْتِصامُ بِالتَمَسُّكِ بِاليَدِ، وبِارْتِقاءِ القُنَنِ، وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مَنَعَةٌ، ومِنهُ الأعْصَمُ في الجَبَلِ، ومِنهُ عِصْمَةُ النِكاحِ، والحَبْلُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، لَمّا كانَ السَبَبُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ وصْلَةً مُمْتَدَّةً بَيْنَ العاصِمِ والمَعْصُومِ ونِسْبَةً بَيْنَهُما شَبَّهَ ذَلِكَ بِالحَبْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَصِلَ شَيْئًا بِشَيْءٍ، وتُسَمّى العُهُودُ والمَواثِيقُ حِبالًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وإذا تُجَوِّزُها حِبالُ قَبِيلَةٍ أخَذَتْ مِنَ الأدْنى إلَيْكَ حِبالَها ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: إنِّي بِحَبْلِكِ واصِلٌ حَبْلِي...
∗∗∗.....................
وَمِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ ﴾ .
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُرادِ في هَذِهِ الآيَةِ بِحَبْلِ اللهِ؛ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَبْلُ اللهِ: الجَماعَةُ.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَرَقُوا عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً، وإنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّها في النارِ إلّا واحِدَةً قالَ: فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، وما هَذِهِ الواحِدَةُ؟
قالَ: فَقَبَضَ يَدَهُ وقالَ: الجَماعَةُ، وقَرَأ: ﴿ واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا ﴾ .» وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في خُطْبَةٍ: عَلَيْكم جَمِيعًا بِالطاعَةِ والجَماعَةِ فَإنَّها حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ.
وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: حَبْلُ اللهِ الَّذِي أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِهِ: هو القُرْآنُ.
وقالَ السُدِّيُّ: حَبْلُ اللهِ: كِتابُ اللهِ، وقالَهُ أيْضًا ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ.
ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ أنَّ رَسُولَ اللهِ : قالَ: « "كِتابُ اللهِ هو حَبْلُ اللهِ المَمْدُودُ مِنَ السَماءِ إلى الأرْضِ".» وقالَ أبُو العالِيَةِ: حَبْلُ اللهِ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الإخْلاصُ في التَوْحِيدِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حَبْلُ اللهِ: هو الإسْلامُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "جَمِيعًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: "اعْتَصِمُوا"، فالمَعْنى: كُونُوا في اعْتِصامِكم مُجْتَمِعِينَ،."وَلا تَفَرَّقُوا" يُرِيدُ التَفَرُّقَ الَّذِي لا يَتَأتّى مَعَهُ الِائْتِلافُ عَلى الجِهادِ وحِمايَةُ الدِينِ وكَلِمَةِ اللهِ تَعالى.
وهَذا هو الِافْتِراقُ بِالفِتَنِ والِافْتِراقُ في العَقائِدِ، وأمّا الِافْتِراقُ في مَسائِلِ الفُرُوعِ والفِقْهِ فَلَيْسَ يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ.
بَلْ ذَلِكَ، هو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ : « "خِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ"» وقَدِ اخْتَلَفَ الصَحابَةُ في الفُرُوعِ أشَدَّ اخْتِلافٍ، وهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى كُلِّ كافِرٍ.
وأمّا الفِتْنَةُ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَمِنَ التَفَرُّقِ المَنهِيِّ عنهُ، أما إنَّ التَأْوِيلَ هو الَّذِي أدْخَلَ في ذَلِكَ أكْثَرَ مَن دَخَلَهُ مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عن جَمِيعِهِمْ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخِطابَ بِهَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو لِلْأوسِ والخَزْرَجِ، وذَلِكَ أنَّ العَرَبَ وإنْ كانَ هَذا اللَفْظُ يَصْلُحُ في جَمِيعِها، فَإنَّها لَمْ تَكُنْ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اجْتَمَعَتْ عَلى الإسْلامِ ولا تَألَّفَتْ قُلُوبُها، وإنَّما كانَتْ في قِصَّةِ شاسِ بْنِ قَيْسٍ في صَدْرِ الهِجْرَةِ، وحِينَئِذٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَهي في الأوسِ والخَزْرَجِ، كانَتْ بَيْنَهم عَداوَةٌ وحُرُوبٌ، مِنها يَوْمُ بُعاثٍ وغَيْرُهُ، وكانَتْ تِلْكَ الحُرُوبُ والعَداوَةُ قَدْ دامَتْ بَيْنَ الحَيَّيْنِ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً، حَتّى رَفَعَها اللهُ بِالإسْلامِ، فَجاءَ النَفَرُ السِتَّةُ مِنَ الأنْصارِ إلى مَكَّةَ حُجّاجًا، فَعَرَضَ رَسُولُ اللهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ كَما كانَ يَصْنَعُ مَعَ قَبائِلِ العَرَبِ، فَآمَنُوا بِهِ، وأرادَ الخُرُوجَ مَعَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ قَدِمْتَ بِلادُنا عَلى ما بَيْنَنا مِنَ العَداوَةِ والحَرْبِ؛ خِفْنا أنْ لا يَتِمَّ ما نُرِيدُهُ مِنكَ، ولَكِنْ نَمْضِي نَحْنُ ونُشِيعُ أمْرَكَ ونُداخِلُ الناسَ، ومَوْعِدُنا وإيّاكَ العامُ المُقْبِلُ، فَمَضَوْا وفَعَلُوا.
وجاءَتِ الأنْصارُ في العامِ التالِي، فَكانَتِ العَقَبَةُ الثانِيَةُ وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ خَمْسَةٌ مِنَ السِتَّةِ الأوَّلِينَ، ثُمَّ جاؤُوا مِنَ العامِ الثالِثِ فَكانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الكُبْرى، حَضَرَها سَبْعُونَ وفِيهِمُ اثْنا عَشَرَ نَقِيبًا؛ ووَصْفُ هَذِهِ القِصَّةِ مُسْتَوْعَبٌ في سِيرَةِ ابْنِ هِشامٍ.
ويَسَّرَ اللهُ تَعالى الأنْصارَ لِلْإسْلامِ بِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا مُجاوِرِينَ لَهم وكانُوا يَقُولُونَ لِمَن يَتَوَعَّدُونَهُ مِنَ العَرَبِ: يُبْعَثُ لَنا نَبِيٌّ الآنَ نَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَلَمّا رَأى النَفَرُ مِنَ الأنْصارِ مُحَمَّدًا ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَذا واللهِ النَبِيُّ الَّذِي تَذْكُرُهُ بَنُو إسْرائِيلَ فَلا تُسْبَقُنَّ إلَيْهِ.
والوَجْهُ الآخَرُ: الحَرْبُ الَّتِي كانَتْ ضَرَّسَتْهم وَأفْنَتْ سَراتَهُمْ، فَرَجَوْا أنْ يَجْمَعَ اللهُ بِهِ كَلِمَتَهم كالَّذِي كانَ، فَعَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ نِعْمَتَهُ في تَأْلِيفِهِمْ بَعْدَ العَداوَةِ، وذَكَّرَهم بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأصْبَحْتُمْ" عِبارَةٌ عَنِ الاسْتِمْرارِ، وإنْ كانَتِ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ ما.
وإنَّما خُصَّتْ هَذِهِ اللَفْظَةُ بِهَذا المَعْنى مِن حَيْثُ هي مَبْدَأُ النَهارِ، وفِيها مَبْدَأُ الأعْمالِ، فالحالُ الَّتِي يُحِسُّها المَرْءُ مِن نَفْسِهِ فِيها هي حالُهُ الَّتِي يَسْتَمِرُّ عَلَيْها يَوْمَهُ في الأغْلَبِ، ومِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ بْنِ ضَبْعٍ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والإخْوانُ: جَمْعُ أخٍ، ويُجْمَعُ إخْوَةً، وهَذانِ أشْهَرُ الجَمْعِ فِيهِ، عَلى أنَّ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ يَرى أنَّ إخْوَةً اسْمُ جَمْعٍ، ولَيْسَ بِبِناءِ جَمْعٍ لِأنَّ فَعَلًا لا يُجْمَعُ عَلى فِعْلَةٍ، قالَ بَعْضُ الناسِ الأخُ في الدِينِ يُجْمَعُ إخْوانًا، والأخُ في النَسَبِ يُجْمَعُ إخْوَةً: هَكَذا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي كِتابِ اللهِ تَعالى: ﴿ إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ ﴾ وفِيهِ: ﴿ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ ﴾ فالصَحِيحُ أنَّهُما يُقالانِ في النَسَبِ، ويُقالانِ في الدِينِ.
والشَفا: حَرْفُ كُلِّ جِرْمٍ لَهُ مَهْوىً، كالحُفْرَةِ والبِئْرِ والجُرُفِ والسَقْفِ والجِدارِ ونَحْوِهِ، ويُضافُ في الِاسْتِعْمالِ إلى الأعْلى، كَقَوْلِهِ: "شَفا جُرُفٍ" وإلى الأسْفَلِ كَقَوْلِهِ: "شَفا حُفْرَةٍ"، ويُثَنّى شَفَوانِ.
فَشَبَّهَ تَعالى كُفْرَهُمُ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ وحَرْبَهُمُ المُدْنِيَةَ مِنَ المَوْتِ بِالشَفا، لِأنَّهم كانُوا يَسْقُطُونَ في جَهَنَّمَ دَأْبًا فَأنْقَذَهُمُ اللهُ بِالإسْلامِ، والضَمِيرُ في "مِنها" عائِدٌ عَلى النارِ أو عَلى الحُفْرَةِ، والعَوْدُ عَلى الأقْرَبِ أحْسَنُ، وقالَ بَعْضُ الناسِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ: إنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى الشَفا، وأنَّثَ الضَمِيرَ مِن حَيْثُ كانَ الشَفا مُضافًا إلى مُؤَنَّثٍ، فالآيَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: رَأتْ مَرَّ السِنِينَ أخَذْنَ مِنِّي كَما أخَذَ السِرارُ مِنَ الهِلالِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ، والآيَةُ لا يُحْتاجُ فِيها إلى هَذِهِ الصِناعَةِ، إلّا لَوْ لَمْ تَجِدْ مَعادًا لِلضَّمِيرِ إلّا الشَفا، وأمّا ومَعَنا لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ يَعُودُ الضَمِيرُ عَلَيْهِ، يُعَضِّدُهُ المَعْنى المُتَكَلَّمُ فِيهِ، فَلا يُحْتاجُ إلى تِلْكَ الصِناعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَ في هَذِهِ الآياتِ، أيْ: فَكَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكم غَيْرَها.
وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: مَن تَأمَّلَ مِنكُمُ الحالَ رَجا الِاهْتِداءَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ وعِيسى بْنُ عُمَرَ وأبُو حَيْوَةَ: "وَلِتَكُنْ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ، إذْ أصْلُها الكَسْرُ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا لامَ الأمْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ الضَحّاكُ والطَبَرِيُّ وغَيْرُهُما: أُمِرَ المُؤْمِنُونَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِفَةِ، فَهم خاصَّةً أصْحابُ الرَسُولِ، وهم خاصَّةً الرُواةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ.
وأمَرَ اللهُ الأُمَّةَ بِأنْ يَكُونَ مِنها عُلَماءُ يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ عَلى وُجُوهِها، ويَحْفَظُونَ قَوانِينَها عَلى الكَمالِ، ويَكُونُ سائِرُ الأُمَّةِ مُتَّبِعِينَ لِأُولَئِكَ، إذْ هَذِهِ الأفْعالُ لا تَكُونُ إلّا بِعِلْمٍ واسِعٍ، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ الكُلَّ لا يَكُونُ عالِمًا، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: ولْتَكُونُوا كُلَّكم أُمَّةً يَدْعُونَ، "وَمِن" لِبَيانِ الجِنْسِ قالَ: ومِثْلُهُ مِن كِتابِ اللهِ ﴿ فاجْتَنِبُوا الرِجْسَ مِنَ الأوثانِ ﴾ ومِثْلُهُ مِنَ الشِعْرِ قَوْلُ القائِلِ: أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويُسْألُها يَأْبى الظُلامَةَ مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ إنَّما هي عِنْدِي بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لِيَكُنْ مِنكَ رَجُلٌ صالِحٌ، فَفِيها المَعْنى الَّذِي يُسَمِّيهِ النَحْوِيُّونَ "التَجْرِيدَ".
وانْظُرْ أنَّ المَعْنى الَّذِي هو ابْتِداءُ الغايَةِ يَدْخُلُها، وكَذَلِكَ يَدْخُلُ قَوْلَهُ تَعالى: "مِنَ الأوثانِ" ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ قَوْلَ الشاعِرِ: "مِنهُ النَوْفَلُ الزُفَرُ"، ولا تَجِدُهُ يَدْخُلُ في "مِن" الَّتِي هي صَرِيحُ بَيانِ الجِنْسِ، كَقَوْلِكَ: ثَوْبٌ مِن خَزٍّ، وخاتَمٌ مِن فِضَّةٍ، بَلْ هَذِهِ يُعارِضُها مَعْنى التَبْعِيضِ.
ومَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: أمْرُ الأُمَّةِ بِأنْ يَكُونُوا يَدْعُونَ جَمِيعَ العالَمِ إلى الخَيْرِ، الكُفّارَ إلى الإسْلامِ، والعُصاةَ إلى الطاعَةِ، ويَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ عَلى مَنزِلَتِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ.
قالَ أهْلُ العِلْمِ: وفَرَضَ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وهو مِن فُرُوضِ الكِفايَةِ إذا قامَ بِهِ قائِمٌ سَقَطَ عَنِ الغَيْرِ، ولِلُزُومِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ شُرُوطٌ، مِنها أنْ يَكُونَ بِمَعْرُوفٍ لا بِتَخَرُّقٍ، فَقَدْ قالَ : « "مَن كانَ آمِرًا بِمَعْرُوفٍ، فَلْيَكُنْ أمْرُهُ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ"» ومِنها أنْ لا يَخافَ الآمِرُ أذىً يُصِيبُهُ، فَإنْ فَعَلَ مَعَ ذَلِكَ فَهو أعْظَمُ لِأجْرِهِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والناسُ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ عَلى مَراتِبَ، فَفَرْضُ العُلَماءِ فِيهِ تَنْبِيهُ الحُكّامِ والوُلاةِ، وحَمْلُهم عَلى جادَّةِ العِلْمِ، وفَرْضُ الوُلاةِ تَغْيِيرُهُ بِقُوَّتِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَهُمْ: هي اليَدُ، وفَرْضُ سائِرِ الناسِ رَفْعُهُ إلى الحُكّامِ والوُلاةِ بَعْدَ النَهْيِ عنهُ قَوْلًا، وهَذا في المُنْكَرِ الَّذِي لَهُ دَوامٌ، وأمّا إنْ رَأى أحَدٌ نازِلَةً بَدِيهَةً مِنَ المُنْكَرِ كالسَلْبِ والزِنى ونَحْوِهِ فَيُغَيِّرُها بِنَفْسِهِ بِحَسَبِ الحالِ والقُدْرَةِ، ويَحْسُنُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَحْتَمِلَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ وإنْ نالَهُ بَعْضُ الأذى.
ويُؤَيِّدُ هَذا المَنزَعَ أنَّ في قِراءَةِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ الزُبَيْرِ: "يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويَسْتَعِينُونَ بِاللهِ عَلى ما أصابَهُمْ" فَهَذا وإنْ كانَ لَمْ يُثْبَتْ في المُصْحَفِ، فَفِيهِ إشارَةٌ إلى التَعَرُّضِ لِما يُصِيبُ عَقِيبَ الأمْرِ والنَهْيِ، كَما هي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ ﴾ ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: إذا لَمْ يُقْبَلْ مِنكم ولَمْ تَقْدِرُوا عَلى تَغْيِيرِ مُنْكَرٍ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْرُوفُ التَوْحِيدُ، والمُنْكَرُ: الكُفْرُ، والآيَةُ نَزَلَتْ في الجِهادِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّ التَوْحِيدَ والكُفْرَ هُما رَأْسُ الأمْرَيْنِ، ولَكِنْ ما نَزَلَ عن قَدْرِ التَوْحِيدِ والكُفْرِ، يَدْخُلُ في الآيَةِ ولابُدَّ.
و"المُفْلِحُونَ" الظافِرُونَ بِبُغْيَتِهِمْ، وهَذا وعْدٌ كَرِيمٌ.
ثُمَّ نَهى اللهُ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ عن أنْ يَكُونُوا كالمُتَفَرِّقِينَ مِنَ الأُمَمِ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في المُشارِ إلَيْهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى كُلِّ مَنِ افْتَرَقَ في الأُمَمِ في الدِينِ فَأهْلَكَهُمُ الافْتِراقُ، وقالَ الحَسَنُ: هي إشارَةٌ إلى اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ الزَجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ أيْضًا إلى فِرَقِ اليَهُودِ وفِرَقِ النَصارى، ومَجِيءُ البَيِّناتِ هو بِبَعْثِ الرُسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، وأسْنَدَ الفِعْلَ دُونَ عَلامَةٍ إلى البَيِّناتِ مِن حَيْثُ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ البَيانِ، ومِن حَيْثُ لا حَقِيقَةَ لِتَأْنِيثِها.
وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ أعْظَمُ مِن سِواهُ، ويَتَفاضَلُ هَذانِ العَرْضانِ بِأنَّ أحَدَهُما يَتَخَلَّلُهُ فُتُورٌ، وأمّا الجُزْءُ الفَرْدُ مِن هَذا وذَلِكَ فَسَواءٌ، هَذا تَحْرِيرُ مَذْهَبِ أصْحابِنا الأُصُولِيِّينَ رَحِمَهُمُ اللهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ ﴿ وَأمّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهم فَفي رَحْمَةِ اللهِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ والعامِلُ في قَوْلِهِ: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: ( ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ )، قالَ الزَجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: ويَثْبُتُ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ،.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ عَظَّمَ العَذابَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ قَوْلَهُ: "عَذابٌ" لِأنَّهُ مَصْدَرٌ قَدْ وُصِفَ.
وبَياضُ الوُجُوهِ: عِبارَةٌ عن إشْراقِها واسْتِنارَتِها وبِشْرِها بِرَحْمَةِ اللهِ، قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ.
ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن آثارِ الوُضُوءِ كَما قالَ النَبِيُّ : « "أنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ مِن آثارِ الوُضُوءِ".» وأمّا سَوادُ الوُجُوهِ: فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هو عِبارَةٌ عَنِ ارْبِدادِها وإظْلامِها بِغَمِّ العَذابِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَسْوِيدًا يُنْزِلُهُ اللهُ بِهِمْ عَلى جِهَةِ التَشْوِيهِ والتَمْثِيلِ بِهِمْ، عَلى نَحْوِ حَشْرِهِمْ زُرْقًا وهَذِهِ أقْبَحُ طَلْعَةٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَشّارٍ: ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوجُهٌ سُودُ وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "تِبْيَضُّ وتِسْوَدُّ" بِكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ، "تَبْياضُّ وُجُوهٌ، وتَسْوادُّ وُجُوهٌ" بِألِفٍ، وهي لُغَةٌ.
ولَمّا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إخْبارًا عن حالٍ لا تَخُصُّ أحَدًا مُعَيَّنًا بُدِئَ بِذِكْرِ البَياضِ لِشَرَفِهِ، وأنَّهُ الحالَةُ المُثْلى، فَلَمّا فُهِمَ المَعْنى وتَعَيَّنَ لَهُ الكُفّارُ والمُؤْمِنُونَ، بُدِئَ بِذِكْرِ الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم لِلِاهْتِمامِ بِالتَحْذِيرِ مِن حالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أكَفَرْتُمْ" تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ؟
وفي هَذا المَحْذُوفِ هو جَوابُ "أمّا"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ في الكَلامِ شَيْءٌ مُقَدَّرٌ لا يَسْتَغْنِي المَعْنى عنهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ ﴾ المَعْنى: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْدَ إيمانِكُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ لِهَؤُلاءِ المُوقَفِينَ إيمانًا مُتَقَدِّمًا، فاخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: المُوقَفِينَ جَمِيعُ الكُفّارِ، والإيمانُ الَّذِي قِيلَ لَهم بِسَبَبِهِ: "بَعْدَ إيمانِكُمْ" هو الإيمانُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ: "ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى" وقالَ أكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما عَنى بِالتَوْقِيفِ في هَذِهِ الآيَةِ أهْلَ القِبْلَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، يُؤْمِنُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ويَكْفُرُونَ بِقُلُوبِهِمْ، فَيُقالُ لَهُمْ: أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ؟
أيْ ذَلِكَ الإيمانُ بِألْسِنَتِهِمْ.
وقالَ السُدِّيُّ: هي فِيمَن كَفَرَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ حِينَ اقْتَتَلُوا، وقالَ أبُو أُمامَةَ: الآيَةُ في الخَوارِجِ، وقالَ قَتادَةُ: الآيَةُ في أهْلِ الرِدَّةِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لَيَرِدَنَّ عَلى الحَوْضِ رِجالٌ مِن أصْحابِي حَتّى إذا رُفِعُوا إلَيَّ اخْتَلَجُوا فَأقُولُ: أُصَيْحابِي أُصَيْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ: فَسُحْقًا فَسُحْقًا، وفي بَعْضِ طُرُقِهِ: "فَأُنادِيهِمْ: ألا هَلُمَّ، ألا هَلُمَّ".» وذَكَرَ النَحّاسُ قَوْلًا: إنَّ الآيَةَ في اليَهُودِ، وذَلِكَ أنَّهم آمَنُوا بِصِفَةِ مُحَمَّدٍ واسْتَفْتَحُوا بِهِ، فَلَمّا جاءَهم مِن غَيْرِهِمْ كَفَرُوا، فَهَذا كُفْرٌ بَعْدَ إيمانٍ، ورُوِيَ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في أهْلِ الأهْواءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ هَذا فَفي المُخْتَلِجِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ ما هو كُفْرٌ، ورُوِيَ حَدِيثٌ أنَّ الآيَةَ في القَدَرِيَّةِ وقالَ أبُو أُمامَةَ: سَمِعْنا مِن رَسُولِ اللهِ : أنَّها في الحَرُورِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عنهُ أنَّها في الخَوارِجِ وهو قَوْلٌ واحِدٌ، و"ما" في قَوْلِهِ "بِما كُنْتُمْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ ﴾ أيْ في النَعِيمِ الَّذِي هو مُوجَبُ رَحْمَةِ اللهِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: "هم فِيها" تَأْكِيدٌ بِجُمْلَتَيْنِ، إذْ كانَ الكَلامُ يَقُومُ دُونَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالحَقِّ وما اللهِ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللهِ ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ الإشارَةُ بِـ "تِلْكَ" إلى هَذِهِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ المُتَضَمِّنَةِ تَعْذِيبَ الكُفّارِ وتَنْعِيمَ المُؤْمِنِينَ، ولَمّا كانَ فِيها ذِكْرُ التَعْذِيبِ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لا يُرِيدُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ لِأحَدٍ مِنَ العِبادِ، وإذا لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَلا يُوجَدُ البَتَّةَ، لِأنَّهُ لا يَقَعُ مِن شَيْءٍ إلّا ما يُرِيدُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالإخْبارِ الحَقِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: نَتْلُوها عَلَيْكَ مُضَمَّنَةً الأفاعِيلَ الَّتِي هي حَقٌّ في أنْفُسِها، مِن كَرامَةِ قَوْمٍ، وتَعْذِيبِ آخَرِينَ.
وقَرَأ أبُو نَهِيكٍ: "يَتْلُوها" بِالياءِ، وجاءَ الإعْلامُ بِأنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ ظُلْمًا في حُكْمِهِ، فَإذًا لا يُوجَدُ.
ولَمّا كانَ لِلذِّهْنِ أنْ يَقِفَ هُنا في الوَجْهِ الَّذِي بِهِ خَصَّ اللهُ قَوْمًا بِعَمَلٍ يَرْحَمُهم مِن أجْلِهِ، وآخَرِينَ بِعَمَلٍ يُعَذِّبُهم عَلَيْهِ، ذَكَرَ تَعالى الحُجَّةَ القاطِعَةَ في مِلْكِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وأنَّ الحَقَّ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ الآيَةِ، وقالَ: "ما" ولَمْ يَقُلْ: "مَن" مِن حَيْثُ هي جُمَلٌ وأجْناسٌ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ: أنَّ بَعْضَ البَصْرِيِّينَ نَظَرَ قَوْلَهُ تَعالى: "وَإلى اللهِ" فَأظْهَرَ الِاسْمَ، ولَمْ يَقُلْ إلَيْهِ بِقَوْلِ الشاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا وَما جَرى مَجْراهُ، وقالَهُ الزَجّاجُ، وحُكِيَ أنَّ العَرَبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ إرادَةَ تَفْخِيمِ الكَلامِ والتَنْبِيهِ عَلى عِظَمِ المَعْنى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والآيَةُ تُشْبِهُ البَيْتَ في قَصْدِ فَخامَةِ النَظْمِ، وتُفارِقُهُ مِن حَيْثُ الآيَةُ جُمْلَتانِ مُفْتَرِقَتانِ في المَعْنى، فَلَوْ تَكَرَّرَتْ جُمَلٌ كَثِيرَةٌ عَلى هَذا الحَدِّ لَحَسُنَ فِيها كُلِّها إظْهارُ الِاسْمِ، ولَيْسَ التَعَرُّضُ بِالضَمِيرِ في ذَلِكَ بِعُرْفٍ، وأمّا البَيْتُ وما أشْبَهَهُ فالضَمِيرُ فِيهِ هو العُرْفُ، إذِ الكَلامُ في مَعْنىً واحِدٍ، ولا يَجُوزُ إظْهارُ الِاسْمِ إلّا في المَعانِي الفَخْمَةِ في النُفُوسِ مِنَ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيها اللَبْسُ عَلى السامِعِ.
وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "تَرْجِعُ الأُمُورُ" بِفَتْحِ التاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ﴾ ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَذِهِ لِأوَّلِنا، ولا تَكُونُ لِآخِرِنا، وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ في ابْنِ مَسْعُودٍ وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ ومَن شاكَلَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في الَّذِينَ هاجَرُوا مَعَ رَسُولِ اللهِ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ، مُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الصَحابَةِ، قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، فالإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "أُمَّةٍ" إلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ مُعَيَّنَةً، فَإنَّ هَؤُلاءِ هم خَيْرُها.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى الآيَةِ: خِطابُ الأُمَّةِ بِأنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فَلَفْظُ أُمَّةٍ، عَلى هَذا التَأْوِيلِ اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ كَوْنُهم شُهَداءَ عَلى الناسِ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "نَحْنُ الآخِرُونَ السابِقُونَ"...» الحَدِيثُ.
ورَوى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ عن أبِيهِ عن جَدِّهِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ يَوْمًا وهو مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ: "نَحْنُ نُكْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ أُمَّةً نَحْنُ آخِرُها وخَيْرُها"» قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: كُنْتُمْ خَيْرَ الناسِ، وقالَ الحَسَنُ: نَحْنُ آخِرُها وأكْرَمُها عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ كُنْتُمْ لِلنّاسِ خَيْرَ الناسِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَـ "أُمَّةٍ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ: اسْمُ جِنْسٍ، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَجِيئُونَ بِالكُفّارِ في السَلاسِلِ فَيُدْخِلُونَهم في الإسْلامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلى الأُمَّةِ كافَّةً إلّا مُحَمَّدٌ ، فَهو وأُمَّتُهُ يَدْعُونَ إلى الإيمانِ ويُقاتِلُونَ العالَمَ عَلَيْهِ، فَهم خَيْرُ الناسِ لِلنّاسِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّهم أفْضَلُ الأُمَمِ مِن نَفْسِ لَفْظِ الآيَةِ، لَكِنْ يُعْلَمُ هَذا مِن لَفْظٍ آخَرَ، وهي كَقَوْلِهِ : « "أرْأفُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أبُو بَكْرٍ"» فَلَيْسَ يَقْتَضِي هَذا اللَفْظُ أنَّ أبا بَكْرٍ أرْأفُ الناسِ عَلى الإطْلاقِ في مُؤْمِنٍ وكافِرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والرَأْفَةُ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَتْ بِجارِيَةٍ مَعَ الشَرْعِ كَما يَجِبُ.
وأمّا قَوْلُهُ: "كُنْتُمْ" عَلى صِيغَةِ الماضِي، فَإنَّها الَّتِي بِمَعْنى الدَوامِ، كَما قالَ ﴿ وَكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ، إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى كُنْتُمْ في عِلْمِ اللهِ، وقِيلَ: في اللَوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: فِيما أخْبَرَ بِهِ الأُمَمَ قَدِيمًا عنكم.
و"خَيْرَ" عَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها خَبَرُ كانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "كانَ" التامَّةَ، ويَكُونَ "خَيْرَ أُمَّةٍ" نَصْبًا عَلى الحالِ، وهَذا يَتَّجِهُ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ الَّتِي ذَكَرْناها دُونَ بَعْضٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الخَيْرِيَّةُ الَّتِي فَرَضَها اللهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ إنَّما يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنها مَن عَمِلَ هَذِهِ الشُرُوطَ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانِ بِاللهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وما بَعْدَهُ أحْوالٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن أهْلِ الكِتابِ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ المَقْرُونِ بِالنُصْحِ أنَّهم لَوْ آمَنُوا لَنَجَّوْا أنْفُسَهم مِن عَذابِ اللهِ.
وجاءَتْ لَفْظَةُ "خَيْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ وهي صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، ولا مُشارَكَةَ بَيْنَ كُفْرِهِمْ وإيمانِهِمْ في الخَيْرِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِما في لَفْظَةِ "خَيْرَ" مِنَ الشِياعِ وتَشَعُّبِ الوُجُوهِ، وكَذَلِكَ هي لَفْظَةُ أفْضَلَ وأحَبَّ وما جَرى مَجْراهُما.
وقَدْ بُيِّنَ هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِأوعَبَ مِن هَذا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ ﴾ تَنْبِيهٌ عَلى حالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وأخِيهِ وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ آمَنَ.
ثُمَّ حَكَمَ اللهُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِالفِسْقِ في كُفْرِهِ لِأنَّهم حَرَّفُوا وبَدَّلُوا وعانَدُوا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَةِ أمْرِ مُحَمَّدٍ ، فَهم كُفّارٌ فَسَقَةٌ في الكُفْرِ قَدْ جَمَعُوا المَذَمَّتَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وحَبْلٍ مِنَ الناسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ يَضُرُّوكم إلا أذًى ﴾ مَعْناهُ: لَنْ يُصِيبَكم مِنهم ضَرَرٌ في الأبْدانِ ولا في الأمْوالِ، وإنَّما هو أذىً بِالألْسِنَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ.
وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: "الأذى" هو تَحْرِيفُهم أمْرَ مُحَمَّدٍ وتَكْذِيبُهم إيّاهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَنَقُّصُهُمُ المُؤْمِنِينَ وطَعْنُهم عَلَيْهِمْ جُمْلَةً وأفْرادًا، وهَذا كُلُّهُ عَظِيمٌ مُقْلِقٌ، وبِسَبَبِهِ اسْتَحَقُّوا القَتْلَ والإجْلاءَ، وضَرْبَ الجِزْيَةِ.
لَكِنْ أرادَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَلْحَظَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِعَيْنِ الِاحْتِقارِ حَتّى لا يَصُدُّوا أحَدًا عن دِينِهِ ولا يَشْغَلُوهُ عن عِبادَةِ رَبِّهِ، وهَكَذا هي فَصاحَةُ العَرَبِ، ومِن هَذا المَعْنى في التَحْقِيرِ؛ قَوْلُ ثُمامَةَ بْنِ أُثالٍ: يا مُحَمَّدُ إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذا دَمٍ، وإنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلى شاكِرٍ، وإنْ شِئْتَ المالَ فَسَلْ مِنهُ ما شِئْتَ" فَقَوْلُهُ: "ذا دَمٍ" رُوِيَ بِالذالِ مَنقُوطَةً، وبِالدالِ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَـ "ذَمٍّ" بِفَتْحِ الذالِ وبِكَسْرِها أرادَ بِها الذِمامَ، وأمّا الدالُ غَيْرَ مَنقُوطَةٍ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ التَعْظِيمَ لِأمْرِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ بِأحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنْ يُرِيدَ الوَعِيدَ، أيْ تَقْتُلْ ذا دَمٍ مَطْلُوبٍ بِثَأْرِهِ لَهُ حُماةٌ فاحْذَرْ عاقِبَةَ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ تَقْتُلْ مَلِكًا يُسْتَشْفى بِدَمِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُ في دِماءِ المُلُوكِ، فَهَذا اسْتِعْطافٌ لا وعِيدٌ، أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تُفْسِدَ مِثْلِي، وهَذا كَما اسْتَعْطَفَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذا المَعْنى، ويَحْتَمِلُ كَلامُ ثُمامَةَ، أنَّهُ أرادَ تَحْقِيرَ أمْرِ نَفْسِهِ ولِيُذْهِبَ عن نَفْسِ رَسُولِ اللهِ المَسَرَّةَ بِنَيْلِ مِثْلِ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ، ويَجْرِي ذَلِكَ مَجْرى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ؟
ومِثْلُهُ قَوْلُ الأسِيرِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حِينَ قالَ لَهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، قالَ: إنَّ ذَلِكَ لا يَنْقُصُ مِن عَدَدِ الخَزَرِ شَيْئًا فَكَأنَّ ثُمامَةَ أرادَ: إنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ حَيَوانًا حَقِيرًا شَأْنُهُ، كَما يُقْتَلُ كُلُّ ذِي دَمٍ فَما بالُكَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وتَدَعُ الإنْعامَ عَلَيَّ؟
فالآيَةُ تَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى مِن جِهَةِ أنَّهُ حَقَّرَ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ما هو عَظِيمٌ في نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم.
وأخْبَرَ اللهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنْ يُقاتِلُوكُمْ ﴾ ....
الآيَةِ، بِخَبَرِ غَيْبٍ صَحَّحَهُ الوُجُودُ، فَهي مِن آياتِ مُحَمَّدٍ ، وفائِدَةُ الخَبَرِ هي في قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ﴾ ، أيْ: لا تَكُونُ حَرْبُهم مَعَكم سِجالًا وخَصَّ الأدْبارَ بِالذِكْرِ دُونَ الظَهْرِ تَخْسِيسًا لِلْفارِّ، وهَكَذا هو حَيْثُ تَصَرَّفَ.
وقَوْلُهُ: "ضُرِبَتْ" مَعْناهُ: أُثْبِتَتْ بِشِدَّةٍ والتِزامٍ مُؤَكَّدٍ، وهَذا وصْفُ حالٍ تَقَرَّرَتْ عَلى اليَهُودِ في أقْطارِ الأرْضِ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ، قالَ الحَسَنُ: جاءَ الإسْلامُ وإنَّ المَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الجِزْيَةَ، وما كانَتْ لَهم عِزَّةٌ ومَنَعَةٌ إلّا بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ وتِلْكَ الأرْضِ فَأزالَها اللهُ بِالإسْلامِ، ولَمْ تَبْقَ لَهم رايَةٌ أصْلًا في الأرْضِ.
و"الذِلَّةُ"، فِعْلَةٌ مِنَ الذُلِّ، و"ثُقِفُوا" مَعْناهُ: أُخِذُوا وهم بِحالِ المُذْنِبِ المُسْتَحِقِّ الإهْلاكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ ﴾ .
﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الثِقافِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نَدْعُو ثَقِيفًا وقَدْ عَضَّ الحَدِيدُ بِها عَضَّ الثِقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا بِحَبْلٍ" اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ لِأنَّ بادِيَ الرَأْيِ يُعْطِي أنَّ لَهُ أنْ يَقْتُلَ خَطَأً، وأنَّ الحَبْلَ مِنَ اللهِ ومِنَ الناسِ يُزِيلُ ضَرْبَ الذِلَّةِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما الكَلامُ مَحْذُوفٌ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السامِعِ الناظِرِ في الأمْرِ، وتَقْدِيرُهُ في آياتِنا: فَلا نَجاةَ مِنَ المَوْتِ إلّا بِحَبْلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا ﴾ كَأنَّهُ بِالمَعْنى: هَلَكُوا واسْتُؤْصِلُوا، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها: "إلّا بِحَبْلٍ".
وقَرُبَ فَهْمُ ذَلِكَ لِلسّامِعِ.
قالَ الزَجّاجُ: المَعْنى ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِلَّةُ إلّا أنَّهم يَعْتَصِمُونَ بِالعَهْدِ إذا أُعْطَوْهُ، والحَبْلُ: العَهْدُ، شُبِّهَ بِهِ لِأنَّهُ يَصِلُ قَوْمًا بِقَوْمٍ كَما يَفْعَلُ الحَبْلُ في الأجْرامِ.
و"باءُوا" مَعْناهُ: مَضَوْا مُتَحَمِّلِينَ لِهَذا الحُكْمِ، وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي أوقَعَ بِهِمْ.
وأفْعالُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى وجْهِ الدَهْرِ مِنَ التَعَنُّتِ والعِصْيانِ تُوجِبُ الغَضَبَ، فَلِذَلِكَ خُصُّوا بِهِ، والنَصارى إنَّما ضَلُّوا فَقَطْ.
و"المَسْكَنَةُ": التَذَلُّلُ والضَعَةُ، وهي حالَةُ الطَوافِ المُلْتَمِسِ لِلُّقْمَةِ واللُقْمَتَيْنِ المُضارِعِ المُفارِقِ لِحالَةِ التَعَفُّفِ والتَعَزُّزِ بِهِ، فَلَيْسَ أحَدٌ مِنَ اليَهُودِ وإنْ كانَ غَنِيًّا إلّا وهو بِهَذِهِ الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ وضَرْبِ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ، فَعاقَبَهُمُ اللهُ عَلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِذَلِكَ.
و"آياتِ اللهِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها المَتْلُوَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ العِبَرَ الَّتِي عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: "بِغَيْرِ حَقٍّ" تَأْكِيدٌ ومُبالَغَةٌ وقَطْعٌ لِما عَسى أنْ يَكُونَ في وهْمِ إنْسانٍ مُمْكِنًا بِوَجْهٍ ما.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما عَصَوْا ﴾ حَمَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" إلى الشَيْءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِـ "ذَلِكَ" الأوَّلِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ والزَجّاجُ وغَيْرُهُما.
والَّذِي أقُولُ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "ذَلِكَ" الأخِيرِ إنَّما هي إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى اسْتَدْرَجَهم فَعاقَبَهم عَلى العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِالمَصِيرِ إلى الكُفْرِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ، وهو الَّذِي يَقُولُ أهْلُ العِلْمِ: إنّاللهَ تَعالى يُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ بِالإيقاعِ في مَعْصِيَةٍ، ويُجازِي عَلى الطاعَةِ بِالتَوْفِيقِ إلى طاعَةٍ، وذَلِكَ مَوْجُودٌ في الناسِ إذا تَأمَّلَ.
وعِصْيانُ بَنِي إسْرائِيلَ واعْتِداؤُهم في السَبْتِ وغَيْرِهِ مُتَقَرِّرٌ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِن كِتابِ اللهِ.
وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ عِنْدَما فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ: "اجْتَنِبُوا المَعْصِيَةَ والعُدْوانَ، فَإنَّ بِها أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم مِنَ الناسِ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ وهم يَسْجُدُونَ ﴾ ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصالِحِينَ ﴾ لَمّا مَضَتِ الضَمائِرُ في الكُفْرِ والقَتْلِ والعِصْيانِ والِاعْتِداءِ عامَّةً في جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ، عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ الَّذِينَ هم عَلى خَيْرٍ وإيمانٍ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَن هو عَلى اسْتِقامَةٍ، فَمِنهم مَن ماتَ قَبْلَ أنْ يُدْرِكَ الشَرائِعَ فَذَلِكَ مِنَ الصالِحِينَ، ومِنهم مَن أدْرَكَ الإسْلامَ فَدَخَلَ فِيهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَعْتَرِضُ هَذا النَظَرَ أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ عَلى عِوَجٍ مِن وقْتِ عِيسى، وتَجِيءُ الآيَةُ إشارَةً إلى مَن أسْلَمَ فَقَطْ، أو يَكُونُ اليَهُودُ في مَعْنى الأُمَّةِ القائِمَةِ إلى وقْتِ عِيسى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ الحُكْمُ في النَصارى، ولَفْظُ "أهْلِ الكِتابِ" يَعُمُّ الجَمِيعَ، والضَمِيرُ في "لَيْسُوا" لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ ﴾ ، وما قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مِن أنَّ الآيَةَ نَظِيرَةُ قَوْلِ العَرَبِ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ" خَطَأٌ مَرْدُودٌ، وكَذَلِكَ أيْضًا ما حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّ "أُمَّةٌ" مُرْتَفِعَةٌ بِـ "سَواءً" عَلى أنَّها فاعِلَةٌ كَأنَّهُ قالَ: لا تَسْتَوِي أُمَّةُ كَذا، وأنَّ في آخِرِ الكَلامِ مَحْذُوفًا مُعادِلًا تَقْدِيرُهُ: وأُمَّةٌ كافِرَةٌ، فَأغْنى القِسْمُ الأوَّلُ عن ذِكْرِها ودَلَّ عَلَيْهِ، كَما قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: عَصَيْتُ إلَيْها القَلْبَ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها؟
المَعْنى: أمْ غَيٌّ، فاقْتَصَرَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإنَّما الوَجْهُ أنَّ الضَمِيرَ في "لَيْسُوا" يُرادُ بِهِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، و"سَواءً" خَبَرُ لَيْسَ، و ﴿ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ مَجْرُورٌ فِيهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و"أُمَّةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: لَمّا أسْلَمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ، وأسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ، ومَن أسْلَمَ مِنَ اليَهُودِ، مَعَهُمْ: قالَ الكُفّارُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: ما آمَنَ بِمُحَمَّدٍ إلّا شِرارُنا، ولَوْ كانُوا خِيارًا ما تَرَكُوا دِينَ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ: "لَيْسُوا سَواءً"....
الآيَةَ، وقالَ مِثْلَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ أصَحُّ التَأْوِيلاتِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ اليَهُودُ وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ سَواءً، وقالَهُ السُدِّيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَمِن حَيْثُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ وذِكْرُ أيْضًا اليَهُودِ قالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ: "لَيْسُوا سَواءً"، والكِتابُ عَلى هَذا جِنْسُ كُتُبِ اللهِ، ولَيْسَ بِالمَعْهُودِ مِنَ التَوْراةِ والإنْجِيلِ فَقَطْ.
والمَعْنى: مِن أهْلِ الكِتابِ وهم أهْلُ القُرْآنِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ.
واخْتَلَفَ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ "قائِمَةٌ" فَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: عادِلَةٌ، وقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ عَلى كِتابِ اللهِ وحُدُودِهِ مُهْتَدِيَةٌ، وقالَ السُدِّيُّ: القانِتَةُ المُطِيعَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى مَعْنىً واحِدٍ مِنَ الاعْتِدالِ عَلى أمْرِ اللهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلدَّنانِيرِ أوِ الدَراهِمِ الوازِنَةِ قائِمَةٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ هَذا المَعْنى وأنْ لا تُنْظَرَ اللَفْظَةُ إلى هَيْئَةِ الأشْخاصِ وقْتَ تِلاوَةِ آياتِ اللهِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "قائِمَةٌ" وصْفُ حالِ التالِينَ في آناءِ اللَيْلِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَلا مَحالَةَ أنَّهُ مُعْتَدِلٌ عَلى أمْرِ اللهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ في هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ﴾ .
و"يَتْلُونَ" مَعْناهُ: يَسْرُدُونَ، و"آياتِ اللهِ" في هَذِهِ الآيَةِ هِيَ: كُتُبُهُ، والآناءُ: الساعاتُ، واحِدُها إنْيٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ.
ويُقالُ فِيهِ أنْيٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وَيُقالُ إنى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُونِ والقَصْرِ، ويُقالُ فِيهِ: أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إنْوُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُونِ وبِواوٍ مَضْمُومَةٍ.
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَيْلِيِّ: حُلْوٌ ومُرٌّ كَعَطْفِ القِدْحِ مِرَّتُهُ ∗∗∗ في كُلِّ إنْيٍ قَضاهُ اللَيْلُ يَنْتَعِلُ وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّفِقُ في شَخْصٍ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ يُصَلِّي جَمِيعَ ساعاتِ اللَيْلِ، وإنَّما يَقُومُ هَذا الحُكْمُ مِن جَماعَةِ الأُمَّةِ، إذْ بَعْضُ الناسِ يَقُومُ أوَّلَ اللَيْلِ، وبَعْضُهم آخِرَهُ، وبَعْضُهم بَعْدَ هَجْعَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إلى نَوْمِهِ، فَيَأْتِي مِن مَجْمُوعِ ذَلِكَ في المُدُنِ والجَماعاتِ عِبارَةُ آناءَ اللَيْلِ بِالقِيامِ، وهَكَذا كانَ صَدْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ، وعَرَفَ الناسُ القِيامَ في أوَّلِ الثُلُثِ الآخِرِ مِنَ اللَيْلِ أو قَبْلَهُ بِشَيْءٍ، وحِينَئِذٍ كانَ يَقُومُ الأكْثَرُ، والقِيامُ طُولَ اللَيْلِ قَلِيلٌ، وقَدْ كانَ في الصالِحِينَ مَن يَلْتَزِمُهُ، وقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى القَصْدَ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ، وقِيامُ اللَيْلِ لِقِراءَةِ العِلْمِ المُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللهِ داخِلٌ في هَذِهِ الآيَةِ، وهو أفْضَلُ مِنَ التَنَفُّلِ لِمَن يُرْجى انْتِفاعُ المُسْلِمِينَ بِعِلْمِهِ.
وأمّا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في "آناءَ اللَيْلِ"، فَقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ: سَمِعْنا العَرَبَ تَقُولُ: آناءَ اللَيْلِ: ساعاتُ اللَيْلِ، وقالَ السُدِّيُّ: آناءَ اللَيْلِ: جَوْفُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلِقٌ.
أما إنَّ جَوْفَ اللَيْلِ جُزْءٌ مِنَ الآناءِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ «أنَّ النَبِيَّ احْتَبَسَ عَنّا لَيْلَةً عن صَلاةِ العَتَمَةِ وكانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسائِهِ، فَلَمْ يَأْتِ حَتّى مَضى لَيْلٌ، فَجاءَ ومِنّا المُصَلِّي ومِنّا المُضْطَجِعُ، فَقالَ: "أبْشِرُوا فَإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُصَلِّي هَذِهِ الصَلاةَ" ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿ لَيْسُوا سَواءً ﴾ ....
الآيَةَ،» فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ ﴾ صَلاةُ العِشاءِ.
ورَوى سُفْيانُ الثَوْرِيُّ عن مَنصُورٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُصَلِّينَ بَيْنَ العِشاءَيْنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَسْجُدُونَ ﴾ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ السُجُودَ هُنا عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، سَمّاها بِجُزْءٍ شَرِيفٍ مِنها كَما تُسَمّى في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ رُكُوعًا، فَهي عَلى هَذا جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَيْلِ مُصَلِّينَ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّها جُمْلَةٌ مَقْطُوعَةٌ مِنَ الكَلامِ الأوَّلِ، أخْبَرَ عنهم أنَّهم أيْضًا أهْلُ سُجُودٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ هَذا مِن جِهَةِ أنَّ التِلاوَةَ آناءَ اللَيْلِ قَدْ يَعْتَقِدُ السامِعُ أنَّ ذَلِكَ في غَيْرِ الصَلاةِ، وأيْضًا فالقِيامُ في قِراءَةِ العِلْمِ يَخْرُجُ مِنَ الآيَةِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، ويَثْبُتُ فِيها عَلى هَذا الثانِي، فَـ "هم يَسْجُدُونَ" عَلى هَذا نَعْتُ عَدَدٍ بِواوِ العَطْفِ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي زَيْدٌ الكَرِيمُ والعاقِلُ.
و"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ إيمانٌ بِالأنْبِياءِ.
لِأنَّهُ مِن جائِزاتِ العَقْلِ الَّتِي أثْبَتَها السَمْعُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ وصْفٌ بِأنَّهم مَتى دُعُوا إلى خَيْرٍ مِن نَصْرِ مَظْلُومٍ وإغاثَةِ مَكْرُوبٍ وجَبْرِ مَهِيضٍ وعِبادَةِ اللهِ أجابُوا، ومِنهُ فِعْلُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في رَكْعَتَيِ المَسْجِدِ، وقالَ: دَعَوْتَنِي إلى خَيْرٍ فَأجَبْتُ إلَيْهِ.
ومِمّا يَدْخُلُ في ضِمْنِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ ﴾ أنْ يَكُونَ المَرْءُ مُغْتَنِمًا لِلْخَمْسِ قَبْلَ الخَمْسِ كَما قالَ النَبِيُّ : « "اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وفَراغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قَبْلَ مَماتِكَ، وغِناكَ قَبْلَ فَقْرِكَ"،» فَيَكُونُ مَتى أرادَ أنْ يَصْنَعَ خَيْرًا بادَرَ إلَيْهِ ولَمْ يُسَوِّفْ نَفْسَهُ بِالأمَلِ، فَهَذِهِ أيْضًا مُسارَعَةٌ في الخَيْراتِ.
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ بَعْضِ الصالِحِينَ في مَرْكَبٍ فَقُلْتُ لَهُ: ما تَقُولُ أصْلَحَكَ اللهُ في الصَوْمِ في السَفَرِ؟
فَقالَ لِي: إنَّها المُبادَرَةُ يا ابْنَ أخِي، قالَ المُحَدِّثُ: فَجاءَنِي واللهِ بِجَوابٍ لَيْسَ مِن أجْوِبَةِ الفُقَهاءِ.
ثُمَّ وصَفَ اللهُ تَعالى مَن تَحَصَّلَتْ لَهُ هَذِهِ الصِفاتُ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ الصالِحِينَ، و"مِنَ" يَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما يَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا وأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ وما ظَلَمَهُمُ اللهُ ولَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ: "تَفْعَلُوا" و"تُكْفَرُوهُ" بِالتاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالياءِ فِيهِما عَلى مُشابَهَةِ ما تَقَدَّمَ مِن: "يَتْلُونَ" و"يُؤْمِنُونَ"، وما بَعْدَهُما، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ بِالوَجْهَيْنِ.
و"تُكْفَرُوهُ" مَعْناهُ: يُغَطّى دُونَكم فَلا تُثابُونَ عَلَيْهِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ : « "وَمَن أزَلْتُ إلَيْهِ نِعْمَةً فَلْيَذْكُرْها فَإنْ ذَكَرَها فَقَدْ شَكَرَها، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ كَفَرَها"،» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ........................
والكُفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذا الصِنْفِ الصالِحِ بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وخَصَّ اللهُ تَعالى الأمْوالَ والأولادَ بِالذِكْرِ لِوُجُوهٍ:.
مِنها أنَّها زِينَةُ الحَياةِ الدُنْيا وعُظْمُ ما تَجْرِي إلَيْهِ الآمالُ، ومِنها أنَّها ألْصَقُ النُصْرَةِ بِالإنْسانِ وأيْسَرُها، ومِنها أنَّ الكُفّارَ المُكَذِّبِينَ بِالآخِرَةِ لا هِمَّةَ لَهم إلّا فِيها وهي عِنْدَهم غايَةُ المَرْءِ وبِها كانُوا يَفْخَرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، فَذَكَرَ اللهُ أنَّ هَذَيْنِ اللَذَيْنِ هُما بِهَذِهِ الأوصافِ؛ لا غَناءَ فِيهِما مِن عِقابِ اللهِ في الآخِرَةِ، فَإذا لَمْ تُغْنِ هَذِهِ فَغَيْرُها مِنَ الأُمُورِ البَعِيدَةِ أحْرى ألّا يُغْنِيَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أصْحابُ النارِ ﴾ إضافَةُ تَخْصِيصٍ ما تَقْتَضِي ثُبُوتَ ذَلِكَ لَهم ودَوامَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُنْيا ﴾ ....
الآيَةُ، مَعْناهُ: المِثالُ القائِمُ في النُفُوسِ مِن إنْفاقِهِمُ الَّذِي يَعُدُّونَهُ قُرْبَةً وحِسْبَةً وتَحَنُّثًا، ومِن حَبْطِهِ يَوْمَ القِيامَةِ وكَوْنِهِ هَباءً مَنثُورًا، وذَهابِهِ كالمِثالِ القائِمِ في النُفُوسِ مِن زَرْعِ قَوْمٍ نَبَتَ واخْضَرَّ وقَوِيَ الأمَلُ فِيهِ فَهَبَّتْ عَلَيْهِ رِيحٌ فِيها صِرٌّ مُحْرِقٌ فَأهْلَكَتْهُ، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وشَيْئَيْنِ، ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهَيْنِ وتَرَكَ الآخَرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أحَدَ الشَيْئَيْنِ المُشَبَّهِ بِهِما، ولَيْسَ الَّذِي يُوازِي المَذْكُورَ الأوَّلَ، وتَرَكَ ذِكْرَ الآخَرِ، ودَلَّ المَذْكُورانِ عَلى المَتْرُوكَيْنِ، وهَذِهِ غايَةُ البَلاغَةِ والإيجازِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ﴾ .
وقَرَأ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الأعْرَجُ "تُنْفِقُونَ" بِالتاءِ عَلى مَعْنى قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"مَثَلُ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في مَحْذُوفٍ بِهِ تَتَعَلَّقُ الكافُ مِن قَوْلِهِ: "كَمَثَلِ"، و"ما"، بِمَعْنى الَّذِي، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ الأمْوالُ الَّتِي كانُوا يُنْفِقُونَها في التَحَنُّثِ وفي عَداوَةِ رَسُولِ اللهِ ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم قُرْبَةً، وقالَ السُدِّيُّ: "يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ: مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يُبْطِنُونَ ضِدَّها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في المُنافِقِينَ، والآيَةُ إنَّما هي في كُفّارٍ يُعْلِنُونَ مِثْلَ ما يُبْطِنُونَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ "يُنْفِقُونَ" يُرادُ بِهِ أعْمالُهم مِنَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ، أيْ هي كالرِيحِ الَّتِي فِيها صِرٌّ، فَتُبْطِلُ كُلَّ ما لَهم مِن صِلَةِ رَحِمٍ وتَحَنُّثٍ بِعِتْقٍ ونَحْوِهِ، كَما تُبْطِلُ الرِيحُ الزَرْعَ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ لَوْلا بُعْدُ الِاسْتِعارَةِ في الإنْفاقِ.
والصِرُّ: البَرْدُ الشَدِيدُ المُحْرِقُ لِكُلِّ ما يَهُبُّ عَلَيْهِ، وهو مَعْرُوفٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الصِرُّ البَرْدُ، وتُسَمِّيهِ العَرَبُ: الضَرِيبَ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ التَصْوِيتِ، مِن قَوْلِهِمْ: صَرَّ الشَيْءُ، ومِنهُ الرِيحُ الصَرْصَرُ، قالَ الزَجّاجُ: فالصِرُّ صَوْتُ النارِ الَّتِي في الرِيحِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الصِرُّ: هو نَفَسُ جَهَنَّمَ الَّذِي في الزَمْهَرِيرِ يُحْرِقُ نَحْوًا مِمّا تُحْرِقُ النارُ.
والحَرْثُ: شامِلٌ لِلزَّرْعِ والثِمارِ، لِأنَّ الجَمِيعَ مِمّا يَصْدُرُ عن إثارَةِ الأرْضِ وهي حَقِيقَةُ الحَرْثِ، ومِنهُ الحَدِيثُ: « "لا زَكاةَ إلّا في عَيْنٍ أو حَرْثٍ أو ماشِيَةٍ".» وقالَ عَزَّ وجَلَّ: "ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ" فَما بالُ هَذا التَخْصِيصِ والمَثَلُ صَحِيحٌ، وإنْ كانَ الحَرْثُ لِمَن لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟
فالجَوابُ أنَّ ظُلْمَ النَفْسِ في هَذِهِ الآيَةِ تَأوَّلَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ بِأنَّهُ ظُلْمٌ بِمَعاصِي اللهِ، فَعَلى هَذا وقَعَ التَشْبِيهُ بِحَرْثِ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ، إذْ عُقُوبَتُهُ أرْجى، وأخْذَةُ اللهِ لَهُ أشَدُّ، والنِقْمَةُ إلَيْهِ أسْرَعُ وفِيهِ أقْوى، كَما رُوِيَ: "فِي جَوْفِ العِيرِ" وغَيْرُهُ.
وأيْضًا فَمِن أهْلِ العِلْمِ مَن يَرى أنَّ كُلَّ مَصائِبِ الدُنْيا فَإنَّما هي بِمَعاصِي العَبِيدِ، ويَنْتَزِعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ ما آيَةٍ في القُرْآنِ، فَيَسْتَقِيمُ عَلى قَوْلِهِ: إنَّ كُلَّ حَرْثٍ تُحْرِقُهُ رِيحٌ فَإنَّما هو لِمَن قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ ونَحا إلَيْهِ المَهْدَوِيُّ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ﴾ مَعْناهُ: زَرَعُوا في غَيْرِ أوانِ الزِراعَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَنْبَغِي أنْ يُقالَ في هَذا: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ وضَعُوا أفْعالَ الفِلاحَةِ غَيْرَ مَوْضِعِها مِن وقْتٍ أو هَيْئَةِ عَمَلٍ، ويَخُصُّ هَؤُلاءِ بِالذِكْرِ لِأنَّ الحَرْقَ فِيما جَرى هَذا المَجْرى أوعَبُ وأشَدُّ تَمَكُّنًا، وهَذا المَنزَعُ يُشْبِهُهُ مِن جِهَةٍ ما قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: وسالِفَةٍ كَسَحُوقِ اللِيا ∗∗∗ نِ أضْرَمَ فِيها الغَوِيُّ السَعَرْ فَخَصَّصَ الغَوِيَّ لِأنَّهُ يُلْقِي النارَ في النَخْلَةِ الخَضْراءِ الحَسَنَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُحْرَقَ، فَتُطْفِئُ النارُ عن نَفْسِها رُطُوبَتَها بَعْدَ أنْ تَتَشَذَّبَ وتَسْوَدَّ، فَيَجِيءُ الشَبَهُ حَسَنًا.
والرَشِيدُ لا يُضْرِمُ النارَ إلّا فِيما يَبِسَ واسْتَحَقَّ فَهو يَذْهَبُ ولا يَبْقى مِنهُ ما يُشَبَّهُ بِهِ.
والضَمِيرُ في "ظَلَمَهُمُ" لِلْكُفّارِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ضَمِيرُهم فِي: "يُنْفِقُونَ"، ولَيْسَ هو لِلْقَوْمِ ذَوِي الحَرْثِ لِأنَّهم لَمْ يُذْكَرُوا لِيَرُدَّ عَلَيْهِمْ ولا لِيُبَيِّنَ ظُلْمَهُمْ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ ﴾ يَدُلُّ عَلى فِعْلِ الحالِ في حاضِرِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عن أنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الكُفّارِ واليَهُودِ أخِلّاءً يَأْنَسُونَ بِهِمْ في الباطِنِ مِن أُمُورِهِمْ، ويُفاوِضُونَهم في الآراءِ، ويَسْتَنِيمُونَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: "مِن دُونِكُمْ" يَعْنِي: مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، ولَفْظَةُ "دُونَ" تَقْتَضِي فِيما أُضِيفُ إلَيْهِ أنَّهُ مَعْدُومٌ مِنَ القِصَّةِ الَّتِي فِيها الكَلامُ، فَشَبَّهَ الأخِلّاءَ بِما يَلِي بَطْنَ الإنْسانِ مِن ثَوْبِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ : « "ما مِن خَلِيفَةٍ ولا ذِي إمْرَةٍ إلّا ولَهُ بِطانَتانِ، بِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالخَيْرِ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وبِطانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَرِّ وتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، والمَعْصُومُ مَن عَصَمَ اللهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿ لا يَأْلُونَكم خَبالا ﴾ مَعْناهُ: لا يُقَصِّرُونَ لَكم فِيما فِيهِ الفَسادُ عَلَيْكُمْ، تَقُولُ: ما ألَوْتُ في كَذا، أيْ: ما قَصَّرْتُ، بَلِ اجْتَهَدْتُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: جَرى بَعْدَهم قَوْمٌ لِكَيْ يَلْحَقُوهُمُ فَلَمْ يَلْحَقُوا ولَمْ يُلِيمُوا ولَمْ يَأْلُوا أيْ لَمْ يُقَصِّرُوا.
والخَبَلُ والخَبالُ: الفَسادُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُواصِلُونَ رِجالًا مِنَ اليَهُودِ، لِلْجِوارِ والحِلْفِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.
وقالَ أيْضًا ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والرَبِيعُ والسُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عنهم.
ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "لا تَسْتَضِيئُوا بِنارِ المُشْرِكِينَ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم عَرَبِيًّا"» فَسَّرَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ فَقالَ: أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَسْتَشِيرُوا المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أُمُورِكُمْ، ولا تَنْقُشُوا في خَواتِيمِكم "مُحَمَّدًا".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْتِكْتابُ أهْلِ الذِمَّةِ وتَصْرِيفُهم في البَيْعِ والشِراءِ والِاسْتِنامَةُ إلَيْهِمْ.
ورُوِيَ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ اسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يُعَنِّفُهُ، وتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ.
وقِيلَ لِعُمَرَ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مِن نَصارى الحِيرَةِ لا أحَدَ أكْتَبُ مِنهُ ولا أخَطُّ بِقَلَمٍ، أفَلا يَكْتُبُ عنكَ؟
فَقالَ: إذًا أتَّخِذُ بِطانَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ.
و"ما" في قَوْلِهِ: "ما عَنِتُّمْ" مَصْدَرِيَّةٌ.
فالمَعْنى: ودُّوا عَنَتَكُمْ، والعَنَتُ: المَشَقَّةُ والمَكْرُوهُ يَلْقاهُ المَرْءُ، وعَقَبَةٌ عَنُوتٌ: أيْ شاقَّةٌ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ ﴾ مَعْناهُ: المَشَقَّةُ إمّا في الزِنى، وإمّا في مِلْكِ الإرْبِ.
قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: ودُّوا ما ضَلَلْتُمْ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَعْنى: ودُّوا أنْ تَعْنَتُوا في دِينِكُمْ، ويُقالُ: عَنِتَ الرَجُلُ يَعْنَتُ بِكَسْرِ النُونِ في الماضِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ ﴾ يَعْنِي بِالأقْوالِ، فَهم فَوْقَ المُتَسَتِّرِ الَّذِي تَبْدُو البَغْضاءُ في عَيْنَيْهِ.
وخَصَّ تَعالى الأفْواهَ بِالذِكْرِ دُونَ الألْسِنَةِ إشارَةً إلى تَشَدُّقِهِمْ وثَرْثَرَتِهِمْ في أقْوالِهِمْ هَذِهِ، ويُشْبِهُ هَذا الَّذِي قُلْناهُ ما في الحَدِيثِ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ نَهى أنْ يَتَشَحّى الرَجُلُ في عِرْضِ أخِيهِ،» مَعْناهُ: أنْ يَفْتَحَ فاهُ بِهِ، يُقالُ: شَحا الحِمارُ فاهُ بِالنَهِيقِ، وشَحا اللِجامُ في الفَرَسِ، والنَهْيُ في أنْ يَأْخُذَ أحَدٌ عِرْضَ أخِيهِ هَمْسًا راتِبٌ، فَذِكْرُ التَشَحِّي إنَّما هو إشارَةٌ إلى التَشَدُّقِ والِانْبِساطِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّهم يُبْطِنُونَ مِنَ البَغْضاءِ أكْثَرَ مِمّا يُظْهِرُونَ بِأفْواهِهِمْ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قَدْ بَدا البَغْضاءُ" بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ، لِما كانَتِ البَغْضاءُ بِمَعْنى البُغْضِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآياتِ إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تَحْذِيرًا وتَنْبِيهًا، وقَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّهم عُقَلاءُ ولَكِنَّ هَذا هَزٌّ لِلنُّفُوسِ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا وكَذا.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ وإذا لَقُوكم قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكم إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ تَقَدَّمَ إعْرابُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ وقِراءَتُها في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا: ﴿ ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ ﴾ والضَمِيرُ فِي: "تُحِبُّونَهُمْ" لِمُنافِقِي اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿ بِطانَةً مِن دُونِكُمْ ﴾ ، والضَمِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ لِلْجِنْسِ، أيْ: تُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ وهم لا يُؤْمِنُونَ بِقِراءَتِكم.
وإنَّما وقَفَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِبُغْضِ المُؤْمِنِينَ لِمُنافِقِي اليَهُودِ واطِّراحِهِمْ إيّاهُمْ، فَمِن تِلْكَ الأحْوالِ أنَّهم لا يُحِبُّونَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّهم يَكْفُرُونَ بِكِتابِهِمْ، وأنَّهم يُنافِقُونَ عَلَيْهِمْ ويَسْتَخِفُّونَ بِهِمْ ويَغْتاظُونَ ويَتَرَبَّصُونَ الدَوائِرَ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأنامِلَ ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الغَيْظِ مَعَ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى إنْفاذِهِ ومِنهُ قَوْلُ أبِي طالِبٍ: ......................
∗∗∗.....
يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنا بِالأنامِلِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: وقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَما كانَ نَصْرُها ∗∗∗ قُتَيْبَةَ إلّا عَضُّها بِالأباهِمِ وهَذا العَضُّ هو بِالأسْنانِ، وهي هَيْئَةٌ في بَدَنِ الإنْسانِ تَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ الغائِظَةِ، كَما أنَّ عَضَّ اليَدِ عَلى اليَدِ يَتْبَعُ هَيْئَةَ النَفْسِ النادِمَةِ المُتَلَهِّفَةِ عَلى فائِتٍ قَرِيبِ الفَوْتِ، وكَما أنَّ قَرْعَ السِنِّ هَيْئَةُ النَفْسِ النادِمَةِ فَقَطْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن عَدِّ الحَصى والخَطِّ في الأرْضِ لِلْمَهْمُومِ ونَحْوِهِ، ويُكْتَبُ هَذا العَضُّ بِالضادِ، ويُكْتَبُ عَظُّ الزَمانِ بِالظاءِ المُشالَةِ، وواحِدُ الأنامِلِ أُنْمُلَةٌ بِضَمِّ المِيمِ، ويُقالُ بِفَتْحِها، والضَمُّ أشْهَرُ، ولا نَظِيرَ لِهَذا الِاسْمِ في بِنائِهِ إلّا أشُدَّ، ولَهُ نَظائِرُ في الجُمُوعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ ﴾ يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ في مُنافِقِي اليَهُودِ لا في مُنافِقِي العَرَبِ، ويَعْتَرِضُها أنَّ مُنافِقِي اليَهُودِ لَمْ يُحْفَظْ عنهم أنَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ في الظاهِرِ إيمانًا مُطْلَقًا ويَكْفُرُونَ في الباطِنِ كَما كانَ المُنافِقُونَ مِنَ العَرَبِ يَفْعَلُونَ، إلّا ما رُوِيَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ الصِيتِ القَيْنُقاعِيِّ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنَّ قَوْلَهُمْ: "آمَنّا" مَعْناهُ: صَدَّقْنا أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكُمْ، أيْ: فَكُونُوا عَلى دِينِكم ونَحْنُ أولِياؤُكم وإخْوانُكم ولا نُضْمِرُ لَكم إلّا المَوَدَّةَ، ولِهَذا كانَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ يَتَّخِذُهم بِطانَةً، وهَذا مَنزَعٌ قَدْ حُفِظَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ كانَ يُذْهَبُ إلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ أنَّ المُعادِلَ لِقَوْلِهِمْ: "آمَنّا" عَضُّ الأنامِلِ مِنَ الغَيْظِ، ولَيْسَ هو ما يَقْتَضِي الِارْتِدادَ كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ ﴾ ، بَلْ هو ما يَقْتَضِي البُغْضَ وعَدَمَ المَوَدَّةِ.
وكانَ أبُو الجَوْزاءِ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: هُمُ الإباضِيَّةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الصِفَةُ قَدْ تَتَرَتَّبُ في أهْلِ البِدَعِ مِنَ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ ، قالَ فِيهِ الطَبَرِيُّ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا يَتَّجِهُ أنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِهَذا مُواجَهَةً وغَيْرَ مُواجَهَةٍ وقالَ قَوْمٌ: بَلْ أُمِرَ النَبِيُّ وأُمَّتُهُ أنْ يُواجِهُوهم بِهَذا.
فَعَلى هَذا زالَ مَعْنى الدُعاءِ وبَقِيَ مَعْنى التَقْرِيعِ والإغاظَةِ، ويَجْرِي المَعْنى مَعَ قَوْلِ مُسافِرِ بْنِ أبِي عَمْرٍو: ونُنْمِي في أرُومَتِنا ∗∗∗ ونَفْقَأُ عَيْنَ مَن حَسَدا ويَنْظُرُ إلى هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَماءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ وعِيدٌ يُواجَهُونَ بِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الأخِيرِ فِي: "مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ"، وهو إخْبارٌ مُجَرَّدٌ لِمُحَمَّدٍ في تَأْوِيلِ الدُعاءِ فِي: ﴿ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾ و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ، والإشارَةُ هُنا إلى المُعْتَقَداتِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ"، ومِنهُ قَوْلُهُمُ: "الذِيبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والذاتُ لَفْظٌ مُشْتَرِكٌ في مَعانٍ لا يَدْخُلُ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ إلّا ما ذَكَرْناهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنْ تَمْسَسْكم حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكم سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا إنْ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ الحَسَنَةُ والسَيِّئَةُ في هَذِهِ الآيَةِ لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما يَحْسُنُ ويَسُوءُ، وما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِنَ الخِصْبِ والجَدْبِ واجْتِماعِ المُؤْمِنِينَ ودُخُولِ الفُرْقَةِ بَيْنَهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ فَإنَّما هي أمْثِلَةٌ ولَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلافٍ، وذَكَرَ تَعالى المَسَّ في الحَسَنَةِ لِيُبَيِّنَ أنَّ بِأدْنى طُرُوءِ الحَسَنَةِ تَقَعُ المَساءَةُ بِنُفُوسِ هَؤُلاءِ المُبْغِضِينَ، ثُمَّ عادَلَ ذَلِكَ بِالسَيِّئَةِ بِلَفْظِ الإصابَةِ وهي عِبارَةٌ عَنِ التَمَكُّنِ، لِأنَّ الشَيْءَ المُصِيبَ لِشَيْءٍ فَهو مُتَمَكِّنٌ مِنهُ أو فِيهِ، فَدَلَّ هَذا المَنزَعُ البَلِيغُ عَلى شِدَّةِ العَداوَةِ، إذْ هو حِقْدٌ لا يَذْهَبُ عِنْدَ الشَدائِدِ، بَلْ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الشَدائِدِ بِالمُؤْمِنِينَ، وهَكَذا هي عَداوَةُ الحَسَدِ في الأغْلَبِ، ولا سِيَّما في مِثْلِ هَذا الأمْرِ الجَسِيمِ الَّذِي هو مِلاكُ الدُنْيا والآخِرَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: كُلُّ العَداوَةِ قَدْ تُرْجى إزالَتُها إلّا عَداوَةَ مَن عاداكَ مِن حَسَدِ ولَمّا قَرَّرَ تَعالى هَذا الحالَ لِهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ، وأوجَبَتِ الآيَةُ أنْ يَعْتَقِدَهُمُ المُؤْمِنُونَ بِهَذِهِ الصِفَةِ، جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا ﴾ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَقْوِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وشَرَطَ ذَلِكَ بِالصَبْرِ والتَقْوى.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "لا يَضِرْكُمْ" بِكَسْرِ الضادِ وجَزْمِ الراءِ، وهو مِن ضارَ يَضِيرُ بِمَعْنى: ضَرَّ يَضُرُّ وهي لُغَةٌ فَصِيحَةٌ، وحَكى الكِسائِيُّ: ضارَ يَضُورُ، ولَمْ يَقْرَأْ عَلى هَذِهِ اللُغَةِ.
ومِن ضارَ يَضِيرُ في كِتابِ اللهِ "لا ضَيْرَ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ: فَقِيلَ: تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إنَّها ∗∗∗ ∗∗∗ مُطَبَّعَةٌ مَن يَأْتِها لا يَضِيرُها يَصِفُ مَدِينَةً، والمَعْنى: فَلَيْسَ يَضِيرُها، وفي هَذا النَفْيِ المُقَدَّرِ بِالفاءِ هو جَوابُ الشَرْطِ.
ومِنَ اللَفْظِ قَوْلُ تَوْبَةَ بْنِ الحُمَيِّرِ: وقالَ أُناسٌ لا يَضِيرُكَ نَأْيُها ∗∗∗ بَلى كُلُّ ما شَفَّ النُفُوسَ يَضِيرُها وَقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَضُرُّكُمْ" بِضَمِّ الضادِ والراءِ والتَشْدِيدِ في الراءِ، وهَذا مِن ضَرَّ يَضُرُّ، ورُوِيَ عن حَمْزَةَ مِثْلُ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو.
وأمّا إعْرابُ هَذِهِ القِراءَةِ فَجَزْمٌ، وضُمَّتِ الراءُ لِلِالتِقاءِ، وهو اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا إتْباعًا لِضَمَّةِ الضادِ، ويَجُوزُ فَتْحُ الراءِ وكَسْرُها مَعَ إرادَةِ الجَزْمِ، فَأمّا الكَسْرُ فَلا أعْرِفُها قِراءَةً، وعِبارَةُ الزَجّاجِ في هَذا مُتَجَوِّزٌ فِيها، إذْ يَظْهَرُ مِن دَرْجِ كَلامِهِ أنَّها قِراءَةٌ، وأمّا فَتْحُ الراءِ مِن قَوْلِهِ "لا يَضُرَّكُمْ" فَقَرَأ بِهِ عاصِمٌ فِيما رَواهُ أبُو زَيْدٍ عَنِ المُفَضَّلِ عنهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ إعْرابُ قَوْلِهِ، "لا يَضُرُّكُمْ"، رَفْعًا إمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ، عَلى نَحْوٍ تَقَدَّمَ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ، وإمّا عَلى نِيَّةِ التَقَدُّمِ عَلى: "وَإنْ تَصْبِرُوا" كَما قالَ: يا أقْرَعُ بْنُ حابِسٍ يا أقْرَعُ ∗∗∗ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أخُوكَ تُصْرَعُ المُرادُ أنَّكَ تُصْرَعُ.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "لا يَضْرُرْكُمْ" بِراءَيْنِ، وذَلِكَ عَلى فَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وعَلَيْها قَوْلُهُ تَعالى في الآيَةِ: "إنْ تَمْسَسْكُمْ" ولُغَةُ سائِرِ العَرَبِ الإدْغامُ في مِثْلِ هَذا كُلِّهِ.
والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ بِالأباطِيلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأكِيدُ كَيْدًا" إنَّما هي تَسْمِيَةُ العُقُوبَةِ بِاسْمِ الذَنْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ وعِيدٌ، والمَعْنى: مُحِيطٌ جَزاؤُهُ وعِقابُهُ وبِالقُدْرَةِ والسُلْطانِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "بِما تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ، وهَذا إمّا عَلى تَوَعُّدِ المُؤْمِنِينَ في اتِّخاذِ هَؤُلاءِ بِطانَةً، وإمّا عَلى تَوَعُّدِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ بِتَقْدِيرِ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا واللهُ ولِيُّهُما وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ ذَهَبَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَها مِنَ الآياتِ، والظاهِرُ أنَّها اسْتِقْبالُ أمْرٍ آخَرَ.
لِأنَّ تِلْكَ مُقاوَمَةٌ في شَأْنِ مُنافِقِي اليَهُودِ، وهَذا ابْتِداءُ عَتْبِ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ أُحُدٍ، فالعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ.
وقالَ الحَسَنُ: هَذا الغُدُوُّ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ لِتَبَوُّئِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي كانَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَهُ الناسُ.
والجُمْهُورُ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، وفِيها نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ كُلُّها.
وكانَ مِن أمْرِ غَزْوَةِ أُحُدٍ أنَّ المُشْرِكِينَ اجْتَمَعُوا في ثَلاثَةِ آلافِ رَجُلٍ، وقَصَدُوا المَدِينَةَ لِيَأْخُذُوا بِثَأْرِهِمْ في يَوْمِ بَدْرٍ، فَنَزَلُوا عِنْدَ أُحُدٍ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الثانِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَلى رَأْسِ أحَدٍ وثَلاثِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ، وأقامُوا هُنالِكَ يَوْمَ الخَمِيسِ، ورَسُولُ اللهِ بِالمَدِينَةِ يُدَبِّرُ ويَنْتَظِرُ أمْرَ اللهِ تَعالى، فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ الجُمُعَةِ جَمَعَ رَسُولُ اللهِ الناسَ واسْتَشارَهُمْ، وأخْبَرَهم أنَّهُ كانَ رَأى في مَنامِهِ بَقَرَةً تُذْبَحُ وثَلْمًا في ذُبابِ سَيْفِهِ، وأنَّهُ يُدْخِلُ يَدَهُ في دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وأنَّهُ تَأوَّلَها المَدِينَةَ، وقالَ لَهُمْ، أرى ألّا نَخْرُجَ إلى هَؤُلاءِ الكُفّارِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: أقِمْ يا رَسُولَ اللهِ ولا تَخْرُجْ إلَيْهِمْ بِالناسِ، فَإنْ هم أقامُوا أقامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وإنِ انْصَرَفُوا مَضَوْا خائِبِينَ، وإنْ جاؤُونا إلى المَدِينَةِ قاتَلْناهم في الأفْنِيَةِ، ورَماهُمُ النِساءُ والصِبْيانُ بِالحِجارَةِ مِنَ الآطامِ، فَواللهِ ما حارَبْنا قَطُّ عَدُوًّا في هَذِهِ المَدِينَةِ إلّا غَلَبْناهُ، ولا خَرَجْنا مِنها إلى عَدُوٍّ إلّا غَلَبَنا، فَوافَقَ هَذا الرَأْيُ رَأْيَ رَسُولِ اللهِ ورَأْيَ جَماعَةٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ.
وقالَ قَوْمٌ مِن صُلَحاءِ المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ كانَ فاتَتْهُ بَدْرٌ: يا رَسُولَ اللهِ، اخْرُجْ بِنا إلى عَدُوِّنا، وشَجَّعُوا الناسَ ودَعَوْا إلى الحَرْبِ، فَقامَ رَسُولُ اللهِ فَصَلّى بِالناسِ صَلاةَ الجُمُعَةِ وقَدْ جَشَّمَهُ هَؤُلاءِ الداعُونَ إلى الحَرْبِ، فَدَخَلَ إثْرَ صَلاتِهِ بَيْتَهُ ولَبِسَ سِلاحَهُ، فَنَدِمَ أُولَئِكَ القَوْمُ وقالُوا: أكْرَهْنا رَسُولَ اللهِ ، فَلَمّا خَرَجَ عَلَيْهِمُ النَبِيُّ في سِلاحِهِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ أقِمْ إنْ شِئْتَ، فَإنّا لا نُرِيدُ أنْ نُكْرِهَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : ما يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ سِلاحَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُقاتِلَ.
ثُمَّ خَرَجَ بِالناسِ، وسارَ حَتّى قَرُبَ مِن عَسْكَرِ المُشْرِكِينَ هُناكَ، وباتَ تِلْكَ اللَيْلَةَ، وقَدْ غَضِبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي.
فَلَمّا كانَ في صَبِيحَةِ يَوْمِ السَبْتِ اعْتَزَمَ رَسُولُ اللهِ عَلى السَيْرِ إلى مُناجَزَةِ المُشْرِكِينَ، فَنَهَضَ وهو في ألْفِ رَجُلٍ، فانْخَزَلَ عنهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ بِثَلاثِمِائَةٍ مِنَ الناسِ، مِن مُنافِقٍ ومُتَّبِعٍ، وقالُوا: نَظُنُّ أنَّكم لا تَلْقَوْنَ قِتالًا، ومَضى رَسُولُ اللهِ ، في سَبْعِمِائَةٍ، فَهَمَّتْ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو حارِثَةَ مِنَ الأوسِ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ الخَزْرَجِ بِالِانْصِرافِ، ورَأوا كَثافَةَ المُشْرِكِينَ وقِلَّةَ المُسْلِمِينَ، وكادُوا أنْ يَجْبُنُوا ويَفْشَلُوا فَعَصَمَهُمُ اللهُ تَعالى، وذَمَرَ بَعْضُهم بَعْضًا، ونَهَضُوا مَعَ النَبِيِّ ، فَمَضى رَسُولُ اللهِ حَتّى أطَلَّ عَلى المُشْرِكِينَ، فَتَصافَّ الناسُ.
وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ أمَّرَ عَلى الرُماةِ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا، وجَعَلَهم يَحْمُونَ الجَبَلَ وراءَ المُسْلِمِينَ، وأسْنَدَ هو إلى الجَبَلِ، فَلَمّا اضْطَرَمَتِ الحَرْبُ انْكَشَفَ المُشْرِكُونَ وانْهَزَمُوا، وجَعَلَ نِساءُ المُشْرِكِينَ تَبْدُو خَلاخِلُهُنَّ وهُنَّ يُسْنِدْنَ في صَفْحِ جَبَلٍ، فَلَمّا رَأى الرُماةُ ذَلِكَ قالُوا: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها المُسْلِمُونَ.
وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ قالَ لَهُمْ: لا تَبْرَحُوا مِن هُنا ولَوْ رَأيْتُمُونا تَتَخَطَّفُنا الطَيْرُ، فَقالَ لَهم عَبْدُ اللهِ بْنُ جُبَيْرٍ وقَوْمٌ مِنهُمُ: اتَّقُوا اللهَ واثْبُتُوا كَما أمَرَكم نَبِيُّكُمْ، فَعَصَوْا وخالَفُوا وزالُوا مُتْبِعِينَ، وكانَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ قَدْ تَجَرَّدَ في جَرِيدَةِ خَيْلٍ وجاءَ مِن خَلْفِ المُسْلِمِينَ حَيْثُ كانَ الرُماةُ، فَحَمَلَ عَلى الناسِ، ووَقَعَ التَخاذُلُ وصِيحَ في المُسْلِمِينَ مِن مُقَدِّمَتِهِمْ ومِن ساقَتِهِمْ، وصَرَخَ صارِخٌ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَتَخاذَلَ الناسُ واسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَيِّفٌ عَلى سَبْعِينَ.
قالَ مَكِّيٌّ: قالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: قُتِلَ مِنَ المُهاجِرِينَ يَوْمَ أُحُدٍ أرْبَعَةٌ، ومِنَ الأنْصارِ سَبْعُونَ، وتَحَيَّزَ رَسُولُ اللهِ في أعْلى الجَبَلِ وتَجاوَزَ الناسَ.
هَذا مُخْتَصَرٌ مِنَ القِصَّةِ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ، وأمْرُ "أُحُدٍ" بِطُولِهِ وما تَخَلَّلَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ مُسْتَوْعَبٌ في كُتُبِ السِيَرِ، ولَيْسَ هَذا التَعْلِيقُ مِمّا يَقْتَضِي ذِكْرَهُ.
وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ السُدِّيِّ ما يَظْهَرُ مِنهُ أنَّ القِتالَ كانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وحَكى عنهُ الطَبَرِيُّ، أنَّ نُزُولَ أبِي سُفْيانَ بِأُحُدٍ كانَ فِي الثالِثِ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وقالَ النَقّاشُ: وقْعَةُ أُحُدٍ في الحادِي عَشَرَ مِن شَوّالٍ، وذَلِكَ خَطَأٌ.
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: فَغُدُوُّ رَسُولِ اللهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إلى التَدْبِيرِ مَعَ الناسِ واسْتِشارَتِهِمْ هو الَّذِي عُبِّرَ عنهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ غُدُوَّ النَبِيِّ إنَّما كانَ ورَأْيُهُ أنْ لا يَخْرُجَ الناسُ، فَكانَ لا يَشُكُّ في نَفْسِهِ أنْ يُقَسِّمَ أقْطارَ المَدِينَةِ عَلى قَبائِلِ الأنْصارِ.
وقالَ غَيْرُ الطَبَرِيِّ: بَلْ نُهُوضُ النَبِيِّ يَوْمَ الجُمُعَةِ بَعْدَ الصَلاةِ هو غُدُوُّهُ، وبَوَّأ المُؤْمِنِينَ في وقْتِ حُضُورِ القِتالِ، وقِيلَ ذَلِكَ في لَيْلَتِهِ، وسَمّاهُ غُدُوًّا إذْ كانَ قَدِ اعْتَزَمَ التَدْبِيرَ، والشُرُوعَ في الأمْرِ مِن وقْتِ الغُدُوِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا سِيَّما أنَّ صَلاةَ الجُمُعَةِ رُبَّما كانَتْ قَبْلَ الزَوالِ، حَسْبَما ورَدَتْ بِذَلِكَ أحادِيثُ، فَيَجِيءُ لَفْظُ الغُدُوِّ مُتَمَكِّنًا، وقِيلَ: إنَّ الغُدُوَّ المَذْكُورَ هو غُدْوَةُ يَوْمِ السَبْتِ إلى القِتالِ، ومِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ اللَيْلَةِ مُوافِقًا لِلْغُدُوِّ فَهو كَأنَّهُ كانَ في أهْلِهِ، وبَوَّأ المُسْلِمِينَ بِأمْرِهِ الرُماةَ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن تَدْبِيرِهِ مَصافَّ الناسِ، و"تُبَوِّئُ" مَعْناهُ: تُعَيِّنُ لَهم مَقاعِدَ يَتَمَكَّنُونَ فِيها ويَثْبُتُونَ تَقُولُ: تَبَوَّأْتُ مَكانَ كَذا، إذا حَلَلْتَهُ حُلُولًا مُتَمَكِّنًا ثَبَتَّ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ ﴾ ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : ( «مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ» ) ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَمْ صاحِبٍ لِي صالِحٍ ∗∗∗ بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْدا ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وما بَوَّأ الرَحْمَنُ بَيْتَكَ مَنزِلًا ∗∗∗ بِشَرْقِيِّ أجْيادِ الصَفا والمُحَرَّمِ وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقاعِدَ" جَمْعُ مَقْعَدٍ، وهو مَكانُ القُعُودِ، وهَذا بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: مَواقِفُ، ولَكِنَّ لَفْظَةَ القُعُودِ أدَلُّ عَلى الثُبُوتِ، ولا سِيَّما أنَّ الرُماةَ إنَّما كانُوا قُعُودًا، وكَذَلِكَ كانَتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ أوَّلًا، والمُبارِزَةُ والسَرْعانُ يَجُولُونَ.
وقَوْلُهُ: "واللهُ سَمِيعٌ" أيْ: ما تَقُولُ ويُقالُ لَكَ وقْتَ المُشاوَرَةِ وغَيْرَهُ؛.وَ"إذْ" الثانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، و"هَمَّتْ" مَعْناهُ: أرادَتْ ولَمْ تَفْعَلْ، والفَشَلُ في هَذا المَوْضِعِ: هو الجُبْنُ الَّذِي كادَ يَلْحَقُ بَنِي سَلَمَةَ وبَنِي حارِثَةَ، والفَشَلُ في البَدَنِ: هو الإعْياءُ والتَبْلِيحُ، والفَشَلُ في الرَأْيِ: هو العَجْزُ والحَيْرَةُ وفَسادُ العَزْمِ، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: ما ودِدْنا أنَّها لَمْ تَنْزِلْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: "واللهُ ولِيُّهُما".
وقَوْلُهُ: ﴿ وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ أمْرٌ في ضِمْنِهِ التَغْبِيطُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ مِنَ المَسِيرِ مَعَ النَبِيِّ .
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُبَوِّئُ لِلْمُؤْمِنِينَ" بِلامِ الجَرِّ، وقَرَأ-: "واللهُ ولِيُّهُمْ" عَلى مَعْنى الطائِفَتَيْنِ لا عَلى اللَفْظِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وأنْتُمْ أذِلَّةٌ فاتَّقُوا اللهُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ألَنْ يَكْفِيَكم أنْ يُمِدَّكم رَبُّكم بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ﴾ ﴿ بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكم رَبُّكم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ لَمّا أمَرَ اللهُ تَعالى بِالتَوَكُّلِ عَلَيْهِ، ذَكَّرَ بِأمْرِ بَدْرٍ الَّذِي كانَ ثَمَرَةَ التَوَكُّلِ عَلى اللهِ والثِقَةِ بِهِ، فَمَن قالَ مِنَ المُفَسِّرِينَ إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ لِلْمُؤْمِنِينَ: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ".
كانَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَيَجِيءُ التَذْكِيرُ بِأمْرِ بَدْرٍ وبِأمْرِ المَلائِكَةِ وقِتالِهِمْ فِيهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ، مُحَرِّضًا عَلى الجِدِّ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ، ومَن قالَ: إنَّ قَوْلَ النَبِيِّ : "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ"...
الآيَةَ إنَّما كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ، كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ ﴾ إلى "تَشْكُرُونَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامِ جَمِيلًا، والنَصْرُ بِبَدْرٍ هو المَشْهُورُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وعَلى ذَلِكَ اليَوْمِ انْبَنى الإسْلامُ، وكانَتْ بَدْرٌ يَوْمَ سَبْعَةَ عَشَرَ مِن رَمَضانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ لِثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ.
وبَدْرٌ: ماءٌ هُنالِكَ سُمِّيَ بِهِ المَوْضِعُ.
وقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ ذَلِكَ الماءُ لِرَجُلٍ مِن جُهَيْنَةَ يُسَمّى بَدْرًا فَبِهِ سُمِّيَ.
قالَ الواقِدِيُّ: فَذَكَرْتُ هَذا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ صالِحٍ فَأنْكَراهُ وقالا: بِأيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الصَفْراءُ والجارُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ؟
قالَ: وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِيَحْيى بْنِ النُعْمانِ الغِفارِيِّ فَقالَ: سَمِعْتُ شُيُوخًا مِن بَنِي غِفارٍ يَقُولُونَ: هو ماؤُنا ومَنزِلُنا وما مَلَكَهُ أحَدٌ قَطُّ يُقالُ لَهُ بَدْرٌ، وما هو مِن بِلادِ جُهَيْنَةَ إنَّما هي بِلادُ غِفارٍ، قالَ الواقِدِيُّ: فَهَذا المَعْرُوفُ عِنْدَنا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ أذِلَّةٌ" مَعْناهُ: قَلِيلُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ أو أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ عَدُوُّهم ما بَيْنَ التِسْعِمِائَةِ إلى الألْفِ، وأذِلَّةٌ: جَمْعُ ذَلِيلٍ، واسْمُ الذُلِّ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعارٌ، ولَمْ يَكُونُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا أعِزَّةً، ولَكِنَّ نِسْبَتَهم إلى عَدُوِّهِمْ وإلى جَمِيعِ الكُفّارِ في أقْطارِ الأرْضِ يَقْتَضِي عِنْدَ التَأمُّلِ ذِلَّتَهُمْ، وأنَّهم مَغْلُوبُونَ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ في ذَلِكَ اليَوْمِ: « "اللهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لَمْ تُعْبَدْ"،» وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ كاسْتِعارَةِ الكَذِبِ في قَوْلِهِ في المُوَطَّإ: كَذَبَ كَعْبٌ، وكَقَوْلِهِ: كَذَبَ أبُو مُحَمَّدٍ، وكاسْتِعارَةِ المَسْكَنَةِ لِأصْحابِ السَفِينَةِ عَلى بَعْضِ الأقْوالِ، إذْ كانَتْ مَسْكَنَتُهم بِالنِسْبَةِ إلى المَلِكِ القادِرِ الغاصِبِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالتَقْوى، ورَجّاهم في الإنْعامِ الَّذِي يُوجِبُ الشُكْرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اتَّقُوا اللهَ عَسى أنْ تَكُونَ تَقْواكم شُكْرًا عَلى النِعْمَةِ في نَصْرِهِ بِبَدْرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إذْ تَقُولُ"، العامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُضْمَرٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ العامِلُ: "نَصَرَكُمُ" وهَذا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ: إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَبِيِّ كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُما: إنَّ هَذا كانَ بِبَدْرٍ، قالَ الشَعْبِيُّ: بَلَغَ المُؤْمِنِينَ أنَّ كُرْزَ بْنَ جابِرِ بْنِ حِسْلٍ المُحارِبِيَّ مُحارِبَ فِهْرٍ قَدْ جاءَ في مَدَدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَغَمَّ ذَلِكَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ النَبِيُّ لِلْمُؤْمِنِينَ عن أمْرِ اللهِ تَعالى هَذِهِ المَقالَةَ، فَصَبَرَ المُؤْمِنُونَ واتَّقَوْا، وهُزِمَ المُشْرِكُونَ، وبَلَغَتِ الهَزِيمَةُ كُرْزًا ومَن مَعَهُ فانْصَرَفُوا ولَمْ يَأْتُوا مِن فَوْرِهِمْ، ولَمْ يُمَدَّ المُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ، وكانَتِ المَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْضُرُ حُرُوبَ النَبِيِّ مَدَدًا، وهي تَحْضُرُ حُرُوبَ المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وخالَفَ الناسُ الشَعْبِيَّ في هَذِهِ المَقالَةِ، وتَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأنَّ المَلائِكَةَ حَضَرَتْ بَدْرًا وقاتَلَتْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ: لَوْ كُنْتُ مَعَكُمُ الآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأرَيْتُكُمُ الشِعْبَ الَّذِي خَرَجَتْ مِنهُ المَلائِكَةُ، لا أشُكُّ ولا أتَمارى.
ومِنهُ حَدِيثُ الغِفارِيِّ وابْنِ عَمِّهِ اللَذَيْنِ سَمِعا مِنَ الصَحابَةِ: أقْدِمْ حَيْزُومُ فانْكَشَفَ قِناعُ قَلْبِ أحَدِهِما، فَماتَ مَكانَهُ، وتَماسَكَ الآخَرُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا يَكُونُونَ في سائِرِ الأيّامِ عَدَدًا ومَدَدًا لا يَضْرِبُونَ.
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ لِأبِي لَهَبٍ: ما هو إلّا أنْ لَقِينا القَوْمَ فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ، وعَلى ذَلِكَ فَواللهِ ما لُمْتُ الناسَ، لَقِينا رِجالًا بِيضًا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ ما تُلِيقُ شَيْئًا ولا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، ومِن ذَلِكَ «أنَّ أبا اليُسْرِ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ أحَدَ بَنِي سَلَمَةَ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ العَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ أبُو اليُسْرِ رَجُلًا مَجْمُوعًا وكانَ العَبّاسُ رَجُلًا طَوِيلًا جَسِيمًا، فَقالَ النَبِيُّ : "لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْهِ مَلَكٌ كَرِيمٌ"...» الحَدِيثُ بِجُمْلَتِهِ.
وقَدْ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: كُنْتُ يَوْمَ بَدْرٍ أتْبَعُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكِينَ لِأضْرِبَهُ بِسَيْفِي فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ وقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ سَيْفِي إلَيْهِ، فَعَلِمْتُ أنَّ مَلَكًا قَتَلَهُ.
وَقالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أمَدَّ اللهُ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: إنَّ اللهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أنْ يُمِدَّهم في حُرُوبِهِمْ كُلِّها إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا، فَلَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ إلّا في يَوْمِ الأحْزابِ، فَأمَدَّهم حِينَ حاصَرُوا قُرَيْظَةَ، ثُمَّ أدْخَلَ تَحْتَ هَذِهِ التَرْجَمَةِ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي أوفى أنَّهُ قالَ: «حاصَرْنا قُرَيْظَةَ مُدَّةً فَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنا فَرَجَعْنا، فَبَيْنا رَسُولُ اللهِ قَدْ دَعا بِغُسْلٍ يُرِيدُ أنْ يَغْسِلَ رَأْسَهُ، إذْ جاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكم ولَمْ تَضَعِ المَلائِكَةُ أوزارَها، فَلَفَّ رَسُولُ اللهِ رَأسَهُ بِخِرْقَةٍ ولَمْ يَغْسِلْهُ، ونادى فِينا فَقُمْنا كالِّينَ مُتْعَبِينَ، حَتّى أتَيْنا قُرَيْظَةَ والنَضِيرَ، فَيَوْمَئِذٍ أمَدَّنا اللهُ بِالمَلائِكَةِ بِثَلاثَةِ آلافٍ، وفَتَحَ لَنا فَتْحًا يَسِيرًا، فانْقَلَبْنا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ.» وقالَ عِكْرِمَةُ: كانَ الوَعْدُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَلَمْ يَصْبِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ ولا اتَّقَوْا، فَلَمْ يُمَدُّوا ولَوْ مُدُّوا لَمْ يُهْزَمُوا.
وقالَ الضَحّاكُ: كانَ هَذا الوَعْدُ والمَقالَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَفَرَّ الناسُ ووَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَلَمْ يُمِدَّهُمُ اللهُ، وإنَّما مُدُّوا يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: «قالَ المُسْلِمُونَ لِرَسُولِ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ وهم يَنْتَظِرُونَ المُشْرِكِينَ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَيْسَ يُمِدُّنا اللهُ كَما أمَدَّنا يَوْمَ بَدْرٍ؟
فَقالَ لَهُمُ النَبِيُّ : ﴿ ألَنْ يَكْفِيَكُمْ ﴾ ....
الآيَةَ،» وإنَّما أمَدَّهم يَوْمَ بَدْرٍ بِألْفٍ.
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلَمْ يَصْبِرُوا.
وقَوْلُهُ تَعالى: "ألَنْ يَكْفِيَكُمْ" تَقْرِيرٌ عَلى اعْتِقادِهِمُ الكِفايَةَ في هَذا العَدَدِ مِنَ المَلائِكَةِ، ومِن حَيْثُ كانَ الأمْرُ بَيِّنًا في نَفْسِهِ أنَّ المَلائِكَةَ كافِيَةٌ، بادَرَ المُتَكَلِّمُ إلى الجَوابِ لِيَبْنِيَ ما يَسْتَأْنِفُ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ فَقالَ: بَلى وهي جَوابُ المُقَرِّرِينَ.
وهَذا يَحْسُنُ في الأُمُورِ البَيِّنَةِ الَّتِي لا مَحِيدَ في جَوابِها، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلْ اللهُ ﴾ وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، "ألا يَكْفِيكُمْ"، وقَدْ مَضى القَوْلُ في الإمْدادِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَيَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ ﴾ .
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "بِثَلاثَهْ آلافٍ" يَقِفُ عَلى الهاءِ، وكَذَلِكَ: "بِخَمْسَهْ آلافٍ"، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المُضافَ والمُضافَ إلَيْهِ يَقْتَضِيانِ الِاتِّصالَ، إذْ هُما كالِاسْمِ الواحِدِ، وإنَّما الثانِي كَمالٌ لِلْأوَّلِ، والهاءُ إنَّما هي أمارَةُ وقْفٍ، فَيُقْلِقُ الوَقْفُ في مَوْضِعٍ إنَّما هو لِلِاتِّصالِ، لَكِنْ قَدْ جاءَ نَحْوُ هَذا لِلْعَرَبِ في مَواضِعَ، فَمِن ذَلِكَ ما حَكاهُ الفَرّاءُ أنَّهم يَقُولُونَ: أكَلْتُ لَحْمًا شاهْ، يُرِيدُونَ لَحْمَ شاةٍ فَمَطَلُوا الفَتْحَةَ حَتّى نَشَأتْ عنها ألِفٌ، كَما قالُوا في الوَقْفِ: قالا، يُرِيدُونَ: قالَ، ثُمَّ مَطَلُوا الفَتْحَةَ في القَوافِي ونَحْوِها مِن مَواضِعِ الرَوِيَّةِ والتَثَبُّتِ، ومِن ذَلِكَ في الشِعْرِ قَوْلُ الشاعِرِ: يَنْباعُ مِن ذِفَرِي غَضُوبٍ جَسْرَةٍ.........................
يُرِيدُ: يَنْبُعُ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: أقُولُ إذْ خَرَّتْ عَلى الكَلْكالِ ∗∗∗ يا ناقَتا ما جُلْتِ مِن مَجالِ يُرِيدُ: عَلى الكَلْكَلِ فَمُطِلَ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: فَأنْتَ مِنَ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمى ∗∗∗ ومِن ذَمِّ الرِجالِ بِمُنْتَزاحِ يُرِيدُ بِمُنْتَزِحٍ، قالَ أبُو الفَتْحِ: فَإذا جازَ أنْ يَعْتَرِضَ هَذا التَمادِي بَيْنَ أثْناءِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، جازَ التَمادِي والتَأنِّي بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ إذْ هُما في الحَقِيقَةِ اثْنانِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "مُنَزَّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ والزايِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "مُنْزَلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وفَتْحِ الزايِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مُنَزِّلِينَ" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ مُشَدَّدَةً مَعْناها: يُنْزِلُونَ النَصْرَ، وحَكى النَحّاسُ قِراءَةً ولَمْ يَنْسِبْها: "مُنْزِلِينَ" بِسُكُونِ النُونِ وكَسْرِ الزايِ خَفِيفَةً، وفَسَّرَها بِأنَّهم يُنْزِلُونَ النَصْرَ.
و"بَلى" جَوابٌ لِلنَّفْيِ الَّذِي في "ألَنْ" وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ: ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الشَرْطَ الَّذِي مَعَهُ يَقَعُ الإمْدادُ وهو الصَبْرُ، والتُقى.
والفَوْرُ: النُهُوضُ المُسْرِعُ إلى الشَيْءِ مَأْخُوذٌ مِن فَوْرِ القِدْرِ والماءِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "وَفارَ التَنُّورُ" فالمَعْنى: ويَأْتُوكم في نَهْضَتِكم هَذِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "مِن فَوْرِهِمْ هَذا" مَعْناهُ: مِن سَفَرِهِمْ هَذا، قالَ الحَسَنُ والسُدِّيُّ: مَعْناهُ: مِن وجْهِهِمْ هَذا، وقالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ: مِن غَضَبِهِمْ هَذا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، قَدْ يَكُونُ "الفَوْرُ" لِغَضَبٍ ولِطَمَعٍ ولِرَغْبَةٍ في أجْرٍ، ومِنهُ الفَوْرُ في الحَجِّ والوُضُوءِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ: "مُسَوِّمِينَ"، بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ: "مُسَوَّمِينَ"، بِفَتْحِ الواوِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِفَتْحِ الواوِ فَمَعْناهُ: مُعَلَّمِينَ بِعَلاماتٍ، قالَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ: السُومَةُ: العَلامَةُ تَكُونُ عَلى الشاةِ وغَيْرِها يُجْعَلُ عَلَيْها لَوْنٌ يُخالِفُ لَوْنَها لِتُعْرَفَ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ أعْلَمَتْ يَوْمَئِذٍ بِعَمائِمَ بِيضٍ، حَكاهُ المَهْدَوِيُّ عَنِ الزَجّاجِ، إلّا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ كانَ بِعِمامَةٍ صَفْراءَ عَلى مِثالِ عِمامَةِ الزُبَيْرِ بْنِ العَوّامِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ خَيْلُهم مَجْزُوزَةَ الأذْنابِ والأعْرافِ، مُعَلَّمَةَ النَواصِي والأذْنابِ بِالصُوفِ والعِهْنِ.
وقالَ الرَبِيعُ: كانَتْ سِيماهم أنَّهم كانُوا عَلى خَيْلٍ بُلْقٍ، وقالَ عَبّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُبَيْرِ: نَزَلَتِ المَلائِكَةُ في سِيما الزُبَيْرِ، عَلَيْهِمْ عَمائِمُ صُفْرٌ، وقالَ ذَلِكَ عُرْوَةُ وعَبْدُ اللهِ ابْنا الزُبَيْرِ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ: كانَتْ مِلاءَةً صَفْراءَ فاعْتَمَّ الزُبَيْرُ بِها، ومَن قَرَأ: "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ، فَيُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى مِثْلُ ما تَقَدَّمَ، أيْ: هم قَدْ أعْلَمُوا أنْفُسَهم بِعَلامَةٍ وأعْلَمُوا خَيْلَهُمْ، ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ هَذِهِ القِراءَةَ بِأنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: « "سَوِّمُوا فَإنَّ المَلائِكَةَ قَدْ سَوَّمَتْ"» فَهم عَلى هَذا مُسَوِّمُونَ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ: إنَّ مَعْنى "مُسَوِّمِينَ" بِكَسْرِ الواوِ أيْ هم قَدْ سَوَّمُوا خَيْلَهُمْ: أيْ: أعْطَوْها سَوْمَها مِنَ الجَرْيِ والقِتالِ والإحْضارِ فَهي سائِمَةٌ، ومِنهُ سائِمَةُ الماشِيَةِ، لِأنَّها تُرِكَتْ وسَوْمَها مِنَ الرَعْيِ، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ هَذا المَعْنى في "مُسَوَّمِينَ" بِفَتْحِ الواوِ أيْ أرْسَلُوا وُسُومَهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ قَلِقٌ، وقَدْ قالَهُ ابْنُ فُورَكٍ أيْضًا.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما جَعَلَهُ اللهُ إلا بُشْرى لَكم ولِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكم بِهِ وما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهُ العَزِيزِ الحَكِيمِ ﴾ ﴿ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أو يَكْبِتَهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أو يُعَذِّبَهم فَإنَّهم ظالِمُونَ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ الضَمِيرُ في "جَعَلَهُ اللهُ" عائِدٌ عَلى الإنْزالِ والإمْدادِ، والبُشْرى مَصْدَرٌ، واللامُ فِي: "وَلِتَطْمَئِنَّ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "جَعَلَهُ".
ومَعْنى الآيَةِ: وما كانَ هَذا الإمْدادُ إلّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكم وتَرَوْا حِفايَةَ اللهِ بِكُمْ، وإلّا فالكَثْرَةُ لا تُغْنِي شَيْئًا إلّا أنْ يَنْصُرَ اللهُ.
وقَوْلُهُ: "وَما النَصْرُ" يُرِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وكَذَلِكَ أيْضًا هي الإدالَةُ لِلْكُفّارِ مِن عِنْدِ اللهِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَما النَصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللهِ ﴾ وعَلى هَذا لا يَكُونُ قَطْعُ الطَرَفِ مُخْتَصًّا بِيَوْمٍ، اللهُمَّ إلّا أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ في "النَصْرُ" لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: العامِلُ فِيهِ "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ"، حَكاهُ ابْنُ فُورَكٍ وهو قَلِقٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَقْطَعَ" مُتَعَلِّقَةً بِـ "جَعَلَهُ"، فَيَكُونَ قَطْعُ الطَرَفِ إشارَةً إلى مَن قُتِلَ بِبَدْرٍ عَلى ما قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمْ، أو إلى مَن قُتِلَ بِأُحُدٍ عَلى ما قالَ السُدِّيُّ، وقُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ سَبْعُونَ، وقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا.
وقالَ السُدِّيُّ: قُتِلَ مِنهم ثَمانِيَةَ عَشَرَ والأوَّلُ أصَحُّ.
والطَرَفُ: الفَرِيقُ، ومَتى قَتَلَ المُسْلِمُونَ كُفّارًا في حَرْبٍ فَقَدْ قَطَعُوا طَرَفًا، لِأنَّهُ الَّذِي ولِيَهم مِنَ الكُفّارِ، فَكَأنَّ جَمِيعَ الكُفّارِ رُقْعَةٌ وهَؤُلاءِ المَقْتُولُونَ طَرَفٌ مِنها أيْ حاشِيَةٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "لِيَقْطَعَ طَرَفًا" بِمَنزِلَةِ: لِيَقْطَعَ دابِرًا.
وقَوْلُهُ: "أو يَكْبِتَهُمْ" مَعْناهُ: أو يُخْزِيهِمْ، والكَبْتُ: الصَرْعُ لِلْيَدَيْنِ، وقالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: التاءُ بَدَلٌ مِن دالِ كَبَتَهُ، أصْلُها كَبَدَهُ أيْ: فَعَلَ بِهِ ما يُؤْذِي كَبِدَهُ، وإذا نَصَرَ اللهُ عَلى أُمَّةٍ كافِرَةٍ فَلا بُدَّ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، إمّا أنْ يُقْتَلَ مِنهم أو يَخِيبُوا، فَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الهَزْمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، وهَذا التَوْقِيفُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ بِسَبَبٍ كَمَنَ جِهَةَ النَبِيِّ .
ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا هُزِمَ أصْحابُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ حَتّى دَخَلَتْ بَعْضُ حَلَقِ الدِرْعِ في خَدِّهِ، وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وارْتَثَّ بِالحِجارَةِ حَتّى صُرِعَ لِجَنْبِهِ، تَحَيَّزَ عَنِ المَلْحَمَةِ، وجَعَلَ يَمْسَحُ الدَمَ مِن وجْهِهِ ويَقُولُ: "لا يُفْلِحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ"» هَكَذا لَفْظُ الحَدِيثِ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وفي بَعْضِ الطُرُقِ: "وَكَيْفَ يُفْلِحُ؟" وفي بَعْضِها «أنَّ سالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كانَ يَغْسِلُ الدَمَ عن وجْهِ رَسُولِ اللهِ ، قالَ: فَأفاقَ وهو يَقُولُ: "كَيْفَ بِقَوْمٍ فَعَلُوا هَذا بِنَبِيِّهِمْ وهو يَدْعُوهم إلى اللهِ؟" فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» بِسَبَبِ هَذِهِ المَقالَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ النَبِيَّ لَحِقَهُ في تِلْكَ الحالِ يَأْسٌ مِن فَلاحِ كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَمالَتْ نَفْسُهُ إلى أنْ يَسْتَأْصِلَهُمُ اللهُ ويُرِيحَ مِنهُمْ، فَرُوِيَ أنَّهُ دَعا عَلَيْهِمْ أوِ اسْتَأْذَنَ في أنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ، ورَوى ابْنُ عُمَرَ وغَيْرُهُ: أنَّهُ دَعا عَلى أبِي سُفْيانَ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بِاللَعْنَةِ، إلى غَيْرِ هَذا مِن مَعْناهُ، فَقِيلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ أيْ: عَواقِبُ الأُمُورِ بِيَدِ اللهِ، فامْضِ أنْتَ لِشَأْنِكَ ودُمْ عَلى الدُعاءِ إلى رَبِّكَ.
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قَوْلُهُ: ﴿ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَكْبِتَهُمْ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَوْلُهُ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ، وقَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" مَعْناهُ: فَيُسْلِمُونَ، وقَوْلُهُ: "أو يُعَذِّبَهُمْ" مَعْناهُ: في الآخِرَةِ بِأنْ يُوافُوا عَلى الكُفْرِ.
قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أو يَتُوبَ" بِمَعْنى حَتّى يَتُوبَ، أو إلى أنْ يَتُوبَ، فَيَجِيءُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: لا أُفارِقُكَ أو تَقْضِينِي حَقِّي، وكَما تَقُولُ: لا يَتِمُّ هَذا الأمْرُ أو يَجِيءُ فُلانٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ لَيْسَ بِاعْتِراضٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وإنَّما المَعْنى الإخْبارُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ لَيْسَ يَتَحَصَّلُ لَهُ مِن أمْرِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ شَيْءٌ يُؤَمِّلُهُ إلّا أنْ يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِمْ فَيُسْلِمُوا، فَيَرى مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ السَلامُ أحَدَ أمَلَيْهِ فِيهِمْ، أو يُعَذِّبَهُمُ اللهُ بِقَتْلٍ في الدُنْيا، أو بِنارٍ في الآخِرَةِ أو بِهِما، فَيَرى مُحَمَّدٌ الأمَلَ الآخَرَ.
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ فَلَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ رَدْعٌ كَما هو في التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وذَلِكَ التَأْوِيلُ الأوَّلُ أقْوى.
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "أو يَتُوبُ" "أو يُعَذِّبُ" بِرَفْعِ الباءِ فِيهِما، المَعْنى: أو هو يَتُوبُ، ثُمَّ قَرَّرَ تَعالى ظُلْمَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.
ثُمَّ أكَّدَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴾ بِالقَوْلِ العامِّ، وذَكَرَ الحُجَّةَ الساطِعَةَ في ذَلِكَ وهي مِلْكُهُ الأشْياءَ، إذْ ذَلِكَ مُقْتَضٍ أنْ يَفْعَلَ بِحَقِّ مِلْكِهِ ما شاءَ، لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وذَكَرَ أنَّ الغُفْرانَ أوِ التَعْذِيبَ إنَّما هو بِمَشِيئَتِهِ وحَسَبَ السابِقِ في عِلْمِهِ، ثُمَّ رَجا في آخِرِ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ وجَلْبًا لَها إلى طاعَتِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .
و"ما" في قَوْلِهِ ﴿ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ ، إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ العالَمِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ ما؛ وما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِدُعاءِ النَبِيِّ عَلى المُشْرِكِينَ كَلامٌ ضَعِيفٌ كُلُّهُ، ولَيْسَ هَذا مِن مَواضِعِ الناسِخِ والمَنسُوخِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِبا أضْعافًا مُضاعَفَةً واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا النارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَأطِيعُوا اللهَ والرَسُولَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ ﴾ هَذا النَهْيُ عن أكْلِ الرِبا اعْتِراضٌ أثْناءَ قِصَّةِ أُحُدٍ، ولا أحْفَظُ سَبَبًا في ذَلِكَ مَرْوِيًّا.
والرِبا: الزِيادَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ وأحْكامِ الرِبا في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ: "أضْعافًا" نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: الرِبا الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تُضَعِّفُ فِيهِ الدَيْنَ، فَكانَ الطالِبُ يَقُولُ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟
وقَوْلُهُ: "مُضاعَفَةً" إشارَةٌ إلى تَكْرارِ التَضْعِيفِ عامًا بَعْدَ عامٍ كَما كانُوا يَصْنَعُونَ، فَدَلَّتْ هَذِهِ العِبارَةُ المُؤَكِّدَةُ عَلى شُنْعَةِ فِعْلِهِمْ وقُبْحِهِ، ولِذَلِكَ ذَكَرَتْ حالَ التَضْعِيفِ خاصَّةً.
وقَدْ حَرَّمَ اللهُ جَمِيعَ أنْواعِ الرِبا، فَهَذا هو مَفْهُومُ الخِطابِ، إذِ المَسْكُوتُ عنهُ مِنَ الرِبا في حُكْمِ المَذْكُورِ، وأيْضًا فَإنَّ الرِبا يَدْخُلُ جَمِيعَ أنْواعِهِ التَضْعِيفُ والزِيادَةُ عَلى وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ العَيْنِ أو مِنَ التَأْخِيرِ ونَحْوِهِ.
والنارُ في قَوْلِهِ: "واتَّقُوا النارَ" هي اسْمُ الجِنْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْعَهْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ، أيْ أنَّهم هُمُ المَقْصُودُ والمُرادُ الأوَّلُ، وقَدْ يَدْخُلُها سِواهم مِنَ العُصاةِ، فَشَنَّعَ أمْرَ النارِ بِذِكْرِ الكُفْرِ، وحَسَّنَ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَحْذَرَها ويَبْعُدَ بِطاعَةِ اللهِ عنها وهَذا كَما قالَ في الجَنَّةِ: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" أيْ أنَّهم هُمُ المَقْصُودُ، وإنْ كانَ يَدْخُلُها غَيْرُهم مِن صَبِيٍّ ومَجْنُونٍ ونَحْوِهِ مِمَّنْ لا يُكَلَّفُ ولا يُوصَفُ بِتَقْوى، هَذا مَذْهَبُ أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وحَكى الماوَرْدِيُّ وغَيْرُهُ عن قَوْمٍ أنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ أكَلَةَ الرِبا إنَّما تَوَعَّدَهُمُ اللهُ بِنارِ الكَفَرَةِ، إذِ النارُ سَبْعُ طَبَقاتٍ، العُلْيا مِنها وهي جَهَنَّمُ لِلْعُصاةِ، والخَمْسُ لِلْكُفّارِ، والدَرْكُ الأسْفَلُ لِلْمُنافِقِينَ، قالُوا: فَأكَلَةُ الرِبا إنَّما يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِنارِ الكَفَرَةِ لا بِنارِ العُصاةِ، وبِذَلِكَ تُوُعِّدُوا، فالألِفُ واللامُ عَلى هَذا في قَوْلِهِ: "واتَّقُوا النارَ" إنَّما هي لِلْعَهْدِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِطاعَتِهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ.
والطاعَةُ هي مُوافَقَةُ الأمْرِ الجارِي عِنْدَ المَأْمُورِ مَعَ مُرادِ الأمْرِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللهَ، ومَن عَصانِي فَقَدْ عَصى اللهَ، ومَن أطاعَ الأمِيرَ فَقَدْ أطاعَنِي، ومَن عَصى الأمِيرَ فَقَدْ عَصانِي".» وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَأطِيعُوا اللهَ" هي ابْتِداءُ المُعاتَبَةِ في أمْرِ أُحُدٍ، وانْهِزامِ مَن فَرَّ وزَوالِ الرُماةِ عن مَراكِزِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَرّاءِ والضَرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ الناسِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "سارِعُوا" بِغَيْرِ واوٍ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشامِ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ بِالواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: كِلا الأمْرَيْنِ شائِعٌ مُسْتَقِيمٌ، فَمَن قَرَأ بِالواوِ فَلِأنَّهُ عَطَفَ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ، ومَن تَرَكَ الواوَ فَلِأنَّ الجُمْلَةَ الثانِيَةَ مُلْتَبِسَةٌ بِالأُولى مُسْتَغْنِيَةٌ بِذَلِكَ عَنِ العَطْفِ بِالواوِ.
وأمالَ الكِسائِيُّ الألِفَ مِن قَوْلِهِ: "سارِعُوا" ومِن قَوْلِهِ: "وَيُسارِعُونَ في الخَيْراتِ" و"نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ" في كُلِّ ذَلِكَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: والإمالَةُ هُنا حَسَنَةٌ لِوُقُوعِ الراءِ المَكْسُورَةِ بَعْدَها.
والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، وهي مُفاعَلَةٌ إذِ الناسُ كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يُسْرِعُ لِيَصِلَ قَبْلَ غَيْرِهِ، فَبَيْنَهم في ذَلِكَ مُفاعَلَةٌ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ ﴾ .
وقَوْلُهُ "إلى مَغْفِرَةٍ" مَعْناهُ: سارِعُوا بِالتَقْوى والطاعَةِ والتَقَرُّبِ إلى رَبِّكم إلى حالٍ يَغْفِرُ اللهُ لَكم فِيها، أيْ يَسْتُرُ ذُنُوبَكم بِعَفْوِهِ عنها وإزالَةِ حُكْمِها، ويُدْخِلُكم جَنَّةً.
قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ ومَكْحُولٌ في تَفْسِيرِ ﴿ وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ ﴾ مَعْناهُ: إلى تَكْبِيرَةِ الإحْرامِ مَعَ الإمامِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَقالٌ حَسَنٌ يُحْتَذى عَلَيْهِ في كُلِّ طاعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ تَقْدِيرُهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ ﴾ أيْ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ وبَعْثِها، فَجاءَ هَذا الِاقْتِضابُ المَفْهُومُ الفَصِيحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: حَسِبْتَ بُغامَ راحِلَتِي عَناقًا وما هي ويْبَ غَيْرِكَ بِالعَناقِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: كَأنَّ غَدِيرَهم بِجَنُوبِ سِلّى ∗∗∗ نَعامٌ قاقَ في بَلَدٍ قِفارِ التَقْدِيرُ: صَوْتَ عَناقٍ وغَدِيرُ نَعامٍ.
وأمّا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: تُقْرَنُ السَماواتُ والأرْضُونَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ كَما يُبْسَطُ الثَوْبُ، فَذَلِكَ عَرْضُ الجَنَّةِ، ولا يَعْلَمُ طُولَها إلّا اللهُ.
وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ : « "أنَّ بَيْنَ المِصْراعَيْنِ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وسَيَأْتِي عَلَيْها يَوْمٌ يَزْدَحِمُ الناسُ فِيها كَما تَزْدَحِمُ الإبِلُ إذا ورَدَتْ خُمْصًا ظِماءً"» وفي الحَدِيثِ عنهُ : « "أنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ المُجِدُّ في ظِلِّها مِائَةَ عامٍ لا يَقْطَعُها"،» فَهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: إنَّ الجَنَّةَ أكْبَرُ مِن هَذِهِ المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ، وهي مُمْتَدَّةٌ عَنِ السَماءِ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وذَلِكَ لا يُنْكَرُ، فَإنَّ في حَدِيثِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُونَ السَبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ أُلْقِيَتْ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، وما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أعْظَمُ بِكَثِيرٍ جِدًّا مِنَ السَماواتِ والأرْضِ، وقُدْرَةُ اللهِ تَعالى أعْظَمُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ.
رَوى يَعْلى بْنُ أبِي مُرَّةَ قالَ: «لَقِيتُ التَنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلَ إلى رَسُولِ اللهِ بِحِمْصَ، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ فَنَدَ فَقالَ قَدِمْتُ عَلى النَبِيِّ ، بِكِتابِ هِرَقْلَ، فَناوَلَ الصَحِيفَةَ رَجُلًا عن يَسارِهِ فَقُلْتُ: مَن صاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟
قالُوا: مُعاوِيَةٌ، فَإذا كِتابُ هِرَقْلَ: إنَّكَ كَتَبْتَ إلَيَّ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأيْنَ النارُ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "سُبْحانَ اللهِ، فَأيْنَ اللَيْلُ إذا جاءَ النَهارُ"؟» ورَوى قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ عن طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: جاءَ رَجُلانِ مِنَ اليَهُودِ مِن نَجْرانَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَقالَ أحَدُهُما: تَقُولُونَ جَنَّةٌ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ، أيْنَ تَكُونُ النارُ؟
فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أرَأيْتَ النَهارَ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ اللَيْلُ؟
واللَيْلُ إذا جاءَ أيْنَ يَكُونُ النَهارُ؟
فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّهُ لَمِثْلُها في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: لِمَ أخْبَرْتَهُ؟
دَعْهُ إنَّهُ بِكُلٍّ مُوقِنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ الآثارُ كُلُّها هي في طَرِيقٍ واحِدٍ، مِن أنَّ قُدْرَةَ اللهِ تَتَّسِعُ لِهَذا كُلِّهِ، وخَصَّ العَرْضَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ يَدُلُّ مَتى ذُكِرَ عَلى الطُولِ، والطُولُ إذا ذُكِرَ لا يَدُلُّ عَلى قَدْرِ العَرْضِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ الطَوِيلُ يَسِيرَ العَرْضِ كالخَيْطِ ونَحْوِهِ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: بِلادٌ عَرِيضَةٌ، وفَلاةٌ عَرِيضَةٌ.
وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ مَعْناهُ: كَعَرْضِ السَماواتِ والأرْضِ، كَما هي طِباقًا، لا بِأنْ تُقْرَنَ كَبَسْطِ الثِيابِ، فالجَنَّةُ في السَماءِ، وعَرْضُها كَعَرْضِها وعَرْضِ ما وراءَها مِنَ الأرْضِينَ إلى السابِعَةِ، وهَذِهِ الدَلالَةُ عَلى العِظَمِ أغْنَتْ عن ذِكْرِ الطُولِ.
وقالَ قَوْمٌ: الكَلامُ جارٍ عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ مِنَ الاسْتِعارَةِ، فَلَمّا كانَتِ الجَنَّةُ مِنَ الاتِّساعِ والِانْفِساحِ في غايَةٍ قُصْوى، حَسُنَتِ العِبارَةُ عنها بِـ (عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ)، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: هَذا بَحْرٌ، ولِشَخْصٍ كَبِيرٍ مِنَ الحَيَوانِ: هَذا جَبَلٌ، ولَمْ تَقْصِدِ الآيَةُ تَحْدِيدَ العَرْضِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وجَلَبَ مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ غَيْرَ مُلَخَّصٍ، وأدْخَلَ حُجَّةً عَلَيْهِ قَوْلَ العَرَبِ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ.
ولَيْسَ قَوْلُهُمْ: أرْضٌ عَرِيضَةٌ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ عَرْضُها السَماواتُ والأرْضُ ﴾ إلّا في دَلالَةِ ذِكْرِ العَرْضِ عَلى الطُولِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ فَعَلَ النَقّاشُ.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْفارِّينَ يَوْمَ أُحُدٍ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً"» وقالَ ابْنُ فُورَكٍ: الجَنَّةُ في السَماءِ، ويُزادُ فِيها يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا مُتَعَلَّقٌ لِمُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ وغَيْرِهِ مِمَّنْ قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ، وكَذَلِكَ النارُ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُما قَدْ خُلِقَتا، وهو ظاهِرُ كِتابِ اللهِ تَعالى في قَوْلِهِ: "أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" و"أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ" وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو نَصٌّ في الأحادِيثِ كَحَدِيثِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ ثَمَّ جَنَّةً قَدْ خُلِقَتْ.
وأمّا مَن يَقُولُ: يُزادُ فِيهِما فَلا تَرُدُّ عَلَيْهِ الأحادِيثُ، لَكِنَّهُ يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
و"أُعِدَّتْ" مَعْناهُ: يُسِّرَتْ وانْتَظَرُوا بِها.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُتَّقِينَ الَّذِينَ أُعِدَّتْ لَهُمُ الجَنَّةُ بِقَوْلِهِ: "الَّذِينَ يُنْفِقُونَ"....
الآيَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مَدْحٌ بِفِعْلِ المَندُوبِ إلَيْهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "فِي السَرّاءِ والضَرّاءِ" مَعْناهُ: في العُسْرِ واليُسْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إذِ الأغْلَبُ أنَّ مَعَ اليُسْرِ النَشاطَ وسُرُورَ النَفْسِ، ومَعَ العُسْرِ الكَراهِيَةَ وضُرَّ النَفْسِ.
وكَظْمُ الغَيْظِ: رَدُّهُ في الجَوْفِ إذا كادَ أنْ يَخْرُجَ مِن كَثْرَتِهِ، فَضَبْطُهُ ومَنعُهُ كَظْمٌ لَهُ، والكِظامُ: السَيْرُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ فَمُ الزَقِ والقِرْبَةِ، وكَظَمَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ: إذا رَدَّها في جَوْفِهِ، وقَدْ يُقالُ لِحَبْسِهِ الجِرَّةَ قَبْلَ أنْ يُرْسِلَها إلى فِيهِ: كَظْمٌ، حَكاهُ الزَجّاجُ، فَقالَ: كَظَمَ البَعِيرُ والناقَةُ إذا لَمْ يَجْتَرّا، ومِنهُ قَوْلُ الراعِي: فَأفَضْنَ بَعْدَ كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ∗∗∗ مِن ذِي الأباطِحِ إذْ رَعَيْنَ حَقِيلا والغَيْظُ: أصْلُ الغَضَبِ، وكَثِيرًا ما يَتَلازَمانِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ بَعْضُ الناسِ الغَيْظَ بِالغَضَبِ ولَيْسَ تَحْرِيرُ الأمْرِ كَذَلِكَ، بَلِ الغَيْظُ فِعْلُ النَفْسِ لا يَظْهَرُ عَلى الجَوارِحِ، والغَضَبُ حالٌ لَها مَعَهُ ظُهُورٌ في الجَوارِحِ وفِعْلٌ ما ولا بُدَّ، ولِهَذا جازَ إسْنادُ الغَضَبِ إلى اللهِ تَعالى، إذْ هو عِبارَةٌ عن أفْعالِهِ في المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، ولا يُسْنَدُ إلَيْهِ تَعالى غَيْظٌ، وخَلَطَ ابْنُ فُورَكٍ في هَذِهِ اللَفْظَةِ.
ووَرَدَتْ في كَظْمِ الغَيْظِ ومَلْكِ النَفْسِ عِنْدَ الغَضَبِ أحادِيثُ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ العِبادَةِ وجِهادِ النَفْسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرْعَةِ، إنَّما الشَدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ"،» ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "ما مِن جُرْعَةٍ يَتَجَرَّعُها العَبْدُ خَيْرٌ لَهُ وأعْظَمُ أجْرًا مِن جُرْعَةِ غَيْظٍ في اللهِ"،» ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، مَلَأهُ اللهُ أمْنًا وإيمانًا"،» والعَفْوُ عَنِ الناسِ مِن أجَلِّ ضُرُوبِ فِعْلِ الخَيْرِ، وهَذا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ ألّا يَعْفُوَ، وحَيْثُ يَتَّجِهُ حَقُّهُ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: "والعافِينَ عَنِ الناسِ" يُرِيدُ عَنِ المَمالِيكِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا حَسَنٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ، إذْ هُمُ الخَدَمَةُ، فَهُمُ المُذْنِبُونَ كَثِيرًا، والقُدْرَةُ عَلَيْهِمْ مُتَيَسِّرَةٌ، وإنْفاذُ العُقُوبَةِ سَهْلٌ، فَلِذَلِكَ مَثَّلَ هَذا المُفَسِّرُ بِهِ.
وذَكَرَ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ فَعَمَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وسِواها مِنَ البِرِّ، وهَذا يَدُلُّكَ عَلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، ألا تَرى إلى سُؤالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: "ما الإيمانُ؟
ثُمَّ قالَ: ما الإسْلامُ؟
فَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ المَفْرُوضاتِ، «ثُمَّ قالَ لَهُ: ما الإحْسانُ؟
قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ"...» الحَدِيثُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أو ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ومَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهَ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ وجَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ صِنْفًا دُونَ الصِنْفِ الأوَّلِ، فَألْحَقَهم بِهِمْ بِرَحْمَتِهِ ومَنِّهِ، فَهَؤُلاءِ هُمُ التَوّابُونَ.
ورُوِيَ في سَبَبِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: أنَّ «الصَحابَةَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أكْرَمَ عَلى اللهِ مِنّا حِينَ كانَ المُذْنِبُ مِنهم يُصْبِحُ وعُقُوبَتُهُ مَكْتُوبَةٌ عَلى بابِ دارِهِ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ تَوْسِعَةً ورَحْمَةً» وعِوَضًا مِن ذَلِكَ الفِعْلِ بِبَنِي إسْرائِيلَ.
ورُوِيَ أنَّ إبْلِيسَ بَكى حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورَوى أبُو بَكْرٍ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "ما مِن عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ويُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ويَسْتَغْفِرُ إلّا غُفِرَ لَهُ".» وقَوْلُهُ "والَّذِينَ" عَطْفُ جُمْلَةِ ناسِ عَلى جُمْلَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ "الَّذِينَ" بِنَعْتٍ كَرَّرَ مَعَهُ واوَ العَطْفِ، لِأنَّ تِلْكَ الطَبَقَةَ الأُولى تُنَزَّهُ عَنِ الوُقُوعِ في الفَواحِشِ، والفاحِشَةُ هُنا: صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أُقِيمَتِ الصِفَةُ مَقامَهُ، التَقْدِيرُ: فَعَلُوا فَعْلَةً فاحِشَةً، وهو لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَعاصِي، وقَدْ كَثُرَ اخْتِصاصُهُ بِالزِنى، حَتّى فَسَّرَ السُدِّيُّ هَذِهِ الآيَةَ بِالزِنى، وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ لَمّا قَرَأها: زَنى القَوْمُ ورَبِّ الكَعْبَةِ؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: الفاحِشَةُ مِنَ الظُلْمِ، والظُلْمُ مِنَ الفاحِشَةِ، وقالَ قَوْمٌ: الفاحِشَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى الكَبائِرِ، وظُلْمُ النَفْسِ إشارَةٌ إلى الصَغائِرِ.
و"ذَكَرُوا اللهَ" مَعْناهُ: بِالخَوْفِ مِن عِقابِهِ والحَياءِ مِنهُ، إذْ هو المُنْعِمُ المُتَفَضِّلُ؛ ومِن هَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "رَحِمَ اللهُ صُهَيْبًا لَوْ لَمْ يَخَفِ اللهَ لَمْ يَعْصِهِ".
واسْتَغْفَرُوا مَعْناهُ: طَلَبُوا الغُفْرانَ، واللامُ مَعْناها: لِأجْلِ ذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ اعْتَرَضَ أثْناءَ الكَلامِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلا اللهُ ﴾ ، اعْتِراضًا مُرَقِّقًا لِلنَّفْسِ، داعِيًا إلى اللهِ، مُرَجِّيًا في عَفْوِهِ إذا رُجِعَ إلَيْهِ، وجاءَ اسْمُ اللهِ مَرْفُوعًا بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ والكَلامُ مُوجَبٌ، حَمْلًا عَلى المَعْنى، إذْ هو بِمَعْنى: وما يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلّا اللهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَمْ يُصِرُّوا" الإصْرارُ مَعْناهُ: اعْتِزامُ الدَوامِ عَلى الأمْرِ وتَرْكُ الإقْلاعِ عنهُ، ومِنهُ صَرُّ الدَنانِيرِ أيِ: الرَبْطُ عَلَيْها، ومِنهُ قَوْلُ أبِي السَمّالِ قَعْنَبٍ العَدَوِيِّ: عَلِمَ اللهُ أنَّها مِنِّي صِرّى،.
يُرِيدُ: عَزِيمَةً،.
فالإصْرارُ اعْتِزامُ البَقاءِ عَلى الذَنْبِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا تَوْبَةَ مَعَ إصْرارٍ"» وقالَ أيْضًا: « "ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ".» واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في الإصْرارِ؛ فَقالَ قَتادَةُ: هو الَّذِي يَمْضِي قُدُمًا في الذَنْبِ لا تَنْهاهُ مَخافَةُ اللهِ،.
وقالَ الحَسَنُ: إتْيانُ العَبْدِ الذَنْبَ هو الإصْرارُ حَتّى يَمُوتَ، وقالَ مُجاهِدٌ: "لَمْ يُصِرُّوا" مَعْناهُ: لَمْ يَمْضُوا، وقالَ السُدِّيُّ: الإصْرارُ: هو تَرْكُ الِاسْتِغْفارِ والسُكُوتُ عنهُ مَعَ الذَنْبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَهم يَعْلَمُونَ" قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْناهُ: وهم يَعْلَمُونَ بِما حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: وهم يَعْلَمُونَ أنَّ بابَ التَوْبَةِ مَفْتُوحٌ لَهُمْ، وقِيلَ: المَعْنى: وهم يَعْلَمُونَ أنِّي أُعاقِبُ عَلى الإصْرارِ.
ثُمَّ شَرَكَ تَعالى الطائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: "أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ"...
الآيَةِ، وهَذِهِ تُؤْذِنُ بِأنَّ اللهَ تَعالى أوجَبَ عَلى نَفْسِهِ بِهَذا الخَبَرِ الصادِقِ قَبُولَ تَوْبَةِ التائِبِ، ولَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعالى مِن جِهَةِ العَقْلِ شَيْءٌ، بَلْ هو بِحُكْمِ المِلْكِ لا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ونِعْمَ الأجْرُ، لِأنَّ نِعْمَ وبِئْسَ تَطْلُبُ الأجْناسَ المُعَرَّفَةَ أو ما أُضِيفَ إلَيْها ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ ﴾ لِأنَّ نِعْمَ وبِئْسَ تَطْلُبُ الأجْناسَ المُعَرَّفَةَ أو ما أُضِيفَ إلَيْها، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ساءَ مَثَلا القَوْمُ ﴾ لِأنَّ المَثَلَ هُنا أُضِيفَ إلى مَعْهُودٍ لا إلى جِنْسٍ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ أبُو عَلِيٍّ: ساءَ المَثَلُ مَثَلُ القَوْمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَثَلُ القَوْمِ مُرْتَفِعًا بِـ "ساءَ" ولا يُضْمَرُ شَيْءٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ﴾ ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "قَدْ خَلَتْ" لِلْمُؤْمِنِينَ.
والمَعْنى: لا يَذْهَبْ بِكم إنْ ظَهَرَ الكُفّارُ المُكَذِّبُونَ عَلَيْكم بِأُحُدٍ، فَإنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وقَدِيمًا أدالَ اللهُ المُكَذِّبِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ولَكِنِ انْظُرُوا كَيْفَ هَلَكَ المُكَذِّبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ تَكُونُ عاقِبَةُ هَؤُلاءِ.
وقالَ النَقّاشُ: الخِطابُ بَعْدَ "قَدْ خَلَتْ" لِلْكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ قَلِقٌ، وخَلَتْ مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ.
قالَ الزَجّاجُ: التَقْدِيرُ: أهْلُ سُنَنٍ.
والسُنَنُ: الطَرائِقُ مِنَ السِيَرِ والشَرائِعِ والمُلْكِ والفِتَنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وسُنَّةُ الإنْسانِ: الشَيْءُ الَّذِي يَعْمَلُهُ ويُوالِيهِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ خالِدٍ الهُذَلِيِّ لِأبِي ذُؤَيْبٍ: فَلا تَجْزَعن مِن سُنَّةٍ أنْتَ سِرْتَها فَأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يَسِيرُها وَقالَ سُلَيْمانُ بْنُ قَتَّةَ: وإنَّ الأُلى بِالطَفِّ مِن آلِ هاشِمٍ ∗∗∗ تَأسَّوْا فَسَنُّوا لِلْكِرامِ التَأسِّيا وقالَ لَبِيدٌ: مِن مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهم آباؤُهم ∗∗∗ ولِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وإمامُها وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ"- مَعْناهُ: أمْثالٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ.
وقالَ تَعالى: "فَسِيرُوا" وهَذا الأمْرُ يُنْبِئُكَ بِالإخْبارِ دُونَ السِيَرِ لِأنَّ الإخْبارَ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ سارَ وعايَنَ، إذْ هو مِمّا يُدْرَكُ بِحاسَّةِ البَصَرِ وعن ذَلِكَ يَنْتَقِلُ خَبَرُهُ، فَأحالَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.
وقَوْلُهُ: "فانْظُرُوا"، هو عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن نَظَرِ العَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: هو بِالفِكْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: الإشارَةُ إلى القُرْآنِ، وقالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هو هَذا القُرْآنُ جَعَلَهُ اللهُ بَيانًا لِلنّاسِ عامَّةً وهُدىً ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خاصَّةً، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ والرَبِيعُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَوْنُهُ بَيانًا لِلنّاسِ ظاهِرٌ، وهو في ذاتِهِ أيْضًا هُدىً مَنصُوبٌ ومَوْعِظَةٌ، لَكِنَّ مَن عَمِيَ بِالكُفْرِ وضَلَّ وقَسا قَلْبُهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ القُرْآنُ، وتَحْسُنُ إضافَتُهُ إلى المُتَّقِينَ الَّذِينَ فِيهِمْ نَفْعٌ وإيّاهم هَدى، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والطَبَرِيُّ وجَماعَةٌ: الإشارَةُ بِـ "هَذا" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ ﴾ ....
الآيَةِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: المَعْنى: هَذا تَفْسِيرٌ لِلنّاسِ إنْ قَبِلُوهُ، قالَ الشَعْبِيُّ: المَعْنى: هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ مِنَ العَمى.
ثُمَّ نَهى عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ عَنِ الوَهْنِ لِما أصابَهم بِأُحُدٍ، والحُزْنِ عَلى مَن فُقِدَ وعَلى مَذَمَّةِ الهَزِيمَةِ، وآنَسَهم بِأنَّهُمُ الأعْلَوْنَ أصْحابُ العاقِبَةِ والوَهْنُ والوَهَنُ: الضَعْفُ واللِينُ والبِلى، ومِنهُ: ﴿ وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي ﴾ ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:.
............................
∗∗∗ فَأصْبَحَ الحَبْلُ مِنها واهِنًا خَلَقا ومِن كَرَمِ الخُلُقِ ألّا يَهِنَ الإنْسانُ في حَرْبِهِ وخِصامِهِ، ولا يَلِينَ إذا كانَ مُحِقًّا، وأنْ يَتَقَصّى جَمِيعَ قُدْرَتِهِ ولا يَضْرَعَ ولَوْ ماتَ، وإنَّما يَحْسُنُ اللِينُ في السِلْمِ والرِضى، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ"» و« "المُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ"» ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: لَعَمْرُكَ ما إنْ أبُو مالِكٍ ∗∗∗ بِواهٍ ولا بِضَعِيفٍ قُواهْ إذا سُدْتَهُ سُدْتَ مِطْواعَةً ∗∗∗ ومَهْما وكَلْتَ إلَيْهِ كَفاهْ وفِي هَذا الأُسْلُوبِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ يَجْرِي قَوْلُ النابِغَةِ: ومَن عَصاكَ فَعاقِبْهُ مُعاقَبَةً ∗∗∗ تَنْهى الظَلُومَ ولا تَقْعُدْ عَلى ضَمَدِ إلّا لِمِثْلِكَ أو مَن أنْتَ سابِقُهُ ∗∗∗ سَبْقَ الجَوادِ إذا اسْتَوْلى عَلى الأمَدِ وفِيهِ يَجْرِي قَوْلُ العَرَبِ: "إذا لَمْ تَغْلِبِ اخْلُبْ"، عَلى مَن تَأوَّلَهُ مِنَ المِخْلَبِ، أيْ حارِبْ ولَوْ بِالأظافِرِ، وهَذا هو فِعْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ طارِقٍ وهو مِن أصْحابِ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ حِينَ نَزَعَ يَدَهُ مِنَ القِرانِ وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، وفِعْلُ المُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الجُلاحِ في يَوْمِ بِئْرِ مَعُونَةَ.
ومَن رَآهُ مِن مَعْنى الخَلْبِ والخِلابَةِ الَّذِي هو الخَدِيعَةُ والمَكْرُ، فَهو رَأْيُ دُهاةِ العَرَبِ، ولَيْسَ بِرَأْيِ جُمْهُورِها، ومِنهُ فِعْلُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الأشْدَقِ مَعَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانٍ عِنْدَ قَتْلِهِ إيّاهُ، والأمْثِلَةُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وأيْضًا فَلَيْسَ المَكْرُ والخَدِيعَةُ بِذُلٍّ مَحْضٍ، ولِذَلِكَ رَآهُ بَعْضُهم.
وأمّا قَوْلُهُمْ: "إذا عَزَّ أخُوكَ فَهِنْ"، فالرِوايَةُ الصَحِيحَةُ المَعْنى فِيهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِمَعْنى: لِنْ واضْعُفْ ضَعْفَ المِطْواعِ.
وأمّا الرِوايَةُ بِضَمِّ الهاءِ فَهي أمْرٌ بِالهَوانِ، وما أعْرِفُ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن مَقاطِعِ العَرَبِ، وأمّا الشَرْعُ فَقَدْ قالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "لا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ"،» ورَأيْتُ لِعاصِمٍ أنَّ المَثَلَ عَلى ضَمِّ الهاءِ إنَّما هو مِنَ الهَوْنِ الَّذِي هو الرِفْقُ ولَيْسَ مِنَ الهَوانِ.
قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَجِبُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ لا يُوادَعَ العَدُوُّ ما كانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ، فَإنْ كانُوا في قُطْرٍ ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَيَنْظُرُ الإمامُ لَهم بِالأصْلَحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ إخْبارٌ بِعُلُوِّ كَلِمَةِ الإسْلامِ؛ هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ وظاهِرُ اللَفْظِ، وقالَهُ ابْنُ إسْحاقَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ: إنَّما قالَ اللهُ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ عُلُوِّهِمْ في الجَبَلِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ حِينَ انْحازَ في نَفَرٍ يَسِيرٍ مِن أصْحابِهِ إلى الجَبَلِ، فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ عَلاخالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "اللهُمَّ لا يَعْلُونَنا" ثُمَّ قامَ وقامَ مَن مَعَهُ فَقاتَلَ أصْحابُهُ وقاتَلَ حِينَئِذٍ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أزالُوا المُشْرِكِينَ عن رَأْسِ الجَبَلِ، وصَعِدَ رَسُولُ اللهِ وأصْحابُهُ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ ﴾ » وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا ﴾ فَيَكُونَ المَقْصِدُ هَزَّ النُفُوسِ وإقامَتَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ" فَيَكُونَ الشَرْطُ عَلى بابِهِ دُونَ تَجَوُّزٍ، ويَتَرَتَّبُ مِن ذَلِكَ الطَعْنُ عَلى مَن نَجَمَ نِفاقُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وعَلى مَن تَأوَّدَ إيمانُهُ واضْطَرَبَ يَقِينُهُ: ألا لا يُتَحَصَّلُ الوَعْدُ إلّا بِالإيمانِ، فالزَمُوهُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى، تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿ إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ والأُسْوَةُ مَسْلاةٌ لِلْبَشَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءِ: ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي وما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَفْسَ عنهُ بِالتَأسِّي والسُلُوُّ بِالتَأسِّي هو النَفْعُ الَّذِي يَجُرُّهُ إلى نَفْسِهِ الشاهِدُ المَحْدُودُ، فَلِذَلِكَ رُدَّتْ شَهادَتُهُ فِيما حُدَّ فِيهِ وإنْ تابَ وحَسُنَتْ حالُهُ.
والقَرْحُ: القَتْلُ والجِراحُ، قالَهُ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والرَبِيعُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم.
والمَعْنى: إنْ مَسَّكم في أُحُدٍ فَقَدْ مَسَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ بِأيْدِيكم.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: "قَرْحٌ" بِفَتْحِ القافِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "قُرْحٌ" بِضَمِّ القافِ، وكُلُّهم سَكَّنَ الراءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ كالضَعْفِ والضُعْفِ والكَرْهِ والكُرْهِ، والفَتْحُ أولى، لِأنَّها لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ والأخْذُ بِها أوجَبُ لِأنَّ القُرْآنَ عَلَيْها نَزَلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ القِراءاتُ لا يُظَنُّ إلّا أنَّها مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَبِيِّ ، وبِجَمِيعِها عارَضَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مَعَ طُولِ السِنِينَ تَوْسِعَةً عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، وتَكْمِلَةً لِلسَّبْعَةِ الأحْرُفِ حَسَبَ ما بَيَّنّاهُ في صَدْرِ هَذا التَعْلِيقِ، وعَلى هَذا لا يُقالُ: هَذِهِ أولى مِن جِهَةِ نُزُولِ القُرْآنِ بِها، وإنْ رَجَحَتْ قِراءَةٌ فَبِوَجْهٍ غَيْرِ وجْهِ النُزُولِ.
قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: القَرْحُ والقُرْحُ مَصْدَرانِ بِمَعْنىً واحِدٍ، ومَن قالَ: القَرْحُ بِالفَتْحِ الجِراحاتُ بِأعْيانِها، والقُرْحُ بِضَمِّ القافِ ألَمُ الجِراحاتِ قُبِلَ مِنهُ إذا أتى بِرِوايَةٍ، لِأنَّ هَذا مِمّا لا يُعْلَمُ بِقِياسٍ، وقالَ بِهَذا التَفْسِيرِ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ الأعْمَشُ "إنْ تَمْسَسْكُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "قُرُوحٌ" بِالجَمْعِ، "فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ"، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ "قَرَحٌ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ؛ قالَ أبُو الفَتْحِ: هي لُغَةٌ في القَرْحِ كالشَلِّ والشَلَلِ والطَرْدِ والطَرَدِ،.
هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، ولَيْسَ هَذا عِنْدَهم مِن تَأْثِيرِ حَرْفِ الحَلْقِ، وأنا أمِيلُ في هَذا إلى قَوْلِ أصْحابِنا البَغْدادِيِّينَ: في أنَّ لِحَرْفِ الحَلْقِ في مِثْلِ هَذا أثَرًا مُعْتَمَدًا، وقَدْ سَمِعْتُ بَعْضَ بَنِي عَقِيلٍ يَقُولُ: نَحْوَهُ بِفَتْحِ الحاءِ، يُرِيدُ نَحْوَهُ، ولَوْ كانَتِ الكَلِمَةُ مَبْنِيَّةً عَلى فَتْحِ الحاءِ لَأُعِلَّتِ الواوُ كَعُصاةٍ وقَناةٍ، وسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: أنا مَحَمُومٌ بِفَتْحِ الحاءِ.
قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: ولا قَرابَةَ بَيْنِي وبَيْنَ البَصْرِيِّينَ ولَكِنَّها بَيْنِي وبَيْنَ الحَقِّ، والحَمْدُ لِلَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ الناسِ ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ واللهُ لا يُحِبُّ الظالِمِينَ ﴾ ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَمْحَقَ الكافِرِينَ ﴾ .
أخْبَرَ تَعالى عَلى جِهَةِ التَسْلِيَةِ؛ أنَّ الأيّامَ عَلى قَدِيمِ الدَهْرِ وغابِرِهِ أيْضًا إنَّما جَعَلَها دُوَلًا بَيْنَ البَشَرِ، أيْ: فَلا تُنْكِرُوا أنْ يُدالَ عَلَيْكُمُ الكُفّارُ.
وقالَ تَعالى: "نُداوِلُها" فَهي مُفاعَلَةٌ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، وإنَّما ساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المُداوَلَةَ مِنهُ تَعالى هي بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَلَمّا كانَ ذَلِكَ الفَرِيقانِ يَتَداوَلانِ حَسُنَ ذَلِكَ، والدُولَةُ بِضَمِّ الدالِ المَصْدَرُ، والدَوْلَةُ بِفَتْحِ الدالِ: الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِن ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ يُقالُ: في دَوْلَةِ فُلانٍ لِأنَّها مَرَّةٌ في الدَهْرِ، وسَمِعَ بَعْضُ العَرَبِ الأقْحاحِ قارِئًا يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّما هو "وَتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ العَرَبِ"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "بَيْنَ الناسِ" فَقالَ: إنّا لِلَّهِ، ذَهَبَ مُلْكُ العَرَبِ ورَبِّ الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ دَخَلَتِ الواوُ لِتُؤْذِنَ أنَّ اللامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ في آخِرِ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: ولِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا، فَعَلَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ" مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ في الوُجُودِ إيمانُ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ أزَلًا أنَّهم يُؤْمِنُونَ، ولِيُساوِقَ عِلْمُهُ إيمانَهم ووُجُودَهُمْ، وإلّا فَقَدْ عَلِمَهم في الأوَّلِ، وعِلْمُهُ تَعالى لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ التَغْيِيرُ؛ ونَحْوُ هَذا: أنْ يَضْرِبَ حاكِمٌ أحَدًا ثُمَّ يُبَيِّنَ سَبَبَ الضَرْبِ ويَقُولَ: فَعَلْتُ هَذا التَبْيِينَ لِأضْرِبَ مُسْتَحِقًّا، مَعْناهُ: لِيَظْهَرَ أنَّ فِعْلِي وافَقَ اسْتِحْقاقَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ ﴾ ، مَعْناهُ: أهْلَ فَوْزٍ في سَبِيلِهِ حَسْبَما ورَدَ في فَضائِلِ الشَهِيدِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ إدالَتَهُ الكُفّارَ عَلى المُؤْمِنِينَ إنَّما هي لِيُمَحِّصَ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ إدالَةَ المُؤْمِنِينَ عَلى الكُفّارِ إنَّما هي لِمَحْقِ الكُفّارِ، هَذا مُقْتَضى ألْفاظِ الآيَةِ.
وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: جَعَلَ اللهُ الدَوْلَةَ لِرَسُولِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ.
وذَهَبَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى العِبارَةِ عن إدالَةِ المُؤْمِنِينَ بِالنَصْرِ، وعن إدالَةِ الكُفّارِ بِالإدالَةِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ حَدِيثُ: « "إنَّهم يُدالُونَ كَما تُنْصَرُونَ".» والتَمْحِيصُ: التَنْقِيَةُ.
قالَ الخَلِيلُ: التَمْحِيصُ مِنَ العَيْبِ، يُقالُ: مَحَّصَ الحَبْلُ إذا زالَ عنهُ بِكَثْرَةِ مَرِّهِ عَلى اليَدِ زِئْبِرُهُ وأمْلَسَ، هَكَذا ساقَ الزَجّاجُ اللَفْظَةَ "الحَبْلُ" ورَواها النَقّاشُ "مَحَّصَ الجَمَلُ": إذا زالَ عنهُ وبَرُهُ وأمْلَسَ، وقالَ حَنِيفُ الحَناتِمِ، وقَدْ ورَدَ ماءً يُقالُ لَهُ: طُوَيْلِعٌ: إنَّكَ لَمَحِصُ الرِشاءِ، بَعِيدُ المُسْتَقى، مَطِلٌ عَلى الأعْداءِ، فالمَعْنى: إنَّهُ لِبُعْدِهِ يَمْلُسُ حَبْلُهُ بِطُولِ الجَرِّ ومَرِّ الأيْدِي.
فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يُمَحِّصُ المُؤْمِنِينَ إذا أدالَ عَلَيْهِمْ، بِأنَّهُ يُنَقِّي المُتَشَهِّدِينَ مِن ذُنُوبِهِمْ، ويُنَقِّي الأحْياءَ مِن مُنافِقِهِمْ إذْ يُمَيِّزُهُمْ، وأنَّهُ يَمْحَقُ الكافِرِينَ إذا نَصَرَ عَلَيْهِمْ أيْ: يَنْقُصُهُمْ، والمَحْقُ: الذَهابُ شَيْئًا شَيْئًا، ومِنهُ مِحاقُ القَمَرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ويَعْلَمَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ "أمْ" هي بِمَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والتَرْكِ لَهُ، وفِيها لازَمَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَلِذَلِكَ قَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بِبَلْ وألِفِ الِاسْتِفْهامِ.
و"حَسِبْتُمْ" مَعْناهُ: ظَنَنْتُمْ؛.
وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْرِيعٌ وعَتْبٌ لِطَوائِفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وقَعَتْ مِنهُمُ الهَفَواتُ المَشْهُورَةُ في يَوْمِ أُحُدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَمّا يَعْلَمِ ﴾ نَفْيٌ مُؤَكَّدٌ وهو مُعادِلٌ لِقَوْلِ القائِلِ: قَدْ كانَ كَذا، فَلَمّا أكَّدَ هَذا الخَبَرَ المُوجَبَ بِقَدْ أكَّدَ النَفْيَ المُعادِلَ لَهُ بِلَمّا، وإذا قالَ القائِلُ: كانَ هَذا، فَمُعادِلُهُ: لَمْ يَكُنْ دُونَ تَأْكِيدٍ في الوَجْهَيْنِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: بِكَسْرِ المِيمِ لِلِالتِقاءِ في قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ"، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَلَمّا يَعْلَمَ" بِفَتْحِ المِيمِ إتْباعًا لِفَتْحَةِ اللامِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَيَعْلَمَ" عَلى النَصْبِ بِإضْمارِ "أنْ" عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وبِواوِ الصَرْفِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ ورُوِيَ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ قَرَأ: "وَيَعْلَمُ" بِالرَفْعِ عَلى اسْتِئْنافِ الفِعْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو حَيْوَةَ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَيَعْلَمِ" بِكَسْرِ المِيمِ جَزْمًا مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: "وَلَمّا يَعْلَمِ".
ثُمَّ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ والسَبَبُ في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ مُبادِرًا فَلَمْ يُوعِبِ الناسُ مَعَهُ، إذْ كانَ الظَنُّ أنَّهُ لا يَلْقى حَرْبًا، فَلَمّا قَضى اللهُ بِبَدْرٍ ما قَضى وفازَ حاضِرُوها بِالمَنزِلَةِ الرَفِيعَةِ؛ كانَ المُتَخَلِّفُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عنها يَتَمَنَّوْنَ حُضُورَ قِتالِ الكُفّارِ مَعَ النَبِيِّ لِيَكُونَ مِنهم في ذَلِكَ غَناءٌ يُلْحِقُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ونَبِيِّهِمْ بِمَنزِلَةِ أهْلِ بَدْرٍ، ولِأنَسِ بْنِ النَضْرِ في ذَلِكَ كَلامٌ مَحْفُوظٌ، فَلَمّا جاءَ أمْرُ أُحُدٍ وحَضَرَ القِتالُ لَمْ يَصْدُقْ كُلُّ المُؤْمِنِينَ، فَعاتَبَهُمُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وألْزَمَهم تَعالى تَمَنِّي المَوْتِ مِن حَيْثُ تَمَنَّوْا لِقاءَ الرِجالِ بِالحَدِيدِ ومُضارَبَتَهم بِهِ، وهي حالٌ في ضِمْنِها في الأغْلَبِ المَوْتُ، ولا يَتَمَنّاها إلّا مَن طابَتْ نَفْسُهُ بِالمَوْتِ، فَصارَ المَوْتُ كَأنَّهُ المُتَمَنّى، وإلّا فَنَفْسُ قَتْلِ المُشْرِكِ لِلْمُسْلِمِ لا يَجُوزُ أنْ يُتَمَنّى مِن حَيْثُ هو قَتْلٌ، وإنَّما تُتَمَنّى لَواحِقُهُ مِنَ الشَهادَةِ والتَنْعِيمِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ"، وقَرَأ الزُهْرِيُّ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "مِن قَبْلِ أنْ تُلاقُوهُ"، وهَذِهِ والأُولى في المَعْنى سَواءٌ، مِن حَيْثُ "لَقِيَ" مَعْناهُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ مِنِ اثْنَيْنِ وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأ مُجاهِدٌ "مِن قَبْلُ" بِضَمِّ اللامِ وتَرْكِ الإضافَةِ، وجَعْلِ "أنْ تَلْقَوْهُ" بَدَلًا مِنَ "المَوْتَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ" يُرِيدُ رَأيْتُمْ أسْبابَهُ، وهي الحَرْبُ المُشْتَعِلَةُ والرِجالُ بِأيْدِيهِمُ السُيُوفُ، وهَذا كَما قالَ عُمَيْرُ بْنُ وهْبٍ يَوْمَ بَدْرٍ: رَأيْتُ البَلايا تَحْمِلُ المَنايا قالَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ: ووَجَدْتُ رِيحَ المَوْتِ مِن تِلْقائِهِمْ في مَأْزِقٍ والخَيْلُ لَمْ تَتَبَدَّدِ يُرِيدُ لِقُرْبِ الأمْرِ، ونَحْوُ هَذا قَوْلُ عامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ: لَقَدْ رَأيْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ يُرِيدُ لَمّا اشْتَدَّ بِهِ المَرَضُ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "فَلَقَدْ رَأيْتُمُوهُ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ" يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها: التَأْكِيدُ لِلرُّؤْيَةِ وإخْراجُها مِنَ الاشْتِراكِ الَّذِي بَيْنَ رُؤْيَةِ القَلْبِ ورُؤْيَةِ العَيْنِ في اللَفْظِ، والآخَرُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ في أسْبابِ النَجاةِ والفِرارِ وفي أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ هَلْ قُتِلَ أمْ لا؟
وذَلِكَ كُلُّهُ نَقْضٌ لِما كُنْتُمْ عاهَدْتُمُ اللهَ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وحَكى مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: المَعْنى: وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى مُحَمَّدٍ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، إلّا أنْ يُنْحى بِهِ إلى هَذا القَوْلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ أنَّهُ النَظَرُ في أمْرِهِ هَلْ قُتِلَ؟
والِاضْطِرابُ بِحَسَبِ ذَلِكَ.
والمَعْنى الثالِثُ: أنْ يَكُونَ قَدْ وقَّفَهم عَلى تَمَنِّيهِمْ ومُعاهَدَتِهِمْ، وعَلى أنَّهم رَأوُا الَّذِي تَمَنَّوْا، ثُمَّ قالَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والعَتْبِ: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ في فِعْلِكُمُ الآنَ بَعْدَ انْقِضاءِ الحَرْبِ هَلْ وفَّيْتُمْ أمْ خالَفْتُمْ؟
كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمْ حُسَباءُ أنْفُسِكُمْ، فَتَأمَّلُوا قَبِيحَ فِعْلِكُمْ، وفي هَذا التَوْبِيخِ عَلى هَذا الوَجْهِ ضَرْبٌ جَمِيلٌ مِنَ الإبْقاءِ والصَوْنِ والِاسْتِدْعاءِ.
قالَ ابْنُ فُورَكٍ: المَعْنى وأنْتُمْ تَتَأمَّلُونَ الحالَ في ذَلِكَ وتُفَكِّرُونَ فِيها كَيْفَ هِيَ؟
وهَذا نَحْوُ ما تَقَدَّمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وسَيَجْزِي اللهَ الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلا بِإذْنِ اللهِ كِتابًا مُؤَجَّلا ﴾ .
هَذا اسْتِمْرارٌ في عَتْبِهِمْ وإقامَةِ حُجَّةِ اللهِ عَلَيْهِمُ، المَعْنى: أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ كَسائِرِ الرُسُلِ، وقَدْ بَلَّغَ كَما بَلَّغُوا، ولَزِمَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ العَمَلُ بِمُضَمَّنِ الرِسالَةِ، ولَيْسَتْ حَياةُ الرَسُولِ وبَقاؤُهُ بَيْنَ أظْهُرِكم شَرْطًا في ذَلِكَ، لِأنَّ الرَسُولَ يَمُوتُ كَما ماتَ الرُسُلُ قَبْلَهُ.
و"خَلَتْ" مَعْناهُ: مَضَتْ وسَلَفَتْ، وصارَتْ إلى الخَلاءِ مِنَ الأرْضِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "الرُسُلُ" بِالتَعْرِيفِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "رُسُلٌ" دُونَ تَعْرِيفٍ، وهي قِراءَةُ حِطّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَوَجْهُ الأُولى تَفْخِيمُ ذِكْرِ الرُسُلِ والتَنْوِيهُ بِهِمْ عَلى مُقْتَضى حالِهِمْ مِنَ اللهِ تَعالى، ووَجْهُ الثانِيَةِ أنَّهُ مَوْضِعُ تَفْسِيرٍ لِأمْرِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ في مَعْنى الحَياةِ، ومَكانُ تَسْوِيَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَشَرِ في ذَلِكَ فَيَجِيءُ تَنْكِيرُ "الرُسُلُ" جارِيًا في مِضْمارِ هَذا الِاقْتِصادِ بِهِ ، وهَكَذا يُفْعَلُ في مَواضِعِ الِاقْتِصادِ بِالشَيْءِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَكُورُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو الفَتْحِ، والقِراءَةُ بِتَعْرِيفِ الرُسُلِ أوجَهُ في الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَإنْ ماتَ"...
الآيَةُ، دَخَلَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ عَلى الحَدِّ الَّذِي يُخْبِرُ بِهِ مُلْتَزِمَهُ، لِأنَّ أقْبَحَ الأحْوالِ أنْ يَقُولُوا: إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ أو قُتِلَ انْقَلَبْنا، فَلَمّا كانَ فِعْلُهم يَنْحُو هَذا المَنحى وُقِفُوا عَلى الحَدِّ الَّذِي بِهِ يَقَعُ الإخْبارُ.
وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لِأنَّ الغَرَضَ إنَّما هُوَ: تَنْقَلِبُونَ عَلى أعْقابِكم إنْ ماتَ مُحَمَّدٌ؛ فالسُؤالُ إنَّما هو عن جَوابِ الشَرْطِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِذَلِكَ النَظَرِ الَّذِي قَدَّمْتُهُ يَبِينُ وجْهُ فَصاحَةِ الألِفِ عَلى الشَرْطِ، وذَلِكَ شَبِيهٌ بِدُخُولِ ألِفِ التَقْرِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ ﴾ ونَحْوِهِ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّكَ أدْخَلْتَ التَقْرِيرَ عَلى ما ألْزَمْتَ المُخاطَبَ أنَّهُ يَقُولُهُ.
والِانْقِلابُ عَلى العَقِبِ يَقْتَضِي التَوَلِّي عَنِ المُنْقَلَبِ عنهُ.
ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعالى المُنْقَلِبَ عَلى عَقِبِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا ﴾ لِأنَّ المَعْنى: فَإنَّما يَضُرُّ نَفْسَهُ وإيّاها يُوبِقُ.
ثُمَّ وعَدَ الشاكِرِينَ وهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا وصَبَرُوا ولَمْ يَنْقَلِبْ مِنهم أحَدٌ عَلى عَقِبَيْهِ بَلْ مَضى عَلى دِينِهِ قُدُمًا حَتّى ماتَ، فَمِنهم سَعْدُ بْنُ الرَبِيعِ وتَقْضِي بِذَلِكَ وصِيَّتُهُ إلى الأنْصارِ، ومِنهم أنَسُ بْنُ النَضْرِ، ومِنهُمُ الأنْصارِيُّ الَّذِي ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عنهُ بِسَنَدٍ أنَّهُ مَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِيُّ يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ، فَقالَ: يا فُلانُ أشَعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عن دِينِكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَؤُلاءِ أصْحابُ النازِلَةِ يَوْمَئِذٍ صَدَقَ فِعْلُهم قَوْلَهُمْ،.
ثُمَّ يَدْخُلُ في الآيَةِ الشاكِرُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: مَعْنى ﴿ وَسَيَجْزِي اللهُ الشاكِرِينَ ﴾ أيْ مَن أطاعَهُ وعَمِلَ بِأمْرِهِ.
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ بِسَنَدٍ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وذَكَرَ غَيْرَهُ: أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: الشاكِرُونَ: الثابِتُونَ عَلى دِينِهِمْ، أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، وكانَ يَقُولُ: أبُو بَكْرٍ أمِيرُ الشاكِرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ عِبارَةٌ مِن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما هي إلى صَدْعِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِهَذِهِ الآيَةِ في يَوْمِ مَوْتِ النَبِيِّ وثُبُوتِهِ في ذَلِكَ المَوْطِنِ، وثُبُوتِهِ في أمْرِ الرِدَّةِ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ لَمّا قُبِضَ وشاعَ مَوْتُهُ، هاجَ المُنافِقُونَ وتَكَلَّمُوا، وهَمُّوا بِالِاجْتِماعِ والمُكاشَفَةِ، أوقَعَ اللهُ تَعالى في نَفْسِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ لَمْ يُقْبَضْ، فَقامَ بِخُطْبَتِهِ المَشْهُورَةِ المُخَوِّفَةِ لِلْمُنافِقِينَ بِرُجُوعِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَفَتَّ ذَلِكَ في أعْضادِ المُنافِقِينَ وتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ، ثُمَّ جاءَ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ أنْ نَظَرَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ فَسَمِعَ كَلامَ عُمَرَ فَقالَ لَهُ: اسْكُتْ، فاسْتَمَرَّ عُمَرُ في كَلامِهِ فَتَشَهَّدَ أبُو بَكْرٍ فَأصْغى الناسُ إلَيْهِ، فَقالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّهُ مَن كانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ومَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ﴿ وَما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُسُلُ ﴾ وتَلا الآيَةَ كُلَّها، فَبَكى الناسُ ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا قَرَأ الآيَةَ كَأنَّ الناسَ ما سَمِعُوها قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في البُخارِيِّ: فَنَفَعَ اللهُ بِخُطْبَةِ عُمَرَ ثُمَّ بِخُطْبَةِ أبِي بَكْرٍ.» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا مِنَ المَواطِنِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها شُكْرُ أبِي بَكْرٍ وشُكْرُ الناسِ بِسَبَبِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنِ النُفُوسِ أنَّها إنَّما تَمُوتُ بِأجَلٍ مَكْتُوبٍ مَحْتُومٍ واحِدٍ عِنْدَ اللهِ تَعالى، أيْ فالجُبْنُ لا يَزِيدُ فِيهِ، والشَجاعَةُ والإقْدامُ لا تَنْقُصُ مِنهُ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَقْوِيَةُ النُفُوسِ لِلْجِهادِ، قالَ ابْنُ فُورَكٍ: وفِيها تَسْلِيَةُ ما في مَوْتِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ والعِبارَةُ بِقَوْلِهِ: "وَما كانَ" قَدْ تَجِيءُ فِيما هو مُمْكِنٌ قَرِيبٌ نَحْوُ قَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ .
وقَدْ تَقَعُ في المُمْتَنِعِ عَقْلًا نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها ﴾ فَهي عِبارَةٌ لا صِيغَةَ لَها ولا تَتَضَمَّنُ نَهْيًا كَما يَقُولُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما يُفْهَمُ قَدْرُ مَعْناها مِن قَرائِنِ الكَلامِ الَّذِي تَجِيءُ العِبارَةُ فِيهِ.
و"نَفْسٍ" في هَذِهِ الآيَةِ: اسْمُ الجِنْسِ، والإذْنُ: التَمْكِينُ مِنَ الشَيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالشَيْءِ المَأْذُونِ فِيهِ، فَإنِ انْضافَ إلى ذَلِكَ قَوْلٌ فَهو الأمْرُ.
وقَوْلُهُ: "كِتابًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ، و"مُؤَجَّلًا" صِفَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ بِالأجَلَيْنِ.
وأمّا الِانْفِصالُ عن تَعَلُّقِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى ﴾ ونَحْوِ هَذا مِنَ الآياتِ؛ فَسَيَجِيءُ في مَواضِعِهِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها وسَنَجْزِي الشاكِرِينَ ﴾ ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا واللهُ يُحِبُّ الصابِرِينَ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "نُؤْتِهِ مِنها" مَشْرُوطٌ بِالمَشِيئَةِ، أيْ نُؤْتِ مَن شِئْنا مِنها ما قُدِّرَ لَهُ، بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ﴾ ، وقَرِينَةُ الكَلامِ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يُؤْتى شَيْئًا مِنَ الآخِرَةِ، لِأنَّ مَن كانَتْ نِيَّتُهُ مِن عَمَلِهِ مَقْصُورَةً عَلى طَلَبِ الدُنْيا فَلا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، والأعْمالُ بِالنِيّاتِ، وقَرِينَةُ الكَلامِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنها ﴾ لا تَمْنَعُ أنْ يُؤْتى نَصِيبًا مِنَ الدُنْيا.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نُؤْتِهِ" و"نُؤْتِهِ" و"سَنَجْزِي" كُلَّها بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ بِالياءِ في الثَلاثَةِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ الفاعِلِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
قالَ ابْنُ فُورَكٍ في قَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ وَسَنَجْزِي الشاكِرِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُنَعِّمُهم بِنَعِيمِ الدُنْيا لا أنَّهم يُقْصَرُونَ عَلى الآخِرَةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ تَعالى المَثَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَن سَلَفَ مِن صالِحِي الأُمَمِ الَّذِينَ لَمْ يَثْنِهِمْ عن دِينِهِمْ قَتْلُ الكُفّارِ لِأنْبِيائِهِمْ فَقالَ: ﴿ وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ ﴾ ..
الآيَةَ، وفي "كَأيِّنْ" أرْبَعُ لُغاتٍ: "كَأيِّنْ" عَلى وزْنِ كَعَيِّنْ بِفَتْحِ العَيْنِ، و"وَكائِنْ"، عَلى وزْنِ كاعِنْ، و"كَأْيَنْ" عَلى وزْنِ كَعْيَنْ بِسُكُونِ العَيْنِ، و"كَإنْ" عَلى وزْنِ كَعِنْ بِكَسْرِ العَيْنِ؛ وأكْثَرُ ما اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ في أشْعارِها الَّتِي عَلى وزْنِ كاعِنْ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وكائِنْ رَدَدْنا عنكُمُ مِن مُدَجَّجٍ يَجِيءُ أمامَ القَوْمِ يَرْدِي مُقَنَّعا وقالَ جَرِيرٌ: وكائِنْ بِالأباطِحِ مِن صَدِيقٍ يَرانِي ∗∗∗ لَوْ أُصِبْتُ هو المُصابا وَقالَ آخَرُ: وكائِنْ تَرى مِن صامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ∗∗∗ زِيادَتُهُ أو نَقْصُهُ في التَكَلُّمِ وقَدْ جاءَ في اللُغَةِ الَّتِي ذَكَرْتُها أوَّلًا قَوْلُ الشاعِرِ: كَأيِّنْ في المَعاشِرِ مِن أُناسٍ أخُوهم فَوْقَهم وهُمُ كِرامُ وهَذِهِ اللُغَةُ هي أصْلُ هَذِهِ اللَفْظَةِ، لِأنَّها كافُ التَشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلى "أيُّ" كَما دَخَلَتْ عَلى "ذا" في قَوْلِكَ: لِفُلانٍ كَذا وكَذا، وكَما دَخَلَتْ عَلى "أنَّ" في قَوْلِكَ: كَأنَّ زَيْدًا أسَدٌ، لَكِنْ بَقِيَ لَها مَعْنى التَشْبِيهِ في كَأنَّ، وزالَ عنها ذَلِكَ في كَذا وكَذا، وفي كَأيِّنْ، وصَرَفَتِ العَرَبُ كَأيِّنْ في مَعْنى "كَمِ" الَّتِي هي لِلتَّكْثِيرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُهم لِلَّفْظَةِ حَتّى لَعِبَ فِيها لِسانُ العَرَبِ عَلى اللُغاتِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرْتُ، وهَذا كَما لَعِبَ في قَوْلِهِمْ: لَعَمْرِي حَتّى قالُوا: رَعَمْلِي، وكَما قالُوا: أطْيَبُ وأيْطَبُ، وكَما قالُوا: طِبِّيخٌ في بِطِّيخٍ، فَعُومِلَتِ الكافُ وأيُّ مُعامَلَةَ ما هو شَيْءٌ واحِدٌ.
فَأمّا اعْتِلالُ لُغَةِ مَن قالَ: "كائِنْ" عَلى وزْنِ فاعِلْ؛ فَإنَّهم أخَذُوا الأصْلَ الَّذِي هو "كَأيِّنْ" فَقَلَبُوا الياءَ قَبْلَ الهَمْزَةِ ونُقِلَتْ حَرَكَةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى أُخْتِها، فَجاءَ "كَيَّأْ" عَلى وزْنِ كَيَّعْ، فَحَذَفُوا الياءَ الثانِيَةَ المَفْتُوحَةَ تَخْفِيفًا، كَما حَذَفُوا الياءَ مِن مَيِّتٍ وهَيِّنٍ ولَيِّنٍ فَقالُوا، مَيْتٌ وهَيْنٌ وَلَيْنٌ، وكَما حَذَفُوا الياءَ الثانِيَةَ مِن "أيُّ" تَخْفِيفًا ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ بْنِ غالِبٍ التَمِيمِيِّ: تَنَظَّرْتُ نَصْرًا والسِماكَيْنِ أيْهُما عَلَيَّ ∗∗∗ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ؟
فَجاءَ "كَيْإٍ" عَلى وزْنِ كَيْعٍ، فَأُبْدِلَتْ هَذِهِ الياءُ الساكِنَةُ ألِفًا مُراعاةً لِلْفَتْحَةِ الَّتِي قَبْلَها، كَما قالُوا: في يَوْجَلُ ياجَلُ، وكَما أبْدَلُوا الياءَ ألِفًا في "طايْ"، وكَما أُبْدِلَتْ في "آيَةْ" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، إذْ أصْلُها عِنْدَهُ "أيَّةْ" عَلى وزْنِ فَعْلَةْ بِسُكُونِ العَيْنِ، فَجاءَ "كاءٍ" ثُمَّ كُتِبَ هَذا التَنْوِينُ نُونًا في المُصْحَفِ؛ فَأمّا قِياسُ اللُغَةِ فَحَذْفُهُ في الوَقْفِ، فَكَما يَقُولُونَ: مَرَرْتُ بِزَيْدْ فَكَذَلِكَ يَقُولُونَ "كَأيْيْ"، ووَقَفَ عَلَيْهِ أبُو عَمْرٍو" كَأيْ" بِياءٍ دُونَ نُونٍ، وكَذَلِكَ رَوى سَوْرَةُ بْنُ المُبارَكِ عَنِ الكِسائِيِّ، ووَقَفَ سائِرُ القُرّاءِ بِإثْباتِ النُونِ مُراعاةً لِخَطِّ المُصْحَفِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَوْ قِيلَ إنَّهُ لَمّا تُصُرِّفَ في الكَلِمَةِ بِالقَلْبِ صارَتْ بِمَنزِلَةِ النُونِ الَّتِي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ وصارَتْ بِمَنزِلَةِ لامِ فاعِلٍ فَأُقِرَّتْ في الوَقْفِ، لَكانَ قَوْلًا، ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّهم لَمّا حَذَفُوا الكَلامَ مِن قَوْلِهِمْ: إمالًا، جَعَلُوها بِالحَذْفِ كَكَلِمَةٍ واحِدَةٍ، فَأجازُوا الإمالَةَ في ألِفِ "لا" كَما تَجُوزُ في الَّتِي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ في الأسْماءِ والأفْعالِ، فَيُوقَفُ عَلى "كَأيِّنْ" بِالنُونِ ولا يُتَوَقَّفُ عَلى النُونِ إذا لَمْ تُقْلَبْ، كَما لا تَمِيلُ الألِفُ مِن "لا" إذا لَمْ يُحْذَفْ فِعْلُها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِهَذِهِ اللُغَةِ الَّتِي فِيها هَذا القَلْبُ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ، وقَرَأ سائِرُ السَبْعَةِ بِاللُغَةِ الَّتِي هي الأصْلُ، "كَأيِّنْ"، وذَهَبَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ في "كَأيِّنْ" إلى أنَّهُ فاعِلٌ مِنَ الكَوْنِ، وقَوْلُهُ مَرْدُودٌ، إذْ يَلْزَمُ عنهُ إعْرابُ الكَلِمَةِ ولَمْ يُعْرِبْها أحَدٌ مِنَ العَرَبِ.
وأمّا اللُغَةُ الَّتِي هي "كَأيْنْ" عَلى وزْنِ "كَعَيْنْ" فَهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ والأشْهَبِ العَقِيلِيِّ، وتَعْلِيلُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّهُ عَلَّلَ الأصْلَ الَّذِي هو "كَأيْنْ" بِالتَعْلِيلِ المُتَقَدِّمِ، فَلَمّا جاءَ "كَيْأْ" عَلى وزْنِ كَيْعْ، تَرَكَ هَؤُلاءِ إبْدالَ الياءِ الساكِنَةِ ألِفًا كَما تَقَدَّمَ في التَعْلِيلِ الأوَّلِ، وقَلَبُوا الكَلِمَةَ فَجَعَلُوها "كَأيْنْ" عَلى وزْنِ كَعَيْنْ، وحَسُنَ هَذا مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ التَلَعُّبَ والتَصَرُّفَ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَهْيَعٌ، والثانِي أنَّهم راجَعُوا الأصْلَ الَّذِي هو تَقْدِيمُ الهَمْزَةِ عَلى الياءِ.
وأمّا اللُغَةُ الَّتِي هي "كَإنْ" عَلى وزْنِ "كَعِنْ" فَهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ أيْضًا، حَكاها عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي، وقَرَأها الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ إلّا أنَّهُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ ياءً فَقَرَأ "كَيٍّ" في جَمِيعِ القُرْآنِ، وتَعْلِيلُ هَذِهِ اللُغَةِ أنَّهم حَذَفُوا الألِفَ مِن "كائِنَ" المَمْدُودَةِ عَلى وزْنِ كاعِنْ بَعْدَ ذَلِكَ التَصَرُّفِ كُلِّهِ تَخْفِيفًا، وهَذا كَما قالُوا: أمَ واللهِ، يُرِيدُونَ: أما، وكَما قالُوا عَلى لِسانِ الضَبِّ: لا أشْتَهِي أنْ أرِدا ∗∗∗ إلّا عَرادًا عَرَدا وصِلِيّانًا بَرِدا ∗∗∗ وعنكَثًا مُلْتَبِدا أرادُوا: عارِدًا وبارِدًا، فَحَذَفُوا تَخْفِيفًا، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، و"كَأيِّنْ" في هَذِهِ الآيَةِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهي بِمَنزِلَةِ "كَمْ" وبِمَعْناها تُعْطِي في الأغْلَبِ التَكْثِيرَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ "قُتِلَ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ مُخَفَّفَةً، وقَرَأ الباقُونَ: "قاتَلَ مَعَهُ"، بِألِفٍ بَيْنَ القافِ والتاءِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "قُتِّلَ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ مُشَدَّدَةً عَلى التَكْثِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "قُتِلَ" قالَ فِيهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى ضَمِيرِ "نَبِيٍّ"، والمَعْنى عِنْدَهُمْ: أنَّ النَبِيَّ قُتِلَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ النَبِيُّ يُقْتَلُ؛ فَكَيْفَ لا يُخانُ، وإذا كانَ هَذا فَـ "رِبِّيُّونَ" مُرْتَفِعٌ بِالظَرْفِ بِلا خِلافٍ.
وقَوْلُهُ: "مَعَهُ رِبِّيُّونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ "نَبِيٍّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ الَّذِي أُسْنِدَ إلَيْهِ "قُتِلَ" فَإنْ جَعَلْتَهُ صِفَةً أضْمَرْتَ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو "كَأيِّنْ" خَبَرًا تَقْدِيرُهُ في آخِرِ الكَلامِ: مَضى أو ذَهَبَ أو فَقَدَ "فَما وهَنُوا"، وإنْ جَعَلْتَ مَعَهُ "رِبِّيُّونَ" حالًا مِنَ الضَمِيرِ فَخَبَرُ المُبْتَدَإ في قَوْلِهِ: "قُتِلَ"، وإذا جَعَلْتَهُ صِفَةً فالضَمِيرُ في "مَعَهُ" عائِدٌ عَلى "نَبِيٍّ"، وإذا جَعَلْتَهُ حالًا فالضَمِيرُ في "مَعَهُ" عائِدٌ عَلى الضَمِيرِ ذِي الحالِ، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مِنَ الصِفَةِ أوِ الحالِ فَـ "مَعَهُ رِبِّيُّونَ" مُتَعَلِّقٌ في الأصْلِ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ "قُتِلَ".
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وجَماعَةٌ مَعَهُ: إنَّ "قُتِلَ" إنَّما هو مُسْتَنِدٌ إلى قَوْلِهِ: "رِبِّيُّونَ" وهُمُ المَقْتُولُونَ، قالَ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُقْتَلْ نَبِيٌّ في حَرْبٍ قَطُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: "مَعَهُ" بِـ "قُتِلَ"، وهَذِهِ الجُمْلَةُ: "قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ" هي خَبَرُ الِابْتِداءِ.
ويُتَصَوَّرُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "قاتَلَ" جَمِيعُ ما ذَكَرْتُهُ مِنَ التَقْدِيراتِ في قِراءَةِ "قُتِلَ".
وأمّا قِراءَةُ قَتادَةَ "قُتِّلَ" فَقالَ أبُو الفَتْحِ: لا يَحْسُنُ أنْ يُسْنَدَ الفِعْلُ إلّا إلى الرِبِّيِّينَ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَكْثِيرِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في قَتْلِ شَخْصٍ واحِدٍ، فَإنْ قِيلَ: يَسْتَنِدُ إلى "نَبِيٍّ" مُراعاةً لِمَعْنى "كَمْ" فالجَوابُ أنَّ اللَفْظَ قَدْ مَشى عَلى جِهَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ: "مِن نَبِيٍّ"، ودَلَّ"الضَمِيرُ المُفْرَدُ في "مَعَهُ" عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو التَمْثِيلُ بِواحِدٍ واحِدٍ، فَخَرَجَ الكَلامُ عَلى مَعْنى "كَمْ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذِهِ القِراءَةُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ مِنَ السَبْعَةِ: إنَّ"قُتِلَ" بِتَخْفِيفِ التاءِ أو "قاتَلَ" إنَّما يَسْتَنِدُ إلى الرِبِّيِّينَ.
ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ اسْتِنادَ "قُتِلَ" إلى النَبِيِّ بِدَلالَةِ نازِلَةِ مُحَمَّدٍ ، وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ إنَّما تَخاذَلُوا لَمّا قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَضَرَبَ المَثَلَ بِنَبِيٍّ قُتِلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وإذا لَمْ يُسْنَدِ الفِعْلُ إلى "نَبِيٍّ" فَإنَّما يَجِيءُ مَعْنى الآيَةِ: تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ مَن قُتِلَ مِنهم فَقَطْ، وتَرْجِيحُ الطَبَرِيِّ حَسَنٌ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَإنْ ماتَ أو قُتِلَ ﴾ وحُجَّةُ مَن قَرَأ: "قاتَلَ" أنَّها أعَمُّ في المَدْحِ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيها مَن قُتِلَ ومَن بَقِيَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْسُنُ عِنْدِي عَلى هَذِهِ القِراءَةِ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الرِبِّيِّينَ، وعَلى قِراءَةِ "قُتِلَ" إسْنادُهُ إلى "نَبِيٍّ".
وأجْمَعَ السَبْعَةُ وجَماعَةٌ مِنَ الناسِ عَلى كَسْرِ الراءِ مِن "رِبِّيُّونَ"، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعَطاءُ بْنُ السائِبِ: "رُبِّيُّونَ" بِضَمِّ الراءِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ "رَبِّيُّونَ" بِفَتْحِ الراءِ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: الفَتْحُ في الراءِ لُغَةُ تَمِيمٍ، وكُلُّها لُغاتٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "رِبِّيُّونَ" فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الرِبِّيُّونَ: الأُلُوفُ مِنَ الناسِ والجَمْعُ الكَثِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِبِّيُّونَ: جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، وقالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ.
ولِقَوْلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: "إنَّهُمُ الأُلُوفُ" قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هم عَشْرَةُ آلافٍ فَصاعِدًا، أُخِذَ ذَلِكَ مِن بِناءِ الجَمْعِ الكَثِيرِ في قَوْلِهِما: هُمُ الأُلُوفُ، وهَذا في الرِبِّيِّينَ أنَّهُمُ الجَماعاتُ الكَثِيرَةُ هو مِنَ الرِبَّةِ بِكَسْرِ الراءِ وهي الجَماعَةُ الكَثِيرَةُ، قالَهُ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( قَتْل مَعَهُ ربيون ) مَنسُوبُونَ إلَيْها، قالَ قُطْرُبُ: جَماعَةُ العُلَماءِ عَلى قَوْلِ يُونُسَ، وقالَ الزَجّاجُ: يُقالُ: إنَّ الرِبَّةَ عَشْرَةُ آلافٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ وغَيْرِهِما أنَّهم قالُوا: "رِبِّيُّونَ" مَعْناهُ: عُلَماءٌ، وقالَ الحَسَنُ: فُقَهاءٌ عُلَماءٌ، قالَ أيْضًا: عُلَماءٌ صُبُرٌ، وهَذا القَوْلُ هو عَلى النِسْبَةِ إلى الرَبِّ، إمّا لِأنَّهم مُطِيعُونَ لَهُ، أو مِن حَيْثُ هم عُلَماءُ بِما شَرَعَ، ويَقْوى هَذا القَوْلُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "رَبِّيُّونَ" بِفَتْحِ الراءِ، وأمّا في ضَمِّ الراءِ وكَسْرِها فَيَجِيءُ عَلى تَغْيِيرِ النَسَبِ، كَما قالُوا في النِسْبَةِ إلى الحَرَمِ: حِرَمِيٌّ بِكَسْرِ الحاءِ، وإلى البَصْرَةِ، بِصْرِيٌّ بِكَسْرِ الباءِ، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرَبّانِيُّونَ: الوُلاةُ، والرَبِّيُّونَ: الرَعِيَّةُ الأتْباعُ لِلْوُلاةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا مِن حَيْثُ هم مَرْبُوبُونَ.
وقالَ النَقّاشُ: اشْتِقاقُ "رِبِّيٍّ" مِن رَبا الشَيْءُ يَرْبُو إذا كَثُرَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ الكَثِيرُ العِلْمِ.
قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
وقالَ مَكِّيٌّ: رِبِّيٌّ بِكَسْرِ الراءِ مَنسُوبٌ إلى الرَبِّ، لَكِنْ كُسِرَتْ راؤُهُ إتْباعًا لِلْكَسْرَةِ والياءِ اللَتَيْنِ بَعْدَ الراءِ، ورُوِيَ بِضَمِّ الراءِ كَذَلِكَ لَكِنَّهم ضَمُّوها كَما قِيلَ: دُهْرِيٌّ بِضَمِّ الدالِ في النَسَبِ إلى الدَهْرِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فَما وهَنُوا" بِفَتْحِ الهاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ والحَسَنُ وأبُو السَمّالِ: "وَهِنُوا" بِكَسْرِ الهاءِ، وهُما لُغَتانِ بِمَعْنىً، يُقالُ: وهِنَ بِكَسْرِ الهاءِ يُوهَنُ ووَهَنَ بِفَتْحِ الهاءِ يَهِنُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ وأبُو السَمّالِ أيْضًا "وَهْنُوا" بِإسْكانِ الهاءِ، وهَذا عَلى طَلَبِ الخِفَّةِ كَما قالُوا: في نِعْمَ وبِئْسَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الوَهْنِ في قَوْلِهِ آنِفًا "وَلا تَهِنُوا".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَما وهَنُوا" عائِدٌ عَلى جَمِيعِ الرِبِّيِّينَ في قَوْلِ مَن أسْنَدَ "قُتِلَ" إلى "نَبِيٍّ"، ومَن أسْنَدَهُ إلى "الرِبِّيِّينَ" قالَ في هَذا الضَمِيرِ: إنَّهُ يَعُودُ عَلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، إذِ المَعْنى يُفْهَمُ نَفْسُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما ضَعُفُوا" مَعْناهُ: لَمْ يَكْتَسِبُوا مِنَ العَجْزِ والإلْقاءِ بِاليَدِ ما يُنْبِئُ عن ضَعْفِهِمْ.وَقَوْلُهُ تَعالى:"وَما اسْتَكانُوا": ذَهَبَتْ طائِفَةٌ مِنَ النُحاةِ إلى أنَّهُ مِنَ السُكُونِ فَوَزْنُهُ افْتَعَلُوا، اسْتَكَنُوا، فَمُطِلَتْ فَتْحَةُ الكافِ فَحَدَثَ مِن مَطْلِها ألِفٌ.
وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن كانَ يَكُونُ، فَوَزْنُهُ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ اسْتَفْعَلُوا أصْلُهُ اسْتَكْوَنُوا، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الكافِ وقُلِبَتْ ألِفًا، كَما فَعَلُوا في قَوْلِكَ: اسْتَعانُوا واسْتَقامُوا، والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَضْعُفُوا ولا كانُوا قَرِيبًا مِن ذَلِكَ، كَما تَقُولُ: ما فَعَلْتُ كَذا ولا كِدْتُ، فَتُحْذَفُ لِأنَّ الكَلامَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ: وما كِدْتُ أنْ أفْعَلَ، ومَحَبَّةُ اللهِ تَعالى لِلصّابِرِينَ ما يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِن نَصْرِهِ وتَنْعِيمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ قَوْلَهم إلا أنْ قالُوا رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُنْيا وحُسْنَ ثَوابَ الآخِرَةِ واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ في ذِكْرِ الرِبِّيِّينَ، أيْ هَذا كانَ قَوْلَهُمْ، لا ما قالَهُ بَعْضُكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، مِن قَوْلِ مَن قالَ: نَأْخُذُ أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، ومِن قَوْلِ مَن قالَ: نَرْجِعُ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ومِن قَوْلِ مَن فَرَّ، فَلا شَكَّ أنَّ قَوْلَهُ مُناسِبٌ لِفِعْلِهِ ولَوْ بَعْضَ المُناسَبَةِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اقْتَضَتْهُ تِلْكَ الحالُ مِنَ الأقْوالِ.
وقَرَأ السَبْعَةُ وجُمْهُورُ الناسِ: "قَوْلَهُمْ" بِالنَصْبِ، ويَكُونُ الِاسْمُ فِيما بَعْدَ "إلّا"، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ "قَوْلُهُمْ" بِالرَفْعِ، وجَعَلُوا الخَبَرَ فِيما بَعْدَ "إلّا"، ورَوى ذَلِكَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.
واسْتِغْفارُ هَؤُلاءِ القَوْمِ المَمْدُوحِينَ في هَذا المَوْطِنِ يَنْحُو إلى أنَّهم رَأوا ما نَزَلَ مِن مَصائِبِ الدُنْيا إنَّما هو بِذُنُوبٍ مِنَ البَشَرِ، كَما نَزَلَتْ قِصَّةُ أُحُدٍ بِعِصْيانِ مَن عَصا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذُنُوبَنا وإسْرافَنا في أمْرِنا ﴾ عِبارَتانِ عن مَعْنىً قَرِيبٍ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، جاءَ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ ولِتُعْلَمَ مَناحِي الذُنُوبِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ.
وقالَ الضَحّاكُ: الذُنُوبُ عامٌّ، والإسْرافُ في الأمْرِ أُرِيدَ بِهِ الكَبائِرُ خاصَّةً.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَجْرِيَ مَعَ ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، فَيَكُونَ المَعْنى: اجْعَلْنا دائِبِينَ عَلى طاعَتِكَ والإيمانِ بِكَ، وتَثْبِيتُ القَدَمِ عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ فَيُرادَ ثُبُوتُ القَدَمِ حَقِيقَةً في مَواقِفِ الحَرْبِ؛ قالَ ابْنُ فُورَكٍ: في هَذا الدُعاءِ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: إنَّ اللهَ لا يَخْلُقُ أفْعالَ العَبْدِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَمْ يَسُغْ أنْ يُدَّعى فِيما لا يَفْعَلُهُ.
وَ"ثَوابَ الدُنْيا" في هَذِهِ الآيَةِ: الظُهُورُ عَلى عَدُوِّهِمْ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الظَفَرُ والغَنِيمَةُ، وفَسَّرَ بِهَذا جَماعَةٌ مِنَ المُؤَلِّفِينَ في التَفْسِيرِ، قالَ النَقّاشُ: لَيْسَ إلّا الظَفَرَ والغَلَبَةَ فَقَطْ، لِأنَّ الغَنِيمَةَ لَمْ تُحَلَّ إلّا لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اعْتِراضٌ صَحِيحٌ.
﴿ وَحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ ﴾ الجَنَّةُ بِلا خِلافٍ، وعَبَّرَ بِلَفْظَةِ "حُسْنَ" زِيادَةً في التَرْغِيبِ وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ﴾ ﴿ بَلِ اللهُ مَوْلاكم وهو خَيْرُ الناصِرِينَ ﴾ ﴿ سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ بِما أشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا ومَأْواهُمُ النارُ وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ جَبَّنُوا المُسْلِمِينَ وقالُوا في أمْرِ أُحُدٍ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُهْزَمْ، والَّذِينَ قالُوا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، إلى نَحْوِ هَذِهِ الأقْوالِ، ثُمَّ اللَفْظُ يَقْتَضِي كُلَّ كافِرٍ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
نَهى اللهُ المُؤْمِنِينَ عن طاعَتِهِمْ.
و"بَلِ" تَرْكٌ لِلْكَلامِ الأوَّلِ ودُخُولٌ في غَيْرِهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهَذا تَثْبِيتٌ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ" "بَلِ اللهَ" بِالنَصْبِ عَلى مَعْنى: بَلْ أطِيعُوا اللهَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "سَنُلْقِي" اسْتِعارَةٌ، إذْ حَقِيقَةُ الإلْقاءِ إنَّما هي في الأجْرامِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ﴾ ونَحْوُهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: هُما نَفَثا في فِيَّ مِن فَمَوَيْهِما عَلى النابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "سَنُلْقِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ أيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ: "سَيُلْقِي" بِالياءِ عَلى مَعْنى "هُوَ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ "الرُعُبَ" بِضَمِّ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ، وقَرَأ الباقُونَ: "الرُعْبَ" بِسُكُونِ العَيْنِ.
وهَذا كَقَوْلِهِمْ: عُنُقٌ وعُنْقٌ وكِلاهُما حَسَنٌ فَصِيحٌ.
وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ «لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ بِالكُفّارِ؛ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وقالَ: انْظُرِ القَوْمَ، فَإنْ كانُوا قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ ورَكِبُوا الإبِلَ فَهم مُتَشَمِّرُونَ إلى مَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى الخَيْلِ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فَمَضى عَلِيٌّ فَرَآهم قَدْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَأخْبَرَ رَسُولَ اللهِ ، فَسُرَّ وسُرَّ المُسْلِمُونَ.
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ إلى المَدِينَةِ فَتَجَهَّزَ واتَّبَعَ المُشْرِكِينَ يُرِيهِ الجَلَدَ، فَبَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ؛ وإنَّ أبا سُفْيانَ قالَ لَهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: أحِينَ قَتَلْناهم وهَزَمْناهم ولَمْ يَبْقَ إلّا الفَلُّ والطَرِيدُ نَنْصَرِفُ عنهُمُ؟
ارْجِعْ بِنا إلَيْهِمْ حَتّى نَسْتَأْصِلَهم فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ، وكانَ مَعْبَدُ بْنُ أبِي مَعْبَدٍ الخُزاعِيُّ قَدْ جاءَ إلى رَسُولِ اللهِ وهو عَلى كُفْرِهِ، إلّا أنَّ خُزاعَةَ كُلَّها كانَتْ تَمِيلُ إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ لَهُ: واللهِ يا مُحَمَّدُ لَقَدْ ساءَنا ما أصابَكَ؛ ولَوَدِدْنا أنَّكَ لَمْ تُرْزَأْ في أصْحابِكَ.
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللهِ والناسُ بِما عَزَمَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنَ الانْصِرافِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَسَخَّرَ اللهُ ذَلِكَ الرَجُلَ مَعْبَدَ بْنَ أبِي مَعْبَدٍ، وألْقى بِسَبَبِهِ الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا سَمِعَ الخَبَرَ رَكِبَ حَتّى لَحِقَ بِأبِي سُفْيانَ بِالرَوْحاءِ، وقُرَيْشٌ قَدْ أجْمَعُوا الرَجْعَةَ إلى رَسُولِ اللهِ وأصْحابِهِ، فَلَمّا رَأى أبُو سُفْيانَ مَعْبَدًا قالَ: ما وراءَكَ يا مَعْبَدُ؟
قالَ: مُحَمَّدٌ قَدْ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُكم في جَمْعٍ لَمْ أرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ، قَدِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ مَن كانَ تَخَلَّفَ عنهُ، ونَدِمُوا عَلى ما صَنَعُوا، قالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟
قالَ: واللهِ ما أرى أنْ تَرْتَحِلَ حَتّى تَرى نَواصِيَ الخَيْلِ، قالَ: فَوَ اللهِ لَقَدْ أجْمَعْنا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قالَ: فَإنِّي أنْهاكَ عن ذَلِكَ، واللهِ لَقَدْ حَمَلَنِي ما رَأيْتُ عَلى أنْ قُلْتُ فِيهِ شِعْرًا قالَ: وما قُلْتَ؟
قالَ "قُلْتُ": كادَتْ تُهَدُّ مِنَ الأصْواتِ راحِلَتِي ∗∗∗ إذْ سالَتِ الأرْضُ بِالجُرْدِ الأبابِيلِ تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرامٍ لا تَنابِلَةٍ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٍ مَعازِيلِ فَظَلْتُ عَدْوًا أظُنُّ الأرْضَ مائِلَةً ∗∗∗ لَمّا سَمَوْا بِرَئِيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ إلى آخِرِ الشِعْرِ، فَوَقَعَ الرُعْبُ في قُلُوبِ الكُفّارِ.
وقالَ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: لا تَرْجِعُوا فَإنِّي أرى أنَّهُ سَيَكُونُ لِلْقَوْمِ قِتالٌ غَيْرُ الَّذِي كانَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» في هَذا الإلْقاءِ، وهي -بَعْدُ- مُتَناوِلَةٌ كُلَّ كافِرٍ، ويَجْرِي مَعَها قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: « "نُصِرْتُ بِالرُعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ"،» ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الفَضِيلَةَ إنَّما أُعْلِمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِها بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ كُلِّها حِينَ امْتَدَّ ظِلُّ الإسْلامِ.
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ لَمّا أمَرَ اللهُ المُؤْمِنَ بِالصَبْرِ.
ووَعَدَهُ النَصْرَ، وأخْبَرَهُ أنَّ الرُعْبَ مُلْقىً في قُلُوبِ الكُفّارِ، نَقَصَ الرُعْبُ مِن كُلِّ كافِرٍ جُزْءًا مَعَ زِيادَةِ شَجاعَةِ المُؤْمِنِ، إذْ قَدْ وُعِدَ النَصْرَ، فَلِذَلِكَ كُلِّفَ المُؤْمِنُ الوُقُوفَ لِلْكافِرِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِما أشْرَكُوا" هَذِهِ باءُ السَبَبِ، والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكَ بِاللهِ نَفْسُهُ مُقَسَّمَةٌ في الدُنْيا، ولَيْسَ لَهُ بِاللهِ تَعالى ثِقَةٌ، فَهو يَكْرَهُ المَوْتَ ويَسْتَشْعِرُ الرُعْبَ مِنهُ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ والبُرْهانُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِعاقِبَةِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، والمَأْوى: مَفْعَلٌ مِن أوَيْتَ إلى المَكانِ إذا دَخَلْتَهُ وسَكَنْتَ فِيهِ، والمَثْوى، مَفْعَلٌ مِن: ثَوَيْتَ، والتَقْدِيرُ: وبِئْسَ مَثْوى الظالِمِينَ هي.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ مِنكم مِن يُرِيدُ الدُنْيا ومِنكم مِن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكم عنهم لِيَبْتَلِيَكم ولَقَدْ عَفا عنكم واللهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ ﴾ جاءَتِ المُخاطَبَةُ في هَذِهِ الآياتِ بِجَمْعِ ضَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وإنْ كانَتِ الأُمُورُ الَّتِي عاتَبَهُمُ اللهُ تَعالى عَلَيْها لَمْ يَقَعْ فِيها جَمِيعُهُمْ، ولِذَلِكَ وُجُوهٌ مِنَ الفَصاحَةِ: مِنها وعْظُ الجَمِيعِ وزَجْرُهُ، إذْ مَن لَمْ يَفْعَلْ مُعَدٌّ أنْ يَفْعَلَ إنْ لَمْ يُزْجَرْ، ومِنها السَتْرُ والإبْقاءُ عَلى مَن فَعَلَ، وكانَ رَسُولُ اللهِ قَدْ وعَدَ المُؤْمِنِينَ النَصْرَ يَوْمَئِذٍ، عَلى خَبَرِ اللهِ تَعالى إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فَصَدَقَ اللهُ الوَعْدَ أوَّلًا، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صافَّ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ ورَتَّبَ الرُماةَ، عَلى ما قَدْ ذَكَرْناهُ في صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَبارَزَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ أبا سَعْدِ بْنَ أبِي طَلْحَةَ وهو صاحِبُ لِواءِ المُشْرِكِينَ، وحَمَلَ الزُبَيْرُ وأبُو دُجانَةَ فَهَزّا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، ونَهَضَ رَسُولُ اللهِ بِالناسِ، فَأبْلى حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وعاصِمُ بْنُ أبِي الأقْلَحِ، وانْهَزَمَ المُشْرِكُونَ وقُتِلَ مِنهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ ﴾ .
والحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيعُ، يُقالُ حَسَّهم إذا اسْتَأْصَلَهم قَتْلًا، وحَسَّ البَرْدُ النَباتَ، وقالَ رُؤْبَةُ: إذا شَكَوْنا سَنَةً حَسُوسًا تَأْكُلُ بَعْدَ الأخْضَرِ اليَبِيسا قالَ بَعْضُ الناسِ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحاسَّةِ، والمَعْنى في حَسَّ: أفْسَدَ الحَواسَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.
والإذْنُ: التَمْكِينُ مَعَ العِلْمِ بِالمُمَكَّنِ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا فَشِلْتُمْ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "حَتّى" غايَةً مُجَرَّدَةً، كَأنَّهُ قالَ: إلى أنْ فَشِلْتُمْ، ويُقَوِّي هَذا أنَّ "إذا" بِمَعْنى "إذْ" لِأنَّ الأمْرَ قَدْ كانَ تَقَضّى، وإنَّما هي حِكايَةُ حالٍ، فَتَسْتَغْنِي "إذا" عَلى هَذا النَظَرِ عن جَوابٍ، والأظْهَرُ الأقْوى أنَّ "إذا" عَلى بابِها تَحْتاجُ إلى الجَوابِ، وتَكُونُ "حَتّى" كَأنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ عَلى نَحْوِ دُخُولِها عَلى الجُمَلِ.
واخْتَلَفَ النُحاةُ في جَوابِ "إذا"، فَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ: "تَنازَعْتُمْ"، والواوُ زائِدَةٌ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن أبِي عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ: الجَوابُ قَوْلُهُ: "صَرَفَكُمْ" و"ثُمَّ" زائِدَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يُشْبِهُ نَظَرَ أبِي عَلِيٍّ.
ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ وفُرْسانِ الصِناعَةِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: انْهَزَمْتُمْ ونَحْوُهُ.
والفَشَلُ: اسْتِشْعارُ العَجْزِ وتَرْكُ الجِدِّ، وهَذا مِمّا فَعَلَهُ يَوْمَئِذٍ قَوْمٌ.
والتَنازُعُ هو الَّذِي وقَعَ بَيْنَ الرُماةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ، ألْحِقُونا بِالمُسْلِمِينَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَثْبُتُ كَما أُمِرْنا.
و"عَصَيْتُمْ" عِبارَةٌ عن ذَهابِ مَن ذَهَبَ مِنَ الرُماةِ حَتّى تَمَكَّنَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِن غِرَّةِ المُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ ﴾ يَعْنِي مِن هَزْمِ القَوْمِ، قالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: واللهِ لَقَدْ رَأيْتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ وصَواحِبِها مُشَمِّراتٍ هارِباتٍ ما دُونَ أخْذِهِنَّ قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، إذْ مالَتِ الرُماةُ إلى العَسْكَرِ حِينَ كَشَفْنا القَوْمَ عنهُ يُرِيدُونَ النَهْبَ وخَلَّوْا ظُهُورَنا لِلْخَيْلِ، فَأُتِينا مِن أدْبارِنا، وصَرَخَ صارِخٌ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فانْكَفَأْنا وانْكَفَأ عَلَيْنا القَوْمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا ﴾ إخْبارٌ عَنِ الَّذِينَ حَرَصُوا عَلى الغَنِيمَةِ وكانَ المالُ هَمَّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسائِرُ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ يُرِيدُ الدُنْيا حَتّى نَزَلَ فِينا يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿ مِنكم مَن يُرِيدُ الدُنْيا ﴾ .
و قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ إخْبارٌ عن ثُبُوتِ مَن ثَبَتَ مِنَ الرُماةِ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جُبَيْرٍ امْتِثالًا لِلْأمْرِ حَتّى قُتِلُوا، ويَدْخُلُ في هَذا أنَسُ بْنُ النَضْرِ وكُلُّ مَن جَدَّ ولَمْ يَضْطَرِبْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَبْتَلِيَكُمْ" مَعْناهُ: لِيُنْزِلَ بِكم ذَلِكَ البَلاءَ مِنَ القَتْلِ والتَمْحِيصِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ وَلَقَدْ عَفا عنكُمْ ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ الذَنْبَ كانَ يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ مِمّا نَزَلَ، وهَذا تَحْذِيرٌ، والمَعْنى: ولَقَدْ عَفا عنكم بِأنْ لَمْ يَسْتَأْصِلُوكُمْ، فَهو بِمَنزِلَةِ: ولَقَدْ أبْقى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا بِأنَّهُ عَفا عن ذُنُوبِهِمْ في قِصَّةِ أُحُدٍ، فَيَكُونَ بِمَنزِلَةِ العَفْوِ المَذْكُورِ بَعْدُ، وبِالتَفْسِيرِ الأوَّلِ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وشُجَّ في وجْهِهِ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ، وإنَّما العَفْوُ أنْ لَمْ يَسْتَأْصِلْهم.
هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللهِ وفي سَبِيلِ اللهِ غِضابٌ لِلَّهِ، يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللهِ، نُهُوا عن شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَوَ اللهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغَمِّ، فَأفْسَقُ الفاسِقِينَ اليَوْمَ يَجْتَرِمُ كُلَّ كَبِيرَةٍ، ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ، ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ، ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكم فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكم واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ العامِلُ في "إذْ" قَوْلُهُ: "عَفا".
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " تُصْعِدُونَ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ العَيْنِ مِن أصْعَدَ ومَعْناهُ: ذَهَبَ في الأرْضِ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَعِيدُ، وجْهُ الأرْضِ، وصُعْدَةُ اسْمٌ مِن أسْماءِ الأرْضِ، فَأصْعَدَ مَعْناهُ: دَخَلَ في الصَعِيدِ، كَما أنَّ أصْبَحَ دَخَلَ في الصَباحِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
والعَرَبُ تَقُولُ: أصْعَدْنا مِن مَكَّةَ وغَيْرِها، إذا اسْتَقْبَلُوا سَفَرًا بَعِيدًا وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِحادِي الإبِلِ: قَدْ كُنْتِ تَبْكِينَ عَلى الإصْعادِ فالآنَ صَرَّحْتِ وصاحَ الحادِي وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ واليَزِيدِيُّ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: "إذْ تَصْعَدُونَ" بِفَتْحِ التاءِ والعَيْنِ، مِن صَعِدَ إذا عَلا، والمَعْنى بِهَذا صُعُودٌ مِن صَعِدَ في الجَبَلِ، والقِراءَةُ الأُولى أكْثَرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا تَلْوُونَ" مُبالَغَةٌ في صِفَةِ الِانْهِزامِ، وهو كَما قالَ دُرَيْدٌ: وهَلْ يَرُدُّ المُنْهَزِمَ شَيْءٌ؟
وهَذا أشَدُّ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: ........................
∗∗∗ أخُو الجُهْدِ لا يَلْوِي عَلى مَن تَعَذَّرا وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ: "إذْ يَصْعَدُونَ ولا يَلْوُونَ" بِالياءِ فِيهِما عَلى ذِكْرِ الغَيْبِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "وَلا تَلْؤُونَ" بِهَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، وهَذِهِ لُغَةٌ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "وَلا تَلُونَ" بِضَمِّ اللامِ وواوٍ واحِدَةٍ، وهي قِراءَةٌ مُتَرَكِّبَةٌ عَلى لُغَةٍ مِن هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى اللامِ وحُذِفَتْ إحْدى الواوَيْنِ الساكِنَتَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تُلْوُونَ" بِضَمِّ التاءِ، مِن ألْوى وهي لُغَةٌ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "عَلى أُحُدٍ" بِضَمِّ الألِفِ والحاءِ، يُرِيدُ الجَبَلَ، والمَعْنِيُّ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الجَبَلِ، والقِراءَةُ الشَهِيرَةُ أقْوى لِأنَّ النَبِيَّ لَمْ يَكُنْ عَلى الجَبَلِ إلّا بَعْدَ ما فَرَّ الناسُ عنهُ، وهَذِهِ الحالُ مِن إصْعادِهِمْ إنَّما كانَتْ وهو يَدْعُوهُمْ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ يُنادِي: « "إلَيَّ عِبادَ اللهِ"،» والناسُ يَفِرُّونَ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِي أُخْراكُمْ ﴾ مَدْحٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّ ذَلِكَ هو مَوْقِفُ الأبْطالِ في أعْقابِ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ الزَبِيرِ بْنِ باطا: "ما فَعَلَ مُقَدِّمَتُنا إذْ حَمَلْنا وَحامِيَتُنا إذْ فَرَرْنا"، وكَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللهِ أشْجَعَ الناسِ، ومِنهُ قَوْلُ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ: "كُنّا إذا احْمَرَّ البَأْسُ اتَّقَيْنا بِرَسُولِ اللهِ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأثابَكُمْ" مَعْناهُ: جازاكم عَلى صَنِيعِكُمْ، وسُمِّيَ الغَمُّ ثَوابًا عَلى مَعْنى أنَّهُ القائِمُ في هَذِهِ النازِلَةِ مَقامَ الثَوابِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ........................
∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ وكَقَوْلِ الآخَرِ: أخافُ زِيادًا أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ ∗∗∗ أداهِمَ سُودًا أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا فَجَعَلَ القُيُودَ والسِياطَ عَطاءً، ومُحَدْرَجَةً: بِمَعْنى مُدَحْرَجَةٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "غَمًّا بِغَمٍّ"، فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: أثابَكم غَمًّا بِسَبَبِ الغَمِّ الَّذِي أدْخَلْتُمُوهُ عَلى رَسُولِ اللهِ وسائِرِ المُؤْمِنِينَ، بِفَشَلِكم وتَنازُعِكم وعِصْيانِكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ السَبَبِ.
وَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا بِالغَمِّ الَّذِي أوقَعَ عَلى أيْدِيكم بِالكُفّارِ يَوْمَ بَدْرٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالباءُ عَلى هَذا باءُ مُعادَلَةٍ، كَما قالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ سِجالٌ.
وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى أثابَكم غَمًّا عَلى غَمٍّ، أو غَمًّا مَعَ غَمٍّ، وهَذِهِ باءُ الجَرِّ المُجَرَّدِ.
واخْتَلَفُوا في تَرْتِيبِ هَذَيْنِ الغَمَّيْنِ فَقالَ قَتادَةُ ومُجاهِدٌ: الغَمُّ الأوَّلُ: أنْ سَمِعُوا: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، والثانِي: القَتْلُ والجِراحُ الواقِعَةُ فِيهِمْ.
وقالَ الرَبِيعُ وقَتادَةُ أيْضًا بِعَكْسِ هَذا التَرْتِيبِ، وقالَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ أيْضًا وغَيْرُهُما: بَلِ الغَمُّ الأوَّلُ هو قَتْلُهم وجِراحُهم وكُلُّ ما جَرى في ذَلِكَ المَأْزِقِ، والغَمُّ الثانِي هو إشْرافُ أبِي سُفْيانَ عَلى النَبِيِّ ومَن كانَ مَعَهُ.
ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ طَفِقَ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو الناسَ حَتّى انْتَهى إلى قَوْمٍ مِن أصْحابِهِ قَدْ عَلَوْا صَخْرَةً في صَفْحِ الجَبَلِ فَمَشى نَحْوَهُمْ، فَأهْوى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ لِيَرْمِيَهُ، فَقالَ: أنا رَسُولُ اللهِ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ، وفَرِحَ هو عَلَيْهِ السَلامُ إذْ رَأى مِن أصْحابِهِ الِامْتِناعَ، ثُمَّ أخَذُوا يَتَأسَّفُونَ عَلى ما فاتَهم مِنَ الظَفَرِ، وعَلى مَن ماتَ مِن أصْحابِهِمْ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ أبُو سُفْيانَ مِن عُلُوٍّ في خَيْلٍ كَثِيرَةٍ، فَنَسُوا ما نَزَلَ بِهِمْ أوَّلًا، وأهَمَّهم أمْرُ أبِي سُفْيانَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَلامُ: "لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا، اللهُمَّ إنْ تُقْتَلْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ" ثُمَّ نَدَبَ أصْحابَهُ فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ، وأغْنى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى أنْزَلُوهم.» واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِن هَزِيمَةِ أُحُدٍ اخْتِلافًا كَثِيرًا، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ هَوْلٌ، فَكُلُّ أحَدٍ وصَفَ ما رَأى وسَمِعَ، «قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: أوَّلُ مَن مَيَّزَ رَسُولَ اللهِ أنا، رَأيْتُ عَيْنَيْهِ تُزْهِرانِ تَحْتَ المِغْفَرِ.» ورُوِيَ أنَّ الخَيْلَ المُسْتَعْلِيَةَ إنَّما كانَتْ حَمْلَةَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وأنَّ أبا سُفْيانَ إنَّما دَنا، والنَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في عُرْعُرَةِ الجَبَلِ، ولِأبِي سُفْيانَ في ذَلِكَ المَوْقِفِ قَوْلٌ كَثِيرٌ، ولِعُمَرَ مَعَهُ مُراجَعَةٌ مَحْفُوظَةٌ، اخْتَصَرْتُها إذْ لا تَخُصُّ الآيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ الغَنِيمَةِ، ( وما أصابَكم ) مَعْناهُ: مِنَ القَتْلِ والجَرْحِ وذُلِّ الِانْهِزامِ وما نِيلَ مِن نَبِيِّكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واللامُ مِن قَوْلِهِ: "لِكَيْلا" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أثابَكُمْ"، المَعْنى: لِتَعْلَمُوا أنَّ ما وقَعَ بِكم إنَّما هو بِجِنايَتِكُمْ، فَأنْتُمْ آذَيْتُمْ أنْفُسَكُمْ، وعادَةُ البَشَرِ أنَّ جانِيَ الذَنْبِ يَصْبِرُ لِلْعُقُوبَةِ، وأكْثَرُ قَلَقِ المُعاقَبِ وحُزْنِهِ إنَّما هو مَعَ ظَنِّهِ البَراءَةَ بِنَفْسِهِ.
وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ تَوَعُّدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ اللهُ تَعالى أمْرَ النُعاسِ الَّذِي أمَّنَ بِهِ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَ أهْلَ الإخْلاصِ، وذَلِكَ «أنَّهُ لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ مِن مَوْضِعِ الحَرْبِ، قالَ النَبِيُّ لِعَلِيٍّ بِحَضْرَةِ أصْحابِهِ المُتَحَيِّزِينَ في تِلْكَ الساعَةِ إلَيْهِ: "اذْهَبْ فانْظُرْ إلى القَوْمِ، فَإنْ جَنَّبُوا الخَيْلَ فَهم ناهِضُونَ إلىمَكَّةَ، وإنْ كانُوا عَلى خَيْلِهِمْ فَهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ، فاتَّقُوا اللهَ واصْبِرُوا" ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ.
فَمَضى عَلِيٌّ ثُمَّ رَجَعَ فَأخْبَرَ أنَّهم جَنَّبُوا الخَيْلَ وقَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ عِجالًا، فَآمَنَ المُوقِنُونَ المُصَدِّقُونَ رَسُولَ اللهِ ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ النُعاسَ، وبَقِيَ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُصَدِّقُونَ،» بَلْ كانَ ظَنُّهم أنَّ أبا سُفْيانَ يَؤُمُّ المَدِينَةَ ولا بُدَّ، فَلَمْ يَقَعْ عَلى أحَدٍ مِنهم نَوْمٌ، وإنَّما كانَ هَمُّهم في أحْوالِهِمُ الدُنْياوِيَّةِ.
قالَ أبُو طَلْحَةَ: لَقَدْ نِمْتُ في ذَلِكَ اليَوْمِ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِن يَدِي مِرارًا.
وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ: لَقَدْ رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ النَوْمِ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلى أصْحابِ النَبِيِّ ، فَما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَعَسْنا يَوْمَ أُحُدٍ والنُعاسُ في الحَرْبِ أمَنَةٌ مِنَ اللهِ، والنُعاسُ في الصَلاةِ مِنَ الشَيْطانِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أمَنَةً" بِفَتْحِ المِيمِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ والنَخْعِيُّ "أمْنَةً" بِسُكُونِ المِيمِ، وهُما بِمَعْنى الأمْنِ، وفَتْحُ المِيمِ أفْصَحُ، وقَوْلُهُ: "نُعاسًا" بَدَلٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وَنافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: "يَغْشى" بِالياءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ النُعاسِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الضَمِيرِ البَدَلِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَغْشى" بِالتاءِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ الأمَنَةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ المُبْدَلِ مِنهُ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهُمْ ﴾ هي واوُ الحالِ، كَما تَقُولُ: جِئْتُ وزَيْدٌ قائِمٌ.
قالَهُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، قالَ الزَجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ خَبَرُ قَوْلِهِ: "وَطائِفَةٌ" قَوْلَهُ: "يَظُنُّونَ" ويَكُونَ "قَدْ أهَمَّتْهُمْ" صِفَةً لِلطّائِفَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ ﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهم إلى أنَّ اللَفْظَةَ مِنَ الهَمِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الغَمِّ والحُزْنِ، والمَعْنى: أنَّ نُفُوسَهُمُ المَرِيضَةَ وظُنُونَهُمُ السَيِّئَةَ قَدْ جَلَبَتْ إلَيْهِمُ الهَمَّ خَوْفَ القَتْلِ وذَهابِ الأمْوالِ، تَقُولُ العَرَبُ: أهَمَّنِي الشَيْءُ إذا جَلَبَ الهَمَّ.
وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ اللَفْظَةَ مِن قَوْلِكَ: هَمَّ بِالشَيْءِ يَهُمُّ إذا أرادَ فِعْلَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى: أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمُ المُكاشَفَةَ ونَبْذَ الدِينِ، وهَذا قَوْلُ مَن قالَ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فَلْنَرْجِعْ إلى دِينِنا الأوَّلِ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الأقْوالِ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ قُلْ إنَّ الأمْرِ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٍ ما قُتِلْنا ها هُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ ولِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكم واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ مَعْناهُ: يَظُنُّونَ أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ بِحَقٍّ وأنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ يَضْمَحِلُّ ويَذْهَبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ ﴾ ؛ ذَهَبَ جُمْهُورُ الناسِ إلى أنَّ المُرادَ مُدَّةُ الجاهِلِيَّةِ القَدِيمَةِ قَبْلَ الإسْلامِ، وهَذا كَما قالَ: "حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ" و"تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ"، وكَما تَقُولُ: شِعْرَ الجاهِلِيَّةِ، وكَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَمِعْتُ أبِي في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ: اسْقِنا كَأْسًا دِهاقًا.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّهُ أرادَ في هَذِهِ الآيَةِ: ظَنَّ الفِرْقَةِ الجاهِلِيَّةِ، والإشارَةَ إلى أبِي سُفْيانَ ومَن مَعَهُ، والأمْرُ مُحْتَمَلٌ، وقَدْ نَحا هَذا المَنحى قَتادَةُ والطَبَرِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِنَ شَيْءٍ ﴾ حِكايَةُ كَلامٍ قالُوهُ.
قالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قِيلَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ ؟
يُرِيدُ أنَّ الرَأْيَ لَيْسَ لَنا، ولَوْ كانَ لَنا مِنهُ شَيْءٌ لَسَمِعَ مِن رَأْيِنا فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ مِنّا، وهَذا مِنهم قَوْلٌ بِأجَلَيْنِ، وكَأنَّ كَلامَهم يَحْتَمِلُ الكُفْرَ والنِفاقَ، عَلى مَعْنى: لَيْسَ لَنا مِن أمْرِ اللهِ شَيْءٌ، ولا نَحْنُ عَلى حَقٍّ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ وابْنُ فُورَكٍ، لَكِنْ يُضْعِفُ ذَلِكَ أنَّ الرَدَّ عَلَيْهِمْ إنَّما جاءَ عَلى أنَّ كَلامَهم في مَعْنى سُوءِ الرَأْيِ في الخُرُوجِ، وأنَّهُ لَوْ لَمْ يَخْرُجْ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ فَصِيحٌ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كُلَّهُ"، بِالنَصْبِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرِ، لِأنَّ "كُلَّهُ" بِمَعْنى أجْمَعُ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ "كُلُّهُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ "كُلٍّ" عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ورَجَّحَ الناسُ قِراءَةَ الجُمْهُورِ لِأنَّ التَأْكِيدَ أمْلَكُ بِلَفْظَةِ "كُلٍّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عن تَسَتُّرِهِمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَحْضِ كُفْرٍ، بَلْ هي جَهالَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا عَمّا يُخْفُونَهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَقْدِرُونَ أنْ يُظْهِرُوا مِنهُ أكْثَرَ مِن هَذِهِ النَزَعاتِ، وأخْبَرَ تَعالى عنهم عَلى الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينٍ، وهَذِهِ كانَتْ سُنَّتَهُ في المُنافِقِينَ، لا إلَهَ إلّا هو.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا ﴾ هي مَقالَةٌ سُمِعَتْ مِن مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المَغْمُوصِ عَلَيْهِ بِالنِفاقِ.
وقالَ الزُبَيْرُ بْنُ العَوّامِ فِيما أسْنَدَ الطَبَرِيُّ عنهُ: واللهِ لَكَأنِّي أسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ أخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، والنُعاسُ يَغْشانِي، ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ حِينَ قالَ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَلامُ مُعَتِّبٍ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَ كَلامُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ، ومُعَتِّبٌ هَذا مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: إنَّهُ شَهِدَ العَقَبَةَ، وذَلِكَ وهْمٌ، والصَحِيحُ أنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَقَبَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ ﴾ ....
الآيَةُ رَدٌّ عَلى الأقْوالِ، وإعْلامٌ بِأنَّ أجَلَ كُلِّ امْرِئٍ إنَّما هو واحِدٌ، فَمَن لَمْ يُقْتَلْ فَهو يَمُوتُ لِذَلِكَ الأجَلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدَّرَ اللهُ تَعالى، وإذا قُتِلَ فَذَلِكَ هو الَّذِي كانَ في سابِقِ الأزَلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "فِي بُيُوتِكُمْ" بِضَمِّ الباءِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ، وهي بَعْضُ طُرُقِ السَبْعَةِ: "فِي بِيُوتِكُمْ"، بِكَسْرِ الباءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "لَبَرَزَ" بِفَتْحِ الراءِ والباءِ عَلى مَعْنى: صارُوا في البَرازِ مِنَ الأرْضِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "بُرِّزَ" بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِ الراءِ وشَدِّها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيْهِمُ القَتْلُ" أيْ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ في قَضاءِ اللهِ وتَقْدِيرِهِ.
وقَرَأ الحَسَنُ والزُهْرِيُّ: "عَلَيْهِمُ القِتالُ".
وتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ مَعْنى الِاسْتِغْناءِ عَنِ المُنافِقِينَ، أيْ: لَوْ تَخَلَّفْتُمْ أنْتُمْ لَبَرَزَ المُؤْمِنُونَ المُوقِنُونَ المُطِيعُونَ في القِتالِ المَكْتُوبِ عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما في صُدُورِكم ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ ﴾ ...
الآيَةُ: اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِيَبْتَلِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ولِيَبْتَلِيَ ولِيُمَحِّصَ فَعَلَ هَذِهِ الأُمُورَ الواقِعَةَ، والِابْتِلاءُ هُنا هو الِاخْتِبارُ، والتَمْحِيصُ: تَخْلِيصُ الشَيْءِ مِن غَيْرِهِ، والمَعْنى: لِيَخْتَبِرَهُ فَيُعَلِّمَهُ عِلْمًا مُساوِقًا لِوُجُودِهِ وقَدْ كانَ مُتَقَرِّرًا قَبْلَ وُجُودِ الِابْتِلاءِ أزَلًا، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما تَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنَ المُعْتَقَداتِ، هَذا هو المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللهُ عنهم إنَّ اللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ ؟
فَقالَ الفارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ بِها جَمِيعُ مَن تَوَلّى ذَلِكَ اليَوْمَ عَنِ العَدُوِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ عَلى جَمِيعِ أنْحاءِ التَوَلِّي الَّذِي لَمْ يَكُنْ تَحَرُّفًا لِقِتالٍ.
وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ قالَ: خَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَرَأ [آلَ عِمْرانَ]، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ ﴾ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمْنا فَفَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنِّي أرْوى، والناسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها.
قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في كُلِّ مَن فَرَّ بِتَخْوِيفِ الشَيْطانِ وخَدْعِهِ، وعَفا اللهُ عنهم هَذِهِ الزَلَّةَ.
قالَ ابْنُ فُورَكٍ: لَمْ يَبْقَ مَعَ النَبِيِّ يَوْمَئِذٍ إلّا ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، أبُو بَكْرٍ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ، أبُو طَلْحَةَ وغَيْرُهُ.
وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمّا انْصَرَفَ المُسْلِمُونَ عن حَمْلَةِ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ صَعِدَ قَوْمٌ الجَبَلَ، وفَرَّ آخَرُونَ حَتّى أتَوُا المَدِينَةَ، فَذَكَرَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ الَّذِينَ فَرُّوا إلى المَدِينَةِ خاصَّةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: جَعَلَ الفِرارَ إلى الجَبَلِ تَحَيُّزًا إلى فِئَةٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن فَرَّ مِنَ المُؤْمِنِينَ فِرارًا كَثِيرًا، مِنهم رافِعُ بْنُ المُعَلّى، وأبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ ورَجُلٌ آخَرُ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «فَرَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعُقْبَةُ بْنُ عُثْمانَ وأخُوهُ سَعْدٌ، ورَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ زُرَقِيّانِ، حَتّى بَلَغُوا الجَعْلَبَ، -جَبَلٌ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأعْوَصَ- فَأقامُوا بِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللهِ ، فَقالَ لَهُمْ: "لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً".» قالَ ابْنُ زَيْدٍ: فَلا أدْرِي هَلْ عَفا عن هَذِهِ الطائِفَةِ خاصَّةً أمْ عَنِ المُؤْمِنِينَ جَمِيعًا؟
واسْتَزَلَّ مَعْناهُ: طَلَبَ مِنهم أنْ يَزِلُّوا، لِأنَّ ذَلِكَ هو مُقْتَضى وسْوَسَتِهِ وتَخْوِيفِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" ظاهِرُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَتْ لَهم ذُنُوبٌ عاقَبَهُمُ اللهُ عَلَيْها بِتَمْكِينِ الشَيْطانِ مِنِ اسْتِزْلالِهِمْ، وبِخَلْقِ ما اكْتَسَبُوهُ أيْضًا هم مِنَ الفِرارِ، وذَهَبَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: إنَّ الشَيْطانَ ذَكَّرَهم بِذُنُوبٍ لَهم مُتَقَدِّمَةٍ، فَكَرِهُوا المَوْتَ قَبْلَ التَوْبَةِ مِنها والإقْلاعِ عنها، قالَ المَهْدَوِيُّ: بِما اكْتَسَبُوا مِن حُبِّ الغَنِيمَةِ والحِرْصِ عَلى الحَياةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ في قَوْلِهِ: "بِبَعْضِ ما كَسَبُوا" إلى هَذِهِ العِبْرَةِ، أيْ: كانَ لِلشَّيْطانِ في هَذا الفِعْلِ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ اسْتِزْلالٌ لَهُمْ، فَهو شَرِيكٌ في بَعْضِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِعَفْوِهِ عنهُمْ، فَتَأوَّلَهُ جُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى حَطِّ التَبِعَةِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَذَلِكَ تَأوَّلَهُعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ في حَدِيثِهِ مَعَ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخِيارِ، وكَذَلِكَ تَأوَّلَهُ ابْنُ عُمَرَ في حَدِيثِهِ مَعَ الرَجُلِ العِراقِيِّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى الآيَةِ: عَفا اللهُ عنهم إذْ لَمْ يُعاقِبْهُمْ، والفِرارُ مِنَ الزَحْفِ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبائِرِ بِإجْماعٍ فِيما عَلِمْتُ، وعَدَّها رَسُولُ اللهِ : في المُوبِقاتِ مَعَ الشِرْكِ وقَتْلِ النَفْسِ وغَيْرِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أو كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ واللهُ يُحْيِي ويُمِيتُ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ نَهى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ الفاسِدِ، الَّذِي هو أنَّ مَن سافَرَ في تِجارَةٍ ونَحْوِها ومَن قاتَلَ فَقُتِلَ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَعاشَ ولَمْ يَمُتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي عَرَّضَ فِيهِ نَفْسَهُ لِلسَّفَرِ أو لِلْقِتالِ، وهَذا هو مُعْتَقَدُ المُعْتَزِلَةِ في القَوْلِ بِالأجَلَيْنِ، وهو نَحْوٌ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِإخْوانِهِمْ" هي أُخُوَّةُ نَسَبٍ، لِأنَّ قَتْلى أُحُدٍ كانُوا مِنَ الأنْصارِ، أكْثَرُهم مِنَ الخَزْرَجِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مِنَ المُهاجِرِينَ إلّا أرْبَعَةً، وصَرَّحَ بِهَذِهِ المَقالَةِ -فِيما ذَكَرَ السُدِّيُّ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما- عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وأصْحابُهُ، وقِيلَ: بَلْ قالَها جَمِيعُ المُنافِقِينَ، ودَخَلَتْ "إذا" في هَذِهِ الآيَةِ وهي حَرْفُ اسْتِقْبالٍ مِن حَيْثُ "الَّذِينَ" اسْمٌ فِيهِ إبْهامٌ يَعُمُّ مَن قالَ في الماضِي ومَن يَقُولُ في المُسْتَقْبَلِ، ومِن حَيْثُ هَذِهِ النازِلَةُ تُتَصَوَّرُ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، ويَطَّرِدُ النَهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِيها، فَوُضِعَتْ "إذا" لِتَدُلَّ عَلى اطِّرادِ الأمْرِ في مُسْتَقْبَلِ الزَمانِ، وهَذِهِ فائِدَةُ وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، كَما قالَ تَعالى: ﴿ واللهُ يَدْعُو إلى دارِ السَلامِ ﴾ إلى نَحْوِها مِنَ الآياتِ، وكَما قالَتْ: وفِينا نَبِيٌّ يَعْلَمُ ما في غَدِ كَما أنَّ فائِدَةَ وضْعِهِمُ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثُبُوتِ الأمْرِ، لِأنَّ صِيغَةَ الماضِي مُتَحَقِّقَةُ الوُقُوعِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: وإنِّي لَآتِيكم تَشَكُّرَ ما مَضى مِنَ الأمْرِ واسْتِيجابَ ما كانَ في غَدِ وَمِنهُ قَوْلُ الرَبِيعِ: أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا والضَرْبُ في الأرْضِ: الإبْعادُ في السَيْرِ، ومِنهُ: ضَرَبَ الدَهْرُ ضَرَبانَهُ.
إذا بَعُدَتِ المُدَّةُ.
وضَرْبُ الأرْضِ: هو الذَهابُ فِيها لِحاجَةِ الإنْسانِ خاصَّةً بِسُقُوطِ "فِي"، وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: الضَرْبُ في الأرْضِ: السَيْرُ في التِجارَةِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: بَلْ هو السَيْرُ في جَمِيعِ طاعاتِ اللهِ ورَسُولِهِ، والضَرْبُ في الأرْضِ يَعُمُّ القَوْلَيْنِ.
و"غُزّىً": جَمْعُ غازٍ، وزْنُهُ - فُعَّلٌ- بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّ العَيْنِ المَفْتُوحَةِ، كَشاهِدٍ وشُهَّدٍ وقائِلٍ وقُوَّلٍ، ويُنْشَدُ بَيْتُ رُؤْبَةَ.
فالآنَ قَدْ نَهْنَهَنِي تَنَهْنُهِي ∗∗∗ وأولُ حِلْمٍ لَيْسَ بِالمُسَفَّهِ ∗∗∗ وقُوَّلٌ إلّا دَهٍ فَلا دَهِ.
يُرِيدُ إنْ لَمْ تَتُبِ الآنَ فَلا تَتُوبُ أبَدًا، وهو مِثْلُ مَعْناهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ كَذا فَلا يَكُونُ كَذا، وقَدْ رُوِيَ: وقَوْلُهم إلّا دَهٍ فَلا دَهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ: لا يَدْخُلُ "غُزّىً" الجَرُّ ولا الرَفْعُ.
وقَرَأتْهُ عامَّةُ القُرّاءِ بِتَشْدِيدِ الزايِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ والزُهْرِيُّ: "غُزىً" مُخَفَّفَةَ الزايِ، ووَجْهُهُ إمّا أنْ يُرِيدَ غُزاةً، فَحَذَفَ الهاءَ إخْلادًا إلى لُغَةِ مَن يَقُولُ "غُزّىً" بِالتَشْدِيدِ، وهَذا الحَذْفُ كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَمْدَحُ الكِسائِيَّ: أبى الذَمَّ أخْلاقُ الكِسائِيِّ وانْتَمى بِهِ ∗∗∗ المَجْدَ أخْلاقُ الأُبُوِّ السَوابِقِ يُرِيدُ الأُبُوَّةَ جَمْعَ أبٍ، كَما أنَّ العُمُومَةَ جَمْعُ عَمٍّ، والبُنُوَّةَ جَمْعُ ابْنٍ، وقَدْ قالُوا: ابْنٌ وبِنْوٌ.
وتَحْتَمِلُ قِراءَتُهُما أنْ تَكُونَ تَخْفِيفًا لِلزّايِ مِن "غُزّىً"، ونَظِيرُهُ قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذابًا" في قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ تَخْفِيفٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ جَرى عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَما قُتِّلُوا" مُشَدَّدَةَ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُ ولا يَنْفَعُهم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذا المُعْتَقَدِ الَّذِي لَهُمْ، جَعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً، لِأنَّ الَّذِي يَتَيَقَّنُ أنَّ كُلَّ مَوْتٍ وقَتْلٍ فَبِأجَلٍ سابِقٍ، يَجِدُ بَرْدَ اليَأْسِ والتَسْلِيمِ لِلَّهِ تَعالى عَلى قَلْبِهِ، والَّذِي يَعْتَقِدُ أنَّ حَمِيمَهُ لَوْ قَعَدَ في بَيْتِهِ لَمْ يَمُتْ يَتَحَسَّرُ ويَتَلَهَّفُ.
وعَلى هَذا التَأْوِيلِ مَشى المُتَأوِّلُونَ، وهو أظْهَرُ ما في الآيَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى انْتِهاءِ المُؤْمِنِينَ ومُخالَفَتِهِمُ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ، فَيَكُونُ خِلافُهم لَهم حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ.
وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى نَفْسِ نَهْيِ اللهِ تَعالى عَنِ الكَوْنِ مِثْلَ الكافِرِينَ في هَذا المُعْتَقَدِ، لِأنَّهم إذا رَأوا أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وسَمَهم بِمُعْتَقَدٍ وأمَرَ بِخِلافِهِمْ كانَ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى النَهْيِ والِانْتِهاءِ مَعًا، فَتَأمَّلْهُ.
والحَسْرَةُ: التَلَهُّفُ عَلى الشَيْءِ والغَمُّ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى خَبَرًا جَزْمًا أنَّهُ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ بِقَضاءٍ حَتْمٍ، لا كَما يَعْتَقِدُ هَؤُلاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "واللهُ بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، فَهَذا وعِيدٌ لِلْمُنافِقِينَ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَعْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى مُخاطَبَةِ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا تَوْكِيدٌ لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ: "لا تَكُونُوا" ووَعِيدٌ لِمَن خالَفَهُ، ووَعْدٌ لِمَنِ امْتَثَلَهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ أو مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ ورَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ لإلى اللهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِنَ حَوْلِكَ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" هي المُؤْذِنَةُ بِمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَمَغْفِرَةٌ" هي المُتَلَقِّيَةُ لِلْقَسَمِ، والتَقْدِيرُ: واللهِ لَمَغْفِرَةٌ.
وتَرَتَّبَ المَوْتُ قَبْلَ القَتْلِ في قَوْلِهِ: ﴿ ما ماتُوا وما قُتِلُوا ﴾ مُراعاةً لِرُتْبَةِ الضَرْبِ في الأرْضِ والغَزْوِ، فَقَدَّمَ المَوْتَ الَّذِي هو بِإزاءِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، وهو الضَرْبُ، وقَدَّمَ القَتْلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ" لِأنَّهُ ابْتِداءُ إخْبارٍ، فَقَدَّمَ الأشْرَفَ الأهَمَّ، والمَعْنى: أو مُتُّمْ في سَبِيلِ اللهِ، فَوَقَعَ أجْرُكم عَلى اللهِ، ثُمَّ قَدَّمَ المَوْتَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أو قُتِلْتُمْ ﴾ لِأنَّها آيَةُ وعْظٍ بِالآخِرَةِ والحَشْرِ، وآيَةُ تَزْهِيدٍ في الدُنْيا والحَياةِ.
والمَوْتُ المَذْكُورُ فِيها هو مَوْتٌ عَلى الإطْلاقِ في السَبِيلِ وفي المَنزِلِ وكَيْفَ كانَ، فَقُدِّمَ لِعُمُومِهِ وأنَّهُ الأغْلَبُ في الناسِ مِنَ القَتْلِ.
وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "مِتُّمْ" بِكَسْرِ المِيمِ و"مِتْنا" و"مِتَّ" بِالكَسْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ: بِضَمِّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ ضَمَّ المِيمِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، ورَوى عنهُ حَفْصٌ ضَمَّ المِيمِ في هَذَيْنِ المَوْضِعَيْنِ: "أو مُتُّمْ" "وَلَئِنْ مُتُّمْ" " فَقَطْ، وكَسْرَ المِيمِ حَيْثُ ما وقَعَتْ في جَمِيعِ القُرْآنِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ضَمُّ المِيمِ هو الأشْهَرُ والأقْيَسُ، مُتَّ تَمُوتُ مِثْلُ: قُلْتَ تَقُولُ وطُفْتَ تَطُوفُ، والكَسْرُ شاذٌّ في القِياسِ وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ كَثِيرًا، ولَيْسَ كَما شَذَّ قِياسًا واسْتِعْمالًا كَشُذُوذِ اليَجَدَّعِ ونَحْوِهِ، ونَظِيرُ مِتَّ تَمُوتُ بِكَسْرِ المِيمِ: فَضِلَ بِكَسْرِ الضادِ يَفْضُلُ في الصَحِيحِ وأنْشَدُوا: ذَكَرْتُ ابْنَ عَبّاسٍ بِبابِ ابْنِ عامِرٍ وما مَرَّ مِن عُمْرِي ذَكَرْتُ وما فَضِلْ وقَوْلُهُ تَعالى: "لَمَغْفِرَةٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "وَرَحْمَةٌ" عَطْفٌ عَلى المَغْفِرَةِ و"خَيْرٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: المَغْفِرَةُ والرَحْمَةُ اللاحِقَةُ عَنِ القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ، فَجاءَ لَفْظُ المَغْفِرَةِ غَيْرَ مُعَرَّفٍ إشارَةً بَلِيغَةً إلى أنَّ أيْسَرَ جُزْءٍ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا، وأنَّهُ كافٍ في فَوْزِ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "لَمَغْفِرَةٌ" إشارَةً إلى القَتْلِ أوِ المَوْتِ في سَبِيلِ اللهِ، سَمّى ذَلِكَ مَغْفِرَةً ورَحْمَةً إذْ هُما مُقْتَرِنانِ بِهِ، ويَجِيءُ التَقْدِيرُ: لَذَلِكَ مَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ، وتَرْتَفِعُ المَغْفِرَةُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُقَدَّرِ، وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" صِفَةٌ لِخَبَرِ الِابْتِداءِ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "تَجْمَعُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ وهي أشْكَلُ بِالكَلامِ، وقَرَأ قَوْمٌ مِنهم عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عن حَفْصٍ: "يَجْمَعُونَ" بِالياءِ، والمَعْنى: مِمّا يَجْمَعُهُ المُنافِقُونَ وغَيْرُهم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الحَشْرَ إلَيْهِ، وأنَّهُ غايَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ قُتِلَ أو ماتَ.
وفي الآيَةِ تَحْقِيرٌ لِأمْرِ الدُنْيا وحَضٌّ عَلى طَلَبِ الشَهادَةِ، أيْ: إذا كانَ الحَشْرُ في كِلا الأمْرَيْنِ فالمُضِيُّ إلَيْهِ في حالِ الشَهادَةِ أولى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللهِ و"ما" قَدْ جُرِّدَ عنها مَعْنى النَفْيِ، ودَخَلَتْ لِلتَّأْكِيدِ، ولَيْسَتْ بِزائِدَةٍ عَلى الإطْلاقِ لا مَعْنى لَها، وأطْلَقَ عَلَيْها سِيبَوَيْهِ اسْمَ الزِيادَةِ مِن حَيْثُ زالَ عَمَلُها، وهَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: الباءُ بِإجْماعٍ مِنَ النَحْوِيِّينَ صِلَةٌ وفِيها مَعْنى التَأْكِيدِ.
ومَعْنى الآيَةِ: التَقْرِيعُ لِجَمِيعِ مَن أخَلَّ يَوْمَ أُحُدٍ بِمَرْكَزِهِ، أيْ كانُوا يَسْتَحِقُّونَ المَلامَ مِنكَ، وأنْ لا تَلِينَ لَهُمْ، ولَكِنْ رَحِمَ اللهُ جَمِيعَكُمْ، أنْتَ يا مُحَمَّدُ بِأنْ جَعَلَكَ اللهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وبَعَثَكَ لِتُتَمِّمَ مَحاسِنَ الأخْلاقِ، وهم بِأنْ لَيَّنَكَ لَهم.
وجُعِلْتَ بِهَذِهِ الصِفاتِ لِما عَلِمَ تَعالى في ذَلِكَ مِن صَلاحِهِمْ، وأنَّكَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ، وتَفَرَّقُوا عنكَ.
والفَظُّ: الجافِي في مَنطِقِهِ ومَقاطِعِهِ، وفي صِفَةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ ولا صَخّابٍ في الأسْواقِ، وقالَ الجَوارِي لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أنْتَ أفَظُّ وأغْلَظُ مِن رَسُولِ اللهِ....
الحَدِيثَ، وفَظاظَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إنَّما كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً مِنهُ آلَةً لِعَضْدِ الحَقِّ والشِدَّةِ في الدِينِ، والفَظاظَةُ الجَفْوَةُ في المُعاشَرَةِ قَوْلًا وفِعْلًا ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أو جَفاءَ أخٍ ∗∗∗ وكُنْتُ أخْشى عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ وغِلَظُ القَلْبِ: عِبارَةٌ عن تَجَهُّمِ الوَجْهِ وقِلَّةِ الِانْفِعالِ في الرَغائِبِ وقِلَّةِ الإشْفاقِ والرَحْمَةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: يُبْكى عَلَيْنا ولا نَبْكِي عَلى أحَدٍ ∗∗∗ لَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبادًا مِنَ الإبِلِ والِانْفِضاضُ: افْتِراقُ الجُمُوعِ، ومِنهُ فَضُّ الخاتَمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاعْفُ عنهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللهِ إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ ﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكم وإنْ يَخْذُلْكم فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرْكُمُ مِن بَعْدِهِ وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ﴾ .
أمَرَ اللهُ تَعالى رَسُولَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ الَّتِي هي بِتَدْرِيجٍ بَلِيغٍ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَهُ بِأنْ يَعْفُوَ عَلَيْهِ السَلامُ عنهم ما لَهُ في خاصَّتِهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ وحَقٍّ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ، أمَرَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم فِيما لِلَّهِ عَلَيْهِمْ مِن تَبِعَةٍ، فَإذا صارُوا في هَذِهِ الدَرَجَةِ كانُوا أهْلًا لِلِاسْتِشارَةِ في الأُمُورِ.
والشُورى مِن قَواعِدِ الشَرِيعَةِ وعَزائِمِ الأحْكامِ، ومَن لا يَسْتَشِيرُ أهْلَ العِلْمِ والدِينِ فَعَزْلُهُ واجِبٌ، هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ، وقَدْ مَدَحَ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ ﴾ وقالَ النَبِيُّ : « "ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ"» وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ « "المُسْتَشارُ مُؤْتَمَنٌ".» وصِفَةُ المُسْتَشارِ في الأحْكامِ أنْ يَكُونَ عالِمًا دَيِّنًا، وقَلَّ ما يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في عاقِلٍ، فَقَدْ قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ما كَمُلَ دِينُ امْرِئٍ لَمْ يَكْمُلْ عَقْلُهُ".
وصِفَةُ المُسْتَشارِ في أُمُورِ الدُنْيا أنْ يَكُونَ عاقِلًا مُجَرِّبًا وادًّا في المُسْتَشِيرِ.
والشُورى بَرَكَةٌ، وقَدْ جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ الخِلافَةَ -وَهِيَ أعْظَمُ النَوازِلِ- شُورى، وقالَ الحَسَنُ: واللهِ ما تَشاوَرَ قَوْمٌ بَيْنَهم إلّا هَداهُمُ اللهُ لِأفْضَلِ ما بِحَضْرَتِهِمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ يُشاوِرُ أصْحابَهُ، وقَدْ قالَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ: « "أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها الناسُ"،» في اليَوْمِ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ المِقْدادُ ثُمَّ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ.
ومُشاوَرَتُهُ عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما هي في أُمُورِ الحُرُوبِ والبُعُوثِ ونَحْوِهِ مِن أشْخاصِ النَوازِلِ، وأمّا في حَلالٍ أو حَرامٍ أو حَدٍّ فَتِلْكَ قَوانِينُ شَرْعٍ "ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ"، وكَأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ مُؤْنِسَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ كانَ تَغَلُّبُهم عَلى الرَأْيِ في قِصَّةِ أُحُدٍ يَقْتَضِي أنْ يُعاقَبُوا بِأنْ لا يُشاوَرُوا في المُسْتَأْنَفِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "وَشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ"، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ إنَّما هي بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي يَقَعُ لِلْبَعْضِ ولِلْكُلِّ، ولا مَحالَةَ أنَّ اللَفْظَ خاصٌّ بِما لَيْسَ مِن تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، والشُورى مَبْنِيَّةٌ عَلى اخْتِلافِ الآراءِ، والمُسْتَشِيرُ يَنْظُرُ في ذَلِكَ الخِلافِ ويَتَخَيَّرُ، فَإذا أرْشَدَهُ اللهُ تَعالى إلى ما شاءَ مِنهُ عَزَمَ عَلَيْهِ وأنْفَذَهُ مُتَوَكِّلًا عَلى اللهِ، إذْ هي غايَةُ الِاجْتِهادِ المَطْلُوبِ مِنهُ، وبِهَذا أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَرَأ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ وأبُو نُهَيْكٍ وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وعِكْرِمَةُ "عَزَمْتُ" بِضَمِّ التاءِ، سَمّى اللهُ تَعالى إرْشادَهُ وتَسْدِيدَهُ عَزْمًا مِنهُ، وهَذا في المَعْنى نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أراكَ اللهُ ﴾ ونَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللهَ رَمى ﴾ فَجَعَلَ تَعالى هَزْمَهُ المُشْرِكِينَ بِحُنَيْنٍ وتَشْوِيهَ وُجُوهِهِمْ رَمْيًا، إذْ كانَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِرَمْيِ مُحَمَّدٍ بِالحَصْباءِ.
وقَدْ قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ثُمَّ عَزَمَ اللهُ لِي.
والتَوَكُّلُ عَلى اللهِ تَعالى مِن فُرُوضِ الإيمانِ وفُصُولِهِ، ولَكِنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالجِدِّ في الطاعَةِ والتَشْمِيرِ والحَزامَةِ بِغايَةِ الجُهْدِ، ولَيْسَ الإلْقاءُ بِاليَدِ وما أشْبَهَهُ بِتَوَكُّلٍ، وإنَّما هو كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "قَيِّدْها وتَوَكَّلْ".» ثُمَّ ثَبَّتَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ ﴾ أيْ: فالزَمُوا الأُمُورَ الَّتِي أمَرَكم بِها ووَعَدَكُمُ النَصْرَ مَعَها.
والخَذْلُ: هو التَرْكُ في مَواطِنِ الِاحْتِياجِ إلى التارِكِ، وأصْلُهُ مِن خَذْلِ الظِباءِ، وبِهَذا قِيلَ لَها: خاذِلٌ إذْ تَرَكَتْها أُمُّها، وهَذا عَلى النَسَبِ أيْ: ذاتُ خَذْلٍ لِأنَّ المَتْرُوكَةَ هي الخاذِلُ بِمَعْنى مَخْذُولَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ ﴾ تَقْدِيرُ جَوابِهِ: لا مَن، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى المَكْتُوبَةِ، ويَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى الخَذْلِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: "وَإنْ يَخْذُلْكُمْ" / <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ ﴿ هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في صِيغَةِ: وما كانَ لِكَذا أنْ يَكُونَ كَذا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.
وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، وبِها قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ.
واللَفْظَةُ: بِمَعْنى الخِيانَةِ في خَفاءٍ.
قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الغَلَلِ؛ وهو الماءُ الجارِي في أُصُولِ الشَجَرِ والدَوْحِ، قالَ أبُو عَمْرٍو: تَقُولُ العَرَبُ: أغَلَّ الرَجُلُ يُغِلُّ إغْلالًا: إذا خانَ، ولَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، ومِنهُ قَوْلُ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ: جَزى اللهُ عَنِّي جَمْرَةَ بْنَةَ نَوْفَلٍ جَزاءَ مُغِلٍّ بِالأمانَةِ كاذِبِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقالَ شُرَيْحٌ: لَيْسَ عَلى المُسْتَعِيرِ غَيْرِ المُغِلِّ ضَمانٌ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَقُولُ في الغِلِّ الَّذِي هو الضَغَنُ: غَلَّ يَغِلُّ بِكَسْرِ الغَيْنِ.
ويَقُولُونَ في الغُلُولِ مِنَ الغَنِيمَةِ: غَلَّ يَغُلُّ بِضَمِّ الغَيْنِ.
والحُجَّةُ لِمَن قَرَأ "يَغُلَّ" أنَّ ما جاءَ مِن هَذا النَحْوِ في التَنْزِيلِ أُسْنِدَ الفِعْلُ فِيهِ إلى الفاعِلِ عَلى نَحْوِ: ﴿ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ﴾ ﴿ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ ﴾ ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ ولا يَكادُ يَجِيءُ: ما كانَ زَيْدٌ لِيُضْرَبَ فَيُسْنَدُ الفِعْلُ فِيهِ إلى المَفْعُولِ بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا الِاحْتِجاجِ نَظَرٌ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ "يَغُلَّ" بِضَمِّ الغَيْنِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ "يُغَلَّ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى واللهِ ويُقْتَلُ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في السَبَبِ الَّذِي أوجَبَ أنْ يَنْفِيَ اللهُ تَعالى عَنِ النَبِيِّ أنْ يَكُونَ غالًّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ -الَّتِي هي بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ- فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ مَن كانَ مَعَ النَبِيِّ : لَعَلَّ رَسُولَ اللهِ أخَذَها، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِن مُؤْمِنِينَ لَمْ يَظُنُّوا أنَّ في ذَلِكَ حَرَجًا، وقِيلَ: كانَتْ مِن مُنافِقِينَ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ المَفْقُودَ إنَّما كانَ سَيْفًا.
قالَ النَقّاشُ: ويُقالُ: «إنَّما نَزَلَتْ لِأنَّ الرُماةَ قالُوا يَوْمَ أُحُدٍ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ أيُّها الناسُ، إنَّما نَخْشى أنْ يَقُولَ النَبِيُّ : مَن أخَذَ شَيْئًا فَهو لَهُ، فَلَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، قالَ: "خَشِيتُمْ أنْ نَغُلَّ؟" ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وقالَ الضَحّاكُ: بَلِ السَبَبُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ : بَعَثَ طَلائِعَ في بَعْضِ غَزَواتِهِ ثُمَّ غَنِمَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، فَقَسَمَ لِلنّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى عَلَيْهِ عِتابًا: ﴿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ ﴾ » أيْ: يَقْسِمَ لِبَعْضٍ ويَتْرُكَ بَعْضًا، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا القَوْلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَتَّجِهُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ الآيَةُ إعْلامًا بِعَدْلِ رَسُولِ اللهِ وقَسْمِهِ لِلْغَنائِمِ، ورَدًّا عَلى الأعْرابِ الَّذِينَ صاحُوا بِهِ: اقْسِمْ عَلَيْنا غَنائِمَنا يا مُحَمَّدُ، وازْدَحَمُوا حَتّى اضْطَرُّوهُ إلى السَمُرَةِ الَّتِي أخَذَتْ رِداءَهُ، ونَحا إلَيْهِ الزَجّاجُ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ إعْلامًا بِأنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يَكْتُمْ شَيْئًا مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا في قِصَّةِ أُحُدٍ، لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا اسْتَحْسَنُوهُ بَعْدَ إساءَتِهِمْ مِنَ العَفْوِ عنهم ونَحْوِهِ، وبِالجُمْلَةِ فَهو تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ، وكانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ "يُغِلَّ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الغَيْنِ، لِأنَّهُ مِنَ الإغْلالِ في الأمانَةِ.
وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: "أنْ يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ، فَمَعْناها عِنْدَ جُمْهُورٍ مِن أهْلِ العِلْمِ: أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَغُلَّهُ، أيْ يَخُونَهُ في الغَنِيمَةِ.
فالآيَةُ في مَعْنى نَهْيِ الناسِ عَنِ الغُلُولِ في المَغانِمِ والتَوَعُّدِ عَلَيْهِ.
وخُصَّ النَبِيُّ بِالذِكْرِ وإنْ كانَ ذَلِكَ مَحْظُورًا مَعَ الأُمَراءِ لِشُنْعَةِ الحالِ مَعَ النَبِيِّ ، لِأنَّ المَعاصِيَ تَعْظُمُ مَعَ حَضْرَتِهِ لِتَعَيُّنِ تَوْقِيرِهِ، والوُلاةُ وإنَّما هم عن أمْرِ النَبِيِّ فَلَهم حَظُّهم مِنَ التَوْقِيرِ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْنى "أنْ يُغَلَّ" أنْ يُوجَدَ غالًّا، كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَجُلَ وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، فَهَذِهِ القِراءَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- تَرْجِعُ إلى مَعْنى "يَغُلَّ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الغَيْنِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَعْنى "يُغَلَّ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الغَيْنِ يُقالُ لَهُ: غَلَلْتَ ويُنْسَبُ إلى ذَلِكَ، كَما تَقُولُ أسْقَيْتُهُ، إذا قُلْتَ: سَقاكَ اللهُ كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ: وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ مُوَقِّرٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ.
ونَحْوُهُ في الكَلامِ: أكْفَرْتُ الرَجُلَ إذا نَسَبْتَهُ إلى الكُفْرِ، وقَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا آكُلُ سَمْنًا حَتّى يَحْيا الناسُ مِن أوَّلِ ما يَحْيَوْنَ"، أيْ يَدْخُلُونَ في الحَيا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ وعِيدٌ لِمَن يَغُلُّ مِنَ الغَنِيمَةِ، أو في زَكاتِهِ فَيَجْحَدُها ويُمْسِكُها، فالفَضِيحَةُ يَوْمَ القِيامَةِ بِأنْ يَأْتِيَ عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ بِالشَيْءِ الَّذِي غَلَّ في الدُنْيا.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَطَبَ فَقالَ: "ألا عَسى رَجُلٌ مِنكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ شاةٌ لَها ثُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللهِ أغِثْنِي، فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ" ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ السَلامُ في بَقَرَةٍ لَها خُوارٌ، وجَمَلٍ لَهُ رُغاءٌ، وفَرَسٍ لَهُ حَمْحَمَةٌ.» ورَوى نَحْوَ هَذا الحَدِيثِ ابْنُ عَبّاسٍ، قالَ النَبِيُّ : « "لا أعْرِفَنَّ أحَدَكم يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُ شاةً لَها ثُغاءٌ...."» الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
ورَوى نَحْوَهُ أبُو حُمَيْدٍ الساعِدِيُّ وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعَبْدُ اللهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "أدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ" فَقامَ رَجُلٌ فَجاءَ بِشِراكٍ أو شِراكَيْنِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : "شِراكٌ أو شِراكانِ مِن نارٍ"» وقالَ في مِدْعَمٍ: « "إنَّ الشَمْلَةَ الَّتِي غَلَّ مِنَ المَغانِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نارًا".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ الفَضِيحَةُ الَّتِي يُوقِعُ اللهُ بِالغالِّ هي نَظِيرَةُ الفَضِيحَةِ الَّتِي تُوقَعُ بِالغادِرِ؛ في أنْ يُنْصَبَ لَهُ لِواءٌ بِغَدْرَتِهِ حَسَبَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وجَعَلَ اللهُ هَذِهِ المُعاقَباتِ حَسْبَما يَعْهَدُهُ البَشَرُ ويَفْهَمُونَهُ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الحادِرَةِ أسُمَيُّ ويْحَكِ هَلْ سَمِعْتِ بِغَدْرَةٍ ∗∗∗ رُفِعَ اللِواءُ لَنا بِها في المَجْمَعِ وكانَتِ العَرَبُ تَرْفَعُ لِلْغادِرِ لِواءً، وكَذَلِكَ يُطافُ بِالجانِي مَعَ جِنايَتِهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ: ﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَن باءَ ﴾ ....
الآيَةُ، تَوْقِيفٌ عَلى تَبايُنِ المَنزِلَتَيْنِ وافْتِراقِ الحالَتَيْنِ، والرِضْوانُ: مَصْدَرٌ، وقَرَأهُ عاصِمٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ- بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ جَمِيعُهم بِكَسْرِها، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأها بِكَسْرِ الراءِ وضَمِّ الضادِ، وهَذا كُلُّهُ بِمَعْنىً واحِدٍ مَصْدَرٌ مِنَ الرِضى.
والمَعْنى: اتَّبَعُوا الطاعَةَ الكَفِيلَةَ بِرِضْوانِ اللهِ، فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ وَ"باءَ بِسَخَطٍ" مَعْناهُ: مَضى مُتَحَمِّلًا لَهُ، والسَخَطُ: صِفَةُ فِعْلٍ، وقَدْ تَتَرَدَّدُ مَتى لُحِظَ فِيها مَعْنى الإرادَةِ.
وقالَ الضَحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَغُلَّ واتَّقى؛ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى أنَّ مَن غَلَّ وعَصى فَلَهُ السَخَطُ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي مُشِيرَةٌ إلى أنَّ مَنِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ فَلَهُ الرِضْوانُ، وإلى المُنافِقِينَ الراجِعِينَ عَنِ النَبِيِّ فَلَهُمُ السَخَطُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "هم دَرَجاتٌ"؛ مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ؟
فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: المُرادُ بِذَلِكَ الجَمْعانِ المَذْكُورانِ، أهْلُ الرِضْوانِ وأصْحابُ السَخَطِ، أيْ: لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم تَبايُنٌ في نَفْسِهِ؛ في مَنازِلِ الجَنَّةِ، وفي أطْباقِ النارِ أيْضًا.
وقالَ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ ما ظاهِرُهُ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: "هُمْ" إنَّما هو لِمُتَّبِعِي الرِضْوانِ، أيْ: لَهم دَرَجاتٌ كَرِيمَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: هم دَرَجاتٌ، والدَرَجاتُ: المَنازِلُ بَعْضُها أعْلى مِن بَعْضٍ في المَسافَةِ أو في التَكْرِمَةِ، أو في العَذابِ.
وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ "هم دَرَجَةٌ" بِالإفْرادِ.
وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ ووَعْدٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مَنَّ أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مَنَّ قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ﴿ أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ اللامُ في "لَقَدْ" لامُ القَسَمِ، و"مَنَّ" في هَذِهِ الآيَةِ مَعْناهُ تَطَوَّلَ وتَفَضَّلَ، وقَدْ يُقالُ: مَنَّ بِمَعْنى كَدَّرَ مَعْرُوفَهُ بِالذِكْرِ، فَهي لَفْظَةٌ مُشْتَرَكَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن أنْفُسِهِمْ" مَعْناهُ: في الجِنْسِ واللِسانِ والمُجاوَرَةِ، فَكَوْنُهُ مِنَ الجِنْسِ يُوجِبُ الأُنْسَ بِهِ وقِلَّةَ الِاسْتِيحاشِ مِنهُ، وكَوْنُهُ بِلِسانِهِمْ يُوجِبُ حُسْنَ التَفْهِيمِ وقُرْبَ الفَهْمِ، وكَوْنُهُ جارًا ورُبِيًّا يُوجِبُ التَصْدِيقَ والطُمَأْنِينَةَ، إذْ قَدْ خَبَرُوهُ وعَرَفُوا صِدْقَهُ وأمانَتَهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللهِ : في نَسَبِ قَوْمِهِ، وكَذَلِكَ الرُسُلُ.
قالَ النَقّاشُ: لَيْسَ في العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتْ رَسُولَ اللهِ مِن قِبَلِ أُمَّهاتِهِ إلّا بَنِي تَغْلِبَ لِنَصْرانِيَّتِهِمْ.
والآياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرْآنُ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها العَلاماتُ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الكُفْرِ والمَعاصِي.
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: يَأْخُذُ مِنهُمُ الزَكاةَ، وهَذا ضَعِيفٌ.
و"الكِتابَ": القُرْآنُ، و"الحِكْمَةَ" السُنَّةُ المُتَعَلَّمَةُ مِن لِسانِهِ عَلَيْهِ السَلامُ.
ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَهُمُ الأُولى مِنَ الضَلالِ لِيَظْهَرَ الفَرْقُ بِتَجاوُرِ الضِدَّيْنِ، و"قَبْلُ": لَفْظَةٌ مَبْنِيَّةٌ لِما تَضَمَّنَتِ الإضافَةَ، فَأشْبَهَتِ الحُرُوفَ في تَضَمُّنِ المَعانِي فَبُنِيَتْ.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ عَلى الخَطَإ في قَلَقِهِمْ لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَمّا نَزَلَ بِالكُفّارِ، وعَرَّفَهم أنَّ ذَلِكَ لِسَبَبِ أنْفُسِهِمْ.
والواوُ في قَوْلِهِ: "أوَلَمّا" عَطْفُ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ التَقْرِيرِ عَلى مَعْنى إلْزامِ المُؤْمِنِينَ هَذِهِ المَقالَةَ في هَذِهِ الحالِ.
والمُصِيبَةُ الَّتِي نالَتِ المُؤْمِنِينَ هي قِصَّةُ أُحُدٍ وقَتْلِ سَبْعِينَ مِنهم.
واخْتُلِفَ في المِثْلَيْنِ اللَذَيْنِ أصابَ المُؤْمِنُونَ فَقالَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: ذَلِكَ في يَوْمِ بَدْرٍ، قَتَلَ المُؤْمِنُونَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: أحَدُ المِثْلَيْنِ: هو قَتْلُ السَبْعِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، والثانِي: هو قَتْلُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ مِنَ الكُفّارِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَهو قَتْلٌ بِقَتْلٍ.
ولا مَدْخَلَ لِلْأسْرى في هَذِهِ الآيَةِ، هَذا مَعْنى كَلامِهِ، لِأنَّ أسارى بَدْرٍ أُسِرُوا ثُمَّ فُدُوا، فَلا مُماثَلَةَ بَيْنَ حالِهِمْ وبَيْنَ قَتْلِ سَبْعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
و"أنّى" مَعْناها: كَيْفَ؟
ومِن أيْنَ؟
ثُمَّ أمَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم.
واخْتَلَفَ الناسُ كَيْفَ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ولِأيِّ سَبَبٍ؟
فَقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لِأنَّهم خالَفُوا رَسُولَ اللهِ في الرَأْيِ حِينَ رَأى أنْ يُقِيمَ بِالمَدِينَةِ ويَتْرُكَ كُفّارَ قُرَيْشٍ بِشَرِّ المَحْبِسِ، فَأبَوْا إلّا الخُرُوجَ حَتّى جَرَتِ القِصَّةُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى عِصْيانِ الرُماةِ وتَسْبِيبِهِمُ الهَزِيمَةَ عَلى المُؤْمِنِينَ.
وقالَ الحَسَنُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بَلْ ذَلِكَ لَمّا قَبِلُوا الفِداءَ يَوْمَ بَدْرٍ، وذَلِكَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ قالَ: «لَمّا فَرَغَتْ هَزِيمَةُ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللهَ قَدْ كَرِهَ ما يَصْنَعُ قَوْمُكَ في أخْذِ الأسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ: أنْ يُقَدِّمُوا الأسارى فَتَضْرِبَ أعْناقَهُمْ، أو يَأْخُذُوا الفِداءَ، عَلى أنْ يُقْتَلَ مِن أصْحابِكَ عِدَّةُ هَؤُلاءِ الأسارى.
فَدَعا رَسُولُ اللهِ الناسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهم فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، بَلْ نَأْخُذُ فِداءَهم فَنَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا ويُسْتَشْهَدُ مِنّا عِدَّتُهُمْ، فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، قالَ: فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا.» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكم هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَما أصابَكُمْ" لِلْمُؤْمِنِينَ، والجَمْعانِ هُما عَسْكَرُ النَبِيِّ وعَسْكَرُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَبِإذْنِ اللهِ" رابِطَةً مُشَدِّدَةً، وذَلِكَ لِلْإبْهامِ الَّذِي في "ما" فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، وهَذا كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: الَّذِي قامَ فَلَهُ دِرْهَمانِ، فَيَحْسُنُ دُخُولُ الفاءِ إذا كانَ القِيامُ سَبَبَ الإعْطاءِ، وكَذَلِكَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الآيَةِ، فالمَعْنى إنَّما هُوَ: وما أذِنَ اللهُ فِيهِ فَهو الَّذِي أصابَ، لَكِنْ قَدَّمَ الأهَمَّ في نُفُوسِهِمْ والأقْرَبَ إلى حِسِّهِمْ.
والإذْنُ: التَمْكِينُ مِنَ الشَيْءِ مَعَ العِلْمِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلِيَعْلَمَ" مَعْناهُ: لِيَكُونَ العِلْمُ مَعَ وُجُودِ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، أيْ مُساوِقِينَ لِلْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَعْلَمَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ فِي آخِرِ الكَلامِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ ﴾ هي إلى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ الَّذِينَ انْصَرَفُوا مَعَهُ عَنِ النَبِيِّ يَوْمَ أُحُدٍ، وذَلِكَ أنَّهُ «كانَ مِن رَأْيِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ أنْ لا يَخْرُجَ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ بِالناسِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْناهُ، قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أطاعَهم وعَصانِي، فانْخَزَلَ بِنَحْوِ ثُلُثِ الناسِ، فَمَشى في أثَرِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ الأنْصارِيُّ أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ فَقالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللهَ ولا تَتْرُكُوا نَبِيَّكُمْ، وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أوِ ادْفَعُوا، أو نَحْوَ هَذا مِنَ القَوْلِ، فَقالَ لَهُ ابْنُ أُبَيٍّ: ما أرى أنْ يَكُونَ قِتالٌ، ولَوْ عَلِمْنا أنْ يَكُونَ قِتالٌ لَكُنّا مَعَكم.
فَلَمّا يَئِسَ مِنهم عَبْدُ اللهِ قالَ: اذْهَبُوا أعْداءَ اللهِ، فَسَيُغْنِي اللهُ رَسُولَهُ عنكُمْ، ومَضى مَعَ النَبِيِّ فاسْتُشْهِدَ.» واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "أوِ ادْفَعُوا"، فَقالَ السُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: كَثِّرُوا السَوادَ وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا، فَيَنْدَفِعُ القَوْمُ لِكَثْرَتِكُمْ، وقالَ أبُو عَوْنٍ الأنْصارِيُّ: مَعْناهُ: رابِطُوا، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، ولا مَحالَةَ أنَّ المُرابِطَ مُدافِعٌ، لِأنَّهُ لَوْلا مَكانُ المُرابِطِينَ في الثُغُورِ لَجاءَها العَدُوُّ، والمُكَثِّرُ لِلسَّوادِ مُدافِعٌ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: رَأيْتُ يَوْمَ القادِسِيَّةَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، وعَلَيْهِ دِرْعٌ يَجُرُّ أطْرافَها وبِيَدِهِ رايَةٌ سَوْداءٌ، فَقِيلَ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ أنْزَلَ اللهُ عُذْرَكَ؟
قالَ: بَلى، ولَكِنِّي أُكَثِّرُ المُسْلِمِينَ بِنَفْسِي، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: فَكَيْفَ بِسَوادِي في سَبِيلِ اللهِ.
وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: "أوِ ادْفَعُوا" إنَّما هو اسْتِدْعاءُ القِتالِ حَمِيَّةً، لِأنَّهُ دَعاهم إلى القِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، وهو أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هي العُلْيا، فَلَمّا رَأى أنَّهم لَيْسُوا أهْلَ ذَلِكَ، عَرَضَ عَلَيْهِمُ الوَجْهَ الَّذِي يَحْشِمُهم ويَبْعَثُ الأنَفَةَ، أيْ: أو قاتِلُوا دِفاعًا عَنِ الحَوْزَةِ، ألا تَرى أنَّ قُزْمانَ قالَ: "واللهِ ما قاتَلْتُ إلّا عَلى أحْسابِ قَوْمِي"، وألا تَرى أنَّ بَعْضَ الأنْصارِ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمّا رَأى قُرَيْشًا قَدْ أرْسَلَتِ الظَهْرَ في زُرُوعِ قَناةٍ قالَ: "أتُرْعى زُرُوعُ بَنِي قَيْلَةَ ولَمّا نُضارِبْ"؟
وكانَ النَبِيُّ قَدْ أمَرَ ألّا يُقاتِلَ أحَدٌ حَتّى يَأْمُرَهُ بِالقِتالِ، وكَأنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ دَعاهم إلى هَذا الأمْرِ العَرَبِيِّ الخارِجِ عَنِ الدِينِ والقِتالِ في سَبِيلِ اللهِ.
وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: "أقْرَبُ" مَأْخُوذٌ مِنَ القُرْبِ ضِدِّ البُعْدِ، وسَدَّتِ "اللامُ" في قَوْلِهِ: "لِلْكُفْرِ" و"لِلْإيمانِ" مَسَدَّ "إلى".
وحَكى النَقّاشُ أنَّ قَوْلَهُ: "أقْرَبُ" مَأْخُوذٌ مِنَ القَرَبِ -بِفَتْحِ القافِ والراءِ- وهو الطَلَبُ، والقارِبُ طالِبُ الماءِ، ولَيْلَةُ القَرَبِ لَيْلَةُ الوِرْدِ، فاللَفْظَةُ بِمَعْنى أطْلُبُ، واللامُ مُتَمَكِّنَةٌ عَلى هَذا القَوْلِ.
وقَوْلُهُ: "بِأفْواهِهِمْ" تَأْكِيدٌ، مِثْلُ "يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ".
وقَوْلُهُ: ﴿ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ﴾ يُرِيدُ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الكَلِمَةِ الحاقِنَةِ لِدِمائِهِمْ، ثُمَّ فَضَحَهم تَعالى بِقَوْلِهِ، ﴿ واللهُ أعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ وعَداوَةِ الدِينِ، وفي الكَلامِ تَوَعُّدٌ لَهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عن أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ﴿ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" المُتَقَدِّمِ، وإخْوانُهُمْ: المَقْتُولُونَ مِنَ الخَزْرَجِ، وهي أُخُوَّةُ نَسَبٍ ومُجاوَرَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِإخْوانِهِمْ" مَعْناهُ: لِأجْلِ إخْوانِهِمْ، وفي شَأْنِ إخْوانِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "لِإخْوانِهِمْ" لِلْأحْياءِ مِنَ المُنافِقِينَ، ويَكُونَ الضَمِيرُ فِي: "أطاعُونا" هو لِلْمَقْتُولِينَ.
وقَوْلُهُ: "وَقَعَدُوا" جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ وهي حالٌ مُعْتَرِضَةٌ أثْناءَ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ: "لَوْ أطاعُونا" يُرِيدُ في ألّا يَخْرُجُوا إلى قُرَيْشٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "ما قُتِّلُوا"، بِشَدِّ التاءِ، وهَذا هو القَوْلُ بِالأجَلَيْنِ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: "قُلْ فادرءوا"...
الآيَةِ، والدَرْءُ: الدَفْعُ ومِنهُ قَوْلُ دَغْفَلٍ النَسّابَةِ: صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهْ والعِبْءُ لا تَعْرِفُهُ أو تَرْفَعُهْ ولُزُومُ هَذِهِ الحُجَّةِ هو أنَّكم أيُّها القائِلُونَ: إنَّ التَوَقِّيَ واسْتِعْمالَ النَظَرِ يَدْفَعُ المَوْتَ، فَتَوَقَّوْا وانْظُرُوا في الَّذِي يَغْشاكم مِنهُ حَتْفَ أُنُوفِكُمْ، فادْفَعُوهُ إنْ كانَ قَوْلُكم صِدْقًا، أيْ: إنَّما هي آجالٌ مَضْرُوبَةٌ عِنْدَ اللهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، "وَلا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ: "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وذَكَرَها أبُو عَمْرٍو وكَأنَّ الفاعِلَ مُقَدَّرٌ: ولا يَحْسَبَنَّ أحَدٌ أو حاسِبٌ.
وأرى هَذِهِ القِراءَةَ بِضَمِّ الباءِ فالمَعْنى: ولا يَحْسَبُ الناسُ، ويَحْسَبُنَّ، مَعْناهُ: يَظُنُّ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "الَّذِينَ قُتِّلُوا"، بِشَدِّ التاءِ، وابْنُ عامِرٍ مِنَ السَبْعَةِ، ورُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: "الَّذِينَ قاتَلُوا" بِألِفٍ بَيْنِ القافِ والتاءِ.
٥٠ وَأخْبَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ الشُهَداءِ أنَّهم في الجَنَّةِ يُرْزَقُونَ، هَذا مَوْضِعُ الفائِدَةِ، ولا مَحالَةَ أنَّهم ماتُوا وأنَّ أجْسادَهم في التُرابِ وأرْواحَهم حَيَّةٌ كَأرْواحِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ وفُضِّلُوا بِالرِزْقِ في الجَنَّةِ مِن وقْتِ القَتْلِ، حَتّى كَأنَّ حَياةَ الدُنْيا دائِمَةٌ لَهم.
قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا لا يَمُوتُ بِالشَهادَةِ في سَبِيلِ اللهِ.
فَقَوْلُهُ: "بَلْ أحْياءٌ" مُقَدِّمَةٌ لِقَوْلِهِ: "يُرْزَقُونَ" إذْ لا يُرْزَقُ إلّا حَيٌّ وهَذا كَما تَقُولُ لِمَن ذَمَّ رَجُلًا: بَلْ هو رَجُلٌ فاضِلٌ، فَتَجِيءُ بِاسْمِ الجِنْسِ الَّذِي تُرَكِّبُ عَلَيْهِ الوَصْفَ بِالفَضْلِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بَلْ أحْياءٌ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، أيْ: هم أحْياءٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "بَلْ أحْياءً" بِالنَصْبِ؛ قالَ الزَجّاجُ: ويَجُوزُ النَصْبُ عَلى مَعْنى بَلْ أحْسَبُهم أحْياءً، قالَ أبُو عَلِيٍّ في الأغْفالِ: ذَلِكَ لا يَجُوزُ لِأنَّ الأمْرَ يَقِينٌ فَلا يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ بِمَحْسَبَةٍ، ولا يَصِحُّ أنْ يُضْمَرَ لَهُ إلّا فِعْلُ المَحْسَبَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَوَجْهُ قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ أنْ تُضْمِرَ فِعْلًا غَيْرَ المَحْسَبَةِ: أعْتَقِدُهم أو أجْعَلُهُمْ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ إذْ لا دَلالَةَ في الكَلامِ عَلى ما يُضْمَرُ.
وقَوْلُهُ "عِنْدَ رَبِّهِمْ" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: عِنْدَ كَرامَةِ رَبِّهِمْ، لِأنَّ "عِنْدَ" تَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُصَغَّرْ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، ووَرَدَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "أرْواحُ الشُهَداءِ عَلى نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ يُقالُ لَهُ بارِقٌ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهم مِنَ الجَنَّةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا".» ورُوِيَ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ قالَ: « "أرْواحُ الشُهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ طَبَقاتٌ وأحْوالٌ مُخْتَلِفَةٌ، يَجْمَعُها أنَّهم يُرْزَقُونَ.
وقالَ عَلَيْهِ السَلامُ: « "إنَّما نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ في ثِمارِ الجَنَّةِ" ويُرْوى "يَعْلَقُ"» بِفَتْحِ اللامِ وبِالياءِ.
والحَدِيثُ مَعْناهُ في الشُهَداءِ خاصَّةً، لِأنَّ أرْواحَ المُؤْمِنِينَ غَيْرِ الشُهَداءِ إنَّما تَرى مَقاعِدَها مِنَ الجَنَّةِ دُونَ أنْ تَدْخُلَها، وأيْضًا فَإنَّها لا تُرْزَقُ.
وتَعْلُقُ مَعْناهُ: تُصِيبُ العُلْقَةَ مِنَ الطَعامِ، وفَتْحُ اللامِ هو مِنَ التَعَلُّقِ، وقَدْ رَواهُ الفَرّاءُ في إصابَةِ العُلْقَةِ، ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إنَّ اللهَ تَعالى يَطَّلِعُ إلى الشُهَداءِ فَيَقُولُ: يا عِبادِي ما تَشْتَهُونَ فَأزِيدُكُمْ؟
فَيَقُولُونَ يا رَبَّنا لا فَوْقَ ما أعْطَيْتَنا، هَذِهِ الجَنَّةُ نَأْكُلُ مِنها حَيْثُ نَشاءُ، لَكِنّا نُرِيدُ أنْ تَرُدَّنا إلى الدُنْيا فَنُقاتِلَ في سَبِيلِكَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى، فَيَقُولُ تَعالى: قَدْ سَبَقَ أنَّكم لا تُرَدُّونَ".» ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: "ألا أُبَشِّرُكَ يا جابِرُ؟
قالَ جابِرُ: قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللهِ، قالَ: إنَّ أباكَ حَيْثُ أُصِيبَ بِأُحُدٍ، أحْياهُ اللهُ، ثُمَّ قالَ: ما تُحِبُّ يا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو أنْ أفْعَلَ بِكَ؟
قالَ: يا رَبُّ أُحِبُّ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُنْيا فَأُقاتِلَ فِيكَ فَأُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى"» وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ قالُوا: لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ أُصِيبُوا بِأُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ في حَدِيثٍ: « "إنَّ الشُهَداءَ قالُوا: يا رَبَّنا، ألا رَسُولٌ يُخْبِرُ نَبِيَّنا عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟
فَقالَ اللهُ تَعالى: أنا رَسُولُكُمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَثُرَتْ هَذِهِ الأحادِيثُ في هَذا المَعْنى واخْتَلَفَتِ الرِواياتُ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جائِزٌ عَلى ما اقْتَضَبْتُهُ مِن هَذِهِ المَعانِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِحِينَ" نُصِبَ في مَوْضِعِ الحالِ، وهو مِنَ الفَرَحِ بِمَعْنى السُرُورِ.
والفَضْلُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَنْعِيمُ المَذْكُورُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللهِ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ .
"يَسْتَبْشِرُونَ" مَعْناهُ: يُسَرُّونَ ويَفْرَحُونَ، ولَيْسَتِ اسْتَفْعَلَ في هَذا المَوْضِعِ بِمَعْنى طَلَبِ البِشارَةِ، بَلْ هي بِمَعْنى: اسْتَغْنى اللهُ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ، وذَهَبَ قَتادَةُ والرَبِيعُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهم إلى أنَّ هَذا الِاسْتِبْشارَ إنَّما هو بِأنَّهم يَقُولُونَ: إخْوانُنا الَّذِينَ تَرَكْناهم خَلْفَنا في الدُنْيا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ مَعَ نَبِيِّهِمْ فَيُسْتَشْهَدُونَ فَيَنالُونَ مِنَ الكَرامَةِ مِثْلَ ما نَحْنُ فِيهِ فَيُسَرُّونَ لَهم بِذَلِكَ، إذْ يُحْصِلُونَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، وذَهَبَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ -وَأشارَ إلَيْهِ الزَجّاجُ وابْنُ فُورَكٍ- إلى أنَّ الإشارَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا ﴾ إلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ في فَضْلِ الشَهادَةِ، لَكِنَّ الشُهَداءَ لَمّا عايَنُوا ثَوابَ اللهِ وقَعَ اليَقِينُ بِأنَّ دِينَ الإسْلامِ هو الحَقُّ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ عَلَيْهِ، فَهم فَرِحُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ، ويَسْتَبْشِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، و"ألّا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، التَقْدِيرُ: بِأنْ لا خَوْفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
ثُمَّ أكَّدَ تَعالى اسْتِبْشارَهم بِقَوْلِهِ: "يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ" ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وَفَضْلٍ" فَوَقَعَ إدْخالُهُ إيّاهُمُ الجَنَّةَ الَّذِي هو فَضْلٌ مِنهُ لا بِعَمَلِ أحَدٍ، وأمّا النِعْمَةُ في الجَنَّةِ والدَرَجاتُ فَقَدْ أخْبَرَ أنَّها عَلى قَدْرِ الأعْمالِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "وَإنَّ اللهَ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "أنَّ"، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: "وَأنَّ اللهَ" بِفَتْحِ الألِفِ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَذَلِكَ داخِلٌ فِيما يُسْتَبْشَرُ بِهِ، المَعْنى: بِنِعْمَةٍ وبِأنَّ اللهَ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَهو إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ "وَفَضْلٍ واللهُ لا يُضِيعُ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِينَ اسْتَجابُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "الَّذِينَ" صِفَةً لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ الألِفَ مِن "أنَّ"، والأظْهَرُ أنَّ "الَّذِينَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلَّذِينَ أحْسَنُوا"...
الآيَةِ.
فَهَذِهِ الجُمْلَةُ هي خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ.
والمُسْتَجِيبُونَ لِلَّهِ والرَسُولِ هُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَبِيِّ إلى حَمْراءِ الأسَدِ في طَلَبِ قُرَيْشٍ والتَظاهُرِ لَهُمْ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ في يَوْمِ الأحَدِ وهو الثانِي مِن يَوْمِ أُحُدٍ «نادى رَسُولُ اللهِ في الناسِ بِاتِّباعِ المُشْرِكِينَ، وقالَ: " لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا إلّا مَن شاهَدَنا بِالأمْسِ"» وكانَتْ بِالناسِ جِراحَةٌ وقَرْحٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ تَجَلَّدُوا ونَهَضَ مَعَهُ مِائَتا رَجُلٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، وهي عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ مِنَ المَدِينَةِ، وأقامَ بِها ثَلاثَةَ أيّامٍ، وجَرَتْ قِصَّةُ مَعْبَدِ بْنِ أبِي مَعْبَدٍ الَّتِي ذَكَرْناها، ومَرَّتْ قُرَيْشٌ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ إلى المَدِينَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى في شَأْنِ أُولَئِكَ المُسْتَجِيبِينَ هَذِهِ الآيَةَ، ومَدَحَهم لِصَبْرِهِمْ.
ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في الناسِ أخَوانِ وبِهِما جِراحَةٌ شَدِيدَةٌ وكانَ أحَدُهُما قَدْ ضَعُفَ، فَكانَ أخُوهُ يَحْمِلُهُ عُقْبَةً ويَمْشِي هو عُقْبَةً.
ورَغِبَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ إلى النَبِيِّ في الخُرُوجِ مَعَهُ فَأذِنَ لَهُ، وأخْبَرَهم تَعالى أنَّ الأجْرَ العَظِيمَ قَدْ تَحَصَّلَ لَهم بِهَذِهِ الفَعْلَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "إنَّها غَزْوَةٌ".» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ إنَّ الناسُ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ واللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ.
وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ الرَكْبُ مِن عَبْدِ القَيْسِ لِرَسُولِ اللهِ وأصْحابِهِ حِينَ حَمَّلَهم أبُو سُفْيانَ ذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرْتُهُ قَبْلُ، فالناسُ الأوَّلُ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ والناسُ الثانِي عَسْكَرُ قُرَيْشٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَزادَهم إيمانًا"، أيْ: ثُبُوتًا واسْتِعْدادًا، فَزِيادَةُ الإيمانِ في هَذا هي في الأعْمالِ.
وأطْلَقَ العُلَماءُ عِبارَةَ: أنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ، والعَقِيدَةُ في هَذا أنَّ نَفْسَ الإيمانِ الَّذِي هو تَصْدِيقٌ واحِدٌ بِشَيْءٍ ما، إنَّما هو مَعْنىً فَرْدٌ لا تَدْخُلُهُ زِيادَةٌ إذا حَصَلَ، ولا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ إذا زالَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ الزِيادَةُ والنَقْصُ في مُتَعَلِّقاتِهِ دُونَ ذاتِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ يُقالُ: يَزِيدُ ويَنْقُصُ مِن حَيْثُ تَزِيدُ الأعْمالُ الصادِرَةُ عنهُ وتَنْقُصُ، لا سِيَّما أنَّ كَثِيرًا مِنَ العُلَماءِ يُوقِعُونَ اسْمَ الإيمانِ عَلى الطاعاتِ؛ وذَهَبَ قَوْمٌ: إلى أنَّ الزِيادَةَ في الإيمانِ إنَّما هي بِنُزُولِ الفُرُوضِ والإخْبارِ في مُدَّةِ النَبِيِّ ، وفي المَعْرِفَةِ بِها بَعْدَ الجَهْلِ غابِرَ الدَهْرِ، وهَذا إنَّما زِيادَةُ إيمانٍ إلى إيمانٍ، فالقَوْلُ فِيهِ إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ قَوْلٌ مَجازِيٌّ ولا يُتَصَوَّرُ النَقْصُ فِيهِ عَلى هَذا الحَدِّ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ الأنْقَصُ بِالإضافَةِ إلى مَن عَلِمَ.
وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّ زِيادَةَ الإيمانِ ونَقْصَهُ إنَّما هي مِن طَرِيقِ الأدِلَّةِ، فَتَزِيدُ الأدِلَّةُ عِنْدَ واحِدٍ، فَيُقالُ في ذَلِكَ: إنَّها زِيادَةٌ في الإيمانِ، وهَذا كَما يُقالُ في الكُسْوَةِ، إنَّها زِيادَةٌ في الإنْسانِ.
وذَهَبَ أبُو المَعالِي في "الإرْشادِ": إلى أنَّ زِيادَةَ الإيمانِ ونُقْصانَهُ إنَّما هو بِسَبَبِ ثُبُوتِ المُعْتَقَدِ وتَعاوُرِهِ دائِبًا، قالَ: وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ عَرَضٌ وهو لا يَثْبُتُ زَمانَيْنِ فَهو لِلنَّبِيِّ ولِلصُّلَحاءِ مُتَعاقِبٌ مُتَوالٍ، ولِلْفاسِقِ والغافِلِ غَيْرُ مُتَوالٍ، يَصْحَبُهُ حِينًا ويُفارِقُهُ حِينًا في الفَتْرَةِ، ذَلِكَ الآخَرُ أكْثَرُ إيمانًا، فَهَذِهِ هي الزِيادَةُ والنَقْصُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذا القَوْلِ نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَزادَهم إيمانًا ﴾ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ مِن جِهَةِ الأدِلَّةِ، ويُتَصَوَّرُ في الآيَةِ الجِهاتُ الأُخَرُ الثَلاثُ.
ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ الوَفْدُ مِن عَبْدِ القَيْسِ رَسُولَ اللهِ بِما حَمَّلَهم أبُو سُفْيانَ، وأنَّهُ يَنْصَرِفُ إلَيْهِمْ بِالناسِ لِيَسْتَأْصِلَهُمْ، وأخْبَرَ بِذَلِكَ أيْضًا أعْرابِيٌّ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ فَقالَ لَهم رَسُولُ اللهِ : « "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"» فَقالُوها واسْتَمَرَّتْ عَزائِمُهم عَلى الصَبْرِ، ودَفَعَ اللهُ عنهم كُلَّ سُوءٍ، وألْقى الرُعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ فَمَرُّوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ ﴾ يُرِيدُ في السَلامَةِ والظُهُورِ في اتِّباعِ العَدُوِّ وحِمايَةِ الحَوْزَةِ، وبِفَضْلٍ في الأجْرِ الَّذِي حازُوهُ، والفَخْرِ الَّذِي تَجَلَّلُوهُ.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ قَدْ مَضَتْ نَظائِرُهُ.
هَذا هو تَفْسِيرُ الجُمْهُورِ لِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها في غَزْوَةِ أُحُدٍ في الخَرْجَةِ إلى حَمْراءِ الأسَدِ وشَذَّ مُجاهِدٌ رَحِمَهُ اللهُ فَقالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: "فَضْلٌ عَظِيمٌ" إنَّما نَزَلَتْ في خُرُوجِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ إلى بَدْرٍ الصُغْرى، وذَلِكَ «أنَّهُ خَرَجَ لِمِيعادِ أبِي سُفْيانَ في أُحُدٍ إذْ قالَ: مَوْعِدُنا بَدْرٌ مِنَ العامِ المُقْبِلِ، فَقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ السَلامُ: "قُولُوا نَعَمْ" فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ قِبَلَ بَدْرٍ وكانَ بِها سُوقٌ عَظِيمٌ، فَأعْطى رَسُولُ اللهِ أصْحابَهُ دَراهِمَ، وقَرُبَ مِن بَدْرٍ فَجاءَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ فَأخْبَرَهُ أنَّ قُرَيْشًا قَدِ اجْتَمَعَتْ وأقْبَلَتْ لِحَرْبِهِ هي ومَنِ انْضافَ إلَيْها، فَأشْفَقَ المُسْلِمُونَ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهم قالُوا: ﴿ حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ ﴾ ، وصَمَّمُوا حَتّى أتَوْا بَدْرًا فَلَمْ يَجِدُوا عَدُوًّا، ووَجَدُوا السُوقَ فاشْتَرَوْا بِدَراهِمِهِمْ أُدْمًا وتِجارَةً، وانْقَلَبُوا ولَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا ورَبِحُوا في تِجارَتِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وفَضْلٍ ﴾ » أيْ فَضْلٍ في تِلْكَ التِجارَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَوابُ ما قالَهُ الجُمْهُورُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ حَمْراءِ الأسَدِ، وما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن أنَّ لَفْظَةَ "الناسِ" تَقَعُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَقَوْلٌ ضَعِيفٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما ذَلِكُمُ الشَيْطانُ يُخَوِّفُ أولِياءَهُ فَلا تَخافُوهم وخافُونِ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهَ ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا في الآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُقْتَضى "إنَّما" في اللُغَةِ الحَصْرُ، هَذا مَنزَعُ المُتَكَلِّمِ بِها مِنَ العَرَبِ.
ثُمَّ إذا نُظِرَ عَقْلًا- وهَذا هو نَظَرُ الأُصُولِيِّينَ- فَهي تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ ولِلتَّأْكِيدِ الَّذِي يُسْتَعارُ لَهُ لَفْظُ الحَصْرِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكُمُ" إلى جَمِيعِ ما جَرى مِن أخْبارِ الرَكْبِ العَبْدِيِّينَ، عن رِسالَةِ أبِي سُفْيانَ، ومِن تَحْمِيلِ أبِي سُفْيانَ ذَلِكَ الكَلامَ، ومِن جَزَعِ مَن جَزِعَ مِن ذَلِكَ الخَبَرِ مِن مُؤْمِنٍ أو مُتَرَدِّدٍ.
و"ذَلِكُمُ" في الإعْرابِ ابْتِداءٌ، و"الشَيْطانُ" مُبْتَدَأٌ آخَرُ، و"يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" خَبَرٌ عَنِ الشَيْطانِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وهَذا الإعْرابُ خَيْرٌ في تَناسُقِ المَعْنى مِن أنْ يَكُونَ "الشَيْطانُ" خَبَرَ "ذَلِكُمُ" لِأنَّهُ يَجِيءُ في المَعْنى اسْتِعارَةً بَعِيدَةً، و"يُخَوِّفُ" فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لَكِنْ يَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما إذِ الآخَرُ مَفْهُومٌ مِن بِنْيَةِ هَذا الفِعْلِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: خَوَّفْتُ زَيْدًا، فَمَعْلُومٌ ضَرُورَةً أنَّكَ خَوَّفْتَهُ شَيْئًا حَقُّهُ أنْ يُخافَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" فَقالَ قَوْمٌ المَعْنى: يُخَوِّفُكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أولِياءَهُ الَّذِينَ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى يُخَوِّفُ المُنافِقِينَ ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، وهم أولِياؤُهُ، فَإذًا لا يَعْمَلُ فِيكم أيُّها المُؤْمِنُونَ تَخْوِيفُهُ، إذْ لَسْتُمْ بِأولِيائِهِ، والمَعْنى: يُخَوِّفُهم كُفّارَ قُرَيْشٍ، فَحُذِفَ هُنا المَفْعُولُ الثانِي واقْتُصِرَ عَلى الأوَّلِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي: "يُخَوِّفُكم أولِياؤُهُ" المَعْنى: يُخَوِّفُكم قُرَيْشٌ ومَن مَعَهُمْ، وذَلِكَ بِإضْلالِ الشَيْطانِ لَهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُضْمَحِلٌّ، وبِذَلِكَ قَرَأ النَخْعِيُّ.
وحَكى أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "يُخَوِّفُكم أولِياءَهُ" فَهَذِهِ قِراءَةٌ ظَهَرَ فِيها المَفْعُولانِ، وفَسَّرَتْ قِراءَةَ الجَماعَةِ: "يُخَوِّفُ أولِياءَهُ" وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يُخَوِّفُكم بِأولِيائِهِ".
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَخافُوهُمْ" لِكُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِن أولِياءِ الشَيْطانِ، حَقَّرَ اللهُ شَأْنَهم وقَوّى نُفُوسَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وأمَرَهم بِخَوْفِهِ هو تَعالى وامْتِثالِ أمْرِهِ مِنَ الصَبْرِ والجَلَدِ، ثُمَّ قَرَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "يُحْزِنْكَ" بِضَمِّ الياءِ مِن أحْزَنَ، وكَذَلِكَ قَرَأ في جَمِيعِ القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ الأنْبِياءِ: "لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ" فَإنَّهُ فَتَحَ الياءَ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَحْزُنْكَ" بِفَتْحِ الياءِ، مِن قَوْلِكَ: حَزَنْتُ الرَجُلَ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ حَزِنَ الرَجُلُ وفُتِنَ إذا أصابَهُ الحُزْنُ والفِتْنَةُ.
وحَزَنْتُهُ وفَتَنْتُهُ، إذا جَعَلْتُ فِيهِ وعِنْدَهُ حُزْنًا وفِتْنَةً، كَما تَقُولُ: دَهَنْتُ وكَحَّلْتُ، إذا جَعَلْتَ دُهْنًا وكُحْلًا، وأحْزَنْتُهُ وأفْتَنْتُهُ إذا جَعَلْتَهُ حَزِينًا وفاتِنًا، كَما تَقُولُ أدْخَلْتُهُ وأسْمَعْتُهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ.
والمُسارَعَةُ في الكُفْرِ هي المُبادَرَةُ إلى أقْوالِهِ وأفْعالِهِ والجِدُّ في ذَلِكَ.
وقَرَأ الحُرُّ النَحْوِيُّ "يُسْرِعُونَ" في كُلِّ القُرْآنِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ، لِأنَّ مَن يُسارِعُ غَيْرَهُ أشَدُّ اجْتِهادًا مِنَ الَّذِي يُسْرِعُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالُوا: "كُلُّ مُجْرٍ بِالخَلاءِ يُسَرُّ".
وسَلّى اللهُ نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ عن حالِ المُنافِقِينَ والمُجاهِدِينَ إذْ كُلُّهم مُسارِعٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لَهم أيْ: إنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.
والحَظُّ إذا لَمْ يُقَيَّدْ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ أطْلَقَ عَلَيْهِمُ الشِراءَ مِن حَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن قَبُولِ هَذا وهَذا فَجاءَ أخْذُهم لِلْواحِدِ وتَرْكُهم لِلْآخَرِ كَأنَّهُ تَرْكٌ لِما قَدْ أُخِذَ وحُصِّلَ، إذْ كانُوا مُمَكَّنِينَ مِنهُ، ولِمالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ مُتَعَلَّقٌ بِهَذِهِ الآيَةِ في مَسْألَةِ شِراءِ ما تَخْتَلِفُ آحادُ جِنْسِهِ مِمّا لا يَجُوزُ التَفاضُلُ فِيهِ، في أنَّ مَنعَ الشِراءِ عَلى أنْ يَخْتارَ المُبْتاعُ، وباقِي الآيَةِ وعِيدٌ كالمُتَقَدِّمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ ﴾ ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَيِّبِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ولَكِنَّ اللهُ يَجْتَبِي مِنَ رُسُلِهِ مِنَ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ ورُسُلِهِ وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ "نُمْلِي" مَعْناهُ: نُمْهِلُ ونَمُدُّ في العُمْرِ، والمِلاوَةُ: المُدَّةُ مِنَ الدَهْرِ، والمَلَوانِ اللَيْلُ والنَهارُ، وتَقُولُ: مَلّاكَ اللهُ النِعْمَةَ أيْ: مَنَحَكَها عُمْرًا طَوِيلًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ونافِعٌ: "يَحْسِبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ إلّا في السِينِ فَإنَّهُ فَتَحَها، وقَرَأ حَمْزَةُ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ، وقَرَأ عاصِمٌ والكِسائِيُّ كُلَّ ما في هَذِهِ السُورَةِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ إلّا حَرْفَيْنِ: قَوْلَهُ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، وبَعْدَها "وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" فَأمّا مَن قَرَأ "وَلا يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ فَإنَّ "الَّذِينَ" فاعِلٌ، وقَوْلَهُ: "أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ" بِفَتْحِ الألِفِ مِن "أنَّما" سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "حَسِبَ"، وذَلِكَ أنَّ "حَسِبَ" وما جَرى مَجْراها تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى مَفْعُولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ، وذَلِكَ إذا جَرى في صِلَةٍ ما تَتَعَدّى إلَيْهِ ذِكْرُ الحَدِيثِ والمُحَدَّثِ عنهُ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَسْرُ "إنَّ" في قَوْلِ مَن قَرَأ: "يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ لا يَنْبَغِي، وقَدْ قُرِئَ فِيما حَكاهُ غَيْرُ أحْمَدَ بْنِ مُوسى وفي غَيْرِ السَبْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ "إنَّ" يُتَلَقّى بِها القَسَمُ كَما يُتَلَقّى بِلامِ الِابْتِداءِ، ويَدْخُلانِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، أعْنِي "اللامَ" و"إنَّ" فَعُلِّقَ عن "إنَّما" عَمَلُ الحُسْبانِ كَما تُعَلِّقُ عَنِ اللامِ في قَوْلِكَ: حَسِبْتُ لَزَيْدٌ قائِمٌ، فَيُعَلَّقُ الفِعْلُ عَنِ العَمَلِ لَفْظًا، وأمّا بِالمَعْنى فَما بَعْدَ "إنَّ أوِ اللامِ" فَفي مَوْضِعِ مَفْعُولَيْ حَسِبَ، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى الَّذِي، فَفي "نُمْلِي" عائِدٌ مُسْتَكِنٌّ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً فَلا تَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ عائِدٍ.
وأمّا مَن قَرَأ "وَلا تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَـ "الَّذِينَ" مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِلْحُسْبانِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ويَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الألِفُ مِن "إنَّما" مَكْسُورَةً في هَذِهِ القِراءَةِ، وتَكُونَ "إنَّ" وما دَخَلَتْ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثانِي لِـ "تَحْسَبَنَّ"، ولا يَجُوزُ فَتْحُ الألِفِ مِن "إنَّما" لِأنَّها تَكُونُ المَفْعُولَ الثانِيَ، والمَفْعُولُ الثانِي في هَذا البابِ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ بِالمَعْنى، والإمْلاءُ لا يَكُونُ إيّاهم.
قالَ مَكِّيٌّ في مُشْكِلِهِ: ما عَلِمْتُ أحَدًا قَرَأ: "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسَرَ الألِفَ مِن "إنَّما".
وجَوَّزَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ و"أنَّما" بِفَتْحِ الألِفِ، وظاهِرُ كَلامِهِ أنَّها تَنْصِبُ "خَيْرًا" قالَ: وقَدْ قَرَأ بِها خَلْقٌ كَثِيرٌ وساقَ عَلَيْها مِثالًا قَوْلَ الشاعِرِ: فَما كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحِدٍ..............................
بِنَصْبِ هُلْكَ الثانِي عَلى أنَّ الأوَّلَ بَدَلٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَذَلِكَ يَكُونُ "أنَّما نُمْلِي" بَدَلًا مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما أنْسانِيهُ إلا الشَيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إحْدى الطائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ ﴾ ويَكُونُ "خَيْرًا" المَفْعُولَ الثانِي.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَمْ يَقْرَأْ هَذِهِ القِراءَةَ أحَدٌ، وقَدْ سَألْتُ أحْمَدَ بْنَ مُوسى عنها فَزَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ أنَّ أبا إسْحاقَ إنَّما جَوَّزَ المَسْألَةَ مَعَ قِراءَةِ "خَيْرٌ" بِالرَفْعِ، وأبُو عَلِيٍّ أعْلَمُ لِمُشاهَدَتِهِ أبا إسْحاقَ.
وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَجُوزُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ شَأْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهُمْ، فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْألِ القَرْيَةَ ﴾ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ويَذْهَبُ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ بْنُ البادِشِ: إلى أنَّها تَجُوزُ عَلى بَدَلِ "أنَّ" مِنَ "الَّذِينَ" وحَذْفِ المَفْعُولِ الثانِي لِحَسِبَ، إذِ الكَلامُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَسْألَةُ جائِزَةٌ إذِ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّ إمْلاءَنا لِلَّذِينَ كَفَرُوا خَيْرًا لَهم أو نَحْوَ هَذا.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الرَدُّ عَلى الكُفّارِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ كَوْنَنا ظاهِرِينَ مُمَوَّلِينَ أصِحَّةً، دَلِيلٌ عَلى رِضى اللهِ بِحالِنا واسْتِقامَةِ طَرِيقَتِنا عِنْدَهُ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّ ذَلِكَ التَأْخِيرَ والإمْهالَ إنَّما هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، لِيَكْتَسِبُوا الآثامَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلا فاجِرَةٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَها، أمّا البَرَّةُ فَلِتُسْرِعَ إلى رَحْمَةِ اللهِ، وقَرَأ ﴿ "وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ"، ﴾ وأمّا الفاجِرَةُ فَلِئَلّا تَزْدادَ إثْمًا، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.
ووَصْفُ العَذابِ بِالمُهِينِ مَعْناهُ: التَخْسِيسُ لَهُمْ، فَقَدْ يُعَذَّبُ مَن لا يُهانُ، وذَلِكَ إذا اعْتُقِدَتْ إقالَةُ عَثْرَتِهِ يَوْمًا ما.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ ﴾ ...الآيَةِ فَقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُمُ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والمَعْنى: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المُؤْمِنِينَ مُخْتَلِطِينَ بِالمُنافِقِينَ مُشْكِلًا أمْرَهُمْ، يَجْرِي المُنافِقُ مَجْرى المُؤْمِنِ، ولَكِنْ مَيَّزَ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، بِما ظَهَرَ مِن هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ في أُحُدٍ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.
وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الخِطابُ لِلْكُفّارِ، والمَعْنى: حَتّى يَمِيزَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الكافِرِينَ بِالإيمانِ والهِجْرَةِ.
وقالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: «قالَ الكُفّارُ في بَعْضِ جَدَلِهِمْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ تَزْعُمُ في الرَجُلِ مِنّا أنَّهُ مِن أهْلِ النارِ، وأنَّهُ إذا اتَّبَعَكَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟
ولَكِنْ أخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ مِنّا وبِمَن يَبْقى عَلى كُفْرِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» فَقِيلَ لَهُمْ: لا بُدَّ مِنَ التَمْيِيزِ وما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ فِيمَن يُؤْمِنُ ولا فِيمَن يَبْقى كافِرًا ولَكِنْ هَذا رَسُولٌ مُجْتَبىً فَآمِنُوا بِهِ.
فَإنْ آمَنتُمْ نَجَوْتُمْ وكانَ لَكم أجْرٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأمّا مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ وأهْلُ القَوْلِ الأوَّلِ، فَقَوْلُهم في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ ﴾ إنَّهُ في أمْرِ أُحُدٍ، أيْ: ما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكم عَلى أنَّكم تُهْزَمُونَ، فَكُنْتُمْ تُكْعُونَ ونَحْوَ هَذا.
وأيْضًا فَما كانَ لِيُطْلِعَكم عَلى المُنافِقِينَ تَصْرِيحًا بِهِمْ وتَسْمِيَةً لَهُمْ، ولَكِنْ هَذا بِقَرائِنِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ.
و"حَتّى" في قَوْلِهِ: "حَتّى يَمِيزَ" غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، لِأنَّ الكَلامَ قَبْلَها مَعْناهُ: اللهُ يُخْلِصُ ما بَيْنَكم بِابْتِلائِهِ وامْتِحانِهِ حَتّى يَمِيزَ.
وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ: "حَتّى يَمِيزَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ المِيمِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وكَذَلِكَ "لِيَمِيزَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "حَتّى يُمَيِّزَ" و"لِيُمَيِّزَ اللهُ" بِضَمِّ الياءِ والتَشْدِيدِ.
قالَ يَعْقُوبُ بْنُ السُكَيْتِ: مِزْتُ ومَيَّزْتُ: لُغَتانِ بِمَعْنىً واحِدٍ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَيْسَ مَيَّزْتُ بِمَنقُولٍ مِن مِزْتُ، بِدَلِيلِ أنَّ مَيَّزْتُ لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وإنَّما يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَمِزْتُ، كَما أنَّ "ألْقَيْتُ" لَيْسَ بِمَنقُولٍ مِن "لَقِيَ" إنَّما هو بِمَعْنى أسْقَطْتُ.
والغَيْبُ هُنا: ما غابَ عَنِ البَشَرِ مِمّا هو في عِلْمِ اللهِ مِنَ الحَوادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ، ومِنَ الأسْرارِ الَّتِي في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُونَها إذا غابُوا عَنِ الناسِ.
قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ بَعْضَ الكُفّارِ قالَ: لِمَ لا يَكُونُ جَمِيعُنا أنْبِياءً؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
و"يَجْتَبِي" مَعْناهُ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، وهي مِن جَبَيْتُ الماءَ والمالَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ واللهُ المُسْتَعانُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهم بَلْ هو شَرٌّ لَهم سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ القِراءاتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ كالَّتِي تَقَدَّمَتْ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ سَواءٌ.
قالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في البُخْلِ بِالمالِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ وأداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ.
قالُوا: ومَعْنى: ﴿ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا ﴾ هو الَّذِي ورَدَ في الحَدِيثِ عن رَسُولِ اللهِ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمِهِ فَيَسْألُهُ عن فَضْلِ ما عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ أقْرَعٌ مِنَ الناسِ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ".» والأحادِيثُ في مِثْلِ هَذا مِن مَنعِ الزَكاةِ واكْتِنازِ المالِ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ إنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ وبُخْلِهِمْ بِبَيانِ ما عَلَّمَهُمُ اللهُ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ ، وقالَ ذَلِكَ مُجاهِدٌ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ التَفْسِيرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى "سَيُطَوَّقُونَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ مَعْناهُ: سَيَحْمِلُونَ عِقابَ ما بَخِلُوا بِهِ فَهو مِنَ الطاقَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ولَيْسَ مِنَ التَطْوِيقِ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: ﴿ "سَيُطَوَّقُونَ" ﴾ سَيُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ طَوْقٌ مِن نارٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَجْرِي مَعَ التَأْوِيلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ لِلسُّدِّيِّ وغَيْرِهِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى ﴿ "سَيُطَوَّقُونَ": ﴾ سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يَضْطَرِبُ مَعَ قَوْلِهِ: إنَّ البُخْلَ هو بِالعِلْمِ الَّذِي تَفَضَّلَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ عَلَّمَهم إيّاهُ.
وإعْرابُ قَوْلِهِ تَعالى: "الَّذِينَ يَبْخَلُونَ" رَفْعٌ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "يَحْسَبَنَّ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ مُقَدَّرٌ بِالصِلَةِ تَقْدِيرُهُ: ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ بُخْلَهم هو "خَيْرًا"، و"هُوَ" فاصِلَةُ العِمادِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، ودَلَّ قَوْلُهُ: "يَبْخَلُونَ" عَلى هَذا البُخْلِ المُقَدَّرِ كَما دَلَّ السَفِيهُ عَلى السَفَهِ في قَوْلِ الشاعِرِ: إذا نُهِيَ السَفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَفِيهُ إلى خِلافِ فالمَعْنى جَرى إلى السَفَهِ وأمّا مَن قَرَأ "تَحْسَبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، تَقْدِيرُهُ: ولا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ خَيْرًا لَهم.
قالَ الزَجّاجُ: وهي مِثْلُ ﴿ "واسْألِ القَرْيَةَ".
﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ ﴾ خِطابٌ عَلى ما يَفْعَلُهُ البَشَرُ دالٌّ عَلى فَناءِ الجَمِيعِ، وأنَّهُ لا يَبْقى مالِكٌ إلّا اللهَ تَعالى، وإنْ كانَ مِلْكُهُ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو "واللهُ بِما يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى ذِكْرِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويُطَوَّقُونَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وذَلِكَ عَلى الرُجُوعِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ: "وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ سَمِعَ اللهُ ﴾ ...
الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ بَعَثَ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى بَيْتِ المِدْراسِ لِيَدْعُوَهم فَوَجَدَ فِيهِ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى فِنْحاصَ -وَهُوَ حَبْرُهُمْ- فَقالَ أبُو بَكْرٍ لَهُ: يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللهَ وأسْلِمْ، فَوَ اللهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَدْ جاءَكم بِالحَقِّ مِن عِنْدِ اللهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَوْراةِ، فَقالَ فِنْحاصُ: واللهِ يا أبا بَكْرٍ ما بِنا إلى اللهِ مِن حاجَةٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وإنّا عنهُ لَأغْنِياءٌ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا لَما اسْتَقْرَضَنا أمْوالَنا كَما يَزْعُمُ صاحِبُكُمْ، في كَلامٍ طَوِيلٍ غَضِبَ أبُو بَكْرٍ مِنهُ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَ وجْهَ فِنْحاصَ وسَبَّهُ وهَمَّ بِقَتْلِهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ لَهُ: لا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتّى تَنْصَرِفَ إلَيَّ، ثُمَّ ذَهَبَ فِنْحاصُ إلى النَبِيِّ فَشَكا فِعْلَ أبِي بَكْرٍ، فَقالَ النَبِيُّ لِأبِي بَكْرٍ ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ؟
فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.» وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا؟
إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ ومَعْمَرٌ وقَتادَةُ أيْضًا وغَيْرُهُمْ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ ...الآيَةُ، قالَتِ اليَهُودُ: إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ.
ولا مَحالَةَ أنَّ هَذا قَوْلٌ صَدَرَ أوَّلًا عن فِنْحاصَ وحُيَيٍّ وأشْباهِهِما مِنَ الأحْبارِ ثُمَّ تَقاوَلَها اليَهُودُ، وهو قَوْلٌ يَغْلَطُ بِهِ الأتْباعُ ومَن لا عِلْمَ عِنْدَهُ بِمَقاصِدِ الكَلامِ، وهَذا تَحْرِيفُ اليَهُودِ التَأْوِيلَ عَلى نَحْوِ ما صَنَعُوا في تَوْراتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ دالٌّ عَلى أنَّهم جَماعَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النارُ ﴾ .
قَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "سَيُكْتَبُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: و"قَتْلُهُمْ" بِرَفْعِ اللامِ عَطْفًا عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، و"يَقُولُ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ الباقُونَ بِنُونِ الجَمْعِ، فَإمّا أنَّها نُونُ العَظَمَةِ، وإمّا هي لِلْمَلائِكَةِ، و"ما" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولَةٌ بِها، و"قَتْلَهُمْ" بِنَصْبِ اللامِ عَطْفًا عَلى "ما"، "وَنَقُولُ" بِالنُونِ عَلى نَحْوِ "سَنَكْتُبُ" والمَعْنى في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، قالَ الكِسائِيُّ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَيُقالُ ذُوقُوا".
وقالَ أبُو مُعاذٍ النَحْوِيُّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ" "وَيُقالُ لَهم ذُوقُوا".
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "سَنَكْتُبُ ما يَقُولُونَ"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عنهُ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "سَتُكْتَبُ" بِتاءٍ مَرْفُوعَةٍ "ما قالُوا" بِمَعْنى: سَتُكْتَبُ مَقالَتُهم.
وهَذِهِ الآيَةُ وعِيدٌ لَهُمْ، أيْ: سَيُحْصِي عَلَيْهِمْ قَوْلَهم.
والكُتُبُ فِيما حَكى كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ هو في صُحُفٍ تُقَيِّدُهُ المَلائِكَةُ فِيها، تِلْكَ الصُحُفُ المَكْتُوبَةُ هي الَّتِي تُوزَنُ، وفِيها يَخْلُقُ اللهُ الثِقَلَ والخِفَّةَ بِحَسَبِ العَمَلِ المَكْتُوبِ فِيها.
وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الكُتُبَ عِبارَةٌ عَنِ الإحْصاءِ وعَدَمِ الإهْمالِ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِما تَفْهَمُ العَرَبُ مِنهُ غايَةَ الضَبْطِ والتَقْيِيدِ.
فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ أقْوالَ هَؤُلاءِ تُكْتَبُ وأعْمالُهُمْ، ويَتَّصِلُ ذَلِكَ بِأفْعالِ آبائِهِمْ مِن قَتْلِ الأنْبِياءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ونَحْوِهِ، ثُمَّ يُقالُ لِجَمِيعِهِمْ: "ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ" وخَلَطَتِ الآيَةُ الآباءَ مَعَ الأبْناءِ في الضَمائِرِ، إذِ الآباءُ هُمُ الَّذِينَ طَرَّقُوا لِأبْنائِهِمُ الكُفْرَ وإذِ الأبْناءُ راضُونَ بِأفْعالِ الآباءِ مُتَّبِعُونَ لَهم.
والذَوْقُ مَعَ العَذابِ مُسْتَعارٌ، عِبارَةٌ عَنِ المُباشَرَةِ، إذِ الذَوْقُ مِن أبْلَغِ أنْواعِها وحاسَّتُهُ مُمَيَّزَةٌ جِدًّا، والحَرِيقُ مَعْناهُ: المُحْرِقُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وقِيلَ: الحَرِيقُ طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ﴾ تَوْبِيخٌ وتَوْقِيفٌ داخِلٌ فِيما يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُعاصِرِي النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ يَوْمَ نُزُولِ الآيَةِ، ونَسَبَ هَذا التَقْدِيمَ إلى اليَدِ إذْ هي الكاسِبَةُ لِلْأعْمالِ في غالِبِ أمْرِ الإنْسانِ، فَأُضِيفَ كُلُّ كَسْبٍ إلَيْها، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَفْعَلُ هَذا بِعَدْلٍ مِنهُ فِيهِمْ ووَضْعِ الشَيْءِ مَوْضِعِهِ، والتَقْدِيرُ: وبِـ أنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ وجَمَعَ "عَبْدًا" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَبِيدٍ، لِأنَّهُ مَكانُ تَشْفِيقٍ وتَنْجِيَةٍ مِن ظُلْمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ عَهِدَ إلَيْنا ﴾ صِفَةٌ راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: "الَّذِينَ" صِفَةٌ لِلْعَبِيدِ، وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى والرَصْفِ، وهَذِهِ المَقالَةُ قالَتْها أحْبارُ يَهُودَ مُدافَعَةً لِأمْرِ النَبِيِّ ، أيْ أنَّكَ لا تَأْتِي بِنارٍ فَنَحْنُ قَدْ عُهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لَكَ.
و"عَهِدَ" مَعْناهُ: أمَرَ، والعَهْدُ: أخَصُّ مِنَ الأمْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ في كُلِّ ما يَتَطاوَلُ أمْرُهُ ويَبْقى في غابِرِ الزَمانِ، وتَعَدّى "أمِنَ" في هَذِهِ الآيَةِ بِاللامِ والباءِ في ضِمْنِ ذَلِكَ.
و"قُرْبانٌ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الشَيْءُ الَّذِي يُقَرَّبُ كالرَهْنِ، وكانَ أمْرُ القُرْبانِ حُكْمًا قَدِيمًا في الأنْبِياءِ، ألا تَرى أنَّ ابْنَيْ آدَمَ قَرَّبا قُرْبانًا، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا أرادُوا مَعْرِفَةَ قَبُولِ اللهِ تَعالى لِصَدَقَةِ إنْسانٍ أو عَمَلِهِ أو صِدْقِ قَوْلِهِ، قَرَّبَ قُرْبانًا شاةً أو بَقَرَةً ذَبِيحَةً أو بَعْضَ ذَلِكَ، وجَعَلَهُ في مَكانٍ لِلْهَواءِ وانْتَظَرَ بِهِ ساعَةً، فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَماءِ فَتَحْرِقُ ذَلِكَ الشَيْءَ، فَهَذِهِ عَلامَةُ القَبُولِ، وإذا لَمْ تَنْزِلِ النارُ فَلَيْسَ ذَلِكَ العَمَلُ بِمَقْبُولٍ، ثُمَّ كانَ هَذا الحُكْمُ في أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وكانَتْ هَذِهِ النارُ أيْضًا تَنْزِلُ لِأمْوالِ الغَنائِمِ فَتَحْرِقُها، حَتّى أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِمُحَمَّدٍ حَسَبَ الحَدِيثِ.
ورُوِيَ عن عِيسى بْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ "بِقُرُبانٍ" بِضَمِّ الراءِ، وذَلِكَ عَلى الإتْباعِ لِضَمَّةِ القافِ ولَيْسَتْ بِلُغَةٍ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فُعُلانٌ بِضَمِّ الفاءِ والعَيْنِ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: السُلُطانُ بِضَمِّ اللامِ، وقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى الإتْباعِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ ﴾ .
هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في مَقالَتِهِمْ وتَبْيِينٌ لِإبْطالِهِمْ، أيْ: قَدْ جاءَكم رُسُلٌ بِالآياتِ الباهِرَةِ البَيِّنَةِ، وفي جُمْلَتِها ما قُلْتُمْ مِن أمْرِ القُرْبانِ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم يا بَنِي إسْرائِيلَ؟
المَعْنى: بَلْ هَذا مِنكم تَعَلُّلٌ وتَعَنُّتٌ، ولَوْ أتَيْتُكم بِالقُرْبانِ لَتَعَلَّلْتُمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، والِاقْتِراحُ لا غايَةَ لَهُ، ولا يُجابُ كُلُّ مُقْتَرِحٍ، ولَمْ يُجِبِ اللهُ مُقْتَرِحًا إلّا وقَدْ أرادَ تَعْذِيبَهُ وألّا يُمْهِلَهُ، كَقَوْمِ صالِحٍ وغَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ في اقْتِراحِ قُرَيْشٍ فَأبى، وقالَ: « "بَلْ أدْعُوهم وأُعالِجُهُمْ"».ثُمَّ أنَّسَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالأُسْوَةِ والقُدْوَةِ فِيمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ أيْ: فَلا يَعْظُمْ عَلَيْكَ ذَلِكَ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: و"بِالزُبُرِ" بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ، وسُقُوطُها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ مُتَّجِهٌ، لِأنَّ الواوَ شَرِكَتِ "الزُبُرَ" في الباءِ الأُولى فاسْتُغْنِيَ عن إعادَةِ الباءِ، وإعادَتُها أيْضًا مُتَّجِهَةٌ لِأجْلِ التَأْكِيدِ، وكَذَلِكَ ثَبَتَتْ في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عامِرٍ إعادَةُ الباءِ في قَوْلِهِ: "وَبِالكِتابِ المُنِيرِ".
"والزُبُرُ": الكِتابُ المَكْتُوبُ يُقالُ: زَبَرْتُ الكِتابَ إذا كَتَبْتُهُ، وزَبَرْتُهُ إذا قَرَأْتُهُ، والشاهِدُ لِأنَّهُ الكِتابُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: لِمَن طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمانِ؟
وقالَ الزَجّاجُ: زَبَرْتُ كَتَبْتُ، وذَبَرْتُ بِالذالِ: قَرَأْتُ، و"المُنِيرِ": وزْنُهُ مُفْعِلٌ مِنَ النُورِ، أيْ سَطَعَ نُورُهُ: <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ ﴾ هَذا خَبَرٌ واعِظٌ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ولِأُمَّتِهِ عن أمْرِ الدُنْيا وأهْلِها، وعْدٌ في الآخِرَةِ، فَبِالفِكْرَةِ في المَوْتِ يَهُونُ أمْرُ الكُفّارِ وتَكْذِيبُهُمْ، والمَعْنى: كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ حَيَّةٍ، والذَوْقُ هُنا: اسْتِعارَةٌ، "وَإنَّما" حاصِرَةٌ عَلى التَوْفِيَةِ الَّتِي هي عَلى الكَمالِ، لِأنَّ مَن قُضِيَ لَهُ بِالجَنَّةِ فَهو ما لَمْ يَدْخُلْها غَيْرُ مُوَفّىً.
وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ الأُجُورِ لِشَرَفِها وإشارَةً إلى مَعْرِفَتِهِ لِمُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ المَعْنى: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ تَقَعُ فِيهِ الأُجُورُ وتَوْفِيَةُ العِقابِ.
و"زُحْزِحَ" مَعْناهُ: أُبْعِدَ، والمَكانُ الزَحْزَحُ: البَعِيدُ.
و"فازَ" مَعْناهُ: نَجا مِن خَطَرِهِ وخَوْفِهِ، و"الغُرُورِ" الخَدْعُ والتَرْجِيَةُ بِالباطِلِ، والحَياةُ الدُنْيا وكُلُّ ما فِيها مِنَ الأمْوالِ فَهي مَتاعٌ قَلِيلٌ تَخْدَعُ المَرْءَ وتُمَنِّيهِ الأباطِيلَ.
وعَلى هَذا فَسَّرَ الآيَةَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: قالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ سابِطٍ: مَتاعُ الغُرُورِ كَزادِ الراعِي، يُزَوَّدُ الكَفَّ مِنَ التَمْرِ أوِ الشَيْءَ مِنَ الدَقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَبَنَ، قالَ الطَبَرِيُّ: ذَهَبَ إلى أنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ لا يَكْفِي مَن تَمَتَّعَ بِهِ ولا يُبَلِّغُهُ سَفَرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والغُرُورُ في هَذا المَعْنى مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "عَشِّ ولا تَغْتَرَّ"، أيْ لا تَجْتَزِئْ بِما لا يَكْفِيكَ.
وقالَ عِكْرِمَةُ: "مَتاعُ الغُرُورِ": القَوارِيرُ، أيْ: لا بُدَّ لَها مِنَ الانْكِسارِ والفَسادِ، فَكَذَلِكَ أمْرُ الحَياةِ الدُنْيا كُلُّهُ.
وهَذا تَشْبِيهٌ مِن عِكْرِمَةَ.
وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ "الغَرُورِ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ والأعْمَشُ: "ذائِقَةٌ"، بِالتَنْوِينِ "المَوْتَ" بِالنَصْبِ، وقالَ النَبِيُّ ، « "لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها" ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ..» <div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ﴾ هَذا الخِطابُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ وأُمَّتِهِ، والمَعْنى: لَتُخْتَبَرُنَّ ولَتُمْتَحَنُنَّ في أمْوالِكم بِالمَصائِبِ والأرْزاءِ، وبِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي سائِرِ تَكالِيفِ الشَرْعِ، والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ بِالمَوْتِ والأمْراضِ، وفَقْدِ الأحِبَّةِ بِالمَوْتِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في سَبَبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ ﴾ فَقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: السَبَبُ في ذَلِكَ قَوْلُ فِنْحاصَ: إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ الزُهْرِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَإنَّهُ كانَ يَهْجُو النَبِيَّ وأصْحابَهُ ويُشَبِّبُ بِنِساءِ المُسْلِمِينَ، حَتّى بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ مَن قَتَلَهُ القَتَلَةَ المَشْهُورَةَ في السِيرَةِ.
والأذى اسْمٌ جامِعٌ في مَعْنى الضَرَرِ وهو هُنا يَشْمَلُ أقْوالَهم فِيما يَخُصُّ النَبِيَّ وأصْحابَهُ مِن سَبِّهِمْ وأقْوالِهِمْ في جِهَةِ اللهِ تَعالى وأنْبِيائِهِ.
ونَدَبَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ إلى الصَبْرِ والتَقْوى، وأخْبَرَ أنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ، أيْ مِن أشَدِّها وأحْسَنِها.
والعَزْمُ: إمْضاءُ الأمْرِ المُرَوّى المُنَقَّحُ، ولَيْسَ رُكُوبُ الأمْرِ دُونَ رَوِيَّةٍ عَزْمًا إلّا عَلى مَقْطَعِ المُشِيحِينَ مِن فُتّاكِ العَرَبِ كَما قالَ: إذا هَمَّ ألْقى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عَزْمَهُ ونَكَّبَ عن ذِكْرِ الحَوادِثِ جانِبا وقالَ النَقّاشُ: العَزْمُ والحَزْمُ بِمَعْنىً واحِدٍ، الحاءُ مُبْدَلَةٌ مِنَ العَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ.
والحَزْمُ: جَوْدَةُ النَظَرِ في الأُمُورِ وتَنْقِيحُهُ والحَذَرُ مِنَ الخَطَإ فِيهِ، والعَزْمُ: قَصْدُ الإمْضاءِ، واللهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ وَشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ ﴾ فالمُشاوَرَةُ وما كانَ في مَعْناها هو الحَزْمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ أحْزِمُ لَوْ أعْزِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ ...
الآيَةُ، تَوْبِيخٌ لِمُعاصِرِي النَبِيِّ ، ثُمَّ هو مَعَ ذَلِكَ خَبَرٌ عامٌّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ.
والعامِلُ في "إذْ" فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، وأخَذَ هَذا المِيثاقَ وهو عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُدِّيُّ وابْنُ جُرَيْجٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ خاصَّةً، أخَذَ اللهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ ونَبَذُوهُ.
قالَ مُسْلِمٌ البَطِينُ: سَألَ الحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ جُلَساءَهُ عن تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَقامَ رَجُلٌ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَسَألَهُ فَقالَ لَهُ: نَزَلَتْ في يَهُودَ، أخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ مُحَمَّدٍ فَكَتَمُوهُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَإذْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَبِيِّينَ لَتُبَيِّنُنَّهُ" فَيَجِيءُ قَوْلُهُ: "فَنَبَذُوهُ" عائِدًا عَلى الناسِ الَّذِينَ بَيَّنَ الأنْبِياءُ لَهم.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ في اليَهُودِ والنَصارى.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: الآيَةُ عامَّةٌ في كُلِّ مَن عَلَّمَهُ اللهُ عِلْمًا، وعُلَماءُ هَذِهِ الأُمَّةِ داخِلُونَ في هَذا المِيثاقِ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ"» وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: إنِّي لَأُحَدِّثُكم حَدِيثًا، ولَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ، ثُمَّ تَلا: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "لَيُبَيِّنَنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ"، بِالياءِ مِن أسْفَلَ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ وحَفْصٌ وعاصِمٌ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ فِيهِما، وكِلا القِراءَتَيْنِ مُتَّجِهٌ، والضَمِيرُ في الفِعْلَيْنِ عائِدٌ عَلى الكِتابِ.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لَتُبَيِّنُونَهُ" دُونَ النُونِ الثَقِيلَةِ، وقَدْ لا تَلْزَمُ هَذِهِ النُونُ لامَ القَسَمِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ.
والنَبْذُ: الطَرْحُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ اسْتِعارَةٌ لِما يُبالَغُ في اطِّراحِهِ، ومِنهُ ﴿ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا ﴾ ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: تَمِيمَ بْنَ مُرٍّ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي ∗∗∗ بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها ومِنهُ بِالمَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الراكِبِ".» أرادَ عَلَيْهِ السَلامُ: لا تَجْعَلُوا ذِكْرِي وطاعَتِي خَلْفَ أظْهُرِكُمْ، وهو مَوْضِعُ القَدَحِ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ....................................
∗∗∗ ما نِيطَ خَلْفَ الراكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ والتَشْبِيهُ بِالقَدَحِ إنَّما هو في هَيْئَتِهِ لا في مَعْناهُ، لِأنَّ الراكِبَ يَحْتاجُهُ، ومَحَلُّهُ مِن مَحَلّاتِ الراكِبِ جَلِيلٌ.
والثَمَنُ القَلِيلُ: هو مَكْسَبُ الدُنْيا.
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: والظاهِرُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وهُمُ المَعْنِيُّونَ ثُمَّ إنَّ كُلَّ كاتِمٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِن هَذِهِ المَذَمَّةِ ويَتَّصِفُ بِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ﴿ إنَّ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ «بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ ﴾ فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللهُ عنهُ وابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: الآيَةُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا إذا خَرَجَ النَبِيُّ لِلْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عنهُ، فَإذا جاءَ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وقالُوا: كانَتْ لَنا أشْغالٌ ونَحْوَ هَذا، فَيُظْهِرُ رَسُولُ اللهِ القَبُولَ ويَسْتَغْفِرُ لَهُمْ، فَفَضَحَهُمُ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانُوا يَفْرَحُونَ بِما يَأْتُونَهُ ويَفْعَلُونَهُ مِنَ التَخَلُّفِ والِاعْتِذارِ، ويُحِبُّونَ أنْ يُقالَ لَهُمْ: إنَّهم في حُكْمِ المُجاهِدِينَ، لَكِنَّ العُذْرَ حَبَسَهم.» وقالَتْ جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ في أهْلِ الكِتابِ أحْبارِ اليَهُودِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيما هو الَّذِي أتَوْهُ وكَيْفَ أحَبُّوا المَحْمَدَةَ؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ لِدَوامِ رِياسَتِهِمُ الدُنْيَوِيَّةِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم عُلَماءٌ بِكِتابِ اللهِ ومُتَقَدِّمِ رِسالاتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا والضَحّاكُ والسُدِّيُّ: أتَوْا أنَّهم تَعاقَدُوا وتَكاتَبُوا مِن كُلِّ قُطْرٍ بِالِارْتِباطِ إلى تَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ والدَفْعِ في صَدْرِ نُبُوَّتِهِ، وأحَبُّوا أنْ يُقالَ عنهُمْ: إنَّهم أهْلُ صَلاةٍ وصِيامٍ وَعِبادَةٍ، وقالُوا هم ذَلِكَ عن أنْفُسِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: فَرِحُوا بِإعْجابِ أتْباعِهِمْ بِتَبْدِيلِهِمْ تَأْوِيلَ التَوْراةِ، وأحَبُّوا حَمْدَهم إيّاهم عَلى ذَلِكَ، وهم في الحَقِيقَةِ لَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا نافِعًا ولا صَحِيحًا بَلِ الحَقُّ أبْلَجٌ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الآيَةُ في اليَهُودِ، فَرِحُوا بِما أعْطى اللهُ آلَ إبْراهِيمَ مِنَ النُبُوءَةِ والكِتابِ، فَهم يَقُولُونَ: نَحْنُ عَلى طَرِيقِهِمْ، ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِذَلِكَ وهم لَيْسُوا عَلى طَرِيقَتِهِمْ.
وقِراءَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا بِضَمِّ الهَمْزَةِ والتاءِ، وعَلى قِراءَتِهِ يَسْتَقِيمُ المَعْنى الَّذِي قالَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألَهُمُ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ الحَقَّ وقالُوا لَهُ غَيْرَ ذَلِكَ، فَفَرِحُوا بِما فَعَلُوا وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما أجابُوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ قَدْ قُنِعَ بِهِ واعْتُقِدَتْ صِحَّتُهُ.
وقالَ قَتادَةُ: إنَّ الآيَةَ في يَهُودِ خَيْبَرَ، نافَقُوا عَلى النَبِيِّ والمُؤْمِنِينَ مَرَّةً، وقالُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى رَأْيِكم ورِدْءٌ لَكُمْ، وهم يَعْتَقِدُونَ خِلافَ ذَلِكَ، فَأحَبُّوا الحَمْدَ عَلى ما أظْهَرُوا، وفَرِحُوا بِذَلِكَ.
وقالَ الزَجّاجُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، دَخَلُوا عَلى النَبِيِّ وكَلَّمُوهُ في أشْياءَ ثُمَّ خَرَجُوا، فَقالُوا لِمَن لَقُوا مِنَ المُسْلِمِينَ: إنَّ النَبِيَّ أخْبَرَهم بِأشْياءَ قَدْ عَرَفُوها فَحَمِدَهُمُ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ وطَمِعُوا بِإسْلامِهِمْ، وكانُوا قَدْ أبْطَنُوا خِلافَ ما أظْهَرُوا لِلْمُسْلِمِينَ وتَمادَوْا عَلى كُفْرِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.
وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أتَوْا" بِمَعْنى فَعَلُوا، كَما تَقُولُ أتَيْتُ أمْرَ كَذا، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "آتَوْا" بِالمَدِّ، بِمَعْنى: أعْطَوْا بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والطاءِ.
قالَ أبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وهِيَ قِراءَةٌ تَسْتَقِيمُ عَلى بَعْضِ المَعانِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "أُوتُوا" بِمَعْنى أُعْطُوا، وقَدْ تَقَدَّمَتْ مَعَ مَعْناها.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ" "فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ فِيهِما وبِكَسْرِ السِينِ وبِرَفْعِ الباءِ في "يَحْسِبُنَّهُمْ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: "الَّذِينَ" رُفِعَ بِأنَّهُ فاعِلُ "يَحْسَبُ"، ولَمْ تَقَعْ "يَحْسَبَنَّ" عَلى شَيْءٍ، وقَدْ تَجِيءُ هَذِهِ الأفْعالُ لَغْوًا لا في حُكْمِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ نَحْوَ قَوْلِ الشاعِرِ: وما خِلْتُ أبْقى بَيْنَنا مِن مَوَدَّةٍ عِراضُ المَذاكِي المُسْنِفاتُ القَلائِصا وقالَ الخَلِيلُ: العَرَبُ تَقُولُ: ما رَأيْتُهُ يَقُولُ ذاكَ إلّا زِيدَ، وما ظَنَنْتُهُ يَقُولُ ذَلِكَ إلّا زِيدَ، فَتَتَّجِهُ القِراءَةُ بِكَوْنِ قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وقَدْ عُدِّيَ إلى مَفْعُولَيْهِ وهُما: الضَمِيرُ وقَوْلُهُ: "بِمَفازَةٍ" فاسْتُغْنِيَ بِذَلِكَ عن تَعْدِيَةِ الأوَّلِ إلَيْهِما كَما اسْتُغْنِيَ في قَوْلِ الشاعِرِ: بِأيِّ كِتابٍ أو بِأيَّةِ سُنَّةٍ ∗∗∗ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ؟
فاسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ أحَدِ الفِعْلَيْنِ عن تَعْدِيَةِ الآخَرِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" زائِدَةٌ، ولِذَلِكَ حَسُنَ البَدَلُ، إذْ لا يَتَمَكَّنُ أنْ تَكُونَ فاءَ عَطْفٍ ولا فاءَ جَزاءٍ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ تَكُونَ زائِدَةً لا يَقْبُحُ وُجُودُها بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، وقَوْلُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: "فَلا يَحْسَبَنَّهُمْ" فِيهِ تَعَدِّي فِعْلِ الفاعِلِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ، نَحْوُ: ظَنَنْتُنِي أخاهُ، ورَأيْتُنِي اللَيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ، ووَجَدْتُنِي وجِعْتُ مِنَ الإصْغاءِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ وما كانَ في مَعْناها لَمّا كانَتْ تَدْخُلُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ أشْبَهَتْ إنَّ وأخَواتِها، فَكَما تَقُولُ: إنِّي ذاهِبٌ، فَكَذَلِكَ تَقُولُ: ظَنَنْتُنِي ذاهِبًا، ولَوْ قُلْتَ: أظُنُّ نَفْسِي أفْعَلُ كَذا لَمْ يَحْسُنْ كَما يَحْسُنُ: أظُنُّنِي فاعِلًا.
وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ وفَتْحِ الباءِ، وكَسَرَ نافِعٌ السِينَ وفَتَحَها ابْنُ عامِرٍ "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وفَتْحِ الباءِ، والمَفْعُولانِ اللَذانِ يَقْتَضِيهِما قَوْلُهُ: "لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ" مَحْذُوفانِ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ بَعْدَهُ، والكَلامُ في ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ، إلّا أنَّهُ لا يَجُوزُ في هَذا البَدَلُ الَّذِي ذُكِرَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ولِاخْتِلافِ الفِعْلَيْنِ واخْتِلافِ فِعْلَيْهِما.
وقَرَأ حَمْزَةُ: "لا تَحْسِبَنَّ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ، "فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ الباءِ، "فالَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِـ "تَحْسِبَنَّ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما يَجِيءُ بَعْدُ عَلَيْهِ، كَما قِيلَ آنِفًا في المَفْعُولَيْنِ.
وحَسُنَ تَكْرارُ الفِعْلِ في قَوْلِهِ: "فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ" لِطُولِ الكَلامِ، وهي عادَةُ العَرَبِ وذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِذِهْنِ المُخاطَبِ.
وقَرَأ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ "فَلا تَحْسَبُنَّهُمْ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ وفَتْحِ السِينِ وضَمِّ الباءِ.
والمَفازَةُ: مَفْعَلَةٌ مِن فازَ يَفُوزُ إذا نَجا فَهي بِمَعْنى مَنجاةٍ، وسُمِّيَ مَوْضِعُ المُخافِ مَفازَةً عَلى جِهَةِ التَفاؤُلِ، قالَهُ الأصْمَعِيُّ وقِيلَ: لِأنَّها مَوْضِعُ تَفْوِيزٍ ومَظِنَّةُ هَلاكٍ، تَقُولُ العَرَبُ: فَوَّزَ الرَجُلُ إذا ماتَ، قالَ ثَعْلَبٌ: حَكَيْتُ لِابْنِ الأعْرابِيِّ قَوْلَ الأصْمَعِيِّ فَقالَ: أخْطَأ، قالَ لِي أبُو المَكارِمِ: إنَّما سُمِّيَتْ مَفازَةً لِأنَّ مَن قَطَعَها فازَ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: سُمِّيَ اللَدِيغُ سَلِيمًا تَفاؤُلًا، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: بَلْ لِأنَّهُ مُسْتَسْلِمٌ لِما أصابَهُ.
وبَعْدَ أنْ نَهى أنْ يُحْسَبُوا ناجِينَ أخْبَرَ أنَّ لَهم عَذابًا، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ القَوْلَ بِذِكْرِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومُلْكِهِ فَقالَ: ﴿ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ ...
الآيَةَ، قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الآيَةُ رَدٌّ عَلى الَّذِينَ قالُوا: ﴿ إنَّ اللهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، قالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ وغَيْرُهُ: ظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِالقُدْرَةِ عَلى المُحالاتِ، و"شَيْءٍ" هو المَوْجُودُ في مُقْتَضى كَلامِ العَرَبِ.
ثُمَّ دَلَّ تَعالى عَلى مَواضِعِ النَظَرِ والعِبْرَةِ، حَيْثُ يَقَعُ الِاسْتِدْلالُ عَلى الصانِعِ بِوُجُودِ السَماواتِ والأرْضِينَ، والمَخْلُوقاتُ دالٌّ عَلى العِلْمِ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ مُوجِدُ عالَمٍ مُرِيدٍ غَيْرَ حَيٍّ، فَثَبَتَ بِالنَظَرِ في هَذِهِ الآيَةِ عِظَمُ الصِفاتِ.
﴿ واخْتِلافِ اللَيْلِ والنَهارِ ﴾ : هو تَعاقُبُهُما، إذْ جَعَلَهُما اللهُ خِلْفَةً، ويَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظَةِ الِاخْتِلافِ: كَوْنُهُما يَقْصُرُ هَذا ويَطُولُ الآخَرُ وبِالعَكْسِ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ اخْتِلافُهُما بِالنُورِ والظَلامِ.
الآياتُ: العَلاماتُ.
و"الألْبابِ" في هَذِهِ الآيَةِ: هي ألْبابُ التَكْلِيفِ لا ألْبابُ التَجْرِبَةِ، لِأنَّ كُلَّ مَن لَهُ عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ يُدْرِكُها فَإنَّهُ يَعْلَمُ ضَرُورَةً ما قُلْناهُ مِن صِفاتِ اللهِ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ وما لِلظّالِمِينَ مَن أنْصارٍ ﴾ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ صِفَةِ "لِأُولِي الألْبابِ"، وهَذا وصْفٌ ظاهِرُهُ اسْتِعْمالُ التَحْمِيدِ والتَهْلِيلِ والتَكْبِيرِ ونَحْوِهِ مِن ذِكْرِ اللهِ، وأنْ يَحْصُرَ القَلْبُ اللِسانَ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ وُجُوهِ العِباداتِ، والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وابْنُ آدَمَ مُنْتَقِلٌ في هَذِهِ الثَلاثِ الهَيْئاتِ لا يَخْلُو في غالِبِ أمْرِهِ مِنها فَكَأنَّها تَحْصُرُ زَمَنَهُ، وكَذَلِكَ جَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها إلى حَصْرِ الزَمَنِ في قَوْلِها: «كانَ رَسُولُ اللهِ يَذْكُرُ اللهَ عَلى كُلِّ أحْيانِهِ،» فَدَخَلَ في ذَلِكَ كَوْنُهُ عَلى الخَلاءِ وغَيْرُ ذَلِكَ.
وَذَهَبَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ ﴾ إنَّما هو عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ، أيْ: لا يُضَيِّعُونَها، فَفي حالِ العُذْرِ يُصَلُّونَها قُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، قالَ بَعْضُهُمْ: وهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمُ الصَلاةَ فاذْكُرُوا اللهَ ﴾ ...
الآيَةِ، هَذا عَلى تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَ هُنالِكَ: "قَضَيْتُمْ" بِمَعْنى: أدَّيْتُمْ، لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يَقُولُ: "قَضَيْتُمْ" هُنالِكَ بِمَعْنى: فَرَغْتُمْ مِنها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَلاةِ فَفِقْهُها أنَّ الإنْسانَ يُصَلِّي قائِمًا، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، ظاهِرُ المُدَوَّنَةِ مُتَرَبِّعًا، ورُوِيَ عن مالِكٍ وبَعْضِ أصْحابِهِ أنَّهُ يُصَلِّي كَما يَجْلِسُ بَيْنَ السَجْدَتَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعِ القُعُودَ صَلّى عَلى جَنْبِهِ أو ظَهْرِهِ عَلى التَخْيِيرِ، هَذا مَذْهَبُ المُدَوَّنَةِ.
وحَكى ابْنُ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ القاسِمِ: يُصَلِّي عَلى ظَهْرِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، ثُمَّ عَلى الأيْسَرِ.
وفي كِتابِ ابْنِ المَوّازِ: يُصَلِّي عَلى جَنْبِهِ الأيْمَنِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ، وإلّا فَعَلى الظَهْرِ.
وقالَ سَحْنُونٌ: يُصَلِّي عَلى الأيْمَنِ كَما يُجْعَلُ في لَحْدِهِ، وإلّا فَعَلى ظَهْرِهِ، وإلّا فَعَلى الأيْسَرِ.
وحَسُنَ عَطْفُ قَوْلِهِ: "وَعَلى جُنُوبِهِمْ" عَلى قَوْلِهِ: "قِيامًا وقُعُودًا" لِأنَّهُ في مَعْنى مُضْطَجِعِينَ.
ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذِهِ العِبادَةِ الَّتِي هي ذِكْرُ اللهِ بِاللِسانِ أوِ الصَلاةِ فَرْضِها ومَندُوبِها بِعِبادَةٍ أُخْرى عَظِيمَةٍ، وهي الفِكْرَةُ في قُدْرَةِ اللهِ تَعالى ومَخْلُوقاتِهِ، والعِبَرِ الَّتِي بَثَّ: وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ «وَمَرَّ النَبِيُّ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ في اللهِ فَقالَ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تُفَكِّرُوا في الخالِقِ، فَإنَّكم لا تُقَدِّرُونَ قَدْرَهُ"» وهَذا هو قَصْدُ الآيَةِ ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ .
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُتَفَكِّرُ في ذاتِ اللهِ تَعالى كالناظِرِ في عَيْنِ الشَمْسِ، لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وإنَّما التَفْكِيرُ وانْبِساطُ الذِهْنِ في المَخْلُوقاتِ، وفي مَخاوِفِ الآخِرَةِ.
قالَ رَسُولُ اللهِ : « "لا عِبادَةَ كَتَفَكُّرٍ"» وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، الفِكْرَةُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، يَنْظُرُ فِيها إلى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَرْداءِ: "فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ".
وقالَ سَرِيٌّ السَقَطِيُّ.
"فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سَنَةٍ"، ما هو إلّا أنْ تَحُلَّ أطْنابَ خَيْمَتِكَ فَتَجْعَلَها في الآخِرَةِ.
وأخَذَ أبُو سُلَيْمانَ الدارانِيُّ قَدَحَ الماءِ لِيَتَوَضَّأ لِصَلاةِ اللَيْلِ وعِنْدَهُ ضَيْفٌ، فَرَآهُ لَمّا أدْخَلَ إصْبَعَهُ في أُذُنِ القَدَحِ أقامَ كَذَلِكَ مُفَكِّرًا حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَقالَ لَهُ: ما هَذا يا أبا سُلَيْمانَ؟
فَقالَ: إنِّي لَمّا طَرَحْتُ أُصْبُعِي في أُذُنِ القَدَحِ تَذَكَّرْتُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وتَعالى: ﴿ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَلاسِلُ ﴾ فَفَكَّرْتُ في حالِي، وكَيْفَ أتَلَقّى الغُلَّ إنْ طُرِحَ في عُنُقِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَما زِلْتُ في ذَلِكَ حَتّى أصْبَحْتُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ نِهايَةُ الخَوْفِ، وخَيْرُ الأُمُورِ أوسَطُها.
ولَيْسَ عُلَماءُ الأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الحُجَّةُ عَلى هَذا المِنهاجِ، وقِراءَةُ عِلْمِ كِتابِ اللهِ ومَعانِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ لِمَن يَفْهَمُ ويُرْجى نَفْعُهُ أفْضَلُ مِن هَذا، لَكِنَّهُ يَحْسُنُ ألّا تَخْلُوَ البِلادُ مِن مِثْلِ هَذا.
وَحَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ عن بَعْضِ عُلَماءِ المَشْرِقِ قالَ: كُنْتُ بائِتًا في مَسْجِدِ الأقْدامِ بِمِصْرَ، فَصَلَّيْتُ العَتَمَةَ فَرَأيْتُ رَجُلًا قَدِ اضْطَجَعَ في كِساءٍ لَهُ مُسَجّىً بِكِسائِهِ حَتّى أصْبَحَ، وصَلَّيْنا نَحْنُ تِلْكَ اللَيْلَةَ وسَهِرْنا، فَلَمّا أُقِيمَتْ صَلاةُ الصُبْحِ قامَ ذَلِكَ الرَجُلُ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَصَلّى مَعَ الناسِ، فاسْتَعْظَمْتُ جُرْأتَهُ في الصَلاةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمّا فَرَغَتِ الصَلاةُ خَرَجَ فَتَبِعْتُهُ لِأعِظَهُ، فَلَمّا دَنَوْتُ مِنهُ سَمِعْتُهُ يُنْشِدُ: مُنْسَحِقُ الجِسْمِ غائِبٌ حاضِرْ ∗∗∗ مُنْتَبِهُ القَلْبِ صامِتٌ ذاكِرْ مُنْقَبِضٌ في الغُيُوبِ مُنْبَسِطٌ ∗∗∗ كَذاكَ مَن كانَ عارِفًا ذاكِرْ يَبِيتُ في لَيْلِهِ أخا فِكْرٍ ∗∗∗ فَهْوَ مَدى اللَيْلِ قائِمٌ ساهِرْ قالَ فَعَلِمْتُ أنَّهُ مِمَّنْ يَعْبُدُ بِالفِكْرَةِ وانْصَرَفْتُ عنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "رَبَّنا" مَعْناهُ: يَقُولُونَ: رَبَّنا عَلى النِداءِ، ﴿ ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا ﴾ ، يُرِيدُ لِغَيْرِ غايَةٍ مَنصُوبَةٍ بَلْ خَلَقْتَهُ وخَلَقْتَ البَشَرَ لِيُنْظَرَ فِيهِ فَتُوَحَّدَ وتُعْبَدَ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ نَعَّمْتَهُ ومَن ضَلَّ عن ذَلِكَ عَذَّبْتَهُ لِكُفْرِهِ وقَوْلِهِ عَلَيْكَ ما لا يَلِيقُ بِكَ.
ولِهَذا المَعْنى الَّذِي تُعْطِيهِ قُوَّةُ اللَفْظِ حَسُنَ قَوْلُهُمْ: "سُبْحانَكَ"، أيْ تَنْزِيهًا لَكَ عَمّا يَقُولُ المُبْطِلُونَ.
وحَسُنَ قَوْلُهُمْ: "فَقِنا عَذابَ النارِ" إذْ نَحْنُ المُسَبِّحُونَ المُنَزِّهُونَ لَكَ المُوَحِّدُونَ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ ﴾ ، اسْتِجارَةٌ واسْتِعاذَةٌ، أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ، ولا تَجْعَلْنا مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَها.
والخِزْيُ: الفَضِيحَةُ المُخْجِلَةُ الهادِمَةُ لِقَدْرِ المَرْءِ، خَزِيَ الرَجُلُ يَخْزى خِزْيًا إذا افْتُضِحَ، وخَزايَةً إذا اسْتَحْيى، الفِعْلُ واحِدٌ والمَصْدَرُ مُخْتَلِفٌ.
وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى مَن يَخْلُدُ في النارِ، ومَن يَخْرُجُ مِنها بِالشَفاعَةِ والإيمانِ فَلَيْسَ بِمَخْزِيٍّ.
وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وغَيْرُهُ: كُلُّ مَن دَخَلَ النارَ فَهو مَخْزِيٌّ وإنْ خَرَجَ مِنها، وإنَّ في دُونِ ذَلِكَ لَخِزْيًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أما إنَّهُ خِزْيٌ دُونَ خِزْيٍ، ولَيْسَ خِزْيَ مَن يَخْرُجُ مِنها بِفَضِيحَةٍ هادِمَةٍ لِقَدْرِهِ، وإنَّما الخِزْيُ التامُّ لِلْكُفّارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ هو مِن قَوْلِ الداعِينَ، وبِذَلِكَ يَتَّسِقُ وصْفُ الآيَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ ﴾ ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ هَذِهِ الآياتُ حِكايَةٌ عن أُولِي الألْبابِ أنَّهم يَقُولُونَ: رَبَّنا رَبَّنا.
قالَ أبُو الدَرْداءِ: يَرْحَمِ اللهُ المُؤْمِنِينَ ما زالُوا يَقُولُونَ: رَبَّنا رَبَّنا حَتّى اسْتُجِيبَ لَهم.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُنادِي؛ فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُما: المُنادِي مُحَمَّدٌ ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: المُنادِي كِتابُ اللهِ ولَيْسَ كُلُّهم رَأى النَبِيَّ وسَمِعَهُ، ولَمّا كانَتْ "يُنادِي" بِمَنزِلَةِ يَدْعُو، حَسُنَ وُصُولُها بِاللامِ بِمَعْنى إلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ: "أنْ آمِنُوا"؛ "أنْ"، مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وغُفْرانُ الذُنُوبِ وتَكْفِيرُ السَيِّئاتِ أمْرٌ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، لَكِنَّهُ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِأنَّها مَناحٍ مِنَ السَتْرِ، وإزالَةِ حُكْمِ الذَنْبِ بَعْدَ حُصُولِهِ، و"الأبْرارُ" جَمْعُ بَرٍّ، أصْلُهُ: بَرَرَ عَلى وزْنِ فَعَلَ، أُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ، وقِيلَ: هو جَمْعُ بارٍّ كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، والمَعْنى: تَوَفَّنا مَعَهم في كُلِّ أحْكامِهِمْ وأفْعالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ ﴾ مَعْناهُ: عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "رُسْلِكَ" بِسُكُونِ السِينِ.
وطَلَبُوا مِنَ اللهِ تَعالى إنْجازَ الوَعْدِ، وهو تَعالى مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ خَلْفُهُ مِن حَيْثُ في طَلَبِهِ الرَغْبَةُ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْتَحِقُّهُ، فالطَلِبَةُ والتَخَوُّفُ إنَّما هو في جِهَتِهِمْ لا في جِهَةِ اللهِ تَعالى، لِأنَّ هَذا الدُعاءَ إنَّما هو في الدُنْيا، فَمَعْنى قَوْلِ المَرْءِ: اللهُمَّ أنْجِزْ لِي وعْدَكَ، إنَّما مَعْناهُ: اجْعَلْنِي مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ إنْجازَ الوَعْدِ، وقِيلَ: مَعْنى دُعائِهِمُ الاسْتِعْجالُ مَعَ ثِقَتِهِمْ بِأنَّ الوَعْدَ مُنْجَزٌ.
وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ ما وعَدْتَنا عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِكَ مِنَ النَصْرِ عَلى الأعْداءِ فَكَأنَّ الدَعْوَةَ إنَّما هي في حُكْمِ الدُنْيا.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ ، فَهَذا وعْدُهُ تَعالى وهو دالٌّ عَلى أنَّ الخِزْيَ إنَّما هو مَعَ الخُلُودِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أو أُنْثى بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فالَّذِينَ هاجَرُوا وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأُوذُوا في سَبِيلِي وقاتَلُوا وقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عنهم سَيِّئاتِهِمْ ولأُدْخِلَنَّهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللهِ واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَوابِ ﴾ "اسْتَجابَ" اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أجابَ، فَلَيْسَ اسْتَفْعَلَ عَلى بابِهِ مِن طَلَبِ الشَيْءِ بَلْ هو كَما قالَ الشاعِرُ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ لَمْ يُجِبْهُ.
وقَوْلُهُ: "أنِّي" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنَّ" مُفَسِّرَةً، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى "أيْ"، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "إنِّي" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.
وهَذِهِ آيَةُ وعْدٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أيْ: هَذا فِعْلُهُ مَعَ الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِما ذَكَرَ.
ورُوِيَ «أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، قَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعالى الرِجالَ في الهِجْرَةِ ولَمْ يَذْكُرِ النِساءَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» ونَزَلَتْ آياتٌ في مَعْناها فِيها ذِكْرُ النِساءِ.
وقَوْلُهُ: "مِن ذَكَرٍ" تَبْيِينٌ لِجِنْسِ العامِلِ، وقالَ قَوْمٌ: "مِن" زائِدَةٌ لِتَقَدُّمِ النَفْيِ مِنَ الكَلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي في الأجْرِ وتَقَبُّلِ العَمَلِ، أيْ إنَّ الرِجالَ والنِساءَ في ذَلِكَ عَلى حَدٍّ واحِدٍ.
وبَيَّنَ تَعالى حالَ المُهاجِرِينَ، ثُمَّ الآيَةُ بَعْدُ تَنْسَحِبُ عَلى كُلِّ مَن أُوذِيَ في اللهِ تَعالى، وهاجَرَ أيْضًا إلى اللهِ تَعالى، وإنْ كانَ اسْمُ الهِجْرَةِ وفَضْلُها الخاصُّ بِها قَدِ انْقَطَعَ بَعْدَ الفَتْحِ فالمَعْنى باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يَهْجُرُ وطَنَهُ وقَرابَتَهُ في اللهِ كَأنَّ الوَطَنَ والقَرابَةَ يَهْجُرُونَهُ أيْضًا فَهي مُهاجَرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ عِبارَةُ إلْزامِ ذَنْبٍ لِلْكُفّارِ، وذَلِكَ أنَّ المُهاجِرِينَ إنَّما أخْرَجَهم سُوءُ العِشْرَةِ وقَبِيحُ الأفْعالِ فَخَرَجُوا بِاخْتِيارِهِمْ، فَإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ إلْزامِ الذَنْبِ لِلْكُفّارِ قِيلَ: ( أخْرَجُوا مِن دِيارِهِمْ ) ﴿ وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللهِ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
وإذا جاءَ الكَلامُ في مِضْمارِ الفَخْرِ والقُوَّةِ عَلى الأعْداءِ تَمَسَّكَ بِالوَجْهِ الآخَرِ مِن أنَّهم خَرَجُوا بِرَأْيِهِمْ، فَمِن ذَلِكَ «إنْكارُ النَبِيِّ عَلى أبِي سُفْيانَ بْنِ الحارِثِ حِينَ أنْشَدَهُ: ..............
∗∗∗ ورَدَّنِي إلى اللهِ مَن طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "أنْتَ طَرَّدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ"؟» إنْكارًا عَلَيْهِ.
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: في عُصْبَةٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ قائِلُهم ∗∗∗ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمّا أسْلَمُوا زُولُوا زالُوا فَما زالَ أنْكاسٌ ولا كُشُفٌ ∗∗∗ عِنْدَ اللِقاءِ ولا مِيلٌ مَعازِيلُ وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو: "وَقاتَلُوا وقُتِلُوا" بِتَخْفِيفِ التاءِ وضَمِّ القافِ، ومَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "وَقاتَلُوا وقُتِّلُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ وهي في المَعْنى كالأُولى في المُبالَغَةِ في القَتْلِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَقُتِلُوا وقاتَلُوا" يَبْدَآنِ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ بِهِ، وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ التَوْبَةِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وابْنَ عامِرٍ يُشَدِّدانِ في التَوْبَةِ.
ومَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ هَذِهِ: ألّا تُعْطِيَ الواوَ رُتْبَةً لِأنَّ المَعْطُوفَ بِالواوِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلًا في المَعْنى، ولَيْسَ كَذَلِكَ العَطْفُ بِالفاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وقُتِلُوا وقاتَلَ باقِيهِمْ، فَتُشْبِهُ الآيَةُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ ﴾ عَلى تَأْوِيلِ مَن رَأى أنَّ القَتْلَ وقَعَ بِالرِبِّيِّينَ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: و"قَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ والتاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، و"قُتِلُوا" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ التاءِ خَفِيفَةً، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةُ المَعْنى مُسْتَوْفِيَةٌ لِلْفَضْلَيْنِ عَلى التَرْتِيبِ المُتَعارَفِ.
وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: "وَقَتَلُوا" بِفَتْحِ القافِ "وَقاتَلُوا"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "قُتِّلُوا" بِضَمِّ القافِ وشَدِّ التاءِ "وَقاتَلُوا"، وهَذِهِ يَدْخُلُها إمّا رَفْضُ رُتْبَةِ الواوِ، وإمّا أنَّهُ قاتَلَ مَن بَقِيَ.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لَأُكَفِّرَنَّ" لامُ القَسَمِ.
و"ثَوابًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: "صُنْعَ اللهِ" و ﴿ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ .
وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ ﴾ ﴿ مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المِهادُ ﴾ ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلا مِن عِنْدِ اللهِ وما عِنْدِ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ نَزَلَتْ "يَغُرَّنَّكَ" في هَذِهِ الآيَةِ، مَنزِلَةَ: لا تَظُنَّ أنَّ حالَ الكُفّارِ حَسَنَةٌ فَتَهْتَمَّ لِذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ المُغْتَرَّ فارِحٌ بِالشَيْءِ الَّذِي يَغْتَرُّ بِهِ، فالكُفّارُ مُغْتَرُّونَ بِتَقَلُّبِهِمْ، والمُؤْمِنُونَ مُهْتَمُّونَ بِهِ، لَكِنَّهُ رُبَّما يَقَعُ في نَفْسِ مُؤْمِنٍ أنَّ هَذا الإمْلاءَ لِلْكُفّارِ إنَّما هو لِخَيْرٍ لَهُمْ، فَيَجِيءُ هَذا جُنُوحًا إلى حالِهِمْ ونَوْعًا مِنَ الاغْتِرارِ فَلِذَلِكَ حَسُنَتْ "لا يَغُرَّنَّكَ".
ونَظِيرُهُ قَوْلُ عُمَرَ لِحَفْصَةَ: "لا يَغُرَّنَّكِ أنْ كانَتْ جارَتُكِ أوضَأ مِنكِ وأحَبَّ إلى رَسُولِ اللهِ .
المَعْنى، لا تَغْتَرِّي بِما يَتِمُّ لِتِلْكَ مِنَ الإدْلالِ فَتَقَعِي فِيهِ فَيُطَلِّقُكِ النَبِيُّ .
والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ، والمُرادُ أُمَّتُهُ، ولِلْكُفّارِ في ذَلِكَ حَظٌّ، أيْ: لا يَغُرَّنَّهم تَقَلُّبُهم.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبُ: "لا يَغُرَّنْكَ" بِسُكُونِ النُونِ خَفِيفَةً، وكَذَلِكَ "لا يَصُدَّنْكَ" و"لا يَصُدَّنْكُمْ" و"لا يَضُرَّنْكُمْ".
وشَبَهَهُ.
والتَقَلُّبُ: التَصَرُّفُ في التِجاراتِ والأرْباحِ والحُرُوبِ وسائِرِ الآمالِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قِلَّةِ ذَلِكَ المَتاعِ، لِأنَّهُ مُنْقَضٍ صائِرٌ إلى ذُلٍّ وقِلٍّ وعَذابٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ: "لَكِنَّ الَّذِينَ" بِشَدِّ النُونِ، وعَلى أنَّ "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ اسْمٌ لِـ "لَكِنَّ".
و"نُزُلًا": مَعْناهُ تَكْرِمَةً ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "نُزْلًا" ساكِنَةَ الزايِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هَؤُلاءِ فِيهِ مِنَ التَقَلُّبِ والتَنَعُّمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ في الدُنْيا.
وإلى هَذا ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ ولا كافِرٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، أمّا الكافِرُ فَلِئَلّا يَزْدادَ إثْمًا، وأمّا المُؤْمِنُ فَلِأنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "الدُنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ".» فَقالَ القاضِي ابْنُ الطَيِّبِ: هَذا إنَّما هو بِالإضافَةِ إلى ما يَصِيرُ إلَيْهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في الآخِرَةِ، فالدُنْيا عَلى المُؤْمِنِ المُنَعَّمِ سِجْنٌ بِالإضافَةِ إلى الجَنَّةِ، والدُنْيا لِلْكافِرِ الفَقِيرِ المُضَيَّقِ عَلَيْهِ في حالِهِ وصِحَّتِهِ جَنَّةٌ بِالإضافَةِ إلى جَهَنَّمَ.
وقِيلَ: المَعْنى أنَّها سِجْنُ المُؤْمِنِ لِأنَّها مَوْضِعُ تَبِعَةٍ في الطاعاتِ وصَوْمِهِ وقِيامِهِ، فَهو فِيها كالمُعْنَتِ المُنَكَّلِ، ويَنْتَظِرُ الثَوابَ في الأُخْرى الَّتِي هي جَنَّتُهُ؛ والدُنْيا جَنَّةُ الكافِرِ لِأنَّها مَوْضِعُ ثَوابِهِ عَلى ما عَسى أنْ يَعْمَلَ مِن خَيْرٍ، ولَيْسَ يَنْتَظِرُ في الآخِرَةِ ثَوابًا، فَهَذِهِ جَنَّتُهُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي كالتَفْسِيرِ والشَرْحِ لِلْأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكم وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إنَّ اللهِ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عَنى بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ وابْنُ جُرَيْجٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُمْ: «نَزَلَتْ بِسَبَبِ أصْحَمَةَ النَجاشِيِّ سُلْطانِ الحَبَشَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللهِ وبِمُحَمَّدٍ ، فَلَمّا ماتَ عَرَفَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ لِأصْحابِهِ: "اخْرُجُوا فَصَلُّوا عَلى أخٍ لَكُمْ" فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ بِالناسِ، فَكَبَّرَ أرْبَعًا.
وفي بَعْضِ الحَدِيثِ: أنَّهُ كُشِفَ لِرَسُولِ اللهِ عن نَعْشِهِ في الساعَةِ الَّتِي قَرُبَ مِنها لِلدَّفْنِ، فَكانَ يَراهُ مِن مَوْضِعِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا صَلّى عَلَيْهِ النَبِيُّ قالَ المُنافِقُونَ: انْظُرُوا إلى هَذا يُصَلِّي عَلى عِلْجٍ نَصْرانِيٍّ لَمْ يَرَهُ قَطُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» وكانَ أصْحَمَةُ النَجاشِيُّ نَصْرانِيًّا، وأصْحَمَةُ تَفْسِيرُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: عَطِيَّةٌ، قالَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وغَيْرُهُ.
ورُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: فَإنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِلْقِبْلَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللهِ ﴾ .
وقالَ قَوْمٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في جَمِيعِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وَ"خاشِعِينَ" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في "يُؤْمِنُ"، ورَدَّ "خاشِعِينَ" عَلى المَعْنى في "مَن" لِأنَّهُ جَمْعٌ، لا عَلى لَفْظِ "مَن" لِأنَّهُ إفْرادٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ مَدْحٌ لَهم وذَمٌّ لِسائِرِ كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ لِتَبْدِيلِهِمْ وإيثارِهِمْ كَسْبَ الدُنْيا الَّذِي هو ثَمَنٌ قَلِيلٌ عَلى آخِرَتِهِمْ وعَلى آياتِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ قِيلَ مَعْناهُ: سَرِيعُ إتْيانٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ الحِسابِ، فالحِسابُ إذًا سَرِيعٌ، إذْ كُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
وقالَ قَوْمٌ: سَرِيعُ الحِسابِ أيْ: إحْصاءُ أعْمالِ العِبادِ وأُجُورِهِمْ وآثامِهِمْ، إذْ ذَلِكَ كُلُّهُ في عَمَلِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى عَدٍّ ورَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، كَما يَحْتاجُ البَشَرُ.
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ تَعالى السُورَةَ بِهَذِهِ الوَصاةِ الَّتِي جَمَعَتِ الظُهُورَ في الدُنْيا عَلى الأعْداءِ، والفَوْزَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، فَحَضَّ عَلى الصَبْرِ عَلى الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، وأمَرَ بِالمُصابَرَةِ فَقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ الأعْداءِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
وقِيلَ: مَعْناهُ: مُصابَرَةُ وعْدِ اللهِ في النَصْرِ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، أيْ: لا تَسْأمُوا وانْتَظِرُوا الفَرَجَ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "انْتِظارُ الفَرَجِ بِالصَبْرِ عِبادَةٌ".» وكَذَلِكَ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ "وَرابِطُوا"؛ فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَعْناهُ: رابِطُوا أعْداءَكُمُ الخَيْلَ، أيِ: ارْتَبِطُوها كَما يَرْتَبِطُها أعْداؤُكُمْ، ومِنهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمِن رِباطِ الخَيْلِ ﴾ ...الآيَةُ.
وكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى أبِي عُبَيْدَةَ، وقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ يَذْكُرُ جُمُوعَ الرُومِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ مَهْما نَزَلَ بِعَبْدٍ مُؤْمِنٍ شِدَّةٌ، جَعَلَ اللهُ بَعْدَها فَرَجًا، ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ في كِتابِهِ، ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا ﴾ ...
الآيَةَ.
وقالَ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ: هَذِهِ الآيَةُ هي في انْتِظارِ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ، ولَمْ يَكُنْ في زَمَنِ رَسُولِ اللهِ غَزْوٌ يُرابِطُ فِيهِ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وأبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "ألا أدُلُّكم عَلى ما يَحُطُّ اللهُ بِهِ الخَطايا ويَرْفَعُ بِهِ الدَرَجاتِ؟
إسْباغُ الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطى إلى المَساجِدِ، وانْتِظارُ الصَلاةِ بَعْدَ الصَلاةِ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ فَذَلِكُمُ الرِباطُ".» قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الصَحِيحُ هو أنَّ الرِباطَ هو المُلازَمَةُ في سَبِيلِ اللهِ، أصْلُها مِن رَبْطِ الخَيْلِ، ثُمَّ سُمِّيَ كُلُّ مُلازِمٍ لِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ الإسْلامِ مُرابِطًا، فارِسًا كانَ أو راجِلًا، واللَفْظَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرَبْطِ، وقَوْلُ النَبِيِّ : « "فَذَلِكُمُ الرِباطُ"» إنَّما هو تَشْبِيهٌ بِالرِباطِ في سَبِيلِ اللهِ، إذِ انْتِظارُ الصَلاةِ إنَّما هو سَبِيلٌ مِنَ السُبُلِ المُنْجِيَةِ، والرِباطُ اللُغَوِيُّ هو الأوَّلُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ الشَدِيدُ بِالصُرَعَةِ"» وكَقَوْلِهِ: « "لَيْسَ المِسْكِينُ بِهَذا الطَوّافِ"» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمُرابِطُ في سَبِيلِ اللهِ عِنْدَ الفُقَهاءِ هو الَّذِي يَشْخَصُ إلى ثَغْرٍ مِنَ الثُغُورِ لِيُرابِطَ فِيهِ مُدَّةً ما، قالَهُ ابْنُ المَوّازِ ورَواهُ.
فَأمّا سُكّانُ الثُغُورِ دائِمًا بِأهْلِيهِمُ الَّذِينَ يَعْتَمِرُونَ ويَكْتَسِبُونَ هُنالِكَ، فَهم وإنْ كانُوا حُماةً فَلَيْسُوا بِمُرابِطِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ كَثِيرًا.