الإسلام > القرآن > تفسير > المحرر الوجيز > سورة 56 الواقعة > الآيات ٥١-٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 6 دقيقة قراءةوَقوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضالُّونَ المُكَذِّبُونَ ﴾ ﴿ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ ﴾ ﴿ فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحَمِيمِ ﴾ ﴿ فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ ﴾ ﴿ هَذا نُزُلُهم يَوْمَ الدِينِ ﴾ ﴿ نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ﴾ ﴿ أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ ﴾ ﴿ أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ ﴿ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ ﴿ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: "ثُمَّ إنَّكُمْ" مُخاطَبَةٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن كانَ في حالِهِمْ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن شَجَرٍ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن زَقُّومٍ" لِبَيانِ الجِنْسِ، والضَمِيرُ فِي: "مِنها" عائِدٌ عَلى الشَجَرِ، و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، والضَمِيرُ في "عَلَيْهِ" عائِدٌ عَلى المَأْكُولِ أو عَلى الأكْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَآكِلُونَ مِن شَجَرَةٍ" عَلى الإفْرادِ.
و"الهِيمِ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: هو جَمْعُ "أهْيَمُ" وهو الجَمَلُ الَّذِي أصابَهُ الهُيامُ -بِضَمِّ الهاءِ- وهو داءٌ مُعَطِّشٌ يَشْرَبُ مَعَهُ الجُمَلُ حَتّى يَمُوتَ أو يُسْقَمَ سَقَمًا شَدِيدًا، والأُنْثى هَيْماءُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ هَيْماءَ كَعَيْناءَ وعَيْنَ وبَيْضاءَ وبِيضَ، وقالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: هو جَمْعُ هايمٌ وهايِمَةٌ، وهَذا أيْضًا مِن هَذا المَعْنى لِأنَّ الجَمَلَ إذا أصابَهُ ذَلِكَ هامَ عَلى وجْهِهِ وذَهَبَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وسُفْيانُ الثَوْرِيُّ: الهِيمُ هُنا الرِمالُ الَّتِي لا تُرْوى مِنَ الماءِ، وذَلِكَ أنَّ الهُيامَ -بِفَتْحِ الهاءِ- هو الرَمْلُ الدَقُّ الغَمْرُ المُتَراكِمُ، وقالَ ثَعْلَبُ: الهُيامُ: -بِضَمِّ الهاءِ- الرَمْلُ الَّذِي لا يَتَماسَكُ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "شَرِبَ الهِيمَ" بِفَتْحِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وشُعَيْبِ بْنِ الحَبْحابِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ مَصْدَرٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "شِرْبُ الهِيمِ" بِكَسْرِ الشِينِ، ولا خِلافَ أنَّهُ اسْمٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وباقِي السَبْعَةِ: "شُرْبَ الهِيمِ" بِضَمِّ الشِينِ، واخْتُلِفَ فِيهِ - فَقالَ قَوْمٌ: وهو مَصْدَرٌ، وقالَ آخَرُونَ: هو اسْمٌ لِما يُشْرَبُ.
وَ"النُزُلُ": أوَّلُ ما يَأْكُلُ الضَيْفُ، وقَرَأ عَمْرُو -فِي رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ -: "نُزُلُهُمْ" بِسُكُونِ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ، واليَزِيدِيُّ عن أبِي عَمْرٍو بِضَمِّ الزايِ، وهُما بِمَعْنى كالشُغْلِ والشُغُلِ.
و"الدِينُ": الجَزاءُ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ الخالِقُ، وحَضَّ عَلى التَصْدِيقِ عَلى وجْهِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ ساقَ تَعالى الحُجَّةَ المُوحِيَةَ لِلتَّصْدِيقِ، كانَ مُعْتَرِضًا مِنَ الكُفّارِ قالَ: ولِمَ أُصَدِّقُ؟
فَقِيلَ لَهُ: أفَرَأيْتَ كَذا وكَذا؟
الآياتُ، ولَيْسَ يُوجَدُ مَفْطُورٌ يَخْفى عَلَيْهِ أنَّ المَنِيَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ ولا إرادَةٌ ولا قُدْرَةٌ، و"أمْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ ﴾ لَيْسَتِ المُعادَلَةَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ ؛ لِأنَّ الفِعْلَ قَدْ تَكَرَّرَ، وإنَّما المُعادَلَةُ عِنْدَهُ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟
وهَذِهِ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ مُعادَلَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النُحاةِ.
وأمّا إذا تَغايَرَ الفِعْلانِ فَلَيْسَتْ بِمُعادَلَةٍ إجْماعًا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُمَنُّونَ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو السَمالِ: "تُمَنُّونَ" بِفَتْحِ التاءِ، ويُقالُ: "أمْنى الرَجُلُ ومَنّى" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "نَحْنُ قَدَّرْنا" بِشَدِّ الدالِ، وقَرَأ كُثَيِّرٌ وحْدَهُ: "نَحْنُ قَدَرْنا" بِتَخْفِيفِ الدالِّ، والمَعْنى فِيهِما يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: قَضَيْنا وأثْبَتْنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: سَوَّيْنا وعَدَلْنا التَقَدُّمُ والتَأخُّرُ، أيْ: جَعَلْنا المَوْتَ رُتَبًا، لَيْسَ يَمُوتُ العالَمُ دُفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِتَرْتِيبٍ لا يَعْدُوهُ أحَدٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ، أيْ: تَمُوتُ طائِفَةٌ ونُبْدِلُها بِطائِفَةٍ، هَكَذا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴾ عَلى تَبْدِيلِكم إنْ أرَدْناهُ، وإنْ نُنْشِئْكم بِأوصافٍ لا يَصِلُها عَمَلُكم ولا تُحِيطُ بِها فِكَرُكُمْ، قالَ الحَسَنُ: مِن كَوْنِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: تَأوَّلَ الحَسَنُ هَذا لِأنَّ الآيَةَ تَنْحُو إلى الوَعِيدِ، وجاءَتْ لِفَظَّةُ السَبْقِ هُنا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ : « "فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تَغْلِبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وصَلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا لا تَفُوتَنَّكُمْ"».
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "النَشْأةُ" بِسُكُونِ الشِينِ، وقَرَأ قَتادَةُ وأبُو الأشْهَبِ، وأبُو عَمْرٍو بِخِلافٍ-: "النَشاءَةَ" بِفَتْحِها وبِالمَدِّ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: أشارَ إلى خَلْقِ آدَمَ ووَقَفَ عَلَيْهِ لِأنَّكَ لا تَجِدُ أحَدًا يُنْكِرُ أنَّهُ مِن وُلِدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وأنَّهُ مِن طِينٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرادَ بِالنَشْأةِ الأُولى نَشْأةَ إنْسانٍ في طُفُولَتِهِ، فَيَعْلَمُ المَرْءُ نَشْأتَهُ كَيْفَ كانَتْ بِما يَرى مِن نَشْأةِ غَيْرِهِ.
ثُمَّ حَضَّضَ تَعالى عَلى التَذَكُّرِ والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مُشَدَّدَةَ الذالِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في اسْتِعْمالِ القِياسِ والحَضِّ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"