الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة النجم
تفسيرُ سورةِ النجم كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 65 دقيقة قراءةبِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ النَجْمِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وهي أوَّلُ سُورَةٍ أعْلَنَ بِها رَسُولُ اللهِ ، وجَهَرَ بِقِراءَتِها في الحَرَمِ والمُشْرِكُونَ يَسْتَمِعُونَ، وفِيها سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ غَيْرُ أبِي لَهَبٍ فَإنَّهُ رَفَعَ حِفْنَةً مِن تُرابٍ إلى جَبْهَتِهِ وقالَ: يَكْفِينِي هَذا، وسَبَبُ هَذِهِ السُورَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا إنَّ مُحَمَّدًا يَتَقَوَّلُ القُرْآنَ ويَخْتَلِقُ أقْوالَهُ، فَنَزَلَتِ السُورَةُ في ذَلِكَ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والنَجْمِ إذا هَوى ﴾ ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ ﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى ﴾ ﴿ ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى ﴾ ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ ﴿ ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى ﴾ ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أو أدْنى ﴾ ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ﴿ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ﴾ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهَذا المَخْلُوقِ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْبِيهًا مِنهُ لِيَكُونَ مُعْتَبِرًا فِيهِ، حَتّى تُؤَوَّلَ العِبْرَةُ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: ورَبُّ النَجْمِ، وفي هَذا قَلِقَ مَعَ لَفْظِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في تَعْيِينِ النَجْمِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والفَرّاءُ، وبَيَّنَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هو الجُمْلَةُ مِنَ القُرْآنِ إذا تَنَزَّلَتْ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ نُجُومًا، أيْ: أقْدارًا مُقَدَّرَةً في أوقاتٍ ما، ويَجِيءُ "هَوى" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْنى نَزَلَ، وفي هَذا الهَوى بَعْدُ وتَحامَلَ عَلى اللُغَةِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُجُومِ ﴾ ، والخِلافُ في هَذا كالخِلافِ في تِلْكَ، وقالَ الحَسَنُ، ومَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى، وغَيْرُهُما: النَجْمُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أرادُوا النُجُومَ إذا هَوَتْ، واخْتَلَفَ قائِلُوا هَذِهِ المَقالَةِ في مَعْنى "هَوى"، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هَوى لِلْغُرُوبِ، وهَذا هو السابِقُ إلى الفَهْمِ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو حَمْزَةَ اليَمانِيُّ: هَوى عِنْدَ الِانْكِدارِ في القِيامَةِ، فَهي بِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: هَوى في الِانْقِضاضِ في أثَرِ العِفْرِيَة، وهي رُجُوم الشَياطِين، وهَذا القَوْل تُساعِدُهُ اللُغَةُ، والتَأْوِيلاتُ في "هَوى" مُحْتَمَلَةٌ كُلُّها قَوِيَّةٌ، ومِنَ الشاهِدِ في النَجْمِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ قَوْلُ الراعِي: فَباتَتْ تَعُدُّ النَجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها يَصِفُ إهالَةً صافِيَةً، والمُسْتَحِيرَةُ: القِدْرُ الَّتِي يُطْبَخُ فِيها، قالَهُ الزَجّاجُ، وقالَ الرُمّانِيُّ: هي شَحْمَةٌ صافِيَةٌ حِينَ ذابَتْ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وسُفْيانُ: النَجْمُ في قَسَمِ الآيَةِ: الثُرَيّا، وسُقُوطُها مَعَ الفَجْرِ هو هَوِيُّها، والعَرَبُ لا تَقُولُ النَجْمَ مُطْلَقًا إلّا لِلثُّرَيّا ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "طَلَعَ النَجْمُ عِشاءً، ∗∗∗ فابْتَغى الراعِي كِساءَ، ∗∗∗ طَلَعَ النَجْمُ غُدَيَّهْ، ∗∗∗ فابْتَغى الراعِي شُكَيَّهْ"، و"هَوى" -عَلى هَذا القَوْلِ- يُحْتَمَلُ الغُرُوبُ ويُحْتَمَلُ الِانْكِدارُ، و"هَوى" في اللُغَةِ مَعْناهُ: خَرْقُ الهَوى ومَقْصِدُهُ السُفْلُ، أو مَصِيرُهُ وإنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: هَوى ابْنِي مِن شَفا جَبَلٍ ∗∗∗ فَزَلَّتْ رِجْلُهُ ويَدُهُ وقَوْل الشاعِرِ: وإنَّ كَلامَ المَرْءِ في غَيْرِ كُنْهِهِ ∗∗∗ لَكالنُبْلِ تَهْوِي لَيْسَ فِيها نِصالُها وقَوْلُ زُهَيْرٍ: ...............
∗∗∗ هَوِيَّ الدَلْوِ أسْلَمَها الرِشاءُ وَمِنهُ قَوْلُهم لِلْجَرادِ: الهاوِي، ومِنهُ هَوى العِقابُ.
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى ﴾ ، و"الضَلالُ" أبَدًا يَكُونُ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنَ الإنْسانِ إلَيْهِ، و"الغَيُّ" شَيْءٌ كَأنَّكَ تَتَكَسَّبُهُ وتُرِيدُهُ، فَنَفى اللهُ تَعالى عن نَبِيِّهِ أنْ يَكُونَ ضَلَّ في هَذِهِ السَبِيلِ الَّتِي أسْلَكَهُ اللهُ تَعالى إيّاها، وأثْبَتَ اللهُ تَعالى في سُورَةِ [الضُحى] أنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَ النُبُوءَةِ ضالًّا بِالإضافَةِ إلى حالِهِ مِنَ الرُشْدِ بَعْدَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُحَمَّدًا أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَلِّمٍ عن هَواهُ، أيْ بِهَواهُ وشَهْوَتِهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى: وما يَنْطِقُ القُرْآنُ المُنَزَّلُ عن هَوًى وشَهْوَةٍ، ونَسَبٍ تَعالى النُطْقُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ يَفْهَمُ مِنهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ ﴾ ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ يُرادُ بِهِ القُرْآنُ بِإجْماعٍ، والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى في خَفاءٍ، وهَذِهِ عِبارَةٌ تَعُمُّ المَلَكَ والإلْهامَ والإشارَةَ وكُلَّ ما يُحْفَظُ مِن مَعانِي الوَحْيِ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلَّمَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لِمُحَمَّدٍ ، وأمّا المُعَلِّمُ فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وابْنُ عَبّاسِ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: عَلَّمَ مُحَمَّدًا القُرْآنَ، وقالَ الحَسَنُ: المُعَلِّمُ الشَدِيدُ القُوى هو اللهُ تَعالى، و"القُوى" جَمْعُ قُوَّةٍ، وهَذا في جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ مُتَمَكِّنٌ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ ﴾ ، و"ذُو مِرَّةٍ" مَعْناهُ: ذُو قُوَّةٍ، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والرَبِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "لا تَحِلُّ الصَدَقَةُ لِغَنِيٍّ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ"،» وأصْلُ المِرَّةِ مِن مَرائِرِ الحَبْلِ وهي فَتْلُهُ وإحْكامُ عَمَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ................
∗∗∗ بِكُلِّ مُمَرِّ الفَتْلِ شُدَّتْ بِيَذْبُلِ وقالَ قَوْمٌ مِمَّنْ قالَ إنَّ "ذا المِرَّةِ" جِبْرِيلُ: مَعْنى "ذُو مِرَّةٍ": ذُو هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْناهُ: ذُو جِسْمٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.
و"اسْتَوى" مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى في قَوْلِ الحَسَنِ الَّذِي قالَ: إنَّهُ المُتَّصِفُ: بِقَوْلِهِ تَعالى: "شَدِيدُ القُوى"، وكَذَلِكَ يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى مَعْنًى: وعَظَمَتُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ نَتَتَلَقّى نَحْنُ أنَّهُ بِالأُفُقِ الأعْلى، ويَجِيءُ المَعْنى نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الرَحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ ، ومَن قالَ: إنَّ المُتَّصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "شَدِيدُ القُوى" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: إنَّ "اسْتَوى" مُسْتَنِدٌ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ واخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ الرَبِيعُ، والزَجّاجُ: المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في الجَوِّ وهو إذْ ذاكَ بِالأُفُقِ الأعْلى، فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ بِحِراءٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، لَهُ سَتُّمِائَةِ جَناحٍ، وحِينَئِذٍ دَنا مِن مُحَمَّدٍ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ، وكَذَلِكَ هو المَرْئِيُّ -فِي هَذا القَوْلِ - في "النَزْلَةِ الأُخْرى" في صِفَتِهِ العَظِيمَةِ لَهُ سِتُّمِائَةُ جَناحٍ عِنْدَ السِدْرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ والفَرّاءُ: المَعْنى: فاسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الضَمِيرِ في "عِلْمِهِ"، وفي هَذا التَأْوِيلِ العَطْفُ عَلى المُضْمَرِ المَرْفُوعِ دُونَ أنْ يُؤَكَّدَ، وذَلِكَ عِنْدَ النُحاةِ مُسْتَقْبَحٌ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ حُجَّةً عَلى قَوْلِهِ: ألَم تَرَ أنَّ النَبْعَ يَصْلُبُ عُودُهُ ∗∗∗ ولا يَسْتَوِي والخِرْوَعُ المُتَقَصِّفُ وقَدْ يَنْعَكِسُ هَذا التَرْتِيبُ فَيَكُونُ "اسْتَوى" لِمُحَمَّدٍ ، وهو لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأمّا "الأعْلى" فَهو عِنْدِي لِقِمَّةِ الرَأْسِ وما جَرى مَعَهُ، وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو أُفُقٌ مَشْرِقِ الشَمْسِ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ، إلى مَنِ اسْتَنَدَ قَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى"، فَقالَ الجُمْهُورُ: اسْتَنَدَ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، أيْ: دَنا إلى مُحَمَّدٍ عِنْدَ حِراءٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهم في حَدِيثِ الإسْراءِ ما يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَنِدُ إلى اللهِ تَعالى، ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ، فَقالَ مُجاهِدُ: كانَ الدُنُوُّ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ إلى مُحَمَّدٍ ، و"دَنا فَتَدَلّى" عَلى هَذا القَوْلِ، مَعَهُ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ دَنا سُلْطانُهُ ووَحْيُهُ وقَدَرُهُ، والِانْتِقالُ وهَذِهِ الأوصافُ مُنْتَفِيَةٌ في حَقِّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
والصَحِيحُ عِنْدِي أنَّ جَمِيعَ ما في هَذِهِ الآياتِ هو مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ﴾ ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْضِي بِنَزْلَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، وما رُوِيَ قَطُّ أنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ لَيْلَةِ الإسْراءِ، أما أنَّ رُؤْيَةَ القَلْبِ لا تُمْنَعُ بِحالٍ.
وَ"دَنا" أعَمُّ مِن "تَدَلّى"، فَبَيَّنَ تَعالى بِقَوْلِهِ: "فَتَدَلّى" هَيْئَةُ الدُنُوِّ كَيْفَ كانَتْ و"قابَ"مَعْناهُ: قَدْرَ، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: مِن طَرَفِ العُودِ إلى طَرَفِهِ الآخَرِ، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: مِنَ الوَتَرِ إلى العُودِ في وسَطِ القَوْسِ عِنْدَ المِقْبَضِ.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "وَكانَ قَيْسَ قَوْسَيْنِ"، والمَعْنى قَرِيبٌ مِن قابَ، ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ.
« "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم في سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُنْيا وما فِيها"،» وفي حَدِيثٍ آخَرَ « "لَقابُ قَوْسِ أحَدِكم في الجَنَّةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: "أو أدْنى" مَعْناهُ: عَلى مُقْتَضى نَظَرِ البَشَرِ، أيْ: لَوْ رَآهُ أحَدُكم لَقالَ في ذَلِكَ: قَوْسانِ أو أدْنى، وقالَ أبُو رَزِينٍ: لَيْسَتْ بِهَذِهِ القَوْسِ ولَكِنْ قَدْرُ الذِراعَيْنِ أو أدْنى، وحَكى الزَهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القَوْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِراعٌ تُقاسُ بِهِ الأطْوالُ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وأنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ القَوْسَ في هَذِهِ الآيَةِ تُقاسُ بِهِ الأطْوالُ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ وأنَّهُ مِن لُغَةِ الحِجازِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوحى إلى عَبْدِهِ ما أوحى ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: فَأوحى اللهُ تَعالى: إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ، ما أوحى، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى: فَأوحى اللهُ تَعالى إلى عَبْدِهِ جِبْرِيلَ- عَلَيْهِ السَلامُ- ما أوحى، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "ما أوحى" إبْهامٌ عَلى جِهَةِ التَفْخِيمِ والتَعْظِيمِ، والَّذِي عُرِفَ مِن ذَلِكَ فَرْضُ الصَلاةِ.
وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: فَأوحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ ما أوحى، كالأُولى في الإبْهامِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: فَأوحى جِبْرِيلُ إلى عَبْدِ اللهِ ما أوحى اللهُ إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى ﴾ ، قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ بِتَخْفِيفِ الذالِ عَلى مَعْنى: لَمْ يُكَذِّبْ قَلْبُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الشَيْءَ الَّذِي رَأى بَلْ صَدَّقَهُ وتَحَقَّقَهُ نَظَرًا، و"كَذَبَ" يَتَعَدّى، وقالَ أهْلُ التَأْوِيلِ، ومِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو صالِحٍ -: رَأى مُحَمَّدٌ اللهَ تَعالى بِفُؤادِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: ما رَآهُ بِعَيْنِهِ لَمْ يُكَذِّبْ ذَلِكَ قَلْبُهُ بَلْ صَدَّقَهُ وتَحَقَّقَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: "فِيما رَأى"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيما رَوى عنهُ- وعِكْرِمَةُ، وكَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ مُحَمَّدًا رَأى رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، ويَبْسُطُ الزَهْراوِيُّ هَذا الكَلامَ عنهُمْ، وأبَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا، وقالَتْ «أنا سَألْتُ رَسُولَ اللهِ عن هَذِهِ الآياتِ فَقالَ لِي: "هُوَ جِبْرِيلُ فِيها كُلُّها"،» وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: ما رَأى مِن مَقْدُوراتِ اللهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، «وَسَألَ أبُو ذَرٍّ النَبِيَّ : هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟
فَقالَ: "نُورٌ أنّى أراهُ"» وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وحَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا عَنِ النَبِيِّ قاطِعٌ لِكُلِّ تَأْوِيلٍ في اللَفْظِ؛ لِأنَّ قَوْلَ غَيْرِها إنَّما هو مُنْتَزَعٌ مِن ألْفاظِ القُرْآنِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما رَوى عنهُ هِشامٌ -: "ما كَذَّبَ" بِتَشْدِيدِ الذالِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وأبِي جَعْفَرٍ، وقَتادَةَ، والجَحْدَرَيِّ، وخالِدٍ، ومَعْناهُ بَيِّنٌ عَلى بَعْضِ ما قُلْناهُ، وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ اللهَ تَعالى قَسَّمَ الكَلامَ والرُؤْيَةَ بَيْنَ مُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ فَكَلَّمَ مُوسى مَرَّتَيْنِ، ورَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِن سَماعِ هَذا، وقُلْتُ ﴿ لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ ﴾ الآيَةُ.
وذَهَبَتْ هي وابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ وجُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المَرْئِيَّ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في المَرَّتَيْنِ: في الأرْضِ وعِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في سُورَةِ [الإسْراءِ]، وهو مَشْهُورٌ في الأرْضِ وعِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى لَيْلَةَ الأُسَراءِ، وهو مَشْهُورٌ في كُتُبِ الصِحاحِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها بِفَتْحِ أواخِرِ الآياتِ فِيها، وأمالَ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَأى"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وأمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ جَمِيعَ ما في السُورَةِ، وأمالَ أبُو عَمْرٍو -فِيما رَوى عنهُ أبُو عُبَيْدٍ - "الأعْلى" و"تَدَلّى".
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ﴾ ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ﴾ ﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى ﴾ ﴿ عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى ﴾ ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى ﴾ ﴿ ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى ﴾ ﴿ لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أفَتُمارُونَهُ" خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو مِنَ المِراءِ، والمَعْنى: أتُجادِلُونَهُ في شَيْءٍ رَآهُ وأبْصَرَهُ؟
وهَذِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ وأهْلُ المَدِينَةِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "أفَتَمْرُونَهُ" بِفَتْحِ التاءِ دُونَ ألْفٍ بَعْدِ المِيمِ، والمَعْنى: أفَتَجِدُونَهُ؟
وذَلِكَ أنْ قُرَيْشًا لَمّا أخْبَرَها رَسُولُ اللهِ بِأمْرِهِ في الإسْراءِ كَذَّبُوا واسْتَخَفُّوا حَتّى وصَفَ لَهم بَيْتَ المَقْدِسِ وأمَرَ عِيرَهم وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا هو في حَدِيثِ الإسْراءِ مُسْتَقْصًى، ورَواها سَعِيدٌ عَنِ النَخْعِيِّ: "أفَتُمْرُونَهُ" بِضَمِّ التاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ غَلَطٌ مِن سَعِيدٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرى" مُسْتَقْبَلًا والرُؤْيَةُ قَدْ مَضَتْ عِبارَةٌ تَعُمُّ جَمِيعَ ما مَضى وتُشِيرُ إلى ما يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بَعْدُ، وفي هَذا نَظَرٌ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَقَدْ رَآهُ" حَسَبَ ما قَدَّمْناهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكَعْبُ الأحْبارِ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ: هو عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ و"نَزْلَةً" مَعْناهُ: مَرَّةَ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ.
و"سِدْرَةِ المُنْتَهى" هي شَجَرَةُ نَبْقٍ قالَ كَعْبٌ: هي في السَماءِ السابِعَةِ، ورَوى ذَلِكَ مالِكُ بْنُ صَعْصَعَةَ عَنِ النَبِيِّ ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: في السَماءِ السادِسَةِ وقِيلَ لَها "سِدْرَةِ المُنْتَهى" لِأنَّها إلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ كُلِّ عالِمٍ، ولا يَعْلَمُ ما وراءَها صَعِدًا إلّا اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها إلَيْها يَنْتَهِي مَن ماتَ عَلى سُنَّةِ النَبِيِّ ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا مَن كُلِّ جِيلٍ، وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّ ما نَزَلَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فَعِنْدَها يُتَلَقّى، ولا يَتَجاوَزُها مَلائِكَةُ العُلُوِّ، وما صَعِدَ مِنَ الأرْضِ فَعِنْدَها يَتَلَقّى ولا يَتَجاوَزُها مَلائِكَةُ السُفْلِ، ورُوِيَ عن رَسُولِ اللهِ ، أنَّ الأُمَّةَ مِنَ الأُمَمِ تَسْتَظِلُّ بِظِلِّ الفَنَنِ مِنها، وقالَ رَسُولُ اللهِ : « "رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتَهى فَإذا نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرٍ، وإذا ورَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى ﴾ ، قالَ الجُمْهُورُ: أرادَ تَعالى أنْ يُعَظِّمَ مَكانَ السِدْرَةِ ويُشَرِّفَهُ بِأنَّ جَنَّةَ المَأْوى عِنْدَها، قالَ الحَسَنُ: وهي الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ بِها المُؤْمِنُ العالِمُ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ بِخِلافٍ-: هي جَنَّةٌ تَأْوِي إلَيْها أرْواحُ الشُهَداءِ والمُؤْمِنِينَ ولَيْسَتْ بِالجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ بِها المُؤْمِنُونَ جَنَّةَ النَعِيمِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ، وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ -بِخِلافٍ- وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو الدَرْداءِ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وقَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: "عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى" بِالهاءِ في "جَنَّةِ"، وهو ضَمِيرُ مُحَمَّدٍ ، والمَعْنى: سَتَرَهُ وضَمَّهُ إيواءُ اللهِ تَعالى وجَمِيلُ صُنْعِهِ بِهِ، يُقالُ: "جَنَّهُ اللَيْلُ وأجَنَّهُ"، ورَدَّتْ عائِشَةُ وصَحابَةٌ مَعَها رَضِيَ اللهُ عنهم هَذِهِ القِراءَةَ وقالُوا: أجَنَّ اللهُ مَن قَرَأها، والجُمْهُورُ قَرَأ: "جَنَّةُ" كالآيَةِ الأُخْرى: ﴿ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلا ﴾ وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّ مَعْنى "جَنَّةُ المَأْوى" ضَمَّهُ المَبِيتُ واللَيْلُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ يَغْشى السِدْرَةَ ما يَغْشى ﴾ ، العامِلُ في "إذْ" "رَآهُ"، المَعْنى: رَآهُ في هَذِهِ الحالِ، و"ما يَغْشى" مَعْناهُ: مِن قُدْرَةِ اللهِ تَعالى وأنْواعِ الصِفاتِ الَّتِي يَخْتَرِعُها لَها، وذَلِكَ مُبْهَمٌ عَلى جِهَةِ التَفْخِيمِ والتَعْظِيمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ذَلِكَ تَبَدُّلُ أغْصانِها دُرًّا وياقُوتًا ونَحْوَهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٌ، ومُجاهِدٌ، وإبْراهِيمُ: ذَلِكَ جَرادٌ مَن ذَهَبٍ كانَ يَغْشاها، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "رَأيْتُها ثُمَّ حالَ دُونَها فِراشٌ مِنَ الذَهَبِ"،» وقالَ الرَبِيعُ، وأبُو هُرَيْرَةَ: كانَ يَغْشاها المَلائِكَةُ كَما يَغْشى الطَيْرُ الشَجَرَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو تَكَلُّفٌ في الآيَةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى أبْهَمَ ذَلِكَ وهم يُرِيدُونَ شَرْحَهُ، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللهِ : « "فَغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ؟"».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما زاغَ البَصَرُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: ما حالَ هَكَذا ولا هَكَذا، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما طَغى" مَعْناهُ: ولا تَجاوَزَ المَرْئِيَّ بَلْ وقَعَ عَلَيْهِ وُقُوعًا صَحِيحًا، وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ ونَفْيٌ لِوُجُوهِ الرَيْبِ عنهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى ﴾ .
قالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: لَقَدْ رَأى الكُبْرى مِن آياتِ رَبِّهِ، والمَعْنى: مِن آياتِ رَبِّهِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يَراها البَشَرُ، فَـ "الكُبْرى"- عَلى هَذا- مَفْعُولٌ بـِ "رَأى"، وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: لَقَدْ رَأى بَعْضًا مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى، فـَ "الكُبْرى"- عَلى هَذا- وصْفٌ لـ "آياتٍ"، والجَمْعُ مِمّا لا يَعْقِلُ في المُؤَنَّثِ يُوصَفُ أبَدًا عَلى حَدِّ وصْفِ الواحِدَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ في الصُورَةِ الَّتِي هو بِها في السَماواتِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى ﴾ ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى ﴾ ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللهُ بِها مِن سُلْطانٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وما تَهْوى الأنْفُسُ ولَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ ﴿ فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى ﴾ ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "أفَرَأيْتُمُ" مُخاطَبَةٌ لِقُرَيْشٍ، وهي مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ لِأنَّهُ أحالَ عَلى أجْرامٍ مَرْئِيَّةٍ، ولَوْ كانَتْ "رَأى" الَّتِي هي اسْتِفْتاءٌ لَمْ تَتَعَدَّ.
ولَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَظَمَةِ اللهِ وقُدْرَتِهِ قالَ -عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ-: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وحَقارَتَها وبُعْدَها عن هَذِهِ القُدْرَةِ والصِفاتِ العَلِيَّةِ؟
و"اللاتَ" اسْمُ صَنَمٍ كانَتِ العَرَبُ تُعَظِّمُهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: كانَ في الكَعْبَةِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَ بِالطائِفِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ بِنَخْلَةٍ عِنْدَ سُوقِ عُكاظٍ، وقَوْلُ قَتادَةَ أرْجَحُ، يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وفَرَّتْ ثَقِيفٌ إلى لاتِها بِمُنْقَلَبِ الخائِبِ الخاسِرِ والتاءُ في "اللاتَ" لامُ فِعْلٍ كالباءِ مِن "بابٍ، وقالَ قَوْمٌ هي تاءُ التَأْنِيثِ، والتَصْرِيفُ يَمْنَعُ ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ: "اللاتُ" بِشَدِّ التاءِ، وقالُوا: كانَ هَذا الصَنَمُ حَجَرًا وكانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ مِن بِهْزٍ يَلُتُّ سَوِيقَ الحاجِّ عَلى ذَلِكَ الحَجَرِ ويَخْدِمُ الأصْنامَ، فَلَمّا ماتَ عَبَدُوا الحَجَرَ الَّذِي كانَ عِنْدَهُ إجْلالًا لِذَلِكَ الرَجُلِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ.
و"العُزّى" صَخْرَة بَيْضاءُ كانَتِ العَرَبُ أيْضًا تَعْبُدُها وتُعَظِّمُها، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ شُجَيْراتٍ تُعْبَدُ ثُمَّ لَمّا بَلِيَتِ انْتَقَلَ أمْرُها إلى صَخْرَةٍ، و"عُزّى" مُؤَنَّثَةُ "عَزِيزٍ" كَكُبْرى وعُظْمى، وكانَتْ هَذِهِ الأوثانُ تُعَظَّمُ وتُعْبَدُ، الوَثَنُ مِنها قَبِيلَةٌ وتُعَظِّمُهُ، ويَجِيءُ كُلٌّ مِن عَزَّ العَرَبَ فَيُعَظِّمُها بِتَعْظِيمِ حاضِرِها، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ: كانَتِ العُزّى ومَناةُ في الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: وكانَتِ العُزّى في الطائِفِ، وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ بِنَخْلَةَ، وأمّا مَناةُ فَكانَتْ بِالمُشَلَّلِ مِن قَدِيدٍ، وذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وكانَتْ أعْظَمَ هَذِهِ الأوثانِ قَدْرًا، وأكْثَرَها عابِدًا، وكانَتِ الأوسُ والخَزْرَجُ تُهِلُّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَناةَ الثالِثَةَ الأُخْرى ﴾ فَأكَّدَها بِهاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ فُلانًا وفُلانًا، ثُمَّ تَذْكُرُ ثالِثًا أجَلَّ مِنهُما فَتَقُولُ: وفُلانًا الآخَرَ الَّذِي مِن أمْرِهِ وشَأْنِهِ، ولَفْظَةُ "آخَرَ" و"أُخْرى" يُوصَفُ بِهِما الثالِثُ مِنَ المَعْدُوداتِ، وذَلِكَ نَصٌّ في الآيَةِ، ومِنهُ قَوْلُ رَبِيعَةَ بْنَ مُكْدَمٍ: ولَقَدْ شَفَعْتُهُما بِآخِرَ ثالِثٍ وَهُوَ التَأْوِيلُ الصَحِيحُ في قَوْلِ الشاعِرِ: جَعَلْتُ لَها عُودَيْنِ مِن ∗∗∗ نَشَمٍ وآخَرَ مَن ثُمامَهْ وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ: "وَمُناءَةَ" بِالهَمْزِ والمَدِّ، وهي لُغَةٌ فِيها، والأوَّلُ أشْهَرُ وهي قِراءَةُ الناسِ، ومِنها قَوْلُ جَرِيرٍ: أزْيَدَ مَناةَ تُوعِدُ بِابْنِ تَيْمٍ ∗∗∗ تَأْمَّلْ أيْنَ تاهَ بِكَ الوَعِيدُ وقَفَ تَعالى الكُفّارَ عَلى هَذِهِ الأوثانِ وعَلى قَوْلِهِمْ فِيها؛ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هي بَناتُ اللهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الأوثانَ وقَوْلُكم هي بَناتُ اللهِ؟
ألَكُمُ الذَكَرُ ولَهُ الأُنْثى؟
أيْ: النَوْعُ المُسْتَحْسَنُ المَحْبُوبُ هو لَكم مَوْجُودٌ فِيكم والمَذْمُومُ المُسْتَثْقَلُ عِنْدَكم هو لَهُ بِزَعْمِكُمْ؟
ثُمَّ قالَ تَعالى -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ-: ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ، أيْ: عَوْجاءُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ "ضِيزى" مَعْناهُ: جائِرَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وقالَ سُفْيانُ: مَعْناهُ: مَنقُوصَةٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مُخالِفَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: "ضِزْتُهُ حَقَّهُ أضِيزُهُ" بِمَعْنى: مَنَعْتُهُ مِنهُ وظَلَمْتُهُ فِيهِ، و"ضِيزى" مِن هَذا التَصْرِيفِ، وأصْلُها فُعْلى بِضَمِّ الفاءِ "ضُوزى" لِأنَّهُ القِياسُ؛ إذْ لا يُوجَدُ في الصِفاتِ فُعْلى بِكَسْرِ الفاءِ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، فَإذا كانَ هَذا فَهي "ضُوزى" كَسَرُوا أوَّلَها كَما كُسِرَ أوَّلُ "عَيْنٍ وبَيْضٍ" طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ؛ إذِ الكَسْرَةُ والياءُ أخَفُّ مِنَ الضَمَّةِ والواوِ، كَما قالُوا: "بُيُوتٌ وعِصِيٌّ" وهي في الأصْلِ فَعُولٌ بِضَمِّ الفاءِ، وتَقُولُ العَرَبُ: "ضِزْتُهُ أضُوزُهُ"، فَكانَ يَلْزَمُ عَلى هَذا التَصْرِيفِ أنْ تَكُونَ "ضُوزى" فُعْلى، وفي جَمِيعِ هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "ضِئْزى" بِالهَمْزِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَذِكْرى، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ هي إلا أسْماءٌ ﴾ ، يَعْنِي: تَعالى أنَّ هَذِهِ الأوصافَ - مِن أنَّها إناثٌ، وأنَّها تَعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً ونَحْوَ هَذا- ما هي إلّا أسْماءٌ، أيْ: تَسْمِياتٌ اخْتَرَعْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم لا حَقِيقَةَ لَها، ولا أنْزَلَ اللهُ تَعالى بِها بُرْهًانًا ولا حُجَّةً، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "سُلُطانٌ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ هو وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "إنْ يَتَّبِعُونَ" بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ.
و"الظَنَّ": مَيْلُ النَفْسِ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْنِ مُتَخالِفَيْنِ دُونَ أنْ يَكُونَ مَيْلُها بِحُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ، و"هَوى الأنْفُسِ" هو إرادَتُها المَلَذَّةَ لَها، وإنَّما تَجِدُ هَوى النَفْسِ دائِمًا في تَرْكِ الأفْضَلِ لِأنَّها مَجْبُولَةٌ بِطَبْعِها عَلى حُبِّ المُلِذِّ، وإنَّما يَرْدَعُها ويَسُوقُها إلى حُسْنِ العاقِبَةِ العَقْلُ والشَرْعُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ فِيهِ تَوْبِيخٌ لَهُمْ؛ لِأنَّ سَرْدَ القَوْلِ إنَّما هُوَ:"إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الباطِلَ وما تَهْوى الأنْفُسُ أمْ لِلْإنْسانِ ما تَمَنّى"، ثُمَّ اعْتَرَضَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما تَهْوى الأنْفُسُ ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ ، أيْ: يَفْعَلُونَ هَذِهِ القَبائِحَ والهُدى حاضِرٌ والحالُ هَذِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
و"الهُدى" المُشارُ إلَيْهِ هو مُحَمَّدٌ وشَرْعُهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "وَلَقَدْ جاءَكم مِن رَبِّكُمْ" بِالكافِ فِيهِما، وقالَ الضَحّاكُ عنهُما: إنَّهُما قَرَآ: "وَلَقَدْ جاءَكَ مِن رَبِّكَ".
و"الإنْسانُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى ﴾ اسْمُ الجِنْسِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتِ الأشْياءُ بِالتَمَنِّي والشَهَواتِ، إنَّما الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ تَعالى، والأعْمالُ جارِيَةٌ عَلى قانُونِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَلَيْسَ لَكُمْ، أيُّها الكَفَرَةُ مُرادُكم في قَوْلِكُمْ: "هَذِهِ آلِهَتُنا وهي تَشْفَعُ لَنا وتُقَرِّبُنا زُلْفى" ونَحْوُ هَذا.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والطَبَرِيُّ: الإنْسانُ هُنا هو مُحَمَّدٌ ، بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَنَلْ كَرامَتَنا بِتَأْمِيلٍ بَلْ بِفَضْلٍ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِمَعْنى: بَلْ إنَّهُ تَمَنّى كَرامَتَنا فَنالَها؛ إذْ الكُلُّ لِلَّهِ يَهَبُ ما شاءَ، وهَذا ما تَقْتَضِيهِ الآيَةُ وإنْ كانَ اللَفْظُ يَعُمُّهُ.
و"الآخِرَةُ والأُولى" الدارانِ، أيْ: لَهُ كُلُّ أمْرِهِما مَلَكًا ومَقْدُورًا وتَحْتَ سُلْطانِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَمْ مِن مَلَكٍ ﴾ الآيَةُ...
رَدٌّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "الأوثانُ شُفَعاؤُنا"، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: هَذِهِ حالُ المَلائِكَةِ الكِرامِ فَكَيْفَ بِأوثانِكُمْ؟
و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ "لا تُغْنِي"، والغِنى:، جَلْبُ النَفْعِ ودَفْعُ الضُرِّ بِحَسَبِ الأمْرِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الغِنى، وجَمْعُ الضَمِيرِ في "شَفاعَتِهِمْ" عَلى مَعْنى "كَمْ" ومَعْنى الآيَةِ أنْ يَأْذَنَ اللهُ تَعالى في أنْ يَشْفَعَ لِشَخْصٍ ما يَرْضى عنهُ كَما أذِنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ﴾ ﴿ وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِن الحَقِّ شَيْئًا ﴾ ﴿ فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا ﴾ ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عن سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِمَن اهْتَدى ﴾ ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ ﴾ مَعْناهُ: لَيَصِفُونَ المَلائِكَةَ بِأوصافِ الأُنُوثَةِ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، وإنَّما هي ظُنُونٌ مِنهم لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن عِلْمٍ إلّا اتِّباعَ الظَنِّ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الظَنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي: في المُعْتَقَداتِ والمَواضِعِ الَّتِي يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يُحَرِّرَ ما يَفْعَلُ ويَعْتَقِدُ، فَإنَّها مَواضِعُ حَقائِقَ لا تَنْفَعُ الظُنُونُ فِيها، وأمّا في الأحْكامِ وظَواهِرِها فَيُجْتَزَأُ فِيها بِالمَظْنُوناتِ.
ثُمَّ سَلّى تَعالى نَبِيَّهُ وأمَرَهُ بِالإعْراضِ عن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، وما في الآيَةِ مِن مُوادَعَتِهِمْ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُنْيا ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُقُ بِغَيْرِها، وسَعْيُهُ وعَمَلُهُ إنَّما هو لِدُنْياهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴾ مَعْناهُ: هُنا انْتَهى تَحْصِيلُهم مِنَ المَعْلُوماتِ، وذَلِكَ أنَّ المَعْلُوماتِ مِنها ما هي مَعْقُولاتٌ نافِعَةٌ في الآخِرَةِ، ومِنها ما هي أُمُورٌ فانِيَةٌ وَأشْخاصٌ بائِدَةٌ كالفَلّاحَةِ وكَثِيرٌ مِنَ الصَنائِعِ وطَلَبُ الرِياسَةِ عَلى الناسِ بِالمُخْرِقَةِ، وكُلُّها مَعْلُوماتٌ ولَها عِلْمٌ، ومَبْلَغُ عِلْمِ الكَفَرَةِ إنَّما هو في هَذِهِ الدُنْياوِيّاتِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ...
مُتَّصِلٌ في مَعْنى التَسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأعْرِضْ عن مَن تَوَلّى عن ذِكْرِنا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ ﴾ الآيَةُ...
وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأسْنَدَ الضَلالَةَ والهُدى إلَيْهِمْ بِكَسْبِهِمْ وإنْ كانَ الجَمِيعُ خَلْقًا لَهُ واخْتِراعًا، واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَجْزِيَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "ضَلَّ"، وبِقَوْلِهِ تَعالى: "اهْتَدى"، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَصِيرَ أمْرُهم جَمِيعًا إلى أنْ يُجْزِيَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما في المَعْنى مِنَ التَقْدِيرِ، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ولِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ يَضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ لِيَجْزِيَ.
والنَظَرُ الأوَّلُ أقَلُّ تَكَلُّفًا مِن هَذا الإضْمارِ، وقالَ قَوْمٌ: اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُورَةِ: ﴿ إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى ﴾ وهَذا بَعِيدٌ.
و: "الحُسْنى" هي الجَنَّةُ، ولا حُسْنى دُونَها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ هو أعْلَمُ بِكم إذْ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ وإذْ أنْتُمْ أجِنَّةٌ في بُطُونِ أُمَّهاتِكم فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ ﴿ وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ ﴿ أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى ﴾ ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "الَّذِينَ" نَعْتٌ لـ "الَّذِينَ" المُتَقَدِّمُ قَبْلَهُ، و"يَجْتَنِبُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَ جانِبًا، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: "كَبائِرَ الإثْمِ"، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "كَبِيرُ الإثْمِ" عَلى الإفْرادِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الجَمْعُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ .
واخْتَلَفَ الناسُ في الكَبائِرِ، ما هِيَ؟
فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها السَبْعُ المُوبِقاتُ الَّتِي وَرَدَتْ في الأحادِيثِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في ذِكْرِها واخْتِلافُ الأحادِيثِ فِيها في سُورَةِ [النِساءِ]، وتَحْرِيرُ القَوْلِ في الكَبائِرِ أنَّها كُلُّ مَعْصِيَةٍ يُوجَدُ فِيها حَدٌّ في الدُنْيا وتُوعَدُ بِنارٍ في الآخِرَةِ، أو لَعْنَةٍ ونَحْوُ هَذا خاصٌّ بِها، فَهي كَثِيرَةُ العَدَدِ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -حِينَ قِيلَ لَهُ: أسَبْعٌ هِيَ؟- فَقالَ: هي إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَبْعِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كَبِيرُ الإثْمِ هُنا يُرادُ بِهِ الكُفْرُ.
و"الفَواحِشَ" هي المَعاصِي المَذْكُورَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللَمَمَ" هو اسْتِثْناءٌ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، وإنْ قَدَّرْتَهُ مُنْقَطِعًا ساغَ ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "اللَمَمَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: ما ألَمُّوا بِهِ مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وزَيْدِ بْن أسْلَمَ، وأبِيهِ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: قَدْ كُنْتُمْ بِالأمْسِ تَعْمَلُونَ أعْمالَنا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلا ما قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: إلّا ما ألَمُّوا مِنَ المَعاصِي، الفَلْتَةُ والسَقْطَةُ دُونَ دَوامٍ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنهُ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: في اللَمَّةِ مِنَ الزِنا والسَرِقَةِ وشُرْبِ الخَمْرِ ثُمَّ لا يَعُودُ، وهَذا كالَّذِي قَبْلَهُ، فَكَأنَّ هَذا التَأْوِيلَ يَقْتَضِي الرِفْقَ بِالناسِ في إدْخالِهِمْ في الوَعْدِ بِالحُسْنى؛ إذِ الغالِبُ في المُؤْمِنِينَ مُواقَعَةُ المَعاصِي، وعَلى هَذا أنْشَدُوا -وَقَدْ تَمَثَّلَ بِهِ النَبِيُّ -: إنْ تَغْفِرِ اللهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا وَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُمْ: اللَمَمُ: صِغارُ الذُنُوبِ الَّتِي بَيْنَ الحَدَّيْنِ الدُنْيا والآخِرَةِ، وهي ما لا حَدَّ فِيهِ ولا وعِيدَ مُخْتَصًّا بِها مَذْكُورًا لَها، وإنَّما يُقالُ صِغارٌ بِالإضافَةِ إلى غَيْرِها، وإلّا فَهي بِالإضافَةِ إلى الناهِي عنها كَبائِرُ كُلُّها، ويُعَضِّدُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ : « "إنَّ اللهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِنى لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنِ النَظَرُ، وزِنى اللِسانِ النُطْقُ، والفَرَجُ يُكَذِّبُ ذَلِكَ أو يُصَدِّقُهُ، فَإنْ تَقَدَّمَ فَرَّجُهُ فَهو زانٍ، وإلّا فَهو اللَمَمُ"»، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في نَبْهانَ التَمّارِ، فالناسُ لا يَتَخَلَّصُونَ مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الصَغائِرِ، ولَهم -مَعَ ذَلِكَ- الحُسْنى إذا اجْتَنَبُوا الَّتِي هي في نَفْسِها كَبائِرُ، وتَظاهَرَ العُلَماءُ في هَذا القَوْلِ وكَثُرَ المائِلُ إلَيْهِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: اللَمَمَ ما دُونُ الشِرْكِ، وهَذا عِنْدِي لا يَصِحُّ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والشَعْبِيُّ: اللَمَمُ ما دُونُ الزِنى، وقالَ نِفْطَوَيْهِ: اللَمَمُ ما لَيْسَ بِمُعْتادٍ، وقالَ الرُمّانِيُّ: اللَمَمُ الهَمُّ بِالذَنْبِ وحَدِيثُ النَفْسِ بِهِ دُونَ أنْ يُواقِعَ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّهُ ما خَطَرَ عَلى القَلْبِ، وذَلِكَ هُوَ لَمَّةُ الشَيْطانِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: وقِيلَ اللَمَمُ نَظْرَةُ الفَجْأةِ، وقالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.
ثُمَّ أنِسَ تَعالى بَعْدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ الآيَةُ.
رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يُعَظِّمُونَ أنْفُسَهُمْ، ويَقُولُونَ لِلطِّفْلِ إذا ماتَ عِنْدَهُمْ: هَذا صَدِيقٌ عِنْدَ اللهِ تَعالى، ونَحْوُ هَذا مِنَ الأقاوِيلِ المُتَوَهَّمَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ ثُمَّ هي بِالمَعْنى عامَّةٌ جَمِيعَ البَشَرِ.
وحَكى الثَعْلَبِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَخَرُّوا بِأعْمالِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ ﴾ قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في المُشْكَلِ: مَعْناهُ: هو عالِمٌ بِكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ المَعانِي: بَلْ هو التَفْضِيلُ بِالإطْلاقِ، أيْ هو أعْلَمُ مِنَ المَوْجُودِينَ جُمْلَةً، والعامِلُ في "إذْ" هو "أعْلَمُ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: العامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرُوا إذْ، والمَعْنى الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: فَإذا كانَ عِلْمُهُ قَدْ أحاطَ بِكم وأنْتُمْ في هَذِهِ الأحْوالِ ووَقَعَ بِكُمُ التَخَفِّي فَأحْرى أنْ يَقَعَ بِكم وأنْتُمْ تَغْفُلُونَ وتَجْتَرِحُونَ.
والإنْشاءُ مِنَ الأرْضِ يُرادُ بِهِ خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ إنْشاءُ الغِذاءِ، و:"أجِنَّةٌ" جَمْعُ جَنِينٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكُمْ ﴾ ظاهِرُهُ النَهْيُ عن أنْ يُزَكِّيَ أحَدٌ نَفْسَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عن أنْ يُزَكِّيَ بَعْضُ الناسِ بَعْضًا وإذا كانَ هَذا فَإنَّما يَنْهى عن تَزْكِيَةِ السُمْعَةِ والمَدْحِ لِلدُّنْيا والقَطْعِ بِالتَزْكِيَةِ، ومِن ذَلِكَ الحَدِيثُ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، وأمّا تَزْكِيَةُ الإمامِ والقُدْوَةِ أحَدًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ أو لِيَتَهَمَّمَ الناسُ بِالخَيْرِ فَجائِزٌ، وقَدْ زَكّى رَسُولُ اللهِ بَعْضَ أصْحابِهِ أبا بَكْرٍ وغَيْرَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وكَذَلِكَ تَزْكِيَةُ الشُهُودِ في الحُقُوقِ جائِزٌ لِلضَّرُورَةِ إلَيْها، وأصْلُ التَزْكِيَةِ إنَّما هو التَقْوى، واللهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِتَقْوى الناسِ مِنكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى ﴾ الآيَةُ.
قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَمِعَ قِراءَةَ النَبِيِّ ، وجَلَسَ إلَيْهِ، ووَعَظَهُ رَسُولُ اللهِ ، فَقَرُبَ مِنَ الإسْلامِ، وطَمَعَ النَبِيُّ فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ عاتَبَهُ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ وقالَ لَهُ: أتَتْرُكُ مِلَّةَ آبائِكَ؟
ارْجِعْ إلى دِينِكَ واثْبُتْ عَلَيْهِ وأنا أتَحَمَّلُ لَكَ بِكُلِّ شَيْءٍ تَخافُهُ في الآخِرَةِ، لَكِنَّ عَلى أنْ تُعْطِيَنِي كَذا وكَذا مِنَ المالِ، فَوافَقَهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلى ذَلِكَ، ورَجَعَ عَمّا هم بِهِ مِنَ الإسْلامِ، وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأعْطى ذَلِكَ المالَ لِذَلِكَ الرَجُلِ ثُمَّ أمْسَكَ عنهُ وشَحَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.
وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عن قَوْمٍ أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةٍ جَرَتْ لَهُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وذَلِكَ كُلُّهُ عِنْدِي باطِلٌ، وعُثْمانُ عن مِثْلِهِ مُتَنَزَّهٌ.
وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ في العاصِ بْنِ وائِلٍ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى ﴾ -عَلى هَذا القَوْلِ- هو في المالِ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ المَعْنى: وأعْطى مِن نَفْسِهِ قَلِيلًا في قُرْبِهِ مِنَ الإيمانِ، ثُمَّ أكْدى، أيِ انْقَطَعَ ما أعْطى، وهَذا بَيِّنٌ مَنِ اللَفْظِ، والآخَرُ يَحْتاجُ إلى رِوايَةٍ، و"تَوَلّى" مَعْناهُ: أدْبَرَ وأعْرَضَ، والمُرادُ: عن أمْرِ اللهِ تَعالى، و"أكْدى" مَعْناهُ: انْقَطَعَ عَطاؤُهُ، وهو مُشَبَّهٌ بِالحافِرِ في الأرْضِ، فَإذا انْتَهى إلى كُدْيَةٍ، وهي ما صَلُبَ مِنَ الأرْضِ، وقَفَ وانْقَطَعَ حَفْرُهُ، وكَذَلِكَ: أجْبَلَ الحافِرُ إذا انْتَهى إلى جَبَلٍ، ثُمَّ قِيلَ لِمَنِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ: أكْدى وأجْبَلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى ﴾ مَعْناهُ: أعْلَمُ مِنَ الغَيْبِ أنَّ مَن تَحَمَّلَ ذُنُوبَ آخَرَ فَإنَّ المُتَحَمِّلَ عنهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ فَهو لِهَذا الَّذِي عَلِمَهُ يَرى الحَقَّ ولَهُ فِيهِ بَصِيرَةٌ، أمْ هو جاهِلٌ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى -وَهِيَ التَوْراةُ- وفي صُحُفِ إبْراهِيمَ - وهي كُتُبٌ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ السَماءِ- مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟
أيْ لا تَحْمِلُ حامِلَةَ حِمْلٍ أُخْرى، وإنَّما يُؤْخَذُ كُلُّ أحَدٍ بِذُنُوبِ نَفْسِهِ، فَلَمّا كانَ جاهِلًا بِهَذا وقَعَ في إعْطاءِ مالِهِ لِلَّذِي قالَ لَهُ: أنا أتَحَمَّلُ عنكَ دَرْكَ الآخِرَةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى:" الَّذِي وفّى"، وفّى ما هو المُوَفّى؟
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانُوا قَبْلَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ يَأْخُذُونَ الوَلِيَّ بِالوَلِيِّ في القَتْلِ ونَحْوِهِ، فَوَفّى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ وبَلَغَ هَذا الحُكْمَ مِن أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، والرَبِيعُ: ومِن طاعَةِ اللهِ تَعالى في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِما السَلامُ، وقالَ عِكْرِمَةُ: وفى هَذِهِ العَشْرِ الآياتِ: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى" فَما بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: وفّى ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنَ الطاعاتِ عَلى وجْهِها، وتَكَمَّلَتْ لَهُ شُعَبُ الإيمانِ والإسْلامِ، فَأعْطاهُ اللهُ تَعالى بَراءَتَهُ مِنَ النارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وفّى شَرائِعَ الإسْلامِ، ثَلاثِينَ سَهْمًا، وقالَ أبُو أُمامَةَ - ورَفَعَهُ إلى النَبِيِّ -: وفى أرْبَعِ صَلَواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ، والأقْوى مِن هَذِهِ كُلُّها القَوْلُ العامُّ لِجَمِيعِ الطاعاتِ المُسْتَوْفِيَةِ لِدِينِ الإسْلامِ، فَرَوى أنَّها لَمْ تُفْرَضْ عَلى أحَدٍ مُكَمَّلَةً فَوَفّاها إلّا عَلى إبْراهِيمَ ومُحَمَّدٍ ، ومِنَ الحُجَّةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ .
وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ السَمَيْفَعِ: "وَفى" مُخَفِّفَةَ الفاءِ، والخِلافُ فِيما وفى بِهِ كالخِلافِ فِيما وفّاهُ عَلى القِراءَةِ الأُولى الَّتِي فَسَّرْنا ورُوِيَتِ القِراءَةُ عَنِ النَبِيِّ وقَرَأها أبُو أُمامَةَ.
و"الوِزْرُ": الثِقَلُ، وأنَّثَ "الوازِرَةَ" إمّا لِأنَّهُ أرادَ النَفْسَ، وإمّا أرادَ المُبالَغَةَ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ وما جَرى مَجْراهُما، و"أنَّ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ألّا تَزِرُ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، وتَقْدِيرُها: أنَّهُ لا تَزِرُ، وحَسَّنَ الحائِلُ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ إنْ بَقِيَ الفِعْلُ مُرْتَفِعًا، فَهي كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ ﴾ ونَحْوُهُ، و"أنْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ أو خَفْضِ كِلاهُما مُرَتَّبٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ ﴿ وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ﴾ ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أماتَ وأحْيا ﴾ ﴿ وَأنَّهُ خَلَقَ الزَوْجَيْنِ الذَكَرَ والأُنْثى ﴾ ﴿ مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى ﴾ ﴿ وَأنَّ عَلَيْهِ النَشْأةَ الأُخْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِعْرى ﴾ ﴿ وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى ﴾ ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "وَأنْ لَيْسَ"، وقَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: "وَأنَّ، وأنَّهُ" مَعْطُوفٌ كُلُّ ذَلِكَ عَلى "أنْ" المَقَدَّرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: "ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ"، وهي كُلُّها بِفَتْحِ الألِفِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ قُعْنُبٌ: "وَإنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيها وفِيما بَعْدَها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ ﴾ ، وهَذا لا يَصِحُّ عِنْدِي عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ خَبَرٌ لا يُنْسَخُ، ولِأنَّ شُرُوطَ النَسْخِ لَيْسَتْ هُنا، اللهُمَّ إلّا أنْ يَتَجَوَّزَ في لَفْظَةِ النَسْخِ لِيَفْهَمَ سائِلًا.
وقالَ عِكْرِمَةُ: هَذا الحُكْمُ كانَ في قَوْمِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ، وأمّا هَذِهِ الأُمَّةُ فَلَها سَعْيُ غَيْرِها، والدَلِيلُ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، «قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: هَلْ لِأُمِّي إنْ تَطَوَّعْتُ عنها أجْرٌ؟
قالَ: نَعَمْ،» وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هَذا الإنْسانُ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ هو الكافِرُ، وأمّا المُؤْمِنُ فَلَهُ ما سَعى وما سَعى لَهُ غَيْرُهُ، وسَألَ عَبْدُ اللهِ بْنُ طاهِرِ بْنِ الحُسَيْنِ والِي خُراسانَ الحُسَيْنَ بْنَ الفَضْلِ عن هَذِهِ الآيَةِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ ﴾ ، فَقالَ لَهُ: لَيْسَ بِالعَدْلِ إلّا ما سَعى، ولَهُ بِفَضْلِ اللهِ ما شاءَ اللهُ، فَقَبَّلَ عَبْدُ اللهِ رَأْسَ الحُسَيْنِ، وقالَ الجُمْهُورُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، والتَحْرِيرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مُلّاكَ المَعْنى هو في اللامِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْإنْسانِ"، فَإذا حَقَّقْتَ الشَيْءَ الَّذِي هو حَقُّ الإنْسانِ يَقُولُ فِيهِ: "لِي كَذا" لَمْ تَجِدْهُ إلّا سَعْيَهُ، وما تَمَّ بَعْدُ مِن رَحْمَةٍ بِشَفاعَةٍ أو رِعايَةِ أبٍ صالِحٍ أوِ ابْنٍ صالِحٍ أو تَضْعِيفِ حَسَناتٍ أو تَغَمُّدٍ بِفَضْلٍ ورَحْمَةٍ دُونَ هَذا كُلِّهِ، فَلَيْسَ هو لِلْإنْسانِ ولا يَسَعُهُ أنْ يَقُولَ: "لِي كَذا وكَذا" إلّا عَلى تَجَوُّزٍ وإلْحاقٍ بِما هو لَهُ حَقِيقَةً، واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن يَرى أنَّهُ لا يَعْمَلُ أحَدٌ عن أحَدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِبَدَنٍ ولا مالٍ، وفَرَّقَ بَعْضُ العُلَماءِ بَيْنَ البَدَنِ والمالِ، وهي عِنْدِي كُلُّها فَضائِلُ لِلْعامِلِ وحَسَناتٌ تُذْكَرُ لِلْمَعْمُولِ عنهُ، وقَدْ أمَّرَ رَسُولُ اللهِ سَعْدًا رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالصَدَقَةِ عن أُمِّهِ، والسَعْيُ: الكَسْبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُرى" فاعِلُهُ حاضِرٌ والقِيامَةُ، أيْ يَراهُ اللهُ ومَن شاهَدَ الأمْرَ، وفي عَرْضِ الأعْمالِ عَلى الجَمِيعِ تَشْرِيفٌ لِلْمُحْسِنِينَ وتَوْبِيخٌ لِلْمُسِيئِينَ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : « "مَن سَمِعَ بِأخِيهِ فِيما يَكْرَهُ سَمَّعَ اللهُ بِهِ سامِعَ خَلْقِهِ يَوْمَ القِيامَةِ".» وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوفى ﴾ وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
و"المُنْتَهى": يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الحَشْرَ والمَصِيرَ بَعْدَ المَوْتِ، فَهو مُنْتَهى بِالإضافَةِ إلى الدُنْيا وإنْ كانَ بَعْدَهُ مُنْتَهًى آخَرَ وهو الجَنَّةُ أوِ النارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالمُنْتَهى الجَنَّةَ أوِ النارَ، فَهو مُنْتَهًى عَلى الإطْلاقِ، لَكِنَّ في الكَلامِ حَذْفٌ مُضافٌ، أيْ: إلى عَذابِ رَبِّكَ أو رَحْمَتِهِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «قالَ النَبِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى ﴾ "لا فِكْرَةَ في الرَبِّ"،» ورَوى أنَسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إذا ذُكِرَ الرَبُّ فانْتَهُوا"،» وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ يَوْمًا عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: "فِيمَ أنْتُمْ"؟
قالُوا: نَتَفَكَّرُ في الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ؛ فَإنَّهُ لا تُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ"...» الحَدِيثُ، وذَكَرَ تَعالى الضَحِكَ والبُكاءَ لِأنَّهُما صِفَتانِ تَجْمَعانِ أصْنافًا كَثِيرَةً مِنَ الناسِ؛ إذِ الواحِدَةُ دَلِيلُ السُرُورِ والأُخْرى دَلِيلُ الحُزْنِ في الدُنْيا والآخِرَةِ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلى هاتَيْنِ الخاصَّتَيْنِ اللَتَيْنِ هُما لِلْإنْسانِ وحْدَهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى: أضْحَكَ أهْلَ الجَنَّةِ وأبْكى أهْلَ النارِ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ في هَذا أقْوالًا اسْتِعارِيَّةً كَمَن قالَ: أضْحَكَ الأرْضَ بِالنَباتِ وأبْكى السَماءَ بِالمَطَرِ، ونَحْوَهُ، و"أماتَ وأحْيا" بَيِّنٌ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ قَوْلًا إنَّهُ أحْيا بِالإيمانِ وأماتَ بِالكُفْرِ.
و"الزَوْجَيْنِ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرِيدُ بِهِ المُصْطَحِبِينَ مِنَ الناسِ، مِنَ الرَجُلِ والمَرْأةِ وما ضارَعَ مِنَ الحَيَوانِ، والخُنْثى مُتَمَيِّزٌ ولا بُدَّ لِأحَدِ الجِهَتَيْنِ.
و"النُطْفَةُ" في اللُغَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الماءِ كانَتْ يَسِيرَةً أو كَثِيرَةً، ويُرادُ بِها هُنا الذُكْرانُ.
وقَوْله: "تَمَنّى" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "أمْنى الرَجُلُ" إذا خَرَجَ مِنهُ المَنِيُّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِكَ: "مَنّى اللهُ الشَيْءَ" إذا خَلَقَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا تَخَلَّقَ وتَقَدَّرَ.
و"النَشْأةَ الأُخْرى" هي إعادَةُ الأجْسامِ إلى الحَشْرِ بَعْدَ البِلى في التَرْكِيبِ، وقَرَأ الناسُ: "النَشْأةَ" بِسُكُونِ الشِينِ وبِالهَمْزِ والقَصْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والأعْرَجُ: "النَشاءَةَ" مَمْدُودَةً، و"أقْنى" مَعْناهُ: أكْسَبُ، تَقُولُ: قَنَيْتُ المالَ أيْ كَسَبْتُهُ، ثُمَّ تَعَدّى بَعْدَ ذَلِكَ بِالهَمْزَةِ، وتَعَدّى بِالتَضْعِيفِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: كَمْ مِن غَنِيٍّ أصابَ الدَهْرُ ثَرْوَتَهُ ∗∗∗ ومِن فَقِيرٍ تَقَنّى بَعْدَ إقْلالِ وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "أقْنى" بِعِباراتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: أقْنى مَعْناهُ: اكْتَسَبَ ما يَقْتَنِي، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: أرْضى وأغْنى، وقالَ حَضْرَمِيُّ: مَعْناهُ: أغْنى نَفْسَهُ و"أقْنى" أفْقَرَ عِبادَهُ إلَيْهِ، وقالَ الأخْفَشُ: أغْنى: أفْقَرُ، وهَذِهِ عِباراتٌ لا تَقْتَضِيها اللَفْظَةُ، والوَجْهُ فِيها بِحَسَبِ اللُغَةِ: أكْسَبُ ما يُقْتَنى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أقْنى: أقْنَعَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَناعَة خَيْرُ قَنْيَةٍ، والغِنى عَرَضٌ زائِلٌ، فَلِلَّهِ دَرُّ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.
و"الشِعْرى": نَجْمٌ في السَماءِ، وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: هو مَرْزَمُ الجَوْزاءِ، وهُما شِعْرِيّانِ: إحْداهُما: الغُمَيْصاءُ والأُخْرى العُبُورُ، لِأنَّها عَبَرَتِ المَجَرَّةَ، وكانَتْ خُزاعَةُ مِمَّنْ يَعْبُدُ هَذِهِ الشِعْرى، ومِنهم أبُو كَبْشَةَ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ والثَعْلَبِيُّ، واسْمُهُ عَبْدُ الشِعْرى، فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِكْرِ، أيْ: وهو رَبُّ هَذا المَعْبُودِ الَّذِي هو لَكم.
و"عادٌ": قَوْمُ هُودٍ، واخْتَلَفَ في مَعْنى وصْفِها بِالأُولى، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ: ذَلِكَ لِأنَّها في وجْهِ الدَهْرِ وقَدِيمِهِ، فَهي أولى بِالإضافَةِ إلى الأُمَمِ المُتَأخِّرَةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: سُمِّيَتْ بِالأُولى لِأنَّ ثُمَّ عادًا أخِيرَةً -وَهِيَ قَبِيلَةٌ- كانَتْ بِمَكَّةَ مَعَ العَمالِيقِ وهم بَنُو لُقَيْمِ بْنِ هُزالٍ، والقَوْلُ الأوَّلُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ هَذا الأخِيرَ لَمْ يَصِحَّ، وقالَ المُبَرِّدُ: عادٌ الأخِيرَةُ هي ثَمُودُ، والدَلِيلُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ..............
∗∗∗ كَأحْمَرَ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وقِيلَ الأخِيرَةُ: الجَبّارُونَ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عادًا" مُنَوَّنَةً "الأُولى" مَهْمُوزَةً، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا الأولى" بِإزالَةِ التَنْوِينِ والهَمْزِ، وهَذا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: "أحَدٌ اللهُ"، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ..............
∗∗∗ ولا ذاكِرِ اللهَ إلّا قَلِيلًا وقَرَأ قَوْمٌ: "عادٌ الأُولى"، والنُطْقُ بِها "عادَنِ الأُولى"، واجْتَمَعَ سُكُونُ نُونِ التَنْوِينِ وسُكُونُ لامِ التَعْرِيفِ فَكُسِرَتِ النُونُ لِلِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما وبَيْنَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ إلّا تَرَكُ الهَمْزِ، وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا، وأبُو عَمْرٍو بِالوَصْلِ والإدْغامِ: "عادًا لِوَلى" بِإدْغامِ النُونِ في اللامِ ونَقْلِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ إلى اللامِ، وعابَ أبُو عُثْمانَ المازِنِيُّ والمُبَرِّدُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالا: إنَّ هَذا النَقْلَ لا يُخْرِجُ اللامَ عن حَدِّ السُكُونِ، وحَقُّ ألِفِ الوَصْلِ أنْ تَبْقى كَما تَقُولُ العَرَبُ إذا نُقِلَتِ الهَمْزَةُ مِن قَوْلِهِمْ: "الأحْمَرُ" فَإنَّهم يَقُولُونَ: "الحَمْرُ جاءَ" فَكَذَلِكَ يُقالُ هُنا "عادًا لْلُولى"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: والقِراءَةُ سائِغَةٌ، وأيْضًا فَمِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: "لَحَمَرُ جاءَ" فَيُحْذَفُ الألِفُ مَعَ النَقْلِ ويُعْتَدُّ بِحَرَكَةِ اللامِ ولا يَراها في حُكْمِ السُكُونِ، وقَرَأ نافِعٌ فِيما رُوِيَ عنهُ: "عادًا اللُؤْلى" بِهَمْزِ "اللُؤْلى"،يَهْمِزُ الواوَ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الواوِ والضَمَّةِ حائِلٌ يَحْمِلُ الهَمْزَةَ فَهَمَزَها كَما تُهْمَزُ الواوُ المَضْمُومَةُ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن قَرَأ: "عَلى سُؤْقِهِ"، وكَما قالَ الشاعِرُ: لَحَبَّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗.....................
وهِيَ لُغَةٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَثَمُودًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "عادًا"، وقَرَأ عاصِمٌ، والحَسَنُ، وعِصْمَةٌ: "وَثَمُودُ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وهي في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِغَيْرِ ألِفٍ بَعْدَ الدالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَما أبْقى" ظاهِرُهُ: فَما أبْقى عَلَيْهِمْ، وتَأوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ: فَما أبْقى مِنهم عَيْنًا تُطْرَفُ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ الحَجّاجُ حِينَ سَمِعَ قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنْ ثَقِيفًا مِن ثَمُودَ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿ وَثَمُودَ فَما أبْقى ﴾ ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: بَقِيَ مِنهم باقِيَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى ﴾ ﴿ والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى ﴾ ﴿ فَغَشّاها ما غَشّى ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ ﴿ هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُذُرِ الأُولى ﴾ ﴿ أزِفَتِ الآزِفَةُ ﴾ ﴿ لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ ﴾ ﴿ أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴾ ﴿ وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ ﴾ ﴿ وَأنْتُمْ سامِدُونَ ﴾ ﴿ فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا ﴾ نُصِبَ "قَوْمَ نُوحٍ" عَطْفًا عَلى "ثَمُودَ"، وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن قَبْلُ" لِأنَّهم كانُوا أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ مِن أهْلِ الأرْضِ، و"نُوحٌ" أوَّلُ الرُسُلِ، وجَعَلَهم "أظْلَمَ وأطْغى" لِأنَّهم سَبَقُوا إلى التَكْذِيبِ دُونَ اقْتِداءٍ بِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، وأيْضًا فَإنَّهم كانُوا في غايَةٍ مِنَ العُتُوِّ، وكانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ قَدْ طالَ في دُعائِهِمْ، وكانَ الرَجُلُ يَأْتِي إلَيْهِ مَعَ ابْنِهِ فَيَقُولُ: أُحَذِّرُكَ مِن هَذا الرَجُلِ فَإنَّهُ كَذّابٌ، ولَقَدْ حَذَّرَنِي مِنهُ أبِي وأخْبَرَنِي أنَّ جَدِّي حَذَّرَهُ مِنهُ، فَمَشَتْ عَلى هَذا أخْلاقُهم ألْفًا إلّا خَمْسِينَ عامًا.
و"المُؤْتَفِكَةَ" قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومَعْنى "المُؤْتَفِكَةَ": المُتَقَلِّبَةُ؛ لِأنَّها أفِكَتْ فائْتَفَكَتْ، ومِنهُ "الإفْكُ" لِأنَّهُ قَلْبُ الحَقِّ كَذِبًا، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والمُؤْتَفِكاتِ" عَلى الجَمْعِ، و"أهْوى" مَعْناهُ: طَرَحَها مِن هَواءٍ عالٍ إلى أسْفَلَ، وهَذا ما رُوِيَ مِن أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَها بِجَناحِهِ حَتّى بَلَغَ بِها قُرْبَ السَماءِ فَهَبَطَ الجَمِيعُ، ثُمَّ أُتْبِعُوا بِحِجارَةٍ، وهي الَّتِي غَشّاها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْإنْسانِ الكافِرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذا هو اللهُ الَّذِي لَهُ هَذِهِ الأفاعِيلُ، وهو خالِقُكَ المُنْعِمُ عَلَيْكَ بِكُلِّ النِعَمِ، فَفي أيُّها تَشُكُّ؟
و"تَتَمارى" مَعْناهُ: تَتَشَكَّكُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: "رَبِّكَ تَّمارى" بِتاءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ الغِفارِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ألا تَزِرُ وازِرَةٌ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: "تَتَمارى" هو في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذا نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى مُحَمَّدٍ ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ إلى القُرْآنِ، وهو تَأْوِيلُ قَوْمٍ، وقالَ أبُو مالِكٍ: الإشارَةُ بِهَذا النَذِيرِ إلى ما سَلَفَ مِنَ الأخْبارِ عَنِ الأُمَمِ، و"نَذِيرٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، و"نَذَرَ" جَمْعُ نَذِيرٍ، وقالَ: "الأُولى" بِمَعْنى أنَّهُ في الرُتْبَةِ والأوصافُ والمَنزِلَةُ مِن تِلْكَ المُتَقَدِّمَةِ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: "أزِفَتِ الآزِفَةُ" مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةً، و"الآزِفَةُ" عِبارَةٌ عَنِ القِيامَةِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، و"أزِفَ" مَعْناهُ: قَرُبَ جِدًّا، قالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: بانَ الشَبابُ وأمْسى الشَيْبُ قَدْ أزِفا ولا أرى لِشَبابٍ ذاهِبٍ خَلَفا وقَوْلُهُ تَعالى: "كاشِفَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ، التَقْدِيرُ: حالَةٌ كاشِفَةٌ، أو مِنَّةٌ كاشِفَةٌ، أو سِعايَةٌ، قالَ الرُمّانِيُّ: أو جَماعَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ و"خائِنَةَ الأعْيُنِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى "كاشِفٍ" والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ ﴾ ، وأمّا مَعْنى "كاشِفَةٌ" فَقالَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ: هو مِن كَشْفِ السِرِّ، أيْ: لَيْسَ مِن دُونِ اللهِ مَن يَكْشِفُ وقْتَها ويَعْلَمُهُ، وقالَ الزَهْراوِيُّ عن مُنْذِرِ بْنِ سَعِيدٍ: هو مَن كَشْفِ الضُرِّ ودَفْعِهِ، أيْ: لَيْسَ مَن يَكْشِفُ هَوْلَها وخَطْبَها، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لَيْسَ لَها مِمّا تَدَّعُونَ مِن دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ وهي عَلى الظالِمِينَ ساءَتِ الغاشِيَةُ".
و"هَذا الحَدِيثُ" هو القُرْآنُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أفَمَن"؟
تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "تَعْجَبُونَ"، تَضْحَكُونَ" بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ، وقَرَأ الحَسَنُ: "تَعْجَبُونَ تَضْحَكُونَ" بِضَمِّ التاءِ فِيهِما وكَسْرِ الجِيمِ والحاءِ وحَذْفِ واوِ العَطْفِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: "وَلا تَبْكُونَ" حَضٌّ عَلى البُكاءِ عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ، ورَوى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ قالَ: « "إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ يُخَوِّفُ، فَإذا قَرَأْتُمُوهُ فابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا"،» ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
و"السامِدُ": اللاعِبُ اللاهِي، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الشاعِرُ: قِيلَ قُمْ فانْظُرْ إلَيْهِمْ ∗∗∗ ثُمَّ دَعْ عنكَ السُمُودا و"سَمَدَ" بِلُغَةِ حِمْيَرٍ: غَنّى، وهَذا كُلُّهُ مَعْنًى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ، قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ ونَحْنُ قِيامٌ نَنْتَظِرُ لِلصَّلاةِ فَقالَ: ما لِي أراكم سامِدِينَ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّهُ رَآهم في أحادِيثَ ونَحْوِها مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ غَفْلَةٌ ما، وقالَ إبْراهِيمُ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَنْتَظِرُوا خُرُوجَ الإمامِ قِيامًا، وفي الحَدِيثِ: « "إذا أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَلا تَقُومُوا حَتّى تَرَوْنِي"».
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالسُجُودِ وعِبادَةِ اللهِ تَحْذِيرًا وتَخْوِيفًا، وهاهُنا سَجْدَةٌ في قَوْلِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ ورَدَتْ بِها أحادِيثُ صِحاحٌ، ولَيْسَ يَراها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، وقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «إنَّهُ قَرَأ بِها عِنْدَ النَبِيِّ فَلَمْ يَسْجُدْ.» تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [النَجْمِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ