المحرر الوجيز سورة الرحمن

الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > تفسير سورة الرحمن

تفسيرُ سورةِ الرحمن كاملةً من المحرر الوجيز (ابن عطية) (ابن عطية الأندلسي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 55 دقيقة قراءة

تفسير سورة الرحمن كاملةً (ابن عطية الأندلسي)

ٱلرَّحْمَـٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ ٤ ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍۢ ٥ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ٦ وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ ٧ أَلَّا تَطْغَوْا۟ فِى ٱلْمِيزَانِ ٨ وَأَقِيمُوا۟ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا۟ ٱلْمِيزَانَ ٩ وَٱلْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ ١٠ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَٱلنَّخْلُ ذَاتُ ٱلْأَكْمَامِ ١١ وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ ١٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ فِيما قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ وقالَ نافِعُ بْنُ أبِي نَعِيمٍ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، وكُرَيْبٌ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي مَدَنِيَّةٌ نَزَلَتْ عِنْدَ إبايَةِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو وغَيْرِهِ أنْ يَكْتُبَ في الصُلْحِ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، والأوَّلُ أصَحُّ، وإنَّما نَزَلَتْ حِينَ قالَتْ قُرَيْشٌ بِمَكَّةَ: ﴿ وَما الرَحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا  ﴾ ؟، وفي السِيرَةِ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ جَهَرَ بِقِراءَتِها في المَسْجِدِ حَتّى قامَتْ إلَيْهِ أنْدِيَةُ قُرَيْشٍ فَضَرَبُوهُ، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الرَحْمَنُ ﴾ ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ ﴾ ﴿ عَلَّمَهُ البَيانَ ﴾ ﴿ الشَمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ ﴾ ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ﴿ والسَماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ ﴾ ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ ﴿ والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ ﴾ ﴿ فِيها فاكِهَةٌ والنَخْلُ ذاتُ الأكْمامِ ﴾ ﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الرَحْمَنُ" بِناءُ مُبالِغَةٍ مِنَ الرَحْمَةِ، وهو اسْمٌ اخْتُصَّ اللهُ تَعالى بِالِاتِّصافِ بِهِ، وحَكى ابْنُ فَوْرِكِ عن قَوْمٍ أنَّهم يَجْعَلُونَ "الرَحْمَنُ" آيَةً تامَّةً، كَأنَّ التَقْدِيرَ: الرَحْمَنُ رَبُّنا، وقالَهُ الرُمّانِيُّ وأنَّ التَقْدِيرَ: اللهُ الرَحْمَنُ، وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما الآيَةُ "الرَحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ"، فَهو جُزْءُ آيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ القُرْآنَ ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، أيْ: هو مَنَّ بِهِ، وعَلَّمَهُ الناسُ، وخَصَّ حُفّاظَهُ وفَهَمَتَهُ بِالفَضْلِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  : « "خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ"،» ومِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّ القُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ أنَّ اللهَ تَعالى ذَكَرَ القُرْآنَ في كِتابِهِ في أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ مَوْضِعًا ما فِيها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذَكَرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ما مِنها مَوْضِعٌ صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظَةِ الخُلُقِ ولا أشارَ إلَيْهِ، وذُكِرَ الإنْسانُ عَلى الثُلُثِ مِن ذَلِكَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا كُلُّها نَصَّتْ عَلى خُلُقِهِ، وقَدِ اقْتَرَنَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ السُورَةِ عَلى هَذا النَحْوِ.

و"الإنْسانُ" هُنا اسْمُ الجِنْسِ، حَكاهُ الزَهْراوِيُّ وغَيْرُهُ، و"البَيانَ": النُطْقَ والفَهْمَ والإبانَةَ عن ذَلِكَ بِقَوْلٍ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ والجُمْهُورُ، وذَلِكَ هو الَّذِي فَضَّلَ الإنْسانَ مِن سائِرِ الحَيَوانِ، وقالَ قَتادَةُ: هو بَيانُ الحَلالِ والحَرامِ والشَرائِعِ، وهَذا جُزْءٌ مِنَ البَيانِ العامِّ، وقالَ قَتادَةُ: "الإنْسانَ" آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: "الإنْسانَ" مُحَمَّدٌ  ، وهَذا التَخْصِيصُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وكُلُّ المَعْلُوماتِ داخِلَةٌ في البَيانِ الَّذِي عَلِمَهُ الإنْسانُ، فَكَأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: مِن ذَلِكَ البَيانُ وفِيهِ مُعْتَبَرُ كَوْنِ الشَمْسِ والقَمَرِ بِحُسْبانٍ، فَحَذَفَ هَذا كُلَّهُ، ورَفَعَ "الشَمْسُ" بِالِابْتِداءِ، وهَذا ابْتِداءُ تَعْدِيدِ نِعَمٍ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِحُسْبانٍ" فَقالَ مَكِّيٌّ، والزَهْراوِيُّ، عن قَتادَةَ: هو مَصْدَرٌ كالحِسابِ في المَعْنى، كالغُفْرانِ والطُغْيانِ في الوَزْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ لَها في طُلُوعِها وغُرُوبِها وقَطْعِهِما البُرُوجَ وغَيْرِ ذَلِكَ حِساباتٌ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي مالِكٍ، وقَتادَةَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَوْلا اللَيْلُ والنَهارُ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ كَيْفَ يَحْسَبُ شَيْئًا مِن مَقادِيرِ الزَمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الحُسْبانُ: الفُلْكُ المُسْتَدِيرُ، شُبِّهَ بِحُسْبانِ الرَحى وهو العُودُ المُسْتَدِيرُ الَّذِي بِاسْتِدارَتِهِ تَدُورُ المِطْحَنَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسَدِّيُّ، وسُفْيانُ: "النَجْمُ": النَباتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِأنَّهُ نَجَمٌ، أيْ: ظَهَرَ وطَلَعَ، وهو مُناسِبٌ لِلشَّجَرِ يُشَبَّه بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: النَجْمُ: اسْمُ الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَماءِ، والنِسْبَةُ الَّتِي لَها مِنَ السَماءِ هي الَّتِي لِلشَّجَرِ مِنَ الأرْضِ لِأنَّهُما في ظاهِرِهِما، وسُمِّيَ الشَجَرُ مِنَ اشْتِجارِ غُصُونِهِ وهو تَداخُلُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا السُجُودِ، فَقالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ: ذَلِكَ في النَجْمِ بِالغُرُوبِ ونَحْوِهِ، وفي الشَجَرِ بِالظِلِّ واسْتِدارَتِهِ، وكَذَلِكَ في النَجْمِ عَلى القَوْلِ الآخَرِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا ما مَعْناهُ: أنَّ السُجُودَ في هَذا كُلِّهِ تَجَوُّزٌ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: .................

تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وقالَ تَعالى: "يَسْجُدانِ" وهُما جَمْعانِ، لِأنَّهُ راعى اللَفْظَةَ، لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ اسْمٌ لِلنَّوْعِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: ألَمْ يَحْزُنْكَ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا وقَرَأ الجُمْهُورُ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الصَغِيرَةِ وهي "يَسْجُدانِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ جُمْلَةٌ مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ وهَذِهِ كَذَلِكَ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "والسَماءَ رَفَعَها" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الكَبِيرَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والنَجْمُ والشَجَرُ يَسْجُدانِ ﴾ ؛ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، والأُخْرى كَذَلِكَ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَخَفَضَ المِيزانَ"، ومَعْنى "وَضَعَ": أقَرَّ وأثْبَتُ، و"المِيزانَ": العَدْلُ فِيما قالَ الطَبَرِيُّ، ومُجاهِدٌ، وأكْثَرُ الناسِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: إنَّهُ المِيزانُ المَعْرُوفُ، وهو جُزْءٌ مِنَ المِيزانِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَنِ العَدْلِ، ويَظْهَرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَوَضَعَ المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ العَدْلَ، وأنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ﴾ ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ المِيزانَ المَعْرُوفَ، وكُلُّ ما قِيلَ مُحْتَمَلٌ سائِغٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألّا تَطْغَوْا" نَهْيٌ عَنِ التَعَمُّدِ الَّذِي هو طُغْيانٌ بِالمِيزانِ، وأمّا ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلَيْهِ مِنَ التَحْرِيرِ بِالمِيزانِ فَذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنِ الناسِ، و"ألّا" هو بِتَقْدِيرِ: "لِئَلّا" أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"تَطْغَوْا" نُصِبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً فَيَكُونُ "تَطْغَوْا" جُزِمَ بِالنَهْيِ، وفي مُصْحَفِابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا تَطْغَوْا" بِغَيْرِ "أنْ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَلا تُخْسِرُوا" مَن أخْسَرُ، أيْ: نَقَصَ وأفْسَدَ، وقالَ بِلالُ بْنُ أبِي بُرْدَةَ: "وَتُخْسِرُوا" بِفَتْحِ التاءِ وكَسْرِ السِينِ مَن خَسِرَ، ويُقالُ: خَسِرَ بِمَعْنى نَقَصَ وأفْسَدَ كَجَبَرَ وأجْبَرَ، وقَرَأ بِلالٌ أيْضًا -فِيما حَكى عنهُ ابْنُ جِنِّيٍّ -: "تَخْسَرُوا" بِفَتْحِ التاءِ والسِينِ مِن خَسِرَ بِكَسْرِ السِينِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "الأنامِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: هم بَنُو آدَمَ فَقَطْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هُمُ الثَقَلانِ الجِنُّ والإنْسُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ: هُمُ الحَيَوانُ كُلُّهُ.

و"الأكْمامِ" في النَخْلِ مَوْجُودَةٌ في المَوْضِعَيْنِ: فَجُمْلَةُ فُرُوعِ النَخْلَةِ في أكْمامٍ مِن لِيفِها، وطَلَعَ النَخْلُ في كُمٍّ مِن جِهَةٍ، وقالَ قَتادَةُ: أكْمامُ النَخِيلِ رِقابُها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والكِمُّ مِنَ النَباتِ كُلُّ ما التَفَّ عَلى شَيْءٍ وسَتَرَهُ، ومِنهُ كَمائِمُ الزَهْرِ، وبِهِ شُبِّهَ كُمُّ الثَوْبِ.

﴿ والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانُ ﴾ ، الحَبُّ ذُو العَصْفِ هو القَمْحُ والشَعِيرُ وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الحَبِّ الَّذِي لَهُ سُنْبُلٌ وأوراقٌ مُتَشَعِّبَةٌ عَلى ساقِهِ، وهي العَصِيفَةُ إذا يَبِسَتْ، ومِنهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: تُسْقى مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ حُدُورُها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْفُ: التِبْنُ، وتَقُولُ العَرَبُ: خَرَجْنا نَتَعَصَّفُ، أيْ: يَسْتَعْجِلُونَ عَصِيفَةَ الزَرْعِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو البَرْهَسِمِ: "والحَبَّ" -بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "الأرْضَ"- "ذا العَصْفِ والرَيْحانِ"، إلّا أنَّ أبا البَرْهَسْمِ خَفَضَ النُونَ.

واخْتَلَفُوا في الرَيْحانِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: الرِزْقُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ وهو النَمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ وجَنَّتُهُ وسَماءٌ دِرَرْ وقالَ الحَسَنُ: هو رَيْحانُكم هَذا، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هو كُلُّ ما قامَ عَلى ساقٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: الرَيْحانُ هو كُلُّ مَشْمُومٍ طَيِّبِ الرِيحِ مِنَ النَباتِ، وفي هَذا النَوْعِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنهُ الأزْهارُ والمَندَلُ والعَقاقِيرُ وغَيْرُ ذَلِكَ وقالَ الفَرّاءُ: العَصْفُ فِيما يُؤْكَلُ، والرَيْحانُ كُلُّ ما لا يُؤْكَلُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" وَهَذِهِ القِراءَةُ في المَعْنى كالأُولى، في الإعْرابِ حَسَنَةُ الِاتِّساقِ عَطْفًا عَلى "فاكِهَةٌ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "والحَبُّ" بِالرَفْعِ "ذُو العَصْفِ والرَيْحانِ" بِخَفْضِ "الرَيْحانِ" عَطْفًا عَلى "العَصْفِ"، كَأنَّ "الحَبَّ" هُما لَهُ عَلى أنَّ "العَصْفَ" مِنهُ الوَرَقُ وكُلُّ ما يُعْصَفُ بِاليَدِ والرِيحِ فَهو رِزْقُ البَهائِمِ، و"الرَيْحانُ" مِنهُ الحَبُّ وهو رِزْقُ الإنْسِ، والرَيْحانُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- لا يَدْخُلُ فِيهِ المَشْمُومُ بِتَكَلُّفٍ.

و"رَيْحانُ" هو مِن ذَواتِ الواوِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ رَيْحانُ اسْمًا وُضِعَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا عَلى وزْنِ فِعْلانِ، كاللِيّانِ وما جَرى مَجْراهُ أصْلُهُ رَوْحانُ، أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً كَما أبْدَلُوا الياءَ واوًا في "أشاوِي"، وإمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِمّا شَذَّ في المُعْتَلِّ كَما شَذَّ كَيْنُونَةَ وبَيْنُونَةَ، فَأصْلُهُ رَيْوَحانُ، قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأدْغَمَتِ الياءُ في الياءِ فَجاءَ "رَيْحانُ" فَخُفِّفَ، كَما قالُوا: مَيْتٌ ومَيِّتٌ وهَيْنٌ وهَيِّنٌ.

و"الآلاءُ": النِعَمُ، واحِدُها إلًى مِثْلُ مِعًى وأُلًى مِثْلُ نَقًى، حَكى هَذَيْنِ أبُو عُبَيْدَةَ، وألْيٌ مِثْلُ أمْنٍ، وإلْيٌ مِثْلُ حِصْنٍ، حَكى هَذَيْنِ الزَهْراوِيُّ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "رَبُّكُما" لِلْجِنِّ والإنْسِ، وساغَ ذَلِكَ ولَمْ يُصَرِّحْ لَها بِذِكْرٍ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: إمّا أنَّهُما قَدْ ذُكِرا في قَوْلِهِ تَعالى: "لِلْأنامِ" عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ الثِقْلانِ، وإمّا عَلى أنَّ أمْرَهُما مُفَسَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "خَلَقَ الإنْسانَ" و"خَلَقَ الجانَّ" فَساغَ تَقْدِيمُهُما في الضَمِيرِ اتِّساعًا.

وقالَ الطَبَرِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ هَذا مِن بابِ "ألْقِيا في جَهَنَّمَ"، "وَيا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ"، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: خُوطِبَ مَن يَعْقِلُ لِأنَّ المُخاطَبَةَ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ لِلْإنْسِ والجانِّ، ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا قَرَأها النَبِيُّ  سَكَتَ أصْحابَهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "إنَّ جَوابَ الجِنِّ خَيْرٌ مِن سُكُوتِكُمْ، إنِّي لَمّا قَرَأتُها عَلى الجِنِّ قالُوا: لا نُكَذِّبُ بِآلاءِ رَبِّنا".» <div class="verse-tafsir"

خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن صَلْصَـٰلٍۢ كَٱلْفَخَّارِ ١٤ وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍۢ مِّن نَّارٍۢ ١٥ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦ رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ ١٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ ﴾ ﴿ وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: "الإنْسانَ": آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ اسْمَ الجِنْسِ، وساغَ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّ أباهم مَخْلُوقٌ مِنَ الصَلْصالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِ الصَلْصالِ، فَقالَ مَكِّيٌّ -فِيما حَكى- والنَقّاشُ: هو "مِن صَلَّ اللَحْمُ وغَيْرِهِ" إذا أنْتَنَ، فَهي إشارَةٌ إلى الحَمْأةِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو مِن "صَلَّ" إذا صَوَّتَ، وذَلِكَ في الطِينِ لِكَرَمِهِ وجَوْدَتِهِ، فَهي إشارَةٌ إلى ما كانَ في تُرْبَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ مِنَ الطِينِ الحُرِّ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَهُ مِن طِينٍ طَيِّبٍ وخَبِيثٍ ومُخْتَلِفِ اللَوْنِ، فَمَرَّةً ذَكَرَ في خَلْقِهِ هَذا ومَرَّةً هَذا، وكُلُّ ما في القُرْآنِ في ذَلِكَ صِفاتٌ تَرَدَّدَتْ عَلى التُرابِ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ.

والفَخّارُ: الطِينُ الطَيِّبُ إذا مَسَّهُ الماءُ فَخَرَّ أيْ: رَبا وعَظُمَ.

و"الجانَّ": اسْمُ جِنْسٍ كالجِنَّةِ، و"المارِجُ": اللهَبُ المُضْطَرِبُ مِنَ النارِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وهو أحْسَنُ النارِ المُخْتَلِطِ مِن ألْوانِ الشَتّى، «وَقالَ النَبِيُّ  لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عنهُما: "كَيْفَ بِكَ إذا كُنْتَ في حُثالَةٍ مِنَ الناسِ قَدْ مَرَجَتْ عُهُودُهم وأمانَتُهُمْ".» وكَرَّرَ قَوْلَهُ تَعالى: ( فَبِأيِ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ) تَأْكِيدًا وتَنْبِيهًا لِنُفُوسٍ وتَحْرِيكًا لَها، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَعْرُوفَةٌ، وهي مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في مَواضِعَ، وفي حَدِيثِ النَبِيِّ  ، وفي كَلامِ العَرَبِ.

وذَهَبَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَكْرارَ إنَّما هو لَمّا اخْتَلَفَتِ النِعَمُ المَذْكُورَةُ كَرَّرَ التَوْقِيفُ مَعَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها وهَذا أحْسَنُ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: التَكْرارُ لِطَرْدِ الغَفْلَةِ والتَأْكِيدِ.

وخَصَّ تَعالى ذِكْرَ المَشْرِقَيْنِ والمَغْرِبَيْنِ بِالتَشْرِيفِ في إضافَةِ الرَبِّ إلَيْهِما لِعَظْمِهِما في المَخْلُوقاتِ، وأنَّهُما طَرَفا آيَةٍ عَظِيمَةٍ وعِبْرَةٍ وهي الشَمْسُ وجَرْيُها، وحَكى النَقّاشُ أنَّ "المَشْرِقَيْنِ" هُما مَشْرِقُ الشَمْسِ والقَمَرِ، و"المَغْرِبَيْنِ" كَذَلِكَ، عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العِبَرِ، وكُلٌّ مُتَّجَهٌ، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَهي إشارَةٌ إلى الناحِيَتَيْنِ بِجُمْلَتِهِما، ومَتى وقَعَ ذِكْرُ المَشارِقِ والمَغارِبِ فَهي إشارَةٌ إلى مَشْرِقِ كُلِّ يَوْمِ ومَغْرِبِهِ، ومَتى ذَكَرَ المَشْرِقانِ والمَغْرِبانِ فَهي إشارَةٌ إلى نِهايَتِيِ المَشارِقِ والمَغارِبِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ نِهايَتِيِ الشَيْءِ ذِكْرٌ لِجَمِيعِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو مَشْرِقُ الصَيْفِ ومَغْرِبُهُ ومَشْرِقُ الشِتاءِ ومَغْرِبُهُ.

<div class="verse-tafsir"

مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ١٩ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ ٢٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١ يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ ٢٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣ وَلَهُ ٱلْجَوَارِ ٱلْمُنشَـَٔاتُ فِى ٱلْبَحْرِ كَٱلْأَعْلَـٰمِ ٢٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍۢ ٢٦ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ ٢٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ ﴿ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ ﴿ وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" مَعْناهُ: أرْسَلَهُما إرْسالًا غَيْرَ مُنْحازٍ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، ومِنهُ: مَرَجَتِ الدابَّةُ، ومِنهُ: الأمْرُ المَرِيجُ، أيْ: المُخْتَلِطُ الَّذِي لَمْ يَتَحَصَّلْ مِنهُ شَيْءٌ، ومِنهُ ﴿ مِن مارِجٍ مِن نارٍ  ﴾ .

واخْتَلَفَ الناسُ في البَحْرَيْنِ - فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: بَحْرُ فارِسٍ وبَحْرُ الرُومِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: بَحْرُ القُلْزُمِ واليَمَنِ وبَحْرُ الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: بَحْرٌ في السَماءِ وبَحْرٌ في الأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا هو مَطَرُ السَماءِ -سَمّاهُ بَحْرًا- وبَحْرُ الأرْضِ، والظاهِرُ عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ ﴾ يُرِيدُ بِهِما نَوْعَيِ الماءِ العَذْبِ والأُجاجِ، أيْ: خَلْطُهُما في الأرْضِ وأرْسَلَهُما مُتَداخِلَيْنِ في وضْعِهِما في الأرْضِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما مِن بَعْضٍ، والعِبْرَةُ في هَذا التَأْوِيلِ مُنِيرَةٌ، وأنْشَدَ مُنْذِر بْن سَعِيد: ومَمْزُوجَةُ الأمْواهِ لا العَذْبُ غالِبُ عَلى المِلْحِ طَيِّبًا لا ولا المِلْحُ يَعْذُبُ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: "يَلْتَقِيانِ" فَعَلى التَأْوِيلَيْنِ الأوَّلَيْنِ مَعْناهُما: مُعَدّانِ لِلِالتِقاءِ وحَقُّهُما أنْ يَلْتَقِيا لَوْلا البَرْزَخُ، وعَلى القَوْلِ الثالِثِ أنَّهُما يَلْتَقِيانِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ بَحْرٌ يَجْتَمِعُ في السَماءِ فَهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وإنَّما يَتَوَجَّهُ اللِقاءُ فِيهِ وفي القَوْلِ الرابِعِ بِنُزُولِ المَطَرِ، وفي القَوْلِ الخامِسِ بِالأنْهارِ في البَحْرِ وبِالعُيُونِ قُرْبَ البَحْرِ.

و"البَرْزَخُ": الحاجِزُ في كُلِّ شَيْء، فَهو في بَعْضِ هَذِهِ الأقْوالِ أجْرامُ الأرْضِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي بَعْضِها القُدْرَةُ، والبَرْزَخُ أيْضًا المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ الدُنْيا والآخِرَةِ لِلْمَوْتى، فَهُو حاجِزٌ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّ ماءَ الأنْهارِ لا يَخْتَلِطُ بِالماءِ المِلْحِ بَلْ هو بِذاتِهِ باقٍ فِيهِ، وهَذا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ وإلّا فالعِيانُ لا يَقْتَضِيه، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ في "مَرَجَ البَحْرَيْنِ" ألْغازًا وأقْوالًا باطِنَةً لا يَجِبُ أنْ يَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ مِنها.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لا يَبْغِيانِ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ: لا يَبْغِي واحِدٌ مِنهُما عَلى الآخَرِ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا والحَسَنُ: لا يَبْغِيانِ عَلى الناسِ والعُمْرانِ، وهَذانَ القَوْلانِ عَلى أنَّ اللَفْظَ مِنَ البَغْيِ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هي مِن قَوْلِكَ: بَغْيٌ إذا طَلَبَ، فَمَعْناهُ: لا يَبْغِيانِ حالًا مِنَ الأحْوالِ غَيْرَ حالَيْهِما اللَتَيْنِ خُلِقا وسُخِّرا لَهُما.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ: اللُؤْلُؤُ: كِبارُ الجَوْهَرِ والمَرْجانُ: صِغارُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، ومُرَّةُ الهَمْدانِيُّ عَكْسُ هَذا، والوَصْفُ بِالصِغَرِ هو الصَوابُ في اللُؤْلُؤِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَرْجانُ حَجَرٌ أحْمَرُ، وهَذا هو الصَوابُ في المَرْجانِ، واللُؤْلُؤُ بِناءٌ غَرِيبٌ لا يُحْفَظُ مِنهُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ مِن خَمْسَةٍ: اللُؤْلُؤُ، والجُؤْجُؤُ، والدُؤْدُؤُ، واليُؤْيُؤُ -وَهُوَ طائِرٌ والبُؤْبُؤُ، وهو الأصْلُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِنهُما" - فَقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ في كِتابِ "الحُجَّةِ": وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ مِنَ المِلْحِ ومِنَ العَذْبِ، ورَدَّ الناسُ عَلى الشاعِرِ في قَوْلِهِ: فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطْمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ وَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: إنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ الأُجاجِ في المَواضِعِ الَّتِي تَقَعُ فِيها الأنْهارُ والمِياهُ العَذْبَةُ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وهَذا مَشْهُورٌ عِنْدَ الغَوّاصِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ: إنَّما تَتَكَوَّنُ هَذِهِ الأشْياءُ في البَحْرِ بِنُزُولِ المَطَرِ لِأنَّ الصُدَفَ وغَيْرَها تَفْتَحُ أجْوافَها لِلْمَطَرِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: "مِنهُما"، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ما مَعْناهُ: إنَّ خُرُوجَ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنَ المِلْحِ لَكِنَّهُ تَعالى قالَ: "مِنهُما" تَجَوُّزًا، كَما قالَ الشاعِرُ: ..............

∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحًا وكَما قالَ الآخَر: ...........

∗∗∗ عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا فَمِن حَيْثُ هُما نَوْعٌ واحِدٌ فَخُرُوجُ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّما هي مِنهُما وإنْ كانَتْ تَخْتَصُّ عِنْدَ التَفْصِيلِ المَبالَغِ بِأحَدِهِما، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا  ﴾ ﴿ وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا  ﴾ ، وإنَّما هو في إحْداهُنَّ وهي الدُنْيا إلى الأرْضِ، وقالَ الرُمّانِيُّ: العَذْبُ فِيهِما كاللِقاحِ لِلْمِلْحِ، فَهو كَما يُقالُ: الوَلَدُ يَخْرُجُ مِنَ الذَكَرِ والأُنْثى.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: "يَخْرُجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ "اللُؤْلُؤُ" رَفْعًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي جَعْفَرٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في رِوايَةِ حُسَيْنٍ الجُعْفِيِّ عنهُ:- "يُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ عَلى إسْنادِهِ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: بِتَمْكِينِهِ وقُدْرَتِهِ "اللُؤْلُؤَ" نَصْبًا، ورَواها أيْضًا بِالنُونِ مَضْمُومَةً وكَسَرَ الراءَ.

و"الجَوارِ" جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السُفُنُ، وقَرَأ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ: "الجَوارِيَ" بِإثْباتِ الياءِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ بِحَذْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "المُنْشَآتِ" بِفَتْحِ الشِينِ، أيْ: أنْشَأها اللهُ تَعالى أوِ الناسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ بِخِلافٍ عنهُ-: "المُنْشِئاتِ" بِكَسْرِ الشِينِ، أيْ: تُنْشِئُ هي السَيْرَ إَقْبالًا وإدْبارًا، و"الأعْلامُ" الجِبالُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الظِرابِ والآكامِ، وقالَ مُجاهِدٌ: ما لَهُ شِراعٌ فَهو مِنَ المُنْشَآتِ وما لَمْ يُرْفَعْ لَهُ شِراعٌ فَلَيْسَ مِنَ المُنْشَآتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "كالأعْلامِ" هو الَّذِي يَقْتَضِي هَذا الفَرْقَ، وأمّا لَفْظَةُ "المُنْشَآتُ" فَتَعُمُّ الكَبِيرَ والصَغِيرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ ﴾ لِلْأرْضِ، وكَنّى تَعالى عنها ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذُكِرَ لِوُضُوحِ المَعْنى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ  ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَواهِدِ، والإشارَةِ بِالفَناءِ إلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ عَلى الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وغَيْرِهِ، فَغَلَبَتْ عِبارَةُ مَن يَعْقِلُ فَلِذَلِكَ قالَ: "مَن".

و"الوَجْهُ" عِبارَةٌ عَنِ الذاتِ لِأنَّ الجارِحَةَ مَنفِيَّةٌ في حَقِّ اللهِ تَعالى، وهَذا كَما تَقُولُ: هَذا وجْهُ القَوْلِ والأمْرِ، أيْ: حَقِيقَتُهُ وذاتُهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى صِفَةِ لَفْظَةِ الوَجْهِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" عَلى صِفَةِ الرَبِّ تَبارَكَ وتَعالى.

<div class="verse-tafsir"

يَسْـَٔلُهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍۢ ٢٩ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢ يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا۟ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فَٱنفُذُوا۟ ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَـٰنٍۢ ٣٣ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌۭ مِّن نَّارٍۢ وَنُحَاسٌۭ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يَسْألُهُ مَن في السَماواتِ والأرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: "يَسْألُهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن "الوَجْهِ" والعامِلُ فِيهِ "يَبْقى"،أيْ: هو دائِمٌ في هَذِهِ الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُسْتَأْنَفًا إخْبارًا مُجَرَّدًا، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مِنَ الأشْياءِ فَهو في قِوامِهِ وتَمَسُّكِهِ ورِزْقِهِ إنْ كانَ مِمّا يُرْزَقُ بِحالِ حاجَةٍ إلى اللهِ تَعالى، فَمَن كانَ يَسْألُ بِنُطْقٍ فالأمْرُ فِيهِ بَيِّنٌ، ومَن كانَ مِن غَيْرِ ذَلِكَ فَحالُهُ تَقْتَضِي السُؤالَ فَأسْنَدَ فِعْلَ السُؤالِ إلَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ ﴾ أيْ: يَظْهَرُ شَأْنٌ مِن قُدْرَتِهِ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ في مِيقاتِهِ مِنَ الزَمَنِ، مِن إحْياءٍ وإماتَةٍ ورَفْعٍ وخَفْضٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَعْلَمُ نِهايَتَها إلّا هو تَعالى وجَلَّ، و"الشَأْنُ" اسْمُ جِنْسٍ لِلْأُمُورِ، قالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: مَعْنى الآيَةِ سَوْقُ المَقادِيرِ إلى المَواقِيتِ، وقَدْ ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ كُلُّ يَوْمٍ في اللَوْحِ المَحْفُوظِ ثَلاثمِائَةٍ وسِتُّونَ نَظْرَةً، يُعِزُّ فِيها ويُذِلُّ، ويُحْيِي ويُمِيتُ، ويُغْنِي ويُعْدِمُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأشْياءِ، لا إلَهَ إلّا هو.

وفي الحَدِيثِ «أنَّ النَبِيَّ  قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ: ما هَذا الشَأْنُ يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "يَغْفِرُ ذَنْبًا، ويُفَرِّجُ كَرْبًا، ويَرْفَعُ وَيَضَعُ"،» وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُ اليَهُودِ: إنَّ اللهَ اسْتَراحَ يَوْمَ السَبْتِ فَلا يَنْفُذُ فِيهِ شَيْئًا تَعالى عن قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَقَلانِ ﴾ عِبارَةٌ عن إتْيانِ الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ فِيهِ وقَضى أنْ يَنْظُرَ في أمْرِ عِبادِهِ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّ ثَمَّ شُغْلًا يَفْرَغُ مِنهُ، وإنَّما هي إشارَةُ وعِيدٍ، وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ  لِأزَبِّ العَقَبَةِ: أما واللهِ لَأفْرُغَنَّ لَكَ ما حَيِيتُ".» و"التَفَرُّغُ" مِن كُلِّ آدَمِيٍّ حَقِيقَةٌ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "سَنَفْرُغُ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الراءِ وقَرَأ الأعْرَجُ، وقَتادَةُ ذَلِكَ بِفَتْحِ الراءِ والنُونِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، ويُقالُ: فَرَغَ بِفَتْحِ الراءِ، وفَرَغَ بِكَسْرِها، ويَصِحُّ مِنهُما جَمِيعًا أنْ يُقالَ: يُفْرَغُ بِفَتْحِ الراءِ، وقَرَأ عِيسى بِكَسْرِ النُونِ وفَتْحِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُفْلى مُضَرٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمَزَهُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها وضَمِّ الراءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ -بِخِلافٍ- وأبُو حَيْوَةَ: " سَيُفْرَغُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ وبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا: "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ".

و"الثَقَلانِ": الجِنُّ والإنْسُ، يُقالُ لِكُلِّ ما يَعْظُمُ أمْرُهُ: ثَقِيلٌ، ومِنهُ "وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها"، وقالَ النَبِيُّ  : « "إنِّي تارِكٌ فِيكُمُ الثِقْلَيْنِ كِتابَ اللهِ وعِتْرَتِي"،» ويُقالُ لِبَيْضِ النَعامِ: ثَقَلٌ، قالَ لَبِيدٌ: فَتَذَكَّرا ثَقَلًا...............................

وقالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: سُمِّيَ الجِنُّ والأُنْسُ ثَقَلَيْنِ لِأنَّهُما ثَقُلا بِالذُنُوبِ، وهَذا بارِعٌ يَنْظُرُ إلى خَلْقِهِما مِن طِينٍ ونارٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "أيُّهَ الثَقَلانِ" بِضَمِّ الهاءِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ - فَقالَ الطَبَرِيُّ: قالَ قَوْمٌ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَكُمْ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ، قالُوا: وهَذِهِ حِكايَةٌ عن حالِ يَوْمِ القِيامَةِ، "يَوْمَ التَنادِ" عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِشَدِّ الدالِّ، قالَ الضَحّاكُ: وذَلِكَ أنَّهُ يَفِرُّ الناسُ في أقْطارِ الأرْضِ، والجِنُّ كَذَلِكَ، لِما يَرَوْنَ مِن هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَيَجِدُونَ سَبْعَةَ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ قَدْ أحاطَتْ بِالأرْضِ فَيَرْجِعُونَ مِن حَيْثُ جاؤُوا، فَحِينَئِذٍ يُقالُ لَهُمْ: ﴿ يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: بَلْ هي مُخاطَبَةٌ في الدُنْيا، والمَعْنى: إنِ اسْتَطَعْتُمُ الفِرارَ مِنَ المَوْتِ بِأنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ اسْتَطَعْتُمْ بِأذْهانِكم وفِكْرِكم أنْ تُنَفِّذُوا فَتَعْلَمُوا عِلْمَ أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ، و"الأقْطارُ": الجِهاتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فانْفُذُوا" صِيغَتُةُ الأمْرُ ومَعْناهُ التَعْجِيزُ.

و"السُلْطانُ" هو القُوَّةُ عَلى غَرَضِ الإنْسانِ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الأعْظَمِ مِنَ الأمْرِ والحُجَجِ أبَدًا مِنَ القَوِيِّ في الأُمُورِ، فَلِذَلِكَ يُعَبِّرُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَنِ السُلْطانِ بِأنَّهُ الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: السُلْطانُ هُنا المَلِكُ، ولَيْسَ لَهم مَلِكٌ.

و"الشُواظُ": لَهَبُ النارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو بْنُ العَلاءِ: لا يَكُونُ الشُواظُ إلّا مِنَ النارِ وشَيْءٌ مَعَها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكَذَلِكَ النارُ كُلُّها لا تُحَسُّ إلّا وشَيْءٌ مَعَها.

وقالَ مُجاهِدٌ: الشُواظُ هو اللهَبُ الأخْضَرُ المُتَقَطِّعُ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ يَهْجُو أُمِّيَّةَ بْنَ أبِي الصَلْتِ: هَجَوْتُكَ فاخْتَضَعْتَ حَلِيفَ ∗∗∗ ذُلٍّ بِقافِيَةٍ تَأجَّجُ كالشُواظِ وَقالَ الضَحّاكُ: هو الدُخّانُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ اللهَبِ ولَيْسَ بِدُخانِ الحَطَبِ وقَرَأ الجُمْهُورُ: "شُواظٌ" بِضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وحْدَهُ، وشِبْلُ، وعِيسى: "شِواظُ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهُما لُغَتانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: النُحاسُ: الدُخانُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تُضِيءُ كَضَوْءِ سِراجِ السَلِيـ ∗∗∗ ـطِ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ فِيهِ نُحاسًا والسَلِيطُ: دُهْنُ الشَيْرَجِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَنُحاسٌ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "شُواظٌ"، فَمَن قالَ إنَّ النُحاسَ هو المَعْرُوفُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا- قالَ: ويُرْسَلُ عَلَيْهِما نُحاسٌ، أيْ: يُذابُ ويُرْسَلُ عَلَيْهِما، ومَن قالَ هو الدُخانُ قالَ: يُعَذَّبُونَ بِدُخانٍ يُرْسَلُ عَلَيْهِما.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والنَخْعِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَنُحاسٍ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وهَذا مُسْتَقِيمٌ عَلى ما حَكَيْناهُ عن أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ومَن رَأى أنَّ الشُواظَ يَخْتَصُّ بِالنارِ قَدَّرَ هُنا: وشَيْءٍ مِن نُحاسٍ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنِحاسٍ" بِكَسْرِ النُونِ والجَرِّ، وعن عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ أبِي بَكَرَةَ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحُسٌ" بِفَتْحِ النُونِ وضَمِّ الحاءِ والسِينِ المُشَدَّدَةِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ونَقْتُلُ بِالعَذابِ، وعنأبِي جُنْدُبٍ أنَّهُ قَرَأ: "وَنَحْسٌ" كَما تَقُولُ: يَوْمَ نَحْسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو مِثْلَ قِراءَةِ مُجاهِدٍ عن طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وذَلِكَ لُغَةٌ في نُحاسٍ، وقِيلَ: هو جَمْعُ نَحْسٍ، ومَعْنى الآيَةِ مُسْتَمِرٌّ في تَعْجِيزِ الجِنِّ والإنْسِ، أيْ: أنْتُما بِحالِ مَن يُرْسَلُ عَلَيْهِ هَذا فَلا يَنْتَصِرانِ.

<div class="verse-tafsir"

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتْ وَرْدَةًۭ كَٱلدِّهَانِ ٣٧ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨ فَيَوْمَئِذٍۢ لَّا يُسْـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٌۭ وَلَا جَآنٌّۭ ٣٩ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠ يُعْرَفُ ٱلْمُجْرِمُونَ بِسِيمَـٰهُمْ فَيُؤْخَذُ بِٱلنَّوَٰصِى وَٱلْأَقْدَامِ ٤١ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢ هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٤٣ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍۢ ٤٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِهانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عن ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ جَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ مَقْصُودٌ بِهِ الإبْهامَ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَإذا انْشَقَّتِ السَماءُ فَما أعْظَمَ الهَوْلَ، وانْشِقاقُ السَماءِ انْفِطارُها عِنْدَ القِيامَةِ، وقالَ قَتادَةُ: السَماءُ اليَوْمَ خَضْراءُ وهي يَوْمَ القِيامَةِ حَمْراءُ، فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَرْدَةً" أيْ: كَحُمْرَةِ الوَرْدِ، وهو النَوّارُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ الزَجّاجِ والرُمّانِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ، والضَحّاكُ: هي مِن لَوْنِ الفَرَسِ الوَرْدِ، فَأنَّثَ لِكَوْنِ السَماءِ مُؤَنَّثَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "كالدِهانِ" - فَقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، قالُوا: وذَلِكَ أنَّ السَماءَ يَعْتَرِيها يَوْمَ القِيامَةِ ألْوانٌ وذَوْبٌ وتَمَيُّعٌ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: شَبَّهَ لَمَعانَها بِلَمَعانِ الدُهْنِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: الدِهانُ: الجِلْدُ الأحْمَرُ، وبِهِ شَبَهُها، وأنْشَدَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: يَبِعْنَ الدِهانَ الحُمْرَ كُلَّ عَشِيَّةٍ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ أو بِسُوقِ عُكاظِ وقَوْلُهُ تَعالى: "لا يُسْئَلُ" نَفْيٌ لِلسُّؤالِ، وفي القُرْآنِ الكَرِيمِ آياتٌ تَقْتَضِي أنَّ في القِيامَةِ سُؤالًا وآياتٍ تَقْتَضِي نَفْيَهُ كَهَذِهِ وغَيْرِها، فَقالَ بَعْضُ الناسِ: ذَلِكَ في مُواطِنَ دُونَ مُواطِنَ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما - وهو الأظْهَرُ في ذَلِكَ-: أنَّ السُؤالَ مَتى أُثْبِتَ فَهو بِمَعْنى التَقْرِيرِ والتَوْبِيخِ، ومَتى نُفِيَ فَهو بِمَعْنى الِاسْتِخْبارِ المَحْضِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقالَ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: لا تَسْألُ المَلائِكَةُ عنهم لِأنَّهم يُعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ، والسِيما الَّتِي يُعْرَفُ بِها المُجْرِمُونَ هي سَوادُ الوُجُوهِ وزُرْقَةُ العُيُونِ في الكَفَرَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ هَذا مِنَ التَشْوِيهاتِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يُؤْخَذُ كُلُّ كافِرٍ بِناصِيَتِهِ وقَدَمِهِ فَيُطْوى ويُجْمَعُ كالحَطَبِ، ويُلْقى كَذَلِكَ في النارِ، وقالَ النِقّاشُ: رُوِيَ أنَّ هَذا الطَيَّ عَلى ناحِيَةِ الصُلْبِ قَعَسًا، وقالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ عَلى ناحِيَةِ الوَجْهِ، قالُوا: فَهَذا مَعْنى: ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَواصِي والأقْدامِ ﴾ ، وقالَ قَوْمٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: إنَّما يُسْحَبُ الكَفَرَةُ سَحْبًا، فَبَعْضُهم يُجَرُّ بِقَدَمَيْهِ، وبَعْضُهم بِناصِيَتِهِ، فَأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الأخْذَ يَكُونُ بِالنَواصِي ويَكُونُ بِالأقْدامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَذِهِ جَهَنَّمُ" قَبْلَها مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهم عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيرِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُما بِها تُكَذِّبانِ، تَصْلَيانِها لا تَمُوتانِ فِيها ولا تَحْيَيانِ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "يَطُوفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "يُطَوَّفُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يُطافُونَ"، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ أنَّهم يَتَرَدَّدُونَ بَيْنَ نارِ جَهَنَّمَ وجَمْرِها وبَيْنَ حَمِيمٍ، وهو ما غُلِيَ في جَهَنَّمَ مِن مائِعٍ عَذابُها، و"الحَمِيمُ": الماءُ السُخْنُ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّ العَذابَ الَّذِي هو الحَمِيمُ يَغْلِي مُنْذُ خَلْقِ اللهِ تَعالى جَهَنَّمَ، وأنى الشَيْءَ: خَضُرَ، وأنى اللَحْمَ أو ما يُطْبَخُ أو يَغْلِي: نَضُجَ وتَناهى حَرُّهُ والمُرادُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُوَنَ مِن هَذا ومِن هَذا، وكَوْنُهُ مِنَ الثانِي أبْيَنُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: {غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ}، ومِنَ المَعْنى الآخَرِ قَوْلُ الشاعِرِ: ............

∗∗∗ أنى ولِكُلِّ حامِلَةٍ تَمامُ وَيُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في المَعْنَيَيْنِ قَرِيبًا بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، والأوَّلُ أعَمُّ مِنَ الثانِي.

<div class="verse-tafsir"

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ ٤٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٧ ذَوَاتَآ أَفْنَانٍۢ ٤٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٩ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ٥٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥١ فِيهِمَا مِن كُلِّ فَـٰكِهَةٍۢ زَوْجَانِ ٥٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٣ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشٍۭ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍۢ ۚ وَجَنَى ٱلْجَنَّتَيْنِ دَانٍۢ ٥٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٥ فِيهِنَّ قَـٰصِرَٰتُ ٱلطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ ٥٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٧

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ" يُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ عَلى جَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالخَوْفِ الزاجِرِ عن مَعاصِي اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ تَقَعَ لِواحِدٍ مِنهُمْ، وبِحَسَبِ هَذا قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ كُلَّ خائِفٍ لَهُ جَنَّتانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ جَمِيعَ الخائِفِينَ لَهم جَنَّتانِ، و"المَقامُ" هو وُقُوفُ العَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ تَعالى، يُفَسِّرُهُ: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الناسُ لِرَبِّ العالَمِينَ  ﴾ ، وأضافَ المَقامُ إلى اللهِ تَعالى مِن حَيْثُ هو بَيْنَ يَدَيْهِ.

قالَ الثَعْلَبِيُّ: "مَقامَ رَبِّهِ" قِيامُهُ عَلى العَبْدِ، بَيانُهُ ﴿ أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ  ﴾ ، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذا المَعْنى عن مُجاهِدٍ، وفي هَذِهِ الإضافَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صُعُوبَةِ المَوْقِفِ، وتَحْرِيضٌ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو أسْرَعُ المَطايا إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ جَنَّةً واحِدَةً وثَنّى عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ  ﴾ ، وقَوْلُ الحَجّاجِ: يا غُلامُ اضْرِبا عُنُقَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ مَعْنى التَثْنِيَةِ مُتَّجِهٌ بِلا وجْهٍ لِلْفِرارِ إلى هَذِهِ الشاذَّةِ، ويُؤَيِّدُ التَثْنِيَةَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَواتا أفْنانٍ ﴾ وهي تَثْنِيَةُ "ذاتِ" لِأنَّ أصْلَ "ذاتٍ" ذَواتٌ.

و"الأفْنانِ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعٌ فَنَنٍ وهو الغُصْنُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِظِلالِها وتَكاثَفَ أغْصانَها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ فَنٍّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، فَكَأنَّهُ تَعالى مَدَحَها بِكَثْرَةِ أنْواعِ فَواكِهِها ونَعِيمِها.

و"زَوْجانِ" مَعْناهُ: نَوْعانِ، و"مُتَّكِئِينَ" حالٌ، إمّا مِن مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: يَتَنَعَّمُونَ مُتَّكِئِينَ وإمّا مِن قَوْلِهِ تَعالى: "وَلِمَن خافَ"، و"الِاتِّكاءُ": جَلْسَةُ المُتَنَعِّمِ المُتَمَتِّعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فُرُشٍ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فُرْشٍ" بِسُكُونِ الراءِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ  : هَذِهِ البَطائِنُ مِن إسْتَبْرَقٍ فَكَيْفَ الظَواهِرُ؟

قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هِيَ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ"،» و"الإسْتَبْرَقُ" ما خَشُنَ وحَسُنَ مِنَ الدِيباجِ، و"السُنْدُسُ" ما رَقَّ مِنهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظَةِ الإسْتَبْرَقِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "مِن اسْتَبْرَقٍ" عَلى أنَّهُ فِعْلٌ والألِفُ وصْلٌ.

"والجَنى" ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ، ووَصَفَهُ بِالدُنُوِّ لِأنَّهُ فِيما رُوِيَ في الحَدِيثِ يَتَناوَلُهُ الرَجُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ مِن قِيامٍ أو جُلُوسٍ أوِ اضْطِجاعٍ لِأنَّهُ يَدْنُو إلى مُشْتَهِيهِ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: " فِيهِنَّ" لِلْفُرْشِ، وقِيلَ: لِلْجَنّاتِ؛ إذِ الجَنَّتانِ جَنّاتٌ في المَعْنى.

و: "قاصِراتُ الطَرْفِ" هُنَّ الحُورُ العَيْنُ قَصَرْنَ ألْحاظَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَنِ الكِسائِيِّ وحْدَهُ، وطَلْحَةُ، وعِيسى، وأصْحابُ عَلَيٍّ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "يَطْمِثُهُنَّ" بِضَمِّ المِيمِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يَطْمِثُهُنَّ" بِكَسْرِ المِيمِ، والمَعْنى: لَمْ يَفْتَضِضْهُنَّ؛ لِأنَّ الطَمْثَ دَمُ الفَرْجِ فَيُقالُ لِدَمِ الحَيْضِ: طَمْثٌ، ويُقالُ لِدَمِ الِافْتِضاضِ: طَمْثٌ، فَإذا نُفِيَ الطَمْثُ فَقَدْ نُفِيَ القُرْبُ مِنهُنَّ بِجِهَةِ الوَطْءِ، قالَ الفَرّاءُ: لا يُقالُ "طَمْثٌ" إلّا إذا افْتَضَّ، وقالَ غَيْرُهُ: "طَمْثٌ" مَعْناهُ: جامَعَ بِكْرًا أو غَيْرَها.

واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وَلا جانَّ" - فَقالَ مُجاهِدٌ: الجِنُّ قَدْ تُجامِعُ نِساءَ البَشَرِ مَعَ أزْواجِهِنَّ إذا لَمْ يَذْكُرِ الزَوْجُ اللهَ تَعالى، فَتَنْفِي هَذِهِ الآيَةُ جَمِيعَ المُجامَعاتِ، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ: الجِنُّ في الجَنَّةِ لَهم قاصِراتُ الطَرْفِ مِنَ الجِنِّ نَوْعُهُمْ، فَنَفى في هَذِهِ الآيَةِ الِافْتِضاضَ عَنِ البُشْرَياتِ والجِنِّيّاتِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يَكُونَ مُبالَغَةً وتَأْكِيدًا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ شَيْءٌ، أرادَ العُمُومَ التامَّ لَكِنَّهُ صَرَّحَ مِن ذَلِكَ بِالَّذِي يَعْقِلُ مِنهُ أنْ يَطْمِثَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والطَبَرِيُّ: إنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ما طَمَثَ هَذا البَعِيرُ حَبْلَ قَطُّ، أيْ: ما مَسَّهُ، فَإنَّ كانَ هَذا المَعْنى: ما أدْماهُ حَبْلٌ، فَهو يَقْرُبُ مِنَ الأوَّلِ، وإلّا فَهو مَعْنًى آخَرُ غَيْرُ ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "وَلا جَأْنٌ" بِالهَمْزِ.

<div class="verse-tafsir"

كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ ٥٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٥٩ هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَـٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَـٰنُ ٦٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦١ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ٦٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٣ مُدْهَآمَّتَانِ ٦٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٥ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ٦٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٧ فِيهِمَا فَـٰكِهَةٌۭ وَنَخْلٌۭ وَرُمَّانٌۭ ٦٨ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٦٩

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُدْهامَّتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ "الياقُوتُ والمَرْجانُ" مِنَ الأشْياءِ الَّتِي قَدْ بَرَعَ حُسْنُها، واسْتَشْعَرَتِ النُفُوسُ جَلالَتُها، فَوَقَعَ التَشْبِيهُ بِها لا في جَمِيعِ الأوصافِ لَكِنْ فِيما يُشَبَّهُ ويَحْسُنُ بِهَذِهِ المُشَبَّهاتِ، فالياقُوتُ في إمْلاسِهِ.

وشُفُوفِهِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  في صِفَةِ المَرْأةِ مِن نِساءِ أهْلِ الجَنَّةِ: « "يَرى مُخَّ ساقِها مِن وراءِ العَظْمِ"،» والمَرْجانُ في إمْلاسِهِ وجَمالِ مَنظَرِهِ، وبِهَذا النَحْوِ مِنَ النَظَرِ سَمَّتِ العَرَبُ النِساءَ بِهَذِهِ الأشْياءِ كَدُرَّةِ بِنْتِ أبِي لَهَبٍ، ومَرْجانَةَ أُمِّ سَعِيدٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانِ ﴾ آيَةٌ، وعَدَ وبَسَطَ لِنُفُوسِ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّها عامَّةٌ، قالَ ابْنُ المُنْكَدِرِ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: هي لِلْبَرِّ والفاجِرِ، والمَعْنى: أنَّ جَزاءَ مَن أحْسَنَ بِالطاعَةِ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ بِالتَنْعِيمِ، وحَكى النَقّاشُ «أنَّ النَبِيَّ  فَسَّرَ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: "هَلْ جَزاءُ التَوْحِيدِ إلّا الجَنَّةُ"؟» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى "مِن دُونِهِما"، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ أنَّ هاتَيْنِ دُونَ تَيْنِكَ في المَنزِلَةِ والقَدْرِ، والأُولَيانِ جَنَّتا السابِقِينَ والأُخْرَيانِ جَنَّتا أصْحابِ اليَمِينِ، قالَ الرُمّانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الجَنّاتُ الأرْبَعُ لِلْخائِفِ مَقامَ رَبِّهِ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: الأُولَيانِ لِلسّابِقِينَ والأُخْرَيانِ لِلتّابِعِينَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: مِن دُونِهِما في القُرْبِ إلى المُنْعِمِينَ، وهاتانِ المُؤَخِّرَتانِ في الذِكْرِ أفْضَلُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ وصَفَ عَيْنِيَّ هَذِهِ بِالنَضْخِ والأُخْرَيَيْنِ بِالجَرْيِ فَقَطْ، وجَعَلَ هاتَيْنِ مُدْهامَّتَيْنِ مِن شِدَّةِ النِعْمَةِ والأُولَيَيْنِ ذَواتا أفْنانٍ، وكُلُّ جَنَّةٍ ذاتُ أفْنانٍ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُدْهامَّةً.

وأكْثَرُ الناسِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، وهَذِهِ اسْتِدْلالاتٌ لَيْسَتْ بِقَواطِعَ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: جَنَّتانِ لِلْمُقَرَّبِينَ مِن ذَهَبٍ، وجَنَّتانِ لِأهْلِ اليَمِينِ مِن فِضَّةٍ هُما دُونَ الأوَّلِينَ.

و"مُدْهامَّتانِ" مَعْناهُ: قَدْ عَلا لَوْنَها دُهْمَةٌ وسَوادٌ مِنَ النَضْرَةِ والخُضْرَةِ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى المِنبَرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى  ﴾ ﴿ فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى  ﴾ .

و"النَضّاخَةُ": الفَوّارَةُ الَّتِي يَهِيجُ ماؤُها، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى: نَضّاخَتانِ بِأنْواعِ الفاكِهَةِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وكَرَّرَ تَعالى "النَخْلُ والرُمّانُ" لِأنَّهُما لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ، وقالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ وغَيْرُهُ، كَرَّرَهُما - وهُما مِن أفْضَلِ الفاكِهَةِ - تَشْرِيفًا لَهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌۭ ٧٠ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧١ حُورٌۭ مَّقْصُورَٰتٌۭ فِى ٱلْخِيَامِ ٧٢ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٣ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌۭ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّۭ ٧٤ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٥ مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍۢ وَعَبْقَرِىٍّ حِسَانٍۢ ٧٦ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٧٧ تَبَـٰرَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِى ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ ٧٨

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ﴾ ﴿ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ﴾ ﴿ تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴾ "خَيْراتٌ" جَمْعُ "خَيْرَةٍ" وهي أفْضَلُ النِساءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَقَدْ طَعنتُ مَجامِعَ الرَبَلاتِ رَبَلاتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلِكاتِ وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ أخْبِرْنِي عن قَوْلِهِ تَعالى: "خَيْراتٌ حِسانٌ "، قالَ: "خَيْراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الوُجُوهِ"» وقَرَأ أبُو بَكْرِ بْنِ حَبِيبٍ السَهْمِيُّ: "خَيِّراتٌ" بِشَدّ الياءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَقْصُوراتٌ" مَعْناهُ: مَحْجُوباتٌ مَصُوناتٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَمْدَحُ النِساءَ بِمُلازَمَةِ البُيُوتِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ..........

∗∗∗ وتَغْفُلُ عن إتْيانِهِنَّ فَتُعْذَرُ يَصِفُ أنَّ جِيرانَها يَزُرْنَها ولا تَزُورُهُنَّ، ويُرْوى أنَّ بَيْتَ الأعْشى قَدْ ذَمَّ، وهو قَوْلُهُ: كَأنَّ مِشْيَتَها مِن بَيْتِ جارَتِها ∗∗∗ مَرُّ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ فَقِيلَ في ذَمِّهِ: هَذِهِ جَوّالَةٌ خَرّاجَةٌ ولّاجَةٌ، ومِن مَدْحِ القَصْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ: وأنْتِ الَّتِي حَبَّبْتِ كُلَّ قَصِيرَةٍ ∗∗∗ إلَيَّ ولَمْ تَشْعُرْ بِذاكَ القَصائِرُ أُرِيدُ قَصِيراتِ الحِجالِ ولَمْ أُرِدْ ∗∗∗ قِصارَ الخُطى، شَرُّ النِساءِ البَحاتِرُ وقالَ الحَسَنُ: مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ: لَيْسَ بِطَوّافاتٍ في الطُرُقِ.

و"الخِيامِ": البُيُوتُ مِنَ الخَشَبِ والثُمامِ وسائِرِ الحَشِيشِ، وهي بُيُوتُ المُرْتَحِلِينَ مِنَ العَرَبِ.

وخِيامُ الجَنَّةِ: بُيُوتُ اللُؤْلُؤِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هي دُرٌّ مُجَوَّفٌ، ورَواهُ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ  ، وإذا كانَ عِنْدَ المَسْكَنِ عِنْدَ العَرَبِ مَن شِعْرٍ فَهو بَيْتٌ، ولا يُقالُ لَهُ خَيْمَةٌ، ومِن هَذا قَوْلُ جَرِيرٍ: مَتى كانَ الخِيامُ بِذِي طُلُوحٍ ∗∗∗ سَقَيْتُ الغَيْثَ أيَّتُها الخِيامُ وَمِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: أمْرَخٌ خِيامُهم أمْ عُشُرُ؟....

فاسْتَفْهَمَ: هَلْ هم مُنْجِدُونَ أمْ غائِرُونَ؟

لِأنَّ العُشُرَ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في تِهامَةَ والمَرْخُ مِمّا لا يَنْبُتُ إلّا في نَجْدٍ.

و"الرَفْرَفُ": ما تَدَلّى مِنَ الأسْرَةِ مِن غالِي الثِيابِ والبَسْطِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: الرَفْرَفُ رِياضُ الجَنَّةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ وأبْيَنُ، ووَجْهُ قَوْلِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ مِن: رَفَّ النَبْتُ إذا نَعُمَ وحَسُنَ.

وما تَدَلّى حَوْلَ الخِباءِ مِنَ الخِرْقَةِ الشَفّافَةِ يُسَمّى رَفْرَفًا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيهِ الناسُ اليَوْمَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الرَفْرَفُ: المَرافِقُ، و"العَبْقَرِيُّ": بُسُطٌ حِسانٌ فِيها صُوَرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ تُصْنَعُ بِعَبْقَرٍ، وهو مَوْضِعٌ يَعْمَلُ فِيهِ الوَشْيُ والدِيباجُ ونَحْوُهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ: الزَرابِيُّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي الطَنافِسُ، وقالَ مُجاهِدٌ: هي الدِيباجُ الغَلِيظُ، وقَرَأ زُهَيْرٌ الفَرْقَبِيُّ: "رَفارِفُ" بِالجَمْعِ وتَرْكِ الصَرْفِ، وقَرَأ أبُو طَمِعَةَ المَدَنِيُّ، وعاصِمٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ-: "رَفارِفٍ" بِالصَرْفِ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ "رَفارِفٍ وعَباقِرِيٍّ" بِالجَمْعِ والصَرْفِ، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ  ، وغَلِطَ الزَجّاجُ والرُمّانِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَرَأ أيْضًا عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "عَباقَرَيَ" بِفَتْحِ القافِ والياءِ، وهَذا عَلى أنَّ اسْمَ المَوْضِعِ "عَباقَرَ" بِفَتْحِ القافِ، والصَحِيحُ في اسْمِ المَوْضِعِ "عَبْقَرَ"، قالَ امْرُؤُ القَيْسَ: كَأنَّ صَلِيلَ المَرْوِ حِينَ تَشُذُّهُ ∗∗∗ صَلِيلُ زُيُوفٍ يَنْتَقِدْنَ بِعَبْقَرا قالَ الخَلِيلُ والأصْمَعِيُّ: العَرَبُ إذا اسْتَحْسَنَتْ شَيْئًا واسْتَجادَتْهُ قالَتْ: عَبْقَرِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "فَلَمْ أرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ الناسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ "» وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَبْقَرِيُّ سَيِّدُ القَوْمِ وعَيْنُهُمْ، وقالَ زُهَيْرٌ: بِخَيْلٍ عَلَيْها جَنَّةُ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا ويُقالُ: عَبْقَرٌ: مَسْكَنٌ لِلْجِنِّ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ: حَتّى كَأنَّ رِياضَ القُفِّ ألْبَسُها ∗∗∗ مِن وشْيِ عَبْقَرَ تَجْلِيلٌ وتَنْجِيدُ وقَرَأ الأعْرَجُ: "خُضُرٌ" بِضَمِّ الضادِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "ذِي الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الرَبِّ"، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأهْلُ الشامِ: "ذُو الجَلالِ" عَلى اتِّباعِ "الِاسْمِ"، وكَذَلِكَ في الأوَّلِ، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "ذِي الجَلالِ" في المَوْضِعَيْنِ، وهَذا المَوْضِعُ مِمّا أُرِيدَ فِيهِ بِالِاسْمِ مُسَمّاهُ، والدُعاءُ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ حَسَنٌ مَرْجُوُّ الإجابَةِ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : « "ألَظُّوا بَيا ذا الجَلالِ والإكْرامِ"».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَحْمَنِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله